الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 311
- بتاريخ: 19 - 06 - 1939
من صور الماضي.
. .
كان الفلاح في القرن الماضي يكابد صِنفاً من الخَلق صورهم الله على مثال عجيب من خفة الصقور وفتكة النمور وهيئة الناس ليكونوا مذكرين بجبروته ومنذرين بعذابه! كانوا من الأرناءود أو الجركس؛ وكان عملهم جباية الضرائب على كل شيء، ومن كل شخص، وفي كل وقت، وبكل صورة؛ أو اقتحام الدور للبحث عن المحظور أو المحكور من الملح والصابون إذا اقتناهما أحد من غير طريق الحكومة. وكان سبيلهم إلى ذلك سبيل الإرهاب والعنف؛ فمتى دخل أحدهم قرية من القرى دخلها الفزع والروع فلا يملك السائر أن يتقدم، ولا الواقف أن يتكلم، ولا الداخل أن يخرج؛ ثم تخشع في القرية الحياة فلا تسمع حساً ولا حركة إلا هرير الكلاب وقوقأة الدجاج وصراخ الصِّبية! فإذا خرج منها (الجندي) كما كانوا يسمونه انطلقت من ورائه ضجة شديدة في البلد من بكاء المضروب وصراخ المنهوب ودعاء المضطرب!
فلما انتظمت أداة الحكومة بعد الثورة العرابية أنكمش هذا النوع حتى انحصر رهبوته في ضياع الأمراء و (جفالك) السادة. وكانت قريتنا وسبع قرى أخرى متجاورة قطائع لعلي باشا شريف في أواخر القرن الماضي؛ وكانت الإمارة والإدارة فيها لهؤلاء والأرناءود أو (الأرنطة) كما كنا نقول، ففرضوا عليها نظاماً في العيش أخذوه عن حياة الحيوان وعيشة العبد. فكان الناس، كما يحدثنا الباقون منهم، لا يملكون مالاً ولا حرية ولا حياة؛ وإنما كانوا يعملون بالتعذيب ويُغَلون بالكره، كما تعمل الماشية بلسعات السوط وهي صابرة، وتُغَلُّ الأرض بضربات الفأس وهي صامتة. وكان لفظ (المأمور) معناه الموت الذي لا عاصم منه ولا مهرب. ذلك أنه كان يخرج كل يوم على جواده إلى الحقول، شاكي السلاح، كاشر الوجه، منفوخ اللغاديد، مفتول الشارب، متوقد النظر، كأنه تمثال الرعب أو صورة الهُولة! ثم يسير متلفتاً ذات اليمين وذات الشمال لا لتفقد العمال ويتعهد الزروع، ولكن ليبحث عن إنسان يعذبه أو حيوان يضربه. والناس قد تعودوا منه ذلك فهم لا ينفكون طول النهار يرقبون ناحيته ويرصدون طريقه؛ حتى إذا أبصروه من بعيد غابوا في مخابئ الأرض كأنهم لم يكونوا! فإذا عاد من طوافه خائب السوط جلس أمام الدوار وأمر أن ترش الأرض وأن يلقي في وحلها من جاءه في طلب حاجة أو رفع مظلمة! ثم يصيح بالجلاد أن ينهال عليه بالكرباج، وهو في خلال ذلك يميد من الغضب ويبربر من الغيظ حتى تهدأ ثورته
وترضى كبرياؤه بعد لأي! وكان العمد والمشايخ منوطين به، فلا يسمعون الأمر والنهي إلا منه، ولا يرفعون مشاكل القرى وقضاياها إلا إليه. لذلك ظل أهلوها يجهلون أن لهم خديوياً غير علي شريف، و (نظاراً) غير نظار الزراعة، و (مأموراً) غير مأمور التفتيش. وكان هذا (الحاكم) كسائر بني جنسه مغلق الذهن مطبق الجهالة؛ يجهل الزراعة ولكنه يأمر، ولا يعلم القضية ولكنه يحكم، والجاني المحكوم عليه هو الذي يجرؤ على أن يعقِّب أو يعارض. وكان سادته لا يفوقونه في الذكاء ولا في الرحمة؛ فكانوا إذا زاروا هذه القرى - وقليلاً ما كانوا يزورون - تنكبوا بنادقهم وخرجوا يقتلون الوز في البرك، والحمام في الأجران، والكلاب على التلول والغربان على الشجر. ويراهم الناس فيرنون إليهم دهشين من طرابيشهم الحمر على وجوههم البيض، ويظنون أن وراء هذا الرواء جمال القلب وكرم النفس؛ فإذا دنوا منهم يسألونهم الإحسان والعدل زموا بأنوفهم ومضوا مستكبرين لا ينظرون ولا يجيبون!
أذكر وأنا صبي دون اليفاعة أن الناس كانوا يتحدثون عن جبار من هذا الطراز اسمه (زينل). كانوا عه كما يتحدثون عن البلاء، ويؤرخون بعهده كما يؤرخون بالوباء، لأنه أذلّ الفلاحين بالخوف والجوع، وأضاع شبابهم بين التربة والغربة. ولا تزال الألسنة هنا وهناك تتناقل هذه المأساة من مآسيه:
يقولون إنه كان في القرية من هذه القرى شاب لم تلد نساؤها أجمل منه وجهاً ولا أشجع منه قلباً ولا أرقعاطفة. وكان هذا الشاب بحكم شبابه وجماله وكرمه حبيباً لكل فتاة وصديقاً لكل فتى، ولكنه كان كلفاً ببنت عمه، فهي وحدها حافز عمله وغاية أمله وروح حياته
وفي ذات عشية من عشايا الصيف كان علي وليلى عائدين من الحقل وهما ينسمان بالحب الخالص، ويبسمان للغد المرجو، فغلبت على العاشق نشوة الطرب من جلال الطبيعة وجمال الفتاة، فقال وهو يقدم إليها آخر قطعة بقيت في يده من الحلاوة:
- ألا تشتهين شيئاً في الدنيا غير هذه الحلاوة يا ليلى؟
فقالت له ليلى بعد لحظة من الصمت الحالم:
- لا أشتهي بعد قربك يا علي إلا عنقوداً من العنب!
عنقود من العنب؟ إن الثريا أقرب إلى يديه من هذا العنقود! وهل رأى في دنياه العنب إلا
في حديقة (التفتيش)؟ وماذا يصنع والدنو من سياجها هلاك محقق؟ ولكن الحب لا يدرك البعيد ولا يعرف المستحيل. فكمن عليٌّ بعد رجوعه من الغيط في كومة من دريس (الوسية) حتى جنه الليل فقام يتسلق سور من جانبه المظلم، فما بلغ أعلاه سقط في الحديقة فكانت سقطته في يد الحارس!
وبات علي في سجن الدوار. وأصبح الصباح فجلس المأمور والمعاونون والنظار، ورشت الأرض، وطُرح الجاني، وتعاقبت على جسده المعرَّى عذبات الكرابيج، والناس من حوله يضجون بالبكاء ويضرعون بالرجاء؛ و (الأغوات) يتلذذون برؤية الدماء المنزوفة والدموع المذروفة، ويطربون لسماع الأنات الضارعة والصرخات المتصلة، حتى كلت يد الضارب وخفت صوت المضروب فحملوه إلى السجن. وشفع العمدة لأهله أن يأخذوه. فلما دخلوا عليه لم يجدوا فيه وا أسفاه إلا حشاشة نفس لفظها على صدر حبيبته أثناء الطريق!
أحمد حسن الزيات
كتاب فرويد عن موسى
للأستاذ عباس محمود العقاد
أشارت الأنباء البرقية منذ أسابيع إلى كتاب العلامة فرويد عن أصل موسى الكليم عليه السلام وكان يومئذ على وشك الصدور باللغة الإنجليزية
والعلامة فرويد كما هو معروف أستاذ الأساتذة العالميين في علم التحليل النفسي، بدأ بالكتابة فيه عند أوائل القرن الحاضر ثم تفرعت على مذهبه فيه مذاهب أتباعه ومريديه ومعارضيه تارة بالتوسع والتأييد، وتارة بالتعديل والتنقيح، وتارة بالمناقضة والتفنيد
ونحن على مخالفتنا إياه في الرجوع بكل خليقة من الخلائق وكل عارضة من عوارض النفس إلى الغريزة الجنسية، وعلى إيثارنا لآراء بعض مريديه ممن يضيفون إلى الغريزة الجنسية النزوع إلى امتداد الشخصية، وعلى مما في نظرته إلى الفنون والآداب من الضيق والجفاف، نعتقد أن الرجل قد أضاف إلى معارف الإنسان ذخيرة قيمة من التحقيقات والتوجيهات التي لا تضيع سدى ولا تزال موضعاً للتصحيح والإتقان على تعاقب الأيام
وقد صدر كتابه عن موسى الكليم بالإنجليزية فإذا هو أعجوبة الفروض والاحتمالات، أو باعترافه هو أعجوبة التلفيقات والتخمينات؛ إذ كان من المتعذر عليه أن يرجع إلى حقائق التاريخ أو أساليب العلم في الاستقصاء، فأعتمد على الفروض وقال بصريح العبارة إنه لا يعتمد على شيء غير الفروض
وربما كان العجب الأعجب في الكتاب أن مؤلفه من بني إسرائيل وهو يحاول ما يحاول للرجوع بنسب موسى عليه السلام إلى مصر لا إلى إسرائيل
ولهذا استهدف الرجل للغضب من أبناء قومه قبل الغضب من الأجانب عنه وممن يخالفونه في الرأي والاعتقاد
ظنه الأول قائم على الاسم ومنشأه من اللغتين العبرية والمصرية القديمة
فبعض العبريين يزعمون أن موسى مأخوذة من (موشى) العبرية بمعنى المنتشَلْ أو المرفوع، ويقولون إن بنت فرعون انتشلته من النيل فسمته لذلك بهذا الاسم الذي يدل عليه
وفرويد يشكك في تصريف الكلمة، ويشكك في سبب التسمية، ويقول إنه على فرض صحة المعنى المنسوب إليها بالعبرية فليس من المعقول أن ابنة فرعون كانت تعرف لغة إسرائيل
معرفة الفقهاء والنحاة المتعمقين في النحت والتصريف
أما الرأي الذي يؤثره فرويد فهو أن الكلمة مصرية عريقة معناها الطفل أو الابن، وأصلها البسيط (موس) باللغة المصرية القديمة، ولم يتغير معناها بعد ذلك في عصر من العصور
وقد كان المصريون يسمون أبناءهم تحوت موس أي طفل تحوت أو توت الإله المعروف
ويسمون أبناءهم بتاحموس أو أحموس ومعناها طفل بتاح ويسمونهم (راعموس) أي طفل راع وهو الاسم المشهور رعمسيس أو رمسيس
ثم كانت هذه الأسماء تختصر مع السرعة والترخيم والتدليل فيكتفي منها بالمقطع الأخير وهو (موس) أو موسى
وذلك على مثال الاكتفاء باسم (عبده) في نداء عبد الله وعبد الحميد وعبد الكريم، وعلى مثال جونسون وروبنصون وستيفنسون وموريسون واختصارها أحياناً بحذف مقطع منها في المناداة بين الأعزاء والأخصاء
فموسى على هذا هو اختصار اسم من هذه الاسماء، وهو لفظ عريق في لغة المصريين
والظن الثاني الذي يدعو فرويد إلى تخمينه هو فريضة الختان التي أخذها بنو إسرائيل من المصريين ولم تكن معروفة بينهم قبل هجرتهم من وادي النيل
فإذا كان بنو إسرائيل قد خرجوا من مصر ناقمين عليها وعلى أهلها فكيف يتشبهون بهم وهم خارجون منها أو خارجون عليها؟
إنما التأويل المعقول في رأي فرويد هو أن موسى كان أميراً مصرياً حانقاً على بني وطنه فهجره مع بني إسرائيل المتمردين ثم فرض عليهم عادات مصر وشعائرها فأطاعوه حباً ومجاملة واضطراراً ثم نكسوا في وادي التيه ومزجوا بعقيدته عقائد البادية فيما بين سيناء وفلسطين
ويعرض فرويد هنا كثيراً من الفروض والتخمينات ثم يرجح منها لأسباب يطول شرحها فرضاً يراه لتلك الأسباب قريب الاحتمال
ذلك الفرض هو أن موسى عليه السلام كان أميراً من أمراء البيت المالك على أيام الملك الموحد الداعي إلى الإله الفرد الصمد (أخناتون)
وإن أخناتون خلع من الملك واستبد خلفاؤه بأصحاب الأديان المخالفة لهم، فضاقت سبل
البلاد بموسى وهو على عقيدة التوحيد ولم يجد أمامه أحداً يثور به ويطاوعه في تأسيس دينه ودولته غير هؤلاء الغرباء من الإسرائيليين وهم مثله يشكون ويتململون، فوثبهم وهاجر بهم إلى الحدود المصرية في انتظار الفرصة السانحة أو في طلب الملك والعقيدة الصالحة بمعزل عن كهان الوثنيين
والذي يعزز هذا الاحتمال أن اللاويين من بني إسرائيل كانوا يتسمون بأسماء فرعونية لا علاقة لها باللغة العبرية، وما كان هؤلاء اللاويون إذن إلا حاشية الأمير وذوي قرباه، إذ كان من المستبعد جداً أن يهجر وطنه منفرداً بغير ولي ولا قريب
قلنا: بل هناك احتمال آخر كان أولى بفرويد أن يرجحه على ذلك الاحتمال
فلماذا لا يقول مثلاً إن موسى كان إسرائيلياً من أسرة الرؤساء في بني إسرائيل فرباه فرعون مصر على سنة الملوك في تربية أبناء الرؤساء الذين يدينون لهم بالطاعة ويعترفون لهم بالرعاية؟
أليس هذا الرأي أقرب إلى التوفيق بين النقيضين من عادات مصر وعادات إسرائيل؟ ألسنا قادرين بهذا الفرض أن نفهم اقتباس موسى للعادات التي درج عليها وغيَّرته على أبناء جنسه في آن؟
وقد عرض فرويد لنشوء التوحيد في مصر وهو أمر ثابت لا جدال فيه ولا اعتراض عليه
وقال فرويد: إن بوادر التوحيد ظهرت بين المصريين قبل ظهور أخناتون الذي أتم هذه العقيدة وأفرغها في قالبها المحفوظ
وعلة ذلك عند فرويد أن اتساع الإمبراطورية المصرية قد استدعى توحيد الإيمان بإله واحد كما استدعى توحيد الطاعة لملك واحد
فإن فرعون مصر ما كان ليطيق العبادات الكثيرة والأرباب المتعددة التي لا تجتمع إلى وحدة موصولة ولا تزال سبباً متجدداً من أسباب الفتنة والتفرق والعصيان، فجعل للإمبراطورية كلها داخلها وخارجها رباً واحداً تشترك فيه وتثوب إليه، وكان هذا مبعث التوحيد الأول على صورته الساذجة التي أصلحها أخناتون ثم تعاقب الرسل بإصلاحها بعد ذاك
تخمينات!
ولكنها تخمينات علماء مخلصين، وهي لهذا حقيقة بالنظر والاعتبار
عباس محمود العقاد
جناية أحمد أمين على الأدب العربي
للدكتور زكي مبارك
- 2 -
تعود الناس أن يسألوا: (ما الذي بين فلان وفلان؟) حين يرون غبار المعارك الأدبية؛ وقلَّ في الناس من يتصور أن تقوم معركة أدبية في سبيل الحق بين صديقين متصافيين كالذي أصنع اليوم في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين
والواقع أن ذلك الفهم لأسباب المعارك الأدبية هو صورة بشعة من ضعف الأخلاق عند من يتوهمون أن الأدباء لا يهجم بعضهم على بعض إلا طلباً لشفاء المكتوم من أمراض الحقد والبغضاء. . .
فما الذي بيني وبين الأستاذ أحمد أمين حتى يصح أن أهجم عليه هذا الهجوم العنيف؟
أنا لا أذكر أبداً أن هذا الرجل وجَّه إلي إساءة في محضر أو مغيب، وإنما أذكر أنه كان مثال الصديق الوفيّ الأمين في مواطن يستظهر فيها الصديق بالصديق، وتنفع فيها كلمة الإنصاف عند طغيان الأغراض
والواقع أيضاً أن الأستاذ أحمد أمين لم يعان متاعب الحيرة إلا فيما يقع بينه وبيني، فهو يقرأ ما أهجم به عليه من وقت إلى وقت فيضجر ويمتعض، ثم يراني بغتة فيقرأ في وجهي آيات من المودة لا يشوبها خداع ولا رياء، فتأخذه الحيرة والاندهاش
فما معنى ذلك؟
ألا يكون معناه أن لي مبادئ وعقائد أدفع عنها السوء ولو وقع من أعزّ الأصدقاء؟
ولكن ما هي المبادئ والعقائد التي أجاهد من أجلها في هذه الأيام. . .؟
أنا أومن بأن الأدب العربي أدب أصيل، وأعتقد أن من الواجب أن ندعو جميع أبناء العروبة إلى الاعتزاز بذلك الأدب الأصيل لأنه يستحق ذلك لقيمته الذاتية، ولأن الإيمان بأصالته يزيد في قوتنا المعنوية، ويرفع أنفسنا حين ننظر فنرى أن أسلافنا كانوا من المبتكرين في عالم الفكر والبيان
وقد درج الأستاذ أحمد أمين في الأيام الأخيرة على الغض من قيمة الأدب العربي، وكان من السهل أن نتركه يقول ما يشاء لو كان من عامة الأدباء، ولكنه اليوم رجل مسئول: لأنه
من أساتذة الأدب بالجامعة المصرية، ولأغلاطه سناد من تلك الأستاذية، فهو يقدر على زعزعة الثقة الأدبية في أنفس طلبة الجامعة حين يريد، وذلك خطر لا نسكت عليه رعاية لما بيننا وبينه من أواصر الوداد
فإن بدا لهذا الصديق أن يغضب من هجومنا عليه فأمامه طريق الخلاص: وهو الانسحاب من ميدان الدراسات الأدبية إلى أن يعرف أن الأدب لا يؤرخ على طريقة الارتجال
ولعل هذا الصديق يرجع إلى نفسه في بعض لحظات الصفاء فيذكر أنه لم يخلق ليكون أديباً، وأنه لم يفكر في دراسة الأدب دراسة جدية إلا بعد أن جاوز الأربعين
لو رجع هذا الصديق إلى نفسه لعرف أنه لا يجيد إلا حين يشغل وقته بتلخيص المذاهب الفقهية والكلامية
ولو شئت لكررت ما قلت في الكلمة الماضية من أن موقفه في جميع أبحاثه موقف (المقرَّر) ولم يستطع مرة واحدة أن يكون من المبتكرين في الدراسات الفقهية والكلامية
وإذا كان هذا حاله في الفقه والتوحيد، فكيف يكون حاله في الأدب، والأدب يرتكز على الحاسة الفنية، وهي حاسة لم توهب لهذا الرجل قبل اليوم، ولن توهب له بعد اليوم، لأنها من الهبات التي لا تنال بالدرس والتحصيل؟
أحمد أمين ليس بكاتب ولا أديب وإن سودّ الملايين من الصفحات
فليس من الإسراف ولا التجني أن ندعوه إلى الانسحاب من ميدان الدراسات الأدبية. وسيرى كيف نقفه حيث وقفه الله فلا يزعزع الثقة بماضي الأدب العربي لتصح كلمة المفترين في ذلك الماضي المجيد
أُيحكم على العصر العباسي بالفقر والخمود من أجل قالة خاطئة يتنفس بها أحمد أمين؟
أُيهدم ماضينا الأدبي بمحاولة رجل محروم من الذوق الأدبي؟
إن ذلك لا يقع إلا يوم يصح أن المصريين تنكروا لماضي اللغة العربية مرضاةً لمواطن عزيز يسره أن يتطاول على الأدب وهو غير أديب
وأغلب الظن أن المصريين يؤذيهم أن يقع ذلك وهم ينفقون الملايين من الدنانير كل عام في سبيل إعزاز الأدب العربي
والجامعة المصرية أمرها عجب!
في الجامعة المصرية تُدرَس الآداب الإنجليزية والفرنسية والفارسية والعبرانية واللاتينية واليونانية، ولتلك الآداب أساتذة يهمهم قبل كل شيء أن يوحوا إلى الشبان أنها آداب جديرة بالخلود. ولو رأت الجامعة المصرية أن تدرس اللغة الزنجية لوجدت أستاذاً يقول بأن لغة الزنوج أحسن اللغات فكيف تفردت اللغة العربية بالضيم والهوان في أنفس أساتذة الجامعة المصرية؟
وبأي حق يرضى أحد الأساتذة أن يقضي العمر في تدريس الأدب العربي وهو يراه (ينحدر مع التاريخ شيئاً فشيئاً ليكون أدب معدة)؟
ومن هذه النقطة نمسك بخناق الأستاذ احمد أمين
هذا الرجل ينظر إلى الأدب وإلى الوجود نظرة عاميّة، فهو يقسم الأدب إلى قسمين: أدب معدة وأدب روح
والسخرية من المعدة لا تقع إلا من رجل يفكر كما يفكر الأطفال. فالمعدة التي يحتقرها هذا الرجل العاميّ هي سر الوجود. وعن قوة المعدة تنشأ قوة الروح. والأدباء الكبار كانوا أصحاب معدات كبار. وسر العظمة عند فيكتور هوجو يرجع إلى معدته العظيمة، وما ضعف الغزالي في أحكامه الأخلاقية إلا لأنه ألف كتاب الأحياء وهو ممعود
والظاهر أن معدة أحمد أمين معدة ضعيفة، لأنه يواجه الوجود بعزائم الضعفاء؛ وإلا فكيف اتفق له أن يؤلف في الأخلاق بدون أن يستطيع الثورة على موروث الأخلاق؟
إن المباعدة بين المعدة والروح عقيدةٌ هندية الأصل، وتلك المباعدة هي التي قضت بأن يعيش الهنود فقراء. ولو احترم الهندي كما يحترم الإنجليزي معدته لما استطاع الإنجليز أن يكونوا سادة الهنود؟
أنا أعرف أن أحمد أمين يتخلق بأخلاق الأسماك. وآية ذلك أنه لم يُغضب الجمهور مرة واحدة. وهل اتفق للسمك أن يقاوم التيار مرة واحدة؟
وهيام أحمد أمين بتحقير المعدة نشأ من رغبته في مجاراة الرأي العام في الأخلاق السلبية، الرأي السخيف الذي يحمل الدراويش والرهبان أعظم أخلاقاً من تشمبرلن وهتلر وموسيليني، والذي يجل زهديات أبي العتاهية أشرف من غراميات الشريف الرضي
وهذه العلمية في التفكير هي التي فرضت على أحمد أمين رضى الله عنه أن يرى الغزل
الفاجر أدب معدة، على حين يرى وصف الطبيعة أدب روح.
وهذا الكلام ضعيف إلى أبشع حدود الضعف.
فالغزل القوي هو من شواهد الحيوية الدافقة في الرجال.
أما وصف الطبيعة فهو إحساس دقيق يأنس إليه من حرموا الأنس بالجمال الحساس الذي يملك التعبير عن العواطف والشهوات ولو شئتُ لاستشهدتُ بقول مؤلف (مدامع العشاق) إذ يقول:
(وماذا أصنع بالأشجار، والأزهار، والثمار والأنهار، والكواكب، والنجوم، والسهول، والحزون، والطيور الصوادح، والضباء السوانح؟
ماذا أصنع بكل أولئك إذا لم يكن معي إنسان أطارحه القول وأساجله الحديث، وأساقيه صهباء هذا الوجود؟
وما قيمة الليل إن لم تظلني في الحب ظلماؤه؟ وما قيمة البدر إن لم يذكرني بالثغر لألاؤه؟ وما جمال الأغصان إن لم تهزني إلى ضم القدود؟ وما حسن الأزهار إن لم تشقني إلى لثم الخدود؟ وكيف أميل إلى الضباء لو لم تشه بعيونها وأجيادها ما للحسان من أعناق وعيون؟ وكيف أصبو إلى غُنّة الغزال لولا تلك النبرات العذاب التي يسمونها السحر الحلال)؟
ذلك أيها الأستاذ رأي مؤلف (مدامع العشاق) وهو رجل له معدة وروح، ولا ينكر ذلك إلا من حرموا قوة المعدة، وقوة الروح.
وقد أراد أحمد أمين - على طريقته في التودد إلى الجماهير - أن يزج بالقرآن في مجال التفرقة بين أدب المعدة وأدب الروح، مع أنه يعرف أن القرآن لا يقيم وزناً لأمثال هذا الاصطلاح. ولو أنه تأمل قليلاً لعرف أن القرآن يفيض بالأفكار التي توجب الاهتمام بالمطالب الجسدية. وعقيدة الإسلام تقوم على أساس الاعتراف بأن الإنسان مكون من جسد وروح. والمؤمنون في نظر القرآن سيصيرون حين يرضى الله عنهم (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مخَّلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصَّدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحورٌ عِين كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاءً بما كانوا يعملون)
ويحدثنا القرآن بأن أصحاب اليمين سيكونون (في سدْر مخضود، وطلح منظود، وظلّ
ممدود، وماءٍ مسكوب، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة)
أيكون هذا أدب معدة لتصح سخرية أحمد أمين من المحسوسات؟ ألحق أن القرآن أقحِمَ بلا موجب في كلمة أحمد أمين. والمزية الأساسية في القرآن هي تخليص العقيدة الإنسانية من أوهام الأحبار والرهبان، ودعوة المسلمين إلى اغتنام المنافع الدنيوية والأخروية. وأظهر الأدلة على ذلك هو النص على ما في الحج من شهود المنافع، وهو نص صريح في أن مطالب المعدة تساوي في نظر الشرع مطالب الروح.
وهل يجد أحمد أمين حين يحتقر المعدة؟
هل يجدّ احمد أمين حين يحكم بأن مقالات (الكاتب) التي باعثها الأول الاستيلاء على الأجرة أدب معدة؟
أشهد أنه احتاط حين قيد هذه الحالة بقيود، ولكن تلك القيود جعلت فرضه من المستحيلات
فما هو الباعث الأول لأعمال أحمد أمين في كل ما يباشر من الشؤون؟
هل يرضى أن يعمل في الجامعة المصرية بالمجان؟
هل يرضى أن يشترك في تأليف الكتب المدرسية بالمجان؟
هل يرضى عن نشر إعلان بالمجان في مجلة الثقافة لطبعة من طبعات المصحف الشريف؟
هل يقبل الخروج من ثروته لإطعام الفقراء والمساكين؟
فإن لم يفعل - ولن يفعل - فلأية غاية ينشر هذه الآراء بين الناس؟
وهل يحق للمعلم أن ينشر من الآراء ما لا يستطيع التمذهب به في أي وقت؟
إن السر في نجاح أحمد أمين يرجع إلى أنه يحترم الواقع في مذاهبه الأدبية والمعاشية. وهو في سلوكه الشخصي نموذج للرجل الحصيف، لأنه لا يقبل على عمل إلا حين يعتقد أنه عمل ينفع
والخطأ الذي وقع فيه هذه المرة خطأ مقصود، وهو نافع في حكم المعدة، وإن كان ضارا في حكم الروح
وإنما كان هذا الخطأ نافعاً في حكم المعدة لأنه يصور صاحبه بصورة الراهب المتبتل، وتلك غاية قد تنتفع بها الأمعاء
إن من الخسارة الجسيمة أن يصبح مثل هذا الرجل الفاضل من الذين يزخرفون المقالات في شؤون تضر المجتمع وتعود عليه وحده بالنفع (وتعليل ذلك واضح بقليل من إعمال الفكر) كما يحلو له أن يقول
قامت نظرية أحمد أمين على غير أساس
وما كانت نظرية، وإنما كانت حيلة (باعثها الأول ملء أعمدة من الصحف والمجلات) وقد وصل إلى ما يريد وأضيف إلى حسابه مبلغ صغير أو كبير من المال
ولولا أني أحترم المال لكرهت النص على أن هذا الصديق يعمل للمال
وهل يحتقر المال إلا من كتب عليهم أن يعيشوا أذلاء؟
نحن جميعاً نعمل للمال وللمعدة، وما في ذلك من عيب، ولكن العيب هو في تنفير الجمهور من المال طلباً لحسن السمعة بين من ورثوا السخرية من المال بفضل ما وصل إلى عقولهم المريضة من أقوال الدراويش والرهبان
وليس معنى ذلك أني أنكر مطالب الروح، فلولا مطالب الروح لما استبحت أن أخلق لنفسي عداوة رجل يضر وينفع مثل أحمد أمين
لقد فكرت كثيراً قبل أن أقدم على هذه الجملة الأدبية، وصح عندي بعد الروية أن الغض من قيمة الأدب العربي هو عدوان على كرامة الأمة العربية، فأنا استهدف لعداوة هذا الرجل وعداوة أصدقائه في سبيل المبدأ والعقيدة، فليضف هذه المقالات العنيفة إلى أدب الروح، إن كان من الصادقين!
أشرت من قبل إلى مركز هذا الرجل في الجامعة المصرية وقدرته على تلوين آراء الطلاب حين يشاء، فهل يكون من الشطط أن نقول له حين يخطئ: قِف مكانك!
لو كان أحمد أمين أديباً لقلنا إن من حقه أن يبتدع من الصور الأدبية ما يريد، ولكنه ليس بأديب، وإنما هو مؤرِّخ أدب، ولأحكامه الخاطئة في تاريخ الأدب تأثير سيئ لا يدرك خطره إلا من عرفوا أنه رجل محترم يقبل الشبان آراءه بلا مراجعة ولا تعقيب
ونسارع فنقرر أن ضمير أحمد أمين سليمٌ من الوجهة الأخلاقية، فهو يكتب ما يكتب ويقول ما يقول عن اقتناع، وإنما يصل إليه من الخطأ من طريقين: الأول عدم تمكنه من تاريخ الأدب العربي؛ والثاني عدم تعمقه في درس سرائر النفسية والوجدانية. ومن هنا كثرت
أغلاطه في فهم أصول الأدب وأصول الأخلاق
والهجوم على هذا الرجل قد ينفعه أجزل النفع فينقله من حال إلى أحوال، ويحبب إليه التروي والتثبت، ويصرفه عن التحامل البغيض على الأدب العربي، ويقنعه بأن أدب الفطرة أفضل من أدب الافتعال
وأحدد الغرض من هذه الجملة فأقول:
تورط أحمد أمين في أحكام جائرة وهو يلخص تاريخ الأدب بطريقة صحفية
وقد دلتنا تلك الأحكام على أن هذا الرجل صرفته السرعة عن مراعاة المنطق والعقل؛ فما الذي سنصنع في محاكمة هذا الصديق الذي نضيّعه آسفين في سبيل الحق؟ سنقدم إليه من البينات ما يقنعه بأنه يجني على الأدب العربي أشنع الجنايات. وسنريه أن جنايته على نفسه أبشع وأفظع. وسنروضه على الاعتصام بحبل الصبر الجميل، فليس من سيف الحق خلاص ولا مناص
ويعز عليّ أن أوجه إليه هذه السهام وهو يتهيأ لقضاء الصيف في الإسكندرية. ولكن يعزيني أن أعرف أن نسمات الأصيل في الإسكندرية فيها الشفاء من كل داء
في الإسكندرية متاع العيون والقلوب والاذواق، وفي الإسكندرية (صبايا الخُلدِ تسبَح في الرحيق) وفي الإسكندرية مراتع ظباء ومرابض أسود
فاذكرني بالشر يا صديقي أحمد أمين وأنت تواجه الفتن المائجة بين الشواطئ. واذكرني بالشر حين ترى البحر وحين تخطر بشارع الكرنيش. واذكرني بالشر حين تذكر (أدب المعدة) وأنت تأكل طيبات الأسماك بالمكس، وحين تذكر (أدب الروح) وأنت تتفكر في ملكوت السابحين والسابحات، في ظمأ شديد إلى أن أذكر بالشر في ذلك المصيف الجميل!
آه ثم آه! امثلي يؤذي روحاً يصطاف بالإسكندرية وطن الشعر والخيال؟
انتظر يا صديقي، فستراني حيث تحب في المقال المقبل، وإنه لأقرب إليك من رجعة الموج الفاتن إلى الموج المفتون. والحديث ذو شجون
(مصر الجديدة)
زكي مبارك
الانتداب الفرنسي في بلاد الشرق
للأستاذ بيير فيينو
بيير فيينو نائب البرلمان الفرنسي ووزير سابق لعب دوراً هاماً في عقد المعاهدة الفرنسية السورية سنة 1936. وقد اطلعنا في العدد الأخير من مجلة (السياسة الخارجية) على محاضرة ألقاها عن بلاد الشرق الأدنى آثرنا أن نلخصها في هذه الظروف التي تضطرب فيها سوريا في جحيم من القلق السياسي
لم أختر المعاهدة الفرنسية عنواناً لمحاضرة اليوم، ذلك لأن هذه المعاهدة ليست في ذاتها إلا جزءاً من القضية الكبرى التي تتناول صلتنا بالشرق الأدنى، ونفوذنا فيه، وسياستنا معه، وردود الفعل التي تنبعث عن هذه السياسة في بلاد شمال أفريقية
الانتداب والمعاهدة
لماذا كانت المعاهدة الفرنسية السورية مفاجأة للرأي العام؟
يتجه الرأي العام الفرنسي إلى الاعتقاد بأن فرنسا (تملك) سوريا، ولكنها لا تعاملها كما تعامل المستعمرات. بل إن واجبها أن تقوم على إرشادها والدفاع عنها، ورعاية المصالح الفرنسية فيها
والواقع أنه لا يمكن تطبيق أي لون من ألوان النظم الاستعمارية في بلاد الشرق الأدنى، ولذلك لن أبسط الحديث عن عقم الاستعمار في سوريا، ولا عن ضعف العلاقات الاقتصادية بيننا وبين بلاد الانتداب.
والناحية الجوهرية التي يجب أن ننبه إليها هي أن الاستعمار يوافق الشعوب المتأخرة التي لا تستطيع أن تقوم على إدارة نفسها. فما هو مدى الرقي في بلاد الشرق الأدنى؟
إن نسبة الأميين في لبنان تبلغ 16 % وقد ترتفع النسبة في سوريا إلى أكثر من ذلك فتبلغ 50 %، وإلى جانب هذه الطبقة المتعلمة نجد نخبة مختارة أصابت قسطاً وافراً من المعرفة والذكاء والعلم. وامتاز كثيرون منها بالقيام بأعباء الإدارة في الدولة التركية.
إن فكرة الانتداب (1) التي نصت عليها معاهدات 1919 للبلاد المقتطعة من جسم الدولة العثمانية ليست وهماً، ولكنها تطابق حقيقة اجتماعية واقتصادية وسياسية خاصة بالبلاد المذكورة، وهذه الفكرة تختلف كل الاختلاف عن الحماية، ونستطيع أن نجمل مميزاتها
الأساسية بالتعريف الآتي:
(إن السلطة المنتدبة هي التي تمارس الحكم لتأمين تطور البلاد تحت الانتداب وتوجيهها نحو الاستقلال)
فالسلطة المنتدبة تشرع وتحكم، ولكن كل غايتها تهذيب الشعب وإرشاده. ومهمة المنتدب أشبه بمهمة الوصي، لأن سلطته محدودة لا تتسع، زائلة لا تدوم
قد لا يرضي تعريف الانتداب على هذا الشكل بعض الناس. وقد تكون ثمة اعتبارات نظرية أخرى، ولكن هذه الاعتبارات تقتصر على وجهة النظر الفرنسية. أما الشعوب الشرقية فإنها ترفض هذه الاعتبارات في إباء وقوة، وتنظر إلى الانتداب على أنه عرض زائل ومهمة مؤقتة تنتهي مع بلوغ سن الرشد
والانتداب يتضمن في ثناياه وعداً بالاستقلال، وقد أثار هذا الوعد انتباه السكان في البلاد، وكان عاملاً في نماء الفكرة الاستقلالية، كما أن الخلاف بين الترك والعرب كان عاملاً آخر من العوامل المهمة في هذا النماء
وفي معرض التدليل على نهضة هذه البلاد يجب أن نذكر الاضطرابات السياسية التي كانت تطغي على سوريا قبل الحرب. . . وألا ننسى أن الشعوب العربية قد حاربت في صفوفنا ضد الأتراك وأن قادة الحركة العربية رفضوا نظام الانتداب منذ 1919 لأنهم إنما جاهدوا في سبيل الاستقلال والوحدة. . . ويكفي أن نعرض لذكر المليك (فيصل) فقد وجد نفسه بعيداً عن العرش السوري حين حاول أن يقنع القادة بقبول أسس الاتفاق الذي ارتضيناه معه
لعل من الإنصاف ألا نغفل أثر الوطنية المصرية في بلاد الشرق، فقد ولّد انتشار المقاومة السلبية في مصر صعوبات كثيرة اصطدمت بها إدارتنا في سوريا
وقد اتجهت سياسة فرنسا بعد الثورة السورية الكبرى اتجاها شديداً، ونستطيع أن نذكر هنا مجموعة من الوعود التي صدرت عن الحكومة الفرنسية حول هذا الموضوع
ففي سنة 1927 أكد مسيو بريان رغبة في فرنسا في أن تبقى أمينة على انتدابها. وفي عهد المفوض السامي مسيو بونسو كانت أولى المحاولات في سبيل عقد معاهدة بين فرنسا وسوريا. وقد تمخضت هذه المحاولات عن معاهدة سنة 33 التي وقعها مسيو دومارتل
وفي نفس الوقت صدرت تصريحات فلاندان بقرب انتهاء الانتداب، كما نشر خطاب (هنري بيرانجيه) الذي رحب فيه بدخول العراق في عصبة الأمم، في شيء كثير من الحماس، وأشار إلى أن فرنسا ستنهج في سوريا نفس السياسة التي انتهجتها إنكلترا في العراق
وفي سنة 933 عرض مسيو دلادييه في مجلس النواب لمفاوضات مسيو بونسو وأظهر اغتباطه بعقد المعاهدة بين سوريا وفرنسا
على أن بيان العميد السامي المسيو دومارتل كان أقوى هذه التصريحات كلها. ففي أول مارس سنة 1936 صدر هذا البيان بموافقة مسيو فلاندان وزير الخارجية، وتضمن وعداً صريحاً بعقد معاهدة سورية فرنسية على مثال المعاهدة العراقية الإنكليزية
أما فيما يتعلق بالانتداب الفرنسي في بلاد الشرق فنحن نواجه وضعاً خاصاً يجب أن ننظر إليه بعين الاعتبار إذا نحن أردنا أن ندرك المعنى العام لنظام هذه المسألة المعقدة
إن الانتداب الفرنسي واحد في الشرق، ولكن ثمة دولتين مختلفتين هما سوريا ولبنان تحتاجان إلى نظام خاص يربط علاقتهما في المستقبل. ومن الخير لفرنسا أن يكون هناك معاهدتان مختلفتان لكل من هذين البلدين تأميناً للمصالح الفرنسية وحرصاً على سلامتها
ويرجع الانتداب في سوريا إلى عهد قريب. . . فقد نشأ بعد ثورة العرب ضد الترك، ولكن الانتداب على لبنان يرجع إلى مدى أبعد، ويتصل بأيام حماية مسيحي الشرق ولا سيما المارونيين في لبنان
ولقد كان هذا الانتداب في لبنان مستساغاً مقبولاً، وكانت اللغة الفرنسية شائعة، وهذا يصادف دون ما شك هوى في نفوسنا لأن لبنان يهمنا بوجه خاص كقاعدة منيعة فرنسية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط
وإذن فنحن مضطرون إلى عقد معاهدتين مختلفتين. . . وقد أشار إلى ذلك (لوسيان هوبرت) في تقريره عن المعاهدة في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، ولاحظ كيف قوبلت هذه المعاهدة في سوريا بشيء من الحيطة والحذر، بينا وجدت في لبنان رواجاً وارتياحاً عظيمين
(ولكن الواقع أن التعاقد مع سوريا شرط أساسي للتعاقد مع لبنان، ومصالح فرنسا وفائدتها
من الانتداب يجب أن ترجى في لبنان لا في سوريا)
(البقية في العدد القادم)
تلخيص
شكري فيصل
أسرار حياة بلاد العرب السعيدة
'
تأليف الكاتب الإيطالي سلفاتوري آبونتي
للأستاذ محمد عبد الله العمودي
(بقية المنشور في العدد 309)
انتهى ما أردنا نقله من كتاب السنيور آبونتي ص 24 وما بعدها. والأستاذ الريحاني صاحب (ملوك العرب) له كلمة بصدد القات قال في ص 91 من المجلد الأول: (إن في القات على ما يظهر خاصية الحشيش الأولى، أي الكيف، وشيئاً من خاصة الأفيون المخدرة، وبعض ما في المسكرات مما ينبه الفكر. وبكلمة أخرى هو يطرب النفس، ويخدر الحواس، ويشحذ الذهن. وأهل اليمن يعتقدون كذلك بأنه يبعث فيهم النشاط ويقويهم على السهر والعمل في الليل. وقد تحققت بنفسي أنه يؤرق ويحدث في المعدة يبوسة وانقباضاً وفي الفم جفافاً وعفوصة مثل البلوط، فيطلب صاحبه الماء كثيراً. ولكني لم أحس بشيء من الكيف، أي خفة النفس، ولم ينبه الفكر إلى غير الأوهام التي تستحوذ على الناس فتفعل بحكم التأثير الطويل المتوارث فعل الحقائق المحسوسة. وقد يكون هذا وهما لأن تأثيره فيمن يستعمله مرة غير تأثيره فيمن يستعملونه دائماً ويفضلونه على خبز يومهم؛ وكل الناس في اليمن: من رجال ونساء وأولاد وأغنياء وفقراء يأكلون القات. . .
(ولا شك أن القات مضر بالصحة والنسل: فهو يفقد المرء شهوة الأكل، ويفسد أسباب الهضم، ويحدث أمثل الأفيون، شللاً في مجاري البول، ولا يقوي ألباه بل يضعفه!).
ومواطنونا اليمانيون لهم قصائد من عيون الشعر في هذا الحشيش. وقد كان الإمام يحيى من الذين (يخزنون) وله حماسة غريبة في الدفاع عنه. يحدثنا الريحاني في كتابه ص 165 أن رفيقه في الرحلة ثار وهجا القات، فانبرى له الإمام يحيى وعارضه بقصيدة من فيض الخاطر فذكر عشراً من مزايا القات منها:
فللعيون جلاء
…
للضعف منه ذهاب
وللثغور صباغ
…
زمردي يذاب
أحسن بثغر مليح
…
له المذاب رضاب!
يا ما أحيلاه ظلماً
…
تحتفي به الأحباب
وللنفوس مريح
…
وللنشاط انجذاب
ويشحذ الفكر حتى
…
يخاف منه التهاب
ويطرد النوم عمن
…
له الجليس كتاب
وفي هجاء القات يقول شاعر عدني:
عزمت على ترك التناول للقات
…
صيانة عرضي أن يضيع وأوقاتي
وقد كنت المضر مدافعاً
…
زماناً طويلاً رافعاً فيه أصواتي
فلما تبينت المضرة وانجلت
…
حقيقته بادرته بالمناواة
فقيمة شاري القات في أهل سوقه
…
كقيمة ما يدفعه في ثمن القات
ثم يغادر السنيور آبونتي مدينة تَعِز فينطلق في رحاب سهل المخا، فتبدو له المروج الخضراء، والبساتين الواسعة، فلا تحرك عواطفه، ولا تثير اهتمامه. إذ كانت نفسه تواقة متحفزة لرؤية المخا المدينة العالمية، مدينة البن الرفيع. فتصدمه الحقيقة، ويقف أمام الأمر الواقع؛ وإذا به يرى هذه المدينة التي يدين لها العالم قد أخنى عليها الدهر فقضى على مجدها وسلب شهرتها، فأصبحت يباباً وأطلالاً خراباً، انفض عنها سكانها فلم تبق بها إلا أكواخ حقيرة، وقوارب ملقاة على الشاطئ، يأوي إليها السكان. . . أما مجدها فقد ألقى رحاله على الحديدة وعدن، فأصبحتا قبلة العالم في ارتقاب البن اليمني!
وخلص من المخا واندفع في تهامة حتى بلغ الحديدة - ميناء اليمن - فمكث بها أياماً. وبعد ذلك تابع مسيره ووجهته عاصمة حِمْير؛ وكان المؤلف في أثناء سيره يعجب من هذه الجبال الشجراء، وتلك الوديان التي تتدفق مياها ونباتاً. فقد كانت من أعظم المرفهّات عن نفسه من وعثاء السفر. . . وساءته جداً حالة السكان وما هم عليه من شظف الحياة والبؤس الصارخ في جميع المرافق. كما أن هذه الأكواخ الحقيرة والعشش المهدمة التي تسيء إلي روعة هذه المناظر الطبيعية تبعدها من بلاد العرب السعيدة، وتجعلها جزءاً من أفريقيا (ص 54).
ودخل صنعاء - مقر الملوك السيارة - فأطلق لخياله العنان ووصفها بما هي خليقة به:
(هذه قصور شامخة تصافح السحاب، وهذه القباب تتألق ناصعة في رائعة النهار، وهذه منائرها ناحرة جوف الفضاء فيرتد عنها الطرف. . . هذه صنعاء المدينة العجيبة، مدينة الخرافة والأساطير. أليست صورة صادقة من ألف ليلة وليلة؟) ص 62.
ويقف السنيور آبونتي على ناصية شارع من شوارع صنعاء فيرمي بطرفه على الأقوام التي تسيل بها عاصمة اليمن، فتحتدم في نفسه صور وأحاسيس، وتتحرك فيه الشاعرية، فيبرز لنا وصف صورة حية ناطقة كأنا نحسها ونشاهدها. قال (ص 62):
(. . . هاهم أولاء يمرون سراعاً ممتطين صهوات خيولهم المطهمة ومن ورائهم الحشم، متدثرين بالثياب البيضاء، وعلى أكتافهم تسيل العصائب من حمراء وخضراء. وهاهن أولاء النساء يسرن محجبات؛ وهؤلاء هم البدو وقد تهدلت شعورهم الكثة الرهيبة على الأكتاف، وانكشفت صدورهم المسيلة عليها مسادر الجلود. ثم هؤلاء ذوو المناصب وأهل المقامات يحف بهم الإجلال، وعلى رؤوسهم العمائم البيض، يتبعهم بعض الخدم حاملين الرُّشب البراقة. . . ثم هاهم أولاء رجال القبائل، وقد لفحتهم الشمس فبدت ألوانهم زيتونية، مسلحين بالجنابي المعقوفة المزمتة في خواصرهم بسيور من الجلد. . . وهاهم أولاء العبرانيون في قاماتهم الضامرة وقد استشزرت غدائرهم من الأصداغ تمييزاً لهم. . . وذه هي الجمال تمشي وئيداً، وتلك الأغنام تمثل الفوضى، وقد سالت بها الشوارع. . .)
(ثم يا للعجب من هذه العمارات المذهلة! متى شيدت؟ أبالأمس؟ أم من آلاف السنين؟!)
(إنه ليحق لليمنين أن يفخروا بهذه العاصمة الفتانة، وليس عليهم بغريب أن يسموها: (عرش اليمن) و (أم الدنيا). ألم يؤسسها قحطان أبو يعرب العظيم الذي أخذ منه العرب اسمهم ولغتهم؟)
ويخرج المؤلف الإيطالي من هذه الصور الشائفة إلى ما هو أبدع منها وأغرب فقد حدثنا عن ظهور الإمام وجلوسه على عرش التبابعة. . . وعن كنوزه التي تذكرنا بكنوز ملكة سبأ. فقد تحدث السائح في ص 76 عن مخابئ الإمام يحيى في جوف الأرض وأحشاء الجبال. تلك المخابئ التي تفيض ذهباً وفضة، والتي يقوم على حراستها رجال مخلصون!
وأبدع ما في هذا الكتاب، وما يهم العالم العربي الاطلاع عليه: هي شخصية الإمام يحيى تلك الشخصية العجيبة التي تناولها المؤلف في صفحات عديدة من كتابه. فيهمنا جداً أن
الجميل هذه الشذرات، وطْرح ما لا يليق نشره، لأن الإمام شخصية شهيرة يحوطها الغموض، ويجهلها كثير من الناس وهو إلى كل هذا ملك يمثل نوعاً من الحكم المطلق ما زالت آثاره في أقاص بعيدة من الأرض. قال المؤلف في ص 90 وما بعدها:
(الإمام يحيى بن محمد حميد الدين، المتوكل على الله، وأمير المؤمنين شخصية من تلك الشخصيات المهمة المدهشة التي تعيش على وجه الأرض. هو رجل وعالم. . . فهو رئيس الحكومة اليمنية التي تعيش ضمن حدودها، وهو إلى ذلك عالم ديني كبير، وزعيم لمذهب يعد أتباعه من أشد المتحمسين والمتطرفين هو واحد من أولئك الحكام أهل النفوذ المطلق، والحكم الذي لا يقابل إلا بالتسليم. يقُّر الزيود بأنه رئيسهم الديني والمدني، فهم يطيعونه طاعة عمياء، ويحترمونه الاحترام العميق. ويدفعون له المغارم الثقيلة؛ وإشارة منه كافية لإشعال حرب. ويفعلون هذا، لأن الله أراد ذلك: (إذ فوض إليه أن يحكم بلادهم، ويتسلط على أرواحهم). فشؤون الدولة اليمنية جميعها في قبضة يده ومجتلى بصره؛ وإذا كان له وزراء فإنهم صوريون يخضعون لأوامره ويخلصون له الإخلاص التام، ولا ينفذون أمراً من الأمور إلا بعد عرضه على أنظاره وموافقته عليه. ومن المسلم به أن هذا النظام من الحكم المطلق سيكلف السياسة اليمنية متاعب خطيرة. . .
(إن الإمام يحيى شخصية مقدسة لدى الكثير من اليمنيين؛ تفد إليه من أقصى (بلاد الرحل) جماعات كثيرة من البدو، يدقون القاع، ويقطعون شاسع البقاع، وقد برحت بهم الأمراض وعجز أطباؤهم عن شفائهم، فلم يبق إلا دواء الإمام، وكرامة الإمام، فتهل هذه الوفود على صنعاء، وتشخص نحو (المقام) فيمر الإمام يحيى يده على رؤوسهم وأكتافهم فيزول الشر، وتحل العافية كما كان يفعل في إنكلترا وفرنسا منذ قرون مضت: ،
(يعتقد العالم الأوربي أن الإمام يحيى شخصية غامضة ذات أسرار عجيبة ولكن هذه نظرية خاطئة نحن مسؤولون عنها فالإمام يحيى يختلف جد الاختلاف عن أئمة اليمن السابقين ذوي العجائب والغرائب!
كان أولئك الأئمة، في وقت من الأوقات، يعيشون في أبراج من العاج بعيدة عن أنظار الجمهور؛ في وحشة صامتة! وهذه الخرافة ومنهم من أعماق التاريخ القديم؛ ذلك أن ملوك سبأ كما تقول الخرافة، لا يستطيعون أن يغادروا قصورهم الفخمة فيتعرضوا لأنظار
الجمهور فيقذهم هذا بالحجارة!
ووالد الإمام الحالي قد حافظ على هذه العادة العجيبة، وذلك بعكس الإمام يحيى الذي كثيراً ما يتصل بشعبه، ويميل إلى الظهور في المجتمعات
هناك في فصل الصيف، في ساحة من ساحات (المقام) وتحت شجرة عظيمة وارفة الظلال يتربع الإمام يحيى وحوله ثلة من الجند، فيستمع إلى شكاوي الناس، فينصف المظلوم، ويأخذ الحق من القوي!
وقد تفد إليه من أقصى بلاد المشرق: من أرض سبأ جماعات من البدو يرجون إنصافاً، فيهدفون على المقام فينحرون الذبائح على الأعتاب جرياً على عادات قديمة
الإمام يحيى رجل عالم ومثقف، يملك مكتبة واسعة زاخرة بشتى أنواع المخطوطات العربية القيمة! وهو ميال على وجه أخص إلى علم الفلك وعلم السحر؛ كما أنه مغرم جداً بمسائل التجارة وإجادة القريض وإنشاد القصيد!
يلبس من الثياب الأبيض. وهو ذو وجه أسمر تحوطه لحية ناصعة البياض وعينين سوداوين جميلتين جذابتين. تشع منهما دلائل الذكاء والفطنة والحذر: وهو اليوم في الخامسة والستين)
هذه بلاد اليمن وعاهلها مصورة بقلم السنيور آبونتي صاحب (أسرار الحياة في اليمن) أما نصيب هذه البلاد من التقدم وحظها من الحضارة فالأمر مشكل ومحزن، فهذه البلاد التي لها ماض مجيد تعيش في القرن العشرين عيشة عجيبة بعيدة عن أنظار العالم؛ بعيدة عن الحياة التي تتمشى اليوم بحرارة في أعراق الأمم؛ منتبذة مكاناً قصياً ظانة أن الحياة في الوحدة؛ وما درت أنها تعد نفسها لأن تكون لقمة سائغة لكلاب الاستعمار!
إن أبسط مظاهر الحضارة الحديثة ما زالت اليمن تتنكر لها، وتتحرج من تتبع آثارها. فالسيارة، وقد عرفها سكان المريخ! ما زال ينظر إليها في اليمن نظرة ريبة وامتعاض. حدثنا المؤلف في ص 93 أن سيارة أهديت إلى الإمام فأراد تجربتها إلى أحد المساجد فما ظهرت لدى باب المقام حتى التف خلق كثير لرؤية (عمل الشيطان) وما كاد الإمام يظهر ليعتليها حتى انسل من بين الجمهور أحد أنجال الإمام يتبعه جماعة من المتصلبة في الدين ووقف أمام والده في رباطة جأش، وعيناه تقدحان بالشرر وصاح قائلاً: وحتى أنت يا إمام
الزيدية تجرؤ على اعتلاء هذه الآلة الجهنمية؟؟
ولكن الإمام رده رداً لطيفاً وأخذ طريقة نحو المسجد على قدميه!
وتوجد في اليمن كلها محطة راديو؛ وعدة كهرباء؛ يأخذان موضعهما من (مقام) الإمام فقط؛ يحدثنا السنيور آبونتي في ص 92 عنهما فيقول:
(هناك في زاوية قصوى من حديقة المقام توجد بناية ضخمة عليها محطة راديو وهي الأداة الوحيدة التي تصل اليمن بالعالم الخارجي
(يمر أمامها رجال القبائل فيحولون أنظارهم عنها من دون أن يفهموا شيئاً عن أسباب تأسيسها! وإذا جنّ المساء تألقت الأنوار على مقام الإمام فيأخذهم العجب؛ ويتألمون لهذا الحدث الجديد؛ ولكن يتمتمون في سرهم اعتقاداً أن هذا من عمل (الجن) الذين يهيمن عليهم (المتوكل على الله) أيضاً. . .
وأخيراً يأتي دور النفوذ الإيطالي في بلاد اليمن، فقد لمسنا أنفاس المستعمرين تتمشى في صفحات عديدة من هذا الكتاب. ولم يستطع الكاتب الإيطالي أن يضبط نفسه ويكبح قلمه؛ فهو يقول لنا في صراحة متناهية: إنهم يعدون أنفسهم للاستفادة من أية فرصة شرعية قانونية قد تحين؛ فينتهزونها لجعل نفوذهم ملموساً في اليمن؛ وهو في أثناء هذا يشيد بأعمال إيطاليا في اليمن وما أسدته إليها من الخدمات الجلي؛ فهناك مستشفى لهم في صنعاء على مقربة من قصر الإمام؛ وجميع ما يحوي قصر الإمام من أثاث ومحطات راديو، وعدد كهرباء؛ وسيارات؛ ومصاعد للقصور كلها من عمل. . . (الطليان) بل وهناك في صنعاء شارع يسمى شارع الطليان!
هذه (المكارم) الإيطالية ستؤتي أكلها ولو بعد حين. . . ومكائد الاستعمار كثيرة منها ما يأتي عن طريق الشركات، وبذل الامتيازات، وغير ذلك؛ والسادة الإيطاليون اليوم في بلاد اليمن لهم وجود محسوس؛ ومشاريعهم هناك كثيرة، أهمها أن لهم اليوم مستشفى في صنعاء وأربعة أطباء: اثنان في صنعاء وواحد في الحديدة وآخر في تعز. وبالتأكيد أن هؤلاء لا يقومون بالخدمة الإنسانية ولكنهم ذئاب كاسرة في صورة ملائكة، وأعين خطيرة لوزارة المستعمرات الإيطالية؛ واليمانيون يعرفون هذا؛ والإمام يحيى يدرك أكثر من هذا. وإذا سألتهم: هل لهذا الليل من آخر؟ أجابوك: (الإيمان يمان؛ والحكمة يمانية!) وحياتنا في
الوحدة (والوحدة عبادة!)
ولا يفوتنا بعد هذا كله أن نشير إلى أن المؤلف كان في مواضع كثيرة من كتابه هذا يشيد في أسلوب استعماري صارخ بما في اليمن من ثروة طبيعية هائلة أهمها الذهب والفضة والنحاس والحديد والأحجار الكريمة والنفط والكوارتز والميكا وغير ذلك.
وخلاصة القول أن الفكرة الاستعمارية واضحة لا شية عليها؛ وهي على أشدها في ص 157 وما بعدها. فليحذر الإمام يحيى، فإنه المسئول أمام الله والتاريخ عن مصير هذه البلاد.
هذه أسرار من (أسرار الحياة في اليمن) وهناك أسرار تجنبنا ذكرها حرصاً على سمعة بلادنا وكرامة مواطنينا، ولكن للأسف ستكون معلومة لدى الاستعمار؛ بل هي الجسر الذي يتوصل به إلى تحقيق أغراضه ومطامعه؛ ومن أنذر فقد أعذر.
(القاهرة)
محمد عبد الله العمودي
دبلوم دار العلوم
الحب العذري في الإسلامية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
- 1 -
بنو عذرة بطن من قضاعة، وقضاعة من القبائل اليمنية التي نزحت من اليمن بعد سيل العرم، فنزلت بشمال الجزيرة العربية إلى بلاد الشام
وقد اختص بنو عذرة من بين قبائل العرب بكثرة عشاقهم، وامتاز عشاقهم على غيرهم بأنهم كانوا يلحون في الحب إلى حد الاستهانة بالموت فيه، وأن الواحد منهم كان يخلص إلى من يعشقها، ويهبها نفسه وحبه وكل شيء يعزه في هذه الدنيا، وفي ذلك يقول جميل بثينة:
أُصلي فأبكي في الصلاة لذكرها
…
ليَ الويْل مما يكتب الملكانِ
ضمنتُ لها ألاَّ أهيمَ بغيرها
…
وقد وثقت مني بغير ضمانِ
ويقول المجنون، وقد كان من بني عامر:
وَلَماَّ أبى إلا جماحاً فؤادُهُ
…
ولم يَسِلُ عن ليلى بمال ولا أهل
تَسلىَّ بأخرى غيرها فإذا التي
…
تسلى بها تغري بليلى ولا تُسلى
وكان بنو عذرة يفتخرون بعشاقهم افتخار غيرهم بفرسانهم أو أجوادهم، ويرون عشقهم مزية شرف ونبل، ودليلاً على رقة القلب وصفاء النفس. وقد أخرج التنوخي عن عروة بن الزبير أنه قال: قلت لعذرى: إنكم أرق الناس قلوباً - يريد أصباهم إلى الحب، فقال: نعم، لقد تركت ثلاثين شاباً خامرهم السُلُّ، ما بهم داء إلا الحب
ولقد كان لجمال نساء بني عذرة أعظم الأثر في امتيازها بكثرة الحب، لأن الحب في الغالب يجري وراء الجمال، كما أن الجمال يورث القلب رقة، والنفس صفاء، فتستهويهما النظرة وتسترقهما الابتسامة. ومما ورد في جمال نساء هذه القبيلة ما روي أن فزارياً قال يوماً لعذرى: أتعدون موتكم في الحب مزية وهو من ضعف البنِية، ووهن العُقدة، وضيق الرئة؟ فقال: أما والله لو رأيتم المحاجر البُلُج، ترشق بالعيون الدُّعج، تحت الحواجب الزُّجّ، والشفاهَ السُّمر تبسم عن الثنايا الغر، كأنها شذر الدر لجعلتموها اللاَّت والعُزَّى وتركتم الإسلامية وراء ظهوركم
وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: استنطقت أعرابياً عند الكعبة واستنسبه فإذا هو فصيح عذري، فسألته: هل علقه الحب، فأنبأ عن شدة ولوع، فسألته ما قال في ذلك فقال:
تَتَبَّعنَ مَرَمى الوحش حتى رمْينَنا
…
من النَّبْلِ لا بالطائشات المخاطفِ
ضعائفُ يقتلن الرجال بلا دَمٍ
…
فيا عجباً للقاتلات الضعائف
وللعين مَلهًى في البلاد ولم يُفِدْ
…
هوى النفس شيء كاقتياد الظرائف
وبالجملة فليس حي أصدق في الحب من بني عذرة، ولا تضرب الأمثال فيه إلا بهم، كما قال في ذلك صاحب البردة:
يا لائمي في الهوى العُذريَّ معذرةً
…
مني إليك ولو أنصفتَ لَم تَلُمِ
وكما اشتهروا بالحب إلى ذلك الحد اشتهروا بالعفة فيه أيضاً وقد روي عن سعيد بن عقبة الهمذاني أنه قال لأعرابي حضر مجلسه: ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقال: عذري ورب الكعبة. ثم سأله عن علة ذلك فقال: لأن في نسائنا صباحة، وفي فتياتنا عفة
ويحكى من عفة عشاقهم أن جارية وشت بجميل وبثينة إلى أبيها وأنه الليلة عندها، فأتى وأخوها مشتملين معتمدين سيفهما لقتله، فسمعاه يقول لها بعد شكوى شغفه بها: هل لك في طَفءِ ما بي بما يفعل المتحابَّان؟ فقالت: قد كنت عندي بعيداً من هذا، ولو عدت إليه لن ترى وجهي أبداً! فضحك ثم قال: والله ما قلته إلا اختباراً، ولو أجبت إليه لضربتك بسيفي هذا إن استطعت وإلا هجرتك، أما سمعت قولي:
وإني لأرضى من بثينةَ بالذي
…
لو أبصره الواشي لقرَّت بلابله
بلا وبألاَّ أستطيع وبالمُنى
…
وبالأمل المرجوَّ قد خاب آمله
وبالنظرة العَجلى وبالحول ينقضي
…
أواخره لا نلتقي وأوائله
فقالا: لا ينبغي إيذاء من هذا حالته، ولا منع زيارته لها، وانصرفا
وقد فتن كثير من الناس بهذا الحب العذري، ونظروا إلى أصحابه نظرة العطف والحنان، وأشاروا بذكرهم في الكتب، وأعجبوا بصدقهم وعفتهم في ذلك الحب، وحاولوا أن يجعلوا من الشهداء من يموت بسببه، ورووا في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عشق فعف فمات دخل الجنة. وفي رواية من عشق فعف فظفر مات شهيداً. وفي أخرى وكتم، وقد صحح هذا الحديث بسائر طرقه مغلطاي، واعله
البهيقي والجرجاني والحاكم في التاريخ
ولم يكد الشعراء يعرفون ذلك الحديث حتى أولعوا به وعملوا على إذاعته في أشعارهم، وتضمينها إسناده ومعناه. ومن ألطف ما جاء في ذلك ما حكاه التاج السبكي عن أبي نواس أنه قال: مضيت إلى باب أزهر والمحدثون ينتظرون خروجه، فما كان إلا أن خرج وجعل يعظم واحداً بعد واحد، حتى التفت إليّ فقال: ما حاجتك؟ فقلت:
ولقد كنتم رويتم
…
عن سعيد عن قَتَاده
عن سعيد بن المسيب
…
أن سعد بن عُباده
قال من مات مُحباً
…
فله أجر شهادة
فقال أزهر: نعم، وذكر الحديث
ولأبي نواس في تضمينه أيضاً:
حدثنا الخفاف عن وائلِ
…
وخالد الحذّاء عن جابر
ومسعرٌ عن بعض أصحابه
…
يرفعه الشيخ إلى عامر
وابن جريح عن سعيد وعن
…
قتادة الماضي وعن غابر
قالوا جميعاً أَيما طَفلَةٍ
…
عُلّقَها ذو خُلُقٍ طاهرٍ
فواصلته ثم دامت له
…
على وصال الحافظِ الذاكر
كانت لها الجنة مبذولةً
…
تمرح في مَرتَعها الزَّاهَر
وأَيُّ معشوقٍ جَفاَ عاشقاً
…
بعد وصال ناعمٍ ناضر
ففي عذاب الله مثوىً له
…
بعداً له من ظالمٍ غادر
ولابن المبارك الإمام في تضمينه:
حدثنا سفيان عن جابرٍ
…
عن خالد عن سهل السَّاعدِي
يرفَعُهُ من مات عشقاً فقد=استوجب الأجر من الماجد
وكان كثير من العظماء والعلماء يعطف على أولئك العشاق، ولهم في ذلك آثار ونوادر لا تحصى، ومنها ما روى عن المهدي أنه قال: أشتهي أن أصلي على جنازة عاشق مات في الحب
ومنها ما روي أن ابن الليث قاضي مصر كان يكتب في فتيا، فسمع جارية تقول:
تَرى (؟) الحكومة يا سيدي
…
على مَنْ تَعشَّقَ أن يُقتَلا
فرمى القلم من يده وهو يقول: لا
وقد أخرج الخطيب البغدادي عن الغزي أنه قال: رأيت عاشقين اجتمعا فتحدثا من أول الليل إلى الغداة، ثم قاما إلى الصلاة، وقد قال في ذلك بعض الشعراء:
لله وقفةُ عاشقين تلاقيا
…
من بعدِ طول نوىً وبُعدِ مزارِ
يتعاطيان من الغرام مُدامة
…
زادتهما بعداً من الأوزار
صدق الغرام فلم يمل طرفٌ إلى
…
فُحشٍ ولا كفٌ لحِلَّ إزار
فتلاقيا وتَفَرقَّا وكلاهما
…
لم يخش مطعن عائب أوزار
وهذا كل شان الحب العذري على ما يقرأه الناس في كتب الأدب، وهي تأخذ الأشياء باللطف، ولا تدقق في أمرها كما يدقق غيرها. وقد كنت أقرأها كما يقرؤها سائر الناس، فلا ألتفت فيها إلا إلى ما يلتفتون إليه، ويصرفني التأثر بأحاديث ذلك الحب عن التدقيق في أمره، إلى أن قرأت مرة قصة وفود جرير وابن أبي ربيعة وجميل وكُثَيَر والأحوص والفرزدق والأخطل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقد طلبوا الإذن بالدخول عليه؛ فكان يذكر لمن يطلب الإذن لهم بعضاً مما قاله كل واحد منهم في الغزل، ثم يأبى أن يأذن له بسببه، ولم يأذن إلا لجرير من بينهم. وقد سوى في ذلك المنع بين ابن أبي ربيعة والأحوص والفرزدق والأخطل وهم من فساق الشعراء، وبين جميل وكثير وهما من أصحاب ذلك الحب العذري؛ فكانت هذه المفارقة سبباً في لفت نظري إلى التدقيق في ذلك الشأن، وبحثه من جهة الدين بحثاً صحيحاً، لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا تشديد ولا تساهل، لأن دين الله وسط بين ذلك.
ولا بد لي قبل هذا من ذكر قصة وفود أولئك الشعراء على عمر بن عبد العزيز ليرى القارئ تشديده في أمر أصحاب ذلك الحب العذري، بعد أن رأى تساهل غيره فيه.
عبد المتعال الصعيدي
جولة في عرصات القيامة
للأديب محمد محمد مصطفى
حدث سهيل بن النعمان قال:
. . . ونفخ في الصور فلفضتنا القبور حفاة عراة سواء منا ملك وصعلوك وعذراء حصان وبغي هلوك، لا تستطيع امرأة أن ترنو إلى رجل تجتبيه، وما يستطيع رجل أن يرنو إلى امرأة تدانيه، فكل ذاهل اللب له شأن يغنيه
ورف ملاك فوق رؤوسنا وبيده إبريق، يصب منه ماء لفريق منا دون فريق، فقلت اسقني يا هذا إني لفي صدى شديد وضيق. قال: أفأعطيت في حياتك لابن سبيل ثمداً من غدقك؟ قلت: قد كنت في حياتي نضو إملاق. قال: إن نبيك مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير. فما كانت صناعتك في الدنيا؟ قلت: شرطي. قال: أفحررت عبداً من رقه، أو كبتَّ مجرماً وكفيت الناس شره؟ قلت: لم يكن في زمني رق ولا رقيق. فرمقني وقال: يلوح لي أنك أتيت في دنياك حوباً كبيراً، وهذا الماء لمن وقى شريداً أو أطعم فقيراً. فسفحت دمعي عله يرق لي. . . لكنه تركني وانصرف
ووضع الكتاب في عرصات القيامة، وأذن في الناس إبراهيم، وجيء بالمنعمين في الدنيا فعرضوا على جهنم فسمعنا لها شهيقاً وهي تفور، وصاح صائح: إنا اعتدناها لهؤلاء نزلاً، وسيرون الآن فيها العذاب قبلا.
ورأيت قوماً تجذبهم الملائكة وتقف بهم بين يدي الله، وينادي المنادي بأعلى صوت: هؤلاء هم الشرطيون الذين كانوا في حياتهم يرتشون، والذين كانوا لا يتركون بائعاً جوالاً إلا وهم من بضاعته آكلون؛ تقوم الدنيا إلى جانبهم وهم بباعة العرقسوس لاهون!
وسئل أولهم عما كان يحشو به منديله المحلاوي من لب وفشار، وبطاطا وخيار، وما كان يرشي به من درهم ودينار. ونظرت إليه فإذا هو ناكس رأسه حزناً وألماً يقول:
قد رأيت يا رب قلة راتبي وكثرة أطفالي وإن أحدهم كانت تهصر نضارته الحمى وأمه قائمة إلى جانبه يرفض كبدها لصوت أنينه، فلم أملك رفض الدراهم التي كانت تقدم إليّ لأدفعها للطبيب ثمن الحياة لطفلي، إذ لم يكن ينتفع في الدنيا بطب الطبيب سوى الأغنياء. ولم أسمع أن أحداً منهم خصص يوماً للفقراء، وكان زمني كله شرور فذوو السعة يغلون
أيديهم لا يبسطونها إلى لشهوة أو نزوة أو لوليمة تقام للأمراء والأغنياء، ولم أر موسراً دعي إلى مأدبة فقراء
وكان في زمني مبنى يسمى (متحف الآثار)، كانت تكدس به تماثيل وقطع من الأحجار، يهرع لرؤيتها الأغنياء من الأقطار والأمصار، وكان يكفي ثمن القطعة منه لبناء أكبر دار تضم بين جدرانها العرايا والمشردين من الأطفال الصغار، الذين كانوا يفترشون الأرصفة فتهطل على أجسادهم الرقيقة الأمطار، على أن أحداً لم يحفل ببيع ما تماثل أو تشابه من هذه الآثار، ليدفعوا ببعض ثمنها عني وعن أولئك الأطفال الدمار، بحجة أن في بيعها لمصر عاراً. مع أن تركيا فعلت ذلك واشترت بثمن آثارها أسطولاً في الجو وآخر يمخر البحار، ولم نسمع في زمننا أن أحداً أشار إليها بعار أو شنار. . . وكنت أقف النهار يلوحني الهجير، وأسهر الليل يقضقض عظامي الزمهرير، ولا يدفع لي عن ذلك إلا أجر يسير؛ فقيل له: ألك شاهد بذلك؟ قال: رَسِل باشا. فهتف مناد: يا رسل يا ابن حواء! فأشخص إلى المولى وسئل فوافق على ما قاله رجاله، فدخلوا بشهادة الجنة آمنين. . .
ومر مثل عمري في الدنيا حتى حان دوري في الحساب فشدهت من هول الموقف وفرقاً من هيبة الله وجعلت أسبح وأستعيذ والملاك يغذ بي السير حتى مثلت بين يدي الله فغشي بصري من نوره، وثقلت سيئاتي، فسئلت: لم فسقت عن أمر ربك؟ فألجمني الفزع الأكبر. فهتف هاتف: عذبوه. فانطلق بي الزبانية وإذا بي من جهنم على شفير، فريع قلبي وصرخت صرخة رجعت أصدائها أطباق الجحيم وجأرت بالشكوى إلى الله أن يكشف عني الضر (إنني من أمة حبيبك محمد الأمين). . . فرأيت خاتم الرسل يطوي إليّ رحب السماء على البراق وهو يهتف بي:(لا تثريب عليك فقد غفر الله لك). . . ووكل بي حورية هيفاء حملتني وانطلقت بي إلى جنة الخلد التي وعد الله بها المتقين
وأخذت أخبط في جنبات البساتين فإذا بقصور من در تتغلغل في رياض الجنة وورودها لتفئ إلى عزلة سعيدة، فسألت حوراء من حور الجنان: لمن يكون هذا الحي فقالت: إنه لصرعى الغرام. قلت هل تدليني على قيس بن الملوح) إنه مات وجداً بليلاه. فقالت: أنا بك إليه
ودلفت وراءها إلى فناء قصر تتوسطه بركة ملئت ماء ورد قد خلط بمسك وزعفران، وإذا
فتى إلى جانبها يتدفق الشباب في برديته ويلتهب بحمرة الورد خداه قد أجلس على ركبتيه فتاة في مثل تهاويل الزهر قد أسبغت عليها الجنة جمال أنوثة الدنيا وبهاء الملائكة، ينظر إليها وترنو إليه. . . وبدا لي أنهما لم ينتبها لي كأن بيني وبينهما آفاقاً بعيدة، فصحت مسلماً فنهضا وسلما. . . فقلت إن شعرك يا قيس ظل يتلى حتى قامت الساعة وأنا أعرفك من شعرك. فرحب بي وسهل، واقترحت ليلى أن توصلنا السابحات إلى عين السلسبيل، وقال قيس: سيكون العشاق لك ندامى وسترقص لك وتغني حور عين. وعلى شاطئ النهر دارت بنا كؤوس من زبرجد أخضر نعب منه خمراً لذة للشاربين، وأفعمت حورية أفئدتنا بصوتها السماوي الساحر، ولعبت الراقصة بقلوبنا برقصها المائس الباهر. وتلبثت وقتاً بينهم في بلهنية وخمر. ولما تعالم العشاق إزماعي الرحيل عن حيهم ألجموا إلي فرساً من نور طفت بها أحياء الجنة والملائكة حولي تهتف: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
محمد محمد مصطفى
بإدارة مدرسة البوليس
من الأدب التركي الحديث
الجزيرة الكبرى في الليل
للكاتبة التركية الآنسة معزز أونكان
. . . في ليلة جميلة من ليالي آذار:
(نسمات الربيع تتلألأ حتى تذوب على سطح البحر البراق المشتعل باللمعات الفضية التي قبسها من سنا الأزهار. . . والنجوم المنثورة على السماء الزرقاء تخفق قلوبها ابتهاجاً وسروراً لقدوم الربيع. . . والبحر في هذه الليلة متقبع بملابسه الخضراء. . . وظلام النجوم تغسل أبد الدهر بمياه هذا البحر. . . والقمر في عليائه كأنه تاج فضيّ على رأس الليل. . . أو زهرة ناضرة على صدر الكون. . .)
خلال هذا المنظر الفاتن ترى الجزيرة الكبرى من بُعد كأنها إحدى بلاد الجان في عزلتها وهدوئها وجاذبيتها، وجمالها وسحرها. . . وفي وسط تلك الجزيرة وبين أشجار الأرز الكثيفة في نقطة مرتفعة أضواء مشعشعة كبيرة، يخيل إلى الناظر إليها من بُعد أن نجمة كبيرة هبطت من السماء على تلك البقعة. أو أن تلك الأضواء التي تغمر الأرز باحمرارٍ رهيب هي نار حريق اندلعت ألسنته هنالك. . .
اجمل قصور الجزيرة مغمور بالكهرباء، كأنما خرج ليباري أضواء النجوم والقمر؛ وأزهار هذا القصر الفخم وأشجاره قد تعودت كأهله هذه الحفلات. . . فهي سكرى تتمايل على هدأة الليل.
وحينما ترفع أجمل النغمات العذاب إلى علياء السماء تنصت الريح إجلالاً وإكباراً، والبحر يضم هذه النغمات إلى صدره كما يضم الطفل الحالم أغنية أمّه إلى صدره الصغير. والعنادل تردد اجمل ألحانها على أغصان الأرز ثم تصمت حزينة آيسة، حينما تسمع هذه النغمات الشجية الرائعة - نغمات الليل - وحينما تدرك عجزها عن أن تأتي بمثلها. والقمر الذي يطل من كل مساء من فرج الأشجار المرتفعة، والنجوم التي تطل من السماء بغبطة وحسد. كل هؤلاء كان يعرف أن هذه الجزيرة محل الأنس والطرب، لا يمكن للشقاء والبؤس أن يعيش فيها. الحياة هنالك سعادة دائمة وهناء متواصل.
(بغداد)
نجدة فتحي فيردار
صلاح الدين موسى
المعروف بقاضي زاده الرومي
للأستاذ قدري حافظ طوقان
من الغريب أن نجد في تاريخ الرياضيات لسميث في الجزء الأول ص 289 أن غياث الدين يعرف بقاضي زاده الرومي وأيضاً بعلي القوشجين وهذا خطأن فغياث الدين لم يعرف بأحد هذين الاسمين بل إن غياث الدين وقاضي زادة وعلي القوشجي هم ثلاثة أشخاص اشتهروا باهتمامهم في العلوم الرياضية والفلكية، وقد يكون الخطأ الذي وقع فيه سميث ناتجاً عن كون الثلاثة اشتغلوا في مرصد سمرقند وعاونوا ألفي بك صاحب المرصد وأمير تركستان وما وراء النهر في إجراء الأرصاد وعمل الأزياج
إن قاضي زادة الرومي هو صلاح الدين بن محمد بن محمود من علماء الرياضيات والهيئة الذين اشتهروا في القرن التاسع للهجرة، ولد في بروسة في النصف الأخير من القرن الثامن للهجرة وتوفي في سمرقند بين 830هـ و40 هـ. درس مبادئ العلوم على علماء زمانه ثم لازم علي شمس الدين منلا فنارى ودرس عليه الهندسة وقد مدح له علماء خراسان وما وراء النهر وذكر له الشيء الكثير عن تفوقهم في الهيئة والرياضيات مما أوجد رغبة عند صاحب الترجمة في الذهاب إلى تلك البلاد للاجتماع بعلمائها والاغتراف من فيض علمهم ونبوغهم
ولقد شعر قاضي زادة أن أهله سيمانعون في سفره، ولذلك عوّل على تنفيذ عزمه مهما كلفه الأمر. ويقال إن إحدى شقيقاته شعرت بذلك وخافت أن يقع أخوها تحت غوائل الحاجة والفاقة في بلاد الغربة فوضعت بعض مجوهراتها بين كتبه التي ستصحبه في السفر. وفي أواخر القرن الثامن للهجرة اختفى قاضي زادة بغتة وإذا هو في طريقه إلى خراسان وبلاد ما وراء النهر حيث درس على علمائها العلوم الرياضية وقد وصل فيها إلى درجة يحسده عليها معاصروه من فحول العلماء وكبار الحكماء
اشتهر في سمرقند وذاع صيته، واستدعاه ألفي بك وقربه وأغدق عليه العطايا وعيّنه أستاذاً له. ولا شك أن الفضل فيما نجده في ألفي بك من رغبة في مواصلة الدرس والبحث يرجع إلى قاضي زاده الرومي
ولقد دفعته هذه الرغبة إلى تأسيس مدرسة عالية وعهد إلى قاضي زاده بإدارتها. وقد بنيت المدرسة على شكل مربع في كل ضلع من أضلاعه قاعة للدرس عُيِّن لها مدرس خاص. وكان قاضي زاده يدرس للطلاب ومدرسي القاعات ويحاضرهم مجتمعين. ومما يؤثر عنه أنه كان شديد المحافظة على كرامة العلماء والأساتذة لا يرضى بالتعدي على استقلالهم ويقف دون أية محاولة للضغط عليهم، كما كان من القلائل الذين يحملون روحاً علمياً صحيحاً، اشتغل للعلم لا لغيره، لم يبغ منه مكسباً أو جاهاً
عزل ألفي بك أحد المدرسين في المدرسة المذكورة فاحتج قاضي زاده على ذلك وانقطع عن التدريس وإلقاء المحاضرات. ويظهر أن ألفي بك شعر بخطئه فذهب بنفسه لزيارته وسأله عن سبب الانقطاع، فأجابه: كنا نظن أن مناصب التدريس من المناصب التي تحيطها هالة من التقديس لا يصيبها العزل وأنها فوق متناول الأشخاص. ولما رأينا أن منصب التدريس تحت رحمة أصحاب السلطة وأولي الأمر وجدنا أن الكرامة تقضي علينا بالانقطاع احتجاجاً على انتهاك حرمات العلم والعبث بقداسته.
إزاء ذلك لم يسع ألفي بك إلا الاعتذار وإعادة المدرس المعزول وإعطاء وعد قاطع بعدم مساس حرية الأساتذة والمعلمين
قد يمر كثيرون بهذا الحادث ولا يعيرونه اهتماماً؛ ولكن إذا نظرنا إلى حاجة قاضي زاده إلى الوظيفة ومعاشها وإلى سطوة الأمراء في تلك الأزمان وإلى الجرأة النادرة التي ظهر بها، نجد أنه لا يقدم على ما أقدم عليه إلا من أنعم الله عليه بروح علمي صحيح وبثقة في النفس عظيمة لولاهما لما وصل قاضي زاده إلى ما وصل إليه من مكانة رفيعة ومقام كبير عند العلماء وأصحاب الثقافة العالية
امتاز قاضي زاده على معاصريه بعد اعتقاده بالتنجيم أو الأخذ به؛ وكان لا يرى فيه علماً يستحق الاعتناء أو الدرس بعكس ألفي بك الذي يعتقد به ويسير أموره بموجب أحكامه. وقد أَدى هذا الاعتقاد إلى وقوعه في مشاكل وصعاب انتهت بالقضاء عليه كما يتبين لنا من ترجمة حياته
رغب ألفى بك في علم الفلك ورأى فيه لذة ومتاعاً وأحب أن يتحقق من بعض الأرصاد التي قام بها فلكيو اليونان والعرب وأن يتقدم به خطوات، لهذا بنى مرصداً في سمرقند كان
إحدى عجائب زمانه. زوده بالأدوات الكبيرة والآلات الدقيقة وطلب من غياث الدين جمشيد وقاضي زاده أن يعاوناه في إجراء الرصد وتتبع البحوث الفلكية. وقد توفي غياث الدين قبل بدء الرصد كما توفي الثاني قبل إتمامه، فعُهد إلى علي القوشجي بأعمال الرصد ليكملها
ومما لا شك فيه أن الأرصاد التي أجراها قاضي زاده مما تزيد في قيمة الأزياج التي وضعت على أساسها. فقاضي زاده لم يكن من علماء الهيئة فحسب، بل كان أيضاً من اكبر علماء الرياضيات في الشرق والغرب. درس عليه كثيرون، وبرز بعض تلامذته في ميادين المعرفة، وإلى هؤلاء يرجع الفضل في نشر العلم والعرفان في بعض الممالك العثمانية. يقول صالح زكي:(. . . إن هناك كثيرين اخذوا عن قاضي زاده وقد انتشر بعضهم في الممالك العثمانية ففتح الله الشيرواني الذي درس العلوم الشرعية علي الشريف الجرجاني والعلوم الرياضية علي قاضي زاده، وذهب إلى قسطموني حيث اشتغل بالتدريس وكان ذلك في حكم مراد خان الثاني، وكذلك علي القوشجي الذي دعي إلى زيارة استامبول، وبقي فيها مدة يعمل على نشر العلم وكان ذلك في عصر محمد الثاني. . .)
ولقاضي زاده رسائل نفيسة ومؤلفات قيمة منها:
رسالة عربية في الحساب، وقد ألفها في بروسه سنة 784هـ قبل ذهابه إلى بلاد ما وراء النهر ولها شرحان.
وكتاب (شرح ملخص في الهيئة) وهو شرح لكتاب (الملخص في الهيئة) لمحمود بن محمود بن محمد بن عمر الخوارزمي وضعه بناء على طلب ألفي بك
ورسالة في الجيب وهي رسالة ذات قيمة علمية تبحث في حساب جيب قوس ذي درجة واحدة.
وكذلك له شرح (كتاب ملخص في الهندسة) تأليف محمود بن محمود الخوارزمي، وقد عمل الشرح بناء على رغبة ألفي بك
وشرح كتاب أشكال التأسيس في الهندسة تأليف العلامة شمس الدين بن محمد بن أشرف السمرقندي - وهذا الكتاب خمسة وثلاثون شكلاً من كتاب أقليدس
(نابلس)
قدري حافظ طوفان
العالم يتطلع إلى حدودنا المصرية
أربعون يوماً في الصحراء الغربية
للأستاذ عبد الله حبيب
- 5 -
تحدث المحرر في مقالاته السابقة عن طريف مشاهداته في الصحراء الغربية ووصف بعض صفات الأعراب وأخلاقهم وطرق معيشتهم. وهو في هذا المقال يتحدث إلى القراء عن (مرسى مطروح) عاصمة الصحراء الغربية حديثاً طريفاً
مرسى مطروح
هي ميناء صغيرة تحمي مدخلها من أمواج البحر الأبيض صخور طبيعية في وسها مدخل صغير يسمح بمرور البواخر العادية الحجم. ومن الصعب على البواخر دخول الميناء في أوقات العواصف والأنواء. وحول الميناء عدد من البحيرات يفصل بينها حاجز رملي بسيط لا يلبث أن يطغي عليه البحر فيملأ هذه البحيرات بمياهه. وهناك على رابية مرتفعة شرقي الميناء تقع طابية أثرية قديمة يغلب أنها من العهد الروماني. ثم حولها الأتراك إلى طابية تركية وجعلت أخيراً حصناً منيعاً للدفاع عن الميناء، وكان ذلك في سنة 1926
ومرسى مطروح بلدة قديمة كان للتجارة فيها شأن عظيم وازدهرت في عهد الرومان وكانت تشتهر بتصدير الشعير والإسفنج والبلح والأغنام، وقد شيدت الملكة كليوبطرة قصراً فخماً بها. وكانت تقيم فيه مع القيصر أنطونيوس. ومنه كانت تدبر حركة جيوشها في مصلحة الأخير ضد أغسطس الذي أقام بها بعد موقعة أكتيوم.
كذلك كانت لمرسى مطروح شهرة ذائعة في عهد اليونان أيام حكم اسكندر الأكبر المقدوني؛ وكانت تسمى في ذلك الحين (برننيوم) كما كان بعض القدماء يسمونها (أمونية) ويغلب أنهم أطلقوا عليها هذا الاسم نظراً إلى أنها كانت بداية الطريق الموصلة إلى سيوة حيث يوجد معبد الإله أمون ويسمي (جوبتره أمون) ويقال إن الإسكندر حين قام برحلته الشهيرة لزيارة هذا المعبد في سيوة والتبرك به ابتدأ من هذه المدينة
وفي الأيام الأخيرة قرر الإمبراطور (جوستنيان) تحصينها وجعلها نقطة أمامية في خط
الدفاع عن القطر المصري إذا هوجم من الجهة الغربية. على أنه يغلب أن يكون الحصن المقام بها والسابق ذكره يرجع إلى عهد هذا الإمبراطور. ويظهر أن التاريخ يعيد نفسه، فقد كانت أيضاً نقطة دفاع مهمة في السنة الماضية وفي هذه السنة ضد الهجوم الإيطالي المتوقع من الجهة الغربية
وليست هناك في الواقع آثار يمكن الاستدلال منها على مركز مرسى مطروح قديماً وما كان لها من الأهمية في العصور السابقة. والظاهر أن البحيرة الممتدة غرب الميناء الحالي هي التي كانت مستعملة قديماً للرومان واليونان وهي بحيرة منيعة. ولا تزال بها آثار رصيف حجري يقع على مقربة من طرفها الشرقي
وبالقرب من موقع جامع البلدة الجديدة توجد آثار بناء قديم به بعض النقوش. ولهذا البناء ممر (نفق) تحت الأرض يصل إلى شاطئ البحر، ويسمى هذا البناء (فيلا كليوبطرة) وأحياناً (حمام كيلوبطرة)
أما البحيرات الشرقية من الميناء فيوجد بها بعض درجات صخرية قديمة توصل من الشاطئ إلى شرفة من الصخور المطلة على البحيرة، ولا يعرف تاريخها بالضبط، وفي نهاية هذه البحيرة من الجهة الشرقية أقام بنك مصر ملاحة كبيرة معطلة للآن عن العمل. وفي جنوب البلدة سلسلة من التلال المرتفعة بها عدد من الكهوف الصخرية يظهر أنها كانت مستعملة كمقابر وعلى مقربة منها برج مرتفع يشرف على البلدة جميعها وبجواره سلسلة مواقع حربية حصينة.
البلدة الحديثة
أما البلدة الحديثة فمشيدة بنظام هندسي بديع على أرض مستوية يقع أمامها البحر، وسلسلة صخور. وإلى الخلف سلسلة من المرتفعات الحصينة الصخرية وبها محافظة الصحراء الغربية، وهي مركز تجاري عظيم للقوافل بينها وبين سيوة، وبها سنترال عام للمواصلات الخارجية، وهي آخر محطة في الخط الحديدي الواصل من الإسكندرية. وبها فنادق حديثة. ويعتبر فندق (الليدو) من فنادق الدرجة الأولى إذ أن كل غرفة فيه مجهزة بحمام للمياه الساخنة والباردة. وأما شاطئ البحر الرملي اللامع فيعد من أحسن شواطئ العالم جمالاً وهدوءاً، بل إنه يضارع شاطئ الريفيرا نفسه. وقد أصبحت البلدة الآن محطة عظيمة
للطائرات المحلية والأجنبية، وهي من أحسن الأمكنة لقضاء صيف هادئ جميل
وسكانها من العرب والمهاجرين من الطرابلسيين واليونان، ومنازلها مبنية كلها بالحجر على نظام حديث
المياه العذبة
ومشكلة المياه العذبة في مرسى مطروح من المشاكل الدقيقة. وكان الرومان يحفرون خزانات صخرية عند منحدرات التلال تملأ بمياه الأمطار في وقت الشتاء. وتوجد بالبلدة عدة آبار، ولكنها غير عذبة تماماً؛ ويشرب منها الأهلون والحيوانات. على أنه يمكن الحصول على المياه العذبة إذا حفر الإنسان قليلاً بالقرب من الشاطئ. ويزرع الأهلون بعض الحدائق من مياه هذه الآبار وترسل المياه النيلية من الإسكندرية على بواخر مصلحة السواحل
أما الآبار الرومانية الشهيرة فتقع على بعد 12 كيلومتراً تقريباً من البلدة، وهي آبار عجيبة جداً، إذ هي عبارة عن نفق صخري طويل تسير فيه المياه وطوله عظيم ويمكن للإنسان أن يسير فيه مسافات طويلة تحت الأرض، وله فتحات محفورة في الصخور لإدخال النور وتسهيل تنظيفه. والمياه فيه وفيرة، وقد استغلها الجيش البريطاني في الحركة الأخيرة عام 1926 فركب عليها آلات خاصة ومواسير تصل بها المياه إلى مرسى مطروح، ولا تزال بها حتى الآن، ومنها تمد البلدة بالمياه بسهولة جداً
صيد الإسفنج
صناعة صيد الإسفنج في مرسى مطروح قديمة يرجع تاريخها إلى عدة قرون ويعتبر إسفنجها من أحسن الأنواع في العالم. ويبدأ فصل الصيد من شهر مايو إلى أكتوبر سنوياً حيث تزدحم مياه البحيرات في الميناء بأسطول عظيم من مراكب الصيد كلها من اليونان. أما طريقة الصيد هناك فغريبة وخطرة إذ يغطس الصياد بثقل من الأحجار ويذهب كثيرون منهم في بعض الأحيان ضحية لهجوم وحوش البحر. ويقدر محصول الإسفنج سنوياً بآلاف الجنيهات. أما الصيادون أنفسهم فأكثرهم من سكان الجزائر اليونانية، وهم قوم أتقياء جداً وقد بنوا كنيسة بالبلدة، ولهم قساوسة. وأظن أن هذه الكنيسة هي الوحيدة في الصحراء
الغربية.
عبد الله حبيب
-
من برجنا العاجي
(هتلر) ذلك الرجل الذي يعيش وحيداً قوياً لا يعرف المرأة ولا يذوق اللحم ولا الخمر ولا يفكر إلا في السيطرة على العالم وقيادة البشر، ذلك الرجل الذي لو خرجت من بين شفتيه كلمة رقيقة على مائدة السياسة الخضراء لتغير وجه التاريخ. قد شاء القدر أن يجلس أخيراً إلى مائدة غذاء في مونيخ، منفرداً مع كوكب لامع من كواكب الغناء، وقد خرجت من بين شفتيه هذه الكلمات:
- إن صوتك لصافٍ صفاء البلور النقي!
فقالت المغنية الجميلة في ابتسامة ساحرة:
- شكراً
فقال المستشار:
- أنا الذي ينبغي له أن يشكرك
فقالت الغانية في شيء من العجب:
- على ماذا؟
- على مجرد وجودك في الدنيا لا أكثر ولا أقل!
قرأت خبر ما تقدم في إحدى المجلات الأوربية. وقد ختمت المجلة الخبر بقولها: (وقد سافرت المغنية بعد ذلك إلى باريس، فأراد هتلر أن يضع طائرة تحت تصرفها. أتراه قد وقع في الغرام؟ أي خلاصة البشرية إذا قنع هتلر منذ الآن بمكان رحب بالقرب من المرأة!)
واحب أن أعلق أنا على هذا الخبر بقولي: أترى المرأة تنتقم دائماً من ذلك العظيم الذي قضى حياته في البعد عنها وكرس جهوده لغير التفكير فيها؟ أو ترى الرجل العظيم الذي طرح المرأة من حسابه وأخرجها من حياته يعيش إلى آخر أيامه قانعاً ناعماً أم أنه يشعر فجأة في لحظة من اللحظات أن امتلاك العالم بأسره لا يعدل أحياناً امتلاك قلب امرأة؟!.
توفيق الحكيم
الدين الصناعي
للدكتور محمد البهي
الأستاذ بكلية أصول الدين
تحت هذا العنوان كتب الأستاذ أحمد أمين في مجلة الثقافة رقم 22 بتاريخ 11 ربيع الآخر سنة 1358 - 30 مايو سنة 1939 يشرح الدين الصناعي ويحدده
وقد تناوله من ناحيتين: من ناحية ماهيته ومن ناحية أخرى وهي مظهره العملي أو ناحية التدين به
فأما من الناحية الأولى فقد وصفه بأنه (كصناعة النجارة والحياكة يمهر فيها الماهر بالحذق والمران
. . . ويحمل صاحبه على أن يحيا به ويتاجر به ويحتال به
. . . ويحمله على أن يلوي الدين (دين الحق!!!) ليخدم السلطان ويخدم السياسة)
أما مظهره العملي في نظره فهو: (. . . عمامة كبيرة وقباء يلمع وفرجية واسعة الأكمام
. . . هو نحو وصرف وإعراب وكلام وتأويل
و (الشهادة) فيه إعراب جملة وتخريج متن وتفسير شرح وتوجيه حاشية وتصحيح قول مؤلف ورد الاعتراض عليه
وأخيراً هو. . . تحسين علاقة صاحبه بالإنسان لاستدرار رزق أو كسب جاه أو تحصيل مغنم أو دفع مغرم)
وعهدي بكتابة الأستاذ أحمد أمين أن تكون لغاية إيجابية تقصد، وعهدي بأسلوبه في التفكير أن يكون مرتب الفِكرِ يصل بالقارئ إلى تلك الغاية بدون مشقة أو تكلف
قرأت مقال (الدين الصناعي) مرة ثم تكررت القراءة لأقف على الغاية العلمية التي يبغيها الأستاذ الكبير، لأن اتجاهه العلمي في أبحاثه هو الذي حملني على أن أطلب هذه الناحية أولاً فلم أخرج منه بالعناصر التي تكون الطابع العلمي للبحث والتي من بينها بل وأخصها (الاعتبار العام)
فما ذكره على أنه مظهر (الدين الصناعي) ليس له صفة العموم في كل بلد تدين بالإسلامية أو تدين أكثريته به. فا (العمامة الكبيرة والقباء الذي يلمع والفرجية الواسعة الأكمام) ليست
من مظاهر التدين الحقيقي أو الصناعي بين مسلمي الهند أو مسلمي شرقي أوربا مثلاً في عصرنا الحاضر. ولم اعرف أن (النحو، والصرف وإعراب الكلام والتأويل) رمز العمل الذي يتناوله محترف الدين أو صاحب الدين الصناعي في أي بلد إسلامي، في مصر أو في غيرها من البلدان الأخرى، كما أعرف أن (الشهادة) عنده هي (إعراب جملة وتخريج متن وتفسير شرح وتوجيه حاشية وتصحيح قول مؤلف ورد الاعتراض عليه).
نعم قد يتناول الباحث اللغوي مثل هذا العمل، كأي راغب آخر في بحث موضوع بعينه قد يتناوله ويعالجه من جهات لا تلذ لبعض القراء أو يقبل ميل السامع إلى الإصغاء إليها، ولكن ذلك لا يدل على تفاهة البحث في ذاته فضلاً عن دلالته إذا ما تناوله رجل ينتسب إلى الدين على أنه مظهر تدينه أو عنوان احترافه بالدين
الأستاذ أحمد أمين، كثيراً ما كتب أيضاً في بعض النواحي الاجتماعية والخلقية في مصر، وكثيراً ما حاول في كتابته علاج تلك النواحي بعد الدقة في وصفها وتشخيصها. لهذا عمدت بعد عجزي عن محاولة جمع العناصر التي تكون الطابع العلمي من مقاله (الدين الصناعي)، إلى التفتيش عن الظاهرة الاجتماعية التي يريد الأستاذ علاجها أو عن المعنى الخلقي الشائع الذي يبغي شرحه ليوقف قراءه على شيء جديد لا يستطيع الرجل العادي أن يهتدي إليه
عرضت أمام نظري، مستعيناً بالمشاهدات، المظاهر الاجتماعية المألوفة في مصر التي يبدو فيها النقص والتي قد تؤخذ على أمة تطلب الكمال في معاني المدنية، وعرضت كذلك كثيراً من الصفات السلبية للخلق السائد فينا
حقاً وجدت (تحايلاً) وكفاحاً من طبقات مختلفة حول هذا التحايل. وجدت تحايلاً باسم (البحث العلمي) وتحايلاً باسم (حرية الفكر) وتحايلاً باسم (الديمقراطية) وتحايلاً باسم (الدين). كل طائفة تبغي قضاء رغباتها الخاصة، وكل تسلك هذه الطريق، طريق (التحايل)، مستغلة سذاجة الشعب وجهله. فكما يسند (التحايل) و (الاحتراف)(والاتجار) إلى الدين فينشأ بهذا الإسناد ما عنون الأستاذ با (الدين الصناعي) يجوز أن تسند كذلك إلى نظائر الدين مما يحترف به في مصر ويتحايل ويتجر به فيها من البحث العلمي، وحرية الفكر، والديمقراطية. . . الخ ويصح أن ينشأ أيضاً عن هذه النسبة ما يسمى بالبحث العلمي
الصناعي، وحرية الفكر الصناعية، والديمقراطية الصناعية. . . الخ
فليس إذاً (التحايل) الذي جعله الأستاذ مقوم الدين الصناعي ومكوناً لأهم جزء من ماهيته خاصاً (بالدين الصناعي) ولا يتحتم أن يكون مصدره صاحب العمامة الكبيرة والقباء اللامع والفرجية الواسعة الأكمام، ولا من يتناول الأبحاث اللغوية أو يشرح التآليف، بل يصح أيضاً أن يكون صاحب البحث العلمي الحر أو من يهيم بأدب الإغريق وفلسفتهم أو خطيب المحافل السياسية
وإذا فالدين الصناعي ليس هو الظاهرة الاجتماعية التي يجب أن تعالج، ولا صاحب العمامة الكبيرة هو الملوم في إحداث هذه الظاهرة، وإنما الذي يجب أن يداوى هو (التحايل والاحتراف) بأي موضوع من موضوعات الثقافة: الدين أو العلم أو السياسة الخ. والملوم في ذلك هو جهل الأمة، وعدم استطاعتها وضع مقاييس صحيحة للقيم الرفيعة.
ولما لم أتبين الظاهرة الاجتماعية التي، ربما، أراد الأستاذ علاجها في (الدين الصناعي) وحده كما لم أنجح في تكوين طابع علمي لمقاله هذا، غلب على ظني أن الأستاذ ربما أراد أن يمتع قراءه بقطعة أدبية، وأن يهيئلهم لذة نفسية من وراء جمالها الرائع، وكثيراً ما يكون ذلك مقصد الأديب في الشرق.
والأستاذ أحمد أمين فوق ما له من الأبحاث العلمية والاجتماعية أديب وفنان!
محمد البهي
دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس من جامعات ألمانيا
من أدب العمر
لغة الإدارة. . .
للشيخ حسن عبد العزيز الدالي
وقع في يدي صباح الأمس خطاب لأحد عساكر البوليس كان قد أرسله إلى أبي رحمه الله في سنة 1915 وهو يومئذ عمدة البلد يخبره فيه أن نزاعاً حدث بين أخته وزوجها ويطلب إليه أن يفصل في هذا النزاع، وفي آخر الخطاب يقول:(والحذر من التأخير)!
لا أعلم ماذا كان وقع هذه الجملة على مسمع العمدة؛ والغالب أنه حملها باسماً على محمل السذاجة والجهل؛ ولكني أعلم أن هذه الجملة لا توجد إلا في قاموس الإدارة فأين وقع عليها هذا الجندي المسكين؟ لقد كان يعمل في أقسام القاهرة، وكان يلاحظ أن هذه الجملة البليغة لازمةٌ رسمية تختم بها الرسائل والطلبات الصادرة من المأمور إلى الجمهور، فرسخ في ذهنه من طريق القدوة الحسنة أن هذا هو الأصل في التحرير، لكل صغير وكبير!
هل تظن يا سيدي القارئ أن هذه العبارة، سقطت من لغة الإدارة، بعد أن انتشر التعليم، في العواصم والأقاليم، وشاع الذوق الكتابي والخطابي بين كل الناس، من حامل القلم إلى حامل الفاس؟ لقد رجعت إلى دفتر الإشارات التليفونية الصادرة إليّ عن المراكز في شهر مايو الماضي فوجدتها سبعين إشارة، ثلاثة أرباعها ينتهي بهذه الجملة التقليدية:(والحذر من التأخير) والربع الباقي ينتهي بعبارات مختلفة، منها (وإلا فالمسؤولية شديدة)، (فلا تلومون (كذا) إلا أنفسكم)، (ومن يهمل سننظر في أمره بشدة). . . الخ الخ. فقلت في نفسي: عجيب! أيمر عليّ خطاب (الجاويش مرسي) ربع قرن ولم يتول الكتابة من خلاله للمأمورين والمعاونين كاتب من حملة البكالوريا يعلَّم سادتنا (الكتاب)، آداب الخطاب، ويفهمهم أن هذه اللهجة وإن صلحت للخفير فلا تصلح للعمدة، لأن العمدة يمثل الحكومة في بلده، كما يمثلها المأمور في مركزه، وإذا كان بينهما فرق فهو أن المأمور يعمل مأجوراً مشكوراً، والعمدة يعمل متطوعاً ومتبرعاً. فهل يجوز أن يكافأ على ما يتحمله من المسؤولية والمشغولية والغرامة، بحرمانه من الأجر والشكر والكرامة؟!
حسن عبد العزيز الدالي
عمدة كفر دميره القديم
التاريخ في سير أبطاله
أحمد عرابي
أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح وأن يحدد له
مكانه بين قواد حركتنا القومية؟
للأستاذ محمود الخفيف
حل البارودي محل الشريف وفي البلاد ما فيها من أثر تلك المذكرة التي جاءت في تلك الظروف التي بينا دليلاً على سوء تدبير واضعيها وعلى قصر نظرهم ورعونتهم. ولكن ما لنا نشير إلى قصر نظر الدولتين فيما فعلتا ونحن لا يتداخلنا شك في أنهما كانتا تريان عاقبة فعلتهما، وأنهما إنما أرادتا إثارة الخواطر وزيادة أسباب الخلاف بين الخديو وزعماء البلاد المدنيين منهم والعسكريين، فبهذا يتيسر لهما الوصول إلى الغرض المرسوم
وكان طبيعياً أن يسير البارودي على نهج غي الذي سار عليه شريف، فهو بحكم مركزه بين الزعماء العسكريين وبحكم الظروف التي أدت إلى استقالة شريف، لم يكن أن يحمل نفسه على الهوادة والملاينة، وإلا ففيم كان إحراج شريف ثم إخراجه من الحكم؟
ومن ذلك يتبين لنا أن السياسة التي جرى عليها البارودي في وزارته لم يكن له منتدح عنها، وأن مردها في الواقع إلى مسلك الدولتين وعلى ذلك فمن الظلم أن نرجع باللوم كله على تلك الوزارة فيما ارتكبت من أخطاء، فإن جانباً كبيراً من اللوم بل لعل اللوم كله يقع على الذين دفعوا الوزارة بقبح تدبيرهم وسوء نيتهم في تلك الطريق التي ما لبثت أن رأت نفسها فيه تخرج من أزمة لتدخل في أزمة غيرها
وهكذا تدفع الدولتان البلاد في طريق العنف والثورة ثم تتهمانها مع ذلك بالفوضى وتجعلان من مبررات تدخلهما القضاء على الفتن والقلاقل الداخلية وإنها لمن صنعهما؛ ولن يكون في صور الظلم أبلغ وأوجع من أن يضرب مضعوف على رأسه فإذا نفر من الضرب وتأوه عد نفوره جموحاً واعتبر تأوهه ثورة. . .!
وكان عرابي وزير الجهادية في وزارة البارودي، وأنعم عليه برتبة الباشوية؛ وهو يقول إنه قبلهما هذه المرة كارهاً، فلولا أنه رأى أن المنصب يقتضي قبول الرتبة ما قبلها. وأنا
أميل إلى تصديقه فيما يقول فليس في الأمر ما يحمل على الريبة في قوله، وهو لا يسوق هذا القول مساق الفخر وإنما يسوقه بين براهينه على أنه لم يكن يوماً يدعى خصومه تحكه الأطماع الشخصية
وأما عن قبوله المنصب فما نظن أنه كان يستطيع أن يبقى بمعزل عن الوزارة وقد صار له في سياسة البلاد هذا الشأن بعد حادث عابدين. وإنا لنعجب أشد العجب للذين يعيرون رجلاً لقبوله منصباً من المناصب ويتخذون ذلك القبول دليلاً على أنه يطلب الخير لنفسه فحسب، فهل كانت المناصب عند الناس جميعاً وسيلة إلى إشباع المطامع وجلب المنافع الذاتية؟ وأي شيء يجعل هذا لازمة حتمية للمنصب؟ وأي شيء يمنع من أن يكون المنصب عند بعض الناس وسيلة إلى غاية جليلة شريفة هي العمل للصالح العام؟ وأي قرينة تمنع من أن نسلك عرابياً في سلك هؤلاء الداعين إلى الخير العام والذين يتخذون من المناصب أداة لخدمة المجتمع؟ إن ابسط قواعد العدالة تضع المتهم على قدم المساواة مع البريء حتى تثبت إدانته، فأية إدانة يلصقها بعرابي أولئك الذين عابوا عليه دخول الوزارة؛ إنهم إذ يتهمونه بالسعي إلى صالحه هو لا يعدون بذلك حدود التهمة، فله أسوأ الفروض من موضع البريء من العدالة حتى تثبت إدانته، وما أيسر أن تكال لأي فرد من الناس في غير حساب، وما أصعب البينة على الذين يفترون الكذب وهم يعلمون. . .
إن الذين يرون في الحكم مغنماً لهم إنما هم أولئك المفرطون في حقوق أوطانهم الممالئون للدخلاء فيها، والمستضعفون من الرجال، والذين في قلوبهم مرض، والمغترون بالحياة وأوهامها، والمالئون بطونهم كما تأكل الأنعام؛ أما أولو النخوة والعزة من الرجال فلن تلهيهم عن دوافع نفوسهم الأبية الحياة الدنيا وزينتها؛ ولن تطفئ الحمية في قلوبهم ما يحلي بها الأغرار صدورهم من أوسمة، أو تزدهي أنفسهم الكبيرة الرتب والألقاب، أو يزيغ أبصارهم بريق الذهب، لأن هذه جميعاً عندهم مظاهر وهم يحتقرون كل مظهر، لأنهم يطلبون الجوهر. ومن كان في هذه الدنيا كبيراً بنفسه فما بحاجة إلى أن يتكبر، ومن تكبر وهو بنفسه صغيراً فما زاد على أن أضاف إلى حقارة نفسه ما هو أحقر
ولقد كان عرابي كبير النفس كبير الآمال فكان المنصب عنده باباً من أبواب الجهاد ووسيلة من وسائله؛ فما يعيبه أن يدخل الحكم وإنما يعيبه أن يعرض عن الحكم وعلى الأخص في
مثل تلك الشدة التي ساق الطامعون إليها البلاد على غير إرادتها. . .
على أن الناس ما كانوا ينظرون إلى عرابي نظرتهم إلى وزير من الوزراء فحسب، بل كانوا ينظرون إليه نظرتهم إلى الرجل الذي تعلق عليه الآمال فيما كانت البلاد مقبلة عليه، وإنما كانت تقوم نظرتهم على ما بلوا بأنفسهم من إخلاصه، وما شهدوا من بسالته وحميته، وعلى ذلك فما زاده المنصب في أعين الناس مثل ما يطلبه غيره ليزداد به من جاه أو شرف، وأي شرف يطمع فيه الرجل هو أعظم من أن يكون في بني قومه معقد الرجاء وموضع الثقة؟
ولقد كان عرابي في الوزارة إذا أردنا الحق أكثر من وزير فكانت الكلمة كلمته وكان الرأي رأيه، أراد ذلك أم لم يرده، ونقول أراده أم لم يرده لأنه بات في الزعماء رجلاً ليس للزعماء مثل ما له في قلوب الناس من مكانة وسحر. وهل كان سعد زغلول في كرسي الرياسة كسواه من رؤساء الوزارات، ليس لشخصه من تأثير في قلوب الناس إلا ما تبعثه هيبة المنصب ورهبته؟ أم كان سعد في الناس رجلاً غير ما ألفوا تحف به هالة من أمجاده فتخلق له شخصية وسطاً بين الملائكة والناس؟ وهل ازداد سعد بالمنصب شيئاً في أعين الناس أم أن المنصب هو الذي ازداد به علواً ومهابة؟ على هذا القياس صور لنفسك شخصية عرابي بين قومه يومئذ مع تذكر الفرق بين جيل عرابي وجيل سعد ومواهب عرابي
كان على وزارة البارودي بادئ الأمر أن تواجه أزمة الميزانية؛ وكان عنصرا هذه الأزمة الدولتين المتجنيتين على البلاد ونواب الشعب الغاضبين لكرامة بلادهم المتمسكين بحقهم أمام باطل أعدائهم، وكان من الطبيعي أن تعمل وزارة البارودي أحد الزعماء العسكريين والتي كان عرابي نفسه أحد وزرائها، على تحقيق آمال البلاد، بل لقد كان أمراً حتمياً على تلك الوزارة أن تفعل هذا فعلى هذا الأساس كان قيامها بالحكم
قامت وزارة البارودي على إرادة الأمة ما في ذلك ريب؛ فإن النواب حينما أظهروا أسفهم لشريف أن يكون المجيب لمطالبهم رجلاً غيره، وحينما ذهبوا إلى الخديو يشكون إليه أمرهم كانوا معبرين في ذلك عن مشيئة الأمة، وآية ذلك أن الخديو لما سألهم بأي حق يطلبون إقالة شريف كان جوابهم (هذه إرادة الأمة)
ولم يسع الخديو إلا أن يذعن - ولكن على طريقته - لإرادة الأمة هذه، فدعا شريفاً والقنصلين الأجنبيين وعرض عليهما الأمر فلم يكن أمام شريف غير الاستقالة. ثم إن الخديو دعا إليه زعماء النواب وسألهم كما أسلفنا عمن يرضون لرياسة الوزارة، فبعد أن بينوا له أن ذلك من حقه اختاروا البارودي واشترطوا أن يكون قيام وزارته على أساس إجابة مطالب النواب
ولقد أضاف الخديو إلى أخطائه خطأ جديداً بقبوله هذا الأساس فمن حقه وحده اختيار رئيس وزرائه، ولكنه خطا حتى هذه الخطوة بإشارة القنصلين فلقد أوهماه أن في هذه خيراً له، فبه يخلو من التبعة ويلقيها على عاتق النواب والزعماء. . . ولكنهما في الحقيقة كانا يريدان أن يوسعا مدى الخلف بين الخديو والبلاد؛ ومن السهل عليهما أن يوحيا إليه على لسان أعوانهما بعد ذلك أنه أصبح وليس له من الأمر شيء
على أن مالت وكلفن وأشياعهما ما لبثوا أن أذاعوا في مصر وفي أوربا عن الوزارة كل سوء ورموها بكل باطل من الاتهام، فهي وزارة عسكرية محضة لا تعترف سياسة أو تنظر في عاقبة أمر من الأمور وإنما قوام أعمالها العنف والثورة؛ وهي وزارة لا تحسب لأي سلطة غيرها حساباً فليس للخديو وجود فعلي أمامها، وليس للأجانب على ما لهم في مصر من ديون أي حق أو شبه حق. . . إلى غير ذلك من اللغو والإفك
أما عن عرابي نفسه فقد خرج بأوفر نصيب من التهم الباطلة، ومن هذه التهم ما عزي إليه على لسان جريدة التيمس أنه هدد شريفاً وأنه شهر سيفه في وجه سلطان باشا رئيس المجلس وهدده بتيتيم أطفاله. ولقد بلغ من رواج هذه الإشاعة أن أثبتا ماليت في يومياته، بل لقد أثبت ما هو أشد خطراً منها ألا وهو أن الخديو ما قبل استقالة شريف إلا تحت تأثير تهديد لا يقل عن هذا
ولقد استاء سلطان من هذه الفرية وحاول جهده تكذيبها. يقول مستر بلنت في مذكراته: (وقد ذهبت إلى منزل سلطان باشا فوجدت فيه طائفة كبيرة من النواب وكثيرين من ذوي الحيثيات والمكانة في مصر وهم: الشيخ العباسي وعبد السلام باشا المويلحي وأحمد بك السيوفي وهمام أفندي وشديد بطرس أحد كبار النواب الأقباط وغيرهم. وقد أنكر هؤلاء جميعاً هم وسلطان باشا أنهم عملوا تحت تأثير أي تهديد، وتكلم سلطان باشا بلهجة شديدة
مستنكراً القصة التي اخترعت عنه وقال: إن أحمد عرابي إنما هو بمثابة ابن لي، وهو يعرف حقي وواجبه، فمكانه في وزارة الحرب، ومكاني في البرلمان، وهو ينتصح لرأي وليس يعتدي على حقوقي. أما من حيث استلاله السيف أمامي فهو لا يفعل ذلك إلا إذا رأى أعداء يهاجمونني، وهذه حكايات لا يصدقها رجل يعرفنا نحن الاثنين وهي حكايات كاذبة لا أساس لها من الصحة، ولك أن تثق أن أصغر نائب هنا يمثل الناس يحسن الحكم على ما يحتاجه أولئك الناس أفضل من أعظم جندي. ونحن نحترم أحمد عرابي لأننا نعرف أنه صادق الوطنية عظيم المواهب السياسية وليس لأنه جندي). . .
ثم يستطرد بلنت قائلاً: (وقد نقلت كلمات سلطان باشا هذه عن مذكرة لي أثبتها فيها يومئذ، وقد أنحى الشيخ على ماليت لنشره مختلف الأباطيل وطلب مني أن أنقل إليه الحقائق وأن أبلغها لغلادستون وأنشرها في الصحف، وقد أرسلت الحكاية بالتفصيل إلى التيمس، ولكنها لسبب لا أعرفه لم تنشرها، وأرسلت تلغرافا بالمعنى نفسه للمستر غلادستون ثم أرسلت خطاباً مستفيضاً ضمنته رأيي في الموقف كله)
هذه هو كلام بلنت عن هذه الفرية، وما أجمل ما وصف به سلطاناً عرابيا فهو لا يحترمه لأنه جندي ولكنه معجب بوطنيته مقدر لمواهبه السياسية، ومثل هذا الكلام لا يصدر عن مثل سلطان عن خوف أو تملق، فقد كان أكبر من أن يخاف وأعظم من أن يتملق؛ وهو بطبعه شديد الكبر كثير المباهاة بجاهه والاعتزاز بثروته؛ بل إن صدور هذا الكلام عن رجل هذه هي صفاته إنما يزيد في قيمته ويجعله منه وثيقة خطيرة ندعو الذين يجهلون حقيقة عرابي إلى قراءتها في روية وحسن طوية
ويذكر بلنت أن التيمس لم تنشر تكذيبه لسبب لا يعرفه، والأمر في ذلك ظاهر لا يحتاج إلى طويل شرح، فالتيمس وإضرابها من الصحف الإنجليزية تخدم قضية الاستعمار أبداً، وهي خير من يدرك نيات الساسة في بلدها وأول من يطلع على حقائق الأمور، فلم تكن تجهل يومئذ ما تبيته إنجلترة لقضية الأحرار في مصر، بل وما تنتويه السياسة الإنجليزية العليا من الاستيلاء على مصر قبل أن تستولي عليها فرنسا، ولذلك فهي ما كانت لتنشر رأياً مثل هذا الرأي يأتي على لسان رجل مثل بلنت فيكون به من الإنجليز شاهداً من أهلهم عليهم
(يتبع)
الحفيف
ترانيم وتسابيح
تمثال العذاب
وحي الطيف والعزلة والسلون
(إلى نورها في ظلمات القيد!)
للأستاذ محمود حسن إسماعيل
ضَمِئتْ روحي فلا كأ
…
سٌ ولا نَجوىَ سرابِ
غيرُ طيفٍ في حِمى العُزْ
…
لةِ مَجنون التَّصابي
رُحتُ أَجثو بين كَفَّيْ
…
هِ فَحَيَّاني تُرابي
وأَمحَتْ ذاتي وأَصبَح
…
َتْ كصمت في خراب
وانتَهى حِسّي فأَطرَقْ
…
تُ كتمثالِ العَذابِ
مَرَّت الأحلام بي حَيْرَى فمالتْ
وجَثَّتْ حيناً وريَعَتْ فتوارتْ
وهيَ تبكي غمغمتْ حولي وقالتْ:
يا نَبيَّ الصمتِ! يا نَعْ
…
شَ الهوى! يا ابنَ الترابِ!
أَترعِ الأقداحَ واشربْ - نَغَمَ الحُلُمِ المُذابِ
قلتُ: مات الصَّفوُ! يا أَح
…
لام خَلِّيني وما بي. . .
يا ابنة الفتنةِ والتَّق
…
ديس يا فجر الأماني
يا ابنة الحيرةِ والأهْ
…
والِ يا جُرحَ زماني
يا صدىً في قَلبي الث
…
اَّئرِ مَفطور الحنان
يا غراماً هُوَ قُدسُ
…
م الله يجري في كياني
مَلَّتْ العُزلَةُ شكوا
…
يَ ومَلَّتني الأغاني
فطرحتُ النّاي عني وصَمَتُّ
ودَعوتُ الطيفَ مِنيَّ وانتظرتُ
فنأى عَنيَّ سناهُ فَبَكيتُ
وأَذَبتُ الشِّعرَ من دمْ
…
عي وشجوي وهواني
فإذا مرَّ يًغنِّيهِ
…
عَلَي دًنياكِ فانِ
فاخشعي فهو عبادا
…
تُ الهوى، نُسك الجنانِ
(وزارة المعارف)
محمود حسن إسماعيل
رد التحية
إلى شقيقي أكرم. . . وحي زهرة طوى عليها إحدى رسائله
إلي ليشعرني بربيع دمشق
للأستاذ أمجد الطرابلسي
بعثتِ هوايَ لو أن الهوى
…
خوَت في فؤادي أنوارهُ
وأذكيت في الصدر نار الحنين
…
لو أَن الحنين خبَتْ نارهُ
وهجت به ذكريات الصِّبا
…
لو أن الصبا مات تذكارُه
وأذكرتِني الأمس لو عاقني
…
عن الأمس يومي وأَعذارُه
وأهلي. . . ولكنَّ أهلي هُمُ
…
أحاديثُ قلبي وأخباره
وصحبي. . وكيف وهم سامري
…
إذا مُلَّ ليلي وسُمّاره
ولكنني كنت أَعصي القريض
…
إذا ضجَّ في الصدر زخاره
أُهدهِدُهُ بكذوبِ المنى
…
فيُغضي وقد ماج موَّاره
فأيقضته بعد طول السُّباتِ
…
تُجَنُّ بِكَفَيهِ أوتاره
وفجرتِهِ جدولاً ناغماً
…
تَغَنَّي رباه وأطيارُهُ
أيا زهرة الشوق لا صَّوحتْ
…
مغاني حماي وأَدوارُه
ودامت على الدهر جناته
…
تمُدُّ لها الخير أنهارُه
لقيُت بك الأهل بعد الفراقِ
…
فبُثَّ الهُيامُ وأسرارُه
رأيتك فإنجاب هذا المدى
…
وزالتْ دجاهُ وأَستاره
فذا منزلي في حواشي الحِمى
…
تلوحُ لعَيْنَيَّ أشجاره
تَناغى بأُذني عصافيرُهُ
…
وتلمعُ في النَّور أثمارُه
ونافورة الماءِ في ساحِهِ
…
لها نغمٌ لذَّ تكراره
تروم السحاب فيلوي بها
…
نسيمٌ تمايلَ خَطَّارُهُ
يحطُّ على حوضها طائرٌ
…
ويمضي وما بُلَّ منقارُهُ
ومن حولها اخوتي ضمَّهم
…
صفاء الإخاء وإيثارُهُ
إذا مرَ حوافي ربيع الشباب
…
تولى الوقار أخطارهُ
وإن ضحكوا ضحكت حولهم
…
طيور الغناء وأزهارُه
أَمشعرتي بالربيع الضحوك
…
تَلَد ضحاه وأسحاره
ومنسيتي وحشتي والنوى
…
وبيناً تطاول إمرارُهُ
شكرتكِ زائرة برَّةً
…
للهفانَ شاقته زُوَّارُهُ
شَققتِ إلى فؤاد النَّوى
…
وليلاً تلاحظً أقدارهُ
وتيهاً ترامت مفازاتهُ
…
وموجاً تواثَبَ هَدارُهُ
فجئت عليك شحوب الطريق
…
وفيك من الجهد آثارُهُ
فحييْت فيك الرسول الأمين
…
تَشقُّ على الصبر أسفارهُ
وقبلتُ فيك الوفاء الجميل
…
إذا نسي العهد غدارهُ
أيا زهرتي جاد زهر الحمي
…
كريم السحاب وثَّرارُه
بلغت فمن مُبلغ جيرتي
…
سلاماً تَضوَعَ معطاَرُه
نأيت عن الدار لا عن قِلى
…
فأحلى مغاني الفتى دارهُ
ولكنني سِرتُ يَحتَثَني
…
طموح الشباب وأوطاره
تخيرتُ بُعدي ولو أنني
…
هُديتُ لما كنت أَختاره!
(باريس)
أمجد الطرابلسي
رِسالَة الفَّن
الشيخ سيد الصفتي
لفظ أنفاسه الأخيرة صبيحة الأحد الماضي وترك فنه وديعة غالية بين
يدي التاريخ
للأستاذ محمد السيد المويلحي
لعل الفنان الحق هو أقرب الناس إلى قلب الطبيعة وروحها، ولعله أقدرهم على معرفة أسرارها وأخبارها فهو وحده الذي يترجم لها أسرارها وكلامها، وهو وحده الذي يصور حسنها وجمالها التصوير الرائع الصادق الذي يحملنا على العجب والإعجاب
ولعل هذا الفنان هو أقرب الناس إلى الشذوذ والخروج على تلك الأوضاع البشرية التي وضعت للحد من الطباع والغرائز والرغبات. فله دستوره وحده. . . وله طباعه وتصرفاته التي يفرضها على الناس فرضاً. ثم هو بعد هذا أو قبله. . . الإنسان المرهف الحس، العظيم النفس، الممتلئ نبلاً ورجولة وكرماً
وسيد الصفتي من هؤلاء الذين أضفت عليهم الطبيعة كل ما فيها من فن وجمال وإقبال وشذوذ حتى خط لنفسه في كتاب الحياة وسجل الخلود صفحة نيرة مشرقة سوف يتلوها على سمع الأجيال المقبلة
كان قصير القامة يلتهب نشاطاً ويمتلئ قوة، وجبروتاً. . . يزين رأسه (عمامة) صغيرة تمتاز برشاقتها وأناقتها، (وشالها) الحريري المفتول الذي يعطيك صورة واضحة لأناقة صاحبه وحرصه الدائم على أن يظهر في أجمل المناظر
ابتدأ حياته قارئاً يجيد تلاوة القرآن فعُرِف وسعى الناس إليه، ولكنه رأى أن يكون كالشيخ إسماعيل سكر قارئ مولد ومادحاً للبيت الشريف وصاحبه (ص)؛ فخرج على الناس سنة 1902 بهذا اللون الجديد الذي قربه اكثر من ذي قبل إلى نفوس المصريين، وما مضت سنة حتى زاحم الشيخ إسماعيل نفسه. . . وتفوق عليه تفوقاً محسوساً. وفي سنة 1904 انظم إلى بطانته الشيخ إبراهيم المغربي الموسيقي المعروف الذي لحن له كثيراً من الموشحات الجديدة التي كانت السبب فيما ناله الشيخ سيد من شهرة طائرة، ومن ارتفاع
سريع لم يكتف به وقد ذاق حلاوة الشهرة والإقبال، فكان يقرأ أول الليل قراناً ثم يثني بالقصائد النبوية، حتى إذا كان الهزيع الأخير من الليل غنى أدوار الحمولي ومحمد عثمان وغيرهما بمصاحبة العود. . .
أتراه قد اكتفى بهذا التجديد الغريب. . . لا. . . ولعله رأى أن هذا الخلط ينفر الناس فترك القرآن والقصائد النبوية وظهر عام 1905 على تخته الموسيقي القوي يرسل على الناس سحر صوته وقوة فنه حتى تحكم في سوق الغناء وفي مسامع الشعب، فكان يشتغل تباعاً طول أيام السنة. ولكي نعطي القارئ صورة قريبة عن شهرة هذا الرجل العجيب في صدر شبابه نقول إنه استمر خمس سنوات كوامل يغني دون أن ينقطع ليلة واحدة. . . ومثل هذا في الشام!
كان صوته مركباً من خمسة عشر مقاماً تقريباً (12) بريتون (3) باص، وكان يمتاز بسلامة تامة وبأداء بارع لم يعرف (النشوز) طول حياته. ولعله من الأصوات النادرة التي كافت (تَفرْش) في غنائها حتى لتسمعها الآلاف بوضوح وجلاء.
كان أول موسيقي شرقي اعتنى (بالبروفات) اعتناء عظيماً، فكان يشتغل طول نهاره فيها دون أن يتعب أو يمل أو يشكو ألماً وتوعكاً، ولعل سحر الذهب والإقبال والمجد هو الذي كان يمد هذا الرجل بالقوة الخارقة التي لا يكاد العقل يصدقها. وإلا فهل يصدق العقل أن بشراً يشتغل أغلب يومه وأكثر ليله دون أن يستريح إلا ساعة أو ساعتين. . .؟!
عبّأ في حياته أكثر من أربعة آلاف (اسطوانة) وهو رقم تاريخي لم يصل إليه مطرب ولا مطربة في الشرق والغرب. وقد اكتسب منها الآلاف، ولكن إسرافه أضاع كل شيء إلا ذكره ومروءته وكرمه. . .
نعم باع ماله وأضاع آلافه ليشتري بها مجده وخلوده. وما بالك برجل كانت اسطواناته توزع في الشرق والغرب كأنها الغذاء الذي لا يستغني عنه حتى ظن (الشام) أن الصفتي هذا لا بد أن يكون مارداً لا تقع العين على نهايته. فلما سافر هناك ورأوه بحجمه الضئيل النحيل خابت ضنونهم واعتزموا ألا يسمعوه إلا في حفلة أو حفلتين من قبيل (الفرجة والاستطلاع). وكان الشيخ رحمه الله قد علم بهذا، فأعد العدة لحفلة الافتتاح، ثم راح يشدو ويرسل سحره وقوة فنه في عقد سحرية على هؤلاء الذين يظنون أن القوة في (العرض
والطول) فماجوا وهاجوا وتقبلوا وصرخوا والشيخ يضحك، حتى إذا تأكد من النصر أراد أن ينتقم فاسكت التخت وسكت، ثم نزل وصرح للمتعهد بأنه يرغب في السفر والعودة إلى مصر بعد (يومين) لأنه قصير لا يحسن الغناء. ولا تسل عما حصل من الشفاعات والتوسلات
ولكن الشيخ رحمه الله كان ظريفاً خفيف الظل وقد أراد أن يلهو ويضحك فكلف المتعهد أن يأمر السامعين بكتابة (يفط) بهذا الشكل حرفياً (الشيخ سيد الصفتي طويل. . . الإمضاء) فنفذ الأمر في الصباح واجتمعت لدى الصفتي كل وسائل البهجة والسرور، فاستمر خمس سنوات لا يستريح فيها ليلة واحدة اكتسب فيها الآلاف. فلما رجع إلى مصر لم يرجع (بمليم واحد منها). كان في أخريات أيامه يعيش عيشة فلسفية زاهدة في كل شيء فلم يكترث (كغيره) لأن محطة الإذاعة تناسته وأهملته، بل كان يحيا حياة الأسرة الهادئة: حياة الرجل الذي شبع وشبع حتى مل كل ما يتهافت الناس عليه
لقد فُني سيد كما فُني غيره، لكن فنه سيبقى لأنه من الخلود نشأ وإلى الخلود انتهى. . .
محمد السيد المويلحي
كامل الخلعي وناحية الشذوذ في حياته
بمناسبة ذكراه الأولى
للأستاذ محمد يوسف دخيل
ينقضي العام الأول على مغادرته الدنيا، ومع ذلك فهو لا يزال مجهولاً، وسيبقى مجهولاً إلى الأمد البعيد؛ لا لأنه كان شخصية تافهة ضئيلة الأثر في نفوس الجماهير، ولا لأنه كان غامضاً يمز على إفهام الناس كشف حقيقته، بل لأنه ظهر في عصر من الغموض والركود، بحيث لا يعني الجماهير بغير مظاهر الحياة وأشباحها البارزة للأبصار المجردة. ولو كانت الحياة الفكرية ذات وضع يمكن أن يحسه الناس في مصر لما مرت عليهم صورة من صور الأحداث الشاذة دون أن يتفهموا ويستكشفوا غامض الشذوذ فيها. وإذن لحفلوا بحياة (كامل الخلعي) لا من الجانب الموسيقي، فحسب، بل من جانب لم يعن به القوم في حياة هذا الفنان: وهو الجانب الفلسفي.
لقد كان (كامل الخلعي) صاحب رسالة خاصة في الفلسفة، لا أدري أكانت في كنهها فوق متناول العقلية المعاصرة، أم أن الناس لم يحفلوا بها عامدين لانصرافهم إلى حياة المادة الهينة بعيدة عن الفكر، وما يحيط الفلسفة من غموض، وما يستلزمه بحثها من تكاليف.
وسواء جهلت الجماهير شخصية (كامل الخلعي) عن عمد أو امتنع عليهم فهم رسالته في الفلسفة، فهو قد غادر الدنيا تشيعه أسراب من سحائب الغموض وثوى في مرقده بين صبابات من مجاملات الأقلام جافة الدموع
كان (الغموض) هو شعار الفلسفة التي انطبعت بها حياة (كامل الخلعي) ولذلك ظل الناس يجهلون حقيقته حتى أقرب الناس إلى نفسه. وقد كان مسرفاً في الحرص على أن تفيض روحه الفلسفية على كل مجهول. وفي هذا المنحى الدقيق تلمس الإيمان الصحيح في عقيدة (كامل) وتحس تمكن الدين من نفسه لأنه رغب عن متاع الدنيا واستطاب أن يجوع ليختفي عن سمعه صوت الجياع حتى لا يثير عواطفه توجع الغير وآلامه. فيكون من الأمور العادية عنده أن يدفع بكل ما في جيبه لمستجد شعر بمرارة حاجته. ثم يعود إلى بيته ماشياً على قدميه، وليس عند أولاده طعام اليوم، وكلما نازعه الإحساس بالندم أمام عسرته لتفريطه في قوت أولاده تذرع بقوله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)
استطاع (كامل الخلعي) أن يفهم الدنيا فهماً صحيحاً في دقة وإمعان، واستطاع أن يستوعب المجتمع ويتفهم نواحي التقارب والتباعد من حياة الأفراد في بيئاتهم المختلفة، وأن يندمج في الجماعات اندماجاً كاملاً. ومع ذلك لم تستأثر به بيئة دون أخرى، لأن العقلية الشاذة التي تهيأت لهذا الفنان العبقري كفلت له أن يهتضم البيئات دون أن تجتذبه إلى صميمها واحدة منها، ولهذا كان له عديد من الشخصيات التي لو وجد صاحبها في غير مصر لانصرف لدراستها علماء النفس والفلاسفة
إذا أثيرت في مجلس ذكرى (كامل الخلعي) انطلق المتحدثون في تناول ذكراه بشتى أنواع الحديث وليس فيهم من يضع إصبعه على نقطة الصواب من أحاديث المجلس. . . وأغلب ما يجتمع عنده حديثهم أن الرجل كان مخبول العقل! وهي كلمة طالما ترامت إلى سمع (كامل) وهو حي يرزق، فكان يبتسم لها في اطمئنان غير مبال بما يذهب إليه الناس في شأنه من مذاهب. ذلك لأنهم ما كانوا يجدون لأنفسهم مخرجاً من التفكير في عقلية (كامل الخلعي) إلا أنه مخبول ذلك الذي يطوف الحارات والأزقة باحثاً عن الكلاب الضالة والقطط المشردة ليدفع إليها من الطعام ما يباعد بينها وبين الجوع
استقبل كامل الدنيا طفلاً لعوباً كما يستقبلها أترابه من أبناء الذوات والمترفين. ولكنه لم يلبث أن اصطدم بأول حادث هز عواطفه البكر في مستهل حياته. لم يكن قد تجاوز الخامسة حين بدت نذر الثورة العرابية، وكان والده يومئذ من ضباط الجيش المقيمين بالإسكندرية. ففي ساعة واحدة صدرت الأوامر بتأهب الجيش، ولم يجد الضابط الباسل فرصة لتوديع ولده الطفل واكتفى بأن بعث إلى منزله (بكوم الشقافة) من نقل زوجه وطفلها الصبي سريعاً إلى دمنهور مستقر العائلة. والطفل المبكر في نموه العقلي يستطيع أن يحس هذا الموقف كما أحسه (كامل) إذ أدرك أن والده الضابط قد لا يعود إليه لأن القتال قد بلغ حماسته بين المصريين والإنجليز. ولم يشك كامل في أن والده قد لقي مصرعه في خط النار عند كفر الدوار، ولكن مفاجأة أخرى اصطدمت بها أعصابه الغضة بعد انتقال ميدان القتال إلى التل الكبير وبعد عام كامل فإذا بالضابط يعود إلى أسرته حياً بعد أن أدى في سبيل الوطن واجبه، وأن انتهت الحرب على غير ما يبغي الأحرار
وبالرغم من أن (كاملاً) قد استعاد الحياة في كنف والده بعد يأس من لقائه، إلا أن الحادث لم
يغادر ذاكرته ولم يزايل الأثر أعصابه، بل بقيت ذكرى هذا الألم متغلغلة في نفسه وصدره فحولته إلى مخلوق كثير الدموع دقيق الإحساس رقيق الشعور بكل ما يحيط به من ألم وسرور، يبكي لبكاء الباكين ويفرح لسرور الفرحين
وفي القاهرة بدأت المرحلة الأولى لشخصية (كامل) إذ كانت المدرسة أول تجربة أظهرت النزوع المرتكز في عقليته، وهو عصيانه لكل نظام يحد من الحرية وإن أوجبت هذا النظام طبيعة الوجود. وقد جنت هذه النزعة على (كامل) في حياته ومستقبله إذ قطعت عليه طريق الدراسة التي يلتمس من ورائها المستقبل المادي في الحياة، فما انتهى من دراسته الابتدائية حتى تمرد على هذا النوع من التعليم المحدود في نطاق البرامج
وصادفته صدمة أخرى أكرهته على التشرد بعيداً عن حضانة الوالدين، إذ تفرق ما بين هذين الوالدين من رباط. فانطلق كامل يضرب في الأرض أفاقاً يلتمس الحرية والتعزي عن فجيعته في حضانة والديه. وعبثاً حاول والده أن يخضعه لطاعته التماساً لدفعه إلى المدرسة يستكمل دراسته. واستقر الفتى بعد ذلك على اختلاس التردد على مكتبة والده في ساعات متقطعة استطاع من ثناياها في مدى عامين أن يقرأ كتاب (العقد الفريد والأغاني) وتاريخ ابن الأثير والجبرتي وطائفة من دواوين شعراء العرب؛ وهو لما يجاوز الخامسة عشرة.
في هذه الفترة كان (كامل الخلعي) يتهيأ لأن يستمع إليه الخاصة مطرباً يحيي موات النفوس ويراه الناس خطاطاً ورساماً قد دق إحساسه بروح الفن. وهو في هذا المجال من الصبا ينطلق بين الجماعات المختلفة: فتارة نراه في مجلس العلماء وأعلام الأدب من طراز (السيد توفيق البكري) نقيب الأشراف يومئذ وقد اصطنع (كاملاً) لنفسه، أميناً لمكتبته؛ وتارة تراه يدارس أساتذة الموسيقى في عصره ويستلهمهم أسرار الفن وأصوله وقواعده
وفي هذا السياق من التخبط في الحياة، انتقل والده إلى ربه بعد أن ضعف بصره ووهنت قواه. فلم يتريث (كامل) في طريقه بل واصل حياته مستهيناً بكل ما اعترضه في جهاده؛ واستطاع بعقله الخصب أن يصل إلى قمة الشهرة عن جدارة، فكان الأديب واللغوي والفقيه والشاعر والخطاط والرسام بل الموسيقي الذي استهوى القلوب، وتزاحم الأعيان وخاصة
العلماء والأدباء على التماس الاستئثار به في مجالسهم يحادثهم في الأدب ويطربهم بسحر أغانيه العذاب
لقد نضج (كامل الخلعي) قبل الأوان، وشارك أساتذته في ثروتهم من الأدب وعلم الموسيقى، فلم يكن كثيراً على نبوغه المبكر أن يفاجئ الناس وهو في سن السادسة والعشرين بكتابه (الموسيقى الشرقية) فيأخذ به بين علماء الموسيقى في مصر والشرق مكانة (العالم المتمكن) ولكنه ابن السادسة والعشرين
واستطاع (كامل) أن يتعلم من اللغات التركية والفارسية والإيطالية وأن يجيد الفرنسية إجادة الرسوخ. وهو بعد أن تطاول كتابه (الموسيقى الشرقية) إلى أقطار العالم تترامى إليه رسائل المعجبين من كل صوب، مما أوجد في نفسه الرغبة إلى اقتحام مخاطر الرحلات، فزار الشام وتركيا وإيطاليا وفرنسا وتونس، وقضى في كل منها عدة من السنين اتصل فيها بعلماء الموسيقى وأعلام الأدب حتى اندمجت شهرته بشهرتهم وتبادل معهم كل جديد من الرأي في الموسيقى العربية والإفرنجية
ثم هو يستقر بعد ذلك في مصر أستاذاً كاملاً في علم الموسيقى يرجع إليه المشتغلون بها في كل ما استشكل عليهم من غامض الفن. وهو في نفس الوقت يتهيأ لأن يفاجئ المصريين بنوع لم يتعرفوا إليه في الموسيقى من قبل هو نوع الأوبرا والأوبريت التي أبرز فيها شخصية السيدة منيرة المهدية على المسرح الغنائي لأول مرة في التاريخ سنة 1916 تركز بعدها كيان الأوبرا الغنائية في فن التمثيل
ويواصل (كامل) بعد ذلك جهاده الفني بين المسرح و (جوقات الطرب) بما قدم لفن الغناء من تلاميذه النوابغالذين علا نجمهم وإن تنكروا بعد ذلك في محنته. ولكنهم اليوم أصحاب السمعة والصيت دون أستاذهم المجهول الذي ساهم في وضع أساس الفن ومهد له سبيل الحياة. ثم مات عن خصاصة وعاش تلاميذه في رخاء من تركة أستاذهم الفنية، وهي ليست من القلة بحيث تفقد وجودها وسط هذه الفوضى العابثة من الألحان والأغاني التي يخرج علينا بها مطربو هذه الأيام. فقد تجاوزت تركة (كامل الخلعي) من الألحان الأربعين رواية بين الأوبرا والأوبريت موزعة بين فرقة السيدة منيرة المهدية وشركة ترقية التمثيل العربي (شركة مصر للتمثيل والسينما اليوم) وفرقة الكسار. بل من إنتاج (كامل الخلعي)
تزودت أشهر المطربات في مصر فسمون بأغانيه إلى مرتقى مجدهن الذي من عليائه تكونت لبعضهن ثروة تغني مئات من طراز الخلعي الذي مات فقيراً معدماً بعد أن مهد لتلاميذه الطريق إلى الشهرة والثراء. وكان من أشد ما لاقاه (كامل) في أخريات أيامه من مرارة وألم أن مغنية كبيرة ممن لحن لهن (كامل) بلغ بها الشح إلى اغتياله في حق له عندها من ثمن قطعة لحنها لها ربحت منها مئات الجنيهات ضنت عليه بعدها بأجره، وكان من حقه عليها أن تكفيه شر ما لاقى من فقر ومسغبة.
فبقدر ما أسرف (كامل) في العطف على الفقراء والمكدودين وبسط لذي الحاجات كفيهن جحد الناس فضله ونسوا أياديه على الفن وتنكروا لأولاده من بعده. وهو لم يكن يجهل هذا المصير الذي آذنه عند تدهور قواه وسقوطه على فراش الموت، لأنه خبر المجتمع ودرس حياة الجماعات وأمعن في فهم الأخلاق التي تسود القوم من تنكر وجمود وأثرة
كان (كامل الخلعي) مخلوقاً غريب الأطوار في حياته وعقليته. لم يضع كيانه في بيئة خاصة ولم يلتزم جماعة معينة في المجتمع. فبينا تراه نديم العظماء في سهراتم الخاصة وسمرهم الطروب، إذا بك تشهد له في نفس اليوم مجلساً متواضعا بين جوقة من (أولاد البلد) في حي (العشماوي) أو غيره من الأحياء الوطنية في القاهرة، يلقنهم أغانيه الشعبية المرحة التي احتكرها جماعة (الصهبجية) وجوقات الطرب في الأفراح الشعبية. وفي نفس الوقت تكون إحدى درره الفنية ساطعة الضوء على مسرح من مسارح التمثيل الغنائي تجتذب بروعتها لب الجماهير. وقد يلزمه فنه الموحي من روح الطبيعة مجالسه إحدى الطبقات من الشعب لتطبيق أغانيهم على لحن صادفه في رواية مسرحية جديدة وقد عهدت إليه (شركة ترقية التمثيل العربي) يوماً بتلحين رواية (طيف الخيال) وفي الرواية مشهد من مشاهد (الحواة) فدفعة إخلاصه لفنه إلى أن يجوب أحياء القاهرة باحثاً عن أحد الحواة ليشركه معه في وضع اللحن الملائم لهذا المشهد. فكان حظه من التوفيق مطابقاً لما سبق له من نجاح دائم في ألحانه المسرحية
وإذ كانت حياة (كامل الخلعي) الموسيقية قد طغت على قيمته العلمية فحجبت عن الجماهير شخصيته كأديب وعالم خصب، فإنه من غير شك كان ينحو في الحياة منحى فلسفياً أفرد له شخصية شاذة ذهب الناس في تكييفها مذاهب شتى. فلم يوفق باحث من كتاب الاجتماع إلى
إبراز شخصية من حيز الغموض والمجهول.
ولقد تناول حديثي عن (كامل الخلعي) مرة مع صديقي الأستاذ أحمد خيري سعيد ناحية شاذة في ميول الرجل ونزعاته الإنسانية، فذكرت لصديقي أنني مرة كنت أرافق (كاملاً) في حي (باب الخلق) وصادفنا صاحب عربة (من عربات النقل) أثقل على حصانه العبء فما كان من (كامل) إلا أن اندفع على الرجل في حالة عصبية ثائرة وأبى إلا اقتياده إلى قسم البوليس! أي جريرة ارتكبها الرجل؟ لقد استعمل القسوة مع الحيوان المسكين وصديقي هذا هو الإنسان الوحيد فيمن اعرفهم الذي وضع الجواب الصحيح لتصوير (كامل الخلعي) في هذا الموقف الشاذ، إذ قرر أن الرجل من غير شك له عقلية فيلسوف ولكن من نوع لا يعيش في هذا الجيل!
هذا هو (كامل الخلعي) الذي كسب من فنه آلاف الجنيهات ومات معدماً إلا عن تركة من الألحان يتناهبها جيل جديد من الملحنين كل مجهودهم أنهم يجيدون نقل الحان (كامل الخلعي) وأغانيه من رواياته القديمة إلى مقطوعات جديدة، ثم هي بعد ذلك ألحان وأغان يكتسب بها ناقلوها ومغنوها أقواتهم ويجمعون ثرواتهم، وأصحاب التركة من أولاد (كامل الخلعي) في عزلة عن الناس وعن الوجود
محمد يوسف دخيل
رسالة العلم
جزيئات المادة
حركة الجزيئات سبب للعمليات الحرارية
للدكتور محمد محمود غالي
في مشاهداتنا اليومية دليل على التقسيم الجزيئي للمادة - حركة (الهابوش) حول المصباح - كيف انتصرت النظرية السينيتيكية في القرن الماضي - قوانين الضغط والحجم والحرارة تجد تفسيرها في الحركة الداخلية لجزيئات المادة - الحرارة عامل أساسي في حركة الجزيئات - الحرارة هي الحركة ذاتها
عندما تطالع مقالاً في صحيفة أو تقرأ موضوعاً في كتاب فيحدثك الكاتب في هذا أو ذاك عن الجزيء وعن الذرة تنظر إلى لهذه الموضوعات كأنها فروض علمية أكثر من نظرك إليها كمسائل عملية وحقائق ثابتة يعترف بها العلم التجريبي. ولكنك إذا أنعمت النظر فيما يعرض لك في حياتك اليومية من أحداث فإنك لست في حاجة إلى اللجوء إلى تجارب العلماء الدقيقة لإثبات الفكرة الذرية، بل إن شيئاً من الملاحظة والتأمل حقيق بأن يثبت لك بأدلة محسوسة أن المادة مكونة من جزيئات متناهية في الصغر تمثل في الواقع وسطاً منفصلة أجزاؤه وحالته غير مستمرة
موضوع يعجب لها لقارئ كيف يتسنى له أن يدرك النظرية الذرية من التأمل في بعض المظاهر التي يصادفها؟ وكيف تحمل هذه بين طياتها أكبر الأدلة على ثبوت بعض القضايا العلمية الدقيقة؟ لذلك نسرد للقارئ طرفاً منها
من العادات الشرقية أن نطلب في بيوتنا من الخادم كوباً من الماء البارد ونطلب منه في الوقت ذاته أن يضيف إليه نقطة أو بضع نقط من ماء الورد، ليكون للماء ونحن نشربه عبير نرتاح إليه. شيء من التأمل يدفعنا إلى فهم فكرة الجزيئات، إذ نعرف ونحن نتجرع ما في الكوب من شراب أن هذه النقطة من ماء الورد التي يعد حجمها ضئيلاً بالنسبة إلى حجم ما في الكوب من ماء، انتشرت قبل تذوقنا إياه في كل أنحائه، ولم يستأثر جزء من مياه الكوب بها دون الجزء الآخر
هذه الظاهرة من امتزاج نوعين من السائل: الماء النقي المتدفق من المثلجة، وماء الورد المحفوظ في الزجاجة، لا يمكن أن تحدث إلا على حساب انتشار جزيئات صغيرة من ماء الورد بين جزيئات الماء الصافي، لأنه على صغر حجم نقطة الورد أصبحت موجودة في كل مكان بين جزيئات الماء
خاطر آخر: ليس ثمة ما يمنع أن نصب ما في الكوب في حوض كبير مملوء بالماء، إننا عندئذ نشعر بعبير الورد في كل أجزائه ولو بدرجة طفيفة، هذه القطرة الأولى امتزجت في الحوض الكبير الذي نعرف فيه أثرها بعبيرها والذي بات مسرحاً للجزيئات العديدة للنقطة من الورد، تكمن هذه الجزيئات تارة وتنتقل تارة أخرى في أرجائها المترامية
ولو أن هذه النقط كانت من الحبر بدل ماء الورد لحدث ثَمَّ تعديل طفيف في لون الماء داخل هذا الحوض لا شك يعم كل أجزائه التي تميل عندئذ إلى الزرقة بانتشار الجسيمات الصلبة الصغيرة للحبر في كل أرجاء الحوض الفسيح
كذلك نرى النوعين من الزجاج الملون، كلاهما أحمر اللون ولكنهما يختلفان في درجة الإحمرار، هذا الاختلاف الشديد في ألوان الزجاج أو أقمشة الملابس هو نتيجة لاختلاف نسبة جسيمات المادة الملونة بالنسبة للمادة المراد تلوينها
كذلك من السهل معرفة مخلوط من البروم والكلوروفورم من رائحة الأخير، وإذ كان العلماء يستطيعون بعد ما سردناه من أمثلة أن يميزوا نسبة الأوكسجين والأزوت في الهواء بكل تفاصيلهما بدراسة أطيافهما، ابتداء من الأشعة تحت الحمراء إلى الأشعة فوق بنفسجية، فإن لهم في هذا طريقة في التحليل الطيفي ليست من عمل الرجل العادي، ومع ذلك فهم يصلون إلى النتيجة ذاتها التي تتلخص في أن الأوكسجين والأزوت مادتان مركبة كل منهما من جزيئات كماء المثلجة وماء الورد، بحيث إذا اعتبرنا قدراً صغيراً من الهواء الذي نستنشقه نجد فيه دائماً هذين المخلوطين بنسبة معينة هي التي يعرفها العلماء من التحليل الطيفي كما أن الورد أو الحبر امتزجا مع الماء بنسبة معينة، هيا لتي تميزها حاسة الشم أو النظر التي تقوم في هذه العملية بما تقوم به الأجهزة الدقيقة في تجارب العلماء المتقدمة
ومع ذلك فإنه من غير المعقول أن مادتين مستقلتين تندمجان أو تختلطان أو يتداخل بعضها في البعض الأخر إلا إذا فرضنا وجود جزيئات صغيرة لكل منهما وأن هذه الجزيئات
تتحرك فتنتشر بعضها بجوار البعض
في مشاهداتنا اليومية عندما يقرع الجرس في إحدى المدارس يخرج الطلبة جميع الفرق إلى فناء المدرسة، ويختلط جميعهم بحيث يصح في كل لحظة أن ترى طالباً من فرقة معينة محاطاً بطلبة من جميع السنين الأخرى، بحيث أن في كل بقعة من فناء المدرسة يوجد طلبة من جميع الفرق تتحدث وتجري وتلعب، كل منهم مستقل بذاتيته، ولا يمنع هذا أن دقة أخرى من الجرس واتفاقاً كان نتيجة التدريب والتهذيب، يجعلان هذه الشخصيات المستقلة والجزيئات المبعثرة تتجمع مرة أخرى في صفوف منتظمة بحيث نرى بعد مرور فترة من الوقت هذه الأفراد تدخل فصولها كل على مقعده الذي كان عليه منذ أمد قصير
كذلك لا بد من أن هناك عملية طبيعية تجعلنا نفصل مرة أخرى ماء الورد من الماء وجسيمات الحبر من ماء الحوض ونزيل عن الأقمشة ألوانها ونفصل الكلوروفورم من البروم، كما أن ثمة عملية أخرى تفصل الأكسيجين من الأزوت بحيث تصبح جزيئات الأكسيجين بمفردها منفصلة في وعاء معين وجزيئات الأزوت في آخر، كما يجتمع طلبة فرقة معينة في ردهة معينة وطلبة الفرقة الأخرى في الردهة المجاورة
إنما سردت للقارئ ما تقدم ليدرك أن في مشاهداته اليومية وعملياته العادية يجد منطقاً للفكرة الذرية، بحيث أن فكرة الجزيء ووحدته هي في الواقع نتيجة فعلية أكثر من أن تكون عملاً من قبيل الفروض
على أننا سنرى فيما نتابعه أن هذا الجزيء مكون مما يسمونه الذرات، وقد كان للكيمياء الدور الأكبر في معرفتها. وسنرى أن كل ما نعرفه في الكون محصور في عناصر مختلفة لا يزيد عددها عن 92 عنصراً، وأنها تبدأ من الهيدروجين أخف هذه العناصر وتنتهي بالايرانيوم أثقلها، وان الاختلاف بينها راجع إلى التركيب الذري. وسنرى بعد ذلك أن العلماء توصلوا إلى حسر الستار عن حقيقة هذه الذرات، وأنهم استطاعوا أن يضغطوها تارة (أعمال ويهدموها تارة أخرى (أعمال رذرفورد وموريس دي بروي وجوليو وفرمي وأخيراً برايش)، وأنهم في ذلك أعلنوا على المادة حرباً ضروساً لا نعرف مداها، ولا نعرف إلى أي حد يبلغ أثرها، وهم في ذلك كمن أعلن علينا حرباً شعواء مدمرة عبثت بنا نتيجة لطمع الطامعين، حرباً جالبة للأسى وقعت في أثنائها قنبلة تطايرت شظاياها في فناء
المدرسة السابقة، فدكتّها دكاًّ ومزقت الأطفال فتطايرت أشلاؤهم ظلماً وعدواناً، واختلط الأمر وعم الذعر والخراب، فلا جرس يعيد القوم إلى فصولهم ولا شخص واحد منهم نستطيع التعرف عليه. هذا التهدم المدرسي شبيه بالتهدم الذري الحادث في ذرات الجزيئات وهو يشغل بال العلماء اليوم، وسيكون موضوع أحاديث لنا في الرسالة لخطورته وأهميته ولئن كان التهدم في مثال المدرسة نتيجة الجبروت، دليلاً على الفناء، فهو في جزيئات المادة وذراتها انتصار للعلم ومفخرة للعلماء، حتى أن فريقاً منهم يفكر جدياً فيما قد يكمن وراء هذا التهدم من أسباب تمكننا من تسخير المادة تسخيراً يختلف عن تسخيرنا لها اليوم واستخدامها بطرق تختلف عن كل ما ذهبنا إليه
ونعود للجزيء الشخصية الكاملة التي تحوي قطرة واحدة من ماء الورد ملايين الملايين منه فنقول إن جزيئات الورد هذه وتلك التي هي من الماء مستقلة في ذاتها استقلالاً تاماً وإن ما يظهر لنا من أن مزيج الماء والورد أو البروم والكلوروفورم أو الأكسيجين والأزوت مندمجة جزيئاته في الآخر هو مظهر لفعل حواسنا التي لها قوة محدودة في تمييز الأشياء، وإن وجود ماء الورد في كل نقطة من الحوض الكبير أول دليل على تركيبه الحبيبي وأنه مكون من جزيئات عديدة هي التي انتشرت بين جزيئات الماء الصافي في أرجاء الحوض كما ينتشر الطلبة في أرجاء المدرسة
هذه الأمثلة ومثال المرونة في الأجسام الذي قدمناه في مقالنا السابق ترجح الفكرة الذرية للمادة، ولكن لا تقيم عليها الدليل القاطع، وهكذا وبالغم من كل ما ذكرناه ظل العلماء في حاجة قصوى إلى حجة أخرى تكون مستقاة من مصدر آخر.
إن نجاحاً كبيراً أحرزته العلوم الطبيعية للفكرة الذرية الحديثة أتى عن طريق ظاهرة أخرى. فقد تكونت بجوار الظواهر التي ذكرناها مجموعة أخرى من الظواهر تفسر الذرية وتنتصر لها؛ وهذه المجموعة تتجلى في الظواهر الخاصة بالتغييرات الحرارية، وبذلك قدمت ظاهرة الحرارة في الأجسام حجة جديدة لم يفكر فيها الذريون الأقدمون، وعلى أكتاف التقدم الحراري بالطريقة التي تمت في القرن الماضي وضع الطبيعيون للذرية أساسها الحقيقي
ولكي نفسر العلاقة بين الحرارة والذرية، نذكر للقارئ الفكرة الأساسية لهذه العلاقة: وهي
أن الجسيمات المادية صلبة كانت أم سائلة أم غازية في حالة هياج دائم وحركة مستمرة، وأن ثمة علاقة بين هذه الحركة وما نسميه حرارة الجسم. فكلما كانت حرارة الجسم مرتفعة كانت جسيماته اكثر حركة ونشاطاً. هذه النظرية التي كانت من أكبر الانتصارات العلمية للقرن الماضي يسمونها (النظرية السينيتيكية)
صفة من الحركة، وهي تقرر أنه في حالة الغازات تتحرك جزيئاتها حرة حركة غير منتظمة في جميع الجهات، وفي حالة السوائل تتحرك الجسيمات حرة أيضاً في جميع الجهات، ولكنها لا تتركه، وفي حالة الأجسام الصلبة تتذبذب هذه الجزيئات في مكانها دون أن تنتقل فيه.
مثال نقدمه للقارئ ليفهم النظرية السنيتيكية: في القاهرة بجوار النيل والحدائق والمياه يكثر في فترة معينة من السنة نوع من البعوض الصغير يطلقون عليه (الهابوش) يغدو حراً طليقاً في الفضاء، وتتصادم هذه الكائنات الصغيرة المتحركة في كل اتجاه مع كل ما تقابله، وطالما تضايق الإنسان لدنوها من الوجه أو العين، وهي على هذا النحو تشبه جزيئات الغازات في حركتها الدائمة غير المنتظمة.
على أن هذه الحرية المطلقة تصبح محدودة إذا وجدت هذه الكائنات قريباً من طريقها الأعمى نور مصباح؛ فهي في هذه الحالة تتجمع بالمئات والألوف تدور حول المصباح وترتطم به.
هذه الاجتماعات الليلية تختلف عن الاجتماعات الاختيارية التي تحدث لنا معاشر الإنسان عندما نتوجه للاجتماع في قاعة للمحاضرات أو ناد أو حفلة؛ فأن هذه المخلوقات المسكينة لا تذهب مختارة إلى حيث يسطع الضوء القوي، ويتألق المصباح، بل إن ثم (تأثيرات فوتوكيميائية) - وإفرازات معقدة تحدث داخل أجسامها نتيجة للضوء، تأثيرات تجد تفسيرها اليوم في الكيمياء الطبيعية. هذه التغييرات الكيميائية الطبيعية التي سببها الضوء تحرك عضلاتها حركة إجبارية وتوجه هذه المخلوقات التعسة أرادت هي أم لم ترد نحو مصدر الإضاءة. هذه الألوف من الكائنات تدور وتعلو وتهبط ويصطدم بعضها ببعض وبالمصباح ويستمر هذا فترة طويلة، وهى في هذا تمثل عندي جزيئات السائل التي تتحرك بداخله في جميع الاتجاهات كما يصطدم بعضها ببعض، وكما أن هذه المخلوقات
عاجزة عن أن تترك الصباح، كذلك جزئيات السائل داخل الكوب عاجزة عن أن تتركها، وليس خروج أحد هذه المخلوقات بعيدا عنً منبع الضوء إلا حادثاً نادراً يحدث تحت تأٌثير عوامل خارجية مثل هبوب الهواء شديداً في اتجاه معين بحيث يكون سبباً لبقائها حية فترة أخرى من الزمن، وهي في نجاتها من المصباح، بعامل الهواء، تشبه الذرات المائية التي تخرج من السائل تحت عامل التبخر
وتمر الساعات ويطول الليل ويتكرر اصطدامها بالمصباح الساخن وتفقد نشاطها في المقاومة فيلتصق الكثير من هذه الكائنات بالصباح الكهربائي أو السقف الحامل له، وتقترب ساعتها الأخيرة فنرى طبقة كثيفة مكونة من آلاف الآلاف قبل موتها متلاصقة في مكانها تتذبذب يميناً ويساراً قبل أن تفقد كل أمل في أي حركة وقبل أن تصبح في عداد الأموات. هذه المخلوقات المتلاصقة المتمايلة طوراً إلى اليمين وتارة إلى اليسار تشبه عندي جزيئات الأجسام الصلبة التي لا تستطيع أن تنتقل في مكانها ولكنها تستطيع أن تتذبذب فيه
وهكذا في هذه المخلوقات التي نطلق عليها (الهابوش) نرى صورة صادقة لما يحدث في المادة على أشكالها الثلاثة المعروفة الصلبة والسائلة والغازية
هذه الحركة الداخلية بين جزيئات المادة الواحدة ومعرفتنا إياها كانت انتصاراً للنظرية السينيتيكية، وقد نشأ عن ذلك في بادئ الأمر أن وجد العلماء تفسيراً لضغط السائل أو الغاز على جدران الأوعية التي تحتويها، ذلك أن تصادم جزيء واحد لا يحدث أثراً واضحاً محسوساً، ولكن العدد الكبير من المصادمات الفردية الحادثة في الثانية الواحدة يسبب ضغطاً موزعاً بالتساوي وناتجاً من مجموع الضغوط الفردية
على أن تحديد مقدرتنا بالإحساس هي تجعلنا بدل أن نشعر بمصادمات عديدة منفردة نشعر بضغط موزع توزيعاً منتظماً. هذه المقدرة المحدودة في الإحساس هي التي تجعلنا نخطئ طبيعة وعمل هذه المجموعات للجزيئات فنشعر في العادة بضغط منتظم لجسم متصل
هذه المصادمات الفردية التي تسبب تفسر رأساً القانون الأساسي الذي يربط الضغط بالحجم في الغازات والذي تعلمناه جميعاً في المدارس وهو القانون القائل: إنه عندما نقلل حجم غاز إلى النصف مثلاً فان ضغطه يزيد بمقدار الضعف. والواقع أنه عند ما نضغط الغاز إلى نصف حجمه الأصلي فإنه لا يكون لجزيئاته فراغاّ لحركتها سوى نصف المقدار الأول،
وعلى ذلك فإنها تضرب في الثانية الواحدة السطح الجانبي للإناء الحامل للغاز ضعف عدد المرات الأولى قبل تقليل حجمه. هذا التضعيف في عدد المصادمات يسبب نفس الزيادة في الضغط، وهى ظاهرة ممكن قياسها بطريقة مباشرة
على أن النظرية السينيتيكية للغازات تأخذ في محل الاعتبار أيضاً العامل الحراري، وبهذا انتهى العلماء إلى قانون أعم من القانون السابق، بحيث إذا رفعنا درجة الحرارة لغاز معين فإن سرعة جزيئاته تزيد، ويزيد بهذا الأثر الذي تحدثه هذه المصادمات وينتج عن ذلك زيادة في الضغط، فزيادة الضغط بتسخين الغاز مع حفظ حجمه ثابتاً تنشأ عن زيادة القوة الحادثة من كل مصادمة فردية
هذه الفكرة وغيرها أمكن وضعها في الوضع الرياضي حتى أصبحت النظرية السينيتيكية لا تفسر المظاهر المختلفة بشكل نوعي فحسب. بل أصبحت تفسر كل التغييرات الكمية الحادثة في كل هذه الظواهر. وهكذا انتصرت النظرية السينيتيكية وأخذت مكاناً ممتازاً في العلوم الطبيعية، حتى أننا لا نعرف اليوم طبيعياً يطعنها أو يضعها بشكل جدي محل الشك
ولم تقف الدراسة الكمية عند الحد الذي ذكرناه من تفسير قوانين الحجم والضغط والحرارة بل إن سباق الجزيئات الذي لا نظام له والذي يتبع خطوطاً منكسرة، هي نتيجة تصادمها المستمر، أمكن دراسته من الناحية الكمية دراسة أدت إلى حساب عددي للاحتكاك الداخلي للسوائل والغازات الذي يعد العقبة في هذه الحركة بالتصادم المستمر
على أن سرعة هذه الجزيئات كبيرة لدرجة عظيمة ففي درجة الحرارة العادية تبلغ سرعة جزيئات الهواء داخل غرفنا حوالي كيلو متر في الثانية، أي ستة أضعاف أكبر سرعة نعرفها للطائرات الحربية الحديثة، وهي بهذا تزيد سرعتها عن كل ما نعرفه من المركبات الأرضية
لقد اكتفينا حتى الآن بأن نقرر أن رفع الحرارة يزيد في سرعة الجسيمات، وأن ثمة علاقة بين الحرارة والتهيج الجزيئي، ولكنا نريد أن نقدم للقارئ أمراً جديداً، نريد أن نقول إن هاتين الظاهرتين أمر واحد
هنا تستوقفنا أزمة جدية في التفكير الطبيعي الحديث. ونكرر القول بأنه ليس هناك حالة خاصة بالحرارة وحالة أخرى خاصة بالحركة بمعنى أن الحركة ليست نتيجة للحالة
الحرارية بل إنها هي الحالة نفسها
هذا النوع الجديد على معارفنا والذي أدخله ليبننز أصبح أمراً عادياً في العلوم الطبيعية لدرجة أن الطبيعيين يطبقون هذه المعارف الجديدة دون أن يعيروها أي التفات، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه أن ما نذكره هنا مدعاة للاستغراب للشخص العادي الذي يميل إلى أن يعتقد أن الحرارة تسبب زيادة في الحركة، أكثر من أن يميل إلى الاعتقاد بأن الحرارة هي الحركة بذاتها، وليس لنا أن نطالب القارئ بتصديق ذلك قبل أن نحدثه في المقال القادم عن انتصارات روبير ماير وبولتزمان التي أحدثت انقلاباً عظيماً في التفكير الحديث
محمد محمود غالي
دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون
ليسانس العلوم التعليمية. ليسانس العلوم الحرة. دبلوم
المهندسخانة
من هنا وهناك
الديمقراطية والإذاعة - عن تلسكرن كوبنهاجن
الاستماع بمعناه الحق فن عظيم ليس من السهل إدراكه. وكثير من الناس يتعذر عليهم الإصغاء عن أي شيء آخر؛ وقد عملت تجارب نفسية للبحث فيما إذا كان الإنسان يفهم ويذكر ما يسمع أو ما يقرأ. وهل للكلمة المسموعة أكثر تأثيراً في النفس أو الكلمة المكتوبة. ولم يهتد إلى حل مرض في هذا الموضوع؛ ولكن انتشار المذياع ألقى ضوءاً جديداً على هذه المسألة.
فالصلة الشخصية بين المتكلم والسامع لا وجود لها في الإذاعة، إذ أن السامع لا يستفيد برؤية المذيع، والرؤية لها تأثير لا شك فيه. فأنت محتاج حين تسمع إلى تركيز ذهنك إلى حد لا تحتاجه حين ترى المتكلم وجهاً لوجه. لذلك يتحتم أن تكون الإذاعة قصيرة، ويجب أن يكون لها نظام خاص وأسلوب معين.
نحن نعيش في أزمة عظيمة لم يشهد مثلها العالم من قبل، إذ تصطدم المثل والأساليب بقوة ووحشية لم يسبق لهما مثيل. فمن الواجب والحالة هكذا أن تتحرر الإذاعة من هذه الحالة: يجب أن تعطينا صورة صادقة عن الأحوال والشؤون التي تشغل العالم، وتبين الأسباب الحقيقية لها، بصفة موضوعية بقدر المستطاع، بعيدة عن طرق الإيهام والإغراء.
على أن المذياع إذا حل محل الكتاب في التأثير على المدنية، فلغة المذياع لا تستطيع أن تجاري لغة الكتاب. وقد أوضح ذلك البروفيسور لويد جيمس فقال: إن الصحافة الإنجليزية وطدت طريقتها في الأسلوب ووسائل الإيضاح منذ مئات السنين، بينما المذياع حديث لم يتجاوز استعماله ثماني عشرة سنة. وهناك فرق كبير بين الكلمة التي تنطق والكلمة التي تقرأ. فالكلام الذي يبحث ويشرح بالكتابة على الوجه الأكمل لا يمكن أن يذاع
ويقول لويد جيمس: من الخطأ أن نظن أن أساتذة الكتابة ورجال الصحافة هم أصلح الناس للإذاعة.
ويقول: إننا نتلقى كل معارفنا على التقريب عن طريق العين، وإن 90 % من معلوماتنا مأخوذ عن الكلمة المكتوبة، وقد ظهرت فجأة آلة المذياع وهي تعتمد على الأذن وحدها، وهذا تطور لا شك فيه في طرق تربيتنا وتعليمنا، ومن الواجب أن تعد له الأساليب
والتعبيرات التي تلائمه إذ أنها تختلف كل الاختلاف عما عداها.
ولم تعرف بعد طرق التعبير التي تجعل من المذياع آلة صالحة لنشر الثقافة والتعليم، ولكن من الممكن أن يقال إذا كان التعليم العام والخاص والثقافة هي الطرق المؤدية إلى الديمقراطية، ولا نقول الديمقراطية المعروفة فحسب، ولكن الديمقراطية التي يتطلع إليها العالم في المستقبل: فمن المستطاع أن يكون للمذياع أكبر فضل في بناء صرحها وإعلاء كلمتها.
إن الدكتاتورية تعتمد على نشر الدعاية بين الجماهير، والديمقراطية تعتمد على ذكاء الفرد ومقدرته الخاصة على فهم الأمور والحكم عليها. والمذياع هو ذلك الصوت الذي يرتفع من جانب الحجرة، لا ليجبره على اعتناق فكرة دون الأخرى، ولكن ليفتح ذهنه لمختلف الآراء، ليحكم عليها بنفسه، ويختار ما يلائمه منها.
الخرافة وأثرها في حياة العالم - عن محاضرة للورد
بونسونبي
كل إنسان في هذه الحياة عرضة للخرافات والأوهام تلعب دورها معه. ولا غرابة في ذلك فمنذ خرج من عالم الحيوان نظر إلى ما حوله فنسب كل ما لا يستطيع فهمه إلى قوة خفية خارقة. ويقال أن الإنسان ما زال على فطرته الأولى فهو يتعلق بالخيالات ويتعشق الأوهام
ويبدو هذا صحيحاً إذا اعتبرنا ما يسود العالم من الخرافات الآن. وقد اعتمدت الدعاية في العصر الحديث على خداع الإنسان بمختلف الوسائل، ولم يخطئها النجاح إذ أن الإنسان بطبيعته ميال عن الحق
وما زلنا نرى بين الناس من يعتقدون بالحسد ومن يعتقدون بفكرة الجن والعفاريت. وقد رأيت في الفلاحين من يتشاءمون من زراعة بعض النباتات. ويتشاءم كثير من الناس بكسر المرآة أو بالمشي تحت السلم أو بجلوس ثلاثة عشر على المائدة. وقد أصيب طفلي مرة بسعال ديكي مما يعتري الأطفال عادة، وقد حاولت عجوز أن تشفيه من هذا المرض، فأحضرت ثلاث شعرات من ذيل أتان وخاطتها في كيس ثم ربطتها في عنق الطفل ومن حسن الحظ أنه شفى بعد ذلك
أما مسألة الحظوظ فلها دور كبير في حياتنا. ويلجأ المقامرون إلى طرق غريبة لمطاردة الحظ السيئ. ويتشاءم الكثيرون لبعثرة الملح، ولا يزول الحظ السيئ الذي يترتب على ذلك إلا إذا رميت قليلاً من الملح من وراء كتفيك. وإذا ولد طفل يجب أن يصعد به إلى أعلى السلم في الحال حتى يسير قدماً في الحياة ويرتقي معارج الرقي والفلاح
وقد عرفنا في التاريخ كيف كان القساوسة ورجال الطب يستغلون عقائد الإنسان التي من هذا القبيل، لاكتساب النفوذ والقوة، وإذا كان سلطانهم قد ضعف في هذه الأيام، فمرجع ذلك إلى انتشار العلم. على أن الإنسان ما زال ميالاً إلى أن يخدع ويغرر به على الدوام
ولم يكن حظنا في بلاد الغرب في التخلص من تلك الخرافات بأكثر من حظ الشرقيين، وقد ظهرت عقائد كثيرة في الولايات المتحدة. وما زالت الأفكار الروحانية تلاقي نجاحاً في بلادنا. على الرغم من الاضطراب والحيرة اللذين يسودان العالم
وقد اعترف لي طبيب فرنسي بأنه كان يعطي مرضاه حبوباً مصنوعة من مادة الخبز وكانوا ينالون الشفاء باستعمالها لمجرد الاعتقاد. ويقول بعض الأطباء إن بعض القرويين يتأثرون لغياب الدواء عنهم فيعطيهم الطبيب ماء ملوناً، فيقبلون عليه في غالب الأحيان ولو أنه لا يجديهم شيئاً
وقد انتشرت الميول الروحية بعد الحرب العظمى لما نال العالم من الأشجان والآلام بسببها فهي تتجر بعواطف الإنسان ومخاوفه والأحزان التي تخامر فؤاده على من فقد من الأهل والخلان
إنني أتنبأ بما سيكون للمذياع من الأثر في إخضاع الأمم فإذا ظهرت أزمة سياسية فسوف تقهر على سماع ناحية واحدة من نواحي الموضوع. وأنت موقن بأنه لا يوجد شر محض كما لا يوجد خير محض؛ ولكن رجال السياسة يمزجون الحق بالباطل لينالوا قوة الإقناع. وهم لا يحتاجون إلى كثير من العناء، ليحرزوا الفوز في ذلك الميدان الذي تعبد وتوطد مع التاريخ، فيسيرون قدماً في طريقهم لإقناعنا بأشياء لا قاعدة ولا أصل لها. ولا جرم فقوتهم مستمدة من الضعف الكامن في نفوسنا
إن مثل هذه الأمور لا تدرك بازدياد الثقافة، ولكنها تفهم بنمو الذكاء
نابليون والتاريخ الحديث - عن ذي نشنال ريفيو
كتب مؤرخ بلجيكي نظرية جديدة يثبت فيها فرار نابليون من جزيرة سنت هيلانا. فإذا صحت هذه النظرية وجب أن تجمع كتب التاريخ ويعاد كتابتها من جديد. والحقيقة أن بقاء نابليون في تلك الجزيرة لم يكن متوقعا، وقد كان الكثيرون منذ اللحظة الأولى لنفيه لا يستطيعون أن يسلموا بأن النسر سيظل قابعاً فوق هذه الصخرة حتى الممات. وعلى الرغم من هزيمة نابليون فقد ظل سلطانه باقياً في نفوس غالبية الشعب، وكان من الطبيعي أن يفكروا في إعادته
كان نابليون يسير على الطريقة التي يسير عليها هتلر الآن، فهو يعد شخصاً مشابهاً له في الخلقة كل المشابهة ليحله محله في ظروف معينة. وقد وصف ليدرو في مذكراته المطبوعة في لينج عام 1840 كيف رأى فرنسوا يوجين روبو المولود في باليكورت عام 1771 وهو يشابه إمبراطور فرنسا كل الشبه، وقد قبل نابليون قيامه بهذه الوظيفة
ويقول ليدرو إن روبو عاد إلى تلك القرية بعد موقعة واترلو، ولم تمض أشهر معدودات حتى أعلن عمدة باليكورت إلى البوليس غياب شبيه نابليون. وقد أثيرت ضجة عظيمة بهذه المناسبة، ولكنها لم تلبث أن خفتت وذهبت إلى عالم النسيان
فهل حل روبو مكان الإمبراطور؟ إن لدينا من الوقائع ما يغري بتصديق هذا، وقد أثبت في سجل الوفيات في باليكورت هذه العبارة:(توفي في جزيرة سنت هيلانة فرنسوا يوجين روبو المولود في هذه القرية في. . .) وقد محى التاريخ لماذا؟ ألا يكون 5 مايو سنة 1821، يوم وفاة الإمبراطور؟ ويكون روبو هو الشخص الذي استقرت عظامه تحت قبة (الأنفاليد)؟ وليس من المعقول أن يموت روبو في جزيرة سنت هيلانة وهو لم يحل بها في يوم من الأيام كما هو ثابت في السجلات البريطانية
ومما يقوي هذا الرأي ويسنده مذكرات مس مودريشو وقد زارت نابليون في سنت هيلانة فأدهشها التغير الذي رأته، ولم تصدق أنه الرجل الذي تعرفه في باريس، وقد كتبت تقول:(لقد وجدت من العسير على أن أصدق أن المرض يغير الرجل كل هذا التغيير)
وفي سنة 1828 حينما اشتعلت نيران الحرب بين تركيا وروسيا قدم رجل أجنبي وعرض خدماته على السلطان وقد وصل إلى تلك البلاد في مركب أمريكي. وقد قاد هذا الأجنبي جيش تركيا في إيراكشا تحت اسم حسين باشا، ويقال إن حسين باشا هذا هو نابليون،
ويستند أصحاب هذا القول على فذلكة مكتوبة في ليبزج. فهل لهذه القضية سند من الحقيقة؟ إنها بعيدة عن التصديق، ولكن جنود روسيا في إراكشا يؤكدون أنهم رأوا الرجل القصير في ثياب الأتراك
البريد الأدبي
حول مناوأة الخدر والنعاس في الأدب المصري
كتب الصديق البحاثة الدكتور بشر فارس في بريد العدد الماضي من الرسالة بما يقطع في أمر أسباب الكساد الذي يرين على السوق الأدبية في مصر بأنه لا يرى كل الرأي فيما سبق أن ذهبت إليه في مقالي السابق من أن انصراف الجمهور عن الإقبال على النتاج الأدبي في مصر إنما مرده إلى ما قلت: (إذا كان النتاج الأدبي لا يقابل من الجمهور بالحماس الواجب، فلأن الفتور مفروض على كل شيء يجري في مصر، ولأن عدم الاكتراث صفة - ويا للأسف - من صفات الأكثرية الغالبة من الجمهور المصري ولا سيما فيما له علاقة بالأدب والفن) وعاد الصديق الدكتور إلى ترديد ما سبق أن صرح به في هذا الصدد، ومجمله:(إن الجمهور المهذب من القراء يرغب عن أدب التسلية والإنشاء التعليمي ويقدر ما يستحق التقدير)
وشد ما أرغب في الأخذ بهذا الرأي، وشد ما أود أن أحسن الظن بالجمهور الكبير وبالجمهور المهذب حتى أسري عن نفسي كمداً أهمني، ولكن ما الحيلة وقد دل الإحصاء الأخير على أن متوسط ما يباع من المؤلف الأدبي الواحد في السوق المصرية لا يتجاوز خمسين نسخة في العام الواحد!
ومعنى هذا أنه لولا وجود أسواق للأدب المصري في الأقطار الشرقية الأخرى لكان مقضياً على هذه المؤلفات الأدبية بأن تصبح غذاء مستساغاً للسوس والجرذان. . .
ومعنى هذا أيضاً أن هذا (الجمهور المهذب) صفوة قليلة العدد لا يؤبه لأثرها في تصريف المؤلفات الأدبية التي تكتظ بها المكتبات المصرية، حتى ولو كانت مؤلفات من الأدب الرفيع
وإذا جارينا الدكتور بشر فيما يذهب إليه، وهو أن الجمهور المهذب إنما يقبل على ما هو أسمى من أدب التسلية والإنشاء التعليمي فهل للدكتور الصديق أن يدلي لنا بعدد النسخ التي باعتها المكتبات المصرية من مؤلفيه (مفرق الطريق) و (مباحث عربية)، وهما مؤلفان ينفردان بطابع جديد في النتاج الأدبي الرفيع، وليس فيهما من أدب التسلية قمحة ولا من التعليم الإنشائي قطرة؟
بماذا يفسر الدكتور بشر فتور هذا (الجمهور المهذب) إزاء هذين المؤلفين؛ وأمام سواهما من الآثار الأدبية الرفيعة؟
وأين (التقدير) الذي يكنه هذا (الجمهور المهذب) للأعمال الأدبية الرفيعة؟
ومتى يتحرك هذا (التقدير) ليوفي مؤلفيه السابقي الذكر حقهما من الذكر والرواج؟
أخشى بعد هذا كله أن أقول إن صديقي إنما يصدر فيما نحن بصدده عن وحي إحساسه الخالص، وهو إحساس أديب أصيل مشبوب الهوية بالأدب، مشغوف بأن يرى للأدب دولة في مصر قوامها جمهور القراء قبل أي شئ آخر، وهذا من مزالق التفكير الذي يشوبه الإحساس الطاغي.
زكي طليمات
في النقد الأدبي
حضرة الأستاذ الفاضل محرر (الرسالة):
تحية وسلاماً. وبعد. فقد قرأت في العدد 310 من (الرسالة) الغراء ما كتبه الدكتور بشر فارس عن الفصول التي أكتبها عن الأدب العربي الحديث؛ فحمدت له غايته من النقد. غير أنني لاحظت بعض أشياء على قوله:
1 -
إن كتاباتي وإن كانت منصرفة إلى النقد القائم على الوجهة الموضوعية - كما لاحظ الدكتور بشر فارس في كلمة في (الرسالة) - والأستاذ صديق شيبوب في مقاله في البصير (12 مايو سنة 1939)؛ والأستاذ خليل شيبوب في مقاله في (الأهرام): (29 مايو سنة 1939) - إلا أن منحى الموضوعية فيها مستنزل من الطريقة (التركيبية، التحليلية) التي تذهب من النظر إلى الواقعات عيناً، ومن الواقعات إلى النظر عيناً آخر؛ والتي هي نتيجة ثقافتنا الرياضية.
2 -
إن هذه الطريقة من صميم الأساليب العلمية، والطرائق الموضوعية، لأن الطريقة العلمية تذهب: إما من النظر إلى الواقعات وإما من الواقعات إلى النظر. والمذهب الأول أكثر ما يتظاهر في الأساليب الخاضعة للنهج الرياضي بعكس المذهب الثاني، فإن أساليبه أكثر ما تتمثل في منهج البحث الاجتماعي.
3 -
إن الدكتور بشر فارس وثقافته اجتماعية صرفة قد نظر إلى بحثي من الطرائق الاجتماعية التي اتصل بها - أثناء تلقيه العلم في السوربون - فدارت عقليته منها، وكان أقل ما يجب عليه أن يوسع نظرته وينظر إلى منهجي في البحث في النطاق العام للأسلوب العلمي.
4 -
كان في إمكان الدكتور بشر فارس أن يتعرف الدافع الذي دفعنا في دراستنا عن مطران إلى الكتابة عن (الشعر والشعراء) في المبحث الأول، وعن (الشعر العربي) في المبحث الثاني، وذلك لأنه ليس من المستطاع - ومطران رأس حركة جديدة في الأدب العربي - فهم حقيقة مذهبه واتجاهاته دون مراجعة الشعر العربي وخصائصه حتى يمكن عن طريق المقابلة معرفة الأثر الذي استحدثه مطران في الشعر العربي ومدى التجديد الذي قام به
5 -
كان في مستطاع الكاتب أن يستنبط من البحث الثالث والبحوث التالية له في المقتطف خطتنا في الدلالة على معنى شاعرية مطران من شعره، تلك الخطة التي تقوم على إرجاء المقدمات - التي انتهت بنا إلى الأحكام التي أصدرناها عن منحى الشاعرية عند الخليل - إلى موضعها الطبيعي من الدراسة.
6 -
رأى الكاتب أننا استعرنا اصطلاح (خلق جملة صلات اجتماعية) من كتابه (مباحث عربية) والواقع عكس ذلك. فإن هذا الاصطلاح قد دار على قلمنا من قبل صدور كتابه هذا: تجده في دراستنا عن إسماعيل مظهر حين تكلمنا عن آرائه الاجتماعية (التقدمة العربية لدراستنا عن مظهر في م 36 ص 411) هذا فضلاً عن أن هذا الاصطلاح من جملة ما يجري على أقلام كتاب عصرنا هذا، وإذن فلا يمكن القول بأنه من الاصطلاحات التي استحدثها الكاتب.
7 -
ارتأى الكاتب أن الجملة التي أوردنا فيها هذا الاصطلاح مرتجلة بحيث أنها لا تتسق ومنحى البحث الموضوعي الذي أخذنا أنفسنا به. والواقع عكس ما رأى. بيان ذلك أننا رأينا في بحثنا المذكور أن المجتمع الشرقي - عادة - ينعزل أفراده بعضهم عن بعض بحيث ينقبض كل على نفسه. وقد كان ظهور خليل مطران بطبيعة مغايرة لطبيعة هذا المجتمع الذي نشأ فيه ما استوقف نظرنا. وقد رجعنا في بحثنا بهذا الأصل الثابت من
نفسيته إلى طفولته التي ترك فيها حَّداً يتعامل مع أقرانه من الأطفال فخلص من ذلك بطبيعته الاجتماعية التي تجعله ينسحب على الجماعة ويشتبك مع أفرادها في (جملة صلات اجتماعية). وواضح إذن أن هذا من باب التحقيق لا ارتجال، ومن ثم فاستعملنا لهذا الاصطلاح استعمال له في موضعه الطبيعي من الكلام لا في موضع غير متسق مع مجرى الكلام كما رأى!
8 -
أخذ علينا الدكتور بشر فارس إهمالنا لاستقصاء المصادر في دراستنا عن توفيق الحكيم، ودليله على ذلك أننا لم نلتفت إلى ما كتبه في مجلة الشباب عن توفيق الحكيم كما ينجلي في مسرحيته (أهل الكهف) وأظن أن الدكتور بشر فارس لا ينكر علينا أننا أكثر الكاتبين في العربية استقصاء للمصادر بدليل أن بحثنا عن توفيق الحكيم قد رجعنا فيه إلى نيف ومائة مرجع. ويظهر هذا من مراجعة سريعة لبحثنا. أما عدم التفاتنا إلى بعض ما كتبه المعاصرون عن آثار الحكيم فهذا يرجع إلى أنه ليس في مستطاع كاتب بالعربية استقصاء كل ما يتصل بمادة معينة في الأدب العربي الحديث. ولا وجه للاعتراض علينا بأن الباحثين الغربيين يظهر في بحوثهم استقصاء تام لجميع ما كتب عن مادة موضوع بحثهم لأن هؤلاء يجدون من مهيئات البحث عندهم في لغاتهم فهارس شاملة تجمع كل ما يتصل بمادة معينة فيسهل من ذلك الاستقصاء عندهم
9 -
أرجع الدكتور بشر فارس في مقالة مجلة الشباب (9 مارس سنة 936) فن توفيق الحكيم المسرحي في آثاره الأولى إلى فكرة الكاتب المسرحي من حيث يتفق الكاتبان المسرحيان في اعتبار الكائنات (ظواهر لا حقائق) والواقع أن الكاتبين في هذه الفكرة متأثران بالنظرية الاعتبارية التي بثها في مؤلفاته الرياضي الفرنسي الشهير هنري بوانكاريه. وقد أشرت إلى هذا الأصل بالنسبة لتوفيق الحكيم في دراساتي عنه (ص 69 من الطبعة الخاصة وص 361 من طبعة عدد مجلة الحديث) فلا معنى إذن لقول الدكتور بشر فارس من أن توفيق الحكيم تأثر بزميله الكاتب المسرحي الفرنسي خصوصاً وأن توفيق الحكيم من الذين قرءوا هنري بوانكاريه وتعمقوا في دراسة آثاره (أنظر قطعة برجنا العاجي لتوفيق الحكيم عدد 245 ص 404 - 14 مارس سنة 1938 من مجلة الرسالة)
10 -
يقول الدكتور بشر فارس بأن الأصل في مسرحيات توفيق الحكيم اعتبار (الكائنات
ظواهر لا حقائق) ويترتب على ذلك - عنده - صراع بين العقل والحلم، وبين الزمان والتاريخ (؟!. . .) وبين الشهوة والرغبة (؟!. . .) فإن صح معنا أن فكرة كون الكائنات ظواهر لا حقائق تسوق إلى فكرة الصراع بين الواقع والحلم فإننا لا نرى صلة بين هذا وما يحاول أن يظهره الكاتب من صراع بين الزمان والتاريخ، وبين الشهوة والرغبة. ذلك لأننا نعرف أن التاريخ منبسط الزمان والشهوة متفرعة من الرغبة (قوة النزوع عند فلاسفة العرب) وليس في هذا أي معنى يحتمل إفادة الصراع
11 -
يرى الدكتور بشر فارس أن جوّ المسرحية عند توفيق الحكيم متأثر بجو مسرحيات ماترلنك من حيث الميل إلى بسط الإبهام على المناظر وإثارة الأوهام في نفس الناضر. وهذا صحيح إلى حد، وقد أشرنا إليه؛ ويمكن أن نزيد على ذلك فنقول بأن جو المسرحية عند توفيق الحكيم منبثق من طبيعته الفنية التي دارت حول الكتابات الرمزية نتيجة إعيائه عن معرفة حقيقة النفس ولوامعها وبوادرها والتي تأثرت بمبادئ علم النفس الحديث وعلى وجه خاص تجارب شاركو في التنويم والإيهام، وريبو في الأمراض العصبية، وفرويد في أحوال اللاواعية، وبرجسون في تقليب المنطوي في النفس على الظاهر منها (ص 69 من دراستنا من الطبعة الخاصة وص 361 من الطبعة العامة)
وبعد فإني شاكر للدكتور بشر فارس عنايته بالإشارة إلى دراستنا كما أني شاكر له عنايته بالنقد. وهو إن أخطأ النظر فيما كتب فله حسن القصد والغرض
إسماعيل أحمد أدهم
كتبنا وتآليفنا: محاضرة للأستاذ كرد علي
ألقى الأستاذ الكبير محمد كرد علي محاضرة عن (كتبنا وتآليفنا) في أحد نوادي دمشق، استمع إليها نفر من أدباء الشام ورجالاتها وطلابها، بينهم الأستاذ عبد الحميد الحراكي بك مدير المعارف العام، والأستاذ خليل مردم بك، والأمير مصطفى الشهابي، والأستاذ فارس الخوري، والأستاذ زكي الخطيب وغيرهم
وكانت محاضرة الأستاذ موجزة تقريباً، بدأها بذكر معنى التأليف والتصنيف لغة، ثم حدد الوقت الذي بدأ فيه التأليف عند العرب بتدوين القرآن والسنة والشعر. . . ثم تخطى
الأستاذ القرون مسرعاً، حتى أدرك العصر العباسي، حيث التأليف المزدهر المثمر. فلما كانت المائة الثالثة للهجرة، بدأ الضعف يدب في التأليف، لضعف الدول والممالك، فلم يلق التأليف آنئذ ملكاً يحميه أو سلطاناً يغذيه. وأتت بعد ذلك كارثة بغداد وهمجية جنكيز خان، فخلت مدينة السلام، وبخارى، وسمرقند، وخوارزم، وطوس، من العلماء وضاع منها كثير من المؤلفات
وجاء الترك، فسعت إلى القضاء على العرب قضاء لا حياة بعده، فرقد العرب، حتى هبت مصر فأيقظتهم بعد سبات طويل
ويصف الأستاذ كرد علي حالة مصر في أوائل عصر النهضة فيقول إن أدباءها وعلماءها كانوا ما يزالون متأثرين بمؤلفات عصور الانحطاط. أما الأزهر فكان شبحاً بلا روح واسماً بلا مسمى، فلما جاء الشيخ محمد عبده سعى في إحياء التأليف، وأخرج الكتاب من الركيك إلى النثر الذي كان في القرنين الأول والثاني. ثم ذكر أثر الأستاذ الإمام في إصلاح الأزهر، وأثر الجامعة المصرية القديمة في نشر العلم بوساطة المحاضرات التي كانت تلقى فيها، حتى إذا اطلع الشرقيون على مؤلفات الغربيين، سعوا إلى تقليدها، فبدأت الفواصل في الكتابة، وعنى بأمر المسارد بأنواعها من تاريخية ولغوية وغيرها
أما أثر الصحافة في تشجيع التأليف فكان ظاهراً لما كان للنقد - على سخفه - من أثر بالغ في نفوس المؤلفين
وقايس الأستاذ بين الشيخ بخيت المحافظ والشيخ أحمد إبراهيم المجدد، وذكر كيف قاوم الأزهريون الشيخ النجار
ثم انتقل الأستاذ إلى التأليف في وقتنا هذا بمصر، فقال إن التأليف الحديث ناتج عن اضطرار لا عن رغبة، لأن معظم المؤلفين في مصر، إنما يؤلفون بحكم الوظيفة والمنصب. وقال إن هناك مؤلفات لها شأنها، ولو أننا اتبعنا الطرق التي اتبعها (حافظ باشا عفيفي) في كتابه (على هامش السياسة) وحاولنا أن نحرر أفكارنا كما فعل (قاسم أمين) فيما ألفه و (عبد الرحمن الكواكبي) في كتابه
(طبائع الاستبداد) لبلغ التأليف عندنا درجة رفيعة
وأنتقل الأستاذ بعد ذلك إلى الكلام عن الشام، فذكر احمد فارس وأثره في التأليف واهتمام
المسيحين به، ولا سيما آل اليازجي وآل البستاني
أما في العراق وتونس فلم يبدأ التأليف إلا عقب الحرب العظمى. وساعدت جامعتا بيروت الكاثوليكية والبروتستانتية على ازدياد التأليف، كما ساعد ذلك في دمشق الجامعة العربية والمجمع العلمي
ثم ذكر الأستاذ حاجتنا إلى التأليف وقايس بين مؤلفينا الذين يقنعون بكتاب أو كتابين ومؤلفي الغرب الذين لا يفتأون يخرجون للناس كتباً، وقال إن التأليف يجب أن يزداد وأن يرمي إلى نزع الحواجز بين الخاصة والعامة
وختم الأستاذ محاضرته بقوله إن التأليف هو رمز الحضارة وعنوان المجد، فلنسع لإظهار هذا المجد وإبراز تلك الحضارة
والمحاضرة بالجملة موجزة، سهلة اللغة مرسلتها، ولكنها لا تظهر ما للأستاذ من علم واسع واطلاع شامل
ونحن نشكر للأستاذ جهوده، ونتمنى لو أنه يترك من حين إلى حين برجه الذي بُني من الكتب، والذي ينزوي فيه ويطل على الناس يريهم آياته ويسمعهم نتائج قراءاته
(دمشق)
ص. م
الشعر والشعراء في سورية محاضرة للأستاذ صلاح الدين
المنجد
سيلقي الأستاذ صلاح الدين المنجد في راديو الشرق (بيروت) سلسلة من المحاضرات عن الشعر والشعراء في سورية. وسيبدأ إلقاءها في النصف من يونية الحاضر، فيقايس بين حالة الشعر قبل ثلاثين وحالته اليوم، ويبين خصائص الشعراء السوريين التي امتازوا بها وقصر دونها شعراء مصر والعراق. وسيعالج الأستاذ أمر تأثير الغرب في شعراء سورية ونتائجه ومداه.
أما الشعراء الذين سيدرسهم، فهم: الزركلي، البزم، الخطيب، جبري، مردم بك، بدو الجبل، أبو ريشة، العطار، الطرابلسي
وسيعقب الأستاذ المنجد هذه المحاضرات بمحاضرات أخرى الشعر في مصر ثم عن الشعر في العراق
فرعون الصغير
إن الأستاذ محمود تيمور من أوفر أدبائنا إنتاجاً، ودليل ذلك تلك القصص التي يذيعها في الناس من حين إلى آخر. وهاهو ذا يخرج اليوم مجموعة جديدة من الأقاصيص عنوانها:(فرعون الصغير وقصص أخرى). وبهذه المجموعة يدل الأستاذ تيمور على أن فنه بلغ الاستواء الأوفى من جهة السرد ولمّ الفكرة والخروج من الحوادث بالعبرة التي لا تجري إلى غاية محسوسة، ولكنها تقصد إلى إيحاء شعورٍ ما. وهذه القصص تتنازعها طرائق مختلفة: منها (الرومانسية)(أي التخيلية) من ذلك قصة (فرعون الصغير)، والواقعية، من ذلك (زمان ألهنا)، والواقعية الملونَّة بالباطنية، من ذلك (المخ العجّالي)
هذا وللمجموعة تصدير عنوانه: (المصادر التي ألهمتني الكتابة). وهو جم الفائدة من حيث أنه يبسط كيف اقبل المؤلف على التأليف القصصي وبأي أنواع التأليف تأثر وعلى أي أسلوب جرى فيه
ثم إن المؤلف رأى أن يستعمل الشكل كلما جاءت كلمة متخيَّرة أو مشتركة في النطق أو داعية إلى اللبس. وهكذا نفع التلميذ والقارئ الناشئ. وعسى أن يظفر (فرعون الصغير) بما يستحقه من النجاح لطرافته ونفاسته ثم شكله اللطيف وطبعه الأنيق
مجلة أدبية في دمشق
علمنا بان الأستاذ محمود كرد علي بك قد عزم على إصدار مجلة (أديبة في دمشق) بالاشتراك مع الأستاذ خليل مردم بك، والدكتور محسن البرازي، والدكتور جميل صليبا، والأستاذ سعيد الأفغاني، وبعض المتأدبين الناشئين كالأساتذة: جمال الفراء، يوسف العش، خلدون كناني
ونحن نشكر للأستاذ صنيعه، ونرجو أن تكون هذه المجلة مظهراً جيداً من مظاهر النهضة الأدبية في سورية
(م. . .)
كتاب الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة
تعد دار الكتب الظاهرية أحفل مكتبات العالم بمخطوطات الحديث الشريف فإن فيها من النفائس النادرة ما لا نظير له في الدنيا ومن جملة مخطوطاتها القيمة هذه الرسالة التي لا ثاني لها، فهي مسودة المؤلف بخطه الذي (قل من يحسن استخراجه) وعليها خطوط لكبار الأئمة مثل ابن طولون الصالحي والرملي. . .
وقد أخرجها الأستاذ سعيد الأفغاني على خير نسق تحيا عليه الرسائل العلمية القيمة، ولم يدخر وسعاً في بذل الجهد ليكون إخراجاً علمياً كاملاً، فجاء آية في الترتيب والدقة والصحة والجمال.
صنفها المؤلف أبواباً ثلاثة:
الباب الأول - في خصائص السيدة عائشة وشيء من سيرتها
الباب الثاني - في استدراكها على أكثر من عشرين من أعلام الصحابة الأجلاء مثل أبي بكر وعمر وعلي وابن عمر وابن عباس
الباب الثالث - في استدراكات عامة
ويتجلى في هذه الرسالة ذكاء المرأة ونقدها وفطنتها ومواهبها العلمية ومدى ثقافتها الواسعة التي نعمت بها بفضل الإسلام. وهو كتاب ضروري لكل من درس شيئاً عن الإسلامية من شرقي وغربي وفقيه وعالم ومحدث وأديب واجتماعي وكل مثقف
وقد صدر في 230 صفحة من القطع الكبير.
بواسل
يعتمد الكثير من الأدباء في التحقيق اللغوي على المعجمات العربية، ويضربون صفحاً عن التنقيب في النصوص الأدبية القديمة التي تعتبر أصلاً لهذه المعجمات
ولقد كتب أديب فاضل في عدد 307 من مجلة الرسالة يخطئ جمع باسل على بواسل، معتمداً على ما انتهى إليه استقراء القواعد النحوية وما أحصته المعجمات اللغوية. وذكر أن الجمع الصحيح الذي ورد لهذه الكلمة هو (بسل وبسلاء وباسلون)
ولقد أسعدت المصادفة فالتقيت بالجارم بك وسألته فيما جاء بالرسالة خاصاً بهذا الجمع
فأنشد:
وكتيبةُ سفع الوجوه (بواسل)
…
كالأسدِ حين تذب عن أشبالها
قد قُدْتُ أول عنفوان رعيلها
…
فلقفتها بكتيبة أمثالها
فقلت: ولمن هذان البيتان؟ فقال: هما من قصيدة (لباعث ابن صريم اليشكري) من شعراء الجاهلية في ديوان الحماسة فرجعت إلى القصيدة فوجدتها ص 149 من طبعة الرافعي
حسن علوان
رسالة النقد
مباحث عربية
تأليف الدكتور بشر فارس
للدكتور إسماعيل أحمد أدهم
هذه مجموعة مباحث في شئون (عربية، إسلامية) تجمع بين التدقيق الاجتماعي اللغوي - في مسائل اجتماعية وأخرى لغوية - وفي مستهل المجموعة استطلاع لشئون جماعة مسلمة في أقصى الشمال جهة (فنلندة). وقد نشر بعض هذه المباحث بالعربية هنا في مصر كما نشر البعض الآخر بالفرنسية هناك في باريس أو روما. غبر أن كاتبها الباحث المحقق الدكتور بشر فارس جمعها في هذا الكتاب بعد أن أجرى فيها قسطاً من التهذيب ثم الحذف والزيادة. لأنه وجد في نشر هذه المباحث بين دفتي كتاب ما يجعلها أدل منها وهي متفرقة، وأبين منها وهي مشتتة. هذا وقد رجا صاحبها بإصدارها أن يوطئ من حيث المنهج والأسلوب الأذهان لرسالته القيمة (العِرض عند عرب الجاهلية) التي نال عليها إجازة الدكتوراه من باريس، ونشرها بالفرنسية لأعوام خلت، وهو اليوم يستعد لإخراجها في اللغة العربية.
وهذه المباحث من جهة المنهاج متأثرة بأساليب البحث الاجتماعي التي لا تعرف مجالاً للافتراض، فهي من هنا أقرب إلى أساليب البحث العلمي الوضعي منها إلى أساليب العلم البحت. ومثل هذا النهج من حيث أنه يعتمد على تسليط النقد على الواقعات مع ردّها إلى مصادرها من طريق الوصف المباشر والاستشهاد بالنصوص الصريحة مقدمة لا بد منها للبحث العلمي البحت. أما عن النهج: فهو التحقيق في الأصول والتدقيق في الفروع قدر ما يسمح به الموضوع، والرجوع إلى المصادر والإشارة إليها في الحواشي التي تجمع إلى المراجع والمصادر والإشارة إليها في الحواشي التي تجمع إلى المراجع والمصادر إضافات وتهذيبات شتى يستخدم في سردها نظام الرموز والإشارات؛ ومن هنا يمكن أن يقال إن منحى نهج الكتاب الطريقة الجامعية في التأليف، وأسلوب المباحث علمي يمتاز بالوضوح والإشراق والتدقيق في اختيار الكلم مع شيء كثير من الصقل للعبارات والكاتب بذلك
يصون لغته من الأساليب المبتذلة التي جرت العادة أن تدور على أقلام الكتاب في هذا المصر من أدباء العصر
غير أنه وإن كان من مظاهر التدقيق في التعبير، التدقيق في اختيار الكلم، والتدقيق في وضع المصطلحات العربية للألفاظ الفنية الإفرنجية، فإن هذا التدقيق الذي ينتهي به الكاتب - عادة - إلى نتائج قيمة من أسلوب واضح دقيق، ووضع كلمات عربية تجري مجرى الاصطلاح الإفرنجي يخونه التوفيق بعض المرات، وله بعد ذلك جانب السعي المشكور. من تلك الحالات التي خانه فيها التدقيق في التعبير واختيار الكلم قوله (وتسليط النقد النافذ من جهتيه - الخارجي والباطني - ص 12 و 42 من الكتاب. ومن المعروف أن كلمة داخل تقابلها من الجهة الأخرى خارج، كما أن لفظة باطن تقابلها ظاهر؛ فيكون تعبيره وإن دل على المعنى، ضعيفاً من وجهة السياقة اللغوية العربية الخالصة. وقد استعمل بعضهم هنا في مصر ومنهم الأستاذ أحمد أمين اصطلاح النقد الداخلي والنقد الخارجي - ضحى الإسلامية ج 2 ص 130 - 131 - وقد جاراه في ذلك الأستاذ أمين الخولي - أنظر تعليقه على أصول من الترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية، م2 ص280 - وكان فيإمكان الباحث أن يجري الكلام على هذا الوجه، فذلك أدل على المعنى من جهة وأقوم من الوجهة التعبيرية العربية الخالصة من جهة أخرى فضلاً عن أنها جرت على الأقلام، فمن هنا اكتسبت قيمة المصطلح الفني.
كذلك قوله: (الاعتماد على المشاهدة دون الفرض والتحقيق دون التخيل) فهو لو قال: (الاعتماد على المشاهدة دون التخيل والتحقيق دون الفرض) لاستقام معه المعنى والتعبير. ولقد جرى قلم الباحث بلفظة (أسلوب) في بعض مواضع من أبحاثه محملاً اللفظة أكثر مما تحتمل من حيث تدل على الطريقة أو النهج في الكتابة أو التفكير. فكان من ذلك أن قال: (وإذا بدا لك بعد هذا أن تعدل عن النقد الخارجي وهو النظر في الأسانيد إلى النقد الباطني وهو النظر في الأسلوب) ص 42؛ ومن المعلوم أن النقد الداخلي ينظر في المتن، والمتن ينقسم إلى معنى وعبارة، أو مادة وشكل، أو فكرة وأسلوب، فالعبارة أو الشكل أو الأسلوب شِقّ يعرض له النقد الداخلي، وليس بكل ما يعرض له (انظر لفظة أسلوب في لسان العرب) ومن هنا يبدو قصور تعبير الباحث عن أن يمد المعنى الذي في
ذهنه ظله على ما يلبسه من معنى
ولقد جرى قلم المؤلف سلوك تارة (ص 56) وبلفظ أخلاقيات تارة أخرى (36، 56) مقابلاً لاصطلاح فرنسياً، والسلوك من حيث يفيد النهج يقابل إفرنجياً. أما اصطلاح فيفيد الآداب؛ أما الأخلاق عربياً فتقابل واستعمال لفظ السلوك لأحد مشتقات المصدر تارة ولفظ أخلاق لمشتق آخر لنفس المصدر، يوقع في اللبس والاختلاط (راجع ص56 من الكتاب). كذلك يعتبر الباحث كلمة (البصيرة) مقابلاً لـ (ص 57) ونحن نرجح لفظة (الحدس) لأنها فلسفياً كما جرت على أقلام فلاسفة العرب كابن سينا والفارابي تفيد معنى الانتقال دفعة واحدة من المبادئ إلى النتائج، وهذا ما تفيده معنى اللفظة اصطلاحياً ولغوياً كما يستفاد من مراجعة معاجم اللغة الفرنسية
وثم عندك قول الكاتب: إن للفظة الشرف مفادات متجاورة تارة، متباينة أخرى) ففي هذا التعبير لفظة التجاور تفيد إفرنجياً معنى إفرنجياً والقصور واضح في التعبير العربي. ولكي تتسق مفادات العبارة لا بد من إبدال لفظة (المتجاورة) من الجملة بالمتشابهة، لأنها أدل على المعنى وأكثر اتساقاً في الجملة.
وقد كان بودي أن أمر بكل هذا الذي ذكرته - لأنه ملاحظات
شكلية لا يخلو من أمثالها كاتب - ولكن تدقيق المؤلف
وعنايته الظاهرة بالشكل، هي التي دفعتني لمجاراته في
التدقيق. وبعد ففي موضوع المباحث مسائل تقف النظر،
وموضوعات تستحق وقفة للتدبر، ففي المبحث الأول وهو عن
(المسلمين في فنلندة) وهي رسالة نشرت في الأصل بالفرنسية
في مجلة الدراسات الإسلامية بباريس (13ص 181934) تجد
الباحث يقول إن هؤلاء المسلمين من (الترك - التتر)
الضاربين فيما وراء جبال أورال، وقد هجروها إلى الشمال،
وحلوا بفنلندة عقب الانقلاب السوفيتي في روسيا. وهو في
قوله هذا يعتمد على ما رووه له، وما تحدثوا به إليه دون أن
يتعداه إلى سبل التحقيق للتأكد من صحة أقوالهم. فنحن نعرف
أن المصادر التركية تتحدث عن رحلة جموع من (الأتراك -
المسلمين) إلى الشمال في القرن السادس عشر للميلاد، وأنهم
نزلوا بلاد (الفنوا) - أنظر خير الله أفندي في دولت عَلِية
عُثمانية تاريخي ج 6 ص 138 - 145 - فهل تحقق الباحث
من أن مسلمي فنلندة الذين شاهدهم عن كثب ليسوا من نسل
هؤلاء؟ وأن قولهم بأنهم أتوا فنلندة عقب الثورة الاشتراكية
الكبرى في روسيا حقيقة لا تخلو من الريب؟ هذه أسئلة
خطرت بالذهن حين تلونا للباحث كلامه في صدد أصل
هؤلاء.
ومسألة أخرى في هذا البحث، فالباحث يذكر أن جموع هؤلاء المسلمين الأتراك تنزل العاصمة ثم بمدينتي (تمبري) و (توركو) وهو لم يذكر لنا شيئاً عن المدينة الثانية وهل هناك صلة بين أسمها ولفظة (تورك) خصوصاً أنهم على ما يروي من (الترك - التتر). ولا شك أنه في فترة خمسة عشر عاماً ليس في مستطاع هذه الجموع (التركية - التترية) أن تخلع على المدينة اسماً مشتقاً من أصول جماعتها، خصوصاً وهم أقلية؛ وإذن فللموضوع شأن أعمق من القول بأن هؤلاء من الذين نزلوا (فنلندة) بعد الثورة البلشفية في روسيا
على أنه يظهر أن الباحث أُخِذ بجدة الموضوع فلم يتعمق في البحث، آية ذلك أنه يقول:(إن لغة التعليم عندهم هي التركية وحروف هجائهم هي الحروف (اللاتينية - التركية) التي وضعت وشاعت بأمر أتاتورك) - ص24 - وهو بهذا يستدل على أنهم صرفوا هواهم عن روسية الجنوبية (؟) إلى أنقرة - ص23 - ولكن لتصح له الدعوى حتى يصح له الاستنتاج، والدعوى لا بد لصحتها من التثبت من أن حروف الهجاء التي يتخذونها هي الحروف (التركية - اللاتينية) التي أخذ بها الأتراك في تركيا الكمالية، وليست الحروف (التركية - اللاتينية) التي توافق عليها أتراك آسيا الوسطى والقوقاز والأورال في مؤتمر تفليس عام 1925:(أنظر في - باب التعليم الوطني -). ذلك أن هنالك بعض الفروق الطفيفة بين أحرف الهجاء اللاتينية، كما هي عند أتراك الجمهورية التركية وأتراك الاتحاد السوفيتي، وهذا الفرق يظهر واضحاً في بعض الحروف التي تدل على حركات معينة، وفي إمكان الباحث بمراجعة هذه الفروق أن يدلي برأي نهائي في الموضوع.
على أنه بعد ذلك في هذا الفصل استطلاعات اجتماعية قيمة تسبغ على البحث أهمية لا تنال مها هذه الملاحظات
والمبحث الثاني عن (مكارم الأخلاق) وهي محاضرة في الأصل ألقاها الدكتور بشر فارس عام 1935 في مؤتمر المستشرقين بروما باللغة الفرنسية ونشرها بمجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم في روما. وقد قام بترجمتها والتوسع فيها بعض الشيء في الأصل العربي، والبحث في العموم دقيق في أصوله، ضارب إلى التثبت العلمي في تفاصيله، وكان بودنا أن نناقش الباحث آراءه التي أتى بها في الموضوع ولكن المصادر أعوزتنا. لهذا صرفنا النظر عن مناقشتها. على أنه يظهر أن الباحث وفيَ الموضوع حقه من التحقيق والفحص العلمي.
(البقية في العدد القادم)
إسماعيل أحمد أدهم