المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 338 - بتاريخ: 25 - 12 - 1939 - مجلة الرسالة - جـ ٣٣٨

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 338

- بتاريخ: 25 - 12 - 1939

ص: -1

‌ذكرى مولد المسيح

وعلى الأرض السلام!

في هذا اليوم يحتفل المسيحيون بذكرى مولد المسيح عيسى ابن مريم. وفي ليلة هذا العيد المجيد بات القسس والرهبان يرتلون وحدهم بين أروقة البِيَع وصحون الكنائس ذلك القُنوت الشعري الجميل:

(المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة!) وربما تابعهم الأقوام فرتلوا وهللوا جرياً على التقليد وخضوعاً للعادة؛ ولكنهم وا أسفا لا يجدون في الآفاق ولا في أنفسهم معنى هذا النشيد، ولا حقيقة هذا العيد!

في أي جهة من جهات الأرض ذلك السلام؟ وفي أي قلب من قلوب الناس تلك المسرة؟ لقد عادت روح يهوذا الأسخريوطي في جسدي هتلر وستالين فدلا على السلام الإلهي أبالسة الشر وزبانية الجحيم فصلبوه في بولندة، ودفنوه في فنلندا، ومكَّنوا في الأرض لعوامل القحط والموت، فأوقروا مائدة عيسى سماً وصاباً، وأنبتوا شجرة ميلاده هماً وعذاباً، وحولوا أعشاش الأسر ورياض الحقول قبوراً موحشة على كل قبر منها ركام من الثلج وصليب من الخشب!

لكأني بك يا روح الله كنت تمشي من الناصرة إلى بحيرة الجليل، ومن صفد إلى كفر ناحوم، وأنت ناكس الرأس ساهم الوجه، يعتلج بين جوانحك الهم، ويجول في مآقيك الدمع، لأنك كنت ترى بعين الله التي تخترق الأزل والأبد كيف تَلازَم الشر والخير في ملكوته، فابتَلى آدم بإبليس، وموسى بالسامري، وعيسى بيهوذا، ومحمداً بأبي لهب؛ وقضى ألا تخلو الأرض من أتباع هؤلاء وهؤلاء، ليدوم صلاحها بمدافعة بعض لبعض، حتى إذا طغت قوى الشر وسادت عناصره أرسل عليها طوفان نوح بالماء أو بالوباء أو بالدم أو بالنار فترعوي وتهمد.

وكان الشر في عهد المسيح وقحاً يتعسر في عيون الروم، ويتنمر في نفوس اليهود، فأخذ هو وحواريوه يكفكفون طغيانه بالمسالمة، ويخففون عدوانه بالصفح، ويسعفون ضحاياه بالمواساة، ويشفون مرضاه بالدعاء، ويحاربون أولياءه بالوعظ. ولكن الشر كان قد تفاقم واستطار فلم يرتدع باللين حتى جاء محمد رسول الله فردَّ جماحه بالسيف. وظلت محنة

ص: 1

عيسى عليه السلام ألماً واخزاً في ضمير الإنسانية لا يفتُر، وأنيناً موجعاً في أذن الدهر لا يخفت. وتوالت القرون وتعاقبت الدول وتتابعت الحضارات، ولا يزال إبليس والسامري ويهوذا وأبو لهب مُنظَرين في الأرض، يدعون إلى الشر ويُرَغبون في الرذيلة ويعملون للفساد، والعالم المسكين يتدرع في جهادهم بالدين والمدنية والتربية والعلم، ولكن ذلك كله لا يغني عنه إلا كما يغني السد في دفع الفيضان، أو الفرجة في كف البركان، أو الكوخ في اتقاء العاصفة.

يا راعي السلام وداعي المودة، لقد ضل قطيعك كله وشرَد! فاسأل الله أن يُطْلع في سماء أوربا القاتمة (نجم المجوس) فعسى أن يهتدي به إليك طاغية موسكو وجبار برلين. والله قادر على أن يحوِّل في يديهما القنبلة والطربيد واللغم إلى (ذهب ولبان ومز).

يا حامل الآلام ورسول المرحمة، كيف استحال حلمك وسلمك وهداك في ألمانِيَة لوثر وروسِيَة تولستوي سمائم قحط وزلازل دمار وطوفان هُلك؟! ألإنك لا تزال غريباً عن الغرب فلم يصادف دينك هواه، أم لأنك شرعت الألم تكفيراً عن الكفر بالله؟

لشد ما تختلف المسيحية في الغرب عنها في الشرق! إنها مع المسيح قد خرجت من الغسق إلى النور، ولكنها مع بولس قد دخلت من الشفق إلى الظلام! ومن سار في صحوة النهار اهتدى ودل، ومن ضرب في سُدفة الليل اعتسف وأضل.

بأية حال عاد عيدك يا رسول السلام وحامل الآلام على بولندة وفنلندة؟! هل قضى الآباء والأمهات ليلة البارحة مُشْبِلين على بنيهم وبناتهم وق الفرش الوثيرة حول المدافئ الواهجة وعيونهم تشرق بالغبطة وقلوبهم تفيض من السرور، وهم يتناغون بأحاديث الحنان والحب تناغي البلابل الآمنة، في أعشاش الربيع الساكنة؟ هل باتت الصغار الأبرار هذه الليلة في مهودهم الحريرية يحلمون في أحضان الكرى بباباهم (نويل) وهو يضع لهم الألطاف واللعب والحلوى تحت أفنان الشجرة وفي نواحي المدفأة؟

يا حسرتا عليهم! لم يأتيهم عيدك يا مبرئ المرضى ومحيي الموتى إلا وهم حطام وأشلاء. فلا الدار آهلة ولا الرزق موصول ولا الشمل جامع! إن نار الأعداء تحرق البلاد فلا مأوى، وصقيع الشتاء يهرأ الأجساد ولا دفء، وخوَي الأمعاء يلحس الأكباد ولا قوت، وبقايا القنابل والرصاص والغاز من النساء والأطفال والشيوخ مشرَّدون على الجليد

ص: 2

يلتمسون الحياة الموقوتة في قرية بعد قرية!

وليت الخراب والعذاب كانا مقصورين على أمة أو أمتين فتمدهما الأمم الأخرى بالمواساة والعون! ولكن الخطب شامل والطامة عامة. فالأمم المحاربة والمحايدة في شقاء العيش وبلاء الموت على حد سواء. قضت عليهم هنا وهناك نزوات الفرد وبدواته أن يساقوا إلى الجزر سوق القطيع؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. ومن المنتظرين من يقتله الجوع والخوف، قبل أن يقتله المدفع والسيف. والله وحده يعلم بأي حال ستعود ذكرى مولدك المقبلة على هذا الصدام، أيقول الحي يومئذ: السلام على الأرض، أم يقول: على الأرض السلام!!

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌حول مراقبة الثقافة العامة بوزارة المعارف

إلى الدكتور طه حسين بك

كلمة صريحة

للدكتور زكي مبارك

أيها الأستاذ الجليل:

أقدم إليك أصدق التحيات، ثم أذكر أن الصحف أخبرتني وأنا ماض إلى الإسكندرية لبعض الواجبات أن معالي وزير المعارف أصدر أمراً بندبك مراقباً للثقافة العامة، فخفق قلبي خفقة الفرح لأمرين: الأول هو الاطمئنان إلى أن للحق دولة في هذه البلاد، فقد كان قيل إنك انسحبت من عمادة كلية الآداب فراراً من المناوشات التي تعترضك من حين إلى حين. وكان قيل إنك طلبت إجازة طويلة تقضيها في جوّ هادئ، وإن معالي النقراشي باشا لم يسمح بذلك، وقد ظهر أنه كان يدخرك لهذا المنصب الرفيع، فكان معنى هذا التلطف أن كفاحك في ميدان الحياة الأدبية يجعلك دائماً موضع الحظوة عند كبار الرجال.

ومن المؤكد أن في الناس من يعترض على اختيارك لهذا المنصب، لأسباب لا تخفى عليك، ولكني مغتبط بما صرت إليه، لأنه شهادة بأن الكفاح له في مصر جزاء، وأنت برغم حسادك من أقطاب المكافحين.

أما الأمر الثاني فهو الاطمئنان إلى أنك أصبحت معنا في وزارة المعارف، وقد كان بيننا وبينك حجاب كثيف هو أشجار حديقة الارمان بالجيزة الفيحاء، فلن تملك بعد اليوم أن تُبرِم وتَنقُض بلا رقيب ولا حسيب كما كنت تصنع في (القصر المسحور): فصر كلية الآداب!

أصبحت معنا في وزارة المعارف، وصار من السهل أن نتعقبك حين نشاء بدون أن نتجشم عُبور النيل فوق جسر فؤاد أو جسر إسماعيل أو جسر عباس.

فماذا أعددت لصحبتنا بوزارة المعارف، أيها المراقب الحصيف؟

أتكون جئت وفي يمينك كتابك (مستقبل الثقافة في مصر)؟ إن كان ذلك فاعلم، أيها الأستاذ الجليل، أن هذا الكتاب لا يصلح أساساً لعملك الجديد، فقد ناشه الناقدون ممن كل جانب ولم يتركوا فيه أديماً صحيحاً!

ص: 4

وأنت قرأت مقالي في نقد كتابك، وقرأت مقال الدكتور عبد السلام الكرداني بك، فهل قرأت مقالات الأستاذ ساطع الحصري بك، وقد نبهتك إليها منذ أكثر من شهرين؟

أنت صرحت مرات كثيرة بأن العقلية المصرية عقلية يونانية، وأن تلك العقلية تجب مراعاتها في التعليم والتثقيف، أفتظن أن هذا الأساس لا يزال صالحاً لأن تقيم عليه عملك الجديد؟

وأنت دعوت إلى تعلم اليونانية واللاتينية بحجة أنهما أصل للحضارة الأوربية، فهل تظن أن تلك الدعوة لا يزال لها في مصر والشرق مكان؟

أيها الأستاذ الجليل:

إنك لا تفرق بين ما يقال في حُجرات كلية الآداب لتثقيف عدد محدود من الطلاب، وما يقال في وزارة المعارف لتثقيف السواد الأعظم الذي تدخره الأمة للنهوض بأعباء العصر الحديث.

وإليك بعض التفاصيل:

أنت سعيت سعيك لسيطرة الجامعة على السنة التوجيهية، فهل تعرف كيف كانت العواقب؟

أردت بعقليتك (الجامعية) أن تفرض على الطلبة دراسة كتاب (نقد النثر) لقُدامة بن جعفر، فهل تظن أن نصوص ذلك الكتاب مما تسيغه عقول الطلبة في السنة الخامسة الثانوية؟

كان يجب أن تشتغل بالتدريس في القسم الثانوي سنة أو سنتين قبل أن ترشح نفسك لوضع منهج الأدب بالمدارس الثانوية.

كان يجب أن تذكر مصير كتاب (المجمل) عليه رحمة الله! وهو الكتاب الذي انتظم تاريخ الأدب من عصر امرئ القيس إلى عصر شوقي، ومع ذلك كان من الحتم على طلبة السنة الثالثة أن يدرسوه في عام واحد!

ولكن لا بأس، فقد أعانني الله على وأد ذلك الكتاب ومؤلفوه أحياءٌ ينظرون!

وأنت سعيت سعيك إلى أن يكون منهج الأدب في السنة الخامسة خلاصة لتاريخ الآداب اليونانية واللاتينية، وأتعبت نفسك في تأليف مذكرات يستعين بها المدرسون على فهم ذلك المنهج الطريف!

فهل تستطيع أن تدلني على أمة واحدة كان فيها منهج الأدب القومي خلاصة لآداب أمة

ص: 5

أجنبية؟

وهل جشمت نفسك مشقة الانتقال لحضور الامتحانات الشفوية بوزارة المعارف عساك تدرك إلى أي حد نجح اقتراحك الجديد؟

إن وزارة المعارف سكتت عنك، لأنها كانت تعرف ما (ترجوه) منك، فقد قلت في كتابك: إن أكثر المراقبين لم يُثقفوا ثقافة جامعية. وأنت في الواقع خصمٌ مخيف، فليس من المستغرب أن يسكت عنك المراقبون وهم كارهون!

فهل تنتظر أن يطول هذا السكوت؟

هذا يوم له ما بعده، يا سيدي الدكتور، فقد تحدثك النفس بعد أسبوع أو أسبوعين بدعوة وزارة المعارف إلى فرض إحدى اللغات الميتة على بعض الأقسام بالمدارس الثانوية، وقد تحدثك النفس بوجوب القول بأن عقلية مصر عقلية يونانية لا عربية، وقد تحدثك النفس بأن الجهل بحياة البحتري لا يقاس إلى الجهل بحياة هوميروس!

هل تذكر خُرافة (تيسير النحو) التي شغلت بها وزارة المعارف؟

وهل تذكر أين صارت تلك الخرافة بين غيابات التاريخ؟

وهل تذكر ما قوبلت به من السخرية في الشام والعراق؟

إن محاسنك هي عيوبك، يا سيدي الدكتور، فأنت تفرّ من السكون لأنه ينافي الحياة، وأنت بالفعل من أقوى الأحياء، ولكنك مع ذلك لا تحب الحياة في الحقيقة كما تحبها في الخيال، وإلا فكيف جاز عندك أن تُدرس الخطب القديمة في وطن ديموستين قبل أن تدرس الخطب الحديثة في وطن زغلول؟ وكيف صح في ذهنك أن تُدرس مجادلات الأحزاب في أتينا قبل أن تُدرس مصاولات الأحزاب في القاهرة وبغداد؟

أن أرجو - وأنت مَن أعرفُ في رحابة الصدر ورجاحة العقل - أن تثق بأني لا أجامل وطني ولا أصانع زماني، وإنما أنا معلِّم يدرك أصول التعليم إلى أبعد الحدود، وهي مهنة سأصل بها إن شاء الله إلى ذروة المجد، فلا يعيبني أن أستطيل بها على من أشاء؛ ومعرفتي بهذه المهنة تفرض عليّ أن أصارحك بأنك قد تسلك مسالك لا تخلو من وعورة والتواء.

أنت تلوذ بالقديم في كل وقت لتأمن سيطرة الناقدين، ولكن القديم قد اندحر أمام الجديد، فمن

ص: 6

واجبك أن تفكر فيما تقدم عليه قبل أن يذكرك ناقدوك.

فأين أنت من مشكلات العصر الحديث؟

هل ترى أن يظل شبابنا على جهل بالتطورات التي تثور في الممالك الأسيوية والأوربية والأمريكية، اكتفاءً بما تقترح أن نعلِّمهم من أخبار اليونان والرومان؟

وهل تظن أن العلم بمناوشات الأحزاب في أتينا القديمة يغني عن العلم باصطخاب المذاهب في لندن وباريس وموسكو وبرلين لهذا العهد؟

وهل ترى أن درس مخاطرات هانيبال أنفع من درس دسائس ستالين؟

وهل تظن أن النظر في أسباب سقوط الإمبراطور الرومانية أهم من النظر في أسباب سقوط الخلافة الإسلامية؟

وهل يخطر في بالك أن درس تاريخ الآشوريين والبابليين أهم من درس العراق الحديث؟

وهل تفهم أن درس الصلات بين مصر والشرق لعهد الفراعين أهم من درس الصلات بين مصر والشرق لهذا العهد؟

التاريخ واجب الدرس، ولكنه على كل حال تاريخ، فكيف يغيب عنك أن من العيب ألا نعرف من مذاهب روسيا وألمانيا وإيطاليا غير ما تسوقه إلينا بعض الجرائد الأجنبية؟

وهل تثق بأن تلاميذ المدارس عندنا يعرفون الفروق بين الاشتراكية والشويعية، مع أننا نعلِّمهم الفروق بين مذهب أهل السنة ومذهب الاعتزال؟

هل يعرف تلاميذنا ما النازية وما البلشفية وما الفاشستية؟

وهل يعرفون أصول العقائد التي تحترب في الشرق لهذا العهد؟

وهل في مصر كتابٌ واحد يؤرخ الثورة المصرية التي شبت في سنة 1919؟

وهل في مدارسنا تلميذ وحد علَّمه أساتذته كيف يقرأ أخبار الأسواق المالية في الجرائد؟

وهل تعرف مدرساً شرح لتلاميذه كيفية الاستفادة من الإذاعة اللاسلكية؟

وهل عندك في كلية الآداب مدرس يستطيع أن يُلقي محاضرة وافية عن الأفلام المصرية؟

وهل تعرف أنت كُنه الاتجاهات الأدبية في البلاد العربية لهذا العهد، كما تعرف كُنه الاتجاهات الأدبية في عصر بني أمية وعصر بني العباس؟

وهل عندك في مكتبة قسم اللغة العربية بكلية الآداب مجموعة من الجرائد والمجلات

ص: 7

تصور عقول الكتاب والباحثين في مختلف الأقطار العربية تشبه مجموعة الكتب القديمة التي اشتركتُ معك في تكوينها سنة 1925؟

وهل يعرف طلبة الفلسفة عندكم عدد المذاهب الصوفية بهذه البلاد؟

وهل فكرتم في تصحيح الأغلاط التي وقعت فيها بعثة بونابرت؟

وهل أقمتم متحفاً لمخطوطات العلماء والشعراء والكتاب الذين حفروا الأساس لبناء العصر الحديث؟

وهل عندكم نبأ مما صنع النجاري في ترتيب (لسان العرب)؟

وهل فكرت كلية الآداب في البحث عن كتاب تيمور باشا في اللهجات العامية؟

يا سيدي الدكتور.

اسمع كلمة الحق من رجل كان تلميذك، وكان زميلك، ولا يزال أصدق أصدقائك، وهو يصارحك بأنك تجهل بلدك وعصرك بعض الجهل.

لقد جاورتَنا مدة في مصر الجديدة، فهل تعرف عدد المدارس في مصر الجديدة؟

في مصر الجديدة أربع وثلاثون مدرسة لا تعرف منها وزارة المعارف غير آحاد!

أنت جئت إلينا في وزارة المعارف، ولم يعُد بيننا وبينك حجاب من أشجار الأورمان، فأعدّ عزيمتك لحرب ضروس تنقلك من حال إلى أحوال.

أقول هذا وأنا أعرفُ الناس بفضلك وشهامتك، فإن استرحتَ لبعض ما قدمتُ إليك فذلك بعض ما عدتُ فيك، وإن ضاق صدرك من بعض ما أسمعتُك فلك عذرٌ مقبول: فأنت من أهل هذا العصر، وهم يتنكرون لكلمة الحق في بعض الأحيان.

لا تنزعج، يا سيدي الدكتور، فليس هذا المقال إلا صدىً لهدير البحر بالإسكندرية، ولن ألقاك في وزارة المعارف إلا بلسان معسول يشبه ألسنة الفنيين بوزارة المعارف!

زكي مبارك

(الرسالة) يظهر أن الدكتور المبارك فهم من (الثقافة العامة)

المرحلة الثانوية من السنة الأولى إلى الرابعة. والذي نعرفه

أن (مراقبة الثقافة العامة) لا يتصل عملها بالمدارس والمناهج

ص: 8

وإنما يتصل بشؤون الثقافة الشعبية فيما وراء ذلك.

ص: 9

‌في مزارات الإسكندرية

للدكتور عبد الوهاب عزام

(بقية المنشور في العدد 334)

سرنا إلى جامع البوصيري وهو من أجمل المساجد وأحبها إلى نفسي لا يمل زائره الجلوس فيه يقلب الطرف في جوانبه ويرى البردة منقوشة على أربعة جدرانه في إطار واحد، ويرى بين الحين والحين زرقة البحر والسماء فيطلق فكره من المعبد الصغير إلى المعبد الأكبر بين لجة المار ولوح الجو.

ذكرنا هناك المحدث الأديب الشاعر شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري صاحب البردة والهمزية القصيدتين المباركتين اللتين خلدتا صاحبهما وخلدتا في صفحات الدهر ونالتا من الحفظ والإنشاد والكتابة والنقش والتذهيب والتحلية ما لم ينله شعر آخر في الجاهلية والإسلام.

وجلسنا في الإيوان المشرف على الصحن جلسة خفيفة أنشدنا فيها الشيخ الخالدي هذه الأبيات:

أما المحبة فهي بذْل نفوس

فتنعّمي يا مهجتي بالبوس

بذل المحبّ لمن أحبّ دموعه

وطوى حشاه على أحر رسيس

شرفاً لشاذلة ومرسية سرتْ

لهما الرياسة من أجلّ رئيس

ما إن نسبت إليهم شيخيهما

إلا جلوتهما جلاء عروس

وليست هذه الأبيات غريبة في مسجد البوصيري، وإن لم يذكر فيها، فهو تلميذ أبي العباس المرسي. وأبو العباس تلميذ الشاذلي.

وأبو الحسن الشاذلي هو الشريف تقي الدين علي بن عبد الله بن عبد الجبار شيخ الطريقة الشاذلية. كان عالماً واسع العلم وبلغ الدرجات العالية في التصوف وتوفى بصحراء عيذاب متوجهاً إلى مكة في ذي القعدة سنة 656 ونسبته إلى شاذلة إحدى قرى تونس.

وأردنا أن نزور قبر الشاطبي الذي ينسب إليه حي الشاطبي في رمل الإسكندرية فقيل لنا إن قبره قد اشتملت عليه العمارة الشامخة التي شادتها جمعية العروة الوثقى هناك.

وهذا الشاطبي غير صاحب الشاطبية، ولكنه من رجال القراءات كذلك ذكره السيوطي في

ص: 10

حسن المحاضرة في عداد من كان بمصر من الصلحاء والزهاد والصوفية. وقد كتب لي العلامة الشيخ الخالدي ترجمته من كتاب (الزهر المضبي في مناقب الشاطبي) وهاأنذا أثبتها هنا:

(أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي نزيل إسكندرية ويعرف بابن أبي الربيع أحد أولياء الله تعالى شيخ الصالحين صاحب الكرامات المشهورة، جمع بين العلم والعمل والورع والزهد والانقطاع إلى الله تعالى والتخلي عن الناس، والتمسك بطريقة السلف، قرأ القرآن ببلده بالقراءات السبع على أبي عبد الله محمد ابن سعادة الشاطبي وغيره، وقرأ بدمشق على الواسطي وسمع عليه الحديث ورحل فسمع من الزاهد أبي يوسف يعقوب خادم أضياف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قبره ومنبره سنة 617، وسمع بدمشق على أبي القاسم بن صصري وأبي المعالي بن خضر وأبي الوفا ابن عبد الحق وغيرهم. وانقطع لعبادة الله تعالى في رباط سوار من الإسكندرية بتربة أبي عبد الله الراسي، وصنف كتباً حسنة منها كتاب المسلك القريب في ترتيب الغريب، وكتاب اللمعة الجامعة في العلوم النافعة، وتفسير القرآن العزيز، وكتاب شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل وكاتب المباحث السنية في شرح الحصرية، وكتاب الحرقة في إلباس الخرقة، وكتاب المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ والمريد وكتاب النبذ الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصوفية وكتاب زهر العريش في تحريم الحشيش وكتاب الأربعين المضية في الأحاديث النبوية، ومولده بشاطبة سنة 585 ووفاته بالإسكندرية في رمضان سنة 672، ودفن بتربة شيخه المجاورة لزاويته رحمهما الله).

ويوم الأربعاء التاسع والعشرين من رجب خرجت أنا والأستاذ الزيات لرؤية جامع الشيخ. وكنت واعدت الشيخ إبراهيم القادري شيخ التكية القادرية أن أمرّ به صباح هذا اليوم ووعد أن يكلف خازن مكتبة الجامع أن يكون هناك ليطلعنا على خزانة الكتب.

زرنا التكية وصحبنا الشيخ إبراهيم إلى الجامع، وكنت أسمع بجامع الشيخ وأود أن أراه فلم تتح الفرصة قبل.

الجامع مبني فوق سوق بها حوانيت كثيرة. دخلنا من الباب الخلفي فصعدنا درجاً وملنا ذات اليسار إلى مكتب لتعليم القرآن، ثم صعدنا درَجاً آخر إلى حجرات يسكنها طلاب العلم

ص: 11

في ذلك الجامع. ثم هبطنا من حيث صعدنا فدخلنا إلى جامع واسع فيه مصلّى كبير تحيط به ثلاثة أروقة كبيرة، رواقان مستطيلان عن جانبي القبلة ورواق إلى الشمال كبير يفضي إلى باب المسجد الأماميّ وقد ألفيت المسجد أوسع واجمل مما حسبت قبلاً.

وسرنا في الرواق الذي إلى يسار القبلة إلى حجرة، وتقدم شيخ وقور هو إمام المسجد ففتح الَغلَق عن باب يؤدي إلى حجرة تفضي إلى حجرة أخرى فيها الكتب.

سمعت من قبل أن هذه الخزانة أغلقت أربعين عاماً ثم فتحت وقد فعلت الأرضة فعلها بالكتب فأتلفت كثيراً منها. ورأيت بقية الأرضة والإهمال من هذه الكتب مكدسة في رفوفها لا يدرى ما فيها. ولعل فيها من نفائس الكتب ما نتفقده في دور الكتب فلا نجده، أو ما نحن في حاجة إليه شديدة لتصحيح ما لدينا من الكتب المخطوطة. ولست أدري على من تقع التبعة فيما أصاب هذه الأسفار من التلف وما هي فيه من ضياع. إن أسرة الشيخ إبراهيم باشا الذي أسس هذا المسجد أسرة عريقة في البرِّ لها أياد على العلم والعلماء. وكانت دورهم مقصد رجال العلم من مصر وغيرها. وكان هذا الجامع معهداً في الإسكندرية قبل إنشاء المعهد الديني التابع للأزهر. فلماذا ترك الخلَف من هذه الأسرة سنن السلف وأهملوا آثار آبائهم؟ وإن كان لوزارة الأوقاف إشراف على هذا الجامع فعليها تبعة عظيمة، وعليها أن تستولي على المسجد ومكتبته أو تلزم القائمين عليهما أن يحسنا القيام.

لعل كلمتي هذه لا تذهب سدى بين الأوقاف وأسرة الشيخ إبراهيم باشا.

تركنا الجامع إلى مكتبة الإسكندرية في دار موصيري. وهناك لقينا الأخ الأديب الشيخ بشير الشندي، فأنسنا به وأفدنا من حديثه عن الكتب، وعن آثار الإسكندرية. وقد أطلعنا على رحلة ابن رشيد التي ذكرتها في المقال السابق. وفي المكتبة منها الجزء الثالث وهو المتضمن وصف مصر. وهو منقول عن نسخة في الأسكوريال. وهذه الرحلة ذات جدوى كبيرة في تاريخ مصر ولا سيما الإسكندرية، وهي جديرة بالعناية والنشر.

وكان من حديث الأخ بشير أن قال: أسمعتم عن بئر مسعود؟ قلنا: نعم هو على ساحل سيدي بشر. قال: لكن مسعود الذي أضيفت إليه البئر؟ قلنا: لا ندري. قال: عندي حديث عنه لا تجدونه في الكتب. كان شيخنا الشيخ عبد الفتاح شريف والشيخ جاد الحق يذهبان إلى تلك الجهة للرياضة والدرس وكنت أذهب معهما؛ وكان الشيخان ومن يصحبهما

ص: 12

يجلسون على هذه البئر يتمتعون بمنظر البحر وهوائه. وكان فيمن يحضر هذا المجلس رجل ظريف موظف في الجمرك يسمى مسعود أفندي طراطيش فبدا لشيخنا أن يسمي البئر (بئر مسعود) فعرفت بهذا الاسم حتى اليوم قلت: هي فائدة لم يفكر فيها اللاهون حول البئر اليوم.

رجعت إلى داري وأنا أتمنى أن تمكن الفرص من بعد لرؤية ما لم نر من مشاهد المدينة العظيمة.

عبد الوهاب عزام

ص: 13

‌فنلندا بلاد التعاون

مواردها والحركة التعاونية فيها

للدكتور مأمون عبد السلام

(بقية المنشور في العدد الماضي)

تعمل الحكومة الفنلندية جهدها لترقية الزراعة فأنشأت مدارس للزراعة وفلاحة البساتين وتربية الماشية وصناعة الألبان وتربية الخيل والتدبير المنزلي، وأنشأت معهداً للبحوث الزراعية يتبعه محطات تجارب لتربية النباتات وصناعة الألبان وإصلاح أراضي المستنقعات. ومما يدل على اهتمام الفنلنديين بالزراعة أن كل مزارع منهم ينتمي إلى جمعية زراعية، وجميع الجمعيات الزراعية تساعدها الحكومة.

والفنلنديون مغرمون من قديم بشرب اللبن فتراهم يدعون الله في صلواتهم أن يكثر ألبانهم. وهم مشغوفون بأكل الزبد فتحث الأم ابنتها على الإكثار من أكله وهي تنشدها قائلة:

كلي الزبد الطازج طول العام

كي يستدير جسمك

كلي لحم الخنزير طول العام

كي يزيد حسنك

كلي القشدة طول العام

كي يزيدك جمالاً

وكان الفنلنديون في سنة 1260 ميلادية يدفعون بعض الضرائب للحكومة أقراصاً من الزبد. وفي سنة 1560 بلغ الزبد الذي صدرته فنلندا إلى دنزيج ولويك والدانمارك وهولندا نصف مجموع صادراتها. أما الآن فعشرة في المائة من الصادرات من الزبد والجبن، وقد بلغت الحركة التعاونية في الألبان درجة لا تضارع في أي قطر آخر. وخمسون في المائة من أعمال الفلاح في فنلندا محصورة الآن في صناعة الألبان ومشتقاتها.

وقد كانت الأبقار الفنلندية رديئة ضعيفة صغيرة قليلة اللبن تجوب المستنقعات وراء الغذاء، فعملت الحكومة على تحسينها فأوجدت عترات نقية جيدة وعلمت المزارعين ضرورة إنتاج

ص: 14

الألبان الجيدة فأسست المعاهد والمدارس لتدريبهم على صناعة الألبان بالطرق الحديثة وأوجدت معياراً ثابتاً للبن وللزبد وصدرتها على هذا الأساس.

ويوجد الآن في ميناء هانكو مخزن ومعمل عظيم للزبد المعد للتصدير فيفرزونه من حيث الرائحة والطعم والجودة ولا يصرح بالتصدير إلا للزبد المتفوق الحائز للشروط، ويعاد غيره إلى داخلية البلاد للاستهلاك المحلي بسعر يتناسب مع رتبته. وبذلك أصبح الزبد الفنلندي يضارع زبد الدانمارك، والجبن الفنلندي لا يقل في الجودة عن الهولندي والفرنسي، ويصدر 90 % من زبد فنلندا عن طريق الجمعية التعاونية المسماة فاليو.

وتعتمد فنلندا في ثروتها القومية على الزراعة وصيد الأسماك والتعدين، ففيها قليل من الذهب في لابلندا والنيكل والفضة والنحاس، ويستخرج الحديد من المناجم ومن قاع البحيرات.

وقد تقدمت الصناعة في فنلندا في السنوات الأخيرة مما يشهد لأبنائها بطول الباع واستحقاقهم للحياة، وإليك النسبة المئوية للفنلنديين من حيث حرفهم.

59 ، 6 يشتغلون في الزراعة

و16 ، 8 في الصناعة والأعمال اليدوية

و4 ، 3 في التجارة

و3 ، 8 في أعمال النقل

و15 ، 5 في صناعات أخرى

وقد ازدهرت في فنلندا صناعة الأخشاب والورق والسليلوز ولب الخشب وخشب الأبلاكاش والبوبينات ويشتغل 35 % من الصناع في الصناعات الخشبية. وقد أسس أول مصنع يشتغل بقوة المياه من مائة سنة مضت. وفي سنة 1860 استكشفت طريقة صناعة لب الخشب، ومن ثم انتشرت مصانعه بفنلندا.

ومساكن العمال بالمصانع على جانب عظيم من النظام والنظافة. ويشتغل العامل ثماني ساعات في اليوم ويعطى في أول عام من التحاقه بالمصنع إجازة قدرها أسبوع ثم أسبوعان في السنة الثانية وهكذا إلى الخامسة إذ تزداد ثلاثة أسابيع. وفي سنته العاشرة تزداد إلى شهر في العام.

ص: 15

وقد كانت حالة العمال قبل ذلك سيئة فقد كانوا لتفككهم وفقرهم وتحكم أصحاب الأعمال فيهم يشتغلون 14 ساعة في اليوم بأجور زهيدة، فتسربت إليهم التعاليم الحديثة الخاصة بحقوق العمال من ألمانيا، فألفوا اتحادات العمال في المدن، وكانت في أول أمرها غير سياسية، إذ اشترك فيها أصحاب الأعمال والعمال، ولكنها ما لبثت أن لبست ثوب الاشتراكية. وفي سنة 1899 تأسس حزب العمال ونشر برنامجه الذي طالب فيه بالمساواة في الحقوق وبجعل ساعات العمل ثمانياً في اليوم وتحريم الخمور. ثم تكون الحزب الصناعي وهو دائماً متحد مع حزب الفلاحين.

وتتجر فنلندا مع الروسيا ثم بريطانيا العظمى وألمانيا والدانمارك وفرنسا والسويد، وأهم وارداتها الغلال والدقيق والمعادن والآلات والمنسوجات. وأهم الصادرات الأخشاب. ومن مصنوعاته الورق ولبه، وبعض المنسوجات، والمصنوعات المعدنية والجلود.

وقد افتتح أول خط حديدي في سنة 1862 وأنشئ آخر يصل عاصمتها بعاصمة الروسيا (ليننجراد) أي سنة 1870. وفي فنلندا نظام بديع من الترع والقنالات أهمها القنال الذي يصل بحيرة سايما بخليج فنلندا، ويمكن بواسطته أن تتوغل البواخر من بحر البلطيق إلى 270 ميلاً داخل فنلندا.

ولفنلندا أسطول تجاري، ويمكن للمسافر السويدي أن يصل إليها في بواخر تبرح ستوكهولم في كل مساء عدا أيام الأحد فيصل إلى ميناء توركو الفنلندي وهو ميناء عظيم على أحدث نمط فيه مصانع للسجاير والخزف والمأكولات، والمصنوعات الحديدية والمخازن الكبيرة المملوءة بالبضائع. ومعنى توركو باللغة الفنلندية (السوق) وقد كانت كذلك أيام وثنيتها فأنشئت مكانها هذه المدينة في القرن الثالث عشر.

وفنلندا في مقدمة أمم العالم من حيث بواخرها التي تمخر في الجليد وقد صنعت لأول مرة في سنة 1890 وهي تجري على الجليد فتهشمه بثقلها وتشق لنفسها طريقاً في الماء، وبذا يمكنها أن تمخر طول العام إلى ميناءي توركو وهانكو.

ويؤمن الفنلنديون إيماناً صادقاً بنظام التعاون. فنظام فنلندا الاجتماعي مشبع بالجمعيات والمؤسسات التعاونية حتى لا يضارعها فيه أي قطر. فترى المزارع يبيع زبداً بواسطة الجمعية التعاونية لتصدير الزبد المسمى (فاليو) ويحصل على نقود من البنوك التعاونية

ص: 16

ليوسع بها مصانع ألبانه ويبتاع آلاته الزراعية عن طريق الجمعية التعاونية الزراعية للبيع بالجملة المسماة هانكيجا. وتبتاع زوجته ما يلزم البيت من الشركة التعاونية المسماة إيلانتو، ويكتب ابنه الصغير بمداد من صنع الجمعية التعاونية المسماة وتبيع ابنته الصغيرة ما تجمعه من الثمار البرية من الغابات لجمعيات تعاونية خاصة لتصنع منها المربيات.

وقد أدخل نظام التعاون في فنلندا في منتصف القرن التاسع عشر ولكنه أصبح حقيقة واقعة في سنة 1899 وذلك بتأسيس جمعية بليرفو التي أخذت على عاتقها نشر الحركة التعاونية فنجحت في ذلك نجاحاً كبيراً. وكان من أكبر أسباب ضعف التعاون في فنلندا عدم ارتباط الجمعيات التعاونية بعضها ببعض. ولكنهم تغلبوا على ذلك في سنة 1915 بإنشاء المؤسسات التعاونية المركزية الآتية:

1 -

جمعية وهي جمعية عظيمة تشتري جميع المواد الغذائية والبضائع المختلفة لحساب المخازن التعاونية المحايدة. وتصنع جمعية الكبريت والفرش والملابس الداخلية والورق والطوب والدراجات والأخشاب، كما أنها تحفظ الفواكه وتحمص البن. وقد شيدت بناء عظيماً زودته بآلات تولد الكهرباء بقوة المياه للإضاءة والصناعة، وهي تستورد الآلات ولها من أجل ذلك مكاتب في القارة الأوربية ولندن وأمريكا الشمالية والجنوبية.

2 -

جمعية هانكيجا وتشتري الآلات الزراعية والأسمدة والبذور والسيارات والزيت والأسمنت وكل ما يحتاج المزارعون وتبيعها للجمعيات التعاونية والمزارعين، ولها محطات للتجارب ومشتل ومحطة لتنظيف الحبوب واختبار نقاوتها وآلة للطحن ومخازن لبيع الآلات.

3 -

جمعية العمل وهي جمعية المزارعين التعاونية للجملة، وتختلف عن السابقة في تكوين عضويتها.

4 -

جمعية بنوك التسليف الزراعي المركزي لتسليف البنوك الزراعية، وهذه تسلف أعضاءها لتحسين زراعتهم أو أعمالهم الأخرى التي يعيشون منها.

5 -

جمعية فاليو لتصدير لزبد.

6 -

الجمعية التعاونية الفنلندية لتجارة الماشية.

7 -

جمعية ماتا للتصدير.

ص: 17

8 -

جمعية انيغتين لصناعة الألبان.

9 -

الجمعية المركزية لأصحاب الغابات.

10 -

جمعية التعاونية للجملة وهي فرع من جمعية السابقة.

ومما يلفت نظر زوار فنلندا وجود اسم أيلانتو في كل مكان وهو اسم جمعية للبيع بالقطاعي أنشئت سنة 1907 كمخبز. وهي لا تزال إلى الآن أكبر مخبز في فنلندا، ولكنها توسعت في اختصاصها فأصبحت تبيع مصنوعات الألبان والبقالة واللحوم والبيرة والعقاقير الطبية والملابس وإدارة المطاعم ويبلغ عدد أعضائها خمسين ألفاً.

والفنلنديون أهل ذمة وأمانة ووفاء. فحكومتهم هي الوحيدة من جميع الحكومات المدينة للولايات المتحدة التي تسدد أقساط دينها بفائدته مما جعلها محط احترام الأمريكيين ومحبتهم. فالفنلنديون بطبيعتهم مقتصدون حسنو التدبير. وهم يكرهون المضاربات والمساهمة في الشركات وكل أعمال البنوك اعتقاداً منهم أنها تخالف قواعد الأمانة وحسن الذمة، لذلك لا تجد فيهم أمثال كروجر وغيره من الدجالين النصابين من زعماء المال. وفنلندا هي الدولة الوحيدة التي أخفق كروجر في الحصول على احتكار الكبريت فيها.

وأنشئ بنك فنلندا في سنة 1811 في هلسنكي وله فروع في 13 مدينة أخرى، ومديروه ينتخبهم البرلمان وينتخب مجلس الإدارة رئيس الجمهورية مباشرة.

وأسست العملة الفنلندية في سنة 1860 وكانت تجري على قاعدة الذهب من سنة 1877 واحتفظت بها حتى أول يناير سنة 1926. أو وحدة عملتها المارك الفنلندي المجزأ إلى مائة جزء يسمى بنيا وقيمته سنتيمان.

وفي فنلندا تسعة بنوك للسندات وستة للرهنيات و482 بنكاً للإيداع وبنك مركزي للتسليف و1342 بنكاً تعاونياً للتسليف.

وتعتبر فنلندا من أرخص بلاد العالم، لأن أهلها لا يميلون إلى الكماليات إذ يعتقدون أن أحسن وسيلة للمعيشة هي اكتساب القوت من العمل في الحقل أو في المصنع لا عن طريق اللصوصية المقنعة بالمضاربة وغيرها.

ويعطي الفنلنديون كل عنايتهم لنشر التعليم، فخصصت حكومتهم 12 % من ميزانيتها له، وحتمت على كل طفل مهما نأى بلده أن يتعلم القراءة والكتابة، فترى في الدساكر والقرى

ص: 18

والمدن المدارس الأولية الحرة ومدارس التعليم التعاونية والمدارس الصناعية والزراعية ومدارس التدبير المنزلي، والدراسة فيها باللغتين الفنلندية والسويدية على أحدث النظم الألمانية.

والتعليم عندهم ذو وجهة عملية يهيئ الطالب ذكراً كان أو أنثى ليكون عضواً نافعاً لبلاده جسميّاً وعقلياً، لذلك يتضمن التعليم التدريب الجسمي والفكري.

ويلتحق صار الطلبة من سن 7 إلى 13 أو 14 سنة بالمدارس الأولية الحرة التابعة للمجالس البلدية وبالمدارس التعاونية والمدارس التحضيرية. وتوجد كذلك مدارس أولية راقية للطلبة من سن 10 إلى 17 أو 18 سنة، ومدة الدراسة ثماني سنوات وتديرها الحكومة.

وبفنلندا ثلاث جامعات أنشئت في سنة 1640 وسنة 1917 وسنة 1920 على التتابع، منها اثنتان في مدينة توركو والثالثة في هلسنكي، وهي أكبرها وأعظمها استعداداً. والتدريس في الجامعات باللغتين الفنلندية والسويدية وهما اللغتان الرسميتان بحسب نص الدستور. وعلى الطالب الفنلندي أن يتكلم لغة إضافية كالألمانية أو الإنكليزية أو الفرنسية أو الإيطالية ليسهل عليه الاتصال بالعالم الخارجي. وكانت دراسة اللغة الروسية إجبارية في الزمن السابق فأبطلت، وتدرس علاوة على ذلك اللغتان اليونانية القديمة واللاتينية. ونسبة الأمية في فنلندا 9 و10 % من الذين يزيد سنهم على 15 سنة.

وتهتم فنلندا أعظم اهتمام بالرياضة البدنية. وقد اشتركت في الألعاب الأولمبية الدولية وحاز مصارعوها السبق أربع سنوات متتالية على أمم العالم، كما أنهم تفوقوا في كثير من الألعاب كالجري البعيد. وقد رفع العلم الفنلندي في سنة 1912 فوق بناء الألعاب الأولمبية الدولية بالرغم من احتجاج الروسيا. وفي سنة 1920 دخلت فنلندا دورة أنفرس الدولية كدولة مستقلة وتبوأت مكانها كالثانية أي بعد الولايات المتحدة وأرسلت 58 عضواً وقد احتفظت بمكانها في سنة 1924 في دورة باريس في جميع الألعاب التي اشتركت فيها. وسبقت فنلندا الأمم الأوربية في منح النساء حريتهن واهتمام الفنلنديين بشؤون النساء يرجع إلى عهد بعيد فإن أقدم مستند فنلندي تاريخي يرجع إلى سنة 1316 كان خاصاً بحقوق النساء. ويزاول الفنلنديات كافة الأعمال والحرف، فمنهن المهندسات والمعماريات

ص: 19

والبناءات، وراصفات الطرق، وسائقات السيارات وما إلى ذلك. وقد منحن حق التصويت في الانتخابات من سنة 1906، وأصبح لهن الحق في أن ينتخبن لعضوية البرلمان في سنة 1907. ونسبة النساء في عمال المصانع 20 % كما أن 10 % من مخازن الأدوية يملكها نسوة و80 % من مستخدميها من النساء. وقد جاهدت الفنلنديات لمنع شرب الخمر وكان لهن الفضل في إجبار الحكومة على مراقبة بيع المشروبات الروحية. وقد تسبب عن اشتغال النساء بالحرف متاعب زوجية عظيمة. والفنلنديات ماهرات في فنون الطهي وتدبير المنزل.

وبرغم أن سبعة أثمان سكان فنلندا من الفنلنديين، وبالرغم من أنه لم يحرم عليهم التكلم بلغتهم في عهد تحكم الدول الأجنبية فيهم، فإن الأقلية التي تتكلم السويدية كانت تملك معظم الثروة وكل الإدارة والسلطة السياسية والمراكز الاجتماعية الهامة، ولم توجد كتب باللغة الفنلندية قبل سنة 1860 عدا الكتب الدينية. وقد ترجم ميخائيل أجريكولا (وهو تلميذ مارتين لوثر منشئ البروتستانتية كتاب العهد الجديد إلى اللغة الفنلندية في سنة 1548 وقد طبع أول قاموس لاتيني فنلندي في سنة 1826، وقد وضع لونروث في سنة 1831 وسنة 1835 قاموساً للغة الفنلندية وأصدر أول جريدة بهذه اللغة ولم يتكلم في عهده أحد باللغة الفنلندية سوى ست أسر إذ كان الفنلنديون يفضلون التكلم باللغة السويدية.

ولم تأت سنة 1841 حتى أصبحت اللغة الفنلندية تدرس بالمدارس الأولية، واعترف دستور سنة 1919 بلغتين رسميتين وطنيتين: اللغة السائدة الفنلندية ولغة الأقلية السويدية.

ويوجد الآن بفنلندا فئتان: الأولى فئة الفينومان الذين يرفضون التكلم بغير الفنلندية، وفئة السفيكومان ولا يتكلمون غير السويدية قائلين إن اللغة الفنلندية ليست إلا رطانة الفلاحين. ولكن لا دخل لهذا الخلاف في تفانيهم في حب بلادهم وأبناء وطنهم وفي سنة 1906 غير ستة عشر ألف أسرة أسماءها السويدية بأسماء فنلندية مدفوعين إلى ذلك بعوامل وطنية أو سياسية، وقد رجع بعضهم إلى اسمه الأسريّ القديم الذي غير مدة حكم السويد. فترى الآن أخوين يحملان اسمي أسرتين مختلفتين وأحدهما يتكلم السويدية والآخر الفنلندية.

واللغة الفنلندية صعبة وهي تشبه لغة استونيا والمجر وهي خالية من أداة التعريف ومن الجنس وليس في حروفها الأبجدية حروف وكلماتها طويلة جداً مثال ذلك:

ص: 20

وحكومة فنلندا جمهورية دستورية على رأسها رئيس ينتخب كل ست سنوات وراتبه الشهري مائتا جنيه. والقوة التشريعية في يد برلمانها المسمى ديات، والقوة التنفيذية في يد مجلس الوزراء المسئول أمام الديات، وهو في بناء من أجمل أبنية أوربا، وعدد أعضائه مائتا عضو ينتمون إلى الأحزاب المختلفة كما يأتي:

حزب الاشتراكيين الديمقراطيين ويمثله 78 عضواً.

والحزب الزراعي ويمثله 53 عضواً.

والحزب السويدي ويمثله 21 عضواً.

وحزب الاتحاد ويمثله 18 عضواً.

والحزب الوطني الأهلي ويمثله 14 عضواً.

وحزب التقدم ويمثله ثلاثة أعضاء.

وحزب المزارعين الصغار ويمثله ثلاثة أعضاء.

وحزب الشعب ويمثله اثنان.

وأنشئ الجيش الفنلندي النظامي في سنة 1922، وسن الاقتراع 21 سنة ويمضي الفرد سنة في سلاح المشاة وخمسة عشر شهراً في سلاح آخر ويمكث في الرديف سبع سنوات وفي الجيش المرابط 24 سنة. ولفنلندا أسطول ولكنه ليس في قوة جيشها وهو يحتوي على سفن للحراسة ومراكب للطوربيد وغواصات. والفنلنديون من أحسن البحارة في العالم، لذلك استخدمتهم الروسيا في أساطيلها الحربية والتجارية. وللفنلنديين سمعة عالمية عالية في صيد الأسماك.

مأمون عبد السلام

ص: 21

‌على هامش الفلسفة

للأستاذ محمد يوسف موسى

قرأت كلمة الأستاذ الكبير عباس العقاد بعدد الرسالة رقم 335 التي عنونها (مع أبي العلاء في سجنه) وفيها يتعقب الدكتور طه حسين بك في بعض ما ذكره في بحثه عن شيخ المعرة رهين المحبسين، إذ لا يرضى ما فهم من قول أبي العلاء في بعض فصوله:(يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، ويسمع الأصوات بيده، وتكون بنانه مجاري دمعه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغرض على هامته. . .) لا يرضى أن فيلسوف المعرة (قصد بهذا الفصل خاصة إلى رأي من أشد الآراء الفلسفية الأبيقورية خطراً، وهو إنكار العلة الغائية وإثبات أن العالم كما هو لم يخلق لغاية معينة من هذه الغايات التي نعرفها نحن ونزعم أن الأشياء خلقت لتحقيقها). ويرى - أي الأستاذ العقاد - أن هذا الرأي من الدكتور فيه شئ من الصواب، ولكن (أصوب من هذا أن يقال إن رأي المعري شبيه برأي المعاصرين الذين يقولون: إن الوظيفة تخلق العضو، وإن القوة تسبق الظاهرة).

هذه الكلمة أثارت مني رغبة كامنة في متابعة الكتابة في الرسالة - تحت عنواني الذي اخترته العام الماضي، وهو على هامش الفلسفة - لو إلى ذلك سبيل الآن! ذلك أن البحث الذي أعني بإعداده هذا العام أو بالتحضير له عن ابن رشد ومكانته في الفلسفة الإسلامية يملك عليّ كل أمري ويستأثر بكل وقتي أو لا يدع هذه الرغبة تخرج من القوة للفعل، إلى حين أرجو أن يقصر أمده إن شاء الله تعالى. إلا أن اتصال الموضوع الذي أثاره الأستاذان عن غير قصد بالدراسات التي أحبس نفسي عليها هذه الأيام، جعل من الواجب أن أكتب كلمة قصيرة أبين فيه أن التوفيق أخطئهما كليهما فلم يصيبا المحز. وإلى القارئ البيان:

تشير كلمة أبي العلاء - فيما أرى إن كان قالها جادّاً - إلى مسألة الأسباب والمسببات التي ثار حولها الخلاف الشديد بين الغزالي وبين الفارابي وابن سينا في تهافت الفلاسفة. ثم أثارها بعده ابن رشد في تهافت التهافت الذي كتبه دفاعاً عن الفلسفة والفلاسفة ضد ما وجهه الغزالي من هجمات نالت من الجميع نيلاً كبيراً، ولا تزال الفلسفة متأثرة بها حتى هذا العصر الذي نعيش فيه.

يرى الغزالي، ممثل المتكلمين في عصره، أنه كان من الممكن أن يكون العالم على غير ما

ص: 22

نشاهد الآن، وأن ما نظنه سبباً للإبصار أو الكلام والموت أو الحياة أو ما نعتقده أداة لشيء من هذا ونحوه ليس كذلك في نفسه، بل لأن الله قدره هكذا أزلاً. وفي ذلك يقول:(الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا. . . فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر. مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء. . . وإن اقترانهما لما سبق من تقدير الله سبحانه بخلقهما على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه. بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته).

إذاً فعند الغزالي أنه يمكن أن يجعل الله العين أداة وسبباً للشم لا للإبصار، والأذن للشم لا للسمع، وأن يخلق الشبع دون سببه وهو الأكل، والري دون الشرب، وهكذا إلى سائر الأمور التي نعتقدها أسباباً تتلوها حتما مسبباتها.

أما ابن رشد - وقد جعل من نفسه مدافعاً عن الحكمة، وهي كما يقول: صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة - فيرى أن لكل شيء سبباً لا يتخلف عنه، ولكل عضو عملاً لا يعدوه، وأن (العقل ليس هو شيئاً أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها وبه يفترق عن سائر القوى المدركة، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تضع وضعاً أن هاهنا أسباباً ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له) ثم يعود إلى تأييد نظريته هذه في موضع آخر فيقول: (ولو ارتفعت الضرورة عن كميات الأشياء المصنوعة وكيفياتها وموادها كما تتوهم الأشعرية مع الخالق لارتفعت الحكمة في الصانع والمخلوقات. . . إلى أن يقول: وهذا كله إبطال للعقل والحكمة).

على أنه لا يجب أن يتبادر للذهن أن ابن رشد، الرجل الدين كان يرى اكتفاء الأسباب بنفسها في خلق مسبباتها. فمن الحق أن نقول إنه يقرر (أنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل بل بفاعل من خارج فعله شرط في فعلها بل في وجودها فضلاً عن فعلها).

أعتقد أن القارئ يرى معي بعد ما سقناه من كلام الغزالي وفيلسوف قرطبة، أن الدكتور طه

ص: 23

حسين بك لم يكن مصيباً فيما أكده من أن شيخ المعرة كان يرمي بقولته التي أسلفنا إلى شيء من الفلسفة الأبيقورية، وأن الأستاذ الكبير العقاد لم يكن موفقاً كذلك في التعقيب عليه، وأن المعري لم يقصد بكلمته - إن كان سلك فيها مسلك الجد - إلا الإشارة لفلسفة المتكلمين الذين يدفعون التلازم بين الأسباب والمسببات على النحو الذي ذكرناه عن ممثلهم وزعيمهم في عصره حجة الإسلام الغزالي. وبالله التوفيق.

محمد يوسف موسى

ص: 24

‌من وراء المنظار

حلاقو القاهرة. . .!

لا تفهم يا قارئي العزيز أني أعقد لك فصلاً تاريخياً عن منظر من

مناظر القاهرة العظيمة في زمن ابن طولون أو في زمن الحاكم بأمر

الله أو في زمن قلاوون عليهم رحمة الله، فإني لا أكتب هنا إلا عما يقع

عليه منظاري. . . وإنما أنا محدثك عن منظر من مناظر هذه

العاصمة الكبيرة في القرن العشرين بل وفي عام 1939 الذي أوشك

أن ينطوي على وجه التحديد.

ولا تتوهم أني فيما أصف لك أذهب بك إلى تلال زينهم أو إلى أعلى الدراسة أو إلى جوار المحمدي أو إلى ما وراء سيدي الحِلّي؛ فإنك قد تنكر على ما أقول لجهلك فيما أظن مظاهر العيش في هاتيك البقاع. . . على أنه لا يكون جهلك بها أكثر من جهلي.

وإن لك في أقرب شوارع المدينة غنية عن الذهاب إلى أطرافها فسر في شارع ماسبيرو على ضفة النيل أو في شارع شبرا حيث المدرسة التوفيقية أو في شارع الملكة نازلي أو حول حديقة الأزبكية وانظر ماذا ترى.

لاشك أنك رأيت هؤلاء الحلاقين الذين يتربعون على الأرض أو على الأسوار ويأخذون في حلق رؤوس زبائنهم ولحاهم في صورة تدعو إلى الاشمئزاز والأسف والضحك جميعاً.

وقفت على مقربة من أحدهم ورأيته وقد شمر عن ساعديه وأمسك بالموسى ودعا إليه من زبائنه الجالسين حوله من جاء دوره. ومثَل الرجل بين يديه وله لحية ما أحسبه أجرى الموسى عليها منذ مثل هذا اليوم من العام الماضي؛ ووضع الحلاق كفه في إناء بجواره فاغترف غرفة من الماء بيده ورشها على تلك الأشواك الكثيفة في وجه صاحبنا وأجرى عليها قطعة من الصابون، ثم شحذ الموسى على ذراعه بأن حكها بها عدة مرات في سرعة عجيبة ولما استيقن من مضيها راح يقطع هاتيك الأشواك، ثم يمسح ما تجمع منها على حافة سلاحه في ظهر يسراه أو يأخذها على سبابته ويقذف بها في الجو لا يبالي أين تقع ولا من يصيب برشاشها. . .

ص: 25

ونظرت إلى الحلاق وزبائنه أتبين ماذا كان يخالجهم شعور من المبالاة، فلم أصب في وجوههم إلا مثل ما يرى في الحيوانات من عدم المبالاة فيما تأتيه من أعمالها جميعاً على أعين الناس؛ وكأن هؤلاء الناس جلوس في دكان لا تقتحهم فيه الأعين!

وهممت أن أدور بمنظاري عن هذا المنظر الذي لست أدري لم وقفت إليه تلك اللحظة، وقد كنت أبداً أمر به مسرعاً، وإني لأضيق به أشد الضيق، وكأن الظروف أرادت أن تكيد لي أشد الكيد فلا تقلع عن العناد حتى في مثل هذا الموقف التافه؛ فهذا غريب مقبل ومعه سيدة وفي يده آلة تصوير، وإنه ليضحك ملء شدقيه كأنما يقع من الحلاق وزبائنه على بغية طالما تمناها.

وأعد الفرنجي آلته للتصوير، ولشد ما غاظني أن أرى الحلاقة ومن حوله يضحكون ضحكة البلهاء كأنما يفرحهم أن يأخذ (الخواجة) صورهم، وسمعت ذلك (الخواجة) يقول لصاحبته بالإنجليزية ما ترجمته:(انظري فسنحصل على صورة ظريفة لحلاقي القاهرة).

ودنوت منهما فسلمت وتكلفت الابتسام أولاً، ثم عبست وبالغت في العبوس لأعبر عن احتجاجي، وتكلمت في لهجة استخذى لها ذلك الغريب، وحار ماذا يقول؛ وأشارت إليه صاحبته فطوى آلة التصوير؛ وكأنما أملى عليه إحساسه بالغربة أمام احتجاجي الشديد أن يتلطف فاعتذر، ولكنه أعقب اعتذاره بقوله:(جميل منك أن تغضب لسمعة شعبك ولكن أجمل من ذلك أن تزيحوا عن الأعين ما يشوه هذه السمعة).

وجميل من الرجل قوله هذا لا شك عندي في ذلك؛ ولكن ما حيلتي وما أملك غير القرطاس والقلم؟

ليس يهمني من هذا المنظر وأشباهه ما عسى أن يقول عنا الأجانب من أجله فحسب، وإنما أراه على ذلك شيئاً تتأذى به العيون وتشمئز منه النفوس. ولئن لم تقع عليه وعلى أمثاله أعين غير أعيننا، ففيه مما يشعرنا بالضعة والهمجية.

(عين)

ص: 26

‌البغاء في أوربا

للمستر أبراهام فلكسندر

بقلم الأستاذ عبد اللطيف حمدي

البوليس والبغاء

فضلاً عما ينشأ في المدن الفسيحة من الصعوبة في تمييز الداعرات فهناك صعوبة أخرى مترتبة على الأولى: ذلك أنه حيث يكثر الداعرات المحترفات يكثر كذلك ما يسمونه بالدعارة السرية.

وقد كانت الدعارة السرية في العصور الوسطى على غير ما هي عليه الآن، فإن سهولة التعرف على الداعرات في تلك العصور، والنظرة التي كان ينظر بها إليهن، كانتا سببين كافيتين لحصر بؤرهن. فكانت المومس التائبة إن تركت حياة المواخير لا تجرؤ على السكنى في حي آخر، بل كن يقمن في تلك الأحياء؛ ولم يكن ثمة شك في أشخاصهن ولا في ماضيهن. وفي العصور الحاضرة فريق من الداعرات يحترفن ما يسمى بالدعارة السرية وهن مثل الداعرات في العصور الوسطى معروفات حق المعرفة لرجال البوليس، بل هن رغم التسمي باسم (السرية) معروفات كذلك لكل عابر سبيل وذلك لافتضاح أمرهن. ولكن على الرغم من ذلك هناك فارق مهم بين أنواع من البغاء السري في العصور الحاضرة. فالنوع الأقل عدداً والأقل خطراً هو الفريق المعروف باحترافه للدعارة.

أما الكثرة من البغايا السريات، فهن اللواتي لا يدل عليهن شيء من ثيابهن ولا مظهرهن ولا مسكنهن، وهن يعشن بين سائر النساء بحيث يتعذر تمييزهن، ولكنهن مع ذلك يزاولن البغاء السري بحالة مستمرة أو متقطعة.

إن المومس المجاهرة أقل أهمية؛ ودراسة حالتها أقل جدارة لدى من يحاول درس التطورات التي تحدث بالمدن الكبرى أثناء تقدمها من النواحي الصناعية وغيرها.

ولقد بذل جهد ليس بالقليل في سبيل تعريف الدعارة تعريفاً دقيقاً، لأن النظر إليها من وجوه مختلفة يسفر عن تعريفات مختلفة، فالداعرة من وجهة النظر الإدارية لدى رجال البوليس هي التي ليس لديها وجه من وجوه الرزق غير ابتذال العرض، وهذه هي التي توجب

ص: 27

الإدارة تسجيل اسمها. فالأمر إذن لدى رجال البوليس يتعلق بالتسجيل. ولما كان موجبه هو الرزق قد وجد الكثيرات من البغايا مهرباً منه لأن هذه الشبكة واسعة الخروق، وأكثر البغايا حقاً يحترفن حرفة مكسبة. ففي ألمانيا نوع من الحانات تعمل فيه أجيرات. وفي أماكن أخرى مغنيات وراقصات وذوات حرف مماثلة، وكلهن في الواقع بغايا يتخذن هذه الحرف ذرائع لاستجلاب الرجال ويحتمين بها في نفس الآن من واجب للتسجيل على اعتبارهن محترفات. ومتى سقط عنهن التسجيل سقط كذلك عند البوليس وصفهن بالدعارة.

ومما يدل على أن هذه الحرف التي لا تقوم أجورها بالأود أو التي إنما تنتحل ستاراً دون قوانين البوليس، أن علاقة هؤلاء النسوة بحرفهن علاقة تكاد تكون اسمية من حيث المواظبة من جهة والأجر من جهة أخرى، وقد قام مستشفى زيوريخ بإحصاء للمريضات بأمراض تناسلية اللواتي عولجن فيه في عام واحد فكانت النتيجة أن عدد المريضات 1177 منهن 7 وتسعة أعشار في المائة من المومسات وستة وسبعة أعشار في المائة لا صناعة لهن وخمسة وثمانون في المائة وأربعة أعشار من ذوات الحرف. فمن الواضح إذن أن التعريف الإداري للبغاء إنما هو تعريف لا يتفق مع الواقع. ويرى الأب (دوشاتليه) في تعريف الدعارة (أنها هي الجرائم الخلقية التي يدفع عنها أجر وترتكب في أماكن أنشئت بمقتضى القانون، ولا تعتبر المرأة فيها مخالفة إلا بأن يشهدها شاهد غير متهماً وغير رجال البوليس).

وهذا التعبير يخرج الدعارة السرية إخراجاً تاماً من التعريف فهو لا ينطبق عليها. وإنما يكفي لتحديد الغرض الضروري في نظر رجال البوليس.

وعلى الخلاف من هذا التحديد الشديد الضيق أرى للأسباب التي سأسردها بعد قليل أن الدعارة تتميز باجتماع ثلاثة عناصر مختلفة. وهي (1) العوض (2) التعدد (3) فقدان العاطفة.

وليس من الضروري أن يكون العوض نقداً؛ فإن الهبات والهدايا والاصطحاب في مجال اللهو - كل ذلك وهو مما لا يحصل عليه إلا بالنقد يعتبر عوضاً.

وليس كذلك من الضروري أن يكون شرط التعدد مانعاً من الاختيار، فإن اتصاف المرأة بالدعارة لا ينفيه أنها تختار مَن تشاء وترفض حين تشاء.

ص: 28

وأما شرط فقدان العاطفة فهو أوضح من الشرطين السابقين وعلى هذا الأساس تعتبر المرأة داعرة متى اتصلت اتصالاً جنسيّاً من أجل الأجر أو الهدايا برجال متعددين سواء كان هذا الاتصال عرضيّاً أو احترفته. وليس من الضروري بعد ذلك أن تكون مفضوحة السمعة ولا أن تكون قد اعتقلت ولا عديمة الكسب من حرفة؛ فقد لا تكون المرأة سيئة السمعة ولا من صواحب السوابق ولا من الخاليات من العمل لكنها مع ذلك بغي.

وعلى أساس هذا التعريف للدعارة يكون مداها قد اتسع وتكون ضرورة علاجها أمَسّ؛ وهذا الذي أرجو أن أدل عليه.

فالعوض وفقدان العاطفة وتعدد الرجال سواء قلوا أو كثروا، كل ذلك في المدن العصرية لا يميز العلاقة الجنسية للبغي المحترفة وحدها. بل هذه الصفات للداعرة السرية أيضاً، بل إن أردنا التسمية بالاسم الصحيح فهذا التعريف يشمل أنواعاً كثيرة من الداعرات المحترفات اللواتي لا يعرف حقيقتهن إلا زميلاتهن في البيوت السرية كما يشمل المرأة العادية التي تخرج بين حين وآخر من هدأة الحياة إلى هذا النوع الشاذ منها، ويشمل كذلك ذوات المراكز المصونة اللاتي قد يزاولن عرضاً هذه الرذيلة دون أن يمسسن ظاهر شرفهن. ويشمل كذلك المتسترات بحرفة من الحرف، واللواتي تتخذ إحداهن خليلاً واحداً ريثما تستطيع الاستبدال به من تراه خيراً منه، واللواتي تخادن إحداهن أكثر من خليل واحد لعدم استطاعة فرد من هؤلاء الأخلاء القيام بأودهن، واللواتي تخون إحداهن خليلها الواحد مع فرد أو أكثر طلباً للنفع. وأخيراً يشمل هذا التعريف النسوة المتزوجات ولسن جميعاً من الطبقة الدنيا بل فيهن من سائر الطبقات وكلهن في نظر العالم بريئات يرتفعن عن مظنة الكسب من الزنا ولكنهن في الواقع يحببن من يصحبهن إلى أماكن اللهو.

فهذه ثمانية أنواع تخرج عن التحديد الضيق الذي يقيد صفة الداعرة في نظر البوليس. ولكن هذه الأنواع جميعاً تدخل تحت عنوان الدعارة إذا ما تميز هذا العنوان (1) بالعوض (2) وبالتعدد (3) وبفقدان العاطفة. أي أن الدافع للصلة لم يكن وجدانياً بل هو نفعي. ولكن دون هذا كله سؤالاً لابد منه وهو لماذا نعترض على البغاء على أي نوع من أنواعه؟

والجواب واضح وهو أن الزنا بغيض لأسباب كثيرة. فأما أولاً فلما يترتب عليه من الانحلال الشخصي.

ص: 29

وأما ثانياً فلأنه ضار بالمجتمع من الناحية الاقتصادية.

وأما ثالثاً فلأنه من الناحية الصحية ينشر أمراضاً تناسلية، ومن الناحية القضائية لأنه يرتبط بالإخلال بالأمن وينشر الجرائم؛ وما لا ريب فيه أن العاهرات اللواتي يقصر البوليس اهتمامه عليهن منحلات الأخلاق ينشرن الانحلال، ويسببن استهلاكاً اقتصادياً جسيماً، وينشرن الأمراض. والقاعدة أن بؤرهن مباءات للمجرمين. ولكن من الخطأ الفاحش أن تظن صواحب الأنواع الأخرى من البغايا أقل أثراً منهن على المجتمع في نشر هذه الويلات، فإن البغي العَرَضية أو المستمرة المحترفة أو الهاوية المتسترة بحرفة أو التابعة - كل أولئك يؤدين باتصالهن الأثيم إلى نفس النتائج ولقد تختلف آثار بعضهن عن بعض ولكنهن جميعاً خطرات.

(يتبع)

عبد اللطيف حمدي

ص: 30

‌التاريخ في سير أبطاله

مازيني

(رسول الحرية إلى قومه، المجاهد الذي أبلي في جهاده مثل

بلاء الأنبياء)

للأستاذ محمود الخفيف

(تتمة)

ود مازيني لو أنه استطاع أن يجعل للأدب من وقته أكثر مما جعل له، ولكن مشاغل السياسة حالت بينه وبين أمنيته؛ وكان منذ عودته إلى لندن بعد ثورة عام 1848 يوجه أكثر همه إلى الأدب الإنجليزي، وقد أكب على دراسة حياة الشاعر الإنجليزي العظيم اللورد بيرون الذي أحبه أشد الحب لأنه الشاعر الذي هز القلوب وأيقظ المشاعر بأناشيد الحرية والقوة، ولأنه ذلك الروح المتمرد على الطغيان والاستبداد، ثم لأنه لم يكن رجل الفن الذي يجلس في معزل عن عصره يتغنى بالجمال ويستغرق في الفن استغراق الصوفي المسحور، بل كان الرجل الذي كانت أغاني قيثارته صدى لآلام عصره وأحلامه، والذي ذهب إلى حيث لاقى الموت في مناقع مسولنجي في سبيل الدفاع عن حرية اليونان.

وجعل مازيني يوحي مبادئه إلى كل من يلاقيهم، يريد بذلك أن يكسب لقضية إيطاليا أكثر ما يستطيع من الأنصار؛ ثم أنشأ عام 1851 جمعية أصدقاء إيطاليا لهذا الغرض وسرعان ما انتظم في صفوفها كثير من ذوي المكانة من الإنجليز، وفتحت لها بعض الجرائد الذائعة أبوابها؛ فكانت من أكبر وسائل مازيني في الدعاية عن قضية وطنه. وكان لهذا الرجل أن يفخر يومئذ بأنه أدى إلى بلاده من جليل الخدمات ما لم يؤد مثله رجل غيره، بل لقد كان له أن يفخر بأنه أدى إلى الجليل كله ما يجعله في مصاف قادته ويسلكه في سجل القلائل الأفذاذ الذين يباهي بهم تاريخ أوربا.

لقد ملأ قلوب المستنيرين في إيطاليا كلها بمعاني الوطنية والحرية ولقنهم مبادئ الديمقراطية وسيادة الشعوب، ونشأ الجيل كله في إلهامه، فما من رجل من رجل السياسة وقادة الرأي في الولايات جميعاً إلا من تأثر بتعاليم هذا المجاهد العظيم؛ ولئن كان فيهم من

ص: 31

يخالفه في الوسيلة، فما كانت الغاية التي يعمل على بلوغها إلا أنشودة كل وطني حر.

على أنه وجد البلاد تتأثر بعد فشل حركات سنة 1848 بسياسة بيدمنت، تلك السياسة التي كان يمثلها كافور، ذلك السياسي الفذ الذي يعد في حركة إيطاليا رأسها المفكر؛ وكان كافور ومازيني على طرفي نقيض؛ إذ كان أولهما رجل لعمل الدبلوماسي الرشيد الذي يتحين الفرص ويسير إلى غايته في حذر وبطء، ولكن في وثوق، والذي جعل خطته تقوية بيدمنت أولاً، ثم دفعها إلى الحرب متى آنس فيها القوة ووجد لها الفرصة؛ وكان ثانيهما الزعيم الثائر الذي لا يفتأ يدعو البلاد إلى العصيان والتمرد لتبقى شعلة الجهاد متوهجة، وتظل نار القلوب متأججة، فلا يركن الشعب إلى القعود، فينسى تلك الغاية التي تهيب بالرجال وتشد عزائم الأعزال وتوحي إليهم اليأس والاستبسال. وضاق الرجلان أحدهما بالآخر، وكان كل منهما حرباً على صاحبه؛ وهذا مما نعده على مازيني الذي وضع إصبعيه في أذنيه تلقاء كل دعوة إلى مشايعة أنصار بيدمنت وتعضيدهم، والذي اعتبر كل قاعدة غير الوحدة والاستقلال مروقاً وإلحاداً في مبادئ الوطنية ودين الحرية. . . وليت شعري ماذا كان يضيره لو أنه عضد كل حركة تقرب البلاد من غايتها؛ على أنه لم يقف عند هذا الحد، بل لقد أخذ يدعو إلى الجمهورية ضد الملكية، جاعلاً بمسلكه هذا تلك المسألة الثانوية مقدمة على المسألة الرئيسية مما أضعف دعوته وزاد الناس إقبالاً على كافور وسياسته.

وكذلك أخذ كثير من الناس يعيبون على مازيني اتخاذه الثورات وسيلة إلى تحقيق آماله؛ وعابوا عليه أكثر من ذلك تدبيره مؤامرات الاغتيال، ولكنهم كانوا في ذلك يرمونه بتهمة هو منها براء، وقد رد مازيني على متهميه بأنه يرى الثورات ضد الغاصب المسلح وسيلة شرعية، أما الاغتيال فإنه يعده جريمة إذا أريد به الانتقام أو إذا أدى إلى القضاء على شخص لا يذهب الاستبداد معه إلى القبر؛ وكأنما كان يبرر اغتيال من يموت بموتهم الظلم؛ يتجلى ذلك في رده على اتهام كافور إياه بأنه يدبر مؤامرة لاغتيال الملك فكتور عمانويل، قال مازيني:(إن حياة الملك في مأمن وذلك لسببين أولهما أخذه بقواعد دستورية في حكمه، وثانيهما أنه ليس ثمة من جدوى لهذه الجريمة).

على أن مازيني لم يعبأ بما يقول مخالفوه وما فتئ يترقب الفرص لإثارة الثورات من جديد؛

ص: 32

وما لبث أن جاءته الأنباء عام 1852 عن ثورة تدبر في ميلان ضد النمسا بين صفوف العمال وكان في هؤلاء كثير من شيعته، فخف إليهم متنكراً حتى صار على مقربة منهم، ولكن ثورتهم كان نصيبها الفشل السريع، فاضطر الزعيم إلى العودة إلى إنجلترا وفي نفسه من الألم والحزن والشعور بالخجل ما جاء عبأ جديداً فوق أعبائه؛ ولقد حملت عليه صحافة بيدمنت حملات عنيفة وحملته مسؤولية هذه الحوادث وما ذهب فيها من ضحايا، فازداد بذلك حنقه على الملكيين وتوالت حملاته هو أيضاً على خطتهم وعلى زعيمهم. وظل في إنجلترا يتربص ويتصل بشيعته في وسط إيطاليا وشمالها؛ وقد عقد النية على بعث ثورة كبرى في الوسط والشمال تكون أبلغ رد على الملكيين، وتكون قائمة على أساس وحدة إيطاليا وطرد النمسا وإقامة الحكم الجمهوري في إيطاليا الموحدة؛ واتصلت أسباب المودة بينه وبين قنصل أمريكا في لندن ومناه القنصل بمعونة حكومته أن كان من أكبر دعاة الديموقراطية في أوربا.

وذهب مازيني عام 1854 متنكراً إلى باريس ثم إلى إيطاليا حيث كان يلتقي سراً بأنصاره ويوحي إليهم من خططه ما يوحي، وكان يقضي أكثر وقته في جنوة، وكان تنكره يحير الشرطة ويزعجهم، وهو في الحق يعد من أغرب نواحي كفاح ذلك الرجل الذي قضى في الجهاد إلى ذلك الوقت أكثر من ثلاثين عاماً بين اغتراب وسجن اختياري وتنكر، فما صرفه هذا العذاب عن وجهته وما قعد به الجهد عن غايته، الأمر الذي يكفي وحده لأن يسلك هذا الرجل العظيم في سلك أكبر زعماء الحرية في جميع العصور ويلحقه بالشهداء والقديسين الذين وهبوا أرواحهم لخير الإنسانية.

وبينما كان مازيني يعد العدة لثورته الجديدة كان كافور يمشي إلى غايته بخطى حكيمة تضعه هو أيضاً في صف أعاظم الساسة في تاريخ الأمم؛ انتهت إلى كافور رياسة الحكومة في بيدمنت عام 1852 فجعل أولى خطاه إصلاح مرافق الولاية والنهوض بماليتها وبناء قوتها الحربية على أساس متين، ولما تم له ذلك على خير ما يرجى أخذ يخطو خطاه السياسية وكانت تتجه إلى مكافحة النمسا بالأساليب الدبلوماسية أولاً ثم بالحرب آخر الأمر؛ على أن يكون بدء الحرب من جانب النمسا فتكون هي المعتدية، ويعتبر مسير كافور إلى غايته من أجمل وأقوى الحركات في تاريخ السياسة الدولية.

ص: 33

بدأ أولاً بالتدخل في جانب المضطهدين السياسيين في لمبارديا وفينشيا الذين صادرت النمسا أملاكهم عام 1853، فجعل بيدمنت في ذلك زعيمة المضطهدين في إيطاليا، فولى الأحرار شطرها وجوههم؛ ثم واتته الفرصة في حرب الفرم فأرسل جيوش بيدمنت لمساعدة قضية الحلفاء ضد الروسيا، فلما عقد مؤتمر الصلح في باريس عام 1856، كان لبيدمنت مقعد فيه وهي مزية سياسية لها مغزاها بالنسبة لنفوذ النمسا؛ وشكا كافور إلى رجال المؤتمر وقد كسب مودتهم بمساعدته قضيتهم من مسلك النمسا في إيطاليا فهيأ بذلك الجو الصالح لخطواته في المستقبل.

واتجه كافور بعدها إلى فرنسا، ومال إلى محالفة نابليون الثالث، وكان نابليون يعطف على حركة إيطاليا إذ كان يرى نفسه وريث مبادئ سميه العظيم، كما كان يطمع أن ينقض ما وضعه الساسة عام 1815 عقب هزيمة بونابرت؛ لذلك اتفق كافور ونابليون سراً في بلومبير عام 1858 على أن يساعده نابليون ضد النمسا نظير أن تضم مقاطعة سافوي إلى فرنسا.

وأوحى كافور إلى الملك في بيدمنت أن يستفز النمسا، فكان مما جاء في خطاب العرش الذي ألقاه فكتور عمانويل في تلك السنة:(إننا مع احترامنا جميع المعاهدات لا يمكن أن نصم آذاننا عن صيحات الألم التي تنبعث إلينا من نواح كثيرة في إيطاليا)؛ وسرعان ما توجه الأحرار إلى بيدمنت بآمالهم في انتظار ساعة الخلاص على يديها.

هكذا كسب كافور حليفة قوية وكسب الرأي العام في إيطاليا وبقي أن تعلن النمسا عليه الحرب ليتم رسالته؛ وكان كافور يستعجل هذه الحرب! إذ كان يعلم أن نابليون رجل قلب كثير الأهواء والنزعات، فكان يخشى أن يتخلى عنه؛ وكانت الحكمة تقضي على النمسا أن تتريث حتى ينقضي ما بين كافور ونابليون؛ ولكن رأي الحزب الداعي إلى الحرب فيها تغلب على أولى الحكمة فأعلنت الحرب واحتلت جنودها بيدمنت. ومشت جنود بيدمنت وفرنسا فأوقعت بالنمسا هزائم متلاحقة كانت كبراها في سلفرينو؛ ورأى كافور والفرح يملأ فؤاده أنه من النصر النهائي على قاب قوسين؛ فما هي إلا أيام ثم تطرد النمسا من إيطاليا؛ ولكن شد ما أزعجه وآلم أن يرى نابليون يخذله على حين غفلة فيعقد الصلح مع النمسا في فلافرنكا في يوليو عام 1859.

ص: 34

حنق مازيني على كافور أشد الحنق لانضمامه إلى نابليون؛ إذ كان الزعيم لا يؤمن بغير قوة الشعب، ويخشى كما خشي في أول سني جهاده من الاعتماد على قوة خارجية قد يأتي من جانبها الخذلان بدل النصر؛ وكان الخصام قد بلغ أشده بينه وبين كافور منذ عام 1857، ففي تلك السنة فكر كافور في بعث ثورة في مودنيا وقابل مازيني شخصياً في جنوة لهذا الغرض، ووعده مازيني بالمساعدة؛ وفي العام التالي رأى مازيني أن تكون الثورة في الجنوب أيضاً في صقلية ونابلي، وكان قد أعد عدته لذلك؛ ولكن الحكومة في بيدمنت أساءت فهم أغراض الثوار في جنوة فحسبتهم يعملون لإقامة الجمهورية وإسقاط الملكية، فشتت شملهم وأصدرت ضد مازيني ونفر من أصحابه حكماً غيابياً بالإعدام.

ولما خذل نابليون كافور استقال هذا من منصبه؛ فجاء مازيني إلى إيطاليا وإنه ليرجو أن يبعث الثورات الشعبية في ولايات الوسط والجنوب عسى أن يصل بها إلى تحقيق ما عجز الزعيم السياسي عن تحقيقه، واختفى الزعيم الشعبي الكبير عند حاكم تسكانيا من ولايات الوسط، فقد كان هذا الحاكم يجله ويؤمن مثله بالوحدة وإن لم يأخذ إخذه في الاعتماد على الثورات؛ وحاول مازيني أن يضمه إلى رأيه فلم يفلح.

وأخذ الزعيم في مخبأه يتصل بأعوانه ويحثهم على النضال؛ وكان يرمي إلى اكتساح الولايات البابوية أولاً ثم يسير منها الثوار إلى ولاية نابلي فيتم بذلك توحيد نصف إيطاليا الجنوبي؛ وكان كافور بينه وبين نفسه يعطف على هذه الحركة ويتمنى نجاحها لتكون أجمل رد على النمسا وفرنسا؛ وفرح أن يسمع عن مازيني أنه يدعو إلى ترك الخلاف الحزبي والعمل للوحدة فحسب، بل لقد كان لا يرفض يومئذ ضم الولايات الجنوبية إلى بيدمنت.

ولكن حاكم تسكانيا خاف من بقاء مازيني مختبئاً عنده، ففي تهديد ولايات البابا ما يدعو إلى تدخل النمسا، ولذلك طلب إلى مازيني أن يرحل فلم يسعه إلا الطاعة، وخرج وإنه ليأسف الأسف كله أن يعامل هذه المعاملة من بني وطنه وأن يكون في إيطاليا سجيناً وهو ما يجاهد هذا الجهاد الهائل إلا من أجلها، ولكنه تعود الألم وألف الصبر في هاتيك السنين الطويلة؛ واتخذ الزعيم سبيله إلى إنجلترا من جديد.

ومتى يهدأ هذا الثائر المجاهد؟ إنه لن يعرف الهدوء حتى تتحقق آماله أو يموت، ذلك ما عقد النية عليه من أول الأمر، وذلك ما درجت عليه نفسه الحرة وصمد له قلبه الكبير.

ص: 35

وعاد كافور إلى الحكم واتجه صوب فرنسا من جديد وقدم نيس وسافوي إلى نابليون ليكون ظهيراً له مرة أخرى؛ ولقد حنق مازيني وغاريبلدي على ذلك أشد الحنق. على أن مازيني أخذ من جديد يفكر في بعث ثورة في الجنوب يؤيدها كافور، وصرف إلى ذلك همه وما زال بغاريبلدي حتى حمله أن يسير هو والبواسل الألف من رجاله إلى صقلية، وقد جاء مازيني إلى إيطاليا متنكراً ليكون على مقربة من الأبطال المجاهدين، وحل بجنوة وأقام بها في مخبأ لا يراه أنصاره فيه إلا تحت ستار الليل، وراح يمد غاريبلدي ورجاله بكل ما يصل إلى يده من المال؛ وحالف النصر غاريبلدي فعبر من صقلية إلى نابلي، وطرب الأحرار في إيطاليا كلها لهذه الحركة العجيبة تأتي على يد ذلك البطل العظيم؛ وانتعشت آمال مازيني وذهب إلى نابلي ليستحث المقاتلين وكانت قد سقطت تلك المدينة في يدهم، وأخذ كافور يترقب في حذر على عادته ويخشى أن يعتدي غاريبلدي وجنوده على أملاك البابا فتتدخل أوربا، ولكنه ما لبث أن وجد الفرصة المرجوة فأرسل جيشاً دخل أراضي البابا، ثم تقدم فكتور عمانويل على رأس جيش فدخل نابلي وقابله غاريبلدي وقدم له الطاعة؛ ورأى الأحرار أن الوحدة المرجوة أوشكت أن تتم.

ولما صار مازيني على مقربة من النصر أخذ ينادي بمبادئه الجمهورية من جديد فأدى هذا إلى حنق كثير من الناس عليه حتى لقد ألقيت قنبلة في نابلي تحت نافذة مسكنه، وطلب إليه أصدقاؤه ففعل بعد احتجاج شديد وعاد إلى إنجلترا في نهاية ذلك العام 1860؛ ولكنه عاد هذه المرة مسروراً بما تم تحقيقه من آماله، تطيب نفسه بما يحسه من شعور الناس جميعاً نحوه حتى الملك فقد قال حينما طلب إليه الخروج:(دعوا مازيني حيث هو؛ إذا نحن عجزنا عن بناء إيطاليا فليبنها هو، ويومئذ أكون أول المصفقين له) وإن الملك ليشعر في قرارة نفسه أن ما تم بناؤه حتى ذلك اليوم من هذا الصرح إنما قام أكثره على كاهل ذلك المجاهد الصبور.

لم يبق إلا روما وفينسيا كي تتم الوحدة؛ وذلك ما كان يشغل مازيني بعد عودته إلى لندن. وكان لابد من حرب ضد النمسا كي تضم فينسيا، أما روما فقد كانت بها حامية فرنسية وقد تعهد فكتور عمانويل ألا يمسها بسوء بعد أن رفضت الانضمام إلى بيدمنت.

ولم يكن مازيني بالرجل الذي ينتظر ما عسى أن تفعل حكومة بيدمنت، ولذلك جعل يتصل

ص: 36

بغاريبلدي لكي يحل العقدة أو يقطعها. وقد آلمه موت كافور عام 1861 على الرغم مما كان بينهما من خلاف.

وفي سنة 1862 هجم غاريبلدي ورجاله على روما فردته جنود عمانويل وأصيب البطل في هذا الهجوم بجرح بالغ على يد رجل من بني وطنه. وكان مازيني قد حضر إلى لوجانو ليكون على مقربة من هذا الجهاد الجديد، ولقد آلمه ما حل بغاريبلدي وبخاصة عندما علم بإلقاء القبض عليه وسجنه، فراح يندد بالملك وحكومته في حماسة وسخيمة لم يسع الملك إزاءها إلا أن يصدر حكم الإعدام عليه للمرة الثالثة.

ولما فشلت حملة غاريبلدي، عاد مازيني إلى إنجلترا، وكان يومئذ في الثامنة والخمسين، إلا أنه كان لطول ما أبلى وناضل يبدو أكبر سناً. على أنه لم يفقد شيئاً من حميته، وظلت له حرارة قلبه وقوة روحه وحماسة عبارته وسحر نظرته؛ وعاودته الفاقة في غربته، ولكنه ازداد أنصاراً ومحبين. وكان يؤلم نفسه أن يرى عمره يتصرم دون أن يستطيع أن يجعل للأدب ما أراد من خدمة. وكان في تلك السنين يتتبع أخبار الحرب الأهلية في أمريكا، واتصل بجماعة التحرير الإنكليزية في لندن. وكان يبدي إعجابه ببطولة الرئيس لنكولن وجهاده في سبيل الوحدة والتحرير ويتمنى لو كان له مثل ما كان لذلك الرئيس العظيم من النفوذ الرسمي. ولما اغتيل الرئيس لنكولن حزن عليه مازيني أشد الحزن، ولكنه كان يرى الفرق بينهما جلياً، إذ لو حضره الموت الآن لمات قبل أن يرى وحدة بلاده، ولم ينعم بها ساعة كما نعم لنكولن قبل موته.

وحاول ملك بيدمنت أن يستعين بمازيني على بعث ثورة في فنسيا وفاوضه فعلاً في هذا، ولكنه عاد فتركه أمام اعتراض رجال حكومته. وفي سنة 1866 أعلنت حكومة بيدمنت الحرب ضد النمسا منتهزة فرصة انشغالها أمام ألمانيا، ولكن جيوش بيدمنت هزمت في البر والبحر هزائم كانت مخزية للملك ورجال حكومته، ولقد أدت هذه الهزائم إلى نشاط دعوة مازيني من جديد إلى الجمهورية، ولقد لقي في تلك الظروف من الآذان الصاغية إليه أكثر مما لقي من قبل؛ والحق لقد أصبح هذا الأعزل الشيخ رجل إيطاليا كلها. وأي رجل يبلغ منزلته وله من جهاده في سبيلها زهاء أربعين عاماً لم يعرف خلالها إلا الغربة والفاقة والعذاب الشديد؟ إن مخالفيه في الرأي ومؤيديه جميعاً ليرون فيه الروح الذي علم الجيل

ص: 37

وأوحى إليه الإيمان والفداء. وهاهي ذي العرائض عليها أكثر من أربعين ألف توقيع ترفع إلى الملك بطلب العفو عن الغريب المجاهد كيلا يغمض عينيه إغماض الأبد في بلد غير إيطاليا التي وهبها حياته، وهاهي ذي ولاية مسينا تختاره أربع مرات متتالية ليمثلها في برلمان إيطاليا كلما أبطلت الحكومة انتخابه عادت الولاية فاختارته.

وبقيت روما لتتم الوحدة وكان قد عاد غاريبلدي عام 1867 بهجوم عليها ولكن الحامية الفرنسية انتصرت عليه فردته عنها. على أن مازيني كان يرجو أن تعلن روما الجمهورية فتكون عاصمة إيطاليا الجمهورية؛ وقد عاد ينشر مبادئه الجمهورية ويأمل أن يبعث آخر ثورة في البلاد تكون هذه المرة ضد ملكية بيدمنت وتكون غايتها إقامة الحكم الجمهوري؛ وقد اتصل مازيني برجل ألمانيا بسمارك ورجا منه المساعدة فماطله بسمارك ثم انقطعت الصلة بينها.

وفي سنة 1870 رحل إلى صقلية ليبدأ الثورة فيها على الرغم من توسل بعض أصدقائه إليه ألا يفعل، وهناك ألقي القبض عليه في بالرمو حيث سيق إلى السجن في جيتا؛ ودخل السجن الزعيم الشيخ وبود حراسة لو لم ينط بهم حبسه. أنظر إلى حارس السجن كيف يدير المفتاح في مدة ثلاث دقائق حتى لا يسمع الزعيم أنه يغلق الباب عليه. . .

ولبث في السجن بضعة أسابيع يقرأ شكسبير وبيرون، ثم أفرج عنه عقب سقوط روما في تلك السنة في بيدمنت وأصدر الملك عفوه عنه ولكنه رفض أن يقبله؛ وشهد الزعيم في أواخر أيامه وحدة إيطاليا، ولكنه كان لا يفتأ يعمل للجمهورية!

وقضى سنتين متنقلاً بين بعض البلاد تحت اسم مستعار حيث زار قبور الشهداء من رجاله وحج إلى قبر أمه في جنوة. وفي مارس من عام 1872 سكت هذا القلب الكبير وانطوت هذه الحياة الحافلة بالجهاد المرير الطويل، وبكت إيطاليا كلها الرجل الذي ظل حتى آخر عمره يكدح ويلاقي صنوف العذاب من أجلها.

(تم البحث)

الخفيف

ص: 38

‌رمَاد.

. .

للأستاذ محمود محمد شاكر

لا تَعْبَثي بفؤادِي

وأَكْرِمي آلامِي

شَبَبْتِ في القلب ناراً

من لَوْعةٍ وهُيَام

أضْللتِني عن حَياتِي

بِلَذْعةٍ واحتِدام

فما أخافُ وَرَائي

غَيْباً، أراهُ أمامي

أرتابُ حَتَّى أرانِي

في حَيْرةٍ وظَلَام

في مَهْمَهٍ من شكوك

قَفْرٍ من الأعلام

لا أهتدِي لِنَجَاةٍ

في أُفْقِهِ المُتَرَامي

اسوَدَّ ليْلِي وصُبحي

مُلفَّفٌ في قَتَام

فلا أرى من دَليلٍ

يَهْدِي خُطَى أقدامي

صَحِبتُ نفسي، ونفسي

من صُحبَتي في اضطرام

كأننا في زِحام

يَرمي بنا في زِحام

مجَرَّحيْن كُلُوماً

من صَدْمةٍ ولِطام

حتى أُبِيدَتْ قُوَانا

فنحنُ صَرْعَى مُدَام

ثم استفقتُ فطارتْ

لَوَاهِبٌ في عظامي

قلبي ورُوحي وعَيْني

- وكلهن ظَوَامي -

لا يَهْتَدِينَ لِبَرْقٍ

مُبَشِّرٍ بِرِهام

ولا لِنُطْفَةٍ ماءٍ

تَبُلُّ حَرَّ أُوَام

وعُدْتُ فرْداً وحيداً

يَجُوب غَوْلَ المَوَامي

حَيرانُ أعمى عَجولٌ

مُصَوَّرٌ من سَقَام

يكادُ يعثُرُ وَهْناً

بنفسِه في القِيام

تخطَّفَتْهُ شكوكٌ

جياشةٌ كالضِّرام

لمْ تُبْقِ إلاّ حُطاماً

يَنْقَضُّ فوقّ حطام

تستقبلُ الأذْنُ منه

حسّاً كميْتِ الكلام

ص: 39

تخالُه من فُتُورٍ

مَناحَةُ الأيتام

مُفزَّعِينَ وُجُوماً

يبكونَ فوقَ رِجَام

يا مَاثِلاً لعُيونِي

وطائفاً في منامي

وسابحاً في سُكُوتِي

وسارباً في كلامي

وحاسِراً عن فؤاد

صَبٍّ فضُولَ اللِّثام

أفْنَى شَكاتي، وأَوْدى

بِعَتْبِهِ ومَلامي

ما كنتُ أحسبُ دَلاَّ

يَسيلُ سَيْلَ انتقام

أو أنَّ سُكْرَ شبابٍ

يحورُ سُكْرَ عُرَام

يَقسُو فيرمي بسهمٍ

مَهْدَ الجُرُوح الدوامي

أحببتُ مِلَْء فؤادي

ومِلؤُهُ أوهامي

حتَّى وجَدْتُ كأني

أعيشُ منْ أحلامي

ملأْتِ دُنيايَ نوراً

يُضيءُ دُنيا الأنام

فكلّ مَرْأى عليه

حَلاوَةٌ من وَسام

يَغْذُوهُ نورُكِ حُسناً

حيّاً كصَوْبِ الغَمام

فما ترى العينُ إلاّ

زَهْراً على أكمام

أنفاسهُ عَطِراتٌ

نشوَى بغير مُدَام

ممثَّلاتٌ لرُوحِي

مُعَرْبِدَاتَ القَوَام

أُصْغِي، إخالُ، كأني

أُصْغِي إلى أنغام

تدنو فأدنو، فتفنَى

أنغامُها في ظَلام

وتارةً هي هَمْسٌ

كلمحَةٍ من سَلَام

كأنها في ضميري

تُسِرُّ بعضَ الغَرام

أو يستطيرُ سَنَاها

في القلب ضوَء ابتسام

أوَّاهُ من خَطَراتٍ

تقودُني بزِمام

لا تملكُ النَّفس منها

إلاّ رمادَ الكلام

قد كان جَمْراً فنامتْ

أيقاظُهُ في النِّيام

ص: 40

واستيقظتْ لي هُمُومٌ

حياتُها من خِصام

أفننتْ شبابَ خيالِي

وعيَّثَتْ في نِظامي

حتى رأيتُ الليالي

تطوفُ في أيامي

محمود محمد شاكر

ص: 41

‌أنا والبحر

للأستاذ خليل شيبوب

أيُّها البحرُ رَجِّحِ الأحلاما

مثلَ ترجيحِ موجِك الأنغاما

في ظلام الدُّجى تبثُّ شكاوا

كَ الحزيناتِ تستثيرُ الظلاما

غير أن النِّيامَ لم يسمعوها

إيهِ ليتَ النيامَ ظلُّوا نياما

ليس فيهم سوى الأذى لمحبٍّ

موجعِ القلبِ لا يُطيقُ مَناما

في فؤادي موجٌ كموجكَ يبكي

بدموع الألحانِ تجري انسجاما

ظلماتٌ من فوقها ظلماتٌ

في فؤادي دَوِيها يَتَرامى

لا تهُم الصخور شكواكَ تَرويها

كشكوايَ لا تهُمُّ الأناما

نحن إلفانِ ساهران ولكنْ

ثُرْتَ ماءً وثارَ قلبي ضَراما

إن شكواكَ حالةٌ ثم تمضي

لا كشكوايَ من شقاءٍ أقاما

أنتَ تصفو حيناً وتهتاجُ حيناً

وحياتي ما تَستَقِرُّ احتداما

لكّ هذي الآفاقُ تمرحُ فيها

وفؤادي في الصدر جُنَّ اكتتاما

وإليكَ الأقمارُ ترنو ولكنْ

كلُّ من قد أحبَبتُ عني تعامى

لك بأسٌ يغادرُ الريحَ صرعى

لا كضَعفي يصارعُ الآلاما

ويوالي النسيمُ تقبيلَ أموا

جكَ منشورةً تُرَاحُ جماما

ويوالي الغرامُ نَفْسيَ تعذي

باً ويُغري السقامَ بي والحِماما

وبقلبي كما بقلبكَ دُرٌّ

أنْبَتَتهُ الحياةُ خيراً لَزاما

وكِلانا ضَمَّتْ قَراراته الهوْ

لَ وراعتْ أسرارُها الأفهاما

واصِليني أو قاطِعيني سِيَّا

نِ إذا كنتُ لا أرومُ مَراما

حبَّذا هجرُك الطويلُ إلى نف

سي ويا ليتَهُ يدومُ دَواما

إن في لذَّةِ الوصالِ شكوكاً

قد أحالتْه عَلقماً وسِماما

لستُ أخشى إلا الشكوكَ التي بي

كالأعاصيرِ تَكْسحُ الآجاما

ليتني لا أحنُّ وجداً ولا أش

تاقُ تلكَ العهودَ والأيَّاما

كيفَ لي بالحياة من بعد ما أص

بحَ يُقْذِي الجمالُ عيني ابتساما

ص: 42

سَوْأةً للحياةِ ما كان أغنا

نِيَ عنها لو استطعتُ انعداما

وأقولُ الزمانُ يُصلِحُ قلبي

ويداوي الجِراحَ والأسقاما

وعليَّ الصبرُ الجميلُ لذا رُح

تُ أعدُّ الشهورَ والأعواما

غير أني أزيدُ يأساً على يأ

سٍ وأستنجدُ الرَّدى استرحاما

خجِلاً من عواطفي غاضباً كي

ف أراني معذَّباً مُستضاما

مستلِذّاً ما بي أُغالط نفسي

مُستطارَ النهى رضىً ومَلاما

أيها البحر هاجني نغَمٌ كِد

تَ به توقظ الصخورَ النياما

أَبديٌّ تصغِي إليه الدراري

رانياتٍ ترُدُّ عنكَ الظلاما

حَمَلَتهُ الأنسامُ فالتفَّ بالمو

ج يُعاصي الأمواجَ والأنساما

أيها البحرُ ثُرْ وَرُقْ واصفُ واكدُرْ

قد رَضينا حياتَنا استسلاما

(الإسكندرية)

خليل شيبوب

ص: 43

‌رسالة الفن

دراسات في الفن

آلو. . . الدكتور عزام؟!

للأستاذ عزيز أحمد فهمي

- يا للنهار! مالك أنت والغناء؟ لك ساعة وأنت تعوي وتنهق بأكره الصوت جادا مجتهداً كأنما تجرب إذاعة لهذا المساء؟ هل زيفت نفسك على ماركوني وألقيت في روعه أنك موسيقي مغن مطرب ملحن؟ أما إذا كنت فعلتها فهي كبرى المصائب، ونكبة النكبات.

- إني لم أفعلها إلى الآن. ولكني أعد نفسي لها، وهي من غير شك أربح الأشغال في هذه الأيام. فقد وصل سعر اللحن عند ماركوني إلى مائة جنيه، ينفق عليه منها عشرة على الأكثر يأخذها تخت كامل وفوق الكامل. ثقي أني سأبدأ العمل وثقي أني أعرف طرق النجاح فيه.

- قل شيئاً غير هذا، وامح علامات الجد هذه من على وجهك فقد كدت أصدقك. . . أمجنون؟!

- سترين أني عاقل عندما تسمعين مصطفى بك رضا بنفسه يقدمني للجمهور من خلال الميكروفون وهو يقول: (آنساتي سيداتي سادتي. أقدم لكم الآن بكل فخر كوكب الإذاعة الجديد الموسيقار العبقري البروفيسور عزيز فهمي في أغنيته الأولى (التختروان) وهي من تأليفه وتلحينه. . . على تخت مكون من كبار رجال الفن).

- وما الذي يمنعك ما دمت واثقاً أن هذا ممكن؟

- لا شيء يمنعني. وإنما كانت الفكرة غائبة.

- وقد جاءت الفكرة وستنفذها. أليس كذلك؟ قل لي الآن بم ستبدأ.

- بالشعر. . . صحيح أني لست شاعراً ولكني أعرف من العروض وأوزان الشعر ما أستطيع به أن أنظم الكلام. ثم إني أعرف الكلام الذي يحبه الجمهور وليس علي أكثر من أن أرصه في النظم رصّاً وهو لا يعدو (النوح والدوح)، والأغاني والأماني، والدموع والخضوع، والغزل والأمل) وسائر هذه الألفاظ التي يقولها القمر للأستاذ أحمد رامي وهو

ص: 44

نائم تحت السرير في الغرفة الغربية المطلة على الحقول من منزله في حدائق القبة. . . فإذا ما انتهيت من القصيدة شعراً بدأت في تلحينها، وهذا شيء أيسر من الشعر، وهو لا يكلفني أكثر من مراجعة ألحان سيد درويش وبعض الألحان الشرقية والغربية مما لم يسمعه الجمهور أو مما قد سمعه، وآخذ لكل شطر أو لكل بيت من أغنيتي لحناً من هذه لألحان، فإذا لاحظت في هذا الترقيع أن يكون منسجماً يمشي بعضه مع بعضه من ير تنافر فإني قد جئت بما لم يجيء به الأستاذ محمد عبد الوهاب نفسه، فنحن لا نزال نرى في مقطوعاته جميعاً التنافر ظاهراً بين أجزائها المجموعة من الشرق والرب. . . فماذا تريدين مني أكثر من التفوق على عبد الوهاب؟

- وبعد؟

- أتفق مع الأستاذ محمد القصبجي على أن يتعهد بمراجعة اللحن مع أفراد التخت بخمسة جنيهات يأخذها ربحاً حلالاً على هذا، وعلى أن يعزف معي بعوده الممتاز في الإذاعة. . . وهو لن يرفض خمسة جنيهات حلالاً. . . وإذا أخذ الأستاذ إبراهيم العريان وهو سيد العازفين على القانون في مصر جنيهاً واحداً ليشترك معي في الإذاعة فإنه سيدعو لي ليلاً ونهاراً لأنه يقضي الشهور معطلاً لا يكد يدعوه أحد إلا زكريا أحمد الذي يعرف قدره وقدر فنه ولأن الباقين يتقونه خشية أستاذيته. . . وتبقى أربعة جنيهات بعد ذلك أوزعها على أفراد التخت، ولا شيء أخيراً إلا وليمة لرجال الصحافة وبعض الملق والمداهنة وأنا زميل لهم وأظن أنهم يجاملونني.

- طيب والغناء؟ أتغني بصوتك هذا نفسه؟

- ولم لا؟ أليس صوتي أرخم من صوت الأستاذين حسين المليجي وحامد مرسي؟ وما دامت الصحافة ستقول هي وماركوني إني مفن ممتاز عبقري، فلا بد أن يصدق الناس أني كذلك. . . والحق أني كذلك. . .

- تريد أن يجوز هذا عليّ أنا أيضاً؟

- الفنان الحق يا آنستي لابد أن يؤمن بفنه قبل أن يؤمن به الناس. . .

- يا عينك! ولكنك لم تقل لي كيف تستطيع اجتياز العقبة الأولى وهي إقناع مصطفى بك رضا بأنك فنان. . .

ص: 45

- هذه أهون الهينات. . . وهي بيد الدكتور عبد الوهاب عزام الذي لا يزال يذكر أني تلميذه، والذي يعطف عليّ فيما يبدو لي، والذي أعتقد أنه لا يتأخر عن مساعدة رشيقة كهذه. .

- وما للدكتور عزام الأستاذ في الجامعة والذي يكتب عن رحلاته في الشرق والغرب، وهذه (الألعوبة) أو (الألعبانة) التي تريد أن ترتكبها. . .

- الرجل رجل طيب، فذا التصقت به لم يجرؤ على طردي لأنه حيّ خجول، ولأني سأذكره بالحكمة لتي تقول:(من علمني حرفاً صرت له ضيفاً) وقد علمني هو اللغة الإيرانية كلها. . . ولدكتور عزام قريب صاحب المعالي عبد الرحمن عزام بك وزير الأوقاف، والأستاذ مصطفى بك رضا موظف في وزارة الأوقاف فإذا رآني حول الوزير مرة أو مرتين أصبحت عنده شيئاً مذكوراً. . . فإذا دعوته يوماً إلى سماعي ونبهته إلى أن الدكتور عزام سيسمعني معه خف إليّ كالبرق الخاطف حباً في مجالسة الناس الطيبين، فإذا لبى الدعوة هؤلاء الناس الطيبون الذين من عادتهم ن يجبروا خواطر الناس، بدأ الإيمان بي وبفني يدخل نفس ماركوني، فإذا جاملني أحد الناس الطيبين (بآه) أو (بأحسنت) كان هذا مستنداً لي على أني فنان مقتدر. . . فإذا قلت عن نفسي بعد ذلك بأني عبقري وأني نابغة العصر والأوان زيادة على أني شاعر كبير ومثقف مطلع ومفكر عظيم فإني من غير شك واصل إلى الاتفاق الذي أرجوه. . .

- ولكن هذا كله لا يساعدك في شيء. . . فمصطفى بك رضا نفسه موسيقي، وهو نفسه حَكَمٌ في الفن لا يمكن التدليس عليه.

- قد يكون هذا حقاً، ولكن الرجل أعقل من أن يحكم بالفن وحده. . . فهو بلا شك يقيم إلى جانب الفن اعتبارات أخرى يستعينها في الحكم على الفنانين الذين يعملون في الإذاعة. . وإلا فكيف يسمح بالغناء لمن تعرفينهم من المغنين الذين لو استمعوا إلى أنفسهم لما رضوا أن يغنوا. . . ألا يذيع كثيرون من هؤلاء؟

- ولماذا يفعل هذا؟

- اسأليه. . . واعلمي أنه محسوب على السيدة نفيسة فهو تقي جداً وورع جداً ولا يمكن مطلقاً أن يقول غير الحق ولا أن يظهر غير ما يخفي. . . زيدي على ذلك أنه من أسرة

ص: 46

كبيرة غنية، وأن له من الحسب والنسب ما يدرأ عنه كل شبهة. . . وإن كان فيه عيب فهو أنه رجل طيب. . . طيب جداً، سبحته لا تفارقه، وشفتاه لا تكفان عن التمتمة والتسبيح، ولعل ماركوني لم يأخذه إلا لأنه بركة.

- إذن فقد انتهى الأمر، وإني أوصيك بأن تبدأ. . .

- اسألي لي عن الدكتور عزام بالتليفون، فذا وجدته فقولي له: إن هيئة كبار العلماء ستتغدى عندك اليوم.

- وما لهيئة كبار العلماء هذه أيضاً؟

- هذا اسم كان يطلقه الدكتور عزام على فرقتنا التي كانت مؤلفة من ثلاثة. قال الأستاذ أحمد أمين يوماً: إن كلية الآداب لم تر مثلهم ولن ترى مثلهم.

- في الجد والتحصيل؟

- لا. في العنف والكفاح والرجاء والإيمان. دعينا من هذه الذكريات. هل وجدت الدكتور؟

- لا. فلننتظر ساعة. والآن قل لي: لماذا اخترت أن يكون اسم أغنيتك (التختروان)؟

- أنا لم أختر هذا. وإنما هو الرد الطبيعي على أغنية (الجندول) التي غناها عبد الوهاب. (فالجندول) هذا مركب أوربي يسير في شوارع البندقية - وهي مياه - ولا يعرف هذا (الجندول) إلا فئة خاصة من المصريين؛ أما (التختروان) فيعرفه المصريون جميعاً والعرب جميعاً، لأنه (الهودج) الذي يوضع على ظهر الجمل فإذا كان (الجندول) الذي لا يعرفه المصريون قد أصبح أغنية فلا عجب في أن يتغنوا (بالتختروان)!

- ليس الذنب في (الجندول) ذنب عبد الوهاب، وإنما هو ذنب الأستاذ الشاعر علي محمود طه المهندس الذي زار البندقية وحدث له (الجندول) فيها فسجله شعراً، ولحنه عبد الوهاب.

- قد يغتفر للأستاذ الشاعر هذا الجندول ما دام قد حدث له ولكن لماذا يغنيه الأستاذ عبد الوهاب؟ وقد خلق الله له موهبة التقليد التي يأبى أن يستغلها.

- لم أسمع أن التقليد موهبة فنية لها مكانتها بين الفنون إلا الآن.

- هي موهبة من غير شك، وهي موهبة عبد الوهاب؛ وهي التي ظهرت فيه منذ طفولته، فقد كان وهو غلام يغني كل ما يسمعه ويوفق في تأديته خير التوفيق، حتى أن المرحوم الأستاذ عبد الرحمن رشدي أخذه معه، وأخذ يعرضه بين الفصول يغني للنظارة بعض

ص: 47

أناشيد المرحوم الشيخ سلامة حجازي على ما فيها من قسوة وجبروت، فكان ينال إعجاب الناس، وسمعه بعد ذلك المرحوم أحمد شوقي بك فطرب له فاحتضنه وتبناه وقدمه لأصفيائه وللبيئة التي كان يعيش فيها وهي بيئة الأمراء والكبراء فكان عبد الوهاب يغنيهم من محفوظاته وكان عليهم ن يستحسنوا غناءه؛ فلما مات سيد درويش فوجئ الجمهور بعبد الوهاب الملحن الموسيقار، وكانت المفاجأة بالطريقة التي أريد أنا أن أفاجأ الجمهور بها ومنذ ذلك الحين بدأ عبد الوهاب يتعثر إذ عدل عن الموهبة التي خلقها الله له إلى ما لم يسمح الله له به. على أنه كان غالباً ما ينجح إذا غنى المواليا، ذلك أنها غناء مصري للقاهرة، فيه أسلوب خاص تأثر به عبد الوهاب كل التأثر منذ صباه، وقد سلمت بعض قصائده من التنافر والتخبط لكثرة ما غنى في ماضيه للمرحومين: الشيخ سلامة حجازي، والشيخ أبو العلا محمد؛ أما ما عدا ذلك من الأغاني، فعبد الوهاب يعاني الأمرين في غير شك في صوغه. وقد كان المرحوم شوقي بك يغربل له موسيقاه فلما مات لم يعد عبد الوهاب يسمح لأحد بأن يكون له في موسيقاه رأي إلا السجود لها ولا أقل.

- يا شيخ! لا تكن ظالماً.

- لست أظلمه. ولو أنصف عبد الوهاب لظل كما كان مغنياً يغني لغيره ممن يستطيعون التلحين، أو أن يكون مغنياً بلدياً كغيره من أولاد البلد الفنانين البارزين، وليس هذا عيباً، وليس فيه حطة، فالناس كلهم أو أغلبهم مجمعون على استحسانه في المواليا، وفي القصائد قبل أن يفرنجها. . . أليست (يا جارة الوادي) خيراً من (الجندول)؟ ولكنه أصيب بما في رأسه، وهو لا يريد مطلقاً أن يذكر الجمالية، ولا يأب الشعرية، ولا (حوانيت الترزية. . .) مع أنه أنفق حياته الأولى في هذه. . . وهو فنان، والفنان لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يغفل ماضيه. . . وإن حياة الفنان الأولى التي قضاها وهو بعيد كل البعد عن التفكير في مشاغل الدنيا وأرباحها وخسائره لهي المعين من الفن الذي لا ينصب. . . وإنها أصدق ما يمكن أن يبرزه من الفن، وأصفى ما يمكن أن يطالع به الناس من عواطفه وخلجات روحه. أليس كتاب (الأيام) هو أروع ما أخرجه الدكتور طه حسين بك. وأي شيء في كتاب (الأيام) غير قسط ظاهر من الصدق. . . إن الدكتور طه حسين قد تحول اليوم إلى إنسان آخر غير الطفل بطل الأيام. . . وهذا الإنسان الآخر له مجد وله مكانة وله شهرة،

ص: 48

وله منصب وله رتبة، ومع هذا فالطفل (طه حسين) بطل الأيام أحلى من الدكتور طه حسين بك، والدكتور طه حسين بك نفسه يعترف بهذا فلا يهمل هذه المرحلة من حياته وإنما يكتبها وتخرج من بين يديه خير ما كتب. . .

- إذن فعلى عبد الوهاب أن يغني غناء بلدياً أو يقلد الشيخ سلامة حجازي وغيره. . .

- من غير شك هذا هو خير ما يستطيعه عبد الوهاب، لأن أحلى ما فيه، ولأنه كان هكذا في طفولته. . . فهذا هو ما خلقه الله له لا ما اختاره هو لنفسه. . .

- ولكن هذا الطريق لن يجدي عليه نفعاً كبيراً. . . فمن الذي يعطيه مائة جنيه في أغنية قديمة؟

- الرزق هذا شيء لا حيلة للإنسان فيه، وإنما حيلة الإنسان في عمله والله يعطي بعد ذلك من غير حساب. . . إن بيتهوفن وسيد درويش ماتا معدمين ولم يجمعا في حيتهما عشر معشار ما جمعه عبد الوهاب فهل هو أنصع منهما فناً؟. . . إن كرستوف كولمبس الذي عثر على أمريكا لم يمت إلا بعد أن استجدى في شوارع نابولي على ما أظن. . . فالرزق شيء والعمل شيء. . . والفرقة القومية بدأت تفكر في تقديم الأوبرا والأوبريت، وعبد الوهاب من غير شك هو المغني الأول الذي أرشحه لها. . . فمن ذا الذي يستطيع أن يقنعه بقبول هذا العرض؟. . .

- يهديه الله. . .

- سيهتدي عندما يراني أزاحمه، وعندما يجد معي سر نجاحه، وعندما يلحظ أني سأحسن استعمال هذا السر أكثر مما يحسنه.

- إذن. فأنت لا زلت مصراً.

- من غير شك. . . اسألي عن الدكتور. . .

عزيز أحمد فهمي

(الرسالة) لا نظن كثيراً من النقاد يشاطرون الأستاذ عزيزاً

رأيه في الأستاذ عبد الوهاب.

ص: 49

‌رسالة العلم

الهندسة وابن الهيثم قديماً وحديثاً

للدكتور محمد محمود غالي

أفاض المتكلمون وأبدعوا، وأخرجوا للعالم العربي ما في بطون الكتب من مآثر، لم نكن نُوليها انتباهاً، فلم يدعوا لي شيئاً بارزاً أذكره لابن الهيثم، ورسموا صوراً هي أقرب الصور إليه سجلوا فيها أعماله ومبلغ تحليله للمسائل وفهمه للأشياء. هذا هو ابن الهيثم، عالم طبيعي له مشاركة في الفلك والعلوم الرياضية والفلسفية وفضلاً عن ذلك نرى الهندسة تقترن باسمه، بل إن شهرته كمهندس غلبت على بقية صفاته، من ذلك ما ذكره القفطي في كتابه:(أخبار العلماء) من أنه الحسن بن الحسن بن الهيثم المهندس البصري، وأنه صاحب التصانيف والتآليف العديدة في علم الهندسة، وهو بعد ذلك يتحدث عنه في بقية الكلام كمهندس أكثر منه عالماً طبيعياً.

والواقع أن دراسة تحليلية لابن الهيثم لقمينة أن تضعه في صفوف علماء الطبيعة أكثر من أن تعده بين المهندسين، وإنما وصل إلى هذه النتيجة من أثره التجريبي لا من أثره في التأليف، ولكنا لا نجزم بهذا الرأي كنتيجة نهائية لبحثنا هذا. فتجاريبه في علم الضوء معروفة، وقد شرحها بمهارة زميلي الأستاذ مصطفى نظيف بك، ولا نزاع في أننا متفقون في التفريق بين الهندسة كجزء من علم الرياضة وبينها كمجموعة لأعمال فنية أو إنشائية. إنما يُعرف المهندس بآثاره الإنشائية أكثر من أثره في التأليف. فأمحوتب مهندس الملك زوسر بأني هرم سقارة، مهندس كشف عن استعمال (الطوبة) وهي تدعو للإعجاب؛ وكيف لا نعجب له حين عرف كيف يُكوِّن من اللَّبِن والحجارة أشكالاً منتظمة، أشكالاً ذات طول وعرض وارتفاع، فيها كل هندسة إقليدس وأكتنيوس ومساعده كليكراتس، عندما شيدا البارثينون أهم معبد فوق الأكروبول، وهو الذي تم تحت إشراف النحات المعروف فيدياس في عهد بركليس الذهبي، كانا مهندسين عظيمين، فإن عملهما الإنشائي لا يزال إلى اليوم جديراً بالتقدير؛ وجارنييه باني أوبرا باريس وإيفيل الذي شيد بها البرج المعروف مهندسان أحدهما في العمارة والثاني في الإنشاءات الحديدية وكلاهما باعث دهشة. تُرى هل كان لابن الهيثم من عمل إنشائي يضعه بين المهندسين الذين يذكرهم التاريخ؟ هذا ما

ص: 50

لم يقم دليل عليه كما لم يقم دليل على بطلانه، ومع ذلك فهو صاحب كتاب العقود الذي لم نعثر عليه لنتبيّن غاية ما بلغه من التقدم في أعمال ما زالت أهم ما يقابل المهندس عند تصميم القناطر والخزانات والأبنية الكبيرة.

ولسنا نغض بهذا من شأن ابن الهيثم كمهندس وهو الذي بين تصانيفه كتب عديدة تمت إلى علم الهندسة وتبحث في علم المساحة والتخطيط، وقد ذكر الكثير منها الدكتور مشرفة بك، وأضيف إلى ما ذكره كتاب العقود، وكتاب أصول المساحة، واستخراج أربعة خطوط، وحساب الخطين، وحلل الحساب الهندسي، ومسألته في المساحة وغيرها.

نرى هل خرج ابن الهيثم من مجال التأليف إلى مجال الإنشاء؟ يغلب على ظننا ذلك، وقد يدلنا التاريخ أو البحث يوماً عن آثار له في هذا، فإن شهرته كمهندس بلغت من الذيوع والانتشار ما جعل الحاكم صاحب مصر من العلويين يتوق إلى رؤيته، وقد نقل له عن ابن الهيثم أنه قال:(لو كنت في مصر لعملت في نيلها عملاً يحصل منه النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال وهو طرف الإقليم المصري) فازداد الحاكم شوقاً إليه وأرسل في طلبه ورغَّبَه في الحضور؛ فشّدَّ ابن الهيثم رحاله إلى مصر ولما بلغها خرج الحاكم للقائه على باب القاهرة وأمر بإكرامه، وطالبه بما وعد به من أمر النيل؛ فسار ومعه جماعة من الصناع ليستعين بهم على ما خطر له، فلما جال الإقليم بطوله وتبين آثار الأقدمين، وهي تعد بدعة في الصناعة وآية في الهندسة، تحقق أن الذي يقصد إليه خارج عن طوقه، فإن من تقدموه لم يكن ليغيب عنهم على ما يعلم ولو أمكن لفعلوا، ففترت همته، ووهنت عزيمته، ووصل إلى موضوع الشلالات بعد أسوان وعاينه واختبره فوجد أنه يختلف عما كان قد فكر فيه، وتحقق الخطأ فيما وعد به واعتذر للحاكم.

وليست هذه الواقعة التي سردها بعض المؤلفين لتُقلل من شأن الرجل العالم الذي نحتفل بذكراه، ففي بناء هيكل المعرفة خطا ابن الهيثم المهندس البصري الخطوة الكبرى إلى الأمام، وكان ممن وضعوا حجراً أساسياً في العلوم نتوارثه جيلاً بعد جيل.

جيل يتلو جيلاً، جيل يتَصرَّم ويحل جيل، وطوى الزمن تسعمائة عام على هذا العالم، تغيَّر خلالها وجه الأرض، وحلت مدنية تختلف عما تقدمها من مدنيات، وعصر لا يشبه ما خلا

ص: 51

من عصور، وألفينا أنفسنا أمام صورة جديدة للفن الهندسي ارتبط بالتقدم العلمي ارتباطاً وثيقاً وتفرَّعت الهندسة في غير العمارة إلى هندسة آلية وكهربائية بل وموجية، وأثَّر هذا في مقدرتنا على العمل وأثرنا في الإنتاج، ولو أننا نظرنا إلى أحد هذه الفروع وإلى الهندسة الموجية لوجدنا أننا وصلنا إلى نتائج تستوجب النظر.

أولاً: في الانتشار الصوتي وعلى مَتنِ الأسلاك يستطيع أن يتخاطب بالتليفون مئات الأشخاص أو أكثر على سلك نحاسي واحد في وقت واحد، أمر يحدث اليوم بين العواصم الكبيرة. أذكر على سبيل المثال الخط بين لندرة وبرمنجهام، حيث يتكلم على سلكين للمخاطبات التليفونية وُضِعَ بجانبهما سلكان للتوسع المنتظر في استعمال التليفيزيون حوالي 350 شخصاً في آن واحد، ويفهم كل منهم أخاه دون أن تختلط هذه الأصوات العديدة. بل أُرجع السامع إلى محاضرات فورتيسكيو أستاذ جامعة لندن عند زيارته لكلية الهندسة العام الماضي بدعوة من العميد، بل أُحِيلُه إلى ظواهر يعرفها منذ عدة سنين كل الذين شغلوا أنفسهم في المختبرات بظاهرة الانتخاب في الظواهر الدورية.

ثانياً، في الانتشار الموجي والتبادل الضوئي الكهربائي استطاع الإنسان أن ينقل الصور الفوتوغرافية إلى مسافات بعيدة، دون استعمال الأسلاك، وكان تطبيق ذلك في نقل الرسائل في الصين بلغتهم المعروفة بحروفها العديدة مما يدعو للإعجاب، وهو الإعجاب الذي استولى على كل منا عندما طالعنا من أربعة أيام في الصحف كيف نقلت باللاسلكي الصور الفوتوغرافية للحوادث البحرية التي جرت في الأورجواي، وهي الحوادث الخاصة بالبارجة (فون شبيه) وكيف رأى البرلينيون صورها ولم يمر على أخذ الصور التي يبعد مكانها عنهم بنصف محيط الأرض إلا كسر ضئيل من الثانية.

ثالثاً: في الانتشار الكهربائي استطاع الإنسان بغير أسلاك أن يسمع الأصوات ويتكلم على مسافات بعيدة تبلغ محيط الأرض بل استطاع أخيراً أن يرى عن بعد الأشياء المتحركة كما لو كانت أمامه.

هذا ما حدث من الهندسة التطبيقية، ولقد كانت خطوات العلوم البحتة أوسع بكثير من هذه، وجرى العلم الحديث شوطاً لم تستطع الهندسة التطبيقية أن تلاصقه فيه: ثمة اكتشافان عظيمان، النشاط الإشعاعي والتفتت الذري. تُرى ماذا سيحدثه الإنسان الدائب التفكير

ص: 52

الموفور الذكاء في أثرهما من تطبيقات تنشأ عنها مدنية تختلف عن مدنيتنا جدَّ الاختلاف بل تختلف عن كل ما عهدناه من مدنيات.

أو يصبح عصر الكمّ والنسبية والموجية الذي نعيش فيه بداية لعصر أعظم شأواً وأهم قدراً وأعجب في الحوادث؟

إنما يلزم لذلك أناس أذكياء تعودوا الإقامة في المختبرات والتردد على دور الكتب؛ هؤلاء الذين أسميهم أنصار الإنسان موجودون وموجودون دائماً.

عند ذلك يختلف العهد، وينظر اللاحقون لنا نظرة جيلنا لزمان ابن الهيثم. ومع ذلك وبعد الذي ذكرناه لا يجوز لنا أن نذهب في المبالغة شوطاً بعيداً لما حدث بعد عهده، فإن المواد ما زالت تُستعمل في عصرنا على النحو الذي عرفه ابن الهيثم، بل إن هندسة أقليدس القديمة ونظرياته الأربع والعشرين المعروفة التي كانت حجر الزاوية لكل معارفنا الحالية هي الهندسة ذاتها التي تعلمها ابن الهيثم وعرفها وجدد فيها ونقلها قوية مجددة للأجيال التي تلته.

إن الخط المستقيم والدائرة والمثلث وعلم الهندسة وعلم المساحة وما يتعلق بكل هذا من نظريات كان لازماً لنستمتع بما نستمتع به اليوم، وكان من اللازم وجود أمثال ابن الهيثم ليرى الإنسان بعده جاليليه ونيوتن وإلا صادف عصراً بدائياً لا يصلح للتجديد.

نعم إن المعارف القديمة لم تعد تقدم لنا صورة صحيحة لهذا الكون، وقد غدت لدينا صورة جديدة تغاير تلك الصورة البسيطة التي عللها لنا الأولون بقوانين بسيطة سواء في الميكانيكا أو الطبيعة ولا يزال الجامعيون يشهدون يوماً بعد يوم انقلابات في التفكير، ويقفون على أوصاف للكون أدق من صورته التي عهدناها حتى عصر ابن الهيثم، بل عصر جاليليه ونيوتن؛ فلا مادة بالمعنى القديم، بل إن المادة جسيمات صغيرة في حركة دائمة، وفي هذا الكون المتكون من هذه الدقائق المتحركة لا ضوء هناك ولا لون ولا صوت، وكل هذه مظاهر لا تختلف إلا بعدد في الذبذبات والتردد، والذي نسميه مادة أو ضوء ما هو إلا كهرباء، بل لا فارق بين الطاقة والمادة، ويمكن القول اليوم إنهما تمُتَّان إلى أصل واحد، بل إن المادة ذاتها كهرباء والكهرباء مادة.

أجل. إن قوانين هذا العالم المضطرب باتت تختلف وفق صورته الجديدة اختلافاً كبيراً عن

ص: 53

القوانين القديمة التي لم يظهر أنها صحيحة إلا لأنها متوسطات للقوانين الحقيقية للعالم، وقد تعدى هذا الاختلاف في فهمنا لظواهر العالم كل شيء، حتى إن القوانين العادية الخاصة بالزمن والحيز اللذين يحكمان العالم باتت تختلف عن التي تعلمناها في المدارس، والحيز الذي اعتدنا أن نتصور فيه طوبة أمحوتب هو حيز معوج، والمثلث الذي جرينا على اعتبار أن مجموع زواياه يساوي قائمتين هو في الواقع ليس كذلك، والخط الذي اعتدنا اعتباره مستقيماً يلتف من النهاية حول نفسه، والكون الذي اعتبرناه لا نهائياً هو في الحقيقة محدود، بل إن الزمن ذاته يحمل في طياته أغرب القضايا التي تفتقر إلى المعرفة والتعيين.

نعم قد حدث هذا كله، ووصلنا إلى نوع جديد من التفكير والتطور، ترى ماذا سيكون من أثر المعارف الجديدة في الإنسان القادم؟ ومع ذلك فإن هذا النوع من التفكير قد وصل به الإنسان إلى ما وصل إليه لأن البناء كان صالحاً، كل هذا ترتب على هذا النحو لأن المعرفة القديمة كانت عظيمة الأثر، ولأن ثمة رجالاً كابن الهيثم زرعوا فحصدنا ونزرع اليوم ليحصد الغير.

في كثير من المحاضرات نشيد بذكر العلماء الحديثين الذين يساهمون في تشييد صرح العلوم، وقد توجهنا فيما كتبنا هذا العام بمثل هذه التحية لكثير منهم أمثل بلانك وبيران ودي بروي، وجدير بنا ولا ريب أن نحيي في هذه القاعة أولئك الأعلام الذي وضعوا أساس الصرح. لهذا أتقدم في ختام هذه الكلمة بالتحية والإجلال لابن الهيثم، ولست أيأس من أن يقدره مجلس الجامعة قدره فيقرر إطلاق اسمه على إحدى درجات كلية العلوم.

لشد ما يتزايد الميراث العلمي، ولشد ما يشتغل أنصر الإنسان!

في مزاد للكتب كان في القاهرة هذا الأسبوع تصفَّحت الكراسة التي تحوي أسماء الكتب والمؤلفين فإذا بها ما يزيد على عشرين ألف مجلد في الأدب، إنما لفت نظري العدد الكبير من الأسفار للمؤلف الواحد، وقلت في نفسي: من أين الوقت لإخراج هذا الميراث، فلكليمنسو 11 مؤلفاً من هذه المكتبة الخاصة، ولديهامل 28، وللكاتب موروا 24 ولغيرهم الكثير؛ ولما رأيت أن لابن الهيثم ما يربو على السبعين سفراً، وأن من بينها ماله القيمة التي ذكرها إخواني، أدركت حقاً أننا بصدد عالم كبير جدير بهذا الاجتماع العظيم.

محمد محمود غالي

ص: 54

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

ليسانس العلوم التعليمية. ليسانس العلوم الحرة. دبلوم

المهندسخانة

ص: 55

‌القصص

الإغماء!. . .

أقصوصة مصرية

(مهداة إلى الأستاذ محمود بك تيمور)

بقلم الأستاذ خليل شيبوب

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

زارتني سلمى مرة في مكتبي وطلبت مني أن أصطحبها إلى مكتب زوجها، ففعلت، ولما كنا في الشارع، علَّقت يمناها بيسراي كأن ذلك طبيعي بيننا، ولم يظهر على وجهها أي استغراب لما فعلته، وصارت إذا جزنا عرض الشارع من رصيف إلى رصيف احتمت بي من السيارات المسرعة، وشدت بذراعها على ذراعي في حركة عصبية عنيفة.

وصرت أفكر طويلاً، هل بدر مني شيء يدل على رغبتي في استدراجها إلي، لأن سلوكها معي لم يعد يحتمل الشك في رغبتها في استدراجي إليها؟ ووقفت حائراً بين أن أفقد صديقين أحبهما حب الإخلاص الصحيح، وبين أن أخون صديقاً ألفته منذ الصبا وأحول صداقة فتاة عرفتها متدارية بثياب والدتها ووالدتي، إلى حب لا أقدر مداه ولا نتيجته.

وكانت كل هذه الأمور تجري وسلمى لم تحرك شفتها مرة واحدة بكلمة ملتوية، ولا تنهدت مرة واحدة في وجهي، ولا لمست مرة واحدة يدي لمسة تحتمل تفسيراً أو تأويلاً. ولكن سرعان ما زحمتني الحوادث وبعدت بي عن تلك الحياة الطيبة التي أذكرها اليوم والأسى يملأ صدري، والدمع يكاد يتفجر من مقلتي.

أجل خاطبتني سلمى بالتليفون تقول: ألا تشرب الشاي معنا اليوم فإني بانتظارك في الساعة الخامسة تماماً لعلنا نخرج في السادسة والنصف إلى السينما.

وإني اليوم بعد طول العهد لا أزال أراني نازلاً من العربة أما باب الحديقة سائراً في الممشى القصير إلى باب المنزل أقرعه قرعة تعرفها الخادمة فتخف إلى الباب تفتحه وأدخل إلى القاعة التي ألفت كل أثاث من مفروشاتها. فهذه مقاعدها المذهبة وحريرها

ص: 56

الأحمر المجزع بالبياض، وهذه خزانة البلور التي حفلت بقطع النفائس التي يتأنق عزيز في اقتنائها، وهذه مائدة الرخام المستديرة عليها طاقة الورد الصناعي، وهذه الرسوم المعلقة التي أعرفها وتعرفني، وأحسن ما فيها صورة سلمى الزيتية متقنة كل الإتقان أم صورة عزيز ففيها سطور غامضة والنور منعكس عليها من فوق بينما وجب على الرسام أن يعكسه عن اليمين، وطالما تناقشنا في هذا الرسم وبحثنا في نظرية النور والمنظر. وهذا صندوق اللفائف مصنوعاً من الآبنوس الملبس بالأصداف أتناول منه واحدة أشعلها وأقف أمام النافذة المطلة على المحمودية أنظر مياهها الكدرة المتدفقة إذ كنا في أول سبتمبر وفيضان النيل على أشده.

نعم لا أزال أفكر في هذا كله كأني أراه الآن ماثلاً أمام عيني. ثم طال انتظاري فقرعت الجرس وجاءت الخادمة، فقلت لها: أين الجماعة؟. . . فأجابت: إن سيدتي ترتدي ثيابها، وأما الأستاذ فقد ذهب منذ هنيهة. ثم نظرت إلى الخادمة نظرة لم أرتح لها. وما هي إلا ثوان معدودة حتى جاءت سلمى يموج جسمه في دثار ياباني قد التفت به حاسرة عن ذراعيها وصدرها. وقد صففت شعرها وعقصته بمشط لين العاج قد انتظمت على حافته حجارة مبرقة، وأصلحت من شأنها في كثير من الاختصار والانسجام. فما أن رأتني حتى مدت إليّ يدها مصافحة، وقالت وهي تبتسم عن مثل اللآلئ صفاء: عفواً لقد جرى ما لم يكن في حسابي، فإن عزيزاً قد استدعي فجأة لأمر هام وهو يأسف لأنه لا يعود قبل الساعة الثامنة. وقد أوصاني أن أحتبسك حتى عودته لنصل جلسة بعد الظهر بالسهرة. . .

ولم أجد رابة في هذا كله بل وجدته طبيعياً وقلت لها: لعلك لولا حضوري كنت تخرجين مساءً. قالت: لا وحقك إني متعبة فاجلس نثرثر قليلاً. . .

وأخذنا في حديث عن الفيضان والبعوض، وكانت سلمى تقول إنها لم تعد تطيق السكنى في هذا المنزل وإنها سوف تنتقل إلى ضاحية الرمل حيث أكثر الأصدقاء والمعارف، ثم اندفعت في امتداح ضاحية الرمل بينما كانت الخادمة تحضر مائدة الشاي، فأصبت كوباً منه وأكلت قطعة من الحلوى، وقدمت إلى سلمى لفافة من التبغ شرعت في تدخينها، وقد قامت وقعدت مراراً تستحضر إما منديلاً أو صحفة أو ملعقة، ورأيت في تثنيها شيئاً من التصنيع والارتباك، ثم نادت الخادمة وقالت لها: إنه يمكنها الانصراف على أن تكون في المنزل في

ص: 57

حدود الساعة الثامنة.

وشدت سلمى ثوبها على جسمها، وقعدت بجانبي، فصور الثوب أعضاء جسمها تفصيلاً، وهبَّت منها رائحة عبقة تغلغلت في دماغي، ثم مدت ذراعها وألقتها على ظهر المقعد ورائي دون أن تمسني، ونظرت إليّ نظرة كدت أستريب منها وقالت: ما رأيك في كأس من الكونياك؟ ولم تتم كلمتها حتى وثبت إلى غرفة الطعام، وفتحت خزانة واستحضرت منها زجاجة وهي تقول: إن هذه الزجاجة تزعم أن هذا الكونياك كان شراب نابليون.

فضحكت وقلت: ونحن الآن نقلد نابليون بشربه.

وسكبت لي كأساً ومثلها لنفسها فشربنا وقد تذوقت الكأس وأعجبت بجودة الصنف فعلاً، أما هي فترشفت نصف كأسها، ثم سكبت لي الثانية.

وقد جرى هذا كله في سهولة وبساطة، وسلمى تقول: إن خياطتها أصبحت من الطمع بحيث صارت تفكر في استبدالها وقالت: إنها خاطت لها قميصاً من الحرير هو هذا الذي تلبسه - ثم كشفت دثارها عنه فإذا به يضم نهديها إلى ركبتيها في تموج غريب - وإنها تقاضت منها أجرة وكلفة لا يحتملها القميص.

وكنت تجرعت الكأس الثانية فسكبت لي كأساً ثالثة رفضتها رفضاً قاطعاً لكنها لم تصغ إليّ. ومضت في حديثها عن القميص بينما أخذت أتمصص الكأس، ثم وقفت أنظر إليها مصغياً إلى حديثها أقول: أنتن السيدات لا تعرفن اهتماماً إلا بهذه الخرق الحريرية. . . فقالت: ألا يعجبك حرير هذا القميص. فابتسمت، فإذا بها واقفة حيالي فاترة العينين ملتهبة الخدين، ثم رفعت ذراعها إلى جبينها وهي تقول: لا أدري ما بي. . . لعل هذا الكونياك قد دار رأسي به. فقلت: لا عليك اجلسي. ولكنها تثنت قليلاً وقالت كأنها تريد أن تصيح: فريد! فريد! اسندني إليك. . .

فذعرت كل الذعر؛ وما أن أسندتها إليّ حتى استرخت بين يدي وضمتني إليها متعلقة بي متثاقلة بجسمها عليّ وأنا أدفع بها في لطف وتؤدة حتى أجلستها على المقعد وقد تلاصقت بي تلاصقاً غريباً وشدتني إلى صدرها شدّاً عنيفاً.

وأردت أن أهرع إلى حيث أستحضر لها كوباً من الماء، ولكن تعلقها بي منعني من ذلك. ولا أدري لماذا خطر لي في إبراق عجيب ذاك الحادث الذي حدثني به زوجها عن تصنع

ص: 58

الإماء. فرأيتني في موقف مدهش يقتضي بتّاً سريعاً: إما الخيانة ومسايرتها أو القطيعة والجفاء. وكان دمي يفور ويغلي والعرق يتصبب مني ولا أعرف كيف ولا لماذا قلت لها:

- إياك أن يغمى عليك فإني حينئذ أستدعي لك الإسعاف.

ولا شك أنها سمعت كلامي ولم تأبه له وحسبت أكبر حساب لغريزة الرجل فأصرت على إغمائها، وتلطفت في التملص منها وتباعدت عنها ونسيت الماء والكوب والإسعاف وبقيت واقفاً حائراً، وسلمى قد فتحت دثارها وكشفت قميصها وزاد خفقان صدرها ثم أنَّت قليلاً في خفوت واختناق ثم لزمت الهدوء.

فأشعلت لفافة من التبغ وصرت أذرع الغرفة ذهاباً وإياباً وأنا لا أعي ما أطأ حتى عيل صبري. وكلما طال انتظاري وتمادت في غيبوبتها كان الغضب يطرد في صدري وتقوي عوامل الشرف والصداقة والإخلاص، حتى رأيتني واقفاً أقول:

- هذه مهزلة مألوفة وليس مثلك من يمثلها مع مثلي. ونحن أصدقاء العمر فقد أخطأ حسابك، وإذا كنت أتقنت مثل هذه المهازل فجربيها مع سواي.

وإني لأذكر تمام الذكر أن سلمى انتفضت عن مقعدها كالنمرة الضارية، ثم لمَّت دثارها والتفت به ووقفت في وجهي تلهث من الخيبة وتحدجني بلحظ يتقد غيظاً وقالت وهي تتلظى غضباً:

- أنت رجل مغفَّل.

واليوم إذ أستعيد هذه الذكريات أحاول عبثاً أن أستبين كيف مضت الأيام التي تلت هذا الحادث وكيف نزلت بي حمى شديدة استوجبت نقلي إلى المستشفى حيث قضيت أشهراً بين الموت والحياة علمت بعدها أنه لم تعدني فيها سلمى ولا زوجها. وقد فتَّت الحمى في عزيمتي وغادرتني شائب الرأس مهدوم الجسم؛ وهاأنذا اليوم بعد خمس سنين أراني قد انحدرت بي السن أشنع انحدار وتوغلت في الكهولة أيما توغل.

وفي كل هذه المدة لم تقع عيني على الأستاذ عزيز سامر ولا على زوجته سلمى، ولكنني لا أزال أذكر والأسى يملأ صدري والدمع يكاد يتفجر من مقلتي أنني كنت صديقاً حميماً للأستاذ عزيز سامر ولزوجته سلمى.

(الإسكندرية)

ص: 59

خليل شيبوب

ص: 60

‌من هنا ومن هناك

هتلر والهتلرية

(من تقرير السفير البريطاني ببرلين (سابقاً))

ظهر الهر هتلر والاشتراكية الوطنية نتيجة لهزيمة أمة كبيرة في الحرب وما تبع هذه الهزيمة من الفوضى واليأس. والاشتراكية الوطنية في ذاتها ثورة، وهي كذلك مذهب في الفلسفة الوطنية وعلى النقيض من الديمقراطية التي تجعل الحكومة خاضعة للجمهور تقوم النازية على جعل الجمهور تابعاً للحكومة خاضعاً لها بل للفرد الوحيد الذي يدير دفتها.

كان العالم خارج الحدود الألمانية، لا ينظر إلى الاشتراكية الوطنية بكثير من الاهتمام ما دام أمرها مقصوراً على داخلية البلاد. وكان بعض الناس يذهبون إلى نقد صاحب هذه الحركة وبعضهم إلى استحسانه وبعضهم يراقب حركاته بشيء من القلق؛ ولكن الحكومة الألمانية كانت على الدوام شأناً من شئون الشعب الألماني وحده. فلما انتقلت نظرية الوطنية الألمانية خارج الجبهة الألمانية بدأت الفلسفة النازية تبرز رأسها خارج حدود السلام.

ومن الجهل أن ننكر الإصلاحات التي قام بها ذلك الرجل الذي يقود ألمانيا اليوم داخل بلاده. إلا أن الوسائل الظالمة التي اتبعت في سبيل تنفيذها كانت مما يمجه الذوق الإنساني، وإن كانت لاتهم أحداً غير الألمان.

ولم يكن ضم النمسا والسوديت الألماني هو الذي أثار شعور الكراهية ضد الهر هتلر، وحرك ضده الرأي العام في جميع أنحاء العالم. فإن العالم الذي ذاق مضاضة الحرب 1914 - 1918 كان على استعداد لاحتمال ذلك. فقد كان منتظراً أن تضم إليه تلك البلاد طائعة مختارة ولا يمس السلم بشيء. إلا أن هتلر لم يكن ليقبل الاعتراف بحقوق الغير التي يريد أن يغتصبها لألمانيا. . . والثورة آلة طائشة، إذا تحركت لا تقف، حتى تصل إلى الغاية التي تتحطم عندها. والتاريخ وحده هو الذي سيقول إذا كان في مقدور الهر هتلر أن يسير بالنازية في الطريق المعتدل القويم، أو أنه كان ضحية الحركة التي بدأها، أو أن نوعاً من جنون العظمة هو الذي دفع به إلى تلك الغاية التي كانت المدنية على استعداد لمجابهتها.

ص: 61

خلقان لا يفارقان طبيعة الألماني: عجزه عن إدراك أمر من الأمور إلا من وجهة نظره الخاصة، وقصوره عن فهم معنى الاعتدال.

إن مأساة الدكتاتور كائناً من كان، هي أنه بتقييده حرية الرأي، يفقد معونة خير رجاله وأصلحهم، وأنه لا يحتمل معارضة أي إنسان. فكل من وهبهم الله شيئاً من الشجاعة لإبداء آراء مخالفة لوجهة النظر التي يراها، يضحي بهم واحداً بعد الآخر، حتى يصبح وليس معه إلا بعض الأفراد المتملقين الذين لا يعرفون غير كلمة (نعم) في سائر الأحوال.

وإذا كان الدكتاتور يتأثر إلى حد ما بمن يلتفون حوله، فإن الهر هتلر لا يعتمد إلا على رأيه في كل ما يتوجه إليه. وقد قل لي (الفيلد مارشال جورنج) ذات مرة: نحن عند البت في أمر من الأمور لا نكون إلا كالحجر الذي تقف عليه الآن، فللفوهرر وحده يرجع البت في كافة الشؤون. . .

ص: 62

‌يجب أن يتحرر التشيك

(لماذا يجب أن يتحرر التشيك؟): هذا عنوان رسالة للاتحاد الوطني التشيكوسلوفاكي بأمريكا جاء فيها: التشيكوسلاف أمة قديمة في أوربا، يرجع تاريخهم إلى العصر المسيحي القديم.

وهم جزء من ذلك العنصر السلوفي الذي حكم أواسط أوربا يوماً ما، وامتد ملكه إلى حدود نهر الألب وجبال الألب من الناحية الغربية، وبحري البلطيق والإدرياتيك من ناحيتي الشمال والجنوب. . .

والثقافة التشيكية تعادل أرقى الثقافات التي ظهرت في قارة أوربا. فقد أتيح لها أن تجمع كثيراً من المدنيات العظيمة، فحملت شجرتها للعالم ثمار المدنيات البيزنطية والألمانية والفرنسية وللتشيك أثر عميق في المدنية الأوربية، وعلى الأخص العصور الوسطى وفجر العصور الحديثة، وقد كان الشعب التشيكي فيما بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر عاملاً هاماً في حمل رسالة القرون الوسطى، وكان ملوك (التشيك) رءوس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولهذه المملكة الفخر في إنشاء أول كلية في أواسط أوربا؛ ولمركزها الممتاز بين مختلف الدول كان لها أعظم شأن في عالم التجارة وبيوت الأموال؛ وقد انتعشت فيها الفنون والعلوم بانتعاش الحالة المالية وتوفر أسباب الترف والعيش الرغيدين للأهلين.

كان التشيك في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر أبطال حرية الفرد وأنصار الديمقراطية الصحيحة. وكان (جورج بودبراد) ملك التشيك، يدعى دائماً لفض الخلاف الذي يقع بين الألمان أو السادة الهنجاريين، وكان في مقدمة رجال السياسة الأوربية الذين يدعون إلى فكرة الاتحاد الدولي لمحبي السلام من الأفراد والممالك، وإيجاد رابطة قوية منهم لحماية القانون والنظام العام.

ولما فقد التشيك حريتهم في عام 1620 نجحوا في الاحتفاظ بلغتهم وثقافتهم وتقاليدهم على الرغم من المظالم التي أحدقت بهم. وقد أخرجوا إلى العالم في تلك الفترة المظلمة في تاريخهم (كومنسكي) المشهور، وهو من أكبر رجال التربية الذين عرفهم التاريخ.

ولما كان القرن التاسع عشر وضع التشيك لأنفسهم مبادئ عملية لنيل حقوقهم السياسية والوطنية وكانت الديمقراطية والسلم رائدهم في كل الخطوات، وقد برهنوا دائماً على

ص: 63

مقدرتهم على حكم أنفسهم. وكانوا على الدوام أصدقاء مخلصين مسالمين. عرف عن بلادهم أنها ترحب دائماً بالمظلومين والمضطهدين الذين يأوون إليها من البلاد الأخرى.

فالتشكوسلافيون ليسوا حديثين في أواسط أوربا، ولهم حضارة قديمة لا تنكر وأثر خاص في الثقافة الأوربية على وجه العموم؛ وقد برهنوا في حياتهم القديمة وحياتهم الحديثة على مقدرتهم على السير إلى الأمام، والتغلب على القوى المنافسة. وساروا خطوة خطوة مع تقدم الحالة الثقافية والسياسية في أنحاء العالم. وجعلوا مبادئ مزاريك الإنسانية أساساً لمعاملاتهم فيما بينهم وما بينهم وبين العالم، وهي مبادئ تقوم على حب الخير والشرف والتواضع.

الرجل الذي يهابه هتلر

(عن (ورلد مجازين))

من هو الشخص الذي يسند بيده الحديدية عرش هتلر ويحمل وزر تلك الأعمال القذرة، من هو الشخص الذي يدير دفة الحركة النازية في الحياة العملية؟ الجواب: هو هنريك هملر رئيس قوة (الجستابو) الرهيب (البوليس السري) و (الجستابو) ذلك الجيش المدني المتسلط على الأهلين في ألمانيا بجواسيسه ورجاله السفاحين، قد جعل من رئسه (هنريك هملر) أكبر الطغاة الظالمين في العصر الحديث. وقد تبوأ هملر مركزه من العصابة الهتلرية حين استولى هتلر على الحكم في ألمانيا سنة 1933 وكان إذ ذاك في الثالثة والثلاثين من عمره، ومنذ ذلك الوقت وهو منساق في تيار الظلم والإرهاب بغير هوادة أو تردد.

فقام بعملية التطهير في الحزب النازي، وقضى على الرئيس الأعلى للجيش، وسلط النار والحديد على اليهود. فإذا نظرنا إلى أعماله وأنعمنا النظر قليلاً في تاريخه الحافل بالمخازي لم نشك مطلقاً في أنه يضرب بسهمين على الدوام، فقد كان والده مدرساً بمدرسة كاثوليكية في ميونخ وتربى تربية كاثوليكية واليوم هو يحارب الكنيسة الكاثوليكية بغير رحمة، ويضطهد رجالها بغير وازع أو رادع، إلى درجة لا يجاريه فيها رجل في أوربا غير ستالين.

وقد تطوع في الحرب العظمى سنة 1917، ولكنه عمل على أن يكون دائماً بعيداً عن

ص: 64

خطوط الدفاع. والتحق بجماعة هتلر - التي كان نصيبها السقوط - عام 1923، ولكن سرعان ما ابتعد عن ناحية المخاطر، فلم يدع للمحاكمة، وكان أول عمل كبير التحق به هو اشتغاله سكرتيراً خاصاً (لجرجورسترسر)، وقد أثنى هذا على مواهبه، وتوسط إلى هتلر في تعيينه رئيساً لفرقة من القمصان السود، فلما كانت سنة 1934 صوب فريق هذه القمصان رصاص بنادقهم إلى صدر سترسر بأمر هملر في (حمام الدماء) المعروف. . . وقد كان (روهم) صديقاً حميماً له في فرق العاصفة، ولكن هملر كان الرجل الذي نفذ إطلاق الرصاص على روهم تحت إشرافه في (ليلة الدماء).

وقد عينه هتلر لتأليف فرقة قوية، تقوم تحت إشرافه لحمايته شخصياً فلم ينته ذلك العام حتى كان لديه 100 ، 000 رجل لهذا الغرض. وقد أسس هملر فريق (الجستابو) بعد ذلك ونظم له المعسكرات وأعده بالمعدات. وأوجد للريخ منه 138 ، 470 رجل عام 1933، وبلغ عدد الرجال الذين هم تحت إمرته اليوم 437000 رجل لكل 135 نفساً من سكان ألمانيا. وللجستابو قوة قاهرة في حياة ألمانيا اليوم، فلا يخلو من رجالهم ناد ولا يخلو منهم مصنع. وينبث بوليس (الجستابو) في المصالح والوزارات بما فيها وزارة الحربية ووزارة الخارجية، وتصدر عنه التقارير إلى هملر كل يوم. مثل هذا الرجل لا غنى عنه للدكتاتور ما دام قائماً بواجباته، ولكن هملر معروف بأنه يضرب بسهمين على الدوام، فإذا انقلب على زعيمه أصبح الأخير في مركز لا يحسد عليه. وهذا ما لا يجهله هتلر الآن.

ص: 65

‌البريد الأدبي

في شمال فنلندة

كان ذلك في (الزمان الطيِّب)، في مزدهر (الشباب الرِّيق). فررت من مصر في شهر يونية لسنة 1934 والحرّ يفتك بالقرائح، أقصد إلى ألمانيا، ومنها إلى بلدان الشمال. وبعد إقامة قصيرة بأسطونية صعدت إلى هلسنكي عاصمة فنلندة، ومن هناك أخذت أتنقل في نواحي الشمال بين البحيرات والغابات حتى (بتسامو) عند بحر الشمال الجامد.

ولن أحدثك هنا كيف هزّتني تلك الطبيعة الغريبة، فلي في ذلك كلام يطول. وإنما أريد أن أروي لك قصة أظنها لطيفة، فأنقلك معي تخيُّلاً إلى بلد هو حديث اليوم في كل مكان، ردَّ الله عنه كيد الظالم العاتي!.

في الطريق الخارج من هلسنكي إلى الشمال عدد من الفنادق ينزل فيها السياح يوماً أو أكثر من يوم. ونزلت مع غيري في فندق نطلب العشاء والنوم؛ فجعلت أرقب موعد الطعام وأنا أتصفح الملحمة الفنلندية الشعبية (كاليفالا في ترجمة فرنسية. وبينا عيناي في الكتاب إذا فتاة تذهب وتجيء وفي يديها أطباق وأكواب فتنضدها على مائدة مبسوطة. وكانت كلما دنت مني تتمهل في لطف وترسل إلى الكتاب نظرة أو نظرتين؛ ولما فرغت من عملها أتتني فقالت: عفواً! أتقرأ (الكاليفالا)؟ قلت: نعم، إني أُحبُّ أن أطَّلع على هذه الملحمة الخارجة من غاباتكم وبحيراتكم وهضبتكم. قالت: أتعلم قصتها؟ قلتُ: أعلم أن (إلياس لونروت) ? جمعها ونشرها. قالت: هل تحب أن أعلمك القصة كلها، فهذه الشمس لم تمل بعدُ؟ قلت: بالله اجلسي وخبريني.

فروت لي الفتاة كيف خرج (لونروت) إلى فيافي منطقة (كاريليه) فمكث فيها زمناً يدوِّن أغاني المنشدين حتى استقامت له عناصر الملحمة فربط بعضها ببعض وفضل رواية على رواية وأسقط الضعيف والمُعاد والتافه. إلا أنه أقام الملحمة ونظر فيها وسوّاها كأنه أحد أولئك المنشدين لاتصاله بهم واستقائه منهم. ثم أخذت الفتاة تحلل لي خصائص (الكاليفالا)، وجعلت تصف وتبين وتستطرد وتعارض في منطق عجيب ودراية نادرة، حتى إنها ذهبت في الموازنة بين طائفة من أغاني الملحمة وأسطورة أرفيوس الإغريقية. فما كادت تتم حديثها حتى سألتها: من أين لك كل هذا العلم؟ قالت: إني دكتورة في الآداب من جامعة

ص: 66

هلسنكي، وإنما أجيء هنا في الصيف أطلب الراحة فأخدم في الفندق فأدفع بذلك ثمن ما أطلبه وعلى هذه الحال كثير من زميلاتي.

وهنا كان موعد العشاء فجلست إلى المائدة وما كانت الفتاة تأتيني لنقضي لي حاجة إلا نهضت أمنعها فتقول: لِمَ تمنعني من أداء الواجب؟ أنا هنا لأخدمك. فأقول: لا أدع دكتورة في الآداب تخدمني، فتضحك من حيائي.

قد كنت نويت في ذلك اليوم أن أبيت الساعة التاسعة فلم أغمض عيني قبل الواحدة. كرّت الساعات وأنا يقظ أستمع إلى أحاديث الفتاة؛ فوقفتني على تاريخ الثقافة الفنلندية وهو قصير؛ ولم تترك باباً إلا طرقته: موسيقى وتصوير ونحت وأدب وفلسفة. وكنت أجاذبها الحديث كلما أجرته في جانب لا أجهله. من ذلك أني شرحت لها كيف تباعد (وِسْتِرْمَرْك) العالم الاجتماعي الفنلندي عن الواقع عند كلامه على (المهر) عند العرب في كتابه: (نشأة المعاني الأخلاقية وتحولها) إذ يرى أن المهر إنما هو تعويض للأب مما بذله في سبيل تنشئة ابنته.

حدثتني الفتاة عن استواء الثقافة الفنلندية القومية بفضل الموسيقى والمصور والمهندس والقصّاص ? ?. وهنا وقفتني على دقائق الطبيعة الفنلندية، فتذاكرنا قصة (سالانبا):(البؤس القدسي) وراجعنا ما فيها من بساطة جليلة وقوة مطمئنة وبصيرة وقادة.

ولما فرغت من حديثها قلت: أحب أن أخبرك بشيء لعلك أن تجهليه. قالت: أيتصل بأمر وطني؟ قلت: نعم. قالت: أي شيء يكون؟ قلت: إن أول كتاب بُسطت فيه جغرافية فنلندة إنما كتب باللغة العربية وصاحبه الشريف الإدريسي واسمه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)؛ وقد نشره من أربع سنين مستشرق من عندكم اسمه (تلجرين توليو). قالت: وما أدرى العرب بنا؟ قلت: سمعت رفيقة لك تدعوك سلمى. قالت: هذا اسمي. قلت: هو اسم عربي ولديكم غيره. إن في نسائكم من تسمى سليمى وعدلة وسوسانة، وفي رجالكم من اسمه: ألي وأُمَر وسالم. قالت: هذا حق! ذلك زمان اتصال من طريق التجارة. وهذا زمان اتصال من طريق الثقافة. مساء الخير! وانصرفت. وإذا الفتاة تجعل على الحاكي أسطوانة للموسيقى (سيبيليوس) اسمها: (فنلندا) أصبت فيها وأنا أعرج في السلَّم كآبة تلك الفيافي المترامية وبطء تلك الثلوج المنسابة في بحر يريد أن يجمد.

ص: 67

بشر فارس

شعراء الشرق والطبيعة الغربية

كتب الأخ الأستاذ محمد عبد الغني حسن يعقب على الكاتب الذي أشاد بذكر الشاعر العبقري علي محمود طه وينحى عليه باللائمة أنه نسي كثيراً من الشرقيين الذين وصفوا الطبيعة الغربية في شعرهم.

وإني أعتقد - ومعي كثير - أن وصف طبيعة الغرب ليست موضع فخر للمصري ولا للشرقي ولا تشرفهما في كثير أو قليل.

وإنا لفي حاجة لفي حاجة إلى الشاعر الذي يشيد بذكر مصر خاصة والشرق عامة. ومصر - بحمد الله - جميلة ساحرة، والشرق كذلك جميل فتان.

فمتى ينقل شعراؤنا الغربيون رحمهم الله معازفهم ومزاهرهم وناياتهم من لندن وباريس وروما، إلى القاهرة ودمشق وبغداد، حتى يعيدوا إلينا عهد بنتاءور، والبحتري، وشوقي وغيرهم من أساطين الشعر في الشرق. ورحم الله شوقي إذ يقول:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

محمد عبد المنعم سالم

مدرس بمدرسة الخديو إسماعيل بالإسكندرية

مجلات الاستشراق في إيطاليا

(1)

مجلة الدراسات الشرقية

تعتبر هذه المجلة العلمية أكبر مجلات الاستشراق في العالم، يصدرها أساتذة المدرسة الشرقية في جامعة روما، ويقوم بإدارتها كبير المستشرقين الإيطاليين البروفيسور مجلنجلو جويدي، مدير المدرسة الشرقية وأستاذ الأصول الإسلامية في جامعة روما ومدير المعهد الشرقي في نابولي وعضو المجمع العلمي الإيطالي.

ونشرت هذه المجلة أقوم المباحث العلمية في الاستشراق لجميع المستشرقين الأوربيين.

ومن أهم مباحث أعداد هذا العام 1939 المجلد الثامن عشر: في تفسير جميل بثينة للأستاذ

ص: 68

فرنشكو جبربيلي أستاذ اللغة والآداب العربية في جامعة روما.

والقصيدة في الفقهاء لموسى بن عبيد الله بن حاقان: للدكتور باولو بونسكي.

(2)

الشرق الحديث وهي مجلة شهرية في الاستعلام والدراسات لتعميم معرفة الشرق ولا سيما الإسلامي يقوم بنشرها (المعهد الشرقي) بروما.

وقد أسسها المستشرق الكبير المرحوم نالينو وقام بإدارتها مدة 18 عاماً حتى وفاته؛ وقد خلفه في الإدارة الأستاذ أتوري روسي، أستاذ اللغة والآداب التركية في جامعة روما.

وتبحث هذه المجلة ذات المكان الممتاز في جميع أوساط الاستشراق عن جميع ما يهم حياة الشعوب الشرقية الإسلامية.

وتنشر كل شهر مختصراً عن الحوادث السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد الشرقية، ولا سيما العربية؛ وتنشر جميع الوثائق الرسمية المتعلقة بهذه البلاد. ونذكر هنا بعض أبحاثها في هذا العام (المجلد التاسع عشر):

الحقيقة في مسألة قناة السويس للدكتور انجلو سنمركو. تاريخ نهضة الشعوب العربية في كتاب حديث لجورج أنطونيوس للمستشرقة فرجينيا فكا. حوادث تركستان الشرقية الأخيرة للبروفيسور أتوري روسي. الحركة الوطنية في منطقة المغرب الأقصى الفرنسية للبروفيسور أتوري روسي.

(3)

المجلة الشرقية الحقوقية

وهي مجلة حقوقية تبحث في العلوم والحقوق والتشريع ويديرها المحامي فنشنزو تاورمينا. وهي مجلة شهرية في عامها الرابع نتناول في أبحاثها الحقوقية ما يتعلق بالشرق المتوسط والشرق الأقصى والمستعمرات. ثم يلي ذلك باب الأخبار التشريعية والحوادث في الشرق فالمباحث العلمية. وهذه المجلة فريدة في نوعها في أوربا.

(عن النشرة الشهرية لمحطة باري)

عدد سكان الأرض

نشرت عصبة الأمم إحصاء بعدد سكان الكرة الأرضية، وهو إحصاء ناقص، لأنه لم يشتمل على التعداد الصحيح لسكان أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية واستراليا. ويتضح

ص: 69

من ذلك لإحصاء أن عدد سكان الكرة الأرضية ملياران و134 مليون نفس. وفيما يلي تعداد بعض البلاد:

الصين 450 مليوناً - روسيا 178 مليوناً - الولايات المتحدة 130 مليوناً - ألمانيا 79 مليوناً

اليابان 72 مليوناً (يضاف إليها 31 مليوناً عدد سكان الأراضي الملحقة بها)

بريطانيا العظمى 47 مليوناً (يضاف إليها 495 مليوناً عدد سكان مستعمراتها والمملكات الحرة)

إيطاليا 43 مليوناً (يضاف إليها أكثر من 8 ملايين في مستعمراتها)

فرنسا 42 مليوناً (يضاف إليها أكثر من 75 مليوناً في ممتلكاتها وراء البحار)

بلجيكا 8 ملايين (يضاف إليها أكثر من 14 مليوناً في مستعمراتها)

هولندا 8 ملايين (يضاف إليها أكثر من 67 مليوناً في مستعمراتها)

البرتغال 7 ملايين (ويضاف إليها أكثر من 10 ملايين في مستعمراتها)

وقد رؤى بعد الحساب أن عدد سكان الكرة الأرضية قد زاد في خلال سنتين 18 مليوناً. . .

تصويب

ورد البيت الآتي في مقال الخوارزمي والبديع هكذا:

لا تنزلنّ بنيسابور مغترباً

إلا وحبلك موصول بإنسان

وصحته: إلا وحبلك موصول بسلطان

علي الجندي

أصل النور

يبحث كثيرون عن أصل النوَر (الغجر) وكيف وصلوا إلى أوربا فلا ينصرفون من بحثهم إلا بالعجز. وقد وقع لي في بعض مطالعاتي رأي استنتجته من نصوص التاريخ لعل فيه حل هذه المشكلة.

في كتب التاريخ عند الكلام على فتنة الزُطْ (وهم النور) في البصرة، أن أصلهم من أواسط

ص: 70

آسيا (غلبوا على طريق البصرة، وعاثوا فيها، وأفسدوا البلاد) إلى أن تغلب عليهم قائد المعتصم (عجيف بن عنبسة) وأضطرهم إلى التسليم فوجد عدتهم نحو ثلاثين ألفاً بين رجل وامرأة وصبي، فنقلوا بأمر المعتصم إلى قرية من قرى الثغر فلبثوا فيها إلى سنة 241هـ فأغار الروم على القرية وأسروهم جميعاً فاستاقوهم معهم.

فهل يمكن أن يكون انتقالهم إلى أوربا من ثمة؟

هذا افتراض، ولعل في أهل هذا الفن من ينتدب لبحثه وقبوله أو رده. . .

ع. ط

قصر هشام بن عبد الملك ونقله إلى الشام

من أجمل الآثار العربية التي تمكنت دار الآثار في الشام وبعثات النقيب من كشفها في ديار الشام، القصر العربي الأموي الجميل الذي عثر عليه في طريق تدمر، وعرف أنه (قصر الحير) أو قصر هشام بن عبد الملك.

وقد نقل هذا القصر من المكان الذي كشف فيه إلى متحف الآثار في دمشق، حيث يتوفر المهندسون والعمال على وضعه كما وجدوه دون أن ينقص من بنائه وحجارته وزخرفته وكتابته قليل أو كثير. وقد خصصت لهذه الغاية مبالغ كبيرة من ميزانية متحف الآثار أنفقت عليها حتى الآن ثمانية وثلاثون ألف ليرة سورية.

وقد تم بناء نصف هذا القصر، والأعمال لا تزال مستمرة لإنجاز نصفه الثاني.

وشغلت المساحة التي يستوعبها هذا القصر مكاناً لا يقل عن مساحة متحف الآثار كله.

حول ابن تيمية وابن بطوطة

إتماماً لكلمتي المنشورة في (الجزء 331 من الرسالة الغراء) وتأييداً لما ذهب إليه الدكتور عبد الوهاب عزام في (الجزء 330) حيث قال: (لا أجد ما يحملني على تكذيب ابن بطوطة في أمر يدعي أنه رآه وسمعه)، أنقل ما أورده العلامة النقاد ابن خلدون في مقدمته (في الصفحة 89 من طبعة بولاق):

واعتبر ذلك بما نقصه عليك من هذه الحكاية المستطرفة، وذلك أنه ورد المغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة، كان

ص: 71

رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند ودخل مدينة دهلي حاضرة (عاصمة) ملك الهند، وهو السلطان محمد شاه، واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروز جوه، وكان له منه مكان، واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله؛ ثم انقلب إلى المغرب واتصل بالسلطان أبي عنان. وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون. . . وأمثال هذه الحكايات، فتناجي الناس بتكذيبه. ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن ودرار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه؛ فقال لي الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن، وذلك أن وزيراً اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربى فيها ابنه في ذلك المحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها؛ فقال له أبوه: هذا لحم الغنم، فقال: وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول: يا أبت تراها مثل الفأر؟ فينكر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر؟ وكذا في لحم الإبل والبقر، إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر. وهذا كثيراً ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد الإغراب. . . إلى آخر ما أورده ابن خلدون.

سيف الدين الحليلي

تحقيق

قرأت للأستاذ عبد المتعال الصعيدي مقالة: بين الأستاذين أحمد أمين وزكي مبارك، ولقد استوقفني فيها شاهد جاء به من الحديث في ذم الشعر إطلاقاً إذ يقول: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً. وما كنت لأبدئ أو أعيد لو أن الحديث صحيح، أما وهو غير ما ذكرت فإني مورد هنا قصته.

فقد جاء في رسالة (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً خير له من أن يمتلئ شعراً) ولما بلغ السيدة روايته ارتاعت لها وقالت: (لم يحفظ أبو هريرة الحديث، إنما

ص: 72

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً خير له من أن يمتلئ شعراً هجيت به) وهكذا أنقذت السيدة رضي الله عنها بسعة علمها ودقة روايتها ثروة طائلة من الكلام الجميل حرَّمها أبو هريرة - غفر الله له ورضي عنه - برواية الحديث ناقصاً!

والغريب أن كثيراً من العلماء، يولون وجوههم شطر هذا الشطر من الحديث يستشهدون به في ذم الشعر! وما جنى الشعر ولا جنى الشعراء، وإنما بغض الشعر إلى النبي، لأنه يجري وراء الخيال، وأن الشاعر يقول ما لا يفعل. فأما النبي فقد اتخذ من الحق نوره، ومن الحقيقة غايته، ومن أجل هذا ولد، وكذلك عاش، وهكذا مات.

عبد الرزاق أمان الدين

ص: 73

‌الكتب

رحلات

للدكتور عبد الوهاب عزام

هذه رحلات وأسفار، صور شاهدها قلم مبين، وناهيك بقلم يحمله الدكتور عبد الوهاب عزام.

وقراء الرسالة لا شك يعرفون الدكتور الفاضل باحثاً مدققاً وعالماً متمكناً، وناقداً بارعاً، ورجلاً تتمثل كل معاني الرجولة في أخلاقه وفي سلوكه، ولكن قلّ فيهم من يعرفه شاعراً موهوباً من الطراز الأول، يستطيع أن يجري في الحلبة فيسبق، لأنه رجل لا يحب أو قل لا يحسن الإعلان عن نفسه، فهو يجاهد ويجاهد حتى يرضي بالجهاد ربه ونفسه، ثم لا يعنيه بعد ذلك مأرب، فيرضى من الغنيمة بالإياب.

وشاعرية الأستاذ عزام تتجلى في قصائده (المكتمة) أو قل الموءودة، وهو لا شك محاسب بين يدي الله (إذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت)، وإن هذه الشاعرية لتتجلى أيضاً في آثار قلمه في الوصف والإفصاح عن إحساسه بالمرئيات، فأنت إذ تقرأ هذه الرحلات، فستجد فيها دقة الباحث، وحكمة العالم، وظرف الأديب، وخيال الشاعر وعاطفته. وأي شعر أبلغ من قول الدكتور، وهو يجيل النظر في أرجاء سيناء:(وأصبحنا نطل على بيداء ليس فيها إلا رمال تتخللها أعشاب وأشواك، ولكنها سيناء! والله ماذا ضمنت سيناء من الخبر والعبر! فيها الطور الذي آنس موسى من جانبه نور الهدى، وعليها مدَّ الزمان وجزر بالغير سعيدة وشقية، والجيوش هازمة ومهزومة، فتمثّل جيوش الفراعنة ذاهبة إلى الشام وآيبة، أو جيوش بابل وفارس مطرودة وطاردة، ثم جيش الإسكندر وجيوش الرومان، ثم جيوش العرب والترك دول بعد دول، وسطور تمحو في صحائف الزمان سطوراً، كما خط في القرطاس سطر على سطر، تزاحمت الذكريات، وترادفت العظات).

بل أي شعر أفصح من قول الدكتور على قبر صلاح الدين الخالد: (ثم رقينا درجات قليلة إلى باب آخر؛ فيالك حجرة جمعت من العظمة سورة متلوة على الدهور، وحوت من عبر التاريخ ما تضيق به السطور! يالك حجرة كعنوان الكتاب الكبير يقتحمه النظر في لحظة، ثم لا يزال ينفتح على الصفحة بعد الصفحة! يالك من مكان وسع ملء الزمان! ويالك من

ص: 74

أحجار طويت على إعصار! مجدر جف به الشرق والغرب، وطأطأ له الصديق والعدو. هذا مرقد (صلاح الدين)، طفنا بالقبر ووقفنا هنيهة خاشعين، ووقعت أبصارنا على صورة تمثل المجاهد العظيم؛ ثم قال أحدنا: أين التاج الذي وضعه على القبر ملك الألمان غليوم؟ قال دليلنا: أخذه الإنكليز! قلت: إن مجد (صلاح الدين) أعظم من أن يزيده غليوم وأجل من أن ينقصه الإنجليز، فليعطوا أو فليأخذوا، وليمدحوا أو يذموا، فذلك صرح لا تناله أيديهم، ومجد قصرت عنه أمانيهم، وحلبة التاريخ تشهد من كان الفارس الأمجد؟!).

فهذا هو إفصاح الشاعر وخياله وإحساسه. . . وهذا هو الأسلوب الذي صور به الدكتور الفاضل كل المشاهد التي رآها والآثار التي وقف بها في حلب ودمشق وبغداد وبلاد الفرس وموطن الأتراك، ثم في الحجاز مشرق النور المحمدي، وفي أوربا حيث السفوح كلها البهاء والرواء والشعر، فجاءت هذه الرحلات صورة قوية من عقل الرجل وقلبه، فهي فوق ما فيها من علم وتعريف آيات بينات من الأدب الوصفي الرائع، وقطع من العشر المرسل تفيض بالعواطف والأحاسيس، وتملأ نفس القارئ بالعظات والعبر، والحكمة والبهجة. وبهذا المعنى ستظل رحلات عزام خالدة خلود العواطف الإنسانية، باقية بقاء الإحساس القوي في نفس الكبير.

ص: 75

‌ليلى المريضة في العراق

للدكتور زكي مبارك

هذا كتاب يأخذ موضوعه من التاريخ والعلم والأدب والشعر والحب والبغض والخير والشر، فهو كما يقول المؤلف الفاضل (تاريخ يفصل وقائع ليلى بين القاهرة وبغداد من سنة 1926 إلى سنة 1938، ويشرح جوانب من أسرار المجتمع، وسرائر القلوب).

ولا شك أن قراء الرسالة الكرام يعرفون بعض الشيء عن كتاب ليلى المريضة في العراق، نعم بعض الشيء فإن الدكتور الفاضل قد نشر صدراً منه في الرسالة، ثم أمسك على بقية الحديث، وطوى جوانحه على ما بقي من الشؤون والشجون.

ولقد يبدو هذا الكتاب هيناً في تقدير بعض الناس، على حين تجد بعضهم يمجده حتى ليرتفع به عالياً عالياً. . . إلى السماء، ولا غرو في ذلك، فقديماً كان كتاب (كيلة ودمنة) لمن يقف عند الظاهر ملهاة وتسلية، ولعلم موعظة وحكمة، وللأديب جمال وجلال. وكذلك كتاب صديقنا الدكتور، فهو في ظاهره شيء، وهو في دلالته ومغزاه أشياء. . . ثم هو في التقدير الصحيح صورة لما في الإنسان من عواطف الخير والشر، وما يصطرع في عالم الناس ودنيا الأدباء من الحلم والجهل، والرشد والغي، والهدى والضلال.

إنها آفاق من المعاني يتحاماها كتاب العصر الحديث، ولقد أراد الدكتور زكي مبارك أن يكفر عن سيئات أولئك الكتاب فيتحمل المشاق في ارتياد تلك المجاهيل، يقول الدكتور: (ولقد اقتحمت تلك الآفاق بلا زاد ولا ماء، وأنا أعرف أني أعرض سمعتي للأقاويل والأراجيف، لأن الناس عندنا لا يفهمون كيف يدخل الطبيب على نفسه ليشرح على حسابها أهواء النفوس والقلوب والعقول.

اقتحمت تلك المهلك وليس لي إلا سناد واحد هو الشعور بأني أؤدي خدمة للأدب والطب!! وهل كنت أملك الفرار من الصنع الذي صنعت).

وصدقني أيها القارئ أن الدكتور ما كان يلك هذا الفرار ولو استطاع ذك لنكص على عقبيه وكان بذلك من القاعدين الغانمين، ولكنه رجل ابتلاه الله بالصراحة والصدق، فهو لا يدين بمذهب (النفعية) في شيء، ولو استطاع زكي مبارك - كما يقول أستاذنا الزيات - أن يتملق الظروف، ويصانع السلطان، ويحذق شيئاً من فن الحياة في المواربة والمداورة،

ص: 76

لاتقى كثيراً مما جرته عليه بداوة الطبع، وجفاوة الصراحة.

ولكن أيفلت مني الدكتور فلا أمسكه بشيء؟ كلا! فأنا أحب أن أسأله عن ذلك التكرار، وتلك الكركرة (الطهوية) إذ يقول: من الذي يستطيع أن يتعقب حركات العقول والأهواء في القاهرة؟ من الذي يستطيع أن يحاور في الصباح والمساء رجال الصحف الصباحية والمسائية؟ من الذي يتسع وقته لمسامرة الصحفيين القاهريين بعد نصف الليل؟ من الذي يستطيع أن يسجل حركات القاهريين قبل الشروق؟ من الذي يفهم أن أهل القاهرة يموتون قبل الأوان بسبب الإفراط في الكدح والكفاح! من الذي يصدق أن من أهل القاهرة من يملأ الدنيا بالنشط والحركة وفي جوفه خمسون علة؟ من الذي يصدق أن في القاهرة ألف خطيب في فصاحة سحبان، من الذي يصدق أن الأمان ذهب من القاهرة بسبب الإفراط في المنافسة والنضال؟ من الذي يصدق أن زكي مبارك سيؤلف كتاباً في مثالب زكي مبارك؟

أما أنا يا دكتور فذوقي لا يحتمل كل هذه (المنمنة)، وأنا أسألك ولا أريد الجواب، فإني أعلم أن أزمة الورق ستردك إلى ما كنت عليه من الإيجاز في التعبير، والقصد في البيان!

م. ف. ع

ص: 77