الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 348
- بتاريخ: 04 - 03 - 1940
محمد الزعيم
ولدت سنتنا الهجرية الجديدة وا أسفاه في هذه الأيام التي اختبل فيها إنسان الغرب فزلزل جوانب الأرض على نفسه؛ وأبكم في فمه حجة العقل ووحي الضمير فلا يتكلم إلا بلسان النار، ولا يصول إلا ببأس الحديد؛ وراحت المنايا الرواعد تدكدك المدن والناس في فجوات القنابل، فلا ترى اليوم في بلاد الحرب غير مقبور أو منتظر، ولا في بلاد الحيدة غير مذعور أو حذر. ومفزع الشعوب في غشية هذه الخطوب الزعماء والقادة. فليت شعري إلى من يفزع العرب والمسلمون من هول هذه الساعة؟ لم يتح الله لهم بعد محمد وخلفائه زعيماً تجتمع عليه القلوب وترجع إليه الأمور في أقطارهم البعيدة ووجوههم المختلفة؛ وإنما ابتلاهم بالانقسام والفرقة حين ضلوا الطريق فكان في كل قطعة من الوطن الأكبر سرير وأمير، وتوزعت زعامة محمد في كل جيل وفي كل قبيل بين عشرات من الرجال العجاف، فكانت كالشعلة العظيمة الوهاجة تقطعت أقباساً كشموع الأطفال لا تقوى على نسم الريح ولا تظهر في حلك الليل!
تعالوا يا زعماء اليوم عانين خاشعين ألقي عليكم درساً من زعامة محمد! إن فيكم زعماء أحزاب، وليس فيكم زعيم أمة؛ أما هو فكان زعيم الإنسانية جمعاء
بلغتم مكان الزعامة الإقليمية عن طريق الحزبية أو الثروة أو القوة، ثم لم تستطيعوا أن تنسوا ضعف القميء الصغير الذي ارتفع على كواهل غيره؛ أما هو فقد بلغ الزعامة العالمية عن طريق الألم والفقر والغربة والجهاد؛ ثم جعل في عشر سنين من الرعاة الجفاة المشتتين على رمال القفر، أمةً متماسكة الأجزاء، متحدة الأهواء، متساندة القوى، متجانسة الطباع، بلغت رسالة الله وحكمت عامر الأرض ومدنت أكثر العالم
إنكم تكونون قبل الزعامة ناساً كالناس، ثم تصبحون بعدها آلهة كالآلهة، تنكرون الخاصة، وتزدرون العامة؛ ثم تمتازون فتدخلون بفضل المبادئ المزورة والمناصب المسخرة في دنيا النبلاء والأغنياء، وماذا بعد هذا؟ أما هو فقد ملك الحجاز واليمن، وجبى الجزيرة كلها وما داناها من العراق والشام، وظل ينام على فراش من أدم حشوه ليف، ويبيت هو وأهله الليالي طاوين لا يجدون العشاء، ويمكثون الشهر لا يستوقدون ناراً إن هو إلا التمر والماء، ويلبس الكساء الخشن والبرد الغليظ ويقسم على الناس أقبية الديباج المخوص بالذهب؛ فإذا أقبل على أصحابه فقاموا إجلالا له قال لهم: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم
بعضاً. إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد). وكان ذات مرة في سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة. فقال رجل: عليَّ بذبحها، وقال ثان: عليَّ بسلخها، وقال ثالث: عليّ طبخها. فقال الرسول صلوات الله عليه: وعليّ جمع الحطب. فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل. فقال: علمت أنكم تكفونني إياه ولكني أكره أن أتميز عليكم!
ولما استعز الله بقاسم الفيء وزعيم الجزيرة وسيد الملوك كانت درعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله!
إنكم حينما تتزعمون لا تفكرون إلا في مثوبة الصديق وعقوبة العدو، ثم لا تخرج أعمالكم وآمالكم عن دائرة الحزبية الصغيرة الحقيرة؛ فالمنفعة تقاس بمقياس الحزب، والسياسة تتلون بلون المنفعة. أما هو فكان يعادي في الله ويصادق في الله. اشتط في أذاه المشركون في مكة والمنافقون في المدينة، فلما أمكنه الله منهم بسط عليهم جناح عفوه. وقال لقريش يوم الفتح: يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً! أخ كريم وابن أخ كريم! قال: أذهبوا فأنتم الطلقاء
ثم كانت سياسته كنور الله لا تعرف الحدود ولا الخصوص ولا الزمن؛ إنما هي سر الخالق العظيم استعلن في سكون الصحراء على لسان الرسول العظيم، ثم دوَّى في غياهب الآفاق ومجاهل الأبد ليكون الشعاع الهادي لكل ضال، والنداء الموقظ لكل غافل
إنكم تسيرون الجنود إلى الخنادق وتبيتون على حشايا الديباج، وترسلون العمال إلى المهالك وتظلون في أبراج العاج؛ أما هو فكان يقاتل مع الجندي حتى يدمى، ويعمل مع العامل حتى ينصب. وكان صحبه إذا احتدم البأس واحمرت الحدَق اتقوا به فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه!
ذلك محمد يا زعماء اليوم وهؤلاء أنتم! فهل تحسون بينكم وبينه صلة، أو تجدون بين سياستكم وسياسته مشابهة؟
لا تقولوا إنه الوحي، فما كانت حياة الرسول كلها ولا سياسته كلها من هدى الوحي؛ ولكن قولوا إنها الرجولة الكاملة والخلق العظيم والعبقرية الفذة والشخصية القوية. وصفة القوة لا تدل على شيء في شخصية الرسول، فإنها لم تظهر في أحد قبله ولا بعده حتى يقوم بها وصف. وما ظنكم بشخصية تخضع لليتيم العديم الزاري على الآلهة والسادة، الرؤوس
الطاغية والنفوس العاتية والقلوب الغلاظ، فيسمتون سمته في الخلال، وينهجون نهجه في العيش، ويأخذون أخذه في المعاملة، ويجمعون على حبه وطاعته وتفديته إجماعاً لا يخرقه إلا الكفر بالله. فأقواله سنن تتبع، وأعماله عهود تحفظ، وآراؤه أوامر تطاع، وأحكامه أقضية تنفذ. فعليكم يا زعماءنا بسيرة محمد وسياسة محمد؛ فلعل فيكم من تدركه نفحة من نفحاته القدسية فيجدد ما رث من دعوته، ويجمع ما شت من وحدته، ويصلح ما فسد من أمته! (قد جاءتكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها)
أحمد حسن الزيات
الهجرة مبدأ التوحيد والوحدة
لإمام المسلمين الأستاذ الأكبر
الشيخ محمد مصطفى المراغي
شيخ الجامع الأزهر
في سبيل الله هاجر سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه إلى يثرب. هاجر ليجاهد الشرك بالتوحيد ويعالج الشتات بالوحدة. والتوحيد هو روح الإسلام وجوهره، وسبيل الرسول وغايته. وليس التوحيد الذي تضمن سر الدين كله مقصوراً على ما تعارفه الناس من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الشريك والند؛ وإنما يشمل كل ما يكفل للأمة وللإنسانية الألفة والوحدة والتعاون، من توحيد الله وتوحيد العقيدة وتوحيد الكلمة وتوحيد الغاية وتوحيد الدنيا والدين. وفي سبيل التوحيد في شتى مظاهره كابد الرسول ما كابد من عنت الشرك وسفه الجهالة وإفراط العصبية. دعا إلى توحيد الله، وقد كانت الآلهة تتعدد بتعدد القوى والقبائل والأمم، وكان الإنسان أهون على نفسه من الحيوان والشجر والحجر فعبد ما لا يضر ولا ينفع (وحاجه قومه قال: أتحاجونِّي في الله وقد هداني؟ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد. ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة؟)
ثم دعا إلى توحيد الرأي والجهد فألف بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، فأصبحوا أشداء على الكفار رحماء بينهم؛ ثم عاهد بين المسلمين واليهود فانطفأت في المدينة بعد الهجرة نار العداوة بين الأهل والأهل وبين الجيرة والجيرة. (إن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس. . . وإن اليهود أمة من المؤمنين لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. . . وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم)
ثم دعا الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إلى توحيد العقيدة بالرجوع إلى مصدرها الصافي وجوهرها الحق: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى
وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون)
ثم دعا الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى توحيد الإنسانية بمحو العصبية القبلية وقتل النعرة الجنسية وتغيير القياس لدرجات الناس، فجعل التقديم والتكريم بالتقوى، وبذلك زالت الفروق الاجتماعية بين الباهلي والقرشي، وبين الفقير والغني، وبين الأسود والأحمر (إن ربكم واحد. وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)
ثم واءم بين الدنيا والدين وقد كانت الشرائع الأخرى تفصل بينهما كل الفصل، فجعل اليهود الكهانة في اللاويين ثم انصرف سائرهم إلى الصفق والاجتراح. ودعا المسيحيون إلى الرهبانية والنسك وترك ما لقيصر لقيصر. ولكن الإسلام جعل الدين للدنيا كالروح للجسم، فلا تعمل إلا بوحيه، ولا تسير إلا بهديه، فكان خليفة الرسول هو ملك الناس، وكان إمام المصلين هو قائد الجنود
وأنت إذا نظرت في حياة الرسول بالبصيرة، وبحثت في أصول الإسلام بالروية، وجدت مبدأ التوحيد والاتحاد مرمى كل عمل وأساس كل قاعدة. وبفضل التوحيد والوحدة جعل الله العرب القلال الضعاف أئمة للناس وورثة لكسرى وقيصر. فلما انشقت العصا وتمزق المسلمون ونسوا الله وفصلوا بين دينه ودنياهم، ضعفوا ولانوا واستكانوا وأصبحوا بين الأمم القوية قطعاناً تسام وسلعاً تساوم
لقد آن للمسلمين أن يرجعوا إلى ما دعا إليه نبيهم، ويتبعوا ما صلح عليه أولهم، فيوحد زعماؤهم الجهود، وتحدد أحزابهم الخطط، وتستعد شعوبهم للقيام بنصيبهم الأكبر من بناء حضارة روحية جديدة تقوم على العدم، وتستقيم بالمساواة، وتستضيء بالدين، ويرتفع جنباتها المترامية ذكر الله (ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).
محمد مصطفى المراغي
عبقرية محمد العسكرية
للأستاذ عباس محمود العقاد
خطر لي أن أجعل موضوع مقالي في هذا العدد الخاص بالعرب والإسلام بحثاً مجملاً عن عبقرية النبي عليه السلام من الوجهة العسكرية لتتم المناسبة بين المقال وبين موضوع العدد كله والوقت الذي يصدر فيه وهو وقت قتال أو تحفز لقتال
ولا محل للمشابهة بين الحرب في عهدنا هذا وبينها في عهد الرسالة الإسلامية، لأن الحرب قد أصبحت منذ ابتداء القرن العشرين حرب مواقع، كالحصون المنيعة من خط ماجينو وخط سيجفريد، أو كالخنادق التي كانت غالبة في الحرب الماضية، ولاسيما في الميادين الغربية
أما في القرن الماضي فقد كانت الحرب (حرب حركة) كما كانت قبل أربعة عشر قرناً أو قبل عشرين قرناً بغير اختلاف كبير في المبادئ والأفكار، وغاية ما هنالك أن الرامية حلت محل القوس والسهم، وأن المدفع حل محل المنجنيق، وأن القذائف حلت محل النار الإغريقية وما إليها
لهذا اخترنا أبرع القادة المحدثين على أسلوب (حرب الحركة) وهو نابليون بونابرت، لنبين السبق في خطط النبي العسكرية، بالمضاهاة بينها وبين خطط هذا القائد العظيم
1 -
فنابليون كان يوجه همه الأول إلى القضاء على قوة العدو العسكرية بأسرع ما يستطيع، فلم يكن يعنيه ضرب المدن ولا اقتحام المواقع، وإنما كانت عنايته الكبرى منصرفة إلى مبادرة الجيش الذي يعتمد عليه العدو بهجمة سريعة يفاجئه بها أكثر الأحيان، وهو على يقين أن الفوز في هذه الهجمة يغنيه عن المحاولات التي يلجأ إليها جلة القواد
وعنده إنه يستفيد بخطته تلك ثلاثة أمور: أن يختار الموقع الملائم له، وأن يختار الفرصة، وأن يعاجل العدو قبل تمام استعداده
وقد كان النبي عليه السلام سابقاً إلى تلك الخطط في جميع تفصيلاتها
فكان لا يبدأ أحداً بالعدوان، ولكنه إذا علم بعزم الأعداء على قتاله لم يمهلهم حتى يهاجموه جهد ما تواتيه الأحوال، بل ربما وصل إليه الخبر كما حدث في غزوة تبوك والناس مجدبون والقيظ ملتهب والشدة بالغة، فلا يثنيه ذلك عن الخطة التي تعودها، ولا يكف عن
التأهب السريع وعن حض المسلمين على جمع الأموال وجمع الرجال، ولا يبالي ما أرجف به المنافقون الذين توقعوا الهزيمة للجيش المحمدي فلم يحدث ما توقعوه
وكان عليه السلام يعمد إلى القوة العسكرية حيث أصابها فيقضي على عزائم أعدائه بالقضاء عليها، ولا يضيع الوقت في انتظار ما يختاره أولئك الأعداء، وإضعاف أنصاره بتركه زمام الحركة في أيدي الهاجمين، إلا أن يكون الهجوم وبالاً على المقدمين عليه، كما حدث في غزوة الخندق
2 -
وقد كان نابليون مع اهتمامه بالقضاء على القوة العسكرية لا يغفل القضاء على القوة المالية أو التجارية التي يتناولها اقتداره، فكان يحارب الإنجليز بمنع تجارتهم عن الوصول إلى القارة الأوربية، وتحويل المعاملات عن طريق إنجلترا إلى طريق فرنسا
وهكذا كان النبي عليه السلام يحارب قريشا في تجارتها، ويبعث السرايا في أثر القوافل كلما سمع بقافلة منها
وأنكر بعض المتعصبين من كتاب أوربا هذه السرايا وسموها (قطعاً للطريق) وهي هي سنة المصادرة بعينها التي أقرها القانون الدولي، وعمل بها قادة الجيوش في جميع العصور، ورأينا تطبيقها في الحرب الحاضرة والحرب الماضية، رشيداً تارة وبالغاً مبلغه من الشطط والغلواء تارة أخرى.
3 -
وقد أسلفنا أن نابليون كان يوجه همه إلى الجيش ولا يقتحم المدن أو يشغل باله بمحاصرتها لغير ضرورة.
ونرجع إلى غزوات النبي عليه السلام، فلا نرى أنه حاصر محلة إلا أن يكون الحصار هو الوسيلة العاجلة لمبادرة القوة التي عسى أن تخرج منها قبل استعدادها، أو قبل نجاحها في الغدر والوقيعة، كما حدث في حصار بني قريظة وبني قينقاع، فكان الحصار هنا كمبادرة الجيش بالهجوم في الميدان المختار بغير كبير اختلاف
4 -
لم يعرف عن قائد حديث أنه كان يعنى بالاستطلاع والاستدلال عناية نابليون.
وكانت فراسة النبي في ذلك مضرب الأمثال، فلما رأى أصحابه يضربون العبدين المستقيين من ماء بدر، لأنهما يذكران قريشاً ولا يذكران أبا سفيان، علم بفطنته الصادقة أنهما يقولان الحق ولا يقصدان المراء. وسأل عن عدد القوم، فلما لم يعرفا العدد، سأل عن
عدد الجزور التي ينحرونها كل يوم، فعرف قوة الجيش بمعرفته مقدار الطعام الذي يحتاج إليه. وكان صلوات الله عليه إنما يعول في استطلاع أخبار كل مكان على أهله، وأقرب الناس إلى العلم بفجاجه ودروبه، ويعقد ما يسمى اليوم مجلس الحرب قبل أن يبدأ بالقتال، فيسمع من كل فيما هو خبير به، ولا يأنف من الأخذ بنصيحة صغير أو كبير. . .
5 -
واشتهر عن نابليون أنه كان شديد الحذر من الألسنة والأقلام، وكان يقول إنه يخشى من أربعة أقلام، ما ليس يخشاه من عشرة آلاف حسام
والنبي عليه السلام كان أعرف الناس بفعل الدعوة في كسب المعارك وتغليب المقاصد، فكان يبلغه عن بعض أفراد أنهم يشهرون بالإسلام أو يثيرون العشائر لقتاله أو يقذعون في هجوه وهجو دينه، فينفذ إليهم من يحاربهم في حصونهم أو يكفل له الخلاص منهم
وعاب هذا بعض المغرضين من الكتاب الأوربيين وشبهوه بما عيب على نابليون من اختطاف الدوق دانجان وما قيل عن محاولته أن يختطف الشاعر الإنجليزي كولردج الذي كان يخوض في ذمه ويستهوي الأسماع بسحر حديثه
ولكن الفارق عظيم بين الحالتين، لأن حروب الإسلام إنما هي حروب دعوة لدعوة أو حروب عقيدة لعقيدة، وإنما هي في مصدرها وغايتها كفاح بين التوحيد والشرك أو بين الإلهية والوثنية، وليس وقوف الجيش أمام الجيش إلا سبيلاً من سبل الصراع بين الدعوتين والغلاب بين العقيدتين
فليس في حالة سلم مع النبي إذن من يحاربه في صميم الدعوة الدينية، ويقصده بالطعن في لباب رسالته الإسلامية، وإنما هو مقاتل في الميدان الأصيل ينتظر من أعدائه ما ينتظره المقاتل من المقاتلين، ولاسيما إذا كانت الحرب قائمة دائمة لا تنقطع فترة إلا ريثما تعود
أما نابليون فالحرب بينه وبين أعدائه حرب جيوش وسلاح، فلا يجوز له أن يقتل أحداً لا يحمل السلاح في وجهه أو لا يدينه القانون بما يستوجب إزهاق حياته. وما نهض نابليون لنشر دين أو تفنيد دين، ولا كان للرسول الإسلامي من غرض لو جاز له أن يقبل المسالمة ممن يحاربونه في دينه وإن لم يشهروا السيف في وجهه، فإن الضرب بالسيف لأهون من المقتل الذي يضربون فيه
تلك مقابلة مجملة بين الخطط التي سبق إليها محمد، وجرى عليها نابليون بعد مئات
السنين، ومن الواجب أن نحكم على قيمة القيادة بقيمة الفكرة أو الخطة قبل نحكم عليها بفخامة الجيوش وأنواع السلاح.
ولم يتخذ محمد الحرب صناعة، ولا عمد إليها كما أسلفنا إلا لدفع غارة، واتقاء عداوة، ورائده في ذلك ما جاء به القرآن الكريم:(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)
فإذا كان محمد لم يتخذ من الحرب صناعة وكان يتقن منها ما يتولاه مدفوعاً إليه، فله فضل السبق على جبار الحروب الحديثة الذي تعلمها وعاش لها ولم ينقطع عنها منذ ترعرع إلى أن سكن في منفاه، ولم يبلغ من نتائجها بغض ما بلغ القائد الأمي بين رمال الصحراء.
عباس محمود العقاد
شرعة الإسلام نظام لكل عصر
للأستاذ علي الخفيف
أستاذ الشريعة بكلية الحقوق
جاء الإسلام فكان مبيناً في عقائده، محكماً في دلائله، أسس على اليقين فتمت له قوته، ومثّل الفطرة فكان له بساطتها وصفاؤها وكان لهذا ديناً صالحاً للناس أجمعين، يسوي بينهم جميعاً، فإذا هم أمة واحدة، لها شرعة واحدة ورياسة واحدة. على هذا الأساس شرعت مبادئه حتى تكون على الدوام أساساً لصلاح المجتمع الإنساني
ولقد أطلق الإسلام العقول من قيود الأوهام، وزكى النفوس من دنس الأباطيل، فأبصرت ما في هذا الكون من آيات، فإذا المشرك مؤمن، والجاهل عالم، والضعيف قوي
أما عقيدته التي جاء بها، فهي الفطرة خلصت لله سبحانه وتعالى، فاطرحت كل ما سواه، وقررت أنه هو الإله وحده، وهو الخالق وحده، له الأمر وإليه المصير
ذلك التوحيد، وهذا الخلوص هو ما فطر عليه الناس، وما يجدونه عند مفزعهم، حين ينسون مشاغلهم، وما يحسونه من نفوسهم إذا صفت ورجعت إلى طبيعتها، خالصة مما حاق بها من نزعات شهوانية ورغبات مادية، وليس يسع الرجل الرشيد، وقد تبين له الأمر إلا أن يستجيب لتلك الدعوة، تكريماً لنفسه، وإطلاقاً لعقله، وتلبية لفطرته. وإذن فعقائد الإسلام مستكنة في النفوس، لا يعوقها عن الظهور إلا ما غشى النفوس من أوهام موروثة، وغطى على القلوب من شهوات مشوبة، وأضعف الضمائر من عادات فاشية، وهي بذلك في غنى عن التعريف بصلاحها، وعن التدليل على عمومها. وأما أخلاقه وفضائله، فقد جاءت صلاحاً للنفوس وحاملاً لها على الخير
هذان الأمران هما: لب الإسلام وأساسه ودعامته التي قام عليها، وغايته التي يرمي إليها بما شرع بعد من وسائل وما أمر به من أعمال وما نهي عنه من محرمات. عنى بهما الإسلام حين جاء فدعا محمد صلى الله وسلم الناس أول ما دعا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأهاب بالوثنيين أن يتركوا أوثانهم، وبالمشبهين أن يتطهروا من تشبيههم، وبالطبعيين أن ينظروا بأبصارهم ويتدبروا بعقولهم، وبالمثلثين أن ينبذوا تثليثهم ويتذكروا في خلقهم. جأر بهذا الدعوة كي يحرر الناس عقولهم ويخلصوا أنفسهم ويطهروا
قلوبهم ويدينوا جميعاً لمن فطر السموات والأرض وما بينهما
قام عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة فقرن بينها وبين دعوته إلى الأخلاق وعنايته ببيان آثارها وتفصيل حقائقها والموازنة بينها وبين ما شاع في الناس يومئذ من الطبائع الخبيثة والعادات السيئة لتتعاون الدعوتان على إصلاح النفوس لتتهيأ لما سيشرع من نظام يكون به علو كلمة الإسلام في الوجود، ونشر سلامه على العالم. أقام على ذلك جاهداً لا يلويه عن غرضه قوة، ولا يرده عن غايته أذى. إلى أن أمر بالهجرة إلى المدينة؛ فلما اطمأن إلى مقامه فيها، شرع للمؤمنين من الشرائع الاجتماعية ما تقوم عليه دولتهم وتتأسس به حكومتهم، وما يدفع عنهم العدوان، ويقيهم أسباب الانحلال
تلك هي غاية الشرائع الإسلامية الاجتماعية والحكمة التي روعيت في فرضها؛ لم تفرض لتكون وسيلة من وسائل العبادة فحسب، ولكنها وضعت لتكون العلاج الذي يشفي النفوس من عللها، ويقي الجماعات من أمراضها
لذلك امتدت وتشعبت حتى انتظمت جميع نواحي الحياة. فانقسمت إلى شرائع مالية تنمي المال وتقرر الحقوق وتقوم على تحقيق الاقتصاد، والى شرائع اجتماعية تبين للأسر حقوقها وتوثق الصلات بين أعضائها حتى تكون لبنة قوية في بناء الأمة، ثم تتجاوز الأسرة إلى شؤون العمل فتحض عليه وتنظمه، وإلى شؤون التربية والصحة وغيرها من الشؤون الاجتماعية فتضع لها الأسس وتبين لها الطرق إلى غاياتها؛ ثم إلى شرائع الزجر منعاً للعدوان؛ والى شرائع الحرب إعداداً للقوة وتحديداً للعلاقات بين المتقاتلين في الأموال، ومعاملة الأسارى، والتصرف في الغنائم؛ ثم إلى شرائع سياسية تنظم العلاقات الخارجية وتعين الإدارة الداخلية من حيث اتصال الحاكم بالمحكوم، وغير ذلك مما يؤسس عليه بناء الدولة، ويقوم عليه عمرانها
هذه هي مناحي الإسلام في تشريعه وهي كما نرى جامعة لكل نواحي الحياة الاجتماعية الحاضرة؛ غير أن تشريعه فيها كان تشريعاً كليا يقرر المبادئ العامة ويضع الأسس الثابتة ويدع المجال للتفصيل والتطبيق ليتم له الخلود، ولم يكن له من مصدر إلا القرآن الحكيم وبيان الرسول الكريم. أنزل القرآن بالأصول العامة وجاء بيان النبي صلى الله عليه وسلم وسنته بالفروع التي تخرج منها أتى القرآن بالإجمال والعموم وتكفلت السنة بالبيان
والتطبيق؛ فإذا قرأت للقرآن وتدبرت آياته وجدت في تشريعه عناية ببيان هذه الأصول العامة وحض الناس على المحافظة عليها. فإن أردت المثال فارجع إلى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا. وأحل الله البيع وحرم الربا). (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) وقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة. . .). وقوله تعالى: (والجروح قصاص). وقوله تعالى: (الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم). وقوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة). وقوله: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقوله: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً). وقوله: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)
هذه سنّة القرآن في التشريع لم تتخلف إلا في النزر اليسير. استنها ليكون تشريعه نظاماً لجميع الأمم، وليبقى صالحاً على مرور الزمن. فهو الشريعة العامة التي تمهد لتحقيق الجامعة الإنسانية وتهيئ العقول لتتجه وجهة واحدة في تبيين الحق وتقدير الجزاء ووضع المعاملات على أسس ثابتة، وإنماء الأموال بطرق خالية من الخداع، وتدبير الشؤون الاجتماعية على نمط يحقق المصلحة العامة؛ ثم هو يقارب بين الأمم المختلفة حتى تتعاون جميعا في العمل إلى خيرهم مجتمعين. ذلك لأن الأحكام الجزئية والفصل في الحوادث المتجددة لا يستقر مع الزمن ولا يصلح لكل مكان، لأن الناس في تطور لا ينتهي إلى غاية، وفي تجدد ليس له نهاية
فإذا رجعنا إلى ما شرعه الإسلام في الأموال من أصل وجدنا أنه أسس التعامل فيها على الرضا إذ يقول (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ويقول (فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً) وإذن فليس علينا عند التفصيل إلا أن نرد كل عقد إليه على ألا يتعدى ذلك حقوقنا وألا نخرج به عن رشدنا، فإن تعدينا الحدود بالخديعة والغش فقد اقترفنا الإثم الكبير وأذنا الله ورسوله بالحرب
يعجب كثير من الناس لتحريم الربا وقد زعموا أنه دعامة التجارة وعماد العمارة ومدعاة
التعاون، وقد أصبح على أي افتراض ضرورة الزمن. زعموا ذلك وكأنهم لا يسمعون بكاء صرعاه، ولا يبصرون مصارع قتلاه. لئن قام عليه بيت فقد خربت به مئات البيوت، ولئن انفرج به يوما ما ضيق فكم ضيق على صاحبه السبل. وماذا فعل الربا بأهل الأسر الكريمة منا؟ ألا نرى أن الدين قد طغى على رأس المال بسبب تراكم فوائده حتى صار أضعافاً مضاعفة على الرغم من أداء ما كان بقي بأكثره إن لم يزد على أصله، وأنهم قد أصبحوا على شفا هاوية الإفلاس المدمر؟
إذا تقدم صاحب المال به لاستثماره وإنمائه فليس له إلا أن يضع نفسه منه حيث يكون إذا اتجر فيه فربح أو عمل فخسر، وفي هاتين الحالتين له ربحه وعليه خسارته، وليس له عن هذا مفر فتلك طبيعة السعي وسنة التجارة، وإذا كان هذا مآله وهو الحريص على ماله الطامع في ربحه فلم يطلب من غيره وقد قام مقامه فيه أن تكون الأسعار في قبضته فلا يتجر إلا ربح، ولا يطلب إلا ظفر، حتى لا يرضى منه أبداً إلا بالربح المقدر أو الثواب المعجل؟ أليس ذلك بالطمع المرذول والتحكم الظالم؟
وكذلك الحال في طريق الحكم وإدارة أمور الدولة، جعل الأساس فيه المشورة فقال (وشاورهم في الأمر) فنفى الاستبداد بأنواعه وقضى عليه بأشكاله، وأقام أمر الناس على الشورى، وجعل لهم بعد ذلك الخيرة في نوع الحكم الشورى الذي يلائمهم ويتفق مع ثقافتهم ويتصل ونشأتهم، ويتدرج مع نموهم ملكياً كان أو جمهورياً بمجلس واحد أو بمجلسين ذلك لأنه لا يوجد نظام معين للحكومة صالح على الإطلاق، إذ الصلاحية وصف عرضي معناه التناسب بين نوع الحكم وحال الأمة التي اتخذته نظاماً لسلطانها
وفي شرائع القتال سن القواعد الكفيلة بمنعه، والمخففة لويلاته إذا وقع، والداعية إلى السلم إذا أمكن، فقال (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) وقال:(وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) وقال: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وقال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) وقال: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) والحرب إذا كانت للدفاع ومنع الظلم وخلت من العدوان والبغي ولم تتجاوز في أهوالها ما اقتضته الضرورة وانتهت عند حد الدفاع كف البغي، كانت صيانة للسلم وضرورة يتطلبها الوجود، من تركها هلك
أما أساس الروابط بين المسلمين فهي الأخوة. إنما المؤمنون أخوة. وبينهم وبين غيرهم البر والإقساط، لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. وذلك كفيل بتوثيق العلاقات بين الأمم وتأكيد المودة بينهم ما لم يبغ بعضهم على بعض طمعاً في مال أو علواً في الأرض أو تحكما في العقائد. هذا إلى ما شرعه من القواعد في إصلاح حال اليتامى وإدارة أموال السفهاء، وما فرضه من الحقوق في أموال الأغنياء للفقراء، وما جاء به من الأوامر حاضاً على التعلم والعمل والسعي في الأرض، والمحافظة على الأجسام حتى تتعاون الأمة في إصلاح أمورها والمحافظة على أموالها، والقضاء على الأمية فيها، والقضاء على البطالة، وحتى لا تجد مبادئ الاشتراكية المتطرفة السبيل إلى نفوس أفرادها، ولا الأوتقراطية القاسية الوسيلة إلى المقام فيها
هذه سنة القرآن في تشريعه في جميع نواحي الحياة شخصية واجتماعية، سياسية ومالية، إدارية وقضائية، لم تتجاوز القواعد العامة إلى التفاصيل التي تتطور بتطور الأمم، وتتجدد بتجدد الحوادث، وتختلف باختلاف البيئات، ولذا بقيت مبادئه سليمة، تناسب كل الأمم، فيتسنى لها أن تتخذها أساساً في تشريعها حسب ما تقتضيه بيئتها ومصالحها.
كانت هذه طريقته، إلا في مسائل معدودة عمد فيها إلى نوع من التفصيل والتطبيق، لأن مصلحة الناس في ذكره ومفسدتهم في تركه، فإنه وإن ترك أمر تقدير العقوبة إلى أولي الأمر لابتنائه على ما يحيط بالجاني من ظروف، وما يتصل به من أسباب، وما له من ثقافة وتربية، استثنى من الجرائم خمساً لما فيها من الاعتداء البالغ على الدين والنفس والمال والعرض، وهي السعي في الأرض بالفساد والقتل والزنا والسرقة والقذف، جعل لكل منها جزاء يمكن أولاً أن يتخذ معياراً في تقدير العقوبة على الجملة مع مراعاة قوله تعالى:(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) فبين جزاء الأول في قوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) وجزاء الثانية في قوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) وجزاء
الثالثة في قوله: (الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) وجزاء الرابعة في قوله (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله) وجزاء الخامسة في قوله (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) فهذه عقوبات دائمة تتناسب في شدتها وصرامتها مع عظم آثار جرائمها حتى تكون مانعة من العود مصلحة للنفس، ومن كبير القول وصفها بأنها عقوبات لا تتفق مع هذا الزمن أو لا تتلاءم مع حال هذه الأمة وما وصلت إليه من ثقافة وحضارة وتمدين، لأن حضارتها أو ثقافتها إذا جنبتها هذه الجرائم فقد تجنبت، كذلك جزاءها، وإن اقترفتها كان جزاؤها العلاج الواقي من تكرارها. وقد ترك بعض الأمم عقوبة القتل وما لبث أن عاد إليها، وكذلك أهملت العقوبات الأخرى فانتشر الزنا وعمت السرقة وفحش القول، ولا منجاة إلا باتباع ما سنه القرآن في جزائها، وليس يوزن الجزاء بموافقته الهوى وائتلافه مع الميل وإنما يوزن بما يفيد من أثر في الردع ونتيجة في الإصلاح
وكذلك فعل في تشريع الميراث فعين لكل وارث حظه مما ترك مورثه، لأن المال كان ولازال مثار الفتن، ومصدر البغضاء والإحن، ومنشأ الخصومة والفرقة، والاتفاق على توزيعه بين الورثة عسير، ورده إلى مقاييس معقولة وموازين مسلمة غير ممكن، فكان لابد من أن يجنب الورثة ما يجلب عليهم الشقاء ويشيع فيهم الخلاف وذلك بأن يقسم بينهم الحكيم العادل القسمة المرضية المبنية على كمال الحكمة والمحققة لتمام العدل وسكون النفس ورضا الغير
اقترن التشريع القرآني بالتشريع النبوي وهو المعروف بالسنة فكان الثاني للأول مبيناً لإجماله مطبقاً لقواعده، وليس كل ما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من التشريع، لأنه عليه السلام بشر من الناس له مثل ما لهم من الأمور العادية والمهام البشرية فما يؤثر عنه في هذا المحيط لا يعد من التشريع ولا يتخذ أساساً لأمر ونهي، ولكل إنسان عادته البشرية يتبع فيها قومه وسلفه ويتأثر فيها ببيئته؛ أما غير ذلك مما يتصل بالتشريع للناس وإلزامهم باتباعه فهو السنة المتبعة. غير أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الدائرة كانت مكونة من عملين: الأول بيان التشريع القرآني، والثاني تطبيقه على الحوادث
الواقعة والمسائل المتجددة، فأما البيان فهو متمم للقرآن ولتشريعه وهو لهذا أصل من أصول التشريع الإسلامي واجب اتباعه، وعلى الناس مراعاته. وأما التطبيق على الحوادث بالفصل في الخصومات وفض النزاعات في المشكلات، فذلك يبني على ما لكل حادثة من ظرف، وما لابسها من ملابسات، وما أحاط بها من عوامل مما لا يعيه إلا المتصدي لحلها الذي أقام نفسه لحل إشكالها، فإذا نقل الحكم فيها صعب على ناقله أن يستوعب جميع دواعيه، فذكر منها ما تنبه له ووعاه وما حفظه وأحصاه وما استقر في ذاكرته فلم ينسه، ومن هذا أتى اختلاف الرواة عندما يرون حادثة واحدة، فكان ذلك سبباً في اختلاف الآراء وتعدد المذاهب وتنوع العمل. ومن هذا يتبين أن التشريع النبوي لم يخرج في أغراضه وحكمته عن التشريع القرآني بل الغرض فيهما واحد والحكمة واحدة والغاية واحدة، وهي أن تتهيأ للناس حياة صالحة يستمتعون فيها جميعاً بحرياتهم وتتوافر لهم فيها حقوقهم، ويعتمدون فيها على عقولهم وأفكارهم وتنتهي بهم إلى مجتمع مؤسس على الإخاء والتعاون يقوم على النشاط الفكري ويعتمد على العمل المنتج الاجتماعي ولا يهمل الشأن الفردي.
علي الخفيف
موقعة عين جالوت
للدكتور عبد الوهاب عزام
- 1 -
أردت أن أكتب مقالا للرسالة - لعددها الهجري الممتاز - فنقب فكري في أرجاء التاريخ الإسلامي، حتى عنّ لي هذا الرأي. قلت: لماذا لا يسجل في هذا - العدد الهجري - بعض الخطوب الكبيرة في التاريخ الإسلامي؟ ولاسيما الخطوب التي وقعت في نظائر السنة التي تصرمت، أو السنة التي استهلت. قد تصرمت سنة 1358، وأقبلت سنة1359، فأستعرض نظائرهما. عبرت سني 58 و 59 من قرون التاريخ الهجري كله، فرأيت أحيانا كثيرة، وغيَراً عظيمة. فلما هممت بالكتابة، تبينت أن مقالاً يكتب على هذا الشرط، لا يعدو أن يكون ثبتاً للحوادث مختصراً، أو مقالاً مفصلاً يزيد على حاجة المجلة. فلم أجد بدّا من تخيّر بعض الحوادث، فمررت بخطوب جسام، وحادثات صغار، حتى انتهيت إلى عام 658 فوقفت وقفة كدت أمسك فيها القلم لأكتب في واقعة هائلة عظيمة الأثر كانت في هذا العام، ثم جاوزتها إلى واقعات أخرى، حتى بلغت وقتنا هذا، ثم رجعت بي الرغبة إلى تلك الواقعة، إذ رأيتها عظيمة الأثر في تاريخ المسلمين عامة وتاريخ مصر خاصة، فأخذت القلم لأكتب عن (موقعة عين جالوت):
كان عام 628 فاتحة شر مستطير في العالم الإسلامي: سالت فيه جيوش جنكيز من هضاب الصين تفرق كل شيء وتدّمر كل شيء، طغت على التركستان فجرفت عرش ملوك خوارزم ودارت بالمدن العظيمة تخريبا وتدميرا، وفرّ محمد خوارزمشاه وكان كما قال مسلم بن الوليد:
وطار في إثر من طار الفرار به
…
خوف يعارضه في كل أخدود
وورث ابنه جلال الدين ملكا في أيدي التتار، ومجداً بين الطعان والضراب، فصبر وصابر وجاهد ما بين نهر السند إلى حدود العراق يحاول جهده أن يلمّ الشمل ويرأب الصدع، ويخلق من الفرقة اجتماعاً، ومن الضعف قوة، ومن الذعر ثباتاً، ومن اليأس رجاء، حتى اغتالته المنون بعد أن أعجزتها مصاولته، وختلته بعد أن أعيتها مجاهرته
وانتشر الرعب، وعمّ الفزع، ولم يثبت للتتار جيش ولا حصن في شرقي البلاد الإسلامية
وما لي أكلف نفسي الوصف ولا أستمع لابن الأثير، وقد عاش على شاطئ هذا الطوفان، وأحس لفح هذه النار، يحدّث حديث الوقائع:
هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها عمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتل بمثلها؛ لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها. . . الخ
- 2 -
مات جنكيز خان سنة624 بعد أن قسم بين أولاده ما فتح من الأرض وما لم يفتح، وامتد الفتح في آسيا وأوربة، وكانت غِيَر، حتى أرسل بنكو قاآن حفيد جنكيز - أخاه هولاكو سنة651 ليفتح حصون الإسماعيلية ثم يفتح بغداد فأخضع أمراء إيران والقوقاز إلى عام ثلاثة وخمسين واستولى على أكثر قلاع الإسماعيلية.
ثم جاءت الطاٍمة الكبرى فاستولى على بغداد، ومحا الخلافة العباسية تاسع المحرم سنة ست وخمسين وستمائة (16 يناير 1258) لقد طوى أجداده الممالك الإسلامية إلى العراق، ثم أصاب هو المسلمين في الصميم إذ أخذ بغداد التي لبثت مقر الخلافة وقبلة المسلمين في العلم والحضارة أكثر من خمسة قرون
ماذا يصد هولاكو عما يشاء؟ من ذا يقف للجيوش التي لبثت ثلاثين سنة تسير من ظفر إلى ظفر، ومن مملكة فتحتها إلى مملكة قدر لها أن تفتحها؟ إن آسيا ما بين قراقروم وبغداد في قبضة أبناء جنكيز، وإن أوربا الشرقية إلى البحر الأدرياتي قد عنت لأمرهم. ليس على هلاكو إلا أن يسير الجيوش فتطوي الأرض، ويثير الحروب فتخر الممالك، ويوعد الملوك فيخذلها جندها، وينزل بالمدينة فتسلمها أسوارها. عزمة تسخر له الشام، وأخرى تقهر له مصر، ثم عزمات تبلغ به بحر الظلمات
- 3 -
سار التتر إلى الشام فلم تستطع حلب لهم دفعا، وهؤلاء المعتصمون بقلعتها لن يجديهم الاعتصام، ولا مناص لهم من الاستسلام بعد شهرين. وسارع أهل حماة إلى حلب فأعطوا
هلاكو مفاتيح المدينة. ولم تثبت للقوم مدينة بين حلب وغزة
وأما أمراء الشام من بني أيوب فمنهم من انحاز إلى التتر مؤثراً العافية، ومنهم من لجأ إلى مصر مستنجدا. والملك الناصر أكبر هؤلاء ترددت به الحيرة بين حدود مصر والشام فلم يجد إلا المسير إلى هلاكو
وأبت مصر التي تجاهد الصليبيين منذ مائة وستين عاماً، أن تذل للتتر؛ فجمعت ما فيها من إيمان وقوة وخرجت في رمضان سنة658 وصمدت للقوم فالتقى الجمعان على عين جالوت في فلسطين. فأما التتر فلم يعرفوا في الحرب إلا الانتصار منذ سال سليهم على البلاد الإسلامية قبل ثلاثين سنة. ماذا يخشون من جيش مصر وقد مزقوا للمسلمين جيشا بعد آخر، ولم تصدهم البسالة والاستقتال دون غاية. وأما جيش مصر الذي جمع المصريين وعرب البادية من مصر والشام فقد أيقن أنها الموقعة الفاصلة، وأن هزيمة في عين جالوت تفتح طريق العدو إلى مصر فالمغرب، فصمموا أن ينتصروا؛ وكثيرا ما تلد العزيمة الظفر. ولم يزلزل عزائمهم أن رأوا بعض أمراء المسلمين في صفوف العدو - ذلك الأمير الشقي المتسمي الملك السعيد
التقى الجمعان يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين وستمائة، واحتدم القتال وصبر المسلمون ثم صبروا، ولقوا من حملات التتار ما يوهن العزائم فلم يهنوا. إلى من يكلون الدفاع عن الإسلام والمجد إذا لم يستميتوا في عين جالوت؟
كتبغا قائد التتر قتيل، وابنه أسير، وجنده مصرَّعون في حومة القتال، وبقايا السيوف منهم يلوذون برؤوس الجبال
علم المسلمون يومئذ أنه يستطاع هزم التتر فلم يثبت القوم في بقعة من بقاع الشام وأسرعوا في الرجوع إلى الشرق
جمع التتر شملهم وأعدوا للحرب عُددهم ثم رجعوا فاستولوا على حلب بعد شهرين من موقعة عين جالوت، ولكن عين جالوت قد فصلت في القضية من قبل وعلمت المسلمين أن الأمل والعزم والإقدام تغلب كل عدو ولو كان التتر جنود هلاكو حفيد جنكيز
اجتمع المسلمون على حمص وسار التتر إليهم. فليشهد القارئ قبل المعركة جمعا من أنجاد العرب يسيرون إلى حومة الوغى:
قال الشيخ شهاب الدين الحلبي: كنت في نوبة حمص في واقعة التتار جالسا على سطح باب الإسطبل السلطاني بدمشق إذ أقبل آل مرا زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسّومة والجياد المطهمة وعليهم الكزغندات الحمر، والأطلس المعدني والديباج الرومي، وعلى رؤوسهم البيض كأنهم صقور على صقور، وأمامهم العبيد تميل على الركائب ويرقصون بتراقص المهارى، وبين أيديهم الجنائب، ووراءهم الظعائن والخمول، ومعهم مغنية لهم تعرَف بالحضرَمية طائرة السمعة سافرة من الهودج وهي تغني:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة
…
لياليَ لاقينا جُذاماً وحميرا
ولما لقينا عصبة تغلبية
…
يقودون جرداً للمنية ضُمّرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه
…
ببعض تأَبى النبع أن يتكسرا
سقيناهم كأساً سقونا بمثلها
…
ولكنهم كانوا على الموت اصبرا
ودارت الحرب عند حمص يوم الجمعة خامس عشر المحرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة، فإن تسألني كيف كانت عاقبتها فهي العاقبة التي بشرت بها موقعة عين جالوت
فارق التتار الشام إلى غير رجعة
عبد الوهاب عزام
ميراث لا وارث له
للأستاذ عبد الله عفيفي بك
لعلنا أعظم الأمم ميراثا من الذكريات ولعلنا كذلك أقل الأمم نصيبا من هذا الميراث العظيم.
ما تمر بالمسلمين أيام حتى تساق إليهم ذكرى ينحني لها تاريخ الإنسان، وفي سياق هذه الذكرى تسمع الرأي الثاقب، والقول المهذب، والشرح والتحليل؛ ثم تنطوي تلك الصفحة، ولا يذكر الناس إلا أن شاعراً أرّق من شاعر، وكاتباً أبين من كاتب، وخطيباً أفصح من خطيب!!
وما أسرع ما تستيقظ المشاعر وينتبه الرأي ويثور الوجدان! ولكن شيئا واحدا لا يستيقظ، ولا ينتبه، ولا يثور، وهو الروح. . . والروح وحده مصدر الحياة ومصدر القوة ومصدر العزم ومصدر الاحتمال. . .
وليس بشيء أن تنتبه المشاعر، وتنفطر القلوب؛ فحسب المشاعر لتنتبه، وحسب القلوب لتنفطر، كلمة باكية من ممثل موهوب. وليس بشيء أن يستيقظ الرأي، ويثوب التفكير، فما من أحد من المسلمين لا يعلم علماً لاشك فيه كيف كان المسلمون، وإلام صاروا، وما الذي أخافهم بعد أمن، وبددهم بعد التئام. . .
ما من رجل تراه إلا يعيب الخطيئة بلسان طلق وأسلوب مبين، ثم يجترح الخطيئة بقوة جامحة وهوى مبيح
نحن إذن لا نشكو ضعف الرأي ولا هوان الشعور، ولكننا نشكو خمود الروح وضعف الروح
ومن خمود الروح أن نرى الحق يثقل على الناطق به، والمستمع له، فلا ترى لرسالة الحق من وليّ ولا نصير
ومن خمود الروح أن نبدأ العمل بقوة صاخبة، ثم ما يزال يذوي ويتساقط ويتبدد ذووه حتى ينقضي أثره ويصير خبره حديث السامرين، وسخرية الشامتين
ومن خمود الروح أن نأخذ الهين التافه والغث المبتذل من ألوان المدنية، ونترك القيّم المكين الذي يحتاج إلى جهد وإيثار، حتى أصبحت حياتنا مجموعة من المناظر والصور والأشكال
ففيم الذكرى؟ وفيم القصائد والخطب؟ وفيم الفصول المتناسقة والبحوث المتلاصقة؟ وفيم الكلام عن رسول الله، وأعتقد أن لو بعث رسول الله بعثاً ثانياً للقي من تخاذل هذا العالم أضعاف ما لقي من عناد العالم الأول. كان يجد عالماً مملوءاً بالكيد والأنانية والخداع والرياء - رياء في الدين ورياء في الدنيا، وبيع لجانب الله بالثمن الخسيس من جاه زائف ودنيا زائلة
أرأيت كيف بعث محمد رسول الله عربياً، وكيف قامت رسالته على سواعد العرب؟
لم يكن العرب في شيء من عظمة الدولة، ولا نظام الجماعة، ولا سمو الفكرة، ولا علو الحياة
ولكنهم كانوا في الذروة العليا من يقظة الروح وقوة الروح
وبهذا الروح اليقظ القوي كانوا يعافون الضيم ويأبون الهوان، ويؤثرون النار على العار. وكان الرجل يقول الكلمة فيرتهنها بروحه وأرواح ولده وأهله وعشيرته. وكانوا يشبون الحرب لكلمة جارحة تصيب أدناهم، وقد يصمدون لها أربعين عاما
وكان هذا الروح اليقظ أو هذا الأتون المشتعل في حاجة إلى من يوجهه ويهديه الطريق القويم
وبهذا التوجيه تمت المعجزة التي لم تشابهها معجزة في الوجود فأخرج رسول الله من أبناء الصحراء الغارقين في الدماء، الخابطين في الجهالة الجهلاء، أعلام العلم، وأقطاب الحكمة، وأئمة السياسة، وأبطال الحرب، وكواكب الهداية، وهؤلاء الذين كافحوا في نطاق فارس والروم، ملكوا فارس والروم، وما وراء فارس والروم في طرفة عين
ولعل أروع حادث تمثلت فيه يقظة الروح وقوته وسطوعه بنور الإيمان حادث الهجرة. وما ظنك بهذا الرسول الأمين، وهو في غار نشر الموت ظله عليه، وأطل برأسه على من فيه، فالسيوف الطائشة الظامئة تترصده، والوحشة والظلمات والهوام القاتلة تطبق عليه - ما ظنك بهذا الرسول الكريم وهو في تلك الحال يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا؟!!
ثلاثة أيام تتقطع في كل ساعة من ساعاتها نياط القلوب ورسول الله أثبت قلباً من ذلك الجبل الذي يضم ذلك الغار
وهذه الأيام الثلاثة تتمم ثلاثة عشر عاماً أقام بها محمد صلى الله عليه وسلم يدعو أهل مكة
إلى الله ولم يكن في يوم من أيامها أخف عبئاً ولا أقل اقتحاماً من هذه الليالي الثلاث
وفي ظل ذلك الموت الجاثم على الجبل وما حوله في ليالي الغار كانت الصبية أسماء بنت أبي بكر تحمل الزاد والماء كل ليلة من دار أبيها فما تزال تخوض بحراً من رمال الصحراء، ترفعها رافعة، وتخفضها خافضة، حتى ترتقي الجبل، وتصل إلى الغار، فتقدم الزاد وتلقي ما تعلمه من خبر مكة ثم تعود في جنح الليل، فلا ينبثق الصبح إلا وهي في فراشها كأنه لم يكن ثم شيء
وما كان أقوى تلك الطفلة الناشئة أسماء بنت أبي بكر حين اقتحم رجال قريش عليها البيت وامتحنوها بألوان من العذاب لتدلهم على مكان أبيها فما كان لهم منها من جواب، ولطمها الشريف النذل أبو جهل بن هشام لطمة أطارت قرطها من أذنها لتتكلم فما نطقت إلا بعبرة واحدة سقطت من عينها على الأرض
هي إذاً روح قوي شديد كان ينتظم كل مسلم ومسلمة ولا يقف أمام هذا الروح شيء مما عساه يعترض الناس
فهل في الإمكان أن يستيقظ الروح في صدور مسلمي هذه الأيام؟
إن هذه الأرواح كالأجساد، تختلف عليها الصحة والمرض، والقوة والوهن، والنشاط والخمول؛ وهي كالنحل تجتمع على اليعسوب القوي، وكالجند تقوى بالقائد الفادي المجيد. فهل يقوم في المسلمين داعية من دعاة الله يهب نفسه لله، ويفني ذاته في ذات الله؟
داعية واحد لا يقوم بينه وبين الله شيء، لا يجمع المال ولا ينشد الجاه، ولا يؤثر نعمة الحياة على رضا الله. . . وهو خليق إن وجد أن يجتمع حوله رجال على غراره. . . داعية واحد من هذا الطراز إذا وجد أثمر الأمل وصحت الأحلام
فهل يقوم المهدي المنتظر؟
لا أدري. . لعل أوانه قد آن
عبد الله عفيفي
بلاغة العرب
كليلة ودمنة
للدكتور محمد صبري
البيان في لغة العرب، يجري في منازلها وأساليبها جرى الماء في فروع الدوحة. . ومن ذا الذي لا يحب ظل الدوح وثمره المتهدل الذي يملأ اليد والعين والقلب؟ ومن ذا الذي لا يحس طراوة العيش وبهجة الدنيا في نواحيها؟ ومن ذا الذي لا يحركه السحر الذي يتبرج في كل لون نضير؟
إن لكل لفظة ولكل أسلوب لوناً ولكل لون فتنة، وقد جمع أسلوب ابن المقفع بين الجزالة والسلاسة؛ وكانت كل لفظة منه تنحت من خير مقطع، ومن عجب أن هذه الألفاظ والتراكيب السهلة الممتنعة كان ينظمها ابن المقفع فيخدعك صفاؤها وانسجام نفعها وموسيقاها عما تكبده من تعب وجهد
وأسلوب ابن المقفع في الكتابة كأسلوب البحتري في الشعر: في كل منهما تتجلى روعة الفن والصقل والذوق
قال الطائر فنزة إلى الملك في كليلة ودمنة: (. . . أنا الفريد الوحيد الغريب الطريد قد تزودت عندكم من الحزن عبثا ثقيلا لا يحمله معي أحد. وأنا ذاهب فعليك مني السلام) وقال البحتري:
وقفة في العقيق أطرح ثقلاً
…
من دموعي بوقفة في العقيق
وقال:
أعاتب الخل فيما جاء واحدةً
…
ثم السلام عليه لا أعاتبه
هذا نثر منظوم وذاك شعر منثور ينتظمهما نفس واحد وموسيقى واحدة تتحد مع المعنى. . . الأول يطول نغمه ويمتد كموج البحر لأنه يدلل على ثقل العبء الذي يؤوده. . . (قد تزودت عندكم من الحزن عبئا ثقيلا) والثاني يقصر نغمه ويطرد لأنه يدلل على طرح الحمل. . . (وقفة في العقيق أطرح ثقلاً)
وإني أجتزئ اليوم بهذه المقارنة وأقول: إنه يخيل إلي أن إبن المقفع كان محزون النفس لأن وتر الحزن في كتابته يرن بين آونة وأخرى كلما ذكرت الصداقة وكلما ذكر الوطن. .
كانت الصداقة عنده كما كانت عند إسماعيل صبري ظلا يأوي إ ليه كلما كثر النهار. . .
جاء في باب الحمامة: (قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل المتحابين. . فحدثني إن رأيت عن إخوان الصفاء، كيف يبتدأ تواصلهم ويستمتع بعضهم ببعض. . .). . وجاء فيه أن المطوقة نادت الجرذ باسمه: (فأجابها الجرذ من جحره: من أنت؟ قالت: أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها الجرذ يسعى)
(أنا خليلتك المطوقة). . . أظن كثيرين من القراء يعرفون قصص (لافونتين). . . ويذكرون باب (المطوقتين الراحلتين) وسؤال إحداهما للأخرى: (هل عند خليلتي الكفاف من الرزق والمأوى؟)
وجاء أيضاً في باب الحمامة المطوقة: (إنه لا شيء من سرور الدنيا يعدل صحبة الإخوان، ولا غم فيها يعدل البعد عنهم). وقالت السلحفاة ترّغب الظبي في الإقامة معها وصحبتها: (نحن نبذل لك ودنا ومكاننا، والماء والمرعى كثيران عندنا). ثم قالت: (لا عيش مع فراق الأحبة، وإذا فارق الأليف أليفه فقد سلب فؤاده وخرم سروره وغشى بصره)
والأمثلة كثيرة في مقدور كل قارئ أن يهتدي إليها، والآن أنتقل إلى الوطن والوطنية، وأرجو أن نقف قليلا على باب (البوم والغربان) فإن فيه بلاغة وفيه دروسا نافعة
تتلخص هذه القصة في أن ملك البوم أغار في أصحابه على الغربان فقتل وسبى منها خلفا كثيرا، وكانت الغارة ليلا، فلما أصبحت الغربان اجتمعت إلى ملكها وأخذت تتشاور معه في الأمر، فنصح اثنان منهما بالهرب فقال الملك:(لا أرى لكما ذلك راياً، أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة أصابتنا فيه ولا ينبغي لنا ذلك، ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي نار الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة إذا أقبل إلينا فنلقاه مستعدين ونقاتله قتالا غير مراجعين فيه ولا مقصرين عنه، وتلقى أطرافنا أطراف العدو ونتحرز بحصوننا وندافع عدونا بالأناة مرة وبالجلاد أخرى حيث نصيب فرصتنا وبغيتنا، وقد ثنينا عدونا عنا)
أبى ملك الغربان أن يستسلم للعدو المغير وأن يخلي له وطنه ودياره وأبى إلا أن يقاتل وأن (تلقى أطرافنا أطراف العدو. . .)
وأفتى الثالث بالصلح مع العدو (على خراج نؤديه إليه في كل سنة ندفع به عن أنفسنا ونطمئن في أوطاننا. . .) أو بعبارة أخرى كان يرى في البقاء في الوطن في ظل الاستعباد بعض الطمأنينة، وقد رد الرابع أنه لا يرى هذا الصلح رأيا (بل أن نفارق أوطاننا ونصبر على الغربة وشدة المعيشة خير من أن نضيّع أحسابنا ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه مع أن البوم لو عرضنا ذلك عليهن لما رضين منا إلا بالشطط. ويقال في الأمثال: قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك، ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك ويضعف جندك وتذل نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس. . . إذا أملتها قليلا زاد ظلها وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظل. . . وليس عدونا راضيا منا بالدون في المقاربة، فالرأي لنا ولك المحاربة. . .)
قال الملك للخامس: ما تقول أنت؟ وماذا ترى؟ القتال أم الصلح؟ أم الجلاء عن الوطن؟. . .
قال: أما القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه
وقد كان هذا الأخير أرجحهم عقلا لأنه خشي مغبة قتال القوى ومقاربته كل المقاربة والجلاء عن الوطن. . . ورأى أن يصيب أبناء جنسه حاجتهم من البوم بالرفق والحيلة قال: (وإني أريد من الملك أن ينقرني على رؤوس الأشهاد وينتف ريشي وذنبي، ثم يطرحني في أصل هذه الشجرة ويرتحل الملك وجنوده إلى مكان كذا فأرجو أني أصبر وأطلع على أحوالهم ومواضيع تحصينهم وأبوابهم فأخادعهم وآتي إليكم لنهجم عليهم وننال منهم غرضنا إن شاء الله تعالى)
انطلت على البوم حيلة الغراب وأنست له حتى إذا طاب عيشه ونبت ريشه واطلع على ما أراد أن يطلع عليه راغ روغة فأتى أصحابه وقال لهم: (إن البوم بمكان كذا في جبل كثير الحطب. وفي ذلك الموضع قطيع من الغنم مع رجل راع. ونحن مصيبون هناك نارا ونلقيها في أثقاب البوم ونقذف عليها من يابس الحطب ونتراوح عليها ضربا بأجنحتنا حتى تضطرم النار في الحطب فمن خرج منهن احترق ومن لم يخرج مات بالدخان موضعه. ففعل الغربان ذلك فأهلكن البوم قاطبة ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات. . .)
لقد أرسل الله إلى البوم من يهلكها ويبيدها، لأنها ظلمت القرى والعباد، وإني لأتمثل
الغربان وهن يتراوحن على النار ضربا بأجنحتهن حتى تضطرم في الحطب. . . تلك أجنحة ملائكة. . . ملائكة الرحمة والانتقام. . .
ويعجبني في هذه القصة حكاية الصفرد الذي طالت غيبته عن مكانه فجاءت أرنب فسكنته فلما عاد الصفرد تنازعا وقررا أن يحتكما إلى سنور متعبد بساحل البحر (يصوم النهار ويقوم الليل كله. . .) ما كادا يسألانه أن يقضي بينهما ويقصان عليه قصتهما حتى قال:
(قد بلغني الكبر وثقلت أذناي فادنوا منى فأسمعاني ما تقولان) فدنوا منه وأعادا عليه القصة وسألاه الحكم. فقال:
(قد فهمت ما قلتما وأنا مبتدئكما بالنصيحة قبل الحكومة بينكما فأنا آمركما بتقوى الله وألا تطلبا إلا الحق فإن طالب الحق هو الذي يفلج وإن قضي عليه. . .) قال صاحب كليلة ودمنة:
(ثم إن السنور لم يزل يقص عليهما من جنس هذا وأشباهه حتى أنسا إليه وأقبلا عليه ودنوا منه ثم وثب عليهما فقتلهما)
تلك عاقبة المتنازعين الذين يحتكمون إلى القوي فيخدعهما برياء قوته وجبروته ناسين (أن العاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سكن. فإنما مثل الحقد في القلب إذا لم يجد محركا مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطبا فليس ينفك الحقد متطلعا إلى العلل كما تبتغي النار الحطب فإذا وجد علة استعر استعار النار)(باب الملك والطائر فنزة)
أنظر إلى كلمة (المكنون) التي يصف بها الجمر وكلمة (متطلعاَ) التي يصف بها الحقد وكلمة (تبتغي) في قوله (كما تبتغي النار الحطب)
هل رأيت أبلغ منها في مثل هذه المواطن؟
ثم أنظر إلى قوله في الحقد:
(فإذا وجد علة استعر استعار النار) تر من جمال التعبير ما يرقص له البيان. فإن الكلام كان يمشي وئيدا ثم اندفع كالنار في الجملة الأخيرة، وكذلك كان الشأن في قصة المطوقة:
(فأجابها الجرذ من جحره: من أنت؟ قالت أنا خليلتك المطوقة، فأقبل إليها الجرذ يسعى) فإن هذه الكلمات القصيرة المتتابعة (فأقبل، إليها، الجرذ، يسعى) تنم عن الحركة السريعة المطمئنة وتؤدي المعنى خير أداء، وإن من البيان لسحرا
محمد صبري
في الطريق إلى يثرب
للأستاذ محمود الخفيف
طافَتِ الذكرى فَطوفي بِقَصِيدِي
…
واسكُبي في مِسمَعِ الدَّهرِ نَشيدِي
جَدِّدي قيثارَتي اللَّحْنَ وَهاتي
…
مِن حَديثٍ أَبلَجِ الذِّكرِ فَريدِ
اُلهَدي وَالحَقُّ فيهِ والعُلَى
…
والبُطُولاتُ وآياتُ الخُلُودِ
هِيهِِ. . . غَنَّيناَ بألحَان وِضَاءِ
…
جَدَّ بالقَلْبِ حَنِينُ لِلغِناءِ
فَصَّلي أسْجَاعَها واستَلْهِمي
…
كُلَّ نَشْوَانِ الصَّدَى حُلْوِ الأدَاءِ
رَجِّعي أنشُودَةً خالِدَةً
…
كَمْ سَهَتْ عنها أغاني الشُّعَراءِ
أسمِعيها الشَرْقَ شِعراً سَلْسَلاً
…
وَأَهيبي بِبَنيهِِ البُسَلاءِ
سيرَةٌ مِنْ جَانِبِ الله سَناها
…
وَمَعان يوُقِظُ الرّوحَ صَدَاها
كلُّ نُورٍ هُوَ مِنها قَبَسٌ
…
وَإلَيها كلُّ مَجْدٍ يَتَناهَى
خُطُواتٌ مُبتَدَاها عَزمَةٌ
…
دُونَها الوَصْفُ، وَنَصْرٌ مُنْتهاها
إقْبسي قيثارَتي الوَحْيَ وهاتي
…
مِن حَدِيثٍ قُدُسِيِّ اللَمَحَاتِ
أنشِديِنا فِيهِ أَعْلَى مَثَل
…
خَطَّهُ التّاريخُ في مَاض وَآتِ
عِظَةُ الأجْيالِ فيهِ سَاقَها
…
مَنْ أَتاها بالهُدَى والبَيّناتِ
النَّبِي العَرَبيُّ المصطفَى
…
خَاتَمُ الرُّسُلِ سَمَاء المَكرُماتِ
حدِّّثي كيفَ اتّقَي كَيدَ الطَّغَامْ
…
ومَشَى تَحتَ الدّجى هادي الأنامْ
ثانيَ اثنَينِ ترامَتْ بِهما
…
في سَبِيلِ اللهِ بِيدُ وَرِجَامْ
أيُّها المُخرَجُ في جُنْحِ الدُّجى
…
بِكَ يَنْجابُ عَنِ الدُّنيا الظَّلامْ
وَصِفي الصَّدِّيقَ يُخفيِ البُرَحَا
…
في سُرَى يَكْرَهُ أنْ يَفتَضِحاَ
مُرسِلاً عَيْنَيْهِ في سُدفَتِهِِ
…
كُلَّمَا أبْصَرَ فِيَها شَبَحَا
وهْوَ مَنْ لا يَرْهَبُ اللّيلَ ومَنْ
…
طَلَبَ الصُّحْبَةَ فِيما اقْتَرَحَا
وبَكَى. . . حتى إذا فَازَ بها
…
رَاحَ يَبْكي مِن جَديدٍ فَرَحا!
يا دُمُوعَ البِرِّ خَلَدْتِ الوَلَاء
…
وَتَسامَيْت شَكاةً وَانْتِشَاَء
يا نُجومًا يَتَجدَّدْن على الدَّ
…
هرِ جَمَالاً وَسَناَء وَضِياَء
يَتَملاّكِ بنو الدُّنيا إذا
…
طلَبوا في هذه الدنيا الوَفاَء
سَتَرَ الليْلُ الرَّفِيقَينِ فسَارَا
…
كَيْفَ يَجْتَازَانِ في الليْلِ القِفاَرَا؟
آثَرَ الصَّدِّيقُ أنْ يَختَبِئاَ
…
فَمَضَى يَطْلُبُ فِي البَيْداءِ غَارَا
عِنْدَ (ثَوْر) يَبْتَغِي مَوْضِعَهُ
…
قَبْلَمَا يُوحِى لَهُ النَّجْمُ النهارَا
وَمَشى في إثرِهِ صَاحِبُهُ
…
يَسْألُ اللهَ لِعَبدَيهِ اصْطِبَارَا
يُبْصِرُ الصِّدِّيقَ طَوراً سَابِقاَ
…
يُسْرِعُ الخَطْوَ، وطَوراً لَاحِقاَ
ويَراهُ بَعدَ حِين قُربَهُ
…
صامِتاً، يَرْنو إليهِ مُشفِقاَ
مُرْهِفاً أُذْنَيْهِ فْي البِيدِ إذَا
…
هَفَتِ الرِّيحُ بِلَيلٍ أغْسَقاَ
حَذِراً يَرْتَابُ إن كان أمَامَهْ
…
فَهوَ لَا يَأمَنُ في الليلِ ظَلَامَهْ
ومَتى عَادَ إلى خَلْفٍ رَأَي
…
مَوضِعاً لَيْسَ تُرى فيهِ السَّلَامَهْ
وَلَئِنْ سَارَ إلى جَانِبِهِ
…
لَمْ يُصِبْ في ذَلِكَ السَّيرِ مَرَامَهْ
جُهْدُهُ أنْ يَتَلقَّى وَحْدَهُ
…
إنْ بدا الشَّرُ، من الشَّرِ سِهامهْ
أيُّهَا البَاذِلُ فِي اللهِ اَلحَياهْ
…
ياَ رَفيقاً فَاتَ في البَرِّ مَدَاهْ
أيُّهَا المُرْخِصُ في إيمانِهِ
…
مَا يُعِزُّ النَّاسُ مِنْ مَال وَجَاهْ
سِرْتَ في الدُّنْيا حَدِيثاً عَطِراً
…
تَنْشَقُ الدنْيا عَلَى الدهْرِ شَذَاهْ
بَلَغَا (ثَوْراً) وَمَا حَانَ السَّحَرْ
…
فمَشَى يَأوِي إليّ الغَارِ القَمَرْ
يَا سِرَاجاً يَنسَخُ اللهُ بهِ
…
ما تَدَجَّى مِنْ ضَلَال وَاعْتكَرْ
قدَّرَ اللهُ لَكَ الظَعْنَ فَكَمْ
…
عِبْرَةٍ فيهِ وَذِكرَى لِلْبَشَرْ
إن تَكُنْ أُوِذيتَ فيِ اللهِ لَقدْ
…
كُنْتَ أَسْمَى مَنْ تَأَسَّى وَصَبَرْ
لَمَحَ الغَارَ فَأوْمَى عِنْدَ بَابِهْ
…
لِلنِّبِيِّ المصطفَى، خَيْرُ صِحَابِهْ
قِفْ! تَمَّهلْ. . . بِأبي أنْتَ وأُمِّي
…
رُبَّ شَرٍ خَبَأ اللّيْلُ لَنَا بِهْ
وَمَضَى يَسْتبْرِئ الغَاَرَ لَهُ
…
لَيْسَ يَخَشى ماَ دَعَاهُ لاجْتِنَابِهْ
لَمْ يَخَفْ فِيهِ المُعْتمِاَ
…
بَلْ دَعَاهُ حِرْصُهُ أَنْ يَقْدُما
مَدَّ في الظُلْمَةِ رِجْلَيْهِ إلى
…
كُلِّ رُكنٍ بَاحِثاً لَنْ يُحْجِماَ
رُبَّ رَقْطَاَء أَثَارَتْ رِجْلُهُ
…
أوْ أثَارَتْ فِي دُجَاهُ ضَيْغَماَ
يَفْتَدِي بِالنَّفْسِ طهَ رَاضِياً
…
كلُّ سِلْمٍ عِنْدَهُ أَنْ يَسْلَما
لَاذَ بِالْغَارِ الرَّسُولُ المصطفى
…
معه الصِّدَّيقُ أوْفى من وَفَا
يَقِظَ الطَّرْفِ بِهِ ذَا أُهْبَةٍ
…
مُنصِتاً في صَمْتِهِ مُسْتَهدِفاَ
كُلُّ هَوْلِ عِنْدَهُ مُسْتَعْذَبُ=في سَبِيِل الحقِّ حتى يُنْصَفَا
إمْلأي اللَّحْنَ خُشُوعاً وَاحْتِشامَا
…
وَاجْعَليِ شِعْري صَلاةً وَسَلَامَا
أسجُدي قيثارَتي واقتَبسي
…
مِنْ جَلَالٍ فاتَ في الأرضِ الكلاما
أعْجَزَ القَوْلَ وَكَمْ هامَ بهِ
…
مَنْ رَأى فِيهِ قُصَاراه الهُياما!
كُلَّما اسْتَشْرَفَ ذُو لُبٍّ لَهُ
…
كان كالأُفْقِِ: تدانى فَتَرامَى!
هلْ رَأَى قَطُّ بنو الدُّنيا كِفاحا
…
غَيْرَ نُورِ الحَقِّ لم يَهْزُزْ سِلاحَا؟
هلْ رَأَوا قَطُّ يَتيماً مُمْلِقاً
…
يَتَحدّى وَحْدَهُ اللُسْنَ الفِصَاحا؟
ذَلِكَ اللائِذُ بالغارِ غَداً
…
يَمْلأُ العالمَ رُشْداً وفلاحا
هلْ رَأى قَطُّ بنو الدُّنيا يَقينَا
…
مِثْلَ هذا حَيَّرَ المُسْتكْبِرينا؟
ظَلَّ عَشْراً وثلاثاً صابِراً
…
يَتَحدَّى سَفَهَ المُستهزِئينا
كُلَّما زادُوه مِن كَيْدِهُمُ
…
وَجَدُوا مِنْهُ قَنَاةُ لن تَلينا
أيُّها الصّابرُ، بالصَّبرِ غَداً=يَفتَحُ اللهُ لَكَ الفَتْحَ المُبينا
أيُّها الهامِسُ تحتَ الغَلَسِ
…
وَهْوَ مَنْ يَحْمِلُ أَسْمَى قَبَسٍ!
أيُّها المُخْرَجُ لَيلاً لم يَكنْ
…
هَمسُكَ القُدْسِيُّ بالمُحْتَبِسِ
هذهِ الدُّنيا غداً تشدو بهِ
…
مِنْ ضِفافِ السِّنْدِ للأندلُسِ
ذلك الغارُ الذي لاذَا بهِ
…
جِدَّةٌ الدُّنيا غداً مِنْ بابهِ
يَدرُجُ التّاريخُ مِنْ رُقْعَتِهِ
…
ويَفيض النُّورُ مِنْ مِحْرابِهِ
يَمحَقُ البَاطِلَ في أصْنَامِهِ
…
ويُميتُ الشِّرْكَ في أنْصَابِهِ
يَسَعُ الدُّنيا غداً هَيكلُهُ
…
ويَلُّمُّ المَجْدَ مِنْ أنسابِهِ
سَوْفَ يَطوي مُلكَ كسْرى لو دَرى
…
غَيْرَ بَاغِ، ويُذِلُّ القَيصرا
مَوْضِعٌ في البيدِ يسمو رُكنُهُ
…
للثريا وَهْوَ في أصْلِ الثّرَى
مَوْئِلُ الدّين مشى في هجرةٍ
…
أذِنَ الله بها أن يُنْصَرَا
عُصْبَةُ الشِّركِ محا الصُّبحُ دُجَاها
…
وَأتَى الحقُّ بما ألْجَمَ فَاها
لَيَتَهَا لما أَتَاها أذْعَنَتْ
…
وَمَعَ الصُّبْحِ أفَاقَتْ مِنْ كَرَاها
صَدفَت عنهُ عِنَاداً وَمَضَتْ
…
تُؤثِرُ الليْلَ عَلَى الصُّبْحِ اتجاها
يَا لها مِنْ عُصْبَةٍ غَاشِمَةٍ
…
كهْلُها يَسْبِقُ فِي الشِّرِّ فتاها
طَلَبَتْ فِي رُقْعَةِ البِيدِ الرسُولَا
…
وَأتَتْ تَسْعَى شَبَاباً وَكُهُولَا
يَسْمَعُ الصّدِّيقُ جَمْعاً هاهنا
…
وَهُنا يَسْمَعُ مِنْ قُربٍ فًلًولَا
أيُ ثَأرٍ هاجَهَا فَاْنطَلَقَتْ
…
لا تَرَى عن ذَلِك البَغْيِ عُدُولا؟ َ
أتُرى تُدْرِكُ معنى الارْتِحَالِ
…
وَتَرى أوَّلَ آيات النّضَالِ؟
لو تَخَطّتْ حُجُبَ الغَيْبِ رَأتْ
…
مِلء هَذِِي البِيدِ من سُمْرٍ عوالِ
تَرْجُفُ الأرْضُ بِجَيْشٍ لَجِبٍ
…
ظَافرِ الإقْدَام نشوانِ النِّصالِ
رَفَعَ الرَّايَةَ فِيهِ سَيِّدٌ
…
يَجْعَلُ العَفْوَ بِهِ فَوقَ القِتَالِ
قالَ عِنْدَ الغارِ: يا قومِ هنا!
…
قائلٌ منهم. . . ونادى موقنا
ورأى الصّدِّيقُ ما أَزْعَجَهُ
…
فَشَكا البَثَّ وأبدى الحَزَنا
قال لا آسَي إذا نُجّيتَ مِنْ
…
ذا وإن أوذِيتُ أوْ مِتُّ أنا
وَرَأى أحْمَدُ لا يَخْشى العِدَا
…
ولَئِنْ كدَّرَهُ ذَاك الصَّدَى
قالَ: لا تحْزنْ! وَصَلَّي قائماً
…
يَحْمَدُ الله عَلَى مَا أيَّدَا
أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ سَكَناً
…
وَوَقى الَجارَيْنِ مِن شَرٍ بَدا
وَتَوَلْتْ عُصْبَةُ الشِّرْكِ؛ فمَا
…
يَفْتَحُ البَاطِلُ حِصْناً مُوصَدَا
أي حِصنٍ صَدَّ هاتيك الجُمُوعا
…
فَتَوَلْوا عَنْهُ مِن يَأسٍ رُجُوعا؟
صِيغَ مِن أوْهَنِ نَسْجٍ بابُهُ
…
لا يُرى إلا خُيُوطاً وَرُقوعا
مَا دَنَا مِنْهُ فتىً إلا انثنَى
…
وَاجِفَ القلْبِ وَمَا كانَ هُلوعَا
أفْزَعَ الشِّرْكَ مِنَ الغَارِ غِناءُ
…
فإذَا أَفْئِدَةُ الشِّرْكِ هَوَاء
ذَاتُ طَوْقٍ جَاوَبَتها أُختُها
…
يا دُعَاءً رَاحَ يَتْلُوهُ دُعَاء
رَوِّعَا الشِّرْكَ بِلَحْنٍ هاتِفٍ
…
إنّمَا كانَ مِن الله النَّجَاء
إنْ أتَى النَّصْرُ مِنَ الله فمَا
…
يَنْسِجُ العَنْكَبُ - دِرْعُ وَوِقاء
وَصِفَا مِن جانِب الرَّحْمَنِ حَشْدا
…
مَلأ البَاطِلَ رُعْبًا لو تَبَدَّى
طافَ بالغَارِ أُولو أَجْنِحَةٍ
…
قَدْ تلاقَوْا عِنْدَهُ وَفداً فَوَفْدَا
مِن جُنُودٍ لم يَرَوْها حُوَّمٍ
…
أيْنَ مَن يَحْشُدُ كالرَّحْمَنِ جُنْداَ؟
حَيّيا أسماَء كالطّيْفِ الرَّفِيقْ
…
تَسْرِقُ الخطْوَ عَلَى هَوْلِ الطريق!
تَحْمِلُ الزْادَ عَشِيَّا وَحْدَها
…
ذَاتُ قَلْبٍ هُوَ بَالخَوْفِ خِليقْ
يا اْبنَةَ الصّديق هلْ منْ نَبأٍِ
…
للرَّفيقين عَن الشِّرْكِ وَثيقْ؟
أمسِكي عَنْ لطْمَةٍ فاجرَةٍ
…
طَرحَتْ قُرْطَكِ منْ وَغْدٍ صَفِيقْ
هِيِه عَبْدَ الله. . . قُصَّ الَخَبَرا
…
هاتِ منْ نيّاتِهِمْ مَا ظهَرَا
وَخذ الحيطَةَ وَأحْذَرْ مَكرهُم
…
وَتَخَيَّرْ من يُعفي الأثَرا
وتأهّبْ. . . آن أن يَسْتَأنِفَا
…
فيِ سبيلِ اللهِ هذا السَّفَرا
تَبِعا فيِ وَحْشَةِ البيدِ الدلِيلَا
…
يَتِوَخْى بهما سيْراً طَويلا
يَدْرُجُ الحقُّ إلى غايَتهِ
…
وقد اختَارَ لَهُ الله السَّبيلا
يَنْصرُ اللهُ به مَن هاجَرُوا
…
مِنْ جُنُودٍ صَبَروا صبراً جَميلا
آيَة اللهِ انجْلَتْ في هِجْرةٍٍ
…
تَهْتفُ الدّنْيا بها جيلاً فجيلا
هِجرةٌ تَحْمِلُ بُرْهانَاتِها
…
وهيَ وحْيُ لِلنُهَى في ذاتِها
كلّمَا أمْعَن فِيهَا نَاظرٌ
…
كَشَفَ المكنونَ مِنْ آياتِها
قَبسُ اللهِ الذي أنزَلُهُ
…
يَنْجَليِ لِلنّفْسِ في غاياتِها
ذلك الداعِي الذي يلقى الصِّعابا
…
لِمَ يَخْتارُ مِن القَوْمِ العَذَابا؟
وهْوَ لَوْ يَخْتارُ مُلكاً نَاَلَهُ
…
من سَراةِ القَوْمِ طوْعاً لَا اغْتِصابا
أوْ يشاء المالَ سَاقُوهُ لَهُ
…
وهْو مَنْ يَفْنَى لهُ الناسُ طِلَابا
إِنما يَسْعَى إلى اللهِ، وإنْ
…
قَذَفوا في وجهِهِ السّمْحِ التُّرابا
لمَ تكُنْ هْجَرَتُهُ إلا جِهَادَا
…
وإباءً وحِفَاظاً وجِلَادَا
رَاحَ يَسْتأنِفُ في هجَرتِهِ
…
في سبيلِ اللهِ؛ أعْبَاءً شِدادَا
سَارَ يَسْتَصرْخُِ مِنْ يَنْصُرُهُ
…
ليُذِلَّ السَّيْفُ في الشّركِ العنادا
هادِيَ البَيْدَاء قدْ طالَ الَمسِيرْ
…
وَرَجَتْ يَثْربُ إقبالَ البشيرْ
إيهِ لا تُبطِئ فهذا فارِسٌ
…
يَقْتَفي خَلْفُكَ آثارَ البَعِيرْ
الْتَفِتْ تُبصِرْهُ قَدْ ساَخَ به
…
فَرَسٌ كادَ مِن الزّهْوِ يَطيرْ
صاح بالرَّكْبِ تَنكّبْتُ الأذَى
…
ولَئِنْ أُطْلِقْتُ إنِّي لَنَصِيرْ
ومَشَى حَتَّى إذا ما اقْتَربَا
…
راحَ يرْوِي للرَّسُولِ السّبَبا:
أُرْخِصَ المالُ لمن يَأتي بهِ
…
فأتى يَطْلُبُ فِيَمنْ طَلَبَا
مُذ رأى ما حلَّ في السَّيْرِ بِه
…
طَلَبَ الأمْنَ وعافَ الذَّهَبا
أقْبلي يَثْرِبُ من كلِّ البقاعِ
…
بَلغَ السَّفرُ ثَنِيَّاتِ الوَداعِ
اجعَلِي في كلِّ وادٍ مَوْكِباً
…
مُشْرَئِباً، وامْلأي كلَّ يَفاعِ
سِرْتِ في الدُّنيا إلى جَبْهَتِها
…
مُنْذُ آوَيتِ بها أشْرَفَ داع
الخفيف
الإسلام عدو الشرك والنفاق
للأستاذ محمد عبد الرحمن الجديلي
رأى المشرع الإسلامي: أن يُبقى على فريضة الحج، والحج معروف في تضاعيف الزمان ومن أقدم العهود، أبقى عليه المشرع الإسلامي إبقاءً مهذباً مطهراً خالصاً من أدران الشرك ومن دنس الاعتقاد الرجس. أبقاه الإسلام، بعد أن افرغ عليه من جلال التوحيد، وأفاض عليه من معاني التقوى ما جعله منسكاً حافلاً بالخير.
وأي خير أوفر من شهود المنافع وتعرّف شؤون الأقطار الإسلامية، وشدّ أواصر المجتمع وإعداد النفوس لتلقى أسمى الفيوضات واستلهام الهدى واجتماع الكلمة؟
ونحن بسبيل أن نبين كيف اختار الإسلام موسم الحج ميدانا لإصلاح اجتماعي خطير؟ هذا الإصلاح هو: مهاجمة النفاق والكشف عن المنافقين وتمييزهم عن المجتمع ونبذهم، بعيدين عن المؤمنين لكي يسلم للأمة خلقها وتصح عناصرها. . .
أنزل الله على رسوله - صلى الله علية وسلم - في ختام ما نزل من القرآن سورة (براءة)، أو السورة (الفاضحة) التي فضحت الشرك وكشفت عن المنافقين، أنزلها الله في السنة التاسعة من الهجرة في موسم الحج
وقد كان محمد صلى الله علية وسلم - من قبل ذلك - يعرف خصومه من المشركين السافرين فيحذرهم وينكل بهم. ثم كان يعرف - أيضاً - أن بين أتباعه بعض المنافقين، فكان لا يجيبهم ولا يكشف عن أضغانهم ولا يبرز للمسلمين دخائل نفوسهم، إبقاء على الدعوة الإسلامية وهي في دور النمو والتكوين، حتى لقد بلغ من قسوة تلك الحالة على محمد صلى الله علية وسلم وعلى أصحابه، أن صاروا فريسة لمكائد النفاق وهدفا لمؤامرات المنافقين يدلون المشركين على عورات المؤمنين ويوضعون خلالهم يبغونهم الفتنة ومع هذا، هم لاصقون بالجماعة المحمدية. . .
(يحلفون ب الله إنهم لمنكم وما هم منكم، ولكنهم قوم يفرقون)
وقد بلغ من خطر النفاق على المجتمع يومذاك - أن دفعت أزمة حربية عنيفة للرسول - صلوات الله عليه - ولأصحابه، فكانت سانحة للمنافقين، أرجفوا فيها بموت محمد عليه السلام لتثبيط العزائم، وتمكين الهزيمة، والمؤمنون في ساعة عصيبة يجمعون شملهم
ويربطون على قلوبهم، والرسول عليه السلام ثابت في مكانه لا يريم
تلك الحوادث أبانت عن أنه لا يزال بين المجتمع الإسلامي - بل وسط جماعة المسلمين - قلوب مطوية على الإحن تتربص بالإسلام وبالرسول الدوائر
وإنها لحال تنغص على المسلمين أمورهم، وتهدد كيانهم وتقلقل مجتمعهم
وقد كاد صبرهم ينفد يوم وقف واحد من هؤلاء يعيب على رسول الله صلى الله علية وسلم قسمه للصدقات ويغمز العدالة المحمدية. هذا الرجل هو (ذو الخويصرة التميمي) دفع به النفاق، فخاطب رسول الله صلى الله علية وسلم، وقال: اعدل يا محمد. . . ولا، والله، ما قصد ذو الخويصرة عدلا ولا طلب حقا. ولكنه قصد إلى أن يشكك الناس في العدالة المحمدية، وينبه الأطماع، ويثير الإحن. فقال له الرسول صلى الله علية وسلم:(ويلك، من يعدل إذا لم أعدل؟)
واستمع لهذا الحوار الرجل المؤمن حقا عمر بن الخطاب، فعرف أنها دسيسة. فقال: يا رسول الله، ائذن لي فأضرب عنقه، فأخذ صلى الله علية وسلم يهدّي من نفس عمر، ويذهب عنه الغضب، ويقول: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه
ونزل في تلك الحادثة من السورة (الفاضحة) قول الله تعالى:
(ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أُعطوا منها رضوا، وإن لم يُعطَوْا منها إذا هم يسخطون)
بقي النفاق - هذا الوباء الأخلاقي - يأكل في أجزاء من جسم المجتمع، ولولا صدق اليقين، ومناعة الجسم، لأودى النفاق بالدعوة الإسلامية
إن لله مواقيت تنتهي لديها أمور وتبدأ من عندها أمور. فلما أذن الله بافتضاح هذا النفاق، وشاء للمنافقين أن يشَهروا ويعلّموا ويؤخذوا بسيماهم، ثم يعزلوا - مرضى موبوئين - عن بقية المجتمع السليم، اختار عز وجل لذلك وقتا علا فيه شأن الإسلام، وتمت له الكلمة، وأثخن المسلمون في أعدائهم أسراً وقتلا واستيلاءً وغلبة. فليس يخيفهم أن يبتروا الأعضاء السقيمة العليلة
وكانت الحياة المحمدية المباركة قد آذنت بالانقضاء، ولابد من صيانة مجتمعه وشريعته ودينه من هذا المرض، مرض النفاق المدّمر الفتاك
عند ذلك أنزل الله سبحانه وتعالى السورة (الفاضحة) كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه: نزلت تفضح النفاق، وتكشف عن المنافقين، وتصور ألوانهم وأقوالهم، وتطلع المؤمنين على دخائل نفوسهم، وتنشر للملأ مطويات سرائرهم. . . وقد كانوا من قبلها يخافون ذلك ويحذرونه
(يحذر المنافقون أن تنّزَّل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم) ولكن الله أوقع بهم، فكان ما يحذرون ووقع ما يرهبون
اختار المشرع الإسلامي غزوة من غزوات المسلمين، جعلها اختباراً أخيراً للمنافقين. وهي: غزوة تبوك، آخر الغزوات في حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وكان الوقت عسيراً والبلاد جدباء، والحر لافحاً والشقة بعيدة، والأعداء هم الروم الأقوياء الأغنياء
هنا أخذ النفاق يطل برأسه، وينفث في العقد، ويبعث التخاذل، ويحبب التقاعد بين الجيوش الإسلامية. فقال جماعة المنافقين وعلى رأسهم كبيرهم (عبد الله بن أبي):(أيغزو محمد بني الأصفر (الروم) مع جهد الحال، وشدة الهجير، والبلد النائي؟ أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر لعب ولهو؟ والله. . . لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الأصفاد)
ثم أخذ المنفقون يقولون: لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون
وهكذا جعلوا يعتذرون عن الخروج بأعذار تافهة ورسول الله صلى الله علية وسلم يقبلها، حتى عاتبه القرآن في ذلك وعفا عنه:(عفا الله عنك لِمَ أذنتَ لهم حتى يتبيَّن لكَ الذينَ صدقوا وتعلمَ الكاذبين)
عرَّفت السورة (الفاضحة) أو سورة (براءة) المنافقين، وحددت أوصافهم: فمنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ومنهم من يلمزك في الصدقات. ومنهم من عاهد الله ثم أخلف عهده. ومنهم، ومنهم. . .
ثم خاطب الله رسوله عليه السلام الخطاب الحاسم في شأنهم فقال: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتُم إليهم لتُعرِضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون)
ولقد نكل الله بالشرك في تلك السورة فسميت (المنكلة) وأزرى واحتقر النفاق ورسمه بأنه رجس، فافتضح النفاق
وجاء صدر تلك السورة قضاء حاسماً على بقية الشرك، وإبادة لمرضه الخبيث في أنحاء الجزيرة العربية
فقد اجتمع إلى الشرك مآثم وأوزار وشناعات، لا مناص من القضاء عليها تطهيراً للمجتمع وإصلاحًا
وفي السنة التاسعة للهجرة أمَّر للنبي عليه السلام على الحج (أبا بكر) الصديق. فلما نزلت السورة - المنكلة الفاضحة - بعث صلى الله علية وسلم إبن عمه علي بن أبي طالب على ناقته العضباء ليقرأ في موسم الحج على الناس كافة صدر السورة المنزلة، قضاء على الشرك والمشركين، فلما دنا علي من أبي بكر سمع أبو بكر رغاء الناقة، فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله علية وسلم. فلما لحقه علي قال له أبو بكر: أمير أم مأمور؟ قال: مأمور
فلما كان يوم الحج الأكبر - يوم النحر - عند جمرة العقبة قام علي فقال: (أيها الناس، إني رسول رسول الله تعالى إليكم) فقالوا: بماذا؟ فقرأ (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله، وأن الله مخزي الكافرين، وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله) إلى آخر الآيات الثلاثين أو الأربعين من السورة
ثم قال: (أمرت بأربع: ألا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم كل ذي عهد عهده)
وفي هذا الموطن الحاشد، وبهذا البيان القاطع تقررت حياطة المجتمع، وصيانة التوحيد، كما تقرر - في أثناء السورة - إبراء المجتمع من داء النفاق بإقصاء المنافقين وتعرفهم بسيماهم؛ ثم نبذهم أحياء أو ميتين
(ولا تُصَلِّ على أحد منهم مات أبداً، ولا تَقُم على قبره)(يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)
انتهى أمر النفاق، وانتظم شأن المجتمع الإسلامي. فلما كان العام التالي، أراد صاحب الشريعة عليه السلام أن يحج، وترامى ذلك إلى أقطار الجزيرة، فانثال الناس من كل حدب، حتى بلغ الحجيج مائة ألف أو يزيدون. وفي يوم الحج الأكبر، خطب صاحب
الشريعة خطبته الجامعة التي بين فيها أصول الدين، وحقوق الإنسان وأعلن فيها المساواة، وحقن فيها الدماء وبين الحدود، وحشد فيها الفضائل الإسلامية
وزاد في جلال الموقف ورهبته إشعار النفوس أن محمدا عليه السلام يودع المسلمين ويتوقع اقترابه من اليوم المحتوم، ويستشرف إلى الرفيق الأعلى
قال صلى الله علية وسلم: (الحمد لله، نحمده ونستغفره ونتوب إليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. . . أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعة الله، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد:
أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري. . . لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا
أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد
فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد
إن لنسائكم عليكم حقا، فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وإنما النساء عَوانٍ أخذتموهن بأمانة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا
أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد
فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد
أيها الناس. إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد؛ كلكم لآدم، وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس يُعرف فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب. . .)
بتلك الخطبة الحافلة بأسمى المعاني الإنسانية، تمت كلمة الله صدقاً وعدلاً، فاكتمل أمر
الدين، وأتم الله نعمته على المؤمنين، وقد أنزل الله في أعقاب ذلك من سورة (المائدة):(اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا).
أقام صلى الله علية وسلم بمكة بعد ذلك عشرة أيام. وأخذته نوازع الشوق وهو في موطنه الأول (مكة) إلى موطنه الثاني، إلى دار الهجرة، فسار إلى المدينة. . .
ولما أشرف عليها، وبدت أعلامها كبَّر ثلاثا وقال:
(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير. . . آيبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده
محمد عبد الرحمن الجديلي
في جنازة الشرك!
آلهة الكعبة يسجدون. .
للأستاذ محمود حسن إسماعيل
(أسطورة وثنية جديدة يتخيل فيها الشاعر لونا من الفزع الذي
حل بأصنام المشركين، على ألسنة الجبابرة الخرس من الآلهة
الحجرية: (اللات، والعزى، ومناة!) في اجتماع لهم غداة
أشرق في ظلمة محاريبهم شعاع من نور محمد!)
مَناة (في حال من الكبرياء والجبروت يحي رفيقيه عقيب ليلة طال فيها سجود المشركين في ساحة الأصنام):
سَلامَ الأُلوهِةِ يا صاحِبَيَّ
…
وَحَيّتْكُما عِزَّتي العالِيْة!
وَحَيّتْكُما مِن شعابِ الجبالِ
…
قلوبٌ لأطيافِنا جاثِيَةْ
وَشَعْبٌ عَلَى الأرْض عاتي الْجِباهِ
…
تَخِرُّ لنا رُوحُهُ العاتِيَةْ
تأبَّى فَسَوَّى شُعاعَ النُّجوم
…
لخَيًماتِهِ طُنُباً زاهِيَةْ
وَألْقَى الزمانَ على خَطْوِهِ
…
حَديثاً لأمجادهِِ السّارِيَةْ
صَحاراهُ أُنْشُودَةُ الأنبياءِ
…
وَمَسْرَى شُعَاعَتِها الهادِيَةْ
وَحَقْلُ السّماءِ الّذي فَجَّرَتْ
…
علَيْه يَنابيعَها الصَّافِيَةْ. . .
بَنُو السَّيفِ وَالبِيدِ أهلُ الوغَى
…
وَأَبْطَالُ دَوْرَتِها الحْامِيةْ
فَمُ الدَّهرِ يَبْلَى وَأَشْعَارُهُمْ
…
تَظَلُّ الغُيُوبُ لها رَاوِيَةْ!
أُولَئكَ مَنْ طوّفُوا حَوْلَنا
…
خُشوعاً لِصَوْلَتِناً الطّاغِيَةْ
وَمَنْ قَدَّسُونا فَكُنَّا لَهُمْ
…
حياةً لأَعْمَارِهْم ثانِيَةْ. . .
اللاّت (في تعجب وسخرية):
أَرَاكَ تَغالَيْتَ في ذِكْرِهِمْ
…
وَكنْتَ لَهُمْ في الوَرَى دَاعِيَةْ
إلهُ يُمَجَّدُ عُبَّادَهُ
…
وَيَكْسُوهُمُ المِدَحَ الغالِيَةْ!
وَيَخْلَعُ مِنْ قُدْسِ أَوْصَافِهِ
…
عَلَى رِجْسِهِمْ حُللاً ضَافِيَةْ
لَبِئْس الهُدَى عِنْدَهُ وَالرَّشادُ
…
وَتَبَّا لِشِرْعَتِهِ الْغاوِيَهْ!
مَناة (صارخا في وجه (العزَّى) وقد كان في إطراق عميق):
سَمِعْتَ مِنَ اللاّتِ هُجرَ الحدِيثِ
…
وَسُخْفَ المَلامِ وَزَيْفَ الْكلِمْ
وَأطْرقْتَ لم تُلقِِ بالاً لَهُ
…
ولم يَسْتَثِرْكَ انِتهَاكُ الحُرَمْ
إلهُ وَتَرْضَى بهذا الهَوانِ
…
وَتَغْرِقُ في الصَّمْتِ مثل الصَّنَمْ!
العُزَّى (في دهشة واستغراب):
وما أنا إلاّ كما قَدْ نَعَتَّ
…
جَمَادٌ عَلَى الأرضِ خَاوٍ أَصَمّْ
وما أنتَ يا صاحِ!. . .
مَناة:
. . . . . . رَبٌّ عَظِيمٌ
…
تُرَّجى لَدَيَّ المُنَى وَالنِّعَمْ
وَتمْشِي بِصَوْلَجِيَ السَّافياتُ
…
وَتَنهَلُّ مِنْ رَاحَتيَّ الدّيمْ
وَباسمِي تَغَنَّي حُداةُ الجِمَالِ
…
وَمَالُوا نَشَاوَى بِسِحْرِ النَّغَمْ
وفي الرَّوْعِ تَجْثُو لَديّ السُّيُوفُ
…
وَبي تَسْتَجيرُ، وَلى تَحْتَكِمْ
وَبي تُقْسِمُ البِيدُ في عَهْدِها
…
جَلالاً. . .
العُزَّى (يقاطعه):
. . . وَأَهْونْ بهذا القَسَمْ!
كَذَبَتّ ألسْنَا هنا ثلةً
…
من الصَّخْرِ خَرْساَء مُنْذُ القِدَمْ؟
تَلَهَّى بِأحْجَارِنا النَّاحِتُونَ
…
وَأَلقَوْا بِنَا في مَهِاوي الظُلَمْ
سَكَنّا الحَضِيضَ أَسَارَى البِلَى
…
وكانَتْ مَرابِعُنا في القِمَمْ
دُمُوعُ الجِبالِ عَلَى ذُلِّنا
…
هي السَّيْلُ يُرزِم فَوقَ الأكَمْ
أبْعَدَ النَّدَى مِنْ كُؤُوسِ الغَمامِ
…
يُصابِحُنا بالرَّحيق الشَّبَمْ!
وَبَعْدَ الرّْياحِ وَتَطْوَافهِا
…
صَلاةً وَنُسْكاً بِعالي الأطُمْ!
وَبَعْدَ الشَّذَى من خُزامَي السُّفُوح
…
تَفَتّقَ نُوَّارُهُ وابْتَسَمْ!
وَبَعْدَ المَهارِج دَوَّى بها
…
فَمُ الجِنِّ في لَيْلِنَا واحتَدَمْ
وَبَعْدَ المَزَامِيرِ أذْكَى بها
…
حنِينَ البَرَارِي رُعاةُ الغَنَمْ!
وَبَعْدَ السُّهُوبِ التي مَوّجَتْ
…
أسَارِيرَها البِيضَ كَفُّ النسَمْ
وَكانَتْ مُصَلَّى شُعِاعِ الغُيوبِ
…
وَدَيْرَ السَّماءِ، وكَهْفَ الحُرَمْ!
وَبَعْدَ الضُّحى العَبْقَرِيِّ العُبابِ
…
عَرايا الصُّخورِ به تَسْتَحِمّْ. . .
. . . أقَمْنَا بزاويَةٍ أهلُها
…
ذُبابُ القُبورِ، ودُودُ الرِّممْ
وخُفّاشُها وَثَنيُّ الصَّدَى
…
يُوَصْوِصُ في جانِبَيْهِ البَكَمْ!
مَعَ الصَّمْتِ صَمّاءُ لا هَمْسَةٌ
…
وَلا هَجْسَةٌ غَيْرُ صَوْتِ العَدَمْ!
ُنصِبْنَا مَذابحَ لِلسَّائماتِ
…
وَمَجْزَرَة لِضَحايا النَّعَمْ
تَبولُ الثَّعالبُ في ساحِنَا
…
وَتَسْلَحُ فَوْق الجِباهِ الرَّخَمْ
كفانا خداعاً!
اللات:
كفانا هواناً
مناة (في ندم وحزن):
أحِسَّ بِجَنَبيَّ عَصْفَ الألمْ!
يَدُورُ عَلَى عِزّتي بِالفَناءِ
…
وَيَهْوِي بها في سَعِيرِ الضَّرَمْ!
أعِينا صَفاتي عَلَى هَوْلَها!
العزَّى:
تَجَرّعْ لَهيبَ الأسَى وَالندَمْ!
(فترة سكون وذهول تخيم على الكعبة، ويشرق خلالها أول شعاع من نور النبي)
اللات:
أرَى قَبَساُ في حِمَانا غَرِيبَا
…
وألمَحُ في الأفْقِِ ضَوَْءا عَجيبَا!
عَلَى الأرْضِ دَفّقَ أنوَارَهُ
…
فَسَالَتْ عَلَى الرمْلِ طُهْراً وَطِيبَا
وَأذْهَلَ بالَّلمْحِ قَلبَ الشُّمُوسِ
…
وَدَاراتِ أفلاكِها، وَالغُيُوبَا
وَرِيَعتْ صُخُورُ الفَلَا فَارتمَتْ
…
عَلَى خَطْوِهِ وَاسْتَحَالَتْ قُلوبَا
أهَلَّ عَلَى جَلْمَدِي فاسْتَطَاَر
…
وَأوْشَكَ مِنْ رَهبَةٍ أنْ يَذُوبَا
أعُزَّايَ مَاذَا؟
العزَّى:
شُعَاعُ الضُحَى
…
تَوَهَّجَ في البِيدِ غَضَّا قَشِيبَا!
مَناة:
هوَ النَّجْمُ خَفّ لَنا ساجِداً
اللاّت:
خَسِئْتَ! وخُيِّلتَ ظَناَّ كَذوبَا!
فما النَّجْمُ؟ ما ضَوْءُهُ الكَوْكَبِيُّ؟
…
وكم لاحَ يُضْفِي الأسَى والشُّحُوبَا
وما الشَّمْس؟ كَم عَصَّبَتها السِّنِينُ
…
وكادَتْ نَضارَتُها أنْ تَشِيبا!
ضَلَلتَ وَضَلّ الّذِي خالَهُ
…
عَلَى الدَّهْرِ يَوْماً سَيَلْقَى غُروبا
هُوَ النُّورُ قد رَقْرَقَتْهُ السّماءُ
…
يُهَدِّي الحَيَارَى وَيَمْحُو الذُّنوبا
رأى الشِّرْكُ أقْبَاسَهُ فارْتَمى
…
وَخَرّ عَلَى صَفْحَتَيها مُنِيبا
وَهذى جِنازتُهُ في الفِلَا
…
تَجُوسُ القِفَار وَتَطْوِي السُّهوبَا
فهيّا نُؤَدِّي صَلاةَ الجَمادِ
…
وَنَسْجُدُ في الأرْضِ حتَّى نَذُوبا!
(ويسجدون!!). . .
(القاهرة)
محمود حسن إسماعيل
من مذكرات ابن أبي ربيعة
الحقيقة المؤمنة
للأستاذ محمود محمد شاكر
(قال عمر بن أبي ربيعة). . .
فبادرت أعدو يكاد ينشق عليّ جلدي من شدة العدو، فقد أكلت مني السن وتعرقتني أنياب الكبر؛ فما جاوزت روضة قصر أمير المؤمنين حتى تقطعت أنفاسي من الجهد، وتلقاني الآذن: ما عدا بك يا أبا الخطاب؟ فقلت: إِيَذَن لي على أمير المؤمنين (هو الوليد بن عبد الملك)، فقد نزل بنا ما لا رد له، وتبعته. . . ووالله إن فرائصي لترعد وكأني محموم قد جرت عليه هبّة ريح باردة. . . وغاب الآذن: فما هو إلا أمير المؤمنين يستقبلني كالفزع، وقد خرج إلي فقال: أي شيء هو يا ابن أبي ربيعة؟
قلت: والله ما ادري يا أمير المؤمنين، فما كان إلا ومحمد بن عروة (بن الزبير) تحت سنابكها، فما زالت تضربه بقوائمها، وما أدركناه إلا وقد تهشم وجهه وتحطمت أضلاعه!!. . .
وكأنما فارقتني الروح، فما أشعر إلا وأمير المؤمنين قائم على رأسي ينضح الماء على وجهي، وقد قُرِّبت إلى مخمرةٌ يسطع منها ريح المندل الرطب، فلما أفقت ورجعت إلي روحي سألني أمير المؤمنين أن أقص عليه الخبر. . .
قلت: خرجنا أنا ومحمد بن عروة وهشام أخوه نريد منزلنا من قصر أمير المؤمنين، نرجو أن نتخفف من بعض ثيابنا، فقد أنهكنا الحرّ. . . فنظر محمد إلى مرآة من فضة مُجلوّةٍ معلقة في البيت، ثم قال: أتذكر يا أبا الخطاب حجتنا تلك؟ قلت: أيهن؟ فقد أكثرت وعمك الحج، فقال: سرعان ما نسي الشيخ، لقد كبرت والله يا أبا الخطاب! وقد حدثني أبي بالذي كان منك، فقد كنت تسايره وتحادثه، فلم تلبث أن سألته: وأبن زين المواكب يا أبا عبد الله؟ فقال لك: أمامك، فأردت تركض راحلتك تطلبني، فقال لك: يا أبا الخطاب، أو لسنا أكفاءً كراماً لمحادثتك، ونحن أولى أن تسايرنا، فقلت له: بلى، بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان، ثم عدلت براحلتك وضربتها وأقبلت إلي، وجعل أبي يتعجب منك ويضحك، وقد استنار وجهه. . . إحدى سوآتك هي والله يا أبا الخطاب. .
فضحكت لقوله وتناقلنا الحديث وإذا هو ساكن ساح كأنما غشيته غاشية هم، فقلت: ما بك يا محمد؟ فزفر والله يا أمير المؤمنين زفرة كأنما انشقت لها كبدي، ثم قال: أرأيت هذا الجمال الذي تبعته يا أبا الخطاب، يوشك أن يكون طعاما يلحسه تراب القبر فما ترى إلا عظما أغبر من جمجمة تقذف الرعب من محجريها. . . لقد روعني والله يا أمير المؤمنين حتى تطيرت وما بي الطيرة؛ فأردت أن أصرفه عن بعض وهمه أن يكون الصيف قد أوقد عليه حره فحيره. فانطلقنا جميعا (يعني هو وهشام ومحمد) إلى سطح البيت نستظل بظُلته ونستروح النسمات وأقبلنا نضحك ونعبث ونلهو من بعض اللهو، وإذا طائر يحوم يصفق بجناحيه ثم رنّق فكسرهما من الإعياء ثم سقط ثم درج ثم اضطرب قد كاد يقتله الظمأ، فجرى إليه (محمد) ليأخذه فيبل ظمأه، فخف الطائر فهوى إليه محمد ليدركه، فما نرى والله محمدا. . . قد اختطفه أجله فجذبه فهوى به إلى إسطبل الدواب، فيقع بينها فيثيرها فتهيج، وإذا (زين المواكب) تحت سنابكها تضربه، فما أدركناه والله يا أمير المؤمنين إلا جثة قد ذهب رأسها، وما نرى إلا الدم. . . رحمة الله عليه، لقد. . .
قال أمير المؤمنين: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، فكيف نحتال لهذا الأمر يا ابن أبي ربيعة؟ قلت: فيم الحيلة يا أمير المؤمنين وقد ذهب القدر بما يحتال له! فقال: أههنا أنت يا عمر، نمت وسار الركب، هذا أبوه أبو عبد الله شيخ كبير يوشك أن يصاب في نفسه؛ قلت: يا أمير المؤمنين، هذا مصابه في ابنه، فما مصابه في نفسه إلا أن يكون الخبر إذ يبلغه؟ وسأحتال له. قال أمير المؤمنين: مهلا يا عمر، لقد علمت أن أبا عبد الله (عروة بن الزبير بن العوام) كان قد اشتكى رجله وما زال يشتكي، فبينا نحن الساعة جلوس إذ دخل علينا (أبو الحكم) الطبيب النصراني، فاستأذنت أبا عبد الله أن يدع (أبا الحكم) حتى يرى علة رجله، فما راعنا إلا (أبو الحكم) يقول إنها الأكلة، وأنها قد ارتفعت تريد الركبة، وإنها إذا بلغت الركبة أفسدت عليه جسده كله فقتلته، فما بد من أن تقطع رجله الساعة خشية أن تدب الأكلة إلى حيث لا ينفع القطع ولا البتر
فوجمت والله لهذا البلاء، وقد اختلف به القدر على شيخ مثل أبي عبد الله في أدبار من العمر، وأخذ أمير المؤمنين بيدي وقام. فدخلنا مجلس الخلافة وإذا وجوه الناس قد جلسوا
إلى عروة أبي عبد الله يواسونه ويصبرونه ويذكرونه بقدر الله خيره وشره؛ وإذا فيهم سليمان بن عبد الملك أخو أمير المؤمنين، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عبد الله إبن عمر بن الخطاب، وقد حضره ولده هشام فأرم قد انتُسف لونه من الحزن على أخيه والرحمة لأبيه. وأقبل أمير المؤمنين وأنا معه على عروة؛ فتفرق الناس إلى مجالسهم، وإذا عروة كأن ليس به شيء، يرف وجهه كأنه فلقة قمر وهو يضحك ويقول: لقد كرهت يا أمير المؤمنين أن يقطعوا مني عضوا يحط عني بعض ذنوبي، فقد حدثنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (ليسَ بِأَمانِيَّكمُ ولا أَمانيِّ أهلِ الكتاب مَنْ يَعمَلْ سُوءا يُجزَ بهِ)، فكل سوء عملناه جزينا به؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأْوَاءُ؟ قال: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: فهو ما تجزون به، فإن ذاك بذاك. لوددت يا أمير المؤمنين أنها بقيت بدائها فهي كفارة تحت الذنب
قال أمير المؤمنين: غفر الله لك، غفر الله لك، وما أعجب لصبرك، فأمك أسماء بنت أبي بكر الصديق (ذات النطاقين) وأبوك حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته الزبير ابن العوام، فرضى الله عنك وأرضاك يا أبا عبد الله
فما كدنا حتى أقبل أبو الحكم، وهو شيخ نصراني طويل فارع مشبوحُ العظام، قد تخدّد لحمه، أحمر أزهر أصلع الرأس إلا شعرات بيضاً قد بقيت له، كث اللحية طويلها، لو ضربتها الريح لطارت به؛ ودخل أبو الحكم وراء لحيته وهي تسعى بين يديه، حتى وقف على عروة بن الزبير فقال: لابد مما ليس منه بد يا أبا عبد الله، وإني والله لأرحمك وأخشى أن يبلغ منك الجهد، فما أرى لك إلا أن نسقيك الخمر حتى لا تجد بها ألم القطع. قال عروة: أبعدك الله من شيخ، وبئس والله ما رأيت! إنا والله ما نحب أن يرانا الله بحيث نستعين بحرامه على ما نرجو من عافيته! قال أبو الحكم: فنسقيك المرقد، يا أبا عبد الله! قال عروة: ما أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه عند الله
قال أبو الحكم: وقاك الله يا أبا عبد الله! لقد ألنت منا قلوبا كانت قاسية؛ ثم التفت (أبو الحكم) إلى رجال سود غلاظ شداد قد وقفوا ناحية فقال: أقبلوا، فأقبلوا. . . فأخذتهم عين عروة فأنكرهم فقال: ما هؤلاء؟ فقال أبو الحكم: يمسكونك، فإن الألم ربما عزب معه
الصبر؛ قال عروة: أما تقلع أيها الشيخ عن باطلك، انصرفوا يرحمكم الله، وإني لأرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، ولا والله ما يسعني أن هذا الحائط وقاني أذاها فاحتمل عني ألمها. أقبل يا أبا الحكم، وخذ فيما جئت له (ربَّنا إننا سَمعْنا مُنادِياً يُنادي للإيمان أنْ آمِنوا بربِّكم فآمنا، رَبنا فاغفِرْ لنا ذُنوبَنا وكفِّرْ عنا سيئاتنا وتوفَّنا مع الأبرار. ربَّنا وآتنا ما وَعدْتَنا على رُسلِكَ ولا تخزنا يومَ القيامةِ إنك لا تخلفُ الميعاد)
فرأيت أبا الحكم وقد برق وجهه وتوقد كأنما أسلم بعد كفر، ثم نشر درجا كان في يده وأخرج منشاراً دقيقاً طويلاً صقيلاً يضحك فيه الشعاع ووضع الطست ومد أبو عبد الله رجله على الطست وهو يقول: باسم الله والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله (ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا). تقدم يا أبا الحكم فقد احتسبتها لله
فما بقي والله أحد في المجلس إلا استدار ودفن وجهه في كفيه، وبكى القوم فعلا نشيجهم، وإن عروة لساكن قار ينظر إلى ما يراد به، وكأنما ملك قد جاء إلى الأرض يستقبل آلامها بروح من السماء. ووضع أبو الحكم منشاره في اللحم إلى العظم، وإن عروة لصائم يومه ذاك، فما تضور وجهه ولا تقبض، والمنشار يأكل في عظمه الحي، وما يزيد على أن يهلل ويكبر ويسبح الله، وكأن الدار والله قد أضاء جوها كأنه شعاع ينسكب من تهليله وتكبيره؛ ودخل رجال يحملون مغارف من حديد يفور منها ريح الزيت وقد غلى فيها على النار، ودنوا فما هو إلا أن فرغ أبو الحكم وقد فار الدم منها وتفجر مثل الينبوع، فأخذها أبو الحكم يغمسها في الزيت فيسمع نشيشها فيه حتى حسم الدم. وإذا عروة قد غشي عليه، وإذا وجهه قد صفر من الدم، وقد مجد فنضح وجهه بالعرق، ولكنه بقي مشرقا نيرا يرف كأنه عرارة تحت الندى. قال أبو الحكم: ما رأيت كاليوم يا أمير المؤمنين إنه الرجل، وإنها الحقيقة المؤمنة، وإن إيمانه ليحوطه ويثبته ويسكنه وينفض عنه الجزع، ثم التفت إلى عروة يقول: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله، لأنت والله تمثال الصبر في إهاب رجل
وما لبثنا، حتى إذا أفاق أبو عبد الله جلس يقول: لا إله إلا الله والحمد لله، ويمسح عن وجهه النوم والعرق بكفيه، وينظر فيرى قدمه في يد رجل يهم أن يخرج بها فيناديه: على رسلك أيها الرجل، أرني ما تحمل؛ فيأخذ قدمه في يده فيرنو إليها وقد سكن وحرك شفتيه،
ثم يقلبها في يده ثم يقول لها: أما والذي حملني عليك، لقد علمت أني ما مشيت بك إلى حرام ولا معصية، اللهم هذه نعمة أنعمت بها عليّ ثم سلبتنيها أحتسبها عندك راضيا مطمئنا إنك أنت الغفور الرحيم، خذها أيها الرجل؛ ثم أضاء وجهه بالإيمان والصبر عن مثل الدرة في شعاع الشمس. . . . . .
قال أمير المؤمنين: غفر الله لك يا أبا عبد الله، وإن في الناس لمن هو أعظم بلاء منك، يا عمر (يريد عمر بن عبد العزيز)، ناد الرجل من أخوالي (يعني من بني عبس) فيقبل عمر ومعه رجل ضرير محطومُ الوجه لا ترى إلا دمامته، فيقول له أمير المؤمنين: حدث أبا عبد الله بخبرك يا أبا صعصعة، فيلتفت الرجل إلى عروة ويقبل عليه فيقول: ابن الزبير، قد والله لقيتَ البلاء، يا فقيه المدينة وابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإني والله محدثك عني بخبري عسى أن يرفع عنك: فقد بت ليلة في بطن واد، ولا أعلم عَبسيّاً في الأرض يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل جارف كأنه الطوفان، يتقاذف بين يديه موجا كالجبال، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبياً مولوداً وبعيراً نضواً ضعيفاً. فند البعير يوما والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير أطلبه، فما جاوزت ابني قليلا إلا ورأس الذئب في بطنه قد بعجها بأنيابه العُصل فاستل أحشاؤه، وإن الصغير ليصرخ، ويركض برجليه الأرض، فكدت والله أسوخ في الأرض مما رأيت، ولكني ذكرت الله واستعنت واحتسبت الصغير فتركته لقدر الله واتبعت البعير، فهممت آخذ بذنبه وقد أدركته، فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد ولا ذا بصر، وإني أحمد الله إليك، يا أبا عبد الله؛ فاصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. قال عروة: لقد أفضل الله عليك يا أبا صعصعة وإني لأرجو لك الجنة
قال عمر بن أبي ربيعة: وألاح إلي أمير المؤمنين أن أقبل، فدنوت إليه فأسر اليّ: إن أردت الحيلة فقد أمكنتك، فاذهب إلى أبي عبد الله فانع إليه ولده (زين المواكب)، قلت: هو والله الرأي يا أمير المؤمنين، ثم مضيت إلى عروة وقد غلبتني عيناي بالبكاء
فلما قاربته قلت: عزاءك يا أبا عبد الله؛ قال عروة: فيم تعزيني يا أبا الخطاب؟ إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها لله، قلت: رضي الله عنك، بأبي أنت وأمي، بل أعزيك (يزيْن المواكب)، فدهش وتلفَّت ولم ير إلا هشاما ولده، فرأيت في وجهه المعرفة ثم هدأ فقال: ما
له يا أبا الخطاب؟ فجلست إليه وتحلق الناس حوالينا وتكنفونا، وأخذت أحدثه بشأنه، ووالله ما يزيد على أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله وإنا إليه راجعون، فلما فرغت من خبري ما زاد على أن قال:
وكنتُ إذا الأيام أحدثنَ هالكا
…
أقول شكوى ما لم يُصبنَ حميمي
ثم رفع وجهه إلى السماء وقد تندت عيناه ثم قال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد فيما أخذت وأبقيت؛ اللهم أخذت عضوا وتركت أعضاء، وأخذت ابنا وتركت أبناء، وايْمُ الله لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت، سبحانك ربنا وليك المصير، قوموا إلى جهاز أخيكم يرحمكم الله، وانظروا لا تكون عليه نائحة ولا معولة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة، ومُرُوهن بالصبر للصدمة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي صبيا لها فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي! فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند أول الصدمة
وجزاك الله خيرا عني وعن ولدي يا أمير المؤمنين، (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين؛ وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)
محمود محمد شاكر
خواطر تلهمها ذكرى الهجرة
للأستاذ عبد العزيز البشري
ليس ما يضرب فيه القلم اليوم بحثا قامت في الذهن حدوده، وبانت طرقه، واتضحت معالمه، واستشرقت مقدماته لنتائجه. إن هي إلا خواطر تجول بها ذكرى الهجرة الشريفة. هي خواطر تتوالى على النفس كما توالى مناظر الخيالة (السينما) في جريدة الأخبار مثلا. على أنها قد تجيء بحكم تداعى المعاني، وبحكم أضعف المناسبات، وأدنى الملابسات
وبعد، فليس من شك في أن مما يستدعي العجب، بل مما يكاد يستهلك كل العجب، شأن أولئك العرب إلى آخر جاهليتهم، وما صاروا إليه بعد إسلامهم بيسير من الزمان:
لقد كانوا في جملتهم، قوما أميين جهالاً، لم تفتتح عيونهم على علم، ولم يتذوقوا فنا، اللهم إلا فن الكلام، وهو غير مغن في قيام الأمم إذا أغنى إلا قليلا
لقد كانوا جاهليين حقا لا يرتبطهم بأي لون من ألوان الحضارة أي سبب، ولا تنفذ عقولهم إلى شيء مما وراء تلك البوادي التي يسكنون؛ حتى لو اضطربوا فيما يجاورهم من البلاد التي أخذت بحظ من الحضارة، بحكم التجارة ونحوها، رجعوا إلى قومهم وكأنهم لم يشهدوا شيئاً غريباً من شأنه أن يلفت أنظارهم، ويحرك أفكارهم، كأنما غلقت الأذهان وغلقت القلوب، و (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) صدق الله العظيم!
على أنهم لم يسلخوا في الإسلام إلا صدراً يسيراً من الزمن حتى حذقوا علوم من سبقوهم إلى الحضارة وفنونهم، بل سرعان ما أنشئوا هم علوماً واستحدثوا فنوناً أوفوا بها على حضارة الزمان!
ولا ينبغي، في هذا المقام، أن يذهب عن المفكر أن ما نقل العرب من علوم غيرهم وفنونهم قد طبعوه أولاً بطابع الفكر العربي، وسوَّوه حتى مريء في مساغ الذوق العربي أيضاً، وهذا وهذا فوق ما وسعوا في آفاق هذه العلوم والفنون، واستحدثوا فيها من القضايا التي ذهبت بها إلى أبعد الغايات.
وأنت خبير بأنه إنما يبعث على العجب في أمثال هذه الغرائب هو غفلة الذهن عن وصل الأسباب بالمسببات. ولهذا قيل: إذا عرف السبب، بطل العجب. . .
ففي الحق أن العربي على ما كان فيه بحكم البيئة من الجفاء والانصراف عن إرسال الفكر
في شيء من دواعي الحضارة التي يشهد أو يترامى إليه أمرها. . . الحق أنه - مع هذا - حديد الفطنة، سليم الطبع، مستقيم الفطرة، فلما جاءه الإسلام، وهو دين الفطرة، أذكى مواهبه، وحرر فكره، وأجلى ما كان يرين على قلبه؛ فإذا إنسان كفيء أي كفيء لأسمى النظر وعلاج جلى العظيمات في الحياة، وكذلك يمضي طلقا إلى ابتغاء المجد الحق من كل سبيل!. . .
ولقد كان من المتعين على مفكِّري العرب وقد دخلوا في الإسلام، أن يكون ابلغ سعيهم، وأول ما تتقلب فيه أذهانهم، هو هذا الدين طلباً لحفظ أصوله وتفصيل أحكامه. فجد منهم من جد في جمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الرواية عن الثقات من التابعين أو تابعيهم، ثم عن الصحابة راوياً بعد راو إلى من سمع منهم بأذنه أو رأى بعينه (ففعل النبي (ص) وإشارته كذلك من السنة)
ولقد أفنى جامعوا الحديث أعمارهم في شدة التحري والتحقيق والتثبت والتأكيد، للتمييز بين صحاح الأحاديث وموضوعاتها. بل للتمييز بين الصحاح، وتبين حظ كل منها من القوة طوعا لحظ رواتها من الثقة والدراية. ثم كان من أثر هذا أن نشأ علم جديد، هو علم (مصطلح الحديث) ولعله كان من الخير أن يدعى علم (نقد الحديث)
وفي الوقت نفسه اجتهد آخرون في استنباط الأحكام الشرعية من هذه الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، مهتدين جميعا بسلامة الفطرة، وحدة الفطنة، وصحة التفكير، ودقة الإحساس، حتى لقد ارتجلوا - في هذا الباب - قواعد وقضايا تخلب باختصارها ووضوحها ودقتها أبرع المشرعين. ولأسق طائفة يسيرة منها على جهة التمثيل: الضرورة تقدر بقدرها - الأصل بقاء ما كان على ما كان - إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل - ما جاء على أصله لا يسأل عن علته - لا اجتهاد مع النص - الاعتراف حجة قاصرة - اليد دليل الملك - المعروف عرفا كالمشروط شرطا - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. . . الخ
ولعمري لم يكن كل هذا الإبداع والابتكار أثراً لدرس مدرس أو تقليب للفكر في كتاب مكتوب، إن هو كما قلنا من فضل سلامة الفطر وحدة الذكاء، وصحة التفكير
وإذا كان علماء العرب قد نقلوا بعد ذلك علم المنطق إلى لغتهم عن اليونانية فإنهم سرعان
ما أجالوا في قضاياه هذه الأذهان الحادة وأراقوا عليها تلك الأفكار الخصبة، فابتكروا ما ابتكروا، واستحدثوا ما شاء الله أن يستحدثوا، طلباً لوفاء هذا العلم على الغاية من الهداية إلى صحة التفكير، وابتغاء النتائج الحق من صحاح المقدمات.
ثم لم يكفهم هذا، فلقد نقلوا عن اليونانية أيضاً علم (آداب البحث والمناظرة)، وغاية هذا العلم وسائل المجادلة بين المتجادلين، وإلزام كل من الطرفين حده في الخصام، وبيان الطرق للأدلاء بحجته، أو إدحاض حجة خصمه. وكذلك تضحي المناظرة مجدية منتجة، تظهر الحق على الباطل بقيام الحجة الواضحة غير مضيعة بين سفسطة ومهاترة، أو نقل لموضوع النزاع. على أن العرب كذلك طبعوه بطابعهم، وأفاضوا عليه من سابغ تفكيرهم، ووصلوه بفنونهم، وأجروا فيه الأمثلة والشواهد مما يعرض لما يعالجون من العلوم
أما وقد عرضنا للقضايا المسلمة وللمنطق ولآداب البحث والمناظرة فقد حق علينا أن نقف وقفة قصيرة لعلنا نرفه بها عن القارئ بعض الترفيه
لا غرو عليّ إذا زعمت أن تسعين في المائة، إن لم أقل تسعة وتسعين في المائة، من المناقشات والمجادلات التي تدور بيننا، نحن المصريين، سواء أكانت باللسان في المجالس الخاصة، أم بالقلم في الصحف السيارة، لا يمكن ان تنتهي بالتسليم من أحد المتحاورين. ذلك بأننا، حتى الكثير من متعلمينا، قل أن يعنوا في جدلهم بترتيب المقدمات المنطقية الترتيب الذي يفضي بها، في صحيح القياس إلى النتائج الصحيحة. ولقد يدفعنا الحفاظ للنفس، والرغبة في الفلج والخصم أن ننكر القضايا المسلمة. أما نقل موضوع النزاع، إذا سطت بنا حجة الخصم، فهذا ما يقع عندنا بغير حساب!
ودعنا الآن من المجادلات العلمية أو الفنية، وخذ بنا في ألوان الحوار التي تجري كل ساعة بين الأصدقاء وغير الأصدقاء:
يقول لك فلان: إن فلانا صنع كيت وكيت مما يتعاظمك ويروعك لضخامته أو لتعذر أسبابه، فإذا باديته ولو بالشك فيما يزعم ابتدرك بقوله:(دليه لأ؟) كأن الأصل أن تضاف إلى الناس الأفعال أو الأقوال، وعلى المنكر أن يقيم هو الدليل على العكس، أي العدم أو استحالة الوقوع، ناسين أبسط القضايا وأوضحها:(البينة على من ادعى)!
ويقول لك آخر: إن فلانا يرتكب كذا وكذا من المؤثمات؛ فإذا أنكرت منه هذا القول قال:
في غير ورع ظاناً أنه يقيم الحجة عليك: كيف وأنا أقارف معه تلك المؤثمات؟! وقد فاته أن الاعتراف حجة قاصرة على النفس، فإذا أشرك الغير كان دعوى تحتاج إلى الدليل!
ولقد تروي، في بساطة، ما انتهى إليك من خبر نشرته إحدى الصحف، أو جعلت تردده المجالس من أن فلانا اتهم في كذا؛ فيبادرك رجل من شيعته طبعا! حضرتك مبسوط من كده!. . . وتروي أن الخبر قد التبس على الغبي بالأمنية، اللهم إلا أن يكون فاسد الضمير فاجر النية!. . .
ومما يضحك ويبكي نقل موضوعات النزاع، إما فراراً من لزوم الحجة، أو طلباً للكيد والأذى، أو جهلاً وشدة غباء.
وأذكر نموذجاً واحداً مما وقع لي في هذا الباب على جهة التمثيل أيضاً. ولم يكن ثمة موضع نزاع، بل كان هناك سؤال استحال في غير موجب إلى نزاع:
من بضعة أيام طلبت عيادة طبيب الأسنان ليخلع ضرسا ألح عليّ ألمه، وورم له صدغي. . . وبينما أنا في غرفة الانتظار ريثما ينتهي الطبيب من علاج من تقدمني، إذا رجل حسن السمت، أنيق البزة، ويبدأ بالتحية، فأردها بأحسن منها. . . وما يكاد يأخذ مجلسه حتى يطارح الحديث كعادتنا نحن المصريين إلى من نعرف ومن لا نعرف. فمادته الحديث على ما بي. في الأسباب العامة طبعا، ومن حديثه أدركت أنه رجل مزخرف الثقافة مزوَّق اللسان؛ ثم إذا يفاجئني بهذا السؤال: حضرتك من أهل الريف؟ فأجبته من فوري، لا يا سيدي، فأنا مولود في القاهرة، وما زالت موطني إلى الآن. فردّ عليّ في ثورة عنيفة:(ليه! هيه العيشة في الريف وحشة؟!)
لقد ثار ثائري، ونهضت لتوي، وخرجت مسرعا إلى داري مؤثرا وجع الضرس وضرباته على هذا اللون من الحوار!
إذن، لقد كان عليّ قبل أن أخلق، وأن أولد قبل أن أولد؛ حتى إذا بلغت سن التمييز في النشأة الأولى، كان على القدر، أن يخيرني الولادة في الريف والحضر، فأختار أول الامرين، ثم أتبخر في الأثير، ثم أبعث في الريف من جديد! وإلا كنت امرءاً آثماً يستحق اللوم والتأنيب!
وبعد هذه الوقفة المريحة أو المتعبة المعنية نرجع سياقة الحديث على اسم الله:
لقد اقترنت عناية السابقين في الإسلام بعلوم الدين، بعناية غيرهم بعلوم اللسان، من نحو وصرف وأدب وبيان. وذلك لأنها الوسيلة إلى فهم لباب الدين.
وفي أعقاب هذا أو على الأدق، في أثنائه، التفت مفكرو العرب إلى المنطق، على أنه مما ينظم الفكر وييسر الطرق لاستنباط الأحكام الشرعية على الوجه الصحيح. ثم اتجهوا كذلك إلى نقل قوانين البحث والمناظرة على ما تقدم به الكلام
لم يمنع اشتغال مفكري العرب بهذا وهذا وذلك من أن يلتفتوا إلى علوم الدنيا من رياضة وهندسة وطب وفلك وغيرها. فسرعان ما جادوا وما برعوا، وسرعان ما أجلوا ووسعوا، وما ابتكروا وما اخترعوا. . . ولم ينسلخ من الزمن غير يسير بالإضافة إلى أعمار الأمم، حتى صارت هذه العلوم إليهم وكادت تقطع صلتها بغيرهم، فأصبحوا هم المتحدثين فيها والمتحدثين عليها بين أمم الأرض جمعاء. وكذلك أنشئوا أجمل حضارة وأزكاها في هذا العالم!
فإذا تعاظمتك تلك النهضة في مثل ذلك الزمن، فإن مما يدفع عنك العجب أنه قد لاقت تلك الفطرة العربية دين الفطرة. . . دين صاحب الهجرة.
عبد العزيز البشري
مناجاة الهلال
للأستاذ محمود غنيم
ماذا وراءكَ، مرحباً بك عاما؟
…
رحماكَ إن الكون في الدَّم عاما
لم أدر حين بدا هلالُك أحدباً
…
أحملتَ غصناُ أم شهرتَ حساما؟
وجه البسيطة عابسُ متجِّهمُ
…
فاجعل هلالك ثغره البسَّاما
جفِّف دم الدنيا وكفكفْ دمعها
…
وانشر عليها رحمةً وسلاما
ما بال ظهرك يا هلال مقوَّسا
…
أحملت أعباء السَنين جِساما؟
أصبحت في زِيِّ الكهول فهل تُرى
…
قد شبتَ مثلهمو وكنت غلاما؟
ما بال وجهك شاحباً يا ابن الدجى
…
أفنيتَ مثلي في الملاح غراما؟
أم بِتَّ تخشى الحربَ أن ترقى إلى
…
أفق السماء فتلحقَ الأجراما؟
في الجو طير كاَلحمام محلِّقٌُ
…
لكنه إن طار كان حِماما
فأحذر فإن الحرب منك قريبة
…
والجوَّ يمطر يا هلال سهاما
وانصح خيالك في البحار وقل له:
…
أوصيك ألا تقرَبَ الألغاما
العالم العُلويُّ سر غامضٌ
…
فاكشف لأهل الأرض عنه لثاما
هل ثمَّ أغراض وثمَّ مطامعٌ
…
تُجري الدماء به وتَبْري إلهاما؟
أهناك خَلْقُ مثلُنا يقضي كما
…
نقضي الحياة تطاحناً وخصاما؟
زعموك مسكوناً، وليتك بلقعٌ
…
إن كنت تأوي يا هلال أناما
زعموك مسكوناً كأمك ليتها
…
كانت عشية أنجبتك عُقاما
قاد الممالكَ معشرٌ متسلِّطٌ
…
هَدَمَ السكينةَ حائطاً ودِعاما
فتشتُ في عصر الضياء فلم أجد=إلا شعوباً تشبه الأنعاما
أمم تسبّح باسم أفرادٍ، كما
…
كانت قديماً تعبد الأصناما
كم أمةٍ إن يهتدِ الفرد اهتدت
…
وتهيم في الظلماتِ إن هو هاما
هذا زمان الفرد ليس ببارح
…
هيهات ما دام السَّوادُ سَواما
قل للهلال إلام تسري في الدجى؟
…
يا إبن السبيل أما نويت مُقاما
ساقتك كفُّ ساقت الدنيا فهل
…
تدري علام تسوقها وإلاما؟
حَّتام تُدلج في الظلام كعاشق
…
يخشى الرقيب ويتقي اللواما؟
أتبيت في جنح الليل موكلاً
…
بالكون تحرسه إذا هو ناما؟
هم شبهوك بِمنْجَل من فضة
…
ماذا حصدت، أتحصد الأياما؟
يرد الأنامُ عليك أنت معمَّر
…
وهمو يزورون الحياة لماما
يا رُبَ قوم ألهُوك فأومئوا
…
لك بالتحية سجداً وقياما
أتت القرون عليك وهي عديدة
…
وأراك طفلاً ما بلغت فطاما
يا ابن الدجى حدِّثْ أعرك مسامعي
…
فلأنت أصدقُ من (حذام) كلاما
أشهدتَ مجد الشرق في ريعانه
…
وسناه إذ كان الوجود ظلاما؟
أشهدت رسْل الله تذرع أرضَه
…
تتلو الشرائع فيه والأحكاما؟
أشهدت عيسى والكليم كليهما
…
يتلقيان الوحي والإِلهاما؟
أشهدت أحمد يوم هاجر أحمدٌ
…
يطوي الضلال وينشر الإسلاما؟
إذ جاء يحمل في اليمين هداية
…
للعالمين وفي الشمال حساما
فغزا بشرعته الضمائر قبلما
…
يغزو بحدِّ حسامه الأجساما
كانت مبادئه القويمة فيلقاً
…
يغزو به الأفكار والأفهاما
فإذا بتيجان الملوك وإن علت
…
أقدارهم من حوله تترامى
صف لي زمان الراشدين وزهدَهُم
…
والأرضَ إذ كانوا لها حكّاما
بالله كيف رعى الشعوبَ وساسها
…
من كان يرعى الشَّاَء والأغناما؟
صف لي بربك قادة الإسلام إذ
…
فتحوا العراق ببأسهم والشاما
قل لي بأية قوةٍ جبارة
…
نزلوا بمصر وزلزلوا الأهراما؟
ما كان جند المسلمين أشد من
…
أعداءهم بأساً ولا إقداما
لكنه الإيمان في ساح الوغى
…
ربط القلوب وثبت الأقداما
شاهدت دولة (عبد شمس) فأنْعَها
…
وأنعت (معاوية) لنا و (هشاما)
واذكر لنا بغداد كيف رايتها
…
تحوي العلوم وتجمع الأعلاما
وأذكر لنا صَلَفَ الرشيد وكبرَه
…
لما تحدى في السماء غماما
وأعد على أذنيَّ خطبة (طارق)
…
(البحر خلفاً والعدوَّ أماما)
أشهدت شعباَ من سلالة (يعرَب)
…
في الغرب شاد حضارة ونظاما؟
ما خطب هذا الشعب كيف وجدته
…
يقظان إذ كان (الفرنج) نياما؟
حدِّثْ عن الإسلام ذكِّر أهله
…
وقِّع لنا تاريخه أنغاما
مجد إذا أجتر الزمان حديثه
…
خفض الزمان جبينه إعظاما
ما كان أخلق أن يدوم لأهله
…
لو أن مجداً قبل ذلك داما
يا ابن السبيل ألا حملت رسالتي
…
قد سار ركبك يسبق الأوهاما
حيِّ العروبة ثم طفْ ببلادها
…
مترفقاً واستنهض الأقواما
استرسل الأقوام في أحلامهم
…
فاقطع عليهم هذه الأحلاما
واعطف على البسفور والمس جرحه
…
إنا نُحسُّ لجرحه آلاما
سترى البعول هناك قد ناحوا على
…
زوجاتهم وترى النساء أيامى
وترى كهولا ودعوا أبناءهم
…
في مهدهم وترى بنينَ يتامى
وترى أناساً فيه لا مأوى لهم
…
أمست أسرتهم حصى ورَغاما
فأذهب إليه باسم مصرَ مواسياً
…
عزِّ الأقارب فيه والأرحاما
احمل لهم منا السلامَ مع الأسى
…
لا تنسَ أنَّ لهم عليك ذِماما
لا تنس أنك رمزُ مصرَ ورمزُهم
…
بك يا هلال نزيِّن الأعلاما
(الإسكندرية)
محمود غنيم
مدرس بالمعلمين
نشيد العام الهجري
للأستاذ علي الطنطاوي
سلوا عنا رمال الجزيرة، وجنان الشام، سهول العراق
سلوا ربوع العجم، ومجاهل الترك، وسفوح القفقاس
سلوا بطاح إفريقية، ومغاني الأندلس، ومساكن الإفرنج
سلوا حفافي الكنج، وضفاف اللوار، وأطراف الدانوب
سلوا عنا كل أرض في (الأرض). . . فعندها كلها خبر من بطولاتنا وتضحياتنا، ومفاخرنا وأمجادنا، وعلومنا وفنوننا. نحن (المسلمين)
نحن (المسلمين). . . هل روى رياض المجد إلا دماؤنا؟
هل زانت جنات البطولة إلا أجساد شهدائنا؟
هل عرفت الدنيا أنبل منا أو أكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجل أو أعظم، أو أرقى أو أعلم؟
نحن (المسلمين). . . لنا في كل أرض شهيد قضى في سبيل الإسلام والسلام والإيمان والأمان، وتحت كل سماء رفرف لنا علم، وامتد لنا حكم، فكان الحكم المسعد العادل، وكان العلم الظافر الغلاب!
نحن بنينا الكوفة والبصرة، والقاهرة وبغداد
نحن أنشأنا حضارة الشام والعراق والأندلس
نحن شدنا بيت الحكمة، والمدرسة النظامية، وجامعة قرطبة، والجامع الأزهر
نحن علمنا أهل الأرض، وكنا الأساتذة وكانوا التلاميذ. . . نحن (المسلمين)!
منا أبو بكر وعمر ونور الدين وصلاح الدين، منا خالد وطارق وقتيبة وابن القاسم، منا أبو حنيفة والشافعي، منا البخاري وابن حنبل، منا الغزالي وابن رشد، منا إبن سينا والرازي والفارابي والبيروني، منا الخليل والجاحظ وأبو حيان، منا أبو تمام والبحتري والمتنبي والمعري، منا إسحاق الموصلي وزرياب. . . لقد أنجبنا خلفاء وقواداً، ومحدثين وفقهاء، ورياضيين وأطباء، ولغويين وكتاباً وشعراء وموسيقيين. . . لقد أنجبنا مائة ألف عظيم وعظيم. . . نحن (المسلمين)!
تنظم في مفاخرنا مائة إلياذة، وألف شاهنامة، ثم لا تنقضي أمجادنا ولا تفنى، لأنها لا تعد
ولا تحصى
من بعد معاركنا المظفرة التي خضناها؟ من يحصي مآثرنا في العلم والفن؟ من يستقري نابغينا وأبطالنا. . . إلا الذي يعد نجوم السماء، ويحصي حصى البطحاء، ويستقري رمال الدأماء!
اكتبوا (على هامش السيرة) ألف كتاب، و (على هامش التاريخ) مثلها، ، وأنشئوا مائة في سيرة كل عظيم، ثم تبقى السيرة ويبقى التاريخ كالأرض العذراء والنجم البكر!
نحن (المسلمين). . .
هل تحققت المثل البشرية العليا إلا فينا؟ هل عرف الكون مجمعاً بشريا ً - إلا مجمعنا - قام على الأخلاق والصدق والإيثار؟ إن بين واقع الحياة وبين أحلام الفلاسفة وآمال المصلحين، لحرباً أزلية باقية، ما اصطلحا وما تواءما إلا في صدر الإسلام، يوم كان الواحد منا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويؤثره عليها ولو كان به خصاصة. وكانوا أطهاراً في أجسادهم وأرواحهم ومادتهم ومعناهم، وكانوا لا يأتون أمراً ولا يدعونه، ولا يقومون ولا يقعدون، ولا يذهبون ولا يجيئون إلا لله. قد أماتوا الشهوات من نفوسهم، فكان هواهم تبعا لما جاء به القرآن. . .
لقد كنا خلاصة البشر، وصفوة الإنسانية، وجعلنا حقاً واقعاً ما كان يراه الفلاسفة والمصلحون أملاً بعيدا، نحن (المسلمين)!
نحن (المسلمين). . قوتنا بإيماننا، وعزنا بديننا، وثقتنا بربنا، وقانوننا قرآننا، وإمامنا نبينا، وأميرنا خادمنا، وضعيفنا المحق قوي فينا، وقوينا عون لضعيفنا، وكلنا إخوان في الله، سواء أمام الدين. . . نحن (المسلمين)!
نحن (المسلمين) ملكنا فعدلنا، وبنينا فأعلينا، وفتحنا البلاد فكنا الأقوياء المنصفين. سننّا في الحرب شرائع الرأفة، وشرعنا في السلم سنن العدل، فكنا خير الحاكمين، وسادة الفاتحين، نحن (المسلمين)!
أقمنا حضارة، فكانت خيرا كلها وبركات، حضارة روح وجسد، وفضيلة وسعادة، فعمّ نفعها الناس، وتفيأ ظلالها أهل الأرض جميعا
نحن (المسلمين). . . لسنا أمة كالأمم تربط بينها اللغة، ففي كل أمة خيّر وشرّير؛ ولسنا
شعباً كالشعوب يؤلف بينها الدم، ففي كل شعب صالح وطالح؛ ولكنا جمعية خيرية كبرى، أعضاؤها كل فاضل، من كل أمة، تقيٍّ نقيٍ، تجمع بيننا التقوى إن فصل الدم، وتوحد بيننا العقيدة إن اختلفت اللغات، وتديننا الكعبة إن تناءت بنا الديار. . .
أليس توجهنا كل يوم خمس مرات إلى هذه الكعبة رمزاً إلى أنها مركز الدائرة وقطب الرحى، تدور عليه وتطيف به، مهما اتسمت الرقعة وطال المحيط؟
نحن (المسلمين). . . ديننا الفضيلة الظاهرة، والحق الأبلج، لا حجب ولا أستار، ولا خفايا ولا أسرار. هو واضح وضوح المئذنة. . . أفليس فيها ذلك المعنى؟ هل في الدنيا جماعة أو نحلة تكرر مبادئها وتذاع كل يوم، عشر مرات، كما تذاع من مشارق الأرض ومغاربها عشر مرات كل يوم، مبادئ ديننا نحن (المسلمين): أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؟
نحن (المسلمين). . . لا نهن ولا نحزن، ومعنا الله، ونحن نسمع كل يوم ثلاثين مرة هذا النداء العلوي المقدس، هذا النشيد القوي: الله أكبر
نحن (المسلمين). . . البطولة سجية فينا، وحب التضحية يجري في عروقنا، لا تنال منها صروف الدهر، ولا تمحوها من نفوسنا أحداث الزمان. . .
نحن (المسلمين). . . كم حلّ بنا من أرزاء، وكم رأينا من مصائب، وكم نزل بساحتنا من كوارث، فهل باد روح البطولة من بين جوانحنا؟
لا. لا. لا نكون مسلمين إذا لم نكن أعزّ في نفوسنا من أهل الأرض جميعاً، وإن لم نعد إلى ربنا، ونستلهم تاريخنا، ونعد أمجادنا، نحن (المسلمين). . . المستقبل لنا. . . قد تيقظنا فلن ننام بعد أبداً. . . المستقبل لنا نحن (المسلمين)!
دمشق - (المدرسة الثانوية الأولى)
علي الطنطاوي
من أسرار غزوة بدر
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
المشهور بيننا أن المسلمين لما انتهوا من غزوة بدر اختلفوا في شأن من أسروه من المشركين، فرأى فريق قتلهم، ورأى فريق أخذ الفداء منهم، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليشاورهم فيما يفعله مع أولئك الأسرى، وكان يأخذ بالشورى في أموره، ليعلم أصحابه الأخذ بها، وإن كان هو غنياً عنها، لآن من يكون معه وحي السماء، لا يحتاج إلى رأي أهل الأرض، وهو عرضة للخطأ والصواب.
فجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال لهم: ما تقولون في هؤلاء؟ (يعني الأسرى)، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، قومك واهلك، استبقهم واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار.
وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك فدعهم نضرب أعناقهم. مكّن عليا من عقيل (أخيه) فيضرب عنقه. ومكن حمزة من العباس (أخيه) فيضرب عنقه. ومكنِّي من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر!
وقال عبد الله بن رَواحةَ الشاعر المعروف: يا رسول الله، أنظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا. . . وهو رأي يتفق مع طبيعة الشعراء في تأثرهم بالعاطفة أكثر من العقل، وشأن العاطفة المغالاة في الحب والبغض، وشأن العقل الاعتدال فيهما.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم تركهم ودخل، فقال ناس من أهل المجلس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس منهم: يأخذ بقول عمر. وقال آخرون: يأخذ بقول عبد الله ابن رواحة. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله لَيُلينُ قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، ويشد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال:(فَمنْ تَبعنِي فانه مِني، ومَن عصاني فانك غفورٌ رحيم). ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال:(إنْ تُعذِّبهمْ فانهم عِبَادُكَ، وإن تَغفرْ لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). ومثلك يا عمر مثل نوح، قال:(ربِّ لا تذَرْ عَلَى الأرض من الكافرين دَيّاراً). ومثلك يا عبد الله بن رواحة كمثل موسى، قال: (رَبَّنا اطمسْ على أموالهمْ واشدُدْ على
قلوبهم، فلا يُؤمِنوا حتى يَرَوا العذابَ الأليمَ).
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم أنتم عالةٌ، فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. . .
وروى إبن عباس عن عمر أنه قال: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر: ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي على أصحابك من أخذِهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منهم - فأنزل الله عز وجل عليه (ما كانَ لِنَبيّ أنْ يَكونَ لَهُ أسْرى حَتى يُثخنَ في الأرْضِ، تُريدوُنَ عَرَضَ الدُّنيا واللُهُ يُريدُ الآخِرَةَ، واللهُ عزيزٌ حَكُيم. لَولا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لمسّكُم فِيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظُيم)
فهذا هو المشهور بيننا في سبب نزول هاتين الآيتين (67، 68) من سورة الأنفال التي نزلت في غزوة بدر؛ وهو يفيد أن الله تعالى غضب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه لهذا العمل الإنساني العظيم الذي أشار به أبو بكر، من البرّ بالأسرى والرفق بهم. وهذا مع أن الذي أشار به أبو بكر هو الذي يتفق مع ما جاء به الإسلام في شأن الأسرى، ومع ما امتازت به الحروب الإسلامية على الحروب السابقة من الإحسان إليهم. على أن الله قد نصر المسلمين في غزوة بدر نصراً عظيما، وشفى نفوسهم من صناديد قريش، فقتلوا فيها كلهم، ولم يفلت إلا قليل منهم، وكان منهم في الأسر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، فقتلهما رسول الله في طريقه إلى المدينة، ولم ينتظر بهما ما فعله في غيرهم من الأسرى. ولما اختار رسول الله رأي أبي بكر في الفداء قال له عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، قال إبن مسعود: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء
ولم يبق بعد هؤلاء في الأسرى إلا العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا عقيل بن أبي طالب أخو علي، وإلا أمثالهما ممن لم يكن من أولئك الصناديد. وقد حقق
الله في كثير منهم رجاء أبي بكر (لعل الله أن يتوب عليهم) فأسلم العباس بن عبد المطلب، وأسلم عقيل بن أبي طالب، وأسلم كثير غيرهما من أولئك الأسرى، والرأي الذي تحققه الأيام لا يليق بحكمة الله تعالى أن يغضب من إيثاره على غيره ذلك الغضب
وإن أرى أن الإسلام إذا كان قد أباح قتل الأسير مع ما أباحه فيه من الاسترقاق والإطلاق بفداء أو بدون فداء، فإنه يجب ألا يصار إليه إلا عند الضرورة القصوى والأسباب الموجبة. وإنه ليعجبني ما روى عن الحسن وعطاء رحمهما الله تعالى أنهما قالا: لا يُقتل الأسير، ولكن يُفادى أو يُمنُّ عليه، وكأنهما اعتمدا في ذلك ظاهر قوله تعالى:(فإذا لقيتُمُ الّذينَ كفرُوا فَضرْبَ الرِّقَابِ حتى إذا أثخنْتموهم فَشُدُّوا الوثَاقَ فإمَّا مَنَّاً بَعْدُ وإمَّا فِدَاءَ حَتْى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزَارَها) - المبسوط للسرخسي ج10 ص24 - وهذا الذي يذهب إليه الحسن وعطاء في الأسير هو الذي تذهب إليه القوانين الحربية الحديثة
ولهذا كله لا أرى أن السبب في نزول آيتي الأنفال هو إنكار الفداء الذي أشار به أبو بكر واختاره النبي صلى الله عليه وسلم على رأي عمر وعبد الله بن رواحة، ولاسيما أن هذا الفداء في غزوة بدر لم يكن أول فداء أخذه النبي (ص) من الأسرى، فقد أخذ الفداء فيما حصل قبلها من السَّرَايا، ولم ينكر الله عليه أخذه له، وكان ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة بين مكة والطائف، فرصد فيها عيراً لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارتهم، فيها عمرو بن الحَضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فقتلت سرية عبد الله بن جحش بعضهم، وأسرت عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، واستاقت العير إلى المدينة، فبعثت قريش في فداء الأسيرين، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم فداءهما. فأما الحكم بن كيسان فاسلم وأقام بالمدينة حتى أستشهد يوم بئر معونة، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ومات بها كافراً
والذي أراه أن تينك الآيتين نزلتا في أمر آخر حصل في غزوة بدر، وذلك أن تلك الغزوة كانت أهم قتال بدأ به المسلمون بعد هجرتهم إلى المدينة، وكانوا لا يزالون في نشأتهم قلة بالنسبة إلى قريش، وهذا إلى غيرهم من المشركين الذين تعج بهم الجزيرة، فاهتم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرها، وأمر الله فيها المسلمين ألا تأخذهم في قتال المشركين راْفة ولا شفقة، وأن يثُخنوا فيهم إذا مكن لهم منهم، حتى يهي أمرهم، ويضعف شأن الشرك
بضعفهم، ويكون ما يحصل لهم عبرة لغيرهم من المشركين. وفي هذا يقول الله تعالى في سورة الأنفال (سَأُلِقي في قلوبِ الّذينَ كَفَروا الرُّعبَ فاضربوا فَوقَ الأعناقِ وَاضْرِبُوا مِنهُمْ كلّ بَنَانٍ) - 12
ولكن المسلمين في هذه الغزوة لم يكادوا يرون النصر فيها بعد أن قتل الله من قتل من صناديد قريش حتى أدركتهم تحيزتهم الأولى في الجاهلية، واستبدلوا الأسر في المشركين طمعاً في الفداء بالإثخان فيهم، والضرب فوق أعناقهم
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشحاً في نفر من الأنصار، يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو - رأى رسول الله في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال
فهذا هو الإثخان الذي نزل فيه قوله تعالى في الآيتين السابقتين (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) وهو إثخان تبيحه الشرائع العادلة، ويقتضيه الحزم والتدبير، وقد أمر الله به في أثناء القتال، ولم يأمر به في الأسرى بعد الانتهاء منه، كما هو المشهور في سبب نزول تينك الآيتين
وأما عرض الدنيا الذي قصده الله تعالى بقوله: (تريدون عرض الدنيا) فليس هو الفداء الذي أباحه الله لنا بعد القتال، وإنما هو ما حصل منهم أثناء القتال من إيثار الأسر على القتل طمعاً في الفداء، والقتال في الإسلام لا يصح أن يكون لغرض القتل من أغراض الدنيا، لأن ذلك هو قتالهم في الجاهلية للسلب والنهب والإسلام أشرف من أن يباح فيه القتال لذلك الغرض
وهذا المعنى الذي نقوله في تفسير الآيتين هو الظاهر منهما، لأن العتاب فيهما لم يرد إلا على نفس الأسر، أما تفسيرهما المشهور فالعتاب فيه على الفداء، وهو إنما يصح تفسيرا لمثل: كان لنبي أن يبقيُ على أسرى. وقد قال أبن السبكي في تفسيرهما: إن المعنى ما كان لنبي غيرك أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. فجعل هذا من خصائصه صلى الله
عليه وسلم، وهو تفسير يخالف التفسير المشهور أيضاً، ولكنه بعيد عن نظم الآية، والذي يتفق مع نظمها هو تفسيرنا.
عبد المتعال الصعيدي
من وحي الصحراء
محمد ينبوع العبقريات
للأستاذ صلاح الدين المنجد
تعالى أغرودتي أسمعك نشيد فتى الصحراء، الذي عشقته الرمال، وقَبّلته الشمس، وحضنه الغار، وحنَتْ عليه الجبال. . .!
تعالى. . . فإنّ هذا الفتى الجميل، ذا العينين السوداوين، والبشرة الزهراء، قد فَتنَ الدنيا فهي تناغي اسمه. . . وخلب القلوب فهي ترفُ لذكرهِ، وأعشى بنوره العيون فهي تَغضّ لمرآه!. . .
لقد كان هذا البطل يا فتاتي بشراً وسحراً ورحمة. . . وكان ينبوع نور ومصدر هدى. . . إن عالمه مملوء بالترانيم والتسابيح فأنصتي. . . أنصتي إليه. . .!
ليتك رأيته يا أغرودتي وهو يرعى الغنمَ فوق البطاح. . . يرف حوله الطُهر والصفاء. وليتك سمعت نجوى الرمال، إذ رأته، إلى الرمال. . . وليتك رأيته تحف به تلك العصبةُ من قريش فتنصره وترعاه. . . وليتك بصرت بالنور يتألقُ في حواشي الصحراء، ويتوهجُ في قمم الجبال. . . إذن، لرأيتهِ سيداً بطلاً!. . . ولسمعت حديثاً عجباً!. . . ولبصرتِ بما يذهل ويعجب!. . .
لقد روَّق الليلُ. . . ولَفّ الوجودَ. . . كان ليلَ الجاهلية والأوثان. . . وإذا بالّلهبِ الزاهي يتمايل في مكة العروس. . . وإذا بفتى الصحراء يخطو في الزمن. . . يدعو الناسَ إلى الهدى. . . إلى الله. . .!
لقد رفت حوله طيوف الأجيال. . . فغازلته. . . وإذا به يجمع في نفسه العظيمة تلك العبقريات التي ظهرت منذ بعيد. . . لا، لا. . . بل جمع عبقريات السنين الخوالي والسنين القادمات. . .
لقد مادت الصحراء وهي سكرى إذ رأته، وضجت الرمال وهي نشوى إذ غازلته. . . فراحت تقفزُ متوثبةً نحو البيت العتيق تهزج وتقول:
هذا فتانا. . . هذا فتانا
يهدي الدنيا ويحيي الوجود. . .
هو لنا يا رجالُ فلن تؤذوه. . .
هو ابنُ الصحراء. . . فسيقهر العالم
اسعي يا رمالُ إليه. . . وقبلي قدمَيه. . .
ثم أنفذي إلى عيون مناوئيه. . .
ألا تسمعينه يا أختاه. . . ألا تسمعينه!
إن نشيدَه رخيمٌ ساحر!. . .
إن قرآنه معجز باهر!. . .
إن لحنه عبقريٌ بارع!. . .
انظري. . . انظري يا أختاه. . .
إن الجان ينصتون إليه. . .
هاهم أولاء الشياطين يفزعون منه
لقد تمايلت بنات الجبل العابثات لهذا القرآن
هاهنّ أولاء يرددنه بزهو فرحات
يقفزن ليودعْنَه الكهوف، ويسمعنه الأودية ويلقنْه بنات السهول
اسمعي يا أختاه صداه. . . فلقد عمّ وانتشر. . .
فالله يحفظه يا أختي ويرعاه. . .!
أيتها النسيمات. . . تعالي فاحملينا إليه. . . علنا نقبل أقدامه. . . ونسجو بين يديه. . .
ومضى محمدٌ يا فتاتي. . . وجاء الهدى. . . وتمت المعجزة!
يا لله! أفي يوم وليلة. . . تهدم الأوثان. . . وتحطم الآلهة!
أفي يوم وليلة تُهدي قلوبٌ. . . وترجع إلى الله نفوس. . .!
يا للمعجزة! يا لعظمتك يا محمد. . . يا لسموَّك أيها القرآن!
لقد ردّدوه يا فتاتي فخروا سُجّداً. . . وتلوه فشفيت به صدورٌ وبرئت أرواح. . . وكانت معجزة في الصحراء. . .
انظري. . . أغرودتي. . . انظري
إن هذا النور الذي يرقص على سفوح يثرب، ويسيل من قمم أحد، ما يزال يشع ولا يخبو.
! لقد كانت تلك الرمال الشقر ينبوعه الثَّرّ. . . ولن ينضب وعيشك ما دام في تلك الصحراء رمال. . . وفي مكة كعبة. . . وفي الدنيا إله. . . وعند الناس قرآن!
يا لروعة هذه الشعلة المتوثبة ويا لجلالها. . .! لقد هبَّت عليها الرياح الهوج. . . ولعبت بها الأيادي السود. . . وأقسموا ليطفئونها بأقوالهم ودمائهم. . . ولكن الشعلة مازالت تتوثب ضاحكة جذلى، رهيبة مخيفة، إنها تصعد قوية زاخرة، لا تعبأ بالشركِ ولا تحفل بالدسيسة. . . إنها من نور الله. . . إن فيها قوة زلزلت الأرض. . . قوة ما وقف أمامها كسرى ولا أعوانه. . . وقيصر ولا خلانه. . . لقد تداعت لرؤيتها القصور الشمُّ على شواطئ دجلة وجنبات فارس، وعربدت لها المروج الخضر في سفوح الأندلس وشطئان المغرب. . . إنها ما انطفأت أبداً. . . ولكنها ما تزال تعلو وتسمو
لقد كان هذا النور يا أغرودتي مباركاً ليناً، كان يلمس القلوب الوجيعة فيبرئها، وينفذ إلى الصدور المظلمة فيضيئها، ويدغدغ النفوس المفجوعة فيواسيها. . . فما للقلوب اليوم تصدف عنه، وما للنفوس لا تَحِنُّ إليه. . .؟
يا حسرتا عليها يا فتاة. . . إنها أشعة الجمال. . . إنها ومَضات الإيمان. . . إنها من نور الله. . .!
وما الحجاز يا أغرودتي لولا محمد وأشعة محمد! أكان الناس يذكرون تلك البطاح لولاه. . .؟ وماذا كانوا يقولون بربك. . .؟ أيقولون بلاد الرعاة أم مرابع الخيام أم وأدة البنات. . .؟ لا وفتاك يا أغرودتي. . . لولا محمد لما كان هناك حجاز، ولما رفّت إليه قلوب وعشقته نفوس، ولما كان للعرب أمر في الدنيا ولا اسم مشرق في التاريخ. . .! (ولكانت تلك البقاع سماء من غير أضواء، وأصواتاً من غير أصداء، ومساكن من غير أحياء)
فاضحكي لهذا النور، وعبّي من هذا الينبوع. فلقد تدفق من حراء، ثم سقى الصحراء، ثم أقبل يتهادى بين زهور دمشق وعطور الغوطة، ثم فاض فرقص له النخيل وصفق له النيل حتى أدرك البرانس. . . وبلغ هملايا. . .
اللهم إنه دينك الذي أحببت، أتممته ورضيته لنا، فبارك لنا فيه، واهدنا إليه. إنك أنت الهادي الحكيم. . .
وأنت يا قلب!
حدثني. . . من يأخذني إلى تلك البقاع. . . أستنشق عطر الخزامي، وأطأ الرمال التي قبلت أقدام الرسول
حدثني. . . كيف أرى الغار العظيم، ورأى الجبل الأشم، وأهبط الوادي الهادئ. . . وأرى مكة العروس متمددة فوق الرمال. . .!
حدثني. . . متى تقف أمام قبر البطل المشرّع، والفارس المصلح. . . أمام خالق أمة، وواضع شريعة. . . فتخشع في روضته وتردد ألحانه وقصيدته وتنادي:
السلام عليك يا سيدي يا رسول الله
السلام عليك يا أيها النبي الرحيم
السلام عليك يا أيها الرسول العظيم
السلام عليك يا من كنت رحمة للناس وهدى للعالمين. . .
متى تقف يا قلب. . . متى. . . متى. . .!
(دمشق)
صلاح الدين المنجد
نفحة نبوية
صبرا دعاة الحق
للأستاذ محمد عبد الغني حسن
هذا الهُدى فأملأُ به الصُحراَء
…
وانشرْه في خِلل الظلامِ ضياَء
وأصْدَعْ بأمر الله لا مُتهيِّباً
…
ضُرّاً ولا متخوِّفاً بأساَء
من كان في الحق المُبين بلاؤُه
…
هَيهاتَ يَخشى في العدوِّ بَلَاء
يأيها الداعي إلى دين الهدى
…
وفْيتَ قِسطكَ في الجهاد دُعاَء
شَبُّوا عليكَ النارَ شاويةَ اللظى
…
ورمَوا عليكَ الغارةَ الشعواَء
وترصَّدوا لك في الطّريق مُجاهداً
…
فرأَوك انفذَ في الطريقِ مَضاء
نثروا عليكَ الحقدَ من شهوَاتِهم
…
فنثرتَ من نُبل الخِلالِ وَفاء
نُورُ النبوةِ في جبينك ساطعٌ
…
يجلُو الدُّجى ويبدِّدُ الظّلماَء
فإذا المجاهلُ قد غَدون معالما
…
واليأسُ أصبح في يديك وفاء
بَدَّلت صحراَء الجزيرةِ رَوْضةً
…
وجعلتَ منها جنةَ فيحاَء
الجاهليةُ من غراسك أثمرتْ
…
وتفجرتْ ظلاًّ هناكَ ماَء
وتألفوا في الله صفاً واحدا
…
ونسُوا لديك الحقدَ والبغضاء
يبنون للإسلام ركناً خالداً
…
وَيَرَون فيك المنشئَ البنَّاَء
حَجَرٌ أقمتَ على التُّقى آساسه
…
فَرَسَا. وأدرك سمتُه الجوزاَء
يمتدُّ في كِسَفِ السَّحاب تطاولاً
…
ويزيدُ في كبد السماء نَماء
ويُزلزل الدنيا ويَصْدع ركنَها
…
ويهدُّ من نُصُب الضلال بِناء
بَطحاءُ مكةَ أشرقتْ جَنَباتُها
…
ما كانَ أكرمَ هذه البَطْحاء!
وُلدَ الهدى فيها فكان محمداً
…
وغَدَا لكل المكرَمات سماء
هذا اليتيمُ أتى فألّفَ أمة
…
شتَّى، وقوماً فُرِّقوا أهواء
وَيَشُدُّ بينهمو أواصرَ أُلفةٍ
…
ويزيدُ ما بين القلوب إخاء
سَوَّى من الفانين كلَّ تمايُزٍ
…
ومحا بها العصبيةَ العمياءً
لا يستقيمُ الحقُّ بين جماعةً
…
إن لم يكونوا في الحقوق سواَء
يأيها الهادي صَبَرتَ على الأذى
…
وحملت من أوطانك الإيذاَء
وضربت في الصبر الجميل نواحياً
…
وكشفتَ عن نُبل الخِلال غِطاَء
قل للذي سئمَ الجهادَ وملّهُ
…
هلاّ اتَخذت من الرسول عزاَء؟
ما قيمةُ الدنيا إذا هي لم تكن
…
صَبْراً وأخذاً دائماً وعطاَء؟
يأيها الهادي لِقيتَ إساءةً
…
فحملتَ فيها الصفحَ والإغضاَء
إن الكريمَ يغضُّ طرفَ سماحةٍ
…
ويردُّ من إحسانه اللؤماَء
لما قدرتَ عفوتَ اجملَ قادرٍ
…
وأسرتَ عفواً مَنْ إليكَ أساَء!
تلك الخلالُ الضاحكاتُ خليقةٌ
…
أن تستميل لصفِّك الأعداَء
ولقد كرهتَ بأن تُقيمَ على الأذى
…
فهجرتَ أرضاً أنبتتكَ وماَء
وتأثَّروك فما خبتْ لك جذوةٌ
…
يوماً ولا قَدَرَوُا إطفاَء
ووجدتَ في ظل المدينة جِيرةً
…
ولقيتَ من أنصارها نُصراَء
آواك فيها معشرٌ بك آمنوا
…
واستقبلوك مرحِّبين وِضَاَء
عجباً! رأيتَ من المدينة رقةً
…
ورأيتَ مكة قَسْوةً وجفاَء
صَبراً دُعاةَ الحق إن نصيبكم
…
إن تقطعوا أيامكم غُرباَء
مهلاً دعاةَ الحق إن سبيلكم
…
ليست يساراً كلَّها ورخاَء
لا تحسبوها بالورد تَزَينت
…
أو رفّت الدنيا بها أندَاء
لا تحسبوها الظلَّ أَفْيَحَ ناعماً
…
والعيشَ حلواً والمنى خضراء
هي أن تضحُّوا بالحياةِ رخيصةً
…
وتقدِّموها للجهاد فداء
الحقُّ لا يحيا شهيداً بينكم
…
ما ضرَّ لو متم له شهداء؟؟
محمد عبد الغني حسن
من ضوء الإسلام
هل من سبيل لنسعد أفراداً وأمة
للأستاذ محمد يوسف موسى
كل منا يلتمس لنفسه الخير ويبذل في ذلك وسعه، وكلنا يزعم أنه برّ بأمته حفي بها، فهو لا يألو جهدا في القيام بالواجب في عمله، وبما يعود على أمته بالسعادة والرفعة. فلِمَ إذا لا يجد المرء أنى تلفت إلا من يندب شقاوة الجد، وخسارة الأمس، واليأس من الغد؟ وليس حال الجماعات بأهون من حال الأفراد. هؤلاء المزارعون يشكون عدم البركة وفتك حشرات الأرض بخيراتها، والمعنون بالشؤون العامة يحز في نفوسهم تفكك وحدة الأمة وتعثرها في طريقها. لماذا هذه الظاهرة التي تدعو للرثاء، وليس منا إلا من يزعم أنه البار بأمته العامل لخيرها؟ في رأيي أن مرد ذلك كله أمران: أحدهما علة شقاء الأفراد، والآخر علة شقاء الأمة
يصبح الواحد ولا هم له إلا الألم اللاذع لما يرى أنه فاته في أمسه، والتفكير المرمض فيما قد لا يكون في غده، فيصرفه ذلك عن تذوق ما في حاضره من لذة وسعادة. تجد هذا الفلاح دائم الحسرة موصول الألم لأنه لم يبع قطنه بأربعة جنيهات كما باعه جاره، والتلميذ دائم الهم خشية ألا يجد عملا متى فرغ من دراسته، وهكذا إذا تقصيت أحوال الناس جميعا، تجد الأسى على الماضي والخشية من الغد، يفوتان علينا التنعم بالحياة وما تفيضه من هناءة وسرور. ليعمل الواحد منا واجبه، وليطرح الأسى الفارغ على الذاهب، والخشية المبالغة من الآني، وأنا كفيل بأنه سيجد برد السعادة. (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير؛ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). هل رد الأسى نعيما ذهب؟ وهل يرد الألم مقدما للمستقبل ما قد يجيء به من محنة؟ اللهم لا. إذا فلم يعمل الإنسان بنفسه لشقائه وتكدير أيامه؟
من المأثور عن إبيكتيت الرواقي أنه كان يوصي بأن يتعرف المرء ما يتعلق به من الأعمال فيعمله على أكمل وجوهه، وما هو لله فيتركه له. للإنسان أن يسعى لغرضه في شرف ونبل أو في غش ودس، كل ذلك ممكن، فليمض إذا قدما لغرضيه في شرف ونبل وليس له أن تذهب نفسه حسرات إن حيل بينه وبين إدراك ما يريد إذا بذل ما في طوقه،
لأن الوصول فعلاً للغايات رهن بإرادة الله وحده. هذه فلسفة لها جلالها وبساطتها وجمالها، ولكن أجمل منها أن أصحابها أخذوا أنفسهم بها. هذا أحدهم وهو هِلفيدْ يُوسْ بْرسْكِسْ كان عضوا بمجلس الشيوخ بروما فطلب منه الإمبراطور ذات يوم أن يتأخر عن حضور جلسة خاصة، فكان بينهما هذا النقاش:
- لا أريد أن تذهب للمجلس
- لك أن تفصلني من العضوية، أما أنا فسأذهب ما دمت عضوا.
- إذا شهدت الجلسة فلا تبد رأيك
- لك ألا تطلب رأيي، وإذاً فلن أتكلم
- لكنه إذا حضرت الجلسة فسأضطر لسؤالك رأيك
- إذا فسأدلي بما أراه عدلاً
- ذلك معناه أنك تسعى للموت
- ومتى قلت لك إني من الخالدين! كلانا يفعل ما يتعلق به؛ لك أن تأمر بقتلي، ولي أن أصبر أو أجزع، وإذاً فسأتحمل الموت وآلامه صابراً
لله ما أنبل هذا المبدأ وما أروع تطبيقه! وما أسهل ما يكون المرء سعيداً إذا وثق بالله، واحترم ما فيه من رجولة فأرضى ضميره!
أما الأمة في مجموعها، فأرى أن علة تعثرها في خطواتها، وابتلاءها بكثير من المحن في الأنفس والأموال، وتفكك الروابط وانحلال الأواصر، وتفرق الزعماء - أرى أن ذلك كله يرجع إلى انسلاخنا عن الدين شيئا فشيئا، وإلى مبدأ الأثرة الذي أخذ منا بالزمام. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس، وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن؛ ما ظهرت الفاحشة في قوم يعمل بها علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط عليهم عدوهم فاستنفدوا بعض ما في أيديهم، وما عطلوا كتاب الله وسنة نبيه إلا جعل الله بأسهم بينهم، أعتقد أنه بالاحتكام لهذا الحديث المبين نجد
الأمر واضحا، وأن السبب فيما نحن فيه من بلاء جلي
لم نعجب من حبس الله عنا عونه، وفينا من الرجال المحسوبين على الدين من لا يبالي أن يسخط الله، كما يبالي أن يغضب عبداً من عبيده؟ وما بالنا نجزع من ازدياد الإجراء وسببه الفقر وتأصل الحقد في القلوب ومأتاه عدم القسم في الحقوق والواجبات؟ ولماذا نجأر بالشكوى من استئصال حشرات الأرض لكثير من الزروع والأثمار، وقد منعنا الزكاة أربابها؟ إن الله غني عن صيام النهار وقيام الليل إذا كان لا يصحبهما إعطاء الحقوق لأصحابها. إن تربة مصر لتدر الذهب، فليت شعري كيف تتحجر منا قلوب، فلا تحس الآلام التي تنضح بها نفس الفقير، ولا يجد مواسياً؟! ولماذا نعمى، فلا نبصر الشقاء مجسماً في أناس لم يبق لهم من الآدمية إلا الاسم بفضل جحودنا وأثرتنا؟! إن لهؤلاء المحرومين، وهم شركاؤنا في الإنسانية، وإخواننا في الوطن، حقاً معلوماً فيما رزقنا الله من ثراء يتسع لقضاء الصيف في أوربا وغير أوربا، وتضييع مئات الآلاف من الجنيهات على اللهو الفارغ والمتاع الدون. . .
هل تريدون دليلا على ما يسود أخلاقنا من أنانية ممقوتة وعدم رعاية للصالح العام؟ دونكم أدلة لا دليلا واحدا: ماذا ترون في انعدام التناسب بين صغار المرتبات وكبارها إلى درجة شنيعة، لا توجد إلا في بلاد الشرق المسكينة؟ وفي التفرقة بين الطبقات في كثير من مرافق الحياة؟ بل ماذا تقولون في المريض المعدم لا يجد له راثياً، ولا لآلامه مواسياً، ويطرد من مستشفى لاخر، حتى يموت وعياله وأهله تنفطر نفوسهم حسرات، بينما يحدثنا القفطي في كتابه (أخبار الحكماء) أن وزير المقتدر بالله العباسي علي بن عيسى وقّع إلى سنان بن ثابت كبير الأطباء (بإنفاذ متطببين، وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون في السواد، ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم، ويعالجون من فيه، ثم ينتقلون إلى غيره). أليس في بعض هذه المثل ما يدل على ما يتملك أمرنا من أثرة هي بعض السبب فيما نحن فيه من بلاء مبين؟
وأخيرا ما هو العلاج؟ هو في رأيي أن ننعم بحاضرنا دون أسى على الماضي، وأن نحارب الأنانية في أنفسنا وفي غيرنا، وأن يعمل كل منا واجبه وإن كان في ذلك أذى له، وأن يطلب حقه من سالبيه ويلح في اقتضائه؛ فإن السكوت عن طلب الحق جريمة تعدل
عندي عدم القيام بالواجب. نسأل الله حسن الحال والتوفيق والسداد.
محمد يوسف موسى
المدرس بكلية أصول الدين
كمال الدين بن يونس
للأستاذ قدري حافظ طوقان
لم يكن عند كمال الدين خبر من أحوال الدنيا، يلبس بلا تكلف، لا يعنى بزي أو هندام منصرفا بكليته إلى العلم بين درسه وتدريسه. تفقه بالموصل على والده وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الثاني عشر للميلاد. وفي سنة 571هـ ذهب إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية يدرس على السلماني والقزويني والشيرازي فقرأ الخلاف والأصول، وبحث في الأدب على الأنباري، ثم عاد إلى الموصل حيث عكف على الاشتغال بالعلوم الدينية والعقلية والأخيرة كانت غالبة عليه؟ (. . . فكانت تعتريه غفلة في بعض الأحيان لاستيلاء الفكرة عليه بسبب هذه العلوم. . .)، وأخذ من أحد المساجد (في الموصل) مكاناً يدرس فيه عُرف فيما بعد بالمدرسة الكمالية. وبقي كذلك إلى أن توفاه الله في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد. . .
ذاع صيته وانتشر فضله (. . . فانثال عليه الفقهاء وتبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد. . .)
رجع إليه الملوك والأمراء والعلماء في المسائل العلمية، واستعان به ملوك الإفرنج في ما أشكل عليهم من مسائل تتعلق بالنجوم. فقد ورد إلى الملك الرحيم صاحب الموصل رسول من الإمبراطور فردريك الثاني وبيده مسائل في علم النجوم، وقد قصد أن يرد كمال الدين أجوبتها. فأرسل صاحب الموصل يعرفه بذلك ويقول له (. . . أن يتجمل في لبسه وزيّه ويجعل له مجلسا بأبهة لأجل الرسول، وذلك لما يعرفه عن ابن يونس أنه كان يلبس ثياباً رثة بلا تكلف وما عنده خبر من أحوال الدنيا. . .) فاستعد كمال الدين، وعندما اقترب الرسول من داره بعث من الفقهاء من يستقبله، فلما حضر عند الشيخ (كمال الدين) - يقول أحد الحاضرين وهو من بغداد: نظرنا فوجدنا الموضع فيه بسط من أحسن ما يكون من البسط الرومية الفاخرة (. . . وجماعة مماليك وقوف بين يديه وخدام وشارة حسنة، ودخل الرسول وتلقاه الشيخ، وكتب له الأجوبة عن تلك المسائل بأسرها، ولما راح الرسول غاب عنا (يقول البغدادي) جميع ما كنا نراه؛ فقلت للشيخ: يا مولانا، ما أعجب ما رأينا من ساعة من تلك الأبهة والحشمة، فتبسم، وقال يا بغدادي هو علم. . .)
كان كمال الدين متواضعا ذا روح علمي صحيح سما العلم بنفسه وصقل روحه، فإذا الإخلاص للحق والحقيقة يسيطر على جميع أعماله فلم يترك مناسبة دون تبيان الحقيقة وإعلاء شأن الحق وكان يسير على القول السائر:(العلم يزكو بالإنفاق) فكان يجيب على ما يأتيه من مسائل من بغداد وغيرها من حواضر الإمارات ويوضح المشكلات التي ترد عليه من سائر الأقطار في مختلف فروع المعرفة، وجاء أن أحد علماء دمشق أشكل عليه مواضع في مسائل الحساب والجبر والمساحة وأقليدس، فكتب إلى كمال الدين يستفسره عنها فأجابه عليها وقد كشف عن خفيها وأوضح غامضها، وذكر ما يعجز الإنسان عن وصفه. ثم كتب في آخر الجواب:(فليمهد العذر في التقصير في الأجوبة فإن القريحة جامدة والفطنة خامدة قد استولى عليها كثرة النسيان وشغلتها حوادث الزمان. . .)
لقد اعترف له الأقدمون من العلماء والباحثين بالفضل والنبوغ فقال ابن خلكان: (. . . وكان يدري في الحكمة والمنطق والطبيعي والإلهي وكذلك الطب، ويعرف فنون الرياضة - من أقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة وطريق الخطأين والموسيقى والمساحة - معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها، واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد. . .) وفوق ذلك كان عالماً بالعربية والتصريف، قرأ سيبويه والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي والمفصل للزمخشري (وكان له في التفسير والحديث وما يتعلق به وأسماء الرجال يد جيدة. . .) ولم يقف علمه عند هذا الحد بل عنى بتاريخ العرب وأيامهم فقد كان يحفظ الشيء الكثير من أشعارهم ووقائعهم، ودرس التوراة والإنجيل، ووقف على كثير من دقائقهما، وقد قرأهما عليه بعض أهل الذمة واعترفوا بأنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله:(. . . وبالجملة، فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه) واعترف أيضاً معاصروه بتفوقه، فقال أثير الدين المفضل الأبهري - وهو عالم كبير في الخلاف والأزياج بفضل كمال الدين وعبقريته - (ليس بين العلماء من يماثل كمال الدين، وقال موفق الدين عبد اللطيف البغدادي - وهو من كبار علماء القرن السادس للهجرة - إنه لما لم يجد في بغداد من يأخذ بقلبه ويملأ عينه ويحل ما يشكل عليه سافر إلى الموصل سنة 585هـ، فوجد فيها كمال الدين بن يونس
متبحراً في الرياضيات والفقه عالماً بأجزاء الحكمة الأخرى، قد استغرق حب الكيمياء عقله ووقته. وكان فقهاء زمانه يقولون: إنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة، وكان جماعة من الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، (. . . ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور وكان يتقن فن الخلاف والعراقي والبخاري وأصول الفقه وأصول الدين. . .)، وعلى الرغم من ذلك، فقد وجد في قومه من يتهمه في دينه، وقد يكون هذا الاتهام آتياً من اهتمامه بالعلوم العقلية وتعمقه فيها. ونظم أحد الشعراء المعاصرين لكمال الدين البيتين الآتيين اللذين تبين منهما الفكرة التي كانت سائدة عند الناس في دينه:
أجدك إن قد جاد بعد التعبس
…
غزال بوصل لي وأصبح مؤنسي
وعاطيته صهباء من فيه مزجها
…
كرقة شعري أو كدين ابن يونس
ويقول ابن أبي أصيبعة: (. . . كان كمال علامة زمانه وأوحد أوانه وقدوة العلماء وسيد الحكماء، قد أتقن الحكمة وتميز في سائر العلوم. . .) برع في الحساب ونظرية الأعداد وقطوع المخروط وكتب في المربعات السحرية والجبر والسيمياء والكيمياء والأعداد المربعة والمسبع المنتظم والصرف والمنطق، وقد حل مسألة تتعلق بإنشاء مربع يكافئ قطعة من دائرة. ويقال إن الأبهري الذي سبق ذكره قد برهن على صحة حل إبن يونس وعمل في ذلك مقالة. وعلى ذكر الأبهري نقول إن له مؤلفات قيمة في علم الهيئة والإسطرلاب ورسائل نفيسة في الحكمة والمنطق والطبيعيات والإيساغوجي
ويقول سارطون: (. . . إن كمال الدين من أعلم علماء زمانه ومن كبار المعلمين - أو هو المعلم العظيم - ومن أصحاب النتاج الضخم، وهو مجموعة معارف شتى في العلوم والفنون. . .) ويمكن القول إنه كان لبحوث كمال الدين قيمة كبرى عند علماء عصره وأثر في تقدم العلوم
لقد سبق كمال الدين غاليلو في معرفة بعض القوانين التي تتعلق بالرقاص، فقال سمث:(ومع أن قانون الرقاص هو من وضع غاليلو إلا أن كمال الدين بن يونس لاحظه وسبقه في معرفة شيء عنه. وكان الفلكيون يستعملونه لحساب الفترات الزمنية أبناء الرصد. . .) ومن هنا يتبين أن العرب عرفوا شيئا عن القوانين التي تسيطر على الرقاص ثم جاء من
بعدهم غاليلو، وبعد تجارب عديدة استطاع أن يستنبط قوانينه إذ وجد أن مدة الذبذبة تتوقف على طول البندول وقيمة عجلة التثاقل ووضع ذلك بشكل رياضي بديع وسع دائرة استعماله وجنى الفوائد الجليلة منه
ونظم كمال الدين الشعر، وله قطع غزلية رقيقة تفيض عذوبة وسلاسة. منها:
ما كنت ممن يطيع عذالي
…
ولا جرى هجره على بالي
حُلتُ كما حلتَ غادرا وكما
…
أرخصتَ أرخصتُ قدرك الغالي
وله أيضاً:
حتى ومتى وعدكم لي زور
…
مطل واف ونائل منزور
في قلبي حب حبكم مبذور
…
زوروا فعسى يثمر وصلا زوروا
ومن المؤسف أنه لم يصلنا من نتاج كمال الدين إلا القليل فقد ضاع أكثره أثناء الانقلابات، والفتن التي حدثت في العراق. وورد في المصادر بعض مؤلفاته التي تتعلق بالفقه والمنطق والنجوم وهي: كتاب كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في تفسير القرآن، شرح كتاب التنبيه في الفقه (مجلدان)، كتاب مفردات ألفاظ القانون، كتاب في الأصول، كتاب عيون المنطق، كتاب لغز في الحكمة، وكتاب الأسرار السلطانية في النجوم
وخلّف كمال الدين أولادا أتقنوا الفقه، وسائر العلوم (. . . وهم من سادات المدرسين وأفاضل المصنفين. . .) كما يقول ابن أبي أصيبعة.
(نابلس)
قدري حافظ طوقان
أم عربية تضحّي
للأستاذ خليل هنداوي
وتأبى المقادير إلا أن تخلق (ذا قار) ثانية في ضاحية السواد، ولكن وقعة ذي قار الثانية تمتاز عن الأولى بأن العرب حشدوا ما عندهم من المقاتلة يدفعون بصدورهم صدور مقاتلة الفرس الذين أقبلوا من أقاصي فارس وأدانيها يذودون العرب عنهم!
أحست القادسية وطء هذه الجموع الزاحفة بخيلائها وعزائمها وأدركت أنه يوم سينضح ثراها فيه بالنجيع، ويسطع على سمائها كوكب من كواكب عهد جديد!
أشرق الفجر تغمر أنواره الباهتة جموعا تيقظت قبل أن يتيقظ وعلت أصوات تخللها نداء وصهيل ورغاء! والقوم خلال ذلك منكبون على جيادهم يمسحون أعرافها، أو متلمسون مقابض سيوفهم يهزونها، أو مادّون برماحهم إليها ما يسرون! ففريق يتبعه فريق، وكردوس يشد خلفه كردوس، يمشون والأهازيج ملء الفضاء، والنقع يوشك أن يحجب السماء. فهذه فئة مقاتلة تمشي إلى النصر بأهازيجها وتلك فئة منصتة يدوي فيها صوت يرجع صوتا رن منذ عهد لم يطل عليه الأمد فوق هذه الأرض التي أرادت الفارسية أن تقهرها وما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
صوت هانئ بن مسعود يدوي كالرعد القاصف: (يا معشر العرب! هالك معذور خير من ناج فرور، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، والطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، وإن الصبر من أسباب الظفر، قاتلوا فما للمنايا من بد، فتح لو كان له رجال! يا معشر العرب شدوا واستعدوا، وإلا تشدوا تردوا)
تسمع هذه الأقوام أصوات خطبائها فتحن أنفسها لذلك اليوم الذي هو أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وإن هذا ليوم آخر أقبلت فيه الفارسية الوثنية تنازل الجزيرة المسلمة التي تغلي بدم الحياة!
وغير بعيد عن الساحة المستوية التي أعدت للقاء الأبطال - بطحاء انتصبت فيها خيام تقيم فيها الظعائن، وكانت أهازيجهن تجاوب أهازيج الرجال، ومن فوقها الصدى يكاد يلائم بينها، يحملها إلى القيعان البعيدة التي حنت إلى الحرية المكتوبة على أسنة العرب
في خيمة منفردة حمراء الأديم عجوز تخدد وجهها، ولعل الكبر قد نال منها شيئا، لكن
أحداث الدهر لم تبق منها إلا على شبح نسيه الموت أو تناساه، تمشي بهراوتها الغليظة مشية وئيدة مستقيمة، وعلى بدنها صدار أسود ممزق الإهاب، يدل على إنه علامة فاجعة قديمة العهد؛ لكنها حية كأنها بنت ساعتها. وقفت في ناحية لا يصل إليها تيار الزاحفين؛ وحولها أربعة فتية ما أنضر الشباب الذي تفيض به أعينهم، وما أسمى العزيمة التي تتلألأ على وجوههم! تلمست العجوز هؤلاء الفتية بيديها، وتلمست محاسنهم وأكبت على رؤوسهم ووجوههم تشم ريحهم، وما أن انتهت من ذلك حتى بادرتهم بوصيتها:
(أي بَنِيّ! إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين. والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، لا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم. واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية. اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والقيامة
أي بَنِيَّ! اطلبوا الموت توهب لكم الحياة)
كانت تسيل هذه الكلمات العاصفة من فمها دون ما تلجلج ولا اضطراب، لم ينل منها موقف التوديع شيئا، وكان أولادها يسمعون خطابها، وكأن نفوسهم ارتابت في شك أمهم منهم، وهم الذين أقدموا إلى الجهاد مختارين بعد أن باعوا أرواحهم واستقلوا ذلك في جنب الله
قبلوا يد أمهم، وودعوها توديع مفارق لن يوؤب، وزحفوا على جيادهم وهي لا تزال تتجه بمسامعها نحو وقع الحوافر حتى تلاشى وقعه، وقرت كل حركة حولها. فعادت إلى خيمتها، وكأنما ضاقت بها نفسها فهي لا تستطيع القعود إلا قليلا فنهضت تتلمس الأرض بعصاها، ولكن أين تريد أن تدب؟ في نفسها خواطر كثيرة، منها ما يتعلق بالمعركة ونهايتها، ومنها ما يخص أبناءها وحدهم. أتلقاهم كدأبها في المساء؟ أم تلقى بعضهم، والآخر أكلته شفرات السيوف! خواطر كثيرة تحاول أن تطغى على طمأنينتها وإيمانها، ولكنها لا تريد الآن أن تعرف شيئا عن رجوعهم وعن مصارعهم، وإنما تريد أن تعرف كيف استقبلوا الموت، بنحورهم أم بظهورهم! ولكن فيم تشك في أشبالها، وما علمتهم يوماً إلا أهل مروءة ونجدة!
قضت يومها تغالب هذه الخواطر، وما أن دنا الأصيل حتى هتفت أصوات البشرى في القوم بهزيمة الفرس. فخرجت النساء يستقبلن البعولة والاخوة والأبناء. ومن مثل الخنساء
تنشط إلى تنسم الأخبار وهي متوكئة حانية على عصاها ترتفع الأصوات من فوقها ومن تحتها، وعن يمينها وشمالها، والظافرون عائدون بالأردية الحمراء، والسيوف المضرجة بالدماء، قد أذهلهم النصر عن النصب، يحيي بعضهم بعضاً وما تحيتهم إلا مصافحة بالسيف أو السنان!
تعلو الضجة آناً وآناً تخفت، وإنها لتدل على أن أكثر المقاتلة أووا إلى بيوتهم إلا مصاباً يتحامل على نفسه، أو فارساً يتضالع به فرسه بعد أن أبلى، ولكن ما لأولاد الخنساء لم يطل أحد منهم على هذه العجوز المرتقبة التي أخذت ترتجف من الريح الباردة! ومن ذا ينبئها بمصيرهم بعد أن أبطئوا عليها
ولكنها اعتقدت أن واحدا منهم أدركه مصرعه، وأن اخوته قعدوا يبحثون عنه بين القتلى لأنهم يؤثرون أن يدفنوه بأيديهم!
هاهي ذي تنتظر! يمر بها أحد رجال القادسية ممن شهدوا مصرع أولاد الخنساء، يراها شاخصة في الناحية التي أطل منها وقد رفعت رأسها تهم بتكليمه لولا أنها خفضت رأسها لأنها تريد أن تكون كلمتها الأولى لأحد أولادها
شاهدها الرجل وغلبت على عينيه دمعتان محرقتان أسقطهما الحزن على هذه العجوز التي نالت منها القادسية أعظم تضحية. حتى لتحسب فيها رمزاً للأمومة التي ضحت بأبنائها في هذه الوقعة. . . آثر أن يمشي وهو يخطو الخطوة ويلتفت إلى خلفه، كأن شيئا - لا يستطيع أن يدركه - يبعث الروع في نفسه. حاول أن يخبرها أكثر من مرة، وتردد أكثر من مرة، وأقل ما يحمله على التردد أنه لا يريد أن يكون ناعيا لأربعة أولاد في يوم واحد، ولكن ماله يكتم عنها ما كان، وماله لا يشفق على هذه العجوز التي تنتظر، والتي لا تزال تنتظر حتى مطلع الفجر! فلينبئها بمصيرهم، وليعزها بكلمة قد تقع موقعا حسنا أو لا تقع، وليصنع الله بها بعد ذلك ما يشاء! وإن أعظم ما ينتظره لها الموت، وما يدريه أنها هي التي تفتش عن الموت بعد مصرع بنيها. فعاود إليها مرة ثانية؛ وسمعت الخنساء وقع الخطا من ورائها فهمت بالاستغراب، ولكنها شعرت أن هذه الخطا تسر أمراً لها وحدها، فناداها:
- يا خالتاه! لا أخالك تألمين إذا أنبأتك أن أولادك الأربعة يسرحون هذا المساء مع شباب.
الجنة!
فاه بهذه الجملة، والحزن يكاد يقطع عليه أنفاسه؛ ولم يبلغ كلمة (الجنة) إلا بعد أن قاسى من ألأم النفس مثل ما قاساه من نصب يومه؛ فتقدمت منه وكأن الخبر لم يعصف بنفسها، ولم يظهر أثره على وجهها. . .
- ويك ماذا تعني؟ أقُتلوا جميعا؟
- رأيتهم الواحد يُصرع بعد الآخر، يذودون عن موقف تهافت العدو على أخذه تهافت الجراد على النار
- أذهبوا متاعا رخيصا؟
- إنهم - وحدهم - كانوا جيشا، كأنما الموت مورد عزموا أن يردوه جميعا؛ كلما فترت عزيمة واحد منهم هتف به الآخر (وصية العجوز يا أخاه)!
وكأن هذه الكلمة أيقظت فيها الروح التي كلمت بها أولادها فقالت:
- ذلك ما يبعثني على أن أقول: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وإني لأرجو الله أن يجمعني وإياهم في مستقر رحمته؛ ولكن أنبئني ما صنع الله بكم؟
- جئنا بالنصر معقوداً على راياتنا
- هذه التعزية المثلى لي فيما تبقى من أيامي المعدودة، لقد مات أخي صخر من قبل، فلم يسعني من دنياي بعده إلا هذا الصدار الأسود، وهيهات أن أجد مكانا للتعزية فيه، وها يموت أبنائي الأربعة فيعزيني عن موتهم هذا الظفر
والتفتت إلى ناحية بيتها، وأخذت تدب وئيداً، والرجل يتبعها صامتا حتى توارت عنه، فوا الله ما إن سمع لها أنة، ولا رأى لها عبرة، وذهب وهو لا يكاد يوقن بأن هذه التي كانت مثل الأخت المفجوعة الحزينة التي لا يسري عنها شيء، والتي قضت أيامها تبكي حتى ابيضت عيناها من البكاء، هذه الأخت الولهى تصبح المثل الأعلى للأم التي تعتقد أن أولادها للوطن والواجب قبل أن يكونوا لها، وإذا أراد الوطن استئثاراً بهم قدمتهم، وإذا استوهب الوطن منهم أنفسهم لم تضن بها ولم يضنوا، وكأنها بعد ذلك كله لم تبذل شيئا ولم تفقد شيئا
في الإيمان سر تنحني الإرادة عنده، وكيف يريد علماء النفس أن يعللوا مزاجين مختلفين
في نفس واحدة، هذه المرأة التي فجعتها إحدى الوقائع بأخيها الجريء الجميل في الجاهلية؛ والتي لم تترك منها هذه الفاجعة إلا لساناً يندب وصدراً يزف! جاء الإسلام، فلم يقدر أن يصرفها عن حزنها، ولكنها أصيبت في الإسلام بفاجعة قد تهون الأولى عندها وهي فاجعة أبنائها، فلم تحرك من نفسها شيئا، لأنها وهبت مصيبتها لله!. . .
فكرت في المصيبة الأولى، فلم تجد ما ينفس عنها، فاحتفظت بأثرها في منطقة منعزلة من مناطق نفسها، تكشف فيها عن ذكرياتها، وتخوض في أرجائها وحدها. . . أما المصيبة الثانية، فقد تولاها الإيمان الذي فاض على نفس الخنساء كلها، حتى أصبح سواء عندها أفقدت واحداً أو أربعة، أو جميع من في الكون في سبيل هذا الإيمان. . .
رباه!. . . ألست بقادر على أن تحيي الموتى؟!
خليل هنداوي
من الإلياذة الإسلامية
للأستاذ أحمد محرم
الجزء الثاني
بنو غطفان وسيدهم عيينة بن حصن
لما علم أهل خيبر أن المسلمين قادمون لغزوهم بعثوا إلى
حليفهم عيينة بن حصن سيد غطفان يستعدونه وقومه عليهم،
ولهم في ذلك نصف ثمار خيبر، وقيل أن النبي صلى الله عليه
وسلم بعث إليهم ينهاهم عن مظاهرة اليهود، فأبوا، وقالوا
حلفائنا وجيراننا، ثم خرجوا لنصرتهم، فسمعوا صوتاً في
ديارهم وقع في نفوسهم إنه صوت الغزاة من المسلمين،
فأخذهم الرعب وارتدوا على أعقابهم مسرعين.
أَمَا تَدَعُ العَمايَةَ (يَا ابْنَ حِصْنِ)
…
وَتَسْلُكُهَا مُعَبّدَةً سَوِيَّه؟
أضَلَّتْكَ الْيهُودُ، فَرُحْتَ تَبْغِي
…
ثِمَارَ النَّخلِ، يَا لَكَ مِنْ بَلِيَّهْ
لَبِئسَ الأجْرُ أجْرُكَ مِنْ أُنَاسٍ
…
يَرَوْنَ الحَقّ مَنْزِلَةً دَنِيَّه
أتَرْضَى أنْ تَكُونَ لَهُمْ حَلِيفاً؟
…
لَعَمْرُكَ إنْهُمْ شَرّ البَلِيه
رَمَوْكَ بِرُسْلِهِمْ يَبْغُوَنَ نَصْراً
…
فَمَا وَجَدُوَكَ مِنْ أهلِ الرَّويَّه
أهَبْتَ بِقَوْمِكَ: انْطَلِقُوا وَرَائي
…
فَتِلكَ سَرِيِّةٌ تَتْلُو سَرِيَّه
تُريدُ (محمَّداً) وَبَنِي أبِيهِ
…
أُولى النَّجَدَاتِ وَالهِمَمِ العَلِيّه
حُمَاةَ الحقّ، ليس له سواهم
…
إذَا غَلَتِ الحَفِيظَةُ والحَمِيّه
نَهَاكَ (محمدٌ) فَأبَيْتَ رُشْداً
…
لِنَفْسِكَ، إنّهَا نَفْسٌ غَوِيّه
وَقُلتَ: أنَتْرُكُ الحُلَفَاَء نَهْباً
…
وَنَحْنُ أُولُو السُّيُوفِ المَشْرَفِيَّه؟
رُوَيْدَكَ يَا (عُيَيْنةُ) أيُّ خَطْبٍ
…
أصَابَكَ؟ مَا الحَدِيثُ وَمَا القَضِيّه؟
وَمَا الصَّوْتُ المُرَدَّدُ يَا إبْنَ حِصْنِ
…
وَرَائَكَ في مَنَازِلِكَ القَصِيّه؟
وَرَاَءكَ يَا (عُيَيْنَةُ) لا تَدَعْهَا
…
فَمَا هيَ عَنْ دِفَاعِكَ بالغَنِيّه
رجَعْتَ بجُنْدِكَ المَهْزُومِ رُعْباً
…
فَمَرْحَى، مَا الهَزِيَمةُ كَالمنِيَّه
لَوَ انّكَ جِئْتَ (خَيْبَرَ) وَهيَ ظَمْأى
…
سَقَتْكَ مِنَ الرَّدَى كأساً رَوِيَّه
نَوَيْتَ غِيَاثَها، فَشُغِلْتَ عَنها
…
وَأمْرُ اللهِ يَغْلِبُ كلَّ نِيّه
بِرَبِّكَ يا فَتَى (غَطَفَاَنَ) آمِنْ
…
فَإنّ لَهُ لآياتِ جَلِيّه
رَجَعْتَ إلى (النَّبِيِّ) تَقُولَ مَالَا
…
يَقُولُ المَرْءُ ذُو النَّفْسِ الحَيِيَّه
ألسْتُ لِمَنْ ظَفِرْتََ بِهِمْ حَلِيفاً؟
…
فَهَبْ لِي مِنْ مَغَانِمِهمْ عَطِيّه
وَإنِّي قَدْ أبَيْتُ، فَلَمْ أعِنْهُمْ
…
عَلَيْكَ، وَمَا تَرَكْتُكَ عَن تَقِيّه
فَقَالَ: كَذَبْتَ، مَالَكَ مِنْ خَلاقٍ
…
وَمَا تَخْفَى عَلَى الله الطَّوِيَّه
عَليَكَ (بِذِي الرُّقَيَبةِ) إنّ فِيهِ
…
لَمَا أحْبَبْتَ مِنْ صِلَةٍ سَنِيّه
تأمَّلْ: هلْ مَلَكتََ عَلَيَّ أمْرِي؟
…
وَهلْ صَدَقَتْكَ رُؤياكَ الغَبِيّه؟
لّكلٍ مِنْ دُعَاةِ الشِّرْكِ حَرِبٌٌ
…
مُظَفَّرَةُ الوَقَائِعِ (خَيْبَرِيّه)
سَجَايَا المُرْهَفَاتِ البِيِض أوْلَى
…
بِمَنْ جَعَلُوا النِّفَاقَ لهَمُ سَجِيَّه
أحمد محرم
ذكرى الهجرة النبوية
للأستاذ محمد فريد وجدي
لا يذكر ذاكر الهجرة إلا ذكر القرآن والإسلام ومحمداً، وهي ذكريات حافلة بالأحداث، موقرة بالانقلابات التي تعتبر مبدأ انتقال عالمي لم يسبق للعهود البشرية أن مر بها مثله.
نعم لأن الانتقال الذي أحدثه الإسلام في جزيرة العرب لم يقتصر عليها، ولكنه تناول العالم كله إما مباشرة وإما بواسطة فكان أثره أبعد أثر سجله تاريخ العلم الاجتماعي للإنسانية من لدن نشأتها إلى اليوم
انتقال في فهم معنى الدين، انتقال في إدراك حقيقة العبادة، انتقال في تعيين أهداف الاجتماع، انتقال في اعتبار مكانة العلم، انتقال في الاعتداد بسلطان العقل، انتقال في تقرير حقوق الإنسانية، انتقال في إقامة الحقوق الطبيعية، انتقال في تحديد معنى المساواة والعدل
انتقالات ذريعة في كل ضرب من ضروب الشؤون الإنسانية سرت إلى العالم كله بتقلب المسلمين في البلاد، فأثرت في مجموع البشرية تأثيراً لا يشتبه بغيره من الانتقالات الأدبية، كان من نتائجها تطور بعيد المدى في كل مجالات الحياة العالمية. فإذا كان الذين استفادوا منه يتثاقلون في عزوه إلى القرآن والإسلام ومحمد فإن أولي العلم يعرفون هذا الحق وقد أعلنوه في مؤلفاتهم (راجع ما كتبه جيبون الإنجليزي ودربير الأمريكي وسديو وجوستاف لوبون وغيرهما من الفرنسيين)
قلنا انتقالات، فأي لفظ أدل من هذا اللفظ على ما نحن بصدده؟
كان الناس قبل القرآن ومحمد يعتبرون الدين ذلاً واستكانة، واستخذاء لذوي المكانة، فلما جاء الإسلام صاح بالناس: ارفعوا رؤوسكم إنما التقوى في الصدر، وعلو الهمة من الإيمان، ولا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)
وكانوا يظنون أن العبادات سخرة، فقال لهم الإسلام: كلا إنها صلة بين المخلوق والخالق، وإنها يجب أن تكون ميسرة غير مرهقة (فقم ونم، وصم وأفطر، فإن لبدنك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، ولزورك (أي زائريك) عليك حقا) أن الرجل ليعتبر عابداً لله في كل فاضلة تصدر منه حتى في اللقمة يرفعها إلى فم امرأته
وكانت الجماعات لا تفكر في المقاصد الأدبية المرجوة من الاجتماع، فلما جاء الإسلام قال
لها: إنما الاجتماع للتعاون على استكمال وسائل البقاء، وهي لا تكون مباركة إلا إذا كان فيها تعاون على البر، وتضافر للتأدي إلى أكمل ضروب الحياة؛ أما التعاون على الإثم والعدوان فليس من شرف الإنسانية في شيء
وكانوا لا يقيمون للعلم وزناً إلا ما صدر عن الذين نصبوا أنفسهم بين الناس وبين الله حجاباً، فقال لهم الإسلام:(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)
وكانوا يعدون العقل عدوا للدين، ويتعمدون الخروج على أحكامه مشايعة للذين ربوهم على عصيانه، فقال لهم الإسلام: الدين أساسه العقل، ولا دين لمن لا عقل له
وكانوا يتخيلون أن كل من خالفهم في الجنس والدين واللغة أعداء لا يصح أن تجمعهم بهم صلة، فلما جاء الإسلام صاح بأهل الأرض قاطبة:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). فكان الإسلام بهذا الأصل أول من أوجب أن تكون بين الناس كافة زمالة إنسانية، يتعاونون تحت ظلالها على تحقيق أغراض الحياة العامة، بصرف النظر عما يفرق بينهم من جنس ولغة ودين
وقوَّى هذا الأمر وضوحاً فقال: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)
بل وصاهم بالرحمة ومراعاة قواعد العدل مع أعدائهم الذين قاتلوهم ليفتنوهم عن دينهم، وأخرجوهم من أرضهم فقال:(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وقال:(ولا يجرمنكم شنآن قوم (أي ولا يحملنكم بغضكم لقوم) أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب)
وزاد في التنبيه على وجوب مراعاة الحقوق الإنسانية، فأمر ألا يتعقب المنتصر في الحرب مهزوما، وألا يجهز على جريح وألا يقتل شيخا ولا امرأة ولا طفلاً ولا رجلاً غير محارب حتى خدم المقاتلين، وألا يهدم ديار الأعداء، ولا أن يحرق أشجارهم، ولا أن يعثو فيها فساداً
وكان الناس لا يعرفون الحقوق الطبيعية لإخوانهم في الإنسانية بصرف النظر عن أديانهم وأجناسهم ولغاتهم، فكانوا يجردون من ليس منهم من كل حق، ويسمحون لأنفسهم بقتلهم وسلبهم إن ظفروا بهم، فإن منّوا عليهم بالبقاء استعبدوهم وأذلوهم، فلما جاء الإسلام قرر أن بنى آدم مهما كانت مللهم وبيئاتهم ولهجاتهم حقوقاً طبيعية لا يجوز العدوان عليها بغير حق
وكان الناس لا يدرون كنه المساواة والعدل، فخضعوا لنظام الطبقات ذوات الامتيازات، فكان لرجال الدين والسراة والمحاربين حقوق ليست لغيرهم من أفراد الشعب، فكانوا يبهظون الدهماء بالتكاليف والإتاوات ويخلون أنفسهم منها. فلما جاء الإسلام حطم كل هذه الأوضاع، واعتبر الناس كلهم سواء أمام العدل:(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً)
فنحن إذا ذكرنا الهجرة، وهي دور من أدوار الكفاح الإسلامي في سبيل الإصلاح، ذكرنا كل هذه الانتقالات الأدبية التي لو اطلع عليها علماء الاجتماع لدهشوا، لأن كلا منها لم يتقرر في العالم المتمدن إلا بعد ثورات دموية، تلتها انقلابات عنيفة، وسبقتها تطورات عقلية وأدبية دامت قروناً طويلة؛ فإن كانت قد تولدت طفرة على يد خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، في مدى أقل من ربع قرن، وفي أبعد البيئات عن توليد أمثالها، فهي كبرى الآيات الإلهية، جاءت مناسبة لموطن الاقتناع من عقول أهل الزمان الأخير، فإنهم قد يرون القمر ينشق، أو الجبال تندك فلا يتأثرون، ويمضون يلتمسون لها عللاً طبيعية، ولكنهم لا يستطيعون أن يلتمسوا لهذه الانتقالات الفجائية الباهرة عللاً طبيعية، ولاسيما في بيئة لا تنتج واحدة منها. ولقد نسيت جميع الآيات التي صحبت الرسالات السابقة ومضت بمضي أيامها، إلا هذه الآية التي خص الله بها خاتم رسله، فستبقى ما بقي الإنسان ذا عقل يجيله في الأمور، وما بقي العلم يجلو كل مستور.
محمد فريد وجدي
الإسلام دين النضال
للدكتور زكي مبارك
خلوت إلى قلمي لأكتب فصلا للرسالة أتحدث فيه عن بعض الخصائص الإسلامية، ثم أخذت أستعرض تاريخ الإسلام في القديم والحديث عساني أجد مسألة واضحة الحدود يصل فيها القلم إلى شيء بعد جهاد ساعة أو ساعتين
وما هي إلا دقائق حتى اهتديت إلى موضوع تضيق عنه الأعمار، ولكنه مع ذلك واضح المعالم لا يكلف القلم إلا بعض العناء، ليصل الكاتب إلى طوائف من الصور تمنحه التشرف بالمشاركة في إحياء ذكرى الهجرة النبوية
اهتديت إلى القول بأن (الإسلام دين النضال). فما معنى ذلك؟
ارجعوا إلى تاريخ الرسول وتواريخ الخلفاء. ومن تلا الخلفاء من الملوك والسلاطين في الممالك الإسلامية، لتعرفوا أن الإسلام في جميع عصوره لم يكن إلا دين نضال
وشريعة الكفاح وضع قواعدها نبي الإسلام: فهو أول رسول تجشم مكاره الجندية في سبيل العقيدة، وأول رسول تعرض للقتل مرات كثيرة في سبيل المبدأ، وأول رسول عاش عيش التأهب للقتال في جميع الأحوال
دخلت عليه ابنته وهو يعاني سكرات الموت فتوجعت لما هو فيه من الكرب فنظر إليها وقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم! والناس يفهمون أن الكرب الذي تحدث عنه الرسول هو كرب الموت. أما أنا فقد فهمت أنه يشير إلى ما عانى في حياته من أرزاء وخطوب، وقد عاش دهره كله وهو في بلاء بالناس والزمان، فما انتقل من حرب إلا إلى حرب، ولا خلص من عناء إلا إلى عناء، فحياته هي الشاهد على أن المجد لن يكون إلا من حظوظ المكافحين
والعبرة الأصيلة من حياة هذا الرسول هي الصفة الجدية بين شمائله العالية. والصفة الجدية تظهر في سيرته منذ عهده الأول، فقد نشأ يتيماً، واليتم يحمل النفس على الشعور بالغربة في محيط الوجود، والغريب يقهر على اصطناع الجد في جميع الشؤون
ومن هنا يظهر السر في عنايته بتدليل سبطيه الحسن والحسين، فقد كان يشعر أنه يقدم إليهما سروراً فاته الظفر بمثله وهو يتيم
ثم اتفق له في صباه أن يشتغل بالتجارة لحساب زوجته خديجة، فكان مسؤولاً أمام قوة السوق التي لا يربح فيها غير أهل الجد والصدق من الذين يكتوون بنيران المعاملة مع أقطاب الكسب من السريان واليهود، وكانوا في ذلك العهد دهاقين الأخذ والعطاء
لم يحدثنا التاريخ عن تفاصيل الحياة التجارية التي عاناها الرسول، ولكنا نعرف أن التاريخ لم يكن يسمح بالسكوت عن ذلك الرسول لو أنه استطاع أن يأخذ عليه هفوة من الهفوات التي تجرح الأمانة والصدق، وهما فضيلتان لا يتحلى بهما التاجر إلا بعد جهاد شديد للشهوات والأهواء
وبفضل الكفاح الذي عاناه الرسول في ذلك العهد استطاع أن يدرس أخلاق العرب والسريان واليهود، وهي أمم كانت تقتتل في سبيل المنافع أبشع الاقتتال، واستطاع كذلك أن يتصل من قرب أو من بعد بالأخلاق الحبشية والمصرية والهندية والفارسية والرومانية واليونانية. ومن هذه التجارب تهيأت نفسه للإحساس بقيمة الجد والنضال
فإن قيل إن أكثر الأنبياء عانوا رعاية الغنم في طفولتهم ليتعودوا الصبر، فإنا نقول بأن محمداً عانى ما هو أشق من رعاية الغنم، عانى رعاية التجار وهو قوم يأكلون الجمر، ويلتهمون السم، ويدوسون على أشلاء الضمائر والنفوس
ومن المؤكد أن الرسول عرف الثورة على انحطاط الأخلاق بفضل ما شهد من مكاره الحياة التجارية لذلك العهد
ومن المؤكد أيضاً أن اشتغاله بالتجارة هيأ الفرصة للمعرفة العميقة بالأحوال السياسية والاقتصادية في ذلك الزمان
ويغلب على الظن أنه لم يكن يخلو بنفسه من وقت إلى وقت إلا ليجد الفرصة للسلامة من مكايد الناس، وقد عرفهم في ظروف لا يسلم من شرها غير من يعتصمون بالعزلة من حين إلى حين
وفي لحظة من لحظات الصفاء عرف محمد أن العناية الربانية أعدته لغرض أعظم من تثمير الأموال لزوجته الغالية، ولكن كيف يصارح قومه بذلك الغرض وهو في ظاهره من الكفر المُوبق في بلد قد استراح إلى الأوهام والأباطيل؟
لابد من نضال جديد، وفي ميدان لا تكون حراره من الصخور والجلاميد، وإنما تكون
حراره وعقابه من القلوب الغلف والضمائر السوء
لابد لليتيم الكهل من نضال جديد، ولابد من توديع الاتجار بالعروض والأموال للدخول في تجارة جديدة لا يكون فيها الربح غير الهلاك بالقتل والإستشهاد، إن لم يعصمه الله من الناس
وبرز محمد لقومه برأي كان في نظرهم أجرأ الآراء
برز لهم وهو أعزل لا يملك من السلاح غير اليقين، وهو أضعف أدوات القتال في عصور الظلمات
وما كان قوم محمد إلا قوماً فحولاً طاولوا الدهر وصابروا الزمان، وكان فيهم من يملك التصرف بأحلام الأمة العربية، ومن يقدر على إيذاء سمعته بكلمة أو كلمتين. وما هي إلا أيام حتى شاع في جميع القبائل أن محمداً أصيب بالخبال والجنون، وفي أي أرض؟
في أرض بدوية تسير فيها قالة السوء بأسرع من ومض البرق
فما الذي يصنع اليتيم الكهل وقد أشيع أنه مخبول مجنون؟
رجع إلى عزيمته يستفتيها، فحدثته بأن النضال هو اشرف ما يعتصم به كبار الرجال
وكانت أيام عرف فيها محمد أن حراسة الغنم أسهل من حراسة الأصدقاء. كانت أيام عرف فيها أنه يعاود حياة اليتم من جديد فما الذي يصنع؟
لابد من نضال، لابد من نضال
لقد انتهى عهده بالنضال الهين الخفيف يوم كان يسهر على زاده وتجارته ليأمن غوائل الأعراب بالليل، انتهى عهده بالجزع على ضياع صرة فيها دراهم أو دنانير يدخرها لسرور زوجته الغالية حين يرجع من أسفاره في تثمير ما تملك من أصول المنافع الدنيوية، وأقبل عهد جديد، هو عهد السهر على الضمائر والقلوب ليحميها من غوائل الشرك، وليقيها شر الفساد والانحلال
ولكن الذين يعنيه أمر هدايتهم يرونه من أهل الفضول، ويسمعونه اقبح عبارات السخرية والازدراء، فماذا يصنع؟
لابد من النضال، ولابد من الترحيب في سبيل العقيدة بالظمأ والجوع والقتل. وهنا تظهر عظمة محمد المؤيد بقوة خفية تهوّن عليه المصاعب والأرزاء
هنا تظهر عظمة الرجل المؤمن بقيمته الذاتية، والذي يرى أن خصومه ليسوا إلا هباء في هباء، وإن تحصنوا بآطام السياسة والمال، وهما أقوى الحصون
وما الذي يخاف عليه بعد ما لقي؟
لابد من نضال، لابد من نضال
والتفت اليتيم الكهل فرأى أنه وحيد مضطهد لا يؤمن قومه برسالته، وإن كان لم يفقد عطف زوجته الغالية في ذلك الظرف العصيب
الله وحده هو الذخيرة الباقية للمضطهدين من أصحاب العقائد والمبادئ. الله وحده هو سناد المكروبين، وغياث الملهوفين. الله وحده هو الذي يحمي أهل الصدق والأمانة من عدوان الكاذبين والخائنين. الله وحده هو الذي يقدر على مواساة المكروب المحزون، وهو وحده الذي يبعث الشجاعة في صدر اليائس من انتصار الحق
الله وحده هو الذي أوحى إلى اليتيم المضطهد أن يستبسل في سبيل الحق، ليرى انتصار الحق على القوة بعد حين
وتلفت محمد فلم ير لرسالته من ظهير أو معين غير القوة الخفية التي تحدثه بأنه قد يصل إلى الفوز إن صبر على المكاره صبر أولى العزم من الرسل
هو إذن نبي، والنبوة توجب التضحية بجميع المنافع، وتفرض الاستهانة بأكاذيب المفترين على العرض والشرف، فلا بأس من أن يشيع كذباً أنه رجل غير شريف، وإن كان قومه عدوه من أقطاب الأمناء، يوم كان لا يجهر بالاعتراض على ما يرتطمون فيه من الزيغ والضلال
لابد من نضال، وهو في هذه اللحظة يقع في ميدان واحد هو الصبر على عدوان المكذبين، فإن انتصر محمد على هذا الكرب فلا كرب عليه بعد اليوم
وصرخ محمد بصوت ارتعدت له الجبال: يا معشر قريش، أنا رسول الله إليكم!
وما كاد يفوه بهذه الجملة حتى ظهرت لعينه وقلبه ألوف وملايين من الأفاعي والصلال هي وساوس المرتابين في دعوته السامية
ونظر فإذا هو طعام سائغ للسفهاء والأغبياء من أعداء الحق وأنصار البهتان وحدثته النفس بأن طلب السلامة أمر يوجبه العقل
ولكن القوة الخفية سارعت فحدثته بأن الرجل الحق هو الذي يستهين بأراجيف السفهاء
الرجل الحق؟ ومن الرجل الحق بجانب النبي الحق؟
الروح الأمين يحدثه بأنه خاتم الأنبياء، فما الذي يمنع من أن يتحمل في سبيل رسالته أضعاف ما تحمل سائر الأنبياء؟
ومضى محمد يناضل ويقاتل ويجاهد حتى نقل العرب من الشرك إلى الإيمان بعد أن دفع ثمن النصر من دمه الغالي، الدم المسفوك بالأكاذيب والأراجيف والأباطيل
ولكن، لا بأس، فقد سنّ لأتباعه الأوفياء شريعة النضال
زكي مبارك
التوجيه الأول
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
اتجه نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام وما جاورها قبل أن يستتب له الأمر في الجزيرة بزمان طويل، بل قبل أن يفرغ من قريش، ويفتح مكة، وصحيح أنه كان قد عقد مع قريش صلح الحديبية، فأطمأن، واطمأنت قريش بذلك بعض الاطمئنان، ووسع النبي أن يتفرغ لغير قريش، ووسع قريشا أن تستأنف تجارتها مع الشام وهي آمنة، ولكن هذا كان قبل فتح مكة بعامين، وكان هناك اليهود أيضاً، وأمرهم غير هين، وقد قضى عليهم بعد عودته من الحديبية، فغزاهم في خيبر، واستخلصها منهم، ثم دعا يهود فدك فخضعوا بغير قتال، وتلاهم يهود وادي القرى بعد قتال يسير. ولكن هذا وسواه لم يكن قد تم لما شرع النبي - أو لما بدا أنه شرع يفكر - فيما وراء جزيرة العرب. وأكبر الظن أن تفكيره في الشمال قديم، فما يسع قارئ السيرة النبوية إلا أن يروعه عمق النظرة، وبعدها، ورحابة الآفاق التي تمتد إليها
ومن أول مظاهر هذا الاتجاه، إرساله إلى هرقل، وكسرى، والمقوقس، وملك الحيرة، وملك اليمن، ونجاشي الحبشة. . . يدعوهم إلى الإسلام؛ وقد كانت هذه دعوة عامة، وإذا تركنا الحبشة: فإنها فيما وراء البحر، واليمن: لأنها داخلة في شبه الجزيرة. فإنه يبقى الشمال، الذي جاءت الحوادث بعد ذلك بما يخصصه. وعسى أن يكون من أول دواعي هذا التخصيص أن الحارث الغساني ملك الحيرة، لما تلقى كتاب النبي بالدعوة إلى الإسلام بعث إلى هرقل ملك الروم يستأذنه في أن يقوم على رأس جيش، لمعاقبة صاحب هذه الدعوة الجديدة، ولكن هرقل صرفه عن ذلك لأسباب لا تعنينا هنا، فما أريد أن أكتب تاريخا حديثا - فقد تكفل بذلك الصديق الزميل - على الرغم من الوزارة والرتبة، الدكتور هيكل باشا، جزاه الله عن المسلمين خيرا. . . وإنما كل ما أقصد إليه من ذكر هذه الدعوة التي وجهها النبي إلى الملوك، هو الإشارة إلى الاتجاه فيها. . .
ومن المحقق أن عين النبي كانت على الشام خاصة، والشمال عامة، وهو يعرفها حق معرفتها؛ فقد سار فيها صبياً، وشاباً، ورجلاً قبل البعث. ولم يكن يخفى عليه أن حياة الجزيرة رهن بتجارتها مع الشام، ولهذا رأى في الهجرة إلى المدينة وسيلة تعينه على
السيطرة على مكة، والتحكم في طريق تجارتها، وكانت قبائل العرب قبل عهده، لتفككها، محتاجة إلى مصانعة الملوك المجاورين، لتطمئن على هذه التجارة، على أن النبي - فضلاً عن ذلك - كان يرى أن الشام وما جاورها، هي الطريق الطبيعي لامتداد دولة الإسلام وانتشار الدعوة إليه، وتخطيها حدود الجزيرة، وغير مستغرب أن يتطلع إلى ما وراء الجزيرة، من جاء بدين الحق للناس كافة، لا للعرب خاصة. . .
وقد تأنى، ولم يعجل بفتح مكة، لأنه كان واثقا من الظفر بها في أوانه المقدور، ولكنه وجه إلى الشمال ثلاثة آلاف قاتلوا في مؤتة، وكانت هذه (حملة تأديبية) صارت مقدمة لغزوة ذات السلاسل، ثم لغزوة تبوك، لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الروم يتهيئون لغزو حدود العرب الشمالية. على أن الروم لم يحاربوا بل انسحبوا لما بلغهم أمر الجيش الذي سيره النبي وقوته، فآثر النبي ألا يتبعهم، واكتفى بالإقامة عند الحدود متحدياً متحفزاً عاملاً على كفالة هذه الحدود وتأمينها، وقد خضع له غير واحد من الأمراء هناك وأعطوه الجزية، وسار خالد بن الوليد بأمره فاستولى على دومة وبذلك أمن النبي عليه الصلاة والسلام الحدود الشمالية، وجعل من البلاد التي تعاهد مع أمرائها، معاقل وحصوناً قائمة بينه وبين الروم، وانتفى كل خوف من العدوان على الجزيرة وأهلها
ولكن النبي لم يكتف بذلك، فما كاد يعود من حجة الوداع حتى أمر بتجهيز جيش عظيم أمر عليه أسامة بن زيد بن حارثة ليسير به إلى الشام. فخرج من المدينة، ولكن الله لم يكتب له الذهاب إلى الشام فقد مرض النبي، واشتد عليه الأمر، فحال ذلك دون مسير الجيش، وكان أن انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى. فانصرف المسلمون إلى شؤونهم العاجلة، مثل ($) واختيار أمير للمؤمنين، ثم الردة وما استوجبت من التفرغ لقمعها ولكنهم بعد أن انتهوا من ذلك، واطمأنوا إلى استقرار الأمور في شبه الجزيرة، شرع أبو بكر رضي الله عنه، في إمضاء سياسة الرسول، فوجه الجيوش إلى الشمال
والمؤرخون الغربيون يصفون أبا بكر أحيانا بأنه (محمد الثاني) ولا يعنون بذلك أكثر من أنه هو الذي شرع في رفع بناء الدولة الإسلامية التي وضع الرسول (ص) قواعدها وأرساها وقررها، وأن موقفه من المرتدين هو الذي كفل لدولة الإسلام أن تبقى قائمة، وأن يتيسر لها الامتداد. . . على أن هذا موضوع آخر، لا نرى أن نستطرد إليه فنخرج عما
قصدنا إليه، من بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي وجّه المسلمين إلى فتح الشام وما جاورها، ولو امتد به العمر لتم ذلك في حياته، فقد كان من الجلي أنه بعد أن اطمأن على الجزيرة وبسط عليها سلطان الدين الذي بعث به، صار همه هذا الشمال، ولكن الله اختاره إلى جواره، بعد أن أتم رسالته، وفهم عنه أبو بكر، فاتجه بالمسلمين إلى حيث أراد النبي أن يوجههم. ومن الممكن أن يقال إن أبا بكر أراد بالزحف على الشمال أن يشغل المسلمين بالحرب والفتح، بعد الردة وحروبها، وهذا صحيح، ولكن أصح منه أن هذا هو توجيه النبي عليه الصلاة والسلام، كما فهمه أبو بكر وعمر من بعده. فالنبي لم يجيء بالدين وحده، بل وضع قواعد الدولة المدنية أيضاً، ورسم لها مستقبلها العالمي وعيّن لها اتجاهاتها جميعا
إبراهيم عبد القادر المازني
صيام رمضان
وموازنة بصيام الثلاثين عند الصابئة والمانوّية
للدكتور علي عبد الواحد وافي
لا نعلم على وجه اليقين متى نشأت فكرة الصوم في المجتمعات الإنسانية، ولا نكاد نعرف شيئاً يعتد به عن الأسباب الأولى التي دعت إليه، كما أن ما وصلنا عن النظم الدينية للأمم الغابرة، لا يرشدنا إلى أول شريعة جاءت به، ولا يقفنا على أول شعب ظهر فيه. وكل ما يذهب إليه بعض الباحثين بصدد هذه الأمور يتألف من آراء فطيرة تعتمد في بعض نواحيها على الحدس والتخمين، وفي نواح أخرى على حجج ضعيفة قلقة، لا يطمئن إلى مثلها المنطق السليم.
غير أنه مما لاشك فيه، أن الصوم من أقدم العبادات الإنسانية، ومن أكثرها انتشارا. ً فلم يكد يخلو منه دين من الأديان، ولم يتجرد عنه حياة شعب من الشعوب: جاء بملل الطوطميين والمجوس والوثنيين والصابئين والمانوية والبوذيين وعبدة الكواكب والحيوان، كما جاء بشرائع اليهود والنصارى والمسلمين
وقد اختلفت أشكاله باختلاف الأمم والشرائع، وتعددت أنواعه بتعدد الظروف المحيطة به والأسباب الداعية إليه، فمنه ما يكون بالكف عن الأكل والشرب والاتصال الجنسي والكلام، ومنه ما لا يقتضي إلا الكف عن الأكل والشرب، ومنه ما يتطلب الكف عنهما وعن الاتصال الجنسي، أو عنهما وعن الكلام. . . والإمساك عن الأكل والشرب يقع على وجوه كثيرة، فمنه المطلق الذي شمل جميع المأكولات والمشروبات، ومنه المقيد الذي يتم بالكف عن بعض أنواعهما، وهو بجميع ضروبه يقتضي حرمان الجسم حرماناً اختيارياً من بعض حاجاته الطبيعية. . .
ومن أنواع الصيام ما يقتضي الإمساك عن هذه الأمور اليوم كله نهاره وليله، ومنه ما لا يقتضي الإمساك إلا نهاراً أو شطراً من النهار، ومنه ما يبدأ بغروب الشمس ويستغرق الليل كله، أو شطراً منه
ومن أنواع الصيام ما يكون متتابعاً يجري في أيام متتالية، ومنه ما يكون مقصوراً على يوم واحد أو ليلة واحدة أو جزء من يوم أو ليلة، ومنه ما شرع في أيام غير متتابعة يفصلها
بعضها عن بعض فترات معينة
ومن أنواع الصيام ما هو واجب يتحتم على جميع الطبقات أو بعضها بشروط خاصة، ومنه ما هو مستحب يندب إليه جميع الأفراد أو بعض طوائف منهم. وجميع أنواع الصيام التي شرعها الدين الإسلامي تقتضي الإمساك عن الأكل والشراب والاتصال الجنسي من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وليس منها ما هو فرض على جميع المكلفين العاقلين إلا صيام رمضان
هذا، ويشبه صوم رمضان في ظاهره صياماً شرعته ديانة الصابئين والمانوية، وسمي صيام الثلاثين، فقد جاء بالجزء التاسع من كتاب الفهرست لابن النديم أن شريعة الحرانيين المعروفين بالصابئة أو الصابئين (تفترض عليهم من الصيام ثلاثين يوماً أولها لثمان مضين من اجتماع آذار)، وأنهم كانوا يؤدون هذا الصوم تكريماً للقمر، وأنه كان إمساكاً مطلقاً عن جميع المأكولات والمشروبات من طلوع الشمس إلى غروبها. وقال في نفس الجزء في أثناء كلامه عن الثنوية الكلدانيين أو المانوية إنه (إذا أهل الهلال ونزلت الشمس الدلو ومضى من الشهر ثمانية أيام يصومون حينئذ ثلاثين يوماً يفطرون كل يوم منها عند غروب الشمس). وتدل عباراته أن صيامهم هذا كان تقديساً للأفلاك السماوية وبخاصة الشمس
وقد حاول كثير ممن في قلوبهم مرض، وممن وقفوا جهودهم على النيل من الإسلام والكيد له تحت ستار البحوث التاريخية، والتحقيقات العلمية، حاولوا أن يرجعوا صيام رمضان إلى صيام الثلاثين عند الصابئين والمانوية، زاعمين أن محمداً عليه السلام قد اقتبسه من هاتين الشريعتين
ومن هؤلاء الدكتور جاكوب الألماني. فقد قرر في رسالة كتبها في موضوع صيام رمضان، بعد تحقيقات حسابية طويلة وموازنات بين التاريخ العربي والميلادي والبابلي، أن أول سنة شرع فيها هذا الصوم وهي سنة 623 ميلادية كان أول يوم من شهر رمضان فيها يوافق الثامن من شهر آذار، أي أن أول رمضان صامه المسلمون كان موافقا في مبدئه ونهايته لتاريخ صيام الحرانيين، وإن في هذا أكبر دليل على أن محمداً قد اقتبس صومه عن شريعة الصابئين
وذهب العلامة الفنلندي وسترمارك إلى ما يقرب من هذا الرأي حيث يقول في مؤلفه: (إن وجوه الشبه بين صيام رمضان وصيام الثلاثين عند الحرانيين والمانوية لتحمل على الجزم برجوعهما إلى أصل واحد. فلابد إذن أن يكون محمد قد نقل صيامه عن الحرانيين أو عن المانوية أو عنهما معا)
وهذه لعمري شنشنة عرفناها عن معظم من تصدى من الفرنجة لبحث عقائد الدين الإسلامي وشعائره، فتراهم قبل أن يفهموا الموضوع الإسلامي الذي يتصدون لدراسته حق الفهم، يوجهون كل همهم إلى البحث عن نظير له في الشرائع الأخرى، ولا يلبثون أن يعثروا عليه حتى يوحي إليهم تعصبهم أن هذا منقول عن ذاك، ثم لا تعوزهم الحيل والمنافذ لإلباس أهوائهم ثوب الحقائق
ومع أن المقام لا يتسع لرد مفصل على ما زعموه بصدد صيام رمضان، فإن في النقط المجملة الآتية ما يكفل نقض مزاعمهم هذه من أساسها:
(أولاً): لم يحدث في الجاهلية أي اتصال فكري أو ديني بين قريش التي نشأ فيها الرسول وبين الصابئين أو المانوية، وقد حال دون هذا الاتصال أمور كثيرة، ومنها اختلاف اللغة والخط والثقافة والحضارة، ومنها بعد المسافة بين مواطن هؤلاء وأولئك، فقد كانت بلاد الصابئين والمانوية في حدود فارس من الغرب على حين أن القرشيين كانوا يقطنون الحجاز والمواطن المتاخمة له، وكانت أسفارهم التجارية لا تتجاوز طريقي الشام واليمن، يسلكون أحدهما في رحلة الشتاء والآخر في رحلة الصيف، ولم ينقل عن الرسول عليه السلام أنه اتصل قبل بعثته بأحد من الصابئين أو المانوية أو عني بدراسة شرائعهم أو وقف على شيء منها، وظل هذا حاله إلى ما بعد رسالته بأمد غير قصير
(ثانياً): إن صوم رمضان يختلف اختلافاً جوهرياً في شروطه وقواعده ومقاصده ووقته وطريقة أدائه وحكمة تشريعه عن صوم الثلاثين عند الصابئين والمانوية، فليس بينهما من وجوه الشبه إلا الاتفاق في عدد الأيام وتتابعها؛ وهذه ناحية شكلية من التعسف اتخاذها دليلاً على أن أحدهما منقول عن الآخر. على أنهما يختلفان في هذه الناحية نفسها اختلافاً غير يسير. فالصيام الإسلامي مدته شهر عربي (وهذا الشهر يختلف باختلاف السنين، فتارة يكون ثلاثين يوماً وتارة تسعة وعشرين)؛ على حين أن صيام الصابئين والمانوية مدته
ثلاثون يوماً. والصيام الإسلامي يبتدئ بابتداء الشهر وينتهي بانتهائه، أما صيامهم فيبتدئ من اليوم الثامن من الشهر وينتهي في الشهر التالي له
(ثالثاً): إن اختيار رمضان بالذات ليس سببه اتفاق مبدئه في أول عام شرع فيه الصوم مع مبدأ صيام الصابئين، كما ذهب إلى ذلك الدكتور جاكوب، وإنما سببه - كما صرح بذلك الكتاب العزيز، وكما يدل البحث التاريخي المجرد عن الهوى - أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن. فلا غرو أن اختصه الله بهذه المزية من بين سائر الشهور
(رابعاً): هذا إلى أن القرآن الكريم ينص على أن ما سن لنا من الشرائع قد سن مثله لكثير من الأمم قبلنا. قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى. . . الآية). وقال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم. . .) فمن الممكن إذن أن يكون صيام الثلاثين عند الصابئين والمانوية مستمداً في الأصل من شريعة سماوية تقادم عليها العهد فدخلها التحريف والتبديل وبعدت عن غاياتها الأولى وصبغت بصبغة التقديس للكواكب، وأن الدين الإسلامي قد كتب نفس الصوم الذي كتبته هذه الشريعة، فأحياها طاهرة نقية وقضى على كل ما علق بها من أدران الشرك
وقد ذهب بعض المؤرخين من المسلمين وغيرهم إلى أن صيام رمضان كان منتشراً عند بعض قبائل العرب في الجاهلية ولاسيما قريش؛ ويؤيدون رأيهم هذا بأن النبي عليه الصلاة والسلام نفسه كان قبل بعثته يقضي في غار (حراء) شهر رمضان من كل عام متحنثاً صائماً. وقد اختلفوا في أصل هذا التشريع. فمنهم من يرى أنه من الشرائع التي جاء بها إبراهيم عليه السلام، ويستدل على ذلك بأن الذين ثبت أداؤهم لهذه الشعيرة في الجاهلية كانوا من المعروفين باتباعهم لملة إبراهيم؛ ومنهم من يرى أن عبد المطلب جد النبي عليه الصلاة والسلام هو أول من سنه وسار عليه (وقد أخذ بهذا الرأي الأستاذ موير في كتابه (حياة محمد))
ولكن لم يثبت بعد شيء من هذا كله بالدليل القاطع. ومهما يكن، فإنه لا يضير الدين الإسلامي في شيء أن يكون صيام رمضان متبعاً عند العرب قبل بعثة الرسول. فمن المحقق أن الشريعة المحمدية أقرت كثيراً من عادات العرب وشعائرهم، وأن ركناً كبيراً
من أركانها وهو الحج لم تدخل على أوقاته ومناسكه في الجاهلية تغييرا كبيرا.
علي عبد الواحد وافي
باسمك اللهم
للأستاذ محمد سعيد العريان
اليوم هلال المحرم من السنة السابعة بعد البعثة
وقد وقف أبو الحكم إبن هشام المخزومي موقفه من نادى قومه، واجتمع إليه قبائل من أشراف مكة وذوي الرأي من قريش يسمعون مقالته؛ وما منهم أحد إلا كان له بلاء في إيذاء محمد وصحابته حتى بلغوا في الكيد لهم ما بلغوا ولم ينالوا منهم منالاً؛ فإن أبا الحكم وأصحابه اليوم لفي هم ناصب وأمر عظيم. . .
إن أمرهم ليوشك أن يفلت من أيديهم، وهم أعلى قريش منزلة ومكانة بين سائر العرب، من الساحل إلى أطراف البادية. وهذا محمد وإنه لرجل فرد ليس له منعة من أهل ولا عصبية من دم ولا جاه من غنى، وإنه على ذلك ليحاول أمراً يفرق جماعتهم ويقبل رأيهم ويلحد في آلهتهم وما يعبدون؛ حتى ليوشك لو خلوا سبيله أن يكون هو صاحب الرأي والسلطان في العرب جميعا. . . وأين هو من هؤلاء وأنى يبلغ؟
ولقد افتنَّت قريش في حربه ومناهضة دعوته والكيد له ولأصحابه ما بلغ بهم الجهد، ليصرفوه عن وجهه ويفضوا صحابته من حوله؛ فما بلغوا شيئا مما أرادوا، وإن دعوته لتنتشر وتذيع حتى يتسامع بها العرب، وإن أصحابه ليزيدون ويكثرون، وإن قبائل العرب من قريب ومن بعيد لتسمع عنه وتعرف من خبره ما لا يريد أبو الحكم بن هشام وحزبه أن يعرف أحد؛ بلى، وإن هذه الدعوة لتطوى البيداء وتجتاز البحر من ساحل إلى ساحل حتى تجد الطمأنينة والسلام في بلد المسيحية من مملكة النجاشي!
يا للعاقبة لو بلغ محمد ما أراد!
. . . واجتمع وجوه قريش وأصحاب الرأي في مكة يتشاورون ليدبروا لهم أمراً. . .
وقال أبو الحكم بن هشام:
(يا قوم، أما إنه ليوشك أن يكون أمر شديد! وإن هذا الرجل ليبالغ فيما يدعو إليه حتى كان ما كان من أمره؛ فإن لم يكن قتله واستئصال خضرائه حتى يذهب بدعوته وتذهب به، فليكن تدبير جديد. . .)
وتطاولت الأعناق تترقب ما يكون من تدبير أبي الحكم في جهاد محمد وأصحابه،
واسترسل يقول:
(. . . ألا إن هذا الحي من بني عبد مناف هو منا ومنكم حيث علمتم؛ وإنهم ليطلبون غاية ليس إليها سبيل، أفنتركهم وما يحاولون حتى يئول أمرهم إلى أمر؟. . .
(. . . وهذا أبو طالب بن عبد المطلب يمنع ابن أخيه أن يخلص إليه ما يكره، فما لنا سبيل عليه بعد، فليجتمع أمرهم على ما يريدون وليجتمع أمرنا؛ ولتكن براءة قاطعة بيننا وبين هذا الحي من قريش: لا معونة بيننا وبينهم في أمر؛ فلا نبيعهم شيئا، ولا نبتاع منهم، ولا نخالطهم في شيء؛ وكل رحم بيننا مقطوعة حتى يفيئوا إلى أمرنا؛ فإنهم يوشكون إن بلغت هذه القطيعة أن تجف خضراؤهم فيموتوا جوعاً وعطشاً وعرياً، أو يعودوا إلينا مغلوبين وما تجرد سيف من غمده ولا أريق دم!
(يا قوم، فإن رأيتم فهذه يدي، وليكن بيننا عهد مكتوب نعلقه في جوف الكعبة توكيدا لما تقاسمنا عليه. . . وإن أبيتم. . .)
وصاح صائح من أقصى المجلس: (رضينا يا أبا الحكم!)
وجاء كاتبهم منصور بن عكرمة فأملى عليه:
(باسمك اللهم. . .
(هذا ما تعاهد عليه أشراف مكة وذوو الرأي من قريش: أبو الحكم بن هشام، وأبو لهب بن عبد المطلب، ومنصور إبن عبد شرحبيل، وبغيض بن عامر. . . أنهم براء من بني هاشم وبني المطلب، لا يبيعونهم شيئاً، ولا يبتاعون منهم، ولا يخالطونهم في شيء، وكل رحم بينهم مقطوعة، حتى يفيئوا. . .)
وتناول أبو الحكم الصحيفة فطواها، ثم علقها في جوف الكعبة، ليشهد الله أمرهم وأمر بني عبد مناف!
وأوى محمد وأصحابه إلى شعب أبي طالب من شعاب مكة، حتى يقضي الله أمراً بينهم وبين بني عمهم من قريش، ليس لهم مطمع إلا فيما بين أيديهم من طعام ولباس وشراب، ولا يعرفون إلى كم يمتد الحصار المضروب عليهم في هذا الشعب الضيق ليس له إلا باب واحد يقف الأعداء بمرصد قريب منه يمنعون أن يدخل إليهم داخل بشيء من الزاد أو الميرة. . .
وتتابعت الشهور شهرا في أذيال شهر، والمسلمون في معتقلهم من شعب أبي طالب، لا يجدون ما يغني من جوع ولا من اللباس ما يدفئ من قر، إلا ما يتسلل إليهم في جنح الليل من شيء ليس فيه غناء يرسله إليهم من يرسل من أبناء عمومتهم على حذر ورقبة!
وجاء الموسم، وأَمّ الحجيج من قبائل العرب سوق مكة يسوقون الإبل قد أوقرت طعاماً وبزاً ليبيعوا ويشتروا ويتعوضوا
وطمع المسلمون أن يكن لهم من أولئك شيء؛ فإن هؤلاء التجار العرب في حل مما تعاقد عليه بطون قريش، فإن لهم أن يبيعوا أبناء عبد مناف ما يشاءون من بضاعتهم يداً بيدٍ؛ فما كان لهم في تلك (الصحيفة) الظالمة رأي ولا عقد
ويخرج من يخرج من المسلمين ليشتري زاداً من زاد القوم ويبيعهم مما عنده، ويقف على صُبرة من قمح يهم أن يشتريها، ويبصر به أبو لهب فيقوم في السوق مناديا:
(يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا، فقد غلمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم!)
ويسمع التجار ما قال أبو لهب، فيزيدون على المسلمين في السلعة قيمتها أضعافاً، فيرجع المسلمون إلى أهليهم وما باعوا ولا اشتروا وليس في يدهم شيء يطمعون به؛ ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما معهم من الطعام واللباس!
ومضى عام وعام وأوشك ثالث، والمسلمون حيث حصرهم أبناء عمومتهم من قريش، حتى جهدوا وأشفت نفوسهم على التلف جوعاً وعريا. . .
ويرى محمد ما أصاب أصحابه في سبيل الله، فيثبتهم ويربط على قلوبهم، ويقول:
(لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه؛ ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله!)
فتهدأ نفوسهم مطمئنين إلى العاقبة!
ويبلغ بهم الجهد، حتى يأكلوا ما يسقط على الأرض من ورق الشجر، وحتى يصنعوا ما تصنع الشاة: لا تجد أكلاً إلا ما تتقمَّم من خشاش الأرض ومن بارض النبت في مسايل الِّلوَى. . .
ويشد سعد بن أبي وقاص على بطنه من ألم الجوع حتى يكاد يلتصق بظهره؛ وينال منه الجوع حتى يخرج في سواد الليل يلتمس رمقه، فيطأ على شيء رطب، فيضعه في فمه فيبتلعه، لا يدري ما هو، ولا يجد له في فمه مذاقا!!
ويتضاغَى أطفال المسلمين من الجوع، وتسمع أصواتهم من وراء الشعب صائحين من السغب والمتربة!
والمسلمون على ما بهم: لم ينل منهم الكفار منالاً بما صنعوا لأنهم وهبوا نفوسهم لله؛ فلا عليهم أن يموتوا جوعاً أو يموتوا مجاهدين في سبيل الله!. . .
وتسامع المشركون بما نال محمداً وأصحابه من الجهد والمسغبة فمنهم من سرّه ذلك، ومنهم من ساءَه. . .
ويفرح أبو الحكم بن هشام بما نال المسلمين من الجهد والمسغبة، ويستخفه الفرح حتى يأمل أملاً. . .
ويغضب من يغضب من قريش لما نال إخوانهم وأبناء عمومتهم من بني عبد مناف، وإن كانوا على دين محمد!
ويشفق هشام بن عمرو بن ربيعة على ما نال أخاه لأمه نضلةَ ابن هشام بن عبد مناف، وكان مع المسلمين في شعب أبي طالب، فيأتي ببعيره قد أوقره طعاماً وبزاً. . . فيقبل به فم الشعب ليلاً وقريش في غفلاتها، ثم يخلع خِطامَه ويضرب على جنبيه فيدخل الشعب عليهم ليقتسموا ما يحمل من طعام وبز. . . وماذا يغني بعير واحد والمسلمون كثرة يكاد يقتلها الجوع والعرى؟. . .
ويقول أبو طالب لابن أخيه: (لقد بلغ الجهد منا ما ترى، وإن رجالاً من قريش قد استشعروا الندم على ما تعاقدوا عليه، لولا شرف السمعة وتهمة الخيانة لأحلوا أنفسهم مما ارتبطوا به من عهد الصحيفة!)
وابتسم محمد بن عبد الله، وقال:(يا عم، إن الله قد سلّط الأرضة على صحيفة قريش؛ فلم تدع فيها اسماً هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان!). . .
ويفرح أبو طالب ويقول: (أربك أخبرك بهذا؟)
قال: (نعم!)
وخرج أبو طالب إلى قريش في ناديهم ليتحدث إليهم في أمر. . .
ويصعب على هشام بن عمرو ما يلقى أخوه نضلة والمسلمون معه، فيمشي إلى جماعة من أشراف قريش لهم في بني عبد مناف صهر وخئولة؛ فيحرضهم على نقض الصحيفة، رعاية لحرمات النسب وحفاظاً على حق الدم، فيجتمع على رأيه بضعة نفر، فيتوافقون على ميعادهم إلى حيث كان وجوه قريش مجتمعين في ناديهم من الحجر؛ ويقدمهم زهير بن أمية (وأمه عاتكة بنت عبد المطلب) فيطوف بالكعبة سبعا ثم يقبل على الناس فيقول:
(يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!)
ويرتاع أبو جهل بن هشام لما يسمع، فلا يكاد يرد رأيه حتى تأخذه الأصوات من كل جانب:(مزقوا الصحيفة، لا نرضى ما كتب فيها ونبرأ إلى الله منه!)
تلك كانت أصوات هشام بن عمرو وأصحابه الأربعة: المطعم إبن عدي بن عبد مناف، وزهير بن أمية بن المغيرة، والعاص ابن هشام، وزمعة بن الأسود
ويبلغ الغيظ بابي جهل وأصحابه ما يبلغ، أن رأوا ما أجمعوا عليه يحاول أن يخرج من أيديهم حين ظنوا أنهم من الغاية التي يهدفون إليها على خطوات، وأن محمداً وأصحابه يوشكون أن يفيئوا. . .!
وقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وما أحسبكم إلا دبرتموها في غير هذا المكان!
ويقدم أبو طالب بن عبد المطلب في جماعة من بني أبيه قد لبسوا أحسن ما يجدون من الثياب؛ فما إن يسمعون ما يقول أبو جهل حتى يبتدره أبو طالب: (بل هو أمر قد قضاه رب محمد)
والتفت أهل الندى إلى حيث كان أبو طالب في أهله، لا يدرون ما يعني مما يقول!
وتقصف الناس على أبي طالب يستثبتونه عما قال، ومضى في حديثه:
(. . . بلى، وإن بيننا وبينكم هذا العهد المكتوب في الصحيفة، فإن ابن أخي أخبرني من أمرها. . . فهلم إلى صحيفتكم؛ فإن كان كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها؛ وإن كان كاذبا دفعته إليكم فما شئتم فافعلوا به!)
ووثب المطعم بن عدي إلى حيث كانت الصحيفة في جوف الكعبة، وفض غلافها، ونظر،
ونظر القراء؛ فإذا الأرضة قد لحستها لم تترك فيها من شيء يقرأ إلا (باسمك اللهم. . .)
وخرج المسلمون من شعب أبي طالب إلى فضاء مكة كعهدهم يوم كانوا؛ وانفك الحصار الذي كان مضروباً عليهم ثلاث سنين لا يبيعون ولا يباعون؛ وإن كانوا من عداوة المشركين لهم وائتمارهم بهم في أمنع وأبلغ؛ ولكن شيئا من ذلك لم ينل من نفوسهم ولم يوهن عزائمهم
ومضت أربع سنوات أخر؛ ثم انطلق المسلمون من الحصار المضروب عليهم حول مكة كلها مهاجرين إلى حيث يؤلف محمد وصحابته حكومتهم في دار الهجرة؛ ولا تمضي إلا سنوات من بعد، حتى يكون محمد وأصحابه في طريقهم إلى مكة يقودون الجحفل اللجب ليحاصروا مكة كلها ويسلم إليهم أهلها صاغرين!
ودار الفلك دورته؛ فإذا تلك القلة من بني عبد مناف وجيرانهم الذين كانوا بالأمس محصورين في شعب من شعاب مكة لا يجدون ما يأكلون - قد وثبوا أكبر وثبة عرفها التاريخ، فإذا منهم القادة والسادة والأمراء، يضعون يدهم على مفاتيح خزائن الدنيا، ويبشرون بدين الله في أربعة أقطار الأرض. ورفرفت الراية الإسلامية على قلاع فارس والروم وأوربا؛ ومضى جنود المسلمين من أبنائهم وحفدتهم يطئون العروش ويقتحمون الممالك وهتافهم يدوّي حيث كانوا:(باسمك اللهم! باسمك اللهم!)
محمدي سعيد العريان
ضع يدك في يد محمد
للأستاذ عبد المنعم خلاّف
ضع يدك في يد محمد وسر معه في الطريق الذي شقه له بارئ الطبيعة بين السبل المتفرقة إلى الحقيقة والعدالة والسلامة الاجتماعية، وقوة الاعتزاز بالقيوم على السموات والأرض، وشدة الحرص على اتباع أسلوبه في حفظ الفطرة سليمة من زيغ الحس وخداع الهوى وأفن الرأي وألاعيب الذكاء. . . تسلم لك نفسك أولاً، والإنسانية ثانياً، والطبيعة كلها ثالثاً
فلم يبق لك بد أن تفر إلى هذا الرجل وتستعينه في جهاد ما يجتاح الأرض الآن من الشر والتقدير السيئ للنفس الإنسانية والحياة والاجتماع
ولم يبق لك بد كذلك أن تقيم المثل الأعلى الذي رسمه الله في قلب هذا الرجل وعقله وتقذف به على الأمثلة السفلى التي رسمها الأنبياء الكذبة في هذا الزمان
نعم إنك لست في قوة هؤلاء الجبابرة، ولكن من هنا ستكون المعجزة. معجزة محمد في صرع طواغيت الظلم والجبروت والحيوانية وتفريق الإنسانية وردها إلى الوحشية الأولى
إنك عرفت برأيك الحق الذي مع محمد، وتعرف الباطل الذي مع هؤلاء، فاعرف بعزمك وجهدك في أي الصفين يجب أن تقف. ولن يغفر لك رب الحياة القيوم عليها والغيور على اطراد أسلوبه فيها أن تقف شيطاناً أخرس ترى الإنسانية - أثمن ودائع الله في الأرض - تتخطفها الشرور وتتوزعها الأباطيل وتصرفها عن وجه الحقيقة والعدالة وتخرب بناء أجسامها وعمرانها بعد ما طال وسما
لقد سار شباب كل أمة وراء نبي كاذب يقول لهم: نحن! نحن! ولا أحد غيرنا. . . فالشمس والهواء والغبراء والزرقاء لم تخلق في عرف هؤلاء إلا لهم. وهذا كذب صارخ على الله، وحرب مصرحة مستعلنة لما أراده من تنويع الناس، وشرود جامح عجيب من عقل الإنسان ذي الشطحات
ونحن لن نبحث عن رجل آخر نسير وراءه ينعق لنا وننعق له ونطلب منه مبادئ أخرى تجدد حياتنا، وإنما ستبعث محمداً في نفوسنا ونسير وراءه فيهتف لنا ونهتف معه بما هتفت به السموات والأرض وكل قائم حقيق في الفكر والحياة والزمان الأزل الأول وفي الأبد الآخر
فلن نصاب بعبادة الأشخاص وتأليه الأفراد. وهذه إحدى نعم الله في محمد على الديمقراطية وميراثها. فقد كفل الله لكل نفس حق سيادتها واستقلالها بالعلم والرأي حين خولها القرآن: (مأدبة الله في أرضه) وجعل مبادئه واضحة أمامها دائما: (ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكرٍ) وعلى قدر الامتلاء من مبادئ محمد و (تمثيل) الأشخاص لها يكون مركزهم من قيادة أمتهم من غير سيادة فردية أو خيلاء عاهرة أو مجد شخصي يطلبونه. . . وإنما هو ظل مجد محمد وقع عليهم فأضفى عليهم لوناً من ألوانه
إن محمداً نفسه لم يطلب مجداً ولم يرد ذكر كلمة المجد الإنساني على لسانه. . . وإنما كان يعرف أن المجد لله كله والتوفيق منه. وما كان قلبه يبيح له أن يطلب هذه الصغائر التي تذهب قيم العظائم. وإنما كان يذكر كلمة (الواجب) والجهاد له كثيرا. . .
وإن من طبيعة الرسالة المحمدية أن تحطم الأنانية الفردية والكبرياء والخيلاء والادعاء، لأنها تعرف أن هذه الصغائر لا يقوم معها حق ولا فضيلة ولا دولة ولا سيادة قومية ولا ملية. ولذلك خرج العرب بعدما وعوا ما في ألواح هذه الرسالة خافضي الجوانب من الطاعة والرحمة والتواضع في غير ذله (تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناه) قد يركب عبدهم على دابة والسيد يسير بجواره. وقد يضع ابن البيضاء لابن السوداء خده على التراب استغفاراً من تعييره مرة بسواده وتوكيداً لاعتذاره. . .
لقد أوشك أن يختفي اسم الله عن إنسانية هذا العصر، ويختفي ما كان يحيط بهذا الاسم من عالم الطهر والخير والصبر وانتظار الجزاء من وجهه ذي الجلال، ويظهر وجه الشيطان والإنسان وحدهما. فأبطال الدنيا يخفون اسم الله عن أعين القطعان التي أسلمت قيادها لهم، وهم يجحدون بذلك كل جهاد أولى العزم من الرسل والمصلحين السابقين الذين أوصلوا الإنسانية إلى ما وصلت إليه، ويبدءون فلسفة أنانية، ولا يرون من حقائق الحياة العليا إلا القوة
إنهم شككوا الناس في رحمة الله وعدله وأوشكوا أن يريبوهم في وجوده! وبذلك خبلوهم وصرفوهم عن رؤية أول حق يجب أن يرى. . .
لقد يتساءل بعض الذين لم يتصلوا بأصول الحياة: أين رحمة الله في حرب مثل الحرب العظمى أو هذه الحرب التي توشك أن تكون أعظم؟ واين قيمة الإنسانية التي نزعم لها
القداسة مع أن بعضها ينظر للبعض الآخر باحتقار؟ إن معنى الإنسانية لم يتحقق حتى نعترف لها بالقداسة. إن الأبيض يدوس الأسود، والأحمر يحتقر الأصفر، والأصفر يحقد على الأبيض، وهكذا. . . فهي إلى الآن لم تعترف لنفسها بحق، ولم تعرف وضعيتها في الحياة، ولم تدر غايتها فيها، ولم تتفق على كلمة سواء فيما بينها. وهي لا تزال في بلبلة من آرائها ومعتقداتها ومذاهبها. وهي لا تزال تعيش بمنطق الأحراج والغابات، ولم تقلع بعد عن فجراتها وغدراتها وغفلاتها عن عالم السمو والعلم الذي ما خلقت إلا له.
وهذا التساؤل وهذا التشكك لا جواب له ولا شفاء منه إلا في (الكتاب) الذي طبع اسم الله على كل شيء وفي كل وقت حتى يرى الناس به الحق دائما ولا ينسوه. ولن يستقر كل شيء من عالم الآفاق وعالم الأنفس في مكانه إلا إذا طبع اسم الله عليه. وعبثا يطلب مصلح استقرار النفوس ما لم يكن هذا أداته الأولى. وهذه هي طريقة القرآن في كل آية: أن يذيلها بذكر جانب من صفات الله وشؤونه
إن منطق الإسلام يستمد من قوانين الفطرة الضامنة لكل ما أخرجته من الأحياء حق الحياة وأدواتها، ومن روح الحق الذي يملأ كل ذرة من ذرات الخليقة
إن محمداً اتصل ببارئ الفطرة وواضع قوانينها التي لا تتبدل وأتى بمنطقه ووضعه دائماً أمام أعين الإنسان، حتى لا ينسى أخلاق الله في ملابسته لجميع أعمال دنياه. . .
ألم يقل: (تخلقوا بأخلاق الله)؟ ما أعجب هذا القول! وما أعظم ربطه بين النفس الإنسانية والطبيعة ذات القوانين التي لا تضل ولا تخلف!
وخلافة الإنسان في الأرض هي أن يعمرها على أسلوب الله: أي أن يضمن الحياة لكل حي يستحقها ويقيم العدل الموزون بين العناصر، ويستعمل قدرته، ولا يعطلها بالجهل والمرض. . . ويخلق من طين الأرض وموادها البكر الميتة آلات يقلد بها صنعة الله، ويسيرها بعقله وذكائه كما يسير الله الأحياء بروحه وإلهامه. . . على شريطة ألا يخرجه ذلك عن نطاق الطبيعة فينسى أنه من أبنائها وأشيائها؛ ولكنه دائما يضل وينسى هذا، لأنه ذو اختيار وذكاء وشطحات تباعد بينه وبين أسلوب الطبيعة، وفتنته من هنا. . . فهو يخلق بذكائه جواً صناعياً حوله يجعله منفصلاً عن سير الحياة بما عداه من الأحياء، ويجعل بين عالمها وعالمه حاجزا!. . .
فلو إنه ملك فكره وقدرته حين بدأ سير حياته العقلية، ونظر نظرة في النجوم: نجوم السماء ونجوم الأرض، وقال كلمة للقرآن التي هي معنى الإسلام:(إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً) ومضى مع مواكب الطبيعة حادياً لها بعقله وبيانه، نائبا عنها في النطق باسم ربها وربه. . . إذا لوضحت أمامه طريق الحياة وتراءت له غايتها مما يبعث فيه الطمأنينة واليقين والصبر وحب العمل لها ولما بعدها. والمنطق البسيط المأخوذ من هذه النظرة الواضحة يقول: ما دام الناس متفرقين مختلفين في الفطرة ولهم حق الحياة، فمن الجهل والظلم أن أحتقر جنساً غير جنسي أو أحتكر الحياة لنفسي وحدها مادام كل إنسان لم يخلق نفسه. . . ومن حسن الحظ أن هذه النظرة الأولية الطبيعية تلتقي مع النظرة الناشئة من تتبع الميراث الصناعي لأساليب حكم الجماعة الإنسانية: أي مع أهم مخلفات الحياة الديمقراطية التي ارتاح لها الإنسان السياسي: ألا وهي حق الحياة وحريتها لكل فرد ولكل جماعة. . .
ومن حسن الحظ أيضاً أن حراس الديمقراطية الآن - وإن كانوا أنقص من المسلمين بدرجة عظيمة في تقديرهم معنى المساواة والحرية والرحمة والأخوة الإنسانية - مستعدون أن يسمعوا دعوة الإسلام لها وأن يأخذوا أصواتنا القديمة والحديثة في الدعوة إليها والدفاع عنها ليضموها إلى أصواتهم وهم يحاربون أعداءهم
نعم نحن نفترق عنهم في التقدير وفي الغاية، فنحن نطلب الحق والحرية والعدالة لذاتها واللذة إحساس نفوسنا بسموها إحساساً مستنداً على حرارة الإيمان ويقين العقيدة الدينية، وهم يطلبونها ويقدرونها لحفظ ما في أيديهم من الحطام وأعراض الدنيا
غير أننا يجب أن ننتهز هذه الفرصة لندخل بمبادئ محمد إلى قلوب حراس الديمقراطية، فلعل ما هم فيه من المحن والنكبات يجعلهم يقبلون على الخير والحق لذات الخير والحق. . .
ومادمنا نعتمد على إعانة رب الحياة الذي نستمد من قوته وقهره للدفاع عن أسلوبه في الطبيعة وحفظ فطرته كما أرادها؛ فإننا واثقون أنه سيفتح لنا ثغرا في حياة الغربيين ينفذ منها نوره الذي وضع مِشعاله الأخير في يد محمد
وأحس أن هذا الزمان يتمخض عن انقلاب خطير! إما إلى عصر ارتداد وانتكاس وجاهلية
جهلاء. . . وإما إلى عصر سمو حقيقي للإنسانية. فعلى الذين وهبوا أنفسهم للحق الذي عرفوه أن يأخذوا مكانهم في الصف الذي اختاروه: صف الطبيعة ورب الطبيعة في هذه المواقع الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر
إن قلب الإنسان يفعل الأعاجيب إذا ما اتصل بالخير. . .
إن المرصد الذي يرصد إرادة القدر ووجهاته حين يريد رب القدر أن يفرق أمراً حكيماً أو يبرمه
إنه مذياع أرضي يذيع النداء العلوي المتجدد. . .
ونريد من الذين لا يعترفون بالديانات ولا يؤمنون بالغيب ولكنهم مألومون من حالة الشر التي في الأرض الآن، أن يقفوا في صف محمد على إنه بطل يمثل آراءهم أصدق تمثيل وأقواه
وإن في مبادئه عناصر بشرية خالصة مستمدة من طبيعة الأرض لا من روح السماء
فليعيشوا بمبادئه هذه فقط، وليتركوا مبادئه السماوية للذين في قلوبهم نوافذ ترى ما لا تراه القلوب الضعيفة
ولعل النصر الذي يلاقونه من السير وراء محمد يرشدهم إلى أن فيه جانبا آخر، فيحملهم ذلك على الإيمان بمصادر وحيه جميعها
وأؤكد أن ما فيه من السمو المتفرد سيحمل كل منصف على أن يرى تفرد قلبه وعقله بصفات لم يتصف بها أحد. وهذا أول درجات الاعتراف له بالاتصال بعالم خارج عن نطاق الأرض ما دام قد تفرد بين أبطال الدنيا الذين نظروا إلى الحياة من جهة واحدة، بأن قلبه وسع كل حيوات الناس، واستوعب قضاياهم، وأتى من الله بصميم الحق الذي لا يتبدل في الأمم والأمكنة والأزمان. ولا يعرف قدر محمد رسول الله وطبيعة تفرده بين البشر إلا الذي أغرم بقراءة تاريخ أبطال الدنيا. إنه لن يجد قلباً ولا عقلاً وعى ما وعى عقله وقلبه من الحق الصادق والحكمة البالغة ووسائل إمساك الإنسانية على حدود العدالة
وكثيراً ما افترض أني نشأت غير مسلم، وأتخيل حياتي العقلية على هذا الغرض، وقد أصابها ما يصيب أي عقل باحث من الشكوك وآثار استعراض الآراء والمعتقدات، فأجدني حينئذ كأعمى يخبط في صحراء، كل ما لديه من الإيمان ناتج من شعوره بالعجز المطلق
أمام جبروت الكون وإبهامه وإصراره على إخفاء ما وراءه من أسراره. . . فماذا عساه أن يفعل إزاء هذا غير البكاء الدائم من عينيه المغلقتين المظلمتين إن كان محساً بالحياة مقدراً لمصيرها المجهول. . .؟ وغير اللعن الدائم للسموات والسعي بالإفساد في الأرض إن كان بليد الإحساس بالحياة، غافلا عن مصيرها. . .؟ وغير اللِّياذ بصنم: بشري أو حجري أو شجر أو شمس أو قمر أو ثعبان أو بقر إن كان محدود النفس جبان الرأي؟
أما الإيمان المشرق الواضح الذي يميز كل شيء ويضعه في مكانه، ويعرّف رب الكون بما يشبع رغبات العقل من غير إفساد لائتلاف العقيدة مع العلم ومع الفلسفة ويضع للإنسان غاية معروفة للحياة. . . فذلك ما كنت أفقده لو لم أنشأ مسلما
وهكذا يبزغ الفجر العقلي الجديد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسيتحول حب المؤمنين به الباحثين فيه إلى حب عقلي وتقدير بمقاييس موضوعية لا ذاتية إذ عرفوا أن رسالته لا تضارعها رسالة حديثة أو قديمة على كثرة تقلب الدنيا في المعتقدات والمذاهب والآراء.
(القاهرة)
عبد المنعم خلاف
خَبّاب بن الأرت
للأستاذ كامل محمود حبيب
(رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً، وإن الله لا ضيع أجر من أحسن عملاً)
(علي بن أبي طالب)
هذا هو (خباب بن الأرت) فتى لم يبلغ الثلاثين من سني حياته، أيدٌ جلد، وثيق الأركان متكتل العضل يغدو ويروح على حاجات مولاته (أم أنمار) وحديث قريش ما ينفك يضك مسمعيه، وهو عنه في شغل. . . ودوّى الحديث في أرجاء مكة يزلزل القلوب والأقدام وعلى كل لسان كلمة واحدة: محمد. . . محمد! وإن زعماء قريش وذوي الجاه فيها ليضطربون يوجسون خيفة مما جاء به محمد
وجلس خباب إلى نفسه يقلب الرأي، وقد فرغ من حاجات سيدته: محمد! أي بأس على الرجل، وهو الصادق الأمين؟ تالله ما علمنا عليه من سوء منذ كان. أفيفترون عليه الكذب بعد أن بدأ الشيب في صدغيه؟ ثم ما هذه الأصنام التي أراهم يعبدون؟ أفحقاً أن فيها آلهة؟ ليت شعري أي الحزبين أهدى سبيلا وأقرب رشدا؟
ثم. . . ثم غدا على مجلس رسول الله (ص) يريد أن يستطلع خبر الدين الجديد؛ وإن رجليه لتختلجان من الرعب، ولإن قلبه ليتفزّع من الذعر، خشية أن تراه أعين شياطين قريش فيبطشوا به، وهو هنا وحده لا تربطه بالقوم آصرة رحم ولا وشيجة قربى فيأمن كيدهم أو ينجو من مكرهم. . وفي مجلس النبي الكريم جلس خباب يسمع، وإن حلاوة الحديث لتبدد وساوس نفسه، وإن الإشراق الإلهي ليتدفق في قلبه فيجلو صدأه، ثم. . . ثم اطمأن قلبه للإيمان، فبدا رجلا غيره، يعلن عن إسلامه في غير رقبة ولا حذر
يا عجباً! أي سر خفي انصب في قلب الرجل فأصبح لا يفزع من شر قريش جميعاً، وهو كان يفرق من أن تراه عين وهو يدلف إلى مجلس رسول الله (ص)؟ لا ريب فهذا هو الإيمان الحق حين يتغلغل في النفس، فينتزع الإنسان من معانيه الأرضية ليكون في معانيه السماوية فحسب
ورضي رسول الله (ص) عن خباب فكان يحبوه بعطفه، ويخصه بعنايته، ويألفه ويأتيه.
وتناهى الخبر إلى سيدته (أم أنمار) فحاولت عبثا أن تقف بينه وبين سيده. ولما أعجزها أن تنال بغيتها راحت تذيقه العذاب البئيس في غير شفقة ولا رحمة. ثم. . . ثم انفلت إلى رسول الله (ص) يكشف له عن أثر ميسم أم أنمار في رأسه، وعيناه تتحلبان من فرط الأسى، فدعا له النبي: اللهم انصر خباباً. فما تلبث غير قليل حتى أخذت أم أنمار العلة، فهي تعوي عواء الكلب، وخباب يكوي رأسها بميسم يتوهج، علها تبرأ من علتها أو تذوق وبال أمرها
وكبر على قريش أن يقوم رجل منهم يثاب آلهتهم ويسفه أحلامهم ويعيب دينهم، فشرى الأمر بينهم وبين النبي الكريم، فتذامروا يتواثبون على المسلمين يعذبونهم فنونا من العذاب، وإن الشيطان ليوسوس لهم يريد أن يدفعهم إلى غاية، وهم يرتدغون في الضلالة، ويتخبطون في الظلمات، وقد طم العمى على قلوبهم، وبين أيديهم جماعة من ضعفاء المسلمين: خباب وصهيب وبلال وعمار وسمية و. . . يلبسونهم أدراع الحديد، ثم يلقون بهم بين لفحات الحر ووقدات القيظ، وهم صبر على حر الحديد وأوار الشمس، وخباب من بينهم تسخر شجاعته من غيظ الكافرين.
يا لله! إن في الإنسان نوازع إذا سيطرت عليه استحال إلى حيوان لا يجد في نفسه معنى من معاني الإنسانية، وهكذا كانت قريش حين أخذتهم ثورة الغضب والغيظ ورانت عليهم سورةالسلطان والجاه، فذهبوا يفتنون في أذى المستضعفين من المسلمين. . .
أي شيء جنى خباب فيلصقوا ظهره بالرضف في قسوة وغلظة ثم ما يزالون به حتى يذهب لحم متنه؟
أي ذنب ارتكب خباب فيأخذوه إلى نار تتسعر يسلقونه فيها، ثم ما يبرح الواحد منهم يضع رجله على صدره، فما يتقي الأرض إلا بظهره؟
واستشعر خباب العذاب يأكل لحمه ويفري جلده، وما له مفزع سوى رسول الله (ص) فانطلق إليه يستنصره على ما يلقى من فظاظة قريش وجفوتهم. . . فقال له رسول الله (ص) وإن أثر الغضب ليبدو في وجهه: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بالميشار فيجعل فوق رأسه ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون). فخرج خباب ورفاقه من لدن الرسول يستعذبون الأذى في سبيل الله
وفزع المسلمون بدينهم إلى الحبشة، وخباب بازائهم يودعهم إلى مهاجرهم، وعيناه تفيضان من الدمع حزنا على فراق أحباء نفسه في العزاء ورفقاء قلبه في الشدة، ثم هو ما يريد أن يتحول عن مشرق النور من وجه النبي الكريم، على حين يرى فيه السلوة والعزاء؛ وقريش تشتط في عذابه، فما تنال منه أربا، ولا تبلغ منه غرضا وفي قلبه الإيمان. . .
وهاجر - فيمن هاجر - إلى المدينة ليعيش إلى جانب سيده يشهد المشاهد كلها لا يستشعر الوهن ولا يتسرب إلى نفسه الخور، ثم هو بين صحابة الرسول (ص) في المنزلة والشرف. . .
ولحق النبي الكريم بالرفيق الأعلى، فتهطلت عبرات خباب مدراراً حين أحس لذع الفراق في قرارة نفسه، غير أن الأسى ما كان ليبذر فيه غراس الوهن في دينه أو الضعف في إيمانه، فانطلق إلى غايته يبذل النفس والمال في سبيل الله، وصحابة رسول الله (ص) يعرفون له حقه ويكرمون وفادته. وإن عمر إبن الخطاب في خلافته ليراه يدخل عليه فيقول له: ادن، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار بن ياسر. فيأخذ خباب يريه آثاراً في ظهره مما عذبه المشركون. . .
لقد كشف عن ظهره لينشر آلام جسمه على عيني عمر، أو ليكشف عن سمات جهاده في دين الله، فإذا هو قد برص من كثرة ما ناله من أذى. . .
وانشقت العصا ومرج الأمر وراح كل حزب بما لديهم يفاخرون، وخباب بالكوفة بين صحابة علي تحبسه العلة، ويقعده السقام؛ فلا يجد القوة على نصرة علي بنفسه. . . وألح عليه المرض يدفعه إلى غاية كل حي وفي نفسه أن يتمنى الموت، من طول ما عركه المرض، لولا إنه سمع رسول الله (ص) يقول: لا ينبغي لأحد أن يتمنى الموت. . .
وعاد خباباً نفر من أصحاب رسول الله (ص) وهو في علته التي مات فيها فقالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تقدم عليهم غدا. فتدفقت العبرات من عينيه وهو يقول: أما إنه ليس بي جزع، ولكن ذكرتموني أقواماً وسميتموهم لي إخواناً، وإن أولئك مضوا بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا من بعدهم. هذا هو
كفني قباطي، ولكن حمزة عم النبي (ص) كفّن في بردة كانت إذا مدت على قدميه قلصت عن رأسه، وإذا مدت على رأسه قلصت عن قدميه حتى جعل عليه إذ خر. ولقد رأيتني مع رسول الله (ص) ما أملك ديناراً ولا درهماً، وإن في ناحية بيتي الآن، في تابوتي، ألف وافٍ. ولقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا
لا ضير، فهذا حديث خباب بن الأرت سادس ستة أسلموا أول ما بزغ النور الإلهي من جبين المصطفى (ص) هو حديث الإيمان المحض الذي ما يزال يتوثب في القلب فيشغله عن آلام نفسه ليذره بين الطمع والخوف
ودفن خباب - أول من دفن - بالظهر من الكوفة
ومرّ عليّ - حين رجع من صفين - بقبر خباب، يشيّع الراحل بكلمات: رحم الله خباباً! أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملَا.
فرحم الله خباباً.
كامل محمود الحبيب
في دار الأرقم
للأستاذ ناجي الطنطاوي
اختفت شمس مكة وراء الأفق الساجي ساحبة ما تبقى من أشعتها الذهبية على قمم الجبال الشامخة، وعلى صدور الهضاب المتموجة، بعد أن لبثت نهارا كاملا تبعث الدفء والنور والحياة، وغام الأفق في مكة وبدأ ينتشر فيها الظلام، وما هي إلا لحظات حتى لفّها الليل بردائه الحالك وظهرت الكواكب في سمائها تلتمع خافقة واجفة، تزيّن تلك السماء الرحيبة الواسعة كما تزين الأوسمة الفضية الثمينة صدر القائد الكبير؛ وأوى الناس إلى دورهم يستنشقون فيها نسيم الراحة بعد تعب النهار الطويل، ويفيئون فيها إلى الدعة والسكينة بعد صخب النهار الشديد، وبدأت أضواء المصابيح الخافتة في الليل الأسود كأنها رقع في ثوب أو دنانير في جيب
وعمّ جبل أبي قبيس سكون رهيب، وصمت بالغ، وامتد (الصفا) في ذروة هذا الجبل رحيباً واسعاً باسماً جميلاً، يتمشى مع (المروة) جنبا إلى جنب، يحضن بضع دور قامت على جانبيه هي دور نفر من أهل مكة رغبوا عن سكنى مدينتهم التي تعجّ بالآهلين، فأحبوا الانطلاق إلى الفضاء الواسع، إلى الطبيعة الفاتنة، إلى النسيم الصافي العليل، فلم يلفوا خيرا من جنبات الصفا يلقون فيها عصيهم، ويبنون بها دورهم، ويحيون فيها حياة هادئة سعيدة
وكان الناظر إلى هذه الدور القليلة المنثورة هنا وهناك على أرض الصفا، يستقر بصره على دار قد نأت قليلا وانفردت، دار متواضعة صغيرة شيدت بالطين والقصب، وأحاطت بها الرمال الدكناء والصخور الجرداء، لا يشك أنها دار الأرقم بن أبي الأرقم ذلك الرجل العربي الذي كان يعيش من نتاج ناقته من اللبن، ومحصول أرضه من الشعير، لا يعرفه إلا نفر قليل من صحابه، ولا يدري بوجوده إلا أفراد معدودون من أهله
كان الأرقم مغمور الذكر، مجهول الاسم، يحيا كأكثر رجال قومه حياة ساذجة بسيطة فارغة متشابهة، هي بحياة الحيوان أشبه، يقضي نهاره في جمع الماء والحطب وسقي الزرع واستدرار النوق والأغنام، ويقضي ليله بين أهله يحدثهم ويحدثونه ثم يستلقي نائما حتى الصباح
وقد كان من الممكن أن تظل حياته سائرة على هذا النمط ثم يموت فلا يدري به أحد، كما مات كثير من قومه فمات معهم ذكرهم، وقد كان من الممكن أن تبقى داره متواضعة حقيرة لا يعرفها أحد ولا يهتم لها إنسان، لولا أن الله سبحانه أراد لحكمة بالغة أن يجعل اسم الأرقم في فم الزمان، يتألق في التاريخ الإسلامي كما تتألق الدرة الثمينة في القصر الفخم العظيم، وأن يجعل تلك البنية الخاشعة الصغيرة المشيدة بالطين والماء، منبع حضارة هدت العالم، ومنبثق دين ساد الكون. . . كانت الدار الحقيرة كأمثالها من دور العرب في زمن الجاهلية الجهلاء، يقطنها عربي جاهلي ساذج مع أمه العجوز وزوجه الشابة وصغارهما، يحيون حياة بدوية بسيطة، لا تمت بنسب إلى الحياة الفخمة المعقدة ذات التكاليف والواجبات الثقيلة، أكان يدور بخلده أن حياته ستقلب رأسا على عقب؟ أكان يحلم أن داره ستصبح في يوم قريب أعظم مجلس نيابي قام على الأرض؟ أكان يظن أن شمسا ستشرق من داره فيعم نورها أرجاء الأرض ويحيا بها العالم؟. . .
خرج صباح يوم من داره يجول جولة بين قومه على عادته، يتسقط الأخبار، ويصغي إلى الهمسات والأحاديث. . . فسمع نفرا منهم يتحدثون عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، حديثا أثار اهتمامه، فأصغى إليه بكل جوارحه، ولاح له من كلامهم أن دعوة جديدة سيئة منكرة يقوم بها هذا الرجل، وبدت له شناعة هذه الدعوة وقبحها من كثرة الشتائم التي سمعها تنهال على صاحبها، فأكبر الأمر، وهاله أن يكون في قومه من يبتدع منكراً من القول يلفت به الناس عن دين آبائهم وعاداتهم وأخلاقهم، وصمم ليفتشن عن محمد، وليجتمعن به، وليسمعن كلامه الجديد. . . ومشى ذاهلاً يتملكه العجب من هذا الذي سمعه، وهو يعرف (الأمين) أحسن قومه خلقاً وأطهرهم نفساً وأبعدهم عن المفاسد والمعاصي، وأكثرهم أدباً وعقلاً ورزانة وحلماً وعفافاً، وأصدقهم، وأرقهم قلباً وأكثرهم عطفاً على المساكين والأطفال واليتامى والبائسين. . . إنه لا يعرف رجلا أطهر ولا أشرف ولا أكرم ولا أصدق من محمد. . . إن قومه لم يعرفوا له كذبة واحدة، ولم يستطيعوا أن ينسبوا إليه عملا سيئا قبيحا واحدا، فما الخبر؟ وما هذه الدعوة الجديدة؟!
وسار الأرقم، وظل سائرا، وهو يسأل الناس الذين يلقاهم عن محمد، حتى دل عليه، ووصل إليه؛ فرآه في جماعة من قومه يدعوهم ويحدثهم، فجلس لا يشعر به أحد، وأصغى،
فسمع محمداً يقول: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون)
وسكت محمد رسول الله، وانفض القوم ساخرين، واقترب الأرقم منه وقال: إن كان الإسلام ما تقول، فأنا على دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. . .
قام النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتلو عليهم بعض آيات القرآن الذي كان ينزل عليه، فلا يجد منهم إلا الإعراض والهزء والسخرية، بل كانوا يتجاوزون ذلك إلى إنزال الأذى به وبأصحابه القلائل الذين فضلوا الإسلام على الشرك، وأمعنوا في الأذية، وتدرع المسلمون الصبر، ورأى الأرقم ذلك فداخل قلبه الهم الكبير والحزن المضني، وعزم على تخفيف آلامهم وشقائهم مهما كلفه ذلك، ووطّن نفسه على تضحية روحه وأهله وما يملك في سبيل هذه الدعوة الجديدة التي تغلغلت في كل جارحة من جوارحه
جلس في إحدى زوايا داره الصغير يفكر ويمعن في التفكير لقد كنت ضالا فأنعم الله عليّ بالإسلام، وكنت لا أهتم بسوى نفسي وأسرتي فأصبحت يملأ رأسي التفكير في هؤلاء الإخوان الذين تربطني بهم أقوى رابطة في العالم ألا وهي رابطة الإسلام؛ وكان أكبر واجب ملقى على عاتقي هو تأمين معاش هذه الأسرة الصغيرة فأصبح من أوجب الواجبات عليّ اليوم أن أنهض لأدعو إلى الإسلام، لألاقي من الأذى ما لاقاه إخواني، أو أن أحميهم بما أحمي به أهلي وولدي، وكيف لي بحمايتهم؟ أم كيف لي بدفع الأذى عنهم؟ لابد من العمل، لابد من العمل
وراح يستعرض المسلمين في مخيلته ليقف على عددهم، فوجدهم ستة ورأى نفسه السابع، وفاجأته فكرة ملهمة برد لها قلبه واطمأنت إليها جوارحه: إن في داري متسعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولإخواني المسلمين، وإن فيها أمنا لهم وخلاصا من شقائهم، أفلا أستطيع أن أضمهم فيها على غير علم من المشركين؟
وأسرع إلى رسول الله، فأعلن أمامه الرأي الجديد، وبسط بين يديه الأسباب التي دعته إليها وقال له:
- إننا ضعاف يا رسول الله، لا قبل لنا بهذه الوحوش الكاسرة، وإن الأذى الذي يصيب المسلمين قد اشتدت وطأته أفلا نأوي إلى داري لنجمع شتات أمرنا ونغيب عن أعين أعدائنا وننتظر فرج الله؟
فأكبر فيه الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم هذه التضحية، وأذن له بإيواء المسلمين.
نشر الفجر البسّام أجنحته اللؤلؤية الخفاقة على أرجاء الكون الغارق في السكون، المجلل بالسواد، الرازح تحت أعباء الوحشة، النائم تحت كلَّة الليل، فاخترقت سُدف الظلام ومزقتها، وأضاءت أرجاء الفضاء الرحيب وأنارتها، واحتدمت المعركة بين الجيشين: جيش الليل الذي أنهكه طول السهر وكثرة السمر، وجيش النهار الذي يملأ بردتيه عزم الشباب وتدفعه الأماني العذاب، وانجلى النضال عن تبدد العتمة وإشراق النور، وأطلت ذكاء من وراء الأفق البعيد الصافي، باسمة طروبا خلابة، وافترت لوهاد مكة وجبالها ودورها عن ابتسامة مغرية جذابة، فابتسمت لها مكة مجيبة شاكرة، ورقصت على جنبات الأفق الوهاج أطياف من السحر والشعر استيقظ الناس على منظرها الخلاب، وبدأت الحياة تدب في أرجاء مكة التي نضت عنها رداء النوم لتستبدل به درع الجد والنشاط، وهب المشركون غاضبين صاخبين مصممين على إفناء هذه الطغمة التي تضم أفراداً قلائل منهم، فتنوا عن عقيدتهم بعقيدة جديدة تقضي على كل ما خلف لهم الآباء والأجداد من آلهة. وليس بعجب أن يقوموا منذ الصباح الباكر يعدون العدة لعملهم السافل الدنيء؛ فلقد كانوا يحلمون في الليلة الماضية - وفي كل ليلة - بهؤلاء الأفراد الذين تحملوا كل أنواع الأذى في سبيل عقيدتهم، ولم يكن يبدو على أحد منهم أنه سينفذ صبره وتضعف مقاومته، كانوا يعجبون لقوة رسوخ هذا الدين الجديد في النفوس وتمكنه فيها واستهانته بكل أنواع الأذى والعذاب في سبيل بقائه سالما، وكانوا يخشون إن هم خلوهم وغضوا عنهم الأبصار ولم يأبهوا لهم، أن يجذبوا إليهم عددا كبيرا من العرب فيصبحوا قوة لا طاقة للمشركين بها.
وراح المشركون يفتشون عن الأفراد الصابئين في الأسواق وفي الساحات العامة، وفي ظل الحرم، وفي دور مكة المجتمعة، ولكنهم باءوا بعد سعيهم بالفشل، ولم يجدوا لهم أثرا، كأن الأرض ابتلعتهم وغيبتهم، فعادوا خاسرين أذلاء كما يعود الجيش مهزوماً مدحوراً. أجل، لقد اختفى المسلمون في تلك الدار النائية القائمة على الصفا، جمعهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليخف عنهم الأذى ويزول عنهم الألم، تحلقوا حوله في خشوع وصمت يستمعون إلى آيات القرآن الكريم التي يوحي الله إليه بها، ويصغون إلى مواعظه فتمتلئ أفئدتهم برداً وسلاماً وإيماناً ويقيناً، وتفيض نفوسهم شجاعة وعزماً، فيشعر كل واحد منهم أن في استطاعته أن يقاتل ألفا من المشركين وان يدحرهم ويردهم على أعقابهم خاسرين
جلس إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم فتى في ربيع حياته، كانت له دالة كبيرة عليه حتى إنه كان يدعو نفسه زيد بن محمد؛ لقّب نفسه بذلك حين أخرجه رسول الله إلى الحجر وقال: اشهدوا أن زيد بن حارثة ابني يرثني وأرثه وكان أول من أسلم من الموالي، وجلس إلى جانبه رجل ربعة حسن الوجه رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، وضئ، أبيض مشرب بصفرة، جعد الشعر، ذو جمّة عند أسفل أذنيه، جذل الساقين، طويل الذراعين؛ ذلك هو عثمان بن عفان ذو النورين الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل نبي رفيق، ورفيقي في الجنة عثمان. وجلس إلى جانبه طفل صغير لا يتجاوز العاشرة من عمره هو الزبير بن العوّام حواري رسول الله وابن عمته صفية بنت عبد المطلب علقه عمه في حصير ودخّن عليه ليعود إلى الكفر فقال: لا أكفر أبدا، وظل متمسكا بدينه يحرص عليه حرصه على روحه. وجلس إلى جانبه رجل طويل القامة أبيض مشرب بحمرة، حسن الوجه، رقيق البشرة، أهدب الأشفار، أقنى الانف، طويل النابين الأعليين، ضخم المنكبين، غليظ الأصابع هو عبد الرحمن بن عوف. والى جانبه شاب في العشرين من عمره نشيط قوي حديد النظرات مفتول الساعدين هو سعد بن أبي وقاص. وجلس في الناحية المقابلة رجل مربوع إلى القصر، أبيض يضرب إلى الحمرة، ضخم القدمين، رحب الصدر آدم كثير الشعر ليس بالجعد ولا بالبسط هو طلحة ابن عبيد الله الذي أسلم على يدي أبي بكر. والى جانبه رجل نحيف، معروق الوجه، خفيف اللحية، يبدو عليه الخشوع والتذلل هو عامر بن عبد الله بن الجراح أمين هذه الأمة. والى جانبه أخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع هو عبد الله بن عبد الأسد الذي يكنى أبا سلمة. ولقد أسلم عثمان والزبير وعبد الرحمن وسعد وطلحة على يد أبي بكر الذي كان يجلس إلى يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتفعاً بعباءته متوجها بقلبه وجسمه إلى إخوانه المسلمين يؤنسهم ويكبر فيهم الثبات على الحق
وكانت الغرفة الأخرى في الدار ممتلئة بأفراد آخرين من المسلمين كعثمان بن مظعون وأخويه قدامة وعبد الله وكعبيدة بن الحارث وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة ابنة الخطاب. كانوا يتحدثون تارة ويذكرون الله أخرى، ويتواصون بالصبر والثبات على كل أذية حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا
في هذه الدار المنعزلة ولد الإسلام من جديد، وشيّد أول ركن من أركانه، وبزغ أول شعاع من أشعته الوهاجة التي أضاءت العالم. . . إلى هذه الدار المنعزلة كان يأوي كل يوم أفراد من العرب يهجرون أباطيل أجدادهم وأصنامهم ويسلمون على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وينضمون إلى إخوانهم فيزيدون قوة. . . ولم تمض إلا أيام قليلة حتى أصبح المسلمون فيها تسعة وثلاثين يعبدون الله مستخفين ينتظرون القوة والمدد من الله، ولكن رجلا لا كالرجال أسلم وانضم إليهم وكملوا به أربعين لم يرضه أن يبقوا مستخفين خائفين بل قال: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: والله لن نبقى هنا، ولابد من الخروج. . . ذلك هو عمر بن الخطاب
وكانت خاتمة هذه الدار التي كانت أول مرحلة من مراحل الإسلام، خاتمة رهيبة عظيمة سارة فخمة، إذ خرج منها المسلمون وهم يكبرون معتزين فخورين، فكأن جدرانها وأرضها وسماؤها وكل شبر فيها قد نفخ فيهم روح العزة والفخار والجرأة، فأصبحوا لا يبالون شيئا في سبيل الإسلام
لك الله أيتها الدار: لقد لمت شمل المسلمين بعد أن كادت تفنيهم وحشية المشركين، ولقد آويت المسلمين وأمنهم وزدتهم قوة بزيادة عددهم. لقد كنت الحصن رد عن المستضعفين قنابل الظالمين، ولقد كنت أول مسجد جمع المؤمنين تحت راية رسول الله وفي كنفه
سنذكرك كلما ألمت بنا النكبات، وحاقت بنا المصائب، ودهتنا الدواهي، وسنتأسى بذكراك كلما رأينا ضعف المسلمين وخذلانهم، وتأخرهم وذلهم، فلن يعرف اليأس إلى نفوسنا سبيلاً ولن يزيدنا الضعف إلا قوة. لقد كان المسلمون فيك أفراداً معدودين لا سلاح لهم إلا إيمانهم وعقيدتهم، تألب عليهم قومهم وناصبوهم العداء والأذى وهم ألوف مؤلفة، ولكن النتيجة كانت للإسلام الذي قضى أيام طفولته في دار الأرقم
عليك وعلى صاحبك وأضيافه رحمه الله، وعلى أشرف الخلق صلاة الله وسلامه
(دمشق)
ناجي الطنطاوي
من معاني الهجرة
للأستاذ محمد أحمد الغمراوي
لعل أكبر أيام الإسلام بل أيام الإنسانية كلها بعد يوم الرسالة هو يوم الهجرة
لقد كانت الهجرة الكريمة بدء عهد عزة الإسلام وانتشاره، عهد الجهاد الإيجابي في سبيل الله بالنفس والمال. إن النبي صلوات الله عليه كان طبعا يجاهد في سبيل الله بالنفس منذ الأول بتعريضه نفسه الشريفة للخطر الشديد في تبليغ الدعوة قبل الهجرة. أما المسلمون قبل الهجرة فكان جهادهم جهاد المستضعفين: كان جهاد صبر على الأذى وتمسك بالدين رغم الاضطهاد، ومن يقرأ تاريخ الإسلام قبل الهجرة ير عجبا من أمثلة ذلك التمسك رغم الأذى البالغ والعذاب الشديد. لكن الجهاد في سبيل الله يجب ألا يقتصر على الجهاد السلبي، جهاد الصبر على الأذى من غير مقاومة إيجابية للمؤذين. صحيح أن المسلم يجب أن يتمسك بدينه وأن يعمل به رغم كل المثبطات ورغم كل الصعاب لكن يجب عليه أيضاً ألا يقر للذل، ولا يقيم على الضيم، فإن الإسلام دين عزة (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). فإذا وُجد المسلم بدار مذلة، لا يستطيع أن يقيم فيها دينه كما يجب أن يقام، وجب عليه أن يهجر تلك الدار ولو عزت عليه، وأن يهاجر منها إلى حيث يستطيع أن يعبد ربه ويقيم دينه حرا عزيزا لا يخضع إلا لله، ولا يرى لأحد حقا عليه إلا بحق الله
وهذا هو درس الهجرة الأول. لقد هاجر النبي صلوات الله عليه من مكة وهي أحب بلاد الله إليه، وهاجر المسلمون الأولون وقلوبهم تتلفت إلى ما خلفوا وراءهم من الأهل والمال والوطن. تتلفت ولكن لا تؤثر على الدين من ذلك كله شيئا. إذا لم يمكن إعزاز الدين وإحياؤه وإقامة أحكامه إلا بمفارقة ما يعز من أهل ومال ووطن، فليفارقه المسلم ويهاجر في سبيل الله فراراً بدينه وطلباً لإعزازه. (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) وصدق الله
إن واجب الإنسان الأول هو واجبه نحو خالقه الذي خلقه ورزقه الأهل والولد والمال والوطن. الأهل والولد والمال والوطن والنفس من اجل نعم الله على الإنسان، لكن من الحمق أن يجعل الإنسان نعم الله عليه سبباً لمعصية الله أو الكفر به، من الحمق المطبق أن
يؤثر الإنسان على ربه شيئا مما وهبه ربه، فإيثار الدين على كل ما يعزه الإنسان من مال وأهل ونفس ووطن هو درس الهجرة الثاني، الذي يجب أن يتعلمه المسلم ولا ينساه، هما درسان عظيمان من دروس الهجرة النبوية الكريمة يجب ألا ينساهما المسلم: درس عدم الإقرار للذلة في الدين بأي صورة أو لأي سبب، ودرس إيثار الله ودينه على كل شيء مما خلق الله ومما يعلق به قلب الإنسان
إن قلب المسلم يجب ألا يستشعر خوفا غير خوف الله، ولا رجاء إلا رجاء الله الذي خلقه والذي له مقاليد السموات والأرض وبيده نواصي العباد. هذا هو التوحيد المطلق، وهذا هو الإسلام لله، ومدى التفاضل والتفاوت في هذا واسع عظيم كما نرى، لكن على المسلم أن يجتهد في تحقيقه ما استطاع. عليه أن يحب الله فوق كل شيء؛ ويؤثر الله على كل شيء، ويضحي في سبيل الله إذا لزم الأمر بكل شيء، ولو اقتضى ذلك الخروج في سبيل الله عن المال، والتضحية في سبيل الله بالنفس والأهل والمهاجرة في سبيل الله عن الوطن، إن كان الوطن مما لا يستطيع المسلم أن يقيم فيه الدين
لكن من فضل الله علينا وعلى المسلمين اليوم أن عافانا من ذلك الامتحان الشديد، امتحان ترك الوطن في سبيل الدين. فوطننا والحمد لله وطن إسلام وليس وطن كفر، وهو والحمد لله وطن أمن للدين والمتدينين وليس وطن اضطهاد كما كانت مكة حين هاجر منها الرسول صلوات الله عليه. فموقف المسلمين اليوم في هذا البلد وفي كل بلد مسلم ليس هو موقف الرسول صلوات الله عليه والمسلمين في مكة قبل الهجرة، ولكن هو موقف الرسول صلوات الله عليه والمسلمين في المدينة بعد الهجرة. أعزوا الإسلام فيها ودافعوا عنه كل مهاجم أو مغير، ولم يقبلوا لحظة واحدة أن تكون كلمة في مدينتهم فوق كلمة الله، أو يكون الحكم في أرضهم إلا لله، وهذا هو واجب المسلمين الآن، واجبهم أن يعزوا دين الله في بلادهم كما أعزه رسوله والمؤمنون الأولون، فلا يقبلوا في دينهم مطعناً، ولا لأحكامه مخالفة، واجبهم أن يثبتوا في بلادهم ويثبتوا الإسلام فيها كما فعل النبي في المدينة، وأن يدفعوا عن دينهم وبلادهم كل مهاجر ومغير
وليس الدفاع عن الإسلام وبلاده بالسيف والمدفع فقط. هذا هو آخر الدفاع، لكن أول الدفاع وأهمه هو الدفاع عن روح الإسلام في بلاده. إن روح الإسلام إذا ضعف في المسلمين فلن
يتحملوا في سبيل الإسلام أذى ولا جهداً، فضلًا عن أن يريقوا في سبيله من دمائهم دماً. إن روح الإسلام وحبه يجب أن يتغلغل في قلب كل مسلم، فإن تغلغل فسيحرص المسلمون على إقامة الدين وسيعرفون كيف يعزونه ويعزون أنفسهم به
لكن أنى لروح الإسلام أن يتمكن من قلب المسلم وهو يجهل الإسلام ولم ينشأ فيه؟ إن النشأة والتربية هي التي تصبغ الناشئ بصبغتها وتوجهه في الحياة. والنشأة الإسلامية مفقودة في الأقطار الإسلامية منذ أمد طويل، ولو كانت موجودة كما ينبغي أن توجد، لعرف المسلمون دينهم كما ينبغي أن يعرفوه، وإذن لعرفوا كيف يحبونه ويعزونه كما ينبغي أن يحبوه ويعزوه. إذن لعرفوا كيف يدفعون شر العوامل الكثيرة التي تحاول أن تضعف الإسلام في نفوسهم وتغزوه في قلوبهم، ولعرفوا ماذا يقبلون من هذه المدنية الغربية المغيرة عليهم وماذا ينبذون. ليتهم عرفوا الإسلام! إذن لأدركوا أن المدنية الغربية ليس فيها ما يحتاجه المسلمون إلا هذا العلم الطبيعي التجريبي الذي هو ملك العقل البشري عامة، والذي ينبغي أن يكون ملكاً للأمم كافة، لأنه نتيجة استعمال العقل الصارم في بحث ما حلق الله وليس نتيجة العاطفة، فليس فيه شيء من خصائص الأمم التي تظهر عادة في آدابها. العلم التجريبي هو كل ما يحتاجه المسلمون من هذه المدنية الغربية. أما اجتماعيات الغرب فليس المسلم في حاجة إلى شيء منها، لأن رب الشرق والغرب وخالق الخلق كلهم هو الذي شرع للمسلم وللإنسانية كلها أحكام الاجتماع وأصوله مفصلة في الإسلام، كما أجمل للمسلم وللإنسانية كلها أمر طلب العلم الطبيعي في القرآن إجمالاً هو أشبه شيء بتفصيل
لكن إذا كان شباب المسلمين قد فاتهم أن يربوا تربية إسلامية، فإن عليهم أن يتداركوا من ذلك في أنفسهم ما ضيعه الناس. ولا يسوفن في هذا، فإن الأمر ليس أمر حياة أو موت، وعزة أو ذلة، في الدنيا فقط، ولكن هو أمر سعادة أو شقاء إلى الأبد في الآخرة. ولا يقولن إن الفرصة فاتت ماداموا لم يتعلموا الدين على وجهه في المدارس. إن الفرصة موجودة والطريق إلى تدارك ما فات مفتوح بسيط ممتع. أو يدري المسلمون وشباب المسلمين ما هو؟ قراءة سيرة الرسول صلوات الله عليه، وقراءة القرآن، وقراءة الحديث! ثم بعد ذلك أو بين ذلك قراءة تاريخ الخلفاء الراشدين
إن القارئين من شباب الإسلام من بنين وبنات يقبلون على قراءة الروايات، فلماذا لا
يقبلون على قراءة السيرة النبوية وهي تاريخ نشأة دينهم وحياة نبيهم؟ إنها أمتع من أي رواية صاغها الخيال، وهي بعد ذلك حق وقع، ومنها يعرفون من أمر دينهم، كيف نشأ وكيف نما، ما لا يعرفه كثيرون ممن لم يدرسوا الدين إلا في كتب الفقه والأحكام
ثم إنهم يقرأون الأدب العربي: يقرأون لأدبائه المحدثين وقد يقرأون للأقدمين. فلماذا لا يقرأون الأدب السهل الخالص البالغ في كتب الحديث؟ إن كتب الحديث الصرف ليست كتب حواش وشروح كتلك التي يتصورها الشبان تدرس في الأزهر. إنها كلام الرسول صلوات الله عليه يحادث أصحابه: يأمرهم وينهاهم ويعظهم ويهديهم ويشير عليهم فيما يستشيرونه فيه من أمور الحياة. إنها أنفع لطلاب الأدب من أي أدب آخر يمكن أن يقرأوه أو يدرسوه، لأن أمور الحياة كلها يتناولها ذلك الكلام الكريم بأعذب لفظ وأسهل أسلوب: لفظ الرسول صلوات الله عليه وأسلوبه في تبليغ رسالة الله للناس ليأخذ شبان المسلمين أي كتب الحديث الصحيحة شاءوا. ليأخذوا البخاري مثلا وليقرأوه تاركين الأسانيد، أو ليبدأوا بقراءة مختصر البخاري المسمى (مختصر الزبيدي) المحذوف منه الأسانيد الطويلة والأحاديث المكررة، ثم ليرجعوا بعد ذلك إلى البخاري نفسه إذا شاءوا، إذن لرأوا العجب العجاب من فصاحة العربية وبيانها إن كانوا طلاب فصاحة وبيان، ولفقهوا من أحكام الدين وروحه ما لا يفقهه أو يعرفه إلا الذين استقوا من هذا الورد العذب الفياض، وكل ذلك في غير كلفة أو عناء
ثم القرآن! لماذا لا يقرأ الشباب الإسلامي القرآن؟ لماذا لا يجعلون لأنفسهم حصة ولو قصيرة يقرأونها من القرآن كل يوم؟ لماذا لا يمضي المسلم يقرأ من القرآن كل يوم شيئا يسيراً حتى يتم القرآن كله في الزمن الذي يتمه فيه، قصر أو طال؟ إن القرآن كلام الله عز وجل، حفظه الله للمسلمين وللإنسانية كلها من التحريف والتغيير رحمة للناس، فهل يغفل الشبان عن كلام ربهم سبحانه فلا يقرأونه وهم يقبلون على دراسة كلام الناس؟ ليقرأوا القرآن - فالقرآن سهل يسره الله للذكر - وإذا لم يفهموا كلمة منه فعندهم القواميس، وإذا لم يفهموا آية فليسألوا عنها أهل البصر بالدين. إن فعلوا - وحياتهم ونجاتهم في أن يفعلوا - فسيشعرون، إذا قرأوا القرآن وتدبروه بطهارة نفس واطمئنان قلب لا يجدهما من لا يقرأ القرآن
ليقرأ المسلمون القرآن والحديث وسيرة الرسول وتاريخ الخلفاء الراشدين، عندئذ لا يخشى المسلمون على شبابهم فتنة، ولا تعلق بنفوسهم شبهة، ولا يغلب الإسلام على قلوبهم غالب. عندئذ يستطيعون أن يقوموا بحق الدين بإحسان الدفاع عنه والعمل به، ويعرفون أي نعمة أنعم الله بها عليهم وعلى الإنسانية كلها حين أرسل صاحب الهجرة صلوات الله عليه رسولا منه إلى الناس.
محمد أحمد الغمراوي
بين الذكرى والعبرة
معجزة الإسلام الخالدة
للأستاذ محمد عرفه
(شعب يظهر على شعوب، ودين يعلو على أديان، وحضارة
تغزو حضارات، وقوة معنوية تزلزل الأرض وتهد الجبال)
يعجب كثير من الناس كيف استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح بفئة قليلة من المهاجرين والأنصار الحصون التي كانت حول المدينة ومكة؛ وأن يظهر بهم على إقبال الجزيرة العربية ورجالاتها، وعلى عقائدها وعاداتها؛ وأن يرفع بهم في غيابة الجهل، وضلال العقل وحيرة الإنسانية، لواء الحق والفضيلة، والخير والرشاد، فينشر في أرجاء الجزيرة، بهذه الفئة الصغيرة، هدى السماء، وشريعة التوحيد، ويأتيه أهلها طائعين، يدخلون في دين الله أفواجا؛ ثم كيف استطاع أصحابه بعد أن فتحوا بهؤلاء دول العالم القديم: فارس والروم وبلاد السند ومصر وأفريقية والأندلس. . . وقد كانوا أقل عدة، وأضعف جندا، وأقل دراية بفنون الحرب، ودربه على أساليب القتال - من أمة كفارس والروم.
يعجبون من شأن هؤلاء المسلمين الأولين، لقد كانوا بين تلك الدول والشعوب، وهذه الحضارات والمدنيات، كالشعرة البيضاء في فرس بهيم، وكالطفل الصغير يصارع شجاعاً جباراً.
ولكني لا أعجب عجبهم؛ بل أعجب كيف لم يفتحوا الأرض جمعاء، ثم يحاولوا بعد ذلك فتح السماء؟
كيف أعجب من ذلك؟
لعلي أغفل قانون الكثرة، والقوة المادية، والفنون الحربية
لعلي أغفل البروج المشيدة، والحصون الشامخة، والعساكر والدساكر، والمدن والذخائر، والقوة والمنعة، والعزة والشوكة، والعلم والرأي، والفن والتدبير. . .
لا، لست أغفل شيئا من هذا كله، فقد جعلت لكل أمر قدراً؛ بيد أني لم أغفل القوة المعنوية، فقدرتها حق قدرها، ووازنت بينها وبين كل ذلك؛ فرأيتها ترجح بها كافة.
كانت القوة المعنوية في جانب، وكانت القوة المادية في آخر وكان من الحتم أن تتغلب القوة المعنوية على كل شيء عداها. . .
كان في هذه الفئة القليلة من المسلمين قوة معنوية، بعثها فيهم دينهم، وأججها في صدورهم نبيهم، فأتت أكلها كل حين بإذن ربهم، وظهرت بها معجزات الإسلام الخالدة على يد هؤلاء البواسل الأرواع حتى فتحت أرضاً، ونشرت دينا، وفرضت لغة على هؤلاء الأقوياء الظاهرين في الأرض، ثم بعثت الحضارة والمدنية والثقافة والعرفان في الشعوب جميعاً
إنه لخليق بالباحث أن يتبين هذه القوى المعنوية التي كانت تخفق بها قلوب المسلمين، والتي أتت بهذه المعجزات الباهرة الخالدة بعد قليل من السنين
لقد فتشت عنها، وبحثت عن مصادرها ومظاهرها، فرأيتها تتجلى فيما يأتي:
1 -
الإيمان
آمن المسلمون بشريعة الإسلام؛ وآمنوا بأنهم على حق في عقائدهم وآرائهم وأعمالهم، والناس جميعاً على باطل، ومن حق هذه العقائد الحقة، والآراء الحقة، والأعمال الحقة، أن تعم للبشر وان يؤمن بها الناس جميعاً؛ وآمنوا بأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الإنسانية السعيدة على أسس العدالة والحق والسلام. لقد آمنوا بأنهم مصلحو البشر، وهداة الكون، وأنهم إن مكن لهم في الأرض بعثوا فيها هدى ونوراً وعدلاً، وأنقذوها من يد الظلم والوحشية، وحرروها من استبداد الطغاة وقسوة القساة، وغطرسة المتزعمين والمتكبرين (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)
وآمن المسلمون مع ذلك بأنهم منتصرون فائزون، لأنهم على حق، والحق لابد ظافر منصور، يستوي في درك ثمرة النصر الأموات والأحياء، فكل موقعة تقع، وكل حرب تشب نارها، هم فيها الرابحون، وأعداؤهم هم الخاسرون، فالمجاهدون من المسلمين إما أن يقتلوا أو يقتلوا، فمن قتلوا فلهم الفوز بالسعادة الآخرة الباقية، يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، ومن قتلوا فلهم النصر والبقاء في الارض، والعزة والدولة
لقد غرس هذا الإيمان المتشعب النواحي في نفوس المسلمين كتابهم الحكيم، ورسولهم الكريم. بعث فيهم الله روح القوة والرجولة، والإباء والبطولة، ووعدهم بالنصر المؤزر والفوز المبين (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلوْن إن كنتم مؤمنين). (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)، وزاد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الروح فيهم اشتعالاً بقوله وفعله. أفلم تسع قريش إلى عمه برجالاتها ووجوهها يناشدونه البقيا على الرحم، والحفظ للجوار، وكف محمد عن تسفيه أحلامهم والسخرية بأصنامهم، فطلب أبو طالب من إبن أخيه أن يبقى عليه وعلى نفسه وألا يحمله ما لا يطيق من عداوة قومه، وخصومة أرومته، فثار هذا الداعي الكريم، ونطق هذا الروح العظيم:(يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه). وكان هذا القول الفصل بين قريش وبين محمد الرسول الكريم. وضرب بهذا أروع مثل للأجيال السابقة واللاحقة
وقبس المسلمون هذه الروح، فتجلت في أسارير وجوههم، ورسمت على صفحات قلوبهم، وبدت في كلامهم، وفي أفعالهم، كأنها الشهاب الثاقب، أو الصبح المبين
فهذا رسول الله يستشير المسلمين في محاربة قريش وقد خرج للقائهم في غزوة بدر الكبرى، فيقول:(أشيروا عليّ أيها الناس). فينطق سعد بن معاذ: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله). فقال: (أجل). فقال: (يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله)
وهذا زيد بن الدثنة يرسله النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الصحابة مع وفد من العرب ليقرئوهم القرآن ويعلموهم شرائع الإسلام، فيغدر هؤلاء الأعراب في الطريق بزيد وأصحابه، يقتلون بعضاً ويأسرون آخرين؛ ثم يبيعون زيداً لقريش لتقتله بدل من قتل رجالها بيد المسلمين؛ ويقول له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فيجيبه زيد: والله ما أحب أن
محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه نصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي
هؤلاء هم المسلمون، آمنوا فلم يقف في طريقهم شيء في الأرض، وساروا كالسيل العرم لا ترده سدود ولا عقبات، فتنوا في دينهم وعذبوا ونكل بهم وشردوا في الأرض وأخرجوا من ديارهم وأموالهم، فما وهنوا ولا استكانوا ولا ذلوا ولا أخلدوا إلى الأرض، بل صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا
2 -
الاتحاد والألفة
وترى القوة المعنوية في اتحاد المسلمين الأولين وتوادهم، كما رأيتها في إيمانهم ويقينهم، فقد اتحدت قلوبهم، وتحابت نفوسهم، وصاروا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وأصبح المسلمون جميعا جسما واحدا، سرت فيه روح واحدة قوية، فكان يشعر بشعور واحد، ويفكر بفكر واحد، إذا اشتكى عضو منه تألم له سائر الأعضاء
وقد بلغ من ذلك الاتحاد المتين والمحبة الصادقة أن أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار حين نزل المدينة ليذهب عن المهاجرين وحشة الغربة، ويؤنسهم من مفارقة الأهل والوطن، ويشد أزر بعضهم ببعض، فكان الأنصاري يقسم ماله بينهم وبين المهاجر، ويؤثره على نفسه ولو كان به خصاصة
وقد ضرب المسلمون في هذا السبيل أبلغ الأمثال للأمم التي تصبو إلى المجد والسؤدد، فكان عطف بعضهم على بعض، ومواساة الغني للفقير، والبرئ للمريض، وتوقير الصغير للكبير، وحنان الكبير على الصغير، كان كل ذلك مضرب الأمثال في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يزال ذكراً جميلاً لهؤلاء الأمجاد الأبطال، والأجواد السروات الغطاريف
أين نحن من هؤلاء؟ وأين الأرض من السماء؟ لقد خلف من بعدهم خلف أضاعوا إيمانهم، وبددوا اتحادهم وألفتهم، فتفرقوا شيعا، وتمزقوا بددا، فضعفوا عن كثرة، وذلوا بعد هذه العزة الرفيعة المنيعة
فإذا شاء المسلمون أن يعود لهم مجدهم الباذخ وعزهم التليد، فليبحثوا عن إيمانهم الذي فقدوه، وعن اتحادهم الذي بددوه، وعن ألفتهم التي أضلوها، وليكملوا أنفسهم بهذا تعد الذلة عزة، ويصير الضعف قوة، وترجع إليهم العظمة الدائرة، والسؤدد الدارس
ليؤمن رجال الدين أنفسهم كإيمان السالفين، إيمان قوة وعزم، لا إيمان ضعف وذلة؛ فمجرد
التصديق لا ينقل قدما ولا يحرك ساكنا. إنما الإيمان هذه الحركة المتقدة، والنار الملتهبة، والحمية للحق، والمحبة للبشر، والإخلاص لله، والغيرة أن تنتهك حرماته، وتستباح محارمه، وتعصى أوامره؛ إنما هو العمل على أن يأخذوا بأيدي الناس من الظلام الدامس إلى النور المبين. . . ومتى عاد هذا الإيمان إلى أهل الدين أنفسهم أعادوه إلى الناس جميعا
. . . وإذا أردنا الألفة والمحبة - لنستعيد الماضي المجيد، ونؤسس المستقبل الجديد، على عبر اليوم وعظات الأمس - فلننظر بماذا ألف الإسلام بين قلوب أصحابه، وبماذا غرس فيها المحبة والإخاء؛ لقد جمع الإسلام بين قلوب المسلمين بنزع أسباب الفرقة منهم. كان العرب قبائل متعددة كل قبيلة وحدة يرأسها، يتعصب المرء لقبيلته، وتعادي كل قبيلة الأخرى، فكان بأسهم بينهم شديدا، وحطموا أنفسهم بأيديهم، ووأدوا سؤددهم بلجاجهم في الخصومة والفرقة، وأضعف بعضهم بعضا فضعف الجميع. ثم جاء الإسلام فوسع أفقهم الضيق، وبعد أن كان المرء يرى نفسه فرداً من قبيلة، أصبح يرى إنه فرد من أمة، ورأى الجميع أنهم أعضاء أسرة أوسع، هي أسرة الإسلام؛ وخاف الإسلام أن يعودوا إلى ما كانوا عليه أشلاء ممزقة وقبائل متفرقة، فقسا أعظم القسوة على من يعيد روح التعصب إلى القبيلة جذعة، وعد هذا ذنباً خطيراً وإثماً كبيراً
فلنتبع المنهج الذي ألف به الإسلام بين المسلمين، ولنطبق سياسته الحكيمة الرشيدة من جديد، فسترون المعجزة تتجدد، والرجاء يتحقق، والحياة تبسم لنا، والمجد يصافحنا بعد عبوسها وجفائه
لست خيالياً أسعى إلى توحيد المسلمين جميعا قبل اتحاد الأمة الواحدة منهم، فأطلب الكثير وقد عجزت عن القليل، وأطلب للفرع مضيعاً الأصل
كل أمة من الأمم الإسلامية قد قطعّت أحزاباً، وفرقت شيعاً، ففي مصر لا يتحد المصري، كل يرى نفسه فرداً من حزبه، قبل أن يرى إنه فرد من أمته، وفي الأمم الشرقية الشقيقة كما في مصر من الفرقة والانقسام.
علينا أن نداوي هذا الانقسام الداخلي أولاً، فإذا أحرزناه سعينا إلى الاتحاد الخارجي
لقد كان من شرور الحزبية ما سمعتم أولاها وشاهدتم أخراها، حرب وانتقام، وكراهية وانقسام، وإغداق على الشيع والأنصار بالمناسب والألقاب ولو كانوا غير أهل، وحرمان
للآخرين ونقمة عليهم ولو كانوا من ذوي الكفايات
من طاوع العصبية الحزبية فانظروا إليه شذراً واعلموا إنه داعي فرقة وانقسام؛ انظروا إلى الحزبية كما تنظرون إلى الداء المهلك المبيد، والشر الماحق المبير، إنها قطعت أوصالا ومزقت شملا، وزرعت أحقادا ورفعت جهلا، وأقصت علماء وقربت جهلة، إنها أبعدت المصلحة العامة وأدنت المصلحة الفردية الحقيرة الزائلة
حرّموا يا قوم النظر الحزبي، كما حرم الإسلام النظر القبلي، وكونوا أفرادا من أمة لا شيعة من أحزاب
الإيمان والاتحاد
خطوا عليهما يا قوم مجدكم، وارفعوا بهما مستقبلكم تتجدد المعجزة مرة أخرى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
محمد عرفة
فداء الصلح
أبو جندل سهيل بن عمرو
للأستاذ شكري فيصل
جلس أبو جندل بن سهيل بن عمرو في غرفته، وقد طغى الليل على مكة، فلفها برداء من الصمت والسكون؛ فما تسمع فيها إلا همسات الريح، وحديث النجوم؛ وحفيفاً خفيفاً تبعثه أشجار النخيل من أعماق الوادي، كأنها بث الشكاة، أو نجوى المحبين
واستسلم الفتى الجريء إلى نفسه؛ وأسلس قياده إلى الذكريات تحمله على جناحيها الرفيقين. . . فتخرج به من هذا الأسر الذي أراده له أبوه، واضطره إليه، لتطوف به في دنياه الحبيبة من الأرض، حيث يشرق النور، وتشع الهداية، ويتنزل الوحي، ويعيش النبي الكريم في طائفة من المهاجرين المجاهدين، والأنصار المدافعين، والصحابة الذين آمنوا بهذا الدين؛ فوهبوا دمهم له، وهجروا عشيرتهم من أجله. . .
وعرضت لعينيه صور، وتدافعت في نفسه أخيلة؛ واتقد في قلبه الحنين؛. . . وبكى. . . بكى لأنه بعيد عن رسول الله؛. . . وأين منه يد رسول الله تمسح آلامه، وتبارك إيمانه، وتشع في قلبه الراحة والهدوء؟!. . . إن بينه وبينه لآماداً بعيدة؛ ولقد صدوه عن هجرته إليه، وأقاموا من دونه الأرصاد والرقباء؛ ورموا به في هذه الغرفة الضيقة، لا يملك أن يخرج منها أو ينصرف عنها
وتناثرت دموعه على خديه، كقطرات الندى الناعمة. . . فبللت الشعرات المبعثرة على أطراف وجهه، وفي أسفل ذقنه، على غير نظام، كالنبت السائب. . .
ومضى في هذه التأملات العميقة، واستغرق فيها. . . وعاش ساعاً من الزمن، في دنيا الذكريات، وظلال النبوة، وعبق الإسلام. . . وأحس النشوة تجري في عروقه، وتسري في دمه، ورفع بصره إلى السماء، يسأل الله العافية في دينه أن يفتنه عنه أهله وذوو قرباه. . .
ولم يطل به هذا السكون، فقد سمع حركة خفيفة في صحن الدار؛ فقام يسترق الخطو إلى النافذة. . . فإذا فتاة في ريق الشباب ومقتبل العمر، تشق ظلام الليل باشراقتها الرائعة، فيرى لعينيها بريقا، ولجبينها وضاءة، وإذا هو يتحسس في صوتها صوت أخته، فيقبل على الباب يفتحه؛ وما يلبث أن يتبينها حتى يرتمي يقبلها، وترتمي تقبله، في حنان الأخوة،
واتقاد العاطفة؛ وحماس الحب
لشد ما كان يذكرها في أيامه ولياليه!. . . فقد أنس ألواناً من وفائها الحنون، وبرها الجميل؛ حين كان يشتد عليه أذى أبيه، سهيل بن عمرو، فيدفع به إلى رمضاء مكة؛ في لهب الظهيرة واشتداد الهاجرة، مع طائفة من المستضعفين يكتوون باللظى المشبوب، ويلتوون فوق الرمل المكروب، ويذوقون أصناف العذاب الأليم، ليرتدوا عن هذه البدعة التي ابتدعها محمد، فما يزيدهم ذلك إلا إيماناً فوق إيمانهم العتيد
ويجلس إليها. . . ويلقى إليها برأسه، فتمر عليه بيديها الناعمتين، تهدهد أحزانه، وتكفكف أشجانه، وتبعث فيه العزم
ويسألها عن أبي بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وعن أم كلثوم أخت الوليد، وعن فلانة وفلان، من جيرانه وإخوانه. . . هل ثبت الله أقدامهم، فصبروا على العذاب، وصمدوا للفتنة؛ وسكتوا على الإهانة؟!. . . ويستنطقها خبر (يثرب) والنبي؛. . . وهذا النور الذي يغالب الظلمات، ويكافح الضلالات ويخترق السحب. . . ما شأنه؟!!. . . ألم تلمح سناه في أفق مكة؟. . . ألم تر بريقه في سماء البيت الحرام؟. . . ألم يبلغ بعد هذا الوادي غير ذي الزرع؛ فينبت في حفافيه الإيمان؛ وينشر في أجوائه الرحمة؛ ويفجر من حجارته الصلدة القاسية ينابيع الخير والحكمة؟. . .
وتتحرك نفسه لهذا الأمل الخاطف يلمع في خاطره، وهذه الأخيلة الفاتنة تداعب روحه الحزين، فيهتز هزة الواثق المطمئن ويتحرك. . . فتسمع لحركته أصوات الأغلال في رجليه. . . فتذعر أخته، ويتملكها الخوف، وتخشى أباها أن تصل إلى سمعه هذه الحركة في هدأة الليل فيكشف من أمرها ما أخفته عنه وتطلب إلى أخيها أن يستقر في مكانه فإن لها معه لحديثاً؛ وإن الكلام ليتدفق في فمها فلا تعرف كيف تبدأ
وينصت أبو جندل إلى أخته، وقد أحس هذه الكلمات تتواثب على شفتيها؛ وأدرك أن وراء هذه الزيارة المفاجئة في حلكة الظلمة وامتداد الليل لأمرا جللا. . . فلعل الله جاعل له فرجا. . . ولعل السماء قد أنصتت إلى صلواته الخاشعة في ساعات النسمة الهادئة
وتلتفت أخته هنا وهناك. . . كأنها تخشى الرقباء؛ ثم تنهض إلى النافذة، وتلقي نظراتها التائهة على غرف البيت وصحن الدار، وتجلس لتحدثه في همس رفيق:
- إن مكة يا أخي لتنام منذ أسبوع في مهاد من القلق، وإنها لتتقلب على الشوك. . . فما تدري ما هي صائرة إليه. . . لقد نمى إليها أن محمدا غادر المدينة (وأنه استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه)؛ وأنه سار نحوها في سبعمائة رجل. . . يقول إنه يريد زيارة البيت. . . فما تصدقه قريش في دعواه
وتنبسط أسارير أبي جندل. . . وتملأ شفتيه ابتسامة عريضة وتتواثب الآمال في صدره؛ وتتراءى له هذه الجموع في طريقها إلى مكة، ويهم ينادي:(الله أكبر). . . ولكن أخته لا تلبث أن تضع يدها على فيه، تسأله أن يكتم الفرحة الطافرة، ويكبت الصيحة الظافرة؛ ويخفي هذا المرح الشديد. . . فما يرضيه أن يسلط عليها سهيل أبوه سوط العذاب
ويتظاهر أبو جندل بالخضوع للرجاء، ويتمنى عليها بقية الحديث، ويسألها:
- وماذا فعلت قريش يا أختاه؟
- لقد خرجت حين سمعت بمسيره بالعوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا يدخلها عليهم أبداً، فلما رأوا أن النبي قد خالفهم عن طريقهم رجعوا منذ أيام إلى مكة، واستقبلهم الناس في فتور، وما أدري ماذا صارت إليه خيل قريش يا أخي. . . لقد كانت زاهية فخورة، تقرأ في وجهها النصر، فإذا هي اليوم كالحة كابية، ليس لها ذاك الزهو، ولا تلك الإشراقة النيرة. . . ترى ألست معي في أن ذلك هو أول الانحلال ومبدأ التراجع، وطلائع الفتح المبين الذي نترقبه من بعيد؟!
- بلى يا أختاه. . . لينصرن الله محمداً ودينه. . . ثم ماذا كان؟
- لقد أوفدت قريش رجالها إلى النبي تستوضح نياته، وتتفهم غاياته، وتسبر أغواره. . . ولقد رجع هؤلاء الرجال يلهجون بذكر محمد ويقولون إنه (كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وأنهم لم يرو ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه) ويتحدثون عنه أبرع الأحاديث، ويكبرون حجته، ويخشون قوته، ويعجبون ببيانه. . . فلقد قال لبديل إبن ورقاء حين جاءه مع وفد من خزاعة:(انه لم يأت يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت ومعظماً لحرمته) وأقبلت علينا خزاعة تقول: (يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد. إن محمداً لم يأت لقتال)
ولكنك تعلم عزة قريش، وهذه العصبية التي تعصف في نفسها، وهذه الحمية التي تتأجج
في صدرها، وهذه الزعامة التي تتبوأها من العرب. وقد خشيت لذلك أن يتحدث الناس فيقولوا إن محمداً دخلها عليهم عنوة. . . فلم يطمأنوا إليه، ولم يسكنوا إلى غايته البريئة، فاتهموا وفد خزاعة وجبهوهم. . . ورأيتهم اليوم يتداولون الرأي، ويتبادلون المشورة، ويعقدون المجالس. فهذا أبوك يذهب إلى أبي سفيان؛ وهذا أبو جهل يسير في وقدة الظهيرة، فينتقل من بيت إلى بيت، وقد ركبه الغم وغشاه القلق، وعلت جبينه كآبة المهموم
- يا للبشرى يا أخت عبد الله! من لي بجناحين أطير بهما من هذا الأسر. . . فأكون مع النبي في عمرته وزيارته؟! فأين هو الآن يا أختاه؟. . .
- إن محمداً وصحبه في (ثنية المرار) يا أبا جندل. . . وإنهم الآن إلى جانب تلك الشجرة الضخمة القائمة هناك. . . ألا تذكر لقيانا إياها في البكور والأصائل. . . والتجاءنا إليها في الظهيرة والضحى حين كنا نمر بها في طريقنا إلى الوادي. . . صغيرين نقسم باللات، ونقدس العزى، ونعبد الأصنام. . .؟! لقد وهبنا الله عقولنا، وبث فيها النور،. . . فآمنا. . . ولن يضيع الله إيماننا يا أخي. . . وسنجتمع إلى النبي، وسنصلي معه، وسنقرأ القرآن. . . وما أحسب إلا أن وثنية مكة تتضيف للأفول. . . وأن ظلامها سينجاب. . . وأن جبالها ستطفح بالنور الذي يملأ الأرض. . . فلقد اضطرب فيها الأمر فقام الحليس بن علقمة سيد الأحابيش يهدد قريشا فيمن يهددها، ويقول في البيت الحرام بملء فيه:(يا معشر قريش. . . والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاءه معظماً له. . . والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفِرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد. . .)
- وهل خضعت قريش لهذا التهديد؟
- إن قريشا لا تدري ما تدع وما تأخذ يا عبد الله. . . وهي منقسمة مختلفة فيما بينها، لا يستقر لها رأي، ولا تستقيم لها خطة. . . وهذا (أبان بن سعيد بن العاص) يجير عثمان بن عفان رسول النبي، وقد وصل مكة اليوم. . . وصافحت عيناه أرضها بعد هجرة سنوات، وجاء يبلغ رسالة محمد إلى أبي سفيان وعظماء قريش. . . فتحتبسه قريش عندها، وتعقد ندوتها. . . ويخرج أبوك منذ الصباح الباكر. . . فلا يعود إلا مع الشعاعات التي كانت تودع المدينة، لتنام في أحضان الأفق. . . ويدخل غرفته لا يكلمنا ولا يتحدث إلينا. . .
ويستدعي أمك يطلب إليها أن تسرج فرسه، وتجمع بعض متاعه، فهو مسافر غدا إلى النبي في ثنية المرار
وتنتصب الفتاة قبل أن تنتهي من كلماتها الأخيرة. . . ويتطلع إليها أبو جندل، فيرى وجهها من جديد على أنوار القمر الضئيلة التي اخترقت النافذة العتيقة، فيود لو أنها بقيت إلى جانبه تؤنس وحدته وتطرد وحشته. . . ولكن الليل مضى إلا أقله. . . وهذا غبش الفجر في طرف السماء، وما من شك في أن أباه سيبتدر الصباح، وسينهض مبكراً ليبلغ النبي قبل أن ترتفع الشمس؛ وقد يمر به ويفتقده قبل غدوه، فليحرص على ألا يرى أثر أخته عنده. . .
وتقترب الفتاة من أخيها. . . وتلامس شفتاه جبينها الوضاء ويطبع عليه قبلته كأنما يشكر لها فيها هذا الحديث الشائق، وهذه البشرى الحلوة. . . ويهم بتركها لولا أن عارضاً مر بخاطره. . . لم لا يهرب من الأسر؟. . . إن أخته لتستطيع أن تعينه بما لها من حيلة، وإن فيه لبقية من عزم لم تأت عليها هذه القيود، وإن في قلبه لإيماناً يدك الجبال. . . وإن كبده الحرى ليذيبها الحنين إلى النبي والى الجهاد. . . وإن أباه ليسافر غداً؛ وستنزاح هذه الغمة الثقيلة التي تظلل سماءه فتفيض فيها الكآبة والعبوس
وتتضح هذه الفكرة في رأسه وتتكامل صورها وأجزاؤها. . إن النبي قريب من مكة، فليمض إليه وليسع نحوه ليجد في كنفه الراحة والإيمان والخلاص
ويهمس في أذن أخته هذه الكلمات. . . ويسألها في ضراعة ورجاء أن تعينه؛ فقد سئم هذه الحياة الصعبة وبرم بالقيد الغليظ، وإن الله لمنجيه. . . والنصر قريب فلن يلحق بها هي عذاب
ويبيتان الأمر. . . وتنصرف إلى غرفتها، وينصرف إلى فراشه. . . وينام. . . ملء عينيه الأحلام المخضلة، وملء رأسه الأماني الندية
وفي أصيل اليوم التالي كان النبي صلوات الله عليه في مجلسه مع سهيل بن عمرو، وبين يديه علي بن أبي طالب يكتب صلح الحديبية، وإلى جانبه أبو بكر وعمر وعبد الرحمن وسعد؛ وقد تناثرت في السماء قطع من السحاب الخفيف كأنها حمامات السلام البيضاء. . . وغشى الأفق لون وردي جميل من أثر الشمس المتضيفة، وكان يحس الناظر في جانب من
جوانبه كتلة نور لا يستطيع أن يحدق فيها. . . والنسيم يروح خفيفاً هيناً يحمل السلام إلى كل نفس والهدوء إلى كل قلب. . . وجماعات الصحابة تقوم لوضوئها، وتستعد لصلاتها، وتنعم بهذه الهداية الخالدة
في تلك الساعة سمع الناس جلجلة قيود، وأصوات أغلال؛ وأبصروا. . . فإذا شبح لا يبين. . . حتى إذا اقترب رأوا فيه (أبا جندل) يرسف في الحديد؛ وقد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب جواره الأمان، ويرجو السلام، ويبغي الحياة لله ورسوله. . . فيقبلون عليه بقلوبهم وأفئدتهم. . . وعيونهم تفيض من الدمع
ويدرك النبي الكريم كل شيء؛ وينتفض انتفاضة لا يحسها غير أبي بكر في جواره. فقد كان نفذت منه قوله: (هذا ما عاهد عليه رسول الله سهيل بن عمرو. . .) فماذا هو فاعل في أبي جندل؟
ويرى سهيل ابنه أبا جندل، فيقوم إليه (يضرب وجهه ويأخذ بتلبيبه) والمسكين ينظر إلى رسول الله وينادي:(أأُرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟. . .)
ويخفق قلب النبي الرحيم وتطرف عيناه ويغشيهما الدمع؛ ويغمض جفنيه يحبسه أن يتذارف، وتتراءى له في هذه الإغماضة الخفيفة أنوار (جبريل)، وتنتشر من أمامه صفحات المستقبل ويبرز له يوم الفتح وقد أقبل (سهيل) يطلب جوار ابنه ويحتمي به، ثم تعرض له صورة سهيل بعد ذاك (كثير البكاء، رقيقاً عند قراءة القرآن) وتظهر له الجنة في خاتمة هذا الطواف وأبو جندل وسهيل أبوه إلى جنبيه، قد خرجاً من الدنيا شهيدين فيسري عنه، وتخالط أحزانه ابتسامة حلوة، ويتمتم بكلمات صامتة، ويقول:
(يا أبا جندل. اصبر واحتسب. فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم)
ويخالط الجزع قلوب المسلمين، وتمتلكهم الروعة؛ ويداخلهم الهم لمصير أبي جندل. . . ويقف هذا الشاب يتفرس في الوجوه، وقد اطمأن إلى وعد رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى. . . وتراءت له أيامه القريبة الغر، وقد انفلت من الأسر، وانضوى تحت راية الجهاد. . . وتبرق في نفسه بارقات الأمل، وينصرف بعد أن يقبل يد النبي، ويدس رأسه
في صدره
ويثب عمر بن الخطاب إلى جنبه وهو يقول: (اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب)
ثم لا تكون إلا لحظات. . . حتى يغيب الليل في برده الحالك هذا الفتى الصابر. . . فترتد عنه عيون الصحابة، ولكنها تظل تفكر فيه، وتتبع خطوه، وتتساءل عنه. . . ويسير هو إلى مكانه من البيت، والى موضعه من القيد، وإلى عذابه من المشركين
(القاهرة)
شكري فيصل
الله أكبر! هلكت خيبر!
للأستاذ أحمد التاجي
(خرج النبي من المدينة لغزو خيبر في بقية المحرم من السنة
السابعة وفتحها في صفر)
- 1 -
مر (كنانة بن الربيع) على (حيي بن أخطب) سيد بني النضير فرآه واجماً ينكت الأرض بعود في يده ثم يصعد الطرف بين الفينة والفينة في حصون خيبر
فقال كنانة: أرى هذه القرية قد راعتك بحصونها، وحلت من فؤادك محلاً. طبت نفساً وطابت خيبر!
قال حيي: وكيف تطيب نفسي؟ وهانحن أولاء منذ ثلاث سنوات نعيش في غير أوطاننا مشردين في الآفاق! ونحن الذين بنينا (يثرب) بأيدينا، فأصلحنا أرضها، وأجرينا ماءها، وغرسنا جناتها، وأقمنا حصونها؛ وترانا اليوم ننزل في غير دارنا، ونأكل من غير زادنا، لأن محمداً افتتحها علينا، وأخذها عنوة منا!
لله تلك الأيام العزيزة التي قضيناها هناك أعزاء أشداء!! كنا نقاتل الأوس بالخزرج، ونقاتل الخزرج بالأوس، ونسعر نيران العداوة بينهما ونمدهما بالأسلحة ويمدوننا بأموالهم فما يزالون في تناقص وفناء، وما نزال في نعمة سايغة، وسيادة دائمة.
ولكن جاءنا ذلك الساحر الطريد، ففرقهم عنا ونفر موالينا ولا ندري كيف جمع بين قلوبهم الفائرة، وغسل أحقادهم الثائرة وشفى جراحهم الناغرة، وجعلهم أمة واحدة يأكل بهم يهود والعرب
قال كنانة: ولكنا أحسن حالا من بني عمومتنا فلقد أخذنا من أموالنا ما تحمله دوابنا ونزلنا بخيبر هذه القرية ذات البروج المشيدة فأوينا إلى ركن شديد. أما بنو قينقاع فيا حسرتاه على ما أصابهم، فعندما أخرجوا من المدينة قصدوا (أذرعات) فتناولتهم أوبئة الشام، فما انقضى الحول على نسمة تحت الشمس منهم!
- ونسيت (قريظة) إن قلبي ليطفح بالنيران كلما ذكرتهم! ماذا جنوا حتى يحكم محمد
السيف في رقابهم؟ ويح يثرب! خلت من يهود!
- وكأنك أنت الذي جنى عليهم يا حيي، حركتهم ليثوروا على محمد وينبذوا له عهده. وأطعمك في ذلك اجتماع الأحزاب عليه، ولكنه سرعان ما خذل الأحزاب. وفت في عضدهم، وسرعان ما انقلب محمد على بني عمنا، فشفى غيظه منهم
- أجل؛ وما أردت أن يطعن محمد بخنجرين، أقتلهما الذي يأتيه من وراء ظهره! ولكني كلما دبرت كيداً أبطله بسحره، وكأنه ملهم يوحى إليه!!
- أو تشك في أنه النبي؟! وأنت من أهل العلم والكتاب
- كلا، ما ارتبت فيه. ولكنه جاءنا من العرب وحسبناه من إسرائيل! كيف نتبعه فيعلو به أجلاف الأعراب على أهل الكتاب؟ لا ورب موسى لا نلقى إليه انقياد أبدا، وسنظل على بغضه وحربه حتى نفنيه أو نفنى دون ذلك.
- أتظن الرجل الذي خضعت قريش له وطلبت منه السلام في (الحديبية) ينكسر لنا؟ ما أظنه أسكت قريشاً إلا ليثور علينا وعلى قبائل العرب. أليس هو الذي يقول:
(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا كلمة الإسلام فإذا قالوها حقنوا مني دماءهم)
- ولكن قريشاً لم تقلها
- ستقولها يوم أن يجلب عليها بخيله ورجله، ويخيرها بين الكلمة أو السيف
- ونحن أيتركنا ههنا؟
- أخاله سيتعقبنا
- أو بلغك نبأ؟
- أما من محمد فلا؛ كيف يدري الناس من أمره شيئاً وهو حول قلب؟ إذا أراد أن يحارب شمالاً أتجه جنوباً!
- ومن أدراك إذن بما تقول؟
- إنها رؤيا رأتها بنتك التي تحتي فأولتها
- صفية بنتي! إنها لترى وكأنها ترى بعينيها! ماذا رأت الخبيثة؟
- كأن قمراً من السماء سقط في حجرها
- إنه وايم الحق محمد!
- 2 -
لا هُمَّ لولا أنت ما اهتدينا
…
ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما أبقينا
…
وألقينْ سكينةً علينا
وثبّتِ الأقدام إن لاقينا
…
إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عوّلوا علينا
على توقيع هذا النشيد المطرب، وترجيع صوت الحادي اللين سارت قافلة المسلمين تحت ظلال الراية البيضاء تتبع محمد إبن عبد الله، وما زالت تصعد وتهبط حتى تراءت للعين حصون خيبر شامخة تشق السماء وقد لفها غلس الدجى، وعلى قيد أميال منها وقف النبي يتأملها فوقف الركب معه، فرفع يديه يناجي ربه ويقول:
(اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها؛ ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها)
وأمضى المسلمون ليلتهم على مرأى منها، فلما أصبحوا قام النبي يقول:
(ألله أكبر، الله أكبر، هلكت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)
وانطلق المسلمون يكبرون، وكأنهم كلما رفعوا بالتكبير أصواتهم، بالغوا في إظهار إخلاصهم لبارئهم، وإن من الجبال لما يهتز لتكبيرهم ودعائهم، وإن منها لما يتصدع من خشية الله
فقال لهم النبي: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم)
وخرج عمال خيبر إلى مزارعهم فراعهم جيش المسلمين فرجعوا إلى أهلهم يصيحون:
- محمد والخميس!
وفزعت خيبر وأغلقت أبوابها، وظل المسلمون يحاصرونها ويضيقون عليها. ومن برج مشيد أطل (حيي بن أخطب) على جيش المسلمين فرأى الراية البيضاء في يمين (علي بن أبي طالب) فكأنما رأى ملك الموت يدلف إليه، فقال:
- تبا لكم! ألا فتى غير هذا يحمل اللواء؟
والله ما ذقنا العذاب إلا تحت لوائه؟
أخرجنا من بيوتنا بيثرب، وهاهو ذا جاء يخرب قريتنا!!
فلمحه الإمام يتكلم بصوت خفيض، فقال له:
- ماذا تقول يا عدو الله؟!
قال حيي: وماذا تريدون منا - معشر المسلمين - ألم يكفكم أن أخرجتمونا من ديارنا وأموالنا؟ فجئنا وحططنا رحلنا بهذه القرية، فما كدنا نستنبت ريشنا بعد أن قصصتم أجنحتنا حتى جئتم إلينا بخيلكم ورجلكم، فإلى أي أرض نهرب من شركم؟!
قال علي: ألست يا عدو الله الذي جمعت علينا الأحزاب من كل فج، فصرنا في أضيق من كفة الحابل، ولم تكتف بذلك حتى هجت قريظة فنبذوا إلينا عهدنا في ساعة العسرة فوقفنا بين شقي الرحى. وحسبت أنك بذلك قضيت علينا، ولكن الله ربنا مشتت شملكم، وكتب على أيدينا قتلكم
قال حيي: إنكم لن تصلوا إلينا، فأنتم في الأرض ونحن في السماء، إن سهمكم لن يخرق حجراً، وخيلكم لن تكون طيراً. فامكثوا ما شئتم وإن لنا في كنوزنا وخيراتنا لسعة
قال علي: أتحسب أن حصونكم ما نعتكم؟! إن الذي دك الجبل تحت أقدام موسى هو الذي يخسف بها الأرض. فنلتقي على سواء وكأني بكم يا بني النضير بعد ليال، فطاحت رؤوسكم، وأصبحتم طعمة للطير والسباع فأسلموا تسلموا
قال حيي: لن يأخذ منا وعيدكم شيئا
قال علي: وأنتم لا تعجزون لله، يا خيل الله اركبي!!
واستمر المسلمون أياماً يحاصرونهم، فلما أجهدوهم نزل اليهود إليهم يبارزونهم، فدارت الدائرة عليهم فأسرت رجالهم، وسبيت نساؤهم وذرياتهم
قال علي لحيي وهو مقدم للقتل: أأغنى عنك حصنك شيئا؟ لولا أويت إلى ركن شديد!
قال: وما هو؟
قال: ربك الذي نسيت، ودينه الذي أنزل! ونبيه الذي أرسل!
قال: خذ رأسي إن كانت لك به حاجة
قال: أجل، إن السيف ليضحك حينما يحز رقاب أعداء الله
وتقدم (دحية الكلبي) إلى صفية بنت حيي وقال لها:
تعالي يا ابنة حيي! لقد وجدت فيك عروسي التي أنتظرها فأمسك بيدها، فانفلتت منه كالمهرة العربية وقالت له:
ومن تكون أنت؟
قال: رجل من بني كلب
قالت: لست هناك! مالك وسيدة قريظة والنضير؟!
قال: ومن تنتظرين؟
قالت: القمر المنير!!
قال: أتطمعين في رسول الله!؟ لشد ما خدعتك نفسك، وحدثتك الأماني. أبعد علج من علوج يهود تطمحين إلى الطاهر الطيب؟!
قالت: إن الكريمة كفء الكريم
وسمع النبي بحديثها فاختارها لنفسه زوجا وجعل لدحية بنت عمها. . .
و ($) النبي بعد أيام بها، وهو في طريقه إلى المدينة تحت قبة ضربت لها. فلما انبثق نور الفجر وخرج النبي لصلاته، رأى (أبا أيوب الأنصاري) متوشحاً سيفه قريبا من بيته
فقال له: مالك يا أبا أيوب؟
قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وهي امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك
فقال النبي: (اللهم احفظ أبا أيوب كلما بات يحفظني)
وحدث صفية بذلك فقالت:
ولله يا رسول الله لأنت أعز علي من أبي وأمي وأنا على دينك
- 3 -
وبانت قريش بمكة أخبار الرسول مع خيبر، وتمنت أن تدور الدائرة على المسلمين، فتكفيهم يهود شر قتالهم، وبينما كانوا يرصدون الطرق لعلهم يقفون على خبر يبل غلتهم، ويطفئ أوار غيظهم رأوا قادماً في شملة أعرابي من بعيد فتبينوه فإذا هو (الحجاج بن علاط السلمي)
قالت قريش: هذا لعمر الله عنده الخبر!
قال لهم: وما ذاك؟
قالوا: بلغنا أن القاطع خرج إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز
- بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم
- إيه يا حجاج!
- هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، واسر محمد أسراً، وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم
فصاحت قريش طربا، وقالوا لأنفسهم: قد جاءكم الخبر! وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم
قال الحجاج: فأعينوني على جمع مالي بمكة، وعلى غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك
قالوا: لك ما تحب وترضى، وأعانوه حتى جمع ماله كله
فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر جاء الحجاج وهو جازع وقال له:
- ويحك يا حجاج! ما تقول؟
- أكاتم أنت على خبري؟
- إي والله!
- فالبث على شيئاً حتى يخف موضعي، ثم سار إليه العباس فقال له الحجاج: الخبر والله على خلاف ما قلت لهم، خلفت رسول الله؛ وقد فتح خيبر، وخلفته والله معرسا بابنة ملكهم؛ وما جئتك إلا مسلما.
ولكن قريشا تحسبني لا أزال على دينها فاطو الخبر ثلاثا، حتى أعجز القوم. ثم أشعه، فإنه والله الحق
قال العباس: ويحك! أحق ما تقول؟
- إي والله
- ولكنك كذبت الناس، ودينك لا يسمح بالكذب
- استأذنت الرسول في أن أقول فأذن، وكانت حيلة لأجمع مالي وأخرج من بين أظهرهم إلى غير رجعة. والآن أذهب
- على عين الله
فلما كان بعد ثلاثة أيام تخلق العباس وأخذ عصاه وخرج يطوف بالبيت
قالت قريش: يا أبا الفضل! هذا والله التجلد لحر المصيبة
قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد فتح محمد خيبر وأعرس بابنة ملكهم، وأحرز أموالهم
قالوا: ومن جاءك بهذا الذي تزعم؟
قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلماً، فأخذ ماله، وانطلق لمحمد وأصحابه ليكون معه
قالوا: يا لعباد الله! أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن! أولى له! انفلت عدو الله!
قال العباس: الله أعلم بعدوه ووليه. . .!
أحمد التاجي
من سجل البطولة
روعة التضحية
للأستاذ فريد عين شوكة
(كان للخنساء أربعة أبناء أرسلتهم إلى الجهاد في سبيل الله
فاستشهدوا جميعا في موقعة القادسية فقالت: (الحمد لله الذي
شرفني بقتلهم))
- 1 -
(انتفض أهل السواد على المثنى في خلافة عمر، فهبت الدعوة
إلى الجهاد)
الخنساء:
خبر لافح الشرر
…
ناوح القلب فاستعر
ثارت الفرس ثورة
…
زعزعت كل ما استقر
واستطالت فخربت
…
كل ما شيد أو عمر
سيرى القوم في غد
…
كل ما فيه مزدجر
يوم نسقيهم المنو
…
ن ونرديهم الحفر
ونخلي حصونهم
…
صفصفاً عافى الأثر
يدخل بنوها فيراعون لحالها:
إيه يا أم
الخنساء:
أقبلوا
…
قد غدونا على خطر
صرخ الدين يبتغي الْ
…
عون في الموقف العسر
أما علمتم جنود الفرس كيف بغوْا
…
على المثنى فأجلوه عن الوادي
أحدهم: بلى علمنا
الخنساء:
فماذا صدَّ أنفسكم
…
عن الجهاد وأنتم أهل إنجاد
أخفتم الحرب أن تطغى فأقعدكم
…
حب السلامة عن بذل وإجهاد
كبيرهم:
رحماك يا أم حاشا أن يكون بنا
…
ما تزعمين فإنا خير أجناد
وقد نكون حيال السلم في دعة
…
لكننا في الوغى أشبال آساد
وقد صبرنا لنسعى في مضاعفة
…
من الكتائب لا في بعض أفراد
الخنساء:
فأجمعوا أمركم وامضوا إلى عمر
…
يخمد بكم نزوات الثائر العادي
فإن قتلتم فدار الخلد تجمعنا
…
وإن رجعتم فعود الظافر الشادي
أحدهم:
سينفر اثنان منا
الخنساء: بل جميعكمُ
كبيرهم:
لا حاضر يرتضي ما قلت أو باد
ومن يعولك إن متنا وليس لنا
…
مال تصيبين منه أقفر الزاد
الخنساء:
بَني أصيخوا إن في النفس حاجة
…
سأفضي بها حتى أكون على رشد
لئن كان بغض الحرب منكم مخافة
…
عليّ إذا أصبحت بين الورى وحدي
فلا تحفلوا خوفا وهبو إلى الوغى
…
ففي الله معوان على النوب الرُّبد
يمينا لأنتم مهجة في جوانحي
…
وعين أرى في ضوئها جنة الخلد
أخاف عليكم هبة السوء إن هفت
…
وأفديكم بالروح إن عز من يفدي
ولكنني أرمي بكم دون رحمة
…
إذا ما دعا داعي البطولة والمجد
إذا الوطن العاني أهاب بأهله
…
فكيف تخاف الأم فيه على وُلدْ
كبيرهم:
كفى يا أم ملهبة فإنا
…
سنمضي أجمعين إلى القتال
ونصرع في سبيل الله صرعاً
…
تقَرُّ به السموات العوالي
الخنساء:
وداعاً يا بني ليوم نصر
…
يضوي بالبطولة والجلال
- 2 -
(في ساحة فسيحة يعرض الخليفة عمر جيش المسلمين الذاهب
إلى الحرب)
عمر:
مرحى رجال الوغى شيباً وشبانا
…
حياكم الله أنصاراً وأعواناً
إني موجهكم للفرس
بعض الجنود:
ويلهمُ
…
ومن يشايعهم كفراً وعصيانا
هيا بني العرب هيا
عمر:
بل رويدكم
…
حتى أزودكم في الحرب تبيانا
لا تقتلوا الهرم الفاني ولا تخزوا
…
مسالماً لم يَردُ للحرب ميداناً
ولا تمدوا يدا بالسوء لامرأة
…
ولا تذيقوا طعام الموت صبيانا
الجنود: السمع والطوع
عمر:
فامضوا حول قائدكم
…
واسعوا إلى الحرب أبطالاً وشجعانا
يد العناية تحدوكم وتحفظكم
…
وأعين الله ترعاكم وترعانا
الجند يسيرون منشدين:
مرحىً صراع الردَى
…
مرحىً قراع الخطوبْ
إنا جنود الفدى
…
للوطن المحبوب
أهاب داعي الوطن
…
بنا فلبيناهْ
فغبري يا محن
…
وودعي يا حياه
فكل غال يهون
…
في نصرة الأوطانْ
مهد الشباب الحنون
…
وروحه الفينان
هيا بنا هيا
…
هيا بني العُربِ
نطوي الفلا طيّا
…
إلى رحى الحرب
(تسمع الخنساء بالنصر العربي فتسعى إلى لقاء البشير في دار
الخلافة)
الخنساء: مرحبا بالبشير
البشير:
أهلاً تماضرْ
…
فخر أماتنا وزين الشواعرْ
الخنساء: أنتصرتم؟
البشير: أعز نصر رجوناه
الخنساء:
لك الحمدُ يا مُذِلَّ الأكاسرْ
أيهذا البشير أثلجت صدري
…
بأحب المنى وأغلى البشائر
فتحدث بعض الحديث عن الحر - ب فذكرى الوغى تهز المشاعر
البشير:
قد ركبنا القفار سعياً إلى الفر
…
س كسيل ينصبُّ في الأرض هادر
فبعثنا الهيجاء واستبسل الجند
…
وضجت بنا الجياد ثوائر
واستحر القتال وارتجَّت الأر
…
ض وقد وافت القلوب الحناجر
كم أطيحت فيه الرؤوس قوار
…
يرَ وفاضتْ به الدماء غزائر
ثم دارت رحى المنون على القو
…
م فأهووا كطائر إثر طائر
وانتصرنا فكان نصراً عزيزاً
…
زلزل المدن وقعه والدساكر
الخنساء:
عزت البيد كل أبنائها البُسل
…
سيوف لدى الطعان بواتر
وبنيَّ هل أبلوا بساحات الوغى
البشير:
أبلوا بلاء لا يفيه جزاء
الخنساء:
ومن استطال به الزمان ومن ثوى
…
بين الرجام
البشير:
جميعهم شهداء!
أحد الحاضرين:
لا تفزعي لمماتهم
الخنساء:
لا والذي
…
يبقى وكل العالمين فناء
ليس بأموات فإن مماتهم
…
في نصرة الدين الحنيف بقاء
ما مات من باعوا الحياة رخيصة
…
لله بل هم عنده أحياء
فريد عين شوكة