المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 372 - بتاريخ: 19 - 08 - 1940 - مجلة الرسالة - جـ ٣٧٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 372

- بتاريخ: 19 - 08 - 1940

ص: -1

‌خواطر مهاجر.

. .

تفيَّأ كعادته كل يوم ظلال الكافورة الغيناء من قهوته المختارة على شاطئ النيل الجميل في (المنصورة) بلد الشعر والسحر والجمال والفتنة. وكان مجلسه تحت هذه الدوحة الفينانة أشبه بالعش الناعم قد احتضنه النهر وحنَت عليه الغصون وتنفَّس فوقه الماء بالنسيم الرطب فأصبح للحس الشاعر قطعة من رياض عدْن، أو بقعة من بقاع عبقر! فإذا أضفت إلى جمال المكان وبهجة المنظر، أنس الصديق المخلص، ورقة الجليس المهذَّب، وبشاشة الوجوه النامة عن الود، وعطف القلوب المتآخية في الأدب - جمعتَ في ذهنك صورة مقاربة للحياة الروحية الوادعة التي يحياها هذا المهاجر في زمن روعت الحرب فيه معالم الأرض ومجاهلها حتى ما كان ممتنعاً منها على شرور الإنسان منذ الأبد كأجواء السماء وأثباج البحر وقفار البيد!

مال ميزان النهار وأوشكت جمهرة النادين من الأهلين والمهاجرين أن تنصرف عن مناضد القهوة الحافلة، فلم يبق إلا جماعة هنا وجماعة هناك من الذاهبين إلى (رأس البر) أو الآيبين منها، جلسوا يستروحون من عناء السفر ليستأنفوه بعد الظهيرة؛ وسكت النداء عن النُّدُل فجلسوا يرفهون عن أقدامهم على أبواب القهوة؛ وانقطع الرجاء بمساحي الأحذية وبائعي اليانصيب ومحترفي السؤال فناموا متربصين على إفريز الطريق؛ وهمدت الأصوات والحركات حول المهاجر فاتجه بعينه وقلبه إلى النهر الخالد وقد ظمئ شاطئاه ونشَّ مجراه حتى سحب الملاحون قواربهم على قاعه. هنالك رأى زمر القرويين الوافدين على السوق يملئون الزوارق في المعبَر الذي لم يتغيَّر منذ رآه وهو طفل، فأتبعهم نظرَه الحالم حتى صعدوا درَج الموردة وانسابوا بعصيهم وإخراجهم في شارع فاروق. فلما مروا به على قرب رأى لهم صوراً غير التي عهدها لآبائهم وهو يافع: كان الغالب إلى آبائهم الجسامة والوسامة والسذاجة والصحة؛ وكان بين أبدانهم الوثيقة ولحاهم المرسلة وثيابهم الفضفاضة وعمائمهم الضخمة تناسق عجيب يملأ النفوس مهابة وروعة؛ فإذا حادثتم في شيء من الأشياء، أو عاملتهم في أمر من الأمور، وجدت صفاء القلب مشرقاً في الحديث، وأثر الدين ظاهراً في المعاملة. وكنت تخالط سوادهم أو آحادهم فلا ترى إلا عفة في القول، وصراحة في الفعل، وقناعة بقسمة القدر، ومواساة في محن الدهر، ونية صادقة في أن تكون القرية للكل، والكل للقرية.

ص: 1

ذلك لأن الزورق كان أكثر من الناس، والرضا كان أوسع من الهمِّ، والأمل كان أطول من الحياة!

زِدْ على ذلك أن أولئك الآباء السُّعداء ما كانوا يعرفون عداوة الانتخاب ولا دعاية الأحزاب ولا مكاره السياسة ولا تهاويل الحرب؛ إلا ما كان يقع في أسماعهم الحين بعد الحين من أخبار الحروب بين العثمانلي والمسكوف!

أما فلاحو اليوم فهم كما يراهم ضئال الأجسام قصار القدود مبذوءو الهيئة، يتبيّن الناظر في وجوههم لوائح المرض، وعلى مظاهرهم دلائل الفقر؛ ثم يتمثلهم وهم في طواقيهم الحقيرة وجلابيبهم القصيرة، مسوخاً من تشويه الطبيعة ينسجم فيها خبث الطوية مع قبح الصورة!

لم يرث قروي اليوم عن قروي الأمس إلا الجهل. أما سلامة الصدر وسماحة النفس وعفة الطُّعمة، فيقولون إنها ارتفعت مع البركة من أرض القرية. فالفلاح يكدح ولا ينجح، ويسعى ولا يبلغ. لأن عدد الناس زاد إلى الضعف، وموارده هو ظلت على الضيق؛ وتشوَّفت نفسه إلى متاع الدنيا ويده من محصول عمله أو ملكه صِفْر لشره المرابي وطمع المالك، فاضطر إلى أن يساعد الجهل بالحيلة، ويرفد الحلال بالحرام، ويمزج الطيب بالخبيث؛ وذلك يأخذ من راحته وصحته وخلقه ودينه ما لا يعوضه طب الطبيب ولا وعظ الواعظ.

والفلاح لإخفاقه الغالب وحرمانه المتصل ينفِس على الناجح ويحقد على الغني. ولعله يعاني من حُمَّى الحسد أضعاف ما يعاني من تبريح العلة!

ولقد ركبه الغرور باستفحال الجهل فيه، وألهبه الطمع بإلحاح الحرمان عليه. والجهل إذا طغى خيَّل لصاحبه أنه العلم؛ والحرمان إذا استمر زيَّف في ذهن المحروم معنى الحياة، والشر إذا دأب على معاندة الطبع أفسد في نفس الشرير صلاح الفطرة. فالفلاح الزور ويعتقده الحق، ويفعل المنكر ويظنه المعروف، ويعمل مع الطبيعة في استثمار الأرض ولا يتفق معها، ويعتمد على الله في اكتساب الرزق ولا يتصل به!

والفلاح التام الجهل كالحضري الناقص العلم، كلاهما ضحية من ضحايا الانتقال الاجتماعي في هذا العصر؛ لأن القروي المغرور يحاول أن يكون مدنيِّا، والمدني المفتون يريد أن يكون أرستقراطيِّا، فيقعد بهذا وذاك فشل القدرة دون الغاية، فيعيشان عيش المسيخ المشيَّأ لا يصلح أن يكون في نسيج الكون لحُمةً ولا سَداة.

ص: 2

هذا الفلاح المزيف لا يصلحه تنظيم قريته ولا تجميل داره؛ إنما يصلحه تربية ذوقه وإرهاف حسه. فإن صاحب الذوق يبني الدار الجميلة ويخط الحديقة البهيجة؛ أما فاقده فخليق به أن يجعل القصر زريبة والبستان مزبلة. ووسيلة إصلاح الفلاح التعليم ولا شك. ولكن التعليم وسيلة بطيئة وإن كانت مضمونة. فإذا أردتم سرعة الإصلاح فلم لا تجربون مع التعليم أن تجعلوا مكان العُمَد (كنستبلات) تكون لهم عجرفة الترك وعقلية الإنجليز؟ إن هؤلاء خلقاء أن يُعلموا الفلاح الجاهل بالفعل كيف يعيش؟

(المنصورة)

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌الحديث ذو شجون

للدكتور زكي مبارك

الأستاذ سلامة موسى يتجنى على الأدب العربي - من واجب كل مصري أن يعطف على العروبة والإسلام لأنهما سناد مصر في الشرق - أدوات مدرسية - السوريون في مكاره الاغتراب - الخوف أنفع من الأمان.

درس ينفع

يظهر أن فصل الصيف تعوَّد الجدل والعناد؛ ففي الصيف الماضي كانت جناية الأستاذ أحمد أمين على الأدب العربي، وقد وأدنا تلك الجناية وهي في المهد. وفي هذا الصيف يتجنى الأستاذ سلامة موسى على الأدب العربي، فهل يكون من الواجب أن نوجه إليه التفاتة ترده إلى الصواب؟

ونذكر أولاً أن الأستاذ سلامة موسى صديق عزيز، وأنا لا أتخلى عن أصدقائي، ولا أذكرهم بغير الجميل.

ونذكر ثانياً أن هذه شنشنة نعرفها من أخزم، فقد وقعت بيني وبين الأستاذ سلامة موسى مناوشات كثيرة على صفحات البلاغ يوم كنا زميلين نتحارب بالأقلام ونتصافح بالقلوب.

والحق أن الأستاذ سلامة موسى له على أهل الأدب حقوق، فهو رجلٌ بنَّاء، وإن غلبت عليه الشهرة بحب الهدم، وقد يكون أقدر أدباء اليوم على مسايرة ما يجدّ من التطورات في الأدب الحديث، فهو لذلك صديقٌ روحيٌّ لأكثر أدباء هذا الجيل.

ثم أدخل في صميم الموضوع فأقول:

تحدث الأستاذ سلامة موسى في مقال نشره بجملة اللطائف عن الجهود الأدبية لجماعة من أدباء مصر هم: طه حسين والعقاد والزيات وزكي مبارك.

وهو يرى أن هؤلاء الأباء (لهم هموم ثقافية لا يمكن أن تحرك قراءنا وتحيلهم إلى مكافحين يجاهدون أو يجتهدون لخدمة الأمة، لأنهم في حقيقتهم وشعورهم متفرجون مستمتعون لأنهم يعالجون العاديّات العربية التي تدرس للذة والاستمتاع وليس للمغزى والكفاح)

ذلك كلام الأستاذ سلامة موسى، وهو كلامٌ برَّاق يُزيغ بصائر القارئين، فمن الواجب أن تنقضه من الأساس قبل أن يفعل فعله في القلوب والعقول.

ص: 4

وماذا يريد هذا الصديق أن يقول؟ إن كان يريد القول بأننا لم نلتفت إلى ما في عصرنا من ثقافات ومعارف وفنون فقد أخطأ كل الخطأ، وانحرف عن الصواب أشد الانحراف.

فالدكتور طه حسين الذي شغل نفسه بدرس عصر النبوة والعصر الأموي والعصر العباسي وتحدث عن المعري والمتنبي هو ذاته طه حسين الذي شغل نفسه بدرس طوائف من الآثار الجميلة للأدب الفرنسي الحديث، وهو ذاته طه حسين الذي التفت إلى مستقبل الثقافة في مصر فنشر عنها كتاباً في جزأين، فمن التجني أن يقال إن مثل هذا الرجل لا يعرف غير الهيام بأودية العصور الخوالي.

والأستاذ عباس محمود العقاد الذي شغل نفسه بدرس أشعار ابن الرومي، ومن إليه من أعيان الشعراء القدماء هو ذاته عباس العقاد الذي شغل نفسه بدرس جماعات من المفكرين الذين سيطروا على العقل الأوربي الحديث؛ وهو نفسه عباس محمود العقاد الذي ساير التطورات السياسية في مصر بذهن ثاقب وقلم وثّاب؛ وهو عينه عباس العقاد الذي ترجم لشعراء مصر في الجيل الجديد، فمن التعسف أن يقال إن مثل هذا الباحث لا يعرف غير الاشتغال بالعاديّات الأدبية.

والأستاذ أحمد حسن الزيات الذي اهتم بتأريخ الأدب العربي، والذي عنَّى نفسه بنقد كتاب ألف ليلة وليلة، والذي يحرص أشد الحرص إلى إحياء ما اندثر من آثار القدماء، وهو نفسه أحمد حسن الزيات الذي جاهد أصدق الجهاد في نقل الغُرر من آيات الأدب الفرنسي الحديث، وهو عينه أحمد حسن الزيات الذي عالج المشكلات الاجتماعية بأسلوب يشهد بأنه مجروح القلب من أزمات هذا الجيل. فكيف يقال إن مثل هذا الكاتب لا يعرف غير الطواف برسوم العهود السوالف؟

بقي الكلام عن الدكتور زكي مبارك وهو رجلٌ أُدرك أسرار أدبه بعض الإدراك لأن اسمه يشابه اسمي.

وأعترف بأني أوغلت في دراسة الأدب القديم كل الإيغال، ولكن عذري في ذلك مقبول، فقد أفهمني جماعة منهم الأستاذ سلامة أني قضيت عشرين سنة في الحياة الجامعية، وأن من الواجب أن أقيم الدليل على أني أصلح لأستاذية الأدب العربي والفلسفة الإسلامية، وكذلك خصصت الأدب والفلسفة بجهود لا ينكر قيمتها أحدٌ من المنصفين. . . وهل فسد الزمان

ص: 5

حتى أحتاج إلى الاعتذار عن الأعوام الطوال التي قضيتها في تأليف (الأخلاق عند الغزالي) و (النثر الفني) و (التصوف الإسلامي) و (الموازنة بين الشعراء) و (عبقرية الشريف الرضي)؟

وإلى من أعتذر؟ إلى الأستاذ سلامة موسى الذي أعجب بهذه المؤلفات كل الإعجاب!!

وأنا مع ذلك لم أنس نصيبي من معالجة معضلات العصر الحديث، وقد سجّل الأستاذ سلامة موسى في (المجلة الجديدة) أنه كان يجدرُ بالدكتور زكي مبارك أن يجمع مقالاته التعليمية في كتاب خاصّ لتكون نبراساً يهتدي به المعلمون.

وقد زكَّيت عن الأعوام التي قضيتها في فرنسا بكتاب (ذكريات باريس) وهو كتابٌ يشهد بأني عشت في فرنسا وأنا حادَّ البصر، وافر الذكاء، وهو كتاب يصوّر كثيراً من أزمات فرنسا في هذا الجيل.

والعام الذي قضيته في بغداد صورتُ به في كتاب (ليلى المرضية في العراق) أعظم المعضلات التي تعانيها فلسطين وسورية ولبنان ومصر والعراق؛ ولو أن الأستاذ سلامة موسى قرأ كتاب ليلى لعجب من أن يستطيع الرجل في عام واحد أن يدرك سرائر هذه البلاد، مع أنه كان موظفاً مسئولاً يحضّر في كل أسبوع نحو اثني عشر درساً لفتيان ناضجين هم طلبة دار المعلمين العالية في بغداد.

لا يهمني أن أدفع الاتهام الموجَّه إليّ العقاد والزيات وطه حسين، فلي ولهم أقلام تدفع ما يوجّه إلينا من العدوان بأيسر مجهود حين يشتجر القتال.

وإنما يهمني أن أدفع الشر عن الأدب العربي، فهو ليس أدباً ميتاً، كما يتوهم بعض الناس، وإنما هو أدب يتوثب من قيض القوة والحيوية، وبفضل الأدب العربي بقيت الذاتية الشرقية إلى اليوم، ولولا الأدب العربي لكان الأستاذ سلامة موسى في أيامه هذه كاتباً يرطن في لغة الأرمن أو لغة اليونان!

ومن محاسن الأستاذ سلامة موسى أنه وطنيٌ صادق الوطنية، ومن هذه الناحية أغزوه بلا رفق.

فمصر التي يحبها أصدق الحب لم تَسُد في الشرق إلا بقوتين عظيمتين: هما اللغة العربية والشريعة الإسلامية.

ص: 6

وهل من القليل أن تأخذ بلاد العرب ثقافتها العربية عن مصر؟ هل من القليل أن يأخذ وطن الرسول معارفهُ الدينية عن مصر؟ هل من القليل أن تكون مصر هي البلد الذي صارت العربية لغته القومية الوحيدة وصار الإسلام هو دين الأكثرية الساحقة من أبنائه الأوفياء؟

قد يكون سلامة موسى في دينه أصدق مني في ديني - والله أعلم بالسرائر - ولكن من المؤكد أني أصدق منه في الوطنية، فأنا أحرص على اللغة العربية والإسلام خدمةً لوطني، وأنا أغض النظر عن هفوات كثير لرجال الدين، لأنهم على أي حال من الشواهد على أن وطني له سلطة روحية. وقد تطوع المسلمون في مصر لمعاونة الأحباش أيام محنتهم بعدوان الطليان لغرض وطني الشعور بأن الكنيسة القبطية لها سلطانٌ روحيٌ على عقائد الأحباش.

فهل يغار الأستاذ (سلامة موسى) على الأزهر الشريف كما أغار على الكنيسة القبطية؟ وهل يحب المسلمين كما أحب الأقباط؟

استغفر الله واستغفر الوطن، فالأستاذ سلامة موسى بحق وصدق من أكرم أصدقاء العروبة والإسلام، لأنه بالفعل من مشاهير الكتاب في اللغة العربية.

وإنما أعيب على سلامة موسى أن يكون أقل وطنية من مكرم عبيد الذي يحفظ القرآن عن ظهر قلب ليكون من أفصح الخطباء باللغة العربية.

وإنما أعيب عليه هذا لأني أكره أن يكون السياسي أصدق وطنية من الأديب.

ولنفرض جدلاً أن طه حسين والعقاد والزيات وزكي مبارك لا يشتغلون بغير دراسة الأدب العربي القديم، فما العيب في ذلك؟

وهل من الكثير أن يكون منا عشرة أو عشرون أو ثلاثون يقضون أعمارهم في دراسة ماضي اللغة العربية، وهي اللغة القومية في مصر منذ ثلاثة عشر قرناً؟ وهل تعاب فرنسا وإنجلترا وإيطاليا بأن فيها مئات من الباحثين لا يهتمون بغير درس الذخائر من الأدب القديم عند اليونان والرومان؟

وما رأي الأستاذ سلامة موسى في التوراة والإنجيل وهما من النصوص العتيقة بلا جدال؟

هل يرى أن الاهتمام بدرس التوراة والإنجيل من العبث السخيف بحجة أنهما لا يمثلان

ص: 7

معضلات العصر الحديث؟

وهل يرى أن نحرق جميع ما حفظ الزمن الشحيح من تراث المصريين القدماء؟

الأستاذ سلامة موسى رجل مثقف، فهو يدرك أن العقل الإنساني يتطلع إلى فهم جميع الآثار الإنسانية، وإن قَدُم عهدها في التاريخ. فهل يوجِّه ثورته إلى العرب لأنهم عرب؟

إن كان ذلك فلينتظر، فقد ارجع إليه بعد أيام ومعي وثيقة تشهد بأنه عربيّ الأصل، وفي العرب نصارى ويهود ومسلمون لأن العروبة هي مصدر هذه الديانات الثلاث.

الدنيا كلها تجتمع، ونحن نفترق، مع أننا أحوج من سائر العالمين إلى الائتلاف، والعرب والمسلمون في جميع بقاع الأرض يرون مصر مشرق الأنوار العربية والإسلامية، وأخونا سلامة موسى يريد أن ينزع عن رأس مصر هذا التاج المرموق.

ولو كان سلامة موسى من أرباب المآرب المادية لعذرناه، وقلنا إنه رجل ينتفع من مؤازرة خصوم العروبة والإسلام، ولكن سلامة موسى رجلٌ عفيف القلب والجيب، ولن يترك لأطفاله غير ما ورث عن أبويه الكريمين، فكيف يستبيح أن يسيء إلى سمعة مصر العربية والإسلامية بلا جزاء؟

سلامة موسى من أعز أصدقائي

فهل أرجو أني يراعى خاطر صديقه الأمين حين يتحدث عن صلة مصر بالشؤون العربية والإسلامية؟

إلى صديقي سلامة أُوجِّه هذا الرجاء، ففي الدنيا مكاره تشغلني وتشغله عن مكايدة الصديق للصديق.

وسبحان من لو شاء لهدانا جميعاً إلى سواء السبيل، فإني أو إياه لعلى هدىً أو في ضلال مبين.

أدوات مدرسية!

كان المألوف في مثل هذه الأيام أن ينص أصحاب المدارس فيما ينشرون من إعلانات على ما تمتاز به مدارسهم من جمال الموقع، وكثرة المختبرات وأهلية المدرسين، وحسن النتائج.

ولكن الزمان يأتي بالأعاجيب، فلأول مرة في تاريخ مصر تقول إحدى المدارس في إعلاناتها إنها مزوّدة بمخبأ طويل عريض يؤوي مئات التلاميذ!

ص: 8

هي محنة جديدة لم تخلُ أخبارها من جديد، والله الحفيظ أبَعدَ الحديث عما في المدارس من أفنية وملاعب يجيء الحديث عما في المدارس من مخابئ وسراديب؟

وأنا مع هذا أرحّب بهذه الشدائد، فالأمم لا تضعُف إلا حين يسود فيها الأمان، والأمن نعمةٌ عظيمة جدّاً، ولكنه يغري بالطمأنينة وهي ضربٌ من السكون، والسكون نذير الخمود.

السوريون في مكاره الاغتراب

وهنا تسنح الفرصة للجواب عن سؤال وجَّهه إلينا الأستاذ محمد حلمي وقد لا حظَ أن السوري المسلم والسوري المسيحي يختلفان في النشاط وفي الحظوظ حين يهاجران إلى أحد البلاد العربية؛ مع أنهما انحدرا من بلد واحد ومن جنس واحد، ثم سأل: أيرجع ذلك إلى فروق خفية بين العقلية الإسلامية والعقلية النصرانية؟

وأجيب بأن ذلك لا يرجع إلى فروق ظاهرة أو خفية بين الديانتين، وكيف والإسلام دين جهاد، وهو يدعو أبناءه إلى الكسب والمعاش والاضطراب في بقاع الأرض، على حين تدعو المسيحية أبناءها إلى الزهد في المنافع الدنيوية والتطلع إلى المصاير المأمولة في رحاب السماء؟

إنما برجع السبب إلى أن السوري المسلم حين يفد على أحد البلاد العربية يندمج بسرعة في البيئات الإسلامية بسبب اتحاد الدين: فتنزل عنه وحشة الاغتراب، ويذهب عنه الخوف، ولا يشعر بالحاجة إلى التسلح بالمال، وهو عماد المغتربين.

أما السوري المسيحي فيشعر بأنه بعيد بعض البعد عن المجتمع وهو مجتمع إسلامي، وبذلك تقوى فيه القدرة على الكفاح في سبيل الحياة ليعوِّض ما فاته من الأنس الذي يوجبه اتحاد الدين.

ويظهر هذا لجيَّا حين نتمثل حالة السوري الذي يهاجر إلى أمريكا وهو مسيحي، فإنه في أمريكا أقوى في أي بلد عربي، لأن البلد العربي يوافقه في اللغة وإن خالفه في الدين، أما أمريكا فتخالفه من جميع النواحي وإن وافقته أحياناً قليلة في النحلة المذهبية، وكذلك نرى السوري المسيحي في أمريكا أقوى من أخيه في الشرق بسبب ما يعانيه هنالك من قسوة الاغتراب.

ولن يطول اختلاف الحظوظ بين السوري المسلم والسوري المسيحي في البلاد العربية،

ص: 9

لأن التسامح الديني يزداد من يوم إلى يوم، لأن العروبة تقوى من يوم إلى يوم، وبذلك ينعدم شعور السوري المسيحي بأنه في الشرق غريب، فلا يصل النهار بالليل مكافحاً في سبيل المعاش، اكتفاءً بالأنس الذي يجده من مشاركة الجمهور في العواطف والآمال.

فمن ارتاب في هذا التفسير الفلسفي لهذه الظاهرة الاجتماعية فلينظر حالي في دنياي: فهذا النشاط الذي حيَّرتُ به الناس يرجع مصدره إلى الخوف، وإنما أخاف لأني أشعر بالغربة في وطني ولوفرة ما خلق قلمي من الضغائن والحقود.

اللهم أدِمْ علينا نعمة الخوف فهو أنفع من الأمان، ونسألك اللهم أن توالي فضلك فتهبنا القدرة العارمة على وأد ذلك الخوف، كما نسألك أن ترزقنا الخوف منك حتى لا يكون في أنسنا برعايتك العالية ما يحمل على سوء الأدب مع عبادك، ولله الحمد وعليك الثناء

زكي مبارك

ص: 10

‌خواطر في الحرب

للأستاذ محمد عرفة

يعجب قوم أشد العجب من هذه الأمم المتحاربة، ويرون أنهم أصيبوا بنوبة جنونية، أو بخذلان لم يكونوا ليصلوا إليه إلا بغضب من الله وخزي من الشيطان؛ وإلا فبأي حجة يسفك بعضهم دماء بعض، ويحشدون قوى الطبيعة للقتل والتدمير؟ ألم يكونوا في حياة كلها لين وكلها رفاهية؟ ألم يكونوا سعداء في ظلال الأمن؟ ألم تفتح عليهم بركات السماء، وتدرَّ لهم خيرات الأرض؟

لم تكن لذة من اللذائذ إلا وهي في متناول أيديهم؛ ولم تكن سعادة إلا وهي طوع بنانهم، فتكوا الجنة مريدين، ودخلوا النار عامدين، وهاهم أولاء يصلوْن بحرِّها، ويلفح وجوههم لهب سعيرها.

وفي الحق أن الحجة قائمة والبرهان قوي، لو أن الناس جميعاً يفكرون هذا التفكير ويصدرون عن مبدأ واحد، ويؤمون غاية واحدة.

لكن الواقع أن الناس يصدرون في هذه المشكلة عن مبدأين متناقضين؛ فنظر كل فريق إلى الحياة نظراً يخالف نظر الآخر، وخيل إلى كل واحد أن الآخر مجنون لا يعرف صالحه، ولا يدرك حظه. . .

هذان المبدآن هما: إرادة الحياة، وإرادة القوة: فمن الناس ومن الأمم من يريد من دنياه هذه الحياة، يبغيها ويتوخاها ويحافظ عليها كيفما كانت وكيفما وقعت.

ومن الناس ومن الأمم من يريد من دنياه القوة، فهو يؤثر أن يكون قوياً في الحياة، ولا يعبأ بالحياة إن فقد القوة، وبطن الأرض خير له من ظهرها إذا لم يكن قوياً؛ فإذا رأى مريدو الحياة مريدي القوة يأكلون ويشربون وينعمون، ثم هم يتركون هذا النعيم، ويحلّون أبدانهم لتمزيق القنابل، وإحراق النيران، عابوهم وزروا على أفكارهم ورموهم بالعته والجنون.

وإذا رأى مريدو القوة مريدي الحياة راضين بالحياة غير عابثين بالقوة، خالوهم كلاباً طوقت أعناقهم بالذهب، أو موتى في أكفان من حرير.

فليكف مريدو الحياة عن تفنيد مريدي القوة، وليكفكفوا عبراتهم على من مات منهم، فلعلهم أولى ممن مات بهذه العبرات، وإذا فكروا في لومهم وتفنيدهم فليذكروا قول المتنبي:

ص: 11

لا يعجبن مَضيما حسن بزته

وهل يروق دفيناً جودة الكفن

محمد عرفة

ص: 12

‌من عجائب الاجتهاد!

(لناقد أديب)

قرأت كلمة الأستاذ زكي طليمات في الذود عن مسرحية مفرق الطريق، فسرني والله إعجاب الكاتب بهذه المسرحية، وتسجيله هذا الإعجاب لثالث مرة. وليس أدعي إلى السرور من أن تكون آثار أدبائنا موضع هذا الاهتمام من كتابنا الناقدين، وان يدور الإعجاب بينهم مدار الأنخاب، فتنتفي الشكوك وتختفي الظنون ولا يكون هناك محل لعجائب الفهم أو عجائب الاجتهاد!

ومن الخير أن يكون لي نصيب من هذه الأنخاب، فأسجل إعجابي بالأستاذ طليمات؛ وفيما ذكره عن كانت وبرجسن وإبسن وغيرهم دليل على احتشاده للدفاع عن المسرحية أو عن رأيه الأول فيها.

والأدباء الذين يعرضون للنقد لا يتناولونه من الجانب الهين، ولكنهم لا يسعون إلى التعقيد أيضاً، فإنهم يذكرون مع الأستاذ طليمات أن قصيدة الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد في القمة الباردة ترجع إلى أصول من فلسفة (كانت) في المعرفة. يذكر الأدباء هذا ويذكرون أن أداة (كانت) في الوصول إلى حقائق الأشياء وما وراء الطبيعة هي (الشيء في ذاته) ويذكرون أيضاً أن فلسفة (برجسن) في المعرفة وحقائق الأشياء وما وراء الطبيعة تستعين بالبصيرة

فالمعرفة والوصول إلى حقائق الأشياء وما وراء الطبيعة غاية مشتركة، وإن اختلفت الوسيلة أو الأداة، وليست كما هي في مسرحية مفرق الطريق، هذه الأخيلة الذاوية أو الوجدان الكابي أو الصور المضطربة وإن ظنها البعض من مذاهب التصوف كما يقول الأستاذ ليروي في بحوثه الأخيرة وتعريفه لفلسفة برجسن. والإلمام بالفلسفات شيء، والتطبيق شيء آخر؛ فلو ذهبنا في التطبيق والمنطق لوجدنا أن هذه المسرحية تقوم على أشياء من هنا ومن هناك؛ فهي من (كانت)، وهي من (برجسن)، وهي من (إبسن)، وهي من أشياء أخرى لم يتحدث عنها النقاد ولا المؤلف، لأنه يمضي بينها على غير هدى، ولأن عجائب التحصيل والروية والاجتهاد لا بد أن تخلق عجيبة في عالم الفلسفات، وسبحان من يجمع العالم في واحد. هذه الأشياء الأخرى التي تحدثت عنها فلسفة قديمة يقضي مذهبها

ص: 13

أنه لا يحق لنا أن تستدل على وجود الكائنات بحياتنا الخارجية، وأن العقل الفردي لا يثبت أي شيء خارج نطاق طائفة متلاحقة من الأحاسيس والتصورات والفكرات إلا إذا كانت في نفوسنا؛ فالموجودات لا وجود لها إلا بنا.

يقول بهذا جماعة السوليبزم ويقول به مؤلف المسرحية ص21: (إن الأشياء لا وجود لها إلا بنا)؛ ولا أغض من جهد المؤلف إذا قلت إن مسرحيته (تخريمة) في الفلسفات وتصنيف من حشو التأليف، فمن عجائب الفهم حقاً أن يتظنن بي الكاتب الفاضل وأن يخدعه إعجابه فيمضي إلى تعريف المذاهب الفلسفية وما بين الأستاذ العقاد ومؤلف المسرحية من فروق فيها؛ والأمر لا يحتاج إلى كل هذا العناء لأني لم أتناول غير جانب الاقتباس؛ والأستاذ زكي طليمات يقرر في ختام مقاله أن لا بأس في ذلك، وأن المعاني والأفكار أشياء مبذولة للناس.

وأنا لا أريد أن أخدع القراء بحديثي أو تخدعني الفلسفات بحديثها عما أسلفت البرهان عليه. فأنا لم أختر للمسرحية الرمزية هذه الصعود المثلوجة ولا الطريق المنار يمضي فيه العقل صاعداً؛ وأنا لم أختر هذا المنحدر المظلم يمضى فيه الشعور هابطاً؛ وأنا لم أخترع صراعاً بين قلب يحترق في الظلمة، وعقل يريد أن يمضي في صعوده المثلوجة وطريقه المنار ليحيا في هدوء وعمق وصفاء البحر؛ وأنا لم أدع في ختام المسرحية دعوة الأستاذ العقاد في ختام قصيدته إلى النزول والانحدار - لم أختر لهذه المسرحية كل هذه الأشياء، وإنما اختارها المؤلف نفسه، وتكلم عنها في تبيينه، فرأيت فيها قصيدة القمة الباردة وبيتين من قصيدة (قلبي). . .!

ولقد عملت هذه الأشياء عملها في نفس وعقل الفنانة الباريسية (سوزان جوفروا) فكانت الصورة المزدان بها غلاف المسرحية، وإذا الصورة جبل تغطي قمته الثلوج، ومفرق طريق تقوم فيه شجرة جرداء قد شظف عودها أو (فترت عندها الحياة)، وطريق منار ينتهي بين الثلوج إلى هذه القمة، ومنحدر يمضي في الظلام إلى أدنى الجبل حيث مشاهد الحياة وضرامها. هذا ما فهمته الآنسة الفنانة من المسرحية، صورته بريشتها رمزاً، فكون هذا الرسم من تصميمها وليس من عمل المؤلف دليل على صحة رأيي وليس دليلاً على غيره.

ص: 14

ولكن الأستاذ طليمات يقول في كلمته (وقد شرح المؤلف وضع المسرح في التبيين الذي صنعه للمسرحية ص140 مشيراً إلى رمز الغلاف، ولم ترد في تبيينه كلمة (قمة) ولا (غور) ورأى بعد الذي ذكرته أن الأمر لا يتطلب هذا التعريف، فبماذا تنتهي صعود مثلوجة على جانب جبل؟ ألا تنتهي (بقمة)! وإلى أين ينتهي منحدر على سفح جبل؟ ألا ينتهي إلى (غور)! فالقمم والأغوار يملأ حديثها الأدب العربي والآداب الأخرى، ولا يقابل القمة في الصعود والارتفاع غير الغور في الهبوط والانحدار.

وأريد أن اقف هنا قليلاً، وأقف عند كلام من تبيين المؤلف، ففي مفرق الطريق هذا يتصارع العقل والشعور، فإذا انتصر العقل فقد مضى صاعداً بين الثلوج، وإلى أين؟ أليس لهذا الصعود من غاية، أو ليس لهذا الطريق المنار من نهاية، أليست هي القمة الباردة أو ثلوج الذرى؟

ويقول الكاتب الأديب إن الثلج عند بشر فارس رمز إلى خلاص النفس من ألم الإحساس البشري، وهذا التفسير جزء من كل، لأنه إذا انعدم الشعور بالألم فقد انعدم أيضاً الشعور باللذة، هو انعدام الإحساس إطلاقاً بخلجات الحياة، وهو العقل المجرد في فلسفة (كانت)، لأن انعدام الشعور معناه أن لا قلب هنا، وإنما يوجد عقل موغل في طريق المعرفة، فالمؤلف قد أخذ لنفسه من قصيدة العقاد ما رآه موائماً لموضوعه، ملائماً لصور المسرحية. ولا يعني الكلام شيئاً حين نقول إن المسرحية تدور حول قضايا النفس البشرية، فإن العقل له أثره الظاهر في هذه القضايا، وسبق الكلام على ذلك في مستهل هذه الكلمة، وفي حديث فلسفات

وووأخيراً فإني لم أتناول هذه المسرحية إلا من جانب واحد، هو جانب الاقتباس، ولم أبد فيها رأياً كما أبداه الكثيرون ومنهم الأستاذ طليمات، ولم أتعرض لهذه الرمزية في المصنوعة بعد التحصيل والروية والاجتهاد؛ والأصل في الرمزية أن تنشأ مع النفس وفي التفكير، لأنها التعبير عما وراء الطبيعة، أو ما وراء أفق الشعور، بما تعجز الألفاظ عن إبانته والإفصاح عنه؛ فإذا كان التعبير مستطاعاً، وإذا كانت الألفاظ قادرة أن تؤدي معاني النفس وخطرات العقل في يسر وإيضاح، فلا موجب إذن لهذا الاصطناع.

ولم أر في المسرحية إلا حواراً عادياً، ومعاني لا ترتفع عن أفق الشعور، وصوراً من

ص: 15

الأحاسيس لا تضيق بها الألفاظ، وإشارات لا تجد اللغة عسراً في الإبانة عنها وهي في سعة، لم أجد شيئاً غير هذا، ولكني وجدت أديباً يؤلف ليقال عنه إنه رمزي.

نشأت الرمزية مع النفس ولم تصنع، نشأت في الأدب كما نشأت الواقعية والبار ناسية وغيرها، ومحال أن يكون في استطاعة الكاتب أن يكتب، وأن يكون مجال الإشراق والطلاقة مهيأ له، فيغمض ويبهم ويظلم، ويسعى إلى الرموز والكفايات عمداً وكدِّا، لا اضطراراً ولا فنِّا فيفقد طلاقته الفنية، وإشراقه الوجداني، كما صنع مؤلف مسرحية مفرق الطريق. بينما الطريق أمامه عريض ومتسع وممتد إلى غايات كثيرة في المسرحية الرمزية، وفي استحداث التشابيه والأغراب فيها كما شاء مع لطف الإشارة ورشاقة التخلص؛ وهذا الغموض الذي يلقي ظلاله أحياناً فيبهر ويسحر، وخصوصاً إذا كانت القضية هي قضية القلب والعقل بين امرأة ورجل!، ولا أنسى حديث الرمزية عن المقبرة البحرية للشاعر الفرنسي بول فاليري، وقد ذهب إليه جماعة من النقاد والكتاب يستوضحونه ما استغلق عليهم من معاني هذه القصيدة الرمزية وكلماتها، فكان جوابه لهم أنه لا يملك إيضاحاً ولا إبانة أكثر مما عبر عنه من الكلمات والعبارات في قصيدته.

وهأنذا قد خلصت من ضباب هذا الإبهام أو الإيهام، وما أراني إلا كهذا الإنجليزي الذي كان يسمع عن أشباح هائلة تظهر في الضباب كل صباح، فلما كان ذات يوم نُضبٍّ رأى في طريقه عن بعد شبحاً يروع منظره، وكان كلما اقترب منه تضاءل هذا الشبح حتى إذا ما التقى به لم يكن غير إنسان عادي، عرف في وجهه أحد معارفه!!

ولقد مشيت وسط هذا الضباب وبين حديث الفلسفات إلى مسرحية (مفرق الطريق)، فلما دنوت منها وتبينت سماتها واستظهرت دقائقها، لم أجد شيئاً يروع ويعجب، وإنما رأيت شيئاً عادياً كالذي رآه ذلك الإنجليزي.

(ناقد أديب)

ص: 16

‌على هامش الحرب

الطابور الخامس في القرآن

للأستاذ عبد الرزاق إبراهيم حميدة

- 3 -

أهل الكتاب

أعمالهم والحرب معهم: إجلاء بني قينقاع وبني النضير.

انتقاض بني قريظة في غزوة الخندق. غزو خيبر

نتحدث اليوم عن عداوة اليهود المسلحة بعد دسائسهم وكيدهم للرسول ولدينه ولأصحابه في أوقات السلم:

كان من أول ما فعله الرسول بالمدينة أن عاهد اليهود، وأقرهم على دينهم وأموالهم. ومن عهده لهم كما تقدم: وإن من تبعنا من يهود فله النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وما كان بينهم من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ورسوله.

غير أن هذا العهد الذي يوحد بينهم في السلم والحرب، ويقضي عليهم بالتناصر وبالعيش معاً في أمن وراحة، لم يكن مرعيَّا إلا من جانب محمد. أما اليهود فلم يرعوه إلا مضطرين؛ فإذا سنحت الفرصة تحللوا منه، ورأوا نقضه فرضاً عيهم، (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيلٌ) ومن أمثلة تسترهم على المغيرين ونقضهم بذلك عهدهم للرسول أن أبا سفيان كان قد حلف بعد هزيمة قريش في بدر ألا يمس طيباً حتى يغزو محمداً، ثم خرج لذلك في مائتي راكب من قريش يود لو يصيب من المسلمين دماً أو مغنماً، ونزل على بني النضير المعاهدين لرسول الله؛ وعرفوا غايته، وكان الواجب يقضي عليهم أن يخبروا محمداً بذلك، ولكنهم لم يفعلوا. وسار أبو سفيان حتى نزل ناحية يقال لها (العريض) فحرق نخلها وقتل اثنين من الأنصار، وأحس المسلمون بأمر أبي سفيان فخرجوا للقائه ففر فتعقبوه، فألقى هو ومن معه زادهم في الطريق، وكان من السويق فسميت الغزوة غزوة السويق.

ص: 17

بنو قينقاع

ثم إن يهود بني قينقاع - وهم أول من جاهر بنقض العهد من اليهود - أظهروا ما خفي في نفوسهم بعد بدر، وهددوا الرسول، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، نزلوا في آخرها على حكم حليفهم عبد الله بن أبي، فحكم أن يجلوا عن المدينة، فخرجوا منها إلى أذرعات بالشام.

بنو النضير

ثم جاء دور بني النضير، فإن النبي ذهب إليهم يستقرضهم دية قتيلين مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وهو يحسبهما مشركين، فأظهروا حسن استعدادهم لإجابة طلبة. ولكنهم ائتمروا به ليقتلوه، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة، وأراد أن يقليها على رأس النبي من أعلى الجدار الذي كان مستنداً إليه، فأمسك الله يده، وأخبر رسوله بكيدهم وسلطه عليهم، وفي ذلك يقول الله:(يا أيها آمنوا اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ هَمَّ قومٌ أن يبسُطوا إليكم أيدَيهم فكَفَّ أيدَيهمْ عنكم)

ويقال إنهم كانوا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر المسلمون في بدر قالوا هو الرسول الذي نعته في التوراة؛ فلما هُزم المسلمون في (أُحد) ارتاب اليهود ونكثوا عهدهم، وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالفوا عليه قريشاً، وتلك محالفة تجعلهم خطراً عظيماً على المسلمين لأنهم من المدينة، وفي استطاعتهم التجسس لقريش على المسلمين، وإرشادهم إلى مواطن الضعف في الجيش الإسلامي، وأحسن الأوقات للهجوم، وغير ذلك من أعمال الطابور الخامس.

عرف النبي الكريم بأمر هؤلاء القوم ونياتهم، وسلطه الله عليهم فصبحهم بالكتائب ودعاهم إلى الخروج من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا. وتنادوا بالحرب، فحاصرهم النبي؛ ويقال إنهم استمهلوه عشرة أيام يتجهزون فيها للخروج، وفي تلك الفترة أرسل إليهم المنافقون أنهم ناصروهم إن قاتلهم المسلمون، وأنهم سيخرجون معهم إن أُخرِجوا. فتحصنوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، ولكن الحصار اشتد عليهم، وقعد المنافقون عن نصرتهم وقذف الله الرعب في قلوبهم؛ وطلبوا الصلح، فأبى الرسول إلا الجلاء، فجلوا إلى الشام: إلى أريحا وأذرعات، وجلا آل حيي بن أخطب إلى خيبر.

ص: 18

ونزل في هذا الجلاء والمفئ الذي ظفر به المسلمون، والمنافقين الذي غروا اليهود أكثر سورة الحشر:(هو الذي أخرجَ الذي كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يَخْرُجوا، وظنوا أنهم مانِعتُهِمِ حُصُونهُمْ من الله. فأناهم الله من حيث لم يَحْتسِبوا، وقَذَف في قلوبهم الرعبَ. يُخْربون بُيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار). ثم بين سبب ما حل بهم وما أعده لهم من عذاب النار فقال: (ذلك بأنهم شاقُّوا اللهَ ورسولَهُ ومن يُشَاقِّ الله فإن الله شديد العقاب)

أما المنافقون الذين وعدوا اليهود النصر فحديثهم في هذه السورة قوله تعالى: (ألم ترى إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخْرِجتُمْ لَنَخْرُجَنْ معكم، ولا نُطيعُ فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم لَنَنُصرنَّكم، والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم لَيُوَلُّنَّ الأدبار)

ثم بين حالهم من اليهود وخذلانهم لهم فقال: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالِديْنِ فيها، وذلك جزاء الظالمين)

الأحزاب

لم يترك اليهود فكرة الانتقام من محمد لحظة واحدة، وقد هداهم تفكيرهم إلى أن خير وسيلة للانتقام منه هي تخريب الأحزاب عليه واستئصاله هو ومن معه من المسلمين، فخرج بعض من نزل خيبر من بني النضير إلى مكة، وحالفوا قريشاً عليه، ودعوهم إلى حربه؛ فقالت قريش: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منا، وهو أقرب منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا. فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقالت اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى وأولى بالحق منه. وذلك افتراء على محمد وكذب على الله وعلى التوراة، ولكن الحقد أضلهم أو لعلهم رأوا الغاية التي يرجونها، وهي استئصال المسلمين، تبرر الوسيلة، ولو كانت الكفر بكتابهم وربهم.

ثم ساروا إلى غطفان فأعدوها لحرب النبي، وخرجت قريش وغطفان يريدون المدينة؛ فلما علم النبي بخبرهم استشار أصحابه في الوسيلة التي يتقي بها تلك الأحزاب العظيمة

ص: 19

والجموع المحشودة لاستئصاله. فأشار عليه المسلمون أن يحفر خندقاً في الناحية المخوفة من المدينة، فقبل ولم يكن للعرب عهد به؛ فلما وصلوا حجز بينهم الخندق. ولكن هل اكتفى اليهود بتلك الجموع وحدها؟ إن لهم في المدينة إخواناً في الدين يصح استغلالهم ليكون خطرهم على المؤمنين شديداً، أولئك هم بنو قريظة.

بنو قريظة

هذب حي بن أخطب إلى سعد بن كعب سيد بني قريظة، وصاحب عهدهم، وكان بين سعد وبين النبي عهد أن ينصره إذا حورب كما تقدم، وأن يكون معه على من دهم يثرب، فأغلق سعد بن كعب الباب دون حي، ولكنه استجاب أخيراً لدعوته، ونقض عهده، وانضم إلى الأحزاب، وسمع النبي بذلك فأرسل سعد بن معاذ سيد الأوس وحليف بني قريظة وأرسل معه سعد ابن عبادة سيد الخزرج ليعلما له صدق الخبر، وكان أمر بني قريظة يهمه أكثر مما يهمه أمر الأحزاب، لأن بني قريظة في بلده لا يفصل بينه وبينهم خندق ولا غيره، وخيانتهم في هذا الوقت الحرج تؤثر أثراً بالغاً في جيشه.

ولما بلغ الرسولان بني قريظة وجداهم على أخبث حال من الغدر والخيانة، نالوا من رسول الله بألسنتهم ونقضوا عهدهم، وقالوا لا عهد بيننا وبين محمد. فشاتمهم سعد بن معاذ؛ فقال له سعد بن عبادة: إن ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم عادا إلى رسول الله وأخبراه بما عليه القوم فعظم البلاء على المسلمين، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزلزل المؤمنون زلزالاً شديدا.

وأقام المسلمون على ذلك الحال من الخوف والحذر بضعا وعشرين ليلة، ثم قبض الله لهم نعيم ابن مسعود الأشجعي فجاء النبي مسلماً، وقال له إني أريد مساعدتك وإني رجل واحد؛ فقال له الرسول: خذَّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة، فاستطاع بحسن حيلته تدبيره أن يوقع الفرقة بين الأحزاب. وأرسل الله على هؤلاء ريحاً اقتلعت خيامهم، فعادوا إلى بلادهم من غير حرب، وفي ذلك كله يقول الله تعالى في سورة الأحزاب:(يأيها الذين آمنوا اذْكُروا نعمةَ اللهِ عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وُجنُودًا لم تَرَوْها، وكان الهُ بما تعملونَ بصيرا، إذ جَاءُكم مِنْ فوقِكم) وهم بنو قريظة، (ومن أَسْفلَ منكم) وهم الأحزاب، (وإذْ زَاغتِ الأبصارُ وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظُّنونَا. هنالِك ابتُليَ المؤمنون

ص: 20

وزلزلوا زلزالاً شديداً)

أليس عمل بني قريظة من أخبث الغدر، وأخطر الأعمال؟ وأي فرق بينهم وبين جماعة النازي من الطابور الخامس في تشكوسلوفاكيا وهولندا والنرويج؟ وماذا يكون جزاؤهم من الرسول بعد أن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وأعانوا العدو على حليفهم في أشد الأوقات حرجاً؟ لابد من التخلص منهم سريعاً. ولهذا أمر الرسول المسلمين بعد انصراف الأحزاب ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة. وذهب إليهم وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله الرعب في قلوبهم وطلبوا الصلح، فقال رسول الله: تنزلون على حكمي؟ فطلبوا أن يحكم فيهم حليفهم (سعد بن معاذ) سيد الأوس، فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، ثم نفذ القتل في سوق من أسواق المدينة. وفي عاقبة بني قريظة يقول الله في سورة الأحزاب:(وأنزَلَ الذينَ ظاهروهمْ من أهلِ الكتابِ من صَياصِيهِمْ، وقذفَ في قلوبهمُ الرُّعبَ، فريقاً تقتُلون وتأسِرون فريقاً، وأورثكم أرَضهُم ودِيارَهم وأموالَهم وأرضاً لم تَطئُوها، وكان الله على كل شيء قديرا)

لم يبق من أهل الكتاب - اليهود - إلا أهل خيبر، فرأى الرسول أن يأخذ بالأحوط وأن يستريح منهم بقوة السلاح،. فسار إليهم بعد صلح الحديبية ونزل بساحتهم وحاصرهم فامتنعوا بحصونهم، فشدد المسلمون عليهم الحصار حتى استولوا على حصونهم واحداً بعد الآخر، وطلبوا الصلح، فصالحهم على نصف ما تغله أرضهم على أن تبقى في أيديهم، وللمسلمين أن يخرجوهم منها إذا شاءوا. ثم صالح أهل فدك على مثل ما صالح عليه أهل خيبر.

من هذا نرى أن جماعة الطابور الخامس من أهل الكتاب هم اليهود، وقد قدمنا عملهم في السلم في المقال السابق، أما عملهم في الحرب فهو - كما في هذا المقال - أنهم كانوا ينقضون العهود في أشد الأوقات حرجاً، ويخونون الله ورسوله عندما يكون المسلمون في أشد الاطمئنان إليهم، وفي أعظم الحاجة إلى نصرتهم أو حيادهم، وأنهم دبروا قتل النبي في حين أمنه إليهم وثقته بعودهم.

بقي من الطابور الخامس في القرآن المنافقون وحديثنا عنهم قريب إن شاء الله.

(القاهرة)

ص: 21

عبد الرزاق إبراهيم حميدة

ص: 22

‌نحن وفرنسا

باكون وشامتون

للأستاذ نجيب محمد البهبيتي

قرأت مقال صديقي الأستاذ (عبد المنعم خلاف) الأخير في مجلة (الرسالة). ولقد حمدت له انفعاله لما قاساه إخوان لنا في الدين وأقرباء منا في الدم؛ ولكني أخذت عليه أن هذا الانفعال قد ساقه إلى نوع من الشماتة المؤذية، وإلى نظرة ظالمة في الحكم على أمة لم تبد عيوبها ولم تتضح زلاتها إلا بعد أن حطمتها القوة.

لا مكابرة يا عبد المنعم في أن الحكم الفرنسي في المستعمرات كان صارماً، ولا ريب في أن أسلوب حكام المستعمرات في القضاء على كل ما يمكن أن يصبح بذرة مبشرة بالنمو المؤدي للانفصال عن جسم الإمبراطورية - كان هداماً، وأن محاولات إدماج الممتلكات قد تغلغلت إلى الروح بعد وضع اليد على الجسد، ولكنك نسيت أشياء أخرى، نسيت أن الساسة ليسوا هم الأمة، وإن كانوا يعملون دائماً باسمها، وأن مجموع المحكومين لا يصل إليهم كثير من تفاصيل وسائل الحكام، وما يصلهم منها يصلهم ممزوجاً بالدعاية، مقروناً بأسباب فيها كثير من إسدال ستار صفيق على الحقائق التي يعرفها الساسة ولا يعرفها غيرها.

فهذه الأساليب في الحكم لا تمثل الأمة الفرنسية، ولو خوطبت فيها لأبدى كثير من الناس سخطهم ونفورهم منها؛ ولقد عاشرت الفرنسيين عن كثب وعرفت فيهم المغالاة في تقدير حرية الرأي، ورأيتهم يسمعون بآذانهم ما يقال في ذمهم في كثير من التسامح وسعة الصدر. ولو علمت أن أبناء أحط المستعمرات الفرنسية يعاملون في فرنسا نفسها معاملة الفرنسيين أنفسهم، يستوون معهم أمام القانون، كما يساوونهم في المعاملة وفي القدر الذي يلفونه من احترام الناس أو احتقارهم في غير تفريق بين الألوان والأجناس؛ لو علمت هذا لعجبت ولأدركت شيئاً من الأشياء التي تجعل كل أجنبي ينزل فرنسا يشعر بأن هذا البلد وطن ثان له. ولو عرفت بعد هذا أن فرنسا كانت مأوى جميع اللاجئين السياسيين من كل صنف ومن كل لون، وأن باريس وحدها كانت تؤوي نحو مليون من غير الفرنسيين لزاد عجبك، ولأدركت بعض الأسباب التي تدفع بمن ينتصرون اليوم لفرنسا إلى الانتصار لها على

ص: 23

الرغم مما يعلمون عن مساوئ حكمها في مستعمراتها، لأنهم يعرفون أن هذا النوع من الحكم إنما يسأل عنه فريق من أبنائها لم يستطيعوا أن يطبقوا هذه المناهج من الحكم على الأجانب في أرضهم لما يعرفونه من نفور أبنائها بطبعهم من الاستبداد.

والحكم في كل أمة من الأمم يكاد يتعاقب عليه أبناء طبقة من الطبقات في الجيل الواحد حتى ليصبح أشبه شيء بالحرفة تصطنعها هذه الفئة وتعرف بها فلا تكاد تخرج عنها، وتجدها تتوارث تقاليدها حتى ليصبح تطبيق هذه المناهج والقواعد أشبه بدورة ميكانيكية تؤخذ بها الأجيال المتعاقبة في كثير من أدوار التاريخ. وليس لك أن تطالب الشعوب في مجموعها بالنظر في أعمال الحكام، ذلك النظر الفاحص القائم على الدرس، لأن دون هذه الدراسة العامة ما يشبه الاستحالة العملية؛ وتيار الحياة البشرية، والقدر المتاح لكل فرد من القدرة على تحصيل عيشه وعلمه الأشياء يخضع دائماً لحاجاته ومواهبه؛ فليس لإنسان أن يسأل أمة من الأمم مهما بلغت ثقافة أبنائها: لماذا لم تعرفوا عن حكم حكامكم لكم ولغيركم ما يجعلكم في حل من إقصائهم عن الحكم إذا ما أساءوا السيرة لأنهم إنما يعلمون الأشياء في نطاق وسائل تحصيل الأخبار المتاح لهم؟

ومع هذا كله فإني لست لأبرئ الفرنسيين من أخطاء الحكم التي اقترفها حكامهم في الأراضي التي نزلوها، ولست أعصم هذه الأمة من الزلل، ولكني أتحدث الآن وفي نفسي ذكرى ماثلة لذلك التسامح الذي كنت أشهده بينهم في كل نواحي الحياة، وذلك النفور الثائر الذي كنت أراه منهم حين يحس أحدهم ظلماً يقع عليه أو على غيره. ولا زلت أشعر بتلك الطيبة الفياضة فيهم. لا زلت أذكر هذا وأنظر على ضوئه إلى الأشياء، ثم أحكم وإن كنت لا أزال أدع في جانب من نفسي مجالاً للضعف البشري، ولتلك الحاسة الحيوانية التي تأخذ بخناق الإنسان مهما ارتقى ومهما سما حين تهيج بنفسه غريزة الإحراز أو غريزة التملك.

فهؤلاء القوم في استعمارهم، وفي محاولاتهم الإدماج المادي والروحي للأمم التي كانوا يحكمونها، إنما كانوا مقلدين لغيرهم، وإن كانوا أفرطوا في التقليد. كانوا يقلدون في هذا أمة عزيزة علينا. ولا أظنك تجهل من أقصد؛ فإن العرب قد طووا تحت جناح الدين كل الأمم التي حكموها، وكان الدين يأمرهم بهذا ويأمرهم بالتسوية بين أبنائه. ولكن عوامل الضعف البشري والدين إنما نزل لتهذيبها أخذت تقوى على الأيام فاستيقظت العصبية، وانبعثت

ص: 24

الفوارق الجنسية، رغم ما سعى إليه الدين من إزالتها. وعاد البشر بشراً يمزقون عنهم ذلك الثوب الملائكي الذي رسمه لهم المثل الأعلى للدين الكريم. وانقلبت تلك الحياة الرتيبة التي كان يحياها المسلمون إلى حياة مضطربة صاخبة تطاحن فيها الأجناس تطاحناً أدى إلى انحطام الأمويين أولاً ثم البرامكة وغيرهم بعد ذلك. لا أريد أن أطيل في هذا فقد تعلم منه ما أعلم، وإنما ذكرت لك ما ذكرت عن طريق المثل. فالبشر هم البشر؛ وما الأديان وما تلك المدنيات إلا خطوات في طريق تقدم الإنسان الخلقي والمثالي يحقق كل منها على الأيام قدراً يتفاوت قوة وضعفاً، ولكنه من غير شك خطوة في طريق الكمال المجهول الذي تشرئب إليه الإنسانية وتطمح إلى بلوغه يوماً.

ولو كنا نحن الحاكمين لما حكمه الفرنسيون لما كنا خيراً منهم، فإن مبدأ حكم الأمم في ذاته مأزق يجر إلى مآزق.

لذلك قد يكون من الخير أن نترك هذه الناحية من نواحي أخلاق الأمم، وهذا الوجه من وجوه مدنياتها، لأنهم يتساوون فيه جميعاً، إلى غيره من صور المدنية لتعلم كم تركت هذه الأمة في تراث البشرية، وكم رسمت لها عن طريقي النظر والعمل من سبل لبلوغ غاياتها من الكمال والمثُل.

ويظهر أنني لست في هذا مبتدعاً ولا مبتكراً، ولكنه الطريق الفطري الذي يندفع إليه كل الناس بغرائزهم في الحكم على الأمم التي تركت أثراً في التاريخ. وليس أدل عليه من ذلك الشعور العميق من الحزن القائم الذي أحس به الناس حين كانوا يقرءون كل يوم خبراً عما كان ينزل بفرنسا. ولم يقم بهذه الحركة الشامتة وهي الحملة على فرنسا إلا قوم يخيل إليّ يا عبد المنعم أنهم لم يتبينوا حق التبين ما يجري في نفوسهم، ويخيل إليّ أن بعضهم لم يكتب ما كتب مخلصاً لفكرة أو مؤمناً بحقيقة.

إن الفرنسيون قد قادوا الأمم قيادة عملية إلى تحقيق قسط ضخم من الرخاء النفسي الذي تستمتع به الإنسانية اليوم. ولم تكن الثورة الفرنسية التي سالت فيها دماء فرنسا بغزارة إلا إحدى المحاولات الجبارة لدفع طبقة من الطبقات إلى الاعتراف بحقوق الإنسان، بعد أن عاش غالب البشر عبيداً يلهو أقلهم بآلام أكثرهم، ويسخر مجهوداتهم لترفه. وقد تكون هذه النعمة التي تستمتع بها أنت وأستمتع بها أنا من الحياة والتفكير الحر اليوم أثراً من آثار

ص: 25

جهادهم ونضالهم. فهلا رأيت في هذا شيئاً يسيل من عينيك دمعة حرى على نكبتهم؟

هل ترى لأمة أخرى في التاريخ الحديث مثل هذا الفضل؟ إن الإنجليز كانوا يستمتعون قبل الفرنسيون بنوع من الحكم الدستوري الحر لم تستمتع به أمة أخرى، وقد ثاروا على ملوكهم قبل الثورة الفرنسية مرات حتى استخلصوا من بين أنيابهم حقوقهم، فهل سمعت عنهم قبل الثورة الفرنسية أنهم طالبوا الأمم غير أمتهم بهذه الحقوق المقدسة؟ لم تسمع لهم في هذا صوتاً، ولكن الفرنسيين يوم حصلوا على هذه الحقوق قاموا يدعون بها ويبشرون ويضجون، وكأني بسيل دمائهم يفيض على الدنيا فيوقظ النفوس الراقدة، وينبه الأمم إلى حقوقها.

هذا شيء من تراث النفس الفرنسية؛ أما ثمرات عبقريتها في حضارتنا المادية فقد تعلمها خيراً مني. فتقدم الإنسان الآلي قام بقسط من خَلقه العقل الفرنسي؛ ورقي الطب كان أكثره على أيدي الفرنسيين، وتلك الثروة الهائلة من الإنتاج الأدبي الرقيق هي من ثمار العقل الفرنسي.

كم وددت لو أتيح لكل من هؤلاء الشامتين بفرنسا أن يحيا فيها زمناً لينظر كيف يعمل الناس في صمت، وكيف يعملون كالنحل دائبين، كأنما العمل الدائم الدائب فيهم موهبة مخلوقة وغريزة متوارثة. لو رأيت هذا مثلي لأدركت حقاً أن بعض الأمم تعيش كما تعيش الطفيليات عبئاً على غيرها.

لو شهدت متاحفهم، وتلك اللوحات التي تصور بألوانها وظلالها جمال النفس وحلاوة الروح، لأدركت أنك أمام أمة ممتازة لا تملك إلا أن تحبها، لأن الإنسان بفطرته يحب ما يمتاز وما يعطيه فكرة عن أسمى ما في كيانه.

ولو شهدت معي في فرساي (قاعة الوقائع) ورأيت سلسلة الانتصارات التي أحرزها هؤلاء الناس في ماضيهم، وأحسست بما تتركه هذه الصورة في نفسك من تاريخ هذه الأمة وفي نفس الطفل وفي تربيته، لوقفت على شيء من عظمة هذه النفس وعبقريتها.

وبعد فإن سقوط الأمم لهواً من اللهو، ولا تسلية يزجي بها الوقت، ولكنه حادث جليل تخضع النفوس له إجلالاً وتخشع القلوب منه رهبة؛ فإذا كانت الأمة المحطمة قد تركت في حياة الناس أثراً، وفاضت عليهم من نور روحها شعاعاً، فهي أولى يومئذ بأن تسكب في

ص: 26

سبيلها الدموع ولو كانت عدواً؛ فما أنبل أن تخشع في حضرة عدوك يوم يسقط صريعاً عند قدميك!

نجيب محمد البهبيتي

ص: 27

‌السير جمس جينز

أمير الفلك في القرن العشرين

للأستاذ قدري حافظ طوقان

لا يستطيع أحد من الذين يعنون بالعلوم الطبيعية والفلكية تبسيط بحوثها إلا إذا كان مالكا لناصيتها ضليعاً في اللغة واقفاً على أسرارها. فليس من السهل تقديم الموضوعات العويصة في قالب خال من التعقيد والغموض، كما أنه ليس من السهل أيضاً وضع النظريات والقوانين الكونية وما يتصل بها من ظواهر وحركات في أسلوب يستسيغه أصحاب الثقافة العامة وجمهور المتعلمين.

قد يتمكن الفلكي من أن يكتب مقالاً في النظام الشمسي لأمثاله من الذين يهتمون بالفلك والطبيعة، وقد لا يجد في ذلك صعوبة أو مشقة، ولكن إذا أراد أن يكتب للناس وللذين لا يعرفون شيئاً في الفلك، فهنا يجابه صعوبة وعناء في تقريب هذا البحث إلى أذهان القراء وجعله في متناول أفهامهم، وليس من الهين التغلب على هذا العناء وتلك الصعوبة.

ولهذا، فقليلون هم الذين يوفقون في عرض بحوث العلوم الدقيقة والعويصة (كالفلك والرياضيات والطبيعيات) في لغة سلسلة سهلة المأخذ بعيدة عن الغموض والإبهام.

ولقد امتاز السير جيمس جينز في هذه الناحية فبرز على غيره من علماء هذا العصر. ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنه أول من استطاع أن يقرب بحوث الفلك إلى الأذهان، وأول من حبب الناس في الفلك وموضوعاته.

وضع العلماء كثيراً من المؤلفات الفلكية التي تتناول النظام الشمسي والنجوم وحركاتها وما يجري في الكون من ظواهر.

ولكن هذه الكتب خاصة بطبقة الذين يدرسون الفلك أو الذين يهتمون به، لا يجد فيها غيرهم متاعاً أو لذة. وجاء في هذا القرن السير جينز وخط طريقاً جديداً مبتكراً في التأليف فأخرج كتباً فلكية وجد فيها الناس على مختلف ميولهم العلمية متاعاً ولذة وطرافة وفائدة، فكثر الإقبال عليها وذاع صيته ودعته الإذاعات اللاسلكية لتحقيق رغبة الجمهور في إذاعة أحاديث فلكية لاقت كل الإقبال وجرى على طريقته بعض العلماء فحاولوا أن يبسطوا العلوم الطبيعية فوفقوا في ذلك بعض التوفيق، ولكن لم يصلوا إلى درجته من حيث

ص: 28

العرض والسلاسة. . .

ولد جينز في لندن 1877 وتعلم في جامعة كمبردج وحصل في أثناء دراسته على جوائز علمية عديدة.

درّس الرياضة التطبيقية مدة في جامعة كمبردج، وكان أستاذاً للرياضيات في جامعة برنستون.

وفي سنة 1919 عين سكرتيراً للجمعية الملكية.

إن السير جينز رياضي من الطبقة الأولى، وقد استطاع أن يسخر الرياضيات في العلوم الفلكية والطبيعية وخرج بنتائج رائعة لم يسبق إليها. أتى ببراهين رياضية لنظريات (حركة الغازات ولقانون ماكسويل في سرعة الذرات.

وأوجد معادلة حسب منها الطاقة التي تصدر عن الأجسام السوداء.

بحث في الإشعاع والكهارب، واستعمل القوانين الرياضية في الفلك فوصل إلى نظريات مبتكرة زادت في ثروة العلم الحديث زيادة أدت إلى تقدم الفلك وما يتصل به من فروع الطبيعة.

بيّن جينز أن نظرية (لابلاس) في النظام الشمسي غير صحيحة، وأتى ببحوث جديدة في النجوم ونشوئها وفي الجاذبية وما إليها. كتب في النجوم المزدوجة وفي أصل السدم اللولبية. وله نظريات جديدة في ألوان النجوم وأقدارها، وفي الأقزام البيضاء والمردة الحمراء والطاقة النجومية ونشوء النظام الشمسي والكوني ومولد السدائم وجفولها. وله آراء مبتكرة في عمر الكون واتساعه. ولهذه البحوث والآراء الأثر الكبير في تقدم علم الفلك الحديث. ولا أكون مبالغاً إذا قلت إن الفلك (في هذا العصر) قائم على مآثر جينز وعلى جمعه بين الفلك والطبيعة والرياضة، فلولا هذا الجمع لما توصل إلى هذه النتائج الباهرة لتي توصل إليها.

إن مآثر جينز لا تزال (وستبقى) منهلاً ينهل منه العلماء من مختلف الأقطار. ولا تجد كتاباً حديثاً في الفلك يخلو من نتائج جينز كما أنك لا تجد مؤلفاً لا يعتمد على آرائه ونظرياته ونتائج تجاربه وأرصاده وحساباته في الموضوعات الفلكية والطبيعية.

ألّف جينز في الغازات وفي النظريات الرياضية التي تتعلق بالكهرباء والمغناطيس ووضع

ص: 29

كتاباً في مسائل الديناميكا السماوية وله بحوث وآراء في الإشعاع ونظرية الكم وأيضاً عنى بوضع الكتب الفلكية ككتاب (العالم حولنا) وكتاب (النجوم في مسالكها) وغيرهما.

وقد بسط في هذه الكتب خلاصة ما انتهى إليه العلم الحديث في الكون وأنظمته والقوانين التي تسيطر عليه وما يتصل بها من نظريات النسبية والإشعاع والطاقة. وقد لاقت إقبالاً منقطع النظير، وبلغ متوسط المبيع منها كل يوم إبان ظهورها فوق الألف. تناول فيها بحوث النظام الشمسي والكون، وهل هو محدود أو غير محدود، متمدد أو منقبض. وكذلك تناول تركيب الذرات وتولدها وانحلالها والنجوم وما يتعلق بها من أقدار وألوان وحرارة وعدد وحركات. وحين وضع كتبه هذه فرض أن القراء ليس لديهم معرفة علمية سابقة، ولهذا عمل على عرضها في أسلوب استهوى به المتعلمين والمثقفين، وتمكن بذلك من إطلاع الناس على شيء من سحر علم الفلك الحديث وعلى شيء من عجائب الكون.

وفي مقدمة أحد كتبه (وهو كتاب النجوم في مسالكها) - وكان قد أذاع بحوثه في إذاعة لندن - ورد ما يلي: (. . . والكتاب الذي بيدك يحتوي على هذه الأحاديث متوسعاً فيها إلى ضعف طولها الأصلي. ولا تزال في أسلوبها ولغتها كالأحاديث اللاسلكية - بسيطة لا تكلف فيها ولا صعوبة فنية، فالكتاب لا طموح فيه إذ لم يقصد به سوى أن يكون مقدمة لأوفر العلوم حظاً من الشعر. مقدمة سهلة مقبولة غير مثقلة بالجد. . .) أي غير مثقلة بالمعادلات والحسابات.

وهكذا سار في بعض كتبه (التي وضعها للناس) والتي قصد منها وقف جمهور المتعلمين على خلاصة ما انتهى إليه العلم الحديث من أسرار وروائع وأعاجيب. وقد يلذ للسامع أن آتى له على نموذج من كتابات جينز الفلكية، ولعله من المستحسن أن أروي قصتين، إحداهما في نشوء الكون، والثانية في تكوين النظام الشمسي.

لقد علل نشوء السدائم ومولدها تعليلاً لم يسبق إليه ركب منه قصة ممتعة أخاذة سماها: (قصة نشوء الكون). وقد رجع إليها فلكيو العالم واعتمدوا عليها في بحوثهم، وهي كما يلي: (. . . سنبدأ عند مبدأ الزمن حين كانت جميع الذرات المقدر لها أن تكوّن الشمس والنجوم والأرض والسيارات وأجسامكم وأجسامي وأيضاً جميع الشعاع الذي انصب من الشمس والنجوم منذ ذلك الحين. سنبدأ حين كان ذلك كله مختلطاً بعضه ببعض ومكوّناً كتلة من

ص: 30

الغاز فوضى تملأ الفضاء كله. ولما كانت جاذبية كل قطعة صغيرة من الغاز تؤثر في جميع القطع الأخرى فإن تيارات تنشأ بالتدريج. وأينما أحدثت هذه التيارات تدمعاً طفيفاً من الغاز ازدادت قوة الجاذبية، فأخذ كل من هذه المتجمعات الصغيرة يجذب نحوه مقداراً آخر من الغاز. إن الطبيعة تتصرف طبقاً لقانون (من كان يملك شيئاً أعطى زيادة)؛ فالقطع الناجحة من الغاز تنمو إلى تكاثفات ضخمة تزداد باستمرار على حساب القطع الخائبة حتى تبتلعها في النهاية. وكما اتخذت الأرض والشمس والسيارات أشكالاً منتظمة تحت تأثير الجاذبية، فإن هذه التكاثفات تبدأ الآن تتخذ أشكالاً منتظمة فتكوّن ما قد سميناه سدائم منتظمة الشكل. وتأتي التيارات الغاوية التي أوجدت هذه السدائم فتحملها الآن على الدوران، فلا تكون كرية الشكل تماماً بل يكون شكلها في مبدأ الأمر كالبرتقالة مثل أرضنا الدوارة. وكلما ضمرت تغيرت أشكالها باستمرار، وازداد تفرطحها ازدياداً مطرداً. ثم نعود فنرى الغاز الذي عند حوافها الخارجية يتكاثف إلى مدائن نجومية تكون عند ولادتها مفرطحة وتظل مفرطحة بسبب دورانها. . .)

ثم يأتي إلى قصة تكوين النظام الشمسي، وهي كما يلي:(. . . يقترب من شمسنا نجم اقتراباً لم يسبق لأي نجم آخر قط أن اقتربه؛ فينشئ فيه من قبل - مدوداً كجبال عظيمة غازي ناري تسير فوق سطح الشمس. وأخيراً يزداد اقتراب النجم الثاني من الشمس بحيث لو كان شخص واقفاً على سطحها لبدا له ذلك النجم مالئاً جزءاً كبيراً من السماء، وبينا هو يقترب هكذا تصير قوة جاذبيته من العظم بحيث تنتزع قمة الموجة المدّية من الشمس وتتكاثف ذاتها قطرات. هذه القطرات هي السيارات والأرض واحد من أصغرها، وهي في أول الأمر تكون كتلة فوضى من غاز ناري لكنها تأخذ تبرد فيستحيل وسطها إلى سائل، ثم تصير بمرور الزمن إلى درجة من البرودة تتكون معها قشرة صلبة على سطحها، ثم بعد ذلك إذا ما ازدادت برودتها يبدو على هذه القشرة الصلبة ظاهرة جديدة عجيبة: تأخذ طوائف من الذرات تتحد فتكون هيئات منظمة متماسكة من النوع الذي لمّا نعرف شيئاً عن طبيعته ولا عن الطريق التي ظهر بها أول مرة في الوجود سميناه بالحياة. . .)

(نابلس)

قدري حافظ طوقان

ص: 31

‌6 - إلى أرض النبوة!

للأستاذ علي الطنطاوي

أبصرنا الشمس وهي تغيب في آخر السهل، ورأينا سواد الليل يمتد حيال الأفق الشرقي، ونحن لا نزال في أعالي الجبال المطلة على تبوك، والفضاء الأرحب الذي يحيط بها فتنازعنا الرأي واختلفنا: أنبيت مكاننا فنهبط تبوك مصبحين، أم نصبر على ما نجد من السغب واللغب، ولا نبالي الليل وظلمته، ونتّم طريقنا إليها، فننام فيها نوم الآمن. . . وطال الخلاف ولم يكن علينا أمير منا، مع أن ذلك من السنة، واليمن والبركة فيه. فقطعتْ سيارتنا كل قول حين أخذت طريقها هابطة، وتبعتها السيارات بلا جدال، وكان ضوء السيارات وهي فوق الجبل متوجهة إلى تبوك يبدو قوياً منظوراً، وكان أمير تبوك على علم بقدومنا، فبعث إلينا بسيارته تستقبلنا وتهدينا، فعرفناها بضوئها، فتبعناها حتى بلغت بنا السهل، ثم أوصلتنا البلد، وقد كاد ينتصف الليل. . .

وصلنا البلد على حال لم نكن نملك معها ملاحظة ولا نظراً، ولقد شغلنا ما نجد من الجوع والتعب عن أن نبصر المدينة، أو نرى مسالكها، وما عرفت إلا الدار التي أنزلونا فيها، وليست داراً كالتي عرفنا في القريات، ولكن بناء حضري واسع منظم، مبني على طراز فني مقبول، ذو ردهات وغرف وأبهاء، فأدخلونا بهواً فيه، مفروشاً بالبسط والوسائد و (الطراريح). استقبلنا فيه الأمير (السديري) وهو شاب مهذب، على غاية من اللطف والنبل والرقة ودقة الملاحظة، وقد علمت أنه من أنسباء جلالة الإمام (عبد العزيز) أعزه الله. فلما استقر بنا المقام ووجدنا بعض الراحة، أحببت أن أقوم فأجول في القصر، فلما خرجت من البهو عرض لي أحد العبيد وهم كثر في القصر، فقال لي: من هنا. فتبعته وأنا لا أدري إلى أين يسير بي، حتى انتهى إلى باب، فأشار إليه وتخلَّى عنه، فدخلت، فإذا أنا في حمَّام ما ظننت أني ألقى مثله في دمشق، له ظاهر وباطن، وفيه الماء البارد والحار والرشَّاش (الدوش) والمناشف معلقة والصابون مهيأ، فدهشت وفرحت فرحاً ما أفرح مثله لو أعطيت مائة دينار، مع أني لم أرها قط ولم تحتوها يدي إلى الساعة التي أكتب فيها هذه الكلمة. . . فعدت فاستخرجت من حقيبتي ثوباً نظيفاً، ولم أرض لثيابي التي كانت عليّ إلا بيت النار - أحرقتها وأبيك - ودخلت الحمام وأنا أنظر إلى الباب أخشى أن ينزل علي من يشاطرني

ص: 33

في هذه النعمة أو ينغّصها عليّ فلا أهنأ بها، وأقبلت أصبّ على جسمي من الماء الحار فأحسّ له بعد هذا التعب بما تحس الأرض اليابسة هطل عليها المطر. . حتى إذا انتهيت عدت إلى أصحابي بوجه متورد، وثياب نظيفة. فجنّ جنونهم عجباً ودهشة، ولكن وجود الأمير أمسك ألسنتهم؛ فلما جلست أفضيت إلى جاري بالأمر فتسلل من مكانه إلى الحمام، وما زالوا يذهبون واحداً بعد واحد حتى اغتسلوا جميعاً. وكان إعداد الحمام أول ما شهدنا من لطف الأمير السديري - أمير المدينة المنورة الآن - وتهذيبه. . .

فلما انتهوا وكان الهزيع الأخير من الليل دعينا إلى المائدة، وكان فيها الخروف (المعهود) برأسه. . . ولكن حوله ألواناً من الخضر كالفاصولياء والباذنجان والطماطم موضوعة في أطباق صغار، وعلى المائدة الملاعق لمن شاء، فجلس الأمير وجلسنا، وأكلنا أكل من لا يخشى البشم!

ولم نفق إلا في ضحى الغد، فأفطرنا ورأينا البلد، فإذا الدار التي نزلناها مستشفى كبير كان العثمانيون قد أقاموه عندما مدّ الخط الحجازي، وأمامه رحبة واسعة جداً، ويقابله من آخر الرحبة المحطة العظيمة، وبينهما على يسار من يقف على باب المستشفى ويستقبل المحطة بساتين النخيل تتخللها البلدة، وهي ستون بيتاً، فيها مسجد كمسجد القريات، وفيها قصر الإمارة؛ والبساتين تسقى من عيون ثلاث بارك الله فيها إكراماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، على ما هو مقرر في كتب المغازي.

هذه هي تبوك ومن حولها الصحراء وهي نصف طريق المدينة.

ذهبنا نزور الأمير في قصره الزيارة الرسمية، فدخلنا منزلاً صغيراً جدرانه من الطين، لا يختلف عن منازل الفلاحين في القرى الفقيرة من قرى الشام، فصعدنا درجاً ضيقاً ملتوياً إلى ردهة صغيرة تطل على أرض الدار، ولها داربزين من خشب عادي ليس فيه زخرفة ولم يَعله صبغ، قم ولجنا غرفة ضيقة لم تكد تسعنا في صدرها مكتب صغير، وليس فيها إلا مقاعد من الخشب وكان الأمير وراء مكتبه فنهض لاستقبالنا بلطفه الذي وصفت.

وكنت قد أبصرت على الدرج وفي أرض الدار، وفي الردهة العالية عدداً عديداً من العبيد، فعجبت من كثرتهم ولم أدر ما عملهم، فلما قال الأمير بصوت منخفض: قْهَوَة. سمعت العبد الذي يقوم على رأسه يقول بصوت ارفع: قهوة، فيقول الذي على الباب: قهوة. فيصرخ

ص: 34

الذي في الردهة: قهوة. فينقلها الذي على الدرج، ثم الذين في أرض الدار، حتى يبلغ الصوت صانع القهوة. وكانت تلك عادتهم ولكما لم نكن نعرفها، فما راعنا ونحن نسلم على الأمير ونتحدث إلا ستون قهوة. . . قهوة. . . بأصوات كالصوت الذي ذكره ربنا في القرآن، تخرج متعاقبة متلاحقة كصراخ الجن، لا يفهم منها شيء. فلم ندر ماذا حدث، وعملت المفاجأة عملها في نفوسنا، فمنا من صاح، ومنا من ابتدر الباب، ومنا من سقط على الأرض، ومنا من وضع يده على سلاحه. . . وكان الأمير مبتسما مسروراً من هذه الدعابة. . .

وليس كثيراً أن نحمل في سبيل القهوة هذا الفزع، فإن للقهوة عند العرب اليوم من الشأن ما يقل معه كل تعب ينال من أجلها، ولها عندهم قواعد قوانين لا معدل عنها ولا ترخيص فيها، فمن قوانينها أن البن يدق بالهاون دقاً حتى يسمعه الضيفان فيهرعوا إليها، ولا يجوز أن يطحن طحناً لأن ذلك من اللؤم، وأنهم يتخذون لها أواني كثيرة يصبون القهوة من إناء إلى آخر ليصفوها ويرققوها، ويسمون كل دلّة من هذه الدلال باسم، فهذه العروسة، وهذه الأم. . . ولقد رأيت عند أمير تبوك أكثر من عشرة أوان (دلال) كلها مملوءة، والساقي يحبها حباً شديداً، ويراها في معدلة أولاده. . .

وهم يخلطونها بحب الهيل، ويضعون قطعة من الليف في فم الدّلة تقوم مقام المصفاة، فإذا نضجت القهوة قام الساقي فأخذ الإناء باليسرى وقدم الفناجين باليمنى، ويرون تقديمها باليسرى كما يفعل الشاميون إهانة للضيف قد تجر إلى سفك الدم والعياذ بالله تعالى. . . فيأخذ الضيف الفنجان بيمينه فيشربه ويدفعه إليه، فلا يزال يصب فيه حتى يهزه الضيف ثلاث هزات علامة على أنه قد اكتفى ولا يصبون في كل مرة إلا رشفة واحدة لا تكاد تستر قعر الفنجان وعندهم أن هذا من الإكرام، وإذ ملأ الساقي فنجان أحدهم كان ذلك احتقاراً له. ويبدأ الساقي ممن على يمينه ثم يعطي من يليه، وإذا هو تخطى واحداً فقد أهانه إهانة بالغة لا يصبر عليها إذا كان شريفاً، وإذا اكتفى الضيف ولم يأخذ الفنجان بعد أن يصبَّه الساقي وجب على الساقي أن يشربه هو أو يريقه على الأرض ولو كان على الأرض بساط قيم أو سجاد ثمين، ولا يدفعه إلى الذي بعده. . .

هذا جانب من قوانين القهوة، وللقهوة عند العرب شأن كبير فقد يستغني البدوي عن الطعام

ص: 35

والماء، ولكنه لا يستغني عن القهوة ولا يعدل بها شيئاً، وقد يميل عن الطريق مسيرة يوم ليشربها. وقد حدثنا أستاذنا شكري الشربجي، وقد كان على رأس فرقة عسكرية من العرب أيام الملك حسين رحمه الله: أنه افتقد جنده في ساعة حرجة فلم يجدهم، فلما عادوا سألهم، فحبروه أنهم افتقدوا القهوة فذهبوا ليشربوها؛ فقال: في مثل هذه الساعة تهتمون بالقهوة؟ قالوا: والله يا بيك نتقهوى ولو كان في خشم الأسد.

وللعرب بالقهوة اهتمام عظيم حتى أنهم من اهتمامهم بها نحتوا من اسمها فعلاً هو تقهوى يتقهوى تقهوياً، وتوسعوا في معنى هذا الفعل حتى شمل الشاهي والطعام يؤكل في الصباح فهم يقولون (أُقلط تقهوى) أي تفضل اشرب القهوة أو اشرب الشاهي أو كل. . . وقد يقولون اتقهوى شاهي. . .

هذه هي القهوة، وهي لذيذة نافعة لا يقوم مقامها شيء في إراحة الجسم بعد التعب الشديد والسير في الصحراء تحت الشمس المحرقة، وقد جربنا ذلك بأنفسنا. أما الشاهي - اعتنى النجدي منه - فسمّ ناقع يشرب فيه شاربه المرض والحمّى. ذلك أنهم يأخذون الشاي الأحمر فيغلونه على النار، ثم يغلونه حتى يصير أسود مثل دم الغزال - على حد تعبيرهم - ويشربون منه كؤوساً كثيرة، ولو أنك كنت في ضيافة أمير أو شيخ من مشايخ البدو لم يمر عليك دقيقتان لا يقدم لك فيهما قهوة أو شاهي ولا تفتأ تسمع الأمير أو الشيخ يصفق وينادي:

قهوة. شاهي. شاهي. قهوة، فتصور مجلساً على هذه الحال يمتد ساعتين أو ثلاثاً.

تلك هي القوة. وذلك مبلغ غرامهم بها. . .

(لها بقايا)

علي الطنطاوي

ص: 36

‌رسالة الشعر

نجوى!

أيُّها الْحائر. . .؟!

للأستاذ محمود حسن إسماعيل

سَأَلَتْنِي: لِمَ إِطْرَا

قُكَ في ظِلِّ السُّكونِ؟

أَيُّها الصَّامِتُ كالنَّغْ

مَةِ في الْعُودِ الْحَزِينِ!

أَيُّها الْحَائِرُ كالزَّوْ

رَقِ في بَحْرِ السِّنِينِ!

أَيُّها الذَّابِلُ كالآ

هَةِ في الْجُرْحِ الدَّفينِ!

أَيُّها الْجَاثِمُ كالشَّكِّ

بِوَاحاتِ الْيَقِينِ!

أَيُّها الْخَفَّاقُ كالرِّعْ

شةِ في الْقَلْبِ الطَّعينِ!

عُمْرُكَ الْمَشْدَوهُ وَلَّى

في التَّشَكِّي والأنينِ

وَغَدَا نَايكَ مَشْنَو

قَ الأغاني والرَّنينِ

دَفَنَتْهُ الْجِنُّ في صَحْ

رَاَء ظَلْماَء الجبِينِ

وَشْوَشَتْ في صَمْتِهاَ الوَا

جِمِ أَشْبَاحُ الظُّنُونِ

وَمَشَى فيها زَمَانُ النَّا

سِ مَنْهُوبَ الْعُيُونِ

دَوَّخَ التِّيهُ خُطاه

فَارَّتمى تَحْت الدُّجُونِ. . .

قُلْتُ: يا سِرَّ عَذَا

بي وَشَقَائِي وَشُجُوني

يا صَدىً زَلْزَلَ أَحْ

لَامِي وَصَفْوي وَسُكُوني

وَمَشى ناراً عَلَى نِي

رَان شَوْقِي وَحَنِيني!

يَا هَوَي عُمْري وَدُنْيا

سَكَرَاتي وَجُنُوني

يَا رُؤَى صَمْتِي وَأَحْلَا

مَ زَمَانِي وَفُتُوني

يا أَسَى رُوحي وإلهْا

مِي وَشِعْرِي وَفُنوني. . .

اتْرُكيني لِفَنَائِي. . .

وَإِذَا شِئْتِ ابْعَثينِي

أنا إِعْصَارٌ مِنَ اللَّهْ

فة مَشْبوب الْحَنينِ

ص: 37

فانْشُري ظِلَّكِ في قَفْ

رِ زَماني وَارْحَمِيني!

ص: 38

‌من اللهب

أنا الباكي. . .!

للأديب عبد العليم عيسى

خيُوط النُّورِ جِلْبابي

وَعِطْر الزهْر أنفَاسِي

وَصَوْتُ البلْبلِ الحنَّا

نِ مِنْ صَوْتي وَإِحْسَاسي

وقيثَارَةُ أَحْلَامِيَ

لم تُحبَكْ لِفنَّانِ

نَماهَا اللهُ للْحُبِّ

وَأَشْعَارِي وَأَلْحاني

ولكنْ لم أزل نهباً لأشْجاني

وَآلَامِي وَأَتْعَابي وحرماني

رِياضُ النَّاسِ لَا تْن

بتُ غير الورْدِ أَلْوَاناَ

بها الطيْر يُغنِّي غُنْ

وَةَ الأَفْرَاحِ سَكراناَ

وَبُسْتَانيَ لَا ينْ

بتُ غيرَ العوْسَج النامي

عَلَيْهِ تَسْرَحُ الغِرْبا

نُ في صَفْوٍ وَإِنْعَام

فَياَ ضَيْعَةَ آمالي وأحْلَامي

ويا خَيْبَةَ حَظِّي فَوْقَ أيامي

أَنَا الشَّاكي. . . ولكن أَي

نَ مَنْ يَسْمَعُ شكْوَايا

أَنَا الباكي. . . ولكن أَي

نَ من يَنْفُضُ بَلْوَايا

لَقَدْ رَقَّتْ إلى النَّاسِ

حَنَايا قلبيَ الآسي

فَسَلْ قلبيَ كم رّقَّ

لهُ قَلْبٌ من النَّاسِ؟!

وكم شَعَّتْ على دُنيايَ أَعْرَاسي

وَأَفْرَاحي ولذَّاتي وإيناسي؟!

(المياسرة - دقهلية)

عبد العليم عيسى

ص: 39

‌من جحيم القيود

البلبل السجين!

للأديب إبراهيم محمد نجا

وبلبل سجنوه فهْو مكتئب

بادي التفجيع لا ينفك ينتحب!

في قلبه الغض أحزان مبرَّحة

وفي جوانحه الآلام تصطخب!

وبين جنبيه جرح غير ملتئم

وفي جناحيه كسر ليس ينشعب!

يعيش في فقص عيش الأسير فلا

زهر جميل ولا غصن ولا عُشُب!

يعيش في قفص كلُّ القيود به

وحوله قامت الأستار والحجب!

يحن للهو، لكن أين معلبه؟

وهل يكون بسجن ضيق لعب؟

ينام كل خليّ وهْو في شُغُل

وهل ينام شجي القلب مضطرب؟

ويذرف الدمع من قلب يفيض به

فدمعه الغيث لولا أنه لهب!

ويرسل اللحن أنات مقطّعةً

يلفها في ثنايا موجه الصخب!

يأتي الربيع ولا أفقٌ يطير به

ولا رياض على أفنانها يثب!

ولا أليف له في الدوح يلثمه

إن هاجه غزل أو هزه طرب!

ماتت أمانيه، والدنيا مغردة

والزهر يرقص والأغصان تأتشب

وكيف يسعد محبوس على ظمأ

والماء من حوله يجري وينسكب؟

ألا خلاصَ له مما يكابده؟

فقد برت جسمه الأشجان والنوب

ألا خلاص فهذا السجن يخنقه

وذلك القيد في رجليه يلتهب!

وهاهي النار: نار اليأس تحرقه

وهاهو الموت منه اليوم يقترب!

هذا فؤاديَ قد مثلت عيشته

ولم أبالغ فأين العطف والحدَب؟

يعيش في قفص عيش الأسير فلا

زهر جميل ولا غصن ولا عشب!

يعيش في قفص كل القيود به

وحوله قامت الأستار والحجب!

وا رحمتاه له! طال الحنين به

إلى حبيب بوكر الحب يرتقب

فأطلِقوه، فإن الحب يمنحه

ما ليس يمنحه التلقين والكتب؟

(دمنهور)

ص: 40

إبراهيم محمد نجا

ص: 41

‌رسالة الفن

من أي فن؟

فكر يفكر تفكيراً

فهو إذن مفكر

للأستاذ عزيز أحمد فهمي

أردت أن أكيد لصاحبتي فجعلت إليها (حمار الحكيم) وقلت لها: (أقرئي هذا الكتاب وستجدين فيع فصلاً يذكر المرأة المصرية بما أحب أن أعرف رأيك فيه) وقد كنت أعلم أن صاحبتي لن يسرها شيء مما أريدها أن تقرأه، فقد نال (حمار الحكيم) من المرأة المصرية نيلاً موجعاً، وقد كنت أعلم أيضاً أن صاحبتي طويلة اللسان لا تسكت على الضيم ولا الأذى، وانتظرت بعد أن تفرغ صاحبتي من القراءة أن استمتع بثورة من ثوراتها التي تشنها على خصومها، وكل ثوراتها حريفة تنفح النفس وتوقظ العقل.

كنت أنتظر ثورة ما، مهما تكن فإنها ثورة لا نظام لها ولا خطة ولا هدف محدد. ولكن الذي حدث شيء لم أكن أتوقعه، فقد كتبت لي بنت حواء فصلاً هو هادئ حقاً ولكنه مسمم نفثت فيه المرتورة كل ما احتبس في نفسها من الغل الذي ظل صاحب الحمار يلهبه ويشعله في نفوس بنات حواء منذ انطلق يكتب. . . وعلى ما في هذا الفصل من السم، فإن فيه لذة، وإني لذلك أعرضه على القراء لعل فيهم صديقاً للأستاذ توفيق الحكيم ينقذه من بين براثن هذه (الغولة) العاتية التي ترى بعينيها الحمراوين ما لا نراه نحن بعيوننا البريئة السالمة. . .

قالت وقانا الله شر أقوالها:

(يا حضرة الرجل

لا تحية ولا سلام. أول ما قرأت في هديتك هو هذا الكلام المطبوع على الشريط من الورق الذي لف به الأستاذ توفيق وبأمثاله نسخ كتابه. وهذا الكلام هو بنصه: (الأمة الحية) هي الأمة التي يبقي فيها (الفكر) قائماً بوظيفته و (الإنتاج الفكري) مستمراً على الرغم من نوازل العلل والخطوب والأهوال. . . ثم علامة استفهام، ونقطتان. . . فقلت في نفسي:

ص: 42

لابد أن تكون في هذا الكتاب فكرة يلفت الأستاذ الحكيم النظر إليها بهذا الكلام، ولابد أن تكون هذه الفكرة من الجلال بحيث تعتبر من علامات الحياة في أمتنا المصرية أو أمتنا العربية التي استمر واحد من مفكريها الكبار (ينتج) على الرغم من نوازل العلل أولاً، ومن الخطوب ثانياً، ومن الأهوال ثالثاً، ومن علامة الاستفهام والنقطتين بعد ذلك. كله. . . ولكني لما قرأت الكتاب لم أجد فيه من هذا كله إلا ما سأذكره لك يا حضرة الرجل وهو بعيد كل البعد عن نوازل العلل والخطوب الأهوال وما إلى ذلك.

على أني أسمي هذا الكتاب كتاباً تجوزاً. فأنا اعرف الكتاب كلاماً متجهاً إلى قصد معين يستطيع الإنسان أن يلخصه في جملة مفيدة إذا فرغ من قراءته، ولكن (حمار الحكيم) هذا كلام لا يستطيع أحد أن يلخصه لأنه مجموعة من الحكايات كل منها مستقل بذاته يمكنك أن تقرأها من الآخر إلى الأول كما يمكنك أن تقرأها من الأول إلى الآخر فلا تشعر إن كانت اضطربت أو ارتبكت، ثم إني لا أستطيع أن أسمي هذا الكلام قصة لأنه كما رأيت مجموعة حكايات، ولأنه يتخلله إلى جانب ذلك مقالات صغيرة، وبحوث تاريخية تشعر بأن الأستاذ الحكيم تصيدها تصيداً وضمنها الكتاب غصباً حتى تضخم الكتاب وكبر.

وإن لي ملحوظة أخرى على ضخامة الكتاب وكبر حجمه لا أحب أن أغفلها، وهي أن الورق الذي اختير فطبع عليه هذا الكتاب ورق غليظ، الورقة منه سمكها سمك أربع ورقات من الورق العادي، زد على ذلك الفراغ الذي بين كل سطر من هذا الكتاب يتسع لسطر كان يمكن أن يوضع بين السطرين فيقل حجم الكتاب كثيراً، وهذا شيء يظهر أن مؤلف الكتاب لا يستحسنه لسببين: أحدهما مادي والآخر أدبي، أما السبب المادي فهو أن الكتاب الضخم يباع بسعر أعلى من السعر الذي يباع به الكتاب النحيف، وأما السبب الأدبي فهو أن الكتاب الضخم يغتصب احترام القارئ أكثر مما يغتصبه الكتاب النحيف صحيح أن هذه ملحوظة ماكرة ولكن الذي دبرها هو الأمكر ممن لحظها. والذي دبرها هو الذي دبر معها عنوان الكتاب فجعله هذا العنوان الجذاب الذي يغري الجمهور بالتهافت على الكتاب، فالحمار (شخصية فنية) يحب الناس أن يعرفوا آراء الكتاب المحدثين فيها، ونظرتهم إليها، كما اطلعوا على أقوال القدماء فيها وتعليقاتهم عليها، والأستاذ توفيق الحكيم معتبر من هؤلاء المفكرين، وقد شوقني عنوانه فعلاً إلى قراءة الكتاب ولكني لم أجد في

ص: 43

الكتاب شيئاً عن الحمار الفني، وإنما وجدت أن الأستاذ اشترى جحشاً في القاهرة ثم صحبه إلى الريف فتركه يموت هناك جوعاً لأنه لم يجد حمارة ترضعه، ولذلك أبيح لنفسي بأن أتهم الأستاذ بأنه استدرج القراء إلى كتابه بخدعة هي أبلغ من خدع النساء جميعاً.

وكما دبر الأستاذ الحكيم هذه الخدعة في العنوان فقد حاك خدعة أخرى نصب شباكها في بقاع عديدة متفرقة من الكتاب، تلك أنه ما فتئ يلح على القارئ بين كل صفحة وأخرى بترديده القول بأنه مفكر، وبأنه يفكر، وبأنه فكر، وبأنه سيفكر؛ حتى خفت على نفسي وأنا المتيقظة له بأن أقتنع بأنه يفكر حقاً مع أنه لم يدلني على هذا بدليل واحد غير قوله: إني أستغرق في تأملاتي، وإن ذهني يمتلئ بالمعاني والأفكار، وإني. . . وإني. . . وقد كنت أحب من غير شك أن أعرف في أي شيء يفكر الأستاذ كل هذا التفكير، ولكن لم اقف في طول الكتاب وعرضه على شيء غير هذه الأقول، اللهم إلا قوله في مرة من هذه المرات: والمعاني، إذا كانت هناك معان تذوب قبل أن تبلغ ذهني. فقلت في نفسي: لعل أفكار الأستاذ كلها من هذا النوع، فهو يفكر فيها طويلاً، ولكنها تذوب منه قبل أن يمسكها، فهو معذور إذن إذا عجز عن أن يعرضها على قرائه.

ولننتقل بعد ذلك إلى الكتاب أو القصة، ولنقف فيها وقفات عاجلة لنرى فيها مواطن البراعة في هذا الكتاب الذي يكيد للنساء والذي كنت تريد أن تكيد لي به. وفي سبيل هذا لابد أن نهمل الحمار فهو بطل محشور في القصة حشراً ليستعار اسمه عنواناً لها لغرابته وطرافته لا أكثر ولا أقل.

أما بطل القصة الحقيقي فهو الأستاذ توفيق الحكيم نفسه الكاتب الذي جاءه مخرج فرنسي ليضع له حوار قصة ريفية مصرية، وكان موسم (الإنتاج الفكري) لهذا الكاتب قد انتهى، فاعتذر للمخرج بذلك مؤكداً له أنه لا يستطيع أن ينتج إلا في (الموسم فقط) كأنما الفكر فول أو قطن أو مشمش، فأغراه المخرج بالمال وصحبه إلى الريف ليهيئ له الجو، ومع ذلك فإنه قعد عن صنع الحوار واضطر في آخر الأمر إلى أن يلجأ إلى اعتذار جديد، وهو أن الكاتب الحق لا يستطيع أن يكتب للسينما، لأن الكاتب الحق الذي مثل الأستاذ توفيق الحكيم لا يصنع كلاماً لأشخاص، وإنما هو يصنع أشخاصاً يتكلمون.

هذا هو صلب الحكاية التي أوردها الأستاذ في هذا الباب

ص: 44

وأنا أعلم من هذه الحكاية شيئاً لم يورده الأستاذ في هذا الباب وإن كان حدث في الحكاية. ذلك أنه بعيد كل البعد عن إتقان الحوار الريفي، ودليلي على ذلك أن الأستاذ عرض في الكتاب لمواقف أجرى فيها الحديث بين بعض أبناء الريف فما كان يزيد على جملة أو جملتين، ثم يقف الحوار الريفي بعدهما ويسترسل يكتب بلغته الغريبة الفصحى راويا بقلمه ما كان يريد أن يرويه أبناء الريف بألسنتهم، ومثال ذلك قصة المعلم ملطي التي رواها واحد من الفلاحين للأستاذ وقال له فيها إن قتيلاً قتل في الحجرة التي أعدت له. فقد مهد الأستاذ لهذه القصة بحوار بينه وبين ذلك الفلاح، فلما جاء الفرح ليروي القصة خطفها الأستاذ منه ورواها هو، وما من سبب عندي دعاه إلى ذلك إلا شعوره بالتعب من الكتابة بلغة الريف. وقد ظهر هذا التعب للمخرج - وإن لم يرد الأستاذ ذلك - فعدل عنه وعهد بكتابة هذا الحوار إلى الأستاذ محمود بيرم التونسي وقد قطع فيه الأستاذ بيرم شوطاً بعيداً وإن لم يؤلف كتاباً أو حماراً يروي فيه قصة ذلك السيناريو.

وليس هذا التعب عجيباً من الأستاذ توفيق فهو كاتب لم ينس الناس أن أحب صورة كان يحب من الناس أن يتصوروه بها هو صورة ذلك القاعد في البرج العاجي تحت ضوء المصباح الأخضر يسمع الاسطوانات الألمانية والفرنسية، ويقرأ الكتب الغربية، ويسرح بعد ذلك بين سحابات الفكر الذي لا أعلم ما هو ولا كيف تكون سحاباته. . . والواقع أن الأستاذ الحكيم من هذا النوع حقاً فهو متأثر بالقراءة بعيد عن الدنيا، وآية تأثره بالكتابة الغربية والصور الأوربية هو قوله عن نفسه في (الحمار):(فما أنا في الحقيقة دائماً سوى كوخ مقفر وسط صحراء من الجليد)، وهذه صورة روسية؛ ثم قوله على لسان واحد الفلاحين تصوره يناجي محبوبته:(إني لست ملاحاً، ولكنك لو كنت شاطئاً في بحر من البحار النائية لنشرت في الحال شراعي وانطلقت أجوب إليك البحار)، وهذه صورة إنجليزية أحس الأستاذ أنها إنجليزية فجعل المخرج وهو أحد أبطال قصته يعلق عليها بقوله: ذاك حوار من شكسبير. . .

ومع أن الأستاذ يدعي أنه من أصحاب الفكر والتأمل، ومع أني أعترف له أنه من أهل الوحدة الذين يحبون الانفراد بأنفسهم، فإني لا أظنه من أولئك المتصوفين الذين يريد أن يتصوره الناس منهم؛ فهو يقول عن نفسه: (إني لا أملك صفة من تلك الصفات التي تجذب

ص: 45

الناس إليّ أو تغريهم بصحبتي، فإذا أنفقت الوقت بحثاً وتنقيباً في أرجاء نفسي الموحشة المقفرة فإنما يدفعني إلى ذلك الأمل في أن أستكشف في بعض شعابها معدناً نفيساً له شيء من البريق) فهذه صورة صبيانية للتأمل والتفكير، فالذين يستغرقون في التأمل في أنفسهم إنما يجدون فيها ما يغنيهم عن الاختلاط بالناس، فهي ليست نفوساً مقفرة موحشة، وإنما هي نفوس غنية ملأى بالحياة، وبما في الحياة من خير ومن شر، ملأى بالعواطف والنزعات على اختلاف ألوانها، ملأى بالعزائم، ملأى بالمآسي، ملأى بالأفراح. . . ثم إن أولئك الذين يعمدون إلى أنفسهم ليستخلصوا منها العلم لا يأخذهم مطلقاً البريق، ولا يطلبون مطلقاً ما هو لماع. . . فكل ما يطلبونه هو المفيد النافع الذي يستطيعون باستغلاله وتنميته أن يربوا إنسانيتهم. . . ولكن الأستاذ يظن الفنانين (مخابيل) ويظن أنه إذا أدعى الخبل اعتبره الناس فناناً، وإنه يدعي الخبل في أكثر من موضع في هذا الكتاب، فهو إذا كان في مجتمع نام، وهو إذا عهد إليه بعمل أهمله، وهو إذا كان في سيارته لم يعرف أين هو ولا متى خرج من بيته ولا متى يعود إليه، وهو حين يسمو جداً جداً في الفن يحادث بائع الذرة وكناس الجهة متبسطاً متواضعاً، وهذه أعمال تصدر عن الناس عفواً فلا يذكرونها، وتصدر عن الفنانين دوماً فلا يعلقون عليها، ولكن الذين يهتمون بها هم الهواة، وهؤلاء الهواة يحبون أن يقال عنهم إنهم مبعثرون، وإنهم متواضعون، وإنهم وإنهم. . . لأنهم يظنون أن الفن هو هذا، أو أن هذا هو أهم ما في الفن.

والآن تعال إلى هذه الدعوى العجيبة التي يدعيها الأستاذ إذ يقول إن الكاتب الحق لا يستطيع أن يكتب للسينما. . . وقل لي ما رأيك في شكسبير، وهيجو، وشو، ومارك توين، وتولستوي، وغير هؤلاء من الكتاب الذين أخرجت السينما آثارهم الفنية ووصلت بها إلى قمة المجد الفني. . . أليس هؤلاء كتاباً حقيقيين مساوين للأستاذ توفيق الحكيم؟. . . إنه يفر من هذا المأزق ويقول إن الكاتب الحق هو الذي يتجه إلى الكليات ولا يتجه إلى الجزئيات، فهو الذي يضع أشخاصاً يتكلمون، لا كلاماً لأشخاص. وأنا لا أدري هل الخياط الحق هو الذي يستطيع أن يصنع الأزياء للناس، أو هو ذلك الذي يصنع الناس للأزياء. إني موقنة أنه الأول، لأن الثاني هو الله سبحانه وتعالى وحده.

وأخيراً أختم خطابي هذا بالرد على ما يطعن به الأستاذ الحكيم المرأة المصرية إذ يقول

ص: 46

إنها (حريم) لا أكثر ولا أقل، بينما الفن والشعر والأدب قد علم المرأة الأوربية ماذا تقول وماذا تفعل إذا أحبت. ولا يزيد ردي على هذا عن أن أقول له: إن الحب شيء لا يتعلمه الناس من الكتب ولا من الشعر ولا من الفن ولا من الأدب، وإنما هو الذي يعلم الناس هذا جميعاً، وهو موجود في مصر كما أنه موجود في سرنديب، وقد بعث في مصر من الشعر والأدب ما أعجب لتغافل الأستاذ عنه، فما كنت أحسبه ينسى هذا المواليا المصرة وهذا (الواو) المصري، وتلك الأغاني التي تنبعث من أصفى النفوس في أصفى القول وأبلغه وأصدقه. . . صحيح أن أدبنا وفننا ليس فيهما من أدلة الثقافة شيء كثير، ولكن الحب لا يحتاج إلى ثقافة في العبير عنه. . .

خبط الهواع الباب جلت الحبيب جاني

تاريك يا باب كداب تتهز بالعاني

. . . وليس الغرام وحده ما يصوره الأدب الشعبي المصري، وإنما هو يصور سائر ألوان الحياة المصرية، ففيه ملاحم، وفيه معارك، وفيه قضايا، وفيه بطولات، وفيه وفيه، ولعلك أنت يا حضرة الرجل تعرف مما فيه مثلما أعرف، ولعلك تكتب فيه قريباً فترفع عنه هذه التهمة الباطلة التي يتهمه بها الأستاذ الحكيم الذي يعيش في البرج العاجي تحت المصباح الأخضر. . . هنيئاً له. . .)

هذا هو الفصل الذي أرسلته إليَّ صديقتي، وأنا لا اشك مطلقاً في أن الذي أملاه عليها هو غيظها من الأستاذ الحكيم لأنه يخاصمها ويخاصم بنات جنسها جميعاً. . . ولكنني أيضاً لا اشك مطلقاً في أن كلامها واضح الصدق فيه.

وهي صديقتي، ولا أحب أن أخسرها في سبيل الأستاذ الحكيم؛ فإذا كان للأستاذ أصدقاء، فليردوا عليهم هم. . . أما أنا (فموافقون)!. . .

عزيز أحمد فهمي

ص: 47

‌رسالة العلم

الأحياء في غير الأرض

هذه حدودنا فما حدود الغير؟

للدكتور محمد محمود غالي

الدهشة في تمييز الأشياء بالعين - تشابه رؤية الأشياء والاستماع للإذاعة - مملكتانا الحيوانية والنباتية بين ملايين الممالك الأخرى في الكون - جولات بين النجم القطبي ومجموعة ذنب الدجاجة - الحياة جائزة على غير الأرض.

تطل من النافذة فترى النيل عن يمينك ينساب مجراه في هذا الوادي منذ آلاف السنين وترى داراً عن يسارك يسكنها أهلها منذ أعوام طويلة، وتميز بالعين ذلك المجرى من تلك الدار، وقد اعتدنا ألا ندهش من هذه المقدرة على التمييز الذي تقوم به مداركنا في كل لحظات حياتنا، في يقظتنا وفي سباتنا، فعندما يقع ناظري على ابني أميزه عن ابنتي فإنني لا أفكر لحظة في أن هذه العملية، من تمييز النهر من الدار والابنة من الابن، من الأمور العجيبة التي تتصل بالحياة وما تحمل في طياتها من أسرار في التكوين.

إننا نميز الأشخاص بالعين باختلاف هؤلاء الأشخاص في الملامح، أو بالأذن باختلافهم في الصوت. هذا لصوته خشونة معينة، وهذه لصوتها نعومة تتفق مع خصائص جنسها وأنوثتها، وما هي عليه من ريعان الصبا، وهكذا نميز ما نراه وما نسمعه بحواسنا المختلفة التي تكونت أصولها فينا منذ أن كنا مادة حية تختلف عن المادة عادمة الحياة.

إنما أود أن ألفت النظر إلى أن إدراكنا لما تراه أو نسمعه أصبح من الأمور المألوفة التي لا نعجب لها، فنحن لا نفكر، ونحن نميز الأشياء أو المخلوقات. إن عملية التمييز تحمل في طياتها أموراً هي من أعجب ما نعرفه في الكون ولا نفكر أن في حاسة اللمس عمليات دقيقة وعديدة، وأن عدد الأعصاب الموجودة في الجلد والمتصلة بالمخ، والتي مهمتها نقل ما يحدث عند ملامسة الجلد إلى المخ - تبلغ في أجسامنا بضعة الملايين، ومع ذلك فثمة ظواهر أخرى نعجب لها رغم أنها أبسط في مصدرها أو في تفاصيلها من أجهزة اللمس الدقيقة والعديدة المتقدمة.

ص: 48

إنك تستمع للإذاعة اللاسكلية مثلا، ويعتذر المذيع عن خطأ وقع فيه وهو يطالع الأنباء فتسمع اعتذاره، فإذا طوى الورقة التي أمامه، أو وقعت من على النضد الذي هي عليه سمعت حفيف الورقة وهو يطويها وصوتها وهي تصطدم بالأرض، وكأنك معه رغم بعده عنك، فقد يكون المذيع في أمريكا وتكون أنت في القاهرة، وكأنكما تتحدان في المكان وإن اختلف وجودكما في الزمان، وإنك في كل ذلك تعجب أشد العجب لهذه المسألة التي تتلخص في أنك تسمع كل ما يحدث داخل عرفة الإذاعة مهما بعدت، إن تحرك بندول الساعة فيها سمعته وكأنه على مكتبك، وأنت تعجب من ذلك، ولا تعجب عندما ترى النيل وترى الدار المجاورة له فتميز بينهما دون أن تعجب من إتمام هذه العملية التي تتلخص في أنك رأيت النيل والدار وأدركت فارقاً بينهما، وعند ظني أنه يجب أن يكون للأمرين: سماع الإذاعة ورؤية الدار، الدرجة ذاتها من العجب.

أن يصبح وجود الدار في الكون الأثيري - حادثاً يعدل من شأن هذه التموجات الأثيرية حولها، فنرى الدار بما أحدثه وجودها من تعديل في كون خلا من قبل منها، فنراها بما ترسله أو بما ينعكس عليها من إشعاع، ونراها بألوانها المختلفة التي تصل العين والتي يعين كل لون منها عدداً معيناً من الذبذبات التي تصل إلينا في أزمنة متتابعة ومن مواقع مختلفة، كل يمثل لوناً معيناً وموضعاً مستقلاً، وتصل كل هذه الذبذبات المختلفة في عددها وفي طول أمواجها إلى العين، وبالتالي يصل أثرها تباعاً إلى المخ، فينشأ عن هذا الإحساس بالدر وألوانها وحدودها مع تبين موضعها. إن هذه أمور كلها تدعو إلى الإعجاب.

أن تحدث الأمواج الصوتية من المذيع أمواجاً كهربائية، نتيجة لاجتهادنا الشخصي، وأن تكون هذه الأمواج الكهربائية ضمن سلسلة الأمواج الضوئية المتقدمة، نتيجة للوضع الطبيعي في الكون، وأن تصل هذه الأمواج إلينا، مهما ابتعدنا عنها ما دمنا موجودين على ظهر ذلك الكوكب الصغير الذي يجذبنا إليه كما يجذب هذه الأمواج، كل هذه أمور لا يجوز أن تعتبرها أعجب من المسألة السابقة.

فالاستماع للإذاعة أو رؤية الدار أو غير ذلك مظاهر في الكون متشابهة، والمذياع جهاز أقل تعقيداً من العين، وأعظم ما في الأمر من دهشة، هو ما يحدثه وجود هذا الجسم الذي

ص: 49

نسميه الدار من نتوء في هذا الكون، ومن حدث موجي يؤثر في أحد هذه الأجهزة وهو العين، بقدر ما أحدثه الجسم من نتوء واتساع.

ولا يعجبن القارئ كثيراً من عظم السرعة التي يقطع بها الضوء أو الكهرباء المسافات الكونية (للظاهرتين كما قدمنا في مقالات سابقة سرعة واحدة تقرب من 300 ألف كيلو متر في الثانية) لأننا اعتدنا أن نسمي الشيء عظيماً إذا كان عظيماً بالنسبة لنا، وما اعتدناه من خطوات متثاقلة وبطيئة لا شيء بجانب خطوات الضوء السريعة، ولكنا لسنا كل شيء في الكون ومن الحكمة ألا ننظر إلى الأشياء دائماً بالمقاييس التي اعتدناها، وقد لا نكون في الكون إلا نوعاً من المخلوقات بين بلايين المخلوقات الأخرى، وقد لا تكون مملكتانا الحيوانية والنباتية إلا مملكتين اثنتين بين ملايين الممالك الأخرى في الكون؛ وتختلف هذه الممالك عنا في الشبه وفي المميزات أو الخواص وقد لا نكون إلا مخلوقاً واحداً من هذه البلايين من المخلوقات. لنا درجة في الإحساس لا نتعداها؛ فنحن نستطيع أن نرى الدار ونميزها من النيل، كما نستطيع أن نرى الأشخاص فنميز الواحد منهم من الآخر، ولكننا لا نستطيع أن نعرف ما بلغته الحواس عند الغير، وأننا نستمع للإذاعة اللاسلكية، بفضل عمل الإنسان، ولا يفترق موضوع رؤيتنا للدار عن موضوع استماعنا للإذاعة إلا أننا نرى الدار بحواسنا بطريقة مباشرة، ونستمع لاسلكياً للبعيد بأجهزة بسيطة، هي صنع أدينا وثمرة تفكيرنا، وهي مهما بلغت لا تزيد في طبيعة حواسنا أو قوتها وإن كانت تعاون في محيط عملها، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نعرف اليوم ما يستطيع أن يعمله أو يستنبطه غيرنا من المخلوقات.

لماذا تميل إلى الاعتقاد بأننا الوحيدون في الكون؟ لماذا لا تكون هذه الدرجة من الإحساس وهذا المبلغ من المعرفة مراتب أولى فيما قد يحتويه الكون المنتشر من مراتب أخرى، وصلت إليها مخلوقات عديدة تعيش في ظروف غير التي نعيش فيها، ولها درجة في الحواس تختلف عن حواسنا، ولها حالة من المعرفة تختلف عن معارفنا؟

جُل بنظرك في السماء في ليلة من تلك الليالي التي لا ترى فيها القمر، وانظر إلى المريخ والمشتري والأول أصغر من الأرض قليلاً، والثاني يكبرها بألف وخمسمائة مرة، وهما في مجموعتنا الشمسية؛ فهما والأرض أبناء أم واحدة (الشمس) لا يبرحان مداريهما حولها، ثم

ص: 50

ارفع البصر إلى حيث ترى مجموعة الدب الأكبر أو السبعة النجوم كما يُسمهيا الكثيرون، وهي مجموعة من النجوم لا تمت لشمسنا بأي صلة قريبة، بل هي بعيدة عن جد البعد. فبينما تبتعد الشمس عنا بمقدار ثمان دقائق ضوئية (أي يصل ضوء الشمس إلينا في ثمان دقائق) تبتعد هذه المجموعة عنا بمقدار يزيد في بعضها عن 200 سنة ضوئية، وأنظر ملياً إلى أخفض نجمين في هذه المجموعة واذهب إلى يمينك بنظرك مسافة تبلغ سبعة أضعاف المسافة بين هذين النجمين الخفيضين تر النجم القطبي ويبتعد عنا حوالي 70 سنة ضوئية، ويعين لنا جهة الشمال، وما الشمال إلا كلمة اصطلاحية لا تدل إلا على أمر اتفاقي، وهو الجهة التي يحددها لنا هذا النجم الذي نعتبره ثابتاً بالنسبة إلينا وبالنسبة للأحقاب التي يحيا فيها الجنس البشري، وإن كان أبعد الأشياء إلى الثبات بالنسبة لمجموع الكون، وبالنسبة لأحقاب أطول بكثير من ملايين السنين التي عاشها ويعيشها الإنسان، ومع ذلك فكل ما نراه من النجوم بعيداً عنا ثابت إلى حد ما بالنسبة لنا، وحركتنا حول أنفسنا وحول الشمس هي التي تجعلنا نرى تغييراً ظاهراً في مركز هذه النجوم، وما الشمال وتحديده بالنجم القطبي إلا اختيار كان يصح أن يقع على غيره من النجوم، فهو اتفاق يشبه اتفاقنا على أن اليوم 24 ساعة وأن الساعة ستون دقيقة. فقد كان يصح أن نعتبر اليوم عشر ساعات والساعة مائة دقيقة، وعندي أن اتفاقاً كهذا أقرب إلى منطق الأرقام عن اتفاق الأربعة والعشرين قسما السالفة الذكر ،

ثم جل بنظرك بعد ذلك بعيداً من النجم القطبي وجهة اليمين أيضاً تر (دنيب العظيم ويسمونه بالعربية الشعرة اليمانية في مجموعة ذنب الدجاجة تصطدم فوتوناته بشبكة العين بعد تسع سنوات ضوئية، وهي رحلة عظيمة بالنسبة إلينا ولكنها صغيرة في الكون المحدود، وإذا تركت هذه المجموعة القريبة رأيت مجموعات أخرى تبتعد عنا بآلاف وملايين من السنين الضوئية وساعدنا المنظار على رؤيتها.

إن هذه الفوتونات الضوئية التي تصل إليك الآن مسافرة من بعض هذه المجموعات قد بدأت رحلتها ولا شك قبل حروب نابليون، وقبل فتوحات الإسكندر بل وقبل مدنية المصريين، وشاءت الظروف ألا تصطدم طوال رحلتها بأي شيء تتعثر فيه وإلا كنا لا نرى هذه النجوم التي تبعث لنا أضواءها.

ص: 51

وأنت في نظرك إلى هذا النجم أو إلى غيره، وفي استطلاعك السماء ليلاً، تستطيع أن تُمَيِّز بين ما يسميه العلماء نجوماً وبين ما يسمونه كواكب سيارة، فضوء الأولى يتألق وتتغير شدته على العين، وضوء الثانية ناصع ثابت كضوء القمر، ووسط كل هذه العوالم نميز بسهولة كوكب المريخ، ذلك الكوكب الذي تشبه حالته إلى حد كبير حالة الأرض، والذي هو واحد من التسعة الكواكب التي تكون مجموعتنا الشمسية، نراه ينحدر في آخر الليل قليلاً قليلاً، ويتغير لونه على العين كما يتغير لون الشمس أو القمر عند غروبهما، حتى يتوارى عنا، أو بالأحرى حتى نتوارى نحن عنه.

وهكذا تنتقل العين من كوكب إلى آخر، من المريخ إلى المشتري، من كوكب أصغر من الأرض إلى آخر أكبر منها ومن شمس إلى أخرى، من واحدة أصغر من الشمس إلى شمس تكبرها آلاف المرات، بل من مجموعة نجمية كمجموعة المجرة التي تحوي ملايين الشموس والكواكب والتي تعد شمسنا واحدة منها إلى غيرها من المجموعات.

ويساعدك المنظار الفلكي في تجولك هذا. بحيث أنه إذا أمكنك أن ترى بالعين المجردة أكثر من ألفي نجم في نصف السماء التي تعلوك ويرى ساكن البرازيل عدداً مماثلاً في النصف الجنوبي الذي لا نراه، فإنك تستطيع أن تعين بالمنظار في السنتيمتر المربع الواحد آلافاً من هذه النجوم التي لكثير منها كواكب يشبه بضعها بلا شك كوكبنا الأرضي الذي نعيش عليه.

وفي أثناء ذلك نفكر أن لكثير من هذه النجوم التي تعد بالملايين سيارات تابعة لها، وتدور حولها وحول نفسها، ونفكر أنه لا بد لبعضها على كثرتها ظروف تشبه الظروف الطبيعية للأرض، أو تختلف عنها بما لا يتعارض مع نوع آخر من الحياة ونتساءل هل من حياة على هذه الكواكب؟ ولماذا تختص الأرض بالحياة؛ وما هي إلا ذرة من قطرة في محيط في الكون؟

وإذا كانت الأرض وما عليها تعتبر بالنسبة لما نعرفه عن الكون أصغر من حبة رمل بين رمال الصحاري الشاسعة وأقل من قطرة ماء مياه المحيط جميعها، فماذا تسكن الأحياء هذه القطرة بالذات وتخلو جميع القطرات منها؟

هذا سؤال لا يمكن للإنسان إذا اتبع منطقاً سليماً أن يجيب عليه بالنفي، وعند ظني أن

ص: 52

الحياة جائزة على غير الأرض؛ فإن لم توجد في أحد كواكب مجموعتنا الشمسية، فلا أقل من أن توجد في كواكب أخرى تنتسب إلى غير هذه الشمس.

إما أن يكون بين حياتنا وحياة غرينا صلة فهو ما زال بعيداً جد البعد عن أن يكون من الموضوعات العلمية التي نتناولها بالبحث بالطريقة ذاتها التي نتناول بها مسألة احتمال وجود الحياة.

إنما ذكرنا للقارئ العين، وذكّرناه بما تنطوي عليه عملية رؤية الدار أو النيل من دهشة، وعرجنا على المذياع عند ذكرنا للحواس وفعلها، ثم صعَّدنا النظر مع القارئ إلى السماء نتأملها ونتجول في ربوعها، وتركنا حيناً ذلك المخلوق الذي تكلمنا عنه في مقال سابق والذي لا يرى من عربة الترام إلا مستطيلاً ينتقل في الطرقات، ولا يرى من الكمساري إلا دائرة تنزلق على حافة المستطيل ويرى من الركاب إلا دوائر متراصة في صفوف متوازية، ذلك أننا لسنا في حاجة إلى هذا المخلوق المسكين وحده، وإنما في حاجة أيضاً إلى التذكير بالعين وفعلها العجيب وإلى النظر إلى السماء وتأمل ما فيها من ملايين النجوم والكواكب لنذكر للقارئ موضوعاً قلنا إنه يلتمع في الذهن ويدور بالخاطر، وهو موضوع خاص بما عسى أن نفترضه أو نتخيله من صفات لغيرنا من الأحياء على الكواكب، وقد قادتنا إلى هذا الموضوع الذي يخرجنا قليلاً عن الدقة العلمية، مقالاتنا الأخيرة عن الاشعاع، ولم يكن في نيتنا يوماً أن نتجه هذا الاتجاه، ولكننا سنعود مع القارئ بعد المقال القادم إلى دراسة العلاقة بين المادة والضوء ليقف معنا على أحدث ما يعرفه العلماء اليوم عن الكون.

(يتبع)

محمد محمود غالي

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

ليسانس العلوم التعليمية. ليسانس العلوم الحرة. دبلوم

المهندسخانة

ص: 53

‌البريد الأدبي

قصيدة خمرة نهر الرين

قرأتُ الملاحظة الدقيقة المنشورة في بريد الرسالة الأدبي للأستاذ الأديب علي كمال. ويبدو أن الأستاذ محق فيما ذهب إليه، فليس في المراجع الأدبية الخاصة بحياة جون كيتس ولا في رسائله إلى شقيقه أو حبيبته (فاني براوني) ما يشير إلى مرور الشاعر بنهر الرين في خلال رحلته إلى إيطاليا، ولكن توجد في قصيدتين أو ثلاث له إشارات إلى نهر الرين، ومنها القصيدة الآتية:(تعاليْ بنا أيتها الحبيبة نحلق بأجنحة السعادة بعيداً، فإن السكون قد ضرب على الكون وما من سامع أو راء الآن، لقد صرعت القومَ خمرةُ نهر الرين واستبدت بهم نشوتها، فهي من رقادك، واطرحي الخوف وتعاليْ فإني قد أفردتُ لك منزلاً بين مروج الجنوب)

ولعل الشاعر علي محمود طه أراد الإشارة إلى ذلك في مقدمة قصيدته.

السيد رأفت

حول كتاب (المقنع) للداني

كتب الأستاذ ناجي الطنطاوي في العدد (367) من الرسالة الغراء يسأل الأستاذ المحقق الشيخ محمد دهمان أن يجلو عليه الشك الذي وقع فيه لاختلاف لقب مؤلف (المقنع) أبي عمرو الداني، ذاهباً إلى أن (البلوى) في (ألف بائه) قد سماه (المقري). والحقيقة أن (المقري) مخففة عن (المقرئ) وهو لقب كانوا يلقبون به من انتهت إليه رياسة الإقراء في عصره. وقد عثرت في مكتبة أبي - شيخ المقرئين في الشام - عليه الرحمة والبركات والرضوان، على نسخة خطيّة لكتاب (المقنع) المذكور وفيها يقول المؤلف:

(قال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقري) وليس (المغربي) كما اثبت الأستاذ دهمان. وقرأت أيضاً في نسخة خطية لكتاب اسمه (مواقف القرآن) للداني نفسه، وجدتها في مكتبتنا، وقد كتبت سنة الخمسين بعد الألف، ما يلي:

(قال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقري الداني)

فيكون المقري إذن لقباً للداني.

ص: 54

ووجدت في كتاب (غاية النهاية في طبقات القراء) للعالم العلامة محمد بن الجزري ما يلي:

أبو عمرو الداني: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر، أبو عمرو الداني الأموي مولاهم، القرطبي، الإمام العلامة الحافظ أستاذ الأستاذين وشيخ مشايخ المقرئين. . . قدم (دانيه) واستوطنها فنسب إليها، وله تآليف حسان. . . منها كتاب (المقنع في رسم المصحف) وكتاب (المحكم في النقط) وكتاب (المحتوى في القراآت الشواذ) و. . . (غيرها. . .) وتوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة - طبقات القراء ج1 ص2091، طبعة برجستراسر والخامجي. اهـ

على أن عمل الأستاذ دهمان يستحق كل شكر وثناء.

(دمشق)

صلاح الدين المنجد

1 -

كتب ضائعة للمرحوم إسماعيل أدهم

قرأت في الأهرام ما كتبه الأستاذ الصحافي العجوز عن شقيقي المرحوم إسماعيل أحمد أدهم، وطالعت كذلك ما كتبه في الأهرام أيضاً الدكتور عبد الغني مصباح تعليقاً على مقال الأستاذ الصحافي العجوز. وقد أشار الدكتور مصباح في معرض كلامه إلى أثر من آثار أخي الفكرية، ألا وهو كتاب تحليلي عن (ابن الهيثم) العالم الرياضي الكبير.

وأزيد على هذا أن أخي الفقيد كان عثر على ثلاثة مخطوطات لم يسبق نشرها، وهذه المخطوطات لابن الهيثم، وكان أخي يشتغل قبيل وفاته في إعداد هذه المخطوطات للنشر، ويعدها للطبع، ورأيته يكتب هوامش لهذه المخطوطات ويعلق عليها، وأذكر أن من بين المخطوطات مخطوطاً عنوانه (الأثر الظاهر في أوجه القمر) أو شيء من هذا القبيل.

وكان الأستاذ سامي الكيالي صاحب مجلة الحديث الحلبية يعتزم إصدار مخطوط أو أكثر في مجلته، كما أن أخي حدثني بأنه سيتفق مع بعض الهيئات أو لجان النشر في شأن هذه المخطوطات. ولأخي الفقيد مخطوطات لم يطبعها، وهي كتب علمية رياضية، ومباحث تاريخية، ودراسات أدبية؛ فمن كتبه العلمية الرياضية كتابه (نظرية النسبية الخصوصية)، وكان قد نشر جانباً من هذا الكتاب في مجلة (الرسالة) في أواخر سنة 1935 وأوائل سنة

ص: 55

1936.

كما أن له كتاباً آخر اسماه (مبادئ الطبيعيَّات النظرية الحديثة) ويقع هذا الكتاب في نحو 320 صفحة من القطع الكبير وهناك كتاب ثالث بعنوان (نظرية النسبية وقيمتها العلمية) ويقع في مجلدين. هذا عدا مقالات رياضية مبعثرة هنا وهناك في شتى المجلات العربية. ولشقيقي المرحوم إسماعيل دراسة للشاعر المجيد الأستاذ خليل شيبوب، ودراسة أخرى للفيلسوف المتصوف اللبناني الأستاذ ميخائيل نعيمة، رفيق جبران.

وله من المباحث التاريخية كتاب (حياة محمد ونشأة الإسلام) ويقع في ستة أجزاء كبار، وفي نحو ثلاثة آلاف صفحة من القطع الكبير. ومباحث أخرى كان ينشرها في الصحف منها سلسلة من المباحث كان يكتبها في جريدة (البصير) خلال شهري أغسطس وسبتمبر سنة 1937 عنوانها (الصلات بين الإسرائيليين والعرب منذ أقدم العصور حتى الآن) وقد نقلت هذا المبحث جريدة الشمس القاهرية. وكذلك له قصة ترجمها عن الكاتب التركي المشهور رفيق بك خالد عنوانها (ابنة يزيد) وقد نشر نحو ثلثي القصة في مجلة الحديث، والثلث الأخير كان ترجمه وأرسله لمحرر المجلة، ولكنه ضاع في البريد ما بين الإسكندرية وحلب، ولعلي أستطيع أن أقوم بترجمة ما بقي من القصة. أو يقوم الأستاذ سامي الكيالي بذلك، لأن القصة ستخرج في كتاب.

وله غير ما ذكرت كتب أخرى لم تعها الذاكرة التي وهنت إزاء هذه الفاجعة الأليمة، وبعض هذه الكتب في النشوء والارتقاء، وبعضها في الفلسفة، وبعضها في النقد وغير ذلك.

ومن المهم أن أقول إن هذه الكتب كلها ضائعة أو في حكم الضائعة، لأن أخي رحمه الله وغفر له - نقل جميع آثاره وكل مكتبه بعد تصفيتها إلى مكان لا أزال أجهله حتى ألان، ولعله أودع هذه الكتب عند بعض أصحابه.

وأخيراً لي كلمة وهي أن بعض الناس وجدوا في وفاة أخي فرصة ليتحدثوا بألوان من القول، وأصناف من الكلام. وكثير منهم يهرفون بما لا يعرفون، وبعضهم يتحدث في أشياء إن تبد لهم تسؤهم، وهم في هذا لا يراعون حرمة الموت - الذي هو مصير كل حي - ولا يخشعون أمام جلاله.

ص: 56

2 -

تصويب

قرأت المقال البليغ الذي دبجته براعة الكاتب الكبير الأستاذ الزيات عن أخي الفقيد تحت عنوان (نهاية أديب) وقد لاحظت أن الأستاذ وقع في بعض الأخطاء، وكم كنت أود ألا يكون مثل هذا المقال البليغ محتاجاً إلى تصويب.

ذكر الأستاذ أن والدي رحمه الله تزوج من روسية ثم من مصرية بعد ذلك، والصواب أن والدي لم يتزوج من روسية ولا من مصرية.

وقال بعد ذلك: (ونكبت الإسكندرية الجميلة بالغارات الجوية الإيطالية فجلا أكثر الساكنين عن الثغر المروع، فأقفرت المنازل حتى منزل أدهم) والحقيقة أن منزلنا لم يخل من سكانه، وهو اليوم آهل بقاطنيه إلا شقة واحدة.

وعلى الأستاذ مني أزكى التحيات

(الإسكندرية)

إبراهيم أحمد أدهم

حدثني المرحوم أدهم أن أباه تزوج في مصر، وكان بين أولاد الزوجين الأولى والأخرى نزاع على ميراث فغلب على ظني أن الزوجة الثانية مصرية. أما خلو المنزل من ساكنيه فهي رواية قادم من الإسكندرية يزعم أن بينه وبين الفقيد معرفة.

(الزيات)

مسابقة الأدب العربي لطلاب السنة التوجيهية

اقترح معالي وزير المعارف إقامة مسابقة بين طلاب السنة التوجيهية في الأدب العربي. وقد خوطبت الجامعة في صدد المساهمة بمنح الفائزين مجانية كاملة أو نصف مجانية بكلياتها. وننشر فيما يلي قرار الوزارة في موضوعات المسابقة.

يمتحن المشتركون في المسابقة في الكتب الآتية:

أولاً: يمتحن الطلبة تحريرياً في الكتابين الآتيين:

(1)

ديوان إسماعيل صبري للمرحوم إسماعيل صبري باشا

ص: 57

(2)

تحرير المرأة للمرحوم قاسم بك أمين

ثانياً: يمتحن الطلبة شفوياً في ثلاثة كتب (على حسب اختيار الطالب) من الكتب الآتية:

(1)

الإنجليز في بلادهم للدكتور حافظ عفيفي باشا

(2)

رحلة أحمد حسنين لأحمد حسنين باشا

(3)

الأيام (الجزء الأول) للدكتور طه حسين بك

(4)

مطالعات في الكتب للأستاذ عباس العقاد

(5)

فيض الخاطر للأستاذ أحمد أمين

(6)

وحي الرسالة للأستاذ أحمد حسن الزيات

(7)

أهل الكهف للأستاذ توفيق الحكيم

(8)

مختارات للأستاذ عبد العزيز البشري

(9)

المنتخبات الجزء الأول لسعادة أحمد لطفي السيد باشا

وسيكون الامتحان في موضوعات حول هذه الكتب وفق بيان ستذيعه الوزارة على المدارس. وتضم درجة الناجحين في الامتحانين التحريري والشفوي إلى درجة اللغة العربية في امتحان شهادة الدراسة الثانوية القسم الخاص سنة 1941، ويرتب الطلبة في الامتحان وفق مجموع هذه الدرجات الثلاث، ولا يدخل هذا الترتيب إلا الناجحون في امتحان القسم الخاص. وستكون الجوائز التي تعكي للناجحين في هذه المسابقة كما يأتي:

للثلاثة الأول - مجانية كاملة بجامعة فؤاد الأول، (وموضوع تقريرها معروض على مجلس الجامعة) و20 جنيهاً لكل منهم. للثلاثة الذين يلونهم - نصف مجانية فؤاد الأول (وموضوع تقريرها معروض على مجلس الجامعة) و15 جنيهاً لكل منهم. للأربعة عشر طالباً التالين - 10 جنيهات لكل منهم.

وستكون المجانية في الجامعة مقتصرة على الطلبة الذين يستوفون الشروط للدخول في إحدى الكليات.

ويباح الدخول في هذه المسابقة لجميع الطلبة المقيدين في السنة المدرسية 1940 - 1941 بفرقة السنة الخامسة التوجيهية بالمدارس الأميرية والمدارس الحرة الخاضعة لتفتيش وزارة المعارف، ويكلف الطلبة الراغبون في دخول هذه المسابقة بشراء الكتب على نفقتهم

ص: 58

الخاصة وعليهم أن يقدموا طلباتهم إلى مراقبة الامتحانات بوزارة المعارف على الاستمارة الخاصة (ويمكن الحصول عليها من إحدى المدارس الثانوية الأميرية) في ميعاد غايته أول نوفمبر سنة 1940.

ص: 59

‌القصص

قصة واقعية

آخر الطريق

للأستاذ محمد سعيد العريان

على الضفة اليمنى من (بحر شبين) كان يقوم القصر الأبيض، كما يسميه أهل القرية والقرى المجاورة؛ وهو بيت مبني على طراز بيوت المدن، تفصل بينه وبين الطريق العام حديقة كبيرة تحنو على حوافيها أشجار ذات ظلال وأريج.

في هذا القصر كان يقيم (عبد الرحمن بك) وهو ضابط من ضباط الجيش القدماء، له ماض مجيد ووقائع مشهورة؛ فلما أسَنَّ وقعَد، هجر المدينة إلى الريف الهادئ، فاتخذ له بيتاً ومزرعة، وأقام حيث بنى القصر البيض في عز وجاه ومتعة.

وكان له ولد واحد أتاه على حين كبرة وهرم، فنشأ في الريف نشأة أهله، وتشرَّب من طباعهم وعاداتهم المأثورة؛ فلما بلغ السابعة بعث به أبوه إلى المدينة؛ فشدا من العلم ما شدا، ثم عاد ليقيم بجانب أبيه ويقوم على شئون مزرعته.

. . . لم يكن في القرية كلها، وفي القرى المجاورة، فتّى أعزُّ على أهله وعلى جيرانه من (عايد) بن عبد الرحمن بك؛ فإنه لفتى ريّان العود، ناضر الشباب، فيه دمائه الحَضَريَّ المتبَدِّي وشهامة القروي المتحِّضر، وإنه لوحيد أبيه وصاحب أمرِه، وأبوة سيِّد القرية العزيز الممتَّع.

وكان (عابد) في السابعة عشرة من عمره حين التقى بأمينة عيناً لعين، فوقع من نفسها ووقعتْ من نفسه؛ وكان جالساً في خُصٍّ إلى جانب من مزرعة أبيه حين مرَّت بن لأول مرة فأتبعها عينيه مأخوذاً، ومضت على وجهها مغضية من حياء، وهي تتمتم بالتحية. وابتدأ للحب تاريخ. . .

لم يكن أبو (أمينة) من ضباط الجيش القدماء؛ نعم، ولا كان له تاريخ ووقائع يباهي بها ويفتخر؛ ولا كان يملك قصراً ومزرعة؛ ولكن أمينة على ذلك قد استطاعت أن تغلب الفتى على نفسه وتملك قِيادَه. . .

ص: 60

ولما التقيا بعدُ على غفلة من العيون في ظل شجرة الصفصاف، والشمس تنفض آخر أشعتها على أوراق الشجر حمراء ملتهبة، نظر إليها ونظرتْ إليه، وكانت شفتها تختلج وفي عينيها عبرة؛ ودنا منها ومد إليها يداً وامتدَّت يداها إليه ترُدُّه، وهمستْ:(عابد!) وبرقت قطراتُ الدمع بين أهدابها؛ وتحدثتْ عينان إلى عينين؟ وأرخى الليل سدوله وما تزال أمينة في مجلسها وما يزال عابد؛ ثم نهضا فاتخذا طريقهما إلى القرية صامتين يتبادلان لمسة باليد كلما همَّتْ أن تجتاز قناة في طريقهما بين الحقول، يهم أن يعنها وتهم أن تستعينه؛ ثم افترقا قبل أن يبلغا أول أبيات القرية وما سألها ولا أجابت! وأوت أمينة إلى منامتها بجانب أخيها الصغير في دار أبيها يراوح القلق بين جنبيها، واتخذ عابد مقعده إلى جانب النافذة في غرفته من القصر الأبيض، يسرِّح عينيه في الفضاء المظلم الذي يغلّف دور القرويين ويلفُّها في صمت موحش؛ وأشرق الصبح وما تزال وما يزال!

كان عابد يعلم من نفسه ما يعلم الناس، أنه سيِّد نفسه، وأنه من المنزلة عند أبيه بحيث يحق له أن يتمنى وأن ينال؛ ولكنه إلى ذلك كان يشعر في أعماقه أن القدر يتربص به ليحول بينه وبين أعز أمانيه؛ أتراه يستطيع أن يقول ويكشف عن ذات نفسه؟ وماذا يقول أبوه ويقول الناس حين يصارحهم أنه يريد أن يتزوج أمينة؟

أمينة. . .؟ من تكون ومن يكون؟ هل هي إلا فتاة من فتيات يتمنين لو كن من خدم القصر الأبيض؟ نعم وإن أباها لواحد من عشرات يعيشون في ظل القصر الأبيض خَوَلاً وبطانة، إنه لسيد من يليه من الفلاحين ولكنه عبد وسيده، وإنه ليملك داراً وأفدنة كاسبة ولكنه مملوك؛ لأن القرية كلها ليس فيها إلا سيد واحد ومالك واحد. . .

كذلك كان عابد يفكر حين كانت أمينة راقدة في فراشها تفكر؛ وبكى الفتى حين تبين موقفه، وتمنى لو كان واحداً من سواد أهل القرية وله رأيه وإرادته، ولم يكن السيد العاجز. وبكت الفتاة حين تبينت موقفها وأعجزها أن تتمنى!

وقالت له: (سيدي. . .!)

وشد على يديها فلم يدعها تتمم، وقال:(أمينة. . .! ناديني باسمي يا حبيبتي! لست. . .)

ومال رأس على كتف، وامتزح الدمع بالدمع، وَتَرَوَّتْ الشفاهُ الظمأى، وتلاحقت أنفاس مبهورة؛ وهمت أن تقول، وهمّ أن يجيب، وماتت الكلمات على شفاه ترتجف، وتساءل قلب

ص: 61

وأجاب قلب، وتلاشى الوجود بينهما فلا شيء هناك إلا اثنين يتناجيان بلا كلام، وهبَّتْ نسمة ندية فالتقى غصنان ثم افترقا، وتهامست زهرتان ثم أمسكتا، وأطلّت عينان من فرجة السحاب تختلسان النظر، وازدحمت العيون على فروج الخباء تنظر؛ ثم انقشع السحاب وبرز القمر؛ وانكشف السر المختبئ في ضمير الليل، ثم عاد فاستتر؛ وكان على الغصن قمْريةٌ تغني، وكان غناؤها خفقات قلبين يتهامسان.

. . . وقام يودِّعها وقامتْ، وأبتعها عينيه حتى واراها الظلام ثم قَفل وفي قلبه نجوى وفي عينيه بريق، وعلى شفتيه مَذَاق، وفي أذنيه رنين!

وتتابعت لياليهما حافلة بأسباب الهناء والمسرة في غفلة من العيون، لم يطلع على سرهما أحد إلا النجم والزهر وغِرِّيدة الشجر وطابت له الحياة وطابت لها، لولا حديث بينه وبين نفسه يؤرقه كلما جن الليل، ولولا وساوسها!

وأجمع رأيه على أمر؛ وكأنما كان المسكين يتعجَّل آخرةَ هنائه حين بدا له أن يكشف صدره لأمه ويستعينها. . .

وقالت أمه وفي عينيها دهشة وفي وجهها غضب: (أمينة! وأنت لها يا عابد!)

وهتف الفتى في يأس: (أمِّي!)

ولكن أمه لم تجب، وأجابه أبوه؛ هل رأيت قطُّ قائداً في هيئته العسكرية قافلاً من معركة بنصف جنوده!

كذلك كان موقف عبد الرحمن بك من ولده في ذلك اليوم؛ وطأطأ الفتى رأسه يستمع إلى أبيه يحكم عليه باليأس والحرمان! ثم سقط على كرسيه باكياً ومضى أبوه إلى غرفته.

ولم يلتق عابد وأمينة منذ اليوم، وافترقا بلا وداع وما افترقا قطُّ إلا على ميعاد! ولزم الفتى غرفتَه مطويّاً على آلامه، لا يرى أحداً ولا يراه أحد؛ على حين كان ثلاثة نفر يعنيهم من أمره ما يشغلهم ليلَ نهار. . .

أما واحدةٌ فكان لها كل يوم مَغْدىً ومراح في مواعيدَ رتيبةٍ إلى شجرة الصفصاف القائمة على حافة الغدير، تتروّح عندها رَوْحَ الماضي في خفقة الغصن ورفة الزهر وأرج النسيم، ثم تروح وحيدةً دامعة العين!

وأما اثنان فرجلٌ وامرأة في خريف الحياة يتشاوران في أمر وحيدهما الذي يوشك أن يُضّله

ص: 62

الحب عن رشاده فيهوي إلى عار الأبدّ!

أربعة أشقياء لو شاءوا لاستقامت لهم الحياة واستقاموا لها فسَعِدوا، وضعتْهم التقاليدُ بين شِقَّي رحىً طحون تشوك أن تحطمهم حطمة الموت فلا نجاة!

وضاق الفتى لنفسه وضاقت به، ولم يطق الصبر بعد، فأجمع أن يكون سيد نفسه فلا يسمع لقول أحد، وأعلن العصيان!

وتهالك أبوه في مقعده وطأطأ رأسه وجاشت نفسه بآلامه، وتحيرت دمعتان في عيني الرجل الذي لم يبك قط، ووقف الفتى رافع الرأس وفي عينيه بريق الإرادة الصارمة، ونظرت أمه إليه فأطالت النظر، ثم هتفت بضراعة:(عابد!)

وظل الفتى صامتاً لا تطرف عيناه، فلو أن القدر يتحدث بلسان أمه ما ثناه عما اعتزم!

وبلعت أمه ريقها وابتسمت، وأشرقت في وجهها مسحة هدوء ظاهر؛ ثم أردفت:(أجاد أنت يا عابد؟)

وضحك الفتى ساخراً، وأجاب:(نعم، ولا بد. . .!)

ووقفت الأم، ثم تقدمت في خطوات ثابتة حتى وضعت يدها على كتفه، وقالت في لهجة الأمر والثقة:(ذلك حقك يا عابد، ولكن. . . ولكنك لن تفعل!)

وابتعد الفتى مغضباً وهو يقول: (بل إنني سأفعل، سأفعل؛ سأتزوجها ولو. . .)

وقاطعته أمه: (. . . ولو كانت أختَك. . . . . .!)

وسكت عابد وجحظت عيناه مدهوشاً؛ واسترسلت أمه: (. . . بلى؛ أنها أختك يا عابد؛ لقد رضعتها من ثدي واحدة دهراً طويلاً يا بنيَّ من طفولتك؛ أتراك تريد أن تتزوج أختك يا عابد. . . .؟!)

ودار رأسُ الفتى وأوشك أن يسقط، وتهاوى على كرسيه لا يكاد يعي، وغَشَّى عينيه الدمع. . .

وبدأ منذ اليوم تاريخ جديد، أما الفتى فراح يعالج نفسه بالصمت والوحدة لعله أن ينسى؛ ولكن صورتها ما برحت تتخايل لعينيه في فنون؛ لقد استطاع أن يقهر نفسه على السلوان ويسومها الرِّضا؛ ولكنه لم يستطع أن يتصامّ عن تأنيب الضمير ووخز الندم كلما تذكّر أن أمينة أختُه، وأنه نال منها ما لا ينال الأخ من أخته وترك لها خِزي الدهر وعار الأبد؛ فلا

ص: 63

كان لها منه حِفاظُ الأخ ولا وفاء الحبيب!

هذا واحد؛ أما الأب والأم فراحا يدبران أمرهما قبل أن ينتفض غزلهما، وإنهما ليحسان حيناً بعد حين آلاماً مُرةً من قسوة ما نال وحيدهما العزيز المرجوّ؛ فذهبا يعدان العدة لتزويجه قبل أن ينتكس ويعاوده مرضُه!

وأما هي، أما هي فكانت بين مَغْداها ومراحها كل يوم إلى شجرة الصفصاف ما تزال تأمل أملاً، أملاً يلوح ويخفي كما يتراءى القمر بين قطع السحاب، ولكنه أمل يمسك عليها نفسها. . . وبلغها النبأ أخيراً وعرفتْ أن فتاها يوشك أن يتزوج؛ وارتكضت أحشاؤها تنبئها نبأ آخر. . .

وكانت القرية ساطعة الأنوار احتفالاً بعرس عابد، حين كانت أمينة تدرع الظلماء في طريق لا تعرف له غاية!

وأصبحت القرية بعد ليلة ساهرة تبحث عن أمينة فلم يعرف لها خبر؛ ولكن سرها ظل مكتوماً لم يطلع عليه أحد؛ لأن الثلاثة الذين يعرفونه لم يكن يسرهم أن يعرفه أحد!

وراح أبوها وذوو قرابتها يتقصَّصون الخبر ويتبعون الأثر؛ فلم يبلغوا إلى غاية؛ وذهب الناس في الحدْس مذاهب، ولكن أحداً منهم لم يبلغ من سوء الظن أن يتهم أمينة تنال من شرفها؛ إذ كانت عندهم فوق الظنون والريب؛ فاتهموا بها وَحْشَ الفلاة ومَوْجَ البحر ولم يتهموها؛ وأقاموا لها مأتماً وقرءوا لها القرآن!

وسمع عابد النبأ فعرف ما كان، وأقام مأتمها في قلبه ولم يزل صدى أغاني العرس في أذنيه!

لم يسعد عابد بزواجه كما رجا أهلهُ، ولم ينس؛ وعاش كما قٌدِّر له، بين حُطام الأمل، ولوعة الذكرى، ولذْع الندم؛ صباحٌ ومساء، ونجم ينير ونجم يغور، والحياة هي الحياة إلا ما تُجدِّ له الذكرى من الألم وعذاب القلب ووخز الضمير!

كان ذلك منذ بضع عشرة سنة، وما يزال عابد كعهده يوم كان؛ لم يغيِّره الشيبُ الباكرُ شيئاً ولم تقوَ الأيام أن تمحو آلامه؛ على أنه اليوم يعيش منفرداً في القصر الأبيض كما عاش منفرداً بآلامه منذ سنين؛ وقد آل إليه القصر والمزرعة بعد وفاة أبيه وأمه، وعقمت زوجُه فلم تقدر أن تمنحه الولد، كما عقمت من قبل فلم تقدر أن تمنحه الحب؛ وعاش وعاشت كما

ص: 64

يعيش الضيف في غير أهله، فليس بينهما شابكة من حب ترِّفه عنه، ولا رابطة من أمل تقرِّ بها إليه؛ فلولا هذه الخادمة الصغيرة التي ترعاه وتلبِي نداءه وتبسم له لكانت حياته جحيما لا طاقة عليها ولا صبر معها؛ وقد اصطفاها عابد لخدمته الخاصة منذ بعيد؛ فليس لها من عمل في القصر إلا خدمته والترفيه عنه وليس لأحد غيره عليها حق.

وكانت (زهيرة) الخادمة حقيقة بهذه المكانة من سيدها؛ فكانت صَموتاً مطيعة لا تسبق إلى عمل في غير وقته ولا تؤخره وكأنما صنعت لها روحها ابتسامتها الدائمة، فلا تُرى إلا ضاحكة السن، تطِلْ من عينيها نفس صريحة فيها بريق الإخلاص والحب تنشر حولها جوّاً من الرضا والطمأنينة!

لم يكن ذلك شعورَ عابد وحده، ولكنه كان شعور الكافة من أصدقائه القليلين الذين يزورونه في قصره؛ على أن أحداً منهم لم يبلغ به حُسْنُ الرأي في (زهيرة) أكثر من هذا الحدّ؛ بل إنها كانت موضع التهمة في أمانتها عند بعض خدم القصر. فكثيراً ما اختفت أشياء من أشياء سيدها لم تكن تبلغ إليها يد غير يد زهيرة؛ ولكن سيدها كان من حسن الظن بها بحيث تنال منه ما تشاء لو أنها أرادت؛ فكيف يتهمها بمنديل أو خاتم أو صورة تختفي ولو شاءت لمدت يديها من المال إلى ما تريد؟

وبلغت (زهير) سن الشباب ونضجت أنوثتها، وكان لها جمال خَلق إلى جمال العثْرة وحسن الخلق؛ وخلا عابد إلى بعض صحابته يوماً يُسِرْ إليه حديثاً؛ وأجفل صاحبه مذعوراً وهو يقول:(وتفعلها يا عابد؟)

وسكت عابد، ولكن نفسه كانت تحدثه حديَثها. . .

ولما خلا عابد إلى نفسه أطلق العنان لأفكاره وسرح. . .

(وماذا عليه لو تزوَّجَها؟ وماذا يهمه حديث الناس؟)

هكذا راح يسأل نفسه في خلوته؛ لقد أحب عابد فتاته؛ ذلك شعور يحسه في نفسه إحساساً لم يحس مثله منذ بضع عشرة سنة فماله وللناس؟ وماذا يضطره إلى أن يصانعهم ليشتري رضاهم بسعادة نفسه؟ أو ليس يكفيه ما بذل من شبابه وراحة قلبه من أجل الناس؟

ودعا عابد فتاته فلبَّت ووقفت بين يديه صامته تنتظر ما يأمر؛ ونظر الرجل إليها نظرة جمعتْ له الزمانَ في لحظة فكر؛ وكأنما خيل إليه أنه قد رجع القهقري إلى ماضيه مع

ص: 65

أمينة يوم كان وكانت، وراحت الذكريات يمدّ بعضها بعضاً فتنشئ له أملاً وتبعث فيه نشوة؛ ووقف، وأراح على كتفها يداً ترتجف، وقال لها:(أمينة! أتقبلينني. . .!)

ورفعت إليه عينين فيهما حنان وحب، ثم أطرقتْ؛ وقالت:(سيدي!)

وكما سمعها مرة منذ بضع عشرة سنة من فم أمينة - طرقت مسمعيه الساعة؛ واستطردتْ: (لستُ لك يا سيدي، ولست لنفسي؛ إنني خادمتك!)

وانفلتت من بين يديه وذهبتْ. ومضت أيام قبل أن يعود إلى الحديث معها، وقالت:(سيدي!) وضمها إليه وهو يقول: (ناديني باسمي يا زهيرة؛ إنه أحبُّ إليّ!)

قالت: (ولكن لك اسماً آخر أحب إليّ؛ لقد أنبأتني أمي. . .!)

قال عابد: (أمك؟. . .)

قالت: (نعم، إنها أمي. . . أمينة؛ لقد أنبأتني أمس؛ لم أكن أعرف قبلها أن لي أباً، ولكني كنت أعرفه، وأحبه. . .!) وهوّتْ بين ذراعيه باكية!

وفي كوخٍ منفردٍ على حدود العمران، والشمس تنفض آخر أشعتها على أوراق الشجر حمراء ملتهبة، كان اثنان جالسين يتحدثان في همس، وثّمِّة فتاة على مقربة تصغي إليهما في شوق ولهفة، تحاول أن تعرف قصةً بدأتْ قبل أن تولَد ولم تنته إلى نهايتها بعد. . .

. . . وقال عابد: (إذن فلم ترضْعني أمُّكِ كما زعموا؟)

قالت: (ومن أين لها وقد ماتتْ أمي قبل أن يُبْنَى القصر الأبيض، ومن أين لك؟ لقد خلفتني أمي قبل أن أتم الرضاع فلم ألقم ثدياً بعدها قطّ، وجاءت بك سيدتي وأنت غلام تسابق الفَراش بين نوَّار الحقل، وكنتُ أدعوك سيدي!)

فابتسم عابد وقال: (ولكنك لن تدعيني بهذا الاسم بعد؟)

ومال رأس على كتف، وامتزج دمع بدمع، وتروَّت شفاهٌ ظمأى؛ وتلاحقت أنفاس مبهورة، وهمت أن تقول، وهمَّ أن يجيب، وماتت الكلمات على شفاه ترتجف؛ وتساءل قلب وأجاب قلب؛ وتلاشى الوجود بينهما فلا شيء هناك إلا اثنين يتناجيان بلا كلام. وهبت نسمة ندية فالتقى غصنان، وتهامست زهرتان، وأطلَّتْ عينان من فرجة السحاب تختلسان النظر، وازدحمت العيون على فروج الخباء تنظر؛ ثم انقشع السحاب وبرز القمر؛ وانكشف السر المختبئ في ضمير الليل. . .

ص: 66

واتخذا طريقهما إلى شجرة الصفصاف يجددان العهد ويبعثان الذكرى، مشيا صامتين يتبعهما ظلهما، ويتبادلان لمسة باليد كلما همَّتْ أن تجتاز قناة في طريقها بين الحقول، يهم أن يعينها وتهم أن تستعينه؛ وعاد الماضي كما بدأ؛ وتعاهدا لا يفترقان حتى يبلغا آخر الطريق؛ وعادى البهجة إلى القصر الأبيض، ورفَّ النور من شرفاته.

محمد سعيد العريان

ص: 67