الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 374
- بتاريخ: 02 - 09 - 1940
خواطر مهاجر.
. .
- 2 -
كأنما أقبل فيضان النيل في هذا الموسم متلكئاً منزوراً ليوائم طبع هذا العام في خصومة السلام وعداوة الخير!
وكأنما كانت كل سنة من عُمر الدنيا نشيداً من ملحمة القدَر تتألف أبياته من تفاعيل الخير أو من تفاعيل الشر ليصح منطق الكون فيما ينتج من أفعال الناس ومنطق الطبيعة!
كل شيء من الأشياء قد انحرف اليوم عن وضعه أو خرج عن مداره؛ لأن زلزلة الشر للأرض، وانفجار الدواهي على الناس، لابد أن يحدثا الفساد في كل معنى، ويبعثا الاضطراب في كل ذات. فمن توقع في هذه السنة النازية الجهنمية خيراً أو سكينة كان كمن يتلمس الصلاح في عمل الشيطان، ويتحسس الطرب في لحن الحزن!
يُخيَّل إليَّ وأنا أقرأ أنباء الحرب وأطالعُ أحوالَ الناس أن وشائج الإنسانية قد تقطَّعت بين بني آدم فوقعوا في فَترة منكرة من فترات الوحشية الأولى، فلا وفاء بين الآحاد، ولا ثقة بين الأمم، ولا حِجاز بين النفوس؛ وإنما يعيشون على الترصد والغيلة في فزع لا يغبّ وحذر لا يغفل. فإذا أخلف النيل بعض الإخلاف - وهو في رأي مترجمه (إميل لدّوج) معروف بخصائص الإنسانية العليا من الوفاء والسخاء والعدل - فإن ذلك لا يتنافر مع هذه الفوضى العامة المهلكة التي أصبح فيها الكذب سلاحاً مشروعاً يسمى الدعاية، والغدر سياسة مرسومة تسمى الوقاية، والخيانة خطة مدبرة تسمى الطابور الخامس!
على أن النيل أوفى منذ أيام فطمَي وزخر! ففي ذات بكرة من بكرة المنصورة الغريقة في النور والفتور والهدوء والعطر، رأيت من مشرف القهوة شاطئيه الظامئين قد شرقا من فيضه بدم الحياة أو بذوب النضار فهما يفقهان كما يفقه اليهودي ذو الربو الهرم! وأبصرت الزوارق التي تجر بالأمس على رمال القاع قد غدت على صفحته الذهبية المتموجة أشبه شيء بالحمام الطائر على حقول القمح إذا إستحصدت، أو بالفراش المبثوث على رياض الشقائق إذا توردت. ثم صور لي أن المدينتين المتقابلتين على ضفتي النهر المقدس الخالد قد صغتا إليه بوجوههما وقلوبهما كأنهما تؤديان إليه تحية العرفان، وإلى الله صلاة الشكر! حتى الكافورة بالغت أغصانها الشمالية في التدلي حتى أوشكت أن تقبل أمواجه المسلسلة
وهي تنساب في ظلها الظليل شادية بالثراء والغبطة!
حينئذ وجدتني على الرغم منى عانى الوجه له مستغرق الفكر فيه، يتردد في خاطري ما يردده الحيوان والشجر من تقديسه وتمجيده. ثم قر في نفسي أن بيني وبين هذه الشجرة القريبة وذلك الرجل البعيد قرابة شابكة، لأني شعرت أن بيني وبين من يسقيه النيل إخاء من رضاع الماء كما يكون بين الولد والوالد إخاء من رضاع اللبن! ووضح في ذهني الآن معنى ما يقول الناس من أن علاقة الفرد بالأمة هي علاقة الأخوة، وعلاقة الأمة بالوطن هي علاقة الأمومة. وكما يتجه في لحظات الصفاء الروحي فكر الأخ الممنوح إلى أخيه المحروم، اتجه فكرى في هذه الجلوة النفسية إلى ثرانا المكروب وأكبادنا الحرى في صحارينا الشرقية والغربية. فقلت لنفسي وأنا أردد الطرف الساهم في تيار النهر الجارف وداراته المدومة ولججه الفائرة: كيف خف على ضمائر ذوي العلم والرأي في وزارة الأشغال أن يدعوا هذا الفيض الحيوي العظيم يتدفق أربعة أشهر في لهوات النحر الأبيض دون أن يحبسوه بحيلة من حيل الفن الهندسي ليحيوا به موات الناس والأرض! لو كان لمهندسي الري في بلدنا مطمح تُشرف نفوسهم عليه غير أن يكونوا موظفين يسجلون المناسيب ويضبطون المناوبات ويتعهدون الجسور ويترقبون العلاوات، لوصلوا ما انقطع من أبحاث (ولكوكس) و (سرى) حتى يبلغوا بها الغاية التي يكون بعدها كل سها واحة وكل تل غابة. ولكن مهندسينا كسائر أهل الفكر فينا لا يعملون إلا للعيش؛ فإذا ضمنوه هدهدوا كسلهم الرخي اللذيذ على كرسي العمل الدوار في المكتب، أو على كرسي الهضم الهزاز في المنزل!
قالت نفسي وقد ساءها أن اتهم العلماء والمفكرين بقلة الوفاء بعهد الضمير: لعلهم لا يوفون بعهود الوطن والفكر إلا إذا قدمت الأمة إليهم العرائس كما كانت تقدمها إلى النيل من قبل، فقلت لها: لا جرم أن العرائس أو الجوائز هي أقوى الحوافز لقرائح العلماء والأدباء والفنانين، لأنهم خُلقوا لأنفسهم قبل أن يخلقوا للعلم والأدب والفن، فإذا لم يجدوا الجزاء على ما يبذلونه للناس ضنوا به أو أنزروه، ولكن النيل خلق لغيره كما يخلق النبي المرسل والزعيم الملهم؛ فوجوده أن يفيض، وعمله أن يعطي. ومن ذلك كان أصدق خلاله الوفاء والكرم، فهو منذ اتصلت منابعه بعيون السماء، وانشقت مجاريه في صدور الأرض، لا
يزال يفي بوعده ويجود برفده على القدر الذي يريده الله لا يملك زيادته ولا نقصه. وما كان الوفاء والسخاء غريزتين في المصري الحر إلا لأنه خلق من غرين نهره الحبيب ومائه. فهو لابد موفٍ بما عاهد عليه وإن تثاقل. والتثاقل مثبط عارض ينشأ من غفوة الضمير أو من كلال الذهن، فمتى نبه الدين الضمير وشحذ العمل الخاطر، عادت النفوس إلى جوهرها الخالص فسخت بما تملك؛ يومئذ لا تجدين عالماً يكسل، ولا غنياً يبخل، ولا سياسياً يكذب، ولا زعيماً يخون، ولا صانعاً يغش، ولا عاملاً يهمل؛ وإنما يجري أبناء النيل على أعراق النيل، ينشئون أطهاراً ويشبون أحراراً ويعملون أخياراً، ثم يذهبون أبراراً كما يذهب هذا النهر العظيم بعد أن يخُصب الجدب ويُنبت الحب ويرفع الحضارة ويقر السلام.
(المنصورة)
أحمد حسن الزيات
الحديث ذو شجون
للدكتور زكي مبارك
(عبد الوهاب عزام - ذكرى سعد - بين الدين والوطنية -
سلامة موسى رجل غير موفق - نكتة أدبية - على هامش
التاريخ المصري القديم، لسعادة الأستاذ عبد القادر حمزة باشا)
عبد الوهاب عزام
قلت مرات كثيرة: إن الشجاعة الأدبية لا تقف عند القدرة على أن تقول للمسيء أسأت، وإنما تسمو الشجاعة الأدبية فتصل إلى القدرة على أن تقول للمحسن أحسنت، لأن ذلك يشهد بأن الناقد يملك السيطرة على هوى النفس
وأنا أحب أن أقول كلمة في الدكتور (عبد الوهاب عزام) بعد أن سمعت المحاضرة التي ألقاها في المذياع عن (أخلاق القرآن) فقد بهرتْ بقلبي وعقلي، وأشعرتني بأن من العقوق أن أسكت عن توجيه القراء إلى متابعة هذا الباحث المفضال
وإنما وجب ذلك التوجيه لأن مباحث الدكتور عزام تتسم بالدقة وتخلو من البريق، فهو لا يجذب إليه من القارئين والسامعين غير طلاب المعاني، من الذين يعرفون من قبل أنه باحث على جانب عظيم من الدقة والعمق
فإذا استطعت بهذه الإشارة أن أدل قرائي على فضل هذا الباحث وأن أجذبهم إليه فسيذكرونني بالخير حين ينتفعون بما ينشر من مقالات أو يذيع من محاضرات
شعرت وأنا أسمع محاضرته عن أخلاق القرآن أن القرآن نزل أمس فهو يحدثنا بما نرى وما نسمع من معضلات الوجود، ومع أن الدكتور عزام أضاء روحي بهذا المعنى فما أحسست أنه تكلف أو تعسف أو حاول الظهور بمظهر الغيرة على الشريعة الإسلامية، فهو يُلقي كلاما فطرياً سمحاً لا زخرف فيه ولا تنميق، وهو ينقل إلى سامعيه آيات القرآن في لطف ورفق حتى لتكاد تحسب أنه وجدها مسطورة في صفحة واحدة من صفحات المصحف الشريف.
فإذا أضفنا إلى هذا أن الدكتور عزام رجل أريحي النفس، عذب الفكاهة، مصقول الحديث،
حضري الشمائل، أدركنا أنه من أعيان أهل الفضل في هذا الجيل.
ولو شئت لمضيت إلى آخر الشوط فقلت: إن صحبتي لهذا الصديق قد اتصلت بالفكر والروح أكثر من عشرين سنة، وما اذكر أبداً أني أحصيت عليه هفوة واحدة من هفوات الفكر والروح. في الدكتور عبد الوهاب عزام عيب واحد هو الهدوء، ولكنه هدوء الطمأنينة لا هدوء الخمود، فأرجو من القراء ومن المستمعين أن يذكروا أن هذا الرجل لا يكتب أو يتحدث إلا ليواجههم بأشياء من المعاني الصحاح في الأدب والخلق والدين والتاريخ.
ذكرى سعد
من تحصيل الحاصل أن أقول إني لم أكن وفدياً في يوم من الأيام، والوفد يعرف ذلك، ومن أجل هذا كان يتغاضى عما أبثه في مقالاتي من الدعوة إلى مبادئ الحزب الوطني حين كنت أشتغل بالتحرير في الجرائد الوفدية
وكنت أحضر الحفلات التي يقيمها الوفد لذكرى سعد تأييداً للمعنى الجميل الذي تنطوي عليه، ثم هجرت تلك الحفلات بعد أن صارت تقام في مكانين: أحدهما للهيئة الوفدية، وثانيها للهيئة السعدية، تجنباً للظهور بمظهر التحزب لأحد الفريقين، ولي فيهم أصدقاء أعزاء. وفي اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال تقام حفلتان لذكرى سعد، وكان في نيتي أن أحضر هاتين الحفلتين بلا تفريق لأواسي أصدقائي هنا وأصدقائي هناك
فما الذي صدني عن حضور هاتين الحفلتين؟
أذكر السبب فأقول:
لما مرض رفعة النحاس باشا ترفق سعادة الدكتور ماهر باشا ومضى لعيادته، على ما كان بينهما من ضغائن سود ووقفتهما حاقدين أمام محكمة الجنايات.
ولما عوفي النحاس باشا مضى لزيارة من عادوه من الكبراء، واتفق أن لم يجد الدكتور ماهر باشا في داره فترك له بطاقة وانصرف، وإلى هنا أدى النحاس باشا واجبه تأدية صحيحة، ولكنه رأى أنه كان يجب أن يشعر الدكتور ماهر بزيارته لينتظره، فترفق وأخبره بأنه سيزوره مرة ثانية، ثم كان تلاقٍ كريم بين صديقين قديمين فرقت بينهما اللجاجة الحزبية، وهي خلافة المآثم والعيوب.
هذا التصرف نبيل من هذين الرجلين، فهل تعرفون كيف كان تأثير هذا التصرف النبيل
في الجرائد الوفدية والسعدية؟ ظل التلاحي على ضرامه بين جريدة المصري وجريدة الدستور، ولسان حالهما يقول:
إذا ما الجُرح رم على فسادٍ
…
تبيَّن فيه تقصير الطبيب
فهل يُلام مثلي إذا أضجرته هذه الحال فلم يشترك في الاحتفال بذكرى سعد؟
للسياسة فنون، ومن فنون السياسة أن يكون الرجل أخاً صادقاً لجميع المواطنين، وكذلك تتحول السياسة إلى وطنية صحيحة تكره الهدم والتجريح.
اختلفوا ما طاب لكن الخلاف، يا بني وطني، فالخلاف دليل الحيوية، ثم احذروا العداوة والبغضاء، لأنهما لا يصدران عن أرباب القلوب.
بين الدين والوطنية
يظهر أن مقالي في نقد الأستاذ سلامة موسى لم يُرض جميع القراء، فقد تلقيت خطاباً صدر عن مدينة فارسكور، وهو خطاب لم يخل من تحامل، وإن كانت عبارات كاتبه تشهد بأنه من المطلعين، وكيف لا يكون كذلك وهو (ضبع)؟!
وأنا احرص أشد الحرص على إزالة ما قد يقع بيني وبين قرائي من أسباب الشقاق، لأني طيب القلب إلى أبعد الحدود، وإن قال قوم بأني سأكون من حطب جهنم، لطف الله بهم وهداني! فما الذي كنت قلت في ذلك المقال؟
أذكر أني قلت إن من واجب كل مصري أن يعطف على العروبة والإسلام، لأنهما سناد مصر في الشرق، وأذكر أني قلت إن اهتمام الأستاذ مكرم باشا عبيد بحفظ القرآن هو مظهر من مظاهر الوطنية؛ فجاء كاتب الخطاب من فارسكور يقول:
(أهذه هي مقاييس الوطنية؟) وأقول: نعم، هذه مقاييس الوطنية، بشهادة الأستاذ مكرم باشا عبيد
ولكن كيف؟
ظهر الأستاذ مكرم عبيد على مسرح السياسة سنة 1919 قبل أن يولد كاتب الخطاب من فارسكور، وكنت أنا يومئذ من المكتوين بنار الثورة المصرية؟ فهل يعرف الناس كيف التفتنا إلى مكرم عبيد في ذلك العهد؟
كان مكرم سكرتيراً لأحد المستشارين الإنجليز، ثم اندهش رئيسه من أن يشترك مع
الموظفين المضربين، وكان اندهاشه لأنه يعرف أن مكرم عبيد قبطي، ولأنه يتوهم أن الأقباط لا يشاركون المسلمين في الثورة على الاحتلال
ورأى مكرم أن يصحح موقفه أمام رئيسه فكتب إليه خطاباً يشرح فيه كيف استجاز لنفسه أن يضرب مع المضربين، وساق في ذلك خطاباً لأحد القسيسين الأقباط قال فيه:(إذا صح أن الأقلية القبطية ستكون عقبة في طريق الاستقلال فسندعو الأقباط جميعاً إلى الإسلام لتسقط حجة المحتلين)
وقد طبعنا خطاب مكرم عبيد إلى رئيسه الإنجليزي ومضينا فوزعناه على الجماهير لنذكي به روح الوحدة القومية
ثم ماذا؟
ثم نظر مكرم فرأى أن أبويه كانا سمياه (وليم) فاستغنى عن اسمه الأجنبي واكتفى باسمه الوطني، وهو اسم عبي صريح كان علماً لأحد الأقباط الأشراف بهذه البلاد.
ثم ماذا؟ ثم ماذا؟
ثم صرح مكرم باشا في خطبة شهيرة بأنه مسلمُ وطناً، وأزهري ثقافةً
فما معنى ذلك يا كاتب الخطاب من فارسكور، عليها أطيب التحيات؟
معناه أن مكرم باشا يرى الإسلام من أكبر عناصر الوطنية المصرية، وأن الثقافة الأزهرية من مظاهر تلك الوطنية
وإنما استحبت لنفسي أن أخوض في هذه الأحاديث الشوائك لأني واثق بأني لن أجد من يتهمني بالتعصب الديني، فأصدقائي الحقيقيون في مصر أكثرهم من الأقباط، ولي بين نصارى الشام والعراق إخوان أوفياء يروني أكرم صاحب وأوفى صديق، وأزاهم من أطيب الذخائر في حياتي، ومن مسالكهم النبيلة أستمد التأييد لهذا الرأي الصريح.
سلامة موسى رجل غير موفق
الأستاذ سلامة موسى صديق عزيز، وقد تحدثت عنه في مقالاتي ومؤلفاتي بما هو له أهل، وقد دفعت عنه قالة السوء حين كنت في العراق، فقد كتب الأديب مشكور الأسدي خطاباً وجهه إليّ في جريدة (الكلام) عن حقيقة سلامة موسى
ثم شاءت المقادير أن تعطل الجريدة قبل أن تنشر جوابي وهو ثناء مستطاب على الصديق
الذي كنت أحاربه بقلمي وأصافحه بقلبي
والحق أن الأستاذ سلامة موسى رجل غير موفق، فهو يغمز العروبة والإسلام من وقت إلى وقت بلا موجب معقول، وما ذكرناه بمسلك الأستاذ مكرم عبيد إلا لندله على أن عقلاء الرجال لهم مسالك غير التي يسلك، وهل كان مكرم باشا أول قبطي هدته الفطرة السليمة إلى أن القومية المصرية قومية إسلامية؟
أذكر في هذا المجال الأستاذ وهبي بك مدير المدارس القبطية في الجيل الماضي القريب، فهو الذي عرب أسماء تلاميذ من الأقباط ليرج بهم في غمار المجتمع الإسلامي
وأذكر الأستاذ وهيب بك دوس أحد خطبائنا الكبار، وأحد المتفوقين في الأدب العربي، وأحد العارفين بأسرار الشريعة الإسلامية. أنا المسئول عن حقيقة هذا الثناء، فما رأت عيني أديباً في مثل براعة وهيب دوس، مع استثناء أفراد قلائل يسيطرون على الحياة الأدبية، ويذيعون الثقافة المصرية في الشرق
وأذكر القس إبراهيم لوقا راعي الكنيسة القبطية بمصر الجديدة، وهو الذي اتهمته جريدة المكشوف بأنه ينقل عن بعض قساوسة لبنان، ولو رآه حاسدوه وهو يهدر باللغة الفصيحة لأيقنوا أنه في غنى عن انتهاب الأفكار والآراء.
وأذكر جريدة الإنذار بالمنيا وكنت أحسبها جريدة إسلامية لحرص صاحبها على نشر محاضرات الوعاظ من المسلمين
وخلاصة القول أن جمهور الأقباط في مصر لهم نزعة إسلامية عميقة ترجع إلى صدقهم في الوطنية. وقد كان الأقباط أصهار الرسول، وهي وشيجة يحفظها الكرام من جيل إلى جيل، وكذلك يصنع جميع الأفاضل من الأقباط، إلا رجلاً واحداً يتجنى على الإسلام من حين إلى حين، وهو الأستاذ سلامة موسى على أرجح الأقوال!
نكتة أدبية
قيل إن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كان يلام على اصطفائه للشاعر حافظ إبراهيم، وكان شاعرنا حافظ فيما يذيع المرجفون رقيق الخلق والدين، فقال الشيخ محمد عبده: لقد صحبني حافظ إبراهيم عشرة أعوام فما استطعت أن أهديه ولا استطاع أن يضلني!
وأقول إني صحبت الأستاذ سلامة موسى عشرة أعوام فاستطعت أن أهديه قليلاً، وما
استطاع أن يضلني؟
وهل ترجع أيامنا بجريدة البلاغ وكنا شبابنا نضطرم بجذوة الحرية العقلية؟
كنا نجلس في مكتب واحد وجهاً إلى وجه نتساقى حلو الأحاديث ومر المقالات
وهل فر الأستاذ سلامة موسى من وجه ناقد كما فر من وجهي؟
ومع ذلك كان هذا الرجل أول من يتقدم لنصرتي في أيام الشدائد، لأن سلامة رجل والرجال قليل
إليَّ يا صديقي، فما يستطيع الخلاف في الرأي أن يفسد ما بيني وبينك، لأن الصداقة رأي يفوق جميع الآراء، ونحن أولياء الصداقة في هذا الجيل المرتاب.
التاريخ المصري القديم
كنت قلت في العدد الصريح الذي أخرجته مجلة (الاثنين): إن الأستاذ عبد القادر حمزة باشا إمام من أئمة العقل، ولكنه لا يجيد إلا حين يغضب، وقد قلت غضباته منذ عامين
كذلك قلت، ولم أكن أعرف أن عبد القادر باشا سكت عامين ليستعد لإخراج كتابه النفيس (على هامش التاريخ المصري القديم)
فما هذا الكتاب؟
هو تحفة من تحف المنطق والعقل والذوق
هو سلسلة ذهبية تربط حاضر مصر بماضيها في ترافق وتلطف، وتروض المصري على الاقتناع بأنه نشأ في بلد كان المصدر الأصيل لجميع المدنيات
كان ابن العميد يقول: كتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً
وكذلك أقول في كتاب عبد القادر حمزة أو كتب عبد القادر حمزة، لأنه له أبحاثاً تاريخية سبقت كتابه الجديد، وهي نماذج حية لقوة الأدب وسيطرة العقل
لا تجد في هذا الكتاب عبارة تشعرك بأن المؤلف يعتسف في تفسير النصوص، أو يحاول إعطاء مصر ما ليست له بأهل، وإنما تشعر بأنه باحث صادق يحاول تبيين ما لمصر من مزايا ذاتية بلا تزبد ولا إسراف
ويظهر من كتاب عبد القادر باشا أن المؤرخين متفقون على أن مصر هي مهد المدنية في التاريخ، وأن هناك آراء في المفاضلة بينها وبين وطن الكلدان الذين كانوا يسكنون أحواض
الفرات
معنى ذلك أن الحضارة القديمة مدينة لبلدين اثنين هما مصر والعراق
ومعنى ذلك أيضاً أن المنافسة بين دجلة والفرات والنيل منافسة أزلية، وأن التشابه بين المصريين والعراقيين في الألوان والوجوه ومخارج الحروف له أصول ترجع إلى مئات الأجيال. كنا وكان العراقيون في التاريخ القديم
فمتى نرجع إلى السيطرة على العالم في التاريخ الحديث؟
(لا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة)
ولا بد يوماً أن ترد الودائع، ولو طال مطال الزمان.
زكي مبارك
خواطر في الحرب
للأستاذ محمد عرفة
حدثتني من لا أتهمها في الحديث أن زوجها بنى بها قبل الثورة العربية بقليل، وكان صغيراً وقد ترك له والده ضيعة واسعة، فلما كانت الثورة العرابية وهاجر الإسكندريون إلى البلاد التي يضنون فيها الأمن نزح كثير منهم إلى بلده وكان منهم فقراء ومعوزون فرأى حاجاتهم، ففرق فيهم البر الذي أغلته ضيعته حباً ودقيقاً وخبزاً، فدخلت على جارتي وذكرن صغر زوجي وما يستلزمه الصغر من السفه، وأنه فرق غلة العام على المهاجرين فاعذليه في ذلك، فإن لم يصخ فاشكيه إلى أبيك. قالت: فعذلته، فقال: ويك لا أسمع قول العاذلين
فشوكته إلى أبي فقال: يا بنيتي قدري أنك المهاجرة فهل كنت تودين أن يمنع ذوو المعروف عنك معروفهم. أو كنت تودين أن يعطوك الفضل من ما لهم وتحدقين على من لم يعط. يا بنيتي إن هؤلاء المهاجرين من كان آمناً في سربه، معافى في بدنه، واجداً قوت عامه، فكفى عن عذله، فلم يفعل إلا الصواب. هذا رأي أبي فما رأيك أنت؟، فقلت هبي رفقة فقد ضلوا في صحراء موحشة وقد فقدوا ماءهم إلا واحداً قد بقى معه فضل من مائه، أيجوز له أن يمنعه رفقته حتى يهلكوا عطشاً، أم يلزمه أن يعطيهم من فضل مائه ليستعينوا به على قطع الطريق حتى يصلوا إلى العمران؟ قالت: يلزمه ألا يمنعهم ماءه لئلا يهلكوا عطشاً، قلت وهذا ما فعله زوجك. وقد دار الدهر دورته وجاءت هذه الحرب وأضطر بعض أهل المدن إلى الهجرة إلى الريف، وإن منهم صناعاً تركوا صناعتهم، وعمالاً تركوا عملهم؛ فهل من أغنياء الأمة من يكونون لهم كما كان ذلك المحسن العظيم؟ قد كان في الإمكان أن نقول للحكومة افعلي، ولكننا اغتنمناها فرصة ليربى فينا خلق المحبة والإيثار، والكرم والإعطاء وروح التناصر والتعاون
إذا كنت رباً للقلوص فلا تدع
…
صديقك يمشي خلفها غير راكبِ
أنخْها فأردفْه فإن حملتكما
…
فذاك وإن كان للعقاب فعاقب
محمد عرفة
إلى الباكين على فرنسا أيضاً
بين أبراج العاج وأكواخ الطين
للأستاذ عبد المنعم خلاف
أنظر للحياة من أفق بعيد نظرة سكان الأبراج العاجية من الفلاسفة والصوفيين والعلماء المنتهين الراصدين للحياة من بعد، والذين هم في راحة بعالمهم الرحب الذي فيه لكل خطأ تصحيح ولكل إثم غفران. . . وحينئذ فلا علينا إن سقط وطن أو أهينت عقيدة أو هيض جناح قوم أو هضم حق؛ فإن هذه ظواهر أبدية للحرب بين الخير والشر، وهذه هي شئون الدنيا وسير دولابها:(فالكلاب على البقر) والذئاب على الغنم. . .؟
أم ننظر للحياة من قرب نظرة سكان الأكواخ من العبيد والمساكين والمضطهدين الذين يعيشون بغيظ المحروم، وحقد المغصوب، وشعور الذي يجد الحياة مباحة لكل نفس دخلت رحابها، ولكن يد الظلم هي التي قيدتها وضيقتها ووزعتها بموازين مختلة ومعايير قاسطة. . . فلسنا بعد هذه النظرة بمختلفين لشيء من دنيا الظالمين المترفين، ولا بباكين عليها حين تتحطم بعلومها وآدابها وفنونها وتهاويلها وتزاويقها:(فإذا مت ظمأنا فلا نزل القطر)، (وعليّ وعلى أعدائي يا رب)؟
إن الأبراج من طبيعتها العلو، والعلو من طبيعته كشف ما حوله من محيط واسع، وهو دائماً يجعل الأشياء الأرضية صغيرة حساً ومعنى. ومن طبيعته أيضاً البرودة والتجمد. . . ولكن الأكواخ من طبيعتها الالتصاق بقرار الأرض والإحساس بحرارة معترك الحياة فيها، والاختلاط والانبهام والتداخل بين مشاهدها؛ فلا تميز فيها بين كل حق وكل باطل، وكل بر وكل آثم، وخصوصاً فيما يتصل بالعداوات والحزازات
أما والله لو كان الذين يبكون على فرنسا من أمة غير العرب الذين ذاقوا من كيد فرنسا في مختلف بقاعهم وبخاصة شمال أفريقيا، لكان لهم بعض العذر في أن ينظروا لحياة قوميتهم وحياة أعدائها نظرة ساكني الأبراج العاجية الذين لديهم لكل إثم غفران، وعندهم المقدرة على رحمة أعدائهم ومباركة لاعنيهم. . . ولكن هؤلاء الباكين من أمة يضرها ويخونها أن ينظر فريق من أبنائها في غير الأفق الطبيعي الذي يليق بأمثالهم. يضرها أن ينظروا نظرة الباردين الذين ذهبت منهم (الوحشية) التي لابد منها لكل إنسان يحرص على حقه في
الحياة الكريمة التي تحفظه حراً لا يستعيد روحه وإن استعبد جسمه
إذاً فلننظر للحياة نظرة المدركين لوضعهم في الحياة، المحرومين من الحرية واجتماع الشمل، بل فلننظر للحياة نظرة المدركين لوضعهم في عين فرنسا نفسها؛ فهي تنظر إلينا كأعداء. . . وإن هذا الإدراك يدعونا دائماً إلى الكفاح لاستكمال سيادتنا ورفع النير الثقيل عن عاتق قوميتنا
ولنحذر من الإسراف في شهوات العقل والتمتع بالترف العقلي والبدني الذي هو لدى أعدائنا حتى لا يصيبنا التخدر والذهول عن وضعيتنا الراهنة، وإن للعقل شهوات تخدر الروح وتقعد بها عن الكفاح للحرية كشهوات البطن والفرج سواء بسواء!
هي في ميزان الأخلاق كالرشوة بالدينار والمرأة والكأس. فكل من خدرته دنيا الغاصبين لحقوق قوميته أو عقيدته فنسى وضعه في أعينهم، ومد عينه إلى ما عندهم من زينة الحياة وأحبهم من أجلها، ونسى مرارة العداوة، ولم يقف في صفوف المألومين من قومه، فهو لا شك مرتش قبض رشوته من شهوات عقله ونفسه.
إننا الآن نشاهد أمماً حرة عالمة مثقفة تحطم حياة أمم أخرى عالمة مثقفة حرة مثلها في سبيل إرضاء ما تعتقده كرامتها وكمال وجودها، ولا تبالي في هذا التحطيم بروح تلك الأمة المحطومة
ولا مواريث ثقافتها ولا متاحفها التي تبين عن (روحها الحلوة) والحاطم والمحطوم من أرق شعوب الأرض وبينهم رحم في التاريخ والجنس والعقيدة. . . ومع ذلك لا يفرقون في حربهم بين السياسة والفضيلة؛ فكيف يطلب من نحن المغيظين المحنقين المحرومين من كل شيء المنظور إلينا كأننا من أفق حيواني دنئ، أن نفرق بين أساليب أعدائنا الاستعمارية وبين روعهم الحلوة وثقافتهم الممتازة التي لم يقدموا لأبناء عقيدتنا وقوميتنا شيئاً منها إلا ما هو بمثابة السروج واللجم التي تمكنهم من ظهورهم؟!
بل أدهى من ذلك وأمر: يضع فلاسفتهم - وهم من سكان الأبراج العاجية التي توحي بسمو النظرة - الخطط لتحديد ما يقدم لأبناء قوميتنا من العلم وما يمنع عنهم: فهذا (غوستاف لوبون) الفيلسوف الفرنسي الذي لم ير العرب مثله إلا قليلاً في دفاعه عنهم وبيانه لتاريخهم وفضائلهم ووقوفه عل أسرار فكرهم وروحهم؛ تراه في كتاب (روح التربية) يعقد فصلاً
للبحث في تربية أبناء المستعمرات - ومنهم العرب الذين تحت حكم فرنسا - ينادي فيه بوجوب تحديد ما يقدم لهم من الثقافة بما لا يخرج عن نطاق التعليم الأولي. . .!
فأنت تراه حين تدور مصلحة قومه ووطنه ينزل من برجه العاجي، ويخلع ثوب الفيلسوف المنصف، ويلبس ثوب المستعمر الظالم والوصي الحريص الذي لا يريد للقاصر بلوغ رشده أبداً. . . وبهذا تلتقي نظرة بنظرات ساكني الأكواخ ورجال الشوارع وأرباب المال والأعمال ومحبي استذلال الشعوب من الفرنسيين الذين يعيشون في نطاق المصلحة المادية والأنانية الشعبية ولا ينظرون لمبادئ ثورتهم التي ملئوا الخافقين دعاية لها
والأمة التي يريد (لوبون) تقييد عقولها هي التي أخرجت (أبن خلدون) أبا فلسفة التاريخ والاجتماع اللذين نبغ فيهما (غوستاف). . . فيا للعقوق!
وعلى هذا فلا ضير على ولا جناح ولا ملام حين أطلب من الباكين لما نزل بفرنسا أن يبكوا عليها وحدهم بصوت خفيض لا يسمعه إخواننا العرب الباكون ليل نهار لما ينزل بهم من فرنسا. . . وإلا كان هذا البكاء منا شماتة بالعرب أنفسهم أو تبجحاً بجرح شعورهم الذي يتألم منذ مائة وخمسين سنة غداة احتلت فرنسا ديارهم ولم تسمح لهم بحرية العلم الذي هو وطن الإنسانية جميعها
وهل من الشماتة يا صديقي نجيب أن لأفرح لضعضعة سلطان غاشم جاثم على صدر بني ديني ودمي، لا يسمح لهم أن يتنفسوا أنفاس الحرية ويتمتعوا بالعلم والثقافة والنتاج العقلي الفرنسي الذي فتنك حتى أحببتهم ودافعت عنهم وبكيت لهم؟! وإذا كانت هذه شماتة فكيف يكون الشعور بالوطنية ووحي الدم المتحد؟!
إن كانت هذه شماتة فأنا أول الشامتين! وأنا بها إنسان موزون القوى صحيح الطبيعة، لم تخدرني عن واجباتي صوفية صناعية ومجاملة بلهاء في تغطية مشاعري نحو بني ديني ودمي.
وأنا بها أيضاً بريء من طفولة النظرة إلى ما عند أعداء قومي وديني، ومن الانخداع فيهم، ومن نسيان أول حق يجب أن يراعى، وهو حق الحياة والحرية والعلم
ونحن إذا طاوعنا أنفسنا في الافتنان بما عند الأوربيين من الفن والأدب خيره وشره، وألقينا إليهم السلم، ونسينا أنهم غصبوا حقنا الأول في الوجود، فأولى بنا أن نترك لهم
أوطاننا، وننحاز بحضارتنا الروحية التي من شأنها أن تعدل ماديتهم، وتكسر من شرتها وحدتها، إلى الصحارى لننجو بصحة العقائد في الحياة وربها، والقيمة السامية للإنسانية فيها
نعم، وذلك أولى من الفناء فيهم والإعجاب بهم إعجاباً يحملنا على نسيان نظرتهم إلينا، وعلى اغتفار جناياتهم على أرواحنا وعلى كرامتنا
إنهم يا نجيب هم الذين صيرونا كما ترى وكما تنعى (نعيش عليهم كما تعيش الطفيليات عبئاً على غيرها)
وأنك لتذكر أننا سبقنا اليابان في نهضتها المضارعة لنهضتهم الآن، وذلك بقيادة محمد علي ذي العمامة العجراء والجبة القوراء. . . ولكنهم هم الذين اشتركوا في تحطيم نهضتنا لنعيش عالة عليهم. . . فتنتفخ جيوبهم وتمتلئ ديارهم بألوان الترف والنعيم.
إنهم جعلوا همهم أن نكون سيئي الظن بأنفسنا، حتى أوشكنا أن نصدق دعاويهم فينا أننا أحط منهم بحيث لا يمكن أن نرقى إليهم. والله الذي خلق الناس أنواعاً يشهد ويشهد معه أولوا العلم، أن جوهر أبن آدم واحد ولكنها التربية والعلم هما (الحجران السحريان) اللذان يرفعانه إلى أعلى عليين أو يخفضانه إلى أسفل سافلين. . .
حين تكفر فرنسا بأغلى مواريث حضارتها، وهي مبادئ ثورتها، وتعذب الإنسان وهي التي زعمت وزعم لها أبواقها أنها معلنة حقوق الإنسان ووطن الأحرار، فكيف تطلب من يا نجيب أن نصدق فلسفتنا الفردية وأن نعشق روحها الحلوة التي تبين عنها فنونها؟! إنها كفرت بفلسفتها الإجمالية التي لم ترق لها مداداً على ورق بل أراقت لها دماً غزيراً وأزهقت في سبيلها أرواحاً لا عدد لها، وحطمت من أجلها ملكاً كبيراً في ثورة جنونية. . . فكيف تريدوننا أن نبكي على شيء من ميراثها بعد ذلك ولو كان أصفى ما أنتجه العقل وأروع ما أخرجه الفن، ما دامت الفلسفة الفردية والاجتماعية لم تؤثر في نفوس من يحكمون الناس باسمها؟
إذا كفر رسول برسالته فهو دجال مشعوذ لا يؤمن به إلا الحمقى والمغفلون وتابعوا كل ناعق ممن تنزات عقليتهم عن مقام أهل الفكر الذين وكل الله إليهم إدراك وجهة الحياة وإقامة الأحكام بالقسط على الناس. . .
إذا كان حقاً ما تقول من أن أبناء جميع المستعمرات يعاملون في فرنسا على قدم المساواة مع الفرنسيين. . . فهل نطلب من أبناء المستعمرات جميعاً أن يرحلوا عن أوطانهم ويسكنوا فرنسا ليحظوا بالحرية والكرامة والعلم والوقوف على قدم المساواة مع الفرنسيين؟ كلا! لن يبيع عرب الجزائر وتونس وطنهم بوطن آخر ولو كان فرنسا إلا إذا باع الفرنسيون وطنهم للألمان لأنهم احتلوه بالقوة والطغيان، وإلا إذا ذهبوا أوزاعاً وأخلاطاً ليسكنوا ألمانيا ويندمجوا فيها وينزلوا عن جنسيتهم ليحظوا بشرف المساواة مع السادة. . .
ويح عقول مثقفينا! بل ويلها! إنها في ظلال وخديعة ما يغنى لها أسف ذوى القلوب البسيطة التي تصدر عن سلامة الفطرة وبراءة الفكرة. . .
وبعد هذا، أنحن الذين (لم يقوموا بهذه الحركة الشامتة وهم متبينون ما يجري في نفوسهم، وأن بعضهم لم يكتب ما كتب مخلصاً لفكرة أو مؤمناً بحقيقة)؟
أنا ما (شهدت متاحف فرنسا ولا تلك اللوحات التي تصور بألوانها وظلالها جمال النفس ولا حلاوة الروح)، ولم أحبب كما تريدني يا نجيب هذه الروح الممتازة. . . إذ لا يمكن أن أحب جلادي قومي ومعطلي روحهم وقواهم وذكائهم الممتاز الذي حفظ شعلة الثقافة والعلم ونماها حتى أسلمها لهذه الأيدي العاقة الجاهلة بسير التاريخ وتقلباته بالدولات والأمم. . . فلا أفتن بالأصباغ والألوان الزاهية وأنسى الحقائق القائمة المعتمة. . .
ولم أشهد كذلك تلك اللوحات التي في (قاعة الوقائع) في فرساي، إذ ينبغي كأن نكون في شغل عنها برؤية الوقائع السود الدائمة والمعارك الظاهرة والخفية التي تشنها فرنسا على قومك في الشرق والغرب: في سوريا وشمال أفريقية. . .
لو سقطت فرنسا تحت أقدام قومي لخشعت في حضرتها (فما أنبل أن تخشع في حضرة عدوك يوم صريعاً تحت قدميك!) كما قلت يا نجيب. . . ولكن فرنسا حطمت وهي لا تزال جاثمة على صدر قومي. . . وقد فرحت لصرعها أملاً في أن يزحزحها قومي عن صدورهم ثم ينهضوا ليؤدوا لها تحية الخشوع التي تراها الأخلاق من النبل
أما الآن وفرنسا لا تزال سجانة في ديار العرب، وإن كانت سجينة في ديارها فكيف تطلب مني أن أبكي عليها وهي لا تزال ثقيلة الوطأة ثقل جثث الأموات. . .؟!
أولى بسكان الأبراج العاجية من كتاب العرب أن ينزلوا إلى منطق أهل الأكواخ المكتوين بنار الحياة حين يتحدثون عن قوميتهم وعقيدتهم كما يفعل أمثالهم في جميع الأمم قويها وضعيفها، وأن يتكلموا في هذه الحقبة من تاريخ الأمة العربية بلسان بني قومهم المحكومين المحرومين في أفريقية وأسيا، الذين لم يزوروا باريس أو غيرها ولم يفتنوا بدنياها. . . فإنهم لو تكلموا بلسان غير هذا، لكذبتهم الملايين التي استهلكت فرنسا قواها وتركنها تدخل إلى الحياة وتخرج منها، وهي على جهل وفقر وألم وسخط. وطبيعي أن الإنسان الأفريقي والأسيوي المحكوم بفرنسا هو أولى للناس بالحكم على النفس الفرنسية، لأنه هو الذي احتك بها وخبرها خبرة عملية في مجال وصايتها عليه، وعرف كذب فلسفتها وفنونها وإفلاسها في تهذيب أفضل عمل للإنسان: وهو الرياسة والسياسة
ولن يبالي هذا الإنسان المحكوم أكانت فرنسا حقيقة بلاد الفردوس المفقود في المواساة والعدالة والفن والعلم كما أراد أن يصورها الباكون عليها؛ أم كانت بناء قائماً على براكين اجتماعية وأنانية وتفسخ عائلي وتدليس اقتصادي كما يصورها عارفوها الذين لا يفتنون بالظواهر والقشور، وكما صورتها أحداثها الأخيرة التي رأينا فيها أكبر قائدين فيها كانا يقولان للفرنسيين قبل الهزيمة:(قاتلوا من أجل روح فرنسا!) ينقلبان بين عشية وضحاها بوقين يصبان اللعنات كل يوم على روح فرنسا. . . ويديران دفة الحكم تحت وصاية عدو فرنسا الأبدي إدارة ينظران فيها إلى اتجاهات أنظاره ومواقع رضاه. ولو أنتصر (فيجان) و (بتان) على الألمان لهتفا وهتف معهم الناس (المجد لروح فرنسا. . .)
في جميع الممالك التي أخضعتها ألمانيا من ابتداء الحرب، لم يسر الناس في موكب ألمانيا بمثل ما سار الفرنسيون، بل جميعهم قالوا لألمانيا: دونك فاحكمينا باسمك كما تشائين، ولكننا لن نحكم أنفسنا باسمك وبأسلوبك في الحكم
تلك ظاهرة تبين لنا أن فرنسا لم تكن مؤمنة بروحها، ولم تكن ممتلئة به. بل لا نبالغ إذا قلنا: إنها ليس لها روح يسيطر على أفرادها ويجعلهم يمثلون مثلاً أعلى يلمس في أغلبيتهم كما يلمس المثل الأعلى الإنجليزي في أغلب الإنجليز. . .
وخير ما نختم به هذا الحديث هو تلك النبذة التحليلية التي نشرها الأستاذ الصاوي صاحب (ما قل ودل) وصديق فرنسا المشهور قال: (وإذا عدنا إلى الفرنسيين - الذين ألقوا سلاحهم
- فماذا نجد في تحليل الخلق الفرنسي السياسي كما وصفه الداهية المجري (كورنيس)؟
نجد فرقاً شاسعا بين الخلقين الفرنسي والإنجليزي. فهما طرفا نقيض. ليس الفرنسيون شعب التطور التاريخي البطيء، ولكن شعب التغييرات الثورية الفجائية، شعب شديد التأثر قوي الاندفاع بلا (فرامل) ولا (صواميل). شعب (المأساة) لا (الرواية)، وخط تطوره ليس مستقيماً ولكنه كثير التعرج والمنعطفات. ففي آخر القرن الثامن عشر قلبت الأمة الفرنسية الحكومة الملكية باسم الديمقراطية والحرية، ومع ذلك لم تمض عشر سنوات حتى عادت فرنسا إمبراطورية مطلقة! ثم ارتدت فصارت ملكية محافظة! ثم تحولت إلى ملكية برجوازية حرة! ثم كانت ثورة أخرى ردت الجمهورية الثانية! ثم انقلاب حكومي أعاد للسلطة إمبراطوراً! ثم سقط هذا الإمبراطور في 1870 وعادت فرنسا إلى ما كانت عليه في 1739 إلى الجمهورية! فلا توجد على هذا أمة كفرنسا في اندفاعها وتحولها وانقلابها. . .) ثم قال الصاوي:(هل ترانا نفهم الآن بعض الفهم السر في أن الفرنسيين قد قالوا لهتلر (نعم) وأن الإنجليز قد قالوا (لا)؟
عبد المنعم خلاف
على هامش الحرب
الطابور الخامس في القرآن
المنافقون
للأستاذ عبد الرزاق إبراهيم حميدة
(لم ظهر النفاق في المدينة؟ - رأس المنافقين - أعمالهم
وصفاتهم زمن السلم - إظهار الإسلام وإخفاء الكفر الطعن في
النبي وآله - السعي في التفريق بين المسلمين)
قدمنا في المقال الثاني والثالث أن الجماعة الأولى من الطابور الخامس في القرآن هم اليهود، وذكرنا بتفصيل مقدار خطرهم وضررهم على النبي ودينه وأصحابه، والنوع الثاني أو الجماعة الثانية هم المنافقون:
كان بجانب اليهود جماعة من أهل المدينة وممن حولها من الأعراب تعمل جهدها سراً وجهراً على إضعاف الإسلام وتود أن يفنى المسلمون وتذهب ريحهم. أولئك هم المنافقون الذين لم يكن لهم وجود وعمل إلا بعد الهجرة، ويقول اللغويون أن النفاق كلمة لم توجد في الجاهلية، وإن القرآن قد جاء بها وصفاً لطائفة تبطن الكفر وتظهر الإيمان رغبة في الاستفادة من مغانم المسلمين، وفراراً من أثر الهزيمة إذا دارت على المؤمنين دائرة الحرب، وأملاً في استئصال النبي ودينه بطريقة مستورة
أما سبب ظهورهم بالمدينة دون مكة، فهو أن النبي قام يدعو إلى دين الله بمكة وهو وحيد، فعارضه أكثر أهلها وبخاصة الأشراف منهم حتى أشراف عشيرته الاقربين، فلم تكن بالذين تخلفوا عنه - وهم أهل الشرف والعزة بمكة - حاجه أن ينافقوا؛ وباعد بينهم وبين الدخول في الإسلام سراعاً خوفهم من ضياع مركزهم الأدبي وسلطانهم القبلي وتمسكهم بما كان عليه آباؤهم من دين وعادات
وكان الأمر على العكس من ذلك بالمدينة، فقد أسلم الكثيرون من سادتها وكبرائها وتبعهم أكثر أهلها، وزاد الإسلام فيها قوة بمن هاجر إليها من السابقين الأولين من المهاجرين،
ورَبَا عدد المسلمين فيها من عَدَاهم، فشعر المتخلفون عن الدين الجديد بضعفهم وعدم استطاعتهم المجاهرة بما في قلوبهم، ورأوا أن النفاق أسلم عاقبة وأشد خطراً وأعظم أثراً، ورأوا من الحكمة أن يقولوا:(آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم)، وأن ينتظروا الفرص السانحة لطعن المسلمين كما كان ذلك ممكناً
وكان رأس المنافقين بالمدينة عبد الله بن أُبي بن سلول، وكان شريفاً من أشراف يثرب، يطمع في أن تكون له السيادة والحكم فيها؛ فلما جاء النبي إليها وخضع أهلها لسلطانه ودانوا بمبادئه وعقيدته، ضاعت الفرصة من أبن أُبي، وأحزنه أن يكون ضياع سلطانه المنتظر، وخيبة أمله في السيادة، آتياً من رجل غريب عن يثرب، أخرجه قومه، وشردوا أصحابه في الآفاق. ورأى من الحكمة أن يُدارى، وان يدخل فيما دخل فيه الأكثرون ظاهراً، وإن لم يستطيع أن ينزع من قلبه المرض الخفي الذي ملأه نفاقاً، وسَالَمَ الرسول، وآمن بلسانه وفي نفسه ما فيها، حتى إذا حدث ما يدعو إلى إظهار الكفر سارع فيه ونال من المسلمين بلسانه ومكايده، وخذلهم في الحرب ووقت الشدائد.
وقد بين القرآن صفات المنافقين عامة، وهي صفات تدل عل أنهم كانوا من أشد أنواع الطابور الخامس أذى، وكان منهجهم في السلم أن يظهروا الإيمان، وأن يطعنوا في النبي وآله ويفروا من حكومته، ويرفضونها، وأن يفرقوا بين المؤمنين
أما الأمر الأول، وهو حقيقة نفاقهم فمذكور بتفصيل في الآيات الكريمة:(ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الأخر، وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا. وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً. ولهم عذاب أليم بما كانوا يكسبون. وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء؛ ألا أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوْا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون). وكانوا إذا جاءوا رسول الله أقسموا أنهم يشهدون أنه مرسل من ربه ليستروا نفاقهم بهذا القسم. وكان أبن أُبيٍّ رجلاً جسيماً صبيحاً فصيحاً ذلق اللسان، وكان قوم من المنافقين في مثل صفته، يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبي ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم، فنزل قوله تعالى في السورة المسماة باسمهم: (إذا جاءك
المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم أنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدُّوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون. ذلك بأنهم أمنوا ثم كفروا فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. وإذا رأيتهم تعجبُك أجسامهم، وإن يقولوا تسمعْ لقولهم كأنهم خشب مسنَّدة، يحسبون كلَّ صيحة عليهم، هم العدوُّ فأحذرْهم قاتلَهم اللهُ أنى يؤفكون)
وأما طعنهم في النبي فكان كثيراً، وكان من الطعن الذي لو ثبت لكان هادئاً للرسالة، وقاضياً على صاحبه، فكانوا يتهمونه بأنه يأخذ بعض المغانم ويستأثر به على غير علم من أصحابه. روى أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أُصيبَ من المشركين، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها، فنزل قوله تعالى:(وما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)
ولم يسلم آل البيت من مطاعنهم، فقد اشتركوا في حديث الإفك، وادعوا على عائشة أنها خانت النبي، وكان الذي تولى كبر هذا الإفك من المنافقين، وهو أبن أُبي
أما حديث الإفك فهو أن الرسول الكريم كان يأخذ معه بعض نسائه في الغزوات، وكانت عائشة معه في غزوة بني المصطلق، وكانت صغيرة السن، خفيفة الجسم، فنزل الجيش ذات ليلة، ثم ارتحل، وحمل هودج عائشة على جملها، ولم يدر حاملوه إن كانت فيه أم لا.
كان يجيء وراء جيش المؤمنين صفوان بن المعطل يحمل ما يكون قد تخلف من الجيش، فلما رآها غض بصره، وأركبها ناقته، وعاد بها إلى المدينة. فلما مر بابن أُبي قال: من هذه؟ قالوا عائشة. فقال والله ما نجت منه ولا نجا منها، ثم قال: امرأة النبي باتت مع رجل ثم جاء يقودها! وانتشرت مقالته، وسمع النبي الخبر، فأحزنه ذلك أشد الحزن، لأنها كانت أحب نساءه إليه، فهي بنت الصديق صاحبه في الغار، ورفيقه في الهجرة، وهي التي أختارها الله لنبيه، وزوجها له بوحيه. فما هذا؟ سبحانك! هذا بهتان عظيم!
استشار النبي أصحابه في الأمر، فأشار بعضهم بطلاقها، وظن بعضهم خيراً، ولم يشك في طهارة بيت النبوة، ومرضت عائشة زمناً وهي لا تدري من أمر هذا الإفك شيئاً. وحزن أبو بكر أشد الحزن، وحزن المسلمون حزناً عظيماً، وتطرق الشك إلى نفوس بعض الناس. فكيف يكون الموقف إذا تطرق الشك إلى بيت النبوة؟ وما يكون مركز المسلمين، وهم
عرب، للعرض عندهم شأن أي شأن؟ وهل يبقى ضعاف الإيمان أتباعاً لمحمد إذا ثبت على زوجته ما رُميت به من زور وبهتان؟ لابد من وحي يبرئها، ويثبت طهارتها، ويلعن من افترى عليها، وبخاصة رئيس العصبة التي جاءت بالإفك، وهو رأس المنافقين، ونزل قوله تعالى:(إن الذين جاءوا بالإفكِ عُصبةٌ منكم، لا تحسبُوهُ شراً لكم، بل هو خير لكم، لكل امرئٍ منهم ما أكتسب من الإثم، والذي توّلى كبْرَهُ منهم له عذابٌ عظيم) فثبتت عفة عائشة وطهرها، وحد الرسول من جاءوا بالإفك حد القذف، ولعنهم الله في الدنيا والآخرة، إلا الذين تابوا. ورد الله كيد أبن أُبي في نحره، ونجا الإسلام من الفتنة التي أرادها بالطعن في الصديقة بنت الصديق.
وكانوا يأبون الاحتكام إلى النبي وإلى كتابه إلا إذا كان على وفق هواهم. وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالَوْا إلى ما أنزلَ اللهُ وإلى الرسول، رأيتَ المنافقينَ يصدُّونَ عنك صدوداً). وأبى الله أن يقبل منهم إيماناً إلا إذا قبلوا حكومة الرسول عن طيب خاطر. فقال: (فلا َوَرِّبك لا يؤمنون حتى يُحَكِّموك فيما شَجَرَ بينهم، ثم لا يَجِدُوا في أنفسِهم حَرَجاً مما قَضَيْتَ، ويُسَلِّموا تسليماً)
وكانوا يستمعون من المؤمنين ويعرفون أسرارهم وخططهم الحربية، وما في نفوسهم من ثقة بالفوز أو خوف واستشعار، ويذيعون ذلك ويتحدثون به، فيبلغ الأعداء، فيكون في ذلك مفسدة؛ قال الله سبحانه:(وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذَاعوا بهِ، ولو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أُوِلي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يَسْتنبِطونه منهم)
وكان من أسباب نفاقهم أنهم كانوا يودون الربح من وراء هذا النفاق؛ فإن انتصر المؤمنون قاسموهم في الغنائم، وإن انتصر المشركون انحازوا إليهم، وبينوا أن ذلك كان من فضل نفاقهم، وأولئك هم الذين وصفهم الله للنبي الكريم في سورة النساء فقال:(الذين يتربصون بكم، فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيبٌ قالوا ألم نسْتَحْوِذْ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟)
وكانوا (يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعا) ويعدون الذين كفروا من أهل الكتاب أن يكونوا معهم على النبي وأن يخرجوا معهم من المدينة إذا أخرجهم المؤمنون منها، كما بين سبحانه ذلك في سورة الحشر، قال سبحانه:
(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب) وهم بنو النضير (لئن أُخرجتم لنَخْرُجَنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم. والله يشهد إنهم لكاذبون) فقد أُخرج بنو النضير من المدينة ولم ينصرهم المنافقون ولم يخرجوا معهم بل بقوا في المدينة يخذلون المؤمنين في الحرب كما خذلوا بني النضير، ويلتمسون المعاذير لقعودهم في الجهاد في سبيل الله كما سيأتي بيانه
وكانوا (لا يأتون الصلاة إلا وهم كُسالَى، ولا يُنْفقون إلا وهم كارهون)
ولم يسلم النبي من سخطهم عليه في توزيع الصدقات. فكانوا يتهمونه بعدم العدالة في تفريقها إذا لم ينلهم منها شيء (ومنهم من يَلْمِزُكَ في الصدقات. فإن أُعْطوا منها رَضُوا وإن لم يُعْطَوْا منها إذا هم يسخطون)
وكانوا يتهمون النبي بالغفلة، وأنه يصدف كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، وهم الذين قال الله فيهم:(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أُذنٌ، قل أُذنُ خَيْرٍ لكم، يؤمنُ بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)
وكانوا يستمعون آيات الله ويهزءون بها، كما كان يفعل أهل مكة من المشركين. وكانوا يفعلون ذلك عل مسمع من المؤمنين وفي مجالسهم، فنهى الله المؤمنين عن مجالستهم ماداموا على هذا الاستهزاء، وأوعد الكافرين والمنافقين أن يجمعهم في جهنم، وقال للمؤمنين:(وقد نزَّلَ عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأُ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم - في الإثم لا في الكفر - إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً)
وكان منهم قوم ماهرون في إخفاء النفاق وستر الكفر إلى درجة عظيمة، فخفي أمرهم حتى على النبي، وهو اللبق الفطن، الذي لا يعدله أحد ذكاء وقوة وفراسة، وشدة فطنة، وخاطبه الله فيهم قائلاً:(وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم)
وفي غزوة بني المصطلق أرادوا أن يفرقوا بين المهاجرين والأنصار، وأوعد عبد الله أبن أبي المهاجرين أن يخرجهم من المدينة. وتفصيل ذلك أنه بعد انهزام بني المصطلق بقيادة رئيسهم الحارث بن ضرار عند ماء يقال له (المرْيسيع) في السنة السادسة من الهجرة،
تزاحم مهاجرٌ وأنصاري على ماء، فلطم المهاجرُ الأنصاري، وكان هذا حليفاً لأبن أُبي، فلما سمع ابن أُبي الخبر أخذته حمية الجاهلية، وأراد أن يغري الأنصار بالمهاجرين، وقال: والله ما صحبنا محمداً إلا لنلطم! والله ما مثلُنا ومثلُهم إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. وعنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله. ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، وأما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. فسمع بذلك زيد أبن أرقم وهو حَدَث، فقال له: أنت والله الذليل القليل في قومك، ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين. فخاف أبن أُبي العاقبة. وأخبر زيدُ رسول الله الخبر، فأراد عمر أن يضرب عنق أبن أبي، فقال رسول الله: إذن ترعد أنف كثيرة بالمدينة. أليست هذه النتيجة التي تحاشاها الرسول هي ما يسعى إليه المنافقون؟ فأقترح عمر أن يقتله رجل من الأنصار. فقال النبي الكريم: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ ثم قال النبي الكريم لعبد الله: أأنت صاحب هذا الكلام؟ فحلف بالله ما قال، وإن زيداً لكاذب. ولكن الله كذبه وصدق زيداً بقوله:(هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى يَنْفُّضوا ولله خزائن السماوات والأرض، ولكن المنافقين لا يفقهون. يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذَلَّ. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)
هذه أعمال المنافقين ومكايدهم، وغايتهم منها استئصال الإسلام وطرد النبي من المدينة، وتنفير الناس من دينه بإشاعة السوء عنه وعن أهله، وإنشاء ذلك المسجد آخر الأمر ليدبروا فيه دسائسهم، ولكن الله كان لهم بالمرصاد، وانكشفت حقائقهم ونجا المسلمون من شرهم؛ ثم نُهُوا عن مصافاتهم والانخداع بأقوالهم. أما أعمالهم التي رغبوا أن تجر الويلات على المسلمين في الحرب فموعدنا بها العدد القادم.
عبد الرزاق إبراهيم حميدة
نجوى!
عاصف مَلال. . .!
للأستاذ محمود حسن إسماعيل
سَئِمْتُ مُقامِيَ فَوْقَ الذُّرَا. . .
…
فَأَيَّانَ أَمْضِي غَداً يا تُرَى؟!
سَئِمْتُ وَدَوَّى بِقَلْبِي الْمَلَالُ
…
كَمَا عَاصِفُ في الدُّجى زَمْجَرَا
أمَامِي ضَيَابٌ، وَخَلْفِي ضَبَابٌ
…
وَأُفْقِيَ غَشَّى عَلَيْهِ الْكَرَى
فَلَا في السَّمَاءِ أَرَى وَمْضَةً
…
تُعَزِّى أَسَايَ، وَلَا في الثُرَى
وَحَوْلِي حَضِيضٌ، بأَوْحَاِلهِ
…
تَخَبَّطَ في اْلإِثْمِ رَكْبُ الْوَرَى
وَحَتَّى ضِفاَفُ الرُّؤَى عِفْتُهَا
…
فَمَا في حِماهَا لِرُوحِي سُرَى
وَحَتَّى الْخَيَالُ الّذِي هَزَّني
…
وَأَرْعَشَ لِي سِحْرُهُ المِزْهَرَا؛
تَبَرَّمْتُ يا جِنُّ، فامْضِي بهِ
…
رُفَاتاً مِنَ الصَّمْتِ لَنْ يُنْشَرَا!
وَمَا عَالَمُ الشِّعْرِ هذَا الْفَسِيحُ
…
سِوَى طَيْفِ حُزْنٍ بِعُمْرِي سَرَى
سَئِمتُ! وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ سنَاً
…
عَلَى ظُلْمَةِ الرُّوح قَدْ نَوَّرَا
من الحب! أو من فنائي الذي
…
يُغَمْغِمُ لِي في سُفُوح الذُّرَا
من عجائب الفهم أيضاً!
للأستاذ زكي طليمات
كتب (الناقد الأديب) مقاله الأول في العدد (368) فساق القول من أطرافه، ولم يعرج على المذاهب الفلسفية ألبتة، حتى بما يصح أن يدّعم به اتهاماته ويقوم دعواه، فلم يفطن إلى أن قصيدة الأستاذ العقاد عرض وتحليل لنظرية (كانت) في المعرفة، ولم يرد توطئة (مفرق الطريق) إلى فلسفة ما. ولكن ما أن تحدثنا في الفلسفة، ذلك في الرد على ذلك المقال الأول، وتحدثنا فيها بالقدر الذي لا يثقل على القارئ لننزل الأمور منازلها الصحيحة ونوجه القارئ إلى الحق، حتى أخذ (الناقد الأديب) بأسباب الفلسفة، وحديث الفلسفة متمعج لزج، وله أرض رخوة تنزلج القدم عليها، أو هي تسوخ فيها، فلا تقتلع إلا لتزداد بعد ذلك سوخاً، ما لم يضرب السائر في الدرب الأمين. فساق في مقاله الثاني في العدد (372) أقوالاً وأصدر أحكاماً يغلفها التعسف الواضح، والنقد المتعسف، كما هو معلوم من أسوء النقد، وهو مطية للخطأ.
زعم (الناقد الأديب) في مقاله الأول أن مسرحية (مفرق الطريق) إنما تقوم على الفكرة الفلسفية التي أنشأ عليها الأستاذ العقاد قصيدته (القمة الباردة)؛ فكان أن قررنا في الرد على هذا الزعم - وذلك في مقالنا السابق - أن الأمر غير ذلك، لأن قصيدة (القمة الباردة) تقديماً وشعراً، ما هي إلا عرض وتحليل لمذهب الفيلسوف (كانت) في مسألة المعرفة، والمعرفة هي الفحص عن الصلة بين الذات والموضوع، هذا في حين أن (مفرق الطريق) تعالج حالة نفسية غامضة، معالجة تمت بوسائلها إلى المذهب الباطني الذي أحكم أمره الفيلسوف (برجسون). وهو مذهب يعتمد على البصيرة والإحساس الدفين - لا الدقيق - والإدراك الصرف مع إهمال ظواهر العالم وطلب خفاياه وبواطنه، وأيدت ذلك بالبرهان القاطع، فماذا كان رد (الناقد الأديب) على ذلك الإيضاح؟
لم يدحض ما أيدناه بالبرهان، بل أنه لم يتصد له وجهاً لوجه بل راوغ وداور ليعبر عنه عبراً. فإذا هو يومئ إلى أن قصيدة العقاد في (القمة الباردة) ترجع إلى أصول من فلسفة (كانت)، يصنع ذلك في نفس الوقت الذي يصرح فيه بأن (مفرق الطريق) إنما تقوم على خليط فلسفي، خليط فيه من (كانت) ومن (برجسون) وفيه أيضاً من (إبسن) ومن أشياء
أخرى
إذن (فالناقد الأدبي) يعترف مكرهاً بأن مفرق الطريق ليست من (كانت) وحده، أي ليست من العين الفلسفي الذي أغترف منه دون غيره الأستاذ العقاد في قصيدته (القمة الباردة) وهو يعترف بهذا ولكن يتواري في اعترافه وراء أقوال أخرى - هي من الدخان الذي يطلق لينشئ ستراً يمهد لنقلة عاجلة من وضع إلى آخر في غفلة من العين - فيزعم أن (مفرق الطريق) فيها أيضاً من (برجسون) وفيها من (أبسن) يزعم هذا هو لا يدري أن أقواله هذه تناقض ما قاله في مقاله الأول، وأنه ينزل مكرهاً على ما قررناه من أن (مفرق الطريق) تمت إلى فلسفة (برجسون) بل هو يتورط في خطأ جديد، أو يدس اسم (إبسن) في معرض حديثه عن الفلسفات مع (كانت) و (برجسون) في حين أن ليست (لإبسن) مدرسة فلسفية قائمة بمعالمها وحدودها، إذ أن كل ما لهذا المؤلف النرويجي العظيم أسلوبه الخاص في التفكير ومعالجة الشؤون الاجتماعية!
كيف تأنى إذن أن تكون مسرحية (مفرق الطريق) في زعم (الناقد الأديب) من (كانت) مقتبسة من قصيدة العقاد - وهو ما صرح به في مقاله الأول - ثم كيف تأتي أن تكون المسرحية نفسها من (كانت وبرجسون وأبسن) - وذلك في مقاله الثاني - ولما تلبس المسرحية لبوساً غير لبوسها الأول!!
ويمتد بنا التساؤل فنقول: كيف يتأتى أن يجتمع (كانت) و (برجسون) في صعيد واحد، ولكل من الفيلسوفين مذهبه الخاص، ولكل وسائله، وهي لدى كل منهما متغايرة متباينة؟؟ وما دمنا في صدد الفلسفة نرى لزاماً علينا أن ننبه (الناقد الأديب) إلى إقحامه اسم الأستاذ في رده، تهويل محض، لا يؤخذ به من فقه (برجسون). وأغلب الظن أن (الناقد الأديب) ركب هذا الحرج ليوهم بأن مذهب (برجسون) لا صلة له بالمذهب والتصوفي من حيث المنهج، وقد أعتمد في هذه النقطة على (بحوث الأستاذ لوروا الأخيرة عن برجسون). وفي هذه الدعوى انحراف عن الصحة، فقد ورد في الجزء الأول من بحوث الأستاذ لوروا أن البصيرة عند (برجسون) إنما هي انطواء النفس على ذاتها وتوحيد الروح كلها، تواقة إلى المعرفة التأملية. كذلك قرر لوروا (أنه لا يرى شيئاً أشبه بطريقة (برجسون) القائمة على البصيرة والتأمل من طريقة المتصوفة من غير اتحاد تام) وعلل ذلك بقوله: (إن مصدر
الشبه كائن في توافق المقصد، وهو الرجوع إلى الأمر المباشر)
ولا يسعنا مع ذلك إلا أن نقرر أن هناك قصداً مرسوماً من جانب (الناقد الأديب) في أن يورد معارض من القول الذي يمت إلى حديث الفلسفة، فيه كثير من الخليط واللبس، أو الخلط المتعمد واللبس المقصود، إرادة صرف الأذهان عن جوهر الموضوع
إذن فنلخص الدعوى في مرحلتنا الأولى لنطالعها في مراحلها التالية:
حاول (الناقد الأديب) في مقاله الأول أن يتهم بشر فارس بأنه أقتبس الفكرة الفلسفية التي تقوم عليها مسرحية من قصيدة العقاد، فلما رددنا عليه اتهامه قام يناشد الفلسفة أن تمده فلم تواته الفلسفة بشيء. ولما أيقن أنه لم يوفق في إقامة دعوى الاقتباس، خرج علينا بتهويل جديد، مجمله أن ليس في مسرحية (مفرق الطريق) شيء يستحق النظر، وأن المذهب الرمزي في الأدب، وهو المذهب الذي تمت إليه المسرحية، ليس إلا ضباباً كثيفاً من (الإبهام والإبهام) يضفي على الكائنات مسحة من الروعة والهول، ولكن كلما أقترب منها الإنسان تضاءلت هذه الكائنات
أما أن هذه المسرحية ليس فيها ما يستحق النظر فأمر مرده إلى أحد شيئين: إما أن (الناقد الأديب) ينظر إلى المسرحية بعين واحدة ويسمعها بأذن واحدة فهو يصدف عن كل ممكن للحس فيها، وإما أن الفهم لم يواتيه بما يجب أن يواتيه لعله لا نعرفها
وأما أن الرمزية لا تروق الناقد الأديب؛ فهذا شيء يخصه، ولا شأن له بالجودة الذاتية للمسرحية
وختاماً نهمس في أذن الأستاذ (الناقد الأديب):
إلى متى يطول أمر هذا التستر فيما ينشره، ولماذا لا يذيل ما يكتبه باسمه الصريح، وقد نزلنا إليه سافرين غير مقنعين، وتبادلنا أنخاب الرأي في شئون تبعث الرغبة في نفس القارئ على أن يعرف حقيقة الطرف الثاني؟
لهذا نقول للأستاذ (الناقد الأديب)، إننا له في كل ما يريد على شريطة أن يكشف عن وجهه، وإلا فإننا لن ننزل إلى ميدان الرد عليه بعد ذلك.
زكي طليمات
7 - إلى أرض النبوة!
للأستاذ علي الطنطاوي
كان أجدادنا الشاميون المتمسكون بالسنة، إذا دخلوا تبوك أخذوا (كما يزعم ابن بطوطة) أسلحتهم، وجردوا سيوفهم وحملوا على المنزل، وضربوا النخيل بسيوفهم. . . يقولون هكذا دخلها رسول الله.
ولو كان أجدادنا (أعقل) من ذلك، لضربوا بسيوف كسيوف خطباء المنابر في مصر، التي وصفها الإمام الرافعي رحمه الله في تلك المقالة (الدماعة)، لتكون آية أخرى على أنهم يفهمون (السنة. . .) كفهم الشيخ الدمشقي الذي خرج مرة من باب الجامع يمشي في الأسواق حافياً ومن وراءه تلامذته يحملون نعالهم بأيديهم، نشراً للسنة. . . وكفهم كثير من المسلمين اليوم!
أما نحن فلم نكن قد تعلمنا هذه البطولة (الدنكشوتية)، فدخلنا تبوك كما يدخل عامة إخواننا من بني آدم بلداً من البلدان ولم نضرب النخل البريء بسيف أبي حية النميري الذي أخذه من وزارة أوقاف مصر لما ولى الخطابة في مساجدها، وإنما ضربنا بأكفنا في قصاع الرز واللحم التي كان يكرمنا بها أمير البلد. ولبثنا في تبوك يومين أنسنا في اليوم الأول واطمأننا وتفيأنا ظلال الأمن والدعة، بعد ما صلينا بشمس الصحراء أياما اكتوينا فيها بنار الجوع والعطش والخوف والتعب فأحببنا تبوك، وتمنينا لو أقمنا فيها الدهر فما فارقناها، وعشنا في كنف أميرها المهذب الكريم العمر كله. . . نعم بيمن نقيبته، ونور طلعته، وخصب مائدته. . . ولكنه لم يأت اليوم الثاني حتى مللناها، ورأينا من ضيقها آخذة بمخانقنا. وقال قائلنا: أهذه تبوك التي طالما شوقنا إليها الدليل، وطالما منانا الوصول إليها، وحط الرحال بفنائها؟ أمن أجل هذه القرية ذات الستين بيتاً حملنا ما حملنا من الأين والعناء؟
لقد جلنا أنحاء (البلدة. . .) ورأينا تخيلها الذي كان يقطعه أجدادنا الأبطال بأسيافهم!! فلم يبقوا منه إلا بمقدار بستان صغير من بساتين البصرة! وزرنا قصر الأمير المبني بالآجر المطلي بالطين، ودخلنا المسجد الذي فرش بالرمل، حتى ليغوص فيه أنف الساجد ويدخل في خياشيمه، ووقفنا على المحطة الخالية الخاوية، فبكينا فيها (السكة) التي أنشأناها بأموالنا، ثم خربناها بأيدينا وأيدي القوم الذين أثاروها بيننا جاهلية جهلاء، فكان لهم
ثمارها، وكان أن حرقتنا نارها. . . رأينا ذلك كله فما ثواؤنا في تبوك، وعلام نقيم فيها؟ ألنأكل على مائدة الأمير، ونثقل عليه؟
وتهيأنا للرحيل، لنقطع النصف الثاني من الطريق، وهو النصف الصعب المتعب، الذي وصف أبن بطوطة ومن كان قبله ومن جاء بعده صعوبته وهوله. . . وسرنا متوكلين على الله.
قال أبن بطوطة:
(يرحل الركب من تبوك ويجدون السير ليلاً ونهاراً خوفاً من هذه البرية وفي وسطها الوادي الأخيضر كأنه وادي جهنم أعاذنا الله منها، وأصاب الحجاج به في بعض السنين مشقة بسبب ريح السموم التي تهب، فانشقت المياه وانتهت شربة الماء إلى ألف دينار ومات مشتريها وبائعها. وكتب ذلك في صخر الوادي ومن هناك ينزلون بركة المعظم وهي ضخمة نسبتها إلى الملك المعظم من أولاد أيوب، ويجتمع بها ماء المطر وربما جف في بعض السنين).
أما نحن فلم نخش هذه البرية خشية البطوطي، بل وجدناها هينة بالنسبة لما مر علينا قبل تبوك، ولم نعرف شدتها وقسوتها حتى ضربنا فيها أياماً؛ فأدركنا أن أبن بطوطة كان صادقاً.
ولقد كنا خرجنا من دمشق بشيء عظيم من الزاد، وبمائتي صفيحة من البنزين، فنفذ كله قبل تبوك فجددناه فيها، وحملنا ما استطعنا حمله من الماء، وصحبنا دليلاً جديداً (اسمه محمد الأعرج) طويلاً مخيفاً شيطاناً من شياطين البادية، خبرونا أنه له عند الإمام عبد العزيز منزلة دانية، وودعنا الدليل الثاني صلبي الذي حدثتك عنه من قبل
ومن أغرب ما شاهدت في هذه الرحلة، أنه لم أجتمع الدليلان، وكلاهما شيخ قبيلته، طفقا يذكران الماضي، ويستعيد أخباره. ففهمنا أنهما كانا عدويين يتقاتلان ويتغازيان؛ فلما تدينا (أي تبع الشيخ أبن عبد الوهاب مصلح الجزيرة) نبذا ذلك كله، وتمسكا بالأخوة الإسلامية، وألف الله بين قلوبهم بالإسلام كما ألف بين أجدادنا عرب الجاهلية، فرحم الله أبن عبد الوهاب ورضى عنه وعن كل قائم لله بحجة، وداع إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ناصر للسنة قامع للبدعة
ومشينا وخرجنا من تبوك سبعين كيلاً لم نجد فيها ما نتحدث عنه، أو نشكو منه، فقد كانت الأرض متماسكة شديدة درجت عليها السيارة بسهولة، وكل ما وجدناه فيها من الصعاب ثلاثة شعاب رملية لا يتجاوز عرض الواحد منها كيلاً ونصف كيل، ورياح شديدة خبرنا الدليل أنها لا تكاد تنقطع من ذلك المكان، ثم بلغنا أوائل الجبال، فدخلنا وادياً متسعاً فيه تلال من الرمال، فلم نسر فيه إلا قليلاً حتى كثرت فيه الصخور، وأزداد ارتفاع الجبال من حولنا، وكانت الصخور هرمة بالية مؤلفة من صحائف رقيقة كصحائف الكتاب، تتفتت من مس الأيدي، والوادي ممتلئ بفتاتها، ثم ظهرت في الوادي تلال من الرمل الأحمر الناعم المتموج، لها منظر أخاذ. واستمرت هذه المشاهد من حولنا مسيرة ثلاثين كيلاً، ثم عرضت لنا جبال فيها الصخر الأسود تخالطه بقع حمراء، وصلنا بعدها إلى أرض مستوية تشبه (بسيطة) التي مررنا عليها قبل أن نصل إلى جبال الطبيق في طرقنا إلى تبوك، ثم أمسى علينا المساء في بقعة أسمها (ساح الغزوان) فبتنا فيها، وبينها وبين تبوك (144) كيلاً، سجلها راقم السيارة (الكيلو متراج) ومعنى (ساح الغزوان) عندهم ميدان المعركة. نزلنا نشهد الشمس هي تجر ذيلها الذهبي على الوهاد والنجاد ثم تتوارى وراء الأفق البعيد، فجلسنا نمتع الطرف بمحاسن المساء في الصحراء ونريح النفس إلى سكونها وصفائها حتى إذا لف الكون الظلام أوقدنا النار وأشعلنا المصابيح وفرشنا الفرش، وكنا في أول الرحلة ننصب سرادقاً نبيت فيه فصرنا ننام تحت السماء بين أحدنا والآخر أكثر من عشرين متراً لا نخاف وحشاً ولا نخشى لصاً، فقد أمن الله الجزيرة بابن السعود حتى صار أمنها حديث الناس، وأنعقد عليه إجماع من أم الحجاز أو جال في بواديها، ولقد ترك أصحابنا التجار (وقد كانوا يسيرون على أثرنا بيننا وبينهم مسيرة ثلاثة) سيارة مترعة بالثياب والطعام وكل ما يرغب فيه البدوي، ويسيل لتصوره لعابه، ورجعوا إليها بعد شهر فما وجدوا شعرة منها أزيحت من مكانها على كثرة من مر بها من أعراب! وما أذكر أننا خفنا أو ارتعنا إلا ليلة واحدة نزلنا فيها على طرف واد، وكانت ليلة حالكة السواد فما شعرت إلا الدليل محمداً الأعرج يجر بيدي، فتبعته حتى ابتعدنا عن الرفقة، فأشار إلى جهة رأيت فيها كمثل المصباحين، فارتعت ودنوت منه فقلت: ما هذا؟ فقال وهو غير مكترث ولا مبال: هذا نمر! فنظرت إليه فإذا هو ساكن الطائر، وهادئ الجوارح كأنه حين يقول نمر يقول كلب
أو قط، ولم أكن رأيت نمراً من قبل إلا في حديقة الجيزة بالقاهرة. فجفت والله وشعرت من الفزع كأن العقال طار عن رأسي ورجع، وما أنا بالجبان ولا الرعديد، ولقد عرضت لي الضبع مرة، فما رأيت فيها كبير شيء، ولكن النمر في البادية في الليل لا يرى منه إلا عينان كأنهما جمرتان؛ لا، إن هذا مخيف، أما الأعرج فما كان منه إلا أن مد بندقيته وأطلق رصاصها على عيني النمر فأخطئهما وانتقل ضوئهما المرعب إلى جهة أخرى، فماد فأطلق ناره فأخطئه، وأبتعد النمر. . . فالتفت الأعرج ليعود فقلت: ويلك ماذا تصنع؟ فقال: وماذا تريد أن اصنع؟ لقد ذهب! قلت: أفلا أوقظ الركب؟ قال: لا، بل نم أنت أيضاً وتركني الخبيث وذهب فنام وأنا اسمع غطيطه؛ ومرت عليَّ ليلة وأين منها ليلة النابغة؟ كاد يقتلني النعاس، وكلما غفوت توهمت النمر يحملني بين أسنانه كما تحمل الهرة الفأرة، فأفيق مضطرباً أنظر حوالي وأنا أتعوذ حتى طلع الفجر وما أدري كيف طلع! هذه هي ليلة الخوف عندي، فمن سخر من خوفي فأنا اسأل الله أن يريه نمراً في المنام لا في اليقظة لينظر ماذا يكون من أمره. قمنا - على عادتنا - في الغلس فشهدنا طلوع الفجر ونحن نعد الطعام ونهيأ للرحيل، ولقد كنا نسمع بالفجر سماعاً ونقرأ صفته في الكتب، ونعلم أن في الدنيا فجراً كاذباً وفجراً صادقاً ولكنا لم نره عياناً ونعرف صادقه وكاذبه إلا في الصحراء؛ وتركنا ساح الغزوان قبل أن تطل الشمس على الدنيا متوجهين إلى الجنوب. فلم نسر إلا قليلاً حتى كثرت من حولنا الهضاب، فكنا نوالي الصعود والهبوط، واستمر ذلك نحو تسعة أكيال، ثم انقطعت الهضاب وابتدأت القور وهي كالأكم ولكنها مؤلفة من الصخر الأسود، وربما كانت القارة صخرة واحدة عظيمة أشبه شيء بالمخروط الناقص (عند أهل الهندسة)، وكانت هذه القور صخوراً مطبقة هرمة كالتي وصفنا آنفاً، فكنا ندور بالسيارات فيما بينها ونمشي خلالها، وامتدت بنا ستة أكيال، ثم انتهينا إلى سهل مبسوط كالكف سرنا فيه كيلين، ثم عادت الهضاب والقور تتخللها أراضٍ منبسطة وامتد بنا ذلك عشرة أكيال، ثم عرضت لنا حجارة كبيرة ملئت الأرض ولقيت منها السيارات شدة وبلاء، ثم أخذنا بالصعود، نرتقي سفوحاً وعرة صعبة، إلى أن غبنا بين جبلين عاليين صخرهما من ذلك الصخر المطبق الهرم الذي يتفتت، فسرنا خمسة أكيال فانتهينا إلى بقعة قال الدليل إنها ملتقى طريق الجوف (أي دومة الجندل) بطريق المدينة
خلفنا طريق الدومة عن شمالنا ووالينا الصعود خمسة وثلاثين كيلاً أخرى، التقينا بعدها بالخط الحديدي، ووقفنا قبالة محطة صنعاء، وهي قائمة وحدها في البادية، وقد نزعت منها أبوابها وشبابيكها ولم يبق منها إلا جدرانها مائلة تستبكي من كان له قلب، وكان في قلبه إيمان. . . وماذا لعمري يجدي البكاء؟
(لها بقايا)
علي الطنطاوي
إلى معالي وزير المعارف
التعليم الزراعي
دعوتك لما يراني البلاء
…
وأوهن رجلي ثقل الحديد
وقد كان مشيهما في النعال
…
فقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل
…
فها أنا في محفل من قرود
فلا تسمعن من الكاشحين
…
ولا تعبأن بعجل اليهود
وكن فارقاً بين دعوى أردت
…
ودعوى فعلت بشأو بعيد
(المتنبي)
مضى ربع قرن والتعليم الزراعي في مصر - عدا الجامعي منه - واقف في مكانه لا يتحرك ولا يتزحزح، ولا يشعر بأن الحوادث حواليه تنطلق إلى غايتها في عنفوان وتشتد إلى غرضها في عزم. أما هو فقد تخلف في سبات عميق لا يخضع لسنة الطبيعة ولا ينزل على حكم التطور. ولشد ما آلمني - حين قدر لي أن أغتمر في غمار هذا النوع من التعليم - أن أجده متفككاً يتداعى من هوان ومن ضعف؛ ولبثت ما لبثت أسوق النفس سوقاً إلى غاية، وأنا أرى وأحمل النفس على الصمت، ثم أنشر رأيي على صحابتي - بين الحين والحين - فلا أجد إلا الجمود الذي نفثه الاستسلام، والخمود الذي ولدته سخرية الرئيس من آراء مرءوسيه والتهكم بها والامتهان لها، نتيجة التزمت والكبرياء. والآن هبت الوزارة، أو بالأحرى مراقبة التعليم الزراعي، تسعى إلى تهذيب هذا النوع من التعليم وتريد إصلاحه، فأردت أن أتغلغل إلى قراره على أستطيع أن أبدي سوءاته أو أن أنفي عنه خبثه، وما لي بعد ذلك إلا أجر العامل المجد أو جزاء الناصح الأمين. والتعليم الزراعي في مصر - عدا الجامعي منه - يتكون من المكاتب الزراعية ومن المدارس المتوسطة، وسأحاول جهدي أن ألم شعث الموضوع في نظرة فاحصة سريعة.
أولاً: المكتب الزراعي
فكرة الإنشاء
نشأت فكرة المكتب الزراعي - أول ما نشأت - سنة 1935، وابتدأ تنفيذ هذه التجربة في
سنة 1936. وفي الحق لقد كانت الفكرة جميلة تختلب النظر والقلب معاً وتستحق الثناء والشكر، لأنها تحقق غرضاً سامياً، وتملأ فراغاً استشعرته مصر الزراعية منذ زمان. وهي في لبها ترمي إلى أن تنشئ طائفة من أبناء صغار الزراع تنشئة تتفق والنهضة الحديثة التي قطعت البلاد فيها شوطاً غير قريب، ثم تدس بهم بين آبائهم وأهليهم لينهضوا بهم وليكونوا نواة للعمل العظيم الذي ينتظرهم بعد، وهو اطراح الطرق الزراعية العتيقة والأخذ بالحديث منها. غير أن شيئاً عدل بالغرض عن وجهته الأولى فأصبح يرمي إلى تخريج فئة من أشباه الموظفين والعمال يقومون على إدارة الدوائر والضياع والبساتين. واتخذت التجربة سبيلها في مكتبين ملحقين بمدرستي الزراعة المتوسطة بالمنيا ودمنهور، والتحق بالمكتبين صبيان أتموا التعليم الإلزامي ليتخرجوا بعد سنوات ثلاث
وارتطم المشروع بالصدمة الأولى، بقلة عدد التلاميذ، فكاد يهوي، أو لا أن حكمة القائمين على العمل تداركته ففتحت أبواب المكتبين عل مصاريعها لأبناء الفعلة والعمال والصناع والزراع على السواء، فتم عدد التلاميذ عشرة في كل من المكتبين وسار دولاب العمل. . .
نظام الدراسة ومدتها
الآن حق لأبن الصانع والعامل و. . . أن يلتحق بالمكتب الزراعي ليخرج بعد ثلاث سنوات عاطلاً لا يستطيع أن يجد عملاً أو أن يعين أباه أو أن يفيد وطنه أو يحقق الغرض الذي من أجله أنشئ المكتب. وماذا يفيد الصانع أو العامل أو الزراع نفسه أن يلقى أبنه - وهو شب وترعرع - يغدو إلى المكتب ويروح إلى الدار وهو في حاجة شديدة إليه، فراح كل منهم يحول بين ابنه وبين المكتب؛ فأوشك هذا العمل - وهو جليل - أن يتوارى عن الأنظار لولا أن أدركته حكمة الرؤساء مرة أخرى، فخلوا للتلاميذ أن يحضروا متى شاءوا وان يمتنعوا عن الدراسة متى أرادوا، دون أن يبدى الواحد منهم عذراً، أو أن يحتمل لوماً وتأنيباً، أو أن يؤاخذ أبوه؛ فانطلق التلميذ إلى غيه يهرب حين يلذ له الهرب، ويسكن إلى أمه أو أبيه حين يطيب له ذلك. وهكذا تداعت أبسط مبادئ الأنظمة، وأختل نظام العمل، أنهد الركن الركين في سير الدراسة، ولست أدري، ماذا عسى أن يكون هذا الطفل بعد حين وقد تدرج على ألا يأبه لنظام ولا أن يهتم بميعاد! وأندفع الصبي وأبوه يتغاليان - وقد نام الرقيب - فينطوي العام الدراسي كله ولما يحضر التلميذ غير شهر أو بعض شهر، ثم هو
لا يحمل مئونة الاختبار ولا نصب الاستذكار والمطالعة ولا يصبر على قسوة العمل، فهو منقول إلى السنة التالية بدون شرط ولا قيد، وتنقضي السنوات الثلاث فإذا الصبي المتخرج في المكتب جاهل يرتدغ في جهله
وتساهل القانون مرة أخرى وأغضى، فصرح للتلاميذ أن يحضروا دروسهم في أسمال بالية، حفاة عراة الرءوس، تأكلهم الوساخة و. . . على حين أن الصوت قد بح من طول ما نادى بوجوب تنظيف الفلاح وترتيب حياته على نسق، أما هنا فأصبح الإهمال والقذارة قانوناً. . . وانطوت السنون فإذا المكتب كله ينظم على أحد عشر بينهم الناظر وليس بينهم أي مدرس، فمدرسو المكتب هم بعض مدرسي مدرسة الزراعة المتوسطة
ومن غريب ما يروى أن ناظر هذا المكتب كان يقضي يومه لا عمل له إلا أن يكتب الرسائل إلى الوزارة ويستقبل الرسائل منها. ولِمَ؟ لأن الصبية يقضون يومهم في الحقل أو في مدرسة الزراعة المتوسطة، فهناك يشهدون التجارب العملية ويعملون بأيديهم، وهنا يتلقون دروسهم على أساتذتهم
عجيب أن نخطئ فنقول إن التلميذ في هذه السن الصغيرة يستطيع أن يدرك التجارب الزراعية الحديثة، أو أن يطبقها ويقارنها بينها وبين القديمة ليعرف الغث من السمين، وعجيب أن نخطئ - مرة أخرى - فنقول أننا نستطيع أن نهيئ هذا الصبي في ثلاث سنوات ليكون زارعاً من الطراز الأول! وإذن يتراءى لنا - لأول وهلة - قصر مدة الدراسة، فما التلميذ بمستطيع أن يستوعب شيئاً، ولا المدرس بمستطيع أن يحشو ذهنه الغض.
منهاج الدراسة
هذا الصبي الصغير قد تثقف ثقافة أولية بحتة لم يلمس فيها رهقاً ولا عنتاً، وهو حين التحق بالمكتب الزراعي لم يقدر أن يحمل ما لا طاقة له به
هنا، في هذا المكتب، يرزح الصبي تحت ثقل ينوء به، فالعلوم كثيرة متراكبة ومتشابكة، ومواد العلم الواحد أو فرع العلم طويلة مملة، فماذا وراء أن يدرس التلميذ في المكتب - مثلاً - منهجاً طويلاً في مسك الدفتر فيه: اليومية، واليومية الزفرة، والأستاذ، وحساب الأرباح والخسائر، والميزانية، والأوراق المالية و. . . مما يهبط عقل التلميذ ويتركه في
حيرة من أمره ويطغي على وقته؟ وماذا وراء أن يتلقن الصبي في مكتبه ما يتلقاه طالب الزراعة المتوسطة سواء بسواء؟ وهكذا نرى المنهاج في كل فروع الدراسة طويلاً ومعقداً ومملاً، حتى منهاج الزراعة نفسها؛ وقد لا يرتبط في كثير من الأحايين بالناحية العملية، وهو إن مت إليها بسبب فلكي يرى التلميذ التجربة مرة واحدة ثم لا يعود؛ في حين أن ما نبتغي هو أن يشهد التجربة ويعملها بيده مرة ومرة ثم لا يبتعد عنها، وأن يعرف أشياء كثيرة عن منتجات الألبان وتربية الماشية ودودة القز والنحل ثم الصناعات الزراعية مما يجهله الزارع أو يهمله أو لا يعترف بفائدته الحيوية والمادية
ثم كيف يأخذ المدرس على عاتقه تدريس مادة لهؤلاء التلاميذ الصغار إن لم يكن بين أيديهم مراجع يرجعون إليها إن أعوزهم الأمر أو خانهم الذاكرة؟ لا ريب أن التلميذ لا يستطيع أن يحفظ ما يلقى عليه وهو كثر؛ والمدرس لا يستطيع أن يرهق التلاميذ بالشراء أو الطبع وهو يعلم أنهم فقراء يجدون مس العوز، وأن المكتب يقوم على تربيتهم مجاناً، بل ويحبوهم بالمأكل والملبس. لابد أن يجد أسهل سبيل يبلغ به غايته، وهو الإملاء
وهنا. . . هنا فقط شغلت الإملاء - دون الشرح - كل وقت الصبي، وانمحى كل مبدأ أو مذهب يرتكن إليه التدريس الفني؛ وإذن ذهب التلميذ يكد ذهنه ليحفظ تجارب وعمليات وأسماء وموضوعات سطرت على القرطاس وعمى بصره عن أن يراها في الحقل. وانتهت الحياة به إلى ما ينتهي إليه كل طالب حين يخرج من مدرسته، لا يتعلم إلا أنه فوق مستوى الفلاح فهو يأبى أن ينزل إليه وهو لا يعرف أن يسمو عنه.
(للموضوع تكملة)
(*)
بمناسبة الأربعين
الفكر الهامد
مرثية المرحوم الدكتور أدهم
عَجَّلْتَ رَحْيَلكَ دُونَ أَنْ تَلْقاني
…
يا أَطْيَبَ الإخوانِ والخُلاّنِ
ما كنتُ أَحْسَبُ أَنَّ وَعْدَكَ باللقَى
…
وَعْدُ الرُّؤَى خُدِعَتْ به العَيْنانِ
نَبَأٌ فُجِعْتُ بهِ، وَأَيَّ فجيعةٍ!
…
أَلْقَى عَلَيَّ كَلَا كِلَ الأحْزانِ
مَا زِلْتُ أَقْرَأُهُ وَأَخْدَعُ ناظِري
…
حَتَّى تحطَّمَ في الشجونِ كِيَاني
أنا مَنْ فَقدْتُ بكَ الوفاَء مُجسماً
…
وفَقدْتُ بَعدكَ رَاحةَ السُّلوَان
عُمر كَلمَّاعِ الشَّهابِ طَوى الدُّنى
…
حتى تعثَّرَ في دُجى الأشجان
لو مُدَّ فيهِ أتى بأروعِ آيةِ
…
لكنهُ قدرٌ من الرحمن. . .
لي فيكَ أخلاقٌ كَسيماءِ الضُّحَى
…
وشَمائلٌ وردِيةُ الأرْدَانِ
وإباءُ نَفسٍ لم يُطأطأ هَامَةُ
…
عَنتُ السَّقامِ وَغَارَةُ الحَدَثان
وذَكاءُ ذِهنٍ كالأشعَّةِ نافِذٌ
…
فيما وراَء دَقَائق العِرفانِ
وطُموحُ نفسٍ في تَوَقُّدِ خَاطِر
…
وصَفَاءُ فِكرٍ في اتِّقادِ جَنَان
وصَراحَةٌ كالشمسِ تلقي رَأيَها
…
حُرّاً بغيرِ تَمَلُّقٍ ودِهان
ما قُلتَ في السِّرِّ الحَصينِ مَقالةً
…
غير الذي تُبدِيهِ في الإعلانِ
مَجدٌ بَنيتَ وما انتظَرْتَ تَمامَهُ
…
هذا البناءُ. . فأين أين الباني؟
لي فيكَ هاتيكَ الموَاهِبُ كلُّها
…
أما العقائدُ فَهي للدَّيَّانِ. . .
في ذِمَّةِ القَدرِ المعَجلِ هِمَّهٌ
…
جَبَّارَةٌ في هَيكل مُتَفاني
السُّقمُ ناوَأهُ فما اسْتحذَي لهُ
…
والسُّقمُ جَبَّارٌ على الأبدانِ
ضاقتْ بهِ الدُّنيا وضاقَ خِضَمهُّا
…
عن ضَمِّ بَحر دائم الفَيَضانِ
لمَّا اقْتَحَمتَ على العقائد بابَها
…
وبَسَطْتَ رَأْىَ الباحثِ الحَيْرَانِ
قامتْ عليكَ قيامةُ الدنيا لهُ
…
والدِّينُ أثَمنُ ثَروةِ الإنسان
رَأْىٌ رَأيْتَ وللوَرَى هَفَوَاتُهُمْ
…
والمرءُ مهما اشتدَّ في النَّزَوان
فهو الضعيفُ أمامُ قُدْرَةِ خالقٍ
…
وسِعَتْ جَلالتهُ مَدَى الأكوان
وهو الفقيرُ إلى مَرَاحِمِ رَبِّهِ
…
ما أحْوَجَ الإنسانَ للغُفرَان!
لوْ ناقَشُوكَ وجَادَلوك بحِكمةٍ
…
وهَوَادَةٍ، وتَرَفُّقٍ، وَلَيان
لرَجعتَ عن رَأىٍ تَبيَّنَ خِطؤُهُ
…
ونَزلتَ عن دَعْواك بالإذعان
لكنَّهمْ شَنُّوا عليك حروبُهم
…
ولقوكَ بالإيذاءِ والعُدوان
ما الشَّكُّ شَكُّكَ إنما هي نَزْعَةٌ
…
من عالَمٍ باغٍ على الأديان
وجَدَتْ إلى النَّفْسِ الطَّرِيئةِ مَنْفذاً
…
فَتَسَلَّلَتْ منه إلى الوِجدان
والشكُّ سُلطانٌ إذا ماشَيْتَهُ
…
سُدَّتْ عليكَ منافذُ الإيمان
والنفسُ في فَجْرِ الشبابِ صَنيعَةٌ
…
لجديدِ رأى أو لِسِحْرِ بيان
سَابَقْتَ حَيْنَكَ يَا ضَحِيَّةَ فِرْيَةٍ
…
وَأَدَتْ شَبَابَك وهو في الرَّيْعَانِ
هاجت شُعُورَك وَاسْتَثَارَتْ حُرَّةً
…
ثارت على القُضْبَان والسَّجَّان
ما ضاق صَدْرُكَ والسَّقامُ تهدُّهُ
…
إلاّ بِقَوْلِ منافق أو شَاني
قَوْمٌ أَثَارُوها عَليك نِكايةً
…
لِشِفاَءِ ما في النفسِ من أضْغَان
زَعَمُوك داعِيَةً. . وَأَنتَ مُبَرَّأٌ
…
عن كلِّ ما زَعَموا من البُهتْان
الْحِقْدُ دَاءُ الشرقِ أعْيَا بُرْؤُهُ
…
طِبَّ الأُسَاةِ وَحِكْمَةَ الكُهَّانِ
العبقريةُ من أَذَاهُ جريحةٌ
…
في كلِّ مَرْحَلَةٍ، وكلِّ زَمان
مَنْسِيَّةُ الآثارِ، ضائعَةُ الصَّدَى
…
مَخذولةَ الأَنصارِ وَالأعوان. . .
جَحَدوُا نُبوغَكَ وَأدَّعَوْهُ خُدْعَةً
…
وَالسِّنُّ بُعض وَسَائِلِ النُّكران
ما السِّنُّ مِيزانُ النُّبُوغِ وَإِنما
…
هو نِعْمَةٌ تَسْمُو على الأَوْزَانِ
كم في الشيوخ المعْرِقينَ سَذَاجَةٌ
…
وَرَجَاحَةٌ في الفِتْيَةِ الشُّبَّان!
خَذَلوك والدنيا إذا لم تُسْقِها
…
كأسَ الرِّياءِ جَزَتْكَ بالْخِذلان
من لي بِلَيلاتِ الَمصِيفِ وأُنْسِها
…
وظِلَالِ أيَّامٍ خَلَوِنَ حِسَان
ومَجالِسِ اللهْوِ البريءِ يَزِينُها
…
عَقْلُ الحكيمِ وَرَوْعَةُ الفَّنان
وَمَطارِحِ الحُلُم البعيدِ تَرُودُها
…
مِنَّا رَغائِبُ في غَدٍ وأماني!
كأسان مِن صَفْوِ المُنَى سُقِيَاهُا
…
قَلْبَانِ في الإحساسِ مُؤْتَلِفَانِ
مَرَّتْ ليالي الصيفِ وهي سريعةٌ
…
ومضى ربيعُ العُمْرِ دون تَوَان
وَتَفرَّقَ الأحبابُ عن أحبابهم
…
فإذا الذي كانوا رُؤَى وَسْنَان
طُوِىَ البسَاطُ وغُيِّبَتْ أَحْلَامُهُ
…
فاليَوْمَ لا كأسي ولا نَدْمانى!
حسن كامل الصيرفي
من كبرياء الحب!
ويا أنت. . .!
(. . . وهذه يا أنت تحي ة ىعلى الفراق الذي لا لقاء بعده؛
فقد وضعت بيني وبينك سداً ما ينفك قائما حتى أموت. . . .
. . وهنيئاً لي!!)
(هو)
سَئِمْتُ الهناَء فلا تَعْجَبي!
…
فَإِنَّ شَقاَء الهوَى مَطْلَبِي!
وَأَحْبَبْتُ فيكِ جَفافَ الحَيَا
…
ةِ وَبَطْشَ الْقَضَاءِ فلا تَغْضَبي
وَمَا حَاجَتي لِلَّنعيمِ المقُي
…
مِ إذا لم أكُنْ فيهِ بالمتُعْبِ؟
خُلِقْتُ لأَعْشَقَ فيكِ الْبَغي
…
ضَ وَأَتَرُكَ ما فيكِ من طَيِّبِ
وَكُلٌّ لهُ مَذْهَبٌ في الْغَرا
…
مِ فلا تَسْخَرِي أنْتِ من مَذْهَبي
أَخَذْتُ لِنَفْسِيَ ما تَكرِهَي
…
نَ وَمَالِي بالْفاِتنِ المُعْجِبِ؟
وَخَلَّفْتُ للنَّاسِ ما يَشْتَهُو
…
نَ وكِم فيك للنَّاس من مَأرَبْ
شَقِيتُ لأُسْعِدَهُمْ بالْجَمَا
…
لِ وَلكِنْ سَعِدْتُ فلا تَعْجَبي
فَقُلْتُ: وَدَاعاً زَمَانَ الرَّخا
…
ءِ فما هِمْتُ في الْعَيْشِ بالمخصبِ
أُحِبُّ الجَدِيبَ وَرَعْىَ الجَدِي
…
بِ فَأُنْزِلُ قَلْبِيَ بالْمُجْدِبِ
فَيَا أَنْتِ! أَيْأَست بي شَاعرِي
…
وَحَيَّرْتِ لِي في الدُّجَى كَوْكَبِي
وَهَبْتُكِ لْلِبيدِ أُنْشُوَدةً
…
فَمَا كان لَحْنُكِ بالْمُطْرِبِ!
وَأَنتِ تَنَكَّرْتِ لِي بْعدَمَا
…
تَغَرَّدْتُ في قَفْرِكِ الْمُلْهَبْ!
تَعِيِشينَ للِجَدْبِ لَكِنَّنِي
…
أُرِيدُكِ لِلْوَحْيِ فِي مَوْكِبي!
هَنِيئاً لِيَ الْقُرْبُ لَا يَرْتَجَى!
…
فَبُعْدَكِ إِنْ طَالَ مِنْ مَكْسَبي
وَيَا أَنْتِ! إِنَّي مَلَلْتُ الظَّلَا
…
لَ وَحُبَّكِ هَذَا الذي ظَلَّ بي!
أَسِيرُ بهِ في ضِيَاءِ الحَيَا
…
ةِ فَيُلْقِى بِقلْبي إِلى غَيْهَبِ
وَأشْدُو لهُ فِي سَمَاءِ الْمُنَى
…
فَيَمزُجُ بالْيأْس لي مَشْربي
بَرِئْتُ من الحُبِّ يَا تَوْبَتِي
…
فَهَيَّا بِرَبِّكِ عَنِّي اذهَبِي
(القاهرة)
محمود السيد شعبان
هُنا.
. .
هُنا يا روض أحلامي
…
أذاب العطر أنفاسي
هنا يا نبع إلهامي
…
شربتُ صُبابة الكاسِ
هنا قابلتُ حوائي
…
على أعشابك الخُضر
وعند الظل والماءِ
…
وبين خمائل الزهرِ
هنا كانت أمانينا
…
ترفُّ كنفحة الوردِ
هنا كانت تغنينا
…
طيورٌ من ربى الخلدِ
ولكن. . . آهِ من دهري
…
هوَى بالسوسن الغضّ
وأذوي زهرة العمرِ
…
وأخرس بلبل الروض
فوا لهفي عل صوتٍ
…
شجيٍّ كان يشجيني
أصابته يد الموت
…
فكاد الحزن يبليني
سأبكي والربى تبكي
…
معي بفؤادِ مفطور
أبعد الزهر والأيكِ
…
يضم القبر عصفوري
(محلة مرحوم)
حامد الشريف
قصة الفيتامين
تجربة غذائية عرضية
في ربيع عام 1915 قبيل دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب الماضية ألقت الباخرة البرنس ولهلم الألمانية مرساها أمام الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية. وكانت تعمل هذه الباخرة قبل الحرب في خدمة المسافرين والنقل، فأصبحت بعده تؤدي واجبها في البحرية الألمانية كطراد تجاري وأجري تعديلها تبعاً لذلك فحولت ردهاتها وأبهاؤها إلى مستودعات للذخيرة والوقود ونصبت فوق ظهرها المدافع الضخمة
تغلبت البرنس ولهلم على الكثير من البواخر المعادية واستولت منها بحكم الغلبة على وافر من المواد الغذائية من دقيق وزبد وخبز جاف ولحوم وخضر جافة محفوظة. وبهذا أصبح الذين على ظهرها في سعة ومتعة غارقين فيما استولوا عليه من غذاء
ظهرت بعدئذ على رجالها حالة مرضية لم تكن منتظرة لمثلهم في هذه السعة والوفرة الغذائية، وطرأت على الكثير منهم أعراض مرضية غريبة كنوبات عصبية تصيب البعض، واضطرابات في القلب والتنفس، وتضخم في المفاصل عند البعض الآخر، ووقفت إصابتا كسر في العظام بلا شفاء يرجى رغم العناية والمحاولات التي بذلت في هذا السبيل. وذكرت صورة المرض هذه بالأقصوصة الشائعة حينذاك عن مرض البري بري الذي أصاب رجال المركب الشراعي الذين كان قوام غذائهم المواد المحفوظة. ولكن شتان بين وجهي الشبه في الحالتين ولا سيما أن رجال البرنس ولهلم يتمتعون بغذاء منوع وعلى حساب العدو هانئين بوافر من الدقيق والبسكويت والبطاطس والزبدة وأنواع الجبن حتى البن والشاي كان في متناولهم بلا حساب
ذهبت محاولات طبيب الباخرة وقائدها في علاج المرضى أدراج الرياح حتى امتلأت بهم عيادة الباخرة التي تحولت إلى مستشفى عائم في أمد وجيز. وعندما طوح المرض بمائة وعشرة من ملاحي الباخرة البالغ عددهم خمسمائة لم يجد طبيب الباخرة ولا قائدها بدا من اللجوء إلى أقرب ميناء محايد. وفي 11 أبريل من نفس العام ألقت الباخرة مرساها أمام ميناء نيوبورت نيوز الأمريكي
سرى هذا المرض العجيب إلى الأوساط العلمية الأمريكية مسرى البرق وتقلب على ظهر
السفين الكثير من العلماء والأطباء كي يشاهدوا هذه الحالة الشاذة عن قرب ويتبادلوا الآراء، والتعليلات الممكنة، وجاء على لسان بعضهم مرض البري بري الذي سبق ذكره وتعليل أثره في السطو على الأعصاب بكائنات صغيرة حية، وهكذا تضاربت الآراء واختلفت الأفكار حول إمكان انتشار هذا المرض بالعدوى أو غيرها. ولم يهتد طبيب أو مفكر إلى أي نتيجة تفيد الموقف، لأنه ما من أحد حتى هذه السنة كان ليهديه التفكير إلى أنه قد ينقص الغذاء الكثير المتنوع تلك المركبات الدقيقة اللازمة لإتمام عمليات التفاعل الكيميائي في الجسم
كان أسبق الناس في التفكير والتطلع إلى هذا النحو الجديد الفسيولوجي الإنجليزي إذ ذكر في محاضرة له في مؤتمر الطب العالمي الذي عقد في لندن في عام 1913 نتائج تجارب غذائية قام بها في كمبردج على الفيران، وكان قد قدم لها غذاء خاصاً يحتوي عل جميع المواد اللازمة التي يقرها علم التغذية من مواد زلالية ودهنية ونشوية ومعدنية مضبوطة وفي شكل واحد، وبالرغم من هذا نفقت الحيوانات في وقت قصير
ولقد جاءت آراء هوبكنز هذه سابقة لأوانها لأن الأذهان لم تكن لتلفقه وتعي بعد ارتباط تلك التجارب الغذائية بتلكم المواد التي ما زالت مجهولة. ولم تجد زيارات الأطباء والعلماء المرضى نفعاً، وعجز الجميع عن تقديم أية مساعدة فعالة تقي هؤلاء البحارة مصرعهم البطيء المؤلم. وفق بعدئذ الكيميائي النيويوركي ألفرد ماك كان في تتبع آثار النكبة التي حلت برجال الباخرة. وساعده على ذلك قراءة ما تركه هوبكنز عن اختباراته، وبفضل اختباراته الشخصية ودراساته لعلم التغذية ظهر له ما قد ينقصه غذاء هؤلاء المرضى ويقض مضاجعهم. وبمجهود أمكنه الاتصال بطبيب الباخرة، ودعا طاهيها إلى الحديث، فظهر له بالتحري والسؤال انه برغم توفر اللحوم المحفوظة والدقيق ولبن العلب والخضراوات الجافة لم يحصل البحارة المنكودون على فواكه طازجة ولم يتذوقوا خضراً نيئة، عندئذ صاح مظفراً وقال مخاطباً طبيب الباخرة الذي وقف مشدوهاً: لقد سلبت القوة الحيوية الطبيعية من جميع أنواع الغذاء الذي قدم لهؤلاء البحارة التعساء، فاللحوم المجففة والبطاطس قد فقدت أملاحها الفسفورية عند تحضيرها للتعبئة ومعالجتها بماء الأملاح الحمضية لحفظها، كما فقدت الخضراوات قوتها الحيوية بمعالجتها بالقواعد، كما فصل
الدقيق من أغلفته ونزع من الأرز قشوره، وبهذا لم تكن التغذية على ظهر السفينة طبيعية مستوفاة متنوعة، ونصح بتغيير قائمة الطعام وإضافة الخضر الطازجة والفواكه الطازجة وعصيرها واللبن الكامل واللحوم غير المحفوظة. تبادل طبيب الباخرة وطاهيها النظرات مستبعدين صحة ما يدلي به هذا الشاب ولكن ما يمنعهم من تجربة ما يقول وقد أعيتهم الحيل، ولتكن محاولة أخيرة عل فيها الشفاء
وبإتباع قائمة الغذاء الجديدة تبد الحال وسرى في المرضى تيار الصحة وظهرت عليهم أعراض الإبلال فهبطت أورام المفاصل وخف ضغط الأعصاب وزحف الذين أقعدهم المرض. وبانقضاء أسبوع واحد على نظام التغذية الجديد الذي أشار به ماك كان غادر مستشفى الباخرة الفوج الأول من المرض، وبمضي أسبوعين وقف المقعدون ومن حل بهم المرض ودب في الجميع دبيب الحياة
لقد كان في المأساة التي حلت برجال الطراد وأودت بأرواح مائة وعشرة من الأنفس المخاطرة القوية أسى وعبرة ومثل واضح لقوم تمنعهم وفرة الغذاء ولا ترف العيش من التعرض لأصناف الهلاك والضعف إذا ما ساب من هذا الغذاء القوة الحيوية الغامضة التي أودعتها الطبيعة إياه، وكم كان جميلاً وطبيعياً من الإنسان الأول الذي عاش على الفطرة ونما مع الطبيعة أن كان يحصن نفسه ضد هذه العوارض إذا أقبلت عليه بمضغ الخضراوات وتبلغ الأعشاب كي يقاسمها بعض ما أودعتها الطبيعة من قوى حية كامنة
أما بعد ذلك وبدافع التطور والمدنية فقلما يفعل الإنسان ما كان يفعله السلف الغابر، بل قد ادعى الأفضلية على الطبيعة فعمل على تهذيب ما تهبنا من غذاء عالجه للحفظ تارة بالتسخين وأخرى بالغلي أو التعقيم أو التمليح أو الغسل بالحوامض والقلويات حتى التكرير والتبييض والتلميع. وبهذه العمليات القاسية أبعد الإنسان من غذائه هذه المواد التابعة التي لم يعرها أي انتباه ما دام يرضي الغذاء الذي يستسيغه ويروقه، والذي يعتقد احتواءه على النسب اللازمة من المواد الغذائية والوحدات الحرارية (الكالوري).
(يتبع)
البريد الأدبي
ما أسعد الأشقياء في الحب!
لا أعرف من هو الأستاذ صلاح الدين المنجد الذي يكتب إلى
(الرسالة) من دمشق، ولا أعرف كيف فاتني التعرف إليه وقد زرت
دمشق أربع مرات وشربت فيها أكواب الرحيق
وهل يهمني من أمره أكثر من العرفان بأنه استجاب لدعوة الوجود فهتف بالحب؟
تلك وثيقة روحية تصل بيني وبينه على بعد ما بين القاهرة ودمشق، فإن كنت لم أره بعيني فقد رأيته بقلبي. وإن أخطأ القلب في وزن مزاياه فلا ندم ولا أسف، لأنه على كل حال قد نشأ في رحاب (جيرون) وإن كان في روحه وقلبه أعظم مما قدرت فما ذلك أول حظ يفوتني في دنياي، فقد فاتني الأنس بملاعب الإسكندرية في هذا الصيف، وفاتني النعيم برؤية اللؤلؤ المنثور فوق مرابع دمياط، وحرمتني المقادير نعمة العتب على (عيون المها وراء السواد)
وماذا يريد هذا الأديب من توجيه القول إليّ وهو يتحدث عن ظلال هواه؟
لعله سمع أن في مصر كاتباً فضحه الحب فلم يُعد يبالي أكاذيب اللائمين، وأقاويل العاذلين، فحدثته النفس بأن يوجه إليه القول، والعاشقون رفاق
هو ذلك، يا رفيقي، ولكن دنيا القاهرة غير دنيا دمشق، ورحم الله الشاعر عبد الحليم المصري إذ يقول:
مصرٌ بنا ضاقت فما حالكم
…
في قطركم يا شعراء الشآمْ
فأنت في بلدك يهتف بك الشوق فتتذكر بلواك بالحب ثم لا تجد من يعذلك فتقول: هذا كاتب يمزح في أوقات الجد فيتحدث عن الصبابة والوجد في أيام الحرب
وحالي غير حالك، يا رفيقي، فدنيانا في مصر تخضع لخطوب وصروف خلقها الحقد على البلابل العنادل، ليخلو الجو لنعيب البوم، من أن البوم قد انعدم في مصر منذ أجيال طوال، كما انعدمت الثعالب والذئاب، ولم يبقى في بلدنا ما يلهو به الصائد غير تعقب أسراب الظباء في طريق الهرم أو طريق السويس
وقد أردت أن أتغنى بأزهار الصباحة في وطني، الوطن الذي لا تقع فيه العيون على غير ما يزيغ البصائر ويضل العقول، فلم أظفر مع طهارة القلب بغير الاصطباح باللوم والاغتباق بالتثريب، مع أن وطني هو الذي أبتدع النشيد المحبوب:
(صيد العصاري يا سَمَك)، ومع أن الجمال في مصر لا يقاس إليه الجمال في أي أرض إلا حين تذكر مسارح الغزلان في الشام وفلسطين ولبنان والعراق
فإن باركتم (الجبل القائم كالفارس الأسمر الجميل) فهي عُلالة تنسون بها أن مصر لها في دولة الحسن سلطان لن يزول، لأنه المحور الذي ترتكز إليه (وحدة الوجود)
كل ما في مصر جميل، ولكن أين الشعراء؟
كان للشعر الوجداني دولة أيام الوزير محمود سامي البارودي بطل القلم والسيف، ثم صار الحديث عن الحب بدعة لا تليق برجل من الوزراء، فأين من يُبلغ أهل مصر أن الحديث عن الحب لم يغض وزير المعارف الأسبق في العراق وهو معالي الأستاذ محمد رضا الشبيبي، على أيامي في صحبته أطيب التحيات؟
لا بد من يومٍ أغر في خدمة وطني، وهو اليوم الذي أهتف فيه بأن مصر هي الوطن الأول للشعر والجمال والفنون
بأي حق يهتف الهاتفون بالحسن في دمشق على حين يخرس الشعراء عن الهتاف بالحسن في القاهرة، وهي بلا جدال عاصمة الشرق؟
أيكون بلدك أجمل من بلدي يا صلاح الدين حتى يصح لي أن أسكت ويجب عليك أن تنطق؟ نهركم هو بَرَدَى الذي يصفق بالرحيق السلسل
وأين بردى من النيل؟ وهل في الدنيا كلها نهر سبق النيل إلى المدنية وإلى الحديث عن أوطار القلوب في الغسق والشفق؟
وهل يكون الفرات في الطغيان أعظم من النيل في الوفاء؟
وهل ترى جمال العراق ينسيني جمال وطني، الوطن الذي أجد الظلم فيه أعذب مذاقاً من العدل، مع الاعتراف بأن شعراء العراق سبقونا إلى وصف النشوة برحيق الوجود؟
وأين الأرض التي تخرج الثمرات أربع مرات في العام الواحد كما تصنع أرض مصر، مصر التي ولد فيها موسى منشأ فيها عيسى وصاهرها محمد، عليهم أفضل الصلوات؟!
هي مصر التي تجهل عذابي في هواها، وهي غادر ظلوم
فلا تحسبوا هنداً لها الغدر وحدها
…
سجيَّةَ نفسٍ كلُّ غانيةٍ هندُ
وإن عشت فسأنتقم للوطن الذي يظلمني من الذين يجورون عليه فيزعمون أن للحسن دولة في غير شارع فؤاد بالقاهرة أو طريق فاروق بالإسكندرية أو شارع عباس بمصر الجديدة أو طريق البحر في شبين الكوم أو شارع الحمراء في أسيوط.
زكي مبارك
1 -
حول كتاب (الديارات) للشابشتي
ذكرت في تضاعيف الشروح التي علقت بها على مقالتي (يوم من أيام المتوكل) في العدد 269 من (الرسالة)، أن (الشاذ كلاه) معناها (مهرجان التاج) وذلك نقلاً عمن يفقه اللغة الفارسية عندنا. على أنني عثرت في مجلة المجمع العلمي العربي (ص 137 من الجزء الخامس من المجلد الثالث) على مقالة لأحمد تيمور باشا عن الألفاظ العباسية التي ذكرها صاحب (نشوار المحاضرة)، ذهب فيها إلى أن معنى (شاذ) بالفارسية (الفرِح والسرور) وأن معنى (كل)، وأصلها (جل) الورد. فيكون معنى (الشاذ كلى):(نوع من أنواع اللهو كان يعمل سروراً بالورد) وضبطها (شاذ كلي) بألف مقصورة، وما أدري ما الفرق بين (شاذ كلى) و (شاذ كلاه) من حيث انتهاؤها
وما ذهب إليه العلامة تيمور باشا هو أصوب وأقرب. . . مما ذهبت إليه فأثبته إقراراً للصواب.
2 -
(أجهل من الكناني)
قرأت في (ثنايا) مقالات الأستاذ علي الطنطاوي - التي يصف فيها رحلته إلى الحجاز وصفاً سهلاً رائعاً - مثلاً أستشهد به وما أدري من أين جاء به. فقد قال: (إن دليلهم كان أجهل من الكناني وأصحابه في اللغة العربية. . .). فهل للأستاذ أن يبين لنا سيرة هذا الكناني، ويدلنا على مصدر هذا المثل، ويجلو لنا الوقائع التي دفعت العرب إلى القول (أجهل من الكناني) فأنا لم أجد فيما بين يدي من كتب من يذكر مثل هذا الاسم وهذا المثل. وله مني الشكر والإعجاب.
(دمشق)
صلاح الدين المنجد
إلى الأستاذ صلاح الدين المنجد
سلام الله عليك ورحمته. وبعد فأني الآن مهاجر من القاهرة إلى المنصورة. ولو كنت في القاهرة لما استطعت أن ألخص شيئاً من كتاب (كتاب الشعور بالعور) للصلاح الصفدي لأنه من نفائس دار الكتب المصرية وذخائرها التي حفظتها الدار الآن في مكان حصين صيانة لها من (الغارات الجوية).
وموعدنا إن شاء الله زوال الحالة الحاضرة.
محمود حسن زناتي
أمين الخزانة الزكية
هي كنية الإمام الصادق
جاء في كتاب (نقد النثر) لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي في الصفحة السادسة: (وروى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لهشام: يا هشام إن لله حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الحجة الظاهرة فالرسل، وأما الباطنة فالعقل). غير أن الشارحين الدكتورين أو الأستاذين - على التغليب فيهما - طه والعبادي علقا في أسفل الصحيفة المذكورة على كنية (أبي عبد الله) بأنها كنية الحسين بن علي عليهما السلام، والحق أنها كنية الإمام جعفر بن محمد الصادق، إذ نجد الخطاب في هذه الرواية لهشام، وهشام هذا هو أبن الحكم أحد متكلمي الشيعة، وكان معاصراً وتلميذاً للإمام الصادق
على أن ما تحمله الرواية من أسلوب ومن تقسيم للحجة إلى ظاهرة وباطنة ومن بيان حجية العقل، كل هذا مما يلائم العصر الذي عاش فيه الصادق لا العصر الذي عاش فيه الحسين عليه السلام.
(بغداد)
(ع)
كتاب قصص القرآن
ظهرت الطبعة الثانية من كتاب قصص القرآن لبعض الأفاضل من المدرسين بقيادة الأستاذ الأكرم محمد أحمد جاد المولى بك. وقد أُهدي إلي فقرأته فأعجبت به إعجاباً شديداً وحمدت لهؤلاء الأخوان عاطفتهم النبيلة التي حدت بهم إلى إبراز مثل هذا السفر. وأي عمل أنبل من تحبيب القراء - والناشئين منهم خاصة - في قصص الرسل الكرام. وقصص غيرهم ممن ذكرهم القرآن للعبرة والموعظة؟
لقد وفق الكرام الكاتبون في عرض كل قصة مستقلة غير مفرقة، وحالفهم النجاح في معظم القصص من حيث طريقة العرض ومن حيث الأسلوب العربي الخالي من شوائب العجمة، والدقة في العبارات، وتحري الصواب والمعقول من آراء المفسرين وذلك جدير بمن كان مثل الأستاذين علماً وفضلاً وخلقاً
غير أني أرى في الكتاب مآخذ لا تؤثر كثيراً في قيمته وأثره. ومن ذلك أنه خال من مصور تبين الأماكن التي وردت في القصص، ومقدمته خالية من آراء المستشرقين في قصص القرآن، مع أن جاد المولى بك عليم بما في هذه الآراء الغربية من مغالطات، فلِمَ لم يرد عليها وهو خير من يستطيع ذلك؟ وقد خلت المقدمة من ذكر الغاية التي من أجلها وردت في القرآن أنباء الرسل، وهي تثبيت فؤاد النبي، لتكون له أسوة حسنة في إخوانه من رسل الله:(وكلاًّ نقص عليه من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). ومما بدا لي فيه أن القصة قد تذكر في أكثر من سورة فيكتفي من ذلك بسورة واحدة في الذيل، مثل قصة سيدنا صالح
هذه بعض هفوات قد لا يراها غيري كذلك وأرى تلافيها أولى من تركها، وكفى هذا السفر جودة أن تعد عيوبه
وليقرأ القارئ قصة طالوت مثلاً أو قصة موسى أو عيسى أو شعيب، فسيجد لساناً عربياً مبيناً، وقصصاً مرسلاً محبوباً شائقاً سائغاً وحكمة عالية بالغة، وعبرة لأولي الألباب.
(القاهرة)
عبد الرزاق إبراهيم حميدة
حول مقال
سيدي وأستاذي:
جاء في مقالة الدكتور زكي مبارك التي نشرت (بالرسالة) في العدد 370 تحت عنوان (الحديث ذو شجون)، أنه حين عرض على الدكتور مشرفة بك عميد كلية العلوم الخطاب الضائع قال له هذا العميد: العواطف من القوى الأساسية في حياة الإنسان، ولا بد لتلك القوى من غذاء
فقال الدكتور المبارك:
العواطف تحتاج إلى غذاء كما تحتاج العقول؟ هذه فلسفة لم أسمع بها من قبل، وأوحى إلى القراء بما يأتي:
الدنيا في حرب فلا تصدقوا الدكتور مشرقة وإن كان عميد كلية العلوم، واقضوا أوقاتكم كلها في متابعة أخبار الحرب بين الإنجليز والألمان، فأخبار الحرب هي زاد العواطف والعقول في هذه الأيام العجاف
ففهمت من هذا القول أن العواطف تحتاج إلى غذاء كما تحتاج العقول، وهذا ما صرح به الدكتور مشرقة وأنكره عليه الدكتور مبارك وحث القراء على عدم تصديقه. وكل ما هنالك أن الغذاء في الأول لم يعين ولم يقصر على نوع، وفي الثاني بينه الدكتور زكي بأنه أخبار الحرب في هذه الأيام
فما هذا الإشكال؟ آمل أن يفسره لنا أستاذنا صاحب الفكرة تفسيراً يطل بنا على مقصده السامي، ويهدينا سواء السبيل، ولا زالت عند حسن ظنه بي، والسلام عليكم ورحمة الله.
(الزيتون)
فوقية كامل
كتاب الشعور بالعور
قرأت في الرسالة عدد (367) كلمة للأستاذ صلاح الدين المنجد من دمشق بعنوان
(أصحاب العاهات ونوادرهم) يقول فيها إن نخبة من الأدباء تجمع الآن أخبار أصحاب العاهات ونكاتهم وأنها لم تعثر إلا على القليل من أخبار العوران وملحهم. ويسرني أن أنقل إلى حضرة الأديب المنجد أن في المكتبة الخالدية في بيت المقدس مخطوطاً فريداً اسمه (كتاب الشعور بالعور) تأليف الأستاذ صلاح الدين أبو الصفا بن أيبك بن عبد الله الصفدي الشافعي وهو صاحب كتاب نكت العميان الذي نشره المغفور له العلامة أحمد زكي باشا في مصر سنة 1910
أما المخطوط الذي نحن بصدده فعدد صفحاته 190 وقد كتب سنة 841 للهجرة ونسخ بخط الرقعة بالحبر الأسود وهو يشتمل على ست مقدمات ونتيجة ويقول المؤلف (إنني سميته كتاب الشعور بالعور ورتبته على مقدمات ونتيجة، المقدمة الأولى فيما يتعلق بذلك من اللغة، المقدمة الثانية فيما يتعلق بذلك من حيث التصريف والإعراب، والمقدمة الثالثة فيما يتعلق بحديث الدجال وكونه أعور، والمقدمة الرابعة فيما له بالأعور علاقة من الفقه، والمقدمة الخامسة فيما جاء من الأمثال والنوادر في حق الأعور وغير ذلك، المقدمة السادسة فيما جاء من الشعر في العور والعوران، النتيجة في سرد من كان أعور على حروف المعجم) انتهى. هذا وقد ترجم المؤلف في هذا الباب سيرة سبعة وسبعين أعور
ولد المؤلف سنة 696 هـ وتوفي بدمشق سنة 764 هـ وقد ترجمه السبكي في الجزء السادس صفحة 94 وجاء ذكره في الدرر الكامنة لأبن حجر الجزء الثاني في حرف الخاء صفحة 87. وللمؤلف تأليف كثيرة بعضها مطبوع وبعضها مخطوط ومن أهمها كتاب الوافي بالوفيات وهو لم يطبع.
(بيت المقدس)
أحمد سامح الخالدي
القصص
هَّمام
للأستاذ محمد سعيد العريان
(أشكر للآنسة الأدبية (قدرية ف) رأيها في قصة (البعث)
المشورة بالعدد 362 من الرسالة، وأرجو ألا يقع في وهمها
أنني أصف بها أحداً بذاته من أدبائنا، وإن كان موضوعها
يتصل بحياة كثير من أدباء العربية يعرفهم القراء بآثارهم
ويجهلون كثيراً من شئون حياتهم)
عندما يهم قطار الصعيد أن يجتاز النيل من شاطئ إلى شاطئ عند قناطر نجع حمادى في طريقه إلى القاهرة - يرى الراكب عن يمينه قرية صغيرة يطيف بها الجبل الشرقي من ثلاث جهات ثم ينفرج عن سكة متعرجة تصل بين القرية والنهر، وتقوم على جوانبها باسقات النخل حداً فاصلاً بينها وبين الصحراء الشاسعة الممتدة بين النيل والبحر الأحمر
في هذه القرية كان يعيش (هَّمام) يكدح لنفسه ولزوجه عاملاً في مزرعة العمدة، كما يعيش عشرات مثله قانعين من العيش بالكفاف، راضين من متاع الحياة بنعمة الحياة نفسها!
ولكن هَّمام لم يكن من القناعة بحيث يرضى من الحياة بما يرضى سواد الفلاحين الذين يعملون معه أُجراء في مزرعة العمدة؛ فقد كانت له نفس طلعة تتسامى بها أماني جسام؛ وكان من المنزلة عند سيده بحيث يتهيأ له أن يكون أقرب إليه؛ فرأى ألواناً من العيش وفنوناً من اللذة خيلت له ما خيلت من الأوهام وأنشأت في نفسه ما أنشأت من المنى
ولم يكن قد مضى على زواجه (بمسعدة) غير بضعة أشهر حين جلس إليها ذات مساء يحدثها وتستمع إليه:
(مسعدة!. . . وسيكون لنا دار ونخيل، ومزرعة على الساحل إلى جانب مزرعة العمدة، وسأكون وتكونين. . .!)
واستمعت إليه زوجته فرحانة، وحلقت بجناحيه في وادي المنى، وراحت تعد له عدة
الرحيل إلى القاهرة حيث يهاجر ليلتمس الغنى ثم يعود. . .
وخرج همام من القرية يحمل على كتفه خُرجاً فيه زاده ومتاعه حتى بلغ شاطئ النهر، وخلف زوجته في القرية تنتظر
وكان ثمة رمث من جرارٍ مشدودة عنقاً إلى عنق يتأهب لرحلة نهرية إلى القاهرة، فوضع همام متاعه عن كاهله وأتخذه مركباً إلى حيث ينشد أمانيه
وأرسى المركب بعد أيام على ساحل (الفسطاط)، فنزل هما يضرب في شوارع القاهرة ومتاعه على ظهره، حتى انتهى إلى مستقره في غرفة في دار في حي (بولاق) يساكنه فيها بضعة نفر قدموا لمثل غايته من بلاد متفرقة في الصعيد الأعلى فألفت بينهم الغربة وجمعتهم وحدة الأمل. ومضى يلتمس الرزق بساعدٍ قوي وعزم صليب، فلم يلبث أن انضم إلى جماعة من الفعلة في أعمال البناء، يمضي شطر نهاره يحمل مكتل الآجر صاعداً هابطاً على خشب مشدود من أسفل البناء إلى أعلاه ومن أعلاه إلى أسفله، ينضح العرق جبينه ولسانه لا يفتر عن الغناء، يصف أشجان الحبيب النازح إلى أمل يرجوه ومن خلفه حبيب ينتظر؛ فإذا حميت الظهيرة فاء إلى ظل جدار قائم يتناول طعامه لقمة من خبز قديد وملح جريش وماء؛ ثم يستأنف عمله. . .
لم يكن العمل الذي يزاوله همام مما ألِفَ حين كان يعيش بين أهله في القرية المطمئنة في أحضان الجبل الشرقي، ولكنه كان أحب إليه لأنه كان أكثر جدوى عليه. واستطاع أن يجمع من فضل أجرته بعد شهرين جنيهاً وبعض جنيه، أرسل منه ما أرسل إلى زوجته وادخر الباقي لنفسه، ودأب على ذلك من بعد؛ فكان لزوجته من فضل أجرته كل شهر نصيب معلوم، ولصندوق الادخار ما بقى. . . ولما جاءه النبأ أن زوجته قد وضعت، أرسل إليها بهدية وعلاوة تشتري بها كسوة للصبي، ولكنه لم يغفل أن يضع في صندوق الادخار ما يضع كل شهر، رجاء أن يكون له يوماً دار ونخيل، ومزرعة على الساحل إلى جانب مزرعة العمدة، هناك، حيث تنتظر زوجته وأم ولده. . .!
لقد مضى عام منذ هجر همام القرية يسعى إلى الغنى، وأنه هنا وزوجته هناك، وولده؛ أما هو فكان له شأن يشغله عن الفكر والحنين، وأما هي فكان لها أمل تأمله في يوم قريب - يربط على قلبها ويزيل وحشتها، وأما الصبي. . . وماذا يدري الصبي بعد؟
وتتابعت الأعوام وشب الغلام، لم ير أباه ولم يره أبوه؛ وماذا يهم الفتى من ذلك وليس بدعاً هناك، وفي كل قرية من قرى الصعيد العشرات من مثل همام نزحوا عن أهلهم وولدانهم يلتمسون مثل ما يسعى له، لا يتواعدون على لقاء ولا يتراءون منذ الشباب إلا على هرم. . .! ومضت بضع سنسن، قبل أن يفكر همام في زيارة زوجته وولده؛ وراحت (مسعدة) تستقبله على شط النيل حيث ترسى به السفينة؛ وقال الفتى لأمه وهو يشير إلى رجال على ظهر المركب: أيهم هو؟ ونظر همام إلى غلمان وقوف على الشاطئ وقال لنفسه: أيهم هو؟. . . ثم التقيا فتعارفا وحن الدم إلى الدم. . .
. . . وعاد الزوجان إلى حديثهما، وعاد همام يقول:(بلى، وسيكون لنا دار ونخيل. . . وسيكون. . .) وهمت المرأة أن تقول شيئاً ثم سكتت، ورفعت إليه عينين فيهما ظمأ وشوق، وفيهما إعجاب وزهو، وأنستها حلاوة اللقاء مرارة الفراق، وعادت الأماني تخيل لها، وحلقت بجناحيه في واديه، وقالت لنفسها هامسة:(سيكون لنا دار ونخيل ومزرعة، وسيكون وأكون. . .) ثم فاءت تنظر إليه وفي عينيها لهفة وحنين!
. . . وقضى همام في القرية أياماً، ثم استأنف رحلته يسعى إلى أمله، وخلفها وخلف ولدين: أما أحدهما فغلام لم يكد يرى أباه حتى فقده، وأما الثاني فإنه لم يره قط، لأنه لا يزال بينه وبين الحياة تسعة أشهر. . .!
لم يكن عبثاً ما تحمل همام من مشقة البعد سنين وما لقي من جهد الحياة؛ فلم يكد يمضي عليه في القاهرة بضع عشرة سنة حتى تغير من حال إلى حال؛ فلم يعد العامل الذي يمضي بياض نهاره حاملاً مكتل الآجر، صاعداً هابطاً على خشب مشدود بين السماء والأرض، ليس له إلا وجبة واحدة من طعام؛ إنه اليوم رجل غير من كان؛ لقد عاد ذلك الثوب الخلق جديداً على جسد ناعم، وعاد البطن الخاوي شبعان ريان من طيب الطعام والشراب، وعادت الغرفة المشتركة بين بضعة نفر يفترشون الأرض شقة ذات أثاث ورياش؛ وعاد الأجير الفقير سيِّداً يجري النفقة على أجرائه وخوله؛ وتلاحقت دراهمه فنتجت وأصبح ذا مال!
وتصرمت بضع سنين لم تره زوجته ولم يرها، أما هي فعاشت هناك صابرة قانعة بما يرسل إليها كل شهر من نفقة، تمسي وتصبح حالمة بالدار النخيل والمزرعة، ويوم تكون
ويكون؛ وأما هو، فتبدلت حياته بما تبدل من حال إلى حال، وأجدت له النعماء أماني فأنسته أماني، وعاش لنفسه وماله!
وشب الغلام وأخضر شاربه، ونهدت البنت وكعب ثدياها، وشابت الأم وتخدد لحمها، وما زال شاب قلبها يجد لها أملاً بعد أمل، وينشئ لها في كل مشرق شمس ومغربها حنيناً ولهفة؛ والرجل هناك يبيع ويشتري ويتعوض ويراوح بين جنبيه من فراش إلى فراش!
وفجأةً أظلمت القاهرة بعد نور، وهمدت بعد نشاط، وسكنت بعد حركة، ونعب النذير يوقظ النائم ويحرك الساكن ويبدد الشمل المجتمع ليجمع الشمل المتفرق؛ وكسدت سوق همام بعد نفاق، فأزمع الغريب الإياب!
لم يعد همام في هذه المرة إلى القرية على رمث في البحر تدفعه الريح، ولم يكن على كتفه خرج فيه زاده ومتاعه، ولم تكن رحلته طويلة موحشة تقاس بالليالي والأيام؛ ولكنه عاد في القطار السريع يؤنسه أنيس غير مملول؛ في يمناه حقيبة سفره وفي يسراه زوجته الحضرية المصقولة! وكانت (مسعدة) وولداها ينتظرونه لميعاده،. . . ونظرت امرأة إلى امرأة ثم أغضتا؛ أما واحدة فصبرت وشكرت؛ لقد سلخت شبابها متزوجة ولا زوج لها، فإنها لنعمة أن تظفر اليوم بنصف زوج!. . . وأما الأخرى فخنقت وسخطت؛ لقد كان لها زوج يؤثرها ففقدت نصفه!
وأغلق الباب على رجل وامرأتين؛ وعرفت كل واحدة منهما مكانها من صاحبتها ومن صاحبها؛ أما مسعدة فراحت تتجه إلى صاحبتها وتتعبد لها لتنال رضاها ورضا همام، وأما صاحبتها فراحت تشمخ وتتأمر لتتسلط وتحظى؛ واقتسمت المرأتان الدار فواحدة لها الفراش وواحدة للمهنة والعمل؛ وقالت المرآة لكل منهما: لقد عرفت مكانك؟. . . ولكن أحظاهما كانت اسخط لحظها وأشقى؛ لأنها لم تألف الحياة في القرية ولم ترض الشركة في رجل. . .
وأصبح همام ذات صباح فإذا امرأة واحدة في الدار وقد فرت الأخرى. . . وثارت نخوة الرجل وغضب لعرضه غضبة أهله، فأزمع أمراً؛ وغضب الولد لأبيه وأقسم ليغسلن العار بالدم
. . . وعاد (حمدان) بن همام من القاهرة بعد أيام وسكينة يقطر دماً. . . وأستقبله أبوه
مزهوا فخوراً فضمه إليه وقبل جبينه، واستقبلته أمه وأخته. . .
وجلست الأسرة الأربعة مجلسهم لأول مرة، مجلساً لم يجمعهم مثله منذ كانوا على صفاء ومودة، وقالت مسعدة:(همام!)
وكان في عينيها عتاب وفيهما رضاً واطمئنان
وقال همام: (مسعدة! معذرة إليك؛ إنك أنت وحدك. . . وكانت غلطة. . .!)
وابتسمت مسعدة وعاد الشباب يتألق في جبينها بشراً ومسرة، وانبعثت الأماني تحدثها حديثها، وحلقت بجناحين في وادي المنى، وقالت:(. . . ويكون لنا دار ونخيل، ومزرعة!)
وافترت شفتاه وقال: (ذلك أولى لك يا مسعدة وأنت له أهل؛ وهذا المال. . .)
ودق الباب وانقطع الحديث، ودخل الداخل ثم خرج، وخرج وراءه همام وزوجته وأبنته يشيعون حمدان وفي يديه الحديد مسوقاً إلى السجن!
لم يشتر همام داراً ولا نخيلاً، ولا مزرعة على الساحل؛ ولم يبق له من ماله باق، وأنفق ذخيرة العمر ليفتدي ولده من زلة ساعة فلم يُجد عليه!
وعاد همام كما بدا، أجيراً يكدح لنفسه وزوجته وأبنته عاملاً في مزرعة العمدة، قانعاً من العيش بالكفاف، راضياً من متاع الحياة بنعمة الحياة نفسها. . .
وخرج حمدان من السجن بعد عشر سنين لتستقبله أمه الأيم العجوز وحيدة فتصحبه إلى قبر أبيه يترحم عليه، أبوه الذي لم يره إلا مرةً ثم مضى كل منهما لوجهه، كما يلتقي اثنان اتفاقاً في طريق ثم يتدابران فلا لقاء!
محمد سعيد العريان