الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 375
- بتاريخ: 09 - 09 - 1940
تصحيحاً لتاريخ الزعيم
للأستاذ عباس محمود العقاد
قرأت نخبة من المقالات التي نشرتها مجلة (الثقافة) الغراء إحياء لذكرى سعد رحمه الله في هذه السنة
ولي عناية خاصة بأمثال هذه المقالات، لأنها تتصل بترجمة رجل عظيم أجللته وانعقدت الآصرة بيني وبينه في الجهاد الوطني بضع سنوات فضلاً عن سنين عدة كنا ننظر إليه فيها قبل ذلك نظرة الوثوق والإعجاب، ولأن هذه المقالات تتصل من جهة أخرى بموضوع كتاب ألفته في تاريخ ذلك الرجل العظيم، فيعنيني أن أراجع فيه كل ما عسى أن يصحح رأياً أو واقعة أو خبراً مما ورد في الكتاب لاستدراكه في أوان الاستدراك
ومن المقالات التي اتجه إليها ناظري أول ما أتجه مقال العالم الفاضل الأستاذ أحمد أمين لأنه كتب عن مدرسة القضاء الشرعي وهو أحد الأعلام الذين أنجبتهم تلك المدرسة القصيرة الأجل، الطويلة النفع والذكرى
ولكني عجبت لأنني رأيت الأستاذ ينساق إلى خطأ شائع من الأخطاء الشائعة الكثيرة التي ذاعت عن مدرسة القضاء في بعض الفترات.
وذلك إذ يقول: (. . . لم يرض الخديوي ولا الأزهر عن المشروع، ولمن سعداً أصر وعرض الأمر على مجلس النظار برياسة الخديوي، وعارض في الجلسة من النظار من أوعز إليهم أن يعارضوا، فاتخذ سعد المسألة قضية يترافع فيها كما كان يترافع أيام عهده بالمحاماة، ونسى المجلس ونسى الخديوي وضرب بيده على المائدة كما كان يضرب أمام القضاة، وتخاذل المعارضون ووفق على المشروع الذي كان يحلم ببعضه الشيخ محمد عبده، وتم وفي نفس الخديوي منه شيء بل أشياء، وهمس الخديوي في أذن مصطفى باشا فهمي رئيس مجلس النظار: يظهر أن نسيبك لم ينس المحاماة. . .)
فهذه القضية قد راجت زمناً لأنها تحمل عنصراً من عناصر الرواج بين الجمهور، وسمعتها من مصادر عدة قبل التقائي بسعد وبعد التقائي به في أيام الحركة الوطنية، وهي مع ذلك (مؤلفة) أو مخترعة سمعنا نفيها من سعد نفسه وذكرنا ذلك في مقالنا الذي نشرناه بمجلة (الهلال) الغراء على أثر وفاته، وذكرناه بعد ذلك في كتابنا عن سعد حيث نقول في
الصفحة العشرين بعد المائة:
(. . . كان الخديو حريصاً على استبقاء الأزهر في قبضته لإطلاق يديه في اختيار القضاة الشرعيين والإشراف على المجالس الحسبية وما يعهد إليها من محاسبة الأوصياء على التركات والنظار على الأوقاف، ولكنه كان يعارض في إصلاح الأزهر وتمكينه من إعداد القضاة والمعلمين والمحامين على الوجه المطلوب. وقد تعب الشيخ عبده في علاج هذا الإصلاح العسير حتى نفض يديه آخر الأمر واضطر إلى اعتزال منصبه في مجلس الأزهر الأعلى. فلما تصدى سعد لهذه المعضلة العصيبة هاجمته الأغراض والسعايات والعراقيل من كل جانب، فعزم عزمته ونكب عن ذكر العواقب جانباً كعادته حين يتصدى لأمر هو على يقين من صلاحه من وجه الحق فيه، وجاء إلى مجلس الوزراء وهو معول على أمر من أمرين: إما مدرسة القضاء، وإما الاستقالة وهو غير آسف
(قال سعد في بعض أحاديثه عما جرى في تلك الجلسة بينه وبين الخديو: إن الأقاويل اختلفت في المناقشة التي دارت بيني وبين الخديو في ذلك اليوم. فقال أناس: إنني ضربت على المنضدة بيدي وقلت في وجه الخديو: دعني أدافع عن مشروعي! وأن الخديو أجابني حينذاك ساخراً: يظهر أن الباشا لم ينس بعد صناعته القديمة. . . يعني المحاماة، وقال أناس غير ذلك ما يجري مجراه، والصحيح أنني لم أضرب على المنضدة بيدي ولم يعرض الخديو بسابق عملي في المحاماة، وإنما شاهدت في سموه ميلاً ظاهراً إلى رفض المشروع بعد ما شجعني على المضي فيه، ورأيته يأبى على المناقشة والشرح أمام زملائي الوزراء. . .
(قال رحمه الله بفكاهته المعهودة: وكنت قد انتقلت من القضاء إلى الوزارة (بعبلى) فدأبت على الشرح والاستدلال وقلت: أنني أفهم أن المناقشة حرة، وأود أن أعرف المانع من تنفيذ المشروع. ولا أدري أن هذا الكلام يغضب الخديو وينقل وقعة على سمعه. فأحمر وجهه كلون طربوشه، وسمع من أصحابنا الوزراء مني هذه اللهجة فأيقنوا أنني لا أقدم عليها إلا وأنا مؤيد بقوة خفية، ووهموا أن لورد كرومر يريد إنشاء المدرسة على الرغم من جميع العقبات، فأجازوا المشروع بالإجماع وبقى الخديو وحده معارضاً فيه! والحقيقة أن لورد كرومر لم يفاتحني في المسألة إلا بعد أن سمع بما دار بيني وبين الخديو من المستشار
المالي، وقد كان يحضر جلسات مجلس الوزراء)
هذه رواية سعد كما سمعناها منه، وثبت لنا مرة أخرى أن أصلح الإشاعات للرواج هي أولاها بحذر المؤرخين
من الذين علموا بتصحيح هذه الإشاعة فيما أذكر كاتب سعد وملازمه في وزارتي المعارف والحقانية فؤاد كمال بك رحمه الله، ولعله أشار إلى ذلك في مذكراته
وقرأت في مقال الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف (أن سعداً وهو في وزارة المعارف قد أضطر في بعض الظروف لمصانعة السياسة التي كانت متحكمة في ذلك الوقت، ومن ذلك ما كان من رأيه الذي دافع عنه خاصاً بالتعليم باللغة العربية، ولكنه في هذا إنما جرى على المثل المأثور: لا تكن صلباً فتكسر ولا ليناً فتصهر)
والذي نعلمه أن سعداً لم ينكر أن التعليم باللغة العربية واجب مطلوب، ولكنه كان يرى أن التعليم باللغة العربية لا يتم ولا يعم قبل تحضير كتبه وإعداد مدرسيه، وهذا رأي متفق عليه لا ضرورة فيه لمصانعة الأقوياء أو لاجتناب الصلابة، وفي وسعنا أن نقول إن قوة الاحتلال كانت تصانع سعداً أضعاف ما كان يصانعها، وكانت تحتمل منه أضعاف ما كان يحتمل منها، وهذا غاية ما يطلب من وزير مصري لم يؤيده في ذلك الوقت برلمان ولم يكن الخديو من الراغبين في بقاءه، ولا سند له إلا ما وقر في نفسه من القوة والصلابة الشكيمة
وقرأت من مقال مكرم عبيد باشا (. . . إن سعداً العظيم كان كسعد الرجل، إذا ما أحس إحساساً فلا توسط في حساسيته المرهفة. إذا ما بكى أو ضحك تشاركه عيناه بالدمع المنسجم - يبكي فيتطاير الدمع كالشرر المستمر، ويضحك فيتساقط الدمع كالماء المنهمر. . . ولا يهولنك أن يبكي سعد العظيم أو سعد الرجل فلعل أجمل آية في الإنجيل هي تلك الآية الحلوة القصيرة: بكى يسوع)
والواقع أن البكاء كان (تعبيراً) قوياً في نفس سعد زغلول لا يدل على ضعف ولا استكانة، ولكنه لم يكن من الانطلاق والمعاودة بحيث يفهم من هذه العبارة. فعلى طول رؤيتي له لا أذكر أن عينيه فاضتا بالدمع الغزير غير مرتين، وأما تناثر الدمع من عينيه حين يطيل الضحك فأمر طبيعي في تركيب العيون يزيده في سعد أنه احتفظ - على خلاف كثير من
الشيوخ - بنعمة الضحك القلبي إلى ما قبل وفاته بأيام. وكان رحمه الله يجتنب البكاء ما استطاع ويشيح بنظره عن رؤية الضعفاء الباكين، وقلنا من الكتاب هذا المعنى:(إن هذا المناضل المكافح طوال الحياة لم يكن أبغض إليه من رؤية العنف ولا مشاهدة الحزن والمحزونين. ذهب بعد الإفراج عنه في جبل طارق ليشهد صراع الثيران على الأرض الإسبانية، فلم يطق ما رآه من تعذيب هذه الحيوانات وانصرف بعد فترة وجيزة وهو يتأفف من هذا اللعب الممقوت. وعرف عنه ذووه أنه لا يطيق أن يرى البكاء لأنه يؤذيه ويستبكيه فكان يقول لهم: لا تبكوا أحداً أمامي، وإذا مت فخذوا ثأركم مني ولا تبكوني. ومن عادته ألا يظهر أمام الناس في موقف يخشى فيه من جيشان نفسه وغلبة دموعه، ولهذا لم يستقبل أم المصريين على المرسى في جبل طارق واكتفى بأن ينتظرها في حجرة الاستقبال. . .)
فبكاء سعد في تعبيرات نفسه في أمثال تلك المواقف المعدودة، وكان مع هذا يجتنبها ما استطاع
وجاء في مقال صاحب العزة (فخري عبد النور بك): (ثم ركبنا البحر وعدنا أدراجنا إلى القاهرة، وكان الزعيم الخالد يبدي جلداً وصبراً، وكثيراً ما كان يردد هذا الشطر: لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ. حتى وصلنا إلى بيت الأمة)
والذي أذكره أن سعداً رحمه الله تمثل بذلك الشطر وهو في حجرة مرضه بمسجد وصيف بعد أن روى لي أشياء عن أناس من أنصاره كتموا عنه أموراً كان يود لو يطلعوه عليها، وهذه المناسبة ظاهرة مني معنى الشطر المفهوم
وفي عدد الثقافة مثل على اتفاق الرواية إذا اتفقت الملاحظة الطبيعية كما يلحظها الرواة خالصة من الحواشي والأغراض فقد كتب الكاتب الأمين الأستاذ (كامل سليم بك) عن (حالة الزعيم النفسية) عقب مقتل السردار. فقال مما وعاه في مذكراته: (لقد مرت بسعد وهو زعيم أزمات حادة أقضت مضجعه. ولأذكر على سبيل المثال ما حدث له أيام وزارة زيور باشا التي أُلفت عقب مقتل السردار، فقد ساد البلاد جو خانق كجو الأحكام العرفية، وقبض على الأبرياء وزجوا في السجون لأتفه الشبهات، وفي طليعتهم الدكتور ماهر والأستاذ النقراشي، وكان سعد يحبهما ويثق بهما أخلص حب وأكمل ثقة، وحزن لسجنهما أشد الحزن وأخذ كثيرون من أنصاره ينفضون من حوله أو ينقطعون عن زيارته؛ فدخلت على
سعد يوم 30 يوليه سنه 1925 وهو في هذه الحالة النفسية التعسة ووجدته وحده في مكتبه الداخلي في بيت الأمة يطالع كتاباً؛ ولن أنسى ما حييت ما لاحظت عليه من الحزن الأسود والألم الأليم. سألني عن الحالة العامة فحدثته بما أعرف وتعمدت أن أضمن حديثي ما يدعو إلى الأمل والتفاؤل حتى أدخل على قلبه الكبير شيئاً من الطمأنينة والسكينة، فأبتسم ابتسامة فاترة كانت على الألم أدل منها على أي شيء آخر، وقال:(اسمع يا كامل! لقد ألم بالناس هزال شديد، وهو أشد لدى من كانوا أكثر الناس حماسة وأشدهم غيرة، ومن بقى معي منهم موجودون إما أحياء أو تورطاً وإما لعدم وجود وسيلة أخرى، وهي مصيبة ليس لها إلا ربك)
والواقع أنني لم أجد سعداً في حالة من الغم كالحالة التي وجدته عليها في تلك الفترة، ولاحظت ذلك في كتابة تاريخه فقلت: (ما أعرف وقتاً تسرب فيه السأم والتعب إلى بنيته وإلى نفسه كما كان يتسرب أحياناً خلال الفترة من مقتل السردار إلى عودة الحياة النيابية. . . وذات ليلة كان يسأل: ما الذي يبعث القوة في الشعب؟ وكنا ثلاثة على مائدته: محامياً معرفاً والأستاذ عبد القادر حمزة وكاتب هذه السطور، فقال المحامي وظن أنه يرضيه بما قال: يا باشا كلمة منك تبث فيه الحياة الفتية. وأسترسل في مثل هذا الكلام، فنظر إليه سعد هنيهة ثم قال: ما هذا؟ أتريد أن تخطب؟ أتريد أن تتحمس؟ طيب. . . تفضل أخطب وتحمس وانتظر من يسمع
وكانت نفسه برمة جداً بمن يعبثون بهذا الموضوع لأنه كان مهموماً به ولا يطيق الهزل فيه. بل كثيراً ما سمعته يتضجر في تلك الأيام من حب النكتة في الطبيعة المصرية ويقول: لولا أن المصريين يضحكون من زيور وغرائبه لما احتملوا هذا الزمن الطويل)
وبعد فأني أسجل هذه التعقيبات على ما قرأت في فصول الثقافة وفي اعتقادي أن إخواننا الذين احتفلوا بذكرى الزعيم العظيم يرحبون بما فيها من تصحيح لبعض الوقائع والأخبار، إذ كانوا ولا ريب إنما يقصدون إلى تمحيص الحقائق عن ذكراه.
عباس محمود العقاد
الحديث ذو شجون
للدكتور زكي مبارك
سعد زغلول خطيباً - الخطابة والحديث عند جماعة من رجال
هذا العصر: طه حسين، عبد اللطيف الصوفاني، علي فهمي
كامل، عبد العزيز جاويش، مكرم عبيد، مصطفى النحاس،
محمد حسين هيكل، محمود فهمي النقراشي، محمد محمود،
عبد الخالق ثروت، حافظ عفيفي، طلعت حرب، حلمي عيسى،
عبد الحميد بدوي، علي إبراهيم، نجيب الهلالي، إبراهيم عبد
الهادي، احمد لطفي السيد.
عجب فريق من القراء من حكمنا على الزعيم (سعد زغلول) خطيباً، وهددنا أحد الرفاق الأعزاء بكتابة فصل ينقض به حكمنا من الأساس، وعاتبني بعضهم على ذلك الحكم الصريح فقلت: إنما سجلت إحساسي بصدق، ولا موجب للمواربة في الحكم على خطيب لم تكن الخطابة إلا عنصراً واحداً من عناصر كثيرة تألفت منها قوته الذاتية، فمجده لا يقف عند القول بأنه كان أخطب الخطباء.
وأواجه الموضوع مرة ثانية خدمة للتاريخ الأدبي فأقول:
كان يهمني من عهد بعيد أن أدرس العصر الذي أعيش فيه دراسة صحيحة، وأن أزن المواهب عند من ألاقيهم من أهل الفكر والرأي والبيان، وقد يتفق أحياناً أن أشغل نفسي بدراسة الوجوه والملامح، وربما توغلت فدرست الصلات المجهولة بين ما يُظهر للناس وما يضمرون، فإن رأى بعض القراء خطأ في بعض ما أُصدر من الأحكام الأدبية على أهل هذا الجيل، فلا يرجع ذلك الخطأ إلى المسارعة في الحكم بلا روية، وإنما يرجع إلى أني قد لا أوفق إلى الصواب مع الحرص الشديد على النظر والتدقيق
والحق أني مفتون بنفسي من هذه الناحية، ولا أعترف بأني قد أخطئ إلا تجنباً للوقوع في
اللجاجة مع بعض القراء، مع أني أومن بأن الكبر المطبوع أخف روحاً من التواضع المصنوع. وأقول بعبارة صريحة أن التعبير اللساني له فنون، وقد تَدِق الفروق بين تلك الفنون، ثم تَدِق حتى تصبح من العسير أن نضع لها الموازين، ومن هنا ينشأ الخلاف في الحكم على طبقات المتحدثين والخطباء
وأضرب المثل بالفرق بين المحاضر والخطيب، فالمفهوم أن المحاضر والخطابة فنان يقتربان أشد الاقتراب، لأنهما في ظاهر الأمر يرجعان إلى أصل واحد، ومع ذلك نرى القدرة على المحاضرة والخطابة تتفاوت أشد التفاوت عند الرجل الواحد في بعض الأحيان
فالدكتور طه حسين محاضراً يُعد في الطبقة الأولى بين المحاضرين، ولو راعينا أن الدكتور طه لا يستطيع أن يهيئ كلاماً يأخذ بعضه برقاب بعض في دقائق تقارب الستين لجاز الحكم بلا مجاملة بأن الدكتور طه هو المحاضر الأول في هذا الجيل
ومالي لا أقول الحق كل الحق فأصرح بأني لم أشهد في مصر محاضراً يماثل الدكتور طه في جهارة الصوت ونصاعة الأداء؟ ولكن طه حسين خطيباً مخلوق آخر: فهو في الطبقة الحادية والعشرين بين خطباء هذا الزمان، وما سمعت الدكتور طه يخطب إلا أشفقت عليه، فمن العجيب أن الرجل الذي لا يتحبس ولا يتوقف وهو يحاضر قد يتعرض لأبشع ضروب الغي وهو يخطب، فمن أين جاءت هذه الفروق بين الموقفين مع قرب الصلة بين موقف المحاضر وموقف الخطيب؟
أيرجع السبب إلى أن الدكتور طه محدث بارع، والمحاضرة فن من الحديث؟
أم يرجع السبب إلى أن الدكتور طه يجري على فطرته وهو يحاضر فيسلس له القول، ويتكلف وهو يخطب فيمتع (بمزايا) المتكلفين من الفضلاء؟
هذا موضوع يصح للدرس، وهو من الدقة بمكان. وأذكر شاهداً آخر يوضح هذه القضية بعض التوضيح
كانت صحبتي طالت لفقيد الوطنية والدين عبد اللطيف الصوفاني، وكنت أراه أفصح الناس حين يدور الحديث حول المطالب القومية، ثم سنحت فرصة وجب فيها أن يقف ليخطب، فرأيت البون شاسعاً جداً بين الصوفاني المحدث والصوفاني الخطيب، ولعل شاعرنا شوقي راعى هذا المعنى حين قال وهو يرثيه:
ما كان قُسَّاً ولا زياداً
…
ولا بسحر البيان جاء
لكن إذا قام قال صدقاً
…
وجانبَ الزُّور والرياَء
وعرفت خطباء لا يجيدون إلا حين يحفظون خطبهم عن ظهر قلب، ومن هؤلاء المرحوم علي فهمي كامل الذي مات في رثاء شهيد الوطنية محمد فريد
وإنما قضيت بهذا لأني سمعته مرة يخطب نحو ساعتين بلا تلعثم ولا تردد، وكان ذلك في كلية مصطفى كامل في إحدى ذكريات الزعيم الأول، وبعد انفضاض الاحتفال بوقت قصير ظهرت جريدة اللواء وفيها خطبة علي فهمي كامل، فرأيت النص المكتوب عين النص المسموع، بلا تقديم ولا تأخير، وبلا زيادة ولا نقصان
ويؤكد من عرفوا الزعيم الخالد مصطفى كامل أنه كان يحفظ خطبه عن ظهر قلب، ويؤيد هذا خطبته التاريخية على مسرح زيزينيا بالإسكندرية، وهي أعظم خطبه، وبها ختم حياته الخطابية، وأسلوبها يشهد بأنه نظمها نظماً ثم حفظها قبل أن يلقيها على الناس
فكيف كان علي فهمي وهو يتحدث؟
كان أعجوبة الأعاجيب في قوة الأداء، وكان يطبق أسنانه بعنف في المواطن التي تحتاج إلى تأكيد، وكان يحفظ الأرقام مهما بعد عهدها في التاريخ، فلم يكن من الصعب عليه أن يذكر اليوم الذي وقع فيه حادث مأثور في أي عهد من العهود وقد حملته الثقة بالنفس على أن يتقدم للانتخابات في دائرة السيدة زينب منافساً للزعيم سعد زغلول؛ فلما راجعته في ذلك غضب وثار وأعلن أن انتصار سعد عليه أبعد تصوراً من المستحيل!
والمهم هو النص على أن علي فهمي كامل المحدث غير علي فهمي كامل الخطيب، لبعد ما بين الحالتين من العنف واللطف، والفطرة والطبع. ولم أشهد علي كامل يرتجل الخطابة إلا مرة واحدة في نوفمبر سنة 1920 وقد وقف يخطب على قبر محمد فريد وهتف هاتف: يحيا سعد! فاغتاظ الرجل واندفع في تجريح سعد بقوة قهارة فرضت على السامعين أن يلوذا بالصمت والخشوع، في وقت لم يجرؤ فيه أحد على أن يذكر سعداً بغير الجميل
أما الشيخ عبد العزيز جاويش فكان يلقى خطبه بأسلوب المدرس المتمكن، وكان يغلب عليه أن يرد يده إلى أذنه بصورة من يدعو فكرة إلى التجمع، وكان يهتف بكلمة (وَي!) حين يرى المعاني تشرد أمام فكره القناص فترجع إليه وهي أوانس خواضع!
وكان الشيخ جاويش حين يتحدث في لحظات الصفاء أحيا من الفتاة البتول، وكان لصوته في أوقات اللطف نبرات عذاب، وكانت له ابتسامة حلوة إلى حد يفوق الوصف، وكان لعينيه بريق جذاب، فإذا غضب فحديثه ونظراته رعد وبرق وصواعق
كنت أدخل عليه في وزارة المعارف بلا استئذان، وكانت الفرص كثيرة لمقابلته، لأنه كان يمكث في مكتبه كل يوم نحو عشر ساعات، فيتغدى في الوزارة كيفما اتفق، ويصلي فيها الظهر والعصر والمغرب، وقد يحلو له الأنس بالواجب فيبقى في الوزارة إلى أن يصلي العشاء
دخلت عليه مرة فوجدت عنده إنساناً منزوياً في إحدى نواحي المكتب ورأيت الشيخ غضبان والشرر يتطاير من عينيه، فسلمت تسليماً مختصراً وجلست
وما هي إلا لحظات حتى انفجر الشيخ كالبركان في وجه ذلك الجليس، فقد صرخ:
(من يتزوج بناتنا إذا جاز لكل شاب مأذون ألا يزور أوربا إلا عاد ومعه زوجة فرنسية أو إنجليزية أو ألمانية؟
إن الأتراك لا يتزوجون بناتنا غطرسة منهم وكبرياء، والمغاربة وهم في مثل حالنا لا يتزوجون بناتنا إلا في قليل من الأحوال
فكيف يجوز لشاب أن يترك بنات وطنه للبوار، وهو يعرف في سريرة نفسه أن الفتاة المصرية معدومة النظائر في الجمال وأدب النفس؟ وما الذي بهرك من الفتاة الأوربية حتى تنسى بها بنت وطنك؟ ومتى يصير أمثالك رجالاً يعتمد عليهم الوطن وقد حرمكم الله نعمة الوطنية؟)
وخرج الشاب وهو آسف. وكانت لحظة صمت توهمت فيها عيني الشيخ جاويش مغرورقتين بالدمع، فطلب فنجان قهوة، ثم تكلف الابتسام، وقال:(لا تؤاخذني، فذلك فتى كان أبوه من أعز أصدقائي، وما كنت أحب أن ينسلخ من وطنه بالزواج من امرأة أجنبية)
ومع أن المسألة فيها نظر، ومع أني كنت أراجع الشيخ في كثير من الشؤون، فقد تخوفت عواقب غضبه إن راجعته في ذلك الشأن الدقيق، ثم انصرفت وقد عرفت أن الشيخ لا يرق ولا يلطف إلا في ساعات الصفاء، وأنه أخطب ما يكون وهو غضبان
أما مكرم باشا عبيد فلم أسمعه يخطب إلا في الحفلات، وهو يحفظ خطبه عن ظهر قلب
وقف يخطب في ذكرى 13 نوفمبر أيام الائتلاف، وبعد مدة تزيد على عشر دقائق دخل عدلي باشا يكن ومعه جماعة من الوزراء، فرجع مكرم باشا إلى مطلع الخطبة من جديد فأعادها حرفاً حرفا بلا تغيير ولا تبديل
أما مكرم باشا محدثا فلم أعرفه إلا في لحظات قضيتها معه بشارع ريفولي في باريس سنة 1929، وهو يقبل عليك حين يحدثك إقبال من يهمه أن يظفر بثقتك، فيترفق ويتلطف، ويتنقل من فن إلى فنون، وهو في جميع أحواله خفيف الظل والروح
ولم أسمع مكرم باشا وهو يرتجل لأعرف الفرق بين حاليه في الأداء، ولكن من المؤكد أن حاليه يختلفان بسبب غرامه بالزخرف والتنميق، ومن كان كذلك فأمره في الروية غير أمره في الارتجال
ولم أسمع النقراشي باشا خطيباً، ويقول الذين سمعوه أنه ليس من الخطباء
أما النقراشي المحدث فهو آية في حلاوة التعبير وسلامة المنطق، على شرط أن يكون الحديث في داره لا في وزارة المعارف أو وزارة الداخلية
وهو مرهف العقل حين يتحدث، ولكلامه مذاق خاص لأنه لا يتكلم إلا وهو مبتسم، وقد تعجب حين يحادثك بأن يكون لمثله أعداء، لأنه ينقل أحاديثه عن قلب يفيض بالشهامة والصدق والإخلاص، وإن كَثُر القول بأنه مفطور على العنف والاعتساف
والنحاس باشا خطيباً لا يرضيني، وإن كنت أول من تنبأ بأنه سيكون خليفة سعد، يوم رأيته يصاول زغلول باشا في مجلس النواب، وكنت مضيت مع الأستاذ محمد الههياوي لشهود بعض المواقف المهمة قبل أن يموت سعد بعامين
والعيب في خطبة النحاس باشا يرجع إلى الأداء، لأنه يؤدي المعاني بأسلوب رتيب، ولا يفرق بين مقامات الكلام إلا في قليل من الأحايين، ولو جاز أن نقدم نصيحة لرجل في مثل مركز النحاس باشا لرجوناه أن يرجع إلى باب من أبواب العربية أسمه الوقف!
أما النحاس باشا متحدثاً فهو على جانب عظيم من الجاذبية في أوقات الصفاء، فهو يرسل النكتة المستعذبة بلا تكلف، وهو لكرم طبعه ينسيك أنه من الزعماء، وهو أولاً وآخراً رجل له قلب، على قلة أرباب القلوب في هذا الزمان
فإن تحدث النحاس وهو غضبان فلا تعجب حين يقع منه مالا يرضيك، لأن الغضب يحوله
إلى رجل ينكر أن في الدنيا كلاماً يقال وكلاماً لا يقال!
أما موهبة هيكل خطيباً فليست بشيء بالإضافة إلى موهبته في الحديث
يحدثك هيكل باشا وهو (أبن بلد) فتستظرفه إلى أبعد الحدود، لأنه من هذه الناحية موهوب. فإذا خطب وأراد أن يكون (أبن بلد) ضاقت به نفسك، لأن الخطابة لها وقار لا يسمح بالعبارات البلدية، وقد يعدها من الابتذال
ويروعك من هيكل باشا صفاء عينيه حين يتحدث، حتى لتكاد تجزم بأنه الشاب الذي ترفق فأشار في كتابه عن (جان جاك روسو) إلى أنه كان من أهل الفتون يوم كان طالباً في باريس. أما مقام هيكل باشا في الصحافة والتأليف فهو أوضح من أن يحتاج إلى بيان، لأنه في هاتين الناحيتين من أقطاب هذا الجيل.
أما زعيم الدستوريين محمد باشا محمود، فلم أشهده خطيباً إلا مرة واحدة في الخطبة التي قال فيها وهو غضبان:
(نريد أن نعرف لمن الأمر اليوم: ألسعد أم للأمة؟)
وكنت سمعت أنها عرضت قبل إلقائها على الدكتور طه حسين والعهدة على الشخص الذي صحب الدكتور طه أيام سكناه بحي قصر النيل، فهو الذي زعم في جريدة (الإنذار) أن الدكتور طه هو الذي أنشأ تلك الخطبة التاريخية
والذي يرى محمود باشا وهو يتحدث يؤمن بأنه من أفراد الأدباء في اللغة العربية، وكيف لا يكون كذلك وهو من أسلم الناس ذوقاً في الحكم على الأدب القديم والحديث؟
ولم يكن صوت ثروت باشا في الخطابة بالصوت المقبول، كان صوته لوناً من (الصرصعة)، وكان يقرأ خطبه في أوراق مكتوبة بطريقة تشهد بأنه يخشى عادية اللحن والتصحيف
وأعظم خطب ثروت باشا هي خطبته في الرد على معارضيه سنة 1922، وقد صححها المرحوم محمد المرصفي، فشهد التصحيح بأنها استهدفت لطغيان قلمه البليغ
أما ثروت باشا المحدث، فكان من الآيات في عذوبة الروح وقد استطاع بلباقته أن يسيطر سيطرة روحية على الزعيم سعد زغلول قبل رحيله عن هذا الوجود، فلما وقف يرثي سعداً بعد ذلك، قهره القلب الطيب على أن يضيف إلى خطبته سطوراً من الدمع المسكوب
ولم أسمع حافظ باشا عفيفي وهو يخطب، أما أسلوبه في الحديث فقد بهر قلبي وعقلي
وطلعت باشا حرب ليس بخطيب ولم يخلق للخطابة، وهو مع ذلك محدث جذاب، وحاله في ذلك يشبه حال الدكتور علي باشا إبراهيم، أو حال عبد الحميد باشا بدوي
ولا أعرف أين يقع مكان نجيب بك الهلالي بين الخطباء، ولكني أعرف أنه محدث ظريف
أما حلمي باشا عيسى، فهو فيض من القوة والفتوة حين يتحدث، وإن كنت لم أرض عن أسلوبه الخطابي حين سمعته في مجلس النواب، ولعل ذلك لأن موقفه كان موقف المقرر لا موقف الخطيب؛ والأستاذ إبراهيم عبد الهادي كان من خطباء الثورة المصرية، وكان يومئذ فصيح اللسان، وكان صدري ينشرح حين أراه على حداثة سنه يتسامى إلى منازل الخطباء القدماء في تخير اللفظ الفخم والمعنى الوهاج، ثم ضاق به صدري حين سمعته يخطب في مسرح الأزبكية بعد الثورة بأعوام، فقد سلك في التحريض على أعضاء الحزب الوطني مسلكاً غير مقبول، ومع ذلك كان يستنفر الجمهور بشواهد من القرآن والحديث!!
وكذلك انصرفت عنه وانصرف عني فلم نكن نتبادل التحيات إذا التقينا مصادفة في الطريق، ثم تعارفنا بعد طول التغاضي حين تلاقينا في المفوضية العراقية منذ أكثر من شهرين فكيف صار إبراهيم عبد الهادي الخطيب؟ أهو كعهدي به قبل عشرين عاماً حين كان يرصع خطبه بالحِكم والأمثال والآيات والأحاديث؟ أم تكون الدنيا راضته على فنون من سرعة القول وبديهة الارتجال؟
يشهد ما أقرأ من خطبه المنشورة أنه لا يفرق كثيراً بين مقامات الكلام: فهو يخطب في مجلس النواب كما يخطب في الحفلات، ومع أن الفرق بين المقامين بعيد. فإن سنحت فرصة لشهوده خطيباً ومتحدثاً فقد أرجع إلى هذا الرأي بشيء من التعديل، ولكن ما أهمية الخطابة والحديث في حيوات الرجال؟
لذلك أهمية عظيمة جداً، فأستاذنا أحمد لطفي السيد باشا مدين لمواهبه في الحديث أولاً وفي الخطابة ثانياً، وأكاد أجزم بأنه يراعي التعبير كما تحدث، ولو كان الحديث أمراً بتقديم القهوة للضيوف، وللحديث عنده ألوان: فهو تارة بالعامية الشرقاوية، وتارة بالفصحى البدوية، تبعاً لاختلاف المقامات، ولهجته البلدية عذبة حلوة تقع من آذان السامعين أجمل موقع، فإذا بدا له أن يعرب فهو أعرابي من مجاهيل البيداء، وهو في حاليه يتكلم بصوت
رنان يذكر بألحان يوسف المنيلاوي، إن رضى عن هذا الوصف
ولطفي باشا له تاريخ في الدعوة إلى العامية، ولكنه مع ذلك يكره التبذل والإسفاف في الخطب والمحاضرات، ولو سمعته يخطب لعرفت أن دعوته إلى العامية لم تكن إلا دعابة أراد بها أن يشغل الجمهور عن المناوشات التي كانت تقع بين أرباب الأقلام أيام الصيال بين الجريدة والمؤيد واللواء، فلما جد الجد وصار مديراً للجامعة المصرية أعلن أن اللغة العربية لغة العوام وأنها لا تملك القدرة على التعبير عن أفكار الخواص، وفي حديث أذيع باسمه في مجلة الهلال
أما بعد فأين أنا مما ابتدأت به هذا الحديث كنت أريد أن أشرح كيف اختلفت الآراء في سعد زغلول خطيباً ثم اندفعت إلى شجون من الأحاديث شغلتني عن الموضوع الأصيل، وإن كانت تتصل بي أوثق الاتصال. فإن استطاب القراء هذا الفن من التشريح فسأرجع إليه بعد حين
زكي مبارك
أخلاق القرآن
للدكتور عبد الوهاب عزام
- 1 -
أعرض في مقالات قليلة أمهات الأخلاق في القرآن، وكيف بينها الكتاب الكريم وكيف دعا إليها بعد أن أقدم مقدمة وجيزة تبين المقصد الآخر الذي قصد إليه القرآن من تربيته وتعليمه: سئلت عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلوات الله عليه، فقالت: كان خلقه القرآن. فأخلاق القرآن هي التي تجلت في محمد خاتم النبيين وأصحابه ومن تبعهم وسار على نهجهم من بعد. وإنما يظهر صلاح القانون حين إنفاذه، ويتبين سداد الرأي حين يختبره العمل، ويُعرف رشاد الطريقة حينما تهدي السائرين عليها إلى الغاية المثلى. فإذا أردنا أن نقدر أخلاق القرآن فإنما نتبينها في سيرة من عملوا بالقرآن
كل ما يزدان به تاريخ الإسلام من سير الملوك والولاة والقواد والقضاة والعلماء والصالحين وغيرهم، فهو أخلاق القرآن تتجلى في صور مختلفة. فإن رأيت ملكاً من المسلمين ملك الدنيا ولم تملكه، وسيطر على الأرض ولم تسيطر عليه، فساس عباد الله بعدل الله، وأتعب نفسه لريح رعيته، وراقب فيهم ربه ليله ونهاره، فهذا من أخلاق القرآن. وإن رأيت والياً دخلت الدنيا يده ولم تدخل قلبه وكف يده عن المحارم ولم يأل جهداً في العمل لخير الناس، فهذا من خلق القرآن كذلك. وإن رأيت قائداً يحتقر المهالك، ويقذف بنفسه في المعارك، يفتح البلاد ولا يُعنت العباد، قد ملكت القناعة قلبه ويده، وكفه العدل عن العدوان، فهذا من خلق القرآن في أحد مظاهره. وإن رأيت قاضياً كد عقله في معرفة الحق والتثبيت، وآثر العدل وجانب الجور وأخلص لله فكره وحكمه، وأقض مضجعه عظم التبعة، فذلك من قضاة القرآن. وإن رأيت عالماً توجه إلى الله بفكره، وأدام النظر في ملكوت السماوات والأرض، ودأب في البحث ابتغاء الحق لا يميل مع الهوى ولا يرجو إلا وجه الله فهو من علماء القرآن.
عدل أصحاب السلطان، وجهاد المجاهدين بالحق، وإحسان المحسنين في كل عمل، وطلب الحق والصبر عليه، ودفع الظلم والنفور منه، والاضطلاع بأعباء الحياة، والصبر على المكاره والثبات على الشدائد، كل ذلك من أخلاق القرآن. والخلاصة أن الحياة في أقوى
مظاهرها، وأحسن وجوهها، وأعدل سيرها، وأرحم قوانينها، وأجل أعمالها، كل أولئك تقصد إليه أخلاق القرآن.
من يتدبر القرآن يعرف أن القصد الآخر الذي ترمي إليه تربية القرآن هو أن يحرر الإنسان من أهوائه وشهواته، وأن تقوى نفسه بالأخلاق القوية القويمة، وأن يزود عقله بالمعرفة، ثم أن يعمل بهذه النفس المحررة القوية وهذا العقل القويم في معترك الحياة مبتغياً الخير لنفسه وللناس كافة. ذلكم مقصد القرآن فيما يعلم من الأخلاق
يريد القرآن نفساً محررة من الأهواء والشهوات، وسأبين هذا من بعد، ولكني أسارع فأقول هنا: ليس معنى التحرر من الشهوات الحرمان منها؛ فإن القرآن يريد للناس أن يستمتعوا بهذه الحياة، ولا يزوروا عنها ويتجنبوها:(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين)
القرآن لا يدعو إلى الرهبانية ولا يرضاها، وإنما يدعو الإنسان إلى أن يرمي بنفسه في معارك الحياة مزوداً بالأخلاق القوية الفاضلة، مريداً الخير لنفسه وللناس حتى يعيش راضياً مرضياً. فمن أعتزل معارك الحياة فقد فر من الواجب، وجنح إلى الراحة، وآثر البطالة. وليس تمسكه بالأخلاق الفاضلة بعد هذا إلا كما يتسلح الجندي ثم يترهب في دير. والعبادة الحق في شرعة الإسلام هي الجهاد في هذه الحياة. كل عمران في الأرض، وكل إحسان إلى النفس أو الأقرباء أو الأصدقاء أو عامة الناس أو إلى الحيوان الأعجم؛ كل هذه عبادة يأمر بها الإسلام بل يعدها أفضل العبادات. وقد قال أحد صوفية المسلمين:(ليست الولاية أن يمشي الإنسان على الماء أو يطير في الهواء، ولكنها أن يعمل الإنسان في الأرض فيزرع أو يتجر وينعم بالعيش وهو لا يغفل عن الله طرفة عين) ومن أجل هذا كانت المرابطة في الثغور، أي حماية حدود البلاد، من أفضل العبادات عند المسلمين. وكم يحدثنا التاريخ عن علماء أتقياء أقاموا في الثغور ورابطوا العدو، يرون أن عبادتهم وورعهم لا يغنيان عن هذه الرابطة شيئاً. ولأن المرابطة عبادة سمى الصالحون في بعض
البلاد الإسلامية مرابطين وسمى رباطا المكان الذي فيه المتعبدون
إنما يريد القرآن من التحرير من الشهوات أن يسيطر الإنسان على نزعاته فيلائم بينها وبين الحق والخير ويفعل أو يكف حراً بعقله لا عبداً بهواه
مقصد الإسلام الأخير هو تحرير النفس من الأهواء والشهوات وتقويتها بالأخلاق الفاضلة وتحرير العقل من الأهواء كذلك، وتقويته بالمعرفة، ثم العمل بنفس محررة قوية، وعقل حر واسع، في أرجاء هذه الأرض لخير الناس. فأما التحرر من الهوى فقد أمر به القرآن في آيات كثيرة وافتن في الدعوة إليه بأساليب مختلفة. يقول القرآن الكريم:(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.) ويقول: (أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة؟) ويقول: (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوائهم.) ويقول (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى.)
أرأيت كيف ينهى القرآن عن الهوى ويعده معطلاً لمعارف الإنسان وعقله وسمعه وبصره ويراه رأس كل ضلالة؟
اشتد القرآن في النهي عن إتباع الأهواء، حتى نهى عن الأخذ بالظن، لأن الإنسان إذا لم يسر على بينة مال به الهوى الخفي وأوحى إليه الظنون المختلفة: فيظن الحق باطلاً، والباطل حقاً، والخير شراً، والشر خيراً، كما ينزع هواه وتميل نفسه. وما أكثر ما نهى القرآن عن الظن، قال:(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعد الظن إثم)، وقال:(إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)، وقال:(ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً). بل بين القرآن أن ضلال الناس ناشئ عن إتباع الظن فقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن)
هكذا يشتد القرآن الكريم في الدعوة إلى تحرير النفس والعقل من الأهواء وتبرئتها من الظنون، ليقارب الإنسان الصواب جهده، وتستقيم له طريقة الفكر فطريقة العمل
وأما تقوية النفس وتهذيبها بالأخلاق الفاضلة، فسيأتي بيانه حين نفصل الكلام في الأخلاق التي دعا إليها القرآن. وأما تقوية العقل وتقويمه وتزويده بالمعرفة، فقد دعا القرآن إلى الانتفاع بالعقل والنظر في ملكوت السموات والأرض وجعل الذين لا ينتفعون بعقولهم
كالأنعام أو أضل، وقال:(قل انظروا ماذا في السموات والأرض - أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء - قل سيروا في الأرض فانظروا) ولفت القرآن للناس إلى مظاهر الكون ودعاهم إلى التفكير فيها ليعرفوا أسرارها (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) وكثير في القرآن مثل هذا، وما هذا النظر إلا وسيلة المعرفة، وهل أنتج معارف البشر إلا النظر في ملكوت السموات والأرض؟ ولقد أمر القرآن بالاستزادة من العلم فقال:(وقل ربي زدني علماً)
وأما العمل فهو المقصد الذي يقصد إليه القرآن من تعليم الأخلاق الفاضلة، فالقرآن كما تقدمنا لا يريد رهبانية ولا فراراً من الجهاد ولا خوراً ولا إشفاقاً من الاضطلاع بأعباء الحياة، وإنما يريد العمل والدأب والجهاد. أمر القرآن بالعمل وأشاد بذكر العاملين في آيات كثيرة، وبين أن تدافع الناس سبب لعمران الأرض، (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وبين أن الخير لا يدوم إلا بالدفاع عنه والاجتهاد في حمايته (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره)
ولم يقبل القرآن عذر الأذلاء الذين يعتذرون بالعجز عن العمل أو بتغلب الأقوياء عليهم، وصدهم إياهم عن الخير فقال:(الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا إليها؟). فهو يدعو إلى الهجرة حيث يستطيع الإنسان العمل (ومن هاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة)
ذلكم أجمال الكلام فيما يقصد إليه القرآن من تهذيب النفس وإصلاح الخلق والجهاد في الأرض. وهو الذي بينته أفعال الرسول وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، فقد خلق القرآن الجماعة الفاضلة، وخلقت الجماعة الدولة، وأيدت الدولة الحق والعدل، وسيطرت على الأمم تسموها بعدل الله طوعاً أو كرهاً. ولا تزال دعوة القرآن مسموعة، ولا يزال مثل الناس مضروباً، ولا يزال الأمل معقوداً بأن تحيي هذه الدعوة الأخلاقية الأمم مرة أخرى.
لا يزال في هذه الأرض خصب وبركة، ولا يزال في هذا السحاب برق ورعد ومطر، لا تزال في هذه النفوس حياة وفي القلوب خير. وإن مع اليوم غداً وسأبين في المقالات الآتية أمهات الأخلاق في القرآن إن شاء الله.
عبد الوهاب عزام
من الأدب الوجداني
(نفثة). . . أخرى!
للأستاذ علي الطنطاوي
توالت عليّ الذكريات، فألقيت كتابي، وأقبلت على ماضيَّ أفتش في حدائقه القاحلة عن وردة اخطأتها رياح الشتاء العاتية، وثلوجه وأمطاره، فتوارت في كنف صخرة، أو في حمى جدار، تكون صورة من الربيع الغابر، فلم أجد إلا رفات الأوراق التي كانت مخضرة زاهية، وهياكل الأشجار العارية التي كانت تلبس من حلل الربيع سندساً وحريراً، وقد خيم عليها الموت، وشملها برده القارس؛ فحولت وجهي شطر المستقبل، فلم ألق إلا ظلاماً فوقه ظلام، ووجدت حاضري راكداً ركود الفناء، ساكناً سكون العدم، فضاق صدري، وأغرقتني في بحرها الهموم، فجعلت أفتش عن رفيق يأخذ بيدي، وصديق أبثه همي، وأشكو إليه بثي، فلم أجد لي صديقاً إلا القراء، أولئك هم أصدقائي الذين لا أعرفهم، ولا أنتفع منهم بشيء، وما لي منهم إلا اعتقادي بأنهم يعطفون عليَّ، ولا يشاركون الحاسدين المؤذين حسدهم إياي وإيذائهم لي، فكتبت إليهم أحدثهم بشكاتي، وأروي لهم ذكرياتي. ولعل هؤلاء القراء يضيقون بحديثي صدراً، ويعرضون عنه ويستثقلونه، ولعل اعتقادي بصداقتهم وهم من الأوهام، غير أنني لا أحب أن أرزأ هذا الوهم، ولا أن أتيقن فساده، لأني أعيش به في دنيا الحقائق المرة. . .
ومن كان مثلي غريباً في بلدته التي يعرف نصف أهلها ويعرفه ثلثاهم، يمشي في المدنية الحافلة بالناس مستوحشاً منفرداً كأنه في صحراء، لا يلقى إلا رجالاً، لا يثني تعدادهم أصابع اليدين يجول في هذه الحلقة المفرغة، لا منفذ له منها ولا مخرج، قد خلت حياته من الفرح والألم، وغدت كالماء الآسن، لا تموج فيه موجة ولا تحركه ريح؛ ومن كان يتمنى أن يجد ما يشغله، ويحرك سواكن نفسه، وما يدفعه إلى الفكر والعمل، ولو كان البلاء النازل، أو الحريق المشبوب، أو النفي أو السجن. . . ومن كان يصبح فلا يدري ماذا يعمل في يومه، وكيف يدفع هذا اليوم، ويمسي فلا يعرف ماذا يصنع في مساءه، وكيف ينام ذلك الليل، ومن يحس بثقل الأفكار على عاتقه، ولكنه لا يجد إلى بثها سبيلاً، ويرى الوقت طويلاً والقوة حاضرة، ولكنه لا يعلم فيم ينفق وقته ويصرف قوته؛ ومن كان منعزلاً مثلي،
لا زاهداً في الحياة ولا هرباً من معاركها، ولكن يأساً من مقبل أيامها، وقنوطاً من خيرها، فهو يخلو إلى ذكرياته يتعلل بها ويتمززها، ويحادثها ويناجيها، ويحيا في خيالات ماضيه حين عجز عن الحياة في حقيقة حاضره؛ ومن كان مثلي لا يشكو الفقر في اليد ولا في النفس، ولكن الفقر في العمل؛ ومن كان يجمد بحمد الله من المال ما يكفيه في يومه ويفضل عن حاجته، ولكنه لا يدري ما يكون في غده؛ ومن كانت شكواه فرط الحس، وحدة الشعور، وجحود الناس وكان يشكو دنياه يتقدم فيها الهجين، ويتأخر الجواد الكريم، دنيا فسد فيها كل شيء حتى غدا عقلائها ينتظرون الساعة.
أدرك حقيقة حالي، وفهم مغزى مقالي، ولم يلمني مع اللائمين، ولا كان علي مع العداة الحاسدين. وكم قال لي: ألا تنسى هذا الماضي وتستريح من ذكره؟ ألا تدع المستقبل وتطرح التأمل فيه؟ ألا تعلم أن ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها؟ فأقول: بلى، إني لأعلم ذلك، ولكن أين السبيل إلى النسيان؟ وإذا أنا نسيت كل شيء، فكيف أنسى أياماً عشتها لم أكن فيها الطائر المقصوص الجناح، ولا الغصن الذي قصفته الرياح، بل كنت أواجه العاصفة أستند إلى الجذع المتين، جذع السنديانة الراسخة، وأطير فوقها بجناحين قويين، فهاض الدهر جناحي، وكسر جذعي، حين أفقدني أمي، وصيرني عرضة للعواصف، وجعلني معها كالريشة لا تستقر على حال من القلق والذعر والاضطراب. . . وكيف أنسى أنه لو عاش أبي العالم الوجيه ذو المرتب الضخم ولم تخترمه المنية شاباً، لاحتمينا به من كيد الحياة، ولنشأنا في ظله كما ينشأ الفرع اللين وسط الدوحة القوية الممتدة الأفنان، ولما اضطررنا إلى مواجهة الدنيا، والتمرس بنكباتها، ومعرفة لؤم أهلها، ونحن فتية صغار، أطهار القلوب، مبرؤون من الذنوب، لا نلبث حتى نتلوث بأوضار الكيد والمكر، ونتلقف مبادئ (علم الحياة. . .) كما يتلقف الصبي المخطئ مبادئ (فن الجريمة) في السجن الأول، فلا يخرج منه حتى يحمل شهادة البكالوريا في الإجرام.
وكيف أنسى ما نثرت من قطع قلبي، وفلذات كبدي، في أرض الله الواسعة التي لا ترعى حق العواطف، ولا تحفظ عهد القلوب، في سفح قاسيون الحبيب، وفي الغوطة الغناء. . .
وفي حرش بيروت الذي يميس صنوبرة ميسان الغيد الحسان، وقد خرجن متبرجات، ينظرن إلى مياه البحر بعيون لها زرقة ماءه، وله سرارها بعد قراره. . . ذلك الحرش. . .
لي تحت كل شجرة منه ذكرى لا يدريها إلا الله وقلبي وذلك القلب الذي سلا وقلى. . . وما سلوت ولا قليت، وما أذعت له سراً ولا أفشيت.
وفي طريق صيدا، كم صببت من العواطف، واستودعت من الذكر؟ سلوا تلاميذي طلاب الكلية الشرعية في بيروت، ألم يشهد لنا هذا الطريق أنا كنا خير من مر به من إخوان متوادين، قد جمعت صداقتهم قلوبهم فمزجتها كلها، ثم قسمتها، ثم أعادتها إليهم، فعاشوا جميعاً بقلب واحد، والأصدقاء يعيشون بقلوب شتى.
هؤلاء الأخوان الذي وفيت لهم فوفوا لي، وأحببتهم فأحبوني، ورأيت منهم لما رضيت فيهم ما لو تخيله القصصي الأديب لاستُكثر وعد مبالغة من المبالغات.
وفي العراق كم خلفت من حياتي، وما الحياة إلا خفقات القلوب، وتردد الأنفاس، ومظاهر العواطف.
على طريق الأعظمية، وفي الكرخ الأقصى في حي الجعيفر، وعلى الجسر في الأعظمية، وفي البصرة، وفي كركوك، بقع أعزة علي وقوم أحبة إلي، لولا خوفي من ألا يصدقوني لحلفت لهم أنه لم يطب لي بعدهم عيش، فهل يكتب الله العودة لتلك الليالي، فيجتمع الشمل، ويلتئم الصدع، وتلتقي الذكريات بالآمال؟
إني أسأل الله، فنبئوني، هل مد يده أديب بغداد الأستاذ الأثري، فقال: آمين؟
يقولون لي: انس، ولكن كيف السبيل إلى النسيان؟
وكيف أنسى أيامي في مصر، مصر التي محت صورها السنون من نفسي، فلم يبق منها (ويا أسفي!) إلا صورة ميدان باب الخلق مجازي في غدوي ورواحي، وحديقة الاستئناف التي كنت أتأملها وأنا في المطبعة (السلفية) عند خالي، والتي استودعتها من العواطف عداد أوراقها وأزهارها وحبات ترابها، ودار الكتب التي كان بها الشاعر الكبير حافظ رحمه الله، وشارع محمد علي، والعتبة الخضراء (الضيقة) التي لم تكن تخلو يوماً واحداً من ميت مدعوس، وصورة زقاق حوله أنقاض مهدمة ومنازل حقيرة بالية، كنت أمر به كل يوم في ترام السيدة، في ذهابي إلى دار العلوم وعودتي منها، يسمى شارع الخليج، زعموا أنه صار اليوم شارعاً عظيماً، وصار به بنيان. . . وجسر الزمالك حيث كان يطيب لي الوقوف بازائه كل مساء، أتبع ببصري الشمس الغاربة، علي أرى فيها صورة بلدي دمشق، فلا
أرى إلا بريق الشعاع الحاد يتكسر خلال الدموع التي تملأ عيني، دموع ابن العشرين، وقد هاج في نفسه الشوق الذي يسميه لامرتين (مرض السماء) لو كان في السماء أمراض.
وصورة حديقة الجيزة، التي كنت أقضي فيها الساعات الطوال، آنس بوحوشها وهوامها، وصورة بستان إلى جانبها فيه عمال يبنون، قالوا: وقد تم البناء، وصار شيئاً عظيماً يدعى جامعة فؤاد الأول، والله أعلم بصحة ما قالوا.
صدقوني إذا قلت لكم إني آسف على شيء مما صنعت في حياتي أو تركت أسفي على ترك مصر، ولا أطمع في شيء طمعي في العودة إليها والحياة فيها، فهي التي سددت خطواتي في طريق الأدب، وهي التي علمتني، وهي بلد أسرتي، وهي التي جعلتني قبل اثني عشر سنة أكتب وأنشر الفصول في أكرم المجلات، حين كان هؤلاء المحترمون من تلاميذ الشيخ مارسيه على مقاعد المدرسة الابتدائية.
أفليس عجباً أني على حبي لمصر كنت في نظر بعض زملائنا المدرسين المصريين في العراق، عدو المصريين رقم (1)؟ سامح الله زملاءنا هؤلاء، وغفر لهم ما كادوا لي ومكروا بي، وغفر لي ما آذيتهم بلساني السليط!
وكيف أنسى ما أضعت على نفسي من خير، وما عرض لي من فرص فما افترصتها؟
إن من رفاقي في كلية الحقوق من هم اليوم من كبار المحامين الذين يشار إليهم، ومن ينال على وقفة واحدة في المحكمة مائة جنيه في دمشق الفقيرة، فلماذا أعرضت عن المحاماة لم أشتغل بها، وأقبلت على مهنة آخذ فيها خمسة جنيهات على مائة درس ألقيها على أربعين طالباً، يحتاج إسكاتهم وضبطهم إلى شرطيين مسلحين بالبنادق الرشاشة. . .
وإن من رفاقي في الثانوية من هو اليوم ناظر ثانوية كبيرة، وأنا أستاذ معاون، فلماذا درست الحقوق إذا كانت الوزارة لا تعرف أقدار الرجال إلا بما يحملون من شهادات الاختصاص، وكان صاحب اللسانس في الحقوق لا يعد أديباً في نظرها ولو كان شوقي زمانه، أو رافعي أوانه، وترى صاحب اللسانس في الأدب أديباً ولو كان أعيا من باقل، وأجهل من جاهل؟. . . وكيف أنسى أني كنت من عشر سنين أقود طلاب دمشق كلهم، وأغامر بهم في ميادين السياسة، وأني لو شئت لكنت نائباً من زمن طويل. إن الناس لم ينسوا ذلك فكيف أنساه أنا؟ إنهم يعلمون أن في قميصي خطيباً ما يقوم له أحد في باب
الارتجال والإثارة، وإيقاظ الهمم وصب الحمم، ولكن من الناس من يعقد الحسد ألسنتهم عن شهادة الحق.
أستغفر الله فما أحب الفخر، ولكني اضطررت فقلت، وهل أسكت إذا سكت الناس عن بيان حقي؟
إن للمظلوم كلمة وهذه إحدى كلماتي، فإن كانت فخراً فقديماً كان الفخر من فنون الأدب العربي، وإلا فهي ذكرى وتاريخ لأخلاق الناس وأطوار المجتمع.
وكيف أنسى أني بين ماضٍ أضعت فرصه ونسيت ذكرياته وفقدت فيه ذخراً من العواطف الجياشة والشعور المضطرم، وحاضر بددت أيامه بالرجوع إلى الماضي، وصرفت بكره وعشاياه في نبش الذكريات والبحث في أطلالها عن الجواهر والكنوز. . . فما كان إلا أن دفنت فيها كنز حياتي وجوهر عمري - ومستقبلاً لم اعد أرجو منه شياً، لأني يئست من أن ينتابني منه خير.
ومن يصدق أني أتمنى لو كنت غبياً جاهلاً عيياً لأستريح وأهنا، لأني وجدت الذكاء يدفع إلى الألم ويؤدي إلى الشقاء؛ وأني لأهمل القراءة عمداً كي أنسى ما علمت فأغدو جاهلاً فلا آلم إن تقدمني الجهال من أمثالي، ولا ألوم الحياة على ظلمها إياي، فلا أستطيع، وأراني مدفوعاً إلى الازدياد من هذا العلم. . . كأن القدر يسوقني بعصاه إلى الاستكثار من القراءة فأزداد بذلك علماً فأزداد بالعلم ألماً حين أرى علمي وبالاً علي وأرى الجهال يسبقونني ويسرقون منزلتي؛ ولو أني استبدلت بإحياء الليالي في المطالعة والدرس وثني الركب بين أيدي العلماء رحلة واحدة إلى (تلك) الديار أعود منها بعد شهرين بشهادة اللغة العربية لم تكتب سطورها بالعربية لكان ذلك خيراً لي وأجدى علي من علوم الأرض كلها لو حصلتها. ولكني كرهت أن أتوكأ في سيري إلى غايتي على غير أدبي، ونزهت نفسي عن أن أجعل عمادي ورقة صار يحملها الغبي والعمي والجاهل واللص الذي يسرق مباحث الناس ويسطو على آثارهم. إن عمادي هذا القلم، وإنه لغصن من أغصان الجنة لمن يستحقها، وإنه لحطبة مشتعلة من حطب جهنم لمن كان من أهل جهنم. . .
ولكن ما الفائدة من هذا الكلام؟
ما الفائدة وقد ولى ربيع حياتي، وأدبرت أيامي، واستبدل قلبي بالأصيل المذهب ليلاً حالك
السواد؟ لقد شخت حقاً، وصرت كالعجوز الذي حطمه الدهر، وفجعه في أولاده فسيره في مواكب وداعهم الباكية، وما أولادي إلا أماني، وما قبور الأماني إلا القلوب اليائسة.
فيا رحمة الله على تلك الأماني!
يا رحمة الله على الأيام التي كنت فيها غراً مغفلاً أصدق كل خداع كذاب يزعم أن في الدنيا فضيلة وخلقاً وأن قيمة الإنسان بما يملكه منهما. . . لقد خدعني المعلمون والأدباء، فلماذا أخدع تلاميذي؟ لماذا لا أقول لهم: إن المكر والكذب والنفاق هي في شرع الحياة فضائل، فأعدوا قواكم لإصلاح المعوج من شرائعها، أو فانزلوا على حكمها، فخاطبوها بلسانها، وادخلوها من بابها؟
إن المربين والمعلمين سينكرون ذلك ويكبرونه ويرونه إفساداً لعقول الناشئة، فليكن إذن ما يريد المربون والمعلمون!
يا رحمة الله على تلك الأيام ومن يعيدها إلي؟ من يرجع إلي ثقتي بالحب واطمئناني إلى الكتب وسكوني إلى الناس؟
كنت أرى الحب أساس الحياة، عليه قام الكون، وبه استمر الوجود، وكنت أومن به فغدوت لا أومن إلا بالبغض، وصرت أحب أن أبغض، وأبغض أن أحب.
فمن يدلني على مصنف في أساليب البغض حتى أتقنها وأفهمها فأبغض الناس كلهم؟ أبلغ الجفاف في القرائح والجدب في العقول ألا يصنف كتاب واحد في (البغضاء)، وقد ألف السخفاء ألف ألف كتاب في الحب؟
لا، بل من يرشدني إلى الفرار من مهنة الأدب والتخلص من الحب والبغض والعواطف كلها؟ من يحسن إلي فيدعو لي بظهر الغيب أن يصحح الله عزيمتي على ترك الأدب، أو ينقص من شقائي به؟ لقد أعطيت عدة الأديب، ولكن الناس آذوني حتى أهملت عدتي فأسلمتها إلى الصدأ، فأكلها، ففنيت غير مأسوف عليه، لا يأسف الناس لأنهم هم الآلي أفنوها، ولا آسف أنا لأني لم أنل منها خيراً.
فلا يغضب القراء إذا أنا ودعت الأدب بالتحدث عن نفسي، فإنما أرثيها قبل موتها، أرثي مواهبي المعطلة، لقد مت، فدعوني لا تؤذوني بالانتقاد البارد، اذكروا محاسن موتاكم، وإذا لم تكن لهم محاسن فعفوا عن ذكر مساويهم.
ولا تنفسوا على أخيكم (نفثة) يزيح بها عن صدره هماً ثقيلاً!
علي الطنطاوي
كلمة أخيرة
من عجائب الاجتهاد
(لناقد أديب)
كتبت عن عجائب التحصيل والروية والاجتهاد في مسرحية مفرق الطريق، فكان من عجائب الفهم الذود عنها بمثل ما كتبه الأستاذ طليمات. وهو يعتذر عن المؤلف بقوله: إن المعاني والفكر المتداولة أشياء يشترك فيها جميع الناس، وإنما العبرة بطرائق معالجتها، إلى آخر ما كتبه في هذا المعنى. وقد حمدنا للأستاذ هذا الرأي لأنه اعتراف مهذب بما كتبناه عن هذه المسرحية المصنوعة من قصائد الشعراء، لولا حديث عن المذاهب الفلسفية موسوم بطريقة المؤلف وأسلوبه في اللف والدوران، رأيت أن من حق القراء علي ألا أخدعهم به عن الموضوع، وألا أخدع نفسي به عما سقت الدليل القاطع عليه من كلام المؤلف نفسه، وكيف أن مسرحية (تخريمة) في الفلسفات وحشو من عفو التأليف.
فلما تحدث الأستاذ الكاتب عن (كانت) و (برجسن) قلت: إن غاية هذين المذهبين في الفلسفة هي الوصول إلى المعرفة وحقائق الأشياء وما وراء الطبيعة، وإن الخلاف بينهما في الأداة أو الوسيلة، فإذا كانت بصيرة (برجسن) قد عملت عملها في المسرحية كما يقول الأستاذ طليمات، فإن القمة الباردة التي تدور حول فلسفة (كانت) قد عملت عملها الواضح في هذا السبيل، وأبرزت أثرها الملموس حتى طمرت المسرحية بثلوجها. وقلت أيضاً إن بصيرة برجسن تستعين بالعقل وليست ضرباً من الهذيان الذي يضطرب في جوانب المسرحية، ودللت على هذا الخلط فعرضت للمؤلف كلاماً بنصه، فإذا هو مذهب فلسفي آخر، وإذا هذه المذاهب الثلاثة تتلاقى على غير هدى وإتقان، ويقوم إلى جانبه رأي آخر يعتذر فيه الكاتب عن المؤلف في اقتباسه صورة الصراع بين العقل والشعور فيشير إلى ذلك وإلى الصراع بين المادة والروح، ويعرض أسماء بيراندللو وإبسن وشكسبير وراسين؛ فرأينا أن نكتفي بواحد من أولئك الأعلام نضمه إلى كانت وبرجسن والسوليزم إرضاء للأستاذ طليمات وتخريجاً لمنطقه؛ فإذا هذا الخليط العجيب مصدر إزعاج للكاتب، وإذا به يتهمنا بما لم نقله إلا إرضاء له وإعجاباً به وهو يتشبث بما يظن فيه النجاة من هذا المضطرب.
وجاء الكاتب في مقاله الأول يقول: إننا حاولنا أن نقرب المسرحية من قصيدة العقاد فنسبنا تصميم غلاف المسرحية إلى بشر فارس وهو من صنع فنانة باريسية؛ فقلنا: إن هذا الرأي المعتذر الدليل كل الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، لأن الفنانة الباريسية بعد أن قرأت هذه المسرحية العجيبة وهضمتها وتأثرت بها وأرادت إبراز فكرتها مصورة، لم تجد غير قمة باردة منارة، وطريق صاعد بين الصخور ومنحدر إلى غور؛ وإذا قصيدة العقاد مصورة على غلاف المسرحية، وإذا المؤلف في ختام مسرحيته يقول بمثل ما قال به الأستاذ العقاد في ختام قصيدته، وهو يدعو إلى النزول والانحدار وترك هذه الثلوج.
وقد يلذ لحامي المسرحية أن يسوق دعواه بأنه يقرر مذهباً فلسفياً فأنكرنا عليه هذه الدعوى، لأن المسرحية جاءت خليطاً من فلسفات شتى كما أسلفنا القول على ذلك؛ وهكذا أطرد سياق المسرحية في أسلوب من التعسف إلى غير هدف صميم من المذاهب الفلسفية التي أقتحم عليها فظلمها وإن كانت قد تأبت عليه إحدى قضايا النفس البشرية المشتركة بين جميع الأحياء، ولا يستعصي فهمها على الدهاء
هذا من حيث الفكرة! فماذا من ناحية الأسلوب؟
لقد نهج المؤلف نهجاً ساذجاً في الاقتباس: فهو من الجهة الواحدة قد اقتطع الأستاذ العقاد في إيراد فكرته بقصيدة القمة الباردة، فعالج موضوعه على نفس الأسلوب صاعداً إلى القمة المثلوجة وهابطاً إلى الغور المظلم، ولو أنه كان مبدعاً في نهجه لأتخذ سبيلاً آخر وراح يناوح جنبات فكرته بين الشاطئ المؤنس وبين مضارب الصحراء مثلاً! بل إنه أمعن في هذا الاقتباس الغريب المريب فراح يعرض فكرة الصراع بين العقل والقلب على النمط الذي نهجه الشاعر علي محمود طه في قصيدة قلبي إذ صب معانيه في قالب ألفاضها دون أن يصوغها في قالب آخر؛ فهو يعمد إلى قوالب النار والظلمة والاحتراق دون أن يلجأ إلى صيغ جديدة تضفي على فكرته مسحة الأصالة شأن من يمتازون بشخصيتهم الأدبية المستقلة، وفضلاً عن ذلك كله فقد أثقل المؤلف بأسلوبه على مذهب الرمزية، وطغى عليه حتى مسخ طبيعته وشوه فضيلته وأفسد غايته. ذلك أنه تطاول على هذا المذهب إلى حد المواءمة بين المطبوع والمصنوع، ولقد وضحنا أن الأصل في الرمزية أن تنشأ مع النفس وفي التفكير، لأنها التعبير عما وراء الطبيعة، أو ما وراء أفق الشعور بما تعجز الألفاظ
عن إبانته والإفصاح عنه، بينما تعالج المسرحية قضية بسيطة ومعاني عادية يجب أن تلتزم مكانها من التعبير المباشر الصريح دون إبهام أو إيهام، وضربنا في ذلك المثل بالمقبرة البحرية. ويمعن الكاتب في التطبيق الأعرج، فيعكس على نفسه الغاية إذ يصعد إلى الثلج مريداً خلاص النفس من ألم الإحساس البشري قياساً على الفكرة التي رمز العقاد إليها بالثلج مريداً (الإدراك المجرد) فأخذنا عليه اعتسافه في التطبيق على (النفس) هكذا إذ يحرمها بطريقة (استبدادية عرفية) حظها المقسوم المحتوم من الشعور باللذة أو الشعور بالحياة.
ذلك شأن المسرحية وشأن المدافع عنها، وقد عز علينا أن يخونه التوفيق في محاولاته العجيبة في نواحيها الأخرى، من ذلك أنه انتهج طريقة المداورة فأسرف على نفسه حين تكلم عن حظ الأدباء من الفلسفة وما يجب أن يأخذوا به أنفسهم، وتلك بديهة لا خلاف عليها، وإن كنا نعجب له بعد ذلك حين أخذ نفسه بالاعتذار عن الأستاذ العقاد قائلاً:(لا لوم ولا تثريب على أستاذنا العقاد أن يورد قصيدة من شعره تحمل في طياتها نزعات فلسفية لمدرسة معروفة) كأنما العقاد قد أتى بهذا ما يعاب، ولكنه الخلط ومجرد الكلام بما لا يجدي في دفع الإقحام.
ويزعم الأستاذ طليمات أننا قلنا إن المذهب الرمزي في الأدب ليس إلا ضباباً كثيفاً من الإبهام والإيهام، وتلك دعوى باطلة مردودة لم نقل بها وإنما هي من بدائع مخيلته، وهو يعود في مقاله الأخير إلى بصيرة برجسن بكلام لا يخفى مغزاه على المشتغلين بالأدب والفلسفة. ولقد عجبت له وايم الحق وهو يشفق (أن تسوخ قدمه) فينكر الفلسفة على (إبسن) بحجة جريئة هي أنه (ليست له مدرسة فلسفية بمعالمها وحدودها) ورحم الله فلسفة الاجتماع!
ولسنا من أصحاب الدعوة السياسية نريد أن نؤلب بها الجماهير أو نقود الدهماء، وإنما نتحدث إلى العقول والقلوب ونسوق الدليل ونأتي بالبرهان، وإنما هو حديث الأدب الخالص الذي يتناول الدرس والاستقراء بالبينات دون الشبهات ويعرض لآثار الأدباء دون ذواتهم
فالذاتية لا اعتبار لها في هذا المجال، وهي لا ترفع من قدر الكاتب إلا بمقدار ما يصيبه
القراء في بحثه من الأدب الخالص والفكر الناضج والعلم الصحيح.
ناقد أديب
رسالة الشعر
ثلاث عشر حجة
للأستاذ الكبير عباس محمود العقاد
مرَّت بناِ الأيامُ وَثْبَا
…
سِلْماً كما شاءت وحَرْبا
لا أحسنَتْ حَرباً، ولا
…
في السِّلم، طاب السلُم غِبَّا
ضَمِنَتْ لجيشَيْها مًعا
…
غَصْبا كما اشتهيا، وغَلْبا
فإذا الحوادثُ أقبلت
…
أو أدبرت، فالْخَلْقُ نُهبَى
ألعامُ من أعوامنا
…
يحوى - جزاه الله - حُقْبا
وثلاثَ عَشْرَةَ حِجَّةً
…
قلبتْ طِباقَ الأرض قَلْبا
سَلْها عن الدنيا وما
…
صنعتْ بها شرقاً وغربا
سَلْها عن الوادي وما
…
صنعتْ به دفعاً وجَذْبا
لا ضَيْرَ بالماضي إذا
…
دارَ الزمانُ فطاب عُقْبَى
فألاً من الذكرى، وكم
…
فألٍ طوَى في الغيب حُجْبا
وهدايةً منها وقد
…
تَهديك في الظَّلماء قُطْبا
يا سَعدُ يومك، فاستجب
…
قلباً لمن يدعوك قلبا
جرَّد عزيمتك التي
…
أغنت عن الصَمصام غَرْبا
وابعث نصيحتك التي
…
أغنت من التِّرياق طِبَّا
وانشر فرائدك التي
…
أغنت من العِقيان كَسْبا
هذا نذير الشر هَبَّا
…
وإلي حَمِى مصرَ اشرأبَّا
وسَرَتْ إلى إِفرِيقِيا
…
عَدْوَى الجهالة من أُرُبَّا
طمعوا بَحوْزة أمةٍ
…
ظنوا لها الغفَلاتِ دَأْبا
إن قيل لا خطرٌ غفتْ
…
عيناً، وتاهت عنه لبَّا
أو قيل لا طمعٌ فلا
…
طمع، وقَرَّت مصر سِرْبا
أو قيل يا أمم انهضي
…
نهضت وراحت مصر تأبى
تجري المخاوف حولها
…
وتخاله الأمن استتبَّا
يا سعدُ أنت إمامُها
…
فاهتِف بها مَلأً وشَعبا
صدَعَ الشقاقُ صفوفَها
…
وجمعتَها بالأمس حِزبا
فاجمع جوانبَ رأيها
…
شِعْباً على الْحُسنَى فشِعْبا
قل أنتمو أعلى يداً
…
من عابِدِي الإنسان رُهْبَي
ذَلُّوا فلما استرسلوا
…
تاهوا بقيد الذل عُجْبا
وإذا أتَوا عددَ الحصى
…
فرمالُكم أوفَى وأرْبى
جَدْبٌ من الصحراء أغل
…
ى من جَحيمِ الرَّوض تُرْبا
ظمآنْ يشرب كلَّ من
…
يُغرى بكم أكلا وشربا
وقل استعدوا واسلكوا
…
في مفرِق الحدين دَرْبا
لا تُصْغِروا هَوْلاً ولا
…
تستكبروا الأهوال رُعْبا
وتبينوا أين الفري
…
قُ الحرُّ فاتخذوه صَحْبا
دارُ الذين سَبَتْهمُ
…
حريةٌ - هيهات تُسْبَى
ضِنوا بمصر على العدى
…
وعلى الذي يحتال خِبَّا
وحَذَارِ دعوى معشرٍ
…
لم يؤمنوا بالحق رَبَّا
لا رحمةً عرفوا ولا
…
عرفوا لغير الشر حُبا
القدوةُ العُلْيا لهم
…
وحشٌ على العُدوان شَبَا
عقدوا على البغي العُرَى
…
تَبَّتْ يَدُ الباغي، وتَبَّا
يا آل مصرَ تذكروا
…
سعداً ففي التَّذكار قُرْبَى
إني استعرت بيانه
…
فَعلَّى إن قَصَّرْتُ عُتْبَى
إلا اللبابَ، فإنني
…
في الرأي ما أخطأت لُبَّا
سعدٌ إذا أمضى مضى
…
وإذا دعاه الهول لَبَّى
عباس محمود العقاد
نجوى!
مَرْثِيَة زَهْرَة!!
(عثر الشاعر في رسائلها الحزينة على زهرة ذابلة عادت بها
سنين الفرق وهي هامدة مفطورة ينفح رفاتها عطر الفناء!!)
يا ابنَةَ الماضِي وما الماضي سِوَي
…
نَعْشِ أَحْلَامِي إلى الْقَبْرِ يَسِيرُ!
إِنْ يَكُنْ ماتَ بَدُنْيَاِك الهَوى
…
فَهْوَ في دُنيايَ لَفْحٌ وَسَعِيرٌ
في دَمِي مِنْهُ عَذابٌ وَجَوَى
…
وَعَلَى الأنفاسِ وَجدٌ مُستطيرُ
وَعَلَى أيَّامِيَ السُّودِ فُتورُ
…
كالّذي نفضهُ الْموتُ عَليكِ
فاسْأَلي عَنهُ تُناجيكِ الْعطورُ
…
إِنْ يَكنْ فيها بَقياتٌ لَديكِ
مَا لأِوراقكِ في الصَّمتِ حَزانى
…
ثَاكلاتِ الْعطرِ شَلَاء الرَّفيفِ
غَارقاتٍ في الضَّنى تَبْكِي حَنانا
…
وَبكاءُ الصَّمتِ سُلوانُ الضَّعيفِ
أَتُراها نَقلتْ عَنِّي الْهَوَانا؟
…
واسْتعارتْ شَجَنَ الْقلبِ اللَّهيفِ
أَمْ تُراها شَرِبتُ كَأْس الْخَريفِ
…
حِينما طَاف بها سَاقي الرِّياحِ؟
حَشرجتْ مِنها وذابتْ في شُفوفٍ
…
خَضبتْ أسْتَارَها كَفُّ الْجِراحِ
اذكُري يا زَهْرةَ الذِّكْرَى غَرامِي
…
وَهوَ دُنْيايَ وَديني في الحياةِ
يَوْمَ فَتَّحتِ لِصَفْوِي وَابتِسامِي
…
وَتَطَهَّرْتِ بِنَارِ الْقُبُلَاتِ
وَانْتَشَى عِطْرُكِ مِنْ سِحرِ اُلْهيامِ
…
فَغَدَا أَحْلَامَ نُسْكٍ في صَلاةٍ
طاهِرَ الأنْفَاسِ عَفَّ النَّفَحَاتِ
…
أَيْنَ مِنْهُ رَشْفَةٌ لِلظَّامِئِينْ؟
أَنَا وَالشِّعْرُ وَحُبِّي وِفَتَاتي
…
قَدْ حُرِمْنَا كأْسَهُ خَمْسَ سِنِينْ
قد حُرِمْناها! ولم يَبْقَ لَدَيْنا
…
غَيْرُ طَيْفٍ مِنْ رُفَاتِ الذِّكريَاتِ
كلَّما أَوْمَا إلى الماضِي بَكَيْنا
…
وَدَفَنَّا حَظَّنا في الْعَبَرَاتِ
ثم عُدْنا والْهوى بين يدَيْنا
…
كِجِناَز الصَّمْتِ بين الفلَواتِ
عودةَ الْعِطْرِ لتلْكَ الورقاتِ
…
هُوَ حيُّ وهي في الأكْفانِ غَرْقَى
فارْقُبِي يا زَهْرَةَ الذِّكْرى مَماتي
…
نَضَبتْ روحي وذابَ الْعمْرُ شَوْقاَ!
محمود حسن إسماعيل
خواطر في الحرب
للأستاذ محمد عرفة
ذكرنا في كلمة سالفة أن الترف مفسد للأمم وأن التقشف مقوٍ لها، وأن الترف نتيجة طبيعية للغنى، وأن التقشف نتيجة طبيعية للفقر، ونريد الآن أن نعلم لماذا كان الترف مضعفاً للأمة كاسراً لحدها، ولماذا كان التقشف مقوياً لها. لعل ذلك يرجع إلى ما يأتي:
1 -
إن المترفين لا يباشرون حاجاتهم بأنفسهم بل يتولاها لهم غيرهم، والعضو الذي لا يعمل يفقد قوته، وربما مات. لذلك تضعف أعضاؤهم وتفتر قوتهم؛ وقد قال بعض العرب: ما وددت أني مكفي المؤونة. قيل له: ولم ذاك؟ قال: أخاف عادة العجز. أما الفقراء فهم لحاجتهم يتولون الأعمال الجالبة للرزق فتقوى بذلك أجسامهم وعقولهم، فحيث ترى قوماً يعملون رأيت السواعد القوية، والصحة والعافية والعقول الخصبة والأفكار المنتجة. وحيث رأيت قوماً مكفي المؤونة رأيت الأجسام الضعيفة والفتور العقلي.
2 -
إن المترفين ينغمسون في الشهوات، ويكرهون المشقة، ويخافون الخروج من عيشة الدعة؛ فهم دائماً مخلدون إلى الأرض، لا يرفعون رأساً، ولا يسمون إلى مكرمة؛ فإذا رأوا طريقين: أحدهما شاق وعلى رأسه العزة، والثاني سهل وعلى رأسه الذلة، اختاروا أسهل الطريقين ونفوسهم دائماً تكذبهم وتختار الأسهل، وتزعم أنها اختارت ما فيه الخير؛ فإذا توقفت حياتهم وعزتهم على حرب يخوضونها عللوا نفوسهم بالأماني وسوفوا، فإذا اضطروا إلى خوضها ورأوا طريقاً للنجاة منها ولو بوعود كاذبة يبذلها العدو، صدقوا هذه الوعود وخدعوا أنفسهم. أما غير المترفين فهم لا يبالون الشدائد لأنهم أبناؤها، فإذا رأوا طريقاً للمعالي سلكوه ولو كان فيه الموت جاثماً، وإذا رأوا طريقاً للمخازي نبذوه ولو غرست فيه الورود والرياحين.
من أجل ذلك ترى الذين يخافون عاقبة الترف يكلفون أنفسهم أعمالاً جسدية شاقة لتقوي أبدانهم.
روي أن عمر بن الخطاب قدم إليه فرسه وعليه الركاب فنحاه عن فرسه وكان يقفز من الأرض، فإذا هو على ظهر فرسه، فكأنما خلق عليه.
محمد عرفة
رسالة الفن
في الفن والتربية
مدرس الرسم
للأستاذ عزيز أحمد فهمي
لي صديق زرته، فرأيت أبنه يرسم باذنجانة؛ فسألته لماذا يرسمها فقال لي:
- أستعد لامتحان الملحق
- وهل وقعت في الرسم؟
- نعم.
- وحده؟
- وحده.
- مسكين. على أي حال الرسم هين، وتستطيع المثابرة الخفيفة أن تتقنه بالقدر المطلوب منك
- إني أرسم كل يوم مائة باذنجانة، ومائة قلة، ومائة طربوش، ومائة صندوق مفتوح، ومائة صندوق مقفل؛ ومع هذا فإن أبي لم يرض عن رسم واحد مما أرسم، فاصنع في أنت معروفاً، وقل لي كيف أرسم وكيف أتقن الرسم
- ألم يقل لك معلمك الذي كان يعلمك الرسم في المدرسة كيف ترسم؟
- قال كثيراً، ولا زلت أحفظ ما قال حتى إني لأضمن النجاح في الرسم لو أنهم امتحنوني فيه امتحانا شفويا.
- اسمعني ما قال معلمك. . .
- قال يا سيدي: إن الشكل إما أن يكون في مستوى النظر وإما أن يكون فوق مستوى النظر وإما أن يكون تحت مستوى النظر، فإذا كان في مستوى النظر رسمناه مستقيماً، وإذا كان فوق مستوى النظر جعلنا جزءه الأسفل هو القاعدة واتجهنا بخطوطه بعد ذلك إلى نقطة تقع فوق هذه القاعدة وتلتقي فيها هذه الخطوط، وإذا كان الشكل تحت مستوى النظر جعلنا جزءه الأعلى قاعدته واتجهنا بخطوطه بعد ذلك إلى نقطة تقع أسفل هذه القاعدة
وتلتقي فيها هذه الخطوط. . .
أرأيت الآن أني أحفظ الرسم عن ظهر قلب. . . وليس هذا فقط. . . وإنما قال لنا أيضاً: إن الضوء إذا كان آتياً من اليمين فإن الظل يكون في الشمال، وإنه إذا كان آتياً من الشمال فإن الظل يكون في اليمين. . . فماذا تريد أكثر من ذلك. . .
- لاشيء. . . وإن معلمك لم يقصر، وكان عليك أن تطبق في رسمك هذه القواعد فتنجح. . .
- صدقني أني أطبقها، ولكني لا أدري لماذا لم أنجح في الرسم. . . لقد كرهته حتى لم أعد أطيق دروسه.
- لماذا؟
- أليس في الدنيا شيء نرسمه غير الباذنجان والطربوش والقلة والصندوق المفتوح والصندوق المقفل. . . كل هذه أشياء ثقيلة الظل مثل صاحبها.
- ومن صاحبها؟
- الأفندي الذي يعلمنا الرسم. يدخل الفصل ومعه المنظور ويضعه أمامنا، ويقول: هو الآن فوق مستوى النظر أو تحت مستوى النظر، والضوء آت من اليمين أو الشمال، فارسموه ثم يبدأ يطوف بنا ليصحح لنا الأشكال السابقة، ويلقي نظرة على الشكل الجديد، وليس عنده غير الضوء والظل ومستوى النظر. . .
- وماذا كنت تريد منه أكثر من ذلك؟
- أنا؟. . . لا ادري، ولكن ابن خالي يقص لي قصصاً لذيذة عن معلم الرسم الذي يعلمهم، يقول لي إنه رجل خفيف العقل، وإنه يضحكهم كثيراً، وإنه يخرج لهم من جيبه لعباً غريبة؛ ويقول لهم: انظروا إليها قليلاً. ثم يقول لهم: أغمضوا أعينكم قليلاً وارسموها بأصابعكم في الهواء وأنتم مغمضون، ثم يقول لهم: افتحوا أعينكم وارسموها بالأقلام على الورق. وقد أصبح ابن خالي الآن يستطيع أن يرسم رسماً حسناً أحسده عليه.
- ولماذا لا تتبع أنت هذه الطريقة. . .
- إنني لم أر هذه اللعب!
- ليست هذه اللعب ضرورية، فأنت تستطيع أن تستبدل بها أي شيء. . . وتستطيع أن
تبدأ منذ الآن. . . أنظر إلى هذه الشجرة قليلاً. . . ثم أغمض عينيك. . . أرسمها في الهواء بإصبعك. . . هذا حسن. . . والآن ارسمها على الورق بالقلم. . . عال، عال. . . تكاد تكون هي، أما كان يصح أن تقتبس هذه الطريقة من تلقاء نفسك. . .
- كنت أظنها لا تنفع إلا في اللعب. . .
- لا. . . إنها تنفع في كل شيء، وهي وحدها مفتاح الرسم. . . وانطلق الولد مسروراً لأنه اهتدى إلى مفتاح الرسم، وبقي أبوه معي وقال لي:
- أنا أيضاً كنت ارسب في الرسم لما كنت تلميذاً.
- وأنا أيضاً.
- ولنا وللولد العذر، فالرسم موهبة من الله ولا يصح أن نطالب به كل إنسان، ولست أدري لماذا تصر وزارة المعارف على أن تجعله مادة إجبارية. . .
- صحيح إن الرسم موهبة، ولكن ليس معنى هذا أن تغفل وزارة المعارف تعليمه تلاميذها، وإنما الواجب أن تعلمهم إياه، فالموهوب منهم تنكشف بالتعليم موهبته وتنصقل، وغيره يتمكن بالإرشاد والممارسة من الإقبال عليه في غير كراهية ولا تذمر، وليس هناك شك في أن الرسم يربي الذوق البصري، وليس هناك شك في أن كل مبصر محتاج إلى تربية هذا الذوق في عينيه إن لم يكن للرسم فللملاحظة والإدراك، وتمييز الأشياء، وإدراك المنظورات. . . هذا هو الذي يحمل وزارة المعارف في الدنيا كلها على الاهتمام بالرسم والعناية به. وكل ما في الأمر أننا هنا لا نزال في حاجة إلى معلم الرسم الصحيح، كما أننا لا نزال في حاجة إلى المعلمين الحقيقيين في غير الرسم. . . وقد يؤلمني أن أقول لك إن قليلين جداً من المعلمين هم المولعون بما يعلمون، وإن اكثر المعلمين في مصر يؤدون عملهم على أنه عمل يرتزقون منه لا أكثر ولا أقل. . . وإلا فقل لي كم من معلمي الأدب في مصر أدباء، وكم من معلمي الجغرافيا في مصر غادروا القطر أو المدن التي يعملون فيها، وكم من معلمي الكيمياء في مصر انشغل بتركيب أو تحليل خارج المدرسة، وكم من معلمي الرسم في مصر لهم عمل يعرفه الجمهور أو لا يعرفه. . .
- إن لمعلمي الرسم اتحاداً، وقد قام اتحادهم معرضاً زاره وزير المعارف منذ شهور وأثنى عليه. . .
- لم يكن في هذا المعرض إلا أشكال بعضها تحت النظر وبعضها فوق النظر وبعضها في مستواه. ولم يكن المقصود من هذا المعرض إلا أن يلتفت وزير المعارف إلى معلمي الرسم فيرعاهم قليلاً لأنهم في الحقيقة مغبونون ومظلومون أكثر من غيرهم من المعلمين.
- إذن فقد أعجبتك طريقة المعلم الخفيف العقل
- من غير شك، لأنها التدريب الطبيعي للتصور، والتصور هو أول ما يتطلبه الرسم.
- ولكني لا أزال أطمع في أن يرتقي تعليم الرسم عندنا إلى أكثر من هذا، حتى نرى من تلاميذنا اهتماماً بالجمال وإدراكه له كما نرى ذلك في أبناء غيرنا من الأمم.
- أنا لا أشك في أن الاهتمام بالجمال موجود عندنا كما أنه موجود عند كل الناس، ولكن شعبنا لا يزال ينطلق إلى الجمال في مطارحة الطبيعة كلما حن إليه. . . والذي ينقصنا حقاً هو التفكير في اختزان صور من الجمال نفزع إليها كلما اشتقنا لها. . . وقد يكون السبب في امتناعنا عن هذا هو فقرنا وعدم ظهور الفنان المصري الذي يخلد في صورة من الصور منظراً يشتاق المصريون إلى النظر فيه باستمرار. . . وأنا لا أزال اجهل هذا المنظر. . .
- لا أظنه منظراً واحداً هو الذي يجذب المصريين، فكل منظر يصح أن يجذبهم.
- ولم لا؟ ولكني أظنهم لا يزالون في حاجة إلى من يلفتهم إلا مواطن الحسن في المناظر الطبيعية وفي المناظر المرسومة. . . وهذا من عمل معلم الرسم، وهو لا يستطيع أن يؤديه إلا إذا كان فناناً حساساً يتذوق هو نفسه الجمال، ويستطيع هو نفسه أن يعبر عنه، وهذا المعلم هو الذي يجب على وزارة المعارف أن تبحث عنه أو أن تكونه. . . وأظنها قد بدأت تبحث عنه كما أنها قد بدأت تكونه. . . فقد بدأت تأخذ معلمي الرسم لمدارسها من خريجي مدرسة الفنون الجميلة العليا بعد أن تعلمهم أصول التربية في معهد التربية. . .
- وهل تحسن الظن أنت بمدرسة الفنون الجميلة العليا وبمعهد التربية؟
- المدرسة والمعهد فيما أرى يتبعان أضمن الطرق لتخرج الفنانين والمعلمين، غير أنهما يسمحان لكثيرين من غير الفنانين والمعلمين والموهوبين بالانخراط في سلكهما، ويظهر أنهما لا يستطيعان أن يفعلا غير ذلك، لأنهما لو دققا التدقيق المطلوب في الاختيار، فانهما قد لا يقبلان في العام الواحد أكثر من طالب أو طالبين، وعندئذ تواجه البلاد أزمة فنانين
ومعلمين لا قبل لها بها. . .
- قد يكون التساهل معقولاً في قبول المعلمين غير الموهوبين لأن البلاد في حاجة إلى عدد كبير منهم، وهذه الحاجة تتجدد وتزيد كل عام، ولكن ما هو العذر في أن تقبل مدرسة الفنون الجميلة العليا شباناً استعدادهم الفني فقير، أو عادي؟
- ذلك لأنها مفتوحة الأبواب، وأنها مادامت كذلك فهي تنفق على نفسها ميزانيتها المربوطة لها، فسواء كثر الطلبة فيها أم انفضوا عنها فهي مضطرة إلى المضي في عملها، ما دام الأمر كذلك فهي تقبل كل عام عدداً ممن يتقدمون إليها حتى لا تغلق أبوابها. . .
- ولما كان مستقبل المدرسة مبهماً وغامضاً فإنه لا يقبل عليها إلا من يئس من غيرها سواء أكان موهوباً أم كان غير موهوب، وهذه طريقة لا تؤدي إلى الخير بأي حال من الأحوال.
- من غير شك. . .
- أو ليست هناك طريقة أخرى يمكن أن تؤدي إلى الخير. .
- إن لم تكن هناك طريقة فمن الممكن استحداثها. . . نحن الآن في المدرسة الابتدائية، ولكل تلميذ من تلاميذ المدرسة ملف، وهذا الملف لا تجد فيه شيئاً عن التلميذ إلا أنه غاب في يوم كذا، وحبس يوم كذا، وتغدى خبزاً قفاراً في يوم كذا. أما أخلاقه، وأما عقله، وأما موهبته فهذه جميعاً أشياء لا تجد لها أثراً في ملفه، بينما لو اهتمت كل مدرسة بكل تلميذ من تلاميذها ودرست أخلاقه وعقله ونفسه، وسجلت من حوادثه وأخباره ما يدل على روحه شهراً فشهراً أو عاماً فعاماً، فإن التلميذ ما يكاد يفرغ من مرحلة التعليم الابتدائي حتى يكون في ملفه صورة ولو غامضة تحدد اتجاهه في الحياة الذي هيأته له طبيعته، فإذا اتبعت هذه الطريقة في المدرسة الثانوية فإنه ما يكاد يفرغ من التعليم الثانوي حتى يكون ملفه ناطقاً بصراحة ووضوح بالعمل الذي لا يصح أن يختار لنفسه غيره. فهذا يثبت الملف أنه سريع الخاطر سليم النطق، قوي الفراسة، صبور، جذاب يرتاح إلى الناس والناس يرتاحون إليه، مرشد بطبيعته إلى ما يراه لا يخفي شيئاً مما يعلم فهو إذن يصلح لأن يكون معلماً، والثاني ذرب اللسان جريء على المغالطة، لبق في إظهار الحق متى يشاء وكتمانه متى يشاء، قوي الحجة. . . فهو إذن يصلح لأن يكون محامياً. . . وهكذا لو اتبعت مدارسنا هذه
الطريقة فإنها من غير شك تفلح في تعليم تلاميذنا وتوجههم، ولكن مدارسنا لا تهتم بشيء أكثر من الامتحانات المتوالية ونتائجها، ونسبتها المئوية. . . فقط لا غير
عزيز أحمد فهمي
رسالة العلم
قصة الفيتامين
تجربة غذائية عرضية
- 1 -
لقد أثبت قديماً أفذاذ علماء التغذية مثل ليبج وفويت بناء على تجارب صحيحة أن المواد الثلاث الزلالية والدهنية والنشوية، زد عليها الأملاح المعدنية والماء هي مقومات الحياة. فالمواد الزلالية تقوم ببناء الجسم وما يتطلبه من النمو، بينما المواد الدهنية والنشوية تبعث القوة وتدعو للحركة والإنتاج الحيوي عند احتراقها. ونشير في هذه العجالة إلى المجهودات العظيمة الدقيقة التي قام بها فويت في هذا السبيل، والتي أثبت فيها بالوزن مقدار الكميات اللازمة من المواد الغذائية لحفظ الجسم ودولاب الحياة بلا اضطراب، فقدر للشخص العادي الذي يزن 65 كيلو غرام ويقوم بمجهود متوسط مقدار 118 جرام من المواد الزلالية، و 50 جراماً من المواد الدهنية، و 500 جرام من النشويات ككميات يومية ضرورية لحفظ حياته.
بهذا القدر يكتفي علم التغذية في تأدية رسالته ولا يبقى بعدئذ إلا التفكير في جمع هذه المواد الغذائية بالنسب المعينة وإمداد الجسم بها بطريقة ملائمة، ولكن لم يرق هذا بعض المفكرين والمشتغلين بفن التغذية في هذا الوقت، كما استبعدوا حل المشكلة الغذائية بهذه الطريقة الكيميائية السهلة. وكان جوستاف بونج الفسيولوجي الكيميائي أول من حاول تطبيق هذه النظرية، فارتأى أن الحيوانات التي تعيش على المواد الغذائية الطبيعية أكثر صحة وأوفر نشاطاً من مثيلاتها التي يقدم لها الكميات من المواد الغذائية التي أقرها العلماء. ففي سنة 1905 قام بتجارب غذائية على فيران هيأ لها أسباب الغذاء من مواد زلالية ونشوية ودهنية وأملاح معدنية بنسب ثابتة لا ينقصها شيء. فبدأ على الحيوانات الضعف الهزال وتساقط شعرها، واتسخت عيونها اللامعة، وما لبثت طويلاً حتى نفقت.
لم يساور أحداً شك في النتائج التي وصل إليها بونج، بل اتجهت الشكوك نحو طريقة التغذية وإجرائها.
أوشك أن يُسدل على هذه النتائج ستار النسيان، وحاول الإنسان أن يدخل في روعه وقتذاك أن لابد هناك من سر عويص الفهم، ولكنه بمضي أربع سنوات على هذه النتائج أي عام 1909 أقدم العالم ستيب على تجارب غذائية لها قيمتها، فهيأ لمجموعة من الفيران غذاء طبيعياً - غير صناعي - عادياً يحتوي على جميع المواد الغذائية اللازمة، قد نُقع قبل تقديمه لها في الكحول والإثير، وانتهت هذه التجربة أيضاً بهلاك الحيوانات.
استنتج ستيب من هذا أن وجود جميع المواد الغذائية الأساسية وحدها لا يكفي لحفظ حياة الحيوان عند غياب مواد أخرى ربما تكون تلك التي تأثرت في تجربته عند معالجة الطعام بنقعه في الكحول. لم تتحسن الحال عن ذي قبل حتى بظهور نتائج ستيب في الميدان بجوار نتائج بونج، وخالج الإنسان الشك حتى امتعض من هذا الاهتمام الزائد الذي يقوم حول تغذية الفيران
اتجه الاهتمام بعد ذلك إلى إجراء هذه التجارب على الحيوانات المنزلية النافعة فقام بابكوك الأمريكي (الذي تتلمذ على يد العالم الجليل ليبج الألماني) بدوره في هذا المضمار. ففي إحدى محطات التجارب الزراعية التابعة لجامعة ماديسون أتى بمجموعتين من الأبقار أطعم أولاها القمح الخالص والثانية الذرة. ففي بحر السنة الأولى ظهر على نتاج المجموعة الأولى الضعف وعدم تهيئتها لأسباب الحياة بينما لم تظهر على أمهاتها أعراض مرضية ذات بال. أما نتاج المجموعة الثانية فلم يلاحظ عليها شيء وكانت صحيحة قوية، فحمل هذا على الاعتقاد بأن الذرة لابد تحتوي على مواد مجهولة تلزم للحياة.
وقد لا تتهيأ لكل عالم هذه الظروف الحسنة التي هُيئت لبابكوك الأمريكي في إجراء تجاربه الكثيرة التكاليف، فاكتفى الكثير من علماء التغذية بتجارب أقل نفقة في البلاد الأخرى، فقام في النرويج البحاثة آرل هولف بإجراء تجاربه على الخنازير، فقدم لها غذاء واحداً لا يتغير من الحبوب النباتية فتأثرت به وظهرت عليها عوارض تضخم المفاصل وإدماء اللثة وسقوط لحمها، ولكنه أضاف بعد ذلك إلى الطعام نفسه بعض الدرنات كالبنجر، فزالت تماماً هذه الأعراض وانعدم ظهورها في الحيوان.
جاءت هذه النتائج مدعمة لبيانات الفسيولوجي هوبكنز الذي سبق ذكره والذي أعد لفيرانه غذاء خاصاً مكوناً من النسب المعروفة اللازمة من المواد الزلالية والدهنية والنشوية النقية
مع الأملاح فظهرت عليها الأعراض المرضية التي ما لبثت أن زالت تماماً وبسرعة عندما أضيفت بعض نقط من اللبن إلى غذائها
فتقت هذه النتائج المتعددة الأذهان وشحذت العزائم وضاعفت من الجهود لكشف القناع عن هذا السر الذي بدأ يتهتك حجابه، وذكر فضل السابقين في البحث الذين كاد يسدل عليهم ستار النسيان. وأثبت بعض الباحثين الهولنديين أن بعض الطيور المنزلية كالحمام والدجاج ظهرت عليها أعراض مرضية غريبة عندما كان غذاؤها مقتصراً على حبات الأرز الأبيض وزالت هذه الأعراض بإضافة ردة الأرز.
يمكننا أن نتصور دهشة العالم حينذاك حول هذا (الشيء) الذي صادفه العلماء تارة في الذرة وأخرى في الأعشاب الخضراء أو في الدرنات وحيناً في اللبن وحيناً آخر في ردة الأرز - ولكن شيئاً واحداً بقى راسخاً في الأذهان، وهو أن دولاب الحياة لا يلزمه فقط ليدور للآن من المواد الزلالية والدهنية والنشوية بل يلزمه أيضاً لحفظ دورانه منتظماً وبلا اضطراب مواد غذائية أخرى خاصة ذهبت في التعرف عليها جهود العلماء والباحثين السابقين هباء.
وفي عام 1931 أطلق عالم بولوني يدعى كازمير فونك على هذا الشيء العجيب الذي شخصه بجسم أو مادة كيميائية أو مجموعة مشابهة للزلال أو الدهن أو النشأ لفظ (فيتامين) بدون أن يفكر جدياً فيما سيكون لهذه التسمية بعدئذ من أهمية قصوى؛ وحتى هذه التسمية الخاطئة - من الناحية الكيميائية - لهذا الشيء العجيب لم تفد الموقف كثيراً.
وينقسم لفظ فيتامين إلى شطرين: الأول (فيتا) ومعناه الحياة، ومما لا يختلف عليه اثنان أن هذه المواد هي من أسباب الحياة. أما الشطر الثاني وهو (أمين) فهو يدل على مجموعة من الكربونات العضوية تتركب من الآزوت والإيدروجين، أي مجموعة الأمينات (زيد2) ولم يثبت إلى الآن انتماء هذه الفيتامينات إلى مجموعة الأمينات.
وبرغم التخبط في التسمية ومحاولات الاستدلال على هذا الشيء فقد وضع له الحجر الأساسي، وقامت بعدئذ مجهودات عنيفة وعديدة في المعامل المختلفة في شتى البلاد لكشف سر هذه الفيتامينات، فهويكنز الإنجليزي قد رسم طريق البحث عنها سنة 1913 في مؤتمر الطب بلندن، وخطب ستيب الألماني اتجاه الكشف عنها بالاستدلال بنتائج تجاربه، واستمر
البحث وراء الفيتامينات حتى قبيل نشوب الحرب الماضية، وكان من الصعب في البلاد المتحاربة أن يستمر علماؤها وراء الفيتامينات باحثين، وكان أمام علماء الألمان مشكلة نقص الطعام، غير أن الإنجليز والأمريكيين استمروا في أبحاثهم فسبقوا الألمان، ولكن الأخيرين لحقوا بهم، وكان لعلمائهم المبرزين فضل كبير في بعض نواحي الأبحاث وراء الفيتامينات.
(يتبع)
الحيوان يتخاطب ويغازل ويحلم
للأستاذ أحمد علي الشحات
لو أنك سرت في مجال الطبيعة تتأمل ودلفت إلى مجموعة من الأشجار الباسقة لراعتك الطيور وهي أزواجاً أزواجا تغني ألحان غرامها، وينصت بعضها إلى بعض على أفنانها. ولو أنك انتقلت من عالم الفكر وسألت أحداً من أهل الذكر: هل للطيور لغة تتخاطب بها وإن لم ندرك كنهها، وإن كانت لها لغة فهل ما نسميه منها من شدو مروي ورجع محكي هو الغزل، وإن كان هناك غزل في الطيور فهل عند سائر الحيوانات غزل؟ لأجابك عالم ممن درسوا طبائع الحيوانات أن لها لغة تتعارف بها، وأن بين الجنسين غزلاً. فأما لغة الحيوانات فقد نسمع بعضها وقد لا نسمع، وتتمثل لك لغة الحيوان بالأصوات المتباينة التي تصدر من الحيوانات حين تعبر عن شعور خاص كرغبتها في الأكل أو خوفها من عدو يهاجمها أو حين تغضب، ويتمثل لك ذلك في الكلب والقط مثلاً، كما يتمثل لك استدعاء الجنس للجنس الآخر في نعيق الضفادع الذي لا يصدر منها إلا في موسم التناسل وحين الرغبة في الإخصاب، وقد أثبت العالم ج. أرثر طومسون من علماء الحيوان أن عند بعض الحيوانات لغة للتفاهم وإن لم تكن بالنطق فهي بالحركات، فقد استنتج أن العناكب تتخاطب باهتزاز الخيوط التي تفرزها والتي تكون منها بيوتها، كما أن النحلة إذا عثرت على رحيق شهي في بعض الأزهار ذهبت تبشر زميلاتها في الخلية بذلك برقصات مخصوصة فتسرع إليها تأخذ نصيبها.
وهناك بعض الطيور كالببغاء والزرزور، وهو طائر يعيش في مصر والشام على شجر التوت، تستطيع أن تنطق ببعض الألفاظ التي نلقنها إياها، ولكن هل تنطقها عن إدراك، وهل تستطيع أن تنطق بجملة بمحض تفكيرها؟ هذا ما نشك فيه، وأغلب الظن أن هذه الطيور (عقلها في أذنيها)، ولكن لما كان في استطاعة مثل هذين الطائرين النطق بألفاظنا فلقد حدا هذا بالعالم يركس أن يحاول تجربة ما إذا كان في استطاعة الحيوانات التي في المرتبة العليا بعد الإنسان أن تتعلم النطق، بألفاظنا، فأجرى تجاربه على الشمبانزي لأنه أيضاً قد حيته الطبيعة جهازاً صوتياً يماثل جهاز الإنسان من حيث الحنجرة والحبال الصوتية، وكذلك لقدرته المشهود بها على التفكير؛ فكان إذا أراد أن يطعمه نطق بلفظ بسيط
مثل (يا) أو (كو) ثم يقدم له موزاً.
واستمر يلقنه الدرس أسابيع متتالية، فكان القرد يطير فرحاً حين ينطق أستاذه أمامه، لأنه عرف أن هذا معناه الفوز بالأكل، ولكنه للأسف لم يحاول أن يتعلم النطق ولو استطاع القرد أن يقلد الأصوات كالببغاء أو كما يقلد هو أفعالنا لسمعنا منه العجب نظراً لقدرته على التفكير.
وخلاصة ما تقدم أنه ولو أننا لا نستطيع أن نجعل الحيوانات تنطق بلغتنا إلا أن لها لغة تتعارف بها فيما بينها سواء بالنطق أو بالحركات.
الغزل عند الحيوان
يتجلى الغزل عند الحيوانات بأطرف المعاني وأسماها في الطيور على الأخص حيث الوداعة والحنان ورقة العاطفة، وفي الغالب يبدأ الذكر بالمغازلة إلا في حالات خاصة كما في طائر الذي يعيش في القطب الشمالي حيث الأنثى هي التي تبدأ المغازلة والذكر هو الذي يتدلل.
ومظاهر الغزل عند الطيور عديدة تبعث في مشاهدها البهجة والانشراح. فإن ضاق بك الصدر يوماً أو عافت نفسك الكتاب فسر عنها برؤية ذكر الحمام وهو يبث أنثاه أشجانه وألحانه. أو الطاووس أو الديك الرومي وكل منهما يزهو أمام أنثاه فيبسط ريشه وتنتفخ أوداجه، وكذا في ذكر الغواص وأنثاه حين يسبحان في الماء معاً ويرفعان الرأس ويخفضانه ثم يدفع أحدهما الآخر تحت الماء حيث يسمع لهما صوت أجش صادر منهما. وتقيم بعض الطيور حفلات ترقص وتؤدي الذكور والإناث رقصات جنونية تفعل فعلها في الجنسين وتصرخ صرخات عالية ثم ينفرد كل ذكر بأنثاه.
ومن الطيور ما يألف أحد جنسيها الآخر بحيث يقيمان على عهد الوفاء حتى إذا مات أحدهما فقد يموت الرفيق الآخر كمداً عليه
وتخفت حرارة الألفة بين الجنسين إذا انتقلنا من الطيور إلى الحيوانات الأخرى كالثدييات ولو أن لبعضها مظاهر غزل كما في القطط إلا أنها لا تذكر بجانب الطيور التي قد لا يكون الغرض من غزلها إلا التسامر وازدياد الألفة. وفي الحيوانات ذوات الدم البارد كالتمساح يتلوى الذكر ويقفز في حركات بهلوانية أمام الأنثى ويصيح وينفخ في الماء
ويعطره بإفراز ذي رائحة طيبة من غدد جلدية في فكه الأسفل وذيله حتى يجذب الأنثى إليه
وسام أبرص يبدي ارتياحه للأنثى بأن يفتح فمه بأعظم ما يمكنه، وأما في الضفادع فنقيقها هو استدعاء للجنس الآخر. وفي الأسماك ذوات الأشواك الظهرية كثيراً ما تلتحم الذكور بعضها مع بعض أمام الإناث، حتى إذا انتصر أحدها دفع إحدى الإناث أمامه إلى عشه لتضع فيه بيضاً، فتسبح السمكة وخلفها زميلاتها متخذة لنفسها مركز القيادة، ثم تقف فجأة وتقلب نفسها رأسياً بحيث يكون الرأس إلى أسفل فتحاكيها الزميلات ثم تدفع هي الماء فتتفرق الأفراد الأخرى لحظة ثم تجتمع ثانية وتعيد السيرة الأولى إلى أن تصل إلى العش، وهذا معناه في نظر العلماء الغزل عند الأسماك.
وفي النحل تطير الملكة في الجو فيتبعها ذكور الخلية كل يحاول أن يفوز بها، والمنتصر هو أسرع الذكور في اللحاق بها ويلقحها في الجو ثم ترجع الملكة إلى خليتها، وحتى إذا رأت الشغالة وهي التي تقوم بأعباء الخلية أن عملية تلقيح الأنثى قد تمت أخذت تلاطفها وتحتفي بها كأنها عروس، وأما الذكور فلم يعد لها فائدة في الخلية، عندئذ تقوم الشغالة بقتلها وإلقائها خارج الخلية، وأما الذكر الذي فاز فإنه في مقابل انتصاره يسقط ميتاً من الجو بمجرد إتمام تلقيح الملكة، ويسمى طيران الملكة والذكور في الجو (طيرة العروس) ولكنها حفلة عرس ثمنها أرواح جميع الذكور، وهكذا الدنيا تدور!
الحلم عند الحيوانات
قد ينشط العقل والجسم نائم فيوحي بمختلف الأفكار وتمر عليه مختلف الصور، وهذا ما يعبر عنه بالحلم. ولقد شوهدت هذه الظاهرة في الحيوانات العليا كالحصان والكلب والقط وهي في سباتها، فقد يصهل الحصان، وقد يقوم الكلب بحركات تشبه التي يقوم بها في الصيد وهو في اليقظة، بل قد تستطيع أن تجعله يسبح في الأحلام إذا قدمت لكلب صيد وهو نائم قطعاً من الأخشاب أو أعشاب ذات رائحة اعتادها في إحراج الصيد فسرعان ما يخيل إليه أنه في تلك الإحراج فيقوم ببعض حركات الصيد وهو نائم.
أحمد علي الشحات
البريد الأدبي
إلى ممثل فرنسا في سورية ولبنان
بعد تقديم واجب التحية أذكر أني علمت أنكم أصدرتم أمراً بمنع مجلة (الرسالة) من دخول البلاد السورية واللبنانية لعبارات ظننتموها تثير البغض على فرنسا في تلك البلاد. ولو كانت مجلة (الرسالة) صحيفة سياسية يهمها أن تصول في المعترك السياسي لعددنا هذا المنع وسيلة تصان بها المصالح الفرنسية في البلاد السورية واللبنانية واتخذنا منه فرصة للهجوم عل فرنسا من جديد.
ولكن الأمر يختلف عما تظنون كل الاختلاف، فمجلة الرسالة صحيفة أسبوعية لخدمة الآداب والعلوم والفنون، وقد حزنت لمحنة فرنسا بست صفحات في عدد واحد: صفحتين بقلم الأستاذ الزيات وأربع صفحات بقلمي، وما خطر في بالنا يومئذ أننا نحزن لفرنسا الاستعمارية، وإنما تصورنا فرنسا التي أنجبت باستير صاحب الفضل في الإنسانية، والتي أنجبت شامبوليون صاحب الفضل على المدنية المصرية، والتي دانت الأدب والعلم بحياة السوربون.
ولم يكن بد لمجلة تعلن حزنها لمحنة فرنسا بست صفحات من السماح لبعض معارضيها بنشر فقرات كانت على خشونتها مما تبيحه المجادلات الأدبية، وقد تولينا الرد على تلك الفقرات بما يبين غرضنا من العطف على فرنسا، ثم نشرت (الرسالة) بعد ذلك مقالاً يفيض بالعطف من أديب عرف بلادكم وهو الأستاذ البهبيتي
فأرجو - حين تطلعون على خطابي هذا - أن تلغوا الأمر الذي أصدرتموه بمنع (الرسالة) من دخول البلاد السورية واللبنانية، وأن تذكروا أن لنا مبادئ إنسانية تصرفنا عن الشواغل المحلية لأن لنا ساسة ينوبون عنا في تدبير تلك الشؤون، وإليهم يرجع الأمر في الاهتمام السياسي بمركز مصر في الشرق.
وأرجو أن تذكروا أيضاً أن بلادكم لم تستوجب العطف من أمثالنا إلا بفضل ما يؤثر من تشجيعها للحرية، ومن أجل ذلك استباحت الرسالة أن تنشر عن بلادكم رأيين مختلفين، وفقاً لما تعلمناه في السوربون من عرض ما للرأي وما عليه. وسبحان من لو شاء لهدانا جميعاً إلى سواء السبيل.
زكي مبارك
خريج السربون
وصاحب (ذكريات باريس)
نعم هي كنية الإمام الصادق
إن الأديب البغدادي (ع) لعلى حق فيما كتبه في ص 1400 من العدد 374 من الرسالة الغراء خاصاً بكنية أبي عبد الله المذكورة في الصفحة السادسة من كتاب (نقد النثر) وبأنها للإمام جعفر الصادق وليست للحسين بن علي عليهما السلام كما ذكر سهواً في هامش الصفحة المذكورة.
ولا شك أن حضرته اطلع على طبعة متقدمة من كتاب (نقد النثر) وقع فيها مع الأسف السهو المذكور، ولو رجع إلى الطبعة الحديثة الصادرة عن مطبعة مصر في عام 1939 لوجد ناشري الكتاب قد تداركا هذا السهو فكتبا في هامش الصفحة السادسة تعليقاً على تلك الكنية ما نصه بالحرف الواحد:
(هي هنا كنية الإمام جعفر الصادق، وهو الإمام السادس من أئمة الشيعة الأمامية، والمتوفى عام 147 هـ. وهشام المذكور في المتن هو هشام بن سالم، وكان من وجوه أصحاب الإمام جعفر الصادق - كتاب (فرق الشيعة) للنوبختي ص 66)
(القاهرة)
عبد الحميد العبادي
إلى الأخ الدكتور زكي مبارك
السلام عليكم:
أطلعت اليوم على الكلمة التي كتبت عني في مجلة الرسالة فشكرت لك مرتين: شكرت حسن ظنك وثنائك علي ابتغاء مرضاة الله، وشكرت لك المسارعة إلى إعلان ما يجول في سريرتك إيثاراً للحق، وحرصاً على مجازاة من أحسن في رأيك.
وقد تبينت في كلمتك خلقاً من أخلاق القرآن الكريم الذي يقول: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله.)
ثم رأيت أن آداب القرآن تأمرنا أن نشكر من أحسن إلينا بالقول أو الفعل فكتبت هذه الكلمة شاكراً داعياً الله أن يرزقنا السداد والإخلاص في الرأي والقول والعمل والسلام.
عبد الوهاب عزام
ديوان مجنون ليلى
اطلعت أمس على هذا الديوان وقد طبع في مصر سنة 1939، وكتب على غلافه أنه جمع وترتيب عالم زمانه وفريد عصره وأوانه أبي بكر الوالي وأنه بتحقيق وشرح جلال الدين الحلبي، وفي آخره إمضاء أحمد سعد علي من علماء الأزهر تحت اعترافه بأنه صحح بمعرفته.
والديوان في 92 صفحة من القطع الصغير، أكثر ما فيه من الشعر المنسوب إلى المجنون هو لغيره، ومن ذلك ما هو مشهور معروف صاحبه، كقطعة (ألا يا صبا متى هجت من نجد) وهي ليزيد بن الطثرية؛ وقطعة (عجبت لسعى الدهر بيني وبينها) وهي لأبي صخر الهذلي؛ وقطعة (تمتع من شميم عرار نجد) وهي للصمة بن عبد الله القشيري.
ومن ذلك قطعة (ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة) وهي ليحيى بن طالب الحنفي؛ وقطعة (اقرأ على الوشل والسلام وقل له) وهي لأبي القمقام الأسدي؛ وقطعة (بينما نحن بالبلاكت بالقا - ع) وهي لكثرة عزة؛ وقصة بيت (ألا أيها النوام ويحكم هبوا) نسبت إلى جرير وليست له، وروى البيت للمجنون وهو لجميل بثينة
ومن ذلك شعر ضعيف لبعض المتأخرين، ومنه ما تبدو حقيقة لكل ذي عينين، كالقصيدة التي يقول صاحبها:
لعمري ما لاقى جميل بن معمر
…
كوجدي بليلي لا ولم يلق مسلم
ولم يلق قابوس وقيس وعروة
…
ولم يلفه قبلي فصيح وأعجم
أفيكون قيس هو قائل هذا عن نفسه؟ ومن القطع المنسوبة في الديوان إلى المجنون ما أقطع بأنه ليس له، ولكني لا أذكر الآن صاحبه، كالقصيدة التي يصف فيها أعضاء
المحبوبة عضواً فعضواً (ص 32) ومثلها في (ص 26) والقصيدة التي ذكرت فيها قصة الذئب والحمل (وكنت كذئب السوء إذ قال مرة) - (ص 43)، والتي يذكر صاحبها جبل الثلج (؟) ويتغزل باثنتين يسمي إحداهما أم عمرو (ص 47).
أما التحقيق فليس منه الديوان البتة. . . أما الشرح فلا يتجاوز جيده بضعة عشر سطراً أكثرها تفسير كلمة عويصة أو مقابلة بعض الأبيات على الأغاني، أما الضبط (الشكل) فأغلاطه أكثر من أن تحصى وليس يعتد به أصلاً.
والعجيب في الأمر، وأن يكون فيها ثناء على الأستاذ جلال الدين الحلبي وشهادة له بالمقدرة على فهم أغراض المجنون!
علي الطنطاوي
الشعري اليمانية
نقرأ دائماً المقال الذي تدبجه يراعة الدكتور النابغة محمد محمود غالي بلذة وإعجاب، فهو يسبغ على الآراء العلمية الجافة حلة من السهولة والطلاوة والطرافة تسمو بها إلى مرتبة الموضوعات الأدبية الشائعة.
وعلى عادتنا قرأنا له بحثه الأخير (الأحياء في غير الأرض) فوقعنا على العبارة التالية: (ثم جل بنظرك بعد ذلك بعيداً عن النجم القطبي وجهة اليمين تر (دينب العظيم ويسمونه بالعربية (الشعري اليمانية) في مجموعة ذنب الدجاجة تصطدم فوتوناته بشبكة العين بعد تسع سنوات ضوئية. . .)
في هذه العبارة خطأ لا ننكر أن الدكتور وقع فيه على سبيل السهو أو عدم التأكد من المصادر المسئولة؛ فإنه ليخيل للقارئ لأول وهلة أن الكلام يقصد به حقيقة (دنيب فهو قريب من النجم القطبي يقع تقريباً على امتداد الخط الواصل بين صدر النعش في كوكبة بنات نعش الكبرى والنجم القطبي، (وليس من ضرورة - كما أرى - لذكر اليمين أو الشمال) إلا أن هذا النجم لا يسمى بالعربية الشعري اليمانية كما ذكر الدكتور، وإنما هو الردف أو ذنب الدجاجة، إذ هو مجموعة (الدجاجة أو الأوز العراقي وبعده عنا أضعاف البعد الذي ذكره الدكتور فلا يصل إلينا منه النور إلا بعد ستمائة واثنتين وخمسين سنة من
وقت مغادرة مصدره.
أما الشعري اليمانية ويقال لها العبور أيضاً فهي نجم في مجموعة (الكلب الأكبر وهذا النجم أقرب إلى القطب الجنوبي منه إلى القطب الشمالي، وهو أسطع النجوم نوراً، ولذا كان من أكثر النجوم شهرة؛ و (تصطدم فوتوناته - حقيقة - بشبكة العين بعد تسع سنوات ضوئية - تقريباً -).
ومن هنا يظن القارئ أن الكلام خاص بالشعري اليمانية وليس بالردف. . .
على أن مثل هذه الهينات لا تغض من قيمة البحث، ولا تقلل من إعجابنا الكثير بالدكتور الكبير.
(الحصن)
خليل السالم
السجع في كتاب النثر الفني
عزيزي الدكتور زكي مبارك
كنت أقرأ كتابك (النثر الفني في القرن الرابع) فوقفت منه في صفحة 25 على العبارة الآتية:
وقد أذكر أنني كنت أحاور المسيو مرسيه في تطور السجع فأخرج رسائل الجاحظ وفيه العبارة: (إن معاوية مع تخلفه عن مراتب أهل السابقة أملي كتاباً إلى رجل فقال فيه: لهو أهون عليَّ من ذرة، أو كلب من كلاب الحرة. ثم قال. امح (من كلاب الحرة) وأكتب (من الكلاب) كأنه كره اتصال الكلام والمزاوجة وما أشبه السجع، ورأى أنه ليس في موضعه).
وكان المسيو مرسيه يظن في هذه العبارة دلالة على أنهم كانوا إذ ذاك لا يستحبون الكلام المسجوع، فوجهت نظره إلى أن لهذه العبارة معنى آخر: ذلك أن السجع فن رقيق، لا يصلح في ذلك المقام وهو مقام تهديد ووعيد. (أهـ كلام الدكتور مبارك)
لم أرتح لهذا التعليل - يا دكتور - من عدم ملاءمة السجع لمقام التهديد، لأن ورقة السجع لا تنسجع مع شدة التهديد. وأني أرى في هذا الموضوع خلاف هذا الرأي لأدلة عقلية، وأخرى نقلية:
أما العقلية فلأنا إذا سلمنا برقة السجع لأنه الكلام المقفى، والتقفية نوع من الترديد الموسيقي الذي يخف به الكلام على السمع فالشعر أولى بالرقة من الكلام المسجوع لما في الشعر من الوزن والتقفية. فإذا جعلت السجع غير لائق في مقام التهديد والوعيد كان الشعر أولى بعدم اللياقة في هذا المقام. وهي نتيجة لا يثبتها الأدب العربي المملوء بشعر الحروب وأيام العرب.
وأيضاً فالحماس الذي يكون في مقام الفخر والتحدي هو نوع من الشدة شبيه بتلك الشدة التي تكون في حال التهديد والوعيد. وأنت جد عليم بما تحويه خطب الثورات السياسية التي تشعل نار الحمية، وتوقظ الغيرة الوطنية، من السجع والمزاوجة.
أما الأدلة النقلية ففي طليعتها كتاب الله الكريم وما يحويه من آيات التهديد والإنذار ذات السجع المعجز. كالآيات: (ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفوهم، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين) والآيات (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين. ثم لتسألن يومئذ عن النعيم). والقرآن مملوء بشبيه هذه الآيات. وقد ورد في كلام المتقدمين من الكتاب والخطباء كثير من العبارات المسجوعة في مقام الشدة والتهديد. مثال ذلك خطبة زياد بالبصرة حيث قال:
(إن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم).
وقد كتب سيدنا علي إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في مقام التحذير والتهديد فقال: (إنك إذ تحاولني الأمور وتراجعني السطور، كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه، والمتحير القائم يبهظه مقامه، لا يدري أله ما يأتي أم عليه، ولست به غير أنه بك شبيه.
ويقول الحجاج بن يوسف في خطبته لأهل العراق: (ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر. ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية؟ بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عليكم، إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم السلاح، وقعصتكم الرماح. ثم يوم دير الجماجم، وما يوم دير الجماجم، بها كانت
المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله) والخطبة مملوءة بالتهديد والوعيد والسجع المقبول
فما رأيك في هذا؟
(بخت الرضا. السودان)
عبد العزيز عبد المجيد
مولد الدكتور إسماعيل أدهم ونسبه
اطلعت على ملاحظتكم المنشورة في العدد رقم 373 من (الرسالة)، وقد يتصل بها وبسيرة الفقيد ما نشرته جريدة (البصير) اليومية التي تصدر عن مدينة الإسكندرية بتواريخ 2 أغسطس و 9 أغسطس و 16 أغسطس و 24 أغسطس الجاري للأستاذ صديق شيبوب ولكاتب هذه السطور وللأستاذ البحيري عبد الرحيم.
والنبذة التي أشرتم إليها مستعدة من بيان للفقيد نفسه، (وقد أشرت إلى ذلك من قبل)، ويعززها ما ذكره في توطئة رسالته التاسعة الموسومة (لماذا أنا ملحد؟) فليرجع إليها جميعاً.
(الإسكندرية)
أحمد زكي أبو شادي
عدد خاص من (الحديث) عن الدكتور أدهم
كتب إلى الأديب السوري المعروف الأستاذ سامي الكيالي صاحب مجلة (الحديث) الحلبية بأنه قرر إصدار عدد خاص من مجلته منتصف سبتمبر عن أخي فقيد العلم والأدب المرحوم الدكتور إسماعيل أحمد أدهم، وفاءً له وتخليداً لذكراه.
هذا، وسيشير الأستاذ الكيالي في هذا العدد إلى كافة كتب الفقيد، وإلى دراساته الأدبية، وآثاره العلمية، وسينوه بمواهبه ومزاياه.
وسيشترك معه في تحرير هذا العدد نخبة من كبار الأدباء في الشرق العربي، وسيكون العدد حافلاً بالصور الشمسية للفقيد في مختلف أطوار حياته.
والمرجو ممن يحب المساهمة في هذا العدد بكتابة شيء عن الفقيد من أصدقاءه ومريديه ومحبي أدبه، أن يبعث ما يكتبه إلى الأستاذ الكيالي (بحلب سورية)، أو يرسل إلي بعنواني: 2 موطش باشا
(الإسكندرية)
إبراهيم أحمد أدهم
جواب سؤال
كتب إلي أديب فاضل من اليمن يسألني عن أسم قائل بيتين من الشعر ذكرهما ولم يكتب إلي بعنوانه لأبعث إليه بالجواب، فرأيت أن أجيبه على صفحات الرسالة الغراء. سألني عن قائل هذين البيتين:
بذكر الله تزداد الذنوبُ
…
وتحتجبُ البصائر والقلوبُ
وترك الذكر أفضل منه حالاً
…
فإن الشمس لها غروبُ
ففتشت عنهما كثيراً إلى أن عثرت عليهما في ديوان محي الدين أبن عربي الصفحة الرابعة.
(دمشق)
ناجي الطنطاوي
حول مقال (في سبيل الإصلاح)
حضرة المحترم الأديب الأستاذ الكبير صاحب (الرسالة) أطلعت في عدد الرسالة (373) على هذه المقالة للأستاذ العبقري العقاد؛ وإنه ليسرني أن أذكر أنه بحث في هذا الموضوع بحثاً طريفاً شائقاً يستحق التقدير والإعجاب. غير أنه كان الأجدر به ومداد قلمه من بحور الأدب ألا يسوق إلينا فكرة صاحب الأفدنة التي ترمي إلى إصلاح المعلم الإلزامي، لأنه إذا سئل عن العيب الذي يراه لا يجد ما يقوله سوى أنه يعلم النشء التبطل والحذلقة وكيفية وضع حمالة الجورب وإحسان رباط الرقبة، وهلم جرى. فيا ليت شعري ماذا جنى هذا الجندي المجهول حتى يصمه نائب محترم بهذه الوصمات؟
أما كفى المعلم الإلزامي فخراً أن لا عيب فيه سوى عنايته بحسن هندامه وأنه الأساس الأول للثقافة؟
(منفيس)
عبد الله عبد التواب
القصص
المقامر. . .
للكاتب الروسي ألكسندر بوشكين
ترجمة الأستاذ حلمي مراد
- 1 -
كانت إحدى ليالي الشتاء الطويلة. . . وقد تراجعت فلول الظلام كسيرة، وأقبلت طلائع الفجر الباسم. . . حين ألتف المدعوون إلى مأدبة نلروموف - الملازم في فرقة الحرس - حول مائدة القمار يلعبون الورق ويتبادلون شتى الأحاديث، فقال المضيف وهو يعطي ورقة اللعب لأحد مدعويه:
- كيف حالك هذا المساء يا سورين؟
فرد هذا: (لقد خسرت كالعادة منذ بدأ الحظ يدبر عني، ولكن. . . ماذا ترون في (هرمان) الذي لم يشترك معنا قط في اللعب؟ حقاً، إن أمره لعجيب، فهو يسهر معنا طوال الليل يرقب عجلة الحظ تدور وتدور بيننا مع أنه ما من داع يدفعه إلى ذلك). وهنا تدخل هرمان في الحديث فقال:(الأمر بسيط أيها السادة فاللعبة تعجبني، ولكني لا أود المغامرة في سبيل الكسب، فقد أخسر بعض مالي). وأردف شخص ثالث:
- لا تعجبوا! فهرمان ألماني وقومه معروفون بالميل إلى الاقتصاد، ولكن. . . ألم تلحظوا أن الكونتس أنافيدروفنا لا تلعب قط. . . هذا هو الذي يستحق دهشتنا حقاً، فإن عجوزاً في الثمانين لا تلمس الورق لهي شاذة بالتأكيد.
ثم أطرق تومسكي - وكان هو المتحدث - قليلاً وأستطرد: (ألم تدركوا السبب؟) فأجاب اثنان بصوت واحد:
- كلا، فهل هناك سبب خاص يدعوها لذلك؟
فرد تومسكي بقوله: نعم. . . فأصغوا إلي:
منذ نحو ستين عاماً كانت جدتي (الكونتس أنافيدروفنا) معبودة باريس وموضع إعجاب قاطنيها، حتى أطلق عليها لقب (فينوس الروسية) فأخذ ريشيليو يتودد إليها، ولما يأس من
مبادلتها له حباً بحب حاول الانتحار أكثر من مرة وذات ليلة لعبت الورق مع الدوق دورليان وخسرت مبلغاً كبيراً، ولما لم يكن معها المبلغ كله في ذلك الحين فقد حاولت عند عودتها إلى المنزل إقناع زوجها بدفع المبلغ ولكنه أصرر على الرفض متخذاً من إسرافها مبرراً لقراره هذا. وإذ ضاقت به الدنيا طرقت باب الكونت دي سان جرمان الذي قيل أنه ذو موهبة خارقة في كسب المال، ولما جاءها الكونت وحدثته بالمأزق الذي لم تستطيع الخلاص منه قال:(سيدتي: إني على تمام الاستعداد لإعطائك أي مبلغ تطلبين، ولكني لما كنت أعلم عن يقين أنه لن يهدأ لك بال حتى أسترد ما أقرضت، فقد رأيت أنه يحسن بك أن تعاودي اللعب لتربحي ما خسرت) وما أن وصل تومسكي إلى هذا الحد من الحديث حتى كان الجميع متلهفين إلى سماع بقية القصة، فتوقف قليلاً ريثما أشعل غليونه، ثم أستطرد قائلاً:(وأسر الكونت إلى جدتي بضع كلمات يتمنى كل منكم لو سمعها. . . وفي تلك الليلة بعينها عاودت جدتي اللعب على مائدة الدوق دورليان معتذرة عن عدم دفع المبلغ بنا اعتورها من النسيان، وأخذت ثلاث ورقات، راهنت على الأولى فكسبت ثم ضاعفت الرهان على الثانية فكسبت، وكذلك كان حظها حين لعبت الورقة الثالثة. . .) وهنا صاح أحد الضباط مقاطعاً: مجرد حظ! وقال هرمان: يا لها من قصة. بينما سأل ثالث: وهل كانت الورقات مرقومة؟ فأجاب تومسكي:
- كلا، ولكن استمعوا للبقية، فقد كان لجدتي ثلاثة أبناء أحدهم والدي، ومع هذا لم يتمكن أحدهم من استخلاص سر الثلاث الورقات منها حتى الآن. . . والأعجب من ذلك أنها قابلت ذات يوم فيما بعد صديقاً لها قد خسر كل ثروته في ليلة واحدة؛ وحين علمت بالأمر ووجدته غارقاً في اليأس أعطته وريقات ثلاثاً كي يلعب بها بعد أن أخذت منه وعداً قاطعاً بالا يجلس إلى مائدة القمار بعد أن يستعيد ثروته. وفي اليوم التالي عرض الشاب على غريمه أن يلاعبه فقبل، وإذ ذاك بدأت المقامرة بأن راهن الأول على إحدى الورقات بخمسين روبل، فكسب. . . وعندما ترك المائدة الخضراء كان قد أستعاد ضعف ثروته
وتوقف تومسكي عند هذا الحد من حديثه ثم قال:
- هيا بنا إلى النوم أيها الأصدقاء فقد حانت الساعة السادسة.
- 2 -
في الوقت الذي كان تومسكي يقص فيه حديث جدته كانت هذه تجلس أمام المرآة لتصلح من هندامها وتستكمل زينتها، فإنها رغم كبر سنها كانت تحرص على حضور جميع المراقص والحفلات باذلة عناية فائقة في اختيار ملابسها حتى أصبح منزلها كعبة الزوار يؤمه أناس من أرقى الطبقات لقضاء بعض الوقت في تسلية ومرح ولكن رغم هذا كانت الكونتس عصبية المزاج شاذة الأطوار، لا تهتم إلا بملذاتها ولا تغفر لوصيفتها (ليزابيتا إيفانوفنا) أصغر هفوة، بل أنها كانت إذا أمرتها بأعداد الشاي انتهرتها على تبذيرها في السكر، وإذا طلبت منها قراءة فصل من كتاب عدتها مسؤولة عن السخف الذي يجري به قلم المؤلف، وإذا خرجت معها في نزهة لامتها على سقوط المطر أو هبوب العواصف، وإذا اصطحبتها لمرقص أقصتها عن مجلسها إلى ركن تظل السكينة منفردة فيه، لا يشاركها أحد حديثاً أو يدعوها لرقصة. ورغم ما امتازت به ليزابيتا من جمال فاقت به سيدتها، بل وكثيرات من النبيلات لم يكن أحد ليلقي إليها نظرة أو يعيرها أي التفات، فثارت كرامتها لذاك الوضع المزري الذي أكتنف حياتها وصارت إذا أشتد بها الألم وعصفت بين جوانحها ريح الهموم، أسلمت عينيها للدمع تذرفه وقلبها للزفرات يرسلها. . . جلست ليزابيتا بعد يومين من مأدبة نلروموف بجوار النافذة تطرز، فحانت منها التفاتة إلى الطريق دون قصد، وإذ ذاك وقع بصرها على ضابط وقف بلا حراك مثبتاً عينيه تجاهها، فغضت من نظرها وعادت للتطريز. . . وما مرت بضع دقائق، حتى أطلت من النافذة بحركة آلية، فإذا الضابط لم يبرح مكانه. . . وكان ردها على هذا أن ابتعدت قليلاً وعادت إلى التطريز إذ لم يكن من عادتها مبادلة الشبان النظرات والبسمات. . . وبعد ساعتين قامت للعناية بشؤون سيدتها فلمحت على الرغم منها ذاك الضابط في مكانه.
بدا لها كل ذلك غريباً فلم تدر كيف تعلله إلى أن عادت بعد الغداء إلى عملها، ولكن الضابط كان قد ذهب فلم تنشغل بالتفكير في أمره. . . ومر يومان غادرت الكونتس بعدها قصرها بصحبة وصيفتها، وما كانت الأولى تتخذ لها مقعداً في العربة حتى أبصرت ليزابيتا الضابط عينه واقفاً عن بعد، وقد التف بمعطف حجب نصف وجهه ولكنه لم يحجب عينيه المتقدتين، فاضطربت الفتاة دون أن تدري لذلك الاضطراب سبباً.
وواظب الضابط على الحضور إلى نفس المكان كل يوم يسدد إليها بصره، فكانت إذا ما
رأته انسحبت على الفور والفضول يقتلها وشعور غريب يضطرم في أعماقها بشكل لم يسبق لها أن أحست بمثله. ولم يمض وقت طويل حتى نشأت بين الاثنين صداقة جعلت الفتاة تحس بوجوده حين تجلس إلى النافذة فتحدق فيه بضع لحظات ثم تعود لعملها وقد كست الحمرة وجنتيها، بينما ينصرف الشاب مغتبطاً بتلك اللحظات التي تفضلت بها عليه
. . . ومر أسبوع تبادلت فيه ليزابيتا مع الضابط البسمات البريئة الساذجة، وكان قلبها يخفق كلما رأته وخاصة عندما دخل تومسكي يلتمس من جدته الإذن بأن يقدم لها أحد أصدقائه إذ ظنت الفتاة أن صديقها الضابط هو المعني بالكلام. كان هرمان من أسرة ألمانية أقامت في روسيا فلما مات والده ورث عنه بعض المال ولم يشأ أن يقامر به خوف فقدانه فظل قنوعاً بما يدر عليه من ريع كان يكفيه، بل ويسمح له أحياناً بالإنفاق على أصدقائه إذا خرجوا يتنزهون، ولكنه رغم إحجامه عن المقامرة لم يجد بأساً من قضاء السهرات مع خلانه يراقبهم وهم يلعبون. . . وحين انتهى تومسكي من قصة الوريقات الثلاثة كان الفضول قد تملكه والدهشة قد عقدت لسانه، فلم يكف عن التفكير في محيطها طوال تلك الليلة. . . وفي الليلة التالية خرج يتربص في شارع سانت بطرسبرج وهو يمني نفسه بالتقرب من الكونتس كي تبوح له بسرها، ولا سيما أنها في الثامنة والسبعين من عمرها فموتها متوقع من يوم لآخر. . .
ولم يكن يقطع على هرمان حبل أفكاره أحياناً إلا الشك الذي نسج خيوطه في مخيلته فبات يخشى أن تكون قصة تومسكي دعابة جدت بها قريحته ولكنه ما لبث أن سمع هامساً يهتف في أعماق قلبه مذكراً إياه بأن وريقاته الرابحة هي الاقتصاد والعمل والمثابرة فليقصر جهوده عليها ليتضاعف دخله ويغدو من ذوي اليسار.
مرت هذه الخواطر بذهنه وهو يتنزه إلى أن استرعى نظره قصر تجلت فيه آيات الفن وازدحمت أمامه العربات بعد أن قذفت إليه بمن فيها من رجال وسيدات وضباط وآنسات فمرقوا جميعاً من بابه وسرعان ما احتوتهم قاعاته. . .
اقترب هرمان من الحارس سائلاً عن رب القصر، وما أن رد هذا ناطقاً باسم الكونتس أنافيدروفنا حتى اشتمل هرمان الذهول فهتف في نفسه:(تاالله!؟ إنها جدة تومسكي. . . إنها صاحبة الوريقات الثلاث) ووقف لحظة مشدوهاً ثم خط طريقه إلى المنزل حيث تملكه
القلق ففارقه النعاس، ولكنه حين قهره بعد طول عناء أخذت الأشباح تتراقص أمام عينيه. . . رأى المائدة الخضراء تعلوها النقد وأكوام من (الروبلات). . . ورأى نفسه جالساً إليها وقد غمره فيض من الربح زخرت به جيوبه ثم استيقظ متنهداً فإذا كنوزه ليست إلا ثمرة كابوس مضطرب.
خرج إلى الطريق ليزيح تلك الخيالات التي أقضت مضجعه، ولكنه وجد قدميه تقودانه ناحية القصر. . . كان يبدو أن قوة خارقة قد اجتذبته إلى هناك، فوقف يتطلع إلى النافذة وما لبث أن رأى فتاة يزين رأسها شعر أسود متهدل قد أكبت على كتاب تقرؤه أو حرير تطرزه. . . وتحركت الفتاة تجاهه فأخذت عيناه وجهاً جميلاً وعينين نجلاوين يشع منهما بريق خاطف
. . . وفي تلك اللحظة تحدد مصيره وكتب القدر نهايته.
- 3 -
كانت ليزابيتا قد أنهت عملها حين نادتها الكونتس لتؤنس وحدتها في نزهة قصيرة، وبينما كانت تساعد سيدتها على ارتقاء العربة رأت الفتاة ذاك الضابط. . . رأته بجانبها يدس ورقة بين يديها فأخفتها بين طيات قفازها وبدأت تفكر، فلم تر أو تع شيئاً مما مر حولها. وزادتها حيرة وارتباكا أسئلة الكونتس المتوالية التي اكتفت في الرد عليها بأجوبة مقتضبة مما دعا سيدتها إلى القول:
(ماذا بك اليوم؟ فيم تفكرين؟ ألا تسمعينني؟. . . إنني لا زلت أتكلم بوضوح. أليس كذلك؟)
. . . ومرة أخرى لم تصغ ليزابيتا إلى كلامها، وحين عادت إلى حجرتها أقفلت بابها وشرعت تقرأ في الورقة المطوية أرق عبارات الحب التي صيغت في قالب عاطفي، فتملكها شعور من الفرح. . . ولكنها وقفت بعد حين تحدق في الفضاء. لقد كانت هذه أول مرة يحس فيها أحد بوجودها بل ويظل ساعات طويلة في انتظار ابتسامة عذبة يفتر عنها ثغرها، أو نظرة تتجلى بها عيناها. . . فكيف لا ترتبك. . . وأخيراً وبعد لأي كتبت له هذه الكلمات بيد مرتعشة:(أؤمل أن تكون نواياك طيبة نبيلة. . . وإنما يجدر بك أن تعرف أن علاقتنا لا يمكن أن تبدأ عن هذا الطريق. وهاأنا ذي أعيد إليك خطابك راجية ألا تلجئني للندم على تسرعي).
ثم قذفت بالرسالة من النافذة فالتقطها الضابط وما أن أتم قراءتها حتى شاع البِشر في قسمات وجهه فبدأ قانعاً بأولى خطوات مغامرته. . .
مضت أيام وأسابيع كان هرمان خلالها يتوسل بمختلف الطرق لإيصال رسائله لمحبوبته. . . كان يكتب تلك الرسائل بعبارات أخاذة لم تستطيع الفتاة مقاومة إغرائها فاضطرت للرد عليها ومبادلة الشاب وداً بود؛ وكان الرد يطول يوماً بعد يوم إلى أن أحتوى ذات يوم هذه الكلمات:
(سيقام مرقص الليلة في دار السفارة وستحضره الكونتس فتمكث هناك حتى الثانية صباحاً، فعليك - إذا أردت مقابلتي - أن تقبع في مكانك حتى تطفئ الأنوار في الساعة الحادية عشرة وإذ ذاك وجه خطواتك نحو باب القصر وادخله بلا تردد لأن الحارس سيكون غارقاً في غطيطه؛ ثم ارتق الدرج بسرعة حتى غرفة الكونتس حيث تجد خلف الأستار بابين يقود الأيمن منهما إلى حجرتي وانتظرني هناك. . .)
وحوالي الساعة العاشرة من ذاك المساء كان هرمان واقفاً أمام القصر ينتظر. . . كانت الليلة رهيبة، والريح تعصف بشدة، والثلج يتساقط بفيض زاخر بينما انبعثت من المصابيح نور خافت، فخلا الطريق من المارة وعم السكون. . مرت لحظات سمع بعدها صوت عجلات العربة يردده الفضاء وهي تبتعد بالكونتس ووصيفتها في طريقهما إلى المرقص. ثم كرت الدقائق وأطفأت الأنوار، فانتظر هرمان بعض الوقت، ومن ثم يمم شطر القصر فعبر بابه وصعد السلم بخفة النمر حتى وصل إلى غرفة الكونتس حيث رأى على ضوء مصباح صغير قطع الأثاث الفاخر منثرة في أرجائها وبضع صور زيتية تزين جدرانها فوقف يتأملها في صمت وسكون وما لبث أن عبر الغرفة إلى الممر الذي تقع في نهايته غرفة الفتاة فولجها وأقفل خلفه الباب فعمها الظلام. . . وجلس ينتظر.
مر الوقت بطيئاً وكان الهدوء ناشراً ظله على القصر ثم دقت الساعة اثنتي عشر دقة وعاد السكون الذي لم يعكره سوى ضربات قلب الشاب تطرق أذنيه. . . وبعد وقت سمع دقة واحدة. . . ثم دقتين. ولم تمض لحظات حتى عادت العربة ترسل صوتها فيشتد خفقان قلبه ويزداد اضطرابه. ولما شعر بخطوات على السلم ركز بصره في ثقب الباب فرأى الكونتس تخلع ملابسها وترفع عن رأسها إكليل الورد والشعر المستعار ثم تجلس إلى مقعد
بجوار النافذة تناضل الأرق دون جدوى. رفعت الكونتس رأسها حين سمعت حركة خلفها فرأت رجلاً منتصباً أمامها. . وما لبث هرمان أن قال: (لا تنزعجي يا سيدتي بحق السماء. إني لا أود لك ضرراً وإنما جئت أنشد منك مطلباً هيناً).
نظرت إليه المرأة العجوز وهي صامتة كأنها لا تعي، فأعاد قوله بصوت عال إذ ظنها صماء. ولكنها لم تتحرك فاستطرد يقول:(إنك تملكين أن تسعديني طوال حياتي دون أن يكلفك الأمر شيئاً سوى ثلاث ورقات).
وهنا فهمت الكونتس كل شيء فأجابت على الفور: (أوه. إنها مزحة. . . أقسم لك على ذلك). ولكن صوت هرمان قاطعها بقوله: (كلا يا سيدتي، ألا تذكرين الرجل الذي أعطيتها له فضاعف ثروته).
بدا الاضطراب على وجهها. ولكن هرمان عاود القول: (هلا ذكرت لي ذاك السر. . . لِمَ تحفظينه لأحفادك؟ إنهم في غنى عن مزيد من المال. . . أما أنا فلن تأسفين على إسعادي لأني كفيل بالإنفاق على خير الوجوه. . . هيا بربك تكلمي. . . أفصحي!)
وقف ينتظر الرد وقد عيل صبره، ولما لم تجب انحنى متوسلاً وهو يقول:(ألا تعرفين الرحمة والحب. . . إذا كنت تذكرينهما فإني أستحلفك باسم الأبوة والأمومة وبكل ما تقدسين ألا تخيبي أملي. . . اذكري أنك كبيرة السن وأن أبنائي وأحفادي سيباركون ذكراك).
ولكن الكونتس لم تجب، وحينئذ نهض هرمان واقفاً وسدد غدارة نحوها ثم أردف:(إذا سأضطرك إلى الكلام).
أشتد اضطراب المرأة فاهتز رأسها بقوة، ومدت يديها كأنها تبغي أن تبعد شراً يوشك أن ينقض عليها، ثم تراجعت إلى الوراء بلا حراك.
(هيا لا تكوني كالأطفال. . . إني أمهلك آخر مرة. . . ما هي الورقات الثلاث؟. . .)
ولما لم يسمع رداً أو حركة أمسك هرمان يدها فوجدها قد فارقت الحياة حاملة سرها معها.
- 4 -
حينما دخلت ليزابيتا إلى حجرتها سرها أن لم تجد فيها صديقها الضابط، إذ أن شعوراً من الندم غمرها فأخذت تلوم نفسها على تسرعها في استدعائه. وبينما هي سابحة في بحار
الفكر فتح الباب فإذا بهرمان واقفاً تجاهها. فارتعدت الفتاة وقالت: (أين. . . كنت؟)
فرد مطرقاً: (في غرفة الكونتس. . . لقد تركتها منذ لحظة. . . ميتة).
(يا للسماء!! ماذا تقول؟) فاستطرد هرمان: (أخشى أن أكون سبب موتها). ثم جلس بجوار النافذة وشرع يقص عليها أنباء مغامراته، فأدركت أن عبارات الوجد والهيام التي كتبها والساعات الطويلة التي قضاها واقفاً أمام نافذتها لم يُمِلها الحب الصادق بل حب المال. . . المال الذي سيطر على قطب تفكيره فجعله يستخدمها أداة طيعة في يده. . . المال الذي صيره مجرماً أثيماً.
ولم تتمالك الفتاة نفسها منة البكاء في مرارة وألم، ولكنه أخذ يراقبها في سكون دون أن تلين قلبه دموعها التي ذرفتها ولا جمالها الذي زاده الحزن سحراً وفتنة، ولم يلق بالاً إلى موت الكونتس في ذاته، وإنما أحزنه أنها دفنت سرها معها.
وعاد إلى الصمت فلم يتبادلا كلمة ولا نظرة حتى بدت طلائع الفجر فانسحب الضابط من حيث أتى وما لبث أن احتواه الطريق.
- 5 -
مضت أيام ثلاث دخل هرمان بعدها الدير الذي رقدت فيه الكونتس ليؤدي لها واجب الاحترام الأخير. . . ولكن هذا لم يكن قصده الحقيقي، وإنما كان - ككل رجل لم يتسرب إلى قلبه شعاع من الإيمان - شديد التشاؤم والتطير، فخيل إليه أنه لو قصر في أداء هذا الواجب لحلت عليه لعنة روحها واستحق غضبها، وإذ ذاك رأى أن يرضيها من هذا الطريق.
دخل هرمان القاعة فوجد جسدها مسجى على فراش من المخمل الأسود وقد أحاطه خدمها حاملين الشموع. . . وبدأ المكان رهيباً. ولما حان دور الضابط تقدم منها فانحنى قليلاً، وفجأة صور له الوهم أن عيني المرأة تتطلعان إليه وأنهما فتحتا فتطاير منهم الشرر. . . ارتعد هرمان واختلج جسمه ثم ارتمى على من خلفه وقد غمر وجهه الشحوب، وفي نفس اللحظة كانت ليزابيتا في أقصى المكان قد أغمي عليها.
خرج هرمان وقد تملكه الرعب والفزع فتوجه إلى حانة حيث جلس يحتسي كؤوس النبيذ ليرفه عن نفسه المكروبة. ولما حان المساء عاد إلى بيته فاستلقى على الفراش وغرق في
نون عميق لم يصح منه إلا والليل يغمر الكون فلا يبدد ظلمته سوى نور القمر المنبعث من النافذة. . . ولم يكد يغسل الكرى عن عينيه حتى أعتدل جالساً ومكث بعض الوقت على تلك الحال، وما لبث أن سمع خطوات شخص يمر بنافذته ويتطلع إلى داخل الغرفة ثم يواصل سيره. . . لم يلحظ الأمر في البداية باهتمام ولكنه أرتعد حين سمع باب منزله يفتح، والممر يردد صوت تلك الخطوات، وأوشكت صرخة أن تفلت منه حين رأى امرأة في ملابس بيضاء منتصبة أمامه. . . عرف فيها الكونتس أنّا فازداد اضطرابه وازداد لعابه بصعوبة إذ سمعها تقول:(لقد جئتك رغم إرادتي لأشكر لك احترامك لذكراي ولأكافئك بذكر الوريقات الرابحة، إنها الثلاثة والسبعة والآس. ولكن أحذر أن تعاود اللعب بعد أن تجمع لنفسك ثروة معقولة. وإذا تزوجت وصيفتي ليزابيتا غفرت لك كل ما بدر منك).
نطقت بهذه الكلمات بين دهشته وذهوله، ثم خرجت من حيث أتت وردد الطريق وقع أقدامها. . .
لبث هرمان مشدوهاً بعض الوقت، ثم اجتاز الغرفة وأيقظ خادمه ولكنه عبثاً حاول أن يعرف منه شيئاً عن الأمر؛ فقد كان هذا مستغرقاً في النوم لحظة أن دخلت الكونتس.
لم يغمض للرجل جفن طوال تلك الليلة، إذ أخذت الأفكار تطارده والأحلام تذكره بالثلاثة والسبعة والآس؛ فحصر مخيلته في البحث عن مكان للمقامرة، وحين علم بنبأ عزم فريق من الأثرياء على الالتفاف حول مائدة القمار بأحد الأندية يمم شطره وريح الأمل تدوي بين جنبيه، وهناك وجد عليه القوم وكبار الضباط يلعبون.
وجلس هرمان يشاركهم، وما لبث حين مر به الدور أن أخذ ورقة وراهن عليها بمبلغ 47 ألف روبل فتركزت حوله الأبصار وأخذ الجميع يتطلعون إليه ثم قال تلروموف وهو يغمغم (لقد فقد الرجل عقله) وتلاه أحد اللاعبين بقوله:(أتسمح لي يا سيدي أن أحذرك مغبة المراهنة على مثل هذا المبلغ الجسيم. . . إنها مغامرة مميتة فنحن لا نراهن عادة على أكثر من مائتي روبل).
ولكن هرمان قال في إصرار: (إني أعلم ذلك فهل تقبلون لعبي أم لا؟) وإذ ذاك قال صاحب النادي: (لا بأس فقد أردنا تنبيهك فقط)
وأخرج هرمان من حافظته عدداً من أوراق البنكوت سلمها لمحدثه ثم بدأ اللعب فكشف الورقة التي بيده وكانت الرابحة. سرت موجة من الدهشة بين الحاضرين وتسلم هرمان ما ربح ثم أنصرف تاركاً الخاسرين فريسة الذهول، وفي الليلة التالية عاد إلى اللعب والتأم الجمع حول المائدة الخضراء فقامر الضابط كالليلة السابقة وما أن كشفت الورقة التي بيده وكانت السبعة حتى تبين أنها الرابحة. . . ومرة أخرى جمع أرباحه ولم ينس أن يحيي الحاضرين عند خروجه بانحناءة وابتسامة. ظهر هرمان في الليلة الثالثة والأخيرة، وازدحم حول المائدة أفواج من المتفرجين واللاعبين وقد أشتد بهم الحماس والتشوق ثم بدأ اللعب. . . فأخذ هرمان (الآس) واستعد الكل للحظة الفاصلة فخيم الصمت على أرجاء القاعة. . . ثم أخذ الرئيس الورق بيد مضطربة ودار اللعب برهة ثم تبين أن الورقة الرابحة هي الآس وإذ ذاك كشف هرمان ورقته وهو يكاد يفقد عقله من الفرح والغبطة. . . ولكنه وجدها (دام)(سباتي). . . اشتد به الذهول وزاغت عيناه وتصلبت أطرافه وهو يحدق في الورقة إذ خيل إليه أن (الدام) تفتح عينيها وتغمضها بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هازئة. . . شعر بالرعب يلجم لسانه فقد كانت (الدام) شديدة الشبه بالكونتس.
- 6 -
وبعد يومين كان زائر مستشفى أبو كوف يقع نظره في إحدى الحجرات على رجل فاقد العقل والشعور، لا يجيب عما يوجه إليه من أسئلة وإنما يظل يتمتم بصوت خافت:(ثلاثة. . . سبعة. . . آس)
حلمي مراد
المحامي