الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 380
- بتاريخ: 14 - 10 - 1940
خواطر مهاجر
- 4 -
سار (موكب الرؤية) من (مركز البندر) في صفين طويلين من الجنود المشاة تتقدمهم فرقة الموسيقى في شتى آلاتها وشاراتها، وتتلوهم طوائف الصوفية في مختلف هيئاتها وإشاراتها، وعشاق رمضان محتشدون على جوانب الطرق وفي طنوف المنازل يجتلون الموكب المهيب ووجوههم يشرق فيها السرور كأنما يستقبلون وافداً من الملأ الأعلى سيغمرهم بالسرور ويطهرهم بالنور ويزكيهم بالبركة. فلما أتم الموكب خطاه الوئيدة الموزونة تفرق، واجتمع الناس على شاطئ النيل يرتقبون بشرى المحكمة بطلعة الهلال الوليد! ولرمضان في رأي الريفيين هلال غير أهلة الشهور، يولد من نور الجنة، ثم يدرج في رياض الشفق دروج الطفل المدلل الموموق، حتى إذا أيدر واستحار شبابه تردد كل يوم بين المشرق والمغرب في موكب ذاكر من كرام الملائكة، يختلط فيه تسبيح القائمين بذكر الصائمين، ويمتزج فيه سلسل النور بسليل الطين؛ وتلك هي الأيام المباركة التي تتصل فيها السماء بالأرض من كل سنة
وهلال رمضان في لغة الريفيين هو رمضان نفسه. لذلك يتخيلونه رجلاً له حياته وعمره وأجله. فإذا لم يبق منه إلا ربعه الأخير تمثلوه في محفته السماوية محتضراً يعالج غصص الموت بين أناشيد الحور وصلوات الملائكة، فيندبونه في البيوت والمساجد، ويرثونه على السطوح والمآذن، ويبكونه يوم الجمعة اليتيمة أحر بكاء!
قصفت المدافع المصرية في كل محافظة وفي كل مديرية في لحظة واحدة وعلى فترات محددة، فأفتر البشر على الشفاه، وجرت التهنئات على الألسن، واستولى على المنصورة شعور نقي هادئ خاشع لا يصدر عنه إلا الكلم الطيب والعمل الصالح. ورمضان يرجع المسلم الصادق نقياً كقطرة المزن، طاهراً كقطرة الوليد، لا ينغمس في منكر، ولا يخف إلى شر، ولا يلغو في حديث، ولا يبغي في خصومة. ومن ذلك كان كل حي سعيداً في رمضان، ما عدا الرومي والشيطان!
كان في كل طلقة من طلقات المدفع المبشر تنبيه إلى فضيلة من فضائل الصوم. فالمؤمن حين دوى في سمعه صوت البارود تيقظت في نفسه نوازع الخير ففكر في توثيق ما وهن
بين القلب والدين، وتقريب ما بعد بين الغني والمسكين، وتأليف ما نفر من القلوب المطمئنة، ووصل ما انقطع من الأرحام الشابكة. ولكنه وا أسفا لم ير في هذا العام المآذن تتلألأ في أجيادها قلائد النور، ولا فوانيس الأطفال تخفق شموعها في الشوارع والدور، فتذكر أن هناك على سواحل البحر الأبيض وشواطئ بحر المانش مدافع غير هذه المدافع، تنطلق لتطفئ كل نور وتظلم كل قلب وتخرب كل عامر وتقتل كل حي وتقطع كل سبب وتغشى أجواء السماء بدخان من البوار والدمار لا يقوم تحته قائم ولا ينسم فيه حي!
ليت الذي حول لوثر هتلر، ومسخ في هتلر الإنسانية نازية، جعل في كل ركن من هذا الجحيم الأوربي رمضان بحكمته وطبيعته وعقيدته! إذن لكان كل مدفع للسلام، وكل مصنع للخير، وكل مخترع للحياة، وكل مورد للناس! (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولكن لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم. وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين!).
إن الفرق بين مدافع رمضان ومدافع هتلر، كالفرق بين القرآن و (كفاحي). كتاب الله دستور الخالق لجميع خلقه، فهو خير مطلق وأمن شامل؛ وكتاب هتلر نزغ من الشيطان للألمان، فهو شر محض وفزع دائم. فأنا حين أسمع مدافع رمضان في الغروب أو في السحر، أعتقد أن جياعاً سينالون القوت، وضلالاً سيجدون المثوى، وجوارح ستكف عن اجتراح الإثم، ونفوساً سترتاض على مكاره الفضيلة، وأمماً في جميع بقاع الأرض سيغمرهم الشعور السامي الجميل بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة، ممتزجة الروح متحدة العقيدة متفقة الفكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة.
وأنا حين أتصور مدافع هتلر أعتقد أن كتائب من الشباب الفريض قد صهرتهم النار فهم حمم على وجه الماء، أو مزقتهم الشظايا فهم مزق على أديم الثرى؛ وأن آلافاً من الدور الأنيسة قد نبت مراقدها فهي حبوس، وخمدت مواقدها فهي رموس، ثم دكتها القنابل فهي أنقاض على أشلاء، أو أحرقتها الصواعق فهي غسلين على فحم؛ وأن ملايين من الأطفال قد حرموا عطف الأب وحنان الأم، فهم يعانون في مطارح الغربة غصص الحرمان ومرارة اليتم؛ وأن ألوفاً من الأيامى والثكالى أصبحن بغير عائل ولا مأوى ولا أمل، فهن يمشين في ثيابهن السود بين الأطلال والخرائب كأنهن الأطياف الحزينة تجوس في الليل
خلال المقابر؛ وأن ملايين من العمال والصناع أدركتهم العطلة وقعد بهم الكساد فضلوا يكابدون حسرة الحاجة في أنفسهم ولوعة الهم في أهليهم، وباتوا يضطربون من البؤس واليأس اضطراب القنيص لا يجدون مخلصاً للحياة ولا للموت.
إن الحرب في تاريخ الديمقراطية الإسلامية لم توقد نارها إلا دعاء إلى سبيل الله، أو ابتغاء لخير الناس، أو ذياداً عن سلامة الوطن؛ أما أن تنهب الممالك لأنك تريد أن تأكل، وتسحق الشعوب لأنك تريد أن تنتقم، وتخضع الدول لأنك تريد أن تسود، فذلك ماض البربرية الحمراء، وحاضر الطغيان الأسود!
(المنصورة)
أحمد حسن الزيات
الحديث ذو شجون
للدكتور زكي مبارك
(اللغة العربية في المدارس الأجنبية - كلمة صريحة إلى
مدرسي اللغة العربية بتلك المدارس - إلى الوكيل المساعد
لوزارة المعارف - أسئلة وأجوبة - القلب الذي تلفت فرأى
وسمع)
اللغة العربية في المدارس الأجنبية
تحت هذا العنوان نشرت (الرسالة) بحثاً سمته (توجيهات لأحد المشتغلين بشئون التعليم) فهل أستطيع التعقيب على هذا البحث أداءً لحق الواجب في أمثال تلك الشؤون؟
اهتم ذلك الباحث بتصوير حال اللغة العربية في المدارس الأجنبية وشغل نفسه وشغل القراء بالنص على ما يجب من حرص وزارة المعارف على الاهتمام بالتفتيش والاهتمام بالمواد التي تكون الثقافة للمصرية رعاية لمصاير التلاميذ المصريين بالمدارس الأجنبية.
وأقول إن الباحث لم يأت بجديد: فوزارة المعارف لا تحتاج إلى من ينبهها إلى التدقيق في التفتيش على المدارس الأجنبية، ولا تحتاج إلى من يدلها على أهمية الحرص على تدريس المواد التي تكون الثقافة المصرية بالمدارس الأجنبية، فمن المعروف أن معالي الدكتور هيكل باشا معنى بهذه الشؤون عناية جدية، ونظار تلك المدارس يعرفون عنه هذه العناية، وهم يبذلون جهوداً محمودة في تحقيق هذه المطالب.
ولكن المهم هو النظر في الوسيلة التي تمكن وزارة المعارف المعاونة على تحقيق تلك الأغراض، وهي وسيلة معروفة، ولكن معالي وزير المعارف يتجاهلها مراعاةً للظروف الاقتصادية، وليست هذه أول مرة يكون فيها (تجاهل العارف) من صور الكلام البليغ؟!
الحق أن معالي هيكل باشا يعاني صعوبات كثيرة في تدبير المال المطلوب لتحقيق ما يصبوا إليه من كرائم الأغراض، وهو يتلطف ويترفق في كل وقت ليقنع وزارة المالية بأن للتعليم شؤوناً هي من أوائل الضروريات، وأن الاقتصاد فيما يمس شؤون التعليم قد يكون
من الشح البغيض.
وهنا أجد الفرصة لإقناع معاليه بأن تقوية اللغة العربية في المدارس الأجنبية لن تضطره إلى الوقوع في نزاع مع وزارة المالية، فهو يستطيع أن يدبر بكل سهولة أن يدبر أربعة آلاف جنيه للشروع في تحقيق ذلك الغرض النبيل، ومن هذا المبلغ تقدم الإعانات لعدد كبير من المدرسين الفنيين في المدارس التي تتطلع إلى إعانة وزارة المعارف. . . ولمعاليه أن يتصور كيف يكون فرح اللغة العربية بهذه الأربعة الآلاف وهي مبلغ ضئيل بالقياس إلى ما تجره من النفع الحق في تقوية اللغة العربية بالمدارس الأجنبية.
بأربعة آلاف فقط، وهي مبلغ يقدم لمدرسة واحدة من المدارس المصرية، بأربعة آلاف فقط يشهد التاريخ بأن معالي الدكتور هيكل باشا قدم يداً كريمة للمدارس الأجنبية، وبأربعة آلاف فقط يشهد الأجانب بأن المصريين يعرفون معنى الحرص على إعزاز اللغة القومية.
وقد أمضي إلى نهاية الشوط فأقول: إن معالي الدكتور هيكل باشا يستطيع أن يصدر قراراً باعتبار مدرسي اللغة العربية بالمدارس الأجنبية مدرسين منتدبين من وزارة المعارف كالمدرسين الذين ينتدبون للتدريس في الحجاز والشام ولبنان والعراق، وعندئذ يعرف هؤلاء المدرسون أن لهم حقوقاً محفوظة في الأقدمية والترقية فتقل رغبتهم في التطلع للالتحاق بالوظائف الحكومية، ويشعرون بأنهم في رعاية الدولة، وبأنهم ليسوا من المنسيين، وبأن من الهوان أن يردوا إلى مدارس الحكومة، لأن ذلك معناه أنهم عجزوا عن الظفر بثقة المدارس الأجنبية، وهي ثقة لها معنىً دقيق.
فما رأي معالي هيكل باشا في هذين الاقتراحين؟ وما رأيه إذا صارحته بأن اهتمامه بمصاير اللغة العربية في المدارس الأجنبية لن يؤتي الثمرات المرجوة إلا بتحقيق هذين الاقتراحين؟
يجب أن يذكر معالي هيكل باشا أن المدارس الأجنبية في طريق التمصر والاستعراب، وهي خطوات تستأهل التشجيع، فإلى من نتوجه إذا بخل بهذا التشجيع، وله أبناء يتعلمون بالمدارس الأجنبية، ولهم عليه حقوق؟
ولو كنت أعرف أني أحرج معالي وزير المعارف بهذين الاقتراحين لما استبحت نشرهما بطريقة علنية، وإنما أعرف أنه اهتم بهذه المسألة مرات كثيرة، ولم يعد من الأسرار أن
يقال إنه يبالغ في الحرص على إنهاض التعليم الحر، وفي نفسه أن ذلك طريق لجذب المدارس الأجنبية إلى تقوية مواد اللغة العربية والثقافة المصرية عساها تستطيع الظفر المطلق بثقة آباء التلاميذ في زمن لم يبق فيه مجال للحياة في مصر أمام الشبان العاجزين عن مسايرة المجتمع المصري، وهو مجتمع يعبر عن مطامحه في المجد والحياة باللغة العربية.
كلمة صريحة
هي كلمة أوجهها إلى مدرسي اللغة العربية بالمدارس الأجنبية، فأغلب أولئك المدرسين ينسون أو يتناسون أن وجودهم بتلك المدارس فرصة ثمينة لتعلم اللغات الأجنبية، والتعرف إلى ما عند الأجانب من آداب ومذاهب في الميادين الاجتماعية والاقتصادية.
كنت أرجو أن يفهم من يشتغل بالتدريس في مدرسة فرنسية أو إنجليزية أو إيطالية أو ألمانية أنه انتقل إلى جو من أجواء باريس أو لندن أو روما أو برلين.
ولكن أولئك المدرسين يعيشون بمعزل عن الجو الروحي لتلك المدارس، وتظل صلاتهم بها صلات منافع تحد بحدود المرتب ولا تجاوزه إلا في قليل من الأحايين، وتكون النتيجة أن ينعدم التآلف والتعاطف، ولذلك تأثير في سير الأعمال المدرسية، لأن التجاوب الروحي بين النظار والمدرسين يعاون على تخفيف ما في مهنة التدريس من أعباء ثقال
أنا أحب لمن يشتغل بتدريس اللغة العربية في مدرسة أجنبية أن يضمر في قرارة نفسه أنه لن يفارق مدرسته أبداً وأنه سيجعلها داره إلى أن يفكر في الراحة من عناء التدريس
وقد اتفق لي فيما سلف أن أقضي أعواماً كثيرة في التدريس بالمدارس الأجنبية، وما أذكر أبداً أني لقيت من أصحابها ما أكره، وما زلت أذكر بالخير والعطف والحب أيامي بالليسيه فرانسيه والجامعة الأمريكية، وإن كنت أذكر بالحسرة واللوعة أنه فاتني أن أنتفع بصحبة أولئك القوم أكثر مما انتفعت، فقد كانت قلوبهم مفتوحة أمامي، وكنت أستطيع الانتفاع بمعارفهم وتجاربهم في كل وقت.
وخلاصة القول أنه يجب على مدرسي اللغة العربية بالمدارس الأجنبية أن يعتبروا أنفسهم في دورهم، وأن ينسوا أنهم (أجانب في دور الأجانب)، فما كانوا ولا كان رؤسائهم بتلك المدارس إلا جنوداً في الميدان العلمي، وهو ميدان تظهر فيه المواهب وتختفي الأجناس.
إلى الوكيل المساعد لوزارة المعارف
لم يتفضل سعادة الأستاذ شفيق غربال بدعوتي إلى الاشتراك في اللجنة التي ألفها لوضع القواعد الأساسية لاختيار المدرسين الذين ينتدبون للتدريس بمدارس العراق، ولم أتطفل فأتشرف بعرض آرائي عليه في هذا الموضوع الدقيق، وليتني فعلت فقد يجب التطفل في بعض الأحيان!
فماذا صنع وصنعت اللجنة البصيرة بالعواقب؟!
أعلنوا في الجرائد عن موضوع يضر فيه الإعلان أكثر مما ينفع، فاستجاب لهم مئات المدرسين، إن صح ما أذيع!
فهل من الحق أن عندنا مئات تسمح لهم المواهب والكفايات بأن يكونوا أساتذة بالمدارس الثانوية والعالية بالعراق؟ ولنفرض أننا نملك هؤلاء المئات من المدرسين الأكفاء، فهل نراهم جميعاً صالحين للتمرس بأعباء مهنة التدريس في ديار الرافدين؟
لم يبق إلا أن نتخير، ولكن كيف نتخير عشرات من أولئك المئات؟ وقد تخيرنا بالفعل، فماذا وقع؟
وقع أن بعض من تخيرناهم عادوا فآثروا التخلف، فهل فكرت الوزارة في معاقبة أولئك الجنود الفارين، وقد اكتفوا من التشريف بخطورهم في بال وزارة المعارف؟
يجب أن تكون للوزارة سياسة ثابتة في هذه الشؤون، ويجب أن تكون عندها إحصائية دقيقة بالمدرسين الذين يصلحون لأمثال هذه الواجبات وعندئذ يكون من حق الوزارة أن تنقل المدرس المنشود من القاهرة إلى بغداد أو البصرة أو الحلة أو الموصل كما تنقله من القاهرة إلى دمنهور أم المنصورة أو أسيوط أو أسوان، ثم لا يكون من حق ذلك المدرس أن يتخلف لأنه جندي ينقل من ميدان إلى ميدان
أكتب هذا وأنا أعرف أن وزارة المعارف العراقية في انتظار جواب وزارة المعارف المصرية عن هذا السؤال: (ما الرأي في المدرس الذي يتخلف عن موعد افتتاح الدراسة أسبوعاً أو أسبوعين أو أسابيع، وإلى من يحتكم التلاميذ الذين تضيع منافعهم بتخلف المدرسين؟).
ولكن لا بأس، فالمصريون والعراقيون أشقاء، ومن واجب الشقيق أن ينسى تقصير
الشقيق، فهو على كل حال أخ (شفيق)!
أسئلة وأجوبة
استطاع الأديب الذي وجهنا إليه عشرة أسئلة حول بيت من الشعر وقعت فيه غلطة مطبعية لا تحتاج إلى عناء في التصحيح، لأنها لا تزيد عن التنبيه إلى أن خبر المبتدأ واجب الرفع، استطاع ذلك الأديب أن يجيب إجابة صحيحة عن ثلاثة أسئلة، وأن يشرع في الإجابة عن سؤال رابع، ثم حاول الإجابة عن سائر الأسئلة فلم يوفق، فأرجوه أن ينظر من جديد في الأجوبة التي ظنها تخرجه من ذلك الموقف المحرج، إن كان يهمه أن يقال أنه سئل فأجاب
وليعرف إن لم يكن يعرف أني لا أعادي قرائي، وإنما أهتم من وقت إلى وقت بجذبهم إلى المراجعة والاستقصاء، فإن كان تأذى من هجومي عليه فليذكر أني أتحت له فرصة ثمينة للنظر والتعقيب. وقد كنت هممت بشرح الأخطاء التي وقعت في أجوبته (السديدة) ثم رأيت أن أكل ذلك إليه، فتلك فرصة لمحاورة نفسه في الخطأ والصواب.
القلب الذي تلفت
جاء في الكلمة الروحية التي نشرتها (الرسالة) للأستاذ محمد البشبيشي أن قلبه تلفت فرأى وسمع، ثم أكد المعنى فقال
(يا دكتور، إن القلوب لتسمع وترى وتتلفت).
هو ذلك، يا صديقي، منذ الفطرة الأزلية، أو منذ اليوم الذي (تلفت القلب) فيه عند وقفة الشريف الرضي على ديار بعض الأحباب.
ولكن أين حظي من حظك، يا صديقي؟
وما كاد قلبك يتلفت إلى صاحب (النثر الفني) حتى رأيت وجهه وسمعت صوته في مدينة جميلة هي المنصورة العصماء.
وقلبي يتلفت ويتلفت منذ شهور طوال طوال طوال إلى روح غالية كانت خلائقها الروحانية هي الشاهد على أن في دنيانا نسائم من فراديس الجنان.
وعلى طول التلفت والتسمع (تلفت القلب وتسمع القلب) لم أظفر من أخبارها بشيء؛ ولعل
الشريف كان في مثل حالي يوم قال:
ومن حَذَر لا أسأل الركب عنكم
…
وأعلاقُ وجدي باقيات كما هيا
ومن يسأل الركبان عن كل غائب
…
فلابد أن يلقى بشيراً وناعيا
فماذا تضمر الدنيا في أيامها المقبلات؟
وماذا عند القدر من مكنون النعيم أو الجحيم للقلب الذي صير الحديث عن الحب شريعة من شرائع الوجود؟
أين بائع النسيان، يا صديقي، وأين بائع السلوان؟
وأين من يوهمني بأن تلك الزهرة لم تكن نفحة سماوية وإنما كانت نفحة أرضية لا نصيب لأرجها العطر من روح الخلود؟
لقد بدأ قلبي يخمد من لفح اليأس، وإن دام هذا الحال فلن ترى في أحاديثي إليك غير التوجع للقلب الذي أضاعه تقلب القلوب.
وما ذنبي عند تلك الروح؟
ذنبي وذنوبي وعيبي وعيوبي أن لم أطعها بالافتضاح بالحب ولم أسطر في هواها مئات الصفحات كما صنعت مع (ليلى المريضة في العراق) كأنما كان مكتوباً علي أن أقضي الدهر في الهيام بالعيون العسلية والعيون السود، عيون أهل القاهرة وعيون أهل بغداد، والله هو وحده الذي يعلم مواقع هواي، فلن أطيع تلك اللئيمة في الترحيب بمآثم الافتصاح.
وما الموجب لقتل الوقت والعافية في تذكر القلوب الغوادر، وفي دنيانا تكاليف تميد من أثقالها الجبال؟ ما الموجب؟!. . . الموجب معروف وهو الوثاق المسطور في اللوح المحفوظ بألا تعيش روح إلا مجذوبة إلى روح.
أما بعد فإن قال قوم أني كاذب في الحب فقد صدقوا، وإن قال قوم إني صادق في الحب فقد صدقوا، فأنا كاذب في تصوير ما أعاني من شقاء: لأن الواقع يشهد أن الحب لم يشغلني عما أضطلع به في حياتي الخصوصية والعمومية من أعباء ثقال؛ وأنا صادق في تصوير ما أقاسي من لواعج وأشجان: لأن الواقع يشهد أيضاً أن حياتي لم تخل من التأثر بمكايد السحر والفتون.
كم تمنيت أن أكون في الحب من الكاذبين! وكم تمنيت أن أكون في الحب من الصادقين،
لو كان في المقدور أن ينال الرجل ما يتمناه! وأنا على كل حال أحكمت أحبولة الرياء فقلت ما قلت وأنا في أمان من كيد الوشاة والعذال. . . وكيف يعظم علي الرياء وأنا أول من تقرب إلى الله بالرياء؟
إني أرائي من أحب، ولكني لا أرائي من أبغض، فلأعدائي الويل إن توهموا أني سأجازيهم رياء برياء. كتب الله لي في تأريق جفونهم الهواجد أجر المجاهدين.
زكي مبارك
في الاجتماع اللغوي
تطور اللغة وارتقاؤها
أثر العوامل الأدبية المقصودة: الرسم
للدكتور علي عبد الواحد وافي
مدرس الاجتماع بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول
تكلمنا في المقال السابق عن أنواع الرسم وتاريخه، وسنعرض في هذا المقال لموضوع مطابقته للنطق ولأثره في حياة اللغة وتطورها.
الأصل في الرسم الهجائي أن يكون معبراً تعبيراً دقيقاً عن أصوات الكلمة بدون زيادة ولا نقص ولا خلل في الترتيب؛ فيرسم في موضع كل صوت من أصواتها الحرف الذي يرمز إليه، ولا يوضع فيها حرف زائد لا يكون له مقابل صوتي. وقد حوفظ على هذا الأصل لحد كبير في بعض اللغات الإنسانية، وخاصة القديم منها. فرسم الكلمة في السنسكريتية مثلاً لا يكاد يختلف في شيء عن صورتها، ولكن معظم أنواع الرسم، وخاصة الحديث منها، لا تتوافر فيه هذه المطابقة. فكثيراً ما يرسم في حرف زائد أو حروف زائدة ليس لها مقابل صوتي في النطق ((مائة) في اللغة العربية؛ في الفرنسية؛ في الإنجليزية. . . الخ). - وكثيراً ما تشتمل الكلمة على أصوات لا تمثلها حروف في الرسم ((هذا) في العربية؛ في الإنجليزية. . . الخ). - وكثيراً ما يرسم في الكلمة حرف أو أكثر للتعبير عن صوت غير الصوت الذي وضع له في الفرنسية؛ في الإنجليزية. . . الخ) - وكثيراً ما ينطق بالحرف الواحد أو بالمقطع الواحد في صورة صوتية مختلفة تبعاً لاختلاف الكلمات أو اختلاف أزمنتها، أو اختلاف موقعه فيها، أو اختلاف ما يسبقه أو يلحقه من حروف. . .؛ فيرقق في بعض الكلمات ويفخم في بعضها الآخر، أو يمد في بعضها ويقصر في بعضها الآخر، أو يضغط عليه في بعضها ويرسل في بعضها الآخر. . . وهلم جرا (اللام) في (والله)(بالله) ، ، ، ، ; ; ،. .) ; ،
وكثيراً ما تختلف الحروف في كلمتين ويتحد النطق بهما.
ويرجع السبب في هذه الظواهر وما إليها إلى عوامل كثيرة من أهمها عاملان:
أحدهما: أن حروف الهجاء في معظم أنواع الرسم لا تمثل جميع أصوات اللغة التي تكتب بها. فقد جرت العادة مثلاً في معظم أنواع الرسم ألا يوضع لكل صوت عام أكثر من حرف هجائي واحد، مع أن الصوت العام كثيراً ما يندرج تحته أصوات مختلفة في مخرجها ونبراتها وقوتها ومدة النطق بها وما إلى ذلك. فالصوت العام للام مثلاً ليس له في معظم أنواع الرسم الحديثة إلا حرف واحد (ل!. . .)؛ مع أن هذا الصوت يختلف نطقه باختلاف الكلمات والمواقع. فأحياناً ينطق به مرققاً (بالله ، وأحياناً مفخماً (والله، وتارة ينطق به مضغوطاً عليه (أقسم بالله) وأخرى ينطق به مرسلاً (نستعين بالله). . . وهلم جرا؛ ورسمه واحد في جميع الحالات. والصوت العام للألف اللينة ليس له في العربية إلا حرف واحد؛ مع أنه أحياناً ينطق به مستقيماً وأحياناً ينطق به ممالاً. والصوت العام للجيم ليس له في العربية إلا حرف واحد؛ مع أنه في بعض اللهجات ينطق به مجرداً من التعطيش، وفي بعضها ينطق به معطشاً كل التعطيش، وفي بعضها ينطق به بين هذا وذاك.
وثانيهما: أن أصوات اللغة في تطور مطرد وتغير دائم. فالأصوات التي تتألف منها كلمة ما لا تجمد على حالتها القديمة، بل تتغير بتغير الأزمنة والمناطق، وتتأثر بطائفة كبيرة من العوامل الطبيعية والاجتماعية واللغوية: فأحياناً يسقط منها بعض أصواتها القديمة، وأحياناً تضاف إليها أصوات جديدة، وتارة يستبدل ببعض أصواتها أصوات أخرى، وتارة تحرف أصواتها عن مواضعها فيختل ترتيبها القديم. . .؛ وقد ينالها أكثر من تغير واحد من هذه التغيرات. على حين أن الرسم لا يساير النطق في هذا التطور، بل يميل غالباً إلى الجمود على حالته القديمة أو ما يقرب منها؛ فلا يدون الكلمة على الصورة التي انتهت إليها أصواتها، بل على الصورة التي كانت عليها من قبل؛ وهذا هو منشأ الخلاف في معظم اللغات الأوربية الحديثة بين النطق الحالي لكثير من الكلمات وصورتها في الرسم. فمعظم وجوه الخلاف ترجع إلى جمود الرسم وتمثيله لصور صوتية قديمة نالها مع الزمن كثير من التغير في ألسنة الناطقين باللغة.
هذا، وللرسم في حياة اللغة ونهضتها آثار تجل عن الحصر، فبفضله تضبط اللغة وتدون آثارها، ويسجل ما يصل إليه الذهن الإنساني، وتنشر المعارف وتنتقل الحقائق في الزمان والمكان. وهو قوام اللغات الفصحى أو لغات الكتابة ودعامة بقائها. وبفضله كذلك أمكننا
الوقوف على كثير من اللغات الميتة كالسنسكريتية والمصرية القديمة والإغريقية واللاتينية والقوطية. فلولا ما وصلنا من الآثار المكتوبة بهذه اللغات ما عرفنا منها شيئاً ولضاعت منا مراحل كثيرة من مراحل التطور اللغوي. غير أن عدم مطابقة الرسم للنطق يجعل له بجانب المحاسن السابقة بعض آثار ضارة، فهو يعرض الناس للخطأ في رسم الكلمات، ويجعل تعلم القراءة والكتابة لأهل اللغة أنفسهم من الأمور الشاقة المرهقة، ويطيل مدة الدراسة، فيسبب إسرافاً كبيراً في الوقت والمجهود، وما يلاقيه أهل اللغة من صعوبات بهذا الصدد يلاقي أضعافه الأجانب الراغبون في تعلمها، ومن الواضح أن هذا يعوق انتشارها في خارج، ويضيق سبل الانتفاع بآدابها وعلومها، فيصعب التفاهم بين الشعوب وتضعف بينها حركة التبادل العلمي والثقافي. هذا إلى تمثيل الرسم لصور صوتية قديمة يعمل على رجع اللغة إلى الوراء وردها إلى أشكالها العتيقة. فكثيراً ما يتأثر الفرد في نطقه للكلمة بشكلها الكتابي، فلا يلفظها بالصورة التي انتهى إليه تطورها الصوتي، بل ينطق بها وفق رسمها فتنحرف إلى الوضع الذي كانت عليه في العهود القديمة. وليس الأجانب وحدهم هم المعرضين لهذا الخطر، بل إنه كثيراً ما يصيب أهل اللغة أنفسهم. وإليك مثلاً الحرف المضعف في اللغة الفرنسية في مثل ،. . الخ فقد كان ينطق به وفق رسمه في العصور الأولى لهذه اللغة. ثم انقرضت هذه الطريقة منذ خمسة عشر قرناً تقريباً، وأخذ الفرنسيون ينطقون به مخففاً كما ينطقون بحرف ، ولكن منذ عهد قريب أخذت عادة النطق به مشدداً تظهر في ألسنة كثير منهم تحت تأثير صورته الخطية. فمن جراء الرسم نكصت اللغة على عقبيها في هذه الناحية خمسة عشر قرناً إلى الوراء.
ومن أجل ذلك كان العمل على إصلاح الرسم وتضييق مسافة الخلف بينه وبين النطق موضع عناية كثير من الأمم في كثير من العصور. فقد ظهر في هذا السبيل بعض حركات إصلاحية عند اليونان والرومان في العصور السابقة للميلاد. وفي أواخر القرن التاسع عشر عالج الألمان أساليب رسمهم القديم وأصلحوا كثيراً من نواحيه. ومثل هذا حدث منذ عهد قريب في مملكة النرويج ثم في جمهورية البرازيل. وقد بدت بهذا الصدد محاولات إصلاحية كثيرة في البلاد الواطئة (هولندا) وإنجلترا والولايات المتحدة؛ ولكن معظم هذه المحاولات لم يؤد إلى نتائج ذات بال.
وأدخلت الأكاديمية الفرنسية - يشد أزرها ويعاونها طائفة من ساسة فرنسا وعلمائها - إصلاحات كثيرة على الرسم الفرنسي. وقد جانبت في إصلاحاتها هذه مناهج الطفرة، واتبعت سبل التدرج البطيء. فكانت تدخل في كل طبعة جديدة لمعجمها - بجانب التنقيحات اللغوية والعلمية - طائفة من الإصلاحات الإملائية. وقد أقرت في عام 1906 مجموعة هامة من القواعد الجديدة في الرسم الفرنسي. هذا إلى إصلاحات العلامة جريار التي تناولت كثيراً من نواحي الرسم وأقرتها الأكاديمية الفرنسية. وكانت كل مجموعة من هذه الإصلاحات تلقى مقاومة عنيفة من جانب غلاة المحافظين. وعلى الرغم من ذلك فقد عم الأخذ بها، وكان لها أكبر فضل في تيسير الرسم الفرنسي وتضييق مدى الخلاف بينه وبين النطق الحديث.
والرسم العربي نفسه قد تناولته يد الإصلاح أكثر من مرة من قبل الإسلام ومن بعده. ومع ذلك لا يزال عدد كبير من المفكرين في عصرنا الحاضر يأخذون عليه كثراً وجود النقص والإبهام، وينادون بإصلاحه من عدة نواح وخاصة فيما يتعلق برسم الهمزة والألف اللينة، وابتداع طريقة لإحلال علامات ظاهرة ترسم في صلب الكلمة محل الفتحة والكسرة والضمة حتى يتقى اللبس في نطق الكلمات:(عَلِم، عُلِم، عِلْم، عَلَمَ. . . الخ). ولكن الرسم العربي ليس في حاجة إلى كثير من الإصلاح، فهو أكثر أنواع الرسم سهولة ودقة وضبطاً في القواعد ومطابقة للنطق.
هذا، وعلى الرغم من المساوئ السابق ذكرها، فإن لجمود الرسم على حالته القديمة أو ما يقرب منها بعض فوائد جديرة بالتنويه، فهو يوحد شكل الكتابة في مختلف العصور، ويسهل تناقل اللغة، ويمكن الناس في كل عصر من الانتفاع بمؤلفات سلفهم وآثارهم. فلو كان الرسم يتغير تبعاً لتغير أصوات الكلمات لأصبحت كتابة كل جيل غريبة على الأجيال اللاحقة له، ولا احتاج الناس في كل عصر إلى تعلم طرق النطق والإلمام بحالة اللغة في العصور السابقة لهم حتى يستطيعوا الانتفاع بمخلفات آبائهم. هذا إلى أن جمود الرسم على حالته القديمة يفيد الباحث في اللغات أكبر فائدة. فهو يعرض له صورة صحيحة لأصول الكلمات، ويقفه على ما كانت عليه أصواتها في أقدم عصور اللغة فالرسم للألفاظ أشبه شيء في هذه الناحية بالمتحف للآثار.
وقد كان للرسم في اللغات الأوربية فضل كبير في تيسير النطق بكثير من الأسماء المتداولة المركبة من عدة كلمات، فقد جرت العادة أن يكتفي في التعبير عن هذه الأسماء بذكر الحروف الأولى للكلمات التي تتألف منها:
; وشاع هذا الاستعمال في أسماء المخترعات، والشركات، والأحزاب، والفرق الحربية، والنظريات، والشهادات العلمية. . . وما إلى ذلك. وقد أنزلت هذه الرموز منزلة الكلمات، وأخذ الناس يصرفونها وينسبون إليها ويشتقون منها أفعالا وصفات. وللاقتصار عليها وكثرة استخدامها في الحديث والكتابة تنوسي أصلها عند عامة الناس، وأصبح كثير منهم يعتقد أنها كلمات كاملة (النازي، الأنزاك. . . الخ).
وللرسم أثر كبير في تحريف النطق بالكلمات التي يقتبسها الكتاب والصحفيين عن اللغات الأجنبية. وذلك أن اختلاف اللغات في الأصوات وحروف الهجاء والنطق بها وأساليب الرسم، كل ذلك يجعل من المتعذر أن ترسم كلمة أجنبية في صورة تمثل نطقها الصحيح في اللغة التي اقتبست منها. فينشأ من جراء ذلك أن ينطق بها معظم الناس بالشكل الذي يتفق مع رسمها في لغتهم، ويشيع هذا الأسلوب من النطق، فتصبح غريبة كل الغرابة أو بعض الغرابة عن الأصل الذي أخذت عنه. وليس هذا مقصوراً على اللغات المختلفة في حروف هجائها كالعربية واللغات الأوربية، بل يصدق كذلك على اللغات المتفقة في حروف هجائها كالفرنسية والإنجليزية. فجميع الكلمات الإنجليزية التي انتشرت في الفرنسية مثلاً عن طريق رسمها في الصحف والمؤلفات ينطق بها الفرنسيون في صورة لا تتفق مع أصلها الإنجليزي: - ; - ; ; ; ;. حتى أن كثيراً منها لا يكاد يتبينها الإنجليزي إذا سمعها من فرنسي.
علي عبد الواحد وافي
ليسانسيه ودكتور في الآداب من جامعة السوربون
القبر التائه!
الأستاذ علي الطنطاوي
كم ذا يقاسي العاشقون ويألمون، ولا يدري بهم أحد، ولا يبلغ وهم إنسان تصور ما يعانون.
كم للحب من شهداء عاشوا بائسين، وقضوا صامتين، فما حازوا مجداً ولا فخاراً، ولا اشتروا جنة ولا أمنوا ناراً. . . مساكين. . . يعيشون في دنيا الناس وليسوا فيها، يرون بغير العيون، فلا يرى الناس ما يرون، ولا يبصرون ما يرى الناس، يموت عندهم كل حي ما لم يتصل بالحبيب، ويحيا كل ذي صلة به حتى الجماد. . .
إن فكروا ففي المحبوب، أو تكلموا فعنه، أو اشتاقوا فإليه، أو تألموا فعليه. . .
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم
…
وإن سكت فشغلي عنكم بكم
وإن منحوا الدنيا باعوها كلها بقبلة أو شمة أو ضمة، ثم لم يأملوا إلا دوامها، أو الموت بعدها لئلا يجدوا فقدها، لا يألمون إن قال الناس مجانين، ولا يحزنون إن نالهم الأذى، بل ربما سرهم ما يسوء، إن كان فيه رضا المحبوب. . .
ويا ويلهم من العذال، ويا ويل الشجي من الخلي!
يلومون قيساً، لأنهم لا يرون ليلاه إلا امرأة كسائر النساء، ففي كل امرأة عوض عنها وبديل منها، ولو استعاروا عيني قيس فنظروا بها ساعة لرأوا ليلى هي الدنيا، وهي الأخرى، وهي الروح، لولاها ما كانت الحياة، ولا أضاءت الشمس، ولا أنار القمر، ولا بسم الروض، ولا ضحك الينبوع، ولا همس النسيم، ولا غنى الطائر، ولا كان في الدنيا جميل. . .
قصة الحب هي القصة الأزلية التي تتكرر دائماً، وتعاد أبداً، لا تمل ولا تسأم. وهل يمل حديث الحب ويحكم! نقرؤها كل يوم فلا نراها تبدل فيها إلا الاسم، فهي آناً قصة ليلى أو لبنى أو عفراء أو سلمى كرامة، وهي آناً قصة هلويز أو ماجدولين أو فرجيني أو شارلوت، ولا تغير إلا المنازل؛ فمن بطاح نجد إلى ضفة البحيرة، إلى ساحل الدنيا الجديدة، إلى ضلال الزيزفون. . . أما القصة فهي هي ما تبدلت ولا تغيرت. . . ولا يمكن أن تتبدل حتى تبدل الأرض غير الأرض. . .
على أن للحب مواسم، وله منازل، ينبت فيها كما ينبت النخيل في البصرة، والكرم في
الشام. فمن منازله لبنان. . .
لبنان (شرقية والغربي) الذي برأه الله على مثال الجنة: روح وريحان، وحور وولدان، فمن حل فيه مؤمناً ذاق نعيم الخلود في دار الفناء، وأحس في الدنيا بسعادة الأخرى؛ ومن حل به غير مؤمن أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها، وما له في الآخرة من خلاق!
لبنان الذي كان دار الأولياء والشعراء والسياح والزهاد، من كل عابد متبتل، ومحب هائم، وتائب أواب!
لبنان الذي جعل الله ماءه خمراً، وجماله سحراً، فلا تدري أهو السحر قد خيل لك أنك في جنة الخلد، أم هو السكر قد جعلك تحس التخلص من هذا العالم، الغارق بالدم الملتحف باللهب، وتشعر أنك تعيش في الأفق الأعلى عيشة اللذة الدائمة، والذهول الناعم الهنيء، وسط عوالم من النور تدرك ولا ترى.
لبنان الذي لا تدري أي شيء فيه هو أجمل: أذراه التي تبرقعت ببراقع الثلج فلم تبصرها عين حي من يوم خلق الله العالم، فعز بالحجاب جمالها حين ذل بالسفور الجمال، أم سفوحه الحالية بالصنوبر، أم القرى المنثورة على تلك السفوح، أم صخوره الرهيبة الهائلة، أم ينابيعه المتفجرة تفجر الحكمة على لسان نبي، أم أوديته الملتوية التواء الفكرة في رأس أديب لا يملك البيان عنها؟ وأيهُ هو أبهى: أصباح (بلودان) أم ظهيرة (الشاغور) من (حمانا)، أم الأصيل الفاتن في ربى (صوفر)، أم المساء الوادع في خليج (جونيه)، أم منجاة الملائكة في قمة (جبل الشيخ)، أم مسامرة الزمان عند (الأرز)، أو في (بعلبك)؟
أم أنت تؤثر هذا كله، وتتمنى لو شملته بنظرة منك واحدة، ثم ضممته إليك، ثم شددت عليه، حتى أفنيته فيك، أو فنيت أنت فيه؟
تعالوا سائلوا سفوحه وذراه ووديانه ورباه، كم شهد من فصول هذه القصة الخالدة، قصة الحب. . . وكم أريق على صخوره من الحيوات والعواطف. . يطل جوابكم لو ملك الكلام. . . ولكنه أبكم لا ينطق والناس بكم لا يروون إلا تاريخ الوحشية المدمرة العاتية ويحفظونه أبنائهم ليكون لهم منه أظفار كأظفار الوحش، ومخالب كمخالب النسور، أما تاريخ الإنسانية العاشقة فإنهم يزدرونه ويترفعون عن حفظه، ويرون من الخطر على الأخلاق أن يدرس في المدارس!
وكذلك أرى أنا. . . وهل أنا إلا من غزية؟. . .
وإلا فمن يروي لي قصة هذا القبر التائه، الذي نأى عن موطنه، وفارق إخوانه، وطوف حتى استقر عند قدم صخرة هائلة من صخور (رأس بيروت)، يلطمه الموج صباح مساء، فيستغيث استغاثة غريق عاين الموت، ولا من مغيث!
قبر ضائع بين الصخور ليس ما يدل عليه إلا حجر منحوت نحتاً غير متقن، عليه كتابة قد براها الماء فلم يبق منها إلا أنقاض هذه الأبيات:
الشمس تطلع تارة وتغيب
…
والليل يجمع شمل. . . . . .
وأنا محب لم أجد إلا الشقا
…
أحيي الليالي. . . . . . . . .
أفيجمع القبر الأحبة إن نمت
…
ويكون. . . . . . . . . . . .
فمن (يا أهل بيروت) يعرف تلك القصة التي لم يبق منها إلا هذه الخاتمة الأليمة: قبر تائه، عليه شعر إن لم يحفل به علماء اللسان، كان حسبه أن يحفل به علماء القلوب؟
هل قي هذا القبر عاشق من لبنان يوم لم يكن قد فسد لبنان ولا عاثت فيه يد الحضارة، عرف فتاته في الطفولة الحلوة المبرأة التي تتهدى بين البيت السعيد، والحقل الخصيب، والمرعى الجميل، والكرم البهي، فكانا يلحقان الأفراخ (الصيصان) وهن بنات يوم واحد، قد خرجن من البيض كرات ذهبية من الريش الأصفر الناعم، تطير لخفتها مع النسيم، وتحل لحلاوتها في الفؤاد، فإذا رأتهما الدجاجة الأم، فأقبلت عليهما نافشة ريشها مستنسرة، خافا فارتدا إلى الجدي يلاعبانه، والجحش يركبانه. وكان عالمهما صغيراً كله، والصغير من كل شيء فاتن محبوب. ومن منا لا يحب الصبي، والبنية، وفرخ الطائر، والهريرة، والكليب، وغصين الشجرة، وزر الورد، والكتيب، والقليم، وكل لطيف من التحف والطرف، ودقيق من الأشياء؟ من لا تنجذب إلى ذلك نفسه، ويحنو عليه قلبه؟
ثم كبرا، فكانا يصحبان القطيع إلى القمم القريبة وإلى الوادي. ثم أبعدا المرعى، فكانا يرافقان الشمس في غدوها ورواحها ويطوِفان تطوافها. ثم اكتمل جمالها وتمت رجولته، وكذلك تؤتي الفضيلة أكلها إذا عاشت تحت عين الشمس في الأعالي التي لا ترقى إليها جراثيم المرض وأمهاته، فصارا يقاسمان الكبار السمر على (المصطبة) في ليالي الصيف، وفي (العلية) في الشتاء. ومرت الأيام، فإذا هي فاتنة القرية وحسناؤها، وإذا هو بطل
الديرة ورجلها، ومقدم الشباب في المصارعة، وحمل الأثقال، والعدو، والسباحة، وتلك هي مفاخر الشباب الجبلي في تلك الأيام. وكان رقصهم الدبكة على (اليادل) أو على (دلعونة) وكان هو شيخ الدبكة.
وكان الحب قد ولد في نفسيهما، فكانا يجلسان على قلعة على شفير الوادي، يرعيان هذا الحب الوليد، ويدعان القطيع يرعى بنفسه، وكان لها عنده مثل الذي له عندها، فما الذي فرق بينهما؟ أهو المال أم الدسائس أم قد زوجوها من غيره. أم ماذا، من يحفظ قصتهما يا أهل بيروت؟
وكيف عاشت من بعده، وكيف عاش من بعدها؟
أم كان متكئاً في زورقه، يرقب الشمس وهي في موقف الوداع صفراء شاحبة، لا يحفل بها أحد ممن كان في الميناء، لأن هموم العمل لم تدع في قلوبهم مكاناً للشعر. فأيقظه من غفوة التأمل أسرة تريد أن تجول في البحر جولة في الزورق. . . هنالك رآها، واستقر حبها في قلبه، ولم يكن بذي صاحبة ولا ولد، فهام بها هياماً وقلب الأرض يفتش عنها عله يحظى منها بنظرة فلم يلقها. فعاش بقية عمره يتجرع غصص الألم المكتوم، حتى مات حيث لقيها، ودفن حيث مات.
وهذا الحب هو النار التي تأكل القلب. . . وما قرأت مرة قصة القاضي ابن خلكان إلا رحمته مما يقاسي. وكان يبيت وحده في المدرسة العادلية الكبرى (دار المجمع العلمي بدمشق) فإذا أراد أن ينام تمثلت له صورة المحبوب، فغلى دمه في عروقه وفار، فأقبل يدور حول البركة ويقول:
أنا والله هالك
…
آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي
…
قد أقامت قيامتي
حتى يؤذن الفجر، وكان يحب من ليس فوقه إلا السلطان
قلت: ومن هنا ما تجدون من الذوق في ترتيب كتابه (وفيات الأعيان) وما يختار فيه من الشعر!
أم أن هذا قبرها هي، يقوم على الشاطئ، على مسرح المأساة التي طالما مثلت عليه وأعيدت
هنا كانت تقوم ترقب عودته من المهجر من أمريكا، تذكر أبداً كيف ودعته بالدموع الغزار، وودعها بزفرة وعناق، ومناها الغنى والجاه والعودة القريبة؛ وانقضت الأيام وكرت الشهور ولا حس ولا خبر. . . والفتاة ترقب وتنظر وقد عافت عشها، وجفت أهلها، واختصرت دنياها كلها، فكانت هذه الصخرة الصلعاء التي شهدت مبدأ آلامها وتأمل أن تشهد نهايتها، تظن من حبها وتذكرها أن السفينة لا تزال قريبة منها، وأن الحبيب يلوح لها بمنديله. . . وبينها وبين الحبيب بحار ولجج، وأيام وليال، والحبيب قد سلاها ونسيها، وطمست صورتها في نفسه أمواج الثروة واللذة والدنيا العظيمة في نيويورك حتى محتها. . .
فماتت شوقاً إليه، وأسفاً عليه.
أم هي لم تمت وإنما شهدت عودته، فإذا هو قد عاد رجلاً غير الذي ذهب، لم يبق فيه من ابن القرية إلا كما يبقى من ندى الصباح تحت شمس الهاجرة، لا زيه زيه، ولا لسانه لسانه، فأعرض عنها وازدراها. ورأت إلى جانبه فتاة من بنات (باي باي). فخولطت وعادت إلى صخرتها تنتظر عودة من ليس يعود، حتى وافاها الأجل، فدفنت مكانها؟
أم هو قبر عاشق ماتت حبيبته كما ماتت ليلى، فعاش بعدها كما يعيش كل حبيب يائس؟
أم كانت قصة هذا القبر شيئاً آخر، فمن يعرف هذا الشيء؟
من يهتم بشهيد من شهداء الغرام؟ من يعنى بضحية من ضحايا العواطف؟ من يبكي المحب المجهول، ويقف على قبره وقوف الناس على قبر الجندي الجهول؟
يا رحمتاً للعاشقين! حبهم يائس، وميتهم منسي، وحديثهم ضائع. . .
يا رحمتاً للعاشقين! لا يقام لشهيدهم قبر، وإن أقيم له لم يقف عليه أحد، ولم يحفظ تاريخه.
ويا ضيعة هذا الكنز الأدبي العظيم، هذه الدنيا من العواطف لم يبق منها إلا ما أودع ديوان (العتابا) فمن يعنى بجمع هذا الديوان ونشره في كتاب؟
ألم تعلموا بعد أن في هذه العتابا من الصور والمعاني ما لا يملك بعضه غزل شعراء العرب كلهم مجتمعاً؟ فمن يهتم به؟ ومتى يأخذ الشعراء هذه الصور والمعاني فيودعونها الشعر الفصيح؟
وبعد فيا أهل بيروت
إذا جزتم هذا القبر التائه، فقفوا عليه كما تقفون على قبر الجندي المجهول؛ وقدسوا فيه
المحبة كما تقدسون هنالك البغض، وكرما فيه الحياة، فالحياة الحب والحب الحيات، واجعلوه تمثال العاطفة، فالعاطفة فوق العقل، والإنسان إنسان بالعواطف لا بالتفكير. . .
لا تحقروا العاطفة، ولا تزدروا القلوب، فإن القلب منزل اقدس شيئين في الوجود: الإيمان والحب. وحسب العقل جموداً وعجزاً أنه لا يستطيع أن يفهم الحب ولا يدرك الإيمان. وحسب العاطفة كرماً ونبلاً، أن من ضروبها حب الوطن والوفاء، والإحسان والرحمة، وذلك ما يميز الإنسان من سائر الحيوان. . .
ونحن اليوم في حاجة إلى الإيمان بالعاطفة الخيِرة، فلنجعل الحب العفيف وسيلة إليها، ولنتخذ منه سلاحاً نحارب به الفسوق والدعارة، والغلظة والوحشية، ولنستكمل به إنسانيتنا فمن لم يعرف الحب لم يكن له قلب.
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
…
فكن حجراً من يابس الصخر جلمداً
علي الطنطاوي
إلى الدكتور زكي مبارك
للأستاذ محمود غنيم
سيدي الدكتور:
طالما ترددت في الكتابة إليك لتهيبي من قلمك، وأخيراً وجدتني مدفوعاً إلى ما أتوق بعامل خفي ذي مصدر مجهول.
ولست من أولئك المكلفين بالمصاولة وبالمجادلة ولا ممن يرغبون في مهاجمتك حباً في ثورتك أو إرضاء لغريزتك التي حار في مرادها - على ما أعتقد - الكثير من زملائك: فمن حاول منهم الارتقاء بك أحجم عن ذلك مخافة وصفك له بالملق والمصانعة، ومن تحدثه نفسه بنقد خطوة من خطواتك لدغته في غير ما هوادة ولا رفق، ومن سكت عن ذكرك بخير أو بشر وصفته بالجمود والخمول والنوم.
وقد استخلصت من تتبعي لك واقتفائي لأثرك: أنك أخطر مخلوق في الوسط الأدبي؛ فلم ينج من سنان قلمك - على ما أظن - إلا نسبة ضئيلة من أدباء هذا العصر سواء في ذلك من يضمر لك الخير ومن يتمنى لك المكروه، كما تساوى أمامك من تدين له بصقل لسانك وسلامة تفكيرك، ومن شرب من منهلك واستظل بظل ثقافتك.
رأيتك يا دكتور تطل على ذاك الجمع الزاخر من علو شاهق غير عابئ ولا مكترث بما قد يكون مخبأ لك من سقطة أو سقطات تهوي بك من ذلك العلو إلى هوة تجر عليك شماتة الشامتين، وكلهم بالمرصاد. ولست بصدد مناقشة آرائك ومعتقداتك وموقعها من آراء ومعتقدات من تتصدى لهم أو يتصدون لك، أو حيال الحكم لك أو عليهم، فقد تكون عادلاً في كل ما قلت، وقد يكونون محقين في ذكر ما يدعون، وبالعكس؛ ولكني أمام موقفك من أعصابك التي تطالبك في إلحاح بإعطائها برنامجاً منظماً يخدم نواحي لا يناقض بعضها بعضاً، وتطالبك كذلك بالترفق حين الزج بها في تيارات مضطربة الاتجاهات.
وعلى هامش نقدي لأعصابك يا دكتور أقرر أن الأدب مدين لثورة تلك الأعصاب بالشيء الكثير وبدرر غاليات تزن ثقل ما لك من خصوم في هذا البلد. وإذا كانت تلك الثورات واحدة من اثنتين من تجاربك في ازدهار أدبك فأنا أهنئك مغتبطاُ بنجاح تلك التجربة وأطالبك في رفق بإجراء التجربة الأخرى: نريد أن نقرأك يا دكتور هادئاً كالنيل في غير
إبان الفيضان، وكالغصن عند سكون الريح، وكالوردة قبل أن تهاجمها أشعة الشمس وأعين الرقباء.
لو كنت يا دكتور من أشرار الأدباء - إن كان بين الأدباء شرير - أو كنت من أدباء الشرور (إن وجد بين ذخائر الأدب شر) لما ترددنا لحظة من يوم أن ظهرت على المسرح الأدبي في الحكم عليك بما فيك، وقدمنا لك حسابك وأسلمناك لما تقوم به من صراع، ووقفنا في صفوف المتفرجين، أو قبعنا في زاوية بمنأى عنك بعيدين عما يصب عليك. ولكنك رغم إقلاقك للنائمين من مضاجعهم بصوتك المدوي نلمس إخلاصك ونؤمن برقة إحساسك.
نريد أن نحكم عليك يا دكتور بعد أن تجري التجربة الباقية وبعد أن اجتزت التجربة الأولى بكل نجاح.
وإلا فاجعل لنا يوماً من نفسك على صفحات (الرسالة) تحدثنا فيه بالصراحة التي نعدها من أهم مقوماتك - عن زكي مبارك كما يعرفه زكي مبارك، شارحاً لنا وجهتك في الحياة الأدبية التي نعتقد أنك تعيش فيها منفرداً، فأنت أجدر من يتحدث عن نوايا النفوس.
(إدكو)
المخلص
محمود غنيم
سيجموند فرويد
العالم النفساني الكبير
للأستاذ صديق شيبوب
- 2 -
زاول (فرويد) بعد عودته من فرنسا مهنة الطب بمدينة فينا وانصرف إليها يمارسها بالعناية التي انطبعت عليها نفسه والتي وصفناها في المقال الماضي.
وكان قد عرف قبل رحلته إلى باريس طبيباً يدعى (جوزيف بروير) فانضم إليه بعد أوبته واشتركا في مزاولة مهنتهما.
تحدث هذا الطبيب إلى (فرويد) قبيل سفره عن فتاة هستيرية أصيبت وغموض القوى الواعية، وروى له أنه لاحظ أن حالة الفتاة تتحسن كلما استطاعت التحدث ملياً عن نفسها. وكان لهذا السبب يصغي في صبر لحديثها عندما تترك فيه المجال لواهمتها الشعورية، وأنه لاحظ أن اعترافات الفتاة متقطعة، وأنها تخفي عن قصد أشياء يظهر أنها لعبت في حياتها دوراً هاماً، وكانت من مسببات علتها. فخطر له أن يستعمل التنويم المغناطيسي على أمل أنها، وهي معدومة الإرادة في حالة السبات، تبوح بما تخفيه في يقظتها. وهكذا استطاع أن يعرف من الفتاة أنها بينما كانت تعنى بوالدها المريض أحست في نفسها بمشاعر كبتتها لأسباب أخلاقية فاتخذت هذه المشاعر شكلاً آخر برز في أعراض مرضها. وكانت أعراض الهستيريا تزول كلما باحت بحقيقة الأمر.
لم يجد (بروير) في هذه الفتاة غير حادث مرضي استطاع كشف الستار عنه ومعالجته. أما (فرويد) فشعر بغريزته العميقة أن الأمر أشد خطراً مما توهمه صاحبه، وأنتهي من ذلك إلى هذه الحقيقة وهي أن (قوى النفس تتحول عن مراكزها) وأنه يجب أن يوجد في العقل غير الواعي قوة عاملة تحول الشعور عن مجراه الطبيعي وتقذف به إلى مظاهر نفسية أو طبيعية.
ولما كان هذا العارض الذي كشف عنه (بروير) يؤيد الاختبارات التي شاهدها (فرويد) بباريس ويبرزها في صورة جديدة، استقر رأي الزميلين على متابعة أبحاثهما التي قصدا
إليها في طريق مظلمة وعرة. وهكذا وضعا كتاب (العمل النفسي في عوارض الهستيريا) الذي ظهر سنة 1893 و (رسالة في الهستيريا) ظهرت سنة 1895 فكشفا عن حقيقة هذا الداء في كتابيهما وأبرزاه تحت ضوء جديد.
وقررا للمرة الأولى في علم الطب أن الهستيريا ليست من علل الجسم الأصيلة ولكنها اضطراب ناتج عن صراع داخلي لا يشعر به العليل نفسه وأن تحت ضغط هذا الصراع تظهر عوارض هذا الداء، وهو انحراف مرضي.
تنتج إذن الاضطرابات النفسية عن كبت العواطف كما تنتج الحمى عن التهاب داخلي، وكما تهبط درجة حرارة المحموم عندما يجد الالتهاب منفذاً، كذلك تزول أعراض الهستيريا عندما يستطاع التفريج عن العواطف المكبوتة (والسير بها في السبل الطبيعية حيث تتركز القوى الشعورية منبسطة في حرية بعد أن كانت ملتوية أو بعبارة أخرى مخنوقة، وكان هذا الخنق سبباً لاستمرار عوارض الداء).
على أن الزميلين، (فرويد) و (بروير) انفصلا بعد لأي لأنهما كانا قد وصلا إلى نقطة لم يتفقا عليها. كان بروير طبيباً يخشى خطر الاعتماد المطلق على علم النفس ويصرف همه إلى وسائل معالجة الهستيريا والشفاء من أعراضها، بينما صار (فرويد) الذي اكتشف في مواهبه ميلاً إلى علم النفس مأخوذاً بالعوارض النفسية وبالأسرار التي يكشف عنها تبدل العواطف، وقد أثار فضوله أن هذه العواطف تكبت فتقوم مقامها عوارض جسمية فاستمر في البحث حتى بدا له أن هذه الظواهر تصح أساساً للتحليل النفسي، وأنها تفتح أبواب عالم جديد قائم على العقل غير الواعي، فوقف حياته منذ ذلك العهد على (درس المناطق غير الواعية في الحياة والنفس)، وكان ذلك أساساً لمذهبه الجديد الذي نفصله فيما يلي:
كان علماء النفس قبل (فرويد) يعرفون أن الطاقة النفسية لا تتلاشى كلها في عمل العقل الواعي، وأن هناك قوة أخرى خفية تؤثر في حياتنا وتفكيرنا، ولكنهم كانوا يجهلون هذه القوة ولا يحاولون إدخال العقل غير الواعي في محيط العلم والتجربة.
كان علم النفس أيامئذ، أي قبل سنة 1900، وهو العهد الذي قرر فيه (فرويد) نظرياته، لا يهتم بالأعراض النفسية إلا بقدر ما تدخل في دائرة الوعي الواضحة، فلا تدرس العاطفة إلا إذا ظهرت تماماً، ولا يعنى بالإرادة إلا إذا أملت مشيئتها فعلاً؛ وهكذا كان علم النفس
يستبعد كل الظواهر النفسية التي لا تطفو على سطح الحياة الواعية في شكل بارز.
رأى (فرويد) أن العقل لا يعد مصدراً لكل عمل نفسي، وأن العقل غير الواعي ليس طبقة سفلى يختلف عن الأول ويخضع له؛ وقرر أن كل الأعمال النفسية ناتجة أولاً عن العقل غير الواعي، أو ما دعوه بالعربية العقل الباطن، وأن الأعمال التي نعيها لا تختلف عن الأولى ولا تتفوق عليها، لأن وعيها نتيجة عمل خارجي. ومثل هذا كمثل النور حين يضيء بعض الأشياء، فهذه الأشياء موجودة وجوداً مادياً، ولكن النور يجعلنا نراها فليس النور الذي أوجدها لأنها عالقة بالعالم الطبيعي سواء أكانت ظاهرة لتسليط النور عليها، أم مختفية تحت ستار الظلام حيث نستطيع أن نتعرف باللمس شكلها وحجمها.
وهكذا يجد (فرويد) أن (غير الواعي) لا يعني المجهول أو (غير المستطاع الوصول إليه)، كما كان يظن العلماء من قبل وقد اعتقدوا أن في النفس خزاناً مظلماً راكداً أو مستودعاً يحوي المنسيات والمختلفات، فتستمد الذاكرة منه بين وقت وآخر أشياء بمعاونة العقل الواعي. وكانوا يعتقدون كذلك أن عالم غير الواعي عاطل في نفسه لا عمل له ولا شأن له كأنه حياة انصرم عهدها وماض مدفون لا أثر له في عواطفنا الحاضرة.
أما فرويد، فقد رأى أن غير الواعي ليس من رواسب النفس بل هو مادتها الأولى ولكنه لا يصل إلى سطحها المستنار بالوعي غير جزء يسير منه. ولا يعني طي بعض أجزاءه أنه عقل ميت أو أن لا قوة له، لأنه في الحقيقة حي عامل يؤثر في تفكيرنا وعواطفنا، ولعله أقوى العوامل في حياتنا النفسية. وعليه فإنه يخطئ من لا يحسب حساب الإرادة غير الواعية في كل ما تعمله وتمليه، لأنه ينفي العنصر الدخيل في قوانا الداخلية.
ليست حياتنا مظهراً حراً للعقل الواعي يسيرها كما يشاء، وليس عالمنا ملكاً لإرادة واعية تسيطر عليه. إن من ظلمات العقل الباطن تنبع الأنوار التي تلقي ضوءها القوي على أعمالنا، وفي أعماق عالم الغرائز تتألف العواصف التي تسيطر علينا وتغير المجرى الطبيعي للحياة التي كان مقدراً لنا أن نعيشها.
تلتقي في هذه الأعماق المظلمة من طبقات النفس البشرية العواصف التي مرت بالوعي في حين من الزمان، ورغبات الطفولة المنسية التي يظن أنها دفنت إلى الأبد، والمخاوف والأهوال التي قيل أنها زالت ومحي أثرها، وهي جميعها تضطرب حيرى قلقة عطشى إلى
الظهور بواسطة الأعصاب.
لا يعيش هذا جميعه في أعماق النفس فحسب، بل هناك أيضاً شهوات الأجيال التي انقرضت واحداً بعد واحد صعداً إلى عهد الهمجية، فتلتقي فيها الذاتية الهمجية بالذاتية المتحضرة وفجأة تتحرك الغرائز الأولية الجامحة فتمزق سجوف المدنية الشفافة وتبرز قوية عنيفة من العالم غير الواعي إلى العالم الواعي وتحاول أن تنال قسطها من العمل الحر، فيتولد صراع عنيف بين عاطفتنا الأخلاقية المتمدينة وبين غريزة اللذة الهمجية الدفينة فينا. ولا شك أن كل كلمة نتفوه بها، وكل حركة نأتيها، مظاهر لهذا الصراع الذي تحاول فيه العاطفة المتمدينة التغلب على غريزة اللذة، بل إن حياتنا النفسية كلها صراع دائم مؤثر بين الإرادة الواعية وغير الواعية، وبين العقل المسؤول والغريزة غير المسؤولة.
وقد شاء (فرويد) من هذا جميعه أن يفهم كل إنسان معنى اندفاعاته غير الواعية، لأنه ليس من المستطاع معرفة عواطف الإنسان إلا إذا أنيرت طبقات نفسه المظلمة، ولا يعرف أسباب اضطراباته إلا إذا انحدر إلى أعماق نفسه، وليست مهمة العالم النفساني أن يكشف للإنسان عما يعيه، كما أن الطبيب لا يستطيع أن يعالج المريض إذا جهل حقيقة عقله الباطن.
ولكن كيف السبيل إلى الوصول إلى أعماق النفس المجهولة؟ يعتقد (فرويد) أن العقل الباطن يعبر عن نفسه بإشارات ورموز، وأن على من يريد الكشف عن أسراه أن يتعلم لغته. وقد وضع (فرويد) أصول هذه اللغة على الطريقة التي جرى عليها علماء الآثار المصرية حين كشفوا عن اللغة الهيروغليفية. فقد أخذ يبحث إشارة بعد إشارة ورمزاً بعد رمز حتى انتهى إلى تدوين لغة العقل الباطن ووضع قواعدها. وهكذا استطاع أن يقيم لعلم النفس أسساً جديدة على طريقة علمية، وأن يكشف عن عالم مجهول.
(للبحث صلة)
صديق شيبوب
ولز في كلمة موجزة
للأديب محمد جمال الدين أبو رية
حياته:
في مقاطعة كنت بإنجلترا سنة 1866، خرج ذلك الأديب النابغ، ذلك العقل الجبار، ليظهر للعالم أنموذجاً صحيحاً للأدب الفني، للقريحة الممتازة القليلة النظير.
حصل ولز الأديب على شهادة في العلم في سن مبكرة، ولكن أبى القدر إلا أن يذوق ذلك الأديب من تجاربه القاسية، فساءت حال ولز المادية، فاضطر أن يشتغل في محل للأقمشة، ثم اشتغل بالصيدلة، ثم اشتغل بالتدريس. فكادت كل هذه التجارب تودي بحياته، إلا أنه اشتغل أخيراً بالتأليف والصحافة محافظة على حياته. وما من فنان أو عظيم بلغ أوج عظمته إلا وقد ذاق الأمرين.
لم يكن ولز كغيره من الأدباء، إذ كانت له نظرية فريدة، رفعته إلى المرتبة الأولى من الأدباء، فهو يصل الماضي بالحاضر متغلغلاً في أعماق المستقبل.
كانت قصص ولز الأدبية، قصيرة وطويلة، موضوعاتها منوعة، فقد عالج أساليب الحياة التي وصفها وصفاً دقيقاً، وكتب في الحب والحياة والموت والموضوعات العلمية.
وقد كانت تتخلل كتابات ولز قطع فنية، يكتبها بمداد من خياله الرائع الجميل مثل قوله:
(لقد كانت الزهرات تتدفق وتتعانق كألحان الموسيقى العذبة، وترفع إليَّ عيوناً كعيون الأطفال، وسرى إلى أذني غناء سحري من فم الزهر والأغصان والأوراق، وفجأة سمعت من أعماقها أغرودة طائر وخفق جناح مرتاع. . . الخ).
كان من أهم مميزات ذلك الأديب الفذ. . . صدق حدسه عن المستقبل، حتى وصفه أدباء فرنسا في ذلك الحين بأنه (رجل الأحلام) ووصفوا أحاديثه بأنها (أضواء تخطف الأبصار).
أغراضه:
1 -
اهتم ولز بالفرد، وأراد أن ينزهه عن التحبب إلى من يعلو عنه مرتبة وينزهه عن التسخير فيقول (وما الأهرام، وما تلك المشيدات الرومانية العظيمة إلا بيد الفرد المستعبد المسكين).
2 -
ترى أن ويلز غاضب من الحكومات، غاضب من الزعماء، غاضب من الساسة، لأنه يرى أن الزعيم لا يصل إلى المراتب العالية إلا بواسطة الفرد وإرضائه (رشوته). فهم يجتمعون ويتكلمون ويأدبون المأدب، كل ذلك لغرض واحد هو الوصول إلى الحكم ثم الاستبداد وحب الذات.
3 -
يريد ولز أن تنتهي تلك الحروب وتخلق وحدة اقتصادية كبرى تشمل الدنيا، ووحدة مالية تحفظ العالم من الخراب والدمار.
ثم يرجع ولز فيبشرنا بالرخاء والرغد في المستقبل فيصيح قائلاً:
(إذن فاعلموا أني متفائل أرى الفجر يقترب، وأرى البشائر في حواشي الأفق).
ألا ترى بعد ذلك أن ولز ذلك الأديب يستحق بعض وقتك في قراءة تاريخه وكتبه.
(المنصورة)
محمد جمال الدين أبو رية
إلى معالي وزير المعارف
التعليم الزراعي
- 3 -
(هذا الفلاح المزيف لا يصلحه تنظيم قريته ولا تجميل داره؛
إنما يصلحه تربية ذوقه وإرهاف حسه. فإن صاحب الذوق
يبني الدار الجميلة ويخط الحديقة البهيجة؛ أما فاقده فخليق به
أن يجعل القصر زريبة والبستان مزبلة)
(الزيات)
ثانياً: المدارس المتوسطة
الآن أطوي صفحة المكتب الزراعي وإنه ليروعني أن يعيش هذا الفرع من التعليم الزراعي خمس سنوات لا يحس به جل من يعنون أنفسهم بالبحث في فروع التعليم، وإن كثيراً ممن اشتغلوا بالتعليم الزراعي لا يعرفون عن المكتب الزراعي إلا قطرات لا تبل غلة. ولقد سألني صديق من ذوي الرأي والمكانة في دهشة:(وماذا عسى أن يكون المكتب الزراعي؟) قلت: (هذا نوع من التعليم أسدلت عليه سجف كثيفة خشية الفضيحة).
وبعد فلا عجب إن امتد الزمن بالتعليم الزراعي خمساً وعشرين سنة لا يفيق من غفوته ولا يتخفف من ثقله، فهو لقي في ناحية الوزارة لا يستشعر وجوده أحد، ولا يجد هو من يهتك عنه أستاره ليتكشف أمام الملأ في غير تمويه ولا زيف. وأنا حين أجرد القلم ليرفع صوت التعليم الزراعي وينشر شكاته على أعين أولي الأمر لا أبتغي سوى كلمة الإنصاف أول قول الحق.
النظام و (فوضى النظام)
لا ريب فالطالب الزراعي خَلْقٌ شاء هو، أو شاء له القدر، أن يتحلل من أثقال الدراسة ليقضي سنوات في مدرسة ليست هي في رأيه مدرسة ولكنها بعض متع الحياة؛ وفي
خاطره أنه سيطرح نصب الاستذكار وكد المطالعة وعناء الدرس. . . سيطرحها جميعاً وراء ظهره، لأنه سيكون فلاحاً نظيفاً يغدو إلى الحقل ويروح إلى المدرسة ينعم بالهواء الطلق ويمرح في الفضاء المنفسح، وينشق الحرية اللانهائية؛ يأكل وينام ويلعب ويهدأ متى شاء وأنى أراد؛ ثم هو بعد ذلك لا يستشعر بأساء الاختبار، ولا شدة الامتحان، ولا غلظة الدرس، ولا جفاء المدرس. . . ثلاث سنوات تمر مر السحاب، فإذا هو رجل يحمل بين يديه (دبلوماً) فتفتح أمامه مغاليق الحياة، وتهش له مصالح الحكومة!
يا ما أحلى هذه الأحلام حين تطيف بخيال الفتى وهو غر قد وقفت به همته عن أن يبلغ مبلغ الرجال، أو أعجزته الوسيلة عن أن يسمو إلى مراتب التعليم العليا، أو ضاقت به فرج التفكير عن أن يصل إلى الغاية!
هذا هو الطالب الزراعي، وإن نزوات الشباب لتتوثب في رأسه توحي إليه بأنه يوشك أن يكون رجلاً يعرف كل شيء في حين أنه يخرج من مدرسته لا يعي شيئاً، وهو أجهل ما يكون في الزراعة التي وقف عليها ثلاث سنوات من عمره.
ويغتمر الطالب في خضم هذه اللجة فتصفعه الحقيقة المرة صفعة تطير لها هذه الرؤى الجميلة بعد أن يكون قد استشعر لذتها حيناً من الزمان؛ فتعود إليه نكسة اليأس حين يرى أن المدرسة التي فزع منها هي المدرسة التي زج بنفسه فيها؛ فهو هنا سيقرأ ويكتب ويطالع ويجلس على مقعد في فصل يسيطر عليه مدرس، ثم يتذوق مرارة الدرس ولذع الامتحان ونكد الرسوب و. . . فإذا هو هو الطالب الذي أخفق ويخفق مرات ومرات، الطالب الذي حطمته السنون العجاف، الطالب الذي جاء ليموت في التعليم الزراعي أو يموت به التعليم الزراعي.
وليت كل طلاب المدرسة من بيئة واحدة وثقافة واحدة ووسط واحد، إذن لاستطاع المدرس أن يوائم بين نوازعهم ورغباتهم، أو أن يجد الحيلة فينفذ إلى عقولهم وأخلاقهم. ولكن هذا الجمع - وا أسفا - خليط لا يمت الأول إلى الآخر بسبب؛ فالفصل الواحد يضم بين جدرانه أشتاتاً من الطلبة تضطرب في غير ترابط ولا وفاق: فالحجرة الواحدة تجمع بين الطالب في الخامسة عشر والطالب في الخامسة والعشرين، وتؤلف بين من نال شهادة إتمام الدراسة الابتدائية هذا العام وبين من قضى سنوات ثلاثاً في السنة الرابعة الثانوية، وتربط
بين من هو ما يزال في فتوة العقل ومن نخر اليأس حشاشة قلبه؛ وتلقى في ركن الفتى الريفي الذي رأى الغيط وجلس إلى الفلاح، وفي الركن الآخر الشاب الذي درج في المدينة وشب وترعرع ونما واشتد في حضن الحضارة الرفيق لا تربطه بالريف آصرة. . . وهكذا يصطدم المرء - أول ما يتغلغل في المدارس الزراعية المتوسطة - بهذا الخلل الذي أسميه في غير تحرج (فوضى النظام).
و (فوضى النظام) تتسلل إلى المدرسة منذ أول يوم من أيام السنة الدراسية، حين تفتح المدرسة أبوابها على مصاريعها، لا تدفع طالباً ولا ترفض طلباً؛ ولقد تظرف معي صديق فقال:(لعل كل هم مدارس الزراعة أن تستنفذ ما عندها من استمارات الدخول طلباً للربح، كدأبها في منتجاتها ومحاصيلها، ولا عليها بعد ذلك!) وقال آخر: (وإنه ليتراءى لي لو أن (عربجياً) تقدم إلى مدرسة زراعية لقبلته بين طلبتها في غير غضاضة، ولا أنفة!) هذه عبارات كانت تحز في نفسي وتؤج في صدري، لأن فيها التهكم اللاذع والسخرية المرة. وليت شعري أي مدرسة في العالم تفتح أبوابها لكل من كان (أفندياً) يتأنق في البذلة والطربوش؟
وتدخل (فوضى النظام) المدرسة فتتشعب لتفعم القسم الداخلي والقسم الخارجي، والصلة بين المدرس والطالب، وبين المدرس والناظر، وبين المدرسة وأولياء أمور الطلبة، و. . . ثم إلى بيت المدرسين.
إن الاضطراب الذي رأينا - من قبل - بين جدران الفصل نشعر به أيضاً في أركان (العنبر) في القسم الداخلي، فهناك مهزلة العلم يمثلها المدرس وتلامذته على مسرح الفصل حين يجهد نفسه ليتغلغل إلى عقول التلاميذ، فلا يجد السبيل، وقد ضرب بينه وبينهم بسور لا يستطيع أن يظهره إلا لماماً؛ وهناك مهزلة الأخلاق يمثلها التلاميذ وحدهم على مسرح (العنبر)، وإدارة المدرسة إما لاهية وإما عاجزة، ولها عذر؛ فهي لا تستطيع أن تسدل حجاباً بين الطالب الكبير والطالب الصغير وهما يقضيان عمر اليوم جنباً إلى جنب، صديقين في الفصل وفي الحقل، ثم. . . ثم في (العنبر)، والكبير يوسوس للصغير ويزين له فيندفع فتنفرط أخلاقه فيهوى، وينفض السامر عن أشياء تصم جبين العلم، لأن كلاً منهما ينطلق يريد أن يشبع رغباته الشريرة على حين قد غفا الرقيب. . .
وهكذا نجد أثر التباين في السن والثقافة واضحاً في هذه المدارس، ولا سيما في القسم الداخلي. ومن الغريب أن النظام الداخلي يوشك أن يعم التعليم الزراعي المتوسط، في حين أنه قد ثبت فساده في التعليم العام.
لهذا جاء ناظر المدرسة وإن أوصاله لترعد من شدة الخوف والفَرَق. . . جاء ليحول بين الطالب والمدرس، وبين المدرس وولي أمر الطالب، يبذل في ذلك جهد الطاقة، ثم هو يرمي أشرف مبادئ التربية الحديثة بأقذع الهجاء وأقسى الألفاظ.
هذا الداء. . . داء اختلاط الشر بالخير، حري به أن يدفع أولي الأمر إلى أن يجتثوا أصول الشر ليذروا الخير وحده ينمو ويسمو في هذا الوسط. غير أن شيئاً في المدارس المتوسطة يقوي الشر وحده فيضوي له الخير، هذا هو داء (إعادة القيد) وهو أيضاً أثر من آثار (فوضى النظام).
وداء (إعادة القيد) هذا هو نظام احتال به الرئيس مرة ليعيد طالباً إلى مكانه في مدرسته بعد أن رسب سنتين في فرقته فرفت؛ فأصبح قانوناً. وهذا الضرب من الطلبة هم الشر المحض الذي يتخلل أثناء المدرسة، وهم الفئة الباغية التي يجب أن تستأصل من هذه المدارس ليجد الخير سبيله فيها.
وانسربت (فوضى النظام) إلى (بيت المدرسين)، وهو بيت خلقته يد الإصلاح ليسكنه جماعة من المدرسين ليكونوا إلى جانب تلاميذهم، يراقبونهم ويهيئون لهم وسطاً علمياً أدبياً يستروحون من خلاله نسمات الهداية والرشاد؛ غير أن الانكماش الذي أرادهم عليه الرئيس نفث في هذا البيت معنى آخر، فأصبح خلوة للمدرس، وحاجزاً بينه وبين تلامذته؛ أو هو كبعض (تكايا) العهد البائد يسكن فيه المدرس ويأكل ويستمتع بالراحة والهدوء، لا يشعر بتكاليف الحياة ولا مضض العيش، دون أن يدفع من ثمن ذلك في الشهر إلا دريهمات لا تكفي غيره سوى يوم أو بعض يوم، وهذا البيت نفسه بعث في المدرس روح الكسل والتراخي والتواكل والحرص، فما فيه من نشاط جسمي ولا عقلي، وما فيه من فرحة للنفس ولا لذة للقلب؛ وإذا قدر لإنسان أن يرقى إلى بيت (المدرسين) ألفى هناك شراذم من المدرسين يزجون الوقت بين الهذر والمزاح والنرد والورق و. . . ثم لا يجد سوى بقايا مذكرات قديمة وأوراق متناثرة وجرائد ومجلات هزلية، أشياء مما تنحط بالعقل والتفكير،
ثم لا يعثر على كتاب أدب ولا رسالة في علم ولا نشرة زراعية ولا بحث في موضوع ولا. . . ولا. . . مما يرقى بعقل المدرس ويفيد الطالب.
(للموضوع تكملة)
(*)
رسالة الشعر
الهوَى يُغَنى
للأستاذ أنور العطار
يَا فُؤَادِي لَوْلَاكَ مَا هَدَّنِي الشَجْ
…
وُ وَلَا ذُبْتُ حَسْرَةً وَشَقَاَء
كنْتَ تَشْكُو وَكنْتُ آسَى لِشَكْوَا
…
كَ وَأسْتَنْفِدُ الدُّمُوعَ بُكَاَء
وَأُسَلِّيِكَ مَا وَدِدْتَ التَّسَلِي
…
وَأعَزِّيكَ مَا حَبَبْتَ اْلعَزَاَء
أرْقَأُ الدَّمْعَ خَيْرَ مَنْ رَقَأ الدَّمْ
…
عَ وَأَطْوِي الْجَوَى وَأُقْصِي الدَّاَء
يَا فُؤَادِي لَوْلَاكَ مَا بِتُّ لَيْلِي
…
سَاهِدَاً أُضْجِرُ النُّجُومَ اشْتِكَاَء
أَتَنَزَى أسَىً وَأنْتَ مِنَ الوَجْ
…
دِ تَعُبُّ الظِّلَالَ وَالأَنْدَاَء
وَتَرَى اللَيْلَ خَيْمَةً للتَّمَنِّي
…
تُلْهِمُ الشِّعْرَ وَالهَوَى وَالغِنَاَء
هَاهُنَا يَرْقُدُ الْهُيَامُ كَئِيباً
…
مَضَّهُ الْيَأسُ فارْتَمَى إعْيَاَء
هَاهُنَا تَسْتَرِيحُ دُنْيَا مِنَ الأشْ
…
وَاقِ تُغْرِي الأُلاّفَ والشُّعَرَاَء
هَاهُنَا تَهْدَأُ المُنَى غَيْرَ نَجْوَى
…
تَغْمُرُ الرُّوحَ هَاجِساً وَنِدَاَء
الْهَوَى جَدْوَلٌ يَظَلُّ يُغَنِّي
…
يَتَنَدَّى بَشَاشَةً وَرُوَاَء
مَنْ يُسَايِرُ ضِفَافَهُ الْخُضْرِ يَهْتَ
…
زُ مِرَاحَاً وَيَسْتَعِرُ خُيَلَاَء
وَيَغِبْ في رَغَادَةِ الفَرَحِ السَّم
…
حِ وَيَنْسَرَ الحَيَاةَ وَالأحْيَاَء
ذَلِكَ الجَدْوَلُ الشَهِيُّ المُوَشَى
…
حُلُمٌ يُلْهِبُ الْقُلُوبَ اشْتِهَاَء
رَفَّ بَيْنَ المُرُوجِ وَالقَلْبُ ضَمْآ
…
نُ يُنَاجِي الأمْوَاهَ والأفيَاَء
نَضْرَ الْعُمْرَ فِي خَيَالِي وَهَزَّ ال
…
كَوْنَ بِشْرَاً وَزَيَّنَ الأَشْيَاَء
أنور العطار
صفحات من الحب العظيم
الخلوة الأولى
في أرض الجزيرة على النيل
للأستاذ محمود الشرقاوي
في خلوةٍ كان الهوى بيننا
…
وكانت النجوى وكانت دموع
وكانت الشكوى وكان الجوى
…
وخافقٌ يضرب بين الضلوع
سقْيتني من روحك الطاهر
…
عذبَ هوىً كنتُ إليه ظِمى
رويت فيه ظمئي وانتشى
…
قلبيَ منه وجرى في دمي
شكا كلانا ما به وانثنى
…
يستمع الشكوى إلى جاره
يستمع الشكوى وفي قلبه
…
دنيا من الوجد ومن ناره
ومرَّت الساعات تعدو إلى
…
حيث تهاوى في قرار سحيق
ونحن في خلوتنا نشتهي
…
أن ينقضي الدهر وما إن نفيق
حتى أتت ساعتنا للوداع
…
ثم وقفْنا موقفاً موجعا
مدْدت يمناك وأبقْيتها
…
في قبضتي ثم صمْتنا معا
وقلت لي: كيف سأبقى إلى
…
أن يصبح الصبح؟ أما تتَّقي!
يا حسرتا لي! نتوالى الليال
…
لا نشتكي فيها ولا نلتقي!
بالله قل لي كيف كان الهوى
…
وكنت بَعدي يا طويل الغياب
وكيف تُقضَى ليلةٌ في الشتاء
…
بغير شكوى في الهوى أو عتاب
وكيف بالليل تولّى ولا
…
تسمع فيه زفرةً من شجوني
وكيف بالأيام تمضي ولا
…
تشهد فيها دمعةً من عيوني
يا قاسي القلب، أما تشتهي
…
أن ترجع الأيام تلك العهود؟
أين الوفا منك وميثاقه
…
وأين منه اليوم هذا الجمود
أين ليالينا وأيامنا
…
ما بين شكوى في الهوى أو عتاب
إذ نتلاقى في الضحى والمسا
…
ونشتكي في الصبح مرّ الغياب
طال ندائي لك في خلوتي
…
وطال حرماني وطال العذاب
من بعد أنسى منك في وحدتي
…
يوحشني بعدك بين الصحاب
هلّم نسترجع عهداً مضى
…
كنت لقلبي فيه دنيا المنى
هلّم نسعد بكؤوس الرضى
…
من بعد ما ذقنا كؤوس الضنى
هلّم نفرح بعد هذا النوى
…
ونسدل الستر على ما مضى
أسقيك من روحيَ صِرف الهوى
…
ونملأ الكأس بخمر الرضى
هيهات! لا قلبي له مسعد
…
ولا حبيبٌ قربه يرتجى
بل أمنيات أشتهي أن تكون
…
أشقيت عمري وهي ليست تجى
محمود الشرقاوي
نشيد
لك روحي.
. .
للأستاذ أحمد فتحي مرسي
لكِ رُوحي فاسلمِي مصرُ وسودِي
…
وابْلغِي بالمجْدِ هَامَاتِ الوُجودِ
من صُعودٍ للسَّمَا نحو صُعودِ
…
وَيَقِينِ بالعُلا بَعدَ يَقِينْ
لكِ صَدْرِي فاتَّقِي سَهمَ المنُونِ
…
وَيَمِينِي إنْ وَنَتْ شُلَّتْ يَمِيني
إنْ عَدَا العَادِي على الوادِي الأمينِ
…
أوْرَدَتْهُ القَبْرَ أيْدٍ لَا تَلِينْ
إنني نَسْلُ جُدُودٍ خَالِدينَا
…
مَلأُوا الدُنْيَا جُنُوداً وَسَفِينا
لَا تَقُلْ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَنْ يَكُوناَ
…
كلُّ مَا هَوَّنْتَ مِنْ صَعْبٍ يَهُونْ
صُلَّبٌ فِي حَقِّ أوْطَاِني فَإنْ
…
لَانَت الأحْجَارُ فيِهَا لَمْ ألِنْ
قَدْ سَقَاِني نِيلُهَا، إنْ لَمْ أكُنْ
…
حَامِيَ النيلِ فَمَنْ غَيْرِي يَكُونْ؟
سَلِمَتْ مصرُ وَسَادَتْ فِي الْحَيَاهْ
فِي عُلَا (الفَارُوقِ) تَعْلُو وَحِمَاهْ
جَلَّ رَبِّي مَنْ رَعَاهَا وَرَعَاهْ
أنَا فِي الرَّوْعِ فِدَاهَا وَفِدَاهْ
أيُّها الجنُدِيُّ قُمْ وَافْدِ الحِمَى
…
وَابْلُغْنَ بِالنِيلِ أسْبَابَ السَمَا
لَا تَقُلْ: أعْجَزُ عَنْهَا، إنَمَا
…
خَلَقَ العَجْزَ خَيَالُ العَاجِزِينْ
هَذِهِ الرَايَةُ فِي أوْجِ العَلَاءِ
…
أنَا إنْ جُدْتُ فِدَاهَا بِدمَائِي
خَلَدَتْنِي كُلُّ حَيٍّ للفَنَاءِ
…
لَيْسَ يَبْقَى غَيْرُ ذِكْرَى الخَالِدِينَ
يَا ثَلَاثاً هُنَّ خَيْرُ الأنْجُمِ
…
أنْتِ: رُوحِي، وَحَيَاتِي، وَدَمِي
خَضْرَةُ الجَنَةِ فِي ذَا العَلَمْ
…
وَبَيَاضُ الصُبْحِ وَالحَقِّ المُبِينْ
عشتَ يَا فاروقُ والدنيا فِدَاك
…
وعُلَا الأنجُمِ بَعْضٌ مِنْ عُلَاك
جَنَّةٌ للنيلِ ما شادتْ يَداك
…
فاعمُروها بسلامٍ آمنين
سَلِمَتْ مِصْرُ وَسَادَتْ فِي الحَيَاهْ
فِي عُلَا (الفَارُوقِ) تَعْلُو وَحِمَاهْ
جَلَّ رَبِي مَنْ رَعَاهَا وَرَعَاهْ
أنَا فِي الرَّوْعِ فِدَاهَا وَفِدَاهْ
أحمد فتحي مرسي
المحامي
رسالة العلم
قصة الفيتامين
الفيتامين المضاد للالتهاب العصبي أو فيتامين البري بري
للأستاذ عبد اللطيف حسن الشامي
- 5 -
زال كل شك على التقريب لدى من بقي متردداً في احتواء قشرة الأرز الرقيقة على هذه المادة الحيوية العجيبة المضادة للالتهاب العصبي، وخاصة بعد ما عزز اليابانيون هذه النظرية بنتائج قاطعة وقعت في جيوشهم وبحريتهم إذ كانت هذه تعتمد في غذائها على الأرز الأبيض المقشور، وكانت تقدم سنوياً ضحايا للبري بري من لا حصر لعدده من الرجال حتى بلغت نسبة الضحايا في بعض السنين أربعين في المائة من رجال القوات المحاربة مما تأثر به الجيش والبحرية، ولكن حدث بعد هذا أن أضرب عن طعام الأرز كغذاء رئيسي أساسي وأضيف إليه البطاطس والفواكه والدرنات وخبز الحبوب، فكانت النتيجة اختفاء مرض البري بري، وهذه الخطوة الأخيرة من أهم الخطوات العملية الجديدة التي خطاها البحث وقاوم بها الداء وكسرت بها شوكة المرض، ولا يلعب الآن هذا المرض إلا دوراً بسيطاً في تلك البلاد الآسيوية الشرقية التي عرفت الأهمية الصحية لما تحويه قشرة الأرز من المواد الحيوية، فأحلت الأرز غير المقشور أو نصف المقشور محل الأرز المقشور، وقد لا يقدر قيمة هذا العمل الأخير أحد مثل الذين رأوا بعيونهم الفعل الوبيل للمرض الذي كان يتخطف الناس زرافات من الوطنيين وآكلي الأرز بعد أن يهلك أبدانهم ويضنيهم.
وربما يكتفي الإنسان في مثل هذه الأحوال في البلاد التي تعتمد في غذائها على الأرز اعتماداً كلياً بسن قانون يمنع تبييض الأرز. ولكن مثل هذا العمل لا يحل المسألة ولا يرضي الروح العلمية البحاثة التي تصبو إلى تقرير معرفة وتكييف طبيعة هذه المادة التي تمنع حدوث المرض وعلة وجودها في القشرة الفضية الرقيقة ضمن الطبقة البروتينية التي تكسو حبة الأرز؛ وقد توصل بعض لباحثين اليابانيين، وكذلك البيولوجي فونك الذي سبق
ذكره، وكان أول من وضع لفظ (الفيتامين) - إلى فصل وتحضير مادة من كساء (الطبقة الكاسية) الأرز كفت كميات منها متناهية في الصغر للقضاء التام على أعراض مرض الالتهاب العصبي الناتج من تناول الأرز المبيض غذاء أساسياً. وبعدئذ وعند تبويب وتصنيف الفيتامينات أطلق على الجزء الفعال من هذه المادة المحضرة الحرف الهجائي ولما كان الاسم العلمي للالتهاب العصبي هو المأخوذ من الإغريقية بمعنى أعصاب لقب هذا الفيتامين بالإنتينويريتيك.
وتوجد هذه المادة الحيوية في الأرز الغير المقشور بنسبة جرام واحد في كل ألف كيلو جرام أو بنسبة جرام ونصف في كل مائة كيلو جرام من نخالة الأرز (نخالة الأرز هي القشرة الداخلية للأرز التي تنزع عن حبة الأرز وتفصل عنها أثناء تبييضه) وقد استبعد وجود هذه المادة فقط في قشرة الأرز فدل البحث بعدئذ على وجود الفيتامين كذلك ضمن الطبقة البروتينية في الحبوب كالشعير والذرة والقرطم والقمح وفي بذورها كذلك، وقد لا يثير عجبنا غنى بذور تلك الحبوب بهذه المادة، فالبذرة هي مصدر الحياة، فلا بدع إن حملت كذلك المادة الحيوية اللازمة للبناء والنمو والحفظ، أما في داخل الثمرة (في الحبوب) أي النسيج الخلوي النشوي، حيث المستودع الغذائي للنبت الجديد، فيندر وجود الفيتامين أو ينعدم.
ولهذه النتيجة أهمية في حياتنا اليومية، فتقل إذن أو تكثر نسبة الفيتامين في الخبز الذي نأكله تبعاً للنسبة المئوية في طحن الحبوب أي نسبة إنتاج الدقيق من القمح المطحون، وهذا يعني كثرة وجود أو قلة النخالة والبذرة في الدقيق؛ فكلما قلت نسبة الإنتاج وقل وجود قطيعات النخالة والبذرة في الدقيق الأبيض الناتج قلت معه نسبة الفيتامينات؛ أما الدقيق ذو الإنتاج العالي أو الدقيق الكلي الذي يحوي معظم الحبة فنسبة وجود وهذا ما أثبتته التجارب الغذائية التي قامت للتدليل على التأثيرات المختلفة للفيتامين في أنواع مختلفة من الدقيق، وإحدى هذه التجارب قامت على تحضير عدة مجموعات من الفيران أطعمت كل واحدة على حدة نوعاً خاصاً من الغذاء من دقيق القمح والذرة والقرطم والشعير، فكانت أولى الضحايا هي المجموعة التي كان دقيق القمح من نصيبها، أما المجموعة المطعمة دقيق الشعير فقد مكثت أربعين يوماً حية رغم صنف غذائها الواحد - أما الفيران التي
أكلت من غذاء القرطم الأسود فلم يصبها أي سوء وذلك لاحتواء الدقيق الأسود على كميات وفيرة من الفيتامين.
ولم لا يصاب الإنسان إذن بتلك الأعراض القاسية للالتهاب العصبي إذا ما اعتمد في غذائه الخبز الأبيض لاسيما وقد أكد هذا القول نتائج تجارب قامت حول تغذية الحيوانات، فالكلاب إذا ما أطعمت بالخبز الأبيض فقط تمرض بالبري بري بعد أربعين يوماً والدجاج بعد عشرين، أما الفيران فيمضي اثني عشر يوماً. وفي كل هذه التجارب تلاشت أعراض المرض سريعاً عندما أضيف إلى دقيق القمح نخالة القمح، وإذا ما لاحظنا أننا قد لا نمرض إذا تناولنا الخبز الأبيض فإن لنا في بقية أصناف الطعام المتممة مصادر أخرى للفيتامين إذ نجد تلك المادة الأنتينويريتيكية خلاف الدقيق الأسود العالي الإنتاج في الخميرة بكميات كبيرة وفي الخضروات والفواكه الطازجة وفي الدرنات واللوز والبندق وصفار البيض واللبن والكبد واللحم الطازجة، ولا يتأثر الفيتامين كثيراً في هذه الأطعمة عند طهيها طهياً عادياً ولا يفقد قدرته الفعالة عند سواد الأطعمة فيموِن الجسم بكميات كافية من الفيتامين عندما نتناول ألواناً مختلفة من الطعام العادي. وهنا تضرب الطبيعة مثلاً غريباً في القناعة، إذ يكفيها يومياً من ثلاثة أرباع إلى واحد على الألف من الجرام من فيتامين الأنتينويريتيك ضمن الغذاء اليومي للقيام بمهمتها في حفظ كيان الإنسان وصونه من الأمراض.
ومن الثابت المحقق الآن أن مجال عمل الفيتامين الأنتينويريتيكي وموضع تأثيره هو عند تحول المواد في الخلية العصبية، ولذا نرى أنه عند غياب هذه المادة الحيوية تحدث الاضطرابات وأعراض الإصابة في محيط الجهاز العصبي. وزيادة على ذلك يعمل هذا الفيتامين على تنظيم عمل الغدد الدرقية وأخيراً وبفضل مجهود العالم إميل أبدرهالدن ثبتت أهمية هذا الفيتامين عند تمثيل الكربوهيدرات (المواد النشوية والسكرية) وأثر هذا أنه بغياب هذا الفيتامين تحدث اضطرابات في تحليل الجليكوجين (سكر الكبد) أو في أية مادة سكرية نشوية تبقى في الجسم كاحتياطي من الكربوهيدرات، ونتيجة ذلك ازدياد كميات سكرية نشوية في الكبد وفي عضلات وأنسجة القلب ازدياداً غير عادي، وتأخذ هذه الكميات في الهبوط والنزول عند تموين الجسم ثانياً بفيتامين
ومع أن البحث العلمي بذل قديماً جهوداً عظيمة في سبيل
التعرف على طبيعة تكوين هذه المواد الحيوية التي تكفي منها
كميات ضئيلة لحدوث تأثيرات بيولوجية هامة في جسم
الإنسان، ورغم تعاون الكيمياء مع علم الطب لم تثمر هذه
الجهود ولم يتحقق إلا حديثاً بعض الحلم في تحضير الفيتامين
في حالة نقية. إذ توصل الكيميائي فونك الذي تردد ذكره
مرات في هذا المقام إلى تحضير بلورات دقيقة من نخالة
القمح استخدمت منها أجزاء ضعيفة من الألف من الجرام
الواحد في علاج حمام مصاب بالبري بالبري، فكان لها مفعول
السحر في شفاءه كما حضرت كذلك خلاصة من الخميرة كان
لمفعول أربعة أجزاء من الألف من الجرام منها أثر بالغ
العجب في إزالة أعراض الالتهاب العصبي في حمام مصاب
بالبري بري، وفي ردهة اجتماع مؤتمر طب المناطق الحارة
الذي عقد في برلين عام 1911 وضع العالم الألماني شاومان
في حنجرة حمامة كسيحة مريضة بالبري بري - حبيبة من
الفيتامين الخام كان من أثرها الشافي أن طارت الحمامة في
اليوم التالي في جو ردهة المؤتمر. ولم تتضح درجة نقاء هذه
المنتجات المحضرة إلا بالمقارنة. وعندما توصل العالمان
الهولنديان، يانسن ودونات ، في سنة 1926 بعد تحضير
وتنقية تامة لبلورة محضرة من نخالة الأرز حالت كمية منها
لا تزيد على عشرة أجزاء من مليون من الجرام دون إصابة
حمامة رغم تقديم غذاء البر بري لها ورغم هذه الجهود
الجبارة المضنية من يانسن ودونات، فلم يثبت أن المادة التي
استخلصاها ونقياها ذات تركيب كيميائي واحد، ولم يتوصل
أحد إلى معرفة الحجر الأساسي لهذا البناء الكبير، وكذلك
الاحتفاظ بسر تركيبه قبل العالمين الألمانيين: أدولف ونداوس،
فريتز لاكور & وذلك في أواخر عام 1931، إذ تمكنا مع
مساعديهما من إزالة الستار عن الفيتامين وتحضير مادة نقية
بلورية من الخميرة يكفي منها جزءان من المليون من الجرام
لإظهار أثر حميد في شفاء حمام مصاب بالبري بري. وقد
وصلا إلى تحضير كمية هي 100070 سبعين على ألف من
الجرام من مائة كيلو جرام من الخميرة بينما توصل غيرهم
من الباحثين إلى تحضير نضف جرام فقط من ألفي كيلو جرام
من الخميرة مع الفارق العظيم في الإنتاج الصناعي، وللآن لم
يذع أي شرح كيميائي تفصيلي لطبيعة هذه المادة.
والمعروف عن فيتامين الأنتينويريتيك فقط أنه يتركب من الكربون والإيدروجين والآزوت والأكسجين، وأحياناً من الكبريت، وأنه سهل الذوبان في الكحول والماء، وأنه يتأثر بالحرارة الطويلة المدى عند درجة 120ْ وأنه لا يتأثر عند الإغلاء القصير المدة. ولو قدر يوماً ما الوصول إلى الإحاطة التامة بالتركيب الكيميائي لفيتامين البري بري والإعلان عنه، فسوف لا يصل العلم إلى هذا الفتح قبل الاصطدام بنواحي وأبواب كثيرة موصدة، إذ كلما تعمق العلماء في حل لغز الفيتامين تكشف لهم أنهم ليسوا حيال فيتامين واحد، بل أمام مجموعة من المواد الحيوية، بل المعروف الآن أن ما اعتبره الباحثون فيتامين ليس إلا مجموعة تكون من خمسة فيتامينات مختلفة على الأقل والتي منها ما تكلمنا عنه في هذا الباب تحت عنوان فيتامين الأنتينوترتيك (الفيتامين المضاد للالتهاب العصبي) أو فيتامين البري بري أما الفيتامينات ، ، فلا يعرف عنها إلا ما استنتج من التجارب الغذائية التي أجريت على الحيوانات وهي معرفة علمية نظرية بعيدة عن الناحية العملية - بينما تأثيرها وصلتها بفسيولوجيا الإنسان فلم تعرف بعد. أما الفيتامين فلصلته القريبة الهامة بالتمثيل عند الإنسان ووجوده في الطبيعة ملازماً للفيتامين فسنخصص له الكلام في المقال القادم.
عبد اللطيف حسن الشامي
البريد الأدبي
أدهم قال لي
حضرة الأستاذ الجليل رئيس تحرير الرسالة
تضمنت كلمة الأستاذ عبد الغني حسن دعوة لأصدقاء المغفور له إسماعيل أدهم أن يكتبوا عن مقدار ما وصل إليهم من العلم عن عقيدته. ولقد منعني أن اكتب عنه أنني كنت أتوعده بأن أكتب عنه. فلما مات منتحراً تحرجت من إنفاذ الوعيد!
على أن الذي قدم الانتحار بكتاب إلى النيابة يطلب فيه تشريح جمجمته لم يفته أن يتحداني في يوم انتحاره بمطالبتي أن أكتب عنه بعد موته، ولم يفته أن يختار للتحدي أقوى وسيلة عرفتها من وسائل الإغراء، وهي أنه أهداني كتاب ميخائيل نعيمة عن جبران خليل جبران، وسألني عما إذا كنت أستطيع أن أكتب عن صديق لي مثل هذا الكتاب إن مات.
أما أني كنت قد توعدته بالكتابة عنه فلذلك قصة تدل على طريقة تفكيره وعلى مقدار ما عانى من المتاعب التي أفضت إلى الانتحار بسبب هذه الطريقة:
ذلك أنني دخلت منذ أقل من عام إلى مكان اجتماعنا المعتاد في نادي جماعة الفنون الجميلة ومعي كتاب (هتلر قال لي)، فدار الحديث بين المجتمعين، وما فيهم إلا مصور أو مثال أو شاعر أو أديب، عن شخصية هتلر. وانفرد أدهم بالثناء وذم الإنجليز والمصريين والمسلمين، وأسرف في كل ذلك أشد الإسراف، فتوعدته إن لم يكف أن أضع كتاباً أجعل عنوانه (أدهم قال لي) وأدون فيه آراء أدهم كما سمعتها منه.
سكت أدهم إلى اليوم الذي انتحر فيه. وفي هذا اليوم طلب إليَّ أن أكتب عنه كما قدمت. فهل اكتب؟
أرجو أن يجيبني مجيب فإني حائر أتلمس النصح.
عبد اللطيف النشار
اضطراب في مقال
حضرة الأستاذ الجليل صاحب الرسالة
بعد التحية، كتب الأستاذ الدكتور زكي مبارك في حديثه ذي الشجون بعنوان (إلى
المنصورة وطن الشعر والخيال) في عدد الرسالة رقم 378 ما يلي:
(بعد ساعة واحدة من الشروع في كتابة هذه السطور آخذ طريقي إلى المنصورة وطن الشعر والخيال؛ فهل تلقاني المنصورة بالضم والعناق وهي كناس الحور العين؟)
واستطرد الدكتور فعرج على بعض ذكرياته إلى أن ذكر الجهود الشاقة التي بذلها أدباء الطليعة في مصر (الستة أو السبعة كما كتب الأستاذ الزيات منذ ثلاث سنين في عدد مضى بالرسالة) حتى وصلوا إلى السيطرة الأدبية، ثم قال:
(وقد رجعت من المنصورة بعافية لأني لم أبت فيها غير ليلة واحدة؛ فلم يتسع الوقت لعقابيل الوجد حتى تجرب حظها في القدرة على تجريح قلب تكسرت فيه النصال على النصال).
ثم استطرد الدكتور فذكر ما لقي بالمنصورة وما فعل. والذي يقرأ هذا الكلام يرى بعضه يناقض بعضاً إذ كيف يقول الدكتور في أول المقال إنه سيأخذ طريقه إلى المنصورة بعد ساعة واحدة من الشروع في كتابة تلك السطور ثم يعود بعد كتابة عمود واحد فيقول إنه رجع من المنصورة بعد أن أمضى بها ليلة واحدة. فالمعنى لا يمكن أن يستقيم إلا على فرض كون الدكتور قد كتب بعض مقاله قبل أن يأخذ طريقه إلى المنصورة ثم عاد فأتمه بعد رجوعه منها أي بعد يوم كامل على الأقل. وبفرض حدوث هذا فهلا كان واجباً أن يشير الدكتور إليه ليمنع اللبس وليستقيم المعنى.
لعل الإسراع في الكتابة إلى جانب احتمال أن يند بالقلم - كما يقول الدكتور تعليقاً على من أخذ عليه فتح كلمة (سجية) في بيت الشعر المشار إليه هناك - يمكن أن يشرد بالذهن مما نود دائما أن ننزه عنه قلم أديبنا الكبير الدكتور زكي مبارك.
وتفضلوا يا صاحب الرسالة بقبول إجلالي وإكباري.
(المحلة الكبرى)
محمود أحمد وصيف
القراءات السبع
حضرة الأستاذ الكبير صاحب الرسالة
السلام عليكم ورحمة الله. وبعد فقد كتب الأستاذ الباحث علي الطنطاوي في العدد 379 من الرسالة الغراء (كلمة في القرآن) جاء فيها:
(واقتصر الناس على الحرف الواحد حتى نشأ النحاة وأهل اللغة والقراء؛ فوقع بينهم اختلاف كبير في حركة أو إمالة أو مد أو همز فكان من ذلك القراءات السبع).
وهي عبارة تفهم القارئ أن للنحو واللغة والقراء مدخلاً في اختلاف القراءة. وما أظن الأستاذ - وهو باحث فاضل - يعتقد ذلك أو يميل إليه؛ فإن الحق الذي لا شبهة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأ أمته على الأحرف السبعة تخفيفاً وتيسيراً؛ وأن هذه القراءات المشهورة الآن - وإن تكن على الحرف الذي اقتصر عليه عثمان رضي الله عنه حسماً لمادة الخلاف - مروية عنه صلى الله عليه وسلم بطريق التواتر، وإنما لم يكتب المصحف العثماني مشكولاً منقوطاً تيسيراً لقراءته على الأوجه التي صح سماعها عن صاحب الوحي قطعاً. ولا غرابة في أن يكون للحرف الواحد أوجه كثيرة؛ ومن ذلك - مثلا - اختلاف الكلمة بين الاسمية والحرفية في مثل قوله تعالى (فناداها من تحتها) قرئ بكسر (من) وفتحها. ومن ذلك اختلافها في حرف المضارعة في مثل قوله تعالى (وما ربك بغافل عما يعملون) قرئ بالتاء والياء ومن هذا أيضاً اختلاف حركة الإعراب في نحو قوله جل ثناؤه (واتقوا الله الذي تسألون به والأرحام) بنصب كلمة (الأرحام) وجرها.
فلو كتب المصحف الإمام مشكولاً منقوطاً لثبتت به قراءة واحدة فقط، وفيه من الحرج ما فيه. لكن لما كثر الناس ونشأ اللحن خيف على القرآن الكريم أن يلحن فيه، وان يقرأ على غير وجهه، فطلب زياد بن أبيه - وكان أميراً على العراق - إلى أبي الأسود الدؤلي، وهو من كبار التابعين المتقنين للقراءة أن يضع للناس علامات تضبط قراءاتهم ففعل، وكان ذلك مبدأ للشكل ثم النقط.
هذا، وأكبر الظن أن الأستاذ اطلع على تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير، وعلى الشفا للقاضي عياض، فوجد فيهما بغيتيه أو ما يدنو منهما. ولعل علماءنا لا يزالون يرون أنه ما ترك الأول للآخر شيئاً، أو أنهم ينتظرون من الشباب الناهض همة وإقداماً على أني أؤيد الأستاذ في ما ذهب إليه، وأسأل الله للعاملين سداداً وتوفيقاً.
هذه عجالة نمد بها سن القلم، أو نرفع بها سهو الكاتب، ولعل صدر الرسالة الغراء - وهي
رسالة العلم والدين والأدب - ينشرح إن شاء الله لتحقيق معنى الحديث الشريف (أنزل القرآن على سبعة أحرف).
طه محمد الساكت
مدرس التفسير والحديث بمعهد القاهرة
أخلاق القرآن
أورد الدكتور عبد الوهاب عزام الآية الكريمة التي ختم بها بحثه في أخلاق القرآن هكذا: (تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك نطبع على قلوب الكافرين) وقد نطق بها كذلك في حديثه في المذياع وصحتها: (. . . كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين) الأعراف (101) وأعتقد أنها اختلطت في ذهنه مع الآية الأخرى (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين) يونس (74).
حسين محمد الأنصاري
سؤال
على قمة جبل قاسيون أثران قديمان على شكل قبتين يعتقد أنهما شيدتا للرصد، وقد اختلفت أقوال العلماء فيمن بناهما، فأرجو ممن عنده علم به أن يخبرني على صفحات هذه المجلة الغراء وله مني الشكر.
(سائل)
تعقيب
سيدي المحترم رئيس تحرير الرسالة
سأل الأستاذ محمود المرسي خميس في عدد الرسالة 376
الصادر بتاريخ 1691940 (لمن تعطى الأفضلية في الاهتداء
إلى من اشتركوا في معنى واحد؟) ثم سأل: (أنقول إن المعاني
شائعة ولا تجوز الملكية والاختصاص؟) وأظن إن هذا السؤال
جدير بالبحث من الوجهة الأدبية.
فالذي يعرفه كل مطلع على الأدب العربي أن الشعراء يتفقون كثيراً في المعاني بل وفي بعض الألفاظ في البيت الواحد، وقد تعرض لذلك النقاد ووضعوا للأمر قانوناً عادلاً من قوانين النقد ساروا عليه في كل ما تعرضوا له في هذا الصدد.
ذلك القانون هو أن (من استرق شيئاً واسترقه، فقد استحقه) أي أن الشاعرين بصرف النظر عن أيهما أسبق للمعنى يَفْضُل أحدهما الآخر إذا اشتركا في معنى واحد بجودة الصياغة وحسن السبك واختيار الألفاظ إلى غير ذلك من أصول البلاغة. فقد كان الناس ينشدون بإعجاب بيت الأعشى
وكأس شربت على لذة
…
وأخرى تداويت منها بها
فلما جاء أبو نواس بعد هذه المرحلة الطويلة من الزمن بين الشاعرين، وأخذ هذا المعنى بعينه وحسن فيه على قدر ما وسعه تملكه من زمام البلاغة ثم قال:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
…
وداوني بالتي كانت هي الداء
لما قال أبو نواس هذا نسي الناس بيت شاعرهم الأول وحكموا لأبي نواس بفصل الخطاب، واصبح هو صاحب المعنى ومبتكره وعلى ذلك قس كل شاعرين أو أديبين اشتركا في معنى من المعاني.
(الخرطوم - سودان)
(ا. ب)
إلى علماء النحو في جميع الأقطار
1 -
تقول كتب النحو من صغيرها إلى كبيرها: إن مميز العدد من ثلاثة إلى عشرة حقه أن يكون جمعاً، مثلاً سبع ليالٍ، وثمانية أيامٍ، وخمسة آلاف. . . فما بالنا نقول (وتسكتون
على هذا القول): ثلاثمائة، وخمسمائة، وتسعمائة. . . بإفراد لفظ مائة الذي هو تمييز للعدد، ولم نقل ثلثمئات، وخمسمئات و. . . كنص القاعدة، وكما نقول في الألف، وما وجه العلة في جمع الألف دون المائة؟
2 -
وتقولون: إن ألفاظ العدد من ثلاثة إلى عشرة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث، فما قولكم في قوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)؟ حذف التاء من عشرة مع إضافتها إلى الأمثال وواحدها مذكر! وما تعليل ذلك؟
3 -
وقلتم إن (لن) حرف وضع للنفي المؤبد (والعياذ بالله)! فإذا كان ما زعمتم صحيحاً، فمالي أقرأ في كتاب الله تعالى قوله (فلن أكلم اليوم إنسياً) فأرى كلمة اليوم في الآية جاءت بعد النفي بلن فأفسدت قاعدتكم، واقتلعتها من أساسها، ولو كانت (لن) لتأبيد النفي كما وهمتم لما كان هناك موجب لتقييد هذا النفي باليوم!. . .
وكذلك أقرأ قوله تعالى (ولن يتمنوْه أبداً) فأراني متحيراً في إيراد لفظ أبداً بعد لن، ولو صح ما قلتموه من تأييد النفي بلن لكان لفظ (أبداً) تكرار لا داعي له، والأصل عدمه.
وحاشا لكلام الله أن يخضع لأحكامكم!. . .
أفتونا فيما جئتم به من علم في كتبكم، وهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
مصطفى محمد إبراهيم
مدرس لغة عربية
القصص
صفحة من حرب الجبابرة
جيوكندا
للأستاذ محمد محمد مصطفى
السماء يومئذ تمطر شهباً تزلزل الأرض وتفتت الصلب، والمدفع تصم الآذان وتدك البنيان، والقذائف تشمل الجو ناراً ودخاناً. وانقلبت (بورجيا) قرية فرنسا الجميلة إلى حطام يلتهب وأنقاضاً تنفر منها الشياطين، وزخرت الطرق والمزارع بالنازحين منها والدبابات في أثرهم ترسل عليهم الموت ولا عاصم لهم منها إلا العراء.
وانتهت (جيوكندا) إلى ظل من ظلال الغابة، فجلست مكروبة محزونة تنظر من خلال الدمع إلى القرية وقد أضحت يباباً.
لقد ماتت أمها كمداً لمصرع وحيدها في الميدان، وكان أبوها مسبوتاً على فراش المرض فبات تحت الأنقاض.
ووقفت تنتفض ذعراً وهي ترى جموعاً مائجة ولججاً هائجة من دبابات الألمان تطوي الأرض وترسل ضوضاء وصفيراً يحطم العصب ويوهن القلب، ومع ذلك فقد كانت مدافع الفرنسيين ترسل عليهم لظى من نار، فلا يقفون ولا يهزمون كأنما قد بسط لهم أديم الأرض.
ودنت منها الدبابات متراصة تنفث لهباً وموتاً، وتترك ما وراءها صعيداً جرزاً، فجرت هالعة إلى غير هدف، ولبثت في عدوها تنظر بين الحين والحين إلى الوراء فترى الدبابات تقترب منها فتواصل العدو، وأضناها السير فسقطت لاهثة وانية ثم غابت عن رشدها.
- أأنت قائد فرقة باصقات اللهب الخامسة والستين؟
- نعم.
فحول الجنرال نظره وعبث بشاربه الأشيب وتمتم بصوت خافت:
- ولكنك صغير السن. . .
فأردف القائد الشاب:
- كبير القلب مخلص لألمانيا والزعيم.
- حسن. . . ألم يسبق لك الاشتراك في معارك؟
- كان لي شرف الاشتراك في حصار (لييج)
- تقضي أوامر الفوهرر بألا تقف دبابتك ولا تتراجع وسيكون هجومك على جبهة تمتد تسعين ميلاً من (بورجيا) دمرتها لك الطائرات وستسوق أمامك ألوف النازحين ليكونوا لك درعاً وليوقعوا الارتباك في صفوف الحلفاء.
والآن ما اسمك أيها القائد؟
- جون فريتش.
- إلى العمل يا جون فريتش. . .
لما اقتربت الدبابات من (جيوكندا) كانت نفس القائد جون فريتش تنازعه إلى إبعادها من طريق الدبابات.
. . . ولما حملها بين يديه أفاقت وابتسمت له ابتسامة لو مات على أثرها لما أسف على نعمة تركته في الحياة.
. . . ولما سألها عن وجهتها لم تدر بم تجيب.
. . . ولما جلست إلى جانبه بالدبابة ألهاها كثرة ما بها من عدد وآلات.
قالت بعد ما أدركت أنها بين ألمان:
- أتسوقون المدنيين هكذا كالنعاج؟
- إنها أوامر الفوهرر. . . والحرب لا ترحم.
- وتقولون إنكم تنتشلون العالم من ربقة الديمقراطية وتريدون به السلام؟
- لا شك في ذلك.
- فماذا أفاد حكمكم فيما اكتسحتموه من بلاد؟
- قضاء على الرأسمالية وأصحاب الثروات.
- وتقولون إنكم تناهضون الشيوعية؟
- ليس في القضاء على بطالة العمال بلشفة لهم. . . فأي عدل ترين يا فتاتي في رجل يملك الملايين وينام عمال مصانعه على الطوى؟
- ذا نصيبهم في الدنيا (وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات).
- درجات. . . وليس ملايين الدرجات فلا يكون البون بين صاحب المصنع وعامله ساشعاً. والعامل الذي انتج الربح له قسم فيه وللدولة مثله لتثقف به أولاد ذلك العامل، فليست العبقرية وقفاً على أولاد الأغنياء.
- تالله أنتم أعداء لكل ما يحرص عليه المتمدينون من تقدم اجتماعي وحرية بشرية، وما من أمة تبيت اليوم في أمان من ظل الصليب المعقوف. وقهقه القائد حتى بدت نواجذه وقال:
- يا صغيرتي العزيزة. هاأنت ذي ترين جنود الحلفاء يفرون من وجه آلاتنا التي أنتجتها عقولنا، فهل من بين علمائكم من يستطيع أن يصنع شيئاً يقفنا ولو لبضع ساعات. . . والعقل الذي يذلل العلم لرغباته والأمة التي تخفف الفوارق المادية بين طبقات الشعب فلا يكون فيها فاحش الثراء ولا من يسمو بالفقراء، هي أرفع مدنية من أمة تتخم خزائن أفراد قلائل منها بالذهب ولا يجد العامل الذي أنتجه ما يقتات به كفرنسا أو مصر التي يسخر شعبها بأزهد الأجور لخدمة القلة من الأغنياء والتي دل الإحصاء على أن اثني عشر ألفاً منها يملكون نصف الثروة العقارية للبلاد مما لا أعرف له مثيلاً في بلاد أخرى.
وعملت هذه الملمات في نفس الفتاة عملها، وذكرت أولئك الغارقين في لذائذ الدنيا من أثرياء قومها، وما لقيته من شظف العيش في قريتها فأطرقت وأغرقت في صمت طويل، حتى إذا ما شارف سيل الدبابات على (باريس) كانت قد طوت نفسها على أمر.
(يبدي الفوهرر خالص ثنائه على المعاونة القيمة التي قدمتها الجاسوسة س 107 في الميدان الفرنسي).
وأفتر ثغر س 107 وهي تقرأ الرسالة الشفوية وملكها الزهو فأعادت قراءتها ثم سلطت عليها زفيراً من فمها تلاشت على أثره السطور وألقتها مزقاً في الطريق.
وأخذت سمتها شطر محطة (بوردو)، تلك المدينة التي كانت مسرحاً لعملها الشاق، وذكرت ذلك الحان الذي قضت فيه الوقت كله بين جواسيس الحلفاء تبيع لهم الخمور وتستدر الأسرار من الصدور، وسمعت صوت أقدام تتبعها فالتفتت في ذعر فلمحت شبحاً يقترب منها ويهمس في أذنها:
- أأنت س 107
فلما سمعت صوته هتفت:
- ميجر براون. . . لم جئت؟
- برسالة يا جيوكندا. . . وناولها إياها.
فهتفت نفسها:
- ترى أتكون من جون؟
. . . (تقوم فجر اليوم س 107 إلى مدينة إيفيل وترحل مع الهاجرات إلى دوفر لتتلقى الأوامر من ل 14 الذي سيستقبلها بربطة عنق زرقاء).
وألقت على الورقة زفيرها فابيضت ورمت بها إلى الطريق.
قال (ل 14):
- شاء الفوهرر أن يترك قليلاً من قوات الحلفاء التي رحلت عن (دنكرك) لتصف الأهوال التي أذاقها لهم الألمان، فيكونوا لألمانيا خير دعاة، فعليك تصويرهم في أسمالهم لدى نزولهم من البواخر لتزين بها المنشورات الألمانية التي تلقيها الطائرات على إنجلترا. . . والساحل الإنجليزي يا. . .
فأشارت إليه بالسكوت فهمس:
أقول إن الساحل الإنجليزي حاجز من الجحيم ضد القوات التي تحاول اختراقه فعليك مراعاة الدقة في تنفيذ هذه التعليمات، ومد لها يده بورقة.
وأبدت (جيوكندا) من الحذق والمهارة في الحصول على صور الحصون وأوكار المدافع وحركات الجنود والقوافل البحرية ما ألهج ألسن الجستابو بالثناء.
وجد قلم المخابرات البريطاني في تعقب الجاسوسة س 107 وضاق بحيلها ذرعاً، فهي آناً مهاجرة حليفة، وآناً ممرضة تندس بين الجنود، أو متطوعة توزع الحلوى في المعسكرات والمستشفيات ومالأها الحظ فكان يكلل مجهودها بالنجاح.
وطلعت عليها الصحف بنبأ الهدنة، وأخذ المارشال بيتان بنظم ألمانيا الاشتراكية، فخمدت فيها جذوة النشاط.
لقد أدركت غايتها وأصيب الهدف الذي كانت تسعى إليه.
ولكنها تعلم أن الجاسوس لا يمكنه التخلي عن عمله لأي حال كان. . .
وفرت جيوكندا على باخرة تعيد اللاجئين إلى فرنسا.
واستقبلها الجستابو على رصيف ميناء (كاليه)، وابلغها الأسف الشديد لصدور الحكم بإعدامها.
وشدهت جيوكندا وفرقت وهتفت بصوت خائر:
- ألا يشفع لي ما قدمت يداي لألمانيا من خدمات؟
سقطت (باريس) تحت أقدام الألمان فخيم على مدينة النور الظلام. . .
وأخذ حذاء القائد (فريتش) يدب في رفق على إفريز (السين) ولم تزل صورة (جيوكندا) تعبر في فكره وتتسلل إلى قلبه فتثير فيه الألم والشجون، ومرت بخاطره خيبته في إقناعها بالعدول عن الالتحاق بالطابور الخامس وإصرارها في عناد وقولها له في حزم:
- فلن أهدأ حتى تتحطم الرأسمالية في فرنسا وأرى بعيني فيها نظم الريخ.
وتصور أنها الآن تضرب في أرض الدنيا لا تكاد تستقر في بلد حتى يأمرها الجستابو بالانتقال إلى آخر.
وملكته رغبة ملحة في رؤيتها والوقوف على حالها.
ربما اعتقلت. . . ومن يدري لعلها أعدمت بالرصاص، وأفزعه هذا الخاطر فخفق قلبه الملتاع وتهالك على مقعد قريب وقد تولاه طائف من الوجد والذهول. . .
ووثبت صورة جيوكندا أمام ناظره تتهادى على صفحة السين الساكن ترنو إليه بعينين تحكي خضرة البحر، وشعرها الذهبي الهفهاف يداعبه النسيم
وبدا له أن الجاسوسية أنهكتها، وأن شبح الإعدام أرهف أعصابها، ورآها بعين الخيال تهرع إليه وتسرد عليه ما خاضته من أهوال، وهو مع ذلك لاه عن حديثها بضمها وشمها ولثم ثغرها العطري كأنفاس الياسمين.
ودبت خيوط الفجر في فحمة الليل فهب القائد من حلمه الجميل يمشي خفق الفؤاد مبلبل الفكر، وحينما مر بجريدة (باري سوار) التي اتخذت مركزاً للجستابو، طرأ عليه أن يسال صديقه الميجر (براون)، فعلم أنه أوصل لها رسالة سرية في بوردو وأنه رآها تركب عربة. ثم أردف: وأحسب أنني سمعتها تقول للسائق إلى (إيفيل).
وبذل الميجر لصديقه معاونة صادقة حتى علم أنها في دوفر ولكن دوفر واسعة، ووصول الألماني إليها مستحيل
. . . واخذ القائد يفكر ويفكر. . .
وانتشله من أفكاره صوت طرق الباب ودخل ضابطة المساعد وبيده الثبت اليومي لمن طلبت القيادة والجستابو إعدامهم بالرصاص، فألقى عليه نظرة عجلى، ولما أراد التوقيع عليه علق نظره باسم جيوكندا، فازدلفت تحت ناظره الأرض وانتفض قلبه في صدره كطائر مذبوح.
وكذب عينيه وقام ينهب الأرض إلى ميدان الإعدام.
وألفى فاتنته الموموقة معصوبة العين بين طابور المحكوم عليهم تقف مهيضة النفس كاسفة البال.
يالها من لحظة هائلة. . . لقد آن موعد إعدامها. . . وأي محاولة لإنقاذها تفقده شرفه وحياته. . . فكيف السبيل؟
وشحب لونه شحوباً هائلاً وغلى رأسه كالمرجل واصطرعت فيه أفكار سود.
اقترب القائد من جيوكندا وهمس في أذنها كلمات.
وأمر الضابط أن يقف الإعدام لحظة ينهي فيها أمراً عاجلاً ويعود. وعاد بعد دقائق.
قال القائد فريتش لضابط الإعدام:
- أمتأكد أنت من حشو بنادق الجنود؟
- كل التأكيد يا سيدي. . . وتفضل بالتفتيش.
ومر القائد على الجنود. وفتش بنادقهم واحداً واحداً ليتأكد من حشو جميع البنادق. وسقطت من يد القائد رصاصة أحد الجنود فانحنى الجندي لأخذها، ولكن القائد كان أسرع منه في التقاطها ووضعها بيده في بندقية الجندي. . .
وأشار القائد. . . فدوى الرصاص.
- ولكن المعجزة يا جون. . . كيف تمت؟
- كان جنوناً أن أراك تعدمين يا جيوكندا ولا أفعل شيئاً فهمست لك أن تتماوتي لدى إطلاق الرصاص وأتيت بطلقة فشنك وحشوت بها بندقية الجندي المكلف بإعدامك بدل التي
تعمدت إسقاطها عند التفتيش عن بنادق الجنود.
فطبعت جيوكندا قبلة طويلة على ثغر جون فريتش.
محمد محمد مصطفى
بإدارة مدرسة البوليس