المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 397 - بتاريخ: 10 - 02 - 1941 - مجلة الرسالة - جـ ٣٩٧

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 397

- بتاريخ: 10 - 02 - 1941

ص: -1

‌فلسفة الضحك

للأستاذ عباس محمود العقاد

والذي ذكرني هذا الموضوع نعى الفيلسوف الفرنسي (برجسون)، لأنه صاحب رأي من الآراء المعدودة في (فلسفة الضحك)، ولأن الأشياء التي توضع في الذهن موضع المتناقضات من دأبها أن يذكر بعضها ببعض؛ فالبكاء من ألزم الأشياء لفجيعة الموت، والضحك يناقض البكاء على جميع الألسنة، وإن لم يكونا في الواقع نقيضين أو طرفين متقابلين

فالحزن نقيض السرور ولكته ليس بنقيض الضحك؛ وقد يحزن الحيوان الأعجم ولكنه لا يضحك أبداً ولا يستطيع أن يضحك، إذ الضحك خلة إنسانية ملازمة للعقل والضمير. ويقال: إن الإنسان حيوان ضاحك، كما يقال: إن الإنسان حيوان ناطق: كلاهما وصف لا ينفصل عن التمييز الإنساني ولا يكون لغير الإنسان

وهنا ينبغي أن ننبه إلى أن قهقهة القرد ليست من الضحك إلا في الصوت، وأن الببغاء قد تحاكي الإنسان الضاحك كما تحاكي الإنسان المتكلم، ولكنها جميعها أصداء وأصوات ليس لها من التمييز المنطقي نصيب

ولا غرابة في أن يُعرَّف الإنسان بالضحك كما يعرَّف بالمنطق والتمييز، لأن المنطق هو الذي يجعلنا نضحك، وكل عمل مضحك فهو في حقيقته منطق ناقص أو قضية يختل فيها القياس والترتيب

ومن ثم يضحكنا الأطفال لأنهم لا يحسنون القياس، ولكنهم يركبون القضايا المنطقية تركيباً في نقص واختلال

فالطفل الذي يرى أباه يحلق ذقنه فيصر على أن يحلق ذقنه مثله يقيس قياساً منطقياً لا يدري موضع النقص فيه

وكذلك الطفل الذي يصيح في أهله أن يردوا شعره إليه بعد حلقه، إنما يقيس الشعر على الأشياء التي تؤخذ منه وترد إليه كلما شاء استردادها، فيخطئ القياس

والكبار الذين يضحكوننا إنما يصنعون مثل هذا: يقيسون ويخطئون القياس، ويكتفون بالمحاكاة ولا يتصرفون

ص: 1

ولو أننا نظرنا إلى كبار الممثلين المضحكين لوجدنا أنهم يتعمدون اخطأ على هذا المنوال، ويتبعون أسلوباً في وضع الأمور في غير مواضعها يتنوع ويختلف على حسب أمزجتهم وملكاتهم ولكنه يلتقي في خلة واحدة وهي اختلال القياس

فلوريل وهاردي مثلاً قد أُدخلا السجن في إحدى رواياتهما ثم استطاعا الإفلات منه ونعما بالسكر والنزهة وهما مفلتان، فلما طاردهما الحراس في الطريق هربا إلى باب السجن يلتمسان الخلاص هناك: قياس منطقي لا شك فيه، ولكن النقص فيه ظاهر للمتفرجين وإن لم يظهر للممثلين على حسب الدور الذي كانا يمثلنه

وشارلي شابلن قرأ فلسفة الضحك للفيلسوف برجسون قبل أن يمثل لنا الإنسان الآلي الذي يأكل بالعدد المتحركة في روايته (أنوار المدينة)، وكذلك لاحظ هذه الفلسفة على ما نظن في الكلمات التي كان يغنيها بغير معنى ولا وحدة في بعض مواقف تلك الرواية، لأن مذهب برجسون أن سبب الضحك هو تصرف الإنسان كما تتصرف الآلة، بغير تمييز بين المتفقات والمختلفات، وبين ما يقتضي التغيير وما ليس يقتضيه

وهذا مذهب مطابق لما أسلفناه من تعليل الضحك باختلال القياس أو الاطراد على نسق واحد لا يوجب الاطراد

رجل دخل السجن مرة فهرب وسكر وطرب فهو يحسب كل دخلة إلى السجن منتهية إلى هذه النتيجة، ويمضي على هذا السنن كما تمضي الآلة التي تأتي بحركة واحدة ولا تقدر على تغييرها إذا تغيرت الدواعي والموجبات

فاضحك إنما هو سلاح الإنسانية للمحافظة على المرتبة التي وصلت إليها فوق الجماد وفوق الحيوان، ومن هنا استحال على الحيوان أن يضحك لأنه لم يصل إلى هذه المرتبة وليس عنده من التمييز ما تستدعيه

ومذهب برجسون هذا هو جزء متمم لفلسفة كلها في حقيقة التطور وحقيقة المادة والفكرة، فهي تركيبة شاملة يفسر

بعضها بعضاً ويقوم الدليل من إحدى نواحيها على إثبات سائر النواحي. وله براعة في هذا التوفيق مع سهولة في

التعبير لم يرزقها فيلسوف حديث بعد (شوبنهور) الذي انفرد بهذه المزية بين فلاسفة

ص: 2

الألمان وسائر الفلاسفة في عصره

وللقارئ أن يراجع النكات أو المواقف التمثيلية التي أضحكته ليعرضها على هذا المذهب، فهو واجد فيها لا محالة تصرفاً هو أشبه بحركة الآلة منه بتمييز الإنسان الناطق، أو واجد فيها شيئا من وضع الأمور في غير موضعها وقياسها على غير مقياس صحيح

ومن أمثلة ذلك تلك النكتة التي تروى عن ظريف من أبناء البلد يقول عن أحد الأطباء إنه يعلق مريضاً على باب المستوصف!

فذلك الطبيب على حسب هذه النكتة يرى أن أصحاب الدكاكين يعلقون على وجهاتها نماذج مما يعملون فيه، وهو يعمل في المرضى ويستمد منهم تجارته، فلماذا يا ترى لا يعلق مريضاً على باب دكانه؟

وهذا هو التصرف الآلي كما يقول برجسون، أو هذا هو القياس بغير المقياس الصحيح

ومن أمثلة ذلك (حانوتي) في إحدى الروايات الهزلية التي عرضت بمسارحنا المصرية يملأ جيوبه بالمناديل المطوقة بالسواد ليقدمها إلى الباكين من أهل الموتى على سبيل الإعلان (عن المحل)!

فالتصرف في هذا الموقف كتصرف الطبيب المزعوم، والقياس هنا كالقياس هناك

ومن الواجب أن نفرق بين موضوع الضحك وبين شعورنا الذي نواجه به الإنسان المضحك، فإنهما شيئان منفصلان كل الانفصال كانفصال حقيقة الجمال عن شعورك أنت بالإنسان الجميل

فنحن نعطف على الطفل الذي نضحك منه، ونزدري الرجل الكبير الذي يصنع مثل صنعه، وننفر من المغرور المكابر الذي يبعث الضحك والسخرية، ونألم للمريض الذي يخطئ كما يخطئ الأطفال وأشباه الأطفال، وما من إحساس من هذه الأحاسيس داخل في طبيعة الضحك وحقيقته الفلسفية، بل هو عارض يلازم الضحك أو يفارقه ويكون عند هذا الإنسان على خلاف ما يكون عند غيره: فقد يؤلمني ما يوجب الازدراء عند الآخرين؛ وقد تغتبط لرؤية العدو في موقف السخرية وتأسى لرؤية الصديق في ذلك الموقف بعينه

إن نعي برجسون لم يذكرني فلسفة الضحك وحدها بل ذكرني أموراً كثيرة منها ما يحزن ومنها ما يبعث الرجاء

ص: 3

ذكرني نصيب الفلسفة بيننا نحن المصريين منذ عشرات الآلاف من السنين، فلم يكن للفلسفة قط نصيب حسن بين المصريين أقدمين كانوا أم محدثين

لم؟ لأن الدولة القوية تنشأ إلى جانبها الكهانة القوية، ولأن الكهانة القوية قد استأثرت في مصر القديمة بالبحث عن حقائق الكون وأسرار الحياة، وأدخلتها في عداد المراسم الدينية التي تفرضها على الأفكار، ولا تسيغ فيها التجديد والابتكار

أما بعد انقضاء الدولة القديمة والكهانة القديمة فالاستعباد علة محققة من علل القضاء على الفلسفة في هذه الأمة، لأن الفلسفة هي المعرفة التي يطلبها العقل لذاتها أو يطلبها لذاته؛ فهي من مطالب الأحرار وليست من مطالب المستعبدين الذين يريدون ما يرادون عليه ويحصرون همتهم في المنفعة والجزاء

وقد ينبغ بين هؤلاء المستعبدين حكماء من معنى الحكمة التي هي اختبار واتعاظ وانتفاع بتجارب السابقين

أما الحكماء من معنى الحكمة التي هي نفاذ إلى كنه الحقائق، فظهورهم وارتفاع شأنهم بين المستعبدين مستحيل أو كالمستحيل

هاتان علتان أرضاهما لتعليل كساد الفلسفة بين أبناء هذه الأمة في الزمنين القديم والحديث، ولا بد من مرانة طويلة على الحرية قبل أن يزول هذا الأثر من آثار الاستعباد

ولكن هل العلة التي أرضاها هي العلة التي تطابق جملة الأسباب؟ وهل هي دون غيرها التي تطابقها، أو هنالك علل أخرى يقول بها من ليس يرضيهم من أمر هذه الأمة ما نرضاه؟

العلل التي تقال في هذا الصدد كثيرة، ومنها ضيق الواعية وانطباع الذهن على سهولة التفكير والتقيد بالمحسوسات والعمليات

ومنها قلة الجد والجلد وأخذ الحياة بالظواهر والوقوف بها عند السكك المطروقة والعادات المكررة التي تصد عن الإبداع وتغلق منافذ الاستغراب والتساؤل والاستطلاع

وكلتا العلتين تستند إلى الأخرى، وكلتاهما لا نرضاها ولا نجزم بنفيها لأننا لا نرضاها!

قلنا إن نعي برجسون ذكرنا أموراً تحزن وأموراً تبعث الرجاء. فهذا الذي يحزن وهو حزن هين في عرف الكثيرين!

ص: 4

أما الذي يبعث الرجاء فهو تلك النبوءة التي أنبأ فيها الفيلسوف بهزيمة السلاح المادي أمام الآداب الإنسانية يوم أن نشبت الحرب الماضية وكان الناس في شك من عقباها لما شاهدوه من بطش السلاح المادي خلال المعارك الأولى

فقد كان برجسون مؤمناً بغلبة الروح على القوة المادية، وكان يبني ذلك الإيمان على مثل السبب الذي اعتمده في تعليل الضحك، وهو أن التقدم الإنساني مرهون بتقدم الروحيات على الآليات، وأن الإنسان لم يخلق ضاحكاً ليصبح آلة مغلوباً بقوة الآلة، بل خلق ضاحكاً ليسخر من الآلات، ومن يردونه إلى حكم الآلات.

عباس محمود العقاد

ص: 5

‌أخلاق القرآن

صلة الأرحام

للدكتور عبد الوهاب عزام

(خاتمة)

أمر القرآن الكريم بالرحمة العامة والإحسان الشامل - الرحمة التي تنال القريب والبعيد والإنسان والحيوان، والإحسان الذي يعم الناس جميعاً ويشمل كل فعل وكل قول. . .

ثم خص ضروباً من الناس فوكد الأمر بالإحسان إليهم وكرر الوصية بالبرّ بهم، ومن هؤلاء ضعاف الناس من الفقراء واليتامى إذ كانوا أحوج إلى العطف، وأجدر بالبر، وأولى بالإحسان.

وممن وكد القرآن الأمر ببرهم والإحسان إليهم، ذوو القرابة لأن القريب أعرف بقريبه وأدنى إليه، ولأن الإحسان العام يبدأ بالقرابة ثم يتسع فيعم، ولأن مودة القرابة تمكن الأواصر بينهم وتشيع المحبة فيهم، وتقربهم إلى التعاون. ومن هذه المودة في القربى تستحكم روابط الأسر، ومن الأسر تتألف الأمة متينة الأساس محكمة البناء. فمودة القربى دُربة على المودة العامة، وتمهيد للإحسان الشامل. والقطيعة بين الأقرباء فساد وإن صغر كبير، وشر وإن قل مستطير، وعلة في النواة تبين في الشجرة، وخلل في الأسرة يظهر في الأمة

لذلك وكد كتاب الله الأمر بمودة ذوي القرابة وصلة الأرحام ولا سيما الوالدان

عظَّم القرآن صلة الأرحام إذ قرن تقواها بتقوى الله تعالى فقال: (واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام إن الله كان

عليكم رقيباً). وأمر بتوفية القرابة حقها إذ قال: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل). وقرن قطع الأرحام

بالإفساد في الأرض إذ قال: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)

وقد جاء في حديث الرسول صلوات الله عليه وسلامه أن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من

ص: 6

خلقه قالت الرحم: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب. قال: فهو لك) وقال رجل للرسول: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) فقال: (تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) وفي الحديث أيضاً: (لا يدخل الجنة قاطع)

ذلكم أمر القرآن والسنة بصلة الأرحام عامة والنهي عن قطعها. وأما بر الوالدين خاصة فقد أعظم القرآن أمره، وكرر الأمر به في آيات كثيرة. وحسبك أن القرآن قرن الإحسان إلى الوالدين بتوحيد الله، وشكر الله بشكرهما في آيات قال:(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا) وقال: (قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا) وقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.)

بل أمر القرآن الكريم أن يحسن الولد المسلم إلى أبويه غير المسلمين وإن دعواه إلى الكفر واجتهدا في ردّه عن الإسلام. قال: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك. إلىّ المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)

وجاء في الحديث أن رجلاً سأل رسول الله أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها. قال ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله. وروى عبد الله بن عمرو (أن رجلاً قال للنبي: أجاهد. قال: ألك أبوان؟ قال نعم. قال: ففيهما فجاهد.) وقد ذكر رسول الله الكبائر فقال: (الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين.)

وأما الإحسان إلى الأولاد فله من شفقة الوالدين ما يغني عن الترغيب والإيصاء؛ ولكن يقع في البشر شذوذ يصيب الولد بقسوة الوالد. وقد علم القرآن الناس البر بالأولاد ولا سيما البنات فعصم دماءهن وجعل لهن حقاً في الميراث، ورفع مكانة المرأة وجعل لها مثل ما عليها من الحقوق والواجبات

وفي رسول الله أسوة حسنة للوالد الشفيق والأب البار. قبّل رسول الله الحسن بن علي

ص: 7

وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. فنظر إليه رسول الله ثم قال: من لا يرحم لا يرحم. وقال أعرابي للنبي: تقبلون الصبيان؟ فما نقبّلهم. فقال: (أو أملك لك آن نزع الله الرحمة من قلبك؟)

هكذا أشاد الإسلام بحقوق القرابة وأواصر الأسرة ووكد رعايتها وجعل لها مسحة من التقديس، لأن الناس لا يتاحبون ويتوادون ويتعاونون إلا ان تبدأ هذه المحبة وهذا التعاون من الأسرة، ثم تتسع عاطفة الخير فتعم القريب والبعيد، وتفيض على الأمة كلها ثم تنال الناس جميعاً

وإنّا لنرى اليوم أواصر الأرحام تنقطع، وعرى القرابة تنفصم، وبناء الأسرة يهن بما بعدنا من قرآننا وديننا وتاريخنا وسنننا. شغل رب الأسرة عن أسرته، وثارت بالأولاد الفتنة، وظن الأحداث إن الحرية أن ينتهكوا حرمات الأسرة، وأن الجِدّة أن يثوروا على سلطان الوالدين

ألا إن على المصلحين أن يطبوا لهذا الداء، وأن يبذلوا ما يملكون من فكر وعمل في تقوية أواصر القرابة وإحكام بناء الأسرة على قواعد من الحب والإيثار، وإكبار الكبير والعطف على الصغير، والتعاون على الخير والحق

خاتمة

قصصت عليكم طرفاً من أخلاق القرآن، وحدثتكم بنبذة من آدابه وشذرة من وصاياه، وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

تكلمت عن العدل، والوفاء بالعهد، وعن الإحسان والصدق والصبر والعفو ولم أرد أن أستقصي أخلاق القرآن وآدابه فهي شريعة الإسلام الأخلاقية كلها، وهي تهدي إلى ما بعدها وترشد إلى ما وراءها. والقرآن الكريم كنز من الأخلاق لا يفنى، ومنبع للفضائل لا ينضب. فليت المسلمين يرجعون إليه ليتبينوا سننه، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتأدبوا بآدابه، لتكون لهم عصمة في هذا العصر المفتون، وقبساً وعزاً من هذا الذل، واجتماعاً من هذه الفرقة، وعلماً من هذه الجهالات، وهدى من هذه الضلالات، ولتكون لهم بعد الشقاء سعادة، وبعد الشدة رخاء، وبعد العسر يسراً.

أَلا إن كتاب الله الكريم لا يدعو إلى أخلاق الصوامع كما بينت لكم، ولكن يدعو إلى أخلاق

ص: 8

تسعد الناس في معارك الحياة، وترشدهم في فتنها، وتوفي بهم على الغاية التي أرادها الله لخلقه، وهدى لها عباده، وبعث من أجلها رسله. الأخلاق التي يحيا بها موتى الشقاء لا التي يموت بها الأحياء. وإن فيها لسعادة الفرد والجماعة وسعادة الناس كافة، وإن فيها لنجاة العالم من كوارثه، وخلاصه من مهالكه، وإنما هي السلام في نفس الفرد، وفي جماعة الأسرة، وفي نظام الأمة، وفي مجتمع البشر. وهل هي إلا تخليص النفس من ضلالاتها، وتطهيرها من أرجاسها، وإبراؤها من أهوائها، ثم حكمها بعدل الله الذي يبصّر بالواجب كما يبصر بالحق، ويدعوا إلى العطاء كما يدعو إلى الأخذ، وينزل الناس على حكم الإنصاف المؤلف للقلوب، والألفة المعينة على الخطوب، والتعاون الذي يذلل الصعاب، ويُبلغ المقاصد، وينيل المطالب، ثم إقامة الجماعة في نظام جامع من الإنصاف والألفة والمودة والتعاون يرد عداوتهم محبة، وحربهم سلاماً، وظلمهم عدلاً، وجشعهم قناعة، ويجمع القلوب والعقول والأيدي على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

إلى هذه الأخلاق يدعو القرآن، وإلى هذه المقاصد تقصد أخلاق القرآن. فمن لي بأن يهتدي المسلمون بها لتهدي الأمم بهم؟ ومن لي أن يلجأ المسلمون إليها ليكونوا لها حجة قائمة وإليها دعوة صادقة، ويذكروا أنهم أمة واحدة يهديها كتاب واحد، وأن أخلاق هي الوشائج التي تجمعهم والسنن التي تنظمهم، والأسطر التي تؤلف بين كلماتهم؛ ثم يحذروا أن يذهب نظامهم بدَداً، واجتماعهم اضطراباً، بما فرطوا بما أورثوا من هذه الأخلاق القويمة، وهذه السنن الصالحة، وهذه القوانين الجامعة

يقول الله تعالى: (إن هذا القرآن للتي هي أقوم). ويقول: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. ولا يزيد الظالمين إلا خسارا). صدق الله العظيم.

عبد الوهاب عزام

ص: 9

‌الحديث ذو شجون

للدكتور زكي مبارك

البلبل العائد إلى الروض - بيني وبين أصدقائي

البلبل العائد إلى الروض

كنت أحب أن أجزي الأستاذ البشبيشي ثناءً بثناء، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ولكن غرامي بالمشاغبة غيَّر مقام الخطاب، فأنا سألقاه بالملام لا بالثناء، وهو المسئول عما سيقع في كلامي من قسوة وعنف، لأنه حدثنا أنه مُقْبلٌ على أمر عظيم هو العودة إلى الروض، وقد كادت كلمته بالرسالة تشهد بأنه يعاني مشقة أليمة في رياضة جناحيه على النهوض، بعد طول القرار بأرض الهُجود، إن جاز الوهم بأن الغفوة تجوز على قلب ذلك الصديق

وما لي لا أقول الحق فأصرح بأني أخاف على الأستاذ البشبيشي عواقب العودة إلى روض الأدب والبيان؟

أنا أخاف على هذا الصديق أشد الخوف، لأن ماضيه القريب داني على أنه تعرض لغضب الأدب مرتين، ولو شئت لقلت إنه تعرض لغضب الله مرات. . . ولكن كيف؟

نسي الأستاذ البشبيشي أو تناسى أن الله يسوق المكاره إلى النوابغ من وقت إلى وقت ليفتح عيونهم وقلوبهم على ما في الوجود من أنوار وظلمات، ونسي أو تناسى ان الله يطالب أولئك النوابغ بالحمد على تلك المكاره، لأنها في الواقع نعم سوابغ

فما الذي صنع ذلك الصديق وقد تفضل الله بامتحانه مرة ومرتين ومرات ليشرع القلم في وصف ما يعتلج في ضمير الوجود من آراء وأهواء وحقائق وأباطيل؟

أُوذيَ البشبيشي بالظلم والغدر والعقوق، فهل استفاد قلمه من ذلك الإيذاء؟

أيكون آثر العفو عن ظالميه؟ إن كان ذلك فما الذي صدر عن قلمه في ذلك الصفح الجميل؟

المهم هو ان ينتفع الكاتب من جميع الظروف، فيكون لقلمه حنين ورنين وصرير وزئير، وفقاً لاختلاف الأحوال من قلق وهدوء، وبؤس ونعيم، فإن ضيع هذه الفرص السوانح وترك عواطفه تخمد وتبيد فهو غير أهل للعودة إلى الروض، ونحن على صده قادرون، فليس منا مَن يضيِّع فرصة الانتفاع بمواسم القلوب في القبض والبسط واليأس والرجاء

ص: 10

إن روض الأدب ليس حديقة مصقولة الحواشي كالحدائق التي تقام في قصور الأمراء والوزراء، فتلك حدائق لا تغنِّي فيها البلابل إلا وهي محبوسة في أقفاص، أو ما يشبه الأقفاص من المغاني المسقوفة بأسلاك الحديد

روض الأدب ليس من تلك الحدائق حتى يقول الأستاذ البشبيشي إنه قادم للغناء وفي يده وَترٌ حنّان هو قلمه البليغ

هيهات، هيهات، وإنما روض الأدب جنة وحشية تشبه الجنة التي اعترك فيها الخير والشر والهدى والضلال لعهد آدم وحواء

في روض الأدب أزهار ورياحين، وفيه أيضاً أشواك وحيات وشياطين

هو روضٌ وحشي تجاورَ فيه الكِناس والعرين، واقترب فيه عش الطائر من وكر الثعبان، وأنتَ واجدٌ بذلك الروض ما شئت من صنوف السم والترياق، ففيه أنهار من الشهد وبحار من الصلب، وفيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أفانين الود والحقد والصدق والبهتان

في ذلك الروض الوحشي لا يغرد البلبل إلا وهو مطمئن إلى أنه تفرد بالقدرة على السباحة في لجج الهواء. . . وفي ذلك الروض يزأر الأسد وهو واثق بأنه السيد المطلق، وفيه يبغم الظبي حين يعرف مسالك الأمان من كيد أولئك (السكان)

كل شئ حيٌ في ذلك الروض حتى هوامد الأعشاب وصوامت الغدران. فما الذي أعددت، أيها البلبل، لزيارة هذا الروض؟

ما أشد خوفي عليك، يا صديقي، فأنت فيما يظهر لم تسمع بأفاعي الرياض

البلبل في ذلك الروض يغني بالنهار، ويسهر خائفاً بالليل، لأنه يعرف أن في ذلك الروض خلائق مؤذية تتسلق الأشجار في الظلمات لتعصر رقاب البلابل ثم تبتلعها برفق؛ والموت هو الموت ولو جاء في أعقاب النشوة بكؤوس الرحيق

وأنا جربت الحياة في روض الأدب، وعرفت من أهوال ذلك الروض ما لا تعرف. وهل تعرف أني كنت في روض الأدب بلبلاً وأفعواناً ورئبالاً؟ هل تعرف أني غَنّيتُ ولَدَغتُ وهَصَرتُ؟ هل تعرف أني قابلتُ خلائق ذلك الروض بأسلحةً مختلفات: منها الصوت الرخيم، والناب المسموم، والمِخْلبُ الفاتك؟

ص: 11

وهل ألام على ما صنعت وأنا أعيش في مَسبعة سميتْ تفاؤلاً بالروض؟

وتقول: إنني اجتذبتك إلى هذا الروض؛ وما قلت إلا الحق فقد كان قلمي ولن يزال مسموع الصوت، مستجاب الدعاء، ولكن كيف أجتذبك؟ ما صنعت ذلك ترفقاً بك ولا عطفاً عليك، وإنما أردت ان تكثر النفوس في تلك المسبعة الفيحاء، ليذهب عني بروحك المؤنس بعض ما أقاسي من مُضجِرات الاستيحاش، إن صح لمثلي أن يتهيب العزلة والانفراد في روض السباع الضاريات

أما بعد، فهذا روض الأدب، وهذا بلبل يعود بعد طول الغياب، ليغَّرد فوق أفنان (الرسالة) الشَّجراء

والحق أنه لن يرى لأول وهلة أن روض الأدب من الغابات الوحشية، وكيف وفي ذلك الروض كتاب وشعراء وعلماء؟ ولكن العبرة بالخواتيم، والخواتيم في أيدي أناس غير أولئك، ناس لا يعرفهم ولا يعرفونه، وهم الذين يحكمون على الأدب وهو منهم براء

لو فهم كل قارئ ما تريد أن تقول، لكان من السهل أن يأتلف الأسد والغزال، والبلبل والثعبان

ولو فهم كل قارئ أن للكاتب حقاً في أن يؤدي رسالته بالأسلوب الذي يختار لعرف قومٌ أن لا موجب للحيرة في أمري وقد طويتُ محاسني ونشرتُ عيوبي، لأسلم من آصار التكبر والإزدهاء، ولأجعل الرأي في سعادتي وشقاوتي لمن تفرد بالعزة والجبروت، وله الحمد وعليه الثناء

هذا روض الأدب، وهذا بلبل يعود

أهلاً وسهلاً ومرحباً!!

ولكن يجب أن يعترف الأستاذ البشبيشي بأننا خصصناه بالأهل والسهل والمرحب، وهي ألفاظ لم نسمع بها في هذا الروض فما كان إلا مسارب صِلال ومدارج ذئاب

الأدب؟ الأدب؟

ماذا جنينا من أيامه ولياليه وقد سبَقَنا المتجرون بالنمائم والدسائس والأراجيف؟

إن الجاسوس يملك من الثروة أضعاف ما يملك الأديب، وأهون الحظوظ في الدنيا هي حظوظ الأديب؛ فأين من يتوجع لبلائنا بالدنيا والناس؟

ص: 12

آمنت بالله، وتُبتُ إلى الله؛ فما عرفت نعمةً أعظم من نعمة الخلوة إلى القلم في لحظات السيطرة الروحية على زمام الوجود

إلى القلم، إلى الروض، إلى مُعْتَرَك الهدى والضلال، إلى حيث نصافح بالفكر والروح شياطين النفوس وملائكة القلوب!

ومن الله الذي أقسم بالقلم وما يَسطُرُون نسأل الأمان من إخوان الزمان

بيني وبين أصدقائي

وأصدقائي في هذا الحديث هم قراء (الرسالة) الذين تطيب لهم مراسلتي من حين إلى حين، وهم خير الأصدقاء، لأن الصلات الروحية أعظم وأنفس من جميع الصلات؛ ومع اعترافي بهذه الحقيقة التي تؤنس روحي فأنا لا أؤدي حقوق هذه الصداقة إلا في أندر الأحايين، لأن صفحات (الرسالة) تضيق عن تسجيل ما يدور بيني وبينهم من فنون الأحاديث؛ فماذا أريد ان أقول لهم في هذه الكلمات؟

1 -

أريد أن أُطَمْئن الأديب (البيسي) الذي نقل إلي عواطف بعض إخوانه في الإسكندرية عما كتبته في تأنيب الشاب المقيم بإحدى قرى المنوفية، فقد عدّوا كلامي تثبيطاً لعزائم الشبان، وتخوفوا عواقبه في قتل مواهب ذلك الأديب الناشئ.

وأجيب بأن ذلك الشاب لم ينتحر - كما توقعت - وإنما أجاب جواباً يشهد بأنه خُلق للحياة لا للموت، وذلك ما كنت أبغي، فما يسرني أن تكثر الأرقام، وإنما يسرني أن تكثر الأعلام، وأديبٌ واحدٌ متمكن أنفع للأمة من ألوف الأدباء الموسومين بالجهل المصقول، وأعيذ الأديب (الدسوقي) أن يكون من هؤلاء

2 -

وأريد أن أقول للأديب (. . . .) إن ثناءه على ما أكتب في النقد الأدبي لا يغريني بالسير في ذلك الطريق إلى نهاية الشوط، لأن الجمهور يغيب عنه الفرق بين النقد والتجريح، وهو يتوهم أن لنا غاية في تعقب الآثار الأدبية بالتزييف والتصحيح. . . يضاف إلى ذلك أني أكره أشياء من بعض الناس، ففيهم من يعيش بوجهين، فيكتب إلي مشجعاً، ويكتب إلى من أنقدهم متوجعاً؛ كالذي صنع فلان حين رجا أن يكون كتابه خاصاً لا يصل إلى أسماع القراء! فهل تراهم سمعوا منه شيئاً؟! وهل عرفوا أنه يقيم في بلد يقيم فيه شاعر كبير اسمه أحمد. وهو غير الشاعر أحمد الكاشف؟

ص: 13

3 -

وأريد أن أقول لصاحب (جريدة مصر العليا) إني راض عن التسمية الطريفة لمصر الشَّمالية ومصر الجنوبية، وهو يعرف ما أعني

4 -

ثم أنظر في جريدة (الأحوال) البغدادية فأجد صورة (شارع فيصل) بجانب الكرخ، وتحت الصورة كلمات موجهة إلي برفق ولطف، كلمات دَّبجها أديبٌ كريمٌ عز عليه أن أشكو زماني فهو يقول:

(أنت أكبر من الزمان، ما دام لك إخوانٌ أوفياء)

وعندئذٍ أتذكر أن لي في العراق ذخيرة روحية، ثم أتذكر تمثال فيصل، فمع من جلست في رحاب ذلك التمثال وصدري يفيض بالكروب في ليلة عتاب:

يا روعةَ البدر في سَماهُ

وفتنةَ الزهر في الغصونِ

تناسَ ما شئتَ سوف تخبو

حرارة الدمع في الشؤون

وسوف تَبلَى على الليالي

غرائب الِّحر في العيون

أستغفر الحبَّ سوف يَبقَى

على صروف الأسى حنيني

وتذكرت الخطابات التي تلقيتها من الكرخ، وأجبت عنها بالصمت، فراراً من عواقب الافتضاح، وهل كنت إلا طيفاً زار في السحر بساتين الكرخ وبغداد؟!

5 -

وهذا خطاب من الأستاذ جاسم الرجب يشرح خلافاً بينه وبين الأستاذ شاكر الجودي حول مقال نشر في (الرسالة) بدون إمضاء، ثم فنّدته بعنف، ويرى السيد جاسم أن الناقد هو الكاتب، وأجيب بأني نسيت ظروف ذلك المقال!

أما ثورة السيد جاسم على فِلم (فتاة متمردة) ودعواه أنه يغضّ من المجتمع المصري فهو كلام لا أوافقه عليه، فذلك الفلم من الأفلام الجيدة، وقد شاهدته فأبكاني، وهو يمثل صورة من أزمات النفوس تقع في مصر كل يوم، وقد تقع أيضاً في العراق، لو التفت هذا الصديق إلى ما يمرّ بالنفوس من مكاره وخطوب.

6 -

وذاك خطاب من أخ صادق يقول فيه: (هل يذكر الدكتور زكي مبارك أنه ألقى في البريد المصري تذكرة واحدة لإخوانه في بغداد وما عرف فيهم غير الصدق والوفاء؟)

وأجيب بأن العراق شغلني عن العراقيين، ولو جمع ما كتبته في الجرائد المصرية عن العراق لكان مادة تكفي لتأليف ألف خطاب، فهل ينفعني هذا الاعتذار الطريف؟

ص: 14

وأنتهز هذه الفرصة فأوجه العتاب إلى رقابة البريد في مصر، فهي تفتح جميع الخطابات التي ترد إلي من العراق، فماذا ينتظر الرقباء؟ هل يتوهمون ان من المحتمل أن يكون في تلك الخطابات ما يستوجب السؤال والجواب؟

وماذا يصنع رجل مثلي أكثر من الذي صنع ليقنع قومه بأنه لا يعرف غير الهيام بخلق المودّات لمصر في أقطار الشرق؟ وكيف كانت تصير الصلات بين مصر والعراق لو صفح قلمي عمن حاولوا تكدير تلك الصلات؟

الرقباء ينفذون خطة يقضي بها الواجب، ولكن من حقنا على الدولة أن نذّكرها بأننا نعرف من المسؤولية مثل الذي تعرف، فنحن جنودها الأمناء، وما يجوز لها ان تؤذينا ولو بالتلميح، إلا ان يقال إن الرقباء لا يعرفون اسم زكي مبارك وهو عُذرٌ مقبول!

7 -

وأريد أن أشكر للأديب الذي يكتب إليّ من (فارسكور) حماسته البالغة في ملاحقتي بالنقد العنيف، ثقةً بأن خفاء اسمه ينجيه من بطش قلمي! ثم أرجوه أن يتذكر أن عنواني هو (مصر الجديدة) فلا موجب لهيام خطاباته بين إدارة الرسالة ووزارة المعارف، فقد يعرضها ذلك الهيام للضياع

أما التوجيه الذي ينتظره مني فهو سهل؛ فقد دلت رسائله على تباشير من الفهم الصحيح، ويكفي ان يثابر على المطالعة الجدية بدون انقطاع، وليقصر مطالعاته مؤقتاً على أطايب المؤلفات في الأدب الحديث، لأنه أقرب إلى الإفهام والعقول، إذ كان صوراً تمثل أذواق الناس في هذا الجيل، وله بعد ذلك ان يطالع من الأدب القديم ما يشاء

وأعتقد أن من حقه أن ينشر في (الرسالة) بعض خواطره، لأنه يملك القدرة على التعبير المقبول

8 -

وأريد أن أقول للأستاذ (م. م. م) إن نثرك أقوى من شعرك، وقوة الروح لا تعوزك، وإنما يُعوزك ما كان يسميه القدماء (شِدة الأَسر) في صوغ القصيد، فأرجو أن تكثر من حفظ القصائد الجياد ليرتاض طبعك على النظم الرصين

أما الأديب (مجنون القريض) فسيكون له بين الشعراء مكان

9 -

وأريد أن أقول للأديب (الصنعاني) إني تلقيت خطابه بأطيب القبول، ونحن أنصار الحرية في الرأي، فمن واجبنا أن نرحب بكل ما يؤيد دعائم الحرية، وإن أخطأ صاحبه في

ص: 15

التعبير عن قلبه السليم

10 -

وأقول للأديب اليأس سليمان بحوث إني لا أصدِّق أن في الدنيا رجلاً أغير مني على لغة العرب، فليس من حقه أن يتوهم أني لا أبالي قواعد النحو والصرف حين ألتمس وجهاً لضم الظاء من (الظرف) في نطق المصريين، وما شأن هذه المسألة في بالنحو الصرف، يا حضرة الأديب؟

أنا أقول إن (الظُرف) أخذ حكم (اللُّطف) عن طريق الإتباع، ثم بقى له الحكم مع الانفراد، وهناك علة ثانية وهي التمييز بين المحسوس والمعقول، والمصريون عرب، وهم لا يخطئون في لغتهم عن جهل، وإنما (يخطئون) لأسرار قد تخفى على بعض القراء، فنتوهمهم مخطئين وهم على صواب

والحق أنه لا بدّ من التماس العلل والأسباب لانحراف النطق عند بعض الجماهير، فذلك الانحراف قد يصدُر عن سليقة مستورة لا يتنبه لها اللغويون، وهذا ما أردت النص عليه، يا سيد (سليمان)

زكي مبارك

ص: 16

‌5 - أومن بالإنسان!

رد وتعليق

للأستاذ عبد المنعم خلاف

من الدفتر القديم - في حدود البداهة - فليكن قرداً نهض على

قدميه، ثم ماذا؟ - وارث الحياة - الشر يلد والعلم يدفن -

الأشقياء الهالكون - نتائج الإيمان بالإنسان ونتائج الكفر به -

أخلاق العلماء - الألمان والإنجليز والعرب - الهنادكة وعبادة

الأبقار والثعابين - صوفية شاردة تتخيل وصوفية مادية تتحقق

- استعلان سر الوجود على تفاوت - برغوث أبي العلاء -

مذهب هدامة - فترات التمهيد لظهور الإنسان - لا نقص في

غرائز الإنسان - العلم أضاف حياة للحياة - ما أشدت بأخلاق

الإنسان - الدولة كائن عضوي واحد - تقدم العلم وتخلف

الخلق - لو آمن بنفسه - يوم قريب - لغير المؤمنين

قرأت المقال الطريف لصديقي الأستاذ زكي نجيب محمود الذي أخرجه مخرج الإنكار لما ذهبت إليه من رأي في القيمة السامية لحياة الإنسان وتفرده بالسيادة بين الكائنات، وبتوجه منافع ما في الأرض كله إليه، وبتفرده بالتغلب على كثير من قوى الطبيعة الأرضية وتسخيره إياها، وببساطة الحياة في الأرض بدونه، وبقدرته على إيجاد عوالم ومعادن وصناعات ومدن وآثار ورسالات لم يكن في الحياة شئ منها، وبقيامه وسط دورات الأرض الأبدية المحدودة المكررة، بحياة حرة تذهب في أي اتجاه وتكاد تكون منفصلة عن حياة الطبيعة

ص: 17

وكنت أود أن أعيد في صدد الرد على صديقي ما سبق أن ذكرته في العددين 353، 356 من هذه المجلة رداً على سائل بيروتي سألني عن مسائل تدور حول الإنسان، وآخر مصري رأى أن يذكرني بحياة النظام والدقة التي تحياها أمم النمل والنحل وغيرهما حين رأى إشادتي بالقيمة السامية لحياة الإنسان، ولكن إعادة ذلك الحديث على قرب العهد به مما يضيق به صدري ويضيق عنه نطاق (الرسالة) ومنهاجها؛ فأحيل صديقي والذين قرءوا مقاله فأثر فيهم على هاتين المقالتين السالفتين فإن ما فيهما كفيل - فيما أرى - أن يلقي ضوءاً عريضاً غزيراً كاشفاً على الفروق بين أمم الحيوان وأمة الإنسان أبي العجائب. . .

غير أني أود أن أزيد هنا بعض أفكار أقدم قبلها أسئلة بديهية ألقيها على صديق خليفة (سليمان بن داود)(مفهم الطير والبهائم والمردة) والفراش المبثوث والبعوض والبرغوث:

هل رأى أو سمع أن أمة من أمم الحيوان والحشرات اصطادت إنساناً ووضعته في قفص وعرضته أمام الأنظار؟

وهل رأى أو سمع أن فرساً أو حماراً ألجم إنساناً وركبه أو حرث عليه حقله أو وضع على ظهره حمله؟

وهل رأى أو سمع ان جملاً أو فيلاً أو ديكاً أو خروفاً قدم لإنسان حفنة من شعير أو أعواد برسيم أو قدح ماء؟

وهل رأى أو سمع أن برغوثاً أو بعوضة أو فراشة صنعت دواء ووضعته في مضخة ماصة كابسة ثم أطلقته على الإنسان لتخدره أو تدفع أذاه أو تقتله؟

وهل رأى أو سمع أن حيواناً ما قطف زهرة ووضعها في أصيص يتأمل جمالها ويزين بها مسكنه، أو أقام معرضاً أو متحفاً للبذور والثمار أو منتجات الحيوان والإنسان؟

هل رأى أو سمع أن جماعة من الأبقار أو الأغنام ثارت على جزار وأمسكت به وذبحته وسلخته، وأخذت من لحمه وشعره وجلده وظفره منافع؟ أو على الأقل أدركت لماذا تساق هي إلى المذابح؟

هل اصطنع ذئب أو سبع من سباع الأرض سلاحاً يدفع به غائلة الإنسان ومكايده وحبائله؟

أترك لصديقي زكي أن يدرك سير الحياة بالإنسان، ووضعه بين الأحياء من خلال الأجوبة على هذه الأسئلة

ص: 18

ثم لنفرض ما يقوله بعض شراح نظرية النشوء والترقي صحيحاً من أن الإنسان أصله قرد نهض على قدميه. . . ثم ماذا؟

لقد سبق هو وتخلفت سائر الأنواع. . . إذا هو وحده كان محقوفاً بعناية الذي خلق الأنواع كلها حتى جعله في قمة الحياة العضوية الحيوانية، ثم بثق في رأسه بثقاً صار منبع عالم جديد عريض مخالف لسائر أساليب الحياة المعهودة، إذ جعله يصنع موجودات تفوق قدرة الحيوان، وقدرته هو على السرعة والاحتمال والنقل والسمع والبصر والتكبير والتجهير والتقريب، ولم نر غيره حيواناً يخترع آلة لصيد فريسته. ولم نر أمة من أمم النمل تخترع عجلة تحمل عليها الأثقال التي تعاني نقلها من مكان إلى مكان، ولم نر أمة من أمم النحل تفكر في دفع عدوان الإنسان على عسلها الذي تتعب وتدأب في جنيه واشتياره من رحيق الأزهار ونوار الثمار على كثرة ما جربت من غزواته لها، وكل حيوان يعيش في نطاق ضرورات حياته لا يتجاوزه. فلئن كان قانونا (الانتخاب الطبيعي) و (بقاء الأصلح) أقنومين عظيمين من أقانيم نظرية النشوء والترقي كما يعترف بذلك أنصارها - صديقي زكي منهم - فهما اللذان وضعا الإنسان هذا الموضع الممتاز. . . موضع القمة في سلسلة الأنواع. وما دام الإنسان استطاع أن يتغلب على سائر حيوان الأرض يستبقي منه ما له فيه نفع ويبيد منه ما يشاء ويجد من الطبيعة إقبالاً عليه وكرماً في إمداده بوسائل التغلب على ما يريد إبادته ولا يصده صاد عن اقتحام الغابات والأجمات والبحار والمناقع للصيد والتلهي بالقتل. . . ما دام الإنسان استطاع أن يفعل كل هذا والطبيعة تساعده على فعله فهو إذا الابن البكر للحياة في الأرض، وهو المقصود بها بحكم قانون (انتخاب الأصلح)، وهو وارثها لأنه الأقوى. . .

سيقول صديقي زكي: (وماذا أنت قائل في الجراثيم التي تفتك ببدن الإنسان لتعيش؟ تلك التي إن أفلح في نزع واحدة منها مما يسكن جوفه باضت له ألوف الألوف من صغارها؟)

وأقول: إن مصير هذه الجراثيم مصير غيرها من قطعان الوحش وسائر أعداء الإنسان التي تغلب عليها وتحصن منها وأوشك أن ينظف الأرض من غوائلها. . . وإن تاريخ كشفه لها قريب جداً، ومع ذلك استطاع أن يقيم أسباب المناعة منها في المسكن والملبس والمطعم والمستنشق. . . وما دام قد رصد حياتها وعرف أوكارها، وسلط عليها حرساً من

ص: 19

المجاهر والمخايير والعقاقير، فهو لا شك واصل إلى التغلب عليها في سائر البقاع ما دام قد تغلب عليها في مناطق المستشفيات ودور النقاهة وكثير من المنازل والمدن التي لا تهمل وسائل الوقاية العلمية. . .

وإنه لجهاد مشكور وأمر عظيم أن يقتحم الإنسان بعلمه وأدواته هذه المناطق التي عاشت دهوراً وراء نظره وفوق وهمه وتخيله. . .

وإنها لعناية من بارئ الطبيعة بهذا النوع أن يعرفه أعداءه واحداً واحداً ويمكن له في الأسباب حتى يتغلب عليها جميعاً. . .

وإنه لبدء حياة جديدة لهذا الإنسان في الأرض أن يعلم ما ظهر وما بطن وما خفي وما استعلن من هؤلاء الأعداء. . .

وأظن يا صديقي أن من السهل على الذي تغلب على أعداءه من الجراثيم الخفية أن يتغلب على غيرها من البراغيث الظاهرة. . . تلك التي حسبت واحداً منها جديراً أن يقض مضجعي فأشفقت عليَّ. . .

فلتلد بطون الشر والألم ما تستطيع من أطفالها. . . فستلد قوانين العلم مقامع ومهالك لهذه الأطفال. . .

وإن الأشقياء الهالكين في الحياة الدنيا هم الكافرون بالعلم وبالإنسان الذي أنتج هذا العلم. . .

أولئك الذين يعيشون بأساليب القرون الجاهلة العاجزة، وينظرون إلى الحياة نظر العجز وضعف الثقة بروح الإنسان وعقله، ونظر القاصرين الذين لم يدركوا ذلك النمو السريع للحياة الإنسانية في مدى قصير جداً من الزمن وهو أربعة آلاف سنة وهي عمر التاريخ الذي نعرفه. . .

أولئك الذين لم يدركوا بعد كيف قفز الإنسان في السنوات الخمسين الأخيرة من عمره قفزات حققت كثيراً من أحلامه في الانطلاق والسيطرة والإنتاج والاستغلال والتوليد والتقارب بين أجناسه وأقطاره واختزال المسافات والأبعاد وإقامة الأرصاد لحوادث الحياة وظواهر الطبيعة

أولئك الذين لا يزالون يعيشون كما كان يعيش آباؤهم الأولون الذين لم يكونوا يعرفون من

ص: 20

الدنيا إلا حدود البقعة التي ولدوا فيها أو القطر الذي ينتمون إليه. . . ولم يكونوا يعرفون أن في الأرض محيطات هائلة وقارات مجهولة وعوالم مستورة، وأن الأرض ما هي إلا كرة صغيرة جداً كذرة رمل في صحراء. . . الذين كانوا يبيتون في الظلام والبرد، وأنهارُ النور والنار على بعد ضربة معول منهم في منابع النفط والبترول. . . ويعيشون تحت رحمة غيض الماء وفيضه بدون أن يقيموا سداً أو خزاناً يحفظ الماء ويحفظهم من طغيان الماء. . . والذين كانوا يأكلون الموت ويشربونه في المطاعم والمشارب الملوثة بالجراثيم. . .

أولئك الذين كان كفرهم بالإنسان وعدم إدراكهم لسموه وتفرده بين سائر الأنواع السبب الأكبر فيما نراه يسود حياته من اصطناع أساليب الحيوان الفاتك الضاري المتشهي الغافل الذاهل عما يدور في السماء ويجري في الأرض من العجائب والمعجزات وأفانين الحياة. . .

وما يجر الشر والإثم والسفالة على النفس الإنسانية إلا غفلتها من مقامها الممتاز في الحياة، وإلا أخذها بظاهر الحياة الجسمية الآلية التي تجعلها والحيوان في حظيرة واحدة. وما كان جهاد أنبيائها وحكمائها الذين خطوا بها خطوات واسعة إلى الأمام إلا نتيجة لإدراكهم امتيازها وما فيها من قوى زائدة عما في غيرها من سكان الأرض. . .

وأخلاق العلماء شئ عظيم عميق لأنها أخلاق بنيت على العلم بأعماق النفس الإنسانية. وقد قال سقراط (الفضيلة معرفة، والرذيلة جهل)

والفرق بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد هو مبدأ الفلسفة الألمانية الحديثة التي سنها (نيتشه) للألمان فكان إدراكهم معنى السيادة وحديثهم حولها أكبر باعث لهم على نهضتهم الجبارة التي جعلتهم يفهمون في أنفسهم أنهم فوق مستوى سائر الأجناس

وأخلاق الإنجليز المبنية على ثقتهم بأنفسهم وتفردهم من بين سائر البشر بطبيعة ممتازة وروح ممتازة هي التي جعلتهم فوق المستوى الإنساني الحالي في الصبر والاحتمال والثبات وسعة الحيلة والوقار والسكينة في السلم والحرب

فهم يؤدون لهذا الاعتقاد تلك الثقة بالنفس مهرهما من الفعال الكريمة والصبر الجميل والدم العزيز والمال المبذول ولامساكن المترفة

ص: 21

وقديماً كانت العرب أمة ضائعة المكانة لما كانت مفقودة الإحساس بسمو نفوسها ومواهبها، مغمورة فيما يحيط بها من الطبيعة، مدمجة فيها، عابدة للحقير والجليل منها حتى تسمى أفرادها بأسماء الجماد والحيوان السافل والنبات الحقير: فقالوا حجر وصخر وكلب ويربوع وحنظلة، إلى آخر أسماء ما يحيط بهم، وطافوا بالأحجار والأشجار عابدين عاكفين. . . فلما أيقظهم موقظهم العظيم لأنفسهم وما فيها من امتياز على سائر ما يحيط بها فلا يليق بها أن تلتمس لشيء من هذا المحيط عبادة، ولا أن تبتغي إليه زلفى أو وسيلة، ولا أن تقدم إليه قرباناً من دمائها ودموعها وسائر قرباتها؛ بل يجب أن تبتغي بذلك كله وجهاً أسمى وقدرة أعظم لا تدركها الأبصار ولا تستوعبها الأفكار. . . حين هذا بدا السر الخفي في هذه النفوس الضائعة واستعلن كما يستعلن نور الصباح عريضاً في الآفاق، ومضى أفرادها إلى فجاج الأرض حاملين رسالة وموطدين دولة ومقيمين حضارة

وهانحن أولاء نرى (الهندوكيين) يأتون في عبادتهم للأبقار والحيات وكثير من الحيوان مخازي وسخافات تلطخ وجه الإنسانية بالحياء والخجل والعار. . . كل هذا لأنهم توهموا أن في البقر والثعابين سراً وروحاً مقدساً يعبد، فتركوها تعيش وتسرح وتهيم في الشوارع والبيوت والطرقات وهاموا وراءها وأكلوا روثها وشربوا بولها وتقربوا للثعابين ورحبوا بلدغاتها وموتهم بأنيابها وتركوا بلادهم تصاب بطواعين الأبقار التي تترك حتى تشيخ وتصير عشاً للجراثيم التي تنتقل منها إلى عابديها وساكني بلادها. . . والأبقار المسكينة في ذهول وغفلة عن قربات هذا الإنسان الضال وتقديسه إياها. . . فهي تبول عليه وتنطحه ولا تنفعه. . .

وهكذا كان الإنسان فريسة للأوهام وعبادة الأحجار والأبقار والجعلان والقطط والحيات وغيرها حين لم يكن مؤمناً بنفسه وطيد الثقة بها، فاهماً أن جميع ما في الأرض مخلوق له ومسخر لمنفعته. . .

ولست أدري من منا الذي أوغل في لفائف الصوفية وشرودها أنا أم صديقي زكي؟

إن صوفيتي مادية تؤمن بالعلم وتعترف بدولة الأجسام ولا تشرد وراء الأوهام، فلا تتخيل أن الإنسان العظيم الخصيم المبين الفكر المبتكر مخلوق ليكون طعاماً للبراغيث والبعوض والقمل. . . وإنما تعلم أن هذه الحشرات مخلوقة لحمل الإنسان على تنظيف جسده وثيابه

ص: 22

ومسكنه وبيئته من القاذورات والعرق والأتربة والمناقع الراكدة الآسنة. . . فلولاها لأصابه الكسل عن كثير من أعمال النظافة والتطهير والتجميل

وقد كانت هذه الحشرات تعيش في الأصل على النبات والحيوان، ثم لصقت بجسم الإنسان وتطورت بلصوقها به. فلا يصح أن يقال إن الإنسان خلق لأجلها. . .

وصوفيتي لا تخيل إلي (أن سر الوجود يستعلن في الجرثومة الضئيلة كما يستعلن في الإنسان والقرد والأفعى!) كلا. . . هناك فروق هائلة بين استعلان قدرة الله في الجرثومة ذات الخلية الواحدة ذات الوظيفة الواحدة، وبين استعلانها في الإنسان ذي الخلايا التي لا عدد لأنواعها وأشكالها وصورها وأوضاعها ووظائفها منفردة وموضوعة في مجاميع ومنتجة حياة كلية. هو كالفرق بين جزئ صغير في قالب حجر موضوع في عمارة من ناطحات السحاب، وبين العمارة نفسها بما فيها من زخرف وزينة. . . وفي هذا التشبيه تجاوز كبير وقياس مع الفارق الهائل. نعم إن الجرثومة شئ ثمين عظيم كأول خطوة في سبيل الحياة. . . ولكنها لن تبلغ مبلغ الإنسان الذي هو آخر خطوات الحياة وحلقتها النهائية كما تقول نظرية النشوء

وما أعتقد أن خالقاً عظيما حكيما يخلق كرة أرضية هائلة، ويجعل فيها رواسي من فوقها، ويجري فيها بحارها وأنهارها، ويقدر فيها أقواتها ليعيش عليها عالم من البراغيث أو النمال أو الثعابين أو الأبقار أو السباع عيشة أبدية بدون خليفة فائق عليها يستطيع أن يضع الحمل بجوار الذئب، والأسد بجوار الغزال، وكل عدو بجوار عدوه كما هو الحال في حدائق الحيوان. إن الحياة حينئذ تكون عبثاً وفيضاً لا يتلقاه أحد يعي ويفكر ويعمل في الأرض عملاً جيداً

وإن الصوفية التي تقول بهذا ما هي إلا شرود وراء الأوهام وعدم الإدراك لغايات الحياة والتمييز بين آفاقها

إنها صوفية كصوفية أبي العلاء المعري المريض شاذ الطبيعة الذي يقول:

تسريح كفك برغوثاً ظفرت به

أبر من درهم تعطيه محتاجا!

كلاهما يتوقى، والحياة له

عزيزة ويروم العيش مهتاجا

ولنتصور الناس جميعاً على مذهب أبي العلاء وبعض متصوفة الهند. . . لا يأكلون اللحوم

ص: 23

والألبان ولا العسل ولا سائر منافع الحيوان. . . ويتركون البراغيث والقمل والضفادع والعقارب والثعابين وسائر الحشرات، والسباع والبهائم حرة طليقة في الحياة ما دامت الأرض ميراثاً مشتركاً بيننا وبينهم، وما دامت جميعها مقصودة بالحياة، وما دام (سر الوجود) قد استعلن فيها استعلانه في الإنسان. . . فماذا تكون النتيجة؟

هي فناء الإنسان بفناء أقواته التي تأكلها قطعان الأنعام والسباع وعراجل الحمير وأسراب الطير والحشرات وغيرها. . . هذا إن عاشت وعمرت دهراً، فإن فنيت فالأرض خراب. . .

تساءل صديقي على لسان أحد حشراته: من ذا كان يستمتع بكائنات الله في الأرض قبل ظهور الإنسان؟

وأجيب: كان يستمتع بعضها ببعض ويعيش بعضها على بعض كما هو الحال الآن. . . فالسباع تأكل الأنعام، والأنعام تأكل النبات، والحشرات يعيش بعضها على النبات وبعضها على الحيوان. . .

ولكن ينبغي أن نعلم ما يقوله العلم من أن الحياة الحيوانية على الأرض لم تكن غزيرة ولا كثيرة الأنواع قبل عصر ظهور الإنسان. . . نظراً لقسوة عوامل الطبيعة من الأمطار والثلوج والبراكين والزلازل التي لم تكن تسمح بحياة كائن ضعيف؛ فلما استقرت القشرة الأرضية قليلاً وهدأت عوامل الغليان والتشقق، وصارت الأرض صالحة للحياة، خلق الله فيها الحيوانات الضخمة الزاحفة، ثم انقرضت بفعل الزلازل والفيضانات واختلافات الطقس. . .

وهكذا الأرض مرت بأدوار وراء أدوار حتى صلحت لحياة هذه الأنواع التي نراها تعمر الأرض. . . وكان كل هذا تمهيداً لإخراج ذلك النوع الذي صار خليفة الأرض وفاتح إغلاقها ومخرج أسرارها. . .

وفترات التمهيد لهذه الحياة الصالحة المعمرة لا يصح أن يعترض عليها معترض بأنها ضاعت هباء. . . فإن أيام الله ليست كأيامنا تقاس بالسنين الشمسية والقمرية، بل هي دهور بالنسبة لنا، ولكنها لحظات بالنسبة للذي خلق الأزمان ويدير الأفلاك دورات هو أعلم بمقدارها. . . والله أعلم متى ينضج الثمار!

ص: 24

زعمت فراشة الأستاذ أن علم الإنسان وأخلاقه هما سر تبجحه ودعواه الامتياز، مع أن علمه يكمل النقص الذي في غريزته وفطرته، ومع أن أخلاقه في مثلها الأعلى الذي تحلم به هي دون ما يسود من ممالك النمل والنحل من أخلاق. . .

وأنا أنكر إنكاراً باتاً أن يكون في غرائز الإنسان نقص يحتاج إلى تكميل، وأن يكون العلم هو هذا المكمل. . . وإنما أرى أن غرائزه التي تضمن له حياة آلية رتيبة كحياة أنواع الحيوان، غرائز كاملة يستطيع أن يعيش بها مفتتح حياته وتكفيه. . . فإذا نظرنا للعلم على أنه نتيجة لغريزة حب الاستطلاع فهو إذا أثر من آثار هذه الغريزة، ولكن لا يقال إنه تكميل لها إذ لا نقص فيها. . .

فالعلم نتيجة لهذه الغريزة كما أن الولد نتيجة للغريزة الجنسية. وحب الاستطلاع غريزة مشتركة في جميع أنواع الحيوان، ولكنها فيما عدا الإنسان محدودة بحدود ضرورات حياة الأنواع وفي الإنسان لا حد لها. ولذلك أنتجت للإنسان علماً زائداً عما يحتاجه وعما يمكن أن يدركه أي حيوان. وهذه القابلية الطبيعية الدائمة في هذه الغريزة هي التي أنتجت نمو علم الإنسان وفكره ونمو الحياة به دائماً. . .

والإنسان الفطري المحدود الذكاء يكاد يعيش بالغريزة وحدها فهو لا ينوع ما ورثه من الحياة ولا يزيد عليه ولا ينقص منه. وهو مع هذا يحيا وينمو وسط الأهوال. . .

فغرائز الإنسان التي تكفل له حياة كحياة الحيوان غرائز كاملة يحيا بها حياته الضرورية

أما العلم فيفتح له أبواب حياة خاصة منفصلة عن حياة الطبيعة. . .

فالقول بأن علم الإنسان يكمل النقص الذي في غريزته وفطرته قول غير مفهوم. . .

وأما الأخلاق الإنسانية الحالية فلم أدافع عنها بل نعيت عليها واعترفت بفسادها وقصورها إلا في قليل من الأمم وهي

التي أدركت أن للحياة الإنسانية قوانين تشبه قوانين الطبيعة في صرامة عقابها لمن يخالفها. . .

واعتقادي أن الدولة كائن عضوي يسري عليه ما يسري على أي جسم ذي أعضاء من وحدة المنفعة والضر. . . الدولة كالجسم الواحد لا يصح أن يترك فيه شئ فاسد ولو كان ظفراً وإلا فسد كله. . . ولا يليق أن يكون فيه عضو مريض وآخر صحيح بل يجب أن

ص: 25

يصح كله. . .

والقلب في الجسم يقذف الدم إلى كل خلية لتحيا، وكذلك يجب أن يقذف قلب الدولة إلى كل فرد فيها غذاء الجسم والفكر والروح ليحيا الحياة الكاملة

والفكر في الجسم الواحد حارس يقظ أمين يتلقى الرغبات ويصدر الأوامر، وكذلك يجب أن يكون قادة الأمم والمسيطرون عليها. . .

فأنا لم أشد بأخلاق الإنسان الحالية وإنما أشد بعلومه وفتوحه في مجاهل الكون، وأريد من وراء هذه الإشادة يقظة النفس المادية الدائرة مع الحديد البليد القاسي في غير وعي وإحساس إلى آثارها وتفردها بين الكائنات حتى تعلم وضعها الصحيح. . .

والواقع أن أخلاق الإنسان لم تتطور كما تطور علمه وفكره، بل لا يزال يعيش بمواريث التاريخ السيئة المغلوطة، ولم يجد له زعماء انقلاب في روحياته، كما وجد زعماء انقلاب في مادياته. . .

فالانقلاب الجسمي والآلي والصناعي في حياة الإنسان لم يصحبه انقلاب نفسي يجعله يصفي تركات الماضي في الأخلاق ويتحرر من مواريث التاريخ السيئة ويقيم حضارة روحية تناسب هذه الحضارة المادية التي أقامها في مدى السنوات الخمسين الأخيرة.

ولو آمن الإنسان بالإنسان وأدرك مدى الرحلة التي رحلها في الحياة والخطوات التي سارها في التاريخ ومركزه بين الكائنات كخليفة في الأرض خلف الله على جميع مقدراتها، وصنع فيها موجودات فاقت نماذج الحيوان في الدقة والاحتمال والسرعة والخدمة آلاف الأضعاف، وعرف أن الله ما كان ليعطيه هذه القدرة العظيمة على الصنع والإنشاء والافتنان إلا وهو به حَفيٌ، وعليه متفضل، وله مكرم، وإياه مسدود وموفق، ولتطوراته مرتقب ومنتظر بلوغه رشده؛ لو آمن بهذا كله لأسرع إلى إقامة الحياة على ما أقام الله الطبيعة عليه من العدل الموزون والرحمة السابغة والتوزيع الكريم، فإذا لم يذهب الإنسان إلى هذا طائعاً مختاراً كما فعلت أمم الشمال في أوربا، فسوف يذهب إليه مكرها بالحديد والنار في يوم أحسبه قريباً. . .

ملء يدي الاثنتين نصوص من القرآن تثبت أن جميع ما في الأرض خلقه الله للإنسان وخوله إياه واستخلفه عليه وجعله متاعاً وتذكرة له، ولكني آثرت أن أقدم حججاً من الفكر

ص: 26

الطليق والنظر الحر والعلم العصري حتى لا يقول قائل من المنكرين المفتونين: أساطير الأولين. . .

عبد المنعم خلاف

ص: 27

‌الموسيقى والغناء والحروب

للأستاذ محمود البشبيشي

لا تستطيع النفس أن تتخلص من مشاعرها وعواطفها لأنها بضعة منها، بل إن الشعور والعاطفة هي الحياة نفسها. . .

وما تُحسب من الأعمار أيام تمر من غير أن يشعر بها الإنسان ولا يصيبه فيها ألم أو فرح. . . وإذا كانت الحياة هي الشعور بما في الحياة كانت مصادر الشعور من أسس الحياة التي لا سبيل لإنكار وجودها؛ ومن هذه المصادر: الجمال، والشعور به هو عاطفة الحب والوفاء، والوطن، والشعور به هو عاطفة الحنين والفداء

وليس في مقدور الإنسان وقد خلق وفي نفسه تقدير الحسن من الأشياء، ألا يعجب ويتأثر. . . بل إن الإنسان إذا فقد هذا الشعور فقد معه صفة الإنسانية، وأصبح كالصخر يحتضن الزهر والشوك ولا يفرق بين رقة هذا وغلظة ذاك. . .

تمر الصور بالإنسان فيتأثر بها، وقد يزداد هذا التأثر فيصير حباً يلازمه، فيتعلق بها تعلق روح وقلب. فإذا فارقها تعلق بها تعلق ذكرى وحنين. وإذا طال الفراق، وتمرد الشوق، صاغ أشواقه نغماً ورتلها نشيداً؛ وإن ذلك منه لهو الوفاء بعينه، الوفاء الذي ضاق بأسلوب الحديث والكتابة. فخرج في أسلوب منغم منظم أصدق في التعبير عما فيه من عاطفة روحية من كل الأساليب

ومن هنا كانت الموسيقى والغناء!

كانت الموسيقى وليدة الإعجاب بالشيء، فهو شعور وعاطفة نحو هذا الشيء. وكذلك الغناء، كانت الموسيقى تعبير الروح الذي عجز عن عرضه اللسان بلغة الكلام، فهي إحساس روحي نبيل لا سبيل للخلوص منه، وكذلك الغناء

الموسيقى إذن من مادة الشعور والعاطفة والروح، وليست من مادة الفكر والمنطق والاجتماع. . . ومن ثم لا يعقل أن نقيدها بموازين الفكر والمنطق والاجتماع. وكذلك الغناء. فمثلاً مما يقع تحت النقد الدعوة إلى تثبيط العزائم وقت الحروب. ومما يقع تحت النقد تنفير الناس من الجهاد بأساليب الخوف والتهاون

ومما يقع تحت النقد اشتغال القوم بالنظريات الفكرية والجدل والخطر يتوثب! كل هذا قد

ص: 28

ينتقد لأن من ورائه الضرر

ولكن ليس من المعقول أن ينتقد التعبير الموسيقي في مختلف صوره الوجدانية وكذلك الغناء

لأن الموسيقى من الشعور، والشعور فوق القيود، بل هو قيد اتجاهات الحياة فينا

فقد يجوز أن تنتقد فكرة أو رغبة أو طريقة حياة وعمل، لأن العقليات صاحبة الحكم هنا، تتفاوت وتتباين. يجوز هذا ولا يجوز أن تنتقد وتنكر أو لا تقبل قطعة موسيقية وجدانية، لأن المشاعر والأحاسيس تتلقاها، إما بعاطفة الطرب للنغم، أو بعاطفة الحنين والذكرى؛ والمشاعر في الحالتين محتاجة لها

ومن ثم لا يجوز لكائن من كان أن ينكر أناشيد العاطفة وموسيقى العاطفة في زمن الحروب

لأنها صورة من صور الروح الإنسانية، وعبير من مشاعرها ولون الحياة فيها، ولا يمكن أن تقيد أو تفقد. . . بل من العار أن يتجرد الإنسان منها، لأنه حينئذ يتجرد من آدميته - وإن ظن بعض الناس غير هذا - إنه لو تجرد منها فقد أصبح لا يقيم لحوادث الحياة وزناً، وساء تقديره لمؤثرات العيش. . . فلا حظ يحركه، ولا حزن يؤرقه، ولا فرح يطربه، ولا شوق يقلقه. وغاية القول إنه لو تجرد من عواطفه التي تطرب للنغم الوجداني في كل زمان ومكان، سقط من سجل الوجود، لأنه حينئذ لا يتأثر بما يدور في المجتمع وما يطرأ عليه من تقلبات الحياة

أجل، إن من لا تتأثر عواطفه، وتتحرك مشاعره، ومن لا تكون في نفسه عقيدة الحب لا يكون جديراً بالحياة ولا تنتظر منه المنفعة، ولا يكون فيه رجاء وغناء. وكيف وقد انفصل عن كل شئ، فلا تربطه عاطفة بشيء!!

يا قوم إن موسيقى العاطفة والحب تلهب في النفس الحنين وتؤجج الشوق. واشتداد الحنين والشوق إلى المحبوب مثلاً يكون في الجندي خاصة ألواناً من المثل العليا منها الرغبة في حماية هذا المحبوب لتدوم له السعادة به، وحمايته تقتضي حماية الوطن لأنه منه، وما الوطن إلا موطن الأهل وروض الأحبة

ومن هذه المثل الشعور بالعاطفة الروحية التي تربطه بالمحبوب. وإن هذه العاطفة نفسها لصورة مصغرة لما يربطه بوطنه الذي يرتع في ظلاله ويحب

ص: 29

وحقيق بالذي ينجذب إلى محبوب ويحس بعاطفة روحية نحوه، ويميل إلى حمايته أن ينجذب إلى الوطن، وتتغلغل عاطفة الوفاء له في نفسه، ويجد نفسه مدفوعاً إلى حمايته، لأنه بذلك يحمي الأحبة فيه

وقد تكون الأغنية الوجدانية أشد أثراً في إشعال حمية المحارب من أي مؤثر آخر، لأنها تحرك في نفسه رغباته ورغبات الأحبة، وتهيج أشواقه وأشواقهم، وتصور آماله وآمالهم، فيستميت في القتال رغبة في النصر، ويرد الموت حباً في الحياة، بل حباً في العودة إلى الحبيب قاهراً لا مقهورا

والموسيقى في حالة الحرب والسلم ترتفع بالإنسان عن عالم الأرض فيحتقر الأغراض والشهوات، وتصوغه في قالب روحي نبيل، يجعله يرى الحياة بعين الروح التي لا تقيم لعرض الدنيا وزناً، ولا تهتم إلا بصيانة الشرف والكرامة

ومن عظمة الموسيقى الوجدانية خاصة أنها تخاطب كل النفوس لا فرق بين كبير وحقير، لأنها تخاطب الروح المشترك فيهم. ومن هنا يكون أثرها في تهذيب الإحساس أعظم خطراً من كل المؤثرات المادية ومن الترهيب والترغيب

وليس هناك عيب في أن جندياً يتغنى بأغنية حب. . . بل العيب في أن يتجرد الجندي من معنى القلب فلا تكون له صفة غير صفة إراقة الدماء ولو في الدفاع عن النفس. إنك حين تقول للجندي: يا لك من رجل لا يعرف غير القتال، تجرده من كل معاني الحياة؛ ولكنك لو قلت له: يالك من رجل جمع بين حاجات القلب والدفاع عن حاجات القلب، وألف بين نزعات الروح والدفاع عنها. . . إنك لو قلت له هذا ترفعه إلى مرتبة البطولة الروحانية

ليس في الأمر كارثة، ولن تكون فيه كارثة، بل إن في الأمر طبيعة. . . وطبيعة فطر عليها المصري فلا سبيل لفك قيودها لأنها فيه وهو فيها

عجباً أي عجب! ماذا يريدون من المصري أن يغني؟ أنشيد القوة؟ ولم يفسر لنا أحدهم معنى تلك القوة. وكيف يكون الغناء قوة وهو في طبيعته محاولة تحكم في مخارج الصوت بالعواطف الرقيقة، فلا يخرج لفظ إلا وقد مسحه المغني بيد العاطفة فخرج في ثوبها الرقيق الأنيق الندي

ليس في الأمر كارثة ولن تكون فيه كارثة

ص: 30

ولغة الغناء في مصر وعاطفة الغناء الرقيقة (المتهمة عند بعض الفضلاء) هي لغته وعاطفته في المغرب، والهند، وسوريا، وفلسطين؛ ثم هي نفسها عند الأتراك. وغاية القول أنها مشتركة في جميع بلاد الإسلام. . . فما السر في ذلك؟ والبحث وراء هذا السر هو الذي يجب أن يكون مجال القول. . . وكل ما عداه ضرب من الأوهام والأباطيل

السر في ذلك هو أن الإسلام طبعها بطابع الروحانية الرقيق النبيل. وكان القرآن الكريم أعذب ما يكون ألفاظاً يترنم بها ويتغنى. ومن منا لا يسبح في عوالم روحانية إذا مسه سحر من ترتيل (الشيخ رفعت)؟ ومَن من هؤلاء الدعاة يدلنا على طريقة أوقع أثراً في النفس من هذه الطريقة الرقيقة في ترتيل القرآن؟

أو ليس القرآن حافلاً بأبلغ معاني القوة وأبلغ معاني التوسل والدعاء وأبلغ معاني الوعيد؟. . . ولماذا ترى الناس يتلونه في نغم رقيق نبيل؟ ولماذا يشتد أثره وفعله إذا تلي كذلك وهو العظيم الأثر البالغ الغاية؟؟

السر في ذلك هو الوصول إلى مخاطبة المشاعر والروح قبل مخاطبة العقل، فيتذكر الإنسان ويتعظ. . . فتلك العاطفة النبيلة الضغط على النفوس، هي العاطفة التي سار على هديها الغناء في الشرق كله، وسلكت موسيقاه سبيلها. ومن هنا كانت الأغنية الوجدانية تدخل على النفس برقتها، فتهيج أشجاناً، وتحرك عاطفة، فيتذكر الإنسان العهود ويرتبط بالوفاء، ذلك الخلق النبيل السامي. . . وحين تكون الذكرى متصلة بالوفاء، يكون من ورائها الخير كل الخير والفداء والتضحية

. . . ليس في الأمر كارثة، ولن يكون فيه كارثة، لأن الأغنية منتزعة من صور الطبيعة المصرية السهلة الباسمة. . . هنا النيل ينساب في حلم كأنما يخشى أن يوقظ الشاطئ الحالم! والسماء أصفى من ضمير الوليد. . . ليس في مصر براكين ثائرة، وليس في مصر جبال شاهقة وعواصف وأنواء. . .

فكيف تنكرون أن يكون في الموسيقى هذا الصفاء وتلك الرقة؟ غيروا الطبيعة نفسها قبل أن تغيروا العواطف الصادرة عنها

من الغريب أن يعيب إنسان على جندي مصري أنه يتغنى بأغنية حب، وما علم أن هذا الجندي مقبل في يوم من الأيام على الموت. . . فمن الرحمة بنفسه أن يعيش على عبير

ص: 31

الذكرى. . .

لقد أدركت بريطانيا العظمى خطر الموسيقى وخطر الغناء واللهو البريء في إيقاظ عواطف الجنود، فأنشأت في مصر أماكن خاصة (كفندق المتروبوليتان)، تعرض فيها عليهم شتى أنواع الأغاني والموسيقى واللهو الطاهر. . .

فعلتْ هذا لأن الخير فيه عظيم: فهي تعرض عليهم الأنشودة لتلهب فيهم الذكرى والحنين. . . فيشتد الوفاء، وترتبط أرواحهم بأرواح الأحبة في الوطن. . .

ومن ثم يكون الشوق إلى العودة ظافرين. وليس الأمر ببعيد، وهاهي ذي صفحات التاريخ العربي المجيد، ترينا كيف كان العرب في أشد المواقف حرجاً، وفي ظلال السيوف والرماح يتغنون بذكرى الأحبة. وكفى أن نتذكر قول عنترة في معلقته:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

لمعت كبارق ثغرك المبتسم

) المنصورة)

محمود البشبيشي

ص: 32

‌من فصول كتاب (الديارات) للشابشني

2 -

دير مدْيان

للأستاذ صلَاح الدين المنجد

ونرجع إلى ذكر إسحاق ابن إبراهيم، ونورد طَرَفاً من أخباره في حزمه وضبطه بقدر ما يليق بالكتاب

أسحق هذا هو ابن طاهر بن الحسين، ويكنى أبا الحسين، وكان المأمون اصطنعه وولاه خلافة عبد الله بن طاهر بحضرته لما أخرج عبد الله إلى خرا سان. وكان أشد الناس تقدماً عنده واختصاصاً به. فذكر عبد الله بن خرداذَ أنه حضر مجلس المأمون يوماً وقد عرض عليه أحمد بن أبي خالد رقاعاً فيها رقعة قوم متظلمين من إسحاق بن إبراهيم؛ فلما قرأها المأمون أخذ القلم وكتب على ظهرها:(ما في هؤلاء الأوباش إلا كل طاعن واش. إسحاق غرسُ يدي، ومَن غرستُه أنجب ولم يخلف، لا أعدي عبيه أحداً.) ثم كتب إلى إسحاق رقعة فيها: (من مؤدب مشفق إلى حصيف متأدب. يا بني! من عز تواضع، ومن قدر عفا، ومن راعى أنصف، ومن راقب حذر، وعاقبة الدالة غير محمودة، والمؤمن كيّس فَطِن والسلام.)

وذكروا أن بعض ولد الرشيد - وكان له موضع من النسب ومكان في المعرفة والأدب - مرض ببغداد مرضاً طال، ولم يقدر على الركوب، واشتهى التفرج والتنزه في الماء، فأراد أن يبني زلاَّلا يجلس فيه فمنعه إسحاق وقال:

(هذا شئ لا نحب أن يعمل مثله إلا بأمر أمير المؤمنين) فكتب إلى المعتصم يستأذنه في ذلك، فخرج الأمر إلى إسحاق بإطلاقه له. فكتب إسحاق (ورد عليّ كتاب من أمير المؤمنين بإطلاق بناء زلاَّل لم يحد لي طوله ولا عرضه، فوقفت أمره إلى أن أستطلع الرأي في ذلك. . .) فكتب إليه يحمده على احتياطه ويحد له ذرع الزلاّل

قال أبو البرق الشاعر: كان إسحاق يجري على أرزاقاً. فأنشدته يوماً؛ فسألني عن عيالي وما أحتاج إليه لهم. ثم قال لي: يحتاج عيالك في كل شهر من الدقيق كذا، ومن كذا كذا. . . فما زال يخبرني بشيء من أمر منزلي كثير جهلته وعلمه هو

وذكر أبو حشيشة الطنبوري قال: كنت يوماً في منزلي إذ طَرَق البابَ صاحبُ بريد وقال أجِبْ. فلما قال: أجِبْ علمتُ أنه أمرٌ عال. فلبست ثيابي ومضيتُ معه حتى دخلنا دار

ص: 33

إسحاق بن إبراهيم. فعُدِل بي إلى ممر طويل فيه حُجُر متقابلة، تَفوح من جميعها روائح الطعام. فأُدخلتُ حجرة منها، وقُدِم إليّ طعام في نهاية النظافة وطيبِ الرائحةِ، فأكلتُ. وجاءوني بثلاثة أرطال فشربت، وأحضروني صندوقاً فيه طنابير، فاخترت طنبوراً منها وأصلحتُه على الطريقة، وأُخرجتُ من الموضع إلى حجرة لم أر أحسن منها، وإذا في مجلسها رجلان على أحدهما قباء ملجم وقلنسوة سمورية، وعلى الآخر ثيابُ خزّ وستارةٌ مضروبة. فسلمتُ وأمرتُ بالجلوس، فجلستُ. فقال لي صاحب السموّرية: عنّ، فتغنيتُ:

ما أراني سأهجرُ مَنْ لَي

س يراني أقوى على الهجران

ملَّني واثقاً بحُسنْ وفائي

ما أضر الوفاء على الإنسان

فغنيته فشرب رطلاً، ونقر الستارة وقال: غنّوه. فغنى الصوت أحسن غناء في الدنيا، وخِلْتُ أن البيت يرقص!. فقال لي: كيف ترى؟ قلت: والله يا مولاي بغضوا إلى هذا الصوت وسمّجوه في عيني. فضحك واستعادنيه ثلاث دفعات، فشرب في كل دفعة منها رطلاً. ثم قال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم، وهذا محمد بن راشد الخناق ووالله لئن ظهر حديث هذا المجلس منك لأضربنك ثلاث مائة سوط. قم، إذا شئت. فقمت من بين يديه، فلحقني الغلام بصرة فيها ثلاث مائة دينار فاجتهدت أن يأخذ منها شيئاً، فأبى.

وذكر عمرو بن بأنه قال: وجه إلي إسحاق بن إبراهيم في آخر النهار. . . فصرت إلى داره، وأدخلت عليه وهو جالس في طارمة ملبسة بالخزّ على دجلة، وقد انبسط القمر على الروشن وعلى دجلة، وهو من أحسن منظر رأيت قط، والمغنون جميعاً بين يديه. و (بذل) جالسة وراء مقطع في الطارمة. فلم يزل جالساً بموضعه ونحن بين يديه إلى أن نودي الفجر، فقام وقمنا. وقال لنا الغلمان: انصرفوا، فنزلنا إلى الشط ودعونا بسميرية فجلسنا فيها جميعاً، وقلت لهم: إن منزلي أقرب من منازلكم فاجعلوا مقامكم اليوم عندي ففعلوا و. . . في المنزل؛ فطلبت فيه شيئاً يؤكل فلم أجد: فأمرت بإحضار المائدة، فأحضرت فارغة، وطرحت في وسطها مائة درهم صحاحاً وقلت: يوجه كل واحد فيشتري له ما يريد. فما كان بأسرع من أن امتلأت بكل شيء. . . فأكلنا وشربنا، ومرّ لنا يوم طيِّب، وتفرقنا في آخر النهار، وفي قلوبنا غصص مما فعله بنا إسحاق، وما فاتنا من تلك الليلة الحسنة في ذلك الموضع الحسن. فمضيت بعد ذلك إلى (بذل) وسألتها عن السبب فيما فعله. فقالت: قد

ص: 34

سألته عن ذلك فقال: ويحك أنا أشتهي الشرب في مثل هذه الليلة منذ سنة وأواقع نفسي به. فلما حصل لي جميع ما أريده واشتهيته أردت أن أرى نفسي سلطاني عليها، وقهري لها ومنعها مما تحبه لئلا تقودني إلى ما تريد ففعلتُ ما رأيتِ

وكان مع ذلك حسن المروءة كريم النفس فذكر أبو حشيشة الطنبوريّ قال: دعاني في بعض الأيام فصرت إليه وجلست أغنيه، وعليه درّاعة خز خضراء لم أر أحسن منها قط. فجعلت أنظر إليها. وفطن لنظري فدعا بالخازن وقال: كانوا جاؤونا منذ أيام بعشرة أثواب خز خضر، هذا أحدهما، فجئني ببقيتها. فأحضر تسعة أثواب يتجاوز حسنها كل وصف فأعطانيها، فبعت من رذالها الثوب بمائة دينار

وكان المأمون يصير إليه في داره، فيقيم عنده الأيام وغلمانه وحشمه أنساً به وثقة بمكانه

(دمشق)

صلاح الدين المنجد

ص: 35

‌الإنتاج الأزهري

للأستاذ عبد العزيز محمد عيسى

(أن الأزهر إذا أصلح كان بثقافته أهدى إلى تربيتنا من أية

جامعة.)

(الزيات)

(افتتاحية الرسالة في عامها التاسع)

عادت الرسالة الغراء إلى العناية بالشئون الأزهرية على دأبها، بعد ما عادت الحياة إلى الأزهر أثر إجازته الطويلة، وبعد ما اطمئن الأساتذة والطلاب إلى موضوعاتهم وساروا فيها شوطاً ليس باليسير. وعدت أساهم مع الكاتبين، وألقي بدلوي في الدلاء، ولسنا نبتغي من وراء ذلك - علم الله - إلا الخير لهذا المعهد المبارك الذي نرجوا أن ينال من الإصلاح ما يتمناه المحبون المخلصون.

وفي النفس حاجات، وللقلب خفقات، إذا ما ذكر إصلاح الأزهر وجرى على الألسن. ولكننا نقف في كلمتنا اليوم عند الحديث عن الإنتاج الأزهري لتردده على أقلام الكاتبين

فقد نغمط الأزهر حقه إذا وقفنا بالإنتاج عندما كان من جماعة كبار العلماء وجعلنا ذلك الأساس الذي يبني عليه التقدير والاعتراف بشخصية الأزهر العلمية. ونحن لا نؤمن بأن إنتاجهم بمثل هذه الشخصية، وإنما يمثل شخصياتهم أنفسهم ومدرسة تلقوا عنها وعقيدة في التحصيل والتأليف درجوا وما زالوا عليها

وسواء لدينا أنشر إنتاجهم أم لم ينشر فرسائل كثير منهم على ما نعتقد صورة أريد بها تبرير الرسميات، وأغلب الظن أنها لا تعدو في الجودة رسائل المتخصصين إن لم تكن الأخيرة أفضل من بعضها. فمن الغبن الكبير إذن أن نجعل إنتاج هذه الجماعة دليلاً إلى شخصية الأزهر العلمية

وفي الأزهر غير هذه الجماعة طائفة مهما قل عددها لها استقلال في البحث والتفكير، ولها حرية في الرأي والنقد وأبحاث قوية نشرت وتداولتها الأيدي، وهذه الطائفة من غير شك - لاعتراف الجميع بها - تمثل الأزهر الناهض من الناحية الفكرية، وهي بحق أولى أن تدل

ص: 36

على شخصية الأزهر العلمية

قد يكون من الإحراج أن نقصر الإنتاج على إبداء رأي خاص في مشكلة من مشاكل العلم. ولو أننا فعلنا ذلك لكان كل ما نسميه الآن إنتاجاً للأزهر وما عدا الأزهر غير إنتاج؛ أو لكانت كثرته الغالبة على هذا الوصف. ولم لا نعد الإنتاج المدرسي إنتاجا متى كان قائماً على الشخصية والتصويب أو التخطئة لما للعقل فيه مجال، والمناقشة للموروث والتعقيب عليه؟ أليس ذلك هو الاستقلال في التفكير والإعلان للرأي الخاص بعد الدرس والبحث، وإذن ففي الأزهر إنتاج قل أو كثر

هناك فرق بين الإنتاج والقدرة عليه وإن كان أحدهما لازماً لصاحبه وأثراً من آثاره. ومما لاشك فيه أن هذه القدرة على الإنتاج موفورة لدى الكثير من رجال الأزهر وإن لم يظهر الإنتاج الفعلي إلا من قليل منهم

وإذا أنت سألت عن السبب في إحجام الكثير عن الإنتاج فلا يستطيع منصف أن يجيبك إلا بأن فقدان التشجيع والأغراء من ناحية القائمين بالأمر في الأزهر هو السبب الوحيد لذلك. فهم قد رأوا إخواناً لهم حاولوا أن ينتجوا بل أظهروا صوراً من إنتاجهم كان معترفاً بها؛ ولكن أحداً من الرجال الرسميين لم يقل لهم إنكم أحسنتم، ولم يشجعهم بكلمة يدأبون على مثل هذا العمل أو تجعل غيرهم يسير في طريقهم. فخير لهم إذن ألا يسيروا في طريق لا يحمد السائرون فيها

إن الأزهر يطلب من علمائه أن يكونوا منتجين، وأن يعرضوا علمهم لناشئة الجيل الجديد في صور تلائم جيلهم، ولكنه لا يأخذ بأسباب ذلك. فهو مثلاً لا يأخذ بسنة وزارة المعارف فيعلن عن حاجته إلى الكتب اللازمة لتحقيق مناهجه، ويشترط فيها ما يشترط من نظم وتوجيهات، ويجعل ذلك كل عام أو عامين أو أكثر ليكون له من ورائه ثروة طائلة من الإنتاج سواء فيما يقرره من ذلك أو فيما ينشره أصحابه على الناس ليوازنوا بينه وبين ما اختير

إنه لو فعل ذلك لزرع في نفوس علمائه الاستقلال في الفكر والجهر بالرأي والصراحة في الحق - وهي أهم مقومات الإنتاج الصحيح - ولقضى على فكرة اعتقاد عجز العلماء عن مسايرة الحياة الجديدة وعن الخروج عما درسوه من كتب وعبارات

ص: 37

أليس من العيب أن يظل الأزهر إلى الآن يقرأ في سنتيه الأولى والثانية الثانويتين كتباً في البلاغة لمعاصرين من غير الأزهريين وفيه مائة من المتخصصين في البلاغة كل واحد منهم قادر على أن يخرج كتاباً مثلها إن لم يكن أفضل منها!

لا تقل أيها القارئ بعد ذلك ما لهم لا يؤلفون، فإن عدم التشجيع كما قدمنا وعدم الإغراء بتقرير الكتاب أو بشراء حق التأليف أو ما إلى ذلك هو الذي صرفهم فكان سبباً مهماً في قلة الإنتاج؛ ولو أن هذا الباب فتح لجاءت كتب كثيرة ولنشرت أبحاث ينبغي أن تحسب في إنتاج الأزهريين كما حسب مثلها لغيرهم

أو ليس من العيب كذلك أن يقرر الأزهر في أقسامه الثانوية كلها كتاب في تاريخ أدب اللغة لفظته وزارة المعارف منذ زمن طويل؛ وفيه كذلك مائة أو يزيدون من المتخصصين في أدب اللغة! وليس ذلك لعجزهم عن إخراج أفضل منه، فقد برهنوا على انتفاء ذلك عنهم، ولكن لاعتبارات أخرى على نحو الاعتبارات التي أشار إليها صديقي الأستاذ المدني في مقاله (السياسة التوجيهية في الأزهر) عدد الرسالة 393

ففيم كان يضيع هؤلاء وأمثالهم سني تخصصهم إذا لم يستطع أحدهم أن يؤلف كتاباً يرضي به منهج الدراسة ويعلن به رأيه في هذه الموضوعات الأدبية مثلاً التي لا ينبغي أن يعتقد الإنسان فيها رأي غيره، ولا أن يلقن الطلاب فيها عبارات كتاب بعينه

ذلك عيب واضح يشكو منه الأساتذة والطلاب جميعاً. ونحن إذ ندل عليه نرجو أن يلتفت إليه القائمون بالأمر في الأزهر فيعملوا على تلافيه وإبعاده حتى لا يظل الأزهر كَلاًّ على غيره فيما تخصص فيه أبناؤه وعطلوا أنفسهم سنوات للعناية به ومعرفة مناهج بحثه

ونستطيع أن نقول مثل ذلك في كثير من مواد الدراسة، فأنها تقرأ في كتب لا صلة لها بالعقلية الحاضرة ولا بالأسلوب المألوف. ومن الخير كل الخير أن يعدل عنها إلى ما يوافق ذلك وأن يوسع المجال للمستطيعين وتعطى الفرصة لهم. ولست أقصد بذلك - طبعاً - إلى عيب هذه المواد والتنقيص من قيمة كتبها. ولكني أعتقد أنها جعلت لزمان مضى، فمن الجائز أن يصلح بعضها لزماننا، وأن يتعارض بعضها الآخر معه فلنبق على ما يصلح ولندع ما عداه. فإننا إن لم نفعل ذلك صدق علينا أننا نعيش في عصر غير العصر الذي يعيش فيه الناس

ص: 38

على أنه مما يعوق الإنتاج الأزهري ويقف في سبيله أن الدراسة في الأزهر ما تلتزم (طريقة الكتاب). فأنا كمدرس حريص علي أن أهضم عباراته وأساليبه: السائغ منها والملتوي، وأفهم ذلك الطلاب كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ما له ضرورة وما ليس له ضرورة، لأنه في الكتاب المقرر، والطالب أمامي يهتم بذلك ويوليه عنايته، لأنه يرى شبح الامتحان مخيفاً، ويرى أنه لا ينجيه منه إلا أن يفهم كلمات الكتاب، وكلما تمثل له هذا الشبح في أثناء (الحصة) حقق ودقق وأخذ وأعطى وفكر وقدر

وعلى فرض أنه لا بد من ذلك في بعض المواد، فما لنا لا نعدل في بعضها الآخر إلى (طريقة الموضوع)، لنمكن المدرس من الجمع والتحصيل والإبقاء والإلغاء، فيظهر بذلك شخصيته ويظهر إنتاجه واستقلال فكره. ألا إننا لو فعلنا ذلك لكنا محسنين إلى الأزهر، إلى علمائه وطلابه، وإلى العصر الذي نعيش فيه

أن الدراسة على هذا النحو فرصة من الفرص الجيدة التي تمهد السبيل لظهور الإنتاج الأزهري والانتفاع به، فإذا لم تتح هذه الفرصة لعلمائه، فعلى من يقع إثم التعويق عنها؟

لا ينبغي أن نسرف في التشاؤم ولا أن نقول: إن مدرس الموضوع لم يخلق، ففي الأزهر كثير عندهم هذا الاستعداد، فليكن عملهم بدء الغيث. فإن أصابوا فذلك ما نرجوه، وإلا كانوا النواة الحسنة لمن يجيء بعدهم من إخوانهم وأبنائهم. وإذا نحن انتظرنا بالدراسة الموضوعية إلى أن يخلق مدرس الموضوع ولم نعمل على خلقه وتكوينه، تقطعت بنا السبل وخلفتنا القافلة ولم نصل إلى ما نريد

إن أنسب الأوقات لإعلان هذه الآراء والمناداة بها هو ذلك الوقت الذي يدير الشؤون فيه شيخ هو خير شيوخ الأزهر فيمن رأينا

ونحن إذ نجهر بذلك وننادي به فإنما نعبر عن رأي الكثيرين من العلماء، وبخاصة ذووا الصراحة منهم، ونحتذي في الوقت نفسه خطة المصلح الأكبر الإمام المراغي التي رسمها في أول خطاب له في الجامع الأزهر حين عاد شيخاً له للمرة الثانية

فهل يجد هذا النداء المتواضع من سميع؟

عبد العزيز محمد عيسى

مدرس بمعهد القاهرة

ص: 39

‌فتنة الزَّنج ورثاء البصرة في شعر ابن الرومي

للأستاذ محمود الشرقاوي

في هذا الوقت الذي نسمع فيه ونقرأ أنباء ذلك الخراب الذي يصيب المدائن العظيمة من هذه الحرب بين إنجلترا وألمانيا؛ وذلك العذاب الذي يصب على الآمنين من أهلها، ينزل عليهم من السماء، ذكرت قصيدة من عيون الشعر وعجائبه قالها (ابن الرومي) في حال تشبه هذه الحال، هي قصيدته في رثاء البصرة. وقبل أن أقدم لقراء (الرسالة) هذه القصيدة العجيبة أذكر خلاصة سريعة من التاريخ عن (فتنة الزنج) الذين جرى على أيديهم خراب البصرة في القرن الثالث الهجري:

صاحب الزنج

في شهر شوال من ستة خمس وخمسين ومائتين، خرج في فرات البصرة رجل وزعم أنه علي بن محمد بن حمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ وجمع الزنج الذين كانوا يسكنون السباخ وعبر دجلة فنزل الديناري، وكان قد شخص من سامرّا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى بها أنه علي بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله ابن العباس بن علي بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ومن غيرهم. وكان أهل البحرين قد أحلّوه بمحل نبي، وجبى الخراج ونفذ فيهم حكمه، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه

ذلك هو مبدأ ظهور صاحب الزنج كما رواه ابن الأثير في تاريخه الكامل، ومنه نعرف أنه رجل دعيّ أفاق، كان اسمه الحقيقي علي بن محمد بن عبد الرحيم ونسبه في عبد القيس، وأمه من قرى الري، وأن أمه لأبيه كانت جارية سندية، وكان متصلاً بجماعة من حاشية المنتصر، كان معاشه منهم يمدحهم ويستميحهم بشعره منهم ومن غيرهم

وقد جعل هذا الرجل العجيب لنفسه خطة بارعة للوصول إلى غرضه والحصول على ما يبتغيه من الحكم والسلطان. فجعل لنفسه زوراً هذا النسب الشريف يصل به إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. مرة على أنه ابن محمد بن أحمد بن عيسى الخ. . . ومرة على أنه ابن عبد الله بن محمد بن الفضل. وهو في كليهما واصل نسبه إلى علي بن أبي طالب. ثم استولى على جماعة من ضعاف العقول في أهل البحرين، فجعل نفسه

ص: 41

بينهم نبياً يزعم لنفسه الآيات حتى قال: (إني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد فأظلتني غمامة وخوطبت منها فقيل لي: أقصد البصرة)

ومن الدهاء العجيب الذي تحايل به صاحب الزنج أنه بدأ دعوته بين العبيد والدهماء والأراذل من الشعب فزعم أنه ناصرهم وخارج بهم من الذل والفقر والعبودية

ذكر ريحان - أحد أصحاب الأول - قال: (كنت موكلاً بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق، فأخذني أصحابه فساروا بي إليه وأمروني أن أسلم عليه بالآمرة ففعلت. فسألني عن الموضع الذي جئت منه فأخبرته. وسألني عن أخبار البصرة فقلت: لا علم لي. وسألني عن غلمان السودجيين وعن أحوالهم وما يجري لهم فأعلمته. فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته فقال: أحتمل فيمن قدرت عليه من الغلمان واقبل بهم إلي. ووعدني أن يقودني على من آتيه به واستحلفني ألا أعلم أحداً بموضعه وأن أرجع إليه؛ وخلى سبيلي)

(وما زال يدعو غلمان أهل البصرة ويقبلون إليه للخلاص من الرق والتعب، فاجتمع عنده منهم خلق كثير فخطبهم ووعدهم أن يقودهم ويملكهم الأموال. وحلف لهم بالإيمان ألا يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئاً من الإحسان إلا أتى به إليهم)

وكان من الطبيعي وقد دخل هذا الأفاق على العبيد من هذا الباب وأطمعهم أن يكونوا أحراراً، بل وعدهم أن يملكهم الأموال وهم أنفسهم مملوكون لمواليهم، كان من الطبيعي أن يجد من نفوسهم قبولاً لدعوته وحماسة في الدفاع عنها

فهذا الرجل الماكر أقام دعوته على ثلاثة عمد وراسخ: أولها هذا النسب الشريف الذي ادعاه لنفسه متصلاً بالحسين بن علي. وثانيها دخوله على المستضعفين الأذلاء من العبيد حتى قال الطبري إنه جمع لدعوته الزنج الذين كانوا (يكسحون السباخ) وكذلك في النجوم الزاهرة. وهؤلاء يدفعهم ما هم فيه من البؤس والتعس والشقوة إلى المغامرة والاندفاع. وكيف بهم يقودهم رجل شريف من نسل الإمام على يمينهم وبعدهم ويجعل نفسه موكلا بخلاصهم من الرق والذل والفقر والهوان. ويصل نفسه بهم حتى يكون وهو الرجل الشريف (صاحب الزنج)

وثالث هذه العمد ادعاؤه النبوة أو ما هو قريب منها. وقد آمن بدعوته قوم من هؤلاء العبيد. وبذلك أثار في نفوسهم اشد ما فيها من العواطف قوة وجموحاً من العواطف: الإيمان والنفع

ص: 42

الذاتي بعد الوصول إلى الحرية، وهي أعز ما تشتهيه النفس الإنسانية.

ظهور الفتنة

لا أريد بعد ذلك أن أتابع الخطوات التي مشت بها فتنة الزنج في العراق؛ ولكني أبرز من ذلك أمرين يستطيع القارئ أن يعرف بهما إلى أي حد استطاع صاحب الزنج أن يكوِّن مع عبيده السود قوة قاهرة تخيف الولاة وتحارب جند الخليفة، وتدخل الرعب في قلوب الناس

أذكر أن صاحب الزنج استطاع في سنتين اثنتين أن يأخذ من جند الخليفة بلاء الأبلة وعبادان والأهواز والبصرة، واستطاع في هاتين السنتين (وهما سنتا ست وخمسين ومائتين وسبع وخمسين) أن يحارب من الولاة ومن القواد سعيدا الحاجب وابن المدبر، ومسيرا المولد وموسى بن بفا وعدة غيرهم، واستطاع أن يهزم كثيرين منهم وأن يأخذ منهم ما أخذ من البلاد

وأذكر هذه القصة التي رواها ابن الأثير تدل على ذلك الفزع والرعب الذي ملأ به صاحب الزنج قلوب الناس، وذلك الحقد والجبروت الذي ملأ به قلوب زنوجه العبيد على أسيادهم ومواليهم

يقول ابن الأثير إن موالي هؤلاء العبيد وقد رأوا سلطان صاحب الزنج على عبيدهم وخافوا بطشه أتوا إليه (وبذلوا له على كل عبد خمسة دنانير ليسلم إلى كل منهم عبده. فبطح أصحابهم وأمر كل من عنده من العبيد فضربوا مواليهم. . . أو وكيلهم كل سيد خمسمائة صوت. ثم أطلقهم)

فتأمل ذلك الرجل الذي يبطح السيِّد المالك ليضربه عبده ومملوكه خمسمائة صوت. ولا يبيع هذا العبد بخمسة دنانير لسيده وصاحب رقبته، وهو لا يملكه. . .!

خراب البصرة

وبقي هكذا حال صاحب الزنج وزنوجه يستفحل أمرهم، ويستشري داؤهم، حتى كان شهر شوال من سنة سبع وخمسين ومائتين، فاجتمع الأعراب من البحرين بآمرة محمد ين يزيد الدارمي، وتجمع عليهم كثيرون من مثلهم أتباع صاحب الزنج، وأحاطوا البصرة من أطرافها فدخلوها وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال. وأباح صاحب الزنج

ص: 43

لزنوجه البصرة يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت يفعلون بها وبأهلها ما يشاءون. . .! حتى حرق المسجد وأحرقت البصرة في عدة مواضع، واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل

وقدّمت الخدعة إلى أهل البصرة بأن من دخل دار فلان فهو آمن؛ فجاء أهل البصرة قاطبة إلى دار الأمان ثم غُدر بهم وقتلوا، فكان السيف يعمل فيهم وأصواتهم مرتفعة بالشهادة، فقتل ذلك الجمع كله ولم يسلم إلا النادر منهم. وعظم الخطب بالقتل والتحريق والنهب؛ فمن كان من أهل اليسار أخذوا ماله وقتلوه، ومن كان فقيراً قتلوه لوقته. وبقوا كذلك عدة أيام

ابن الرومي

هذه الصورة الدموية البشعة التي نلخصها تلك السطور السابقة عن خراب البصرة على يد الزنج قد أوحت لعلي بن العباس ابن جريح (ابن الرومي) قصيدة عجيبة هي من غرائب الشعر العربي وضوح بيان وقوة تصوير وإعجاب خيال وصدق عاطفة. وهي من بدائع الشعر العربي كله. هذه القصيدة هي التي نقدمها لقراء الرسالة

(البقية في العدد القادم)

محمود الشرقاوي

ص: 44

‌من أدب الحرب

نهاية زعيم. . .

(مرفوعة إلى المغفور له خالد الذكر السنيور موسوليني!)

للأستاذ أحمد فتحي مرسي

خَفَّضْ عَلَيْكَ مِنَ الْعَذَابِ

الصَّبْرُ أَجْمَلُ في المُصَابِ

وَلَى صَوَابُكِ لا أّصَبْ

تَ ولا رَجعتَ إلى الصَّوَاب

لَكَ إِنْ تَشَأْ في الْخَطْبِ تَعْ

زِيَتِي وَإِنْ شِئتَ انتِحابي

هَوِّنْ عليكَ فهذهِ الدُّ

نيا كَلمَّاحِ السَّرَاب

فيها الْقَريبُ إلى ابْتِعَا

دٍ، والعبيدُ إلي اقتراب

لا تَجْزَعَنَّ مِنَ الصَّعَا

بِ فَأَنْتَ غَلاَّبُ الصِّعَاب

كم ذا خَدعْتَ النَّاسَ بال

تَّمويهِ وَالْكَلِمِ الْعِذَاب

فَلَكَ الْجَوَارِي المُنْشئا

تُ مَلأنَ آفَاقَ الْعُبَاب

وَلَكَ الأسودُ الضاريا

تُ بغيرِ أظفارٍ ونَاب

وَلَكَ التَّحِيَّةُ والتَّجِلَّ

ةُ في مَجيئِكَ والذَّهاب

ولك اللَّسانُ الطَّلْ

قُ فيَّاضُ البّلاغةِ والخِطاب

يأتيكَ من تَضْلِيلهِ الغَرَّا

رِ باْعَجَبِ الْعُجَاب

ولكَ الضميرُ العَفُّ يُلْبَ

سُ ثمَّ يُخْلَعُ كالثياب

يَتَخَلَّصُ الوَعْدُ الكِذَا

بُ بهِ إلى وَعْدٍ كِذَاب

ولكَ القليلُ من الفَطا

نةِ والكثيرُ من الرِّغَاب

وَلَدَيْكَ من خُدَعِ السَّيا

سَةِ ما يزيدُ عَلَى الْجِرَاب

كَذَبَتْكَ أّحْلَامُ الْكَرَى

وَزَهَتْكَ أَوْهَامُ الشَّرَاب

أَسَدُ اللَّسانِ وَلَسْتَ في

سَاحِ الوَغَى أَسَدَ الوِثَاب

ضَلَّ الذي ركبَ الضَّلا

لَ إلى الرَّغَائِبِ والطِّلَاب

إِنَّي أُنَاشِدُكَ الدَّمَ الْ

مُهْرَاقَ في شُعَبِ الهِضَاب

ص: 45

والرِّفقَ بالأرواحِ تَذْ

هَبُ في الْعِرَاكِ والاحتِرَاب

وفلولَ جُندِكَ هائما

تٍ في السُّهولِ وفي الرَّوابي

وكتَائِبُ الأسْرَى تَوَا

لَي في شُحُوب واكتِئَاب

هَلاَّ قَنِعْتَ من (الْغَنِي

مةِ) والهزيمة بالإياب

يَا أَوْحَدَ القُوَّادِ قُلْ

لي ما لِجَيْشَكَ في اضطراب

أَعَلِمْتَ غَيْرَكَ عَبْقَرِيَّ (م)

الْجَهْلِ، مشئومَ الرِّكاب

فِيمَ الترفُّقُ والتلطُ

فُ بالمغيرِينَ الغِضاب

أأقول مُحتشمٌ - هَداكَ الل

هـ - بلْ خَوْف الغِلاب

أين الرِّجالُ، وَأينَ أب

طالُ (الصِّراع) وَالانسحاب

قد سُقْتَهُمْ بل سُقْتَهُنَّ (م)

إلى المماتِ بلا حساب

أَلْطفْ بهنَّ فما يُطِقْ

نَ - فديتهنَّ - أذى الضِراب

رِفْقاً، فما صبرٌ لهنَّ (م)

عَلَى الْبِعَادِ والاغتراب

من كلِّ ممشُوقِ القوا

مِ حشدتَهُ غضِّ الإِهاب

ما تفعلُ الَّصحراءُ بالأ

غنامِ في الأرضِ اليَبَاب

قد أجْدَبَ المرعَى وَجَفَّ (م)

لديهِ مُنْهَلُّ السَّحَاب

لَيْسَتْ مُوَطَّأَةَ الْفَرَا

شِ، ولا مُمَهَّدَةَ الْجَنَاب

يَخْلُصْنَ من صَلْبِ الْقَنَا

ةِ إلى الألوفِ من الصِّلاب

لما بدَا يومُ الهزي

مةِ في دُنُوّ واقتراب

زِنَّ الخُدودَ لها وَخَضَّبْ

نَ الأظافِرَ بالخِضَاب

وَرَمَيْنَ مُشْرَعَةَ القَنَا

ونبذنَ مُرْهَفَةَ الْحِرابِ

وأخذنَ أُهْبَتَهُنَّ للأس

رِالْمُبَاركِ والذِّهابِ

وَجَعَلْنَ يَعْدُدْنَ الدقَا

ئِقَ فِي اشتياقٍ وارتقابِ

أن تحملْ السيفَ النسا

ءُ، فألفُ بشرًى لِلرِّقابِ

أقْسَمْتُ باللهِ العليِّ

وَبالرسولِ وبالكتابِ

وَالليلِ وَالإصبَاحِ وَال

جيْش المُشَرَّدِ فِي الشِّعابِ

ص: 46

لولا التعفُّفُ والترفُّ

ق وَالْجُنوحُ عن السِّبَابِ

لجعلتُ منكَ، وَقدْ جلوْ

تُكَ لِلعُيونِ بلا نقابِ

أُضْحُوكةَ الدُّنْيَا وَسُخ

رِيَةَ المجالس وَالصِّحَاب

عطفاً على بلدٍ ضعي

فِ الرُّكنِ مخذولِ الشبابِ

قد عادَ مهجورَ الرِّحَا

بِ وكان محشودَ الرَحَابِ

عَمَّى بصائرَهُ الضّلَا

لُ عن الحقيقةِ وَالصَّوَابِ

وَالعينُ تبصرُ فِي الضيا

ءِ وَليسَ تبصرُ فِي الضبابِ

قد سُقْتَهُ - ثَبْتَ الْجنا

نِ - إلى الهزيمةِ وَالخرابِ

وَرَكَنْتَ للآمالِ، وَالآ

مالُ أمنعُ من عُقَابِ

كُفَّ الخِداعَ عن الورى

قد جاءهُمْ فصلُ الخطابِ

إن المحجَّبَ سوفَ يَبْ

دُو لِلعيونِ بلا حِجَابِ

دَعْهُمْ وَشَأْنَهُمُ جَزَا

كَ اللهُ مَوْفُورَ الثَّوَابِ

لَا يَوْمَ لِلأَقْوَامِ حَتَّى

تَذْهَبَنَّ بِلَا إِيَابِ

(القاهرة)

(فتحي)

ص: 47

‌البريد الأدبي

خزائن الكتب في قصور الأندلسيين

حديث حضرة العلامة الأستاذ عباس محمود العقاد عن مكتبات القصور الأوربية في المقالة الأولى في الرسالة الغراء (395) - ذكرنا بشيء في (نفح الطيب) أرويه حاشية لحديث حضرة الأستاذ. وفي خبر النفح فائدة تاريخية وأملوحة:

قرطبة أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأهلها أشد الناس اغتناء بخزائن الكتب. صار ذلك عندهم من آلات التعيين والرياسة حتى أن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها، ليس إلا لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به

قال الحضرمي: أقمت مرة بقرطبة، ولازمت سوق كتبها مدة، أترقب فيه وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع، وهو بخط مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إلي المنادي بالزيادة علي، إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا، أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي. فأراني شخصاً عليه لباس رياسة، فدنوت منه وقلت: أعز الله سيدنا الفقيه! إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده

فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير

قال الحضرمي: فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلا عند مثلك. يُعطى الجوز من لا أسنان له! وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلاً، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه!

(باحث)

المجمع اللغوي والمعجم الوسيط

أخي الأستاذ الجليل صاحب (الرسالة) الغراء

ص: 48

بعد التحية اللائقة، قرأت كلمة تحت عنوان:(المجمع اللغوي والمجمع الوسيط) عرض فيها كاتبها لنفقات هذا المجمع وظل يترقى بهذه النفقات حتى أبلغها 100000 جنيه مائة ألف من الجنهيات!!!

والواقع أن وزارة المعارف تعاقدت مع سبعة من العلماء اللغويين بعضهم من حضرات أعضاء المجمع، وبعضهم من حضرات أساتذة الجامعة، على أن يقوموا في مدى عامين بوضع هذا المعجم على أحدث الأساليب في نظير مبلغ معين يقل عن ألف وسبعمائة جنيه لهم جميعاً. وقد قام تقدير هذا المبلغ على أساس ما تجيز به وزارة المعارف المؤلفين الآخرين

أما دعوى أنهم لم ينجزوا إلا مائة وعشرين صفحة إلى الآن فهي من نوع ذلك الحساب أيضاً!

وتفضل يا صديقي بقبول أزكى السلام، وأخلص الاحترام.

المخلص

عبد العزيز البشري

المراقب الإداري للمجمع

خصومة أدبية

ما أحبها إلى نفسي خصومة أدبية تقوم على صفحات الرسالة الغراء بيني وبين صديقي زكي مبارك، فإن في الخصومات الأدبية للمتخاصمين مجالاً واسعاً للبحث والتدقيق، ولحضرات القارئين مجالاً أوسع للموازنة والتحكيم

وإني لأشكر لصديقي الدكتور إثارة هذه الخصومة، وأطمئنه على نزولي ميدانها عن طيبة خاطر واستراحة فؤاد؛ غير أني قبل الخوض في هذه الخصومة أرى من حق نفسي وحق الموضوع عليَّ، كما أرى من حق الرسالة وقرائها كذلك، أن تتسع صفحاتها في العددين المقبلين لكلمتين اثنتين لي

فأما إحداهما فلوضع الأمر الأصيل في نصابه وتقريره على وجهه، لأنه الذي دعا الدكتور إلى كلمته الأولى المنشورة في العدد 392 وكنت أغفلت الرد عليها عسى أن يتحرى

ص: 49

الحقيقة ولكنه لم يفعل.

وأما الأخرى فحول النظرية التي ادعى في العدد الأخير أني نهبتها من كتابه النثر الفني ونشرتها في مجلة السراج حتى يعلم حضرات القراء آينا الناهب

وأما الذي يهدد به ويعتزم تبيينه، من أن تهذيبي للكامل لم يكن إلا جناية أدبية، ومن أن التطاول على مقام الشيخ المرصفي لا ذهب بلا عقاب، فهو ما سيكون حلبة الخصومة، وليعرف الملأ إذ ذاك - إن هو اجترأ على الكتابة بعد كلمتي هاتين - آينا الجاني على الأدب بآثاره، وآينا القليل الاطلاع الطائش الأحكام في أبحاثه، وإلى اللقاء

السباعي بيومي

أستاذ بدار العلوم

إلى الدكتور مبارك

كان قلمكم الثائر قد خط في مقالكم الخامس في نقد آراء الأستاذ أحمد أمين وتبيان جنايته على الأدب العربي (الرسالة 314 - 10 يولية سنة 939) أن هذا الأستاذ لم يؤت أسلوباً خاصاً، وأنه ما كان في يوم من الأيام أديباً، وكان مما قلتموه يومئذ:

- إن أحمد أمين ليس له أسلوب

وإن الرجل لا يكون له أسلوب إلا يوم يصح أنه يحس الثورة على ما يكره والأنس بما يحب. فعندئذ تعرف نفسه معنى الانطباعات الذاتية، ويعبر عن روحه وعقله وقلبه بأسلوب خاص. . .

ولقد عانى أحمد أمين في الواحات فلم يصفها، واشتغل بالقضاء الشرعي فما توجع مرة واحدة للمآسي التي رآها، ولو كان أحمد أمين أديباً كتب خواطره وسطر احساساته في القضاء وفي الواحات، (ولكن أحمد أمين لم يكن أديباً وإنما كان موظفاً مخلصاً لواجب الوظيفة لا يرى ما عداها من الشئون)(الرسالة 314 ص 1337 - 1338)

ويمضي على ذلك سنة ونصف سنة، ويأتي العدد (384 - 11 نوفمبر سنة 1940) من الرسالة فما نجد يا ترى؟ وماذا نرى؟

نجد أن الدكتور زكي مبارك يقول: (يجب الاعتراف بأن لأحمد أمين أسلوباً. . . وبأن لهذا

ص: 50

الأسلوب شخصية تتميز بالسهولة والوضوح. . .)؛ وبأن في كتابه (فيض الخاطر) مقالات من الأدب الذاتي، (وهو الأدب الذي يصور الكاتب واحساساته. . .

ثم رجا طلاب السنة التوجيهية (أن يفطنوا وهم يقرءون كتاب (فيض الخاطر) إلى أن المؤلف أديب. . . يصور لواعج نفسه)

فهل للأستاذ أن يجلو لنا السر الذي جعل أحمد أمين أديباً؟ أم إن ذلك كان من باب: (رضيت فكسوته، وغضبت فجردته. . .!)

وللدكتور مبارك منا أجمل التحيات

(دمشق)

صلاح الدين المنجد

متحف وزارة المعارف

تساءل الدكتور زكي مبارك في أثناء مقاله في عدد الرسالة (395) عن متحف وزارة المعارف ليقدم إليه هدية سنية، وهي رسالة من الدكتور طه حسين، وكتاب من مؤلفات الأستاذ أحمد الإسكندري كان أهداه للأستاذ مصطفى أمين، وعلى الكتاب عبارة (إهداء بقلم الإسكندري)

وأذكر بهذه المناسبة أني بحثت عبثاً عن متحف وزارة المعارف لأهدي إليه تحفة تاريخية لها قيمتها الأدبية، وهذه التحفة هي عدة رسائل بخط المغفور له إبراهيم أدهم باشا ثاني نظار المعارف المصرية على عهد ساكن الجنان المغفور له الخديوي إسماعيل

ولا شك أن مثل هذه الرسائل مكانها متحف وزارة المعارف الذي يصونها من التلف ويحفظها من الضياع، فمثل هذه الرسائل أصبحت ملكاً للتاريخ والأجيال المقبلة

ومن العجيب أن يكون للبريد متحف، وللسكة الحديد متحف، وللصحة متحف، ثم لا يكون لوزارة المعارف متحف!

حقاً إن هذا نقص يجب أن يكمل، وثغرة من الواجب سدها

ونرجو أن تولي وزارة المعارف هذه الملاحظة عنايتها، وأن تنظر إليها بعين الاعتبار، ولا سيما وعلى رأس هذه الوزارة أناس عرفوا برجاحة العقل وقوة العزيمة ومضاء الهمة

ص: 51

(القاهرة)

إبراهيم أدهم

تصويب

جاء بالعدد 395 في مقال (دير مديان): قال الله عز وجل (الذين أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف) والصواب (الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف)

محمد الساكت

بكلية أصول الدين

ص: 52

‌القصص

البغض الأول

للقصصي الروسي أنطون شيخوف

بقلم الأستاذ عبد اللطيف النشار

جلس جماعة من المصطافين في كوخ بين الحشائش الخضر وكانت الليلة قمراء ونافذة الكوخ مفتوحة ينفذ منها ضياء القمر. وكانت روائح النبات تفوح في المكان والأصدقاء يتحدثون أحاديث مختلفة، وتناول الحديث ذكر النساء والحب فقص كل منهم أقاصيص كثيرة حتى تجاوز عدد هذه الأقاصيص المائة أقصوصة

وكان في ركن من الكوخ ضابط لزم الصمت من أول الليلة وظل يتثاءب؛ فلما جاء دوره صاح:

(ليس في التحدث عن الحب غرابة، فكل النساء قد خلقن للحب، وليس لأحدكم أن يفاخر بالحب؛ فهل منكم من جرب البغض الحق؟ هل عرف أحدكم الكراهية؟)

لم يجبه أحد، واستمر الضابط يقول:(أنا قد جربت هذا البغض فقد كرهتني فتاة فدرست في شخصي أعراض الكراهية الأولى؛ وإنما قلت الكراهية الأولى كما يقال الحب الأول. ولكن هذه التجربة الغريبة قد حدثت في عهد من العمر لم تكن لدي فيه فكرة واضحة عن الحب والبغض فقد كنت لا أتجاوز الثامنة من العمر) وليس هذا مطلب القصة بل مطلبها فتاة فأنصتوا:

خرجت من المدرسة في أصيل يوم من الأيام وجلست أمام مكتبي في الغرفة التي أذاكر فيها، وكانت مربيتي - وهي فتاة حديثة عهد بالمدرسة - تطل من النافذة

نظرت إلي فتبينت على وجهها الارتباك، وسألتني وهي لا تكاد تعني ما تقول: هل الأشجار تتنفس الأكسجين؟

فقلت: نعم

قالت: وماذا نتنفس نحن؟

فقلت: ثاني أكسيد الكربون؟

ص: 53

قالت: أصبت، وثاني أكسيد الكربون غاز خانق يوجد في الكهوف وفي بعض المياه، وقد رأيت كهفاً بالقرب من مدينة نابولي يكثر فيه هذا الغاز، ورأيت كلباً ألقي فيه فمات لساعته

قالت لي مربيتي بعد هذا الحديث: إن أبي وأمي ليسا بالمنزل، وإن أخي يشكو الصداع وأنه ذهب للطبيب وأن ليس بالمنزل غيري وغيرها، ثم سألتني وهي لا تزال تطل من النافذة على الأشجار وما يليها من الفضاء:

ما هو الأفق؟

فقلت: هو الخط الوهمي الذي عنده تلتقي السماء بالأرض

وعادت فسألتني وهي لا تزال تنظر إلى الأشجار: وهل الأشجار تتنفس الأكسجين؟

فقلت: نعم، ثم رأيت في يدها ورقة مطوية قد شدت عليها أناملها ونظرها يرتد عن الأشجار وقالت: في إيطاليا كهف بالقرب من نابولي يكثر فيه هذا الغاز الخانق، هل تقول: إن الأفق هو الذي تلتقي عنده السماء بالأرض؟

وكانت وهي تقول ذلك كالحالمة، وتجلى اضطرابها الشديد، ثم مشت ذهاباً وإياباً في الغرفة بحالة تدل على القلق وقالت لي: أقرأ درس الرياضة حتى أعود بعد نصف ساعة

خرجت مربيتي من الغرفة، ورأيتها وهي تمشي في الحديقة بخطوات كخطوات المحموم، وكان وجهها أكثر احمرارا من عهدي به، واضطرابها جلي إلى درجة استلفتت نظري، فقلت في نفسي: إلى أين تذهب يا ترى؟

وطويت الكتاب وقلت: أتبعها وكنت أحسبها ستنتهز غياب أمي فرصة وتسرق بعض الفواكه من أشجار الحديقة. ولكنها لم تفعل بل تجاوزت كوخ البواب وخرجت من المنزل، وتبعتها مختفياً وراء الأشجار حتى وصلت إلى البحيرة. وهنالك. . . هنالك وجدت أخي الذي قالت إنه مريض وأنه ذاهب إلى الطبيب

لم يكن أخي عندما شاهدته مريضاً بل وقف عندما رآها وكأن قوة غريبة دفعت كل منهما إلى الآخر فتعانقا وقبلها وقبلته وفهمت من كل حركاتها وإن كنت صغيراً أن هذه أول مرة فعلتْ فيها مثل ذلك

وكان وراءهما أكمة عالية فغابا خلفها وعدت إلى المنزل وأنا أشعر بخجل شديد. ولم أر أكثر من ذلك، ولكن لكوني متقدماً في الذكاء عمن كانوا في مثل عمري فقد فكرت في الأمر

ص: 54

وقلت لا بد من الاستفادة منه. ثم ابتسمت ابتسامة المنتصر، وذلك لأن في معرفة الأسرار لذة لا يستهان بها خصوصاً إذا كانت أسرار أخي الذي له نفوذ بالمنزل، ومربيتي التي لها نفوذ عليّ

لما عادت مربيتي إلى الغرفة كالعادة نظرت إلى وجهها الجميل وعينيها البراقتين، وكان السر الذي أكتمه يكاد يمزقني فقلت: لقد عرفت! لقد رأيت!

قالت: (ما الذي رأيته، وما الذي عرفته؟)

فقلت: (رأيت أخي يقبلك وأنت تقبلينه عند البحيرة)

عند ذلك وجدت النار تكاد تتقد في عينيها، وجلست خائرة القوى على المقعد ولم تنطق بحرف، وأعدت جملتي وزدت عليها:(انظري حتى أخبر أمي)

فنظرت إلي باهتمام ورعب؛ ثم لما تبينت أني لن أفعل أمسكت بذراعي وهي في حالة شديدة من اليأس، وقالت بصوت خافت:(هذا لا يليق. . . أتوسل إليك. . .! بالله لا تقل شيئاً! إن الشرفاء لا يتجسسون. . . أتوسل إليك. . .!)

لقد كانت مربيتي المسكينة تخاف من أمي، وهذا سبب من أسباب فزعها، ولكن أهم هذه الأسباب هو افتضاح حبها الأول. وأنتم بلا ريب تقدرون شعورها في هذه الحال. وفي الصباح عرفت أنها لم تنم طول ليلتها لأني رأيت حول عينيها هالة زرقاء مسودة، ورأيت في عينيها علامة السهاد. ولما وجدتها وحدها بعد ذلك في غرفتي قلت:(لقد عرفت، لقد رأيت!)

فنظرت إلي ولم تجب، ثم لما رأيت أخي وحده قلت له هذا القول، فلم يكن ليخاف خوف المربية، بل شتمني فخفت أنا. . . ولم أعد أجرؤ على تكرار كلمتي أمامه. أما المربية فقد أردت الاستفادة من معرفة سرها، فصرت لا أذاكر، وصرت أعبث في غرفتي كما أشاء فلا تشكو إلى أمي ولا تظهر لي الضجر. وحافظت على تلقيني دروسي متى أردت وعلى شرح ما أطلب شرحه، وهي تتغاضى وتلزم الوقار. ولكن مضى أسبوع وضاق صدري بالسر فجلست مرة مع أمي وكانت معنا المربية وأخي فقلت لأمي:(لقد عرفت! لقد رأيت!) فبدا الفزع والرعب على وجه المربية وبدا الغضب على وجه أخي ولكني لم أزد ولم تسألني أمي.

ص: 55

ومن ذلك اليوم صرت أرى نظرات المقت والكراهية الجنونية على عيني المربية وصارت تقرض أسنانها كالذئب كلما رأتني؛ وبدأت أعرف كيف تكون كراهية الشياطين. وفي يوم من الأيام كانت تلقنني الدرس فسمعتها تقول: (إنني أمقتك؟ ليتك تعرف مقدار كرهي لك أيها الحيوان) ثم زادت على ذلك: (إنني لا أخاطبك ولكني أعيد جملة من رواية.)

كانت بعد ذلك تأتي إلى غرفة نومي وتنظر إلي وأنا بين النوم واليقظة نظرة مقت؛ وصارت الحالة تزداد حتى أمسكتني من ذراعي مرة من المرار وقالت: (إني أكرهك وما تمنيت لإنسان من الشر مثل الذي أتمناه لك وأريد أن تفهم ذلك.)

كان ذلك في الليل، وكان ضياء القمر الشاحب ينير الغرفة، ونظرت إلى عينيها فسررت أولاً، لأن هذا الشيء جديد، ثم خفت فصرخت بصوت عال، ثم عزمت على أن أخبر أمي؛ على أني لو كنت أعرف جوابها لما عزمت هذا العزم الأحمق

لقد أجابتني: (وما شأنك أنت؟ أنت صغير فلماذا تتدخل فيما لا يعنيك؟)

وكانت أمي فاضلة رقيقة الإحساس؛ وكانت تتجنب ما يؤدي إلى الفضيحة فلم تطرد مربيتي في الحال بل انتظرت مدة كانت تنصرف فيها عن المربية شيئاً فشيئاً ثم أخرجتها بعد مدة من المنزل لسبب آخر انتحلته. وأنا لا أزال أذكر تلك النظرة التي رمتني بها المربية وهي تغادر المنزل

بعد ذلك بعهد طويل صارت مربيتي زوجة لأخي وهي فلانة التي تعرفونها جميعاً. وتغيرت ملامحي فلم أعد أشبه ذلك الغلام الذي كنته، ولكنها بالرغم من ذلك لا تزال تنظر إليَّ إلى اليوم نظرة بعيدة عن الود، وتعاملني كلما زرت أخي معاملة غير معاملة الأصهار، وما ذلك إلا لأن البغض الأول كالحب الأول ليس من السهل أن يزول

عبد اللطيف النشار

ص: 56