المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 402 - بتاريخ: 17 - 03 - 1941 - مجلة الرسالة - جـ ٤٠٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 402

- بتاريخ: 17 - 03 - 1941

ص: -1

‌العصبية داؤنا الموروث

كنا ستة في أحد مجالس القطار السريع الصاعد إلى القاهرة. وكانت غريبةُ الغرائب أن يجتمع في هذا المجلس الطائر القلق ثلاثة ينتسبون إلى ثلاثة أحزاب سياسية، واثنان ينتمي كل منهما إلى فرقة دينية؛ وكنت أنا وحدي المستقل فيما بيني وبين الله والناس. وكان مما ليس بُد منه أن يترامى بهم الحديث إلى ذكر ما يشغل الخواطر من شؤون الدين والسياسة والحرب؛ فكان لكل منهم هوى لا يتابعه هوى، ورأي لا يشايعه رأي، حتى انقلب الحديث اللطيف جدلاً صخاباً لا حيلة فيه إلا للإشارة العنيفة والحنجرة الصُّلبة

حينئذ ابتلعت لساني ودخلت في نفسي وتركت هذه الأفواه يقذف بعضها في وجه بعض؛ ثم أخذت أفكر في هذه الصدَعات التي مزقت الكلمة وفرقت الدين، وجعلت بعضنا يبني وبعضنا يهدم، وأحدنا يسوق والآخر يعوق، فلم أجد لها مصدراً تشتق منه إلا العصبية!

تصورت في هذا المجتمع الصغير، صورة ذلك المجتمع الكبير، فعجبت كيف يتسنى في هذا الجمع الشتيت أن يتفاهم لسان ولسان، ويتآلف قلب وقلب، وتتعاون يد ويد، حتى يجوز أن تنتج من اتحاده قوة، وأن تنشأ من آحاده أمة!

الفرد في نفسه هو كل الناس، وشيئه في عينه هو كل شيء، ورأيه في عقله هو كل رأي؛ وذلك داء موروث من أدواء العصبية التي أفسدت كيان العرب وأوهنت بناء الإسلام بما يلازمها من حب الاستئثار وشهوة الرياسة

لم تمتْ العصبية من حياة العرب إلا فترة موقوتة بحياة الرسول. فلما استعز الله برسوله انبعثت في (السقيفة) بين المهاجرين والأنصار تقول: منا أمير ومنكم أمير. ثم سلطها الشيطان على الخلافة فانقسم العرب إلى هاشمية وأموية، ثم إلى قيسية ويمنية، ثم إلى علوية وعباسية، ثم إلى عربية وشعوبية. وأغراها بالدين فانشعب المسلمون إلى اثنتين وسبعين فرقة، تتقاطع بالظلال، وتتعادى في الباطل، وتزعم كل فرقة أنها هي وحدها الناجية! ولو كان تحزب العرب وتشعب المسلمين لمبادئ تصلحُ الدنيا وتعز الدين، لكان ذلك أخلق بمن جعلهم الله أمة وسطاً، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات؛ ولكنهم اختلفوا تعصباً للنفس أو الجنس أو الرأي، وتوسلاً لبلوغ الحكم أو خضوع الخصم أو فتون العامة

وحب الرياسة وشهوة الحكم هما شر أدواء العصبية وبالاً وأشدها استفحالاً في الشرق القديم

ص: 1

والحديث. ولو ذهبتَ تستقري عوامل الشقاق والانشقاق بين العرب في جميع الأطوار والأقطار لما عدوت ما رُكب في طباعنا من حب الظهور، ورغبة التفرد، ورذيلة الحسد

إذا جاء الأمة خير لا نصيب لي منه ولا سلطان لي عليه، جعلته شراً يستعان على درئه ببدع تتسم بسمة الدين، وخدع تتستر بستار الوطن. وإذا نهضت في الأمة جماعة للإصلاح ولم يكن لي موضع الرياسة فيها ولا مرجع الفائدة منها، أشعتُ حولها الرَيب، وأطرْت فوقها الظنون، حتى يستوحش من ناحيتها الناس فتفشل

تنازع زعيمان عظيمان من زعمائنا على الرياسة أو ما يشبه الرياسة، فقسما الأمة بنزاعهما قسمين متعارضين لكل منهما آراؤه وحججه ومبرراته؛ وكاد يدخل على الناس أن هناك مذهبين في سياسة البلد: أحدهما يصل والآخر ينقطع! وكان مبعث الأمر كله عصبية الرأي وشهوة الرياسة.

واجتمع أعضاء مجلس الإدارة لجمعية المعلمين في بغداد يوم أُنشئت لينتخبوا من بينهم رئيساً فلم يفز أحد من الثلاثة عشر عضواً إلا بصوت واحد! ذلك لأن كل عضو منهم أراد أن يكون الرئيس فانتخب نفسه!

أحزابنا السياسية وجماعاتنا الدينية أسماء وأزياء لا تجد وراءها مسمى يتميز من مسمى، ولا جسماً يختلف عن جسم. وإن طالب الثقافة ليستطيع أن يذكر لك في يسر ووضوح جملة الفروق في الوسائل والغايات بين اليسوعية والماسونية والشيوعية والنازية والفاشية، أو بين حزب وحزب من الأحزاب البرلمانية في جميع البلاد الدستورية؛ ولكني أتحدى أستاذ الجامعة أن يذكر لي فرقاً أو شبه فرق بين الوفديين والسعديين والدستوريين والمستقلين والوطنيين والشعبيين والاتحاديين، أو بين الشبان المسلمين، والإخوان المسلمين، والأخوة الإسلامية، والهداية الإسلامية، وشباب الإسلام، ومجد الإسلام، ومن لا علم لي به من هذه الجماعات. ولئن سألتهم ماذا يمنعهم أن يضموا الشتات ويوحدوا الكلمة ويحددوا الغاية ما داموا اخوة في الوطن أو في الله، ليقولنَّ كل حزب منهم: ما يمنعنا إلا أن يكون لغيرنا زعامة الأمة ورياسة الحكومة. ولو سمحت العصبية الآثمة أن يكون للمتحزبين غاية غير هاتين لأمكن الوفاق وسلمت الوحدة؛ ولكن العصبية هي داؤنا الموروث لا يحسمه عنا إلا طِبابُة الذي عالجه به الله ورسوله: محو الفروق بالحرية

ص: 2

والشورى، وشفاء الصدور بالأخوَّة والمساواة، ورفع النفوس بالإيثار والتضحية!

ويومئذ يحيا فينا الضمير الاجتماعي فنعمل مرؤوسين ومجهولين، أصدق مما كنا نعمل رؤساء ونابهين، فنخلص للأمة كما نخلص للأسرة، ونحب لعامة الناس ما نحب لخاصة النفس، ونخرج من حدود العصبية إلى آفاق الوطنية سالكين سبيل القانون إلى غاية الحق، كما يسلك هذا القطار صراطه المستقيم إلى غايته المعلومة!

احمد حسن الزيات

ص: 3

‌الأدب العربي الحديث في مصر الجنوبية

للدكتور زكي مبارك

كان من توفيق الله - تباركتْ أسماؤه! - أن ألتفت إلى الأدب العربي في السودان، فقد تلقيت وتلقّى الأستاذ الزيات رسائل كثيرة تشهد بأن ذلك الالتفات صادفَ هوىّ في أفئدة أهل الغيرة على الأدب في ذلك القُطر الشقيق

ومن الحديث المعاد أن أقول: إن المصريين والسودانيين إخوة، ولكن يجب أن نعترف صراحةً بأننا فرّطنا في حق تلك الأخوَّة، فلم نؤدّ لها كل ما يجب من التعهد والرعاية، ولم نبذل في سبيل إعزازها جهداً يستحق التسجيل

ويزيد في الأسف على ما وقع من التفريط أن البرّ بأشقائنا في مصر الجنوبية لم يكن يكلفنا عَنتاً لو أردناه، فالسودان قريب وجوّه مقبول في أكثر الفصول، والاتصال بأهله يفتح أمام قلوبنا آفاقاً جديدة من المعاني الأدبية والروحية، لأنهم يغارون على العروبة غيرةً لا يعرف صدقها إلا من عرف بعض رجالهم الأمجاد، ولأنهم حفظوا عهد الإسلام في أوقات قلّ فيها المؤمن الصادق والمرشد الأمين

ومن المؤكد أن السودان قادرٌ على المشاركة الجدية في إحياء الأدب العربي، فلأهله الأماجد ماضٍ مجيد في خدمة اللغة العربية وإن جهله الأكثرون، ولشبانه في هذا العهد مطامح وآمال، وقد يقدرون بعد قليل على الظفر بمنازل أدبية يصل صداها إلى جميع الأسماع بالبلاد العربية

في السودان تطلُّع شديد إلى الاستفادة من تقدُّم العلوم والآداب في العصر الحديث، ولهذا التطلع سنادٌ مما ورث أهله من معارف العرب القدماء. وإن دام هذا الحال وسيدوم، فلن يمضي إلا زمن قليل حتى يصبح للخرطوم وأم درمان مكان بين العواصم التي تحمل مشاعل الثقافة العربية من أمثال: القاهرة والقدس ودمشق وبيروت وبغداد. . .

أغلب أهل السودان من أرومة عربية، فغيرتهم على العروبة غير طبيعية. يضاف إلى ذلك مُقامهم في بقاع توصف عند القصد في الوصف بأنها الشؤون الذي تذرف ماء النيل، وهو أكواب من التِّبر المذاب

كان من الخطأ البيّن أن نترك أمر التفكير في السودان لرجال السياسة، وهم قومٌ لا يلتفتون

ص: 4

- حين يلتفتون! - لغير الاتفاقات والمعاهدات، ولا يذكرون إلا أن السودان جزءٌ من مصر تعرض لمصاعب قد تزول بعد زمن قصير أو طويل.

والأمة التي تعتمد على ساستها في (جميع) الشؤون، غير جديرة بشرف الاستقلال

يجب على رجال الأدب أن يعرفوا واجبهم نحو السودان، السودان العربي، بغض النظر عن صفته المصرية، فمن التقصير الذميم أن ننسى أن السودان من موائل العروبة، حين نتحدث عن: المغرب واليمن والحجاز وفلسطين وسورية ولبنان والعراق

والعتْب الذي أوجهه إلى أدباء مصر، أوجهه إلى إخوانهم بسائر الأقطار العربية، فقد كان يجب على إخواننا في الشرق العربي أن يذكروا إخوانهم في السودان، فما خلا رأس أديب بمصر الجنوبية من شواغل نبيلة تصل عقله وروحه بأقباس العروبة في هذا الزمان، وإن لمعتْ من أفق سحيق كالأفق الذي تشعْ منه بوارق العروبة بين المهاجرين في أمريكا الجنوبية

أليس من العقوق أن يجهل بعض أبناء العرب أخبار السودان، مع أن السودان يعرف من أخبارهم كل شئ؟

لمصر فرصة من فرص الجاذبية، وهي مكانتها العلمية، وللحجاز فرصة أعظم، لأنه وطن الحرمين الشريفين، والشام معهد ملك بني أمية، والعراق معهد ملك بني العباس، فماذا بقى للسودان حتى يهتم به العرب والمسلمون؟

بقى للسودان حق شريف نبيل: هو تفرده بالصدق الأصيل؛ فما تعب العرب ولا تعب المسلمون في توطيد سلطانهم الأدبي والروحي في البلاد التي ينبع فيها النيل، وإنما صدق السودان للعروبة والإسلام بلا دعوة ولا دعاة كأنه أبى أن يتلقى وحي الهداية عن أحد من الوسطاء

السودان العربي حصن حصين، والسودان المسلم كنز ثمين، ولو صدق جميع العرب والمسلمين كما صدق السودان لخفَّت بليتنا بالخوارج على العروبة والإسلام في بلاد لم يحفظ فيها مجد الآباء غير أفراد لا يزيدون عن مائة مليون، مع أن هَدي العروبة والإسلام كان وصل إلى مئات الملايين

قيل إن أهل السودان وصل عددهم إلى ثمانية ملايين من النفوس، وأقول إنه ثبت عندي

ص: 5

أن أهل السودان وصل عددهم إلى ثمانية ملايين من القلوب، فما في عرب السودان رجل بدون قلب، ولا جاز عند أهل السودان أن يكون الصديق ملكاً في المحضر وشيطاناً في المغيب، وإنما السوداني عدو أو صديق، لأنه يكره الختل والخداع، إلا أن يكون دخيلاً في الانتساب إلى تلك البلاد!

نصحني أحد الأصدقاء بأن أحافظ على الصلوات حين أزور السودان، لأن أهله لا يحترمون غير من يحافظ على الصلوات

فمتى أزور السودان لأعرف المدلول لكلمة الفجر وكلمة الشفق؟

كان أبي رحمه الله يوقظني من النوم لأؤدي صلاة الصبح قبل الشروق، وقد مات أبي، مع الأسف الموجع، ولم يبق لي صديق يذكرني بأوقات الصلوات

فما أسعد المصري المقيم بالسودان، لأن الجو هناك يقهره على مراعاة النوافل قبل أن يقهره على مراعاة الفرائض!

السودان السودان، السودان المسلم، السودان العربي، السودان المصري، وتلك أواصر لا ينكرها إلا جحودٌ أو جهولٌ

إن الذين غلبونا باسم السياسة لا يستطيعون أن يغلبونا باسم الوجدان، فمتى نعرف قيمة ما خصِصنا به من القدرة على الظفر بثقة الأرواح والقلوب؟

مصر غنية بالعواطف، ولكنها لا تعرف كيف تنتفع بذلك الغنى الجميل

مصر التي عذبت زعماءها وهي تذكرهم بواجبهم نحو السودان لم تقهر واحداً منهم على زيارة السودان

أليس من العيب أن يشهد التاريخ أن السودان لم يزره مصطفى كامل ولا سعد زغلول؟

إن الشيخ محمد عبده زار السودان وهو موقوذٌ بمرض السرطان، فكانت تلك الزيارة آية على أنه يعرف معنى الاستشهاد في سبيل الوطن الغالي، ومحمد عبده هو محمد عبده، فمتى يجود بمثله الزمان؟!

أنا أرجو أدباء مصر أن ينسوا الجدل السياسي حول مركز مصر في السودان بعد أن انتهت الأمور إلى ما انتهت إليه، وبعد أن صح أن الهجرة إلى السودان لا تستهوي ألباب المصريين لأن مصر تشدهم إلى ثراها الخصيب بقيود مجدولة من وشائج الخيرات

ص: 6

والثمرات، وهم لهذا السبب أزهد الأمم في الانتقال من مكان إلى مكان

كل ما أرجوه من الأدباء والفنانين أن يذكروا أن بلادنا تنقسم إلى شطرين: مصر الشمالية ومصر الجنوبية، فإن فهموا هذا فقد يصبح من واجبهم أن يصطافوا في الخرطوم كما يصطافون في الإسكندرية. ولم يخبرني الأستاذ عبد العزيز عبد المجيد بجديد حين تلطّف فكتب إليَّ يقول: إن جوّ السودان في يوليه وأغسطس وسبتمبر لا يعرف ما سميتُه (وقدة الصيف): لم يخبرني هذا الصديق بجديد فقد كنت أتابع ما ينشر المذياع من درجات الحرارة في الصيف وكان يسرني أن أعرف أن الحرارة في الخرطوم أقل من الحرارة في الإسكندرية بنحو عشر درجات

فما تفسير ذلك؟

تفسيره سهل، فالصيف في السودان هو موسم الأمطار، الأمطار التي تعيش بفضلها مصر الشمالية منذ الأبد الأبيد، فأين الشاعر الذي تهزه هذه المعاني فيعيش موسماً أو موسمين في ضيافة الأمطار بالسودان ليعرف أن المصريين القدماء لم يسموا النيل (حابي) إلا وهم يدركون أنه حباهم الخيرات والبركات، بفضل ما ينقل إليهم من أمطار السودان. والحابي هو الوهاب، وذلك حرف نقله المصريون عن العرب، أو نقله العرب عن المصريين.

أين الشاعر الذي تهزه هذه المعاني فيزهد مرة واحدة في تعقّب أسراب الملاح في الشواطئ المصرية أيام الصيف ليرى بعينيه كيف تقتتل الأمطار في أعالي مصر الجنوبية ليكون من حظنا أن نجد الفرص لملاعبة الأمواج في أسوان والأقصر وأسيوط والقاهرة والمنصورة ودمياط؟

إن مصر الشمالية فتنت أبناءها أعظم الفنون، فلم يعرفوا أن الرواضع مدينة للروافد، وقد يكون فيهم من يجهل الفرق بين الروافد والرواضع

فمتى نصبر على هذه البلادة الدميمة، البلادة التي قضت بأن نجهل كل شئ من الجوانب الروحية والأدبية في السودان، وبحياضه وأرباضه قبائل صحيحة النسب إلى يَعرُب وقحطان؟

كتب الأستاذ الهادي إلى مجلة الرسالة كلمة تحدث فيها عن زعماء السودان، فمن أولئك الزعماء؟ لم أعرف منهم غير اسمين اثنين، مع أني أعرف مئات الأسماء من أهل الفضل

ص: 7

في مختلف البلاد العربية والإسلامية، فكيف جاز أن أُطوق بهذا الغُل، وأنا أعرف أن أقبح الأغلال هو غُل الجهل؟

وهل تفردتُ بالجهل حتى أسوق إلى نفسي هذا الملام العنيف؟

لقد شاركني في هذا الجهل جماعة من الفنانين الفضلاء، ألم تشهدوا بأعينكم أفلاماً مصرية أُخذت مناظرها من البلاد السورية واللبنانية والعراقية ولم يؤخذ منها منظر واحد من مناظر مصر الجنوبية؟

إن أردتَ التعرف إلى مناظر السودان عن طريق السينما - أو اَلخَيالة كما يسميها بعض أساتذة اللغة العربية -

فاطلب مشاهدة بعض الأفلام الإنجليزية أو الأمريكية، ولا تنتظر الأفلام المصرية، لأن الفنانين في مصر لم يعرفوا أن في الدنيا بلاداً غنية بالمناظر الطبيعية مثل السودان وهو الجزء الجنوبي من الوطن الغالي

ومع هذا يقال: إن المصريين يقدمّون دروس الوطنية إلى شعوب الشرق!

قد يجيب بعض الفنانين بأن مناظر السودان ممزوجة بسكان السودان وفيهم أقوام لهم أشكال وأزياء ينكرها الذوق الحديث (؟!)

وأقول إن الجمال الحق هو جمال النفوس والقلوب، لا جمال الأشكال والأزياء، فالبدويّ الممزَّق الثياب قد يكون أكرم نفساً وأطهر سريرة من الحضري الأنيق

ولسنا أطفالاً حتى ننخدع بالظواهر الكواذب، وإنما نحن طلاب حقائق، وطالب الحقيقة يعلم كل العلم أنها غانية عن التزيين والتلوين، فمن ظن أنه يؤذينا أو يؤذي تلك البلاد بنقل ما فيها من صور تمثل بعض من يعيشون هنالك على الأساليب الطبيعية فهو جاهل بالقيم الصحيحة لحيوات الشعوب، وهي حيوات تتأثر بظروف المكان إلى أبعد الحدود

وبأي حق نطالب أهل السودان بأن يُستعبدوا كما استعبدنا للأزياء الأوربية؟ وبأي حق يجوز لبعض الموظفين في السودان أن يدخلوا مكاتبهم في ملابس لا ترى الصيف والشتاء إلا بعيون الأوربيين؟

وهل ظفر الأوربيون بالسلامة من سواد قلوبهم حتى نحاكيهم في جميع الشؤون؟

أوربا هلكتْ بسبب التصنع، فلنرحم أنفسنا من مهالك التصنع، ولتذكر أن نجاحنا في

ص: 8

ماضينا يرجع إلى فضيلة الاحتكام إلى العقل في جميع الأمور، وهي فضيلة حفظت وجودنا سليما على اختلاف الأجيال

أما بعد فأين أنا مما أريد؟

أنا ماضٍ في نظم سلسلة من الأبحاث عن الأدب الحديث في السودان، ولكن السودان يصدّني عما أريد؟ فكيف وقع ذلك؟

هنا يظهر نضج العقل في تلك البلاد، فما كاد يصل مقالي بالرسالة إلى مدينة الخرطوم حتى سارعت إحدى الجماعات الأدبية هنالك فأرسلتْ إلىّ برقية ترجوني فيها إرجاء الحكم على أدب أهل السودان إلى أن أزور السودان. وكذلك صنع الأستاذ عبد العزيز عبد المجيد، فقد كتب إليّ خطاباً قال فيه: إن أدباء أهل السودان مع ارتياحهم للحديث عنهم يرجون أن أؤجل هذا الحديث إلى أن أزور السودان

فهل تعرفون السرّ في هذين الاقتراحين؟

يظهر السرّ جلياً حين تعرفون أني لم أتأهب لإنشاء بضع مقالات للتعريف بالأدب الحديث في العراق تيسيراً لمهمة المدرسين الذين سيتقدمون لمسابقة الترقية للتعليم الثانوي إلا بعد أن كتبت لسعادة مدير التربية والتدريس في بغداد خطاباً أرجوه فيه أن يتفضل فيحدد المعالم الواضحة لأدب العراق، خوفاً من أن يشط قلمي فيخوض في أحاديث ينكرها أهل العراق

فإذا جاز أن أتحفظ في الحكم على الأدب العراقي بعد أن زرت جميع الحواضر العراقية، وبعد أن تعرفت إلى جمهرة أهل الأدب هنالك، فكيف لا أتحفظ في الحديث عن أدب أهل السودان وأنا لم أزر تلك البلاد؟

الحق أن هذين الاقتراحين على جانب عظيم من السداد، وبهما يظهر أنه لا بدَّ من تأجيل الحديث عن أدب أهل السودان إلى أن أتشرف بزيارة ذلك القطر الشقيق؟ ولكن متى! سيكون ّذلك بإذن الله في شهر أيلول، وهو موسم طغيان النيل، فعندئذ أزور السودان بصحبة صديق يحبه السودانيون وهو الأستاذ الزيات؛ ثم أكتب عن الجوانب الأدبية، ويكتب هو عن الجوانب الاجتماعية، وبهذا يمكن تسجيل صور صحيحة عن السودان ينتفع بها المتشوقون لأخباره من أبناء الأمم العربية

ص: 9

ثم ماذا؟ ثم أقول: إني علمت أن جريدة (صوت السودان) أخذت تُصدِر أعداداً خاصة في التعريف بأدباء مصر الجنوبية تمهيداً لتحقيق المشروع الذي فكرتُ فيه، فأرجو أن يتفضل الإخوان هناك بإرسال تلك الأعداد باسم:(زكي مبارك بمصر الجديدة) لأستطيع متابعة هذه الدراسات الأدبية، ثم أقول أيضاً: إني أرجو أن يتفضل أحد أدباء (السودان) فيرشدني إلى ما صدر عندهم من المطبوعات الحديثة مع النص على المكاتب التي تبيعها لأقتني منها ما يساعد على فهم هذا الموضوع الجليل.

والمهمّ هو أن نكون رجال أعمال، لا رجال أقوال، فلن يكون الوعد بزيارة (السودان) زُخرُفاً من القول نلاطف به إخواننا في ذلك القطر الشقيق، وإنما يجب أن يكون من نياتنا الصوادق أن نعاون معاونة صحيحة على تأريث الأدب العربي في السودان، وأن نسجل تطوّر الخواطر والأفكار في ذلك الشطر من وادي النيل، النيل الذي فتن (إميل لودفيج) فزاره في منابعه، ثم أنشأ فيه كتاباً خلق للسودان ملايين من الأصدقاء

كان أسلافنا أصدق منا يوم عَبدوا النيل، وكنا عاقين حين اتهمناهم بالوثنية، فما كان التعلق بمصادر الخيرات إلا فنا من الثناء على واهب الخيرات

لما هبطت أسعار الفرنك في فرنسا منذ بضع سنين هتف صوتٌ يقول: أيها الفرنسيون، انتهزوا فرصة هبوط الفرنك وزوروا أقاليم وطنكم الجميل!

وأقول: إن الحرب قضت بأن تقفَل أبواب أوربا في وجوه المتشوقين إلى ما في أوربا من ملاعب الصيف ومراتع الشتاء، فانتهزوا هذه الفرصة يا أبناء العرب وزوروا أقاليم وطنكم الجميل، على شرط أن تذكروا السودان، فهو اليوم أكبر قارئ للمؤلفات والجرائد والمجلات، مع تفرده بالاغتراب ظلماً عن قافلة الوحدة العربية

وفي ختام هذه الكلمة أذكر بالثناء العاطر ما صنع طلبة كلية الآداب، فقد تألفت منهم بعثة سنة 1938 لزيارة السودان كما تألفت منهم قبل ذلك بعثات لزيارة العواصم العربية، فصنيع كلية الآداب يشهد بأن فيها عقولاً تدرك أن وصل الأمم العربية بعضها ببعض غرضٌ يوجبه الصدق في إحياء الأدب العربي والتراث الإسلامي. وسيكون لكلية الآداب في توكيد هذه المعاني مقامٌ يسجله التاريخ بأحرف مسطورة فوق جبين الوفاء.

زكي مبارك

ص: 10

‌3 - في العقد

لأستاذ جليل

18 -

(ص50) قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية في شئ من السياسة إلا مرة واحدة: استعملت رجلاً فكسر خراجه، فخشي أن أعاقبه ففر إليه واستجار به فأمنه، فكتبت إليه: إن هذا أدب سوأ من قبلي. . .

قلت: إن هذا أدب سوْء لمن قِبَلي

في (تاريخ الأمم والملوك) لأبن جرير الطبري:. . . فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه في أيامه تلك وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم، فقام المغيرة بن شعبة في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد فقد علمتم (أيها الناس) أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف الأذى. وإني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوْء لسفهائكم، وأما الحلماء الأتقياء فلا. وأيم الله لقد خشيت ألا أجد بداً من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل. فكفوا (أيها الناس) سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم. وقد ذكر لي أن رجالاً منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف؛ وأيم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب في هذا العصر إلا أبدتهم، وجعلتهم نكالاً لمن بعدهم. فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والأعذار

19 -

(ص 361). . . دعني من شعرك الذي لا يأتي آخره حتى ينسي أوله، وقل فيَّ بيتين يعقلان أفواه الرواة

قلت: يعلقان أفواه الرواة. يقال علق به وعلقه. ومن التفريط أن يغفل القاموس هذا حتى يستدركه التاج. قال: (وما يستدرك عليه علق بالشيء علقاً وعلقه نشب فيه). وفي الأساس والتاج: قال أبو زبيد يصف أسداً:

إذا علقت قرنا خطاطيف كفه

رأى الموت في عينيه أسود أحمرا!

ومخاطب الشاعر إنما مرغبه سيرورة بيتيه، انتشارهما

20 -

(ص346). . . أخبرني عن مالك فقد نُبئت أنك تتحرّى فيه. قال: يا أمير المؤمنين، لنا مال يخرج لنا منه فضل؛ فإذا كان ما خرج قليلاً أنفقناه على قلته، وإن كان

ص: 12

كثيراً فكذلك

قلت: فقد نبئت أنك تتجر فيه

21 -

(ص140) قال أبو سعيد المخزومي وكان شجاعاً:

وما يريد بنو الأغبار من رجل

بالجمر مكتحل بالنبل مشتمل

وجاء في الشرح: الأغبار إما جمع غبر (بالضم) وهو بقية الحيض، أو جمع غبر (بالكسر) وهو الحقد، والذي في الأصول (أغيار) ولم نجد من معانيه ما يناسب السياق

قلت: في البيت تبديل وتصحيف قديمان، وهو في قصيدة صالحة رواها أبو علي في أماليه، وهذه أبيات منها، وفيها ذاك البيت كما بناه صاحبه:

في الخيل والخافقات السود لي شُغُل

ليس الصبابة والصهباء من شغُلي

ما كان لي أمل في غير مكرمة

والنفس مقرونة بالحرص والأمل

ذنبي إلى الخيل كَرّى في جوانبها

إذا مشى الليث فيها مشي مختَبل

ولي من الفيلق الجأواء غمرتها

إذا تقحمها الأبطال بالحيل

سل الجرادة عني يوم تحملني

هل فاتني بطل أو خِمت عن بطل

وهل شآني إلى الغايات سابقها

وهل فزعت إلى غير القنا الذبل

مالي أرى ذمتي يستمطرون دمي

الست أولاهم بالقول والعمل؟!

كيف السبيل إلى وَرد خُبَعْثِنة

طلائع الموت في أنيابه المُصُل؟!

وما يريدون لولا الحين من أسد

بالليل مشتمل بالجمر مكتحل؟!

لا يشرب الماء إلا من قليب دم

ولا يبيت له جار على وجل

لولا الإمام ولولا حق طاعته

لقد شربت دماً أحلى من العسل!

ومن طرف أمثاله السائرة - كما يقول الثعالبي في الإيجاز والإعجاز - قوله:

ليس لبس الطيالسْ

من لباس الفوارسْ

لا ولا حومة الوغى

كصدور المجالسْ

وظهور الجياد غي

رظهور الطنافسْ

ليس من مارس الحرو

ب كمن لم يمارسْ

22 -

(ص59) لما منع أهل مرو أبا غسان الماء، وزجّته إلى الصحاري، كتب إليهم أبو

ص: 13

غسان: إلى بني الإساءة من أهل مرو، ليمسّينّي الماء أو لتصبحنّكم الخيل. فما أمسى حتى أتاه الماء. فقال: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد

قلت: الإساءة أو الاستناءة في الطبعات القديمة يصلحها ابن أوس الطائي:

وأغر يلهو بالمكارم والعلا

إن المكارم للكريم ملاهِ

يمسي ويصبح عرضه في صخرة

شدخت شواة العائب العضاة

قل للعداة الحاسدية على العلا:

رغماً لأنفكم بني الأستاه

هو للوفي العهد ظل أراكة

ولمضمر الشنآن شوك عضاه

23 -

(ص 177)

فلولا إدراك الشر قامت حليلتي

تخير من خطابها وهي أيّم

ولولا إدراك الشر أتلفت مهجتي

وكاد خراش يوم ذلك يُيتم

قلت: هو الشد في البيتين (أي العدوْ) وشد واشتد: عدا، قال:

هذا أوان الشد فاشتدي زِيمُ

ويُيتم هي يَيتم بفتح أوله، وعين الفعل تفتح وتكسر.

والبيتان في حماسة البحتري في قصيدة لأبي خراش في أول الباب (25)(فيما قيل في الفرار على الأرجل) وهذه روايتهما هناك:

فلولا دِراك الشد قاظت حليلتي

تخير في خطابها وهي أيم

فتسخط أو ترضى مكاني خليفة

وكاد خراش يوم ذلك يَيتم

24 -

(ص254) ثم جعل يتشدد عليهم ويقول:

احمل على هذي الجموع حوثره

قلت: يشد عليهم

شد على القوم في الحرب يشِد ويشُد: حمل، وفي الحديث: ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب: أي حمل عليه فقتله، وشدوا عليهم شدة صادقة

وروى محققو الكتاب في الشرح عن الكامل: (ثم حمل (أي حوثرة) على القوم وهو يقول) وحمل عليهم مثل شد عليهم. وجاء في ص255 من هذه الطبعة: (فشدوا عليه شدة رجل واحد فهزموه)

ص: 14

25 -

(ص75) قال القَطامي:

ومعصية الشفيق عليك مما

يزيدك مرة منه استماعا

وخير الأمر ما استقبلت منه

وليس بأن تتبعْه اتباعا

كذاك وما رأيت الناس إلا

إلى ما جر غاويهم سراعا!

تراهم يغمزون من استركوا

ويجتنبون من صدق المصاعا!

قلت: استجدت القول فرويته، والقصد هو البحث في (القطامي) في فتحة قافه وضمها، فقد شغل هذا الاسم فضلاء في القديم وفي هذا الزمان. وسأورد طائفة من أقوالهم لتزول الشبهة، ويستبين الحق:

قال العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي في نقده طبعة (لسان العرب): ضُبط القطامي بفتح القاف، وصوابه بضمها كما صرح به المؤلف في موضعه

وهذا قول اللسان: والقطامي بالضم من شعرائهم من تغلب واسمه عمير بن شُيبم. وقد تبع اللسان الصحاح، قال الجوهري: والقطامي بالضم لقب شاعر من تغلب. . .

ولما وقف العلامة الأستاذ الشيخ محمد بهجة الأثري على قول العلامة الشيخ إبراهيم كتب في شرحه (بلوغ الأرب) لفخر العراق الإمام الشيخ محمود شكري الألوسي:

القطامي بفتح القاف وضمها كما نص عليه ابن الشجري في أماليه، والمجد في قاموسه، وعبد الرحيم العباسي في معاهده. وقول إبراهيم اليازجي في مجلة الضياء: إن الصواب الضم، وهم من أوهامه الناشئة من غروره وهوسه، وقلة تتبعه ودرسه. والقطامي لقب غلب عليه، واسمه عمير بن شييم، وهو شاعر إسلامي مقل، رقيق الحواشي، كثير الأمثال، حسن التشبيب وهو صاحب هذا البيت:

إنّا محيوك فاسلم أيها الطللُ

وإن بليت وإن طالت بك الطيل

الذي انتحل صدره جميل الزهاوي المتفلسف فقال في مدح أمير عربي:

إنا محيوك فاسلم أيها الملك

ومصطفوك لعرش شاءه الفلك!!

وينصر قول العلامة الأثري شيخ العربية الإمام بن جني قال في (المبهج) كتابه الذي فسر فيه أسماء الشعراء في ديوان الحماسة: القطامي بضم القاف وفتحها هو الصقر سمي الشاعر (يعني قطاميّنا هذا) به لقوله. . .

ص: 15

وضبط العلامة محمد محمود الشنقيطي هذا (القطامي) بالفتح في (المخصص) وضبطه العلامة الشيخ سيد بن علي المرصفي في (الرغبة) بالضم، وقال الإمام ابن سيدة في المخصص: أبو عبيد: القَطامي والقُطامي الصقر لأنه يقَطم إلى اللحم.

وفي التاج: القَطامي ويضم، الفتح وسائر العرب يضمون

فمن المستحسن في طبعة (العقد) هذه أن يضبط القطامي - وتلك قصته. . . - بالضم والفتح في المتن أوفى الشرح

ص: 16

‌كلمة حق

الدافع إلى كتابتها

للأب أنستاس ماري الكرملي

كنت اشتريت في 13 فبراير (شباط) من سنة 1934 (كتاب الذخيرة في علم الطب) المنسوب وهماً إلى ثابت بن قرة، والذي نشره حضرة الدكتور جورجي بك صبحي، فطالعته مراراً لأستفيد من الوقوف على مصطلحاته، فخاب أملي، ثم كتبت إلى حضرة ناشره، بعد مضي نحو من سنة ونصف، أي في 29 يونيو من سنة 1936:

(بعد إهدائي إليك أعطر السلام وأطيبه، أقول: اقتنيتُ (كتاب الذخيرة في علم الطب)، فألفيت نسبتهُ إلى ثابت بن قرة غير صحيحة، وإني أوافق وِدمن على أنه ليس لهذا الرجل الشهير كما ذكرت أنت ذلك، ناقلاً كلام ودمن في ص من مقدمتك الإنكليزية. وأضنه لواحد من الأقباط من المائة السادسة أو السابعة للهجرة، وكان يجهل كل الجهل أحكام اللغة العربية، إذ فيه شئ كُثار من الأغلاط، وشئ لا يحصى من أوهام المصطلحات الطبية المشوهة أقبح تشويه. ُثم جئت أنت، فزدت الطين بلة، والطنبور نغمة، فصحفت المتن تصحيفاً فظيعاً، وتحريفاً شنيعاً. ولم تجتزئ بذلك، فأتيت بتصحيفات هي بالحقيقة تقبيحات، وأوردت تفاسير هي من أبعد التأويلات عن حقائق العلم، ودقائق العرفان.

فقد ذكر المؤلف مثلاً صفةً لداء الثعلب وداء الحية في ص11 عدة أدوية، ومن جملتها هذه الصفة:(وكذلك ذباب محرق. وكذلك قشور القنفذ وأصل القصب المجفف يدق ويطلي به). - فقلت في الحاشية تعليقاً على قشور القنفذ: (البندق. (خط جديد). ومعنى ذلك أن أحد الأدباء الذين اقتنوا الكتاب وضع في مكان (قشور القنفذ): (قشور البندق). - قلنا: وكان يحسن بك أن تقول: (ما في المتن هو الصحيح وما جاء بخط جديد أي البندق هو الخطأ؛ لأن المراد بقشور القنفذ هنا، قشور القسطل أي الشاهبلوط المعروف عند بعضهم بأبو فروة. وسبب تسميته بالقنفذ أن على قشره شوكاً يشبه بعض الشبه ظَهْر أو قشر القنفذ الشائك

وقلت في الصفحة المذكورة (أو بجلد السمكة الخشنة الجلد وهو السضن) - قلنا: وليس في لغة من لغات العالم قشر سمكة اسمه السضن (بالضاد) إنما هو السَفَن، وهو جلد سمكة

ص: 17

تعرف بالأطوم وهي بسين وفاء ونون كما ترى

وقلت في تلك الصفحة: (وتين يابس محرق مذيف) ولم أعثر على فعل (ذاف) بالذال المعجمة. ولا على اسم المفعول منه (مذيف). والذي أعهده أنه (مدوف)، وزان مخوف بدال مهملة

وقلت - ونحن لا نزال في تلك الصفحة -: (ويجب أن يمنع أصحاب هذه العلة جميع الأنبذة والتملي من الطعام) - والصواب: (والتملؤ من الطعام - ولا أريد أن أمعن في تنبيهي إياك على كل ما ورد في هذا المصنّف من المشوهات، فإنها لا تحصى. ويحتاج القارئ إلى وقت طويل لتحريرها وتحويرها لإعادة النص إلى نصابه. ومع ذلك، يبقى أنه ليس لثابت بن قرة، لأنه كان صحيح العبارة، بديع الكلام، عارفاً بالمصطلحات الطبية كل المعرفة، وواقفاً عليها وقوفاً تاماً. ولما كان الوقت غير متيسر لي في هذه الأيام، لا يمكنني تصحيح هذا الكتاب

ووفقك الله وسلمك من كل ضر وشر)

الأب أنستاس ماري الكرملي

فأجابني حضرته بتاريخ 5 يوليو من السنة المذكورة 1936 بكتاب أحفظه عندي وأنشره مصوراً إن يُنكر على أنه كتبه إليّ لتسود وجوه وتبيض وجوه. فكتبت إليه بتاريخ 19 يوليه من السنة المذكورة ما هذا نصه:

أشكر لكم جوابكم بتاريخ 5 الجاري، ولقد طالعت المقدمة الإنكليزية، وعلمت أن السرعة التي أظهرتم بها هذا الكتاب شفيعة لكم لوقوع الأغلاط فيه؛ لكن هذه الأغلاط جمة، لا تكاد تسلم منها صفحة واحدة. على أن الأغلاط المتعلقة بالكلام المنثور لا أهمية لها، إنما الأهمية في المصطلحات العلمية. وحالما وصل إلى هذا الكنز، كتبت على أول صفحة منه (إنه ليس لثابت بن قرة؛ ومن المحال أن يكون له، لأن عبارته سقيمة ركيكة، مشوهة، كثيرة الأغلاط؛ ومن البعيد كل البعد أن ينسب إلى ثابت. ولا أريد أن أذكر هذه الأغلاط لكثرتها وأنا أنسب هذا الكتاب إلى رجل صنفه في المائة السادسة للهجرة (لا للثالثة)، لأن عبارته عبارة ذلك العصر. ثم إنه استعمل (القنفذ) بمعنى (الشاهبلوط)، بخلاف ما تقول حضرتك، ولا سيما أنك ادعمت رأيي هذا بأن قلت: إن الأصل لجالينوس هو بمعنى

ص: 18

الفندق؛ إذن ثبت أن القنفذ هو في عبارة الذخيرة (ص11) حين قوله: (قشور القنفذ)؛ هو هذا النبت لا الحيوان؛ إذ لا يقال للحيوان قشور القنفذ، وهيهات أن يقال ذلك!

ووجدت ابن العوام يقول: إن القنفذ هو الشاهبلوط، وفسره كذلك من نقله إلى الأسبانية والفرنسية - راجع معجم دوزي العربي الفرنسي - فإنه يشرحه هكذا شرحاً صحيحاً مما يؤيد كلام العراقيين، وهذه التسمية لا تعدو المائة السادسة للهجرة.

وهناك شواهد أُخر على أن الكتاب ليس لثابت، وذلك من الألفاظ اليونانية والسريانية شوهت أقبح تشويه، وأنا أُجل ثابتاً من ركوب متن هذه الفظائع؛ فالألفاظ انتقلت من مصحَّف إلى مصحف، ومن ناسخ إلى ناسخ، حتى جاءت بتلك الصور الشنيعة، وهي كلها للمؤلف الجاهل لا للنسّاخ - على ما أظن -. والبراهين التي ذكرتموها في النص الإنكليزي، لتبينوا بها صحة نسْبة هذا الكتاب إلى ثابت لا قوام لها، وليست منطقية، بل في نهاية الضعف. وما ذهب إليه هو الحق بعينه، وإن لم يبين لنا الأسباب والأدلة التي دفعته إلى ذلك القول. وإنما نسب الكاتب، أو الواضع، أو المزوَّر هذا الكتاب إلى ثابت بن قرة، ليروجه على الناس، كما فعل كثير من الأقدمين مثل هذه الأفاعيل، وقد اشتهروا بها

أما أن الواضع استعمل مرة شاهبلوطاً ومرة قنفذاً لمسمى واحدة فهذا ناشئ من اعتماده على عدة مؤلفات، وهذا أيضاً لكثير الوقوع في كتب القوم، وعندي شواهد لا تحصى تأييداً لهذا الرأي، ويحتاج هذا التفنيد إلى وضع مقالة طويلة تشرح فيها ملاحظاتي ولولا كثرة أشغالي لفعلت

وعلى كل حال إني شاكر لفضلكم وحرسكم الله

الأب أنستاس ماري الكرملي

هذا ما كتبته بيدي الفانية. وأما أن أحدهم (رأى عند الدكتور صبحي بك كتاباً بخط يدي أسأله فيه أجراً على تصحيح الكتاب، وأن طبيباً بالقاهرة اتصل بالدكتور صبحي بك يغريه على أن يجيب حضرة الأب إلى طلبه، فرفض صبحي بك معتذراً)

فالكذب ظاهر من كل كلمة من هذه الكلم. فإن كان بيد صبحي بك هذا الكتاب فليظهره للملأ حالاً بلا أدنى تأجيل، ويصوره وينشره ليصدقه الناس، ولا يزيد على ما عرف به من الكذب على الأموات الكذب على الأحياء، وهذا من الجرأة في مكان ظاهر ظهور النار

ص: 19

على العلم

وإن كان أحد الأطباء قد اتصل به ليغريه على أن يجيب طلبي، فلا بد لهذا الطبيب من اسم يعرف به، فلماذا لم يذكره لنا؟ وكيف يكون لهذه الأكاذيب المنمقة المزوَّرة المزوقة مسحة صدق، والذخيرة طبعت سنة 1928، وأنا كتبت إليه أولى رسالتيَّ في سنة 1936، أي بعد مضي ثماني سنوات على طبعه؟ وأي فائدة من تصحيحي لهذا المصنف بعد تلك المدة الطويلة، وقد انتشر بين الناس، وعرفت أغلاطه، إذ شرقت وغربت، ونسفت هضاب العربية وجبالها ودكتها دكاً لا يرجى بعده بناية في مكانه؟

وأي طبيب فاقد الحظ يعرض مثل هذا العرض، وقد اشتهر غلط ما طبع وذاع بين الخلائق كلها؟ فكل هذه خزعبلات وترهات لا يصدقها أعظم الناس بلاهة فكيف تجوز على الأدباء؟

ولهذا سكتُّ طول هذه المدة ولم أنطق بكلمة، لأن هذه الأباطيل جبال، لكنها من ثلج، تذوب عند إشراق شمس الحقيقة عليها، ولا يبقى منها أثر. إلا أن بعض إخواني في مصر وفلسطين وسورية والعراق ألحوا على أن أقول كلمة الحق، فجئت بها، وإن كنت في غنى عنها.

ومهما يكن من أمر، فأنا أنذر اليوم الدكتور جورجي بك صبحي، وشريكه المدافع عنه الأستاذ الفاضل والكاتب النزيه إسماعيل أفندي مظهر، بأن يثبتا ما تقوَّلا علىّ بإبراز الكتاب الذي كتبته أنا واطلع عليه الفاضل الأديب مظهر أفندي. وأن يذكرا لي صريحاً اسم الطبيب الذي اتصل في القاهرة بالدكتور صبحي بك ليغريه على أن يجيب إلى طلبي، وإن لم يفعلا، فإني أقيم الدعوى عليهما في المحاكم المصرية لاتهامهما إياي بشيء أنا براء منه، ولمعاقبتهما على ما لفَّقا علي بهتاناً وافتئاتا. وسوف تظهر المحاكمة من الجاني ومن المجني عليه، ومن الظالم ومن المظلوم

وأنا أمهلهما ثلاثة أشهر من نشر هذا الإنذار، ليتسع لهما الوقت وليثبتا مدعاهما المختلق من أوله إلى آخره

أما قول الأستاذ إسماعيل أفندي: (فإن الكتاب الذي أرسله (كذا) حضرة الأب إلى الدكتور صبحي بك يسأله فيه ذلك (أي أجر التصحيح)، قد مُزق وألقى به في سلة المهملات مع الأسف الشديد) فهذا عذر أقبح من ذنب. وكيف يكون هذا الكلام صدقاً، وهما يزعمان أني

ص: 20

طلبت به أجراً؟ فلو كان صحيحاً لاحتفظ به الدكتور، أو لنشره بنصه وفصه، إذ هو أمضى سلاح بيده، ليصرعني به ويقتلني شر قتلة؟ - لكنه مزقه (؟!) - قلنا:(إذا كان التمزيق قد وقع حقيقة، ولعله صادق، فهو لكي لا يبقى أثراً في ربيدته، يطلع من يأتي بعده على جهله لمبادئ اللغة المَضريّة ذلك الجهل الذي لا جهل بعده. وحينئذ نطلب من الدكتور النصراني أن يحلف على الإنجيل بين أيدي الشهود في المحكمة أنه تلقى مني كتاباً أطلب به أجراً على تصحيحي لكتابه الذي نشره ممسوخاً باسم. . . ثابت. . . بن. . . قرة!. وأطلب مثل هذا الطلب من الأستاذ المسلم إسماعيل أفندي مظهر فيحلف على القرآن بين أيدي أولئك الشهود، ويؤكد أنه. . . قرأ. . . هذا الكتاب)

فإن فعلا - ولا شك في أنهما فاعلان بعد أن بينَّا أكاذيبهما - فإني أتخلى عن دعواي، وأكل أمري إلى الله (والله يعلم إنهم لكاذبون).

الأدلة التي جاء بها الأستاذ مظهر لإبانة أوهامي

أما الأدلة التي جاء بها الأستاذ الجليل إسماعيل أفندي مظهر لتبرير صديقه العزيز الدكتور صبحي بك من الأغلاط التي ركب منها، فكلها موسومة بسمة المنطق المسكت المفحم ودونك أعجمها عوداً، وأشدها هولا ورعوداً:

1 -

ليس الأب في حاجة إلى دراهم لأنه راهب. وكأنه لا يحل للراهب أن يسند المدارس، ودور الأيتام، ومعاهد الشيوخ والعجائز، ولا مساعدة الأرامل بأي وجه كان.

2 -

إن أصل الكتاب مشوه كل التشويه وهذا وحده يجيز نشر الكتب بأغلاطها من غير تحرير ولا تحوير

3 -

إن الأب تعرض لنقد كثيرين من علماء مصر المشهورين، وكان عليه أن يسكت ولا يتعرض لهم ويقدس أغلاطهم.

4 -

إن الأب سقط وكبا في دورة المجمع اللغوي السادسة، فمن اللازم إذن أن يكبو ويسقط إلى آخر نسمة من حياته!

5 -

ومن آيات منطقه ومقنعات كلامه، هذه الكلمة التي نوردها بحروفها للقارئ: أيليق بنا يا حضرة الأب المهذب أن نسأل: كيف حصلت على لقب لغوي ما دمت تسقط في مباحث اللغة هذه السقطات الشنيعات. . . - قلنا: وهذه الأقوال من أكاذيبه أيضاً، إذ لم أحصل

ص: 21

على لقب لغوي من مدرسة أو كلية أو جامعة، أو حكومة، أو دولة ما، ولم ادع هذا المدعى في ما كتبته. ثم لو فرضنا جدلاً أني حصلت على هذا اللقب، فهل لكوني سقطت مرة واحدة في المجمع يدل على تمادي سقوطي؟

فما هذه البراهين النخرة، الواهية الباردة، الخالية من أثر المنطق؟ - إذ كم وكم من الأحفياء الذين سقطوا؟ وهل ما تقوله الدكتور فيشر ومن ما شاء هو الصواب؟ - وقديماً سقط الخليل ابن أحمد وخريجهُ الليث، وكبا أيضاً الفراء والأصمعي وابن مكرم والفيروزابادي والزمخشري وكثيرون آخرون. فهل هذا يدل على أنه لا يؤخذ بما قالوا، لأنهم سقطوا مرة بل مرات؟

6 -

وقال أيضاً الأستاذ المفوَّه إسماعيل أفندي: (ولقد يدعي حضرة الأب أنه لا يخطئ، لأنه لو كان يسلم بأن الخطأ واقع من أبناء آدم لما انزلق في نقده إلى حيث انزلق (كذا) 1 هجريه

قلنا: ولماذا لم يذكر لنا غلطاً واحداً من أغلاطنا في تصحيح عبارة صديقه الدكتور صبحي بك؟

7 -

وقال أيضاً في ص 1798: (وكلمة أخيرة أتوجه بها (كذا) إلى الأستاذ الفاضل أحمد أمين عميد كلية الآداب، ومحرر الثقافة فأسأله: هل من اللائق أن يوجه على صفحات الثقافة ألفاظ وعبارات كتلك التي وجهها حضرة الأب إلى الدكتور صبحي بك وهو له زميل في الجامعة وأستاذ مثله فيها؟

قلنا: جاء في أمثال الفلاسفة العلماء الرومانيين ; ومعناه: أفلاطون عزيز علي، وأعز منه عليَّ الحق: وجاء في النهاية لابن الأثير في مادة (ع ط ا) ما هذا نصه بحروفه: (هـ. في صفته صلى الله عليه وسلم فإذا تُعُوطِيَ الحق، لم يعرفه أحد. أي أنه كان من أحسن الناس خلقاً مع أصحابه، ما لم ير حقاً يتعرض له بإهمال، أو إبطال، أو إفساد. فإذا رأى ذلك تنمر وتغيَّر، حتى أنكره من عرفه. كل ذلك لنصرة الحق

هذا هو الأستاذ العلامة الكبير ذو الفضائل العلية الممتازة فهو ذا يشار إليه بالبنان، دَيّن، تقيّ، ورع؛ فإذا جاء الحق انتصر له ولم يُحابِ، إذ كل ما يعرفه هو الأمانة والصدق ومكارم الأخلاق، وينسى كل ما لم يكن من هذا القبيل، وهدفه الحق، لأن الحق صورة الله،

ص: 22

ومن أحبَّ الحق فقد أحب الله، وتعالى فوق كل شئ على الأرض. وهذا هو المطلوب من كل إنسان على الأرض؛ والسلام على من اتبع الحق واهتدى، ولم يمارِ ولم يُداجِ ولم يلتفت إلى من سواه عز وجل!

3 -

شكري لمتوخ للحق ثان

لا أمسح قلمي هذا إلا بعد أداء آي الشكر إلى كاتب كبير النفس، محب للحق حيثما وجده وكل من احتضنه، مقدر للعلم والأدب، ومتوخٍّ للصدق، اعني به الأديب احمد الشرباصي؛ فإنه نشر في (منبر الشرق) الصادر في القاهرة في 17 يناير من هذه السنة مقالة محجّلةً عنوانها:(من هنا وهناك) انتصر فيها للحق المبين وعدل عن محجة الكاذبين، إذ لم يستحسن ما نشره الأستاذ إسماعيل أفندي مظهر، وختم تلك الكلمة البديعة قاصمة الظهور، وفاتكة ما في مفاسد الصدور، فبدَّدت الأكاذيب والشرور، بهذه الخاتمة:

(أما تفسير الأستاذ مظهر وكشفه للدافع الذي دفع بالأب إلى نقد الدكتور صبحي فهو - إن صح - حقيق بأن يحدثَ في الأدباء ثورة، وأن يورث بين الكتاب حرباً تقوِّم المعوج وتهدي الضال إلى سواء السبيل)

لقد صدق - وايم الله - الأستاذ الشرباصي في قوله: (إن صح) إذ هذا الأمر ما صح ولن يصح، إلا إذا غلب الباطل الحق، وهذا لا يدوم إلا ريثما تنجلي الحقيقة بوجهها السافر الوُضَّاء. ولا يقع هذا الوهم إلا في من يخدع بالظواهر، على حد ما يخدع المسافر بالآل أو بالسراب، ذلكم السراب الذي يحسبه الظمآن ماء. وأما العلماء الحكماء البصراء فهم أبعد الناس عن هذه الخوادع الكواذب. وقانا الله شرها

الأب أنستاس ماري الكرملي

من أعضاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية

ص: 23

‌الفكر والسلطة

للأستاذ عبد المنعم خلاف

أود أن أعجل بالدخول في هذا الموضوع الذي أثاره الأستاذ الياس إبراهيم بدوي وأثار به قلم الأستاذ الكبير العقاد؛ فإنه موضوع يشغلني كثيراً في هذه الأيام وكنت على أن أفرد له مقالاً من مقالات (أومن بالإنسان) بعد ما أشرت إليه في إحداها فإنه جدير بالعناية؛ إذ التناقض بين السلطة والفكر هو السبب الأكبر في شقوة الإنسان وكفره بنفسه وبالعدالة وبالخير والحياة. فليكن هذا الحديث ملحقاً بتلك الأحاديث وإن لم يكن له عنوانها.

قلت في المقال الرابع من تلك المقالات: إن الإيمان بالعلم وتنظيم الحياة الإنسانية بطرقه وإطلاق الأفكار فيه هو الدين الواحد الذي يدين الإنسانية جميعها وتلتقي عليه بأفكارها وأيديها. . . وقد جعلها تلمس عرشها المرموق وتعرف دولتها المأمولة في مستقبل الحياة

ولكن أين العصا السحرية التي ستفعل في تعديل شهوات الأمم وغرائزها وتعصباتها الذميمة بحيث تجتمع على خدمة العلم والحياة بأفكارها وأيديها؟

ذلك ما يسأل عنه رجال التربية والمفكرون في الدين والاجتماع، رجال التربية فلاحو حقول الطفولة منطقة النمو الدائم وعُلب أسرار المستقبل، ورجال الفكر رسامو المثل العليا القادرون على استدراج الناس إليها وسجنهم فيها

ولكن هؤلاء وأولئك لا يزالون بعيدين عن مقاليد الحكم وتسلم مقاود القطيع بينما مكانهم هناك لو صحت الأوضاع. . . ولا يزال محترفو السياسة والدجاجلة بها المتخلفون عن بلوغ القمة في الفكر والخلق هم الغالبين المتسلطين. . . وهؤلاء هم سر البلاء النازل الآن بالناس كما كانوا في القديم

فأنا أتمنى بذلك أن يكون رجال الحكم في كل أمة هم رجال القمة في الفكر والخلق والقدرة على تربية الشعوب؛ فإن هذا هو الوضع الصحيح للحياة الاجتماعية التي يستقيم فيها كل شئ، ويؤمن المرء فيها بنفسه وبأمته وبالإنسانية جميعاً؛ إذ لا يجد في الحياة تناقضاً بين المثل العليا والقوانين المرسومة في الكتب والواضحة في نظام الطبيعة، وبين الوقائع العملية التي يسير بها الناس. وحيث لا تناقض بين ما في النفس وما في خارج النفس فهناك السعادة وهناك الإيمان وهناك الأمل والعمل المطرد

ص: 24

إن الذي يؤهل الأب لأن يكون قيما في الأسرة، هو بذاته الذي يخول الحاكم والسلطان أن يكون قيما في مجموع الأسر. وأول صفات الأب الفكر والرشد الممتاز والعدالة بين أبنائه والحب لهم جميعاً

والحكم كالأبوة وصاية وخدمة وقيام على الناس بالرعاية والإصلاح والعدل لا سيادة وسلطان أو مكاثرة أو حب تسخير للناس أو طلب للامتياز عليهم أو اتقاء لشرور سلطة أخرى إلى آخر أسباب الحكم التي ذكرها الأستاذ العقاد وبين تفاوتها في القرب من الصواب

وكما أن الأب في الغالب هو أكبر أهل البيت عقلاً وأقدرهم على الكسب والإنتاج والإصلاح. . . كذلك يجب أن يكون (الأب الشعبي) أي الحاكم الراعي

وقد أغفل الناس هذه البديهية في الحكم ووسدوا الأمر إلى غير أهله الطبيعيين، وصار مالكو رقاب الناس وموجهو الأمم غير رجال القمة في الفكر والخلق ومعرفة اتجاهات الحياة، وإنما هم المحترفون للسياسة والجائعون للشهرة والعاشقون للجاه والمناصب والبطش والخيلاء، والجاهلون بعلوم النفس والتربية وأرصاد القدر وسير قافلة الحياة بالأحياء. . . الذين صعدوا إلى المناصب بالمكر والخديعة والدجل السياسي، لا بالطبع الكريم والفكر الناضج والمجهود الصالح والخدمة النافعة. . . الذين نفوسهم نفوس عوام، أو هم جعلوا همهم تمليق العوام والنزول إليهم بدل أن يرفعوهم بالتربية وقسوة الآباء التي لابد منها في بعض الأحيان. . .

ومن رأي أن الأرستقراطية في الفكر ضرورية للاجتماع، وليست مقبوحة كالأرستقراطية في المال. إذ لو اتبع الحكماء أكثر الدهماء ما خطوا بالإنسانية خطواتها في الترقي، وما وصلوا بها إلى شئ من أسباب سموها وهداها

والمحترفون للسياسة وعشاق المناصب يجعلون همهم تمليق العامة ليركبوها إلى المناصب. أما العلماء والمجاهدون في سبيل الفكر فهم الذين يحملون الناس على أكتافهم إلى واحات السلام والصلاح والانتفاع، وقد يضربهم الناس ويهينونهم كما يهينون الدواب التي تحمل متاعهم، ومع ذلك لا يتخلفون عن أداء رسالاتهم في نقل الناس من سيئ إلى حسن ومن حسن إلى أحسن

ص: 25

إن رجال الفكر المخلصين للحقيقة الباحثين عنها الحالمين بصور الكمال هم وحدهم الذين لا تبطرهم المناصب والرياسات ولا يسعون لها إلا لأنها تمكنهم من تحقيق ما يحلمون به من وسائل الإصلاح وإسعاد الناس. وهم الذين يقيمون السياسة على قوانين الفضيلة لا على الختل والخداع وتصيد المال والخيلاء بالجاه

واعتقادي أن شقاء الإنسان السياسي ناتج من أن رجال السياسة الآن صاروا بعيدين عن الأفكار العليا الحرة، وصاروا تابعين لرجال المال الذين يبعدون عنهم كل ذي فكر وأحلام ومثل عليا في الروح

وعالم المال بؤرة للشهوات العنيفة والغرائز الحادة، والمنافسة الذميمة، وحب التملك، وتبرير الواسطة، والخوف من التغيير والتحول

وقد نشأ من اللقاح بين هذين الصنفين: محبي تملك الرقاب ومحبي تملك المال، ذلك الإنسان السياسي الفضيع الذي يخدع القطيع ويلعب به ويحلبه ويسوقه ويذبحه حين الضرورة الشخصية على مذابح الهوان والظلم. ولن تتخلص الأمم من شقائها وفوضى حياتها إلا إذا اختارت رجال حكمها من بين مفكريها الذين لهم روح تحلم بالكمال، ولهم قدرة عملية على التنظيم والإخراج والتنفيذ، ولهم مع هاتين الهبتين شخصية قوية تصون المنصب وتخلع عليه هيبتها وسيادتها الذاتية. فعلى الأمم أن تبحث عن هذا الطراز المفكر الحالم العامل القوى الشخصية بين رجالها وشبابها الناشئين، وأن تربيه في مدارس خاصة بتخريج الحكام يكون لها برامج تكفل إنضاج الفكر الحاكم السائس المربي

وحين يوجد الفيلسوف الحاكم يكون التناسق والتربية النفسية والحقيقة والرضا عن الوطن و (المواطنين)

وقد كان عهد الرئيس الدكتور (مازاريك) في (تشيكوسلوفاكيا) مثالاً صالحاً للحكم تحت وصاية أرباب الفكر الذين لا يخضعون (للروتين) ولا يتحجرون في قوالب الواقع السيئ

فقد فاق (التشك) تحت حكمه جيرانهم جميعاً حتى الألمان، فاقوهم في التنظيم الداخلي والاقتصادي والرياضي والعسكري والاجتماعي. إذ أنهم كانوا تحت وصاية رجل بصير بآفاق الحياة مدرك اتجاهاتها، برئ السيرة والسريرة من آفات محترفي السياسة الطالبين للمناصب ولو لم يكونوا أهلاً للوصاية للعامة، الحاذقين (للمناورات) والمقالب والدسائس مع

ص: 26

الجهل بالإصلاح

إذاً فمن الخير للأمم أن يتولى سياستها رجال الفكر وعشاق المثل العليا وأن يطبقوا حياتها العملية على أفكارهم النظرية السليمة

ولكن هل من الخير لرجال الفكر أنفسهم أن يوسد إليهم أمر الناس وتدبير سياستهم ومعايشتهم؟ إن لذة الفكر المجرد والهدوء الذي يغمر عالمه والأنس به والأحلام فيه والانقطاع إليه شئ عظيم قد يفضله كثير من المفكرين على الاشتغال بصغائر الحياة العملية ومضايقات سياسة الناس وتدبير أمورهم، ولو كان مع هذا جاه ومال وسلطان وقوة وشهرة

بل إن أكثر الذين أخلصوا للفكر والفن يضيقون ذرعاً بحياة الناس العملية ويخلقون لهم جواً خاصاً بهم يعيشون فيه وحدهم ولا يعدلون به سواه. ولذلك قال الجاحظ ما معناه: (ما لذة الأسد بلطع الدم بأعظم من لذة العالم بعلمه). وقال أحد الصوفية: (لو علم الملوك ما عندنا من اللذات لقاتلونا عليها)

وقد صور (جبران خليل جبران) وجدانيْ رجل الأدب ورجل النشب ونَظْريتَيهما للحياة حين قال: (تبادل غني وأديب النشب والأدب، فرأى الأديب ما بيده حفنة من تراب، ورأي الغنى ما برأسه نفخة من ضباب. . .)

فهل يلذ المفكرين أن ينزلوا عن أبراجهم العاجية المليئة بصور الكمال والجمال والهدوء إلى دنيا الواقع المليئة بالصخب والتشويش والمتاعب؟

وهل من الخير للحياة أن يظل رجال الفكر في نظرياتهم وأحلامهم يتصيدونها من آفاق بعيدة ويؤلفون صورها ويدمنون ذلك وينقطعون إليه، حتى يكثروا أمام الناس صور الكمال، وأن يتركوا للملوك والساسة العمليين أن يأخذوا منها الجانب الذي يروقهم ويحلو لهم تطبيقه في أساليب حكمهم؟ أم أن من الخير للحياة أن يتولى رجال الفكر بأنفسهم تنفيذ ما فكروا فيه ووفقوا إليه ولو قطعهم ذلك عن إنتاج الأفكار الكثيرة الرائعة؟

وهل من الخير للرجل أن يخلد ويذكره التاريخ على أنه مفكر أو فنان أو أن يذكره على أنه حاكم سديد مصلح؟

إن النتاج العلمي والفني قد يبقى كما هو دائماً في الكتب والدواوين والآثار. . . يراه الناس

ص: 27

كما كان في عهد صاحبه. . . ولكن نتاج الحكم والإصلاح مؤقت بحياة صاحبه فلا تدركه الأجيال التالية، إلا بالحكاية عنه والسماع. وليس فيه خلود ذاتي كالأثر الفكري والفني، وإنما خلوده بتطبيقه على الحياة العملية. وهذا طبعاً ليس مطرداً ولا كثير الوجود في جميع العصور. . .

فحياة الإصلاح والقوة في زمن عمر بن الخطاب وعمر ابن عبد العزيز مثلاً انقضت بانقضائهما، وصار الحديث عنها حديث حكاية مضى أشخاصها. وقليل أن يقتدي بهما حاكم آخر، ولكن حياة أي كتاب ديني أو علمي أو فني تبقي تمثل نفس صاحبها ومنتجها دائماً. . .

ومع هذا يجدر بنا أن نعلم أن حياة الفكر وحده لا فائدة منها إلا لفترات (الترف العقلي) والترف العقلي كالترف المالي ما هو إلا شهوة. . . شهوة رفيعة

نعم إن للعقل شهوات كشهوات الغرائز! فالمفكر أو الشاعر الذي يتفرغ لعالمه الخاص ويترك العمل على إصلاح ما يحيط به ما هو إلا كالمدمن المستهتر على الخمر أو القمار؛ إذ يغيب عن حياة المجموع ولا يجعل بين عقله النظري والعقل العملي صلة

والسؤال الذي يجب أن يقدم قبل البحث في هذا هو: أمن الخير للفرد الفقير المريض المحتاج في الأمة أن تقدم له غذاء ودواء وحياة عادلة أم أن تقدم له لحناً جميلاً أو شعراً رائعاً أو نظرية بارعة؟

إن الحياة العملية هي الحكم في هذا. . . وقد مضى العلم والفكر القديمان اللذان كانا يدوران على الذاتية واللذة الشخصية وأتى عصر الفكر العملي الذي ينتج محصولاً ينفع الناس في مرافقهم المعاشية

فصاحب الفكر التجريبي الآن قد صار صاحب الخطوة والخالد الأثر عند الناس. لأنه يشتغل فيما يعود عليهم جميعاً. . .

وقد لفظت الحياة الحالية كل من يفكر على الأسلوب التجريدي القديم الذي لا ينتج شيئاً يصح انتفاع الناس جميعاً به واحتضنت كل من يقدم لها أعمالاً وأغدقت عليه الثروة والجاه والسمعة. . .

وينبغي أن ينصرف حديثنا هذا إلى غير المفكرين من العلماء الطبيعيين الذين يكشفون عن

ص: 28

أسرار الطبيعة. فهؤلاء يجب أن يتفرغوا ويعيشوا في عالمهم وحده إلا إذا كانت لهم قدرة على الجمع بين حياة الحكم وحياة هذا اللون من العلم

أما الذين يفكرون في النظريات الأدبية ويدرسون الاجتماع ويضعون فلسفته فيجب أن يختار منهم من يستطيع الاضطلاع بأعباء الحكم وتطبيق النظريات على الواقع

ويجب أن يعلموا أنه لا فائدة من أن يضعوا كثيراً من النظريات والأفكار ويتركوها دفينة بين دفات الكتب من غير تطبيق؛ وإن المفكر الناجح هو من يصنع فكرة ثم يصنع بها أمة أو جماعة

ويخيل أليّ أن كل المجهودات الفكرية التي ليست داخلة في منطقة العمل هي هوى ذاتي وترف عقلي وأقرب إلى الوجدانيات كالموسيقى والألحان

إننا لا نمسك ديوان شعر أو نسمع ألحان الموسيقى أو نقرأ قصص التاريخ إلا إذا فرغنا من أعمالنا المعاشية وأقبلنا على أوقات الفراغ نستمتع بها، ولن يقبل على هذه الألوان في كل وقته إلا هاو مستغرق أو محترف مرتزق

وقد يكون من العجيب عند بعض الناس أن يعلموا أنني أعتقد أنه يجب للإصلاح السريع في مصر أن نضحي بعيشة الترف العقلي مدة موقوتة تغلق فيها جميع المعاهد العالية مدة سنة أو سنتين نحشد جميع أساتذتها وطلابها للخدمة العامة والاشتراك في حركات الإصلاح البدائي ونترك التفرغ للبحوث الفكرية والهوايات الفنية ونتفرغ لتدبير أمور الجمهرة الجاهلة من هذه الأمة حتى يعلو مستواها ويتقارب مع مستويات الأمم التي سبقتنا في التعليم والإصلاح

قد يبدو هذا غريباً عجيباً، ولكن هو ما أعتقده. لأني أرى وجود المريض جداً بجانب الصحيح جداً يفقد بهجة الحياة لدي الصحيح، ويؤلم المريض بالحسد والنظر المحروم؛ وأرى أن الأولى للعالم والمفكر ألا يوغل في علمه وفكره، ويترك غيره جهلاء لا يفهمونه ولا يقدرونه

ووجود عدد من جهابذة العلماء عندنا بجانب ملايين الجهلة التعساء المرضى هو بذاته كوجود الميادين والشوارع الجميلة في المدن المعدودة في مصر بجانب آلاف القرى التي تقام من الطين والسرجين والأحطاب والمستنقعات. . .

ص: 29

فعلى هذا ينبغي أن يقدر أدباؤنا ومفكرونا أن عملاً صالحاً يقدمونه في حكم صالح يسعون إلى أن يقوموا عليه، أولى ألف مرة من تقديم قصيدة رائعة أو مقالة بارعة أو فكرة عبقرية غير عملية. . . إذ أن هذا العمل الصالح المثمر أهنأ لدي آلاف من القلوب المحكومة، وأسرع إلى إسعادها، وأدنى إلى أسلوب الله في نفع عباده، إذ أنه يعمل لهم كثيراً في تدبير الطبيعة ولا يتكلم. . . وإن قانوناً عادلاً يضعه لأمته حاكم رشيد لأنفع ألف مرة من جملة كتب تعرض أفكاراً طلية للترف العقلي. لأن القانون العادل يضمن ضرورات الحياة للناس جميعاً. أما كتب الأفكار، فتضمن بعض ترف الحياة لبعض الناس. . .

ولو ترك محمد عليه الصلاة والسلام القرآن من غير أن يترك أمة قد قام عليها بالتربية والحكم والتوجيه والتعليم لظل القرآن ككتاب من الكتب لمؤلف من المؤلفين. . . ولكنه صنع أمة تجسدت في أشخاصها معاني هذا الكتاب ومشت تسعى بهم وصاروا هم كلمات حية تشرح آياته. . .

وأظن أن سعادة الرجل الذي ينجح في تطبيق مشروع يسعد الناس تربو كثيراً على سعادته بإخراج أثر فكري أو فني حبيس في الورق

فليحمل أدباؤنا ومفكرونا نصيباً من الخدمة العملية، وليرضوا أنفسهم على إسعاد القلوب بالأعمال كما يسعدون الآذان بالأقوال، وليجتهدوا أن يحققوا معاني مقالاتهم في أشخاص وأعمال مجسمة، وليسعوا دائماً إلى أن يكون حكامنا وزعماؤنا هم رجال القمة في الفكر والخلق حتى نلائم بين ما في النفس وما في خارج النفس.

عبد المنعم خلاف

ص: 30

‌الغناء والموسيقى

وحالهما في مصر والغرب

للأستاذ محمد توحيد السلحدار بك

- 1 -

هذه أولى أربع كليمات في الغناء والموسيقى، وحالهما في مصر والغرب؛ وهي ملاحظات عامة لم يُقصد بها إنسان معيَّن، وليس فيها محازبة لمذهب خاص، وعُرضها قد لا يخلو من فائدة

ذانك الفنان يجوز اعتبارهما من وجهين: القواعد الفنية؛ وبواعث الطرب الراجعة إلى ماهية الموسيقى والغناء الأصلية، أي الدلالة الصوتية على الأحاسيس والخواطر

فالغناء تطريب في الصوت في كلام المغني. والكلام العادي كلمات تدل بذواتها وبنسقها على خواطر وأحاسيس تتلوَّن فيه تلون الحال الفكرية النفسية في المتكلم؛ فيتلون صوته بالطبع والتبعية إذ يحدث فيه نبرات متفاوتات، ويجري في سرعة وبطء وخطف ووقف، وذلك كله يقوي دلالات الكلمات والسياق على الخواطر والأحاسيس، لأنه يزيدها وضوحاً وتأكيداً من حيث لا يشعر المتكلم. فهذا الذي يَحدث في صوته دلالةٌ صوتية تصاحب الدلالة الكلامية؛ وهي ماهية الإلقاء، وقد تكون أصدق من دلالة الكلام الذي تصاحبه: في مثل عبارة معناها ثناء تلقى بصوت يدل على أن المراد بها مُزاح ساخر؛ وفي مثل قول غاضب لمغضوب عليه: تفضَّل، بصوت يعني الطرد مع أن الكلمة مستعملة في التكريم

وما الغناء، على الإجمال، إلا تطريب يُعلى تلك الدلالات الصوتية في اللحن المطابق لمعاني كلام الأغنية، ولمقتضى المقام المعين بهذه المعاني؛ فتعلو الدَّلالات درجات متفاوتات على مستوياتها في الكلام المغَنَّى به لو أن صاحبه الفرضي تفوَّه به، من غير تطريب، في ذلك المقام. يؤيد هذه الحقيقة أن الأغنية إذا جاد لحنها، وأجاد غناءها صوت حسن موافق، كانت معانيها أعظم وقعاً عند السامع منها إذا هو قرأها هادئ النفس، أو سمعها مقروءة بلا ترنيم ولا ترتيل. فمن أين تعلو عنده منزلة هذه المعاني والأغنية واحدة على كل حال؟ أفلا نرى أنها تشرف بتقوية الدلالة الصوتية المبينة عن معاني الكلام وعن

ص: 31

حقيقة المراد به؟ ليس شك في أن السر والسبب المهم هو تقوية هذه الدلالة، والأمر صحيح واضح لا في الغناء وحده بل في الخطابة والتمثيل أيضاً

تلك الدلالات الصوتية تصاغ في نغمات متوائمات محكمات على ضوابط فنية، لتنسجم بالإيقاع في لحن يبرز معاني الكلام المغنى به، وعلى قدر المطابقة الواقعة بين نص الدلالات، أي معاني الملحن، وبين معاني هذا الكلام يطيب الغناء ولو لم يكن صوت المغني من أجود الأصوات

بديهي أن الملحن لا ينطق بالكلام المراد تلحينه، ولا يستعين أحداً ينطق به أمامه، كي يلاحظ ما يقع في مثل هذا النطق من دلالات صوتية ليرفعها في نغمات يصوغها لحناً، لكنه إذا كان حقاً فناناً فقهاً فإنه يتفهم ما في ذلك الكلام من مقاصد وأغراض، ناظراً في دقائق ما يكسوها من معارض وأثواب؛ ويتأمل ما يصور من صور حتى يتوهمها أمام ناظريه، وحتى تستقر في بصيرته وعقله الباطن، وما تصف من أحوال نفسية حتى يجدها كأنها في نفسه هو؛ ثم يأخذ في التلحين متى تهيأت له ملكاته، فيأتي اللحن بطبيعة الحال حاملاً تلك الدلالات، مطابقاً بها معاني الكلام على قدر حساسات الملحن وحسته، ومواهبه ومحصوله الثقافي؛ وإذا كان الكلام أغنية من إنشائه، فقد يكون أقرب إلى السداد في إنشائه لحناً لها

وشأن المغني في التمكن من اللحن وتجويد غنائه شأن الملحن في تلحينه، وذلك هو الأساس والصراط المستقيم إلى الإجادة يهديهما إليه الطبع ونصيبهما من تحصيل أصول الفن ومن فهم معناه، ومن لم يهتد إليه ويوطد صنيعه على هذا الأساس المتين جاء بشيء غير طائل

أما الموسيقى، ففيها الدلالات الصوتية المصوغة في اللحن الذي يخرجه العازفون من المعازف؛ وهذه الدلالات أملتها نفس ملحنه، إما أخذاً عن أحاسيس وخواطر تضمنها الكلام الذي انشأ له اللحن، وإما تعبيراً عن حستها الذاتية حين تيقظت فيها ملكة التلحين، وهي حالة استكنت في أعماق تلك النفس بواعثها من خوالج صاحبها في مدى حياته، ومن أخيلته وخواطره إزاء ما شاهد في دنياه وما أدرك من الكون بشعوره وعقله أو بفضل غيره

تلك الدلالات تؤديها معازف تختص بها، معازف يَحدث من تناسق أنغامها السياق الأساسي في اللحن بينا ترسل معازف أخرى أنغاماً مساعدة، تتلبَّس به متنوعة فيه، متفاوتة ارتفاعاً

ص: 32

وانخفاضاً؛ فهذه تصاحب السياق الصوتي الأصلي وتزينه بتلونها الملائم، إذ تجري معه مؤتلفة، كصورة الظل مع صاحبه، فتزيده جمالاً وروعة، فهي مصاحبة أو تصوير. فما اللحن في الحقيقة إلا تعبير بدلالات صوتية مدلولاتها خوالج وخواطر وأخيلة جالت في نفس ملحنه، أو استعارتها نفسه من كلام لغيره، من فحواه ودقائق معانيه وما تصف. ومن هنا نظروا إلى اللحن الذي يعبَّر هذا التعبير، ويصور هذا التصوير، نظرهم إلى الكتابة فقالوا: الإنشاء الموسيقي، وميزوا بين إنشاء موسيقار وإنشاء موسيقار آخر، وعرفوا لكل طابعه الخاص

الفهيم المستمع إلى موسيقى جيدة، لا يصاحبها غناء، تصل ألحانها إلى سمعه غير مقيدة دلالاتها الصوتية، أي معانيها، بدلالات لفظية. ولذا تجد نفسه بعض الحرية في فهم هذه الألحان الموسيقية التي تحرك في وجدانه خوالج وأحاسيس، وتثير تداعي الصور في مخيلته والخواطر في ذهنه، فتذهب روحه مذاهبها في تأويل الدلالات الصوتية؛ فإذا سكنت إليها طرب ووجد الأريحية، وإذا هو آنس منها ما يعيب اللحن أو العزف أو لم يفهمها، أو لم توافق طبعه، فإنه لا تأنس إليها روحه. وعلى قدر موافقتها وسلامتها أو عيوبها يكون الاكتراث لها، أو الاستكراه والنفور منها

أما الغناء الذي تصاحبه الموسيقى ففيه الدلالة اللفظية تَفرض تأدية معان معينة، هي معاني الكلام المغنَّى، على الدلالتين الصوتيتين: دلالة الغناء ودلالة العزف الموسيقي معاً؛ فلا بد من المطابقة والائتلاف التام بين هذه الدلالات الثلاث حتى لا يُعكر نبوُّ إحداها ونشاز الأخرى صفاء اللحن ونقاء الغناء والموسيقى جميعاً

والكلام الذي يغنِّيه المغنِّي بمصاحبة الموسيقى يصل مع صوتيهما إلى آذان المصغين البصيرين، ويتعيّن معناه اللفظي بيّناً في أذهانهم فيقيد حرية نفوسهم كل التقييد، في فهم تينك الدلالتين الصوتيتين فهماً يغايره، وبذلك يمنعهم من تأويلهما تأويلاً يجعل لهما وقعاً عندهم؛ فإذا لم يكن الائتلاف تاماً بين معاني كلام الأغنية ومعاني لحنها وغنائها ومعاني موسيقاها حال هذا العيب الشنيع دون الطرب، وربما سبب الاستكراه والنفور ولو جاد العزف لآلي وصوت المغني

والمستمع السليم الذوق قد لا يحلل بعقله ما يسمع من الغناء والموسيقى مثل هذا التحليل،

ص: 33

ولكنه لا يطرب من غناء وموسيقى تتنافر فيها تلك المدلولات اللفظية والصوتية؛ لأن عقله الباطن يدرك تنافرها، أو لأنها لا توافق مزاجه الروحي، وإن لم يكن بينها تنافر، أو لعدم وضوح معانيها له، ومدار ذلك كله هو الإدراك والذوق

ولكن الحقائق المتقدم بيانها ما مبلغ علمنا بها يا ترى؟ وهل يُلتفت إليها في بلادنا؟ الجواب في الكليمات الآتية في الأعداد التالية، وحسبنا الآن إشارة

لما دال الدهر القلَّب، وظعت أسباب الانحطاط على الشرق، وتفشَّاه الجهل، وذهبت الأخلاق، وضاعت فيه الآداب والفنون، لم يبق بعدها من الغناء والموسيقى، في الفترة المديدة التي سبقت بدء النهضة المصرية، سوى بقايا ضئيلة ههنا وثَمَّ، مستها الأسواء ولمّا نمعن في البحث عنها وعن أصولها وضوابطها، ولم نحسن الاعتناء بما بين أيدينا منها، ولم ندرك ماهيتها ونبني عليها؛ وليس لنا بد من طور آخر نقضيه متلمسين الفن الحق، متعثرين في سبله

نعم، فإن كثيراً من الملحنين والمغنين والموسيقيين والمستمعين - بقطع النظر عن الأقليات التي تدخل في باب الاستثناء - لا يزالون عندنا من بيئات دون الوسطى، ضئيل محصولهم، أولية عقولهم، ساذجة نفوسهم، سقيمة أذواقهم. وقصارى البارع من هؤلاء الفنانين أن يتقن تقليد ما ترك الجيل السابق، أو أن يعبث بشيء من بعض آثار القدماء، أو أن يمسخ الفن بما يزعم أنه تجديد وابتكار. وكثير من النقاد مثلهم ولم يفطنوا؛ لمواطن الأدواء، فليس في مقدورهم أن يصفوا الدواء، ونقدهم مغترض يساير الشُّهى ويتحرى مظان المنفعة، وخيره أقل من شره، ولو تنزه وصح لكان في مصلحتهم ومصلحة الجميع على السواء.

محمد توحيد السلحدار

-

ص: 34

‌ذكرى محمد محمود باشا

في ليلة الأربعاء الماضي وعلى منبر الجامعة المصرية أعلنت مصر ممثلة في زعمائها ووزرائها وأدبائها صادق رثائها وخالص وفائها لفقيدها الجليل النبيل محمد محمود باشا. وكان من خير ما قيل في حفلة التأبين هاتان الكلمتان للشاعرين الكبيرين عباس محمود العقاد وخليل بك مطران؛ والرسالة تساهم بنشرهما في هذه الذكرى الجليلة

قال الأستاذ العقاد:

أكبرتُ في غيب الزعيم محمد

من كان يكبر حاضراً في المشهد

حجب الردى عنا بشاشته ولم

يحجب بشاشة ذكره المتجدد

هيهات ينتقص الزمان مجادة

للسيد بن السيد بن السيد

فخر الصعيد، وفخر مصر جميعها

بالرأي والخلق القويم الأيّد

من يرسل المثنى عليه ثناءه

مسترسلا في القول غير مقيد

جمع القلوب على المديح وإن مضت

نهجين بين مصوب ومصعد

لم نقض في هذي الديار قضية

ومحمد مما قضوه بمبعد

ملء الندىَّ وإن تطامن دقة

كم دقة شحذت مضاء مهند

في دارة (الفلكي) قبلة كوكب

يعلو على رصد المنايا الرَّصد

تطوي المغارب جرمه وشعاعه

متألق في أوجِه لم يخمد

أكبرت مطلعه ولم يك طالعي

في كل حين عنده بالأسعد

ورأيته أقصى وأقرب رؤية

فإذا البروج لكوكب متوحد

مهما اختلفت حياله لم يختلف

سمت السماء ولا علو المقصد

متحرر مما يعاب كأنه

متقيد المسعى، ولم يتقيد

شفت سرائره فكل سريرة

فيه تضيئك من سراج موقد

فإذا عهدت المحض من عاداته

لم تلق يوماً منه ما لم تعهد

عز الكنانة فيه فهي فجيعةّ

تبلو الكنانة في الضمير وفي اليد

ما في مروءات الشعوب مروءة

إلا رعته بنظرة المتفقد

البر، والمشهود من آلائه

بين المحافل دون ما لم يشهد

ومعاهد التعليم بين مشجع

للعاملين بها وبين مزود

ص: 35

وإغاثة الأدب اللهيف وإن تشأ

سرداً فعدد ما بدا لك واسرد

ونزاهة اليد واللسان هداية

للمهتدين، وقدوة للمقتدي

وصراحة الأخلاق ما اشتملت على

مستغلق فيها، ولا متأود

والعزة الشماء، إلا أنها

كالشاهق المخضر لا كالجلمد

وسياسة الوادي ولم يك رابحا

منها سوى الشجن المقيم المقعد

وعزيمة لا تكره الشورى وإن

كانت لتكره حيرة المتردد

شيم وآلاء إذا ما استفردت

كالقطب عزّت في ازدواج الفرقد

عز الكنانة والعزاء ليعرب

ما بين مُتْهم قومه والمنجد

كم ذاد عنهم والخطوب بمرصد

والشمل بين مشرد ومبدد

للحق، لا لخبيئة مطوية

تلقى العداة الرابضين بموعد

ولنصرة الإسلام لا لعصابة

تسعى إلى الإسلام سعي المفسد

سمح على ما فيه من عصبية

سهل، وإن أعيا قُوَى المتشدد

لا يستطاع على الخصام عناده

وعليه تعويل الأخ المتودد

من أكسفورد ولو نماه معشر

للأزهر المعمور لم تَستعبد

فيه محافظة، وفيه طرافة،

وأراه في الحالين غير مقلد

ورث الحمية كابراً عن كابر

والأريحيةَ منجداً عن منجد

غيث الفلاة ونيل مصر كلاهما

سقياه من أصليه أعذب مورد

فإذا بكت مصر فغير ملومة

وإذا الحجاز بكى فغير مفند

رحم الإله محمداً وأثابه

في خلده الباقي ثواب مخلد

كأن السبيل السرمدي سبيله

فعليه رضوان الإله السرمد

عباس محمود العقاد

وقال الأستاذ مطران:

هل يعالي الذرى مكان اعتصام

بعد مهواك يا رفيع المقام

ما انتفاع النسر المحلق في الأ

وج ويرمي به من الأوج رام

ص: 36

أي رزء ألم بالعَلَم الفر

د فألقى الخشوع في الأعلام

أي خطب أصاب أوحد قوم

فأشاع الأحزان في أقوام

ما جناه الردى بحجبك عنهم

سبقته جناية الأسقام

فتحملت في ليال طوال

ما تحملته من الآلام

كان عمرٌ قضيته في اضطلاع

بالمعالي وفي مساع جسام

فيه أسرفت بالعزائم حتى

لكأن المبذول بعض الحطام

جدت في حبك البلاد بأغلى

ما به جادها شهيد غرام

همم بَلغتك أسمى الأماني

من ثراء ورتبة ووسام

وأعزَّت بك البلاد وإن لم

نقض أقصى ما رمته من مرام

فلأمر عاق المهيمن حقاً

عن قضاء ومطلباً عن تمام

مصر تبكي محمداً بفؤاد

أثخنته السهام بعد السهام

كلما لاح كوكب في ذراها

كوَّرته حوادث الأيام

ينقضي الدهر وابن محمود باق

خالد الذكر في بنيها العظام

الزعيم الخليق منها ولا مَ

نٌّ عليه بالحب والإكرام

الرئيس النزيه في كل معنى

من معاني ولاية الأحكام

الوزير النهاض ما حَزَبَ الأم

ر بأعبائه الثقال الضخام

الخطيب الذي لمنبره الع

الي جلال كمهبط الإلهام

الأديب الذي إذا جالت الأقلا

م جَلّى في حَلبة الأقلام

الرصين الرزين إلا إذا ما

عجل الرأي خطة الإقدام

العدو المبين للمتجني

والنصير الأمين للمستضام

الولي الأوفى لكل موال

والمذم الأكفى لراعي الزمام

رجل كامل الرجولة لا ير

مي بعزم إلا بعيد المرامي

ليس يُعنى بالترهات ولا ين

ظر إلا من المكان السامي

طبعته شمس الصعيد ولكن

لم يطل منه محمل الصمصام

والنفوس الكبار ليس عليها

حرج من تضاؤل الأجسام

ص: 37

أسمر اللون يعتريه شحوب

قد ترى فيه صُهبة الضرغام

يتلقى الأحداث عسراً ويسراً

وعلى الثغر منه وشْك ابتسام

ليس بالأصْيَدِِ العَيوف ولا بال

لبق المجتدي تحايا الأنام

شيعته البلاد والحزن غلا

ب على الصبر في الدموع السجام

جيشها ناكس السلاح تماش

يه وئيداً شجية الأنغام

وعلى جانبيه مشترفات

جزعات مخفوضة الأعلام

ووراء السرير تَطَّرد الأف

واج والهام تلتقي بالهام

أمة أزْجت الجنازة في أس

نى مجال الإكبار والإعظام

يا محييِّ محمد وهمُ صف

وة مصر التقت بهذا المقام

عظم الله أجركم إن وعد

الله حق للصابرين الكرام

يا شقيقيه إن بيت سليما

ن بأن تبقيا متين الدَّعام

يا بنيه بسنة الله لوذوا

فبها برء كل جرح دام

قاسمتكم مصر الرزيئةَ فيه

وعلى قدرها مدى الاقتسام

فاخلفوه بالحق واتخذوا من

هـ لكم خير مرشد وإمام

إن تلك الحياة إن تصلوها

لحياةٌ جديرة بالدوام

خليل مطران

ص: 38

‌نشيد اللغة العربية القومي

للأستاذ محمد سعيد العريان

تلمين شتر بن ظاهر

(لمناسبة مهرجان النشاط المدرسي الذي تقيمه وزارة المعارف

في هذا الأسبوع نقدم هذا النشيد لقراء العربية في مختلف

أقطارها).

لغتي: ديني وطني

لُغةُ الأمجادِ مُنْذُ يُعْرُبِ: لغتي

ولِسانُ الحقَّ من عهد النبِي: لغتي

مجدُها مجدي وتاريخ أبي: لغتي

لغتي: ديني وطني

لُغةُ الرحمنِ في قُرآنِهِ: لغتي

ولسانُ الوحيِ في تِبيانِه: لغتي

وبيانُ الحرِّ عن وِجدانه: لغتي

لغتي: ديني وطني

يُغْفُلُ التاريخُ في تُسطيرِهِ

عِزَّةَ الماضي ولا تُغْفِلُنيِ: لُغتي

يَعْجِزُ الفنَّان في تعبيرِه

عن معانيه ولا تُعْجِزني: لُغتي

ويَضيقُ الفنُ في تَصويرِهِ

عن معانيه ولا تَخْذُلُنيِ: لُغتي

لغتي: ديني وطني

وَسِعَتْ كُلَّ طريفٍ وتُليدِ: لُغتي

وَوَعَتْ لي عِزَّةَ الماضي المجيد: لغتي

ضَمِنَتْ لي في فَمِ الدنيا خُلودي: لغتي

لغتي: ديني وطني

ص: 39

‌البريد الأدبي

في مقالة الأستاذ السباعي بيومي

في القسم الثالث من مقالة الأستاذ المبجل جمع فخور على فخورين في قوله: (ثم سل تلاميذي الذين تتحدث عنهم يخبرونك بما يفحمك مخلصين صادقين وفخورين بتلمذتهم لي. . .) والعربية إنما تجمعه على فُخُر، قال طرفة:

ثم زادوا أنهم في قومهم

غُفُر ذنبهم غير فُخُرْ

ودخلت (هل) في قوله: (فهل لا زلت على هذه المباهاة) على ناف، وهي لا تدخل على ناف أصلاً كما قال الرضي. ودخلت (لا) على ماض غير مستقبل في المعنى، ولم يكرر، وقد بين (المغنى) في الحرف (لا) ما بين. وجاءت (إليك) في قوله:(ومع هذا فإليك رأي في تلك المباهاة). وفي (الكتاب): (وإليك إذا قلت تَنَح) قال:

إليكم يا بني بكر إليكم

ألماَّ تعرفوا منا اليقينا

وإليك من أسماء الأفعال غير المتعدية إلى المأمور كما ذكر (المفصل). قال التبريزي: (لا يجوز أن يتعدى إليكم عند البصريين، لا يقال إليك زيدا لأنه معناه تباعد)

من النفع والخير أن يخطئ الكبار في حين من الأحايين حتى ينقدوا فتغنى اللغة ويستفيد الناس. . .

(ناقد)

مراجعات لغوية

نشرت الرسالة كلمة للباحث المفضال (ا. ع) في التعقيب على ما قلت به في توجيه ضم الظاء من كلمة (الظرف) بمعنى اللطف: ومن رأي حضرة الباحث أنني أخطأت فشق عليَّ أن أعترف بالخطأ، فرحت أتلَّمس العلل، إلى آخر ما قال

وأحدد وجه الخلاف فأقول: جاء في مقالي عن كتاب المطالعات للأستاذ عباس محمود العقاد أنه ليس من الخير لمصر أن يكثر فيها أهل اللطف والظرف، وقد رسمت الظرف بضم الظاء عامداً، لأنها بالضم تؤدي معنى لا تؤديه وهي بالفتح، فبين اللفظين ما يسميه العرب بالفرق اللطيف وما يسميه الفرنسيون

ص: 40

ثم انتهزت الفرصة فقدمت لقرائي توجيهاً لضم الظاء من الظرف في لغة المصريين فقلت إنه نوع من الإتباع لكثرة اقتران الظرف باللطف، والإتباع معروف في اللغة العربية، وله شواهد كثيرة سجلت بعضها في كتاب النثر الفني

ثم وقع بعد ذلك أن انتقد بعض أدباء فلسطين ذلك التوجيه وعدَّه دفاعاً عن أخطاء المصريين. وقد أجيب بأن هناك سبباً يضاف إلى الإتباع وهو التمييز بين المحسوس والمعقول، فالمصريون يفتحون ظاء الظرف إذا أرادوا (الوعاء) ويضمونها إذا أرادوا (اللطف) وأنا أسمي هذا (غريزة لغوية) وأراه من الصواب

وأنا أسأل الباحث المفضال (ا. ع) عما يُعرَف في لغة العرب بالمثلثات، وهي الألفاظ التي تنطق فاؤها بالفتح والضم والكسر أسأله عن السر في هذا التثليث، فهل يراه لغة واحدة ينطق بها من شاء كيف شاء في جميع البلاد؟ أم يراه باباً من اختلاف اللهجات يَفْصُح بعضها في مصر ويَفْصُح الآخر في الشام أو في العراق؟

وإليه هذا المثال: كلمة (جزاف) مثلثة الفاء فهي جَزَاف وجُزاف وجِزاف، ولكن المصريين ينطقونها (جُزاف)، بالضم، فهل ترى من الفصاحة أن ينطقها المصري في خطبته بالفتح أو الكسر بحجة أن المعاجم تبيحه ذلك؟

الحق كل الحق أن اللهجات المختلفة شرقت وغربت، وهي جميعاً صحيحة النسب إلى العرب، ولكن اللهجة لا تفصح إلا في المكان الذي استوطنت فيه، فإن تجاوزنا بها ذلك كان صنيعنا ضرباً من الإغراب. وعلى هذا يكون ضم الظاء في الظرف على ألسنة المصريين له ثلاثة توجيهات:

الأول: أن يكون اكتسب حكم الإتباع من اللطف؛ والثاني: أن يكون للتمييز بين المحسوس والمعقول؛ والثالث: أن يكون لهجة عربية تفردت بها بعض القبائل التي استوطنت وادي النيل

وبهذه المناسبة، أذكر أن الأستاذ أحمد العوامري بك كان كتب كلمة في مجلة المجمع اللغوي عن (نادي التجديف) بالدال المهملة، فكان من رأيه أنه (التجذيف) بالذال المعجمة؛ وقد ناقشته يومئذ في جريدة (البلاغ)؛ فقلت: إن الشعراني في مؤلفاته يرسمها بالقاف فيقول (التقذيف)؛ وعند مراجعة القاموس المحيط رأيته يثبت ثلاثة حروف هي: المجداف

ص: 41

والمجذاف والمقذاف. . . فما معنى ذلك؟ معناه أن العرب لهم في هذا المعنى ثلاثة ألفاظ تنقل بها الحظ من بلد إلى بلد ومن جيل إلى جيل،

فمن الواجب إذاً أن ندرك أن المصريين لم يقولوا (التجديف) إلا وهم يريدون (التقذيف)، فهم قلبوا القاف جيما كما يصنع بعض اليمنيين والعراقيين، وكما يصنع سكان مصر من أهل الصعيد بدليل أن سكان مصر من أهل المنوفية يقولون (التأديف)، على عادتهم في وضع الهمزة مكان القاف

وتلك فائدة لا ينكرها باحث مفضال مثل العوامري بك. . . ألم يسمع بالمثل المصري الذي يقول: (على قد فوله قدِّفوا له)

فهذا المثل يرى التجديف هو التقذيف، وقلبت الذال دالاً على طريقة بعض القبائل العربية في تحويل المعجمات إلى مهملات

ولهذا البحث تفاصيل سأقدمها لحضرة الأستاذ (ا. ع) إذا بدا له أن يُعقب على هذا البحث من جديد، فهو فيما أرى من أكابر الباحثين

أما القول بأني أعدّي فعل (أمكن) بالحرف وهو يتعدى بنفسه، فله توجيه سجلته في مجلة أبوللو منذ أعوام حين اعترض أحد أدباء العراق على تعدية فعل (حرَم) بالحرف في بعض قصائدي، وهو يتعدى بنفسه؛ وخلاصة ذلك التوجيه أني قد أرى المعنى في بعض الأحايين لا يؤدي تأدية صحيحة إلا إذا عبرت عنه بتلك الصورة، وكان الأستاذ محمد عبد الغني حسن يعرف عني ذلك الرأي، فلم أر موجباً لمناقشته فيه. . . ولم يكن إيثاري لذلك التعبير ضرباً من العناد، كما أراد حضرة الباحث أن يقول، وإنما كان إيثاراً لحرية القلم في شرح دقائق المعاني، وهي حرية تفرض الثورة على المعاجم في بعض الأحايين

زكي مبارك

خصومة لا عداوة

قرأت في العدد الماضي من (الرسالة) كلمة للدكتور زكي مبارك عن الجدل بينه وبين الأستاذ السباعي بيومي. جاء فيها:

(رأى جماعة من كبار المفتشين وهم الأساتذة جاد المولى بك ومحمد علي مصطفى ومحمود

ص: 42

محمد حمزة ومصطفى أمين وأحمد علي عباس.

رأى هؤلاء الأكابر بأخلاقهم وآدابهم أن أقف الجدال الذي أثرته في وجه الأستاذ السباعي بيومي، وحجتهم أنه وصل إلى درجات من العنف تؤذي كرامة المشتغلين بخدمة اللغة العربية.

(وأنا أجيب هذه الدعوة. . . الخ)

وقد رأيت في الصورة التي عرض بها الدكتور زكي مبارك هذه الوساطة ما دعاني إلى الاستفسار من حضرات من ذكرهم عن الصورة الدقيقة لتدخلهم؛ فعلمت منهم أن وساطتهم بين الأستاذ الدكتور كانت منصبة على أسلوب الجدل لا على موضوعه؛ وفي نظرهم أن مستوى المناقشة بين أديبين ورجلين من رجال التعليم يجب أن يرتفع عن هذه اللهجة. أما الفحص عن الحقيقة وتصاول الأقلام في الموضوعات العلمية والأدبية فليس لهم عليها اعتراض بل يسرهم أن يشجعوا عليهما ويستزيدوا منهما

هذا هو رأي حضرات الأفاضل الذين احتج الدكتور بتدخلهم في الانسحاب من المعركة التي أثارها. فإذا كان لدى الدكتور ما يقوله بالأسلوب اللائق فليستمر فيه غير ملوم من أحد ولا مرجو في الانسحاب

وما أبغي بهذه الملاحظة تدخلاً في المعركة؛ فليس من خلقي أن أتدخل في نزاع فرعي. ولو شئت معركة لاخترت ميدانها الأصيل.

سيد قطب

(الرسالة):

أرسل إلينا الأستاذ السباعي بيومي مقاله الرابع يهجم فيه على الدكتور زكي مبارك فهيأناه للنشر، ولكن بعض ذوي الرأي والفضل رغب إلينا أن نقف هذه المناظرة العنيفة عند هذا الحد بعد أن ألقى أحد المناظرين الفاضلين القلم إجابة لدعوة زملائه الكريمة

بستان النشاشيبي

أهدى أديب العربية الأستاذ إسعاف النشاشيبي كتابه (البستان) إلى صديقه الأستاذ محمد بهجة الأثري مفتش اللغة العربية ببغداد فأرسل إليه هذه الأبيات الرقيقة

ص: 43

سيدي (إسعافُ) يا أم

ثل خُلصان وَخِلِّ

أنا من بستانك الزا

هر في طيب وظل

بين ورد باسم الثغ

ر وريحان وفُل

زمر نسقها الذو

ق على أجمل شكل

أتملاها بعينيّ

وأرعاها بفعلي

أتلقاها بلثم

وَتَلقَّاني بِدَل

جل ما أهديت من را

ح وريحان ونقل

أسكر المشموم نفسي

وغذا المطعوم عقلي

محمد بهجة الأثري

شبابيك القلل

كان للكلمة التي كتبتها بهذا العنوان في العدد 399 من (الرسالة) أثر حسن فيما كتبه الدكتور زكي محمد حسن في العدد 115 من (مجلة الثقافة) تعقيباً على مقاله الأول في هذا الموضوع، فقد تدارك الدكتور زكي - إلى حد ما - ما فاته في مقالة الأول

وإذا قلت - إلى حد ما - فذلك لأنه حاول في مقاله الأخير أن يفسر قوله: (إن من العجب أن يعنى بزخرفة شبابيك القلل إلى هذا الحد بينما تبقى القلل نفسها بغير طلاء أو رسوم زخرفية) فبعد أن نقل ما كتبته في (الرسالة) عن القلل الصيفية وهي من الفخار غير المطلي، والقلل الشتوية وهي المكسوة بطلاء زجاجي، أراد أن يجد لنفسه عذراً فقال: أما أن هناك قللا عليها طلاء فأمر لم ننكره أبداً، وحسب القارئ الذي بادر بالتعليق على مقالنا أن يرجع إلى كتابنا كنوز الفاطميين ولا نخاله بجهله، ثم استشهد بالعبارة الآتية نقلاً عن الصفحة 172 من هذا الكتاب

(فالفخار غير المدهون كانت تصنع منه أبسط الأواني اللازمة لطبقات الشعب، ولا سيما القلل التي كانت من الفخار غير المطلي، إلا في النادر جداً، لأن المقصود منها تبريد الماء، ولابد من المسام للوصول إلى هذا الغرض، ومن ثم فإن الذي وصل إلينا منها يكاد يكون خالياً من أي دهان زجاجي)

ص: 44

وإني أود أن أوجه نظر الدكتور إلى أن شبابيك القلل الشتوية ذات الطلاء الزجاجي، توجد في دار الآثار العربية وحدها بالمئات - كما كان يجب أن يعلم ذلك - ومن ثم فإني لا أرى ما يبرر قوله إن هذا النوع منها لا يوجد (إلا في النادر جداً) و (أن الذي وصل إلينا منها يكاد يكون خالياً من أي دهان زجاجي)، ولست أرى هنا أي مجال للتفسير اللغوي

وإذا كنت لم أشر إلى كتاب (كنوز الفاطميين) في كلمتي السابقة فقد كان ذلك لسبب واحد، وهو أنني اكتفيت بتصحيح ما جاء في مقال الدكتور زكي، ولم أجد ما يثير الرغبة في نفسي لنقد ما أورده في كتابه

وكيف أجهل هذا الكتاب وقد كان لي - إبان اشتغالي بالتدريس في جامعة بون - شرف مساعدة الأستاذ باول كالا في كتابة بحث واف عنوانه (كنوز الفاطميين) وقد نشر هذا البحث - كما يعلم حضرة الدكتور الفاضل - في مجلد المستشرقين الألمانية في المجلد 14 سنة 1935 (ص339 - 362) ولا ينسى الدكتور زكي محمد حسن ما لهذا البحث، ولما فيه من حواش قيمة، من فضل في وضع كتابه - الذي طبع في سنة 1937 - باللغة العربية في نفس هذا الموضوع وبنفس هذا العنوان! وما كنت أود أن أذكره بهذه الحقيقة، لولا أنه في تنويهه عن كتابه، بدلاً من الاعتراف بالفضل، وجدت - للأسف - ما هو دون ذلك، وهذا ما كنت أنزه الدكتور عنه.

دكتور محمد مصطفى

تحريف معنى بيت بالنحو

فهم صديقي الأستاذ الفاضل إبراهيم علي أبو الخشب أن ما ذكرته في تحريف معنى بيت بالنحو يدخل فيما يؤثر عن علمائنا - إن نكت النحو كالورد تشم ولا تدعك - والحقيقة أن ما ذكرته في ذلك من صميم النحو وليس من نكتة

وأما الذي ذكره من أن أو المتمحضة للعطف وأو الناصبة، فلم يأت فيه بجديد في المسألة. ونحن حين نجري قول الشاعر:(لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى) على معنى: ليكونن مني استسهال للصعب أو إدراك للمنى، نكون قد خرجنا بأو الناصبة إلى أو المتمحضة للعطف. وقد اعترفت أيها الأستاذ الفاضل بأن أو المتمحضة للعطف لها معاني غير معاني

ص: 45

أو الناصبة، فكيف تحمل إحداهما معنى الأخرى؟

وليس بحق ما ذكرته من أن المعنى في البيت على محض العطف، وأن معناه ليكونن مني استسهال للصعب وإدراك للمعنى، لأن هذا يجعل ما بعد أو داخلاً في حكم ما قبلها من إثبات ونفي وقسم ونحو ذلك، مع أن المضارع المنصوب بعد أو، لا يدخل في حكم ما قبله بذلك الشكل، ويظهر أثر ذلك صريحاً في نحو قولك - لا أكلمك أو أرضى عنك - فأوفيه بمعنى إلى، ولا يصح تقدير العطف فيه، لأنه لا يصح تقديره على العطف - لا يكون مني كلام أو رضاً عنك - لئلا يدخل الرضا في حكم النفي مع أنه ليس بداخل فيه

وكذلك الأمر في نحو - لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى، ولأجتهدن أو أنجح - لأنه على تقدير العطف يكون كاذباً إذا استسهل الصعب ولم ينل المنى، وإذا اجتهد ولم ينجح مع أنه إذا قال - لأجتهدن أو أنجح - فاجتهد ولم ينجح، لا يكون كاذباً. على أنه ليس بعد هذا كله ما يدعو إلى جعل أو الناصبة عاطفة، وإنما ذلك تكلف يلزم البصريين وحدهم

عبد المتعال الصعيدي

ص: 46

‌القصص

مرض طبيب. . .

للأستاذ نجيب محفوظ

قبل عامين تفشى وباء التيفود في مديرية الغربية تفشياً مخيفاً فتك بنفوس الكثيرين، وصادف ذلك انقضاء بضعة أشهر على تعيين الدكتور زكي أنيس طبيباً بمستشفى طنطا وفتحه عيادته الخاصة، وكان في تلك الأيام يلاقي الشدائد المقضي على كل مبتدئ في فنه أن يلقاها أول عهده بالحياة العملية. فكان ينتظر طويلاً وعبثاً توارد الزوار والمرضى مستوصياً بالصبر والتجلد حتى كاد يلحقه الجزع. فلما تفشى ذاك الوباء الخبيث تضاعف عمله بالمستشفى وشحذ نشاطه ومضى يراقب حركة السيارات التي تطوف بالبيوت وتعود محملة بالضحايا بعينين كئيبتين وعزيمة متوثبة، وأحس بالرغم من كل شئ بسرور خفي، وأحيا قلبه الأمل في أن يدعى يوماً لعلاج مصاب من الذين تثقل بهم جيوبهم عن الانتقال إلى المستشفيات العامة، ولم ييئسه تقاطر الناس على كبير الأطباء وبعض الأطباء القدماء بالمدينة وأصغى إلى هاتف تفاؤل ما انفك يهمس لقلبه بأن دوره لا محالة آت.

وصدق أمله، وإنه ليجلس إلى مكتبه يوماً يقلب صفحات كتاب وتجري عيناه على أسطره جريان الشرود والملل إذ طرق بابه كهل يدل منظره الوجيه وزيه الريفي الثمين على أنه من الأعيان؛ ولعله قصده بعد أن يئس من العثور على سواه، فطلب إليه بلهجة تنم على القلق أن يصحبه إلى العامرية على مسير ربع ساعة بالسيارة. وكان الشاب يعد العدة لمثل هذا اللقاء فلم يبد على وجهه أثر مما اضطرب في صدره من الفرح والظفر، فألقى على القادم نظرة رزينة وقام من فوره فخلع معطفه الأبيض وارتدى الجاكتة والطربوش وأخذ حقيبته وتقدمه إلى الطريق. والتقى أمام الباب بسيارة فخمة فخفق قلبه مرة أخرى وتريث حتى فتح الرجل الباب وقال له (تفضل) وجلسا جنباً إلى جنب وانطلقت بهما السيارة، وحافظ على هدوئه ورزانته وصر بأسنانه ليطرد ابتسامة خفيفة تحاول أن تعتلي شفتيه؛ وكأنه أراد أن يداري عواطفه فسأل الرجل عن مريضه، وتكلم الرجل في إسهاب فقال إن المريض ابنه وأنه لم يجاوز العشرين من عمره، وأنه أحس منذ أيام بتوعك وخور ورغبة عن تناول الطعام، ثم ارتفعت حرارته واستسلم للرقاد فسأله:(هل حقن بالمصل الواقي؟)

ص: 47

فأجاب الرجل بالنفي، وأعلن عن رجائه الحار ألا يكون الشاب أصيب بالحمى الخبيثة، فصمت الطبيب ملياً يفكر في هذه الأعراض ويزنها بميزان اختباراته وعلمه، وكانت السيارة في أثناء ذلك تخترق الطريق الزراعي بسرعة البرق حتى بلغت العامرية وانعطفت إلى حاراتها الضيقة ثم وقفت أمام دار كبيرة، فدخلا معاً واستقبلتهما أوجه كثيرة بأعين يقتتل بها الخوف والأمل، فساوره القلق وتلبسه شعوره حين تعرض لأول مريض بدأ به حياته التمرينية في قصر العيني منذ ثلاثة أعوام، فاستصرخ قوة إرادته ليضبط بها وجدانه ويجتاز هذه التجربة الجديدة بالنجاح، وأغضي عمن حوله وسدد انتباهه إلى الشاب الراقد بين يديه، وكشف عليه بعناية فائقة وفحصه فحصاً دقيقاً فترجح لديه أنه مصاب بالتيفود، وأبدى رأيه في تحفظ وقال إنه ينبغي أن يفحص المريض في اليوم التالي ليستوثق من رأيه، فلا آمنهم من خوف ولا أفقدهم الأمل، وظن أنه ضمن لنفسه أن يتردد على المريض حتى يبلغ به الشفاء بفنه أو يودعه القبر بأمر الله. ثم أخذ حقيبته واتجه نحو الباب بخطى وئيدة كأنه يريد شيئاً، فلحق به والد المريض وهمس في أذنه قائلاً:(تفضل) فخفق قلبه لثالث مرة ذاك اليوم ومد يده وهو يقول: (شكراً) فأحس بثلاث قطع من ذات العشرة قروش توضع بها، ثم جلس في السيارة منفرداً هذه المرة، وانطلقت به في طريق العودة؛ وكانت هذه أول مرة يدعى فيها إلى زيارة مريض في بيته، فاغتبط ورضى وأشعل غليونه وراح يدخن بحالة من السرور لم تخل من اضطراب عصبي فأخذ (أنفاساً) سريعة فتوهج التبغ وسخن الغليون، ولم يستمر في التدخين طويلاً فوضعه في جيب الجاكتة الأعلى وأرسل بناظريه خلل زجاج النافذة يشاهد الحقول الممتدة على جانب الطريق الغارقة في الأفق البعيد، وكانت تنتهي عند الطريق الزراعي بجدول من الماء ينساب صافياً تستحم فيه أشعة الشمس المائلة للغروب وتغشاه بنور لألاء بهيج يخطف الأبصار؛ فاستسلم لسحر الرؤية، وشعر بتخدير لذيذ، حتى انتبه إلى تغير غريب يسري في صدره وجسمه فتحولت أفكاره من الخارج إلى الداخل فأحس بسخونة تنتشر في أعضائه جميعاً كأن حرارته ارتفعت بغتة، فتململ في جلسته وحرك رقبته بعنف، ثم لم يحتمل شدتها فخلع طربوشه وفك أزرار الجاكتة وأخرج منديلاً يروح به على وجهه وهو يعجب أشد العجب لأن الجو كان معتدلاً لطيفاً، واشتدت وطأة السخونة والتهب جسمه بالحرارة، فجس خديه

ص: 48

وجبينه وشعر بثقل في جفنيه ورأسه وضيق في التنفس، وتساءل في حيرة عما أصابه، وخطر له خاطر مخيف: هل يكون مريضاً؟!. . . وذكر لتوه الحمى الشيطانية التي تفتك بأهل المديرية فتكاً جهنمياً

وكان قد حقن نفسه بالمصل الواقي فكيف انتقلت إليه العدوى؟!. . . هل سبقت الميكروبات المصل إلى دمه؟!. . . ولفه الذعر وكان في الحقيقة جباناً رعديداً شديد الهواجس سرعان ما يستسلم للتشاؤم ويقع فريسة سهلة للمخاوف، فعاد يجس خديه وجبينه فوجدها ساخنة وأحس بجسمه يكاد يلتهب التهاباً فاستولى عليه الفزع وارتعدت فرائصه وقال بذهول (يا للويل. . . لقد أصبت وانتهيت. . .)

وقطعت السيارة مرحلتها وانتهت إلى عيادة الطبيب الشاب - وكانت عيادته ومقامه في شقة واحدة - فتركها على عجل وصعد إلى حجرة نومه واستدعى التمرجي وقال له: (ناد الدكتور سامي بهجة بسرعة وقل له إني أصبت بالتيفود) فجرى الرجل مرتعباً وأخذ الدكتور يخلع ثيابه بيدين مضطربتين وارتدى البيجامة وارتمى على الفراش في حالة يأس ورعب وغم شديد وقد خيل إليه أن شرايينه ستنفجر من الحرارة. وكان يستحضر في ذاكرته أعراض المرض فلم يعد لديه ثمة شك في أنه مريض؛ وثبت في وهمه بقوة أن هذا المرض سيختم حياته. كان شديد الجبن متهافتْ الأعصاب فلم يستطع أن يأمل قط في النجاة وبات في يأس عظيم، وظل بعد الدقائق الثقيلة المرهقة ويصيح غاضباً (هيهات أن يجد الدكتور في عيادته، وسأجن هنا وحدي. . .)

وفي أثناء الانتظار فزعت أفكاره المجنونة إلى القاهرة، إلى أمه، ووجد حاجة شديدة إليها، وإلى وجودها إلى جانبه لتسهر عليه؛ وفكر فعلاً في أن يبعث إليها ببرقية، ولكنه لم يقبل هذه الفكرة بسهولة، وأشفق من إرهاقها وإزعاج حياة والده واخوته الصغار وربما عرضها للخطر أيضاً - وكان هذا أول شعور طيب يخالط قلبه منذ قدم طنطا - فصدقت نيته على أن يطلب إلى الدكتور بهجة نقله إلى المستشفى، وربما تمكن من رؤيتها هناك ليودعها إذا اشتد عليه الحال. وقد حن إليها في تلك الساعة حنيناً موجعاً. . . وأغمض جفنيه هنيهة يلتمس الجمام ويطرد عن قلبه الوساوس والهواجس، ولكن وجدانه الثائر أبى أن يدعه في راحة أو طمأنينة، أو أن يصرفه عن الانشغال الأليم بمرضه. ولم يكن دار له بخلد أن

ص: 49

الطبيب بمأمن من الأمراض، ومع ذلك أحس بمرارة وسخط وحنق وساءه أن يفتضح مرضه الغادر في أثناء عودته من زورة مريض. أما كان الأجمل أن يجزي غير هذا الجزاء. . . وقر في نفسه أن العدوى انتقلت إليه في أثناء قيامه بواجبه في المستشفى بالرغم من حذره ويقظته فتضاعف سخطه وحنقه، وأسى على حياته التي لم يتح له التمتع بها؛ وكان يدفع إلى فكرة الموت دفعاً عنيفاً، ويقسر على الاستغراق فيها بقوة شيطانية. . . وحدثه قلبه الرعديد بأن نهايته حمت، فعطف رأسه إلى المرآة وأدام النظر إلى وجهه، فخيل إليه أنه محتقن بالدم الفاسد؛ ولكن كان ما يزال محتفظاً بنضارة الحياة وأثر الصحة الآخذة في الانحلال، فألقى عليه نظرة آسيفة حزينة، كأنما يودع آخر صورة للحياة والصحة عالقة به. . . ثم أدار رأسه قانطاً، وأسلمه القنوط إلى الاستسلام، وأسلمه الاستسلام إلى الاستهانة، ولاذ بها من مخاوفه، وقال لنفسه علام الخوف والذعر؟ الموت آت لا ريب فيه، إن لم يكن اليوم فغداً. . . هو النهاية المحتومة على أية حال لمهزلة الحياة. . . وماذا يضيره أن يقصر دوره في هذه المهزلة؟ فلعل في قصره اختزالاً لآلام مروعة. على أن تعزيه لم يدم طويلاً. . . وألحت على قلبه الآلام مرة أخرى. . . فذكر آماله وأطماعه في المجد والثروة، وارتسمت على شفتيه لهذه الذكرى ابتسامة مريرة ساخرة. . . وشعر بامتعاض يفوق الوصف. . . وذكر الثلاثين قرشاً التي طرب لها فرحاً قبل حين قصير: فأزداد امتعاضه، ولعن رزقه الذي يناله من أيد شحيحة، لا تفرط فيه حتى يهزلها المرض، فتراخى عن الضن به، ولعن النظام الذي يجعل سعادة القوم منوطة ببأساء آخرين. . . يالها من مهنة مخيفة، يستمد رجالها حياتهم من النفوس المريضة كالجراثيم سواء بسواء. . . وسخر في ذعره وتشاؤمه من الإنسانية والتضحية والرحمة، تلك الألفاظ الصماء التي حفظها عن ظهر قلب ولم تختلج له في شعور قط. . . فهو لم يشمَر أبداً لغير المجد والثروة، ولم يتصور ساعة أنه يبلغهما بغير معونة المرض. . . فعبده وهو لا يدري، ونصبه آلهاً يقدم له القرابين البشرية كبعل القديم، حتى سقط هو أخيراً قرباناً له، فأي حياة هذه؟. . . وذكر أيضاً في هذيانه وتشاؤمه قروياً بسيطاً عرض له في العيادة الخارجية لقصر العيني، وكان يريد أن يكشف على حلقه، فأمره أن يفتح فمه. . . وكان كلما أدنى منه المجهر يرتجف الرجل الساذج ويغلق فمه. . . وتكرر ذلك منه حتى اشتد به

ص: 50

الحنق، وكان مرهق الأعصاب من كثرة العمل، فضرب جبين القروي بالمجهر، فشجه وأسال دمه. . . وقد أسف لذلك حقاً ولكن أسفه لم يخفف عن الرجل شيئاً. . . وذكرته هذه الحادثة بما يقع خلف جدران قصر العيني من أعمال القسوة التي تفزع من هولها النفوس البشرية، فذكر أنه تكاسل مرة عن إجراء عملية لمريض، لأنه كان أجرى هذه العملية مرات عديدة بنجاح، فلم يشعر بحاجة إلى تمرين جديد. واسودت الدنيا في عينيه، وعافت نفسه كل شئ في تلك الساعة الخبيثة

ثم سمع وقع أقدام في الردهة وصوت التمرجي يحادث الدكتور، فتمشت في أعصابه موجة نشاط ونسى وساوسه، وفزع إلى القادم بأمل جديد، ودعا ربه بصوت متهدج قائلاً:(آه يا رب، خذ بيدي! هبني حياتي مرة ثانية، أهب الناس أشرف ما في نفسي حتى الموت)

وما انتهى من دعائه حتى برز الدكتور بهجة من باب الحجرة وهو يقول بصوت مرتفع: مساء الخير يا دكتور. مالك؟

فقال الشاب بهدوء وإن كان في الحق يستغيث: أُصبت!

ففحصه الدكتور بعينين نافذتين وأصابعه تفتح الحقيبة، ثم قال: لعلها أنفلونزا

فقال بيأس: كلا. . . لا أشكو زكاماً ولا صداعاً. . .

- ولكنك لم تشك تعباً أو فقدان شهية في هذه الأيام. . . أليس كذلك؟

وتفكر الشاب قليلاً متحيراً ثم تمتم قائلاً: حرارتي فظيعة. . . إني أشعر بالمرض شعوراً مخيفاً. . .

- هل قست الحرارة؟

فعجب كيف فاته ذلك، وهز رأسه نفياً ولاذ بالصمت؛ فابتسم الدكتور بهجة ابتسامة ساخرة، ودنا منه والترمومتر في يده، ثم وضعه في فمه وانتظر هنيهة، ثم أخذه ثانية ورفعه إلى مستوى عينيه، ونظر إلى وجه الشاب رافعاً حاجبيه وقال ببساطة: حرارتك طبيعية. . . أنظر!

وقرأ الشاب الترمومتر وهو لا يصدق عينيه، وجس خده ثم قال: هذا عجيب! خدي ما يزال ملتهباً. كيف هبطت الحرارة؟

وأتى الدكتور بسماعة وطلب إليه أن يفك أزرار الجاكتة ففعل؛ ووقع بصر الرجل على

ص: 51

الفانلا فبدت على وجهه الدهشة وصاح بسرعة وهو يشير إليها قائلاً: (انظر!)

فأحنى الشاب رأسه ناظراً إلى الفانلا فرأى فوق القلب دائرة مسودة من أثر احتراق خفيف. فاستولت عليه الدهشة وجلس في فراشه وهو يتساءل: (ما الذي صنع بي هذا!)

فضحك الدكتور بصوت عال وقال: (هاأنت ذا تكشف حمى جديدة يا دكتور!). وخطرت للشاب فكرة فالتفت إلى المشجب وقفز من الفراش واتجه نحوها ووضع يده في جيب الجاكتة الأعلى متناولاً غليونه، وفحص الجيب بعينيه فرأى آثار التبغ الذي أكل البطانة وحرق القميص وأثر هذا التأثير في الفانلا، ووقف مرتبكاً ينظر إلى الدكتور بعينين تسألان الصفح، وقد أحس بحرارة جديدة هي حرارة الخجل والارتباك

وبعد دقائق وجد الشاب نفسه وحيداً مرة أخرى، وكان ما تزال تعلو شفتيه ابتسامة الارتباك والخجل ولكنه كان يحس بغبطة وسلام، وكان قلبه يشكر الله الذي وهبه حياته مرة أخرى

وبر الشاب بوعده واعتزم أن يكون إنساناً قبل كل شئ، وعاد إلى عمله تنبض في قلبه أشرف العواطف وأنبلها، وكان يظن أنه سيصمد للتجارب لا ينكص على عقبيه مهما امتد به الزمن، ولكن وا أسفاه إن انقضاء الليل والنهار ينسى، ومن ينغمر في الدنيا يذهل عن نفسه، وللحياة جلبة تبتلع همسات الضمير، فقد أخذ يتناسى محنته ودعاءه ووعده حتى نسى ولم يعد يذكر إلا عمله ومستقبله وآماله وأطماعه، ثم ارتد إلى ما كان عليه، وكانت تلك الأيام القلائل في حياته كهدوء البحر الذي يصفو ويرق حتى يشف عن باطنه ثم لا يلبث أن تهيجه الرياح والعواصف فيرغي ويزبد وتعلو أمواجه كالجبال. ولعله لا يذكر هذه الحادثة الآن إلا كدعابة يتندر بها ويقصها على صحبه إذا دعا داعي الحديث أو السمر!

نجيب محفوظ

ص: 52