المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 42 - بتاريخ: 23 - 04 - 1934 - مجلة الرسالة - جـ ٤٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 42

- بتاريخ: 23 - 04 - 1934

ص: -1

‌العام الهجري

1353

منذ أسبوع قلب الدهر المسجل صفحة ثلاث وخمسين وثلثمائة وألف من تاريخنا المجيد المشرق. قلبها هذه المرة وهو حافل حاشد يرصد فلك الإسلام، ويرقب حركة العرب، ويجمع الأُهبة لتسجيل ما يتوقع من أحداث الأمة المبعوثة، والبطولة الموروثة، والعروبة الناهضة!

وكان منذ تفجرت في وجوهنا الأهوال، واغبرت في عيوننا الآمال، وأخلد إلى الجِمام سلطاننا الجاهد، يقلب الصفحة بعد الصفحة، فلا يجد ما يسجل غير أنَّات العاني، ونشجات الباكي، وخلجات الجناح المهيض، حتى أوشكت حياتنا الخالفة أن تكون لَحّقا من البؤس والهُون لكتاب آبائنا الجليل المحكم! ولكن الأمة العربية التي تمتد جذورها في أعماق الأزل لابد من ربيعها وإن طال الخريف!

فالحياة المتجمعة في الأصل الثابت أخذت تشيع في الجذع وتنتشر في الفروع، والظلال الحاسرة في العهد الجديب جعلت تمتد إلى القفر وتنبسط في الربوع، وأشبال الفاتحين الذين غيروا وجه الأرض، وحرروا موازين العدل، قد هبوا ينفضون عن المعدن الكريم غبار الزمن، ويمسحون عن الجوهر الحر عبث العوادي، ويعودون إلى مكانهم من رأس القيادة وصدر العالم!

ففي مصر تضطرب الحياة الجديدة في البراعم النابتة، وتضطرب نوازي الكمال في النفوس الهامدة، ويفيض نبل الإحساس في صدور الناس فيكفكفه وا أسفاه طغيان الغاضب، وتكدره وا حسرتاه بقايا العهد الذليل!

وفي فلسطين تدافع العروبة جراد أوربا المحاق، وتصارع الاستعمار المسلح الخاتل، وتطلب عز الحياة بعز الممات وشرف التضحية.

وفي سورية يقظة عاملة فطنة، تداور خصمها بالصبر، وتواثب جشعه بالحزام، وتقابل نفعه بالجذر، وتصارح هوجه بالنخوة. وتتجهز للمستقبل الباسم القريب بجهازه

وفي العراق (أمة تنشئ الحياة، وتبني الملك، وتلحق الزمن) وتصل ما انقطع بين ماضٍ ضخم وحاضرٍ نزوع، وتنبض بالحيوية العربية المتجددة نبضان القلب الفتي الطموح

ص: 1

وفي الجزيرة موطن الأسرار ومهبط الوحي ومشرق الدين ومنبت العبقرية تخطر العروبة في مطارف العز بين سرير الإمام وعرش المَلِك! وإذا نزت بين الأخوين نوازي الخلاف فذلك حفاظ ينتهي إلى السلم، تعود إلى السلامه، وإن في إصاختهما إلى دعوة الداعين إلى الصلح في أقطار العرب لدليلا على اتجاه الميول إلى الوحدة، وإصغاء القلب إلى الجماعة وفي الجزائر ومراكش قلوب تذوب من حرارة الظلم، ورءوس تدور من خَدَر السياسة، وشهداء في سبيل الوطن والدين يخطون لأبنائهم بدمائهم وصية المستقبل! وسائر المسلمين في تركية وإيران وأفغانستان والهند والصين وأندوسيا وروسيا ويوغوسلافيا يشعرون بالتطور الجديد، وينظرون إلى الأفق، ويتمنون أن يعود الإسلام كما بدأ مرفوع الراية، مجموع الرأي، مسموع الكلمة! والأمر في الجملة يدل على نور ينبثق من جديد في أمة محمد، وروح ينبعث في مملكة الرشيد، وشعور يتألف من هذه الروح وذلك النور فيجمع قلوب الاخوة المتفرقين على هوى واحد!

حسبُنا مطلع العام الهجري موقظا للشعور وحافز للهمم وهادياً إلى شرف الغاية. يستقبله المسلم الذاكر فتعاوده ذكريان تجددان دينه وتثبتان يقينه وتقومان خلقة: ذكرى هجرة الرسول في سبيل الدين، وذكرى مقتل الحسين في سبيل الحق! فأما هجرة الرسول فقصيدة من قصائد البطولة القدسية لا يفتر عن إنشادها الدهر! استمدت وعيها من روح الله، ونسجها من خلق الرسول، وسيرها من صدق العرب! واستقرت في مجامع الأجيال مثلا مضروبا لقواد الإنسانية، يلهمهم الصبر على مكاره الرأي، والاستمساك في مزالق الفتنه، والاستبسال في مواقف المحنة، والاستشهاد في سبيل المبداء، والاعتقاد الصادق بفوز الفكرة

بلَّغ الرسول ما أنزل إليه من ربه وقد تألبت عليه جهالة العصبية، وحماقة الشرك، وسفاهة الحسد، وعداوة المنافسة، وحرمان الفقر، وخذلان القلة، فما استكان ولا وهن؛ ثم نبْت ففار مكة على الغراس الإلهي فهاجر به تحت عين الله إلى طيبة!

وهنالك؛ الصبر والصدق والأيمان والرجولة، أثمر غرس الدعوة، وتم نور الله، وأصبحت القلة ملة، وصارت كل قرية من القرى الثلاث قارَّة

وأما مقتل الحسين فلا يزال صكاً دامياً في سجل التأريخ، يثبت أن العربي الحر لا تلهية

ص: 2

عن نداء الواجب زهرة الحياة، ولا ترده عن طلب الحق كشرة الموت.

فإذا انتفع العرب والمسلمون بهاتين الذكريين، وجعلوهما كما هما في رأس العام رمزين على الجهاد الواصب في سبيل العقيدة، والاستشهاد المروع في سبيل الحق، عاد أمرهم يجري مع الشمس، ويسري مع الروج؟ ويتغلب أخيراً مع الحق!

احمد حسن الزيات

ص: 3

‌من حديث الشهداء

للدكتور طه حسين

لم يذكر في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيرا من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيرا من آيات الطاعة والإذعان. ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضا حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم، هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين. كلا ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كن يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل هم، ويغرين بهم كل نعيم، يخلبنهم بالفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل، كلا ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباه الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم، وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم. وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟ كلا. ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصلبينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلم بهم من الحوادث والخطوب كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام، فتمضى معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباء

ص: 4

مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم: ثم يتخذون منه علما بأمور أوطانهم تلك التي لم يبق لهم اليها سبيل.

كلا. لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا، لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيرا منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء. وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وماله لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دما بريئا ولما ينتصف النهار: أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً. وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين. وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألم به من كرب، وأحسنهم احتمالا لما سلط عليه من محنة، ورضى بهذا النكبة التي كان ينظر إليها على أنهااختبار له، وابتلاء لأيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض. ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال، وهم يعرونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس، وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثاروها ودفعوه إلى الحديث فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع. وكان نسطاس ملكاً لصفون بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به النعيم قتله ثم عاد، ولم يكن مثل هذا العمل يحبب إلى نسطاس، ولكنه لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى،

ص: 5

وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدر الغادرين من هذيل. ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع. فذكر أموراً كان يقرؤها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أبناءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قتلوا في المسيحية تقتيلا، والذين امتحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلا. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وانهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وانه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة؛ ومن ذل الدنيا وعز الآخرة؛ ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.

ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم؛ ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزلزل قلبه زلزالا، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباء. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء. على انه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة ابن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنه هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء وكان يقول لأصحابه: لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت من أهل البادية، لما دفع صفوان إلى ما دفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى

ص: 6

اسيره، ولما أنفذت أمره فيه. قال أصحابه وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟ قال أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قبلهم الغيظ، وتملأ نفسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الافاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان. ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل. ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل.

هنالك اجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وارفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء، خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.

ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولا يروع النفوس ويخلع القلوب. ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال: إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت. لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصم قريش وأصحاب محمد، لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم فتضع رأسه على حجرها وتسأله يا بني من أصابك؟ فيقول ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا بن الأفلح. ثم أصابني السهم، يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن من جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء.

قال قائل وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الابل، فضلاً عن مائة من الإبل؟ قال نسطاس: والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال.

ص: 7

أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له انهم قد آمنوا به وأسلموا له، وان دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم من يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمرٍ قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وان يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل. وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى أن هم ألفوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون لا ينزلون على عهد كافر أبداً. ويقاتلون حتى يقتلوا. وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها، فيستأسرون ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر، فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يحملان إلى مكة ويباعان فيها. فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قدر له من نعيم، ويتم لي ما قدر لي من شقاء.

ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حينا. ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد، فيقول لقد عرفت ورأيت من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضي علي ومقدور لي، لكان فيما عرفت قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه، وماذا كنت أخاف لو عصيت صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دفعت إليه؟

لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت، وقالت مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؟ ولكن ماذا سمعت وماذا تسمعون، هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر، وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل هموا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعت وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله، ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حدثت أن هذا

ص: 8

الرجل كان قد نذر ألا يمس كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حدثت أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار فاحم لحمي آخر النهار. ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث فلم يبك وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاء طويلا، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث، فقال وبم تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنت أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييت في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة، ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنت واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله، فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله، وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله، وإنما سفكت دم شهيد كريم.

ولقد سمعت أبا سفيان زعيم قريش يسأله أيما احب إليه؟ أن يقوم محمد مقامه هذا وأن يكون هو آمنا بين اهله؟ فيجيبه والله ما احب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي، فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيت أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، والى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنت احسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وان نفسي ما زالت حرة. فقد علمت الآن إني رقيق حقاً، وقد علمت الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمت الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلا. لقد قتلت نفسي يوم آثرت الحياة وقبلت أن أكون سلعة في يد أولئك التجار.

قال رجل من أصحابه إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فان رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب، لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماء إلى دمه، حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أراد قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم لولا أني أخاف أن

ص: 9

تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وانهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون انهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وان هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب، كانت تراه مغلولا يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت. لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم انه حين أظله اليوم الذي كان يراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت. فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وان امتلأ قلبها رعباً، وان قالت لنفسها ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد اجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب، وقال للمرأة: أشفقت على هذا الصبي من الغدر، ليس الغدر من أخلاقنا

أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجوا لله وقارا، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟ قال قائل منهم ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً. فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذا الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله أني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الأيمان الذي زين في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر

كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر انه كائن ولكن أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعت إلى ذلك سبيلا. قال الآخرون: ما ايسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش، وإن

ص: 10

من حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على من أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟ قال نسطاس وهو ينتحب فكروا في ذلك ودبروا: وتهيأوا لذلك واستعدوا، فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم؛ أما أنا فقد كتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عن آثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة، ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبرا.

طه حسين

ص: 11

‌المسلمون أمس واليوم

للأستاذ احمد أمين

في نحو ثلاثة وعشرين عاما استطاع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما منح من قوة العقيدة. وصدق العزيمة. وبعد النظر وتأييد الله أن يحول العرب من جماعات مختلفة اللغة، مختلفة الدين، مختلفة الرأي، مختلفة الأهواء، تشعر بالضعة إذا قارنت نفسها بمن حولها، وبالذلة إذا رأت من في جوارها، ولا يفكر الفرد فيها إلا في نفسه، فان اتسع أفقه ففي قبيلته، فان فكر في قبيلة أخرى ففي الانتقام والأخذ بالثار، وشن الغارة للسلب والنهب - إلى أمة واحدة، متحدة اللغة، متحدة الدين، متحدة الرأي، يشعر الفرد فيها أنه من أمة أعزها الله بالإسلام. وفضلها به على الأنام. وجعلهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. وليس ذلك بالكثير في تاريخ الأمم.

فان مات محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتعد إصلاحه جزيرة العرب، فقد أعد أمة لإصلاح غيرها، ولسيادة الناس خير إعداد - حتى إذا وجهها قادتها نحو الفتح، أتوا بما حير علماء السياسة والاجتماع والتاريخ إلى اليوم - بسطوا سلطانهم على جزء كبير من العالم في أقل من عشر سنين، ولم يكن فتحهم تخريباً وتدميراً، إنما كان فتحاً منظماً أحكمت قواعده وأصوله - واستمروا ينتقلون من فتح إلى فتح، ومن ظفر إلى ظفر، مما يجعل الباحث يقتنع بأن نجاحهم لم يكن حظاً أتيح لهم، ولا مصادفة وقعوا عليها - إنما كان نتيجة مبادئ صحيحة اعتنقوها، ونفوس قوية ضمت صدورهم عليها - ومع ما عرض لهم من خلاف فيما بينهم كان من طبيعته أن يودي بأمثالهم من حروب داخلية ومنازعات سياسية وخلافات دينية، تغلبوا على كل ذلك، ولم يمنعهم من الظفر بعدوهم واستمرارهم في فتوحهم.

ثم هم ساهموا في كل شأن من شؤون المدنية، إن نظرت إلى الدين فقد دعوا إلى دينهم فدخل الناس فيه أفواجاً في هدوء من غير عنف، ولم يمض قرنان على فتحهم حتى كان أكثر البلاد المفتوحة على دينهم، ثم هو لا يزال ينتشر إلى اليوم مع انعدام الدعاة، وعدم حماية الدعوة، وان نظرت إلى اللغة رأيتهم هيئوا لغتهم لكل جديد ووسعوها - وهي البدوية الأصل والمنشأ. حتى أحاطت بكل مرافق المدنية إذ ذاك، وحتى زاحمت الفارسية

ص: 12

في فارس، والرومانية في الشام والقبطية في مصر، وسارت مع الدين جنباً لجنب، كلما ظفر الدين ظفرت اللغة، وكسبت لغتهم قادة الفكر في كل هذه الأمم المفتوحة. فأصبحوا يمنحونها خير أفكارهم وأفكار أممهم، وظلت اللغة العربية تسود حتى نسى كثير من الأمم لغتهم الأصلية، وأحلوا محلها العربية، ولو لم يعتنقوا الإسلام - وان نظرت إلى النظم والتشريع فكذلك، فقد أقلم المشرفون أنفسهم وكانوا حيث حلوا مرنين يقفون موقف المتفهم للموجود من نظم وقوانين ثم يقرون ما لم يتعارض وأصول دينهم، ويغيرون ما تعارض، ووقف الفقهاء في كل قطر يوسعون مذاهبهم حسب الحاجة، وحسب الإقليم الذي حلوه، وخلفوا من كل ذلك قوانين لا تزال إلى اليوم محل إعجاب المنصفين من المتشرعين

وان التفت إلى العلم رأيت أنهم في كل فرع من فروع العلم أخذوا بحظ وافر، لم يمنعهم دينهم أن يأخذوا عن وثنيي اليونان فلسفتهم، ولا عن النساطرة طبهم، ولا عن اليهود ما يروون من أخبار أنبيائهم وعلمائهم، وأبلوا في العلم بلاء لا يقل عن بلائهم في الحرب، فحيث حلوا رأيت علماً كثيراً وجداً عجيباً؛ ثم خلفوا من كل ذلك ثروة فيها غاية ما وصل إليه العلم لعهدهم. فهموا ما كان من علم قبلهم وتداولوه بالشرح والنقد وضموا إليه ما أوحته نظرات دينهم من علوم إسلامية، ومذاهب دينية، وزادوا في ثروة من قبلهم بما بذلوا من جهد وأنفقوا من مال ونفس.

فلئن لم يكونوا سادة العالم فقد كانوا سادة في العالم، وان لم يكونوا رأسه المفكر فقد كانوا رأساً من الرؤوس، لا عبيداً ولا أذناباً، ووقفوا في بعض أيام تاريخهم من العالم موقف المعلم، يرحل من أراد العلم من الأوربيين إليهم، وينقلون إلى اللاتينية كتبهم، ويدرسون في جامعاتهم علمهم - وفي السياسة العالمية وقفوا موقف الموازن، يسمع لقولهم ويحسب حسابهم، وتعقد المعاهدات المحترمة معهم.

ثم دار الزمن دورته وأصبح سادة الأمس عبيد اليوم ورؤوس الأمس أذناب اليوم، وشباب الأمس هرم اليوم، وقضى على حضارتهم ما قضى على حضارة اليونان والرومان، والآشوريين والبابليين، وقدماء المصريين، إلا فرقاً واحداً وهو أن حامل لواء الحضارة الإسلامية لا يزال حياً وان كان شيخاً فانياً، وان الشيخ إن لم يصب بالعقم فقد يلد طفلاً يمر بأدوار الحياة ومنها الشباب، وان الأمم إن لم تمت فلها أيام، فقد يكون للإسلام فجر

ص: 13

وضحى، وعصر وغروب، ولكن لا يلبث الليل حتى ينجلي عن صبح آخر فيه كل صفات الصباح، من نور وضياء، وإشراق يدفع للحركة، ونسيم يبعث الحياة.

وبالفعل يظهر أن هذا الشيخ الفاني قد مات أو كاد، وأن الله فالق الإصباح ومخرج الحي من الميت لم يصبه بالعقم، ووهبه ما وهب زكريا (إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنّا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)

ولكن إن ورث (يحيى) من زكريا علماً وحكمة فإني أخشى أن يرث (يحيانا) تركة قد أثقلت بالديون وأفعمت بالمغارم، فهل من سبيل إلى أن يرث من آبائه الأبعدين لا من آبائه الأقربين؟ يحدثنا علماء الوراثة بأن ذلك جائز في قوانينهم، وأن بعض الأبناء يرث من جده الأبعد لا من أبيه الأقرب، إن كان ذلك كذلك فخير له، فأن أباه أشعث أغبر، لوحته الهموم، وأحنت ظهره الأحداث، أما جده البعيد فجميل المُحيا، مشرق الجبين، صارعه الدهر، فصرع الدهر، وأرادت أن تنال منه الأحداث فنال منها، ولكن أنى لنا ذلك، ومربوه من جنس أبيه، فان لم تفسده الوراثة أفسدته البيئة وأفسده المربي وأفسده الموالي من ورائه يكيدون له، ويضعون الخطط تلو الخطط لاغتياله، لا يكون ذلك حتى يرزق (يحيى) بالمثل الصالح، والمربي الصالح، يفتح عينيه ليرى ما حوله، ويضع له البرامج ليعده أن يكون سيداً مع السادة ورأساً بجانب الرؤوس، يبنى صرح المدنية مع بناته، ويشيد العالم مع مشيديه، فأن كان العالم لا يسع إلا مدنية واحدة شارك فيها، وإن كان يسع مدنيتين فاكثر، أسس هو مدنية تتفق وروحه، وعقليته ونفسيته، ودينه وخصائصه.

من نحو خمسة قرون فقد المسلمون مركزهم العالمي، وأصبحوا حيث حلوا عنوان الذل والعبودية، وحلفاء الفقر والمسكنة، ولم يكن تأخرهم راجعاً إلى بيئتهم كما يذهب بعض الباحثين، فهم يسكنون بيئات تختلف حرارة وبرودة، وتختلف خصباً وجدباً، وتختلف جفافاً ورطوبة، وهم من ذلك في مستوى واحد من الضعة والتأخر، على أن الأمر لو كان يرجع إلى البيئة ما تداول عز وبؤس، ونعيم وشقاء، وسيادة الأشراف وصعلكة العبيد، ولكانوا على حال واحد أبداً، لأن البيئة تلازمهم أبداً - كما أن الأمر لا يرجع إلى ما يجري في

ص: 14

عروقهم من دم، فدمهم الذي يجري فيهم اليوم هو من نوع الدم الذي كان يجري في عروقهم أمس، وقد بطلت نظرية أن الله اختار من عباده جميعاً شعباً واحداً عهد إليه تنظيم العالم وسيادته هو الشعب التيوتوني أو الشعب الآري، فليس من أمة إلا وهي خليط من دماء مختلفة ولو كان كذلك لما عزوا وذلوا، وعلوا وسفلوا، وليس أمر المسلمين كذلك يرجع إلى دينهم فدينهم قديماً كان هو سبب سعادتهم وهو الذي انتشلهم من بؤس، وأعزهم من ذل - والدين متى كان صالحاً أسسه كالإسلام كان باعثاً على الأصلاح لا الفساد، وعلى النهوض لا الانحطاط، إنما هو ككل دين يختلف باختلاف العين التي تنظر إليه، فان صلحت العين صلح ما تنظر إليه، وان ساءت ساء، بل قد رأينا في تاريخ الأمم عيناً صحيحة وديناً مريضاً استطاعت العين لصحتها أن تصلح منظره وتجمل شكله

على إني لا أرى أن المسلمين تأخروا وانحطوا بالمعنى الحرفي الذي يفهم من الكلمة أعني الرجوع إلى الوراء، بل كل ما في الأمر أنهم وقفوا حيث كانوا من خمسة قرون، وغيرهم سائرون، وناموا وغيرهم أيقاظ، فلما بدأوا ينتبهون رأوا الشقة بعيدة واللحاق يتطلب عزماً قوياً وجهداً بالغا

مظاهر هذا الوقوف وإن شئت فسمه الركود متجلية في كل مرفق من مرافق الحياة - ففي اللغة وهي أداة الثقافة، وآلة العلم ووسيلة الرقي العقلي - وقفنا حيث انتهى الأمر بالدولة العباسية، ولم نساير الزمن ولم نخط معه خطواته، تغير وجه الحياة، واخترعت ألوف الآلات، ومعاجم لغتنا - كما هي - لا نعترف إلا بما كان، وتهمل ما هو كائن وما سيكون، فلا هي توسعت في مدلول الكلمات العربية ووضعت منها أسماء للجديد، ولا هي سمحت بالكلمات الأجنبية أن تدخل من غير تعديل أو بتعديل، والخلاف محتدم، والنزاع قائم، ومركزنا كما هو لم نتقدم فيه شبراً - مع أنا واجهنا هذا الأمر منذ احتكاكنا بالمدينة الحديثة، وحرنا في تصرفاتنا فحينا ندرس كثيراً من المواد في مدارسنا بلغة أجنبية وحيناً تأخذنا العزة القومية فنحولها إلى العربية، والنقص كما هو والموقف كما هو

وفي التشريع تغير العالم في معاملاته، فأنتجت المدنية الحديثة أنواعاً من المعاملات عديدة، وأنواعاً من الجرائم جديدة، ونظماً في الحكم والقضاء، فأبى رجالنا إلا أن يقفوا حيث هم، أبوا أن يفتحوا أعينهم لأنواع الشركات إلا ما نص عليه في الكتب القديمة من شركة

ص: 15

مفاوضة ووجوه وعنان، وأبوا أن ينظروا إلى نظام الجمارك إلا ما ورد في كتب الفقه في باب العاشر، وأبوا أن ينظروا في جرائم الكيوف والاختلاس والتزوير إلا ما جاء في باب التعزير فكان من الزمن أن تركهم فيما هم فيه، وسلب من يدهم أوسع أبواب التشريع، وهي ما يتعلق بالمسائل المدنية والعقوبات واستند من قانون نابليون إذ أبى، بالعلماء أن يمدوه بالفقه أو لم يترك في يدهم إلا الأحوال الشخصية إلى حين

وكان موقفنا في الأخلاق موقفنا في اللغة والتشريع، فالمدنية الحديث كان لها من الأثر ما غير قيم الأخلاق، وقلب أوضاعها وطبعها بطابع جديد، ذلك أن أكبر أسس المدنية الحديثة وأهم أركانها الصناعة - ومن أجل هذا قومت الأخلاق من جديد على أساس الصناعة، ورتبت قائمة الأخلاق ترتيباً يتفق والصناعة، فخير الأخلاق النظام، والنظافة، والصدق في المعاملة، والمحافظة على الزمن، والاقتصاد وما إلى ذلك وجعلت هذه الصفات في المنزلة الأولى، ووضع للعمال نظم لحمايتها وترقية شؤونهم من نقابات وجمعيات، وقلبت القائمة التي وضعت في القرون الوسطى رأساً على عقب، فالحياء والتواضع والسماحة ونحوها قل أن تعد فضائل، وإذا سمح بعدِّها ففي ذيل القامة لأنها لا تتناسب مع أخلاق القوة وأخلاق الصناعة، فليس خير الصناع أشدهم حياء وأكثرهم تواضعاً، ولكن خيرهم أقواهم وأمهرهم، وأحفظهم على نظام، وأشدهم مراعاة لموعد وهكذا - وجاء العلم فخدم هذا النظر لأنه رقى الصناعات رقياً عظماً بفضل ما يقدمه لها كل يوم من مكتشف جديد، وبجانب هذا تحكم العلم في تقويم الأخلاق. فغير الأنظار القديمة وجعل المقياس سعادة الناس ورفاهيتهم في الحياة الدنيا، ولم يعبأ بالتقدير المأثور عن السلف، فنظر من جديد إلى الموسيقى والألعاب وسائر الفنون، وحكم بالحسن على ما كان يحكم عليه من قبل بالقبح، وعد كثيرا مما كان قبل إثماً وحراماً وجريمة محمدة وخيراً وفضيلة، ورأى أن ما في حياة القرون الوسطى من رهبنة واعتكاف في الأديرة والتكايا ونحو ذلك، عيشة كسل وخمول لا تتفق وخير الناس (فمن لم يعمل لا يأكل) جرى كل هذا والمسلمون حائرون بين تقاليدهم القديمة وما تقدمه المدنية الحديثة من نظر جديد - والزمن لا ينتظرهم في حل الإشكال واختيار أحد الطريقين، فلما ترددوا جرفهم طوعاً أو كرهاً من غير أن ينظرهم حتى يبتوا فيما يتفق وأخلاق المدنية الحديثة مع تقاليدهمم ودينهم وتاريخهم وما لا يتفق.

ص: 16

ويطول بنا القول لو عددنا كل مرفق من مرافق الحياة وأبنّا ما أصابه من ركود فنجتزئ بما ذكرنا من أمثلة للدلالة على باقيها.

ثارت أوربا في التاريخ الحديث ثورات سياسية وثورات صناعية، كان من نتائجه تغيرها تغيراً كبيراً في القرن التاسع عشر فمن الناحية السياسة حلت الديمقراطية محل الأرستقراطية بما يتبع ذلك من تغير في النظم والتشريع، ومن الناحية الصناعية حلت المصانع الكبيرة والشركات، والسكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات والكهرباء محل المظاهر الساذجة من صناعات يدوية وحمل على الخيل والبغال، واستنارة بالشمع والزيوت، وما إلى ذلك وهذا التغير السياسي والصناعي هو ما نسميه بالمدنية الحديثة. وتبع هذا التغير الداخلي في أوربا، تغير آخر خارجي، فقد اتجهت أفكار قادة الرأي فيهم إلى غزو آسيا وأفريقيا وكان الباعث لها على ذلك جملة أمور، أولها اقتصادي وهي أن تجد لها في الشرق مواد أولية لتغذية صناعتها، وثانيها وطني، وهو أن كل أمة من أمم أوروبا فشت فيها النزعة الوطنية وامتلأت نفوس أهلها حمية، ودفعها ذلك لأن تتطلب كل أمة قوة المظهر داخلاً وخارجاً، ومن أهم ذلك التوسع في الاستعمار وبسط النفوذ، والفخر بلون الخرائط - وثالثها - وهو أقل من الأولين شأناً الدافع الديني فقد دفع قوماً من أوروبا لنشر الدعوة المسيحية في البلاد الإسلامية واستعانوا بالسلطة على حمايتهم

على كل حال - حمل الأوربيون إلى أسيا وأفريقيا مدنيتهم مع فتحهم، وكان لابد لهم أن ينظموا الحال فيهما بما يتفق والنظام السائد عندهم ففي التشريع لابد أن تسود المبادئ القانونية السائدة في أوربا حتى تسهل التجارة ويأمنوا على معاملتهم للشرقيين، ولابد من انتشار المدنية الحديثة بآلاتها وأدواتها حتى تروج في الشرق البضائع الأوربية، ولابد أن يتعلم طائفة من المفتوحين على النمط الأوروبي الحديث، وأن يكونوا هم المتولين المناصب الكبيرة حتى يمكن التفاهم معهم في تسيير الشؤون، وهكذا كان من أثر انتشار هذه المدنية بين المسلمين نتائج كثيرة أهمها فيما يظهر لي أمران - الأول - اختلال التوازن بين الأمم الشرقية عامة والأمم الإسلامية خاصة، وأكبر ما تمنى به أمة اختلال توازنها، ذلك أن المدنية الحديثة بما استتبعها من تغير في مظاهر الحياة الاجتماعية ومن تعديل في قيم الأخلاق، كانت نتيجة لثورات داخلية شبت فيه، وآمال وآلام جاشت في

ص: 17

صدره وتجارب جربها وأخطأ فيها فأصلح خطأه وهكذا كانت حركاته سلسلة متصلة تسلم حلقة منها إلى حلقة، ونسير في التدرج فيها سيراً طبيعياً، أما في الشرق فجاءته هذه المدنية لا من داخل نفسه بل من خارجها، وفرق كبير بين ما دعت إليه الطبيعة وما دعا إليه التقليد - ولاختلال هذا التوازن مظاهر كثيرة فان نظرت إلى القضاء فقضاء شرعي في الأحوال الشخصية يطبق نظم المدنية الإسلامية وقضاء أهلي يطبق نظم أوربا ممصرة وقضاء مختلط يخالفهما، وفي الحياة الاجتماعية نرى قرى لم يتأثر أهلها بالمدنية الحديثة في قليل من شؤونهم ولا كثير، ومدناً تأثرت إلى حد كبير بها حتى في أدق أمورها، ولعل خير ما يمثل مظاهرنا المختلفة المضطربة اختلاف ملابسنا وتعدد أشكالها مما لا يعرف له نظير في أوربا.

وفي التعليم أنواع تتبع الأنماط الإسلامية في عصورها، وأنماط تتبع المدنية الحديثة في مظاهرها وأشكالها، وهكذا فأن أنت نظرت إلى أية أمة أوربية في كل مظاهر الحياة من لغة وتعليم وملبس ومظهر اجتماعي رأيت فيها وحدة رغم الاختلافات السطحية، وان أنت نظرت إلى حياة المسلمين في كل مرفق من هذه المرافق لم تجد هذه الوحدة ووجدت الخلاف في الصميم، نرى نزعات تتجه نحو تاريخهم ودينهم ومدنيتهم القديمة ونزعات تتجه نحو المدنية الحديثة ولا رابطة تربط هذه النزعات - وترى ناحية من نواحي المدنية الحديثة تطغى وتكثر ولا يماثلها ما يقابلها فيطغى - مثلاً - في الشرق لهو أوربا من خمر ورقص وحياة مترفة وهي كثيرة في أوربا كثرة تفوق بمراحل ما في الشرق، ولكنها في أوربا تتعادل وتتوازن، فلهو كثير يزنه جد كثير، وإجرام يوازنه حزم - وعلى هذا النمط يختل التوازن وتفقد الأمة قوتها الحيوية - ولا يمكن أن تصلح هذه الحال إلا إذا توافر جماعة من خير الأمة على دراسة الموقف الاجتماعي للمسلمين والشرق دراسة عميقة مسلحة بما وصل إليه علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، ثم يضعون بعد هذه الدراسة الأكاديمية خططاً للسير في هذا الظرف العصيب ظرف الانتقال، يعرفون الداء ويصفون الدواء، يعلمون مدنيتهم القديمة والمدنية الحديثة، ومعايب كل، ومزايا كل، ويعلمون الحالة النفسية لأممهم وما يناسبهم وما لا يناسبهم ويبينون (خطة الانتخاب) يعرفون مناحي اختلال التوازن وأسبابها ويرسمون طريقة (إعادة التوازن).

ص: 18

والأمر الثاني من نتائج انتشار المدنية الحديثة بين المسلمين أمر يناقض الأول ويكاد يسير سيراً عكسياً معه، ذلك أن انتشار التعاليم الجديدة للمدنية الحديثة واضطرار الأوربيين لتأليف فرقة من المسلمين يتكلمون لغتهم، ويتعلمون مناهجهم، ويتشربون مبادئهم، أمكنت هذه الطائفة من الاطلاع على المبادئ التي تدعو إلى الديموقراطية، وتبث روح الوطنية، فكان من ذلك أن أشربوا روح الثورة - نظروا إلى أممهم بالعين التي نظرت إلى هذه المبادئ فأيقنوا بحقهم في الحياة، وحقهم في الاستقلال، وحقهم أن يساهموا في بناء صرح المدنية، وأن يشاركوا في تحمل أعباء الإنسانية - وزادهم عقيدة في ذلك ما رأوا من أن أوربا تحكم آسيا وأفريقيا على قاعدة مختصرة موجزة واضحة طبيعية، وهي أنها تتجه في تسيير آلات الحكم إلى منفعتها هي، فحيث اتفقت مصلحة آسيا وأفريقيا مع أوربا نفذت المصلحة المشتركة، وحيث اختلفت مصلحة آسيا وأفريقيا مع مصلحة أوربا، فطبيعي أن تنفذ مصلحة أوربا، وقد ينظر في تقدير المصلحة النظر الضيق القريب لا النظر الواسع البعيد - كان من جراء هذا وذاك وجود الاصطدام وشعور الشرق بالغبن، وقيام الطائفة المتعلمة على النمط الحديث ببث روح الوطنية - وعملت هذه الحركة في النفوس سنين وتكفل الزمن بأن يظهر كل حين وآخر حادثة تفتح عيونهم وتقوى شعورهم، فكان القلق في كل مكان في الشرق، في مصر، في تونس، في الجزائر، في مراكش، في فلسطين، في الشام، في العراق، في الهند، في غيرها من البلدان، قلق اقتصادي وقلق وطني وقلق ديني، هذا القلق أنتج وليداً جديداً هو ما وصفته قبل، ماذا ينتهي إليه هذا القلق؟ ماذا يكون شأن هذا الوليد؟ ما تاريخه المستقبل؟ هذه الأسئلة وأمثالها خارجة عن عنوان مقالنا وهي بعنوان (المسلمون غداً) الصق واليق، وكل ما أعمله الآن وأريد أن أقوله عن هذا الطفل أنه (لن يموت).

أحمد أمين

ص: 19

‌وحي الهجرة في نفسي

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

إن التاريخ ليتكلم بلغة أوسع من ألفاظه إذا قرأه من يقرؤه على أنه بعض نواميس الوجود صورت فيها النفس الإنسانية، كيف اعتورت أغراضها، وكيف مدت في نسقها، وكيف تغلغلت في مسالكها، وما تأتي لها فجرت به مجراها، وما دفعها فانحدرت منه إلى مقارها. فهو ليس بكلام تستقبله تقرأ فيه، ولكنه أحوال من الوجود تعترضها فتغير عليك حسك بإلهامها وأحلامها، وتتناولها من ناحية فتتناولك من الأخرى، فإذا الكلمة من ورائها معنى، من ورائه طبيعة، من ورائها سبب وحكمة، وإذا كل حادثة فيها إنسانيتها وإلهيتها معاً، وإذا الوجود في ذهنك كالساعة ترسم لك حد الثانية بخطرتين، وحد الدقيقة من عدد محدود من الثواني، ثم حد الساعة إلى حد اليوم، وإذا البيان في نفسك من كل هذه الحواشي، وإذا التاريخ فيما تقرؤه مفنن في ظاهره وباطنه يفيء عليك من ألفاظه ومعانيه بظلال هي صلتك أنت أيها الحي الموجود بأسرار ما كان موجوداً من قبل.

كذلك قرأت بالأمس تاريخ الهجرة النبوية في كتاب أبي جعفر الطبري لأكتب عنه كلمة في (الرسالة) فلم أكن علم الله - في كتاب ولا في حكاية، بل في عالم انبثق في نفسي مخلوقاً تاماً بأهله وحوادث أهله، وأسرار أهله وحوادثه جميعاً، كما يرى المحب حبيبه، لا يكون الجميل في محل إلا امتلأ مكانه بعاشقه، فهو مكان من النفس والدنيا، لا من الدنيا وحدها، وفيه الحياة كما هي في الوجود بمظهر المادة. وكما هي في الجب بمظهر الروح. وتلك حالة من القراءة بالروح والكتابة بالروح متى أنت سموت إليها رأيت فيها غير المعنى يخرج معنى، ومن لا شيء تخلق أشياء، لأنك منها اتصلت بأسرار نفسك، ومن نفسك اتصلت بأسرارٍ فوقها، فيصبح التاريخ معك فن الوجود الإنساني على الوجه الذي أفضت به الحكمة إلى الحياة لتستمر بالنفس الإنسانية، لا فن علم الناس على الوجه الذي أفضت به الحوادث مما بين الحياة والموت.

نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة واستنبئ على رأس الأربعين من سنه، وغير ثلاث عشرة سنة يدعوا إلى الله قبل أن يهاجر إلى المدينة فلم يكن في الإسلام أول بدأته إلا رجل وامرأة وغلام: أما الرجل فهو هو صلى الله عليه وسلم، وأما المرأة فزوجه خديجة،

ص: 20

وأما الغلام فعلي أبن عمه أبي طالب، ثم كان أول النمو في الإسلام بحر وعبد: أما الحر فأبو بكر، وأما العبد فبلال، ثم اتسق النمو قليلاً قليلاً ببطء الهموم في سيرها، وصبر الحر في تجلده، وكأن التاريخ واقف لا يتزحزح، ضيق لا يتسع، جامد لا ينمو: وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخو الشمس؛ يطلع كلاهما وحده كل يوم. حتى إذا كانت الهجرة من بعد، فانتقل الرسول إلى المدينة - بدأت الدنيا تتقلقل، كأنما مر بقدمه على مركزها فضغطها فحركها، وكان خطواته في هجرته تخط في الأرض، ومعانيها تخط في التاريخ، وكانت المسافة بين مكة والمدينة، ومعناها بين المشرق والمغرب.

لقد كان في مكة يعرض الإسلام على العرب كما يعرض الذهب على المتوحشين، يرونه بريقاً وشعاعاً، ثم لا قيمة له وما بهم حاجة إليه، وهو حاجة بني آدم إلا المتوحشين، وكانوا في المحادة والمخالفة الحمقاء، والبلوغ بدعوته مبلغ الأوهام والأساطير - كما يكون المريض بذات صدره مع الذي يدعوه في ليالي القر إلى مداواة جسمه بأشعة الكواكب؛ وكانت مكة هذه صخراً جغرافياً يتحطم ولا يلين، وكأن الشيطان نفسه وضع هذا الصخر في مجرى الزمن ليصد به التاريخ الإسلامي عن الدنيا وأهلها.

وأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذب وأهين، ورجف به الوادي، يخطوا فيه على زلازل تتقلب، ونابذه قومه وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضاً عليه، والصفق عنه عامة الناس وتركوه إلا من حفظ الله منهم، فأصيب كبيراً باليتم من قومه، كما أصيب صغيراً باليتم من أبويه.

وكان لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض نفسه عليه، ومع ذلك بقيت الدعوة تلوح وتختفي كما يشق البرق من سحابه على السماء، ليس إلا أن يرى ثم لا شيء بعد أن يرى!

فهذا تاريخ ما قبل الهجرة في جملة معناه، غير أني لم أقرأه تاريخاً، بل قرأت فيه فصلا رائعاً من حكمة الإلهية، وضعه الله كالمقدمة لتاريخ الإسلام في الأرض، مقدمة من الحوادث والأيام تحيا وتمر في نسق الرواية الإلهية، المنطوية على رموزها وأسرارها، وتظهر فيها رحمة الله تعمل بقسوة، وحكمة الله تتجلى في غموض، فلو أنت حققت النظر لرأيت تاريخ الإسلام يتأله في هذه الحقبة، بحيث لا تقرؤه النفس المؤمنة إلا خاشعة كأنها

ص: 21

تصلي، ولا تتدبره إلا خاضعة كأنها تتعبد.

بدأ الإسلام في رجل وامرأة وغلام، ثم زاد حراً وعبداً، أليست هذه الخمس هي كل أطوار البشرية في وجودها، مخلوقة في الإنسانية والطبيعة، ومصنوعة في السياسة والاجتماع؟ فها هنا مطلع القصيدة، وأول الرمز في شعر التاريخ.

ولبث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة لا يبغيه قومه إلا شراً، على أنه دائب يطلب ثم لا يجد، ويعرض ثم لا يقبل منه، ويخفق ثم لا يعتريه اليأس، ويجهد ثم لا يتخونه الملل، ويستمر ماضياً لا يتحرف، ومعتزماً لا يتحول، أليست هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية، أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها وثبت عليها، وكانت ثلاث عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفل ولد ونشأ وأحكم تهذيبه بالحوادث حتى تسلمته الرجولة الكاملة بمعانيها، من الطفولة الكاملة بوسائلها؟ أفليس هذا فصلاً فلسفياً دقيقاً يعلم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم، غناه في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضع النافع قبل المنتفع، والمصلح قبل المقلد. وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع؟

ثم أليست تلك العوامل الأخلاقية هي هي التي ألقيت في منبع التاريخ الإسلامي ليعب منها تياره، فتدفعه في مجراه بين الأمم، وتجعل من أخص الخصائص الإسلامية في هذه الدنيا - الثبات على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق؛ والتبرؤ من الأثرة وإن شحت عليها النفس، واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط، ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب، وحمل الناس على محض الخير وإن ردوا بالشر، والعمل للعمل وإن لم يأت بشيء؛ والواجب للواجب وإن لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلاً وإن حطمه كل ما حوله؟

ثم هي هي البراهين القائمة للدر قيام المنارة في الساحل - على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تثبت ببرهان الفلسفة وعلوم النفس أنه روح وغاياتها المحتومة بالقدر، لا جسم ووسائله المتغلبة بالطبيعة، ولو كان رجلاً ابتعثته نفسه لتحمل الحيل لسياسته، ولأحدث طمعاً من كل مطمع، ولركد مع الحوادث وهب، ولما استمر طوال هذه المدة لا يتجه وهو فرد إلا اتجاه الإنسانية كلها كأنما هو هي.

ص: 22

ولو هو كان رجل الملك أو رجل السياسة لاستقام والتوى، ولأدرك ما يبتغي في سنوات قليلة، ولأوجد الحوادث يتعلق عليها، ولما أفلت ما كان موجوداً منه يتعلق به، ولما انتزع نفسه من محله في قومه وكان واسطة فيهم، ولا ترك عوامل الزمن تبعد وهي كانت تدنيه. قالوا إن عمه أبا طالب بعث إليه حين كلمته قريش فقال له. يا أبن أخي، وإن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلِّمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم استعبر صلى الله عليه وسلم فبكى، يا دموع النبوة! لقد أثبت أن النفس العظيمة لن تتعزى عن شيء منها بشيء من غيرها كائناً ما كان، لا من ذهب الأرض وفضتها، ولا من ذهب السماء وفضتها، إذا وضعت الشمس في يد والقمر في الأخرى.

وكل حوادث المدة قبل الهجرة على طولها ليست إلا دليل ذلك الزمن على أنه زمن نبي، لا زمن ملك أو سياسي أو زعيم؛ ودليل الحقيقة على أن هذا اليقين الثابت ليس يقين الإنسان الاجتماعي من جهة قوته، بل يقين الإنسان الإلهي من جهة قلبه؛ ودليل الحكمة على أن هذا الدين ليس من العقائد الموضوعة التي تنشرها عدوى النفس للنفس، فها هو ذا لا يبلغ أهله في ثلاث عشرة سنة أكثر مما تبلغ أسرة تتوالد في هذه الحقبة؛ ودليل الإنسانية على أنه وحي الله بإيجاد الإخاء العالمي والوحدة الإنسانية. أفلم يكن خروجه عن موطنه هو تحققه في العالم؟

ثلاث عشرة سنة، كانت ثلاثة عشر دليلاً تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس رجل ملك، ولا سياسة، ولا زعامة، ولو كان واحداً من هؤلاء لأدرك في قليل؛ وليس مبتدع شريعة من نفسه، وإلا لما غبر في قومه وكأنه لم يجدهم وهو حوله؛ وليس صاحب فكرة تعمل أساليب النفس في انتشارها، ولو كأنه لحملهم على محضها وممزوجها؛ وليس رجلاً متعلقاً بالمصادفات الاجتماعية، ولو هو كان لجعل إيمان يوم كفر يوم؛ وليس مصلح عشيرة يهذب منها على قدر ما تقبل منه سياسة ومخادعة؛ ولا رجل وطنه تكون غايته أن يشمخ في أرضه شموخ جبل فيها، دون أن يحاول ما بلغ إليه من إطلاله على الدنيا إطلال السماء

ص: 23

على الأرض؛ ولا رجل حاضره إذ كان واثقاً دائماً أن معه الغد وآتيه، وإن أدبر عنه اليوم وذاهبه؛ ولا رجل طبيعته البشرية يلتمس لها ما يلتمس الجائع لبطنه؛ ولا رجل شخصيته يستهوي بها ويسحر؛ ولا رجل بطشه يغلب به ويتسلط؛ ولا رجل الأرض في الأرض، ولكن رجل السماء في الأرض.

هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة، قبض عنه أطراف الزمن، وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة، لا تصدر به الأمور مصادرها كي تثبت أنها لا تصدر به؛ ولا تستحق به الحقيقة لتدل على أنها ليست من قوته وعمله. وكان صلى الله عليه وسلم على ذلك وهو في حدود نفسه وضيق مكانه يتسع في الزمن من حيث لا يرى ذلك أحد ولا يعلمه، وكأنما كانت شمس اليوم الذي سينتصر فيها، قبل أن تشرق على الدنيا بثلاث عشرة سنة - مشرقة في قبله صلى الله عليه وسلم.

والفصل من السنة لا يقدمه الناس ولا يؤخرونه، لأنه من سير الكون كله؛ والسحابة لا يشعلون برقها بالمصابيح، ومع النبي من مثل ذلك برهان الله على رسالته، إلى أن نزل قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فحل الفصل، وانطلقت الصاعقة، وكانت الهجرة.

تلك هي المقدمة الإلهية للتاريخ، وكان طبيعياً أن يطرد التاريخ بعدها، حتى قال الرشيد للسحابة وقد مرت به أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.

مصطفى صادق الرافعي

ص: 24

‌5 - صور من التاريخ الإسلامي

الهجرة

للأستاذ عبد الحميد العبادي

كان من أثر الاتجاه المادي الحديث في فهم حوادث التاريخ وتعليلها أن أصبح المؤرخون أشبه شيء بالفلاسفة الكلبيين القدماء الذين كانوا يجردون الإنسان من عاطفة الخير، ويعتقدون أنه أناني بطبعه، لا يصدر عنه الخير إلا رئاء ونفاقاً، ولكن من حسن حظ الحقيقة والفضيلة أن بعض أحداث التاريخ يكذب هذه الدعوى وينقضها نقضاً صريحاً، ولست أجد في التاريخ الإسلامي انقض لتلك الدعوى وأشد تكذيباً من حديث الهجرة التي وقعت زمن النبوة، سواء أكانت هجرة الحبشة أم الهجرة إلى المدينة، ففي كلتا الهجرتين تجد الإخلاص للعقيدة مجسماً محسوساً، والتنزه عن حطام الدنيا واضحاً ملموساً. وإلى القارئ أسواق المقال الآتي توضيحاً لهاتين الهجرتين في ضوء الحياة العامة التي ابتعثتهما وأدت إليهما

لقد حمل الإسلام من أول الأمر على ما كان لقريش من نظم بالية عتيقة حملة عنيفة لا مواربة فيها ولا هوادة. فكان محمد يقرع أسماع قومه بما يتنزل عليه من القرآن ناعياً عليهم وثنيتهم المنحطة، ونظامهم الاجتماعي الذي فرقهم أغنياء وفقراء وسادة وعبيداً، مهجنا تكثرهم بالاحساب والأنساب، مقبحاً طرقهم الملتوية في المعاملات من تطفيف الكيل والميزان وأكل أموال الناس بالباطل. محذراً لهم إن هم أصروا على عتوهم واستكبارهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم عندما أعرضت عما بعث به إليها الرسل من أسباب الهداية والأصلاح.

لم يجب هذه الدعوة التي تكلفت بخيري الدنيا والآخرة إلا فريق قليل العدد وسيط المكانة في المجتمع القرشي. أما الملأ من قريش فرأوها دعوة صريحة إلى الفوضى وقلب الأوضاع. ورأوا في محمد ثائراً يريد هدم النظم التي درجت عليها الجمهورية المكية من قديم. ثم من يدريهم لعلهم إن هم اتبعوه التات عليهم الأمر واضطرب الحبل، فان الهدم عادة أيسر من البناء. تلك كانت حجتهم في عدم متابعته، وهي حجة الجامدين على المصلحين في كل زمان ومكان.

ص: 25

وكان موقف قريش من محمد أول الأمر سلبياً محضاً. ولكن محمداً كان النشاط واللباقة والفصاحة وقوة الخلق مجتمعة، فوجدت قريش نفسها بازاء رجل لا كالرجال، وخصم ليس كغيره من الخصوم، فهي إن لم تعاجله عاجلها، وإن لم تقض عليه قضى عليها. لذلك أخذت تنهج في مقاومته خطة إيجابية تدرجت فيها تدرجاً. فكانت أول الأمر تستهزئ به وبدعوته وبمن اتبعه، فهو شاعر وساحر ومجنون، ودعوته إنما هي محض خداع وغرور، وأتباعه ليسوا إلا أراذلها وسفلتها، ثم جعلت تحاول إعجازه ومعاياته. إن يكن صادقاً فيما يدعى فليحول جبال مكة جناناً وأنهاراً، أو فليكن له بيت من زخرف، أو ليرق في السماء، أو فليسقط السحاب عليهم كسفاً، أو فليأت بالله والملائكة قبيلاً. ثم انتقلوا من هذه المعاياة الدالة على قصر عقولهم إلى التعريض له بالمال والسلطان. فلما أعيتهم فيه الحيل ورأوا وقوف عشيرته دونه أخذوا يفتنون أصحابه بالأذى والعذاب. فمنهم من كان يثبت على رأيه وعقيدته، ومنهم من كان يفتتن من شدة البلاء.

عند ذلك أمر الرسول أصحابه بالهجرة التي هي آخر ما يلجأ إليه المحق الضعيف في مقاومة المبطل القوي. أمرهم بالهجرة إلى أرض الحبشة فهي أرض قديمة الصلة بمكة، وبها ملك نصراني رشيد لا يضام من يلجأ إليه ويحتمي بحماه.

فخرج من مكة في شهر رجب من سنة خمس للنبوة زهاء مائة مسلم ومسلمة، وكلهم جاز البحر الأحمر من الشعيبة إلى بر الحبشة، فتلقاهم النجاشي لقاء حسناً وأذن لهم في المقام بأرضه آمنين على دينهم وأنفسهم. وقد أبى أن يخفر ذمته لهم عندما أرسلت إليه قريش في رد اللاجئين إليه. فلما تبدلت الأحوال بالحجاز وعلا شأن الإسلام به جعل هؤلاء المهاجرون يعودون إلى الحجاز. وكانت عودة بقيتهم إلى المدينة سنة سبع للهجرة أي بعد أن لبثت بأرض الحبشة نحو خمسة عشر عاماً. وقد جزت الرواية الإسلامية النجاشي عن صنيعه هذا بأن اعتقدت إسلامه، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى عليه عندما بلغته وفاته.

ولما رأت قريش خروج من خرج إلى الحبشة من أصحاب محمد أرادت أن تحسم مادة الخطر فاجتمعت كلمة ملئها على حبس محمد وعشيرته من بني هاشم والمطلب في بعض شعاب مكة، وعلى أن يقطعوا كل أسباب الاتصال بينهم وبين جمهور قريش، وقد أنفذت

ص: 26

هذا الحكم، وقضى بنو هاشم والمطلب في الشعب نحو ثلاث سنين قاسوا فيها جهداً جاهداً حتى لقد كان يسمع صوت صغارهم من وراء الشعب وهم يتضورون جوعاً. وأخيراً قام في قريش من عطفته عليهم عاطفة الرحم والقرابة فسعى في إخراجهم من الشعب فأخرجوا

على أن الرسول لم ينعم بتلك الحرية التي سيقت إليه طويلاً. ففي السنة العاشرة للنبوة أصيب بفقد عمه أبي طالب وزوجه خديجة، فخلا الميدان من النصير الذائد، وخلا البيت من الحبيب المؤنس. واصبح محمد وجهاً لوجه أمام عدون حنق عليه كان يترقب فيه الفرصة، فلما امكنت استغلها استغلالا. فجعل يأخذ عليه المذاهب ويعزى به السفهاء يتعمدونه بالأذى والهوان

عند ذلك أخذ الرسول يفكر فيما كان قد أشار به على أصحبه منذ سنين عندما اشتد تحامل قريش عليهم: أخذ يفكر هو أيضاً في الهجرة. لقد دلته تجارب سنوات عشر على أن دعوته توشك أن تذهب بمكة صرخة في واد ونفخة في رماد، وإذا ففيم المقام بواد غير ذي زرع حقيقة ومجازاً؟ فليهاجر! ذلك ما قر عليه رأيه. ولكن على ألا يتخطى حدود بلاد العرب فهو مبعوث إلى العرب أولا والى سائر الناس أخيراً. فليخرج إلى اقرب قرية عربية من مكة؛ إلى الطائف، لعل ثقيفاً تجيره حتى يبلغ رسالته. ولكن ثقيفاً لم تكن أبر به من قريش، فقد أعرضت عن سماع دعوته وضنت عليه بجوارها، ثم زادت فأغرت به سفهاءها، فما زالوا يتعقبونه حتى ألجأوه هو ومولاه زيد بن حارثة إلى حائط من حوائط ثقيف. وهنا - وقد خلا إلى نفسه وربه -. فاضت أشجانه واعتلجت في صدره همومه، فانبعث يناجي ربه (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس! يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي؟ ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)

ثم نهض من مكانه يريد مكة فلم يدخلها إلا في جوار سيد من ساداتها هو المطعم بن عدي. وكف محمد مؤقتاً عن توجيه الدعوة إلى قريش واكتفى بعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج لعل قبيلة تصغي إليه فينتقل إليها ويبلغ دعوته في ظلها وسلطانها. فكانت

ص: 27

القبائل ترد عليه بأنه لو كان صادقاً لاتبعه قومه، إلا ما كان من أمر أهل يثرب. ففي عام 11 للنبوة لقي النبي عند العقبة ستة نفر من الخزرج فعرض عليهم الإسلام فآمنوا وصدقوا، ووعدوا أن ينشروا الدين الجديد في قومهم. تلك بيعة العقبة الأولى. فلما كان العام القابل وافى الموسم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلاً، لقوا النبي عند العقبة أيضاً فبايعوه على بيعة النساء، وذلك قبل أن يشرع القتال (على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف. فأن وفيتم فلكم الجنة، وان غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل، أن شاء غفر، وأن شاء عذب) تلك بيعة العقبة الثاني، وبعث الرسول معهم صاحباً من أصحابه ديِّناً لبقاً فطنه ليفقه القوم في الدين، وفي الوقت نفسه ليخبر أحوال يثرب العامة ويسبر غورها وينهي إلى النبي ما يصل إليه من ذلك. ذلك هو مصعب بن عمير. وقد أدى مصعب بن عمير واجبه أحسن أداء وأتمه، ثم عاد إلى مكة فاطلع الرسول على حال يثرب ومقدار نجاح الدعوة الإسلامية بها. فلما حل موسم الحج وافى مكة جم غفير من الأوس والخزرج، مسلمهم ومشركهم. فواعد المسلمون منهم رسول الله أن يلقوه عند العقبة ليلاً، وقد لقيه منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، فبايعوا الرسول بيعة العقبة الكبرى المشهورة وهي تقوم على تعهد الأوس والخزرج بالدفاع عن الرسول والحرب من دونه. يقول الطبري (فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم، على إنّا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاءنا من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا) وبهذه البيعة أصبح للرسول بيثرب أنصار يؤوونه ويذودون عنه.

لكي ندرك السبب في مسارعة الأوس والخزرج إلى قبول الدعوة الإسلامية ومبايعة الرسول على الدفاع عنه، ينبغي أن نلم بحال يثرب في السنوات السابقة على الهجرة من الناحيتين الدينية والسياسية، فمن الناحية الدينية كانت اليهودية قد حرثت المدينة وأعدتالأنصار لقبول الدعوة الإسلامية، لأنهم أهل كتاب منزل ودين مشروع. وكان الأوس والخزرج يلقفون منهم معنى النبوة والرسالة والوحي ونحو ذلك من المصطلحات الدينية. ثم أن اليهود كانوا كدأبهم يتوقعون ظهور نبي منهم يجمع شملهم ويعيد إليهم سلطانهم يقهر بهم أعداءهم، وكانوا لا يعدمون أن يبوحوا بشيء من ذلك لمواطنيهم من الأوس والخزرج.

ص: 28

قال ابن اسحق عند كلامه على استجابة الأنصار لدعوة النبي في بيعة العقبة الأولى: (وكان مما صنع الله لهم به من الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبياً مبعوث الآن، قد أظل زمانه نتبعه فنقلتكم معه قتل عاد وأرم. فلما كلم رسول الله (ص) أولئك النفر دعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا، والله انه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام)

قد يكون تصوير حالة المدينة السياسية قبيل الهجرة أبلغ من تصوير الحال الدينية في فهم قبول الأنصار دعوة النبي والتزامهم الدفاع عنه ببلدهم. لقد كانت الحياة العامة بالمدينة مضطربة أشد الاضطراب من جراء حرب الأوس والخزرج التي سببها ما كان بين الفريقين من دماء وثارات. وكانت الغلبة بوجه عام في تلك الحرب للخزرج على الأوس، حتى لقد همت الأوس حوالي السنة العاشرة قبل الهجرة أن تجلو عن المدينة جملة، وأخذت تفاوض قريشاً في أن تأذن لها بالنزول عليها بمكة، ولكن قريشاً كانت أحرص من أن تأذن بذلك، فلما طلبت إليها الأوس أن تحالفها على الخزرج أبت أن تتورط في شيء من ذلك أيضاً. فعادت الأوس تلتمس الحلف من يهود يثرب وخاصة قريظة والنضير. وكان اليهود قد وقفوا من تلك الحرب موقف الحياد المطلق، فملا بلغ الأمر الخزرج أرسلت إلى اليهود تحذرهم عاقبة هذا الحلف إن تم، فلما أكد اليهود أنهم غير محالفي الأوس عادت الخزرج تطلب منهم رهناً أربعين غلاماً من غلمانهم يكونون بأيديهم ضماناً لهذا الحياد. فلم يسع اليهود ألا أن يسلموا إليهم الضمان الذي طلبوا. ولكن الخزرج كانت قد قدمت إلى ارض قريظة والنضير وكانت أغنى بقاع يثرب، فأقبلت تتجنى على اليهود وتخير قريظة والنضير بين أمرين كلاهما شر: فإما أن يجلوا عن يثرب وينزلوا لهم عن أرضهم، وإما أن تقتل غلمانهم. فلما رأت اليهود أن الخزرج قد لجت في طغيانها، وان حيادها لن يجر إليها خيراً، عند ذلك خرجت من حيادها وحالفت الأوس صراحة، فقتلت الخزرج الغلمان وعقدت حلفاً مع القبيلة اليهودية الثالثة بالمدينة قبيلة بني قينقاع وبذلك استحالت يثرب عسكرين تشحذ فيهما السيوف وتراش النبال استعداد للواقعة الفاصلة.

ص: 29

وقد وقعدت الواقعة الفاصلة في يوم بعاث الذي كان قبيل الهجرة بنحو خمسين سنين. في ذلك اليوم أديل للأوس وحلفائهم من الخزرج وحلفائهم، وقتل من الفريقين يومئذ عدد كبير من سادات الناس وأشرافهم. جاء في صحيح البخاري عن عائشة:(كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله (صلعم) في دخولهم في الإسلام، فقدم رسول الله صلعم وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم) ويفسر السمهودي هذا الحديث بقوله (ومعناه انه قتل فيه من أكابرهم من كان لا يؤمن أن يتكبر، ويأنف أن يدخل في الإسلام) إلى أن يقول (وقد كان بقي معهم من هذا النمط عبد الله بن أبي بن سلول. . . وكذلك أبو عامر الراهب. . . فشقيا بشرفهما)

ورأى أهل يثرب غداة يوم بعاث أن الحرب مهلكة النفوس متلفة الأموال، وأنها يشقى بها الغالب والمغلوب جميعاً، وأنه أولى بهم أن يقيموا بيثرب حكومة تزع القوى وتأخذ بناصر الضعيف. وكان عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي قد رأى غدر قومه في الحرب فلم يخض غمارها معهم وامتنع من قتل من كان بيده من غلمان يهود، ولذلك اتجهت إليه أنظار القوم وهموا أن يملكوه على يثرب، وأقبلوا ينظمون له الخرز، وكان ذلك شارة الملك عندهم. ولكن يظهر أنه لم تكن هناك رغبة صادقة في تمليكه. أما الأوس فكانت تكره أن يصير الأمر إلى خزرجي مهما تكن فضائله، وأما الخزرج فقد كبر على كثير من أحيائها أن تولي رجلاً وسمها بالغدر وخذلها عند الحرب، فكان بذلك مسؤولاً إلى حد ما عن هزيمتها. وأما اليهود فلا شك في أنها كانت تستنكف أن يلي أمرها مشرك ولو كان ابن أبي نفسه.

فلما لقي حجاج الأوس والخزرج الرسول بموسم الحج وأطلعوا على سيرته وحالته وجدوا فيه ضالتهم المنشودة. فهو وحده الرجل الذي تستقيم على يده حالهم المختلة، وتجتمع على حكومته آراؤهم المختلفة، هو نبي عربي يتنزل عليه الوحي من السماء، وبذلك يحتجون به على اليهود. نعم إنه من الناحية السياسية يعتبر أجنبياً عن يثرب، ولكن حكومته لن تكون أجنبية. أليس الأنصار هم الذين سيكونون عدته ومادته؟ فأي حكومة ليثرب يمكن أن تفضل هذه الحكومة؟ إذن فليعدلوا عن تمليك ابن أبي، وليبايعوا محمداً، وليكن ذلك في غيبة ابن أبي وليكتموا ذلك الأمر عنه كتمان النبي إياه عن قريش.

تلك كانت الحال المعنوية للأنصار عندما بايعوا النبي بيعاتهم الثلاث بمكة. قال بن اسحق

ص: 30

عند كلامه على العقبة الأولى (. . . وقالوا له (للنبي) إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم) وروي ابن إسحاق أيضاً عند كلامه على بيعة العقبة الكبرى (. . . فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال بل الدم الدم! والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم). فالمسألة من ناحية الأنصار لا تعدو أن تكون حلفاً سياسياً قوامه الفكرة الدينية. أما من ناحية الرسول فلم تكن كذلك. فالرسول إنما كان يريد إذ ذاك بلداً يأمن فيه على دعوته وأصحابه، وقوماً يحمون ظهره حتى يبلغ رسالته. وقد أصبح ذلك مكفولاً له بالبيعة الأخير، وإذن فلم يبقى إلا الرحيل من مكة إلى المدينة

ورأى الرسول اغتنام الوقت فأذن لأصحابه في الخروج إلى يثرب في أواخر ذي الحجة من السنة الثالثة عشرة للنبوة. فجعلت جماعاتهم عندما استهل المحرم تخرج من مكة أرسالاً وتنزل على الأنصار في دورهم. فخرج في نحو شهرين زهاء المائتين. وقد أقفرت دور برمتها بسبب الهجرة. من ذلك دور بني مظعون وبني جحش وبني البكير. قال ابن هشام (فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام ابن المغيرة. . . وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة ابن ربيعة تخفق أبوابها يباباً ليس فيها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء ثم قال:

وكل دار وان طالت سلامتها

يوماً ستدركها النكباء والحوب

ثم قال هذا عمل ابن أخي هذا، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا) ولم يبق بمكة من المسلمين إلا النبي وأبو بكر وعلي وإلا من كان مفتوناً أو محبوساً أو مريضاً أو ضعيفاً عن الخروج.

وأحست قريش الخطر الذي أصبح يتهددها من جراء تلك الهجرة وذلك الحلف الذي عقده محمد مع أهل يثرب. فاجتمع ماؤها في دار ندوتها ليقلب الأمر على وجوهه ويصدر فيه

ص: 31

رأياً حاسماً. وهنا افترقت بها الآراء وتشعبت المذاهب، فمنهم من رأى أن ينفى من البلد، ومنهم من رأى قتله. والظاهر أن الرأي الأخير هو الذي اجتمعوا عليه آخر الأمر. وإلى هذه القصة كلها يشير القرآن بقوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ثم رأوا أن يقتلوه بحيث تمتنع على عشيرته المطالبة بدمه فأمروا فتياناً من بطون قريش أن يضربوه ضربة رجل واحد وبذلك يتفرق دمه في القبائل ويرضى بنو هاشم بديته.

ولكن رسول الله كان قد نذر بذلك فأسرع إلى الخروج خفية من داره إلى دار صديقه أبي بكر وكان قد أعد عدة السفر إلى المدينة، دليلاً وظهراً وخادماً وزاداً. وخرج الرسول وابو بكر إلى غار بجبل ثور بقيا به ثلاثة أيام اهتاجت فيها قريش اهتياجاً شديداً وجعلت لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً جعلاً سنياً. والى حادث الغار يشير القرآن بقوله (إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه، لا تحزن، إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز ذو انتقام).

توصف الأرض التي بين مكة والمدينة بأنها حزنة وعرة موحشة، ليس بها ما يرفه عن المسافر في بلاد العرب من ماء أو خضرة ثم هي يشقها طريقان: إحداهما شرقية محاذية لنجد ويجاوز طولها الثلاثمائة ميل بقليل، والأخرى غربية محاذية لساحل البحر الأحمر ويقرب طولها من مائتين وخمسين ميلا. وقد آثر الدليل الذي اتخذه أبو بكر هادياً له وللرسول أثناء السفر سلوك الطريق البحرية. غير انه كان ينحرف يمنة، ويسرة تضليلاً لمن عسى أن ترسله قريش في أثرهم. فخرج بالجماعة من جبل ثور اسفل مكة فبلغ عسفان وهنا أدرك الجماعة سراقة بن مالك طامعاً في قتل الرسول وأخذ جعل قريش، ولكنه وجد نفسه أمام أربعة أشداء فكان قصاراه أن نجا بنفسه بعد أن أعطى الرسول وأصحابه موثقاً ألاّ يدل عليهم. ثم سار الدليل بهم إلى أمج فقديد، فلما قارب بدراً مال بهم يمنة إلى العرج، ثم هبط وادي العقيق الذي يؤدي إلى المدينة. ولكن النبي أمر بأن يكون المسير أولاً إلى قباء قرية بني عمر بن عوف. فبلغها ظهر يوم الاثنين 12 ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة وذلك بعد مسير ثمانية أيام. وأقام النبي ثلاثة أيام بقباء وثق فيها من

ص: 32

حسن استقباله بالمدينة. فما كان يوم الجمعة خرج من قباء إلى المدينة يحف به ملأ بني النجار. وقد لحقه بقباء علي بن أبي طالب بعد أن أدى عن الرسول ما كان للناس عنده من الودائع. ولما اطمأن الرسول بالمدينة انفذ إلى مكة من حمل إليه أهل بيته.

ليس يسيراً على المؤرخ أن يصور مقدار المشقة التي لحقت المهاجرين الأولين من جراء هجرتهم من وطنهم إلى بلد ناء ومعشر غرباء. لقد كان أول مظهر لهذه المشقة أن تأثروا بجو المدينة الوخم لأول قدومهم فاعتلت صحتهم وأصابتهم الحمى وعراهم داء الحنين إلى وطنهم القديم، حتى لقد كان بعضهم يهذي بذلك إذا أخذه دوار الحمى. البلاذري بإسناده عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت (لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مرض المسلمون بها فكان ممن اشتد به مرضه أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة. فكان أبو بكر يقول في مرضه:

كل امرئ مصبح في أهله

والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بفخ وحولي أذخر وجليل!

وهل أردن يوماً مياه مجنة

وهل تبدون لي شامة وطفيل!

وكان عامر بن فهيرة يقول:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه

إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه

كالثور يحمى جلده بروقه

قال فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: اللهم طيب لها المدينة كما طيبت لنا مكة، وبارك لنا في مدها وصاعها).

وتتمثل هذه المشقة كذلك في الفاقة الشديدة التي صار إليها المهاجرون بسبب الهجرة. فقد خلف أكثرهم أمواله بمكة فعدت عليها قريش فاغتصبتها تشفياً من أصحابها. روى صاحب أخبار مكة (انه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح (فتح مكة) ألا تنزل منزلك بالشعب؟ قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً. قال وكان عقيل ابن أبي طالب قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنازل أخوته من الرجال والنساء بمكة حين هاجروا ومنزل كل من هاجر من بني هاشم، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل في بعض

ص: 33

بيوت مكة في غير منزلك. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أدخل البيوت، فلم يزل مضطرباً بالحجون وكان يأتي المسجد من الحجون) ويروي ابن هشام أن عبد الرحمن بن أبي بكر عدا على مال أبيه بمكة بعد هجرته، فلما كان يوم بدر خرج عبد الرحمن مع قريش لقتال المسلمين فناداه أبوه: أين مالي يا خبيث؟ فأجابه عبد الرحمن:

لم يبق غير شكة ويعبوب

وصارم يقتل ضلال الشيب

ويروي ابن هشام كذلك (أن صهيباً حين أراد الهجرة قال له كفار قريش أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريدان تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك: فقال لهم صهيب. أرأيتم أن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم! قال فأني جعلت لكم مالي. قال فبلغ ذلك رسول الله (صلعم) فقال: ربح صهيب! ربح صهيب!) ويروي ابن اسحق أنه (لما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان ابن حرب فباعها من عمرو بن علقمة. . . . فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله (صلعم). فقال له رسول الله (صلعم) ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك اله بها داراً خيراً منها في الجنة؟ قال بلى! قال فذلك لك. فلما افتتح رسول الله (ص) مكة، كلمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه رسول الله (صلعم). فقال الناس لأبي أحمد، يا أبا أحمد! إن رسول الله (صلعم) يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب في الله عز وجل، فأمسك عن كلام رسول الله (صلعم) فيها) ومما يدل على شدة فقر المهاجرين لأول عهدهم بالمدينة أن الرسول عند ما خرج بهم إلى وقعة بدر في السنة الثانية للهجرة دعا الله في رواية الواقدي فقال:(اللهم انهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعاله فأغنهم من فضلك)

من أجل تلك الفاقة كان المهاجرون في السنوات الأولى من الهجرة عالة على الأنصار. وذلك مظهر ثالث للحوق المشقة بهم - نعم إن الأنصار أكرموا وفادتهم كل الإكرام وواسوهم أتم المواساة، ولكن تلك الحال ليس من السهل على كرام النفوس احتمالها. يروي البلاذري أن النبي عندما أراد قسمة غنام بني النضير قال للأنصار:(ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فأن شئتم قسمت هذه فيهم خاصة. فقالوا بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت. فنزلت (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فقال أبو بكر:

ص: 34

جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي:

جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت

بنا نعلنا في الواطئين فزلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا

تلاقى الذي يلقون منا لملت

فذو المار موفور وكل معصب

إلى حجرات أدفأت وأظلت

من أجل تلك المشقة التي نالت المهاجرين الأولين في سبيل الله اعتبر القرآن هجرتهم هجرة إلى الله ورسوله، ومن أجلها جعل أولئك المهاجرين أرفع طبقات المسلمين درجة وأجزلهم مثوبة، وفرض مثل هجرتهم على كل مسلم عند خوف الفتنة ولحوق الضيم، قال تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا. ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً).

أما بعد فلقد وفق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كل التوفيق عندما اتخذ هجرة الرسول من مكة إلى المدينة تاريخاً يحسب منه المسلمون سنيهم وأيامهم، ويؤرخون منه أحداثهم ووقائعهم. انه لا شك قد لحظ في الهجرة أنها بدء رسوخ الإسلام، ولكنا نلحظ فيها فوق ذلك أنها كانت مظهراً رائعاً لعناصر الحياة القوية النبيلة: حياة الألم والتضحية والإخلاص.

عبد الحميد العبادي

ص: 35

‌اشراق الهلال على الوادي

للأستاذ محمد فريد أبو حديد

وقف ربيئة الروم فوق أعلى حصن (بابليون) بجوار مدينة مصر العظيمة، فنظر إلى ما دونه نحو الأهرام عابراً ببصره نهر النيل العظيم فذهب به الخيال إلى الماضي البعيد، وهمت بنفسه سورة خفيفة من الشجن المبهم، وكان الجو كله ممتلئاً بالأشجان والمخاوف لما كانت الدولة تلقاه من جميع الأنحاء من الغارات والأخطار ثم، نظر إلى الشمال نحو مدينة الشمس العظيمة (أون) حاضرة العلوم القديمة ومركز ثقافة الفراعنة، غير أنها لم تكن عند ذلك إلا بقية ضئيلة من نفسها القديمة. ثم نظر إلى الكروم والبساتين التي تكتنف الحصن من شماله حتى تصله بمدينة (أون) فلاح له من بينها غبار ثائر وجرم متحرك. وما زال يحدق في ذلك الغبار وقلبه مضطرب وعقله تساوره الذكريات، والمخاوف تتوارد عليه سراعاً. ثم صاح صيحة النذير فاجتمع حوله جنود الحصن الذين كانوا على مقربة منه يشتركون معه في النظر إلى ذلك الغبار الثائر وما لاح تحته من أجرام متلاحقة متحركة نحو شاطئ نهر النيل. وكان الجنود إلى ذلك الوقت لا يعرفون شيئاً سوى ما يذيعه لهم قوادهم وأمراؤهم، فجعلوا يذهبون مع الخيال مذاهب شتى، فقائل منهم تلك جنود من الفرس عادت لتنتقم من الهزيمة الطاحنة التي لحقت بدولتها على يد هرقل ملك الروم العظيم، وقائل أن تلك قبائل البجة التي اعتادت العيث في جنوب البلاد قد بلغت شمال الوادي لتهبط على ريفه فتسلب منه ما شاءت ثم تعود مسرعة قبل أن يستطيع الروم أن يجمعوا الجيوش للإيقاع بها، ثم قال قائل منهم ممن عركتهم الحروب (أين الفرس اليوم؟ لقد صارت دولتهم في يد جيوش عرب الصحراء كما صارت بلاد الشام. ولقد رأيت بنفسي جيش العرب يأخذ دمشق ويطرد الروم من مروج سوريا، وليس من شك في أن هذا الغبار قد أثارته حوافر خيولهم السريعة).

وأتى عند هذه اللحظة قواد الروم عندما بلغهم الصخب واللغط فنظروا حيث نظر الجنود، ثم نظر بعضهم إلى بعض نظرات صامتة في وجوه مصفرة ثم قال (جورج) كبيرهم للجنود:(هلم أيها الجنود إلى أماكنكم فليس من المباح لكم أن تقفوا إلى جوار الربيئة تشغلونه عن حراسته) فانصرف الجنود طائعين وقلوبهم غير راضية وعقولهم غير

ص: 36

مطمئنة، ثم مضى القواد إلى ناحية من سور الحصن وجعلوا ينظرون إلى الأشباح المتحركة والغبار الثائر في ضوء الغروب الخافت.

ثم قال (جورج) القائد الأعلى للحصن (أيمكن أن يكون هؤلاء العرب قد غلبوا جنود الدولة التي أرسلت إليهم وبلغوا هذه الجهات في شهر واحد؟ وماذا فعل (إريطبون)؟ وماذا فعل تيودور؟) فقال أحد القواد، وكان أقربهم إليه:(لقد شهدت حرب هؤلاء في مواطن كثيرة، إنهم يخرجون إليك كأنهم سراب الصحراء لا تدري من أين جاءوا، ثم تراهم ينصرفون عنك حتى لا تسمع عنهم شيئاً فكأنهم غاصوا في رمال الصحراء. ثم ما يلبثون أن يعودوا إليك وأنت لا تتوقع عودتهم كأنهم أشباح لا تعوقهم مادة هذه الأرض).

ثم أرخى الليل سدوله ولم يأت بعد نبأ عن فعل تلك الأشباح المتحركة، وطلع صباح اليوم التالي فإذا بالأرض الشمالية على عهدها ليس فيها غبار ثائر ولا أشباح متحركة، فكأنما كان منظر المساء الغابر من صور الخيال واختراع الوهم. إلا أن زوال ذلك اليوم حمل إلى الحصن بقية من جرحى قرية (أم دنين) التي على شاطئ النهر وفلا من مسلحة الحصن التي هزمها الجيش البدوي المغير. غير أن ذلك الجيش لم يبق بعد ذلك طويلاً على الشاطئ بل عبر النهر واختفى في الأفق الغربي. فتعجب القائد (جورج) عندما بلغه هذا، وعرف أن قائده الذي وصف له حرب العرب كان يصفهم عن خبرة وعلم. لقد ظهر جيش العرب في شمال الحصن كأنه شبح خيال ثم اختفى كذلك كأنه شبح خيال. ولكن متى يعود؟ ومن أي جهة يطلع بعد عليهم؟

تواردت إلى الحصن بعد ذلك الإمداد الكثيرة من جميع أنحاء مصر تعزيزاً لحصن الحصون الذي يدافع عن قلب البلاد مدينة (مصر)، وأجاب قواد الأطراف على استصراخ (جورج) قائد الحصن بأن بعثوا إليه ما استطاعوا بعثه من الجنود المجهزة ليطردوا ذلك الجيش الذي لاح ثم اختفى، وتجهز المقوقس العظيم ليسير بنفسه من الإسكندرية إلى مركز البلاد، ليكون وجوده حافزاً لهمة الجنود، وليكون على مقربة من الأعداء لعله يستطيع بما أوتي من بلاغة ومكر أن يصرفهم عن البلاد.

ومرت الأيام سراعاً وراجت الأخبار المتضاربة عن الغزاة، وأتت بعض أنباء تلك الكتيبة الصغيرة من فرسان الصحراء، فإذا بالقائد الشجاع (حنا) الذي كان معبود جيش الروم

ص: 37

بالفيوم يقتل في بعض المواقع منذ دفعته شجاعته للقاء جيش العرب. وترددت أنباء ذلك بين القواد والجنود فإذا هم في حصن بابليون حلقات يتهامسون عن هذا العدو المغير ويتساءلون عن كنهه وحقيقة أمره، وكان بين جنود الروم وقوادهم من رأى حروب الآفار والبلغار والفرس، وكان منهم من قرأ أخبار الأمم الماضية ممن أغار على دولة الرومان في القرن الماضي من اللمبرديين والوندال والقوط. وما كان أفظع تلك الأمم التي أغارت في تلك القرون على أراضي الدولة الرومانية! فقد كانوا لا يعرفون في الحرب هوادة ولا رحمة، ولا يخضعون لقانون خلقي أو ديني. فقد حكى عن (البوين) ملك اللمبرديين أنه هزم في بعض حروبه قبيلة الجبيدي وقتل رئيسهم والد (روزاموند) الجميلة، ثم اتخذ تلك الابنة الجميلة زوجة له واحتفل بزواجه منها احتفالاً وحشياً، وجعل يشرب الخمر في كأس جميلة - وأي كأس أجمل من جمجمة عدوه والد عروسه الجميلة؟ حقاً ما كان أفظعه وأفظع قومه! ولقد دخل الوندال بلاد غاله ثم بلاد أفريقية، وكان الروم يعرفون مقدم هؤلاء الوندال بما يرتفع من لهيب النيران فوق آفاقهم. فكان هؤلاء الوندال يجتاحون بلادهم كما تجتاح العواصف والحرائق السهول الفيحاء فتتركها قاعاً صفصفاً، أيكون العرب كبعض هذه الأمم؟

مضى أشهر ثم عادت كتيبة العرب من الأفق الغربي فعبرت نهر النيل مرة أخرى، وظهرت لربيئة الروم من خلال البساتين والكروم التي بين الحصن ومدينة (أون)، وكان الروم قد اجتمعوا في العدد والعدة في حصنهم العظيم (بابليون)، فما أسرع أن تدفقت جموعهم نحو الشمال لتحيط بتلك الكتيبة وتهلكها. وهل كان هؤلاء العرب ليقووا على صدمة جيش عظيم كهذا؟

وقع الاصطدام أخيراً عند مدينة (أون). وماذا دهى القوم؟ فان هي إلا جولات، فإذا بجيش الروم يتردد في سيره، ثم إذا به يرتد نحو شاطئ النهر. ثم ها هي ذي كتيبة عربية تخرج إليه من شاطئ النهر كأنها تنقذف عليه من أعماقه. وها هو ذا الجيش العظيم يتردد مرة أخرى ثم يتفكك ثم تتدافع جموعه نحو الجنوب يحاول كل فرد منهم أن يبلغ الحصن قبل أن تأخذه سيوف العرب اللامعة. ومرت الأيام بعد ذلك فإذا بالروم قد دخلوا حصنهم وأغلقوا أبوابه الضخمة، وإذا بالعرب حول الحصن العظيم يتطلعون إليه ولا يدرون كيف

ص: 38

يسمون فوقه. وأراد المقوقس العظيم أن يعرف حقيقة أمر هؤلاء المغيرين لعله يعطيهم بعض مال فيرتدوا عنه، فقال له أحد القواد:(دع عنك هذا فما هم بمن يأتي من أجل الذهب حتى إذا ما بذل لهم ذهبوا به عنا) وجعل يقص عليه قصته مع رجل من هؤلاء العرب رآه يوماً واقفاً وحده يصلي، فهبط إليه من الحصن مع جماعة من الروم، فترك العربي الصلاة وأقبل إليهم كأنه الصخرة الثقيلة التي تنحدر من عل لا يتردد ولا يلتفت إلى شيء، فهربوا منه حتى أنهم رموا إليه بمناطقهم الذهبية ليلهوه بها فلم يلو على شيء منها، ولم ينجهم منه إلا أن بلغوا الحصن وأغلقوا بابه دونه، ورموه بالحجارة من فوقه. فارتد ولم يلتفت إلى تلك المناطق الذهبية، بل عاد إلى موضعه ليتم ما كان فيه من الصلاة وتركهم يخرجون من حصنهم لاسترجاع مناطقهم ثم يعودون على حذر

تعجب المقوقس العظيم، وأراد أن يستطلع حقيقة الأمر فبعث بجماعة من الروم رسلا إلى قائد القوم فرأوا من هؤلاء المغيرين ما لا عهد للروم به من قبل. قال الرسل:(رأينا قوماً، الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة. إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم. ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد منهم من العبد. وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد. يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم).

لم يكن هذا شأن شعب من شعوب الهمج الذين افترسوا اطرف الدولة الرومانية. وهذه أول مرة يجتمع فيها إلى الاستهانة بالحياة والشجاعة التي لا تعرف خوفاً، خلق متين ونظام لا ينفك منه أحد. ومن ذا يستطيع أن يقاوم شعباً اجتمع له هذان الوصفان؟

كان أعظم ما يخشاه الروم في مصر أن يعرف شعب مصر حقيقة هؤلاء العرب، فلو أنهم عرفوا العرب لأمنوا إليهم، ولو أمنوا إليهم لأصبح الروم ولو كثر عديدهم غرباء عن الأرض قد فقدوا الناصر والتابع. غير أن شعب مصر ما لبث أن عرف الحق واتصل بهؤلاء المحاربين، فلقد كانوا في سيرهم لا يسيرون سير الجيوش المغيرة المدلة المتكبرة المفسدة، بل كان الطفل آمنا بينهم، والمرأة لا يلحقها أذى من نظرة أحدهم. إذ كانت عداوتهم لجيش الروم لا لأهل مصر، بل إن أهل مصر كانوا موضع وصية خليفتهم ووصية نبيهم الكريم، ومنذ رأى أهل مصر ذلك صاروا حلفاء لهم على أولئك الروم الذين

ص: 39

طالما طغوا وبغوا وظلموا وعسفوا وأحرقوا وعذبوا ولم يرعوا في رعيتهم ما كان في أعناقهم من أمانة. وما هو إلا عام حتى كان العرب على انتظار تسليم الإسكندرية ذاتها بعد أن دان لهم داخل البلاد.

وكان الحاكم العربي عمرو بن العاص لا يدع فرصة لتذكير جنوده بما عليهم من الواجب نحو أهل البلاد التي حلوا بها، وكأننا به يتطلع بخياله القوي نحو ذلك اليوم الذي يمتزج فيه قومه الصحراويون بقبط مصر، وينشا من ذلك الامتزاج شعب جديد يقوم على إنشاء مدنية جديدة. وقف عمرو يخطب في قومه عند حلول الربيع وقت ذهاب العرب إلى الريف ابتغاء أن يصيبوا من خيراته لأنفسهم ولخيولهم. وقال عند ذلك في خطبته:(واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإياكم والمسومات المعسولات. . . حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لكم منهم صهراً وذمة، فكفوا أيديكم وعفوا فروجكم وغضوا أبصاركم. . .))

ولقد سار العرب على وصية قائدهم الحكيم فلم يشك أحد من أهل مصر اعتداء على شرفه ولا انتهاكاً لحرمته.

ولقد كان عمرو عفيفاً في حكمه عن العسف والخبط حتى لقد وقف في وجه عمر بن الخطاب نفسه دفاعاً عن سياسته المالية الرحيمة، ثم عزل عن مصر في أيام عثمان دفاعاً عن تلك السياسة عينها. وكانت سياسة العرب على تقلب الأيام واختلاف الدول مدى القرنين الأولين من بعد الفتح سياسة اعتدال ورفق، تسمع ذلك متردداً على لسان أساقفة القبط الذين تركوا لنا في دواوينهم ذكراً من تلك الأيام.

قال أحدهم عندما عاد بنيامين بطريق القبط آمناً بعد أن هرب ثلاثة عشر عاماً من اضطهاد الروم: (الحمد لله الذي أنجاك من الكفرة (الروم)، وحفظك من الطاغية الأكبر الذي شردك فعد إلى أبنائك تراهم ملتفين حولك مرة أخرى).

ونقل عن بنيامين البطريق الأعظم للقبط انه قال يصف عودته عند فتح العرب: (كنت في بلدي وهو الإسكندرية فوجدت بها أمناً من الخوف، واطمئناناً بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة (الروم) وبأسهم) (وقد فرح القبط كما يفرح الاسخال إذا ما حلت لهم

ص: 40

قيودهم، وأطلقوا ليرتشفوا من لبان أمهاتهم).

وقال الأسقف حنا النقيوسي: (لقد تشدد عمرو في جباية الضرائب التي وقع الاتفاق عليها، ولكنه لم يضع يده على شيء من ملك الكنائس، ولم يرتكب شيئاً من النهب أو الغصب، بل أنه حفظ الكنائس وحماها إلى آخر مدة حياته).

وقد ورد في كتاب الأستاذ بتلر (فتح العرب لمصر) في وصف دخول المصريين في دولة العرب: (فقد خرجوا من عهد ظلم وعسف تطاول، وآل أمرهم بعد خروجهم منه إلى عهد من السلام والاطمئنان، وكانوا من قبل تحت نيرين من ظلم حكام الدنيا واضطهاد أهل الدين، فأصبحوا وقد فك من قيدهم في أمور الدنيا، وأرخى من عنانهم. وأما دينهم فقد صاروا فيه إلى تنفس حر وأمر طليق).

وإذا كان قبط مصر قد دخلوا في الإسلام أفواجاً حتى صار الإسلام دين الكثرة في البلاد، فما ذلك إلا ميل الطبيعة نحو وحدة قوم هم بطبيعة حياتهم ذاتها لا يستطيعون إلا أن يكونوا شعباً واحداً متجانساً. ولقد بقيت من القبط بقية عظيمة في دلالتها، عظيمة بما يجري في عروقها من دم مصر القديمة، وإذا كان دينها دين المسيح، ودين سائر أهل مصر الإسلام، فان ذلك لا يفرق بين طائفتين تجمع بينها أسباب الحياة وأواصر الاخوة. وأن الأسماء إذا اختلفت، والمظاهر إذا لاح عليها شيء من التباين، فان الدماء التي تجري في العروق ترجع إلى منبع واحد وجرثومة قديمة شهدت عصور ما قبل التاريخ.

محمد فريد أبو حديد

ص: 41

‌الهجرة

رواية في فصل واحد وسبعة مناظر

للأستاذ توفيق الحكيم

إني أشهد أن محمداً نبي كريم

إني أشهد أن محمداً بشر عظيم

إني أسجد للعظمة والنور

وما صفحاتي إلا إشهاد وسجود.

توفيق الحكيم

المنظر الأول

كان النبي (ص) جالساً وحده في المسجد وأشراف قريش مجتمعون عن كثب يتهامسون. . . .

قريش - ما الرأي في محمد؟ إن عمه أبا طالب يمنعه وينصره علينا

عتبة بن ربيعة - أجل، ولا قِبل لنا بأبي طالب

أبو جهل - إني لأخشى أن يتابع محمداً بعض رؤوس القوم فيعز ويمتنع ويفشو أمره في القبائل

أبو سفيان - ما أحسبه يا أبا الحكم إلا نائلا منا إن تركناه فيما هو فيه

قريش - وما الرأي؟

عتبة (تبدو له فكرة)

يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟

قريش - بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه

(يقوم عتبة إلى رسول الله ويجلس إليه. . . .)

عتبة (للنبي)

يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد

ص: 42

أتيت قومك بأمر عظيم: فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وكفرت به من مضى من آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.

محمد - قل يا أبا الوليد، أسمع

عتبة - يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد به شرفاً، سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الوحي الذي يأتيك رئيَّاً تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.

(يسكت عتبة وينظر إلى النبي)

محمد - أقد فرغت يا أبا الوليد؟

عتبة - نعم

محمد - فاستمع مني

عتبة - أفعلُ

محمد (يلتو)

بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصَّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون. قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ، إنما إلهكم إله واحد، فاستقيموا إليه واستغفروه، وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون. . .

؟

عتبة (ينصت ويلقي يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه. . .)

محمد (يمضي فيها يقرؤها عليه)

ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون. قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي

ص: 43

دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم. فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألاَّ تعبدوا إلا الله، قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أُرسلتم به كافرون، فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون. . .

(ينهي رسول الله إلى السجدة منها فيسجد. . . .)

عتبة - (مأخوذا كأنما على رأسه طائر واقع. . . . . . . . . . . .)

؟

محمد - قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك

عتبة - (يقوم إلى أصحابه صامتا)

؟

أبو جهل (لقريش ناظرا إلى عتبة مقبلا عليهم)

أحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به

عتبة - (يجلس إليهم ساكناً)

أبو جهل - ما وراءك يا أبا الوليد؟

عتبة - (في صوت متغير)

ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه

(قريش يعروها دهش ويصمت الجميع)

أبو جهل - (ينتبه ويرفع رأسه ملتفتاً إلى عتبة. . .)

سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه

ص: 44

عتبة - والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ

قريش - أهذا رأيك فيه؟

عتبة - هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. . .

المنظر الثاني

(بعد غروب الشمس. . . . . أشراف قريش عند ظهر الكعبة)

أمية بن خلف - هل بعثتم إليه؟

أبو سفيان - نعم، لقد بعثنا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك

أمية بن خلف - أجل، ابعثوا إليه فكلموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه

أبو جهل - لن يستطيع اليوم أن يسحرنا بحديثه كما سحر أبا الوليد

أبو سفيان (ينظر)

ها هو ذا مقبلا سريعاً

أمية - (ينظر)

أرى في وجهه المستبشر أنه يظن أن قد بدا لنا فيه بداء

(رسول الله يحضر ويجلس إليهم مستبشراً طامعاً في إسلامهم)

أبو سفيان - (لأبي جهل)

كلمه أنت يا أبا الحكم

أبو جهل - (لرسول الله)

يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام. فأن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وان كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وان كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك

(يسكت وينظر إلى النبي)

محمد - ما بي ما تقولون. ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك

ص: 45

عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل على كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم

قريش (تتهامس)

انه غير قابل

أبو جهل - يا محمد إن كنت غير قابل شيئاً مما عرضناه عليك فانك تعلم أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فان صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول

محمد - ما بهذا بعثت اليكم، انما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم

قريش (تتهامس)

انه والله غير فاعل

أبو جهل - فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك

أبو سفيان - وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة، يغنيك بها عما تراك تبتغي، فانك تقوم بالأسواق كما نقوم، تلتمس المعاش كما نلتمسه

أمية - نعم، فليجعل لك قصوراً وكنوزاً حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم

محمد - ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وأن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم

ص: 46

قريش (تتهامس)

فليرنا ما يتوعد

أبو جهل - أسقط السماء علينا كسَفا كما زعمت، فان ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل

محمد - ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل

أبو سفيان - يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟

أبو جهل - يا محمد، أنه قد بلغنا أنك أما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا؛ فقد أعذرنا إليك، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا

أمية - نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله

أبو سفيان - لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا

محمد (يقوم عنهم يائسا)(ويقوم معه عبد الله بن أبي أمية)

؟

عبد الله - يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن أخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أوآمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلّما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وايم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك

محمد - (ينصرف حزيناً آسفاً)

؟

أبو جهل - يا معشر قريش، إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به

ص: 47

رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم

الجميع - والله لا نسلمك لشيء أبداً، فامض لما تريد

المنظر الثالث

أبو طالب (وقد حضره الموت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)

أبو طالب - شربةَ ماء

العباس (على رأسه يسقيه)

؟

أبو طالب (يلتفت)

من هذا؟

العباس - أين؟

أبو طالب (يشير إلى الباب)

؟

العباس (يتوجه إلى الباب ينظر ثم يعود)

هو أبو جهل في رجال من أشراف قومه، ما أحسبهم إلا يمشون إليك في أمر محمد ابن أخيك

أبو طالب - أدخلهم عليّ

العباس (يدخلهم)

؟

أبو جهل - يا أبا طالب، انك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه

أبو طالب (يشير إلى العباس أن يبعث إلى محمد)

؟

العباس (يخرج في طلبه ثم يعود)

لقد جاء محمد

ص: 48

(يدخل رسول الله)

أبو طالب (للنبي)

يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك

محمد - نعم يا عم، كلمة واحدة يعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم

أبو جهل - نعم وأبيك وعشر كلمات

محمد - تقولون، لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه

(يصفق القوم بأيديهم)

أبو جهل - أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحداً؟ إن أمرك لعجب

أبو سفيان (يتهيأ للانصراف مع بعض القوم) والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه

(يتفرقون ويخرجون)

أبو طالب (للنبي بعد خروج قريش) والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا

محمد (ناظرا إليه طامعاً في إسلامه)

أي عم، فأنت فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة

أبو طالب - يا ابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. . . .

(يقترب منه الموت)

العباس أخي. . . .

أبو طالب - من هذا؟

العباس - أين؟

أبو طالب - (يغمض عينيه ويحرك شفتيه)

؟

العباس (ينحني عليه، ويصغي إليه بأذنه ثم يهمس إلى رسول الله. . .)

يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها

محمد - لم أسمع

ص: 49

المنظر الرابع

(بيت النبي في مكة)

بلال - (يدخل باكياً)

؟

جارية - ويحك يا بلال. ما بك؟

بلال - قاتلهم الله

الجارية - ما يبكيك يا بلال؟

بلال - قاتلهم الله

الجارية - من هم؟

بلال - أغروا أحد سفهائهم فاعترض رسول الله وحثا على رأسه التراب

الجارية - التراب؟

بلال - نعم

الجارية - قريش؟

بلال - نعم. هي قريش صنعت هذا

الجارية - نعم، اليوم

بلال - واحزناه عليك يا أبا طالب. من ذا يمنع اليوم النبي وينصره؟

الجارية - (ترى إحدى بنات النبي مقبلة)

صه ودع البكاء عنك يا بلال

بلال - (يرى النبي مقبلا)

رسول الله. . .

(ثم يكفكف دمعه سريعاً)

محمد - (يدخل والتراب على رأسه)

ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب

ابنته - (تبكي)

؟

ص: 50

(ثم تأتي بماء وتغسل عن النبي التراب. . . .)

محمد - لا تبكي يا بنية، فان الله مانع أباك

المنظر الخامس

(في الطائف. النبي في نفر من سادة ثقيف وأشرافهم على مقربة من حائط لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وهما فيه ينظران)

عتبة - (يهمس)

ما جاء به إلى الطائف؟

شيبة - ما أحسبه إلا جاء يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه

عتبة - قريش؟

شيبة - نعم، ما كان أحد يمنعه وينصره على قريش إلا عمه أبو طالب، فلما هلك عمه نالته قريش من الأذى بما لم تكن تطمع به في حياة عمه

عتبة - وهل تحسب ثقيفاً ناصرة إياه؟

شيبة - إن لم تنصره ثقيف فلا ناصر له

عتبة - (يلتفت إلى ناحية القوم)

انظر يا شيبة. انه جلس إلى أشراف ثقيف يدعوهم إلى ربه الذي يحدث عنه. وما أرى في وجوه القوم إلا استهزاء به وبما يقول

شيبة - (ينظر)

سمع. هذا مسعود بن عمرو يدنو منه

مسعود - (يدنو حقيقة من النبي)

أني أمرط ثياب الكعبة ان كان الله أرسلك

عتبة - (لشيبة همساً)

أسمعت؟

شيبة - (هامساً)

سمعت

عتبة - (همساً)

ص: 51

أرى وجهه قد تغير

شيبة - هذا أيضاً عبد ياليل بن عمر يدنو منه

عبد ياليل (يدنو من النبي)

أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟

عتبة - (هامساً)

انهم يغلظون له

شيبة - صه. هذا حبيب بن عمرو يدنو منه كذلك ليقول له شيئاً

حبيب - (للنبي)

والا لله اكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك

محمد - (يقوم وقد يئس منهم)

عتبة - انظر يا شيبة، انه قد قام

شيبة - ما أراه إلا بائساً حزيناً

عتبة - انه يريد أن يقول لهم شيئاً، اسمع

محمد - (للقوم)

إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني

عتبة - (هامساً)

ماذا يريد بهذا؟

شيبة - لعله يكره أن يبلغ قومه عنه خذلان ثقيف له فيذئرهم ذلك عليه

(صياح وأصوات).

عتبة - ما هذا الصياح؟

(ينظر)

انظر هؤلاء ناس وعبيد تصيح به

شيبة - (ينظر)

ما أحسب إلا أن القوم قد أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به.

ص: 52

عتبة - انظر لقد اجتمع عليه الناس وهو لا يستطيع منهم فرارا

شيبة - ما أرى إلا أنه سيلقى منهم أذى كثيرا

عتبة - أنه مقبل علينا

شيبة - أنهم يسدون عليه السبيل

(الصياح يقترب)

عتبة - لقد ألجأوه إلى حائطنا

شيبة -، أجل، ها هو ذا يسقط إعياء

(النبي قد عمد حقيقة إلى ظل حيلة من عنب فجلس فيه وقد رجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف. . .)

عتبة - أي هوان يلقى هذا الرجل من أهل الطائف!

شيبة - أتحركت له رحمتك يا عتبة؟

عتبة - (ينظر إليه)

اسمع. إصغ. انه يقول شيئاً

محمد - (وقد اطمأن قليلاً بعد ذهاب الناس عنه. . .)

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ أن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك

عتبة - (همساً لأخيه شيبة)

أسمعت؟

شيبة (مأخوذا)

نعم!

عتبة - أيمكن أن يكون مثل ذلك الرجل كذاباً؟

شيبة - ويحك يا عتبة!

ص: 53

عتبة (ينادي غلامه همساً)

يا عداس!

عداس - لبيك!

عتبة - خذ قطفاً من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه

عداس (؟ يسارع إلى ما أمر به)

شيبة (ينظر إلى وجه أخيه)

ما حملك على هذا؟

عتبة (ينظر إلى النبي)

انظر يا شيبة، إن عداساً قد أقبل بالطبق ووضعه بين يديه

عداس (للنبي)

كل!

محمد (يضع يده في الطبق)

بسم الله!

(ثم يأكل)

عداس (ينظر في وجه النبي)

والله أن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلاد

محمد - ومن أهل أي البلاد أنت؟ وما دينك؟

عداس - نصراني. وأنا رجل من أهل نينوى

محمد - من قرية الرجل الصالح يونس بن متي

عداس - وما يدريك ما يونس بن متي؟

محمد - ذاك أخي. كان نبياً وأنا نبي

عداس - (يكب على رسول الله يقبل رأسه ويديه وقدميه. . .)

؟

عتبة - (هامساً لشيبة)

ص: 54

أرأيت؟

شيبة - نعم

عتبة - وما تقول في هذا؟

شيبة - أما غلامك فقد أفسده عليك

عداس (يقبل عليهما)

؟

عتبة - ويلك يا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟

عداس - يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي

شيبة - ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فان دينك خير من دينه

عداس - إن مثل هذا لا يمكن أن يحتمل ما لقي إلا في سبيل الحق، ولا أن يثبت على دينه بعد كل هذا إلا أن يكون دينه دين الحق

المنظر السادس

(دار الندوة التي تجتمع فيها قريش للمشاورة. إبليس في ثياب شيخ نجدي جتيل يدخل الدار وهي خالية فتلقاه حية تظهر في الحائط)

الحية - (تصيح به)

إبليس في لبوس شيخ من نجد؟

إبليس - لا تصيحي أيتها الصئيلة

الحية - ماذا جئت تصنع في دار الندوة؟

إبليس - أريد محمدا

الحية - تريد به الهلاك

إبليس - أريد لنفسي الحياة

الحية - ماذا صنع بك؟

إبليس - سيغير وجه الأرض!

الحية - كيف؟

إبليس - نور يخرج من قلبه يضيء الأرض

ص: 55

الحية - وما يضيرك هذا؟

إبليس - يعمي بصري هذا النور

الحية - أطفئه من قلبه

إبليس - لا سلطان لي على مثل هذه القلوب

الحية - قلب لا ككل القلوب، إني لأذكر أمره، لقد أتاه الملكان وهو صغير بطست من ذهب مملوءة ثلجاً فأخذاه فشقا بطنه واستخرجا قلبه، فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قبله وبطنه بذلك الثلج حتى أنقياه. . .

إبليس - العلقة السوداء!

الحية - تلك رسولك في كل قلب

إبليس - تبا له، تبا له

الحية - كما كنت أنا رسولك إلى أول قلب

إبليس - حواء؟

الحية - ذاك يوم ملعون إلى أبد الآبدين

إبليس - أتندمين؟

الحية - ماذا جنيت من كل هذا؟

إبليس - قلت لك: تلك حياتي

الحية - حياة ملعونة في كل زمان

إبليس - ويل للنفاق! ويل للنفاق!

الحية - نفاقك

إبليس - بل نفاق من يلعننا

الحية - كنت أود أن تفتن غيري

إبليس - أود أن أفتن هذا الرجل

الحية - انك تقول أن لا سبيل لك عليه

إبليس - تبَّاً لي!

الحية - أنه ليس كغيره من الناس

ص: 56

إبليس - تبا له!

الحية - لقد وزنه الملكان وهو صغير بعشرة من أمته فوزنهم، ثم وزناه بمائة من أمته فوزنهم، ثم وزناه بألف من أمته فوزنهم: فقالا والله لو وزناه بأمته كلها لوزنها

إبليس - صه. انهم قادمون

الحية - من هم؟

إبليس - ادخلي جحرك. ولأتخذن لغة القوم

(الحية تختفي ويقف إبليس بباب الدار ويدخل أشراف قريش)

أبو سفيان (لابليس)

من الشيخ؟

ابليس - شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، عسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح

أبو جهل - أجل فادخل

(إبليس يدخل معهم ويجتمعون في دائرة. . .)

أبو سفيان - تكلم يا أبا الحكم

أبو جهل - إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا

أمية بن خلف - احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهير أو النابغة ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم

إبليس - لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره

أبو سفيان (يتفكر قليلا)

نخرجه من بين أظهرنا فتنفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت

ص: 57

إبليس - لا والله ما هذا لكم برأي. ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم في بلادكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد. دبروا فيه رأياً غير هذا

أبو جهل (بعد تفكير)

والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد

أبو سفيان - وما هو يا أبا الحكم؟

أبو جهل - أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً فتى جليداً نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فانهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم

إبليس (مبتهجاً)

القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره

(يتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. . .)

المنظر السابع

(ليلة الهجرة. . . . النبي في داره. . .)

جبريل (للنبي)

لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه

(يرتفع الملك)

علي بن أبي طالب (يدخل هامساً)

ألمح في عتمة الليل رجالاً قد اجتمعوا على بابك، ما أحسبهم إلا يرصدونك حتى تنام فيثبون عليك

محمد - نم على فراشي والتف ببردى هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فانه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم

(علي يفعل ما أمره به النبي)

ص: 58

أبو جهل - (يهمس بين الرجال على باب النبي)

أكره أن يفلت منا الليلة كما أفلت مني يوم احتملت الحجر أري فضخ رأسه في المسجد

أمية (هامساً)

وكيف أفلت منك يومئذ؟

أبو جهل (هامساً)

ما أدري والله. لقد أقبلت نحوه حتى إذا دنوت منه رجعت مرعوباً وقد يبست يداي على حَجري حتى قذفته من يدي، فقد عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني

أمية - سحرك والله يا أبا الحكم

أبو جهل - إن كان قد سحرني يومئذ فما أحسبه يستطيع ذلك الليلة معكم جميعاً

أمية - أرى أنه قد نام

أبو سفيان (يتطلع إلى مكان النبي)

انه نائم في برده الأخضر الذي ينام فيه

أبو جهل - إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وان لم تفعلوه كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم ناراً تحرقون فيها

(رسول الله يخر عليهم آخذا حفنة من تراب في يده. . .)

محمد - نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم

(ينثر عليه الصلاة والسلام التراب على رؤوسهم حتى لم يبق منهم رجلا إلا وقد وضع على رأسه تراباً وهو يتلو:)

يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين، على صراط مستقيم، تنزيل العزيز الرحيم، لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون.

(ينصرف النبي وهم كالنائمين لا يبصرون. . . .)

ص: 59

؟

راع (يمر بهم)

؟

قريش (لا تراه)

الراعي (لقريش)

ما تنتظرون ههنا؟

الجميع (كأنما افاقوا يهمسون)

محمدا

الراعي - خيبك الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟

الجميع (يضع كل منهم يده على رأسه)

حقا هذا تراب، ما هذا التراب؟

(يتطلعون إلى فراش النبي وفيه علي في برد رسول الله)

أبو جهل (متطلعاً)

والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده

الراعي (كالمخاطب لنفسه)

إن محمداً قد هاجر أيها الغافلون. . .!)

(جميع الحقوق محفوظة توفيق الحكيم)

ص: 60

‌السفارات النبوية

للأستاذ محمد عبد الله عنان

مضت خمسة أعوام على هجرة النبي العربي عليه السلام إلى المدينة قبل أن تهدأ ثائرة قريش أو تفتر عن مخاصمته ومهاجمته: وأنفق النبي هذه الأعوام الخمسة على أهبة الدفاع يرد محاولات قريش لغزو معقله وملاذ دعوته، أولاً في بدر ثم في أحد ثم في موقعة الخندق. فلما وهنت قوى قريش بعد الخندق، استطاع النبي أن يعني بالتفكير في العمل الإيجابي لمغالبة خصومه وبث دعوته. ولم تكن الدعوة الإسلامية قد تجاوزت يومئذ وديان مكة والمدينة؛ ولم تثبت دعائمها إلا في المدينة بين عصبة المهاجرين والأنصار؛ ولم يك ثمة ما ينبئ بأن هذه البداية الضئيلة إنما هي الحجر الأول في صرح الدولة الإسلامية العظيمة التي قامت بعد ذلك بعشرين عاماً فقط على أنقاض دولتين من أعظم دول التاريخ هما الدولة الفارسية والدولة الرومانية الشرقية. وكان فشل قريش في موقعة الخندق حاسماً في تطور هذه الخصومة التي أضرمت قريش لظاها مذ أذاع النبي رسالته. ومنذ الخندق استطاع الإسلام أن يفتتح غزواته للأمم والأديان القديمة؛ ففي أواخر العام الخامس وأوائل العام السادس للهجرة قام النبي بعدة غزوات محلية لبعض القبائل والبطون المعادية وفي أواخر العام السادس نظم النبي بعوثه أو سفاراته لأكابر الملوك والأمراء المعاصرين. وفي العام الثامن كان فتح مكة وخضوع قريش؛ وكان ظفر الإسلام حيثما استهل رسالته وانبعثت أشعته الأولى

وكانت السفارات النبوية بين حوادث هذا العهد حادثاً فريداً؛ وكانت دليلاً جديداً على ما تجيش به نفس الرسول العربي من سمو في الشجاعة وقوة في الإيمان برسالته. ولم يكن الإسلام يومئذ قوة يُخشى بأسها فيدعو قيصر وكسرى إلى اعتناق دعوته؛ ولكن محمدا أرسل للبشر كافة بشيرا ونذيرا. وكما كانت الغزوات النبوية المتواضعة سبيلا للذود عن الإسلام ووسيلة لتأييد كلمة، فكذلك كانت السفارات النبوية سبيلا لأداء رسالته وإبلاغ صوته إلى الملوك والأمراء الذين يحكمون العالم القديم يومئذ. ففي شهر ذي الحجة سنة ست من الهجرة (إبريل سنة 628م) بعث النبي كتبه وسفراءه إلى ثمانية من أولئك الملوك والأمراء هم قيصر قسطنطينية، وقيروس حاكم مصر الروماني، والحارث بن أبي شمر

ص: 61

الغساني النصراني عامل قيصر في الشام، وكسرى (خسرو) ملك فارس ونجاشي الحبشة، وثلاثة من أمراء الجزيرة المحليين هم هوذة بن علي صاحب اليمامة، والمنذر بن ساوي صاحب البحرين، وجيفر بن جلندا وأخوه صاحبا عمان. وقد كان هؤلاء (ملوك العرب والعجم) الذين يسودون الجزيرة العربية يومئذ أو يتصلون بها بأوثق الصلات. وكان أهمهم وأعظمهم بلا ريب قيصر الروم وملك فارس، وقد كانا يقتسمان سواد العالم القديم يومئذ؛ ويبسط أولهما حكمه على الشام وما إليها جنوباً حتى شمال الحجاز، ويبسط الثاني حكمه على شمال شرقي الجزيرة، ويدين له كثير من أمراء العرب بالولاء والطاعة. وكان الأول زعيم الأمم النصرانية، والثاني زعيم الأمم الوثنية

نظمت هذه السفارات وأرسلت إلى مختلف الأنحاء، لكل ملك وفد أو رسول ولكل كتاب نبوي. وكانت مهمتها جميعاً واحدة. وتقدم الرواية الإسلامية إلينا صور الكتب المرسلة، وهي جميعاً في صيغ واحدة أو متماثلة؛ وفيها جميعاً يدعو النبي ملوك عصره إلى الإسلام والإيمان برسالته. وكان سفير النبي إلى هرقل قيصر الدولة الرومانية الشرقية دحية بن خليفة الكلبي؛ واليك نصل الكتاب النبوي إلى قيصر حسبما ورد في السيرة وفي الصحيحين:(من رسول الله إلى هرقل عظيم الروم؛ سلام على من اتبع الهدى - أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم: أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فان توليت فان عليك إثم الاريسيين؛ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). وكان هرقل (الأول) قد تسلم عرش قسطنطينية قبل ذلك بثمانية عشر عاما بعد حوادث وخطوب جمة، وقضى معظم عهده في حروب طاحنة مع الفرس. وكان الفرس قد غلبوا على مصر وسوريا وآسيا الصغرى، وهددوا قسطنطينية نفسها، فاستطاع هرقل أن يردهم عن أقطار الدولة، وان يطاردهم حتى قلب بلادهم، وان يسحق قواتهم في موقعة نينفة الحاسمة (ديسمبر سنة 627). وفر كسرى الثاني ملك الفرس المعروف بكسرى ابرويز من عاصمته المدائن، ثم قبض عليه ولده شيرويه (سيروس) وقتله وجلس على العرش مكانه، وعقد الصلح مع هرقل. وعاد قيصر إلى قسطنطينية ظافراً يحمل صندوق (الصليب المقدس) الذي كان الفرس قد انتزعوه من بيت المقدس. ثم سار في خريف هذا العام (سنة

ص: 62

628) حاجاً إلى بيت المقدس سيراً على الأقدام ومعه الصليب ليرده إلى موضعه بالقبر المقدس؛ فبينا هو ببيت المقدس يؤدي مراسم الحج، إذ وفد عليه حاكم بصرى (بوسترا) ومعه دحية الكلبي؛ فقدم إليه كتاب النبي، واخبره بمضمون سفارته. وتقول الرواية الإسلامية أن هرقل استقبل سفير النبي بأدب وحفاوة، وسأله عن بعض أحوال النبي وأحوال رسالته؛ بل تذهب إلى القول بأن هرقل هم باعتناق الإسلام لولا أن خشي نقمة البطارقة، وانه صارح دحية برغبته وخشيته. وهذه مبالغة بلا ريب. ونستطيع أن نتصور ما أثارته سفارة النبي في نفس قيصر من بواعث الإنكار والدهشة؛ ولعله لم يكن قد سمع عن محمد ورسالته من قبل قط؛ بيد انه رد السفير النبوي ببعض المجاملات والأقوال الودية. ولما عاد هرقل إلى عاصمته وصلته رسالة أخرى تلقاها عامله على الشام المنذر بن الحارث الغساني من النبي على يد رسوله شجاع بن وهب يدعوه فيها إلى الإسلام، ويحذره عواقب المخالفة فبعث بها المنذر توا إلى هرقل وسأله أن يسير لمحاربة ذلك الذي اجترأ على هذا الوعيد فلم يوافقه هرقل على ذلك، ورد شجاع كما رد دحية ببعض المجاملات والتحيات

ووصلت سفارة النبي إلى مصر في الوقت نفسه يحملها حاطب ابن بلتعة اللخمي. وتجمع الرواية الإسلامية على أن هذه السفارة كانت موجهة إلى (المقوقس عظيم القبط) وتقدم إلينا صورة الكتاب النبوي الذي أرسل إليه مستهلا بهذه العبارة: (بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط)

وهو في نص الكتاب الذي وجه إلى هرقل وفي نفس عباراته مع تغيير يسير في بعض الروايات؛ وفيه يدعى المقوقس كما دعى هرقل إلى اعتناق الإسلام. وهنا يجب أن نقف قليلاً عند شخصية المقوقس هذا الذي تعرفه الرواية الإسلامية دائماً بأنه عظيم القبط. فقد كانت مصر يومئذ ولاية رومانية استردها هرقل من الفرس بعد أن لبثوا فيها عدة أعوام ورد إليها سلطة قسطنطينية، وعاد يحكمها الولاة الرومانيون كما كانت من قبل؛ ولم يكن لأهلها القبط أي نوع من الاستقلال. والظاهر أن هذه الحقائق لم تكن مجهولة في المدينة حيث تدل رسالات النبي وكتبه على أن الأحداث والأوضاع السياسية التي كانت تسود الجزيرة العربية وما يجاورها من الممالك كانت معروفة من النبي وصحبه. وقد كان حاكم

ص: 63

مصر الروماني في نحو الوقت الذي نتحدث عنه هو الجبر (كيروس) وهو في نفس الوقت حاكم مصر وبطريقها الأكبر. وقد استطاع البحث الحديث أن يلقي كثيراً من الضياء على شخصية (المقوقس) وأن يتعرف فيه شخصية (كيروس) نفسه؛ وإذا فالمرجح أن المقوقس الذي تردد الرواية العربية اسمه إنما هو (كيروس) حاكم مصر الروماني بيد أن هناك نقطة ما تزال غامضة هي أن (كيروس) لم يعين حاكماً لمصر إلا في سنة 631م، أعني بعد إرسال السفارات النبوية بأكثر من عامين؛ ولا يمكن أن تفسر هذه الثغرة في التواريخ إلا بأن السفير النبوي قد انفق الوقت في قطع الطريق ثم في الانتظار أو أن (كيروس) كان معينا قبل ذلك لحكم مصر بصفة غير رسمية ثم عين بصفة رسمية، بيد أن الواقدي يقدم إلينا حلا لهذا المشكل، فيقول أن سفارة النبي إلى (المقوقس) كانت في السنة الثامنة من الهجرة لا في أواخر السنة السادسة، وأواخر السنة الثامنة من الهجرة توافق أواسط سنة 630م، فإذا أضفنا إلى ذلك موعد المسافة من المدينة إلى مصر استطعنا أن نضع مقدم السفير النبوي في أوائل سنة 631م. وعلى أي حال فالمرجح والمعقول هو أن السفارة النبوية لم توجه في مصر لأحد غير الحاكم العام، وقد كان هذا الحاكم العام هو (كيروس). ومما يؤيد هذا الحقيقة هو أن السفير النبوي قصد إلى الإسكندرية ليؤدي مهمته وقد كانت الإسكندرية يومئذ مقر الحاكم العام الروماني

اخترق حاطب بن بلتعة اللخمي مصر في شرقها إلى غربها وقصد إلى الإسكندرية ليؤدي سفارة النبي ورسالته، واخذ إلى (كيروس) في مجلسه المشرف على البحر؛ فاستقبله بترحاب وحفاوة، وتلقى منه الكتاب النبوي وناقشه في مضمونه، وسأله عن النبي ودعوته. وهنا تقول الرواية الإسلامية أيضاً كما قالت في شأن هرقل، أن المقوقس (كيروس) أفضى إلى حاطب بأنه مؤمن بصدق رسالة النبي، وانه يود لو تبعه لولا خشيته من القبط؛ ثم صرف حاطباً بكتاب منه إلى النبي وهدية يذكرها في الكتاب. واليك نصه كما يورده ابن عبد الحكم اقدم مؤرخ لمصر الإسلامية:(لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه. وقد علمت أن نبياً قد بقى وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة؛ وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام). وفي بعض الروايات أن الهدية

ص: 64

تضمنت فوق ذلك حماراً وشيئاً من العسل والمال. والجاريتان هما مارية القبطية وأختها شيرين. وقد أسلمتا على يد النبي؛ وتزوج النبي بمارية ورزق منها بولده إبراهيم الذي توفى طفلا؛ ووهب أختها شيرين لأحد أصحابه المقربين إليه. وفي زواج النبي بمارية، وفي مولد ولده إبراهيم، دليل مادي قاطع على انه كانت ثمة مخاطبات وعلائق حقيقية بين النبي وعظيم مصر يومئذ، أعني (كيروس) الحاكم الروماني

هكذا كانت النتائج التي انتهت إليها الكتب والسفارات النبوية إلى قيصر وعامليه على مصر والشام، وقد كانت نتائج سلبية، ولم تكن حاسمة في شيء. بيد أنها كانت بلا ريب ذات أثر معنوي عميق في البلاط الروماني وفي الكنيسة

وأما الكتب والسفارات النبوية إلى الناحية الشرقية من الجزيرة فقد لقيت مصاير أخرى. وكانت ثلاثا أهمها سفارة فارس، وكان سفير النبي إلى ملك فارس عبد الله بن حذافة السهمي، فقصد إلى المدائن ومعه الكتاب النبوي. وتقدم الرواية الإسلامية أيضاً نص هذا الكتاب فيما يلي:(بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس - سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله، ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأدعو بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين؛ فاسلم تسلم، فان أبيت فان إثم المجوس عليك). وكان ملك الفرس يومئذ كسرى الثاني (أو كسرى ابرويز)؛ فلما قرئ عليه كتاب النبي مزقه، وأهان السفير وطرده؛ وبعث إلى عامله على اليمن باذان الفارسي أن يبعث إلى محمد من يتحقق خبره أو يأتيه به؛ فصد بالأمر. بيد أنه حدثت في تلك الأثناء بالمدائن حوادث خطيرة، فان شيرويه (سيروس) ولد كسرى ثار عليه وقتله وانتزع الملك لنفسه. ويضع الواقدي تاريخ هذا الانقلاب في العاشر من جمادى الأولى سنة سبع (سبتمبر سنة 628م). فإذا صح هذا التعيين فان الرواية الإسلامية تكون معقولة متناسقة فيما تقوله من أن الذي استقبل سفير النبي وتلقى كتابه هو كسرى ابرويز، ولكن أغلب الروايات على أن مقتل كسرى كان في فبراير سنة 628 (ذي القعدة سنة ست) أعني قبل قيام البعوث النبوية بنحو شهر؛ وإذاً فالمرجح أن الذي استقبل السفير النبوي هو شيرويه ولد كسرى. أما حادث إرسال كسرى لعامله على اليمن أن يتحقق خبر محمد أو يأتيه به فالمرجح أنه وقع قبل

ص: 65

البعوث النبوية وقبل مصرع كسرى ببضعة أشهر لما نمى إلى كسرى من ظهور الدعوة الإسلامية وتقدمها

وفي السنة الثامنة من الهجرة (630م) قصد إلى البحرين سفير آخر هو العلاء الحضرمي، ومعه كتاب نبوي إلى أميرها المنذر ابن ساوى؛ وقصد إلى عمان، عمرو بن العاص الذي أسلم قبل ذلك بأشهر قلائل، ومعه أيضاً كتاب نبوي إلى أميريها جيفر وعباد ابني الجلندي زعيمي بني الأزد. وفي الكتابين يطلب النبي إلى هؤلاء الأمراء اعتناق الإسلام أو أداء الجزية. بيد أنهما حسبما تنقل الرواية الإسلامية قد صيغا في أسلوب يخالف أسلوب الكتب السابقة. فمثلا تنقل إلينا كتاب النبي إلى أمير البحرين فيما يأتي:(من محمد النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوى - سلام عليك - فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو - أما بعد فإن كتابك جاءني به رسلك، وأن من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فانه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين؛ ومن أبى فعليه أداء الجزية). ففي الكتاب خيار بين الإسلام ودفع الجزية لم يرد في الكتب السابقة، وهو بهذه الصفة ذو صبغة عملية؛ ثم هو يدل على أمر آخر هو أنه رد على استفهام وجهه أمير البحرين إلى النبي عن أحكام الإسلام. وقد تضمن الكتاب الذي أرسل إلى أميري عمان شرح بعض أحكام الإسلام أيضاً. وكان لهاتين السفارتين نتيجة عملية، فان أمير البحرين، وأميري عمان آمنوا برسالة النبي واعتنقوا الإسلام، وأدوا الجزية عن رعاياهم غير المسلمين. وأرسلت سفارة ودعوة أخريان على يد سلبط بن عمرو إلى أمير آخر من أمراء هذه الأنحاء هو هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة؛ وكان نصرانياً، فرد على النبي بكتاب خشن يطلب فيه مشاركة النبي في أمره وسلطانه شرطا لدخوله في دعوته.

بقى أن نتحدث عن سفارة النبي إلى الحبشة، وهي السفارة الوحيدة التي أرسلت إلى ما وراء البحر. وقد كان إرسالها في ختام السنة السادسة أو فاتحة السنة السابعة في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارتا قيصر وكسرى. وكان بين الحبشة والنبي وأنصاره قبل ذلك علائق ودية منتظمة. والى الحبشة لجأ كثير من أنصار النبي أيام الهجرة فراراً من اضطهاد قريش، وأقاموا بها تحت حماية النجاشي ورعايته، ومنهم جعفر بن أبي طالب عم النبي، فلما نظمت السفارات النبوية إلى (ملوك العرب والعجم)، أرسلت سفارة إلى ملك

ص: 66

الحبشة (النجاشي) على يد عمرو بن أمية الضمري في ذي الحجة سنة ست أعني في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارة قيصر؛ ووجه النبي إلى النجاشي كتابين، يدعوه في أولهما إلى الإسلام؛ ويطلب إليه في ثانيهما أن يرسل إلى المدينة من عنده من المسلمين اللاجئين. وقد صيغت دعوة النبي إلى النجاشي في أسلوب خاص يخالف في روحه وألفاظه ما تقدم من الدعوات. واليك نص هذه الدعوة حسبما يقدمها إلينا ابن إسحاق في السيرة:(بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلم أنت؛ فإني أحمد الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، واشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله؛ وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءوك فاحترمهم ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى). وقد كان النجاشي نصرانياً، وكانت النصرانية تسود الحبشة منذ القرن الرابع. وفي الكتاب النبوي شرح لموقف الإسلام نحو النصرانية ونظريته في خلق المسيح؛ وهو موقف ليس فيه إنكار ولا خصومة جوهرية إلا من حيث الوحدة والتوحيد؛ والكتاب النبوي ينوه بهذه الوحدة. وبعث النبي إلى النجاشي أيضاً يكلفه بأن يعقد زواجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت من المسلمين اللاجئين، وكانت زوجة لصحابي يدعى عبيد الله هاجر بها إلى الحبشة ثم ارتد هنالك عن الإسلام وتنصر، وتوفي مرتداً. وتقول الرواية الإسلامية أن النجاشي لبى دعوة النبي وأسلم، وبعث إليه بكتاب يؤكد فيه إسلامه، وانه حقق رغبته في تزويجه من أم حبيبة نيابة عنه، وبعثها إليه مع من كان عنده من المسلمين في سفينتين كبيرتين. بيد أنه يلوح لنا أن القول بإسلام النجاشي مبالغة يمكن أن تحمل على ما أبداه النجاشي من أدب ومجاملة في استقبال السفارة النبوية؛ والمرجح أن النجاشي لم يسلم؛ ولو أسلم النجاشي يومئذ لكان الإسلام قد غمر الحبشة كلها ولكانت النصرانية قد غاضت منها. بيد أن الإسلام لم ينتشر في الحبشة إلا بعد ذلك بعصر، وكان انتشاره في الجهات الشرقية والجنوبية فقط.

ونلاحظ أخير أن البعوث والسفارات النبوية لم تقتصر على من تقدم من الملوك والأمراء.

ص: 67

فقد أوفد النبي بعوثاً وكتباً أخرى إلى عدة من زعماء الجزيرة المحليين، لتحقيق نفس الغاية في ظروف وتواريخ مختلفة، أسفر بعضها عن نتائج عملية مرضية، ودخل بعض هؤلاء الزعماء في الإسلام

كانت هذه السفارات والكتب النبوية عملا بديعاً من أعمال الدبلوماسية، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان. وليس أسطع من هذه السفارات دليلاً على ما كانت تجيش به نفس النبي العربي من فيض في الإيمان والشجاعة؛ ذلك النبي الذي لم يكن قد نجا بعد من اضطهاد قومه، ولم يكن له سلطان يعتد به أو قوى يخشى بأسها، يقدم في ثقة وشجاعة على دعوة قيصر الدولة الرومانية وعاهل الدولة الفارسية، وباقي الملوك والأمراء المعاصرين على اعتناق دعوة لم تكتمل بعد في مهدها، على أن هذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي في مخاطبة ملوك عصره لم تذهب كلها عبثاً كما رأينا. ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته، وهو ما يزال يكافح في بثها بين عشيرته وقومه. بيد أن إيفاد هذه البعوث كان عملا متمما للرسالة النبوية. وكان العالم القديم الذي يتوجه إليه النبي العربي بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت إلى آخر؛ وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن وفسدت مثلها العليا؛ فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس. ولم يكن عسيراً أن يستشف أولو النظر البعيد، ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى معنوية تنذر بالانفجار في كل وقت. وقد كان الانفجار في الواقع سريعاً جدا، فلم تمض أعوام قلائل على إيفاد هذه البعوث حتى كان الإسلام قد غمر قلب الجزيرة العربية، وانساب تيار الفتح الإسلامي إلى قلب الدولتين الرومانية والفارسية، واخذ العرب أبناء الدين الجديد وحملة الرسالة المحمدية يعملون بسرعة خارقة على إنشاء الدولة الإسلامية الكبرى

وقد تناول البحث الغربي حوادث السفارات النبوية فيما تناول من حياة النبي العربي، وكان جل اعتماده في شأنها على الرواية الإسلامية؛ وهنالك من كتاب السيرة الغربيين من يبدي ريباً في أمر هذه السفارات، أو يبدي بالأخص ريباً في صحة الكتب والرسائل النبوية.

ومن هؤلاء الكتابالمستشرقان الألمانيان فايل وميلر؛ فإن فايل يلاحظ مثلا أن في بعض الكتب النبوية (كتاب النبي إلى كيروس) آيات قرآنية لم تكن قد نزلت وقت إرسالها مما

ص: 68

يدل على أنها قد وضعت فيما بعد، ويرتاب ميلر في أن رسالة قد وجهت من النبي إلى هرقل، ولكنه مع ذلك يقدم ملخصاً لحوادث السفارات النبوية كما وردت في السيرة

أما نحن فلسنا نرى من الوجهة التاريخية ما يبعث على الشك في صحة هذه السفارات النبوية، بل نلمس بالعكس كثيراً من الأدلة والقرائن على صحة معظم الوقائع التي اقترنت بها. وقد تبالغ الرواية الإسلامية في بعض الوقائع حسبما أشرنا إليه فيا تقدم ولكن في تعيين الرواية الإسلامية للتواريخ والأشخاص والأمكنة، وفي اتفاقها على كثير من الوقائع، وفي موافقة الرواية الكنسية والبيزنطية لكثير منها خصوصاً فيما يتعلق برسالة النبي إلى قيصر وكيروس - في ذلك كله ما يؤيد صحة كثير من هذه الأحداث الدبلوماسية الإسلامية الأولى. وإنما يتطرق الشك في نظرنا إلى النصوص والصيغ التي تقدمها الرواية الإسلامية للكتب النبوية. ذلك أنها لم ترد جميعا في رواية ابن إسحاق اقدم مؤرخي السيرة؛ وقد ورد بعضها بعد ذلك في كتاب الواقدي الذي لم يصلنا منه سوى شذور قليلة، وفي كتاب ابن عبد الحكم المصري، ثم في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) وفي الطبري وغيره من الروايات المتقدمة ولكنها ترد بصيغ وألفاظ مختلفة مما يحمل الشك في صحة هذه النصوص. وأكبر الظن أن هذه النصوص قد وضعت، ورويت فيما بعد باعتبار أنها تمثل أقرب الصور التي صيغت فيها الكتب النبوية، وقدمها كتاب السيرة على أنها أرجح النصوص المحتملة. بيد أن هذا الشك في صيغ الكتب النبوية لا يتعدى الحقائق التاريخية التي تنهض الأدلة والقرائن على صحة الكثير منها

لقد كانت السفارات النبوية حادثاً سياسياً عظيماً في حياة النبي العربي.

محمد عبد الله عنان المحامي

ص: 69

‌خالد بن الوليد

القائد الذي لم يهزم قط

للدكتور عبد الوهاب عزام

كان شرف قريش قبل الإسلام لبني عبد مناف وبني مخزوم، وكان شرف بني مخزوم إلى المغيرة بن عبد الله بن مخزوم حتى آثر بعض ذريته اسم المغيري على اسم المخزومي. وكان هشام بن المغيرة يسمى رب مكة، ولما مات أرخت قريش بموته، وكان ابنه أبو جهل زعيماً من زعماء قريش. والوليد بن المغيرة أخو هشام كان أكبر رجل في مكة. وكان يلقب الوحيد، وريحانة قريش. ولما كلم زعماء قريش أبا طالب في أمر النبي عرضوا عليه أن يأخذ عمارة بن الوليد ويسلم إليهم محمدا فقالوا كما روي ابن هشام:(يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك).

وقال المفسرون في قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم). إن المشركين عنوا الوليد بن المغيرة في مكة وعروة بن مسعود الثقفي في الطائف. وقالوا في الآيات (ولا تطع كل حلاف مهين) - إلى أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) والآيات: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالاً ممدودا وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا). أنها نزلت في الوليد بن المغيرة ومن أجل التنافس بين بني عبد مناف وبني مخزوم كانت عداوة هؤلاء للإسلام. روي ابن هشام قول أبي جهل، (تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟)

كان للوليد بن المغيرة عشرة بنين أو ثلاثة عشر، أسلم منهم ثلاثة عمارة وهشام وخالد.

وأم خالد لبابة بنت الحارث بن حزم الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين، ولبابة الكبرى زوج العباس، وكانت لبابة الكبرى منجبة أنجبت سبعة من بني العباس يقول فيهم الراجز:

ما ولدت حليلة من بعل

في جبل نعلمه أو سهل

كسبعة من بطن أم الفضل

أكرم بها من كهلة وكهل!

ص: 70

وحسب أختها إنجابا أنها ولدت خالدا.

اتفق الرواة على أن خالداً مات سنة إحدى وعشرين، وقال القسطلاني: وكان له بضع وأربعون سنة. فمولده حول خمس وعشرين قبل الهجرة أو اثنتي عشرة قبل البعثة.

وكان خالد قائد فرسان قريش، وذاع صيته بما فعل في أُحد إذ فجئ المسلمين من خلفهم حين ترك رماتهم مواقفهم فهزم المسلمون بيقظة خالد ومهارته. وهو يومئذ دون الثلاثين. وقد شارك فيما كان بين المسلمين وقريش من حرب إلى غزوة الحديبية، وكان يومئذ قائد الفرسان، وتقدم بهم من مكة إلى كراع الغميم ليرد المسلمين

إسلام خالد

روي ابن إسحاق عن عمرو بن العاص: (خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة مقبل فقلت: أين يا أبا سليمان؟ فقال والله قد استقام الميسم، وان الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى؟ قلت والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا المدينة على رسول الله فتقدم خالد ابن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت يا رسول الله أني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر. فقال رسول الله يا عمرو: بايع، فان الإسلام يجب ما كان قبله، وان الهجرة تجب ما كان قبلها فبايعته ثم انصرفت).

دخل خالد في جند المسلمين يومئذ وسرعان ما شارك في الغزوات وأبلى فيها. فلم يمض على إسلامه شهران حتى شهد غزوة (مؤتة) في جمادى الأولى من السنة الثامنة. وكانت موقعة نائية نازل فيها المسلمون أضعافهم من العرب والروم. وتهافت القواد الثلاثة الذين ولاهم الرسول واحداً بعد الآخر: زيد بن ثابت، فجعفر بن أبي طالب، فعبد الله بن رواحة، فاختار الناس خالداً فدافع العدو وانحاز بالمسلمين حتى نجا، بهم وقفل إلى المدينة فلقي الناس القافلين يعيرونهم: يقولون يا فرار، فقال الرسول صلوات الله عليه، بل هم الكرار، وسمى فعل خالد فتحاً، ولقبه سيف الله. في البخاري أن رسول الله قال:(أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) ولا ريب أن من الفتح أن يخلص خالد هذا الجيش القليل من سورة جيش عرمرم جمع الروم والعرب فلا يقتل منه إلا اثنا عشر. ولا

ص: 71

ريب أن بعضهم قتل قبل تولي خالد القيادة (وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية) فإنما أنقذ خالد جنده إذ دفع بنفسه في نحر العدو حتى دقت في يده تسعة أسياف وإنها لبطولة.

وبعد قليل سار المسلمون لفتح مكة، وكان خالد قائد المجنبة اليمنى وفيها جماعة من أسلم وغفار وسليم ومزينة وجهينة وغيرها من القبائل، وأمره الرسول أن يدخل مكة من أسفلها، فكان بينه وبين قريش قتال يسير قتل فيه نفر من الفريقين

وبعثه رسول الله بعد الفتح إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام، فقتل جماعة منهم حين لقوه بالسلاح، فلما نمى الخبر إلى الرسول قال:(اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد) وودى القتلى. واعتذر خالد بأن عبيد الله بن حذافة السهمي قال له: أن رسول الله أمرك بقتالهم لامتناعهم عن الإسلام. ومهما يكن فقد أخذ المسلمون على خالد تعجله في قتال القوم. ولكن لم تذهب هذه الهفوة بحسن بلائه.

ثم بعثه الرسول فهدم العزى في بطن نخلة، وكانت في سدانة بني سليم، (ولا نجد ذكر خالد في موقعة حنين، إلا ما روى ابن إسحاق أن الرسول وجد امرأة مقتولة فأرسل إلى خالد أن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفاً.

ولما كانت غزوة تبوك بعث الرسول خالداً إلى أكيدر بن عبد الملك أمير دومة الجندل فأسره وجاء به إلى الرسول فصالحه

ولما وضعت الحرب أوزارها بين المسلمين والعرب وأرسل الرسول دعاته إلى أرجاء الجزيرة بعث خالداً إلى بني الحارث بن كعب في نجران فاستجابوا لدعوته وأقام فيهم يعلمهم الإسلام، وكتب إلى الرسول بإسلامهم، فكتب إليه الرسول أن يقدم مع وفدهم. وفي ابن هشام وصبح الأعشى نص الكتابين.

في حروب الردة

ولما سير أبو بكر الجيوش لحرب المرتدين رمى بإبن الوليد أقرب الأعداء إلى المدينة: طليحة بن خويلد الأسدي ومن شايعه، ثم مالك ابن نويرة اليَربوعي. فسار خالد إلى متنبئ بني أسد فأدار عليه في (بزاخة) حرباً أكذبت دعوته وأذابت غشه. ثم يمم مالك ابن نويرة

ص: 72

وكان قد مالأ سجاح المتنبئة، فلما جاء البطاح وجد القوم قد تفرقوا حيث سراياه، فرجعت بأسارى منهم مالك ابن نويرة. ثم قتل الأسارى. ونقم الناس من خالد بعد أن شهد بعض الجند أنهم أجابوا أذان المسلمين بالأذان إعلاماً بإسلامهم. وروي بعض المؤرخين أن خالداً أمر بإدفاء الأسارى في ليلة باردة، وإدفاء الأسارى قتلهم في لغة كنانة، فسارع الجند إلى قتلهم، وما أراد خالد القتل. وزاد ارتياب الناس بخالد حين تزوج أم تميم بنت المنهال امرأة مالك. وجاء إلى أبي بكر أبو قتادة الأنصاري مفارقا خالدا، ومتمم أخو مالك مستعدياً عليه. ورأى عمر أن يقاد خالد بمن قتل. فقال أبو بكر: هيه يا عمر، تأول خالد فأخطأ! فارفع لسانك عن خالد. ثم كتب إلى خالد يستقدمه فقدم وأبان عن عذره فقبل منه الخليفة. قال الطبري: (وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد متعجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها. ثم قال أرئاء؟ قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته. والله لأرجمنك بأحجارك. ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظن إلا أن رأى أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر. فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عما كان في حربه تلك. وان في عفو أبي بكر عن خالد لبرهاناً على أن فعلته لم تكن بحيث ظن عمر.

وكان أبو بكر وجه عكرمة بن أبي جهل ابن عم خالد إلى بني حنيفة قوم مسيلمة المتنبئ في اليمامة وأتبعه شرحبيل بن حسنة فتعجل عكرمة الحرب قبل أن يؤازره شرحبيل فهزم، وعنفه أبو بكر وبعثه مدداً للمحاربين في عمان، فلما فرغ سيف الله من بني أسد وتميم سيره أبو بكر إلى اليمامة، فرأى أن يؤمن طريق جيشه بإبعاد القبائل الموالية لمسيلمة وسجاح، فكتب إلى بني تميم فطردوهم من الجزيرة، وتقدم خالد لطيته فإذا شرحبيل قد سبقه إلى الحرب وباء بالهزيمة. وكانت بين خالد وبين مسيلمة موقعة عقرباء الطاحنة التي تهافت فيها أنجاد المسلمين. وكادت تقضي بالفلج لبني حنيفة، ولكن خالدا أمر الناس أن يمتازوا ليعرف بلاؤهم، فتميز الناس وأحسنوا البلاء. وحمى الوطيس، وما طل النصر بلاء الأبطال حتى رأى خالد أن الحرب دائرة ما دام مسليمة قطبا لها، فبرز ودعا إلى المبارزة، وارتجز ونادى بشعار المسلمين يومئذ:(يا محمداه!) وصمد إلى مسيلمة يحطم

ص: 73

الصفوف إليه، وآزره أطال جنده فلم ينثن إلا ومسيلمة قتيل. فقضى للمسلمين بالنصر وجاء بنو حنيفة مستسلمين فصالحهم خالد، وجاءه أمر أبي بكر بقتلهم فأعلمه أن عهده قد سبق. وحفظ للقوم ذمتهم.

فتح العراق

لم يكد يفرغ خالد من مسيلمة حتى وجهه أبو بكر لفتح العراق لحرب الفرس: الأسد الذي كانت القبائل تخشاه وتتحاماه، وأمره الخليفة أن يبدأ بالأبلة ثم يفتح إلى الشمال صوب الحيرة، كما أمر عياض بن غنم أن يبدأ بالمضيح في الشمال ثم يتجه إلى الجنوب شطر الحيرة، كذلك وأي القائدين سبق إلى الحيرة فهم الأمير على صاحبه

كتب خالد إلى هرمز والى الأبلة يدعوه إلى الإسلام وينذره الحرب، ثم التقى الجمعان قرب كاظمة في موقعة ذات السلاسل، فبارز خالد هرمز فقتله فحقت الهزيمة بقتله، ثم سار خالد يقود جيشين من الجند والرعب، فكانت مواقع المذار، والولجة، وأليس، ومغيشيا، وخالد يسير من نصر إلى نصر، ويوالي الكتب والأخماس إلى أبي بكر، فلما جاءته البشرى بفتح مغيشيا قال:(يا معشر قريش. عدا أسدكم على الأسد فقلبه على خراذيله، عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد!)

خالد في الحيرة بعد شهرين من دخوله العراق، وها هو في الثاني عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة يكتب كتاب الصلح لرؤساء الحيرة

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عدياً وعمراً إبني عدي، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، ورضى بذلك أهل الحيرة وأمروهم به - عاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيساً عن الدنيا تاركاً لها، وعلى المنعة، وإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم. وإن غدروا بفعل أو قول فالذمة بريئة منهم).

تتابعت القرى على الصلح بعد الحيرة. ومن الحيرة وجه خالد كتبه إلى أمراء الفرس ومرازبتهم يدعوهم إلى الإسلام، وينذرهم الحرب. وصار خالد أمير العراق كلها ففتح الحيرة (لعهد أبي بكر فمد فتوحه إلى الشمال في الأرض التي عهد إلى عياض فتحها،

ص: 74

طوى الأرض إلى الأنبار فاعتصم الناس بالحصون وخندقوا. فنحر أضعاف الإبل وألقاها في الخندق وعبر عليها، فاضطر أهل المدينة إلى المصالحة، ثم سار إلى عين التمر وقد اجتمع له بها العرب والفرس. وخرج للقائه عقبة ابن أبي عقبة في جموع من تغلب وأياد والنمر فانقض خالد على عقبة وهو يسوي صفوفه فاحتضنه وأسره وكفاه عناء الصفوف والزحوف فانهزم جنده، فهل عرفنا قبل خالد قائدا يخطف القواد، ليكفي الجند عناء الجلاد؟

ثم توجه تلقاء عين التمر فنزل من فيها على حكمه.

أين عياض بن غنم؟ في دومه الجندل تكالبت عليه الأعداء وأخذت عليه الطريق فاستغاث خالداً فأجابه: (من خالد إلى عياض، إياك أريد).

لبث قليلا تأتك الجلائب

يحملن آسادا عليها القاشب

كتائب يتبعها كتائب

وسار إلى دومة الجندل فاجتمعت لحربه كلب وغسان وبهراء وتنوخ، وعلى الناس رئيسان أكيدر بن عبد املك الذي أسره خالد في غزوة تبوك، والجودي بن ربيعة، قال الأكيدر:

(أنا أعلم الناس بخالد. لا أحد أيمن طائراً منه ولا أجد في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم) فلما أبوا قال: لن أمالئكم على حرب خالد، وتركهم لينجو بنفسه، ولكنه طاف يبغي نجوة من هلاك فهلك.

أخذ خالد عليه الطريق وقتله جزاء غدره بما كان بينه وبين المسلمين من عهد، ثم أتى دومة الجندل ففتحها وتألب أهل الفرس وأهل العراق على المسلمين حين علموا غيبة خالد، فرجع وهزم أعداءه في مواقع الحصيد والخنافس والمضيح والثنى والزميل.

ثم توجه إلى الفراص وهي بلدة على الفرات عندها حدود العراق والشام والجزيرة، وملتقى دولتي الفرس والروم. فلم يرهب خالد جموع الفرس والروم والعرب ومزقهم كل ممزق حتى روى الرواة أنه قتل في المعركة والطلب مائة ألف.

كانت الموقعة منتصف ذي القعدة من السنة الثانية عشرة. فقد طوى خالد وادي الفرات ما بين الأبلة والفراض في أقل من أحد عشر شهراً وانتصر في خمس عشرة موقعة لم يهزم في واحدة، أبت ذلك شجاعته، وكفايته واقتحامه الغمرات، وقتله القواد وصيته الذي ملأ جنده يقينا وعدوه رعبا.

ص: 75

من الفراض إلى مكة في أثني عشر يوما

ورحل خالد قافلا إلى الحيرة في الخامس والعشرين من ذي القعدة. وولى على الجيش عاصم بن عمرو، وأظهر للناس أنه سيسير في الساقة وأسر إلى خاصته أنه على عزيمة، الحج ثم طوى الفيافي ما بين الفراض إلى مكة فأدرك الحج، فلا محالة قد قطع هذه الصحاري المترامية في أثني عشر يوما. قال الطبري:

(وخرج خالد حاجا لخمس بقين من ذي القعدة مكتتماً بحجه ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا رئبال. فسار طريقاً من طرق الجزيرة لم ير طريق أعجب منه ولا أشد على صعوبته منه. فكانت غيبته عن الجند يسيرة فما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذي وضعه. فقدما معاً وخالد وأصحابه محلقون لم يعلم بحجة إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة. . .

وكتب أبو بكر إلى خالد يأخذ عليه مسيره إلى الحج وترك الجند بغير إذن، ويأمره بالمسير إلى الشام مددا لمن بها من الغزاة. وأن يترك نصف الجيش مع المثنى ويسير بنصفه، فسار في صفر من السنة الثالثة عشرة.

وكان رحيل خالد من العراق إلى الشام معجزة من معجزات المسير، وأعجوبة من أعاجيب المخاطرة، فقد قطع بالجيش الجرار صحراء ليس بها ماء يقطعها الراكب المخف في خمسة أيام قطعها في خمس ليال ولا ماء إلا ما في أجواف الإبل: أعطشها وسقاها وكظم أفواهها، فكان ينحرها في مراحل الطريق فيرتوي الناس والخيل.

وقد خرج خالد من مفازته على بهراء فصبحهم بالقتال وهم لا يحسون جيشاً من الجن يسلك إليهم هذه المفازة، وحارب قبائل من العرب في طريقه حتى بلغ ثنية العقاب على مقربة من دمشق فنشر عليها راية سوداء من رايات الرسول صلوات الله عليه. ثم حارب غسان في مرج راهط وصار إلى بصرى ففتحها، ثم أدرك المسلمين في معسكرهم على اليرموك أو أجنادين. فما ظنك بهذا النصر السائر، والفتح المسافر، الذي يطوي البلاد والصحارى والقبائل في عزمات الجند القليل؟

خالد في الشام

ص: 76

وافى خالد المسلمين معدين لمنازلة جحافل كثيفة من الروم والعرب، ووجد الجيوش مقسمة بين القواد الأربعة الذين بعثهم أبو بكر إلى الشام، أبي عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فأراد أن يلقى الروم بجيش مجتمع ورأى موحد فخطب الناس:

(إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فان هذا يوم له ما بعده. ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية - على تساند وانتشار. فان ذلك لا يحل ولا ينبغي. وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لو تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته. قالوا فهات، فما الرأي؟ فقال فيما قال (هلموا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضها اليوم والآخر غداً، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم. ودعوني إليكم اليوم).

تأمر خالد على الجيش كله وفيه قواد أسن منه وأقدم إسلاما، ولكن اعتداد خالد بنفسه وثقة الناس به ألقت إليه بالمقاليد ذلك اليوم، فقسم الجيش كراديس ستة وثلاثين، وجعل على كل كردوس قائداً، ثم جعل قواداً على القلب والجناحين. ثم أدار المعركة طول النهار وبعض الليل، وأصبح في فسطاط قائد الروم قد ملك النصر كله وبلغ من العدو ما تمنى.

كتب كتاب الفتح باسم خالد. وبعد قليل جاء المسلمين نعي أبي بكر وولاية عمر.

هل عزل عمر خالدا

لا ريب أن عمر كان ينقم من خالد هنات في حروبه، وأنه أشار على أبي بكر بالاقتصاص منه لمالك بن نويرة، وما كانت تعجبه جرأته واستبداده في تقسيم الغنائم والأرزاق. وكان خالد معتداً برأيه كتب إليه أبو بكر يأمره ألا يعطي شيئاً فأجابه خالد: (إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك بعملك، هذا وأشباهه أسخط عمر على خالد وما كان عمر ليداهن في دينه وقد كثرت الأقوال فيما فعل عمر بخالد وينبغي أن نذكر أن خالداً لم يول على الشام من قبل أبي بكر ولا عمر ولكنه بعث مددا لغزاة الشام. فعمر ما عزل خالدا عن ولاية الشام أو قيادتها ولكن خالداً أمر نفسه يوم أجنادين وتيمن الناس به، فكان حرياً أن يكون أحد القواد. فلما جاء كتاب عمر بضم خالد إلى أبي عبيدة قال الناس ما قالوا في عزل

ص: 77

خالد. وقد خطب عمر مرة فاعتذر عما فعل، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة (عزلت عاملاً استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت لواء رفعه. فقال إنك قريب القرابة حديث السن مغضب لابن عمك).

ولكن خالدا لا يعزل نفسه العظيمة، ولا كفايته التي لا تعوض فلما اجتمع القواد على دمشق يحاصرونها نزل خالد على الباب الشرقي فاقتحمه اقتحام الأبطال ودخل المدينة عنوة فسارع الرؤساء إلى أبي عبيدة يصالحونه فالتقى عنوة في وسط المدينة خالد الفاتح والقواد الآخرون. فكتب كتاب الفتح باسم خالد. فلما جاءت عمر الأنباء قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال مني.

ولم يزل خالد مشاركاً في فتوح الشام كافياً لما يعهد إليه من حرب أو ولاية بقية حياته

هذه سنة إحدى وعشرين من الهجرة وخالد العظيم في سن الخامسة والأربعين على فراش الموت في حمص وأمامه مجد عشرين سنة مظفرة لم تنكس له راية، ولا أعيا عليه فتح، ولم يختلف عليه اثنان من جنده، فاستمع البطل العظيم والقائد الباسل يقول:

(لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد أن لا اله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس. والسماء تهلني بمطر إلى صبح حتى نغير على الكفار - ثم قال: (إذا أنا مت فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله).

ثم أوصى وصية، فمن اختار أميناً على انفاذها؟ عمر بن الخطاب! إن النفوس العظيمة لتختلف إلا في العظمة التي تؤلف بينها، والتي تأبى أن تصيخ إلى سفساف الأمور. اختلف الرجلان على أمور، وجمعتهما همة عالية ومطالب عظيمة.

لقد بكى خالدا الإسلام والمسلمون حتى عمر: سمع عمر البكاء على خالد فقال:

ما على نساء الوليد أن يسفحن على خالد دموعهن. . وسمع راجزا يذكر خالدا فقال والأسف ملء فؤاده: (رحم الله خالداً).

عبد الوهاب عزام

ص: 78

‌من ذكرياتي

للأستاذ عبد العزيز البشري

تفضلت (الرسالة) فدعتني إلى أن اجري بحديث في العدد الذي ترصده لرأس السنة الهجرية. ولم يجد طول التعذر بالمرض ولقس النفس وحرج الصدر. لقد أمر أصحاب (الرسالة) وكيف لي بعصيان أصحاب (الرسالة)؟. إذن فلأعص نفسي ولأنشز على وهني في طاعتهم والاستجابة لهم. وحسبي الله ونعم الوكيل ففيم كتب وماذا أكتب إذن؟

أقول في الأدب! سيقول فيه أصدقائي الدكتور طه، والأستاذ أحمد أمين، والأستاذ الزيات، وغيرهم من صفوة الأدباء. ولست احب لنفسي أن أكون فسكلا لا أبلغ السبق، إن أنا بلغته، إلا بعد جميع الجياد!

إذن أكتب في السيرة النبوية الكريمة، ونحن على شرف عام هجري جديد، يتجرد لذكراه هذا العدد العتيد! لا والله، ولن أخدع في هذا أيضاً بعد الذي كتب هيكل في (حياة محمد) وطه (على هامش السيرة)

لقد أصبح عليّ، بعد هذا، أن أتقرى السبل فأختار أعبدها لي، وأوعرها عليهم جميعاً، وهم ولا شك تاركي أجوز وحدي فأكون المجلي في حلبتي على كل حال.

سأحدث القراء عن بعض ما شهدت بنفسي مما يرجع إلى أكثر من خمس وثلاثين سنة. ولست أحسب أن أكثر أدباء العصر شهدوه لقصر أسنانهم. فمن قد علت به السن منهم فلعله ممن لم يكن هبط بعد القاهرة في طلب أواسط العلم وأعاليه. فمن تهيأ له منهم أن يكون في القاهرة، وهؤلاء من القليل أقل، فلعله كان في شغل من تحصيل العلم والاكباب على الدرس عن شهود هذا والاحتفال له. فان كان قد وقع لبعضهم هذا عفواً فهو عنده دون أن يجمع له همه ويطوي عليه قلبه، ويختزنه في نفسه اختزان البعير الطعام في جوفه ليجتر منه وقت حاجته.

لقد قدر لي، والحمد لله، أن اسمع من عظماء المغنين المرحومين عبده الحمولي، والشيخ يوسف المنيلاوي، ومحمد عثمان، والشيخ محمد الشنتوري، والسيد أحمد صابر، وعبد الحي حلمي، وإبراهيم القباني، واحمد حسنين، وأحمد فريد، ومحمد سالم. ومن الهواة السيد عبد السلام الدنف. وان أسمع من المنشدين ومن في حكمهم الشيخ سلامة حجازي، والشيخ

ص: 79

احمد المحروقي، والشيخ عبد الله الأودي، ومن صدور القراء السيد الصواف، والمشايخ حنفي برعي، وأحمد ندا، وعلي الفلاحة، واللبان، وأبا السعود، وعلي يوسف، وعلي الجنيد، والمناخلي، والعيسوي. والشيخة أسمهان، كما سمعت هؤلاء المعاصرين الأحياء، وصل الله في أعمارهم يمتع بهم الأبناء والأحفاد، كما متع بسلفهم الآباء والأجداد.

ولست أحاول في كلمات ارتجلها للرسالة ارتجالا، وأرسلها من عفو الحديث إرسالا، أن أتحدث عن هؤلاء جميعاً. وما كان هذا المقام ليحتمل هذا كله ولا بعضاً من بعضه. بل ولست أحاول أن أستغرق بالحديث واحداً من هؤلاء، فأدل على منجمه ومنشئه وخلقه وسيرته، ولون صوته، ومأتي فنه، وعمن أخذ، وكيف ذهب، وماذا أجد في الفن بصنعته. فذلك مما يستهلك الكثير من الصحائف ومن الوقت والعزم معاً، ولكنني أكتفي بذكر اثنين من أحداث أربعة شهدتها بنفسي. ولو قد حدثني بها محدث لا تهمته بالغلو إذا لم أعدل به إلى التزيد. وأحدها، كان من محمد عثمان، وهذا أدخره للمحاضرة التي ألقيها في شأنه، والثاني من الشيخ أحمد ندا. وهو من أشياء أضيفها إلى المقال الذي كتبته فيه عقب موته. أما الحادثان اللذان أطالع بهما قراء (الرسالة) اليوم فأحدهما يتصل بعبده أفندي الحمولي، والثاني بالشيخ علي الجنيد، عليهما رحمة الله.

وقبل أن أسترسل بالحديث أرجو أن الفت الشباب إلى شيء واقع دائر شديد الدوران بين الناس. ذلكم أن الإنسان بطبعه أثر شديد الأثرة، فهو لا يحب بل ولا يكاد يطيق أن يبرعه أحد في سبب من أسباب الحياة. ومن هذه الخلة أصاب الحسد مدخله من نفوس الناس، ولهذه الأثرة، أو لهذا الحسد مظاهر شتى وآثار تختلف وتتفق وتلتقي وتفترق. ومن أغربها في طباع المصريين، بوجه خاص جحود فضل القائمين في الحياة. فان لم يكن إلى هذا سبيل فهنالك الذرائع المختلفة لتهاون أقدارهم، والحط من حظوظهم في أقطار الفضائل والنعم. فإذا أعيا هذا على الناس أيضاً راحوا يشيدون بفضائل من تقدموا، وينحلونهم من الأسباب ما يبرعون به القائمين في مزاياهم، ويجهرونهم به في جمال خلق، أو جمال فن، أو جمال صوت.

وكلما علت بالمرء السن تزيّد في هذا وأسرف لا حد المعاصريه من أهل الفضل ومن أصحاب الفنون وحدهم، بل مكايدة أيضاً لهؤلاء الناشئين الذين يستقبلون الحياة (وتحنيسا)

ص: 80

لهم لما ظفروا به من دونهم، وليس إلى عودتهم من سبيل. فكأنهم يقولون لهم: إننا لن نأسى على أدبارنا، وإنكم لن تفرحوا بإقبالكم. لأنكم لن تصيبوا من الطيبات ما أصبنا، ولن تظفروا من متع الحياة ببعض ما ظفرنا.

ولقد أدركنا طرفا من حياة ملك المغنين المرحوم عبده الحمولي، فكان إذا أطرب وأفلق تبادر القعديون وقالوا: وأين هذا مما كان يصنع المقدم أو البيطار؟. وكانت الوردانية إذا جلجلت بصوتها الحنان قالوا: إن هذا إلا مزعة من صوت ألماس!. كذلك أدركنا صدراً كبيراً من عهد حنفي برعي وأحمد ندا، وسمعنا منهما العجب العاجب ولكن يأبى القعد لنا إلا تكديراً وانطواء على الحسرة لما فاتنا من صوت القيسوني، وكان صوته يقف الطير في جو السماء!. وغير هذا من فنون المبالغات تكدر صفو الناشئين، وتبطرهم على ما أزل الله لهم من ألوان النعم!

وإنني قضاء لحق التاريخ أقرر أن من الأصوات القائمة الآن ما لا يقل في قوته وحلاوته وصفاء جوهره عن خير ما سمعنا من ثلث قرن خلا. على انه إذا كان مما يوهن من تلذيذ الناس بسماع الغناء وشدة الطرب عليه تلك الخلة التي أسلفت عليها القول، فقد جد على ذلك عنصران كان لهما، في هذا الباب، خطر عظيم: أحدهما شدة اشتغال الجمهرة بالأحداث السياسية ونحوها، فلم تعد تجتمع لهذا ببعض ما كان يجتمع له السلف، إلى ما ورثت هذه الأسباب من كدر في النفوس هيهات أن يأذن لها بالخلوص للطرب على الغناء.

وأما الثاني فهذه العنيفة المشبوبة في الفن نفسه بحكم التطور والتحول من القديم إلى جديد يراد. وهيهات أن تستريح الأذن إلى ما لم يقر من بعد له قرار. ولعل الحال لو استقرت، والنفوس لو صفت، لخرج لنا من هم خير ممن تقدمت بهم الأيام.

ومهما يكن من شيء فقد حرم هذا الجيل من نعمة تلك الأثرة والتنغيص على من دونهم من النبت إذا صح أن يدعى ذلك نعمة! والفضل كله للرجل العظيم (أديسون) مخترع الفونغراف، فقد دون الأصوات، وسجلها على وجه الزمان!

والآن وأنا مقبل على ما أنا بسبيله، أشعر أنني قد تورطت في اختيار هذا الموضوع أشنع التورط. ولعل ما هربت منه كان أرفق بنفسي مما استعصمت به، وخاصة بعد هذا الذي قدمت من الكلام. ولقد قال أصحاب قواعد السلوك إن الرجل المربي خليق به ألا يروي ما

ص: 81

يقع له من نوادر الحوادث وغرائبها لئلا يسرع الناس إلى النيل من مروءته، وإحالة أمره إلى التزيد والخلق طلبا للمكاثرة بشدة الأغراب. على أن مما يلين لي هذه الرواية ويشد من متني في قصتها أن لا يزال في الأحياء آلاف ممن شهدوا أمثال ما شهدت، بل وممن شاركوني فيه بالذات. فلنمض لحديثنا والله تعالى المستعان.

عبده الحمولي:

لم يكن يتهيأ لفتى حدث مثلي أن يسمع عبده الحمولي في سهولة ويسر. فلقد كان، في العادة، لا يغني إلا في بيوت الطبقة (الأرستقراطية). ودون أبوابها لؤم الحجاب وعصى الأحراس، فما من سبيل إلا في الغفلة من أعينهم، أو بالرشوة في أيديهم، أو في أعجاز الليل بعد منصرف السادة المدعوين، وعلى بعض هذا أذن الله أن اسمع ملك المغنين بضع عشرة مرة.

وبعد فعبده، وتاريخ عبده، وفن عبده، وصنعة عبده، وبدع عبده، كل أولئك غني عن التعريف والتبيين. ولكنني أبادر فأقرر أن صوت هذا الرجل على جلالته، وحلاوته، ووفائه بكل مطالب النغم في جميع الطبقات، لم يكن بالموضع الذي يتمثل لأوهام من لم يسمعوه من أهل هذا الجيل. بل إن من القائمين من لعله يجهره في هذا المعنى من الجمال. ولكن لا يذهب عنك أن وراء هذا الحس المرهف، والذوق الدقيق، والفن الواسع، والكفاءة الكفيئة والقدرة القادرة على التصرف في فنون النغم في يسر ولباقة وقوة ابتكار ورعاية لوجوه المقامات المختلفة. والتوفيق إلى كل ما يغمز على الكبد. ألا لقد جمع الله أحسن هذا كله لعبده الحمولي. فلم ينته أحد فيه ممن سمعنا منتهاه إذا استثنيت صاحبه المرحوم محمد عثمان على اختلاف غير قليل بين فني الرجلين.

وإني لأذكر أنني سمعته مرة عند مطالع الفجر، وكان ذك في دار المرحوم السبكي بك في شارع الطرقة الشرقي. ولعله كان قد مسه طائف من الشجي، فكاد يحيل العرس مناحة من كثير ما تبادر لنغمه الشجي من دموع الناس.

أما الحادثة التي أؤثرها بالرواية فلقد كانت في دار رجل من خؤولتنا أولم لتزويج ابنه، وداره تقع في حي الناصرية، وكان صديقاً حميماً للمرحومين عبد الحمولي والشيخ يوسف المنيلاوي، وكان أثيراً عندهما كريم المحل منهما، وقد دعاهما كليهما ليغنيا معا في عرس

ص: 82

ابنه، فلبيا الدعوة خفيفين.

وأنت بعد خبير بأن (أفراح) أولاد البلد لا يحجب عنها الناس، ولا يدفعهم من دونها شرط ولا أحراس. وكذلك اكتظ السرادق بالمئآت إن لم أقل بالآلاف من أصناف خلق الله.

ويستوي عبده إلى (التخت)، ويتدلى في الميدان يحمي ظهره الشيخ يوسف وأحمد حسنين، ونصر الحصاوي، عليهم رحمة الله، وشيخ المغنيين الآن الأستاذ محمد أفندي السبع، نعمه الله بأطيب الحياة، ومعهم السيد أحمد الليثي بعوده، (أو الجمركشي؟ لا أذكر) وأمين أفندي بزري بنايه، وإبراهيم أفندي سهلون بكمانه، ومحمد أفندي العقاد بقانونه، فغنوا وعزفوا ما شاء الله أن يغنوا ويعزفوا حتى ختموا ما يدعى (بالوصلة) الأولى، ولست أذكر ما تغنوا فيه من الأصوات. ثم استراحوا برهة من الزمن عادوا بعدها إلى شأنهم. وما برح عبده، رحمة الله عليه، يضطرب بين الليل والعين. ثم ينقلب إلى المواليا فيرجع فواصله ترجيعا. حتى إذا فعل في هذا كله الأفاعيل، وصنع مالا ترتقي إلى صفته الأقاويل، أقبل يغني، والجماعة معه (الدور) المشهور وهو من نغمة العراق:

(لسان الدمع أفصح من بياني

وأنت في الفؤاد لابد تعلم

هويتك والهوى لجلك هواني

ولكن كل دا ما كانش يلزم)

إلى آخر ما يدعى في عرف أصحاب الغناء (بالمذهب). ثم أمسك القوم لحظة خرج بعدها عبده منفرداً، وقفى العقاد على أثره بقانونه. وقال الجبار:(أديني صابر على ناري)!!!!

لست بمستطيع يا معشر القراء أن أقول لكم كيف قالها الرجل ولا كيف صنع. لأنني أنا نفسي لا أدري، ولا احسب أحداً من الخلق دري كيف قال الرجل ولا كيف صنع!. ولكنني أستطيع أن أقول لكم إن طائفاً عنيفاً جداً من الكهرباء سرى في هذا الحشد كله لم يسلم عليه أحد: جمد الناس جميعاً، وتعلقت أنفاسهم، وشل كل مناط للحركة فيهم، فما تحس منهم إلا أبصاراً شاخصة وأفواهاً مفغورة. لو اطلعت عليهم لخلتك في متحف يجمع دمى منحوتة لا أناسي يترقرق فيها ماء الحياة، حتى القائمون بالخدمة، لقد مسهم هذا الطائف فجمدوا وثبتوا: وحتى رداف عبده لقد جرى عليهم من هذا ما جرى على سائر الناس!!!

ولقد ظلت هذه الحال زهاء عشرين ثانية، اعني قرابة ثلث الدقيقة، وينفجر البركان الأعظم يتطاير عنه الحمم، وترى الخلق يموج بعضهم في بعض، لا يدري والله أحد أين مذهبه.

ص: 83

ولا تسل كيف قدت الحناجر من الشهيق، ولا كيف بريت الأكف بالتصفيق. وخرج الأمر ساعة عن عرس مقام إلى مستشفى مجانين. رفعت فيه الحوائل وفتحت الأبواب، ونحى عنه احراسه من الشرط والحجاب

والى هنا أراني قد أطلت بما لم يدخل في صدر حسابي. ولعلي بهذا أمل وأضجر. وعلى كل حال فقد تعبت وجهد بي فلأقف إذن عند عبده الحمولي. أما حديث الجنيد فأرجئه إلى كرة أخرى، وأرجو ألا أوفق إلى مثل هذا أبدا.

عبد العزيز البشري

ص: 84

‌شرقاً وغربا

للدكتور محمد عوض محمد

في يوم قديم من أيام هذا الزمن السرمدي، جلس يافث وسام إبنا نوح، في ظل شجرت من الأثل، ليستريحا ساعة من النهار. وإلى جانبهما جدول يجري، له خرير هادئ وديع، وانسياب معتدل، ليس بالسريع ولا البطيء. ولأغصان الأثل حفيف دائم، فيه رنة حزن بادية. كأنها انتحاب الثاكل أو أنين السقيم.

كان العالم حديث عهد بالطوفان الهائل الذي غمره، ورحضه رحضاً عنيفاً قاسياً لكي يطهر مما به من رجس، ويصفو مما به من كدر، ويعود نقياً بريئاً نظيفاً. . .

يا للعجب! أكلما تدنس وجه الأرض، وغشيته الأقذار، انتابته هذه الكارثة وأرسل إليه طوفان ليغمره ويطهره،؟ لقد عادت الأرض بعد هذا الطوفان طهراً، كأنما خلقت خلقاً جديداً، وعاد ثغرها باسما، وجبينها ناصعا، ووجهها زاهراً. لكن - تباركت اللهم - ألم يكن الثمن غاليا، والقربان جسيما؟ أما من سبيل غير هذه لكي تطهر الأرض مما تمتلئ به الأدران وما قد يغشاها من الرجس؟ وإلا فهل من سبيل لأن يسود هذا العالم الصفاء والطهر، فلا ينغمس في الأقذار ذلك الانغماس المروع، الذي لا مفر معه من كارثة ماحقة، تعيد إليه الصفاء والنقاء؟

لابد أن يكون هنالك سبيل غير هذه السبيل، وطريق لإصلاح العالم غير تلك الطريق. . . فهل لهذه العيون الحائرة من قبس من النور القدسي يهديها تلك السبيل؟

كانت هذه الخواطر تتردد في فكر سام ويافث، وهما جالسان: ينظران إلى تدفق الجدول، أو يحدقان في السحاب المنتشر في السماء، أو يصغيان لحفيف الأثل، أو يرسلان الطرف بعيداً إلى قمم عالية يغشاها الثلج الأبدي. وهما في الحقيقة لا يريان ولا يسمعان من هذا كله شيئاً، إذ شغلهما ما أهمهما من هذه الأفكار المتدافعة تدافع الموج. فكان كل منهما يقطب جبينه حيناً، ثم يقلب في الفضاء نظرات حائرة، لا تكاد تعرف لها قرارا. . .

وأخيراً تكلم يافث:

أي سام! لقد حم الفراق، ولم يبق بد من أن يتخذ كل منا في هذا العالم سبيله،. فعلام عولت؟. . . إن هذا الطوفان الذي غمر الأرض، وعم الغور والنجد، قد طهر كل ركن من

ص: 85

أركان البسيطة، وأزال ما قد علق بها من رجس، لكنه قد اكتسح أناساً، وأهلك خلقاً كثيراً. . ولقد أتى أمر الإله بأن ننتشر في الأرض، وأن نضرب فيها طولاً وعرضاً، وأن نتناسل ونتكاثر وأن نملأ الأرض بذرياتنا: وقد حم الفراق، وستذهب في ناحية وأذهب في أخرى، فعلام عولت؟

قال سام:

إن الفراق أليم، والضرب في البيداء أليم، وقطع السهول والحزون أليم، ولكن أشد من هذا ألماً ذلك الظلام الحالك الرهيب الذي يكتنف الأيام المقبلة والسنين، ويتجاوزها إلى الأجيال والقرون، وإني كلما أرسلت بصري باحثاً مستطلعاً، أرتد إلى البصر خاسئاً حسيراً، قد أجهده الضلال، وسط ظلام دامس، متراكم بعضه فوق بعض، لا يعرف له آخر ولا يدرك له حد.

سوف نتكاثر ونتناسل، ونملأ بذرارينا الأرض؛ حتى يعمر الخراب، وتمتلئ الأقطار؛ ثم - من بعد هذا كله - تنهمر السيول من السماء، وتتفجر الأنهار من جوف الثرى، ويعم العالم طوفان مخرب مدمر، يفتك بالناس، ويهلك الحرث والنسل. . . أمن أجل هذا نلد ونتكاثر، لكي نسلم ذرارينا إلى هذا المصير الحزين، كلما دارت الأيام دورتها؟

قال يافث

لقد استفحل خطب العالم، وتكدست فوق البسيطة أدران أفسدت الثرى والهواء، واستحالت معها الحياة. فلم يكن بد من أن يجتاح الأرض هذا الطوفان، فيملأ كل مكان، ويغسل كل بقعة من البقاع مما علق بها من الدنس. . . فلماذا يجزنك الجزاء الحق، والقضاء الذي لا مفر منه؟ ونفسي تحدثني أن هذا الجزاء الصارم لا يكون إلا مرة. وأكبر ظني أن العالم بعد أن رحض هذا الرحض العنيف، لن ينغمس في الحمأ، ولن يغرق في الموبقات بمثل تلك الصورة البشعة التي استوجب ذلك الجزاء، سيكون في الناس أبداً من تدفعه نفسه الأمارة بالسوء إلى مجاهل الشرور. لكن العالم في أمان ما غلب خيره على شره، وحقه على باطله. وإن عليّ وعليك واجباً ألا نلد لعمارة هذا العالم غير الأنفس النقية والذرية الصالحة، التي ترهب الإله وتلزم سننه؛ ولئن صلح نسلي ونسلك، فما أجدر العالم أن يغلب طهره على رجسه، وصالحه على فساده. الأمر إذن راجع إليك والي فعلام عولت؟

ص: 86

قال سام:

من هذا العبء الباهظ أفرق، ومن تأمل ذلك الواجب المضني تملكني رعدة الحائر، وجزع العاجز. . . لست أدري يا يافث كيف يولد الشر، ومن أين ينبغ الرجس! لقد يكون العالم وما به الأكل بر كريم، ثم ينقلب في عشية أو ضحاها: فإذا الشر قد طغى وساد، والبر أوشك أن يمحى من الأرض!

أن الدم الذي يجري في عروقي - علم الله - لطهور. وأخلق بنسلي ألا يرث مني سوى الخير والهدى. ولكن من لي بأن أضمن له ألا يحيد عما ورثه، وألا تجمح به النفس الهوجاء. فينزل به السخط ويحل البلاء ويجتاحه طوفان كالذي شهدناه؟

قال يافث:

لقد مالت الشمس نحو الأفق، وتوشك أن تتوارى خلف تلك الجبال، تاركة خلفها سحباً عسجدية صفراء. إن مغرب الشمس قد استهواني يا سام! وكأنما فيه قوة قوية تجذبني أبداً إلى الغرب! ولقد طالما جلست في هذه الأثلات أتأمل الغروب، وأفكر في هذا الكون البديع الذي يميل نحو ذكاء، وفي كل مرة كنت أحس دافعاً شديداً يدفعني إلى الغرب!

إلى الغرب إذن سأمضي، وفي الغرب سأحيا، وتحيا ذريتي ونسلي. وهنالك فلنحاول أن ننشر اليمن والعمران. .

أنا أيضا لست أدري. كيف تولد الشرور، والأصل في العالم البر، ولا أدري كيف ينمو الرجس، وأساس الكون الطهر. على أني - وأن أجهدت في هذا خاطري - ليس بضائري أن أعيا به، وأن يقصر عن إدراكه فكري. فسواء لدى أكان الشر مما يخرج من الأرض أم يهبط من السماء، فان عليّ وعلى ذريتي أن نعد العدة لسحقه، وأن نهيئ الأسباب لحربه. فلا تكاد شجرته أن تنبت حتى تجتث من أصولها، ولا يكاد رأسه أن يرتفع حتى يلقي ضربة فاقرة. وأني أحسن أن فيّ وفي نسلي قوة كامنة ستسير بالناس حتما إلى الخير، وتردهم - ولو بعد لأي - عن كل منكر. وما هذه القوة سوى قوة الفكر البشري: الفكر الباحث الذي يتناول الأشياء بالنظر وبالتأمل، ولا يزال مسترسلا في البحث وفي التحقيق حتى يسلمه الإمعان في التفكير إلى سبيل الرشاد. ويريه ما انطوي عليه العالم من أسرار، وما خفي فيه من الحقائق. . . وسيخطو العالم خطوات بعيدة يوم يعلم الناس القوى التي

ص: 87

تمسك الأجرام لتربط الأكوان، وما كمن في الأرض من كنوز، وما جرت به الأنهار من خيرات. هنالك تعم السعادة، ويقضي على الشرور.

إلى الغرب إذن سأمضي، وهنالك سأغرس شجرة العلم، لكي تؤتي زهرها يانعاً، وثمرها شهياً رائعاً. وأنت يا سام، علام عولت؟

قال سام:

الآن يشرق القمر بدراً كاملا: وهو احسن ما يكون حين يطلع في المشرق، إذ لا يرتفع فوق الأفق إلا أذرعا. . لست أدري هل تخدعني عيناي. لكني أراه وقت الشروق أكبر حجما، وأملح وجها، وألطف نورا. وما زلت منذ درجت يستهويني الشروق، وتعجبني الشمس والنجوم ساعة تطلع على العالم. ولقد طالما جلست أرقبها إلى جانب هذا الجدول الجاري. فتوحي إلى بما يطمئن له القلب الثائر، والطرف الحائر. الشرق هو المبتدأ، والغرب هو المنتهى، فهنيئاً لك الغرب يا يافث! أما أنا، فان هوى نفسي في الشرق. لا أبغي به بديلا.

في الشرق إذن سأحيا. وتحيا ذريتي ونسلي، وهنالك فلنأخذ في نشر أسباب العمران.

ولست أدري هل أقدر أن أسلك وذريتي السبيل التي رسمت، والنهج الذي تريد أن تنهج. ولئن قدرت أن أسلك سبيلك تلك، فما أدري أمنجيتي وذريتي من الويل، وهاديتي ونسلي إلى الرشاد، إن عهدي بالفكر البشري أنه كثير الضلال، كثير الخبط في بيداء لا تفضي إلى خير. وقلما يصيب الحق إلا بعد أن يتيه في الباطل دهراً طويلاً. وما أشد خوفي يوم يطلع أبنائي على ما ثوى في الطبيعة من قوة، وما كمن فيها من كنوز. عند ذلك قد يلهيهم التكاثر أو يتملكهم الجشع، ويتناحرون من اجل مادة قد لا تغني عنهم شيئاً. . . كلا، ليس العلم أو الفكر بالذي ينقذ الناس، فان طريقه طويلة وعرة. . .

الآن تنكشف الغشاوة عن عيني وأرى السبيل واضحة جلية. إن أبنائي سيولون وجوههم شطر الدين، وبالدين سيبلغون بالعالم أقصى مراتب السعادة والطهر.

وسيبلغون حقائق الدين بالألهام، وبالوحي ينزل من السماء، لا بالبحث والحفر والتنقيب في الأرض. فذلك هو الهدى الذي ليس بعده هدى، والنجاة التي لا تعدلها نجاة. ولقد يتناحر الناس من أجل الدين، ويكيد بعضهم لبعض، ويصيبهم من هذا أذى كثير، غير أنه دم

ص: 88

طاهر يسفك من أجل مأرب طاهر، لم تدنسه المادة، ولم يلوثه الطمع. . .

أجل وإني لأرى الساعة كيف ينبغ من أبنائي رسل مبشرون ومنذرون وكيف ينتشر أبنائي في العالم، فيرفعوا علم الدين، وينشروا الهدى، ويحطموا الأصنام، ولقد أسمع الساعة صوتاً ينبعث من أرض كنعان، فيملأ الأرض حبا ورحمة، ثم أسمع بعد فترة صوتاً قوياً رزيناً ينبعث من الصحراء فيملأ الأرض عدلاً وأمنا، فيتردد صداه من المشرق إلى المغرب فإذا الأوثان تتكسر، والشرك يمحى، والأغلال المذلة تتحطم، وصروح الباطل تندك.

لا خوف إذن على العالم من طوفان يمزقه، أو لهيب يحرقه، ما دام فيه رسل تهدي، ودين ينير الظلام.

إلى الشرق إذن سأمضي، وهنالك فلتغرس شجرة الدين. أصلها ثابت وفرعها في السماء. وارفة الظلال، طيبة الثمرة

ثم سكت الاخوان، وأطرقا زمنا، ولبثا جالسين يحدقان في الكون، دون أن ينطقا بكلمة، حتى دجى الليل، ولمعت في السماء النجوم، وبرد الهواء، فنهضا وجعلا يمشيان الهوينى صامتين.

حتى إذا اقتربا من منازلهما مد الأخ الأكبر يده مصافحاً:

- فليهنئك الشرق يا سام!

- وليهنئك الغرب يا يافث!

محمد عوض محمد

ص: 89

‌النجاشي العادل

للآنسة سهير القلماوي

(كلا لا تطعهم واسجد واقترب) هكذا كان ينبعث الصوت خافتا واضحا عذبا حنونا، وهكذا كان يتردد الصوت في صدر الرسول وهو وسط الكفار والمشركين والمنافقين والمستهزئين من أهل مكة. فإذا ما تغامزوا عليه، وإذا ما تآمروا على قتله، وإذا ما استهزأوا بوحيه، وإذا ما سبوه ولعنوه وتهجموا عليه، كان هذا الصوت الخافت الحنون يكرر ويعيد:(كلا لا تطعهم واسجد واقترب)

ولكن آل الرسول وآل عبد المطلب، كانوا أعزاء في قريش، وكان الرسول محمياً بعزتهم مطمئناً للوحي الذي ينزل على قلبه. أما المسلمون المستضعفون، أما العبيد وأما الإماء، فلم تكن لهم عزة ولم يكن لديهم وحي، وإنما إيمان هو كل ما يملكون. ومتى درأ الإيمان عن صاحبه العذاب؟ بل متى لم يجلب الإيمان لصاحبه عذابا؟ ورأى الرسول عذاب هؤلاء المؤمنين المستضعفين فأمرهم بالهجرة من مكة، ولم تكن هجرة في الإسلام بعد فقالوا له حائرين؟ وإلى أين نهاجر يا رسول الله؟ قال إلى الحبشة، فان بها ملكاً عادلا لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا.

وفر قلة من المسلمين بدينهم لأول مرة ملتجئين إلى النجاشي العادل ملك الحبشة، فآواهم ونصرهم وأقاموا عنده في خير جوار لم يؤذوا ولم يسمعوا شيئاً يكرهونه، ولكن قومهم بمكة عز عليهم هذا الفرار، أو قل عنَّ عليهم أن يتلقاهم النجاشي هذا اللقاء. فأرسوا وراءهم عظيمين من عظمائهم مزودين بالهدايا الثمينة ليأتيا بهم من أرض النجاشي العادل.

وفد العظيمان على أرض الحبشة فوزعا هداياهم على أساقفة النجاشي العادل، وفي الغد قدما عليه وهو جالس على عرشه في أبهة الملك وعزته وسطوته وقدما له هداياهما وقالا له (أيها الملك أنه قد أوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاءوا بدين جديد ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا انتم. وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم)

أنصت النجاشي العادل إلى قولهما وإذا أساقفته تصيح معهما (صدقا أيها الملك. قومهم أعلى بهم عينا. فأسلمهم إليهما) وهاج النجاشي قولهما وثار لموافقة أساقفة لهما فقال غاضبا (لا

ص: 90

اسلم إليهما قوما بادروني ونزلوا بلادي واختاروا جواري دون سواي حتى أدعوهم فاسألهم عما يقول هذان في أمرهم)

وأرسل النجاشي خلف المسلمين فآتوه وهو على عرشه وأساقفته ناشرون مصاحفهم حوله، وتكلم عن المسلمين جعفر بن أبي طالب قال، (أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش. . . حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا. . . وامرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكشف عن المحارم. ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. . . فصدقناه وآمنا به واتبعناه. . . . فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا. . . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا. خرجنا إلى بلادك. . . ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك) قال النجاشي العادل وقد أثر فيه قول جعفر: هل معك مما جاء به من الله من شيء؟ قال جعفر نعم، قال له فاقرأه، فقرأ جعفر (كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا: إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا).

أنصت النجاشي لآيات الله يتولها جعفر فلم يشعر إلا والدموع تنهمر من عينيه وتبلل لحيته. النجاشي ملك الحبشة العظيم، النجاشي الذي ذاق هول الدهر، فقد غدر به قومه وقتلوا أباه وباعوه ليخلصوا منه ثم لجأوا إليه أخيرا حين احتاجوا إليه، هذا النجاشي الذي بلا الدهر واستمرأ غلظته وجفاءه، نعم هذا النجاشي يبكي لمجرد تلاوة آي الذكر الحكيم وكأنه صعب عليه أن يبكي لمجرد تلاوة آيات فالتفت إلى أساقفته وفيهم الغليظ القلب، وفيهم الجافي الطبع، وفيهم البارد العاطفة، فإذا بهم كلهم باكون وقد اخضلت لحاهم من الدمع. ولكن عظيمي مكة وقفا جامدين! لقد ألفا هذه التلاوة ولم تؤثر في أكبادهما الغليظة شيئا. (الأعراب أشد كفر ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله).

خرج العظيمان المكيان مخذولين، ولكنهما لم ييأسا، فجاءا النجاشي العادل في الغد يريدان

ص: 91

الوقيعة بينه وبين من آووا إليه فقالا له أيها الملك: انهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيما فناداهم النجاشي وقال لهم وما تقولون في عيسى بن مريم؟ فرد عنهم جعفر ابن أبي طالب (نقول فيه الذي جاءنا به نبيناً صلى الله عليه وسلم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول) وآمن النجاشي العادل بقولهم وإن لم يؤمن به أساقفته، ورجع العظيمان إلى مكة خائبين وظل المسلمون في جوار النجاشي العادل آمنين مطمئنين

وجاء النجاشي منازع له على العرش يحاربه فلم ينس المسلمين في محنته. وإنما أعد لهم سفنا وقال لهم إذا هزمت فهذه سفنكم توصلكم إلى أهلكم بمكة، وإذا انتصرت فانتم كما كنتم آمنون في جواري. وصلى المسلمون من أجل النجاشي فانتصر على عدوه، وظلوا في جواره آمنين إلى أن تهيأت لهم مكة فرجعوا إليها

وانشغل المسلمون بجهادهم عن الحبشة وملكها النجاشي العادل، وبينما هم ملتفون حول رسولهم يجاهدون من أجله وفي سبيل تعاليمه ودينه، إذا بهم ينعى إليهم النجاشي العادل. ولم ينس الرسول يده على المسلمين يوم كانوا مستضعفين فارين من وطنهم فاستغفر له وصلى من اجله.

كان المار قديماً بأرض الحبشة يرى على ضفاف النيل بقعة ينبعث منها النور فيظنها لأول الأمر وهج الشمس، فإذا ما اقترب منها عرف انه نور ينبعث من الأرض لا من السماء، فإذا ما سأل أهل البقعة عن مبعثه قالوا هذا قبر النجاشي العادل، هذا قبر أول من آوى المسلمين المهاجرين يوم كانوا مستضعفين في الأرض!

سهير القلماوي

ص: 92

‌من طرائف الشعر

إلى الشواطئ المصرية

للشاعر الوجداني على محمود طه

حيَّاكِ أرضاً وازدهاكِ سماء

بحرٌ شدا صخراً وصفَّقَ ماَء

يحبو شعابَك في الضحى قبلاتِه

ويرفُّ أنفاساً بهنَّ مساَء

مُتَجَدَّدَ الصبَّوَات أودعَ حبُهَّ

شتىَّ الأشعةِ فيكِ والأنداء

وَلِعٌ بتخطيط الرَّمال كأنَّه

عرافةٌ تستطلعُ الأنباء

وَمُصَوِّر لَبِقُ الخيال يصوغ من

فنِّ الجمال السِّحرَ والأغراء

نَسَقَ الشَّواطئ زينةً وأدقَّها

صُوَراً بريَّا صفحتيه تَراءى

يجلو بريشته السماَء وإنِّما

زادتْ بريشته السماءُ جلَاء

لا الصبحُ أوضحُ من مطالعه بهِ

شمساً ولا أزهى سناً وضياَء

كلاَّ ولا الليلُ المكوكبُ أفقه

بأغرَّ بدراً أو أرقَّ سماَء

ولربَّ زاهيةِ الأصيل أحالها

سيلاً أحمَّ ولجةً حمراَء

وكأنما طوَت النهارَ ونشَّرتْ

لَهَباً وفجَّرت الصخورَ دماَء

ولربَّ عاطرةِ النسيم عليلةٍ

طالعتُ فيها الليلةَ القمراَء

رقَصَتْ بها الأمواجُ تحت شعاعها

وسرتْ تُجاذبُ للنسيم رداء

حتى إذا رانَ الكرى بجفونها

ألقتْ إِليك بسمعها إِصغاَء

تتسمعُ النوتيِّ تحت شراعه

يشدو فيبدعُ في النشيد غِناَء

هَزَّتْ ليالي الصيِف ساحرَ صوته

فشجا الشواطئَ واستخفَّ الماَء

وأثارَ أجنحةَ الطيور فحوَّمتْ

في الليل حيرى تتبعُ الأصداَء

وَُرٌ فواتنُ يا شواطئُ صاغها

لك ذلك البحر الصَّنَاعُ رواَء

فتنظّريهِ على شعابكَ مثلما

رجع الغريبُ إلى حماهُ وفاَء

كم ظلَّ يضربُ في صخورك موجضه

مما أجنَّ محبةً ووفاَء

عذراً إذا عيَّتْ بمنطقة اللُّغى

فهو العبيُ المفجمُ الفصحاَء

فخذي الحديثَ عليه واستمعي لهُ

كم من جمادٍ حدَّثَ الأحياَء

ص: 93

وسليه كيف طوى اللياليَ ساهداً

وبلا الأحبَّةَ فيك والأعداَء

كم ليلةٍ لكِ يا شواطئُ خاضها

والرعبُ يملا حولك الأرجاَء

والسفنُ مرهفة القلاعِ كأنَّها

تطأ السحابَ وتهبط الدأماَء

حمَلَتْ لمصر الفاتحين وطَّوَحتْ

للنيل منهم جحفلاً ولواَء

ولو استطاعَ لردَّ عنكِ بلَاءهم

وأطار كل سفينةٍ أشلَاء

أو كان يبلغ للغيوب شفاعةً

هزَّ الوجود ضراعةً وبكاَء

أو كان يملكُ قدرةً حشد الدُّجى

ونضا الرجومَ وجنَّدَ الأنواَء

ودعا غوارَبه الثِّقالَ فأقبلتْ

فرمى بها قَدَراً وردَّ قضاَء

فاستعرضي سيِرَ الزمان ورددي

ما سرَّ من أبنائهنَّ وساَء

وخذي ليومكِ من قديمك سلوةً

ومن الجديدِ تعلَّةً ورجاَء

إيهٍ شواطئَ مصر والدينا منىً

تهفو إِليك بنا صباحَ مساَء

ناجيتِ أحلامَ الربيع فأقبلتْ

وأشرتِ للصيف الوسيم فجاَء

يحبوك من صفو الزمان وأنسه

ما شئتِ من بَهَجِ الحياة وشاَء

وغداً تضيءُ على جنبيك لمحة

طَبَعَ الخلودُ سماتِها الغراةَ

وترفُّ منه على ثغورك بسمةٌ

خَفَّ العبابُ لها وغَضَّ حياَء

فاستقبلي الصيف الجميلَ وهيئي

للفنِّ فيك خميلةً غنَّاَء

واستعرضي حور الجنانِ وأطلقي

لغةَ السماء وألهمي الشعراَء

ص: 94

‌إسلام عمر

أسلم سعيد بن زيد بن نفيل (ابن عم عمر) وزوجته فاطمة (أخت عمر) وكان خباب بن الارت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن

خباب - (يستحث فاطمة):

رتلي ما شئت فيه رتلي

وأقرئيه كل صبح ومساءْ

إنه خير كتابٍ مُنزَلِ

فيه للمؤمن أمن وشفاءْ

فاطمة:

يا بياناً جلَّ عن كل شبيه

وتعالى عن أساليب العربْ

وكتاباً كلما رتلتُ فيه

خشع القلب لديه واقتربْ

هو إن رقَّ نسيم نافحٌ

بشذا الخلد وأنفاس النعيمْ

وإذا ثار فجمر لافحٌ

يستمد الوقد من نار الجحيمْ

أعرضوا عنه ولو أصغوا إليه

لهداهم وَضَحَ الحق المبين

ولخرُّوا سجدَّاً بين يديه

وغدوا لله خير المخلصين

يعود عمر غاضباً إلى أخته وقد علم بإسلامها مع زوجها

خباب - إِن بالباب طارقا

فاطمة - من لدى بابنا؟

عمر - عمرْ

فاطمة إلى خباب -

اختبئ منه إنه

ملك الموت قد حضر

خباب وهو مسرع:

نجنِّي رب واكفني

شر ما يخبئ القدَرْ

تفتح فاطمة فيدخل عمر ويظهر سعيد

عمر إلى فاطمة: لمَ أبطأت في لقائي؟

فاطمة - عذراً

عمر - (هائجاً) أي عذرٍ يصدكم عن لقائي؟

وعلام اتبعتِ رأيَ سعيدٍ

وهو غرُّ مُسَفَّه الآراء

ص: 95

فعصيتم مَناةَ واللات والعزَّ

ى ودين الأبوَة القدماء

واتبعتم محمداً في هواهُ

وغدوتم من صحبه الأوفياء

سعيد - (في رفق) يا ابن عمي

عمر - (ثائراً)

لستُ ابن عمك حتى

تتعرَّى من لبس هذا الرداء

سعيد - (مستنكراً)

أوَ أعصي محمداً سيد الخل

ق جميعاً وصفوة الأنبياء

والرسول الذي هدانا إلى الحق

بتلك الشريعة الغراء

عمر - (يهم بضربه)

فيم هذا العنادُ يايها الوغ

دُ وذاكَّ العقوق للآباء؟

فاطمة في وجه عمر -

أنت أسرفت في إساءة زوجي

وهو ثبت الجنان جَمّ الحياء

فامضِ لا ترتفعْ يداك عليه

وكفى ما أتيت من إيذاءِ

فيشج رأسها قائلاً:

اتركيني لا جاد ربعَك غيثً

ودعيني أجزيه شر الجزاء

تشعر فاطمة بدمها يسيل فتبكي

أماه قد شجَّ رأسي

أخي وأجرى دمائي

ولم يلنْ لأنيني

ولم يُرعَ لبكائي

كم كنتُ أرجوه عوني

في النكبة الهوجاءِ

فكان مبعث هميَ

وكان كل شقائي

يا ويح ما أنا فيه

من محنةٍ وبلاء

أكلُّ من أصطفيه

يخيب فيه رجائي؟

فيثوب عمر إلى رشده وهو يضمد جرح أخته

ثورةٌ ثبت بعدها لرشادي

فاصفحا عني قساوتي واضطهادي

وتناسي يا أخت ما كان مني

من أذى صبَّه عليك عنادي

ص: 96

لا تظني بيَ الظنون فأني

لك عند الخطوب أكرم فادِ

أنا مهما قسوتُ عونُك في الكر

ب وحصن يحميك من كل عاد

فاطمئني إلى سريرة نفسي

واستريحي إلى حنان فؤادي

فيهدأ الجميع ثم يسألها:

وأريني صحائف الدين أقرأ

بعض ما هاج سائر الحساد

فاطمة بل لتمحو سطورها

عمر - لا وربي

ولو إني لها من الأضداد

فيقول بعد ما ملكت عليه قبله

صحف كلَّها جلال رهيب

وبيان يسمو عن الأندادِ

وكتابٌ يعنو لروعة ما فيه

قساةُ القلوب والأكباد

وضياء يشع في حالكِ الشكَ

فيجلوه بالشعاع الهادي

فيقبل خباب متهللاً:

هيه يا ابن الخطاب

عمر - (مشدوهاً) من ذاك؟

ثم يراه فيقول خبَّاب؟

ومن أي موضعٍ أنت غادي

خباب: -

كنت في صحبة ابن عمك أتلو

صحف الوحي والهدى والرشاد

ثم أقبلتَ فاخفيُت مَروعاً

من حسامٍ لديكَ غرثانَ صادي

وها قدْ أتيُتك لما هدأ

تَ وثبتَ إلى نفسك الراضية

عساكَ تصيخ إلى ما أقو

لُ وتمنحني أذْنك الصاغية

تحدث عنك النبّي الكر

يمُ وأعينه ثرَّةٌ هاميه

ونادى إله الورى أن يعزَّ

بك الدين في مكة العاصية

فهلا تمزق ثوب الضلا

لِ وهلا تفيق من الغاشية

فتتبع دين الرسول القوِ

يمَ وتنبو عن الفئة الباغية

عمر إلى من حوله:

ص: 97

بلى سوف أهجر هذا الضلا

لَ وأنزع أسماله البالية

وألبس يا قوم ثوب الهدى

وحلة دينكم الزاهية

فيتهلل الجميع ويقول سعيد:

أجاب الإله دعاء الرسو

لِ وحقق دعوته الغالية

فقم فاعتنق دينه المرتضى

لنكبت أعداءه ثانية

(في نفسه)

لسوف يذوقون منك العذا

بَ ويُلقوْن في نارك الحامية

يخرج عمر ميمما مجلس الرسول مع صحبه فيطرق الباب:

صحابيّ - طارقٌ جاء

آخر - (وهو يسعى إلى الباب) من يدق علينا؟

عمر - عمْر

فيعود مذعورا - ما على لقائك أقْدِمْ

ثم يهيب بصحبه:

إيذعروا فقد أتى ماردُ القو

مِ وفي سيفه المنيّةُ تجثم

فيهربون ويخاطبهم حمزة غاضباً

أدخلوه فان أراد اهتداء

بعد ما لج في الضلالة أكرم

وإذا جاء بيننا يشهر السيف

ويسعى إلى النكاية حُطِّم

فيمنعهم النبي

بل دعوني ألاقِه أنا وحدي

فهو أحنى مما ترون وأرحم

يفتح له وينتحي به -

فيم يا ابن الخطاب جئت إلينا

عمر - (خاشعاً) جئت أسعى إلى الرسول لأسَلم

فيكبر النبي ويهتف أحد الصحابة -

الله أكبر عَّز الدين وانتصرت

جماعةٌ صمدوا للذل واصطبروا

فيعلم الصحابة بإسلام عمر ويقبلون فرحين مهنئين

ص: 98

أحدهم -

يا مرحبا بحسام الله يمنعنا

من بعد ما فت فينا الخسف والصَّغَر

آخر -

يرجو بك الدين أن تسعى لنصرته

فحقق اليوم ما يرجوه يا عمرُ

وانصر رجالا أباح الأهل حرمتهم

فلم يصيبهمو في دينهم خوَرُ

عمر -

سيروا بمكة أني شاَء رائدكم

واستكثروا في بقاع الأرض وانتشروا

وأطلعوا راية الإسلام خافقة

فدون من رامها الصمصامة الذكر

من صدكم بالأذى مزقت أضلعه

ولو يكون له في أهله خطرُ

فليزدجر بخطابي كل ذي رشد

وليمتثل للردى من ليس يزدجرُ

فريد عين شوكة

ص: 99

‌الحركة الأدبية في ألمانيا بعد الحرب

للأستاذ ران

مدرس اللغة الألمانية بالجامعة المصرية

- 1 -

في سنة 1918 انهارت دعائم ألمانيا على اثر حرب اضطلعت بضرامها ضد عصبة متحالفة تفوقها قوة ومنعة. ومنذ سنة 1918 إلى سنة 1924 جازت ألمانيا غمر أعوام تفيض بالأزمات الداخلية والخارجية، فمن حروب أهلية، إلى صنوف من الذلة في السياسة الخارجية، إلى تدهور العملة، إلى جوع وقحط؛ وفعلت هذه كل شيء لتدفع الشعب المنكود إلى وهاد اليأس. وفي سنة 1924 استحالت شئون السياسة الخارجية إلى شيء من التحسن، وثبتت العملة، واندفعت ألمانيا في دهشة الصديق والعدو، إلى تقدم اقتصادي سريع، ولبثت حالتها المادية والمعنوية حتى وقوع الأزمة الاقتصادية الكبرى ظاهرة الثبات والاستقرار.

يقابل هذين العهدين من تاريخ ألمانيا السياسي، عهدان أدبيان مما بعد الحرب. فإلى سنة 1923، كانت تسود الثورة الأدبية والفوضى. وفي سنة 1924 بدأ عهد من الاستجمام والدعة والرجعة. وإذا كنا نلخص أحوال هذين العهدين - مما يلي الحرب - فإنا سنقتصر طبعاً على ذكر الأسماء والحركات التي ظهرت في هذه الحقبة ذاتها؛ وسنغضي عن ذكر كثير من الشعراء والكتاب الأحياء المعروفين، إذ قد ظهر معظمهم قبل الحرب؛ وما صنع عهد ما بعد الحرب سوى أن ثبتهم في مراكزهم، ومن هؤلاء ريكارد اهوخ، وجرهاردها وبتمان، وتوماس وهينرنخ مان، وغيرهم.

- 2 -

تعرف الحركة الأدبية الثورية في العهد الأول مما يلي الحرب عادة بأنها حركة (التعبير) وكان (التعبير) في الأصل أساساً لبرنامج جماعة من الرسامين ثاروا على فكرة (التأثير) في الرسم فاستعار الأدب من الرسم هذه الكلمة علماً له. وهي في الأدب كما في الرسم علم للثورة. وقد كانت بادئ بدء برنامج عصبة صغيرة من الشعراء والأدباء الذين حاولوا -

ص: 100

شأن كل جيل - أن يمكنوا لطابعهم الخاص وآرائهم الخاصة، وان ينحرفوا في عنف أو هوادة عما للجيل المنصرم من مظاهر الطموح إلى الجمال. ومن هؤلاء بعض الشعراء الشبان الغنائيين الموهوبين (مثل الزه لاسكار شيلر، وارنست شتاتلر، وجود فريد بن، وفرانتس فرفل، وبخر وغيرهم) والى جانبهم بعض النقدة المنتجين الأقوياء مثل كارل اينيشتين ولودفج روبينر، وفردينايد هراديمويف. وظهر إلى جانب هؤلاء خلال هذه الحقبة أيضاً جماعة من القصصيين وكتاب المسرح مثل جستاف مايرنك مؤلف قصة (جولم) وماكس برود مؤلف (طريق تيشوبراه إلى الله) وكارل شتر نهايم، وليونهارد فرنك، وجورج كايزر، وارنست تولر، وفالتر هازنكلفر. بيد أن أهم ظاهرة في الحركة هو أنها كانت وما زالت غنائية في اتجاهها. بل إن (التعبير) كان يعني شهر النضال في سبيل الهام حر وطابع مطلق من كل قيد، أو بعبارة أخرى كان يعني ثورة العواطف والغرائز على أغلال عالم آلي مسير، وعلى الاتجاهات الفنية التي تصفدها قواعد العقل: تلك هي المبادئ التي دفعت بالحركة الأدبية سريعاً إلى الفوضى في الشكل والموضوع

كان الكاتب (المعبر) كأنه (فرتر) مبعوث، ولكن هؤلاء الثوار الجدد كانوا بالأخص يخالفون (فرتر) القديم في ميولهم الفنية كل المخالفة، على أن الميول الثورية أيام (فرتر) كما هي في ظل (التعبير) لم تكن تقف عند الفن. فقد كان البحث يتجه إلى طابع فني جديد، وكان يطمح إلى حق التدخل في أعمق ظروف الحياة الخاصة، ولكن الحركة كانت تتجه بعواملها الثورية بالأخص إلى تحطيم النظم الحكومية والاجتماعية والأخلاقية القائمة؛ كان هذا هو الجيل الذي ازدهر في معركة الطوائف قبل الحرب، وفي جحيم الحرب، وفي أحياء العمال، وفي ميدان الحرب؛ وما يكاد يعرف عالما غير عالم البطش والروعة؛ عالما يهوي الضعيف فيه إلى حضيض البؤس، ويبدو القوي عنيفا مطلق الهوى. وعلى هذا المنوال نشأت العواطف الأساسية لهذا الجيل، وهي عواطف رأفة ورثاء لضحايا هذا العالم، وعواطف طفولة، وعدم مسئولية نحو نظام اقتصادي عنيف ونظام سياسي قاهر أكثر عنفاً، وبالاختصار عواطف ثورة واستهتار. كذلك كان هذا الجيل يؤمن بالعاطفة الإنسانية التي شوهتها التقاليد والعرف. وبالخبر المحض الذي غاض في غمر من الكسل والخبث. وكانوا ككل الثوار الخياليين لا يرون في الحاضر ولا في التاريخ شيئاً غير بطش

ص: 101

الدولة الجهنمية، وظلم الضعفاء، واضطهاد العقل والروح من طبقات سيدة لا ضمير لها ولا وازع.

وقد بدا لهم كما بدا لفوتر، أن الدين والعلم والفن قد زيفت لصالح الطبقات الغالبة. بيد أن هنالك فرقاً بين تكييف آلام الحياة في الماضي وبين تكييفه الجديد، وهي آلام تهم حركة (التعبير) فقد كان فرتر القرن الثامن عشر أيضاً يقطع علائقه مع مجتمع العصر وثقافته، ولكن بقيت له اللغة القومية، وكان يقيس خمول المجتمع بمقدار ما يضطرم في صدره من فيض البيان وعنفه، ذلك البيان الذي تلقاه من جيل إلى جيل. وكان يتلقى صلات الماضي البعيد المجيد، كما يتلقى من حاضره ما لم يغشه الفساد. وكان فرتر يرى نفسه في مرآة اللغة القومية النقية المخصبة، فإذا أخرسه الألم، أمدته بما يقول فيما يعاني. وقد بدت هذه اللغة القومية للشاعر الفتي الذي ظهر في نهاية الحرب مهيضة منهوبة، وألفاها طعمة للسادة الخاملين والطبقات الوسطى الراضية المسترقة، قد استحالت على يدهم إلى أداة خاملة خالية من المعاني

ولسنا نجد ما نقوله عن الطابع الشعري، فقد بدا شكله لهذا الجيل الفتي عليه العفاء مثلما بدت ظروف الدولة والمجتمع، وبدا له الجد والوقار كأنهما وضع مجرد منافق والجمال كأنه امتياز وضيع لرفاهة التجار الاغنياء، وان رنين العواطف قد غدا رنين لغط مجرد، أو غدا بلسما مخدرا

وقد اندفع الشعراء الغنائيون الجدد، بعوامل ترجع إلى الأحقاد الاجتماعية وإلى بعض مثل الجمال، سراعا إلى معترك من الفوضى اللفظية والفنية، ونشأ في ذلك المعترك رغم تناقصه مذهب لعبادة القبيح

وبدأ أولئك الغنائيون (المعبرون) بالخروج على كل قواعد النظم والروى وتنسيق العبارات، بل على قواعد اللفظ ذاته، وانتحلوا لأنفسهم لغة خاصة لم تكن اكثر من سلسلة طويلة من الزفرات المتقطعة والغمغمة والصياح، قد ضحى فيها اختياراً بكل منطق خارجي، وكل جمال ونبل في اللفظ، ويستحيل علينا أن نقدم هنا أمثلة، مثلما يستحيل علينا أن نترجم كتابات الفرنسيين أنصار الحقيقة المغرقة، أو شعراء اكسفورد المحدثين. ونضطر أن نحيل القارئ إلى الشعراء والكتاب الذين سبق ذكرهم. ففي هذا الضرب من

ص: 102

الشعر كله في هذه اللغات، ينعدم كل تنسيق منطقي أو صوغ للجمال. بيد أن لهذا الأسلوب مزاياه في التأثير بما يقوم عليه من العناصر اللفظية الخاصة بكل لغة، وهي مؤثرات يفهمها كل إنسان يعرف هذه اللغة، دون أن يعني بشرحها أو ترجمتها

وقد ذهبت الثورة على المبادئ والقواعد المرعية إلى حد اقصد إلى معالجة القبيح الشاذ. نعم استعمل أولئك الشعراء الروى والقافية ولكن دون شكل ولا قاعدة، بل حولوا الوزن والتناسق إلى خلل وتنافر. ولم يكن شعر هذا العصر يمتاز فقط بالتحلل والغموض، ولكن يمتاز أيضاً بنوع من الضيق والقبح والشناعة. وليس هذا فقط فيما يتعلق بحرية التعبير، بل هو كذلك يتعلق بالميل إلى ذلك التبسط العنيف القبيح، والى ذلك اللفظ الضعيف المغصوب، فقد كان هذا الميل هو طابع الإنشاء

ويرد أنصار (التعبير) على ذلك بأسباب يرجع بعضها إلى الطموح إلى الجمال، فيقولون إن الأمر يتعلق بتجارب لفظية وصور فنية للأشياء أهملت ولم تطرق من قبل، ويرجع البعض الآخر إلى العاطفة وفلسفة التاريخ حيث يقولون أن البيان الذي أتى به عصر محطم ممزق يجب أن يقوم على شيء من الخلل والقبح والهوس، وان ميلاد عصر جديد، أو إنسان جديد كامل يقع دائماً في غمار الألم والقبح. ثم يقولون إن عين العصر الحاضر كعين ساكن جهنم في أسطورة أفلاطون لابد أن ترى اليوم قبيحاً، ما يراه عصر جديد، أنقى الانطباع والجمال.

- 3 -

وما كان ذلك كله ليرضي غير طائفة قليلة من المفكرين الخبثاء أو الذين لا خلاق لهم. ولو لم تكن الحرب وما بعد الحرب لبقيت الحركة محصورة في هؤلاء. ولكن هذه المحاولات التي كانت تقصد إلى عدم المساس بالأذواق والمظاهر الشعبية في الفن والأدب بل تقصد إلى إثارتها، استطاعت بسبب انحلال العصر واضطرابه أن تغزو أوساطاً عظيمة

ذلك أن الرجل العادي الذي فقد صوته في جحيم الخنادق وذعر الهزيمة؛ ألفى في هذه الموسيقى الثورية المضطربة بيانه الطبيعي وبدا الأسلوب الجديد الذي صيغ سراعا في صوت الملاك، أو صوت الحيوان، ولكن لم يصغ قط في صوت الإنسان الأمثل، في نظر الجموع، أنشودة أولئك المساكين الذين كانوا يرقدون نصف عراة في الخنادق لا يفكرون

ص: 103

في غير حياتهم، أو أنشودة أولئك المشردين المنبوذين الذين كانوا أيام الجوع يبتهجون بافتراش الغبراء وأكل الأعشاب. وقد كانت الجماهير الزاخرة، ولا سيما جمهرة المتعلمين تعتقد أن الزمن سيدور دوره. وكان الاعتقاد عميقاً سائداً بأن البراءة ستأتي أو سيأتي عصر تنهض فيه الأحوال الأخلاقية والاقتصادية. وهكذا حظيت هذه العوامل التي بعثت الخيال الجديد بظلامه وخفائه وحماقته بتأييد الجمهور. ولعل الرسالة كانت أقوى من فهم الشعراء أنفسهم وأقوى من ثروتهم اللقطية؛ وكان ثمة اعتقاد بأنها رسالة رسل أو أنبياء. ألم يكن ثمة دليل على عمق الرسالة حين تحطم الإناء تحت ثقل ما فيه؟

- 4 -

ولقد كان ذلك الخيال الذي أقامته حركة (التعبير) ضد (التأثير) والذي كان يعم من الوجهة النظرية لصوغ الحالة النفسية من جديد، وينكر كل استقلال خارجي، بل كل شرعية خارجية وكل شكل وضعي، يلتقي مع ذلك بحاجة للوسط الذي يعني بالفلسفة، هذا إلى تلك الحساسية الدقيقة التي أذاعتها في الطبقة الوسطى فلسفة (فرويد) النفسية والتي اتجهت نحو تصوير الغرائز المضطربة والمثل النفسية

وكانت الفلسفة الألمانية الرسمية، منذ فاتحة هذا القرن تتجه بلا ريب إلى معارضة الفكرة الواقعية، أولاً على يد الأشكال المعتدلة للفلسفة الكانتية ومنذ سنة 1910 ظهرت حركة واضحة تميل نحو فلسفة واقعية روحية (وقوامها فلاسفة مثل، مينونج وهوسرل، وبعض تلاميذ مدرسة ديكرت، وحركة الأحياء الهجلية، وهنز دريش وغيرهم) بيد انه قلما كان يفرق أحد بين الواقعية والآلية، فكانت كل هذه الميول تتجه إلى إنكار الشكل والمقدار سواء في الطبيعة أو البيولوجيا أو الاجتماع.

وكانت الحركة الوطنية قبل الحرب بل وأثناء الحرب أيضاً، تعضد هذا الاتجاه، وكانت ترى في تراث أجست كونت وجون ستوارت ميل، ثقافة خصيمة تجب محاربتها. ولكن بتقدم الميول الروحية ارتد المفكرون إلى الفلاسفة الألمان القدماء: ايكهارت، بيمي، وفختى، وشلنج، وهجل

ومن اليسير أن نبرهن على أن دعاة نظرية (التعبير) قد استقوا من هذه الميول، سواء من الوجهة الشخصية. أو الوجهة المادية. بيد أن الحركتين كانتا تسيران جنباً إلى جنب في

ص: 104

محاربة الآراء الغربية كما وضعت غالباً، وكانتا تطاردان نفس العدو في مواطن كثيرة. فمثلا نعرف جميعاً أن حركة (التأثير) التي تقاومها حركة (التعبير) كانت تتصل أوثق صلة (بالواقعية) الفرنسية وكانت الرواية والقطع المسرحية الألمانية التي أثار عليها (التعبير) أيضاً حربه العوان، في العشرة أعوام الأولى من القرن الحالي، تستقى إلى حد كبير من التعاليم الطبيعية الجبرية والاجتماعية

بيد أن الفلسفة والفن الجديد كانا يلتقيان في تمثيل (الواقعية) أما حركة (التعبير) فكانت تجعل من (الوضعية) وصوغ العبارة محور فنها، وكان الفلاسفة الجدد من جانبهم يمثلون الميل إلى تصوير العالم في صورة تفيض فيها الجوانب المادية، وتتأثل فيها العناصر المعنوية: أعني الفكرة والروح والحياة، أو تكون لها قواما

- 5 -

ثم إن هذه الرجعية الروحية في الفلسفة قد اتخذت صورا ومناحي شتى فبدت أحياناً في الأشكال الصارمة لنظرية المعرفة والمنطق. وأحياناً في ميدان الاجتماع، وطورا في ميدان النظريات الفنية، وأحياناً في مباحث الخفاء. وهكذا استطاعت أن تمد الفن الجديد لا بنظرياته العلمية فقط، بل استطاعت أيضاً أن تمده بالصورة العالمية التي ينشدها

ولقد ظهرت هذه الآثار واضحة في الرواية والقطعة المسرحية اللتين أخرجتهما حركة (التعبير) فكلتاهما انحدرت إلى غمار الخيال المغرق. وفي عوالم محطة أو ممزقة مهلهلة يبدوا فهيا الشغف بما وراء الطبيعة، وما وراء النفس والعناصر الشيطانية الخبيثة. فأما الرواية، فقد عالجت الحوادث الخارقة، وقصص الأشباح، وأشخاص الهائمين في العالم. والعلم بالاتصال بالله؛ وكذا تشبهت الرواية بالأدب الروسي في معالجة قصص المجرمين الذين يتصفون بالصلابة الخارقة أو يزعمون الإلهام من الله، والقضاة ذوي الكبر والقلوب الغليظة، والمذنبين التائبين الذين هم أصفى قلوبا ونفوسا. وأما الرواية المسرحية فقد رسمت صور الشقاء للمعدمين الأطهار، ورسمت على العموم صورة الكفاح المتناقض بين الفكرة المستنيرة والمادة المظلمة، وشرحت الأسباب القديمة المعادة لعقوق الابناء، ومعركة الضمير التي تضطرم في صدور الشبيبة الديموقراطية السلمية التي تتنبأ للعالم بمستقبل عظيم زاهر في ظل النظام الجديد، وصورة المناظر المغرقة لمدنية عظيمة ذات معترك من

ص: 105

الحقيقة والظاهر، والغنى، والفقر، والتسول، والمال، والرذيلة، والعالم الخفي، والعالم الأنيق، كذلك عادت الرواية المسرحية إلى معالجة موضوع القصص الدينية القديمة. ومن الصعب أن نقول إلى أي حد ترجع هذه الصور والمسائل إلى أثر الفلسفة والتيوسوفية، والى أي حد تمثل فقط الحقيقة المروعة لأيام الحرب وما بعد الحرب، وعلى أي حال فقد كانت الحقيقة هي أعظم غذاء لهذه الآثار كلها. فلما تغيرت هذه الحقيقة في سنة 1924 غاضت هذه الآثار كما يغيض الطيف. أما في دوائر الأدب الرفيع فقد اضمحلت الحركة منذ سنة 1922، وكانت في الواقع ظاهرة الفراغ. ذلك أن الدأب على تصوير ضعف الأخيار وبؤسهم، وكونهم يكافحون في عالم قاس أضحى نغمة قديمة مضحكة بغيضة وغدا الاشتقاق من العالم الخفي ومجتمع الفقر والرذيلة فناً سهلاً وغدا يشف من ثمرات كل عام عن ضعف ذهني سيئ. أما الرجال الذي عنوا بمعالجة مشاكل هذا العصر فقد توفروا على دراسة الاقتصاد والتاريخ والفلسفة. ومن ثم فقد انهارت دعائم هذه الحركة التي قامت فطيرة مغرقة. وكان أسلوبها الذي غفل عن الصقل والغاية أحب الأساليب إلى العاجزين. وهكذا سرعان ما غدت حركة (التعبير) لا تعني شيئاً سوى (الفقر الأدبي).

- 6 -

بيد أن العصر الجديد (منذ سنة 1824) عاد فأخذ يتلمس طريقه إلى التقاليد القديمة في حذر بل في روعة. ولما توطدت دعائم الظروف الاقتصادية عاد العمل والحياة فاستقاما ببطء، وعادت الأرزاق الدنيوية تسترد مكانتها وقوتها بعد أن غدا الحصول عليها ممكناً. وغاض الشعور بأن كل شيء يضطرب ويهتز؛ وأخذ الإنسان ينظم شأنه في العالم، وكان لذلك أثره في تقدم الآداب ما بين سنتي 1924 و 1930.

عاف الإنسان الأحلام، وأخذ يقدر الحقائق ويقدر أساتذة الكتاب. وسئم الإنسان الاتهامات الخطيرة وكذلك الوعود التي ليست أقل منها خطورة وعاد يروض نفسه على تذوق العواطف الطبيعية وعلى تقديم الجهود المحدودة ولكن السليمة. أجل، سئم الإنسان إغراق العصر الذاهب وقبحه، وأخذ يقدر احتشام العاطفة وقيمة البيان، وقضى على ذوي الغي والقصور وعاد الإنسان يطلب الصقل والتهذيب.

وإن الإنسان ليشعر في هذه الأعوام الأخيرة إلى أي حد كان أولئك الناس يغرقون في

ص: 106

استعمال العبارات الجريئة؛ ولقد غاضت الرغبة كما غاضت الجرأة في تحري الصور الجديدة أو العنيفة أجل، كان عصر الرجعة، وعصر استرداد التقاليد الأدبية التي خلفتها القرون ولم يكن عصراً ضعيفاً ولكنه أيضاً لم يكن مضطرباً ولم يكن يتلمس طريقه في الظلام.

ولم يكن هذا الجيل أيضاً من الوجهة الخارجية جيلاً جديداً حل مكان الجيل القديم، ولكنه كان طائفة من عمر الجيل المنصرم نضجت في سكينة أو كانت أقدم وأطول عمراً. ونحن نمثل لتلك الطائفة بقصصيين مثل هانز كاروسا، والبرخت سيفر، ويوسف بونتن، ويوسف روت وأرنولد تسفايج. . فهؤلاء فياضون بالرجولة، بل انهم يبدون أحياناً شخصيات هائمة: وهم قديرون على أن ينسجوا من حوادث الحياة اليومية صوراً ينفذون إلى أعماقها ويصوغون منها اللآلئ التي توجد في كل حقيقة وفي أصغر حقيقة. وهم كتاب حقيقة، ولكن جردوا من كل النظريات الفلسفية والاجتماعية. هم كتاب قصص، وكتاب قصص فقط، لا يتجنبون المدهش الخارق ولكن ليس لديهم ما يحول دون قصده وتحريه. فإذا قصدوه تناولوه بحذر، بل بإحجام كشيء تتأثر له حقاً، ولكنه ليس مما يجب أن يكون لنا. فمثلا كتب كاروسل مذكرات عن الحرب، ولكن كل ما يورده فيها من خطوب الحرب لا يكاد يبدو بين ثنايا القصص ووصف الحوادث اليومية

كذلك كان حال الشعر في هذه الفترة؛ ونستطيع أن نمثل لها برتشارد بلنجر أو بفيلكس براون. وقد عيب على هؤلاء أنهم يغرقون في التعلق بالطبيعة، بيد أنهم لجأوا في التعبير إلى ذلك البيان الفني الذي ازدهر جيلا بعد جيل، وفيهم يشعر الإنسان بأثر شعراء المدرسة القديمة مثل جورج، وهوفمانشتال، وريلكة. ولقد كان لأولئك الشعراء القدماء شيء من لون النبوة، ولكن الشعراء الجدد تنقصهم الصياغة الفنية وكذلك كل ما يدخل في عالم التصوف أو الدين. وشعرهم صور قصيرة، ولكنهم يجانبون ذلك الغي الواضح، ويبدو في شعرهم هوى الفن والعناية بصقل العاطفة، والحرص على صوغ البيان.

وإن هؤلاء لأنبل من يمثل هذه الفترة، ولكن يوجد إلى جانبهم من يمثل الحقيقة، الخشنة، فمثلا توجد طائفة من القصصيين مثل برنو فرنك والفريد نويمان، ترعى قصص المخاطرات والعجائب، وهؤلاء يهتمون بالوقائع قبل الشكل. بيد أنهم رغم التعلق بالخوارق

ص: 107

والمدهشات، كتاب حقيقة، لأنهم ليسوا ككتاب القصص (المعبرين) يبحثون عن المدهش في عالم من الخفاء، بل يلتزمون جانب الواقع، ويستمدون المدهش من شغف خالص بالواقع، ويستخرجون من الواقع قصصهم وغالباً أشخاصهم العنيفة المدهشة

ونستطيع ان نضع بين هؤلاء اميل لدفيج، فهو يميل إلى الخوارق والمدهشات، ولكنه يصوغها في أسلوب عادي، بل أحياناً في أسلوب ركيك مبتذل.

وينتمي إلى هذه الحقيقة الخشنة، أيضاً كتاب قصص الحرب المتأخرين، الذين نالوا حوالي سنة 1930 شهرة عالمية، ونذكر من هؤلاء رين، وجليزر، وريمارك. فان كتبهم إنما هي وثائق، ولكنها ليست رفيعة من ناحية الفن الأدبي

ويجدر بنا أن نشير أيضاً إلى كاتب مستقل اللون ولكن يتصل بحركة التعبير، وهو الفرد ديبلن، وهو طبيب اجتماعي في برلين، ففي كتابه المسمى (برلين ميدان اسكندر) يصور وقائع حياة عامل نشأ في بيئة المدينة على نمط سينمائي، متأثراً في ذلك بأسلوب جيمس جويس

- 7 -

وإنا لنصارح القارئ بأن ما أوردناه عن الحياة الأدبية الألمانية بعد الحرب لا يكفي إلا لشرحها بصورة موجزة جدا. فإذا كانت حركة التعبير قد اضمحلت وعفت بسرعة، وإذا كانت النزعة الجديدة إلى الحقيقة برغم ما أنتجت من مواهب قليلة لم ترتفع إلى اكثر من مستوى متوسط، فليس علينا أن نعتقد أن الحياة الأدبية في هذه الفترة كانت ضئيلة. ولقد تحدثنا فيما قبل عما وجه من الاهتمام ولا سيما من جانب الطبقات الوسطى إلى مسائل هذا العصر الفلسفة والسياسة، وقلنا أن حركة التعبير لم تصمد لأن مناهجها لم ترق في عين المفكرين الحقيقيين، وأنها اتخذت للتعبير عن الأزمة الفكرية التي هزت أركان بلاد العالم كلها بلا استثناء، وهزت الرأي العام الألماني حتى بعد سنة 1924 بما اقترن بها من الضغط السياسي والاقتصادي.

ولقد كانت المصائب المادية التي ترتبت على الهزيمة سبباً في أن هذه الأزمة العقلية وقعت في ألمانيا قبل أن تقع في غيرها من أمم أواسط أوربا وغربها وفي أنها ربما كانت أعم وأعمق أثراً. اجل لقد حولت هذه الهزيمة ألمانيا في بضعة أشهر من أقوى دولة في أوربا

ص: 108

وأحسنها نظاماً إلى بلد يمزقه الجوع والحرب الأهلية، وقد بينا أن حركة التعبير إنما كانت ثمرة لما وقعبألمانيا من تحطيم جميع الملكيات والضمانات وانهيار الطبقات، وتحطم جميع مثلها الوطيدة، وهي ريح لم يقف عصفها بالجندي المحارب، ولكنها شملت جميع السكان قاطبة. كذلك كانت هذه المصائب سببا في حمل جميع الطبقات خلال هذه الأعوام، على الاهتمام بالدين والفلسفة والسياسة. ولما أن ثقلت هموم الحياة، لم يبق للفن سوى القليل، وهذا هو السر في كون هذه الصورة التي قدمناها من قبل تبدو ضئيلة عجفاء، كذلك الحركة العلمية عانت من هذه الظروف، فقد كانت من قبل تجد في ألمانيا تحت تصرفها احسن القوى، ولكن أولئك الرجال ألفوا أنفسهم عندئذ يواجهون تلك المسائل الفكرية والسياسية التي لا تدع بعد مجالا للعمل الهادئ المنظم، وغدا من الضروري قبل أن يستأنفوا عمل الجيل القديم ويسيروا به أن ينظموا أراءهم العلمية وأن يجربوها من جديد. كذلك تطور كثير مما يتلقاه الطالب في الجامعة من العلم الوضعي ولم يبق ذا أهمية علمية فقط، بل غدا أيضاً ضروريا لمعالجة المسائل الماسة التي أتى بها الحاضر. صحيح أن الألماني الفتى كان يهضم العلم كما كان يهضمه من قبل، ولكن لا ليسير في البناء بادئ بدء، بل ليجد لنفسه مكانه الخاص في ذلك المعترك الفكري

كانت تقوم في كل مكان جماعات عاملة تضطرم جميعاً بهذه المسائل التي لا نهاية لها؛ واقترنت بقيامها حركة أدبية معينة؛ كذلك لا يكاد يوجد اليوم في فرنسا أو إنكلترا كاتب كبير لم يشترك بكتاب وضع أو أكثر في معالجة المسائل التي شغلت ذلك العصر. كذلك اشترك جميع الكتاب الألمان الذين ظهروا قبل الحرب بهذه الوسيلة في معالجة مسائل ما بعد الحرب؛ وكان ذلك نذير التجدد والفتوة. كذلك تحول كثير من هؤلاء الكتاب من روائيين متشككين إلى نوع من العطف والاشتراك في الشعور مع معاصريهم ونذكر بعض هؤلاء؛ فقد عنى (هرمان هيسه) مثلا بمشكلة الشباب وعنى (يعقوب فاسرمان) بجموح الطبقات الوسطى الجديدة وغطرستها وعنى (اوتوفلاكه) بأزمة الزواج، وعنيت (ريكاردا هوخ) بشرح صور الإخلاص والتصوف الألماني بطريقة جديدة. واخرج توماس مان، القصصي الشهير ما قبل الحرب، عددا من القصص الصغيرة التي لا موضع للكلام عنها هنا، وهي في مستوى إنتاجه قبل الحرب. بيد انه إلى جانب ذلك تحدث إلى أمته حديث

ص: 109

المربي، وقد عرفته من قبل وصافا للأسر الذاهبة والشخصيات الضعيفة. وتحدث بشجاعة ولكن بتحيز دائماً عن (ضرورات العصر) مشيرا بذلك إلى المسائل الشائكة الخاصة بنظام الدولة والمسائل الخارجية وكذلك معنى النفسية الجديدة؛ وتحدث بالأخص عن تقاليد الفن والحياة؛ عن تراث القرن التاسع عشر كله من جيته إلى فاجنرونيتشه ثم إلى الروس. وفي سنة 1924 ظهرت روايته التهذيبية الكبيرة (جبل الساحر) وهي رواية في الظاهر فقط، ولكنها في الأصل صورة لأوربا في أحوال صمتها ومرضها ونقاهتها، وضعت في شكل مناقشة بين جماعة من الشخصيات الأوربية ذهبت بسبب المرض أو غيره إلى آكام دافوس (في سويسرا).

- 8 -

كذلك اشترك في هذا الجدل علماء مثل ماكس فيرومكس ترلنش. بيد أنه قد اضطلع بأعظم قسط من هذا الجدل طائفة من الشخصيات ليست من رجال العلم ولا من رجال الفن، ولكنهم كفلاسفة مستقلين استخلصوا جميع التقاليد، وتحدثوا عن طوالع العصر على نحو ما فعل تاين في فرنسا عقب كارثة سنة 1870. ومن الحيف أن نصف هؤلاء الرجال بأنهم فنانون أو علماء، فقد فسروا العلوم الطبيعية والتاريخية في عصرهم بطريقة فلسفية سياسية. ومثل هذه الجهود لا يمكن أن تخلو من العيب، فهي تتطلب كثيرا من المعارف الشخصية وقوة التناسق، والنظر إلى الحقائق ومقدرة كبيرة على التنبؤ: بيد أنه إذا كان الشخص المستقل يبالغ في تقدير كفايته في هذا الميدان، فكذلك يجب ألا ننسى أن مرحلة التطور لا يمكن أن تحل دون أن تبذل هذه الجهود للتطلع إلى كل شيء

ونستطيع أن نذكر ماكس شيلر، ولدفيج كلاجي، بين الذين أسسوا فلسفة جديدة في علم طبائع الإنسان

وقد كان كتاب أزوالد شبنجلر (انحلال الغرب) أشد ما يمثل هذه الطائفة. وهو كتاب أسوأ ما فيه عنوان. وقد اعتبر مع ما فيه من العيوب أعظم حادث أدبي في الحركة الأدبية الألمانية بعد الحرب

وفي هذا الكتاب يدرس شبنجلر قوانين النمو والانحلال في التاريخ، ويشرح بصفة عامة الأشكال التاريخية بأسلوب الدرس المقارن في العلوم الطبيعية في أصول الاصطلاحات

ص: 110

الخاصة بالنبات والحيوان، ويتناول في بحثه كل ما يتصل بمصير الإنسان وطالعه، سواء من ناحية الدولة أو من ناحية المجتمع، وكذا من ناحية الفنون والعلوم الرياضية بنوع خاص. ويعتقد شبنجلر أنه قد استطاع بهذا العرض أن يطلع مواطنيه على المكان الذي يستأنف من التاريخ سيره، وعلى واجبات العصر الذي سيلي، ومصاير القرن الآتي. بيد أن شبنجلر لم يكن بالطبع أستاذاً في جميع العلوم التي تناولها بحثه، ويستطيع الإنسان دون جهد أن يحصي عليه الخطأ في كل خطوة. وقد أنكر العلم والفلسفة كتابه، ولكنه يعتبر مع ذلك إنجيلا لعصره وفيه مزايا لا تنكر. وإذا كانت روحه ثقيلة الوطأة، فأنه في ذاته مسهل الآراء، مبسط العلم، ذو بيان سلس قوي. كذلك يعتبر الكتاب من الناحية المعنوية قوي الحجة ينم عن أبدع الخواص الألمانية. وقلما أنكر على الألمان انهم يعرفون كيف يواجهون القدر المحتوم مواجهة الأبطال، فكتاب شبنجلر ينفس من أوله إلى آخره هذا الرضوخ الرفيع الرائع للقدر

والى جانب شبنجلر نجد الكونت كايزرلنج مؤسس أكاديمية الحكمة في (دارم شتات) وهو محلل قدير لحضارات العالم وأديانه وفي مذكرات سياحاته: وفي دراساته عن أمريكا وعن الشعوب الأوربية نجد نوعا من دائرة معارف تتناول كل المسائل التي تهم الألمان بنوع خاص والأوربيين بنوع عام، منذ أن قربت السياسة الحديثة والاقتصاد الحديث بين تقاليد القارات العظيمة ورسالاتها وهذه الدراسات صورة قوية لكفاح الشباب الألماني ضد مؤثرات العالم الخارجي. ففي مئات الكتب وفي آلاف الجماعات، يتجه البحث إلى بيان أصل الإنسان، وما له من ماضيه الخاص، وما كسبه من الأمم الأخرى. وقد ظهر أثر هذه البحوث في المسائل السياسية وكان يشتد كلما تقادم العهد على الحرب، وذلك في نفس الوقت الذي تطورت فيه الحركة الأدبية من التعبير إلى الحقيقة، وأخذ الاهتمام يتجه من التحليل والمباحث الدينية والمثل الخيالية إلى ناحية الماضي القومي والى ناحية الشئون السياسية والعملية

ولا يسمح المقام بأن نصف هذه الحركة في دقائقها ولا أن نتتبعها إلى يومنا، ذلك أنا لا نستطيع أن نغضي عن العنصر السياسي تمام الإغضاء. فمن الواجب أن نبين مثلا أي قوى غنمتها المثل الخصيمة للديموقراطية، وكيف أن التقاليد الأدبية، والتصوف الأدبي

ص: 111

الجديد، مالت إلى جانب الأحزاب غير الديموقراطية.

وقد كان مما له أهمية سياسية أن الطوائف الحرة ذاتها كانت تتلقى المؤثرات الأدبية الرفيعة القوية التي تهيئها لإنشاء مجتمع جديد غير ديموقراطي متدرج في الطبقات وإلى نظم جديدة للدولة.

ولا يسعنا قبل كل شيء أن نغض عن الأثر الذي خلفه شتيفان جورج، وهو شاعر كبير ذو مكانة هامة نبغ قبل الحرب، ولكنه لم يرتفع إلى ذروة التأثير في الطبقة الرفيعة إلا منذ الحرب، ولو شئنا أن نصف آثاره المنظورة وغير المنظورة لاقتضى ذلك فصلا بأسره، وآثاره فنية وأخلاقية وسياسية، فلنتصور شاعراً مضطرم الشاعرية ذا أسلوب صارم في نفس الوقت، كأنه في دائرة فنه نوع من القسس يعمل بروح القس. أجل لنتصور قسا كأولئك القسس الذين عاشوا منذ أربعة آلاف عام في مصر، وكان لهم إلى جانب التأثير الكهنوتي، أثر سياسي. ولقد لبث أثر شتيفان جورج السياسي خفياً غير منظور. أما أثره الفني والأخلاقي فيبدو بالعكس منذ عشرة أعوام في كتب تلاميذه. ونذكر على سبيل التمثيل كتاب جوندولف عن جيته وكتاب برترام عن نيتشة

- 8 -

ولا يدرك سوى أولئك الذين عاشوا خلال هذه الحركات المتباينة وعملوا معها. كيف أن العصر لم يكن خاملاً ولا مندثراً، وليس من الحق أن نصر على أن العصر كان خلواً من الآثار الأدبية الرفيعة. وإذا كان هذا العصر ينقصه التناسق وتنقصه العبقريات الأدبية الممتازة، فذلك يرجع إلى أنه عصر جدل شاق بين المثل القديمة والمثل الجديدة. وفي غمار هذا الجدل الذي اشترك فيه كل إنسان سر طرافته، بل وسر عظمته، وسنرى في المرحلة المقبلة. إذا كان عصر تعليم وغرس لجني جديد.

كتبت للرسالة خاصة

(ترجمها)(ع)

ص: 112

‌الموسيقى عند العرب

للأستاذ قدري حافظ طوقان

مقدمة

قد يعجب البعض وقد يؤدي هذا العجب إلى القول: ما علاقة صاحب هذا المقال بالموسيقى؟ وهل هذا الفن يقع في دائرة اختصاصه حتى يتمكن من الكتابة فيه؟ وما هي الفائدة التي ستعود على القراء إذا عرفوا أن للعرب أو للمسلمين فضلا فيه؟ ولماذا كل هذا الاهتمام بتراث السلف الذين مضوا بخيرهم وشرهم؟ أما آن الأوان للاهتمام والانعكاف على شيء جديد حاضراً لنفع ممتع؟ أجوبتي على هذه الأسئلة ستكون بالجملة! فإجابة على السؤالين الأولين أقول إن الموسيقى هي من بحوث الصوت، والصوت فرع من فروع علم الطبيعة، وعلم الطبيعة هذا في العلوم التي نشتغل بها ونهتم بماضيها وحاضرها، بتطورها ونموها. وأما الجواب على الأسئلة الباقية فيمكن أن يتخلص في أن الأمة التي تريد أن تصل إلى ما تصبو إليه من تقدم وسؤدد يجب أن تهتم بماضيها، وأن تربطه بحاضرها، وان تأخذ من الحضارة الحالية ما فيها من عناصر صالحة وبالقدر الذي يتلاءم ونفسيتها وتقاليدها بحيث لا يضيع شيء من مميزاتها، وان تضيف هذا إلى ما في حضارتها من عناصر خالدة، بذلك تستطيع أن تخرج حضارة جديدة تمد سلسلة التاريخ الفكري للعالم، وبذلك تكون قد قامت بواجبها نحو تاريخها وتراثها ونحو المدنية والبشرية

نبذة في أطوار الموسيقى

الموسيقى من الفنون الجميلة ومن أهم العوامل التي تترجم عن نفسية الأمة وطبائعها، وهذا الفن طبيعي في البشر، فالإنسان يرغب في الموسيقى يطرب منها وترتاحنفسه لها، وهي لغة العواطف، وقد تكون هي الوحيدة من بين الفنون التي يطرب لها الحيوان. هذا الميل الغريزي في الإنسان دفعه إلى الاعتناء بها فاهتم لها المصريون من قديم الزمن وبلغوا فيها شأواً بعيداً، وأبدع فيها اليونانيون وأحلوها محلها من الاعتناء والاهتمام، وكذلك الرومان فانهم اعتنوا بها فأخذوها عن اليونان وزادوا عليها؛ وفي الشرق اهتم لها الصينيون واليابانيون وبرعوا فيها واخترعوا آلات كثيرة من ذوات الأوتار، وظهر منهم من انتقد

ص: 113

الموسيقى الأوروبية، هذا في الشرق الأقصى، أما الفرس فاحتقروها في بادئ الأمر وترفع أعيانهم عن تعاطيها، ولكن لم يلبث هذا الاحتقار وهذا الترفع أن حل محلها العناية والاعتبار، فألفوا أنغاماً بديعة التوقيع واخذ عنهم العرب كثيراً، يدلنا على ذلك تسمية الألحان العربية بأسماء فارسية كما أخذوا أيضاً عن البيزنطيين، وهؤلاء (البيزنطيون) وأهل فارس بدورهم أخذوا عن الموسيقى العربية. ولم يكتف العرب بذلك بل ترجموا كتب الموسيقى لليونان والهند ودرسوها، وبعد أن نقحوها هي وغيرها زادوا عليها، فألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، وجمعوا بين ألحانهم والحان اليونان والفرس والهنود، واستنبطوا ألحاناً جديدة لم تكن معروفة فضلا عما اخترعوه من الآلات. ولا يظنن القارئ أن في وسعي أن اسرد تفصيلا تاريخ الموسيقى العربية والأدوار التي مرت عليها فهذا ما لا طاقة لي به، وسأعمل جهدي في هذا المقال أن أعطي فكرة بسيطة عن الموسيقى العربية من حيث قواعد أنغامها وترتيب ألحانها ومن حيث وزنها الموسيقي وآلاتها القديمة والكتب المؤلفة فيها. . .

الأنغام والألحان والوزن الموسيقي

إن كلمة موسيقى مأخوذة عن اليونانية، ومعناها تأليف الألحان، والموسيقى (علم يعلم به النغم والإيقاع وأحوالها وكيفية تأليف اللحون وإيجاد الآلات الموسيقية)

إن الأصوات الموسيقية درجات أو أبراج متتابعة، الواحدة فوق الأخرى إلى عدد غير متناه، والأبراج الأصلية عند العرب تبتدئ بالياكاه، فعشيران، فعراق، فرست، فدوكاه، فسيكار، فجهاركاه، ويقال لها ديوان، وفوق هذا الديوان ديوان آخر له أبراج النوى؛ فالحسيني، فالاوج، فالماهور، فالمحير، فالبزرق، فالماهوران، وما ارتفع عن ذلك فهو جواب لما يقابله في الديوان الذي تحته وهكذا. وبين هذه الأبراج فسحات يختلف بعضها عن بعض في الكبر؛ وقد قسمها العرب إلى كبيرة، وتتألف من أربعة أرباع، وصغيرة مؤلفة من ثلاثة أرباع، ويحتوي الديوان على أربعة وعشرين ربعاً، وتختلف الألحان، العربية واختلافها يرجع لأسباب، منها طبقة النغم واختلاف الإيقاع وتعويض الأبراج وتضعيف الألحان، وبعض هذه يحتاج إلى قليل من الشرح، فطبقة النغم هي الانتقال في سلم برج من الأبراج صعوداً ونزولا مع حفظ المساحات التي يتغير النغم بتغيرها،

ص: 114

وتعويض الأبراج هي تعويض بالأبراج بارباع، وتضعيف الألحان هو الإيقاع على برج يكون جواباً لما تحته، والصعود والنزول على سلمه بحيث يبقى الجواب طبقة للنغم، ولهذا يتضاعف الصوت. وكان للعرب عشرة أنغام يبتدئ كل منها على برج من أبراج الديوان فتفرع منه أنغام فرعية، هذا من جهة الأنغام والالحان، وأما من جهة الوزن الموسيقي فاكتفي بالقطعة الآتية، وقد أخذتها من المجلد التاسع عشر من مجلة المقتطف. (الوزن الموسيقي هو مجموع ضربات منفصلات بعضها عن بعض بأوقات محدودة في القياس، وطبقا للنسبة والمكان فيمكن الإنسان أن يوقع مقطعين بسيطين بضربتين فقط، لكن الوقت يختلف بين أجزائها فمرادفة المقاطع تكون إما متساوية أو غير متساوية، فالمتساوية هي مراجعة الضربات بطريقة لا نشعر بها مراجعة الأوتار بشرط أن يطول الوقت عند نهاية كل مجموع من الضربات أكثر من غيره، فلو حدث اختلاف بين المجموعات ولو بضربة واحدة شذ القياس وفسدت المساواة، ومجموع الضربات المتساوية الأوقات يسمى الوزن المجموع، وغير المتساوية المقسوم. وإذا قصر الوقت بين الضربات المتساوية حتى لا يمكن قسمتها بعد ذلك يسميها الفارابي (الهزج السريع)، وإذا تضاعف الوقت بين الضربات يسميه (الهزج الخفيف)، أو كانثلاثة أضعاف (فالهزج الثقيل الخفيف) وهو يقابل الوتد المجموع، أو أربعة أضعاف، (فالهزج الثقيل) وما زاد على ذلك من الأوقات فنضع له الأسماء التي نختارها بشرط أن تختص بالوزن المجموع. وهذا كله يقابل تقسيم الأوقات في الموسيقى الإفرنجية. . .)

العرب عمليون

وقد طبق العرب مبادئ علم الطبيعة على الموسيقى، وكانوا دائماً في نظرياتهم الموسيقية عمليين، فلا يقبلون نظرية إلا بعد التثبت منها عملياً، ويعترف فارمر أن علماء العرب لم يأخذوا بآراء الذين سبقوهم (حتى ولو كان نجم السابقين مضيئاً وعالياً) إلا بعد أن يتثبتوا منها عملياً، والمعترف به عند علماء الفرنجة أن ابن سينا والفارابي وغيرهما من علماء المسلمين زادوا على الموسيقى اليونانية وادخلوا عليها تحسينات جمة، وان كتاب الفارابي لا يقل عن (إن لم يفق)، الكتب اليونانية الموسيقية. وثبت أن العرب أجادوا في بحوث التموجات الكرية للصوت. وفوق ذلك فقد زاد زرياب، وتراً خامساً بالأندلس وكان للعود

ص: 115

أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطا، ولون الأوتار وطبقها على الطبائع وهو الذي اخترع مصراب العود من قوادم النسر فكانوا قبله يضربون بالخشب.

الآلات الموسيقية

لا نستطيع أن نسرد كل الآلات الموسيقية التي كانت معروفة عند العرب، ولهذا نذكر أهمها، ولكن قبل ذلك نود أن نلفت النظر إلى أن العرب اعتنوا بصناعة آلات الموسيقى، وكانوا ينظرون لهذه الصناعة نظرهم إلى الفن الجميل، وقد كتبت عدة رسائل في ذلك واشتهرت مدينة أشبيلية بها. وقد جمع المسلمون آلات غناء كثير من الأمم كالفرس والأنباط والروم والهند واستخرجوا من ذلك آلات تلائم أذواقهم وميولهم، أضف إلى ذلك ما أضافوه واخترعوه من شتى الآلات، فمن الآلات التي كانت معروفة عندهم: الارغانون، والبزق، والطبلة، والدف، والشلياق، والقيثارة، والطنبور والعنق والرباب والمعزفة والشهروذ (وقد اخترع الأخيرة حكيم بن أحوص السفدي ببغداد) والعود، وله خمسة أوتار أعلاها البم والثاني المثلث والثالث المثنى والرابع الزير والخامس الحد، وتترتب هذه الأوتار بصورة مخصوصة بحيث يعادل كل وتر ثلاثة أرباع ما فوقه، والمسافة التي بينهما تعدل ربعاً، ويقال أن الفارابي اخترع الآلة المعروفة بالقانون، فهو أول من ركبها هذا التركيب، ولا تزال عليه إلى الآن، وهو الذي اصطنع آلة مؤلفة من عيدان يركبها ويضرب عليها وتختلف أنغامها باختلاف تركيبها، يحكى انه كان مرة في مجلس سيف الدولة فسأله هل تحسن صنعة الغناء؟ فقال نعم (ثم اخرج من وسطه خريطة ففتحها واخرج منها عيداناً وركبها ثم لعب بها فضحك منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر ثم ضرب عليها فبكى كل من كان في المجلس، ثم فكها وغير تركيبها وضرب عليها ضرباً آخر فنام كل من كان في المجلس حتى البواب فتركهم نياماً وخرج. . .). واصطنع الزلام آلة موسيقية من الخشب تعرف بالناي أو المزمر الزلامي، وأدخل زلزل عود الشبوط كما ادخل الحكم الثاني تحسيناً على تركيب البوق

كتب العرب في الموسيقى

ص: 116

للعرب مؤلفات قيمة في الموسيقى بلغ بعضها الذروة، وكانت (ولا تزال) من المصادر المعتبرة جدا في تاريخ الموسيقى وتطورها، وقد يكون كتاب مروج الذهب للسعودي وكتاب الأغاني للأصفهاني من أكثر الكتب بحثا وكتابة في اشتغال المسلمين والعرب في الموسيقى، وفي أشهر موسيقييهم وما يتصل بهؤلاء من طريف الحوادث ولذيذ الأخبار. ويرجع أن الكندي أول من كتب في نظرية الموسيقى، وكتبه فيها هي: الرسالة الكبرى في التأليف، كتاب ترتيب الأنغام، كتاب المدخل إلى الموسيقى، رسالة في الإيقاع، رسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقى. وكتب في ذلك أيضاً منصور ابن طلحة بن ظاهر والرازي وقسطا بن لوقا البعلبكي والسرخسي، وللأخير كتاب الموسيقى الكبير، وكتاب الموسيقى الصغير، وكتاب المدخل إلى علم الموسيقى، وللفارابي كتاب الإيقاعات، وكتاب أخر اسمه كتاب الموسيقى، وهو من أشهر الكتب، ويقول عنه سارطون (إنه أهم كتاب ظهر في الشرق يبحث في نظرية الموسيقى) ولثابت بن قرة رسالة في فن النغم، ولأبي الوفاء مختصر في فن الإيقاع، وأبدع ابن سيناء في الكتابة عن الموسيقى وله فيها مؤلفات منها: الفن الثامن من كتاب الشفاء وهو الموسيقى، وفيه ست مقالات ولكل منها فصول، والفن الثالث من الجملة الثالثة من كتاب الشفاء، وكتاب الموسيقى. وهذا الكتاب يدور على مواضيع الأصوات والأبعاد والأجناس والجموع والإيقاع والانتقال والصنج والشاهرورد والطنبور والمزمار ودسانين البربط وتأليف الألحان. وللشيخ شمس الدين الصيداوي كتاب في الموسيقى تستخرج منه الأنغام، اكثره شعر، وفيه كلام على بحور الشعر والأوزان ودوائر البحور، ولصفي الدين عبد المؤمن البغدادي كتاب الرسالة الشرفية في النسب والتأليفية، وهو مقسوم إلى مقالات وفصول. ولصفي الدين الأموي كتاب الأدوار في الموسيقى وينقسم إلى خمسة عشر فصلا، وفيه صورة عود وصورة آلة قائمة الزويا تسمى نزهة، واشتهر هذا الكتاب كثيراً وبقى قروناً كثيرة المعين الذي استقى منه المؤلفون في الموسيقى. ولمحمد بن محمد بن احمد الذهبي الجزيري ابن الصباح شرح على كتاب في علم الموسيقى ومعرفة الأنغام، وكذلك لأبن زيلا وابن الهيثم وأبي الصلت أمية، والنقاش والباهلي وأبي المجد وعلم الدين قيصر ونصير الدين الطوسي مؤلفات قيمة، بعضها عديم المثال. وظهر في الأندلس عدد لا يستهان به ممن كتبوا في الموسيقى وأجادوا في ذلك

ص: 117

إجادة أوصلت هذا الفن إلى درجة عالية، فمن الذين اشتغلوا وكتبوا فيها: ابن فرناس والمجريطي والكرماني وأبو الفضل ومحمد بن الحداد وابن رشد وابن السبعين والرقواطي وغيرهم، وأنشأ صفي الدين عبد المؤمن الأموي مدرسة لتعليم الموسيقى وتخرج منها عدد غير قليل من العلماء الذين استطاعوا أن يتقدموا خطوات بعلم الموسيقى، اشتهر منهم شمس الدين بن مرحوم ومحمد بن عيسى ابن كرا، وهناك كتب عديدة لم يذكر فيها اسم مؤلفيها ككتاب الميزان وعلم الأدوار والأوزان وهو مبني على كتاب الأدوار المار ذكره ومقسوم إلى ستة أبواب في ماهية الموسيقى وماهية النغم المطلق والأوتار والمواجب ومعرفة الشدود والأوزان وأسماء الدساتين والإيقاع. وفي كتاب رسائل إخوان الصفا بحث في الموسيقى موجود في الرسالة الخامسة من القسم الرياضي، وهذه الرسالة مقسمة إلى أربعة عشر باباً وهي تبدأ بصفحة 132 وتنتهي بصفحة 180، ومن يرغب في الاطلاع على ما كتب في كل باب فليرجع إلى الكتاب المذكور ففيه تفصيل وكفاية، وإذا أردنا أن نعدد الذين نبغوا في فن الموسيقى وكتبوا فيه حتى القرن الرابع عشر للميلاد يطول بنا المطال وقد يخرج مقالنا هذا عن القصد.

نابلس

قدري حافظ طوقان

ص: 118

‌العُلوم

ويسألونك عن الأهلة

للدكتور احمد زكي

الأهلة مواقيت

كذلك ارتآها العرب، وكذلك ارتآها الأقوام من قبل ومن بعد. دارت الأرض فاختلف الليل والنهار، وانتظم دورانها فثبت يومها فكان وحدة الزمن الطبيعية الأولى. ودار القمر حول الأرض فصغر في ظلمات الليالي مرآه حتى انعدم. وكبر حتى استكمل فاستدار، وعرف الناس ثباته على ذلك، وثبات ما يمضي بين انعدامة وانعدامة، أو استدارة واستدارة، فاتخذوا من ذلك وحدة زمنهم الطبيعية الثانية فأسموها شهراً. ثم طلعت الشمس عليهم من المشرق، وأخذ يُشمل مطلعها حتى بلغ الغاية في الاشمال، ثم أخذ يُجْنِب حتى بلغ الغاية في الاجناب، وأختلفت بذلك الفصول فاحترْت حتى بلغت غاية الحر، ثم ابردت حتى بلغت غاية البرد، ودام هذا الاختلاف وثبت وانتظم، فوجد الناس فيه وحدة زمنهم الطبيعية الثالثة الكبرى فأسموها العام

وكان لابد لوحدات القياس أن تتناسب، وكان لابد أن تقسم بعضها بعضا، وان تنقسم بعضها ببعض، فلما تلمسوا ذلك عند اليوم والشهر والعام، وجدوها لا تنقسم انقساماً صحيحاً، وحاولوا التأليف بينها فاستطاعوه بين اليوم والعام بالبسط والكبس، فكانت السنة البسيطة، وكانت السنة الكبيسة، واستعصى عليهم تأليف ما بين الشهر والعام، ما بين القمر والشمس، فانفردا كل بتقويم، فكان التقويم القمري، وكان التقويم الشمسي، وتنافس التقويمان، وكانت الشمس أصل الحياة فاتفق تقويمها وحوائج العيش فشاع وذاع، واستقر التقويم القمري حيث كان لابد أن يستقر، فكان لتوقيت الصوم والحج وصنوف العبادات وبالرغم من أن التقويم الشمسي يعتمد على اليوم والعام فحسب، فانه لم يستطع أن يغفل الوحدة الثانية المتوسطة التي خلقها القمر، أعني الشهر، أرغمه عليها ألفة الناس لها وحاجتهم إلى وحدة تقع من حيث طولها بين اليوم القصير والعام الطويل.

كذلك خلَّف القمر في لغات الأمم أثرا من معنى ما استُخدم فيه من قياس الزمن. فقد اسماه

ص: 119

الإنجليز (مون واسماه الارلنديون (ماي والألمان (مُند والغوطيون (مينا والإغريق (ميني والهنود القدماء (ماس واسم الشهر في الإنجليزية (منث وفي الألمانية (مونات وفي الفرنسية (موا وفي الغوطية (مينوبس وفي اللاتينية (منسيس وفي الإغريقية (مين وفي الهندية (ماس فبين اسم القمر واسم الشهر في اللغات تطابق تام أو تشابه كبير. ويظهر أن هذه الأسماء جميعها مشتقة من اللغة الهندية (ما) ومعناها (يقيس) وذلك أن القمر به يقاس الزمن، من هذه اللفظة نفسها لاشك يرجع اشتقاق الكلمات الإفرنجية التي معناها (مقاس) وهي بالإنجليزية وبالفرنسية وبالألمانية وباللاتينية وبالإغريقية ومن اللفظة الأخيرة (المتر) المعروف

دوران القمر

ومن المشهور المعروف أن القمر يدور حول الأرض، فإذا هو وقع بينها وبين الشمس، أضاءت الشمس منه النصف الذي يليها، فأظلم بذلك النصف الذي يلي الأرض فلا يرى الإنسان من القمر شيئاً، وهذا هو المحاق أو أول الشهر. ثم يسير القمر سيرته، فإذا بلغ الموضع المقابل للموضع الأول توسطت الأرض بينه وبين الشمس أو كادت، وعندئذ تضيء الشمس منه النصف الذي تراه الارض، فيظهر لنا كأن القمر كله يضيء وما هو بذلك، وهذا بدر التمام. وبين المحاق والتمام ينزل القمر منازل بين هذين، فيها يضيء الشمس منه أنصافاً لا ترى الأرض منها إلا أبعاضا هي الأهلَّة، فإذا زاد هذا البعض على نصف دائرة قارب البدر التمام فارتأته العين منقوصاً قليلا. ويسير البدر من التمام إلى المحاق فتتكرر الظواهر السالفة معكوسة، وبذا يتم الشهر

وفي الأهلة يرى الإنسان الجزء المعتم من القمر كأن نورا ضعيفاً ينيره، وذلك أن الأرض تعكس ضوء الشمس إلى القمر كما يعكس القمر ضوءها إلى الأرض، فلو أن للقمر أهلا يسكنونه لأسموا أرضنا هذه قمرا، إلا أنه أقمر وأسطع كثيرا من قمرهم، فقد يبلغ المعكوس منا إليهم خمسين ضعفاً

والأرض تدور حول الشمس في مستو، والقمر يدور حول الأرض في مستو غيره، إذ لو دار الثلاثة في مستو واحد لانكسفت الشمس في كل محاق، وانخسف القمر لكل تمام. ويميل المستوى الذي يدور فيه القمر عن المستوى الذي تدور فيه الأرض بنحو خمس

ص: 120

درجات

ومن يرقب الأهلّة يعلم أن قرني الهلال لا يستويان على الأغلب. قال ابن المعتز

انظر إليه كزورق من فضة

قد أثقلته حمولة من عنبر

فالهلال على الأكثر زورق مائل، تارة يميل بصدره إلى الشمال، وتارة يميل بعجزُه إلى الجنوب، وهو في هذا كله يتبع الشمس ويداورها، فنوره من نورها، وهما قل أن يغربا من الأفق في مكان واحد، فإذا هما فعلا أو قاربا ذلك، وقعت الشمس عند غروبها في أسفل الهلال تماماً فاستقام الزورق. ثم يجري الدوران باختلاف المغربين فيعود الزورق فيمتلئ عنبراً ثقيلاً

والقمر يتم دورته حول الأرض في 32 ، 27 يوما، وهذا شهره الحقيقي، ولكن أهل الأرض لا يروضون منه ذلك، فالشهر عندهم هو ما بين المحاق والمحاق، والقمر بعد جريانه 32 ، 27 يوما واستتمام دورته يجد أن الأرض خدعته عن بلوغ المحاق؛ لأنها أيضاً تسير فيختلف موضعها من الشمس، فلكي يتوسط القمر بينهما لابد للمتعب المجهود أن يسير 2. 21 يوماً فيبلغ المحاق، وبذلك يكون الشهر 53 ، 29

والقمر يدور حول نفسه، فكان المرجو من ذلك أن نرى كل جوانبه، ولكن الواقع غير هذا، فإنا لا نرى منه غير جانب واحد، نرى وجهه ولا نرى قفاه، وذلك أن القمر يدور حولنا ويدور كذلك حول نفسه، حول محوره، ويستغرق في الدورتين زمناً واحدا، فهو يدور حول الأرض مرة واحدة في الشهر، ويدور حول نفسه مرة واحدة في الشهر كذلك، فنحن دائماً نرى منه وجهاً واحداً. نعم قد يتذبذب القمر في دوراته فيرينا أذنه اليمنى، ثم يرينا أذنه اليسرى، وقد يطرق فيرينا شيئاً من أم رأسه، وقد يرفع رأسه فيُبيِن عن أدنى لحيته، وهو في كل هذا لا يُظهر غير ستة أعشار سطحه، أما أربعة الأعشار الباقية فقد شاء القدر أن لا تراها عين إنسان. وسترى في العدد القادم ماذا في القمر نفسه من أشياء.

احمد زكي

ص: 121

‌القصور الذاتي

للدكتور على مصطفى مشرفة

من صفات المادة الملازمة لها والتي تكاد تكون دليلا عليها ما يسمى، القصور الذاتي، وهو نوع من الجمود أو الخمول، به تقصر المادة بذاتها وبدون مؤثر خارجي عن ان تأتي حراكا، ونحن نحس بوجود هذا الجمود إذا حاولنا تحريك جرم من الأجرام - ككتلة من الحجر مثلا - فأننا نشعر بمقاومة كأنما المادة تأبى علينا مجهودنا وتريد أن تترك وشأنها.

وربما بدا لأول وهلة أن المادة إنما تميل بطبعها إلى السكون وتجنح إليه وتؤثره على الحركة، ولكن قليلا من الخبر يدلنا على أن المادة المتحركة تقاوم كل محاولة لإيقافها كما تقاوم المادة الساكنة كل محاولة لتحريكها. فإذا شك أحد القراء الكرام في كلامي هذا فما عليه إلا أن يتحقق من صحته بنفسه، بأن يتعرض لجسم متحرك كحجر منطلق في الهواء مثلا - محاولا إيقافه أو تغيير اتجاه سيره، ونصيحتي في هذه الحال أن يختار جسماً صغيراً ذا سرعة ضئيلة وإلا عظمت التضحية في سبيل العلم

فالقصور الذاتي هو قصور عن السكون إذا كان الجسم متحركاً، كما أنه قصور عن الحركة إذا كان الجسم ساكناً، وفي الواقع هو قصور عن التغير وميل إلى بقاء الحال على ما هو عليه، فهو إذن نوع من المحافظة. ولنا أن نعكس هذا التشبيه فنقول إن المحافظة هي نوع من القصور الذاتي أو الجمود، فالخطيب المصقع الذي ينادي أن حافظوا على عاداتكم الموروثة وتمسكوا بتقاليدكم وتقاليد آبائكم ربما كان لا يعبر عن أكثر من القصور الذاتي لمجموعته العصبية!

وعلى قدر عظم كمية المادة يكون قصورها. فالكتلة الكبيرة من الحديد مثلا أعظم قصورا من الكتلة الصغيرة منه، وبالعكس، ولذلك أتخذ القصور الذاتي دليلا على مقدار الكتلة ومقياساً له.

وقد كان يظن حتى أواسط القرن الماضي أن القصور الذاتي خاصية من خواص المادة وحدها تتميز بها عن سواها، إلا أنه وجد أن الضوء يشاركها هذه الخاصية. فالضوء إذا اعترضه حائل في طريقه دفعه وضغط عليه كما تفعل المادة المتحركة، ويبلغ ضغط الضوء العادي للشمس نهارا على سطح الأرض نحو ثقل نصف كيلو جرام عن كل

ص: 122

كيلومتر مربع، أو نحو ثقل نصف ملليجرام عن كل متر مربع. وشأن الضوء في ذلك شأن سائر الأشعة الأخرى كالأشعة الحرارية والأشعة التي تلي البنفسجية وما إليها، وكلما زادت شدة الضوء وكذلك كلما قصرت موجته زاد قصوره الذاتي، وبالتالي زاد ضغطه على السطح التي تعترضه في سبيله.

وكما أن للمادة قصوراً ذاتياً به تحاول المحافظة على حالتها من حركة أو سكون، كذلك لها قصور ذاتي به تحاول المحافظة على حالتها الكهربائية وتقاوم كل تغيير في هذه الحالة. فالجهاز الكهربائي الذي نستخدمه في التقاط أمواج الراديو مثلا له هذا القصور الكهربائي، وهو خاصية أساسية فيه عليها تتوقف قابليته للاهتزاز الكهربائي تحت تأثير الهزات الأثيرية، كما تهتز الأرجوحة تحت تأثير هزات الصبي لها.

بل إن الفضاء العاري عن المادة له صفة القصور الذاتي، بها يقاوم كل تغيير في حالته الكهربائية، وعلى وجود هذه الصفة يتوقف إمكان انتقال الأمواج الكهربائية فيه.

فليس بغريب إذن أن يظهر القصور الذاتي في الإنسان؛ في حركاته الجسدية وفي صفاته الذهنية. فالقصور هو نوع من الصابورة به تكتسب سفينة الوجود الاستقرار وحسن الاتزان، وهو في الوقت ذاته عبء على كاهل الطبيعة يعوقها عن الحركة المطلقة ويجنح بها إلى الجمود.

علي مصطفى مشرفة

ص: 123

‌من صور المدنية الإسلامية

التجارب العلمية عند المسلمين

نكاد أن نصور لأنفسنا صورة كاملة لمعظم النواحي الفكرية من المدنية الإسلامية، ولكن الناحية العلمية المحضة مجهولة بالنسبة لسائر تلك النواحي، فقل من أقدم على إثارة أبحاثها والغوص إلى أعماقها، وذلك لقلة ما بين أيدينا من الآثار في هذه الناحية بل لفقدانها، فلم يصل إلينا من هذه الآثار إلا أسماؤها وما تغني الأسماء عنا شيئا! نعم يمكننا أن نستدل بهذه الأسماء - التي كثيراً ما نجدها في أمثال كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة وتاريخ الحكماء للقفطي وغيرهما - على ما عالجوه في تلك العصور من المواضيع العلمية في الطبيعيات والرياضيات وما يلحق بهما.

على انه إذا كان لدينا شيء من هذه الآثار فأنى نجد من يستطيع أن يقدم على معالجة هذه المواضيع والناس على شطرين، فأما مثقفون ثقافة عربية حديثة يملون وينفرون من النظر في أشباه تلك الكتب (الصفراء) كما يسمونها لقلة عنايتهم بها واستبعادهم حصول الفائدة من مثلها لأنها (قديمة) ولأنها (شرقية)، وإما مثقفون ثقافة شرقية قديمة وهم بعيدو عهد عن النظر في المواضيع العلمية الخالصة، ولا تكاد تجد منهم من يقدر على فهمها وإعطائها حقها من العناية. فما أحوجنا إلى أولئك الذين سماهم الأستاذ احمد أمين الحلقة المفقودة، أعني الذي يجمعون بين الثقافتين الشرقية والغربية ويؤلفون مزيجاً من الحضارتين القديمة والحديثة.

قد كان الناس إلى عهد غير بعيد، ولا يزال بعضهم على ذلك، يعتقدون أن العلم بمعناه الحديث وأساليبه الحاضرة من حيث استناده على الحس والمشاهدة والتجربة والاستنباط هو من مولدات هذه العصور ومن مميزات المدنية الحديثة، ولكننا إذا تتبعنا الحركة العلمية في المدنية الإسلامية وجدنا فيها ما يملأ النفس إعجاباً وإكباراً بأولئك العلماء الذين كانوا مثلا أعلى للنشاط العلمي بجميع معانيه، فلقد كانت الفكرة العلمية نامية لديهم وبالغة من التجريد والتعميم درجة غير قليلة، فكانوا يقولون كما يظهر من آثارهم بالقوانين وبشمولها واطرادها ويسلكون في استنباطها واستخراجها الطرق المعروفة اليوم والتي تستند إلى المشاهدة والتجربة، وليس استعمال التجارب أداة للتحقيق العلمي مقصوراً على العصور

ص: 124

الحديثة، فالمدنية الإسلامية كانت مجلية في هذا الميدان، فلم يقصر علماؤها كبني شاكر محمد واحمد والحسن، وأبي الريحان البيروتي وغيرهم في القيام بالتجارب العلمية الكثيرة وتقليبها على وجوهها، ولم تعوز تجاربهم تلك دقة الملاحظة لشروط الحادث الطبيعي وظروفه والعوامل المؤثرة في تغييره ولم يفتهم إحكام القياس وجودة الاستنباط.

وهانذا ناقبل تجربة لأبي الريحان البيروني في رسوب الأجسام وطفوها على وجه الماء، تلك التجربة المؤدية إلى فكرة كثافة الأجسام وهي تطبيق للقانون المشهور الآن باسم قانون أرخميدس، والتجربة بعينها يجرونها اليوم في مخابر التعليم من غير تغيير يذكر.

ولعل القارئ يعجب إذا قلت له أن هذه التجربة يجدها مذكورة في أحد كتب التوحيد وهو شرح المقاصد لسعد الدين النفتازاني، ولكن سرعان ما يزول بعض تعجبه إذا عرف أن كتب التوحيد كانت مبنية على الفلسفة، والفلسفة بمفهومها القديم تشمل جميع أنواع العلوم، فكانوا يقسمونها إلى ثلاثة أقسام، الفلسفة الدنيا وهي الطبيعيات، والفلسفة الوسطى وهي الرياضيات، والفلسفة العيا وهي الآلهيات، فمباحث التوحيد مؤسسة على هذه الأقسام الثلاثة للفلسفة، ولهذا فان كثيراً من الأبحاث الطبيعية منبثة في كتب التوحيد، وموضوع هذه التجربة من جملة تلك المباحث المشردة في تضاعيف تلك الكتب.

قال التفتازاني في آخر الجزء الأول من كتابه المذكور: (. . وبحسب تفاوتها - يعني الأجسام - في الخفة والثقل. . تتفاوت فيما يتبع ذلك من الحجم والحيز والطفو على الماء والرسوب فيه، ومن اختلاف أوزانها في الماء بعد التساوي في الهواء، مثلا: حجم الأخف (أي الأقل كثافة) يكون أعظم من حجم الأثقل (أي الاكثف) مع التساوي في الوزن كمئة مثقال من الفضة ومئة مثقال من الذهب، (والفضة كما نعلم أقل كثافة من الذهب). (وإذا كان في إحدى كفتي الميزان مئة مثقال من الحجر وفي الأخرى مئة مثقال من الذهب أو الفضة أو غيرهما من الأجسام التي جوهرها أثقل من جوهر الحجر (أي أكثف منه) فلا محالة يقوم الميزان مستوياً في الهواء، وإذا أرسلنا الكفتين في الماء لم يبق الاستواء، بل يميل العمود إلى جانب الجوهر الاثقل، وكلما كان من جوهر أثقل (أي أكثف) كان الميل أكثر، ويفتقر الاستواء إلى زيادة في الحجر حسب زيادة الثقل مع أن وزن الجوهر ليس إلا مئة مثقال مثلاً) (وقد حاول أبو ريحان تعيين مقدار تفاوت ما بين الفلزات وبعض الأحجار

ص: 125

في الحجم وفي الخفة والثقل بان عمل إناء على شكل الطبرزد مركبا على عنقه شبه ميزاب منحن كما يكون حال الأباريق وملأه ماء وأرسل فيه مئة مثقال من الذهب مثلا وجعل تحت رأس الميزاب كفة الميزان الذي يريد به معرفة مقدار الماء الذي يخرج من الإناء، وهكذا كل من الفلزات والأحجار بعد ما بالغ في تنقية الفلزات من الغش وفي تصفية الماء، وكان ذلك من ماء جيحون في خوارزم في فصل الخريف، ولا شك أن الحكم يختلف باختلاف أحوالها بحسب البلدان والفصول، فحصل معرفة مقدار الماء الذي يخرج من الإناء بمئة مثقال من كل من الفلزات والأحجار (أي بوضع مئة مثقال من كل منها في الماء) وعرف بذلك مقدار تفاوتها ما يخرج من الماء بوضع كل مئة مثقال منها في الماء)، والثقل (يعني به الكثافة) فان ما يكون ماؤه أكثر (أي الماء الذي يخرج بوضع الجسم في الماء) يكون حجمه أكبر وثقله أخف بنسبة تفاوت الماءين وإذا اسقط ماء كل من وزنه في الهواء كان الباقي وزنه في الماء، مثلا لما كان ماء مئة مثقال من الذهب خمسة مثاقيل وربع مثقال كان وزنه في الماء أربعاً وتسعين مثقالا وثلاثة أرباع المثقال، والماء الذي يخرج من الإناء بإلقاء الجسم فيه إن كان أقل من وزن الجسم فالجسم يرسب فيه، وان كان أكثر منه فيطفو، وإن كان مساوياً له فالجسم ينزل في الماء بحيث يماس أعلاه سطح الماء. وقد وضع أبو ريحان ومن تبعه جدولا جامعاً لمقدار الماء الذي يخرج من الإناء بمئة مثقال من الذهب والفضة وغيرهما ومقدار أوزانهما عند كون الفلزات السبعة في حجم مئة مثقال من الذهب، والجواهر في حجم مئة مثقال من الياقوت الاسمانجوني، ولمقدار اوزانها في الماء بعدما يكون مئة مثقال في الهواء، وهو هذا الجدول (فهذا الجدول يحتوي على ثلاثة جداول أحدهما لأوزان الماء الذي يخرج بإرسال مئة مثقال من كل من هذه الأجسام في الماء، وثانيها لأوزان هذه الأجسام عندما تكون حجومها متساوية، ومساوية لحجم مئة مثقال من الذهب إن كانت من الفلزات، ولحجم مئة مثقال من الياقوت الاسمانجوني إن كانت من الجواهر، وثالثها لأوزان هذه الأجسام في الماء عندما يكون وزن كل منها في الهواء مئة مثقال).

(1)

جدول في أوزان ما يخرج من الماء بوضع مئة مثقال من الأجسام المذكورة

المثاقيل الدونق الطسوجات

ص: 126

ذهب 5 1 2

فضة 9 4 1

زئبق 7 2 1

الاسرب 8 5 0

الصفر 11 2 0 الفلزات

النحاس الاحمر 11 2 1

النحاس الاصفر 11 4 0

الحديد 12 5 2

الرصاص 13 4 0

الياقوت الاسمانجوبي 25 1 2

اللعل 27 5 2

الزمرد 36 2 0

اللاجورد 37 1 0

اللؤلؤ 38 3 0 الجواهر

العقيق 39 0 0

الشبه 39 3 0

البلور 40 0 0

الياقوت الأحمر 26 0 0

(2)

جدول في أوزان الفلزات والجواهر إذا كانت الفلزات في حجم (100) مثقال من الذهب والجواهر في حجم (100) مثقال في الياقوت الاسمانجوني

ذهب 5 1 2

فضة 9 4 1

زئبق 7 2 1

الاسرب 8 5 0

الصفر 11 2 0 الفلزات

النحاس الاحمر 11 2 1

النحاس الاصفر 11 4 0

الحديد 12 5 2

الرصاص 13 4 0

الياقوت الاسمانجوبي 25 1 2

اللعل 27 5 2

الزمرد 36 2 0

اللاجورد 37 1 0

اللؤلؤ 38 3 0 الجواهر

العقيق 39 0 0

الشبه 39 3 0

البلور 40 0 0

الياقوت الأحمر 26 0 0

(2)

جدول في أوزان الفلزات والجواهر إذا كانت الفلزات في حجم (100) مثقال من الذهب والجواهر في حجم (100) مثقال في الياقوت الاسمانجوني

مثقال دانقطسوج

ذهب 100 0 0

فضة 54 1 2

زئبق 71 2 1

الاسرب 55 2 2

ص: 127

الصفر 46 2 0 الفلزات

النحاس الأحمر 45 3 0

النحاس الأصفر 45 0 0

الحديد 40 3 3

الرصاص 38 2 2

الياقوت الاسمانجوبي 100 0 0

الياقوت الأحمر 97 0 3

اللعل 90 2 3

الزمرد 69 3 0

اللاجورد 69 5 2 الجواهر

اللؤلؤ 65 3 2

العقيق 64 4 2

الشبه 64 2 1

البلور 63 0 3

وأما الجدول الثالث وهو الذي يبين وزن كل جسم في الماء فيحصل بطرح وزن ما يخرج من الماء بغمس كل جسم في الماء، من الوزن الأصلي في الهواء اعني مئة مثقال، ولما كان وزن ما يخرج من الماء بغمس كل جسم من الأجسام المذكورة مبيناً في الجدول الأول فيطرح هذا الوزن من (100) مثقال فيخرج وزن ذلك الجسم في الماء، مثلا: وزن الذهب في الماء (94) مثقالا و (4) دوانق و (2) طسوجان

ومما يلاحظ أن المؤلف قد استعمل لفظي الثقل والوزن بمعينين مختلفين فجعل الثقل بمعنى الكثافة كما هو ظاهر من سياق كلامه، وهذا مما يدل على ما في اللغة العلمية من دقة في التعبير.

هذا وإن من الجدير بالعناية والنظر في أمر هذه التجربة أنه اشتهرت نسبتها - أو على الأقل نسبة النظرية التي تستند إليها هذه التجربة - إلى ارخميدس، وقصته في اكتشافها مشهورة تكاد تكون مضرب المثل في الإلهام أو الحدس العلمي، ومع ذلك فلم يشر إلى هذا

ص: 128

الأمر المتقدمون من علماء المسلمين ممن بحثوا هذا المبحث أو ممن ترجموا لارخميدس. وإذا رجعنا إلى ترجمته في كتاب تاريخ الحكماء للقفطي والفهرست لابن النديم مثلا وجدنا ما ترجم من كتبه إلى العربية ليس شيء منه من باب الطبيعيات وإنما هي في الرياضيات، فكل هذا يدعونا إلى التساؤل كيف انتقل هذا القانون أو هذه النظرية إلى المسلمين؛ أهو عن طريق ارخميدس ولم يذكر بين كتبه المعربة ما يشبه هذه المباحث! أم عن طريق غيره من الفلاسفة ممن نقلوا عنه ذلك؟ وإذا كان كذلك فلم لم يكن لارخميدس ذكر في هذا النقل! أم أن المسلمين أنفسهم توصلوا إليها؟ ولم ينقل إلينا مثل هذا الاكتشاف! وعلى كل نترك التحقيق والبت في هذا الأمر إلى من هم أوسع تحقيقاً واغزر علماً ومهما كان الأمر فان مما يسترعي النظر في هذه ما فيها من الدقة في تعيين المكان (خوارزم)، والزمان (فصل الخريف)، والماء المستعمل في التجربة (ماء جيحون)، تلك العوامل التي تؤثر في نتيجة التجربة كما أشار التفتازاني نفسه إلى ذلك حيث قال:(ولا شك أن الحكم يختلف باختلاف المياه واختلاف أحوالها بحسب البلدان والفصول) ولا شك في الحقيقة أن كثافة الماء تختلف تبعاً لهذه العوامل التي ذكرها. ومن جهة أخرى فان أبا ريحان (بالغ في تنقية الفلزات من الغش وفي تصفية الماء) لتكون النتائج أدق واضبط، ولم يكن في الكميات أقل ضبطا منه في الكيفيات وهو لتعيين الأوزان يستعمل المثقال والدانق (سدس المثقال) والطسوج (ربع الدانق) ومن ذلك نعلم أن فكرة إرجاع الكيفيات في الحوادث الطبيعية إلى الكميات كانت معروفة شائعة لديهم وهي الفكرة التي يرتكز عليها علم الطبيعة اليوم والتي كانت وسيلة لرقيه السريع وبلوغه تلك المنزلة الرفيعة التي ارتقى إليها في هذا العصر، فجرى بمن يؤلف بالعربية في علوم الطبيعة أن يشير إلى أمثال هؤلاء العلماء ممن نستطيع أن نفاخر بهم في الميادين العلمية، والذين كثيراً ما ينسب إلى غيرهم من متأخري علماء الفرنجة ما هو أحق أن ينسب إليهم لما لهم من السبق في تحريه واكتشافه أو في التحقيق عن صحته واثباته، فقد اصبحنا ومالنا من ماضينا سوى الافتخار باسمه والإشادة بذكره، فإذا توخينا تلمس ما في هذا الماضي من مآثر حقيقية في كل منحى من مناحي التفكير أحجمنا وكلت أبصارنا عن النظر في مثل تلك الآفاق الواسعة التي تثبت بحق ما كانت تقوم عليه الحضارة الإسلامية من سعة في التفكير لم يكن الدين (على ازدهاره إذ

ص: 129

ذاك) ليضيق بها ذرعاً، بل أن هذه الحركة فيما أرى كانت تغذيها وتدفع الناس إليهما روح الإسلام نفسه، ذلك الدين الذي يجب أن نتصوره بأوسع مما هو مصور في الحقيقة في مخيلتنا والذي قد تضيق كلمة دين - إذا نحن اطلقناها عليه - مفهومة في، نفوسنا لما نتصوره من لوازم عديدة لهذه الكلمة حينما نذكرها بسبب ما مرت عليه من أدوار مختلفة في خلال التاريخ البشري. فهو في الحقيقة أوسع من أن يسمى ديناً بالمفهوم الحالي لهذه الكلمة، وانما هو الطريقة المثلى في الحياة في جميع نواحيها وشعبها، وناهيك بما أنتجته الحضارة الإسلامية من إبداع في الأدب والعلم والتشريع دليلا على سمو هذا المنهاج الحيوي الأقوم.

دمشق

محمد مبارك

بكالوريوس في العلوم

ص: 130

‌القصص

من أقاصيص العرب

وضاح الشاعر

بقلم احمد حسن الزيات

- 1 -

في اليمن الخضراء، وفي صنعاء ذات الظل والماء، نشأ وضاح أزهر اللون، أصهب الشعر، مليح القسمات، رقيق الأديم، ثم ترعرع بين خمائل الأودية ومروج السهول وأزاهير الربى فازداد رواء وجهارة.

وإذا كان الجمل يكتسب لون الصحراء. والسمك يستفيد مرونة الماء، والطاووس يستعير أفواف الروض؛ فان اليمانيين لم تصلهم بطبيعتهم ولا بيئتهم صلة، فهم سمر الوجوه ضئال الجسوم قصار القدود، وأرضهم مشرقة الأجواء مونقة المناظر خصبة التربة. لذلك رابهم وضاح بقدر ما راعهم، فقالوا إنه من أبناء الفرس الطارئين على اليمن في عهد ابن ذي يزن، ولكن الحكم سفه هذا الرأي وقضى بعربيته

لا يعنيك ولا يعنيني أن نكشف عن دخيلة هذا الشاب فنصف تاريخ أسرته وحقيقة ثروته وطبيعة عمله، إنما يعنينا من وضاح ذلك الفتى الطرير الذي أشقاه شعره وأبأسه شعوره وقتله جماله.

نريد أن ننقل عن لوح القدر هذه الصفحة الدامية التي كتبت لهذا البائس وجرت عليه في غير رفق ولا هوادة.

كان وضاح الجميل الشاعر كالبلبل يعرف في نفسه جمال الريش وجمال الصوت، فهو لا ينفك في حذر من الصائد، وخوف من القفص، فكان يغشى المواسم والأسواق وهو مقنع منتقب خيفة الحاسد وحذر المرأة!!

ولكن المرأة كانت تعترضه بكل سبيل، وتترقبه في كل مرصد، وتتراءى له في كل مكان: تحت النخيل، وفي الأسواق، وعلى الماء، وهو لا يزداد إلا تمنعاً وترفعاً ووحشة، لأنه محبوب ومن طباع المحبوب الادلال؛ ولأنه مطلوب ومن غرائز المطلوب الهرب، ولم يجد

ص: 131

مع ذلك فيمن رأى من النساء روحا جذابة ولا قوة غلابة ولا جمالا أبرع من جماله، على أن وضاحاً خلق للحب وكتبت عليه فيه الشهادة! فعيناه على غير علمه ترتادان الحبيب، وقلبه من قلقه وانتظاره يضطرب في حنايا صدره، وعواطفه من اضطرامها وانبساطها تكاد تسيل، وكان يفر من ضوضاء صنعاء ومتاجرها وقوافلها، إلى سكون الصحراء الرهيب، وهدوء الطبيعة الموحش، فيضي سحابة نهاره جالساً في روضة، أو مستلقياً على غدير، أو نائماً في مغارة؛ كأنه نبي من أنبياء بني إسرائيل - ينتظر الرسالة.

- 2 -

ففي صباح يوم من أيام الربيع مشرق الأديم عنبري النسيم منضور الخمائل استهوته الطبيعة فأخذ يضرب في الأرض حتى متع النهار، وإذا هو على ماء من امواه (الخصيب) من قرى اليمن، وفي الخصيب شد الجمال إطنابه وشاد الحب معبده. والعرب يقولون لك: إذا بلغت ارض الخصيب فهرول!

فجلس وضاح ينضح ظمأه ويرفه عن نفسه إلى أن طاف به الكرى فنام.

تنبه وضاح ساعة الأصيل على صوت رخيم الحواشي، متسق النبرات في رنين الفضة. فنظر فرأى حورية من حواري الحقول قد حسرت عن ساقها وغمست رجلا في الغدير ووضعت رجلا على الحافة وهي منحنية على الماء، تجمع ثوبها بيد وتملأ سقاءها بيد. فرجف قلبه وبرق بصره وخيل إليه أن عينه لم تقع من قبل على فتاة، فنهض يملأ من هذا المنظر الرائع عينيه فلفتتها حركته. فرفعت بصرها إليه في سكون طرف وفتور لحظ. وكأنها همت بالنكوص لولا أن رأت منه ما رأى منها. فوقفت جامدة لا تتحرك، وشاخصة لا تطرف، بل أحست من نفسها الهفوان إليه حين تقابل النظران وتجاذب القلبان وتمشى إليها مشية الحباب في حياء ووناء ورقة. حياها فردت التحية، واستنسبها فانتسبت كندية، واستسماها فقالت (روضة)

ثم جرى بين المحبين حديث الشباب الحيي المضطرب الحائر. . ويكاد نصه يكون واحداً على اختلاف الألسنة والأزمنة فلا نثبته، وكيف يثبت كلام الناظر للناظر، وتدفق الخاطر في الخاطر، وعناق القلب للقلب، وامتزاج النفس بالنفس، ولحن اللسان للسان؟؟

كانت روضة كما تشتهي كل فتاة أن تكون، فهي كما صورها وضاح في شعره (كاعب

ص: 132

وضيئة الطلعة لطيفة التكوين مصقولة الجبين يزينه شعر أثيت أشقر كذنب الكميت، زجاء الحاجبين كأنهما شقا بقلم، تقوساً على مثل عين الظبية، ساجية الطرف، ذلفاء الانف، عبلة الذراعين لا ترى فيهما عظما يحس ولا عرقا يجس، طفلة الكفين تعقد ان شئت منهما الأنامل، ممشوقة القد قد أفرغت في قالب الحسن.

وجد كل منهما في الآخر مشابه في زهرة الوجه وصهبة الشعر وهجنة النسب بالدم الفارسي. فتعارفا بلحظة، وتفاهما بلفظة، وتآلفا تألف الاخدان كأنما كانا على موعد!

طوت شمس الطفل الغاربة مطارفها العسجدية عن السهول والحقول فلم يبق منها الاهلاهل على رؤوس التلال وشعاف الجبال وأعراض النخيل، وأخذ الرعاة يروحون بالقطعان إلى الحظائر، وآن للراعية الحسناء كذلك أن تؤوب! فقامت روضة متنافلة، وودعته متخاذلة: وسارت وراء قطيعها تتهادى في مرطها المفوف ونطاقها المحبوك وخمارها الأسود كأنها آلهة الرعاة أو تمثال الحسن

تلاقيا مرة أخرى في سرة الوادي المعشب وقد عملت فيه يد الطبيعة فازَّرته بعميم النبت، وطرزته بألوان الزهر، وضمختة بعبير الخزامي وريا البشام وأرج الرند. فجلسا ساعة تحت دوحة يتساقطان عذب الحديث، ويتناشدان حلو الغزل، ويتساقيان كؤوس الهوى، ثم نهضا يسيران صاعدين تارة في مدارج السيل، وهابطين تارة إلى قرارة السهل، يجنيان الكمأة ويقطفان البهار ويلتقطان الجزع المفصل. فلما نفضت الشمس على الأفق الغربي تبر الأصيل توادعاً ثم تواعدا على اللقاء وتعاهدا على الوفاء بعد أن شق عليها رداءه وشقت عليه هي برقعها استدامة للحب وبقيا على الهوى!

- 3 -

ظل العاشقان في غفلة الزمان والإنسان يتلاقيان كل يوم على خلاء، حتى نم على هواهما شعر وضاح، فتنبئه الغافل وتحرش العاذل وتحذر الأهل، فحالوا بينها وبين لقائه وتوعدوه.

فكان وضاح يأتي كل يوم على عادته فيجلس في الأماكن التي إعتادها، ويرتاد الغياض التي ارتادها؛ ويستروح النعامي والخزامي فلا يجد قراراً في مكان، ولا جمالا في طبيعة، ولا روحاً في أرج، فيدنو من الحصيب يترصد غفلة القوم ويتنسم ريح روضة ويقول:

يهددوني كيما أخافهم

هيهات أنى يهدد الأسد؟

ص: 133

حتى لقي ذات مساء عبدها الذي كان يرعى عليها رائحاً بالقطيع إلى مزاحه، فجعله رسالة إليها يطلب فيها أن توافيه على الكثيب متى غفت العين وهدأت القدم، فوافته في إحدى أترابها، فجلسا على الحصباء يتشاكيان حرقة الجوى وتحكم الهوى وتعقب الرقيب، وأخذت روضة تحكي لوضاح كيف استفاض الخبر وخاض فيه الناس، وكيف حجبها أخوتها وراقبوها بعين لا تغفل، وذكرت له والدمع يتقاطر من عينيها أنهم صمموا على رفض خطبته ومنع تزويجه، وقرروا تزويجها من موسر كثيف الظل جافي الخلقة، وحذرته أن يدنو من الحي فان قومها يأتمرون به.

غلى جوف وضاح وعصفت في رأسه الحمية، ونزت بقلبه الصبابة، وعقد نيته على معالجة الأمر بالحزم، ومواجهة الخطر بالصراحة، وقرر زيارتها في دارها بعد هذا الحوار البديع الذي خلده وضاح في هذه القصيدة:

قالت: ألا لا تلجن دارنا

إن أبانا رجل غائر

قلت: فإني طالب غرة

منه وسيفي صارم باتر

قالت: فان القصر من دوننا

قلت: فإني فوقه ظاهر

قالت: فان البحر من دوننا

قلت: فإني سابح ماهر

قالت: فحولي اخوة سبعة

قلت فإني غالب قاهر

قالت: فليث رابض دوننا

قلت فإني أسد عاقر

قالت: فان الله من فوقنا=قلت فربي راحم غافر

قالت: لقد أعييتنا حجة

فأت إذا ما هجع السامر

واسقط علينا كسقوط الندى

ليلة لا ناه ولا زاجر

وفي الليلة التالية كان وضاح في طريقة إلى الخصيب، وكان أخوة روضة وعمومتها يرصدون سبيله ويطلبون لقاءه، بعد أن عملوا من الرقيب اجتماع الكثيب، وكانت الحبيبة على علم بخروج القوم وقدوم المحب المخاطر فطرقت مضعجها الهموم، وتخالجت قلبها الوساوس، وأخذها عليه المقيم المعقد.

لم يطل انتظار الجماعة للفرد فتلاقوا وراء الوادي: ثم كان عتاب على الأشعار الجارحة، وسباب على الشهرة الفاضحة؛ وقتال انتهى بطعنة تلقاها المحب في موضع حبه. ثم خلا

ص: 134

المكان إلا من جريح يئن، وفرس يحمحم؛ وتحامل على نفسه وضاح فضمد جرحه وركب جواده وقفل راجعاً إلى أهله.

قضى المسكين شهرين على فراش الألم يتضور من ضربان الجرح وهذيان الحمى وثوران الحب. ولكن الجرح كان قريب الغور فاندمل، والحمى كانت عارضة فأقلعت، والحب؟ هذا هو المرض المخامر والداء العياء، فليس له غير الله من آس ولا طبيب، لذلك نصحوا لوضاح أن يحج البيت فشد إليه رواحله. وسنلقاه هناك بعد قليل.

- 4 -

أذن مؤذن الحج للمرة الثمانين بعد الهجرة، فسالت فجاج الجزيرة بالقباب والهوادج، وشرقت دروب الحجاز ومسالكه بالناس رجالاً وعلى كل ضامر، واكتظت بطاح مكة ورباعها بالحجيج من الشام والعراق واليمن، ودوي الفضاء المشرق بأصوات التهليل والتلبية، وروي الثرى المكروب من دماء البدن والضحايا، وتعطر الجو القائظ بأنفاس الحسان الغيد، وفاضت أندية مكة النبيلة بالقصف والعزف والغزل، وخرج الشعراء من بني الأنصار والمهاجرين في مطارف الخز وبرود الوشى على النجائب المخضوبة، يتعرضون للغواني المحرمات، ويقطفون من فوق شفاهها اللعس ألفاظ الدعاء، قبل أن ترفع إلى السماء، وهناك على الربوة العالية ضرب الفسطاط الرفيع العماد، وفرشت الطنافس، ونصبت الأرائك، وصفت النمارق، ونضدت الوسائد، وقامت الجواري والولائد، وعلقت السدول والستائر، وبرزت من خلالها زوج الخليفة في زينتها وفتنتها ترسل النظر تارة إلى الأفق البعيد، وتارة تتصفح به الوجوه المختلفة والأزياء المتعددة، والناس يتحامون جانبها ويتهيبون ظلالها لهيبة الملك وشراسة الجند وجلال الخلافة. حتى الشعراء من شباب الهاشميين وخلفاء ابن أبي ربيعة لم يجرؤا أن يمدوا إلى جمالها الفاتن عيناً ولا لساناً، لأن الخليفة كتب (يتوعد الشعراء جميعاً أن ذكرها أحد منهم أو ذكر أحد ممن تبعها) ولكن الملكة تريد على رغم الملك أن تكون من عرائس الشعر، وأن تظهر في ديوان الشاعر، كما ظهرت في ديوان الملك. والشعر في الحجاز كان حينئذ للمرأة، يصف حالها ويعرض جمالها فتصل من طريقه إما إلى الزواج وإما إلى الشهرة. فتراءت الملكة للناس وسهلت للغزالين الحجاب.

ص: 135

وكان وضاح يومئذ مشغولا عن الشعر والشعراء بنفسه، فهو يطوف بالبيت ويتعلق بستور الكعبة، ويسأل الله انه يشعب قلبه بالسلوة. حتى إذا خرج الحجيج إلى عرفات وتطاولت الرقاب، وتطلعت العيون، وأومأت الأصابع إلى موكب الملكة الحاشد، جذبه جلال الحاجة النبيلة وجمال وصائفها فدنا من فلكها، فوجد كهنة الحب وشياطين الشعر يسايرون ركابها ويراقبون سناها. فمشى بجانب الشاعر كثير، ووقعت عين الملكة عليه فراعها جماله، وعلقتها حباله. فأشارت بطرف العين إلى جاريتها غاضرة فأثبتت معرفته.

فلما أفاض الناس من عرفات، وانحدروا إلى مرمى الجمرات، وقفت بجانبه فتاة فتانة ناهد، وأسرت إليه وهو يرجم الشيطان أن الملكة تريد لقاءه في مخيمها على (منى)

اضطرب وضاح لهذه الإرادة وخشي عاقبة هذه الدعوة، وتردد طويلا في الذهاب إلى هذا الموعد، لان هذا الحب الملكي اكبر من عواطفه، ولان قلبه الجريح لا يزال يقطر في لفائفه، ولأن خيال (روضة) يعتاده في جميع مواقفه، ولكنه عربي!! والعربي طماع طماح مخاطر. فلماذا لا يبذ الشعراء ويكبت الأعداء بالسبق إلى جمال الملكة ومال الخليفة؟؟

أمسى المساء، وكان هلال ذي الحجة قد توارى بضوئه الشاحب خلف الجبل، وأخذت الأضواء المنبعثة من بواقي المشاعل والمصابيح والكوانين تكافح ظلمة الغسق، والقي الناس أرواقهم على الرمال مجهودين بعد نهار قائظ احمرت حواشيه من دماء القرابين، وضرب الكرى على آذان العامة فلم يبق يقظان إلا ذوو الحس الرقيق ممن جرهم جمال الليل إلى جمال السمر، وإلا نفسان شاعرتان بسط الحب عليهما جناحه، وأزال ما بينهما من فروق، ورفع ما يفصلهما من حواجز، حتى التقى ابن آدم ببنت حواء وجهاً لوجه، وأقبلت الملكة على وضاح اليمن تناقله الحديث، وتساجله الشعر، وتنصب له شرك الفتنة في مطاوي اللفظ، وتسدد إلى قلبه سهم الغواية في مرامي اللحظ، وحسبنا أن نروي من هذا الحديث المشفق العذب هذا الحوار:

- وكيف حال روضة بعدك يا وضاح؟

- على شر حال وا أسفاه! زوجوها من موسر مجذوم فأعداها بالجذام!!

- وما حالك أنت من بعدها؟

- أما قبل هذه الليلة فكنت لا انتفع بنفسي ولا اشعر بوجودي

ص: 136

- ومنذ الليلة؟

- منذ الليلة عرفت نعيم السماء بعد ما عرفت في الخصيب نعيم الأرض

- إذن ستحبني؟؟

- نعم ولو خيرت ما اخترت

- وستنسب بي في شعرك؟

- نعم ولو كره الخليفة

- أذن اصحبني إلى دمشق فامدح الخليفة. وسأرفدك لديه واقوي أمرك عنده

- 5 -

وعلى نهر بردى وفي القصر المشيد زكت شجرة الحب حتى عرشت على كل حائط؛ وسطعت فوحتها في كل انف، وتهدلت أغصانها المزهرة على سرير الخليفة، ودنت قطوفها المجرمة من فم المجنون وليلاه؛ فاكلت منها حواء وجرت إلى الخطيئة آدم! وآدم دائماً هو الذي يكفر عن الخطيئة!!

ظل وضاح ابن الطبيعة الطليقة سجيناً في الخليفة قصر لا يبصر سماء ولا أرضاً، ولا يرى غديراً ولا روضاً، ولا يسمع حركة ولا صوتا ،. ولا يشعر بمجرى الحياة إلا حينما تخرجه الملكة من مخبئة ساعة يغفل الرقيب وتغفو العين المريبة. فتطارحه أحاديث الغزل. وتسقيه من سلاف الهوى عللا بعد نهل. ثم ترده عند الخوف إلى مأمنه.

ومضت على تلك الحال حقبة من الدهر ورفت عليهما ظلال الأمن فيها. ولكن وجه الجريمة وقاح لابد من سفوره. وريحها ذفر مهما كتمته فلا مناص من ظهوره. والخطيئة لا يطهرها إلا عقوبة أو ضحية!

فأهدى إلى الخليفة ذات يوم جوهر نفيس فراقه حسنه. وأحب أن يطرف به الملكة. فبعث به إليها مع خادم له ومعه كلمة رقيقة. فمضى الغلام بالتحفة إلى مجلس الملكة فلم يجدها، وعلم أنها في بعض الغرف فدخلها عليها مفاجأة، وكانت قد أحست بخطاه دون الباب فبادرت إلى إخفاء وضاح فأدخلته في صندوق وأغلقته. وحينئذ دخل الغلام فرأى أواخر جسمه تغيب تحت الغطاء. فأدى إلى الملكة الرسالة ودفع إليها الجوهر، ثم قال لها بلهجة الخبيث الماكر: ألا تهبين لعبدك يا مولاتي حجرا من هذا الجوهر؟ فأجابته الملكة بلهجة

ص: 137

العزيز الممتعض: (كلا يا بن اللخناء ولا كرامة)

ولعلها لو كانت تحسن قراءة الوجوه لحشت فمه بهذا الجوهر حتى لا ينطق. أو لعلها فهمت لحن قوله، ولكن نفسها الملكة الأبية أنفت الخشوع، لهذا العبد فآثرت نقمة زوجها على نغمة خادمه وهي مع ذلك قوية الثقة في شفاعة الجمال ووساطة الحب! ومهما تكن الدوافع إلى هذا الجواب فأن الخادم قد ارتد إلى سيده بجلية الأمر. ولكن الأمر نزل من خليفة معاوية في بال واسع. فأمر بالغلام فوجئت عنقه. ثم لبس نعليه ودخل على زوجه وهي جالسة تمشط في تلك الغرفة. فجلس على الصندوق وقد علم وصفه من الغلام، ثم قال بلهجته الهادئة الرزينة:

- ما أحب إليك هذا البيت من بين بيوتك. فلم تختارينه؟

- اختاره واجلس فيه لأنه يجمع حوائجي كلها فأتناولها منه كما أريد من قرب

ألا تهبين لي صندوقاً من هذه الصناديق؟

- كلها لك يا أمير المؤمنين!

- ما أريدها كلها. وإنما أريد واحداً منها

- خذ أيها شئت

- أريد هذه الذي جلست عليه

- خذ غيره فأن لي فيه أشياء احتاج إليها

- ما أريد غيره!.

- إذن خذ يا أمير المؤمنين

فأشار إلى الخدم فحملوه إلى مجلسه. ثم أمر العبيد فحفروا تحت بساطه بئراً بلغوا بها الماء. ثم دعا بالصندوق أو الناووس وقال له:

(انه بلغنا شيء. . إن كان حقاً فقد كفناك ودفناك ودفنا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر. وان كان باطلا فقد دفنا الخشب، وما أهون ذلك!!)

ثم قذف به في البئر! وهيل التراب، وسويت الأرض، ورد البساط، وأخذ الخليفة مجلسه. واستمر الفلك يدور دورانه الأبدي المنتظم

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر!!

ص: 138

الزيات

ص: 139

‌مسيلمة

بات مسيلمة والكرى لم يطرق جفنه، يفكر في محمد اليتيم كيف انتصر، وصارت له عصبة وقوة، وكيف سر أعداءه وقد بدا لا عدة ولا عدد، وها هو ذا يريد أن يكتسح جنوب الجزيرة بعد شمالها، فتنفرد مضر بالرياسة. لا ورب الشعرى ما تذل ربيعة، ولا ينبغي لها ذلك، وان كان قد دعا لنفسه، فلم ينفرد بالرسالة؟ أولست مثله؟ ولي لسان كلسانه وقومي كقومه بل أشد شوكة. انهم أعراب غلاظ شداد لا يعصوني ما أمرتهم، تدفعهم النعرة إلى نصرتي ظالماً أو مظلوما - والله لأوقدنها نارا ولأكون صاحبها.

دخل عليه صديقه (مجاعة) عند انبثاق النور، واشد ما أدهشه أن رآه جالساً القرفصاء قد دفن وجهه! بين ركبتيه، فنادى مسيلمة فرفع إليه رأسه في صمت وسكون وقد بدت من وجهه عينان أدماهما الأرق فسأله مجاعة؛

- ما بك يا أخي؟ أسوء إعتراك؟

- بل الخير كل الخير

- وكيف صممت عن دعائي وقد ناديت مرارا؟

- ما كنت واعيا

- وما شغلك؟

- كنت في فكر أقض مضجعي، وأطار نومي، وما أحسب أحداً غيري يقوي على احتماله

- وأخوك الذي أذهب ميعة شبابه بجانبك، وأخلق ديباجته مقتحماً الأهوال بين يديك؟ ألما تجده لسرك أهلا؟

- كلا ما ذهبت إلى ذلك، وما أردت أن أثقلك بما ينقض ظهرك، وأشركك في كأس مرة

- ما دمت تشرب منها، فكيف تبخل علي بها؟ وهبها كأس المنية

- بارك الله فيك من عشير، إذن فأصغ إلي - أنت تعلم العداوة التي بين أهلنا ربيعة وبين مضر، وكم أوقدنا الحرب نمدها بأفلاذ أكبادنا ونرميها بزهرات اولادنا، ولم نرض في حال بالذل وسوم الخسف

- وماذا فعلت مضر بنا؟ هل أغارت على حينا؟ هل أرسلت شياطينها على عيرنا؟ هل حمت البيت دوننا؟ هل وترتنا في أهلنا أين. ماذا فعلت؟

- ما فعلت من ذلك شيئا. ولكنها أوقدت نارا وأخال أن ألسنتها ستمتد إلينا، فيهبط العرش

ص: 140

على الفرش ويذهب الولد والوالد

- وما هذه الداهية؟

- ألم تعلم أن محمدا ظهر أمره، وزهر نجمه، وكنا حسبناه شرارة ما تضيء إلا لتخمد، وخطباً ما ينزل إلا ليهون. ولكن خاب فألنا، فالركبان يتناقلون أنه استحوذ على ما بين مكة والمدينة؟ والناس يدخلون في دينه أفواجاً، وأخشى على اليمامة. منزلنا العتيد ومهد الجدود، أن يأخذها منا على غرة فنذل بعد عزة، ونبوء بالخسران المبين.

- وما بدا لك أن تفعل؟

- إن الحديد بالحديد يفلح، والدعوة بمثلها تقابل، له الشمال ولنا الجنوب. ليت شعري لم يكون النبي من مضر ولا يكون لربيعة نبي؟ قرب سمعك مني. لابد من الحيلة لقومك حتى يستقتلوا ويطيعوا، ولابد من السيطرة على قلوبهم حتى ينصاعوا، ولا يكون ذلك إلا بغزو عقولهم وخدعة عيونهم فلا يرون إلا ما نرى ولا يسمعون إلا ما نسمع.

- أذن فاعمل كيدك حتى تأينا بآيتك التي تبهر وتسحر

- ما تظنني عن هذا غافلا - بل إن فكري ليحلق في آفاق أبعد، وكيف أنصب قدرا قبل تهيئة الاثافي، ومثلي الذي جاب الآفاق وجال في الأسواق، ونفذ إلى ما وراء الحيرة والأنبار، واقتحم سواد فارس واجتمع بأوشابها، فوقف على ألاعيب فتيانها وكيد دهاتها واختلط بتجار الهند وعرف حكمتهم واستجلى شعوذتهم - لا يخلو من كيد وحيلة، فكم خدعة عندي يحسبها الأعراب معجزة، وكذبة يظنونها حقا!

- يا لك من داهية يا أبا ثمامة! وما وراءك بعد؟

- سأزعم النبوة كمحمد، وأدعي المعجزة، ولابد من ردء يصدقني ويشد أزري. وأظن فيك - بعد ما بلوتك - ذلك الرجل

- قد أجبت سؤلك. ما دام في ذلك مرضاة لحمى الجدود، وبر لرفاتهم، فماذا تريد أن أفعل؟

- تذيع في الناس أمري، وظهور رسالتي، وتحشدهم إلى دارك بعد غد. ليشهدوا آياتي أليس الموعد بقريب؟

- بلى، سيتم ذلك على أحسن حال. إلى اللقاء

هب الناس على دار (مجاعة بن مرارة)، وكانت رحبة الفناء ضمت ألوفاً من الأعراب

ص: 141

وكلهم يشيع في وجهه السرور، ويهنئ صاحبه، لأن الله حباهم نبياً من أنفسهم، عزيز عليهم، به رجحت كفتهم، وأنقذوا من نير مضر وسورة سلطانهم، وها هم أولاء يجتمعون ليشاهدوا آياته، فتملئ قلوبهم إيماناً

وفي الأصيل وقف مسيلمة على دكان بصدر المجلس وقد اختفت قسمات وجهه تحت لثامه الغليظ فلم تبد منه إلا عينان خبيثتان تدوران في الجمع الحافل، وتلحظان فيض العاطفة على الوجوه، وتقرءان في العيون الأيمان والسخرية. وكان ممتقع اللون، يرفض جبينه عرقاً، يهوله ما يقدم عليه من خطب ويخشى العاقبة. ثم ثبت يده على عكازه التي اعتمد عليها واستفتح كلامه حامداً الله الذي حمى اليمامة وأعزها بنبيها، وأفاض في الثناء على أهلها وثباتهم، وناشدهم أن يعينوه بقوة على محمد شريكه في الرسالة، ليستخلصوا نصيبهم من بين يديه. ثم أعلن أنه سيعرض عليهم معجزاته الناطقة برسالته، لتطمئن قلوبهم. تنفس الجمع الحاشد، ونظر بعضهم إلى بعض متلهفين إلى ما يأتي به من خوارق ومعجزات، وكان مسيلمة قد اختفى وراء ستر نصبه بينه وبين الحائط، فرجع وفي يده قارورة داخلها بيضة، كان قد أطال انقاعها في الخل حتى لان قشرها الأعلى، فمدها فامتدت كالعلك فأدخلها قارورة ضيقة الرأس، وتركها حتى جفت ويبست، وكلما انضمت استدارت حتى عادت سيرتها الأولى

قال: هاكم آية من آياتي نزل بها عليّ الرحمن، ترتفع عن قدرة البشر. بيضة كبيرة، غير مقشورة، في قارورة. أجيبوني بآبائكم، من أدخلها فيها غير ربكم. أم هل فيكم من يفعل من ذلكم شيئا؟ وناول القارورة أحد الجلوس، فتقاذفتها الأيدي، متأملين المعجزة العجيبة، والبدعة الغريبة.

ثم دار بعينيه في دار (مجاعة) فرأى زوجاً من الحمام مقصوص الريش، واقفا على عود في حائط كانت الأعوان قد هيأته لتلك الفرصة، فالتفت إلى مجاعة وقال له:

- إلى كم تعذب خلق الله بالقص؟ ولو أراد الله للطير خلاف الطيران ما خلق لها أجنحة، وقد حرمت عليكم قص أجنحة الحمام

فقال مجاعة كالمتعنت -: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطائر الساعة.

ص: 142

- فان أنا سألت الله ذلك، فطار وأنتم ترونه، أتعلمون إني رسول الله إليكم؟

- أجل: أجل

- أريد أن أناجي ربي، وللمناجاة خلوة فانهضوا عني، وإن شئتم اختليت به وراء الستر ودعوت الله ثم خرجت به اليكم وافي الجناحين

ولما خلا بالطائر أخرج ريشا كان قد هيأه، فأدخل كل ريشة مما كان معه في جوف ريش الحمام المقصوص من عند المقطع - ولما أتم جناحيه خرج به وأرسله على رءوس السامر فرفرف عليهم - فصاحوا معجبين، ونهض منهم خلق كبير، يبايعه ويشهد الله على ما في قلبه، وانفض السامر وقلوبهم شتى، ولكنهم جميعاً أخذوا يفيضون فيما رأوا وما سمعوا.

وفي غداة اليوم التالي دخل مجاعة على مسيلمة، فرآه مشرق الوجه، فما لمحه مسيلمة حتى اندفع إليه قائلاً:

- ماذا كان من أمر القوم بعد ما رأوا الأعاجيب أمس؟

- منهم المصدق ومنه المكذب ومنهم دون ذلك. ولا يخفى عنك أن فيهم من رأى اعجب من آياتك في سياحاته وتجاراته على أيدي الكهان والسحرة وغير هؤلاء.

- وماذا ترى؟ - محمد جاء بقرآن ليعقل به ألسنة العرب ما بقيت في افواههم، وليسلبهم بسحره ألبابهم، ولا أرى إلا أن تصنع كلاماً ككلامه.

- ما أبعد روق الشامخ على الطرف! كلما صعدته إليه ارتد البصر حسيرا، هذا يا صاح يعقد لساني - ولا أكتمك شيئاً - انه جل عن أن يبدعه قلب من لحم، ولسان من عضل، وإنما هو آية كخلق الله تعجبنا وتطربنا، كما تشهدنا على عجزنا.

- ولكن قومك يطلبون منك آية كقرآن محمد، وهم لد الخصام. وما دمت زعمت مشاركته في رسالته - فهات كتابك مثله بيمينك، وإلا عبثت بك العيون.

- حق ما تقول، إذن نحاول، ولكن أين الظهير؟

- ربما تكون العناية قد لحظتنا، فقد قدم علينا صباح اليوم رجل من المدينة على دين محمد حسن السمت، سليم الطوية، قد هم فتيان من العشيرة أن يقتلوه، ولكن استبقيته لعلنا نستفيد منه في أمرنا. فيزعم أنه صاحب الرجل، وقد حفظ كلامه، وقرأ بعينه صفحة جهاده.

- وكيف نملك قلبه؟

ص: 143

- بالمال؟

- وما يدريك الوصول إليه؟

- بلوته فوجدته رطب العود قريب الغور

- وماذا نأخذ منه؟

- يسمعنا قرآنه فنقيس على الآيات مثلها، ونصب في القوالب ما يملؤها،

- كيف والعرب صيارف كلام، يقلبون الكلمة ويحكونها كالدينار لا يخدعهم وشمها، أو يخطف بصرهم وسمها

- اجتهد أن تكن مزيفاً ماهراً، فهذا ما لابد منه مادمت تصر على رأيك.

- نعم لابد من صنعاء، ولكن ألا ينفعنا في سبيل آخر، فنلقي إليه أن يزعم أن محمداً أخبره بأني شريكه في رسالته، وقد بعثه إلي بذلك النبأ.

- نعم ما رأيت، وأظن أن الإبل والشاء كفيلة بأن تركبه الصعبة وهو الذلول كما أعلمتك.

اجتمع نفر من بني حنيفة في ساحة من القرية تحن شجرة ليستروحوا بفيئها ساعة الهجير، وهم أخلاط في أسنانهم ونزعاتهم، ابتدأ أحدهم يقول:

- بالأمس قدم رسول محمد فأعلن على رؤوس الأشهاد أن مسيلمة شريكه في رسالته - فهنيئاً لليمامة بصاحبها.

آخر - الآن لزمته الحجة، فتثاءب شيخ من الجلوس وقال:

وما يدريكم أن الرجل رسول محمد، وأنه أرسله لذلك الشأن، وكيف جاء اليوم وقد ظهر أمر محمد من سنين، أبعد ما جاهد وكابد، وصار له النقض والإبرام، يعلن شركة مسيلمة؟ فهل كان الأمر والخطوب به مكتنفة، والأعداء له متربصة، فيستعين بشريكه، ويحمله نصيبه في جهاده. ما أحسب ذلك إلا خدعة.

فدارت عيون القوم وقد انبسط فريق منهم لهذا الكلام الذي أجلى المبهم فكان كالبرق في الظلمات وانقبض آخرون. ولكن الشيخ أخذ يقول:

وما ذلكم الكلام الذي ينحله الله؟ أأعجبكم قوله في الضفدع:

(يا ضفدع بنت ضفدعين. نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين،). أي عجيبة أبانها في الضفدع، وأي حكمة اظهرها؟ أمرها

ص: 144

بالنقيق فهل رآها أمسكت عنه؟ ولعله أعجب بنغماتها فأثارت أشجانه، وحركت بيانه، فصار يستوحيها، ويطلب المزيد من هديرها.

- إن أنكرت بيانه يا عم فكيف تنكر آياته الشاهدة التي لمستها أعيننا. أتراها قد خانتنا فأرسل منها الكذب إلى نفوسنا وخيل إلينا.

قد كنت في ذلك السامر يا ابن أخي، فهاج سخريتي بكذبه الفاضح، أرأيت البيضة والقارورة يزعم أن الله أدخلها! فلم أدخلها وراء أظهرنا ولم لم يخرجها أمامنا؟ ورأيت الحمام المقصوص كيف زعم أن الله ينب له ريشا في ساعة. ما باله لم يسأله ذلك أمام أعيننا؟ وهل لا يجيب الله داعيه إلا بخلوة؟ فتحوا أعينكم يا قوم فلا تضلوا انه لعمري ليس بمتنبئ صادق ولا بكذاب حاذق.

- أصوات: مه مه!

أيها الشيخ لقد كبرت. ولئن كان كما تزعم لنتبعنه، فكذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر

- قد محضت لكم نصيحتي وأنا شيخ كبير قد تقلب وجرب. وأخشى أن تسندوا باطلا فيقع عليكم، أو تشعلوا نارا فتكونوا وقودها،

- فنظرة إلى محمد وقرآنه تجدون اللبن الصريح. ولعمري إن نفسي لتنزع إلى دينه كما ينزع الفطيم إلى ثدي أمه. ولكني أخشى. . .

- فتيان ينهضون - لقد خرف الشيخ

آخرون باقون معه - لا ضير عليك من هؤلاء فأنهم سفهاء يتبعون أول ناعب.

فتى يتحدث إليه - قديما ظننت في مسيلمة البركة فأحضرت له وليدي ليباركه غداة يوم فدعا له بطول العمر فما جاء الأصيل ألا وقد كفنته بثوبه الأصفر

آخر - وجارنا أمسى له بغلامه فمسح له رأسه، فما مضت أيام ثلاثة حتى لف فيه القرع

- وأمتنا المريضة ذهبت إليه لتستشفي فكأنها ذهبت إلى حتفها

- وأنا أعتقد ضلاله. ولكن يكبر على نفوسنا أن نمد أيدينا لمحمد، كما يكبر علينا أن نحاربه أو نؤذي قومه. ونخاف الفتنة إذا ما غزانا فلا ندري أنحارب معه اخوتنا، ونقضي على بني عمومتنا، أم نحاربه وهو أقرب إلى قلبنا، أم نمسك ونعتزل فيظن بنا الجبن

ص: 145

والعار، ونصير مضغة الألسنة في حينا؟

الشيخ - حقاً أنها لحيرة يا بني. فلننتظر ما تأتي به المقادير، ويفعل الله ما يريد.

سمع مسيلمة بقدوم خالد إليه فاستنجد ببني حنيفة، فتبعه أربعون ألفاً لعزته وعصبته، وفر قوم من وجهه، وكرهوا أن يشهدوا مقارعة الباطل للحق، وقبعوا في واد ظاهر القرية وأخذوا يتجسسون الأخبار فرأوا قادماً عليهم

- مم قدمت يا فتى؟

- من القرية.

- أشهدت خالداً وصحبه؟

- كنت بين ظهرانيهم.

- ما عندك فيه؟

- انه ليعسوب قريش وفتاها، ولئن طاولته الكواكب لأحسب أنه ينزلها من منازلها، ما تقولون في عقل سديد، وقلب شجاع، وأمر مطاع.

- وكيف رأيت صحبه؟

- شباب مكتهلون، أشداء على أعدائهم، رحماء بينهم، أبصرتهم موهنا متثنية أصلابهم على كتابهم، فسمعت منهم دوي النحل، وأزيز المرجل، وشهدتهم في المعمعة ينظرون الشزر ويقذفون الجمر. فرأيت النار المحرقة، ليستعجلوا حتفهم مرضاة لرِبهم طامعين، في الجنة والحرير، والملك الكبير.

- وما فعل مسيلمة بهم؟

- قارعهم فلما أثخنوه جراحا ولى ظهره واستقبل (عقرباء) وتحصن بحديقته

- تلك حديقة الموت، وهل حسب القصر يضم جيشا - انه لغمر.

هو ما تقول - فتقدم خالد إليهم بجيشه، ووضع السيف في رقابهم. فهلك مسيلمة ومشيخة قومه ونادى مناد: الله أكبر

- وما فعل قومك بعد؟

- دخلوا في دين محمد أفواجاً وسموا مسلمين. وقد تركت أكابرهم يتحملون إلى أبي بكر ليبايعوه ويشهدوه على إسلامهم.

ص: 146

- الآن نكون معهم.

أبو بكر - ويحكم، ما هذا الذي استنزل منكم ما استنزل؟

- يا خليفة رسول الله لقد كان الذي بلغك مما أصابنا، كان أمر لم يبارك الله عز وجل له ولا لعشيرته فيه

- هل فيكم من يحفظ من أسجاعه؟

- أجل - يا ضفدع بنت ضفدعين. . .

- ويحكم. ان هذا لكلام ما خرج من إل ولا بر، فأين يذهب بكم؟

- بربك حسبنا عدلا. كان ما كان، واليوم تبنا وأنبنا واشهد بأنا مسلمون.

احمد احمد التاجي

ص: 147

‌5 - شهر بالغردقة

للأستاذ الدمرداش محمد

مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف

والتنظيم الإداري في منطقة الآبار يبلغ درجة عظيمة من الاتقان، والدخول فيها لغير موظفي الشركة غير مسموح، والتدخين فيها ممنوع والقائمون بالعمل فيها ثلاث فئات، طبقة الموظفين الكبار الصناع، وهم خليط من الإنجليز والفرنسيين والأرمن، ثم طبقة الصناع والعمال وغالبيتهم من المصريين من أهالي قنا وقفط، ويقيمون في قرية منازلها نظيفة منسقة في طرفها الشمالي مسجد كبير شيده العمال على نفقتهم الخاصة، ويقوم بالإمامة فيه عالم من الأزهر سمعته يوم الجمعة يلقي الخطبة بعبارة مهذبة جلية، وبالقرب من المسجد كنيسة للأقباط، وفي الجهة الغربية من القرية مدرسة أولية يتعلم فيها أولاد العمال وصغار الموظفين، وبالقرية حانوتان كبيران تباع فيهما أنواع الحاجات المنزلية بأثمان معتدلة، وسكان القرية نحو 650 نسمة منهم 450 من الصناع والعمال.

وبالغردقة طبيب ومأمور تابع لمصلحة الحدود لفض المنازعات، ويقيم بها أيضاً مفتش سواحل البحر الأحمر، وهو موظف مصري كبير تمتد سلطته من جنوبي القصير حتى السويس، مركزه دقيق فهو يقوم بالحكم في أربع مناطق نفوذ لشركات أجنبية قوية، ففي القصير وسفاجة شركتان للفوسفات الأولى طليانية والثانية إنجليزية، وفي الغردقة ودمشة شركتان للبترول وهما إنجليزيتان، ومن أهم واجباته صون النظام العام داخل هذه الشركات والمحافظة على الأرواح والأملاك

في سفاجة

في طريق معبدة تارة تحاذي البحر في انبساط وطورا تحيد عنه إلى سفوح الجبال فتعلو وتهبط وتنحني وتنثني - في هذا الطريق درجت بنا السيارة في الصباح جهة الجنوب قاصدة سفاجة إحدى مواني الفوسفات على البحر الأحمر فوصلناها ضحى، بعد أن قطعنا سبعين كيلومترا في ثلاث ساعات، وسفاجة كالغردقة - كل منهما مركز لشركة أجنبية، فهناك البترول وهنا الفوسفات، وهناك (فيللات) مشيدة ومساكن منسقة وهنا أيضاً (فيللات)

ص: 148

ومساكن، وهناك الرأس أجنبية واليد مصرية، وهنا الحال كذلك

وتقع سفاجة فوق البحر على سفح جبل عال من الجرانيت وأمامها جهة الشرق جزيرة طويلة مرتفعة، وهي كالغردقة طلقة الهواء خفيفة الروح

ولسفاجة مرفأ حسن نصبت فوقه الروافع القوية ومدت عليه سكة حديدية، وعلى مقربة منه تقوم مخازن الشركة ومصانعها ومكاتبها ومقطرات الماء (الكوندسة)

نزلنا نقطة بوليس مصلحة الحدود وبعد راحة قصيرة ذهبنا إلى المرفأ حيث كان في انتظارنا سفينة شراعية من مراكب الصيد فسارت بنا صوب الجزيرة في بحر مضطرب، وبعد ساعة أرست أمام شاطئ مرجاني، فانصرف بعضنا إلى الجزيرة للرياضة وصيد الطيور، ومكث البعض الآخر في القارب يلهو بصيد السمك بالشص، وانتجعت ناحية في المركب قرب مقدمها، وجلست أسرح البصر في البر والبحر - كان المنظر بهيجاً حقاً يملأ النفس انشراحاً وحبورا، فجهة الغرب سفاجة بمنازلها ناصعة البياض، ومن خلفها الجبل قائم كالستار الأسود فبدت البلدة أشد ما تكون وضوحاً وتحديداً ومن تحتها البحر يمتد في زرقة نضرة إلى الأفق جهتي الشمال والجنوب، وفي محاذاة البحر شاطئ متجعدا متعرجا في نتوء وانحناء، ومن وراء الشاطئ سلسلة جبال العرب تسمو في عظمة تتضاءل مع مد النظر حتى تصير هي والبحر خطين متوازيين يلتقيان والسماء، وجهة الشرق جزيرة سفاجة في صفرة شديدة تنعكس صورتها في الماء فيبدو أخضر قاتماً، والقارب فوق الماء كالأرجوحة يعلو ويهبط في رفق وهوادة، والموج يلطم جانبيه في توقيع كالنقر على الدف ونسيم بليل عليل يخدر الأعصاب ويثقل الجفون ويجعل النوم أشهى ما يكون - فاتكأت بظهري على (برميل) كان بجانبي والنوم يغالبني، فكنت أغفو تارة وأصحو أخرى، وقد مرت على ساعة هكذا وأنا في سعادة ما بعدها سعادة.

كان شريكي في (البرميل) أحد نوتية القارب جمعت سحنته كل مميزات عرب الحجاز من سكان السواحل، فوجه طويل نحيف تحيط به لحية شعثاء خفيفة وعينان صغيرتان براقتان في حاجر بارز فوقه حاجب غزير الشعر، وبشرة نحاسية صقيلة وجسم ناحل دقيق، وصاحبي رقيق الحال لا يستر جسمه سوى أسمال من بقايا ثوب عتيق أطرافها وخاط فتوقها على غير انتظام بغرز طويلة، فكانت معرضاً لأنواع الخيوط وألوانها، كان جالساً

ص: 149

القرفصاء وقد بسط في حجره جلدة سمك مقددة امسكها بإحدى يديه واستعان باليد الأخرى على تمزيقها قطعا كان يحشى بها فمه ويلوكها ثم يبلعها من غير أدم، وبعد أن أكل الجلدة حتى ذيلها ورأسها وزعانفها مد يده إلى ناحية من المركب فاخرج منها علبة دخان قبض منها بين إصبعيه قبضة صغيرة من دخان أغبر، دس فيها قطعة صغيرة من مادة حجرية بيضاء، ثم ضغطها وألقاها في فمه، وبعد أن مضغها ألقاها في حلقه كذلك

فقلت ماذا تفعل يا أخي؟

فأجاب غير مكترث:

- هذه سمكة آكلها وهذا تبغ أمضغه

- وهل أشبعتك هذه الجلدة؟

- الحمد لله تكفي

فقلت في نفسي مكرراً عبارته الحمد له الذي لا يحمد على النعمة والحرمان سواه، وقبيل الظهر أقلعت بنا السفينة عائدة إلى سفاجة في بحر هائج وريح قوية، فكانت نزهة بحرية لم تخل من مجازفة

وبعد الظهر توجهنا إلى مكتب مدير الشركة فاستقبلنا بحفاوة وأخذ يصف لنا أعمال الشركة فقال: هنا المرفأ والمطاحن والإدارة، وفي وادي الحويطات على بعد 22 كيلومتراً من هنا مناجم الفوسفات، والفوسفات كما تعلمون صخر تكون منذ عصور جيلوجية بعيدة من تراكم عظام حيوانات فقرية برية وبحرية من أسماك وزواحف، ومع مرور الزمن الطويل تحولت هذه العظام إلى مادة متماسكة مندمجة يقال لها في علم الكيمياء فوسفات الكلسيوم، ويوجد الفوسفات ضمن طبقات العصر الطباشيري في بعض جهات القطر المصري، كسفاجة والقصير، واسنا، وفي بعض الواحات، والفوسفات لا توجد نقية بل مختلطة بصخور أخرى، وتختلف نسبتها في الصخر الخام من 30 في المائة إلى 75 في المائة، على أن النوع الذي يطلب عادة في التجارة هو الذي يحتوي على 60 في المائة - ونستعين بالطرق الميكانيكية على استنباط الفوسفات من المناجم ونستخدم كذلك عدد كبيراً من العمال في عمليات الحفر، وفرز أحجار الفوسفات وفصلها عن المواد الأخرى، وفي شحنها من المناجم إلى المطاحن. وبين سفاجة ووادي الحويطات سكة حديدية تنقل في

ص: 150

الذهاب الماء العذب والزاد للعمال والموظفين، وتنقل في العودة الفوسفات

ثم انه دعانا لمصاحبته إلى المطاحن، وهي بناء كبير من طبقات قد ركبت فيها ماكينات على هيئة اسطوانات كبيرة، داخلها كرات ملساء من الصلب يلقى فيها حجر الفوسفات بعد تجفيفه بنشره في الهواء تحت أشعة الشمس، فيتبخر ما به من الرطوبة فإذا دارت الاسطوانات طحنت الكرات الفوسفات وجعلته كالدقيق الناعم (البودرة) وبعد تعيين نسبة الفوسفات الخالص في عينات الدقيق المختلفة ثم مزجها بالقدر اللازم توضع في أكياس ذات سعة محدودة وترسل للمخازن حيث (تشون) للتصدير.

ثم بعد ذلك جلنا حول المطاحن وشاهدنا الفوسفات وهو منشور قبل نقله إليها وهو على هيئة صخر أبيض اللون يميل إلى الصفرة، ولا تزال ترى فيه بقية من أسنان الأسماك التي كونته وبعضها صغير شديد الاندماج كبير لا يختلف كثيرا عن أسنان الحيوانات البحرية التي تعيش الآن، وقال المدير إنهم أحياناً يعثرون على بعض أجزاء من عظام الحيوانات القديمة حافظة شكلها

ثم انتقلنا إلى مقطرات الماء العذب من ماء البحر، ثم زرنا مكان توليد القوة التي تدير المطاحن والدوافع، وتنير المدينة بالكهرباء

والفوسفات سماد لبعض المزروعات، وهو شائع الاستعمال في كثير من الجهات، على أنه في حالته الطبيعية لا يصلح سماد لقلة ذوبانه في الماء ولذلك يصدر للخارج لتحويله إلى مادة تذوب يقال لها (سوبر فوسفات) ومعظم الناتج من مناجم سفاجة يصدر لليابان لهذا الغرض

وسكان سفاجة نحو خمسمائة منهم أربعمائة من العمال والصناع وكلهم تقريباً من المصريين

وفي الأصيل عدنا إلى الغردقة فبلغناها قبيل العشاء.

الدمرداش محمد

ص: 151

‌النقد

شهرزاد

للدكتور محمد حسين هيكل بك

وأقصد بشهرزاد التي أتحدث الآن لقراء الرسالة عنها، مسرحية توفيق الحكيم الأخيرة

تلوتها للمرة الأولى فاغتبطت، وتلوتها للمرة الثانية فأعجبت، ثم جعلتها بعد ذلك سمير أويقات السأم، أتلو فيها بعض صحف من منظرها الثالث أو من منظرها الأخير، فأستريح للتلاوة وأبرأ من سأمي

ترى أيرجع الفضل في ذلك إلى فن الأستاذ توفيق الحكيم، هذا الفن الذي يقصد به لوجه الفن وحده، أم يرجع لما ينطوي عليه اسم شهرزاد من سحر قديم، سحر رد الملك شهريار عن قتل العذارى ألف ليلة وليلة، وأوحى بموسيقى شهرزاد الرائعة، وأصبح علامة على ما يجري في الظلام وتحت ستر الليل، وجعل المتحدثين يسكتون عن الكلام المباح كلما جل الأمر ودهي الخطب.

أريد أن أقنع بأن الفضل في اغتباطي ثم في إعجابي يرجع إلى فن الأستاذ توفيق الحكيم، هذا الفن الحديث الذي يجاري أحدث أطوار الفن في أوربا، مما تتبعنا نحن ولم نتمثل. وأقصد بنا نحن الذين تمثلوا الفن القصصي أو للفن المسرحي أو ما سواهما من صور الفن الغربي قبل الحرب. أما ما بعد الحرب فقد تتبعنا إلى حد أطوار الفن، ولكن ما دهمنا من مشاغل طغى على تمثيلنا إياها، وقد تنقل الفن بعد الحرب في أطوار شتى كان الأستاذ توفيق الحكيم مأخوذاً في تيارها أثناء مقامه بباريس، فلا عجب أن يتمثلها بل أن تتمثله، ولا عجب وله في الأدب المسرحي ما له من مواهب أن تدفعه ليخرج للناس مسرحيتيه أهل الكهف وشهرزاد.

وأنت تقرأ شهرزاد وتعيد قراءتها وتغتبط وتعجب ثم تسائل نفسك: ماذا فيها وما هي الفكرة التي تنطوي عليها؟ وقفت أمام سؤالك نفسك ولا تكاد تحير جواباً. بل لعلك تجد الجواب إذ تطرب بعد ذلك لسماعك لحناً من الموسيقى تهتز له جوانب فؤادك، وتشيع له الغبطة في أنحاء نفسك، ثم تسأل: ماذا في هذا اللحن وما هي الفكرة التي ينطوي عليها؟ وتستطيع أن تجيب بعد ذلك لا شيء ولا فكرة، وإنما هو الفن يغذي النفس بالغذاء الروحي الذي تصبو

ص: 152

إليه في الساعة التي تنال فيها هذا الغذاء. وتستطيع أن تجيب بأن في هذا اللحن كل شيء وأسمى فكرة، وأنه يتناول أجل ما في الحياة من معان وصور.

وذلك شأن مسرحية شهرزاد، فلا شيء ولا فكرة فيها وفيها كل شيء وكل فكرة. فالملك شهريار الذي قتل زوجه الأولى وقتل معها العبد الذي وجده في أحضانها قد أقام يقتل عذراء في كل ليلة انتقاماً لنفسه من غدر النساء، حتى تزوج شهرزاد، لكنه لم يقتلها لأنها بدأت تقص عليه أحسن القصص ولا تتم قصتها إذا كان الصباح. وتعود إليها إذا جن الليل، حتى انقضت ألف ليلة وليلة، وشهرزاد لم تكن إلى يومئذ تبلغ العشرين. كيف لها إذن أن تعرف كل هذا الذي تقصه؟ وكيف تراها وهي تعرف ذلك كله لا تريد أن تبوح لشهريار بسرها وسر الطبيعة وسر الكون كله. هذه مسرحية توفيق الحكيم من أولها إلى آخرها، هي كما ترى لا شيء ولا فكرة فيها. ولكن لا، ففيها كل شيء وكل فكرة، استمع إليه حين يصور هذه الفكرة الأساسية التي تنتظم المسرحية كلها على لسان شهريار حين يثور بشهرزاد لأنها تلح عليه في أن الحياة ليس بها ما يستحق العلم، وأنها لا سر فيها، وأنها هي - شهرزاد - ليست إلا امرأة ككل النساء ذات أم وأب وماض معروف، يثور شهريار ويتحدث كمن به مس، وكمن يتحدث إلى نفسه فيقول:

قد لا تكون امرأة، من تكون؟ إني أسألك من تكون؟ هي السجينة في خدرها طول حياتها تعلم بكل ما في الأرض كأنها الأرض! هي التي ما غادرت خميلتها قط، تعرف مصر والهند والصين! هي البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال، وتدرك طبائع الإنسان من ساميه وسافله، هي الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء تحدث عن تدبيرها وغيبها كأنها ربيبة الملائكة، وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها ومساكنهم السفلى العجيبة كأنها بنت الجن! من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين قضتها كأترابها في حجرة مسدلة السجف! إما سرها؟ أعمرها عشرون عاماً، أم ليس لها عمر؟ أكانت محبوسة في مكان، أم وجدت في كل مكان؟ إن عقلي ليغلي في وعائه يريد أن يعرف. . . أهي امرأة تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنها الطبيعة؟))

أسمعت؟ إن بنا ظمأ لأن نعرف. ولكنا لا نستطيع أن نعرف، وما نزعم أننا عرفناه اليوم سيقول أبناؤنا غداً إنه حديث خرافة، كما نقول نحن عما عرف أجدادنا أنه حديث خرافة،

ص: 153

هذا كلام لا شيء ولا فكرة فيه كما ترى. وهو مع ذلك كل شيء وهو مع ذلك طريف وأن تكرر كل يوم مادام يتكرر في أسلوب من له روعة أسلوب توفيق الحكيم المسرحي. وهو طريف وإن تكرر لأنه يدعونا للمحاولة كي نعرف أفي الحياة جديد

فإلى أي شيء نسعى في الحياة؟ وما غرضنا منها؟ هذا ما يريد شهريار أن يعرف. وتقول له شهرزاد إن الحياة هي السعادة. والسعادة يجب أن يلتمسها الرجل في جسم امرأته. ويأبى شهريار ويتكدر ويكاد يقتل شهرزاد. ولكن شهرزاد تتبدى له في روعة جمالها كاملة فيتمنى لو تحبه ليكون سعيداً. وفي أحلام الحب ينام!

وشهرزاد في مسرحية توفيق الحكيم هي المرأة، وهي الطبيعة، بها يفتن شهريار، وبها يفتن وزيره قمر وبها يفتن العبد. وبها يفتن الناس جميعاً، ومنها يخاف الناس جمعياً. يلتمسون منها المعرفة، ويلتمسون منها الحقيقة، ويلتمسون منها السماح، ويلتمسون منها السعادة. وينالون من ذلك كله فتاتا لا يغنيهم، ولكنه يقتلهم. الوحيد الذي ينجبر هو العبد الذي استمتع بجسد شهرزاد، والذي أحبت شهرزاد رغم سواده وغلظته، لأن الزهرة البيضاء الرقيقة تنبت من الطين الأسود والغليظ، ورغم قبحه وضعة أصله، لأن سواد اللون وضعة الأصل وقبح الصورة هي الصفات الخالدة التي تحبها شهرزاد، والتي تعشق الطبيعة وإن كانت الطبيعة وكانت شهرزاد مثلها لا يعشقان أحداً.

لعلي استطعت بالقليل الذي تقدم أن أصف الأثر الذي تركت في نفسي مسرحية توفيق الحكيم الأخيرة وهو كما ترى أثر يتعدى الغبطة إلى الإعجاب. لكنني لاحظت عليها كأثر من آثار توفيق الحكيم، ما لا يتفق وما كان بارزاً واضحاً في أهل الكهف وفي قصة عودة الروح، وفي آثاره الوجيزة الأخرى التي تنشر في المجلات، فقد كان بروز الشخصيات ووضوحها بعض ما امتازت به هذه الآثار كلها. أما في شهرزاد فالكل فلاسفة في قوة واحدة. الملك والوزير قمر، وشهرزاد، والعبد، والجلاد، والساحر، يتحدثون جميعاً ومنطق كل واحد منطق الآخر وقوته قوته، وأنوثة شهرزاد أنوثة فلسفية هي الأخرى. وحب قمر إياها أقرب لأن يكون حباً فلسفياً لا يخضع لضعف الحب إلا بكلام وهذا في رأينا مأخذ وإن سترته قوته المسرحية. وهو مأخذ بالنسبة لتوفيق الحكيم بنوع خاص، لكنه لا يغض من قيمة أثر له من الجلال ما قدمنا، وله إلى جانب جلاله انه أثر خالص للفن وهذا ما لا

ص: 154

تجده في الأدب العربي الحديث ألا نادراً واندر من النادر

محمد حسين هيكل

ص: 155

‌ديوان الينبوع

للدكتور احمد زكي أبو شادي

راقني ما دبجته براعة الأديب الحلبي الفاضل (المرتيني) نقداً لديوان (الينبوع) فقد استهله بمقدمة بديعة عن ماهية الفن، هي من صفوة ما كتب في هذا الموضوع، وهي وحدها كافية لاحترام بيانه وللصفح عن زلات نقده.

وكان أول ما أخذه على، إشارتي إلى أن الشاعر الألماني العظيم هنريش هيني جمع في شعره بين نفحات القديم وبين النزعة الرومانطيقية التي كان آخر شعرائها في قومه، وبين نزعة التحرر العصري التي ساعد على تكوينها، وقد أصبحت الصورة الغالبة على الشعر العصري في الغرب صورة الرومانطيقية الواقعة

أتعرف بماذا علق الأديب المرتيني على ملاحظاتي هذه؟ إنه لم يتعرض لها ولو بكلمة نقدية واحدة وإنما اتخذها تكأة ليقول هذا القول الغريب الذي لا صلة له بموضوعها إذ يعلن: (إننا لا نجاريه في قوله ولا نجاريه في استشهاده بالشاعر الألماني العظيم، فبينما يشرح ذلك الألماني النبيل عواطفه المتدفقة في نفسه أو يشرح نفسه الواسعة الفياضة بأنواع من النظم نرى الدكتور لا يرتفع في شعره عن أن ينظم في بعض مناسبات خاصة. وفرق كبير جداً بين هذا الشعر الذي يكاد يكون شعراً صحفياً وبين شعر هيني المختلف المتناسق الذي نرى اختلافه في أغراضه وسعتها، والذي نراه يتناسق في الصفات الأولى التي تتصف بها نفس ذلك الشاعر العبقري) وكل هذا لا شأن له بتعرضي لشعر هيني ولا محل له من النقد المتزن

إن ناقدي الفاضل يشير في مقدمته إلى أن الفن يرسم الشعور الإنساني في ظروفه العاطفية المختلفة، وهذه سطور مقدمته بين أيدي القراء ناطقة بذلك، فكيف يأتي بعد هذا مصغراً فينعت شعري بشعر المناسبات وبالشعر الصحفي؟ إن جميع الشعر يا مولانا في أصله شعر مناسبات وبواعث لأنه لا يفتعل افتعالا، وإنما سمينا الشعر السطحي الذي لا ينتظر له الخلود بشعر المناسبات من باب التجوز إشارة إلى أنه يعيش في حيز مناسبته الوقتية، ولأنه ليس بالشعر الإنساني العميق، وشتان بين التعبيرين. . . .

فهل صحيح أن شعري من هذا الضرب الأخير، لا لسبب إلا لأنه مناسبات بعضه عامة؟

ص: 156

وهل هذا عذر ينهض للأصغار من روائع الشعر العربي والأوروبي التي خلقت في مناسبات عامة لا تعني الشاعر وحده؟! أن مثل هذا النقد لن يقبله أي أديب مستقل، خصوصاً وهو نقد مبهم لا تعززه الشواهد، ولا أعرف شيئاً يسيء إلى النقد أكثر من هذه البراعة في الإبهام، ومن هذه الأحكام التي لا (حيثيات) لها. . . .

إني لم أقطع على ناقدي الطريق حين أشرت إلى ضرورة التجاوب بين الناقد والشاعر حتى يجيء النقد تفسيراً أدبياً صادقاً للشعر، لأني لا أفهم من النقد أن يكون لوناً من ألوان النفور أو التحامل. وقد آخذني على إشارتي إلى أنه ليس محتوماً على غير مريدي أن يطلعوا على شعري حتى أكون معرضاً لمؤاخذتهم اياي، متوهماً أني بذلك أصد الناقدين عن شعري أو أنعالي عليهم. والواقع انه لا يوجد أديب معاصر شجع النقد الأدبي واحترمه أكثر مما شجعته، ولدى صديقي الألمعي صاحب مجلة (الرسالة) آخر مثل يعرفه عن ذلك، فليطمئن بال الأديب المرتيني، وليثق بأن كلمتي هذه ليست موجهة إلى أمثاله من أفاضل النقاد، وإنما وجهتها إلى جيش من المتطفلين على الأدب الذين ينالون ما ينالون من تشجيع في الصحف العامة ولا يتورعون عن أن يقولوا مثل هذا القول:(إن شعر فلان يحصب وجوهنا) فليت القدر يخرسه مادمنا عاجزين عن ذلك، وهذا بلا نزاع إسفاف في النقد) ولكن له سوقه النافقة، فكلمتي المنطقية الهادئة الموجهة إلى هؤلاء الكرام لا غبار عليها.

وتحدث ناقدي الفاضل عن ميولي المتباينة، ولست أرى تبايناً بينها، مادامت نفسي تؤلف منها وحدة فنية، ولكل نفس طبيعتها واستعدادها، كما أني لست فذاً في هذا: فهناك شواهد كثيرة على تنوع الميول عند أعلام الفكر والأدب في الشرق والغرب، ولم يكن هذا التنوع مؤدياً إلى العجز أو التقصير الفني، بل كان شاحذ للمواهب الفنية، دافعاً إلى الإنتاج الناضج الوفير.

وادعى سامحه الله أني مجدد ملتوي التجديد، وأني قد وقفت نفسي على أدب الغرب، وأني أحاول في عمري أن أضع لنفسي مزاجاً خاصاً، وأني أتمثل لقارئي فيكاد ينفر مني لضعفي في التعبير وتقصيري في التصوير وفقري في التفكير. . .

ومثل هذا الانتقاص الذي يقال جزافاً أمره سهل لدى كل من يطاوعه قلمه على تحبيره، ولكن الناقد المنصف المدقق يقر بشغفي العظيم بالأدب العربي وخدمتي إياه، وأن عنايتي

ص: 157

بالأدب الأوربي هي عناية الراغب في إعزاز أدبنا العربي وتبديل فقره غنى، وسد ما في مناحيه من فجوات يشعر بها كل مطلع على الآداب العالمية. وليس لمثلي أن يزكي أدبه وإن دافع عنه، ولكني أزكي مدرسة أدبية أنا أحد أفرادها، وقد كتبت من قبل ما يغني عن الإفاضة في (الرسالة)، كما يغنيني ما ظهر حديثاً في مجلة (الإمام) للشاعر الياس قنصل، وفي صحيفة (الأهرام) للشاعر سيد قطب، عن الرد على ذلك الانتقاص المبهم الذي لن تطاوعه الشواهد مهما تلمسها ناقدي الفاضل.

ولكن قد جاء بما يحسبه شاهداً مفحماً في تعليقه العجيب على صورة (الينبوع)(ص 17 من الديوان). . . . ان ذلك التعليق وتلك الخطرات هي نظراتك أنت يا ناقدي العزيز، وأما أنا فلا أعرفها بل اشمئز من تعابيرك كل الاشمئزاز. أما نظراتي أنا فنظرات الفطرة السليمة المتسامية التي تأبى التصنع والشذوذ والتدلي، وتقول في صراحة:

يا جمال النور في الظل الحبيب

يا جمال الروح في الجسم الرطيب

هذه الدنيا لأحلام الأديب

هذه غايات آمال الأريب

أيها الينبوع كم ساع إليك

يدعى بغضاً لما أهوى لديك

كل ما يرجوه موقوف عليك

فإذا الإنعام منك واليك!

أنت سحر غامض للعالم

أنت ينبوع الرجاء الدائم

أنت موسيقى الخلود الباسم

أنت ومض للشريد الهائم!

أيها الينبوع يا رمز الأبد

يا شعاع الله في طيف الجسد

كم معان فيك كادت لا تحد

وعزاء عن حياة تفتقد!

إنما أرنو إليك في خشوعي

ما ابتسامي غير لون من دموعي

أنا لحن بين أطياف الربيع

من طيور وغدير وزروع

أنا أحيا حينما أجني رضاك

حينما جسمي وروحي عانقاك

حينما لبيت مسحورا نداك

فإذا بي لا أرى العيش سواك

كل همي في حياتي يستحيل

حينما أخشع للفن الأصيل

حينما أروي من النبع النبيل

ذاك نبع الحب في الجسم النبيل!

فإذا كان الأديب المرتيني لا يرى في هذا الشعر الطبيعة الصافية المتسامية فالذنب ليس

ص: 158

ذنبي، وما أراه منصفاً مهاجمة الذوق الفني لمصور (سكس ابيل) وهو من أعلام فنه، إني مصدق صاحبي في تأكيده أنه قرأ الديوان من الجلد إلى الجلد، ومع ذلك أومن بأنه لم يقرأه، وأومن كذلك بأنه في ذهنيته ونفسيته الحاضرة لا يحمل ذرة من التجارب مع شاعريتي، وإنما يؤدي به مزاجه الخاص إلى النفور منها ومن كل ما يمت إليها بصلة، ناظراً من وراء منظار أسود شاقه أن يلبسه، وإلا فبماذا يفسر تصويره لاحترامي النقد الأدبي وتشجيعي رجاله، ذلك التصوير الغريب الذي ابتدعه في قوله؛ وما عرفته (يعني كاتب هذه للسطور) وغيره من إخواننا المصريين إلا أباة على النقد يثيرون من أجله المعارك ويتسارعون بسببه إلى الخصام والنزاع. . . .؟! لقد ظهرت في الأعداد الثلاثة الأخيرة من مجلة (أبولو) تعليقاتي على نقد ديوان (الينبوع) فهل يستطيع حضرة الناقد الفاضل إذا التزم الإنصاف أن يحد فيها دليلاً واحداً يعزز دعواه هذه التي أنكرها كل الانكار؟ أما عن لغتي فمن أحسب صاحبنا في المكانة التي تسمح له بذلك النقد، وقد نقد (الينبوع) فعلا رجال ذوو بصر فني باللغة، ومنهم من تخصص فيها كالسيد مصطفى جواد، فما قالوا إلا عكس ما ذهب إليه صاحبنا.

وقد تصدى لنقد بيتين من قصيدة (دانيال في جب أسود) - ص 50 من الديوان - وهي من الإسرائيليات المشهورة التي راقى تسجيلها شعراً، فجاء نقده معلنا جهله أو تجاهله لهذه القصة الدينية، وراح يلوم على ما يستحق الثناء من إيجاز أو تركيز في محله أو بساطة يدعو إليها سياق القصة، وكأنه أراد بالأقصوصة الشعرية الوجيزة أن تكون تفضيلاً خبرياً عن الحوادث لا لمحة شعرية من روح الموضوع. . . وإذا كان شعري في حكم العدم كما يريد الأديب المرتيني أن يقول، فلماذا يشغل نفسه وقراء (الرسالة) بأكثر من ثلاث صفحات نقدية وهو يعلم أن هذا الضرب من الشعر لا تعني به إلا أقلية من الأدباء. فهل صحيح أنه في حكم العدم؟!

إن الشواهد التي يسوقها النقاد هي دائما كافية لتعزيزهم أو لخذلانهم، ولذلك يتهارب النقاد العاثرون من الإتيان بالشواهد، والأديب المرتيني كان بعيداً جداً عن التوفيق فيما ذكره من شواهد من غير تفتيش أو تنقيب على ما يقول. . . وحسب القارئ أن ينظر في هذه الأبيات من قصيدة (العودة)(ص 30 من ديوان الينبوع) وقد وجهتها إلى الدكتور زكي

ص: 159

مبارك الذي كان بصحبتي في قطار البحر عائدين من الإسكندرية:

وداعا للرمال وللمغاني

وداعاً للملاحة يا صديقي

أتذكر كيف كان الموج يجري

كما يجري الشقيق إلى الشقيق؟

وقفنا في جوار اليم سكرى

ككر الناظرين إلى الرحيق

نرى في البر ألوان التناجي

وفي البحر المشارف والعميق

كأن الحسن ذاب بكل لون

نراه، وفي المياه وفي الطريق!

سكرناه سكرة الحمرمان حتى

كلانا كالأسير وكالطليق

وهذا الجو يملؤه حنان

ولو أن الغروب من الحريق

وأبنا أوبة المهزوم، لكن

بنا طرب من الأدب الحقيقي!

فهذه القصيدة التي أعجب بها أستاذنا مطران إعجاباً عظيماً لم تستحق من ناقدنا الفاضل غير السخرية المبهمة التي إن لم تكن سخرية المغرض فهي سخرية المتسرع الذي يهرع إلى قلمه قبل أن يتمثل الموضوع الشعري ويستوعبه الاستيعاب الواجب.

بيد أني مستعد للإيمان بحسن طوية الكاتب الفاضل، وأؤكد له أن نصائحه هي في صميم نفسي، ومع ذلك فمرحباً بنصائحه وبغيرته على اللغة! فهل له بعد هذا أن يأخذ نصيحة متواضعة مني مشفوعة برجاء: تلك أن يدرس الطاقة الشعرية عند الشعراء المختلفين فسوف يجدها متباينة، وأن طبيعة الإجادة الفنية لا شأن لها بإنتاج، بل ربما رهفتها كثرته، وأن الشاعر الملتوي الأسلوب الضعيف البيان السقيم الذوق لا يجديه إكثار ولا إقلال. . . وهو وغيره أحرار بعد ذلك في وضعي في المكان الذي يرضي نفوسهم، وأما رجائي فمحصور في مبدأ أدبي عام يؤمن معه العثار النقدي ويمثله هذا البيت:

كن أنت نفسي واقترن بعواطفي

تجد المعيب لدى غير معيب

احمد زكي أبو شادي

ص: 160