الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 427
- بتاريخ: 08 - 09 - 1941
السيف والكتب
للأستاذ عباس محمود العقاد
جاء في نبأ برقي من نيويورك أن الجماعة البريطانية المؤلفة للترفيه عن الجنود أعلنت أن ستين ألف كتاب ومجلة تجتاز الآن طريقها إلى الجيش الإمبراطوري في الشرق الأوسط؛ وهي أول ثمرة من ثمرات الدعوة التي بدئت في الولايات المتحدة قبل ذلك بأسبوع واحد لجمع مائتين وخمسين ألفاً من الكتب والمجلات لرجال الجنرال (أوفنلك) بمصر وجاراتها
وهذا في الولايات المتحدة
وهناك جماعات أخرى مبثوثة في أنحاء العالم - وبعضها في القاهرة والإسكندرية - تجمع الكتب بالألوف ومئات الألوف للترفيه عن المقاتلين أو المتحفزين للقتال
وهذه كتب ترسل إلى الجنود بغير ثمن، ولكن الجنود أنفسهم يشترون الكتب والمجلات حيث وجدوها بأثمان مضاعفة تربى على أثمانها المكتوبة عليها، ولا يكتفون بما يصل إليهم من طريق التبرع والمساعدة
ومن راقب المكتبات التي تبيع الكتب الأجنبية في العواصم المصرية عرف أن حركة البيع فيها مقرونة بحركة الجنود في نواحيها، فلا يكثر الجنود في عاصمة إلا كثر فيها بيع الكتب والمطبوعات على اختلاف موضوعاتها
وليست هذه الكتب والمطبوعات جميعها قصصاً أو من قبيل القصص كما يتبادر إلى الخاطر لأول وهلة؛ فإن الموضوعات القصصية تغلب عليها، إلا أنها تقترن بموضوعات شتى لها نصيب من إقبال الجنود غير مبخوس، ومن هذه الموضوعات الرحلات والملاحظات الحربية، والكلام على مستقبل العالم الاجتماعي والسياسي بعد الحرب الحاضرة، ومنها الدراسات الأدبية والفلسفية للقدماء والمحدثين من المؤلفين!
واتفق كثيراً أن المكتبات التي تعرف ما عندي من الكتب التي انقطع ورودها كانت تسألني عما استغني عنه منها، لأنها تطلب من تلك المكتبات ولا تستطيع جلبها من الخارج في أيام معدودات، وكنت أسأل أصحاب المكتبات أحياناً عمن يطلبونها فيدهشني أن أسمع أنهم في بعض الأحايين من طبقة الجنود الصغار وهم مع ذلك حريصون على استطلاع أحوال البلاد وتواريخها، أو أحوال العالم وقضاياه ومشكلاته، كأنهم سيدبرون أمر تلك القضايا
والمشكلات، أو سيصنفون فيها الكتب والمقالات. ولاشيء من هذا وذاك يشغلهم في الحقيقة وإنما هو العقل المتفتح لما حوله لا يستطيع أن يحتجب عنه أو يحجبه عن الوصول أليه، ولو كان في ميدان قتال!
نعم ولو كان في ميدان قتال!
وينبغي أن نذكر هذا الاستدراك وأن نعيد ذكره ولا ننساه، فإن الجندي في ميدان القتال إما مشغول بحركة العمل الحربي، أو بحركة الرياضة والمرانة والاستعداد، أو هو إن فرغ من هذه وتلك منصرف إلى اللهو والتزود من متعة الحياة؛ فليس في وقته متسع للقراءة كائناً ما كان موضوعها من السهولة والتشويق، وأحرى ألا يبلغ من اتساع وقته لها أن يحتاج الجيش كله إلى كتب ومجلات تعد بمئات الألوف
ولكن الحاصل هو هذا
الحاصل أن الجنود المقاتلين أو المتأهبين للقتال يقرءون ويدرسون، ويشترون الكتب ولا يقنعون بمئات الألوف التي يتبرع لهم بها المتبرعون
وينبغي أن نعيد هنا توكيد ميدان القتال والقراءة على أهبة من دخول الميدان
فإن طوائف من الشبان المصريين - والشرقيين عامة - كنت إذا لمتهم في الإعراض عن القراءة والمعرفة قالوا لك إن العصر عصر رياضة ولعب وركوب ومسابقات، وليس بعصر قعود ودراسة وقبوع في المكتبات! فهم يعتذرون من خمود الذهن بما ينتحلونه من نشاط الجسد. . . وليس من النشاط أن يصاب الذهن الإنساني بالخمود ولو صحبته ألوف من الأذرع والسيقان لا ينقطع لها حراك
فهذه الطوائف من الشبان خليقة أن تعلم أية رياضة هي رياضة الجندي على أهبة القتال. فهو في رياضة لا انتهاء لها في صباح ولا مساء، بل في رياضة تبلغ من العنف أن تستنفذ جهود الأعضاء والإفهام
ومع هذا هم يطلعون ويستطلعون، وتضفر منهم المطالعة والاستطلاع بحصة من الوقت لا تضفران بعشر معاشرها من أوقات شبابنا في أبان البطالة والسلام
قال لي أديب يحب أن يتحذلق بالغريب من الآراء: أترى أن القراءة شاغل من شواغل الطبيعة؟ أليست هذه الكتب وهذه الأوراق بدعة من بدع الصناعة التي لا أساس لها في
تكوين البنية، ولا حرج إذن على الشاب (المطبوع) أن يصدق عنها بفطرته وينصرف إلى ما تصرفه إليه طبيعة التكوين؟
وأديبنا هذا يحسب الكتب أوراقاً وحروفاً من صنع الحداد وابتداع المخترع الحديث؟
ولهذا هي عنده متاع (مصنوع) وليست بالمتاع المطبوع الذي له في البنية أساس كأساس الجوع والضما وسائر الشهوات
أما معاني الكتب وما تبعثه من شعور فلا تدخل له في حساب. ومعاني الكتب مع هذا شيء حيوي عضوي يمتزج بالتكوين الإنساني كما يمتزج به الغذاء واللهو والرياضة، لأنها من وظائف الوعي الذي هو خلاصة الشعور والإدراك. وهل للحياة الإنسانية بغير (الوعي) وجود؟ وهل لوجودها بغيره قيمة؟ وهل تختلف قيمة الإنسان الذي ينحصر وعيه في المطالب الحيوانية من قيمة الحيوان؟
فالقراءة ليست هي الورق المصنوع من الخرق والعيدان، وليست هي الحروف المسبوكة من المعدن، وليست هي المطبعة التي تدار بالبخار والكهرباء، وتدخل من أجل ذلك في عداد البدع والمستحدثات
كلا؛ بل القراءة هي اتساع الواعية بما يضاف إليها من التجارب والأحاسيس والمعارف والمعقولات، وهي امتداد الحياة إلى آفاق لم يكن يبلغها الفرد في عمره القصير، وهي بديل من السياحة، ومن البحث عن المجهول، ومن الإصغاء إلى النوادر والحكايات، ومن تحصيل التجارب التي يتحدث بها المجربون ومن كل تشوف مطبوع في أساس التكوين، لأنه امتداد لحواس النظر والسمع والإدراك على تعدد وسائله وأدواته. وليس يصح قول القائلين إن الكتاب لذة مصنوعة لأنه يطبع بالبخار والكهرباء إلا إذا صح إن يقال أن الرغيف لذة مصنوعة لأن البخار والكهرباء مما يصنع عليه الخبز في العصر الحديث
فالوعي هو الحاسة الكبرى التي تطلب القراءة
والوعي هو الحياة في أصدق معانيها وفي أوسعها وأرفعها على السواء
وهنا مناط الامتياز والتفرقة بين أجناس بني آدم، فأيهم كان أكثر وعياً فهو أكثر استطلاعاً بمختلف الأساليب، والقراءة أعم هذه الأساليب
ويبدو لنا على نحو يشبه اليقين أن الفرق بين الآدميين في مسألة (الوعي) كالفرق بين
سلالة وسلالة أو عنصر وعنصر من عناصر الأحياء. ونعني أنه فرق لا يفسره اختلاف البيئة واختلاف التعليم واختلاف المصادفات العارضة، لأنه أعمق من ذلك وأعرق وأشد إيغالاً في الطبائع على مثال لا نراه إلا في اختلاف وظائف الأعضاء
ويجب أن يكون هذا الفرق قد تجمع في أجيال بعد أجيال، وفي موروثات بعد موروثات، حتى أصبح وشيكاً أن يفصل بين الآدمي والآدمي كما ينفصل الحيان المتباينان. ومناط ذلك فيما تعتقد الأعصاب ثم الخلايا التي يتألف منها نسيح الأجسام، لأن الأعصاب والخلايا هي أجزاء الجسم التي تتسع لتخزين الملكات والطبائع في العصور بعد العصور، والسلالات وراء السلالات. فيما أبعد الفارق بين إنسان تملأه المطالب التي تملأ الحيوان الأعجم حتى لا تبقى فيه بقية للمزيد، وبين إنسان يستوعب الأحاسيس والأفكار، ويستكنه المجهولات والأسرار، ولا يزال بعد ذلك كأنه في حاجة إلى أكوان وراء هذا الكون تملأ ما في نفسه من آفاق لا تمتلئ ولا تزال مشرئبة متشوفة إلى المزيد
هنا نفهم معنى الشوق إلى المعرفة ومنه الشوق إلى المطالعة، فإنه على هذا التفسير وظيفة حيوية في أصل البنية وليس بالبدعة الحديثة التي ظهرت بظهور الورق والمداد أو بظهور المطبعة والكهرباء
وهنا نعرف لماذا تضيق حياة الفرد في بعض الأمم حتى يوسعها بالفرجة والاستطلاع والرياضة واستيعاب الأخبار ومشاهدة الآثار والأقطار، ثم يكتفي الفرد في أمم أخرى بما يشغل الحيوان فلا يتعداه باختياره إلى أمد بعيد. وغاية ما نرجوه ألا يكون بين أمم الشرق وأمم الحضارة الحاضرة فارق كالذي نحسبه فيصلاً متغلغلاً في أصول التكوين. فكل ما عدا ذلك فهو قابل للإصلاح والعلاج
إذ الحقيقة أن القراءة لم تزل عندنا سخرة يساق إليها الأكثرون طلباً لوظيفة أو منفعة، ولم تزل عند أمم الحضارة الحاضرة حركة نفسية كحركة العضو الذي لا يطيق الجمود. وربما تغيرت موضوعات الكتب وأثمانها وأساليب تداولها عندهم في الفترة بعد الفترة وفي العهد بعد العهد وفاقاً لتغيير الأحوال. أما أن تنقطع الكتب أو ينقطع الاطلاع فذلك عندهم أقرب شيء إلى المستحيل. ولو شئنا لأحصينا هنا عشرات الموضوعات التي أثارتها الحرب ونشطت لها أقلام الكتاب في زمن يخاله بعضنا صارفاً عن كل كتابة وكل قراءة، ولكننا في
غنى بالمشاهدة عن الإحصاء.
عباس محمود العقاد
رسالة القلم البليغ
للدكتور زكي مبارك
في ظهر يوم الجمعة الأسبق دعاني أحد الصحفيين تليفونياً إلى الإجابة عن أسئلة متصلة بمهمة الكاتب في المجتمع، وقد أجبت بصراحة لا تحتمل التأويل، ودعوت ذلك الصحفي إلى مراعاة الأمانة فيما ينقل عني، فقد طال بلائي بتحريف آرائي، ثم راعني أن أرى كلماتي مثبتة بدون تغيير ولا تبديل، كأن ذلك الصحفي كان يدوِّن ما يسمع بالحرف. وإنما نصصت على هذه الأمانة في النقل لأحكم على ما نشر باسم الأستاذ عباس العقاد؛ واسم الأستاذ أحمد أمين في هذا الموضوع بالذات، فليس من المعقول أن يحرص ذلك الصحفي على مراعاة الأمانة فيما ينقل عني ثم يمضي فيزيد على هذين الباحثين الكبيرين بلا موجب معقول
وعلى هذا يكون عندنا ثلاثة آراء صريحة في تحديد (مهمة الكاتب في المجتمع)، فما هي تلك الآراء؟
يرى الأستاذ عباس العقاد أنه لا يمكن فصل المهمة الثقافية عن المهمة الاجتماعية، لأن الثقافة تمهد لأن ينظر الناس للحياة نظرة عالية، والنفوس التي تنظر للحياة نظرة عالية هي النفوس التي تستحق الحياة. ويرى أن يكون الأدب للأدب فلا يكتب الكاتب غير ما يوحي به الطبع، وهو يعنى بالحقائق الخالدة. أما المشكلات التي تتعلق بالطبقات المختلفة، فهي مشكلات وقتية يناط تدبيرها بالرجال الإداريين
ويرى زكي مبارك أن للكاتب غاية واحدة هي الصدق، وليست القصة أو المقالة إلا من وسائل التعبير عن ذلك الصدق. ويرى أن الكاتب ليس أجيراً للوطن ولا المجتمع، وهو مطلق الحرية في جميع الشؤون. ويرى أن التعبير عن آلام المجتمع وآماله لا يكون أدباً إلا إذا صدر عن الكاتب، فإن اهتم بالمجتمع طاعةً للمجتمع فليس بكاتب. ويرى أن الصرخة الأدبية لا تكون وحياً إلا إن صدرت عنه بحرارة وإِيمان، فهو يحارب حين يشاء، ويسالم حين يريد، ومن حقه أن يتحدث عن الشعر والحب، لأن ذلك يصور إحساسه بالوجود. . . ويختم زكي مبارك كلامه بأن الأدب أنواع: أدب محلي يصور البيئة، وأدب وقتيٌ يصور العصر، وأدب خالد لجميع الأزمان
أما الأستاذ أحمد أمين، فيصرح بأن الرأي الذي يقول بأن يكون الأدب للأدب هو رأيٌ سخيف، وهو لهذا يشغل نفسه بالكلام عن الفقر والمرض والجهل
تلك هي الآراء الثلاثة، كما نقلتها عن أصحابها مجلة العزيمة في العدد 79
فما محصول هذه الآراء؟ وكيف أختلف أو ائتلف هؤلاء الكاتبون؟
يرى الأستاذ عباس العقاد أن يكون الأدب للأدب، ويرى الأستاذ أحمد أمين أن القول بأن يكون الأدب للأدب هو رأي سخيف. (ومن الواضح أن الأستاذ أحمد أمين لا يوجه الكلام إلى الأستاذ عباس العقاد، لأنه أجاب إجابة موضوعية بدون أن يخطر في باله أنه يعارض هذا الكاتب أو ذاك)
ويرى زكي مبارك أن غاية الأدب هي الصدق، ولو سار الكاتب وحده في جانب، وسار المجتمع كله في جانب، فهو يحاسب أمام ضميره لا أمام المجتمع، وهو أعز من أن يكون صدى لأي صوت، لأنه يرى أن صوته هو صوت الوطن، وأن الوطن حين ينطق بصوت غير صوته لا يكون إلا حاكياً لأقوال محرومة من روح اليقين
أما بعد فهذه مشكلة من أصعب المشكلات، وللأستاذ عباس العقاد أن يوضح رأيه كما يشاء، وللأستاذ أحمد أمين أن يصر على قوله كما يريد. أما أنا، فأسارع إلى تحديد غايتي الأدبية بلا تسويف، ليعرف قومٌ كيف أُعادي وأُصادق في الحدود التي ترسمها (رسالة القلم البليغ)
وإِنما يهمني أن أسارع إلى تحديد غايتي الأدبية، لأني أُحب أن يعرف قُرائي وجه الرأي فيما أذهب إليه من الدعوة إلى حرية القلم بلا قيد ولا شرط، إِلا أن يدعو العقل إلى التلطف والترفق فلا نواجه الناس بما لم يألفوه في بعض الميادين العقلية والروحية والذوقية والاجتماعية
وما يجوز لك - أيها الكاتب - أن تجادل قومك إلا حين تؤمن في سريرة نفسك بأنك رجل له وجود خاص، وبأن عندك معاني لا تجدها عند أحد من أهل زمانك، وحينئذ تصارح مواطنيك بما يجيش في صدرك، على أن تكون أنت أنت في كفرك وإيمانك، وضلالك وهداك، فلا تقول ما يحب الناس أن يقال، ولا تكتم ما يكره الناس أن يباح
وأعيذك أن تفهم أني أوصيك باللجاجة والعناد، وإني أدعوك إلى مخالفة قومك في جميع ما يحبون وما يكرهون. . . فما إلى هذا قصدت. ولا يسرني أن تكون أداة انزعاج وانشقاق،
وإنما أوصيك بالصدق في جميع الأحوال، فإن اتفق رأيك مع رأي قومك فسر معهم باطمئنان، لأن التوافق الإجماعي له دلالة معنوية لا يستهين بها العقلاء، وهو يزيدك قوة إلى قوة، ويمدك بالعصبية الفكرية، وهي عصبية لا توجد أسبابها إلا في أندر الأحايين، وتلاقي المفكر الصادق مع قومه فرصة من فرص التوفيق. . . وبالله نستعيذ من الخذلان!
وإن رأيت أن الحق في جانبك أنت، وأن قومك مخطئون، فتذكر أنك لهذا المقام خلقت، وأن الجبن هو الآفة التي لا يسلم من شرها غير الموهوبين، وأن الشجاعة هي أعظم مناقب الأحرار من الكتاب
وهنا دقيقة قد تخفى عليك وعلى من قل حظهم من التجارب، وهي الوهم الذي يقول بوجوب النضال في جميع ضروب الخلاف. فاحترس من هذا الوهم كل الاحتراس، واعلم بأنه لا يجوز لك أن تجاهر بمخالفة قومك ألا في الشؤون التي يكون فيها سكوتك إثماً تحاسب عليه أمام الذي جعل سواد المداد أشد إشراقاً من بياض الصباح
إن قومك يختلفون في كل يوم - واختلاف من أظهر خصائص إنسانية - فلا تناضلهم في كل خلاف، وألتزم الحياد في اكثر أوقاتك، إلى أن تحين الفرصة التي توجب الجهر بكلمة الحق، ولو تعرضت لأفظع المكارة والخطوب
واعلم انك ستبتلي بأقوام يرون غير ما تراه في أكثر الشؤون، وقد يدعونك إلى الترحيب بأن تكون أسير زمنك، أجير وطنك، بحيث لا تنطق بغير ما يستسيغ زمانك وبلادك. وهنا يكون الخوف عليك، وقد تهوى إلى أحط تركات الأسلاف، فما ذل شاعر ولا كاتب ولا خطيب إلا بسبب الخضوع لما قد يريد أبناء الوطن وأبناء الزمان، بلا تدبر ولا أدراك. وكيف تطيع أولئك في كل وقت وهم في بعض أحوالهم فقراء من الوجهة العقلية والروحية، ولا يساير هواهم غير الضعفاء؟
وما الغاية من وجودك إذا كنت صورة مكررة من وطنك وزمنك؟
وبأي حق تحمل القلم إذا خضعت لما يملأ عليك العوام وأشباه الخواص؟
وهل قلت الآراء المنخوبة حتى يضاف إليها رأي من صنفها المنخوب؟
وما قيمتك وأنت تغني صوتاً ليس من تأليفك ولا تلحينك؟
وما قوتك وقد صرت حاكياً لأقوال لم تصدر عن وحي ضميرك؟
وما انتفاع الأمة بك وأنت صوت يكسبه العهد القديم في أذن العهد الحديث؟
يجب حتما أن تكون لك ذاتية جديدة، ذاتية متفردة يجهلها الزمن الماضي، ويهابها الزمن الحاضر. يجب حتماً أن يستقل وجودك في كل يوم عن حاضرك وماضيك، فتطلع مع الشمس بنور جديد، وتواجه الليل بتأملات لم يشاهد مثلها مع قوم سواك. يجب حتما أن تنظر في آرائك كما تنظر في أثوابك، فالآراء تَبلَى كَما تَبلَى الأثواب؛ والذي يعيش على رأي واحد قد يكون أجهل من الذي يعيش بثوب واحد. فأحذر من العيش وأنت بالي الآراء، كما يحذر من يلقى الناس وهو بالي الثياب
وقد يعيرك الغافلون بالتنقل من رأي إلى رأي، مع أنهم لا يعيرون من يلبس ثوب بعد ثوب، وإنما كان ذلك لأنهم يجهلون أن الآراء من الصور الحيوية، ولأنهم يتوهمون أن الثبات على الرأي الواحد من شواهد اليقين. ولو عقلوا لأدركوا أن العين التي تنظر بأسلوب واحد هي عين بليدة لا تدرك الفروق بين دقائق المرئيات، وكذلك يكون العقل البليد وهو الذي لا يدرك الفروق بين المعنويات والمعقولات، ولها وجوه تعد بالألوف وألوف الألوف
فهل تعقل هذا الكلام، وأنت تحاول الاضطلاع بحمل رسالة القلم البليغ؟
وهنا أيضاً مجال للخوف عليك، فقد يقع في وهمك أن المفكر الحق هو الذي يسرع في التنقل من رأي إلى رأي. هيهات ثم هيهات! فالرجل لا يغير رأيه إلا بقدر ما يتحول الجبل من وضع إلى وضع. وما كان ذلك إلا لأن الأصل في الرأي أن يكون عقيدة فكريه أو روحية، والعقائد لا تغير بالسهولة التي نغير بها الثياب. وإذن يجب أن لا تتحول من رأي إلى رأي إلا وقد تحولت من حياة إلى حياة؛ وهذا قد يقع من لحظة إلى لحظة، وقد لا يقع إلا بعد أعوام طوال وفقاً لاستعدادك في تلقي وحي الوجود
والمهم أن تكون أنت أنت في تحولك وقرارك، فلا تكون أداة للتعبير عن أوهام زمانك وبلادك، ولا تكون ظلاً لعظيم من العظماء، أو حزب من الأحزاب، إلا أن بدا لك أن تصير من طلاب المغانم، وهو مصير لا يعاب، وإن كان يزحزحك عن فردوس البيان، فما قال قوم بأن الأدب للأدب، أو الفن ' ' إلا وهم يرجون أن تكون لنا دولة لا يتطاول إليها أصحاب المناصب والألقاب
فمن أنت أيها الكاتب وماذا تريد؟
لن يصح انتسابك إلينا إلا يوم تؤمن بأن للقلم رسالة يطيب في سبيلها الاستشهاد. ونحن قد رحبنا بجميع الآلام في سبيل القلم البليغ. ولو رأيت كيف تقدم تلاميذنا وتخلفنا في الميادين الرسمية لعرفت أننا دفعنا ثمن الاعتزاز بدولة البيان
قد ينوشك أقوام لا يعرفون كيف توحدت توحد الليث؛ وقد يسخر منك أقوام يرون الزهد في التودد إلى المقامات العالية ضرباً من الجمود؛ وقد يوافيك أجلك وليس في جيبك ما يشيعك به أهلك إلى مثواك الأخير، فما رأيك فيمن يدعوك إلى الاعتصام بالوحدانية الأدبية لتلقي الله وأنت رجل لم يعرف الخضوع لصاحب العزة والجبروت إلا تأدباً مع ذاته العالية؟
هل تعرف لأي سبب لا ينبغ من أرباب القلم غير آحاد، ولو كانوا في أمة تبلغ المئات من الملايين؟
إنما كان ذلك لأن رسالة القلم تشبه الأمانة التي تهيبت حملها السماوات والجبال
وهل تعرف لأي سبب فتر شوق المصريين والشرقيين إلى مسايرة الأقلام العربية، على نحو ما كانوا قبل أعوام قصار أو طوال؟
إنما كان ذلك لأن المفكرين صاروا أصحاب منافع ومطامع، فهم يتوددون إلى طبقات المجتمع ليحكموها باسم الغيرة المصطنعة على أمالها الضوائع. ومن هنا قل في هذا العصر من يخاطر بمواجهة تلك الطبقات بالرأي الحق، لأن ذلك يقصيه عما يتسامى إليه من المناصب، ويصوره بصورة من يعادي المجتمع، المجتمع الذي أسرف في تدليله من زينت لهم الدنيا أن يتسلحوا بسلاح الرياء الاجتماعي، وهم قوم لا تصح نسبتهم إلى المصلحين إلا مع التسامح البغيض
أين في زمانك من خاطر بمركزه في المجتمع، كما خاطر قاسم أمين؟
وأين في بلدك من رحب بتهمة الكفر في سبيل الإصلاح الديني، كما خاطر محمد عبده، وعبد العزيز جاويش؟
وأين جهود الكتاب المفكرين في هذا الزمان؟
لقد أصبح من الآفات المألوفة أن يتحكم الجمهور في الكاتب كما يتحكم في المغني. ومن العجب أن يتحرر المغني ولا يتحرر الكاتب. فالمغني يضع أمام جمهوره لوحة كتب عليها
(ممنوع طلب الأدوار)؛ أما الكاتب فقد عجز عن القول بأنه صاحب الحق المطلق فيما يعالج من الشؤون
يجب أن يخرج الكاتب الأجير من الميدان، الكاتب الذي يرضى بأن يكون أجير الوطن أو أجير المجتمع؛ فما يكون الرجل كاتباً إلا إذا شعر بأنه مؤيد بقوة روحانية تعصمه من أحلاف الزور والبهتان. وذلك هو الكاتب المنشود؛ الكاتب الذي يرغم الدهر الاعتراف بأنه طاف على أهل زمانه بكاس لم يذوقوها من قبل، ولم يعرفوا في أي كرمة نبغ رحيقها النفيس!!
فمن هؤلاء الذين يحملون الأقلام وليسوا لحملها بأهل، لأنهم عبيد تلاميذهم من القراء، ولأنهم يتوهمون أن القلم وسيلة من الوسائل النفع الرخيص؟ من هؤلاء؟ من هؤلاء؟!
لن تكون كاتباً إلا يوم يستطيع قلمك أن يصنع بقرائك ما يصنع الدواء بالمريض، والدواء قد يزلزل الجسد فيمثل له شبح الموت، ثم تكون العافية، وكذلك يصنع القلم الصادق، فهو يزلزل الفكر والعقل والروح، ثم تكون العافية الفكرية والعقلية والروحية لمن يصلحون البقاء، ولا بقاء لغير من يستمعون صوت الصراحة والصدق والإخلاص
دنيا هذا لا عصر هي التي أضاعت الكاتب الصادق؟!
وقد دار رأسي منذ سنين حين سألت أحد كتاب باريس من الهواة التي تفصل بين كتاب فرنسا المحدثين وكتابها القدماء من الوجهة الروحية فأجاب وهو محزون:
!! ' '
وما أشد جزعي لما صرنا إليه! فالشرف لا يعوزنا، ولكن الشجاعة هي التي تعوزنا فنحن بالفطرة شرفاء، وإنما نحتاج إلى قوة من الحزم والشراسة والإباء. وأقول بصراحة إن الأدب في مصر على شفا الهاوية، لأن الأدباء يستوحون قراءهم، وتلك علامة الغثاثة والهزال، ومثلهم في ذلك مثل الطبيب الذي يستشير المريض في وصف الدواء!!
قد تقبل هذه الحال من الكتاب الذين يشتغلون بتسلية الجماهير ليأخذوا أموالهم كما يأخذها (الحاوي) في ساحات (الموالد). فاعذر الكتاب الذين أعدتهم مواهبهم ليكونوا هداة صادقين؟ (الرأي القائل بأن يكون الأدب للأدب هو رأي سخيف) كذلك قال الأستاذ أحمد أمين، حفظه الله! ومعنى كلامه أن يصبح الأدب في خدمة المجتمع؛ وهو كلام معقول، ولكني كنت
أنتظر أن تكون للأدب قوة السيطرة على المجتمع، لا حسن الطاعة في خدمة المجتمع، فالمجتمع مريض ونحن الأطباء، ولو كره الخوارج على سلطان القلم البليغ
يستطيع الأستاذ أحمد أمين أن يستوحي قراءة سبعين سنة أو ثمانين أو تسعين، ثم يلقاني بعد ذلك، إن عشت وعاش، فلن يكون محصوله الفكري والأدبي غير أوشاب جمعها من أوهام القراء
أيكون الأستاذ أحمد أمين فهم أن (الأدب للأدب) معناه أن يكون جهد الأديب مقصوراً على وصف الأزهار والرياحين، والأقمار والشموس؟
إن ذلك ما فهم فأين صرخة العقل المقدود من ضمير الوجود؟
وأين الأقباس الروحية التي نستعين بها على كشف المجاهيل من سرائر القلوب والعقول؟ الكاتب يعنى بجميع الشؤون: فيتحدث عن الغنى والفقر والصحة والمرض والعلم والجهل، على أن يكون أنفعل بهذه المعاني، بحيث تصير من الغايات التي تشغل روحه الموهوب، وبحيث يكون الاهتمام بالمجتمع غرضاً من أغراضه الصحاح
أما القول بأن يكون قلم الكاتب أجيراً للمطالب الوطنية والاجتماعية فهو قول مردود، ونحن أول من يرفع راية العصيان، فلن نخدم الوطن إلا طائعين، ولن نعترف للوطن بأي حق إلا إذا اعترف بأننا أصدق أبنائه الأوفياء
وماذا بقى لمصر الفرعونية والإسلامية بعد المسطور من آثار القلم البليغ؟
وبأي حق صار لمصر سلطان أدبي في الشرق لهذا العهد؟
تلك جهود أقلامنا، أقلام أسلافنا. فمن خضع لصوت الحق واعترف بأن ما بذلناه لخدمة مصر والشرق كان عملاً تنصب له الموازين فهو رجل صادق الإيمان، ومن جهل حقنا فهو صائر لا محالة إلى القرار في هوة العقوق
الأدب للأدب، كما يقول عباس العقاد
والفن للفن، كما قال بعض أقطاب الفرنسيس
والأدب هو الصدق، كما قال الرجل الذي تعرفون
فمتى تعترف الدولة الرسمية بالدولة الأدبية؟
البقاء للحق. البقاء لبياض القرطاس وسواد المداد، ولن يتخلى الله عمن يرى الصدق في
الحب والبغض هو الغاية من شرف الوجود.
زكي مبارك
ماكس إشترنر
فيلسوف الأنانية
1806 -
1856م
للدكتور جواد علي
ولم لا تكون للأنانية فلسفة وفلاسفة، والأنانية من أهم الغرائز التي لعبت دوراً هاماً في حياة البشرية؟ لعبت دورها في حياة الأفراد كما لعبت دورها في حياة الأمم. وليس بعجيب أن أصبحت (الأنانية) موضوعاً هاماً من موضوعات الفلسفة، وهدفاً أو مثلاً أعلى لبعض المذاهب الفلسفية، بل محور فلسفتها تدور حولها جميع أبحاثها كالذي يلاحظ عند (الأبيقوريين) أو عند كثير من فلاسفة القرن الثامن عشر وبعض فلاسفة الإنكليز أمثال فرنسيس هيتجسون 1694 - 1746)، ويرميا بنتام - 1832)، وجون ستيوارت ميل 1806 - 1873) وغيرهم
غير أن كاسبر شميد، أو ماكس إشترنر كما كان يلقبه إخوانه التلاميذ في المدرسة لعلو جبهته واتساعها، كان قد جاوز حدود هيام هؤلاء بالأنانية وتفانيهم فيها وضرب رقمهم القياسي بأضعاف. أعلن للناس أنه صب بالأنانية مغرم، وأنه جاء إليهم برسالة جديدة وديانة جديدة: هي ديانة الأنانية ومحبة الذات. . . ديانة قويمة فوق كل الديانات. إنها السعادة الأبدية للجماعات والأفراد؛ وإنها مفتاح اللذة؛ وإنها الطريقة المثلى للوصول إلى الكمال الإنساني وما يتمناه كل فرد من هذه الحياة. هي طلسم السعادة والكبريت الأحمر الذي أفنى الحكماء أنفسهم عبثاً للوصول إليه، وكيمياء الحياة
مفتاح هذا العالم في نظرية ماكس إشترنر كلمة (أنا)؛ ولكن كلمة (أنا) هذه لا تدل على معنى مجرد، بل على شخصية معينة؛ بواسطة هذه الشخصية عرف الكون والوجود. كل ما في الكون هو (أنا) وما عداي وهم وخيال. أنا خلقت الأسماء، وأنا خلقت المصطلحات، وأنا الذي وضعت تلك التعابير التي لا وجود لها في الحقيقة. وأنا الذي سجنت نفسي بيدي. خلقت تلك المعايير الأخلاقية والمقاييس الأدبية فقلت: شرف ووطنية وإنسانية وديانة
وأخلاق وفضيلة إلى آخر ما هنالك من كلمات جوفاء
قيدت البشرية نفسها منذ خلق العالم بقيود فرضتها عليها جماعة من الأنانيين الأقوياء الذين مثلوا دور (أنا) خير تمثيل. . . استغلوا عقول السذج البلداء، والسواد الأعظم من البلهاء، فحللوا وحرموا ووضعوا القيود الأدبية والحواجز الأخلاقية والاجتماعية. أطاعتها المجتمعات الإنسانية حتى اليوم، وأدخلت نفسها طوعاً واختياراً أو خوفاً ورهبة في عداد العبيد وطبقات الأرقاء. صارت تقاد كما يقاد قطيع الغنم أو البقر إلى المجازر باسم الوطن والشرف والدفاع عن العرض أو العقيدة والمال، إلى غير ذلك من الكلمات التي (فبرقتها) معامل أولئك الأنانيين، وأنتجتها أفواه أولئك الحكام الجبابرة العتاة. وما التاريخ البشري سوى عبودية دائمة من هذا النوع
يقول: لو حللنا الأعمال البشرية بجميع أنواعها وألوانها تحليلاً علمياً لوجدنا (الأنانية) هي الدافع الأول في جميع حركات الإنسان. هي الأول، وهي كل شيء هي الحقيقة الأولى، وهي الحقيقة الأخيرة. هي التي صورت لي العالم بهذه الصورة. وهي التي جعلت الإنسان يبني ويشيد ويشتغل. لو جردنا ما نسميه في قاموسنا (العالم) من أنا، أو الأنانية لما بقي شيء من هذا الذي سميناه عالماً. ولذلك فالحقيقة واحدة وهي حقيقة (أنا). تدرك هذه الحقيقة ما يحيط بها بواسطة منبعين: منبع الإدراك أو التصور ومنبع الإرادة
فما دام الأفراد الأنانيون هم الذين وضعوا تلك القيود في سبيل منافعهم الشخصية ومآربهم الذاتية؛ وما دامت الأنانية هي الغالبة على كل عمل إنساني، فلم يستمر الفرد على تحمل تلك العبودية؟ ولم يذعن لتلك القيود التي قيد بها جبراً؟ ساقت هذه النتيجة المنطقية إشترنر إلى البحث عن الحرية: حرية الأفراد، وما يملكه الفرد، فوضع كتاباً في هذا المعنى سماه (الفرد وما يملك) تهجم فيه تهجماً شديداً على القيود الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي تحكمت وظلت تتحكم في عصره، وشن حرباً شعواء مقدسة على المبادئ الدولية وعلى كل شيء عام يطلق عليه وصف بشري، وعلى الحكومات التي انتزعت سلطة الأفراد، وعلى الشيوعية التي ناوأت الملكية الفردية، وهي أقدس حق من حقوق الإنسان. سخر من المجتمع ومن تكاليف المجتمع بعبارات لاذعة لم يعرف مثلها في أي كتاب من كتب العالم
كان الشاعر الأديب الإنكليزي (برنارد مندويل صاحب كتاب (أسطورة النحل)
(نشر لأول مرة في عام 1714 م)، قد صرح في كتابه بلا خوف ولا وجل بأن (الأنانية) هي الدافع الوحيد للإنسان على أعماله الروحية والمادية، وأن جميع القيود الأخلاقية أو الإنسانية أو الدينية لا قيمة لها أبداً؛ لأنها من وضع الحكام الذين توخوا تأمين السيادة. غير أن كتاب ماكس إشترنر كان قد جاوز كتاب مندويل الإسكتلندي في التهكم والتهجم على أخلاق المجتمع وجميع الأنظمة البشرية القائمة بأضعاف!
كان كتاب (الفرد وما يملك) عنوان ثورة جديدة أراد أن يؤجج نارها ذلك الفيلسوف: ثورة الفرد على المجتمع، ثورة الفرد على الحكومة. فشارك الديمقراطيين بالفكرة، وكان في طليعة جماعة الاشتراكي اليهودي لاسال؛ إلا أنه اختلف عنهم بالأسلوب. نرى ماكس ديمقراطياً من رأسه إلى أخمص قدميه، ولكنه ديمقراطي فردي يريد أن يشيد بناء ديمقراطياً على أساس السلطة الفردية. يريد أن يرى البشرية مجموعة أفراد، كل فرد من هذه المجموعة يتمتع بحريته ولذاته، هو نهم لا يشارك الآخرين ولا يرضى بأن يشاركه أحد. غايته التمتع بالحياة إلى آخر حد، وأن ينفرد بكل شيء؛ لا يفكر إلا لنفسه، ولا يبالي بما يفعل الآخرون. شعاره لا تهمني إلا نفسي
كل سلطة تتحدى سلطة الفرد يجب أن تقاوم وتهدم. وحيث أن الحكومات تحاول دائما التعدي على حريات الأفراد ومجال عمل الأفراد، فهي سلطات استعبادية ودوائر تفرض الرق على البشرية فرضاً بواسطة صكوك وأوراق تحبرها تطلق عليها الصيغ الشرعية. لذلك تبرم الفيلسوف من الحكومات وعد نفسه من ألد أعدائها، ولكنه كان من ألد أعداء النظام الشيوعي كذلك؛ إذ بينما الشيوعية تحطم ملكية الفرد وتندد بالملكية الخاصة، نرى (إشترنر) يندد بالملكية العامة ويدعو إلى الملكية الخاصة
يرى أنه ما دامت الأنانية هي الصفة الغالبة في الطبيعة، وما دامت حركات الإنسان وسكناته كلها حركات منبعها الأنانية، فمن الحماقة التغاضي عن هذه السنة الطبيعية، والالتجاء إلى الأحلام الذهبية الشعرية؛ وقد دلت الأحوال على أن كل محاولة من هذا النوع كانت فاشلة، وأنها ترتد دائماً إلى الأنانية الفردية.
ثم من ذا الذي يضمن للإنسان عدالة أولئك الذين سيقومون بالأشراف على المجتمع العادل؟ لذا، فأنا وحدي صاحب الحق في الملكية، ولي الحق كل الحق في الامتلاك، وعلي أن
أتفاهم مع الآخرين في هذا الحق، فإذا خالفوني على حقي هذا التزمته ودافعت عنه بكل قواي لأجبر الآخرين على الاعتراف بهذا الحق، ولكن الملكية مع ذلك غير مقدسة، إذ لا قدسية في العالم إلا للحق والسيطرة فقط
وبدلاً من هذه الحكومات والتشكيلات الشيوعية، يجب تشكيل جماعات من الأنانيين الأحرار الذين لا يرتبطون فيما بينهم بروابط أو حقوق طبيعية أو روحية كالتي يطلقها عليها اتباع النظريات الأخرى. يكون الأفراد جماعة لا تحاول امتلاك الأفراد، بل يحاول الأفراد امتلاك الجماعة، والرابطة الوحيدة التي تربط الفرد بهذه الجماعة هي رابطة (المنفعة)، وعلى كل فرد أن يبذل كل ما في وسعه لاستغلال الجماعة إلى آخر ما يمكن. فإن حاولت الجماعة استغلال الفرد ثار عليها. وهذا في زعمه هو الفرق بين العبودية والحرية. ففي المجتمعات الديمقراطية أو الشيوعية تحاول الجماعة السيطرة على الفرد، ولكنها في مجتمع ماكس إشترنر يسيطر الفرد في زعمه على الجماعة
لا قيود في هذا المجتمع ولا فروض. لكل شخص عقيدته وديانته، لا تهمه إلا نفسه، ولا يشتغل إلا لنفسه فقط. فإذا تحققت هذه الأمنية على زعم فيلسوفنا تحققت الحرية وتحققت معها السعادة البشرية وتحقق كل شيء. أما الفكرة العالمية أو البشرية أو الدولية فيسائل الفيلسوف نفسه عنها: ما الذي أربحه من الاعتقاد بهذه الآراء؟ وما الذي أستفيده منها؟ ثم يجيب: لا بأس من أن أساير الناس وأن أوافقهم موافقة رجل حذر، ولكن موافقة رجل حكيم أعد لكل شيء عدته، يحاول جهد الإمكان الانتفاع من هؤلاء السذج. فإن انعكست الآية نفر من تلك الجماعة ونبذ ذلك المجتمع الفاسد. والحرية هي تجريد النفس من كل القيود والحدود التي تعوق إرادة الفرد وتحاول منعه من استغلال أنانيته ولو أنها كلمة جوفاء في حد ذاتها. وبعملنا هذا نكون قد أدركنا حقيقة الحرية. والجندي الشجاع مثلاً هو الذي يستطيع أن ينجو بنفسه من الحرب؛ فلا يضحي بنفسه في سبيل أطماع نفر من جزاري البشرية إن ربحوا تقلدوا الأوسمة ودخلوا القصور الفخمة، وإن خسروا انسحبوا إلى مملكة أخرى أو إلى القصور الهادئة وعاشوا عيشة السادة المترفين. في حين أن الجندي المسكين بطل المعركة إن مات مات فقيراً تاركا وراءه عائلة تبكي، وإن عاش عاش فقيراً كذلك لا يهتم بشجاعته أحد
سخرت الأوساط الأدبية من آراء ماكس إشترنر ومن كتابه (الفرد وما يملك) وعلى الأخص الشيوعية منها، فنشرت جريدة الراين (دانيشة تزايتنك) جريدة كارل ماركس نبي الشيوعية مقالات تهكمت فيها من نظرية إشترنر؛ وانبرى أمثال كارل كرين وموذس هيس ونفر آخر من محرري الجريدة فنشروا رسالة بعنوان (آخر الفلاسفة) سخروا فيها من الفيلسوف ومن آرائه
لم يفهم ألمان ذلك الزمن معنى لهذه (الأنانية) العلمية الجديدة، ولم يدافع أحد من فلاسفة العصر عن آراء فيلسوف (الأنانية)، ولم يتمكن محب الدنيا من استغلال الدنيا. لم تقبل الدنيا عليه رغم إقباله عليها. ظلت مدبرة عنه وهو مقبل عليها. توفيت زوجته الأولى (بنت الشارع) في السنة الأولى من زواجه، وطلقته زوجته الثانية (الحرة البوهيمية) لأنه حاول أن يتزوج مالها مكتفياً به عنها. ولم تنفعه شيئاً (جمعية أحرار الروح) التي ألفها مع بعض زملائه البوهيميين المفاليس في حانة (هبل) إحدى حانات برلين. لأن الحياة البوهيمية تحتاج إلى مال، وهذا ما لا قبل للفيلسوف به. ولم ينجح صاحبنا في بيع (الحليب) وتوزيعه عندما اضطرته الدنيا إلى العمل. فقد انهال عليه الحليب وقل الزبائن، وذهب آخر فلس لديه. ولم تنجح آخر نظرية من نظرياته الفلسفية، عندما دخل طوعاً واختياراً في عالم الديون والقروض، ثم في عالم النشل والإجرام حيث قالت الحكومة: عدوته رقم واحد، كلمتها وأدخل السجن. وبذلك أثبتت عملياً أن فيلسوفنا لم يكن على حق فيما قال
لم ينعم (صاحب الجلالة) كما كان يلقب نفسه حتى بقليل من الاهتمام. نعم عده الفوضويون الأجانب نبيا من أنبيائهم المرسلين، وحسبوا كتابه معجزة من معجزات الدماغ البشري؛ فكتبت فئة منهم عن نبيهم، كما فعل الاسكتلندي جون هنري مكي صاحب كتاب (سيرة ماكس إشترنر) وكتاب (الفوضويون). وكذلك الأمريكي توكر صاحب جريدة الحرية الأمريكية، والفرنسي فيكتور بشي في جامعات فرنسا
لم تنصف الدنيا فيلسوفنا الفقير، ولم ينصف أهل الأرض ذلك الفيلسوف المتعجرف الذي كان يكتب الحرف الأول من كلمة (أنا) دائماً بالحرف الكبير، دلالة على العجرفة والعظمة؛ فعسى أن يكون نصيبه من الآخرة خيراً من نصيبه في الدنيا.
(بغداد)
جواد علي
طاغور الخالد
للأستاذ فخري شهاب
(ولد بندرانات طاغور سنة 1860 بكلكتا من أسرة عريقة في المجد بنغالية. وفي هذه المدينة نشأ وفي جامعتها تخرج، ثم ذهب إلى إنكلترا وانتسب إلى جامعة اكسفورد وعكف على دراسة اللاتينية فيها، غير أنه لم يلبث أن مل تلك الحياة وعاد إلى موطنه، سويداء الشرق. وفي عام 1913 منحه المجمع العلمي في (استوكهولم) جائزة نوبل عن ديوان شعره الفلسفي (جيتانجالي). وقد بدأ طاغور حياته الفنية في الربيع الثامن عشر من عمره وبزغ نجمه في سماء الأدب بمسرحيته التي أخرجها يومذاك (جيترا). وفي هذه الفترة كان تأثره بالكاتب البنغالي (شندراشتركي) عظيما، وعكف من بعد ذلك على دراسة الفلسفة الهندية ونقل بعض روائعها إلى الإنكليزية بنفسه. ثم أسس جامعة (سانتينكتان) بمدينة بلبور بجوار كلكتا. وقد قام طاغور برحلات لممالك مختلفة واجتمع بأكابر المفكرين المعاصرين ومشاهير القادة الوطنيين من انشتاين إلى فيصل الأول ملك العراق الذي دعاه لزيارة بلاد الرافدين فلبى النداء قبل نحو عشر سنين. وقد كان طاغور يغمر كل مجتمع يحل به بفيض من علمه وحكمته وسحره وفكاهته وحسن محاضرته التي تستلب الألباب على ما يقول سامعوه. وقبل أن يشهد طاغور انتصار مبدأ السلام الذي خصص له أدبه وافاه الأجل المحتوم فاستشهد في ميدان الدفاع هذا العام. وإذا فقدت الدنيا جسمه ففكره الجبار لن يغيب عن رعاية الناس)
وأخيرا آن لهذا المطاف الطويل أن ينتهي إلى نهايته ويشرف على غايته. لقد مات طاغور وبموته استطاع أن يصل إلى الخلود الذي أشتاقه ومنى به نفسه، وردد ذكره في شعره ونثره؛ والذي من أجله أحب هذه الحياة التي كانت الطريق إليه فسايرها مسايرة المحبة والصفاء، لأنه عالم أن سير الركب به كان حثيثا وأنه عما قريب واصل منزل الأبدية الخالد وإن تطل في هذه الدنيا الطريق أو تعترضه فيها الصعاب
لقد مات طاغور، وليس بدعاً أن يموت طاغور؛ ذلك لأنه كان من أبناء الكون الأحياء، وسنة الكون أن يتدرج أبناؤه نحو الكمال، طوعاً كان ذلك أو كرهاً؛ فهو مكتوب عليهم وهم لابد سائرون إليه
أصبح طاغور اليوم اسماً مخلداً في تاريخ الفكر البشري يعرفه الناس - معرفتهم لسقراط وسبينوزا وبرجسون - من مؤلفاته التي تربو على الثلاثين مجلداً وقفها بأجمعها لنصرة الراية التي انضوى تحتها: راية المحبة والسلام في الأرض
ولو أن طاغور لم يقدر له أن يسبق عصره الذي جاء فيه بمئات السنين - إن لم نقل بألوفها - لرأى ساعة استشهد في ذلك الميدان علائم الظفر وبشائر الفوز ورجحان الكفة التي وقف نفسه للكفاح من أجلها كفاح يقين وإخلاص وثبات؛ ولكن سبقه عصره بهذا الأمد الطويل الذي تحتاجه البشرية للتخفيف من غلوئها في محبة القوة والدعوة للهدم أشقى طاغور كثيراً وآلم نفسه وأرمضها، ولكنه عجز عن أن يزعزع يقينها الثابت بالنصر آخر الأمر. وإن ما نرى من استبشاره وحبه للحياة، وتغنيه بما فيها من جمال وسحر، ودعوته إلى عبادة ذلك الجمال وقوله:(أفسحوا لي مجال العيش في نور الشمس في هذه الروضة الزاهرة بين القلوب النابضة)، إنما كان مصدره ذلك اليقين وحده
ولو أن طاغور كتب له أن يعيش في المجتمع المثالي الذي كان يريد بناء مجتمعنا وإصلاحه على نحوه، ولم يقاس في ذلك ألم خيبة الدعوة المبكرة لما اضطر إلى خطاب دعاة الحرب بقوله:(إن صح أن تكون الحقيقة الثابتة الأزلية الكبرى هي شهوة التدمير والتخريب فقد كان لزاماً على هذه الحقيقة أن تعصف بذاتها فتميد بها وتحطمها شر تحطيم) وقوله أيضاً: (إنما تفضح قوة السلاح ضعف الإنسان) وإنما الذي أنطقه بهذا، وشبهه كثير، ما رأى من بعد الحقيقة المادية عن المثالية التي حاول توجيه البشرية إليها قبل أوان ذلك بعصور وعصور
عرف الناس طاغور لشيء واحد لم يعرف فيلسوف قبله لمثله: عرفه الناس لأنه شرقي هندي حاز جائزة نوبل وبذَّ مفكري الدنيا بأسرها في مضمار الدعوة للسلام، وقد قرظه مجمع (ستوكهولم) الذي منحه تلك الجائزة بقوله:(إن شعره مثابة النفوس يشمل جميع خلجاتها ويعرب عن جميع مطامحها). ولقد كان طاغور أغنى الناس عن إشادة (استوكهولم) بفضله والتنويه به؛ ذلك لأن حكمته السامية التي لخصت حكمة الشرق العريق وأجملتها، ما كانت لتحتاج إلى مثل هذه المظاهر والأحكام لتبدوا آثار صحتها. وإذا كان لذلك المجمع من فضل، فليس له على طاغور من ذلك شيء، وإنما يده التي أسداها كانت
للدنيا التي عرفها بفلسفة طاغور وأدبه الرفيع الممتاز، فأقبلت عليه إقبالًا قوياً أحيا أملها بالفوز بالإخلاد إلى السلام ذات يوم، وجدد قواها، واستأنفت كبار العقول من أجل ذلك كفاحها، لا يعوقها عنه بعد الغاية ولا طول الطريق
عرف الناس طاغور لهذا، ولو عرفوه لغير هذا لكان أدل على الحجا وأدنى إلى الحق والصواب؛ وبسبب هذه المعرفة التي قدمتها (ستوكهولم) لهم، جاء عرفانهم لفضل هذا الفيلسوف الجليل قاصراً ناقصاً؛ فقد عرف أكثر الناس طاغور مفكراً وأدبياً، وجهلوه مربياً، ومصوراً، وموسيقياً، وصاحب فكاهة حلوة، ونادرة مستطرفة؛ أو بكلمة أخرى جهلوه فيلسوفاً اتخذ مختلف تعابير الفنون الجميلة وسائل لهديه الناس والسعي وراء إصلاحهم
وأن الإحاطة بهذه النواحي من طاغور، هي الإحاطة بفلسفته المثالية التي حاول رفع التفكير البشري إلى مستواها، فحسبها البشر أغراباً في الخيال يخالف حقيقة حياتهم المادية التي يحيون والتي انغمسوا فيها واندفعوا في تيارها مقهورين فيما يظنون وإنهم لمختارون. ولو شاء طاغور أن يكون مثل (نتشه) لكان، ولداهن الواقع، ونزل إلى سوية الناس وتطرف في الدعوة إلى القوة؛ ولكنه جاء إلى الدنيا برسالة تقول بالتطرف في الدعوة إلى الحق، فمن أجل هذا قام بينه وبين أهل عصره الخلاف، فلم يفز في أبان حياته بطائل مما رجا للناس من خير وسلام
ذلك من حيث كون طاغور مناراً في طريق البشرية نحو الكمال. أما هو في نفسه، فعلى العكس مما أخرجته قصور أسرته البرهمية العريقة في أرستقراطيتها: صوفي عظيم، يألف التأمل وينعم به، ولكن تأمله هذا لم يمنعه من الاندماج في الناس لأنه إنما كان يتأمل في خيرهم وصلاحهم، ولأن سعيه إنما كان في توحيدهم برغم إجماعهم على التنابذ والتخالف؛ وقد كانت نظرته إليهم نظرة متأثرة بفلسفة (الحلول) التي اشتهرت بها الهند، فجمعتهم روح الإله الأكبر، وظهرت أمامهم في مظاهر الكون الفسيح كافة لتستهويهم وتأسرهم بجمالها، ولتكون فتنة عقولهم التي تأسرها لذة التأمل العميق
على أن هذه الفلسفة لم تقف مانعاً في طريق طاغور، ليتأمل تلك القدرة المبدعة الجبارة التي زانت الكون وغمرته بفيض من جمالها الذي يثمل النفس، بل كانت الفلسفة (الحلولية) - على العكس من ذلك - طريقته التي استطاع أن يتلمس بها آثار تلك القوة القادرة
المهيمنة الحكيمة التي أبدعت كل شيء صنعا.
وإذا تأمل القارئ هذه القصيدة التي نسوقها إليه الآن، رأى مصداق هذا الكلام، قال طاغور:
(كلا، ليس لك أن تفتق البراعم في شكل الأزاهير
(هز البرعم ما شئت، أو أضربه، فلن تقدر على جعله زهرة، لأن ذلك فوق ما تستطيع
(إنك لتلوثه إذ تلمسه، وإنك لتقطع وريقاته إرباً إرباً ثم تلقيها في التراب
(غير أنه لا لون يظهر ولا عطر يفوح
(آه. . . ذلك لأنه ليس لك أن تفتق البرعم زهرة
(وإن من في استطاعته تفتيقه، هو الذي أبدع صنعه، فسواه بهذه البساطة واليسر
(إنه ليرمقه بنظرته، فإذا بدم الحياة يتسرب في تضاعيف عروقه، ومن أنفاسه تفتح الزهرة أجنحتها لتخفق في مهب الرياح
(ثم تنتشر فيها الألوان انتشار الأشواق في القلوب. . . ويفوح منها العطر لينم فيها عن سر جميل
(إن من في استطاعته تفتيق البرعم في شكل زهرة هو الذي أبدع فسواه بهذه البساطة واليسر)
وأبدع مما تقدم قوله في مقطوعة رمزية أخرى تظهر ما أحس به طاغور العظيم من بون شاسع يفصل دنيا الناس عن دنيا مثالية، وكأنه بذلك كان يندد بفكرة البشر المادية ويحلق في سماوات تصوفه وتأملاته العالية وذلك حيث يقول مخاطباً حبيبه:
(حينما اعتزمت على تصويرك نصباً اقتطعته من حياتي لأقدمه إلى الرجال ليعبدوه، جمعت - لذلك - ترابي ورغباتي وجميع أوهامي التي زانتها التهاويل، وما عندي من أحلام)
(وعندما سألتك أن تقيمي لحياتي نصباً تقدينه من قلبك جمعت نيرانك وقوتك إلى الحقيقة، وضممت إلى ذلك كله المحبة والسلام)
فانظر كيف رمز إلى المثل الأعلى في المقطع الأخير ووشحه بغيره مما في النفس الآدمية من دعوة للقوة والنار
لا نأمل في هذه العجالة أن نحيط بأفاق طاغور الفلسفية المترامية أطرافها، بل من ذا الذي منى نفسه بأن ينال من طاغور هذا المنال؟ ولكنما نريد أن نلم به اليوم إلمامه الطارق العجلان ريثما تتيسر زيارته الزيارة الطويلة، زيارة المحب ليقضي شوقه من زيارة الحبيب، وإذا لم يكن المجال يتسع لنا بأكثر من هذا، فلنعطف النظر إلى ناحية أخرى عظيمة من نواحي طاغور العظيم
كان طاغور إلى ما نعم به من سمو تفكيره جنديا من جنود الوطنية الهندية على نحو مبتكر جديد لم يكن قد سمعه من قبله الناس. كان طاغور يعشق الحرية عشقاً ظهرت آثاره في مؤلفاته كلها، والحر ليس يرضيه أن يقيم فرد من البشر في قيد الإسار فضلاً عن رضائه على رؤية الملايين من أولئك البشر أسرى خاضعين، ولهذا التنافر بين طبيعته الحرة وما أصيبت به الهند من عوادي الاستعمار برز طاغور في ميدان الوطنية وبذ فيه غيره من المكافحين
كان طاغور يتعشق الحرية ويتعشق السلام في آن واحد. والناس اليوم لا يستطيعون أن يسموا إلى الجمع بين هذين المبدأين، ذلك لأن قلب الإنسان - وإن شئت فذهنه - لم يصل من الكبر والعظمة إلى الحد الذي يتسع فيه لهذين المبدأين في الوقت ذاته. وإذا ما رأينا من إنكارهم لوطنية طاغور التي خفيت عليهم فإنما مرجع ذلك هذا الاختلاف في التفكير والاختلاف في محبة المثل العليا والتأليف بينها. فقدر طاغور على ما لم يقدروا، وجمع أكثر مما جمعوا، وسما عليهم وبمعجزة أخرى هي سلامة المثل العليا وعدم تنافرها في نفسه بل كانت جميعاً عنده تسير في وفاق والتئام
دعا طاغور إلى الحرية، ودعا إلى تحرير البشر من إسار أقويائهم، ولكنها كانت دعوة موجهة إلى جهة الإيجاب البانية لا إلى جهة السلب المدمرة، وهو في هذا يختلف عن زعماء الوطنية الآخرين الداعين بتطرف إلى الجانب المضاد لضفة طاغور السهلة الجميلة. وليس بدعاً أن يدعو هذا المفكر الجبار لهذه الدعوة، إذ بها وحدها كان يضمن التوفيق بين عقيدتيه اللتين تنافرتا من اجتماعيهما عند غيره من الناس، عقيدة الحرية والوطنية وعقيدة تسوية السلام والمحبة بين الناس
إذا شئت أمثلة من وطنية طاغور فاسترجع في ذهنك الضجة التي أحدثها منذ أمد قريب
جداً إحدى النائبات الإنكليزيات إذ اتهمته - خلافاً لعقائده - بالدعوة السلبية التي لم تؤثر عنه منذ خلق حتى انتقل إلى عالم الخلود. وإذا شئت مثلاً آخر فاذكر أيضاً خطابه الذي وجهه إلى إخوانه الهنود المقيمين في اليابان إذ أرسلوا يسألونه أن يؤيد اليابان بكلمة من عنده في حرب استيلائها على الصين الحرة لكي يكفكف من عدوان اليابانيين على النزلاء الهنود فكان جوابه متضمناً هذا المعنى: (لخير لي أن أرى الهنود من أبناء جلدتي يروحون ضحية للجهاد من أن أنتصر باسم الهند للجور والطغيان)
وإليك مثلاً آخر من وطنيته حين نبذ أوسمة الشرف وألقابه التي قدمتها إليه الحكومة البريطانية وذلك حين أستشعر منها الإجحاف والظلم في معاملة الهنود، وأبى أن يحمل من بعد ذلك اليوم لقب (سير) ولم يجدد وضعه على طبعات مؤلفاته الجديدة ونفر منه نفرة كانت تغضبه وتؤلمه إذا دعي بها
عالج طاغور فيما عالج من مشكلات الهند مشكلتين عظيمتين: أولاهما مشكلة (المنبوذين) التي أقدم على علاجها علاجاً عملياً غير مكتف بما كتب عنها، وكسر جميع أغلال أسرته البرهمية العريقة، وذلك لأنه كان في أعماله أشبه بالمفكر الخالد الحكيم سقراط ينحو نحو تطبيق الفضيلة على نفسه بعد معرفتها ثم يدعو الناس بعد تلك المعرفة وذلك التطبيق إلى أخذ أنفسهم بها والعمل بمقتضاها. وقد أقام طاغور للمنبوذين من ماله الخاص المدارس وأنشأ لهم منشآت الثقافة التي كان أعظمها وأجلها أثراً مدرسته النموذجية التي مر ذكرها آنفاً والتي أصبحت جامعة مثالية يأمها أساتذة الجامعات ليتخرجوا فيها على طاغور تلاميذ مشربين بروح محبته للخير والسلام. وإنه ليروي أنه أنفق الجائزة المالية التي قدمها له مجمع (استكهلم) سنة 1913 في سبيل هؤلاء المنبوذين بعد أن أنفق في ذلك كل ما آل إليه من ثروة موروثة ومال مكتسب
أما الناحية الأخرى التي عالجها من مشكلات الهند فكانت مشكلة المرأة الهندية التي كانت عندما فتح طاغور عينيه للدنيا ليراها في مستوى المنبوذين هؤلاء أو أرفع قليلاً. ومن أجل تلك المخلوقة المهيض جناحها التي ظلمها تعسف الرجل مئات السنين في الهند وقف قسطاً من جهاده، وأكرمها في شخص زوجته وأبنته، وجعلها ملاكاً كريماً يرفرف بجناحيه على البيت ليكون فيه ظل المحبة الشاملة والسلام الذي ينتظم البيوت.
وما من مسرحية له أو قصة أو أقصوصة أو رواية أو شعر إلا كانت المرأة فيه العنصر السامي الذي يخفف الحدة، ويلطف الشدة، ويمزج بالشر الذي يندس بين الناس ليفنيهم إكسيرا مضاداً له يكافحه ويقف آثار فعله لتنحصر في زاوية ضيقة بدل أن يمتد ويفور
المرأة في نظر طاغور مخلوق جعل لتزين الحياة، يخفف آلامها، ويكثر من مسراتها، ويطبعها بطابع البهجة الذي يحلو للرجل النظر إليه؛ ذلك ما دامت امرأة، فأما اعتلت أريكة الأمومة فهنالك الكمال في السمو إلى حقيقة الحقائق حقيقة المحبة التي يفيض بها قلبها أو فكرها على الناس أجمعين
ولا يستغرب القارئ هذا القول لأن دعمه بالبرهان سهل، فالرجوع إلى كتابه الذي أتممنا نقله إلى العربية ونشرناه كاملاً في أجزاء مجلة وزارة المعارف العراقية (المعلم الجديد)، ذلك الكتاب الذي أسماه الهلال يؤيد هذه الدعوة ويصور الأم للقارئ بشراً سوياً لا تبلغ المحبة في قلب في الكون مبلغها عند أحد سواه
أما بعد، فهذه كلمة موجزة عن طاغور نرجو أن تعقبها لنا عنه دراسات مستفيضة تعرفه إلى الشباب، لأن طاغور من الشخصيات الفذة التي يتعب المؤرخ الاهتداء إلى أمثالها في الدنيا. وتفكير طاغور العميق الهادئ، وتصوفه الروحي البعيد عن المظاهر، ونظرات تأمله التي شملت كل ما في الكون من أسرار وجمال جعلت منه دائرة معارف شرقية حديثة، ولكنها تمت إلى القديم بأوثق الأسباب. وهل كان لعمري ثمة شيء لا يحسنه طاغور؟ ومن أجل هذه السعة في المعرفة يوصي الذين شغفوا بطاغور حباً بدرسه دراسة تأمل وإنعام نظر وفهم دقيق، لأن في دائرة المعارف الشرقية هذه غذاء روحياً لذيذاً، ولكنه دسم لا يفهمه كل إنسان
إن طاغور لم يمت، لأن حكمته الرفيعة وفلسفته وتصوفه وأدبه الذي يحيط من وراء ذلك كله خالد تخجل يد الفناء أن تمتد إليه بعبث أو تخريب. ولن تعرف الإنسانية قدر طاغور اليوم، وإنما ستعرفه الإنسانية بعد مئات طويلة من السنين حين تخرج من سن الطيش إلى طور العقل والحصافة والتفكير الهادئ العميق.
فخري شهاب
الفقر مسألة اجتماعية
للأستاذ رمسيس يونان
(تتمة ما نشر في العدد الماضي)
وهذا مثل ثان من تناقض المصالح بين الطبقة الغنية المعتمدة على الزراعة، والطبقة الغنية المتصلة بالصناعة. فطبقة ملاك الأرض تزداد ثروتها كلما رخصت الأيدي العاملة في الزراعة، وهم الأغلبية الساحقة من الشعب المصري؛ أما رجال الصناعة فإن دخلهم يزداد كلما زادت قدرة هذه الأغلبية على الاستهلاك، أي كلما ارتفع مستوى معيشتها
وعلى ذلك ليس عجيباً أن نرى أن معظم السياسيين المصريين الداعين إلى الإصلاح الاجتماعي؛ أمثال: حافظ عفيفي، علي الشمسي، وهيب دوس، هم ممن اتصلت حياتهم عن قرب أو عن بعد بالصناعة، أو ممن تأثروا تأثراً كبيراً بالحياة الاجتماعية في الغرب التي هي نتيجة وسط صناعي. وليس عجيبا أيضاً أن نرى رجلاً مثل إسماعيل صدقي ينادي بمكافحة الفقر ورفع مستوى حياة الفلاح. . .
وهناك عوامل ثانوية أخرى تدفع الممولين إلى التفكير في الإصلاح: منها أن الأبحاث الطبية تثبت إثباتاً قاطعاً أن الأمراض تنهك العامل والفلاح وتضعف قدرتهما على الإنتاج إلى حد مخيف. وعلى ذلك فبين الممولين من يرى أن مكافحة هذه الأمراض قد يؤدي إلى زيادة في الربح تعادل على الأقل ما يحتاجون إلى بذله في سبيل هذه المكافحة. . .
ومن هذه العوامل أيضاً الرغبة النامية في إنشاء جيش قوى سليم يشعر أرباب الثروة المصرية بضرورته للاحتفاظ باستقلال سياسي يضمن لهم استقلالهم الاقتصادي
على أن رجال الصناعة في مصر والمتكلمين باسمهم لا يدعون إلى الإصلاح الاجتماعي إلا في حدود ضيقة. . . ذلك لأن الدعوة إلى تحسين حال الفلاح تؤدي حتماً إلى تحميس الحركة العمالية المطالبة برفع الأجور. وليس هذا مما يرتاح إليه الممولون وأرباب الأعمال. . .
ومع أن معظم العمال المصريين قد جاءوا من الريف، وبرغم من حداثة عهدهم بالوسط الصناعي، فلا شك في أنهم قد اكتسبوا أساليب في التفكير المعاشي تختلف عن أساليب إخوانهم الفلاحين. ولسنا الآن بصدد بحث العوامل المادية التي سببت هذا لاختلاف، وإنما
يهمنا بعض ظواهره الواضحة
وأوضح هذه الظواهر أن العمال قد تجمعوا في نقابات يسعون عن طريقها إلى تحسين أحوالهم، وتشغيل العاطلين منهم، وتنظيم الإضرابات والمظاهرات وإصدار الاحتجاجات عندما يزداد ضغط أرباب الأعمال عليهم. ولم نسمع بعد - بالرغم من مجهودات بعض الأفراد طيبي القلوب - عن هيئة من الفلاحين تسعى إلى شيء من هذا
ولاشك أن هذه النقابات قد أفادت العمال في كثير من الظروف، وزادت بينهم ما يسمى (الوعي الطبقي) وإذا كان هذا الوعي الطبقي لم يصل بهم بعد إلى درجة النجاح في تكوين حزب عمال مستقل، فقد كان كافياً على الأقل إلى أن يقنع بعض الأحزاب السياسية الموجودة أن من مصلحتها التقرب بين العمال ورعاية نقاباتهم والتودد إليهم بالوعود. . .
ومع ذلك فما زالت الحركة النقابية في مصر ضعيفة، وذلك لسببين:
السبب الأول يتصل بالحركة العمالية ذاتها التي لم تنجح بعد في تحقيق (التضامن الطبقي) الكامل بين العمال، كما لم تنجح بعد في أثارت حركة مشابه بين الفلاحين، لاشك أنها إذا قامت واتحدت مع الحركة العمالية، أصبح لمجموع الأيدي العاملة في مصر قدرة رائعة على الكفاح الاقتصادي الناجح. . .
أما السبب الثاني لضعف الحركة النقابية فيرجع إلى المقاومة الجبارة المنظمة التي تواجهها بها الطبقة التي تخاف على مصالحها من نمو هذه الحركة، والتي منها من لا يتحرج أحياناً عن اللجوء إلى أحط الوسائل لإفساد أخلاق بعض زعماء العمال، وتأليب بعضهم على بعض. ولهذا الطبقة سلطان مادي يضمن لها نفوذاً كافياً على التشريع والصحافة. وليس أدل على هذا النفوذ من أن مشروع قانون النقابات ما زال من السنوات يتأرجح بين قاعتي مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وما زال يؤجل الدورة بعد الدورة. . . هذا بالرغم من أن هذا القانون يكاد يحرم على العمال كل وسيلة من وسائل الكفاح الجدي
ولسنا نستطيع الحديث عن مسألة الفقر في مصر بغير أن نذكر مشكلة المتعلمين العاطلين. وقد يبدوا عجيباً أن تظهر مثل هذه المشكلة في بلد لا تزيد فيه نسبة المتعلمين على 10 ? بينما لم تظهر هذه المشكلة في معظم الأمم الغربية إلا بعد أن عم فيها التعليم. ولكن تعليل ذلك غير عسير؛ فإن انتشار التعليم في الغرب - كما هو الحال في مصر - كان ملازماً
للنهضة الصناعية، وقد وجدت الصناعة الغربية أسواقاً ضخمة بين الشعوب الآسيوية والأفريقية فنشطت واتسعت واستطاعت أن تستوعب القدر الأكبر من خريجي المدارس؛ بينما جاءت الصناعة إلى مصر بعد أن اكتظت الأسواق الخارجية بالمصنوعات الغربية، فلم يبق أمامها غير السوق المحلية، وهي سوق في غاية الضعف كما قلنا بالنسبة للفقر الشنيع الذي تعيش فيه أغلبية الشعب، ونتيجة هذا أن الصناعة (وما يتبع الصناعة من أعمال تجارية ومرافق عمرانية) لا تنمو في مصر ألا في بطئ هو أشد من البطيء الذي ينتشر معه التعليم
وعلى ذلك فنحن نرى أن السبب العميق لظاهرة المتعلمين العاطلين بالنسبة لمصر هو هذا الفقر الساحق الذي تعيش فيه غالبية الشعب
ولسنا من المدافعين عن مناهج التعليم في مصر؛ ولكنا لا نرى في عيوب هذا التعليم السبب الأساسي في عدم اشتغال الشبان المتعلمين بالأعمال الحرة. فالواقع المشاهد أن هؤلاء الشبان لا يترددون عن الاشتغال بأي عمل منتج؛ وقد رأينا من حملة الشهادات من يبيع أوراق النصيب في الشوارع، ولكن الأعمال الحرة في مصر - بحالتها الاقتصادية الراهنة - مكتظة بالمشتغلين بها، وشوارع المدن الآن ليس فيها مكان لحانوت جديد، ولن يتسع المجال أمام الأعمال الحرة إلا إذا اتسعت الحركة العمرانية، أي إلا إذا نفذت وسائل الحياة الحديثة إلى الريف ونشأت فيه مدن جديدة، وهذا كله موكول بالتقدم الصناعي وارتفاع مستوى المعيشة بين الفلاحين والعمال
ويهمنا الآن أن ننبه إلى الصلات الاقتصادية التي تربط مشاكل الفلاحين، ومشاكل العمال، ومشاكل العاطلين من عمال ومتعلمين. فمن فائدة العمال أن ترتفع أجور الفلاحين حتى تروج تجارة المصنوعات وتزداد حاجة أصحاب المصانع إلى العمال فترتفع أجورهم. ومما يودي العمال المنشغلين أن يوجد إلى جانبهم عمال متعطلون؛ لأن الخوف من البطالة يضطر العمال إلى القبول ما يعرضه أصحاب المصانع من أجور مهما انحطت. وما يقال عن العمال يقال عن المتعلمين العاطلين وعن صغار الموظفين؛ فالمصانع تحتاج إلى خريجي المدارس كما تحتاج إلى عمال؛ والتقدم في الإنتاج الصناعي يفتح الأبواب للكثير من الأعمال الحرة أمام المتعلمين، ووجود عدد كبير من المتعلمين العاطلين يخيف
المستخدمين في المصارف والمتاجر وغيرهم ويضطرهم إلى الإذعان لاستبداد الرؤساء وإلى القناعة بالدون من المرتبات
وإذا كانت مصالح الفلاحين والعمال وصغار المستخدمين والعاطلين من متعلمين وعمال مترابطة كما نرى من هذا التحليل، فمما يؤسف له أنه لم يظهر حتى الآن اتجاه نحو توحيد الصفوف بين هذه الطبقات. فما زال العمال بعيدين عن التفكير في حال الفلاحين؛ وما زال صغار المستخدمين بعيدين عن الاهتمام بالحركة العمالية، بل ما زال المتعلمون العاطلون أفراداً منعزلين لا تربطهم هيئة منظمة، وما زال طلبة المدارس الموشكون على التخرج منصرفين عن دراسة المشاكل الاقتصادية التي تهدد مستقبلهم
ونحن نعلم أن قلوب المتعلمين والعمال العاطلين طافحة بالسخط والحقد، وأن بين العمال نفوساً متوثبة تطلب الجهاد، وأن بين شباب الجامعة عدداً كبيراً من الثائرين الناقمين على الأوضاع الحاضرة؛ ولكن هذا السخط والحقد والتوثب، وهذه الثورة والنقمة لن تنجح في مكافحة الفقر والتعطل إلا إذا انتظمت في جهاد يقوم على خطط مدبرة محكمة
ونحن نعلم أن هناك عقبات كثيرة تقوم دون ظهور حركة منظمة بين الفلاحين؛ ولكن ظهور هذه الحركة (وقد ظهر مثلها بين فلاحي الهند) غير مستحيل إذا تضافرت جهود الشباب المتعلم والعمال مع الفلاحين في هذا الكفاح.
والطبقات التي تؤذيها الأوضاع الاقتصادية الحاضرة تكون الأغلبية الساحقة من الشعب المصري؛ وما دمنا نعيش في نظام ديمقراطي، فإن من الممكن لهذه الأغلبية - إذا وحدت صفوفها - أن يصبح لها يوماً حزب سياسي مستقل قوي يعمل على تحقيق مصالحها
فمسألة الفقر في مصر لن تحل بجهود منعزلة يقوم بها أفراد لا يفكرون إلا داخل حدود حياتهم الضيقة؛ فقد ينجح فلاح صغير - لظروف شاذة - في أن يصبح مالكا صغيراً، وقد ينجح عامل في أن يستولي على مصنع حقير، وقد ينجح بعض المتعلمين العاطلين في الحصول على عمل مكان آخرين مطرودين. . . ولكن هذا كله لن يغير شيئاً في حال ستة ملايين فلاح ومليوني عامل وعشرات الآلاف من المتعلمين العاطلين. . . ولن ينجح أفراد في تغيير أوضاع اقتصادية تقوم على حمايتها سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية منظمة.
ولا تحل مشكلة الفقر بسياسة الإحسان؛ فلن تنجح هذه السياسة - إذا نجحت - إلا في
تحويل الشعب المصري إلى أمة من الشحاذين المستكينين الصاغرين. . . يقبلون أيدي الأغنياء ويدعون بطول العمر للمستفيدين الرابحين من بقاء الأوضاع الاقتصادية الحاضرة. . .
ولا تحل مشكلة الفقر بالبحث عما يسميه الأستاذ العقاد (حقائق جامحة) و (حقائق كابحة)؛ فأغلب الظن أن هذه الحقائق عند العقاد ليست إلا انعكاساً من موقف التردد عند الطبقة البورجوازية المصرية، التي ترى ضرورة الإصلاح، ولكنها تخاف في نفس الوقت من كل دعوة إلى إصلاح عميق. . . وهو موقف تشترك فيه البورجوازية المصرية مع البورجوازية الغربية، ونرى صداه في تفكير الكثيرين من الكتاب الغربيين المعاصرين الذين يقرأ لهم العقاد
وإنما تحل مشكلة الفقر بجهاد مشترك منظم يساير نهضة البلاد ويتمشى مع قوانينها وتقاليدها. والله الهادي إلى أقوم طريق.
رمسيس يونان
7 - مدن الحضارات
في القديم والحديث
للأستاذ محمد عبد الغني حسن
أما الآية الكبرى الباقية في قرطبة شاهداً على ما كان للعرب فيها من عمارة وهندسة فهي الجامع الكبير أو المسجد الجامع الذي بناه عبد الرحمن الداخل في موضع كنيسة للنصارى عوضهم عنها أرضاً واسعة ومالاً كثيراً. وطراز هذا المسجد على غرار المسجد النبوي الذي بناه الوليد بن عبد الملك بالمدينة المنورة.
وقد وصفه (لابورد) في كتابه (صفة أسبانيا) وذكر أن طوله 620 قدماً وعرضه 440 قدماً. ونقل دوزي عن لابورد هذا الوصف. أما المستشرق بروفنسال صاحب كتاب (إسبانيا الإسلامية في القرن العاشر) فقد ذكر أن طوله 180 متراً وعرضه 130 متراً
وفي كتاب الحلل السندسية للأمير شكيب وصف مفصل لهذا المسجد، كما افاض الوصف فيه البتانوني صاحب رحلة الأندلس
وتمتاز كتابات الأمير الجليل بالتحقيق والتدقيق والشرح التفصيل والتعليق على كل مشهد والتحليل لكل حادثة؛ فهو لا يكتفي بأبعاد المسجد التي ذكرها دوزي ولابورد والبارون شاك ولكنه يسأل دليله في قرطبة المهندس هرناندز وأحد الموكلين بالجامع والقيام عليه، فذكر له أن طول المسجد 175 متراً وعرضه 125 متراً وذلك قريب مما ذكره بروفنسال
وعلى كل حال لا تخلو الروايات التاريخية المختلفة من اختلاف بينها على سعة هذا المسجد وأبوابه ومحاريبه وسواريه وثرياته ونقوشه ورقومه وصناعات قبلته وفرجة محرابه وقسيه وعمده
وينقل صاحب نفح الطيب عن الإدريسي كلاماً في وصف هذا المسجد، إلا أن النسختين الباريسية والاكسفوردية من كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريسي جاء فيهما ما يخالف ما رواه صاحب نفح الطيب. ولعل ذلك من أخطاء النسخ وعدم تحري الدقة في النقل، وخاصة فيما يتعلق بذكر الأرقام والإحصاء، وهذا مشاد كثيراً لمن يكثر المطالعة في كتب الأدب والتاريخ
وأعجب ما في هذا المسجد مئذنته، وقالوا لم يكن في مآذن المسلمين ما تعدلها، فبلغ طولها
إلى مكان وقوف المؤذن 54 ذراعاً، والى أعلى الرمانة الأخيرة 73 ذراعاً، وعرضها في كل تربيع 18 ذرعاً
وقد حول نصارى أسبانيا هذا المسجد إلى كنيسة بعد أن دخلت الأندلس في حوزة الفرنجة. وما تزال النقوش العربية العجيبة الشبيهة بالمخرم (الدنتلا) تزين وجهته وعلى الباب الكبير المصفح بالنحاس رسم القوم صلباناً بعد أن تم التحويل إلى كنيسة. وبقية المئذنة على حالها؛ إلا أن النواقيس أصبحت ترم فيها بعد الأذان والتكبير، وما تزال الآيات القرآنية الكريمة مكتوبة في دار القبلة والمحراب بالخط الكوفي. أما القبة الضخمة التي كانت قائمة فوق المسجد على 365 عموداً من المرمر، فقد أزيلت وأزيل معها 163 عموداً كما أزيل بعض سقف المسجد المحلاة بالأطلية الجميلة والليقة الذهبية؛ ونهب الفرنسيون في غارة نابليون الأول على إسبانيا أربعمائة مصباح من الفضة الخالصة. ولا تنس أن جميع خشب هذا المسجد من عيدان شجر الصنوبر الطرطوشي الذي تضرب به الأمثال في الصلابة والثبات
ويذكر الإدريسي أن بمسجد قرطبة مصحفاً يقال أنه عثماني. ويروي صاحب نفح الطيب الخبر عن الإدريسي، ثم يرويه في العصر الحديث الأمير شكيب صاحب الحلل السندسية، ويذكر أنه المصحف الذي خطه بيمينه عثمان بن عفان رضي الله عنه وفيه نقط من دمه، ولكن البتانوني يناقش هذه الرواية في تحقيق علمي، وينفي عقلاً أن ينتقل مصحف عثمان الأصلي من المدينة إلى الأندلس
وإذا ذكرت قرطبة، ذكرت بجانبها (الزهراء) التي بناها أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر، ولم يكتمل بناؤها ألا في عهد ابنه الحكم؛ وقد شرع الناصر في بنائها على بعد أربع أميال من قرطبة مرضاة لمحظية له كان اسمها زهراء
ويروي المقري عن ابن الفرضي انه كمل للناصر بنيان القناة الغريبة الصنعة التي أجراها وجرى فيها الماء العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربي قرطبة في المناهر المهندسة، وعلى الحنايا المعقودة يجري ماؤها بتدبير عجيب وصنعة محكمة إلى بركة عظيمة عليها أسد عظيم الصورة، بديع الصنعة، شديد الروعة، لم يشاهد أبهى منه فيما صور الملوك في غابر الدهر، يدخل الماء إلى جوف الأسد ويخرج من عجزه إلى تلك
البركة في منظر يعجب الناظر ويبهره. . . فتسقى من هذا الماء الممجوج رياض القص وجنائنه على رحبها، ويجوز الفضل من ذلك الماء إلى النهر
ويبدع الواصف لهذا القصر - سواء كان المقري أو أبن الفرضي - في وصفه سطحه الممرد المشرف على الروضة ووصف مرمره المسنون، وذهبه المصون، وعمده ونقوشه وبركة وحياضه وتماثيله. وكان يخصص لبحيرة الزهراء كل يوم أحمال وأوزان من اللحم والخبز المصنوع من الحمص الأسود غذاء لحيتانها وأسماكها. . .
وهنا تعمد الرواية التاريخية إلى الإغراق في المبالغة والمغالاة في الإحصاء والأرقام مما لا حاجة بي إلى ذكره في هذا المقام. وهي مبالغة تدل على شيء كثير من الحق، وتصور لنا هذه القصور والدور في صورة نستطيع أن نتخيلها لا بحقائقها ولكن بما أضفي عليها من تهويل وإغراق
وكان الرخام يجلب إلى الزهراء من قرطاجنة وأفريقية وتونس، واشترك في وضع الرخام ولصقه علي بن جعفر الإسكندراني. ولعله اجتلب من الإسكندرية خاصة لذلك
وازدهرت (الزهراء) في عصر الناصر ازدهاراً كاد يضيع من مكان قرطبة ومحلها. وشغل الناصر نفسه بالبناء والعمارة وإتقان القصور، وزخرفة المصانع في الزهراء حتى عطل شهود الجمعة ثلاث جمع متواليات، مما جعل القاضي العادل والواعظ الناصح منذر بن سعيد يعرب بأمير المؤمنين مبتدءاً الخطبة بقوله تعالى:(أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم مخلدون) ومذكراً فيها بالدنيا الزائلة والحياة الفانية، والدار الباقية والموت المفاجئ، والقدر المواتي، مما أبكى الناصر وأحنقه على منذر لشدة وعظه وغلظة تقريعه
وكان منذر بن سعيد هذا يكثر تعنيف الخليفة الناصر على اهتمامه بالبناء إلى حد كاد ينسيه أمور دينه، وشؤون آخرته. ويروي المقري عن الحجازي في كتاب (المسهب في أخبار المغرب) أن منذراً هذا دخل على الناصر يوماً وهو مكب على الاشتغال بالبنيان فوعظه، فرد عليه الناصر قائلاً:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها
…
من بعدهم فبألسن البنيان
أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم
…
ملك محاه حوادث الأزمان
إن البناء إذا تعاظم شأنه
…
أضحى يدل على عظيم الشان
ولا يدري الراوي إن كان هذا الشعر الناصر أم مما تمثل به في هذا المقام
لقد شهدت قرطبة منذ الفتح العربي إلى أيام المنصور بن أبي عامر في أواخر القرن الرابع الهجري كثيراً من نواحي الجلال التاريخي، فبقيت زهاء ثلاثة قرون تتمتع بحكم مستقر، وملك وطيد وعمارة وبناء، ويسر ورخاء؛ إلى أن نكبت في النصف الأول من القرن الخامس الهجري الحوادث الجسام وخاصةً في زمن المستعين بالله سليمان وفي دولتيه اللتين مكثتا ست سنين وعشرة أشهر، وهي تلك المدة التي يصفها أبن بسام صاحب كتاب الذخيرة ناقلاً عن أبن حيان قوله، وكانت كلها شداداً نكدات، صعاباً مشئومات، كريهات المبدأ والفاتحة قبيحات المنتهى والخاتمة، لم يعدم فيها حيف ولا فورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فقد محذور، مع تغير السيرة، وخرق الهيبة، واشتعال الفتنة، واعتلاء المعصية، وظعن الأمن، وحلول المخافة
وشهدت قرطبة أيضاً الفتنة في زمان المستظهر، وحبسته الشنيعة في أتون الحمام حين قام الدائرة في وجهه وزرقوه وهم يسبونه، فارتد على عقبه وترجل عن فرسه وتجرد من ثيابه حتى بقي في قميصه واستخفى في أتون الحمام ففقد شخصه، ثم أخرج في قميص مسود بحال قبيحة حيث قتل أمام أبن عمه المستكفي. . .
وشهدت قرطبة في سنة 414 هـ ثورة لتعويل أهلها على رد الأمر لبني أمية الذين اغتصب سلطانهم بنو حمود، وبايعوا المستظهر الأموي الذي قتله حفيد الناصر وجلس على العرش باسم المستكفي بالله - وهو والد ولاّدة الشاعرة الأندلسية المشهورة - ثم قتل المستكفي وجاء بعده - بعد فتن وحوادث - المعتمد بالله آخر ملوك بني أمية بالأندلس
ظلت قرطبة منذ الفتح العربي مقصد أهل العلم وطلاب الأدب، يفدون إليها انتجاعاً للعلم أو طلباً للحكمة كما كانت بغداد والقاهرة في المشرق. ويذكر القاضي صاعد الأندلسي أن أبن البغونش الطبيب الحكيم الأندلسي رحل من طليطلة إلى قرطبة لطلب العلم بها
ولم لا تكون قرطبة مقصد العلماء والشداة من أهل الحكمة والمعرفة والنظر والفلسفة، وقد كان من أهلها الطبيب الفلكي الفيلسوف يحيى بن يحيى المعروف بابن السمينة، والرياضي الحكيم أبو القاسم مسلمه المعروف بالمرحيطي. وكان من تلاميذه أبن السمح وأبن الصفار
والزهراوي والكرماني وأبن خلدون (غير المؤرخ صاحب المقدمة). وكان أبن السمح السالف الذكر من أهل غرناطة، ثم وفد على المرحيطي في قرطبة لأخذ الرياضة والحكمة عنه
كما كان من أهلها الكرماني أحد الراسخين في علم العدد والهندسة، والذي قال عنه تلميذه أبن حيي المهندس الفلكي (أنه ما لقي أحداً يجاري في علم الهندسة ولا يشق غباره في فك غامضها وتبين مشكلها واستيفاء أجزائها)
ومنهم الفيلسوف أبن رشد أبو الوليد الذي اشتغل بالرياضة والفلسفة والطب والتشريح وقام: (من اشتغل بعلم التشريح ازداد بالله إيماناً)، وترك من الكتب القيمة عدة صالحة تجد ذكرها في ترجمته في طبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة
كما وفد على قرطبة من أهل المشرق أحمد بن يونس الحراني وأخوه عمر وغيرهما
وكان ضياع قرطبة - فيما ضاع من الفردوس الإسلامي - سبباً في إثارة شاعرية كثير من شعراء المراثي للممالك والدول كابن الأبار القضاعي صاحب كتاب التكملة الذي قتل قمصا بالرماح سنة 658 هـ وأحرقت أشلاؤه والذي يقول في رثائه لمدينة بلنسية:
يا للجزيرة أضحى أهلها جَزراً
…
للحادثات وأمست جدها تعسا
في كل شارقة ألمام بائقة
…
يعود مأتمها عند العدا عرسا
وكلِّ غاربة احجافُ نائبة
…
تثني الأمان جذاراً والسرور أسى
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم
…
ألا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها (وقرطبة)
…
ما يذهب النفس أو ما ينزف النّفَسا
وفي قرطبة يقول صالح بن شريف الرندي المعروف بأبي البقاء وهو خاتمة شعراء الأندلس وأدبائها:
وأين (قرطبة) دار العلوم فكم
…
من عالم قد سما فيها له شأن؟
والحق أنه يسأل حيث لا جواب ولا كلام؛ ولله سبحانه البقاء والدوام.
(الحديث موصول)
محمد عبد الغني حسن
4 - المصريون المحدثون
شمائلهم وعاداتهم
في النصف الأول من القرن التاسع عشر
تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين
للأستاذ عدلي طاهر نور
وفي بعض المنازل توجد حجرة أخرى تسمى (مقعد) - كما مر بك في شكل 4 - ترتفع عن الطابق الأرضي نحو ثماني أقدام أو عشر وتستعمل كالمنضرة، وهي ذات واجهة مكشوفة لها عقدان أو أكثر ودرابزون منخفض. كذلك يوجد في الطابق الأرضي مكان مربع يسمى (تختبوش) له واجهة مكشوفة يتوسطها عامود يحمل الجدران العليا، وأرضية هي ليوان مبلط عليه مقاعد خشبية طويلة يسمى الواحد منها (دكة) تصف على جانب واحد أو على جانبين أو على الجوانب الثلاثة. وكثيراً ما يرش الحوش أثناء الصيف بالماء حتى تصبح الغرف المحيطة به (أو على الأقل غرف الطابق الأرضي) لطيفة الحرارة. أما تأثيث الغرف فعلى الطريقة السابق وصفها وبين الغرف العلوية الخاصة بالحريم يوجد غالباً غرفة تسمى (قاعة)، كما ترى أمامك في (شكل 12)، وهي عالية بصفة خاصة، ولها ليوانان، واحد على كل جانب، أحدهما أكبر من الأخر. وفي سطح هذه القاعة قسم يعلو الدرقاعة مرتفعاً عن بقية السقف على شكل قبة، يتدلى في وسطه مصباح صغير يسمى (ممراق) ذو جوانب من خشب المشربية
والدرقاعة هنا كثيراً ما تكون من غير فسقية؛ وغالباً تبلط على مثال المنضرة (المنضرة)، وعلى مثالها أيضاً يوجد في القاعة صفة جميلة ودواليب ذوات حشوات دقيقة الصنع، فضلاً عما في هذه الغرفة وفي غيرها من رفوف خشبية ضيقة تمتد على طول حائطين، أو على طول الحوائط الثلاثة التي تحد الليوان مرتفعة حوالي سبع أقدام أو أكثر عن الأرض فوق الدواليب تماماً. ويوضع فوق هذه الرفوف أوان خزفية هي للزخرفة أكثر منها للاستعمال العام. وكل الغرف تعلو إلى أربع عشرة قدماً أو اكثر، ولكن القاعة أكبرها وأعلاها، وهي تعد في المنازل العظيمة غرفة استقبال جليلة
وفي كثير من الغرف العلوية في بيوت الأغنياء يوجد فضلاً عن الشبابيك نوافذ أخرى من الزجاج الملون بمثل باقات من الزهر وطواويس ورسوما أخرى ذات زخرفة مرحة فاخرة، أو نماذج خيالية ذات أثر في النفس لطيف. وتلك النوافذ الملونة الزجاج يطلق عليها لفظ (قمرية)، ارتفاعها يتراوح بين قدم ونصف وبين قدمين ونصف، وعرضها من قدم إلى قدمين؛ وهي تصف بطول القسم الأعلى من مشربية النوافذ البارزة، أو يعلو بعضها هذه المشربيات بحيث تكون مربعاً كبيراً، أو توضع في أي مكان في أعلى الجدران منفردة أو مزدوجة كل زوج بجانب الأخر. وهذه النوافذ الزجاجية تتكون من قطع صغيرة من الزجاج المختلف الألوان، المثبتة بالجص في إطار من الخشب. وكثيراً ما تزين حيطان بعض الغرف بصور غليظة للمسجد الحرام، أو قبر الرسول (صلعم)، أو لبعض الزهور، أو لموضوعات أخرى يصورها صناع الوطنيين المسلمين الذين يجهلون القواعد الأولى للرسم النظري، فيشوهون هكذا ما يحاولون أن يزينوه. وفي أغلب الأحوال تعمل هذه الرسوم الملطخة إرضاء لذوق الأتراك الرديء. وقلما يوجد نظيرها فيما بني على الطراز العربي الجميل، وأحياناً تزين الحوائط بعبارات عربية من حكم وغيرها تكتب على ورق بخط جميل، ثم توضع في أطر مجهزة بألواح زجاجية. وليست هناك غرفة خاصة تؤثث للنوم: فالسرير يطوى أثناء النهار ويوضع على جانب، أو في غرفة ملحقة تسمى (خزنة) تعد للنوم في الشتاء. وفي الصيف ينام الكثيرون في أعلى المنازل. ويغطى الجزء المرتفع من الأرضية المبلطة بالحجر بحصير أو بساط ويوضع فوقها ديوان، وهذا هو الأثاث الكامل للغرفة.
وعند تناول الطعام يؤتى بصينية مستديرة توضع فوق كرسي منخفض، ويجلس الآكلون حولها على الأرض. وليس هناك موقد؛ وإنما تدفأ الغرفة بفحم الحطب الذي يحرق في مجامر. ولكثير من المنازل عند القمة مسقط منحدر يسمى (ملقف) ويكون غالباً من ألواح خشبية أو من خشب وقصب، ويغطى في الحالة الأخيرة بالجص ويبيض من الداخل والخارج، وفتحته تتجه نحو الشمال أو نحو الجنوب ليدخل النسيم البارد الذي يهب من هاتين الجهتين إلى (فسحة) - غرفة مفتوحة - سفلى، وهناك عادة فسحة قبل مدخل كل غرفة أو أكثر من الغرف الرئيسية، فيها يجلس أفراد العائلة أو ينامون صيفا. . .
ويجهز كل باب بقفل خشبي يسمى (ضبة) كما ترى في (شكل 13)؛ ورقم 1 من هذا الشكل هو منظر أمامي للضبة والمزلاج مسحوب للوراء. أما الأرقام 2، 3، 4 فهي مناظر خلفية لأجزاء القفل كل على حدته وللمفتاح. وفي رأس الضبة مسامير صغيرة (أربعة أو خمسة أو أكثر) تسقط في ثقوب مقابلة لها في المزلاج المتحرك كلما دفع إلى المهج. وفي المفتاح أيضاً مسامير مطابقة لتلك الثقوب تدخل فيها فترفع المسامير الأولى وحينئذ يمكن سحب المزلاج للوراء فيفتح القفل. ويبلغ طول قفل باب الشارع أربع عشرة بوصة تقريباً. وأبواب الغرف والدواليب الخ. من سبع إلى تسع بوصات تقريباً. أما أبواب الحارات والمباني العامة فأقفالها من النوع نفسه، ولكن طولها غالباً قدمان أو أكثر. وليس من الصعب فتح هذا القفل
ويلاحظ أن رسم أكثر المنازل يعوزه النظام. فالغرف مختلفة الارتفاع بحيث يجب على الإنسان أن يخطو عدة درجات عندما ينتقل من غرفة لأخرى ملحقة بها. وغاية المعماري الأولى هي جعل المنزل خاصاً بقدر الإمكان، وخصوصاً قسم الحريم؛ فيشيد المنزل بحيث لا تطل النوافذ على غرف منازل أخرى. ويراعي المعماري غرضاً آخر في بناء منازل الموسرين والعظماء وهو أن يجعل للمنزل باب سر يستطيع الساكن أن يهرب منه في حالة الخطر، أو يمكن العاشقين المرور منه. ومن الشائع أيضاً بناء مكان لإخفاء الكنوز يسمى (مخبأ) يكون في جانب من المنزل. وفي حريم المنازل الكبيرة حمام يسخن على طريقة الحمامات العمومية
وقد أشرت إلى طراز معماري آخر على الطريقة التركية جرى عليه الأغنياء أخيراً في بناء منازلهم وتلك المنازل لا تختلف كثيراً عن تلك التي سبق وصفها ما عدا النوافذ. فهي في الغالب يوضع بعضها بجانب بعض تقريباً. وعندما تشغل الحوانيت الجزء الأسفل من البناء في شارع ما (كما هو الحال في شوارع العاصمة الكبيرة، وفي بعض الشوارع الصغيرة) يقسم البناء العلوي عادة إلى مساكن منفصلة يطلق عليها اسم (ربع) وتلك المساكن ينفصل بعضها عن بعض، وكذلك عن الدكاكين تحتها، تؤجر للعائلات التي لا تقوى على دفع إيجار منزل بأكمله. وكل مسكن في الربع يحتوي على غرفة أو غرفتين للجلوس والنوم، وعلى مطبخ ودورة مياه. ويندر أن يكون للمسكن مدخل من الشارع على
حدته، فليس هناك إلا مدخل واحد وسلم واحد لعدة مساكن. والغرف في الربع تشبه غرف الدور الخاصة السابق وصفها. وهي لا تؤجر أبداً بفرشها. ومن النادر أن يسمح للأعزب أو الجارية بالسكن في تلك الربوع أو في أي مسكن خاص. ومثل هذا الشخص، ما لم يكن يعيش مع أبويه أو مع أقاربه المقربين، يضطر إلى السكن في وكالة (خان)؛ وهي بناء مخصص لاستقبال التجار وإيداع بضائعهم
وفيما عدا العاصمة وبعض المدن الأخرى، قلما توجد منازل كبيرة أو جميلة. أما مساكن الطبقات السفلى وخصوصاً طبقات الفلاحين فيبدوا عليها الفقر المدقع. فأكثرها مبني باللبن والطين وبعضها ليست إلا أكواخاً عادية. ومع ذلك فأغلبها يحوي غرفتين أو أكثر بالرغم من أن القليل منها يتألف من طابقين. ويوجد في مساكن فلاحي الوجه البحري، في غرفة ما، (فرن) في الطرف الأقصى من المدخل شاغلاً عرض الغرفة كلها، وهو عبارة عن دكة من الطوب والطين لا يزيد ارتفاعها على صدر الإنسان، سقفها مقوس في الداخل ومسطح عند القمة. ويندر أن يمتلك الفلاحون لحافاً يلتحفون به في ليالي الشتاء، فينامون كلهم على سطح الفرن بعد أن يوقدوا فيه ناراً، أو يتمتع بهذا الترف الزوج وزوجته، بينما يفترش الأطفال الأرض. وفي الغرف فتحات صغيرة مرتفعة يدخل منها النور والهواء وتشبك أحياناً بقضبان خشبية. وتكون السقوف من جذوع النخل وتغطى بالجريد والسعف وسيقان الذرة، وتكسى بطبقة من الطين والتبن. ولا يتعدى أثاث المنزل حصيرة أو حصيرتين للنوم، وبعض أوعية من الفخار، ورحاً لطحن الحبوب. ويلاحظ أن في كثير من القرى أبراجاً للحمام كبيرة مربعة الشكل مع ميل خفيف في جدرانها نحو الداخل (مثل كثير من مباني قدماء المصريين)، أو على شكل قالب سكر، تبنى على أسطح الأكواخ باللبن والفواخير والطين. وأكثر قرى مصر يقع على أطلال مرتفعة بحيث لا تصل إليها مياه الفيضان. وتحيط بها أو تجاورها أشجار النخل. وهذه المرتفعات تتكون عادة من بقايا أكواخ سابقة أو مدينة قديمة، ويبدو أنها تزيد بقدر ما يزيد مستوى الوادي من الرواسب وبقدر ما يزيد مجرى النهر
(يتبع)
عدلي طاهر نوري
ليالي قاهرة
خائن!. . .
للدكتور إبراهيم ناجي
اللَّيَاليِ! ياَ ماَ أَمَرَّ اللَّيَاليِ!
…
غَيَبَتْ وَجْهَكَ الْجَمِيلَ الْحَبِيباَ
أَنْتَ قَاسٍ مُعَذِّبٌ لَيْتَ أَنِّي
…
أَسْتَطِيعُ الْهَجْرانَ وَالتعْذِيِباَ
إِنَّ حُبِّي إِلَيْكَ بالصَّفْحِ سَبَّا
…
قٌ وَقَلْبِي إِلَيْكَ مَهْماَ أُصِيباَ
ياَ حَبيِبي كاَنَ اللقَّاَء غَرِيباً
…
وَافْتَرَقْنَا قَباَتَ كُلٌ غَرِبياَ
غَيْرَ أَنِّي أَسْتنَجْدُ الدَّمْعَ لَا أَلْ
…
قَي مَكانَ الُّدمُوِع إِلاَّ لَهِيباَ
آهِ لَوْ تَرْجِعُ الدُّمُوعُ لِعَينِي
…
جَفَّ دَمْعي فَلَسْتُ أَبْكي حَبيباَ
أَنْتَ مَن بَدَّلَ الوُجُودَ لِعَينِي
…
أَنتَ صَيَّرتَهُ جَمَالاً وَطِيباَ
أَنتَ مَنْ بَدَّلَ السَّماََء لعَينِي
…
أَنتَ صَيَّرتَهاَ ابتِسَاماً رَحِيباَ
أَنتَ ياَ رِقَّةً تُذِيبُ الْقُلُوباَ
…
وَتُذيبُ الصَّخْرَ الأصَمَّ المذُيباَ
غَيْرَ أَنِّي إِليْكَ جِئْتُ مِنَ اللَّيْ
…
لِ وَقَدْ حَانَ للِدُّجى أَن أَؤُوبَا
إبراهيم ناجي
كنت أهواك
للأديب محمد قطب
كنت أهواكِ خاطراً في شعوري
…
وخيالاً يجول في تفكيري
كنت أهواك (فكرةً) ذات حسن
…
ورواء، رفاَّفةً في ضميري
كنت أهواك لا كحب الأناسيِّ
…
فما كنتِ غير روح طهور
كنتِ روحاً مرفرفاً في خيالي
…
بجناحين من نقاء ونور
كنتِ معنىً مِنِّي أراك بروحي
…
في ثنايا عواطفي وشعوري
كنتُ ألقاك حين أسمو بنفسي
…
عن دُنَى الناس لُطَّخت بالشرور
ولقد طالما هبطتُ إلى الأر
…
ض فأعليتنيِ لوادي النور
حيث نرتاده خِفافاً من القي
…
د وتنساب كانطلاق الطيور
حيث ننسى ضآلة الأرض إذ تج
…
معنا وحدةُ الوجود الكبير
ونحس الحياة خلداً جميلاً
…
رائق الصفو كالسنى، كالعبير
كان هذا متاع قلبي وفكري
…
كان فيه سعادتي وسروري
لقد كنتِ أنت معنى من السحر
…
طليقاً في عالمي المسحور
كنت سراً أرتاده في ضميري
…
وضمير الحياة خلف الستور
فإذا ما لقيته طرت نشوا
…
ن بهذا اللقاء جد فخور!
إنما اليوم أنت عقل وجسم
…
رابض جاثم بغير طفور
أنت في الأرض تثقلين انطلاقي
…
وتَمُدِّينَنيِ كقيد الأسير
وتريدين لي حياة ظلام
…
في نظام محدد مكرور
ما حياة الأجسام؟ ما (واقع) ال
…
عقل؟ سوى عالم من الديجور
كنت أهواك حين كنتِ خيالاً
…
وانطلاقاً في عالم مذخور
كنت أهواك هل ترى كان هذا
…
ماضياً؟ يا لشقوتي وكفوري!
كيف أحيا وأنت لست بدينا
…
ي تضيئينها بنور غزِير؟
وتبثين في فنوني حياة
…
وتمدينها بخصب وفير؟
سوف أهواك فكرة ذات حسن
…
ورواء، رفافة في ضميري
سوف تبقين في فؤاديَ ذكرى
…
لهوى مشرق وعهد نفير
محمد قطب
ثورة!.
. .
للأديب عبد الرحمن الخميسي
مَاذا تُرِيدُ الزَّعْزَعُ النَّكْبَاء
…
مِنْ رَاسِخٍ أَكتَافُهُ شَمَّاءُ؟
تَتَكَسَّرُ الأحْدَاثُ تَحْتَ يِميِنِهِ
…
وَتَمِيدُ مِنْ صَرخَاتهِ الغَبْرَاءُ
وَيُمَزِّقُ الظُّلمَاتِ عَنْ فَجْرٍ لَهُ
…
فِيهِ حَيَاةٌ عَذْبَةٌ وَرَجَاءُ
وَيُدَكُّ بِالإيماَنِ كلَّ كَرِيهَةٍ
…
وٍتَمَلُّ مِنْ أَوْصَاِلهِ الأدْوَاءُ
وَيُشاَرِفُ النَّجْمَ الرَّفيعَ جَبيِنُهُ
…
وَتَبُثُّهُ إِلهامَهَا الَجوْزَاءُ
وَيَبيتُ يَنْفُثُ قَلْبَهُ في شَدْوِه
…
فِلَذاً تَهِيمُ بِصَوْغِهَا الشعَرَاءُ
في كَفَّهِ قَدَرٌ كَنيِنٌ تَرْتمي
…
مِنْ حَوْله الأَهْوَالُ وَالأرْزَاءُ
وَعَلَى يَدَيْهِ مِنَ الصِّرَاعِ دِمَاء
…
وَبِناَظَرِيهِ تَمَرُّدٌ وَإِبَاء
وَبِأَصْغَرَيْهِ ثَوْرَةٌ هَوْجَاءُ
…
تَنْهَارُ فيِ تَيارِهَا البُرَحَاء
الشَّوْكُ يا كمَْ دَاسَهُ مُسْتَهْزِئاً
…
وَمَشَى تُزَمْجرُ فَوْقَهُ الأنْوَاء
وَالنَّارُ يَعْبُرُهَا فَتَسْكُنُ رُوحَهُ
…
لَكِنَّهَا فيِ رُوِحِه أَنْدَاء
وَالصَّعْبُ تمْحَقُهُ خُطاَهُ وَلَا تَني
…
تَجْتَازُهُ مَاَ مَسَّهَا الإعْيَاء
مَاذا تُرِيدُ الزَعْزَعُ النَّكْبَاء
…
مِنْ رَاسخٍ أَكتَافُهُ شَمَّاءُ
سَأَرُدُّهَا مَدْحُورَةً مَجْنُونَةً
…
تَعْوِي فَتُعْوِلُ حَوْلَها الأَجْوَاء
وَأَعِيشُ كالْبُركانِ أقْذِفُ مِنْ فَميِ
…
حُمَماً تَمُوتُ بِنَارِهَا الأعْدَاء
وَأُحِبُّ نَفسِي وَحْدَهَا فَهْيَ التي
…
لِلْحُبِّ فيها حُرْمَةٌ وَفَضَاء
وَأَضُمُّ هَذَا الكَوْنَ لي وَحْدِي ففي
…
ذَاتيِ لهُ تَسْبِيحَةٌ وَغِنَاء
هَذِي الْحَياةُ جَمِيَلةٌ بِشُرُورِهَا
…
وَنَقَائَهَا مَعْشُوقَةٌ حَسْنَاء
وَلقَدْ خُلِقْتُ لِكيْ أَعِيشَ وَيَنحَني
…
مِنْ حَوْلَي الإصْبَاحُ وَالإِمْسَاء
أَسْتقْبِلُ الفَجْرَ الوَدِيعَ مُغَرِّداً
…
وَتَلفِني مِنْ آيِهِ الأضْوَاء
وَأوَدِّعُ اللَّيْلَ البَهيمَ تَضِيء ليِ
…
مِنْ حُجْزَتَيْهِ شعْلَةٌ حَمْرَاء
وَأَكُونُ كالإعْصَارِ أَعْصِفُ بالّذِي
…
يَعْتَاقُنيِ وَتَهَابُنيِ الأعْبَاء
في قَبْضَتِي قَبَسُ يُنيُر مَسَالِكي
…
نَحْوَ الرَّعَانِ وَغَايَتِي الْعَلْياَء
تَتَجَدَّدُ الرَّغَبَاتُ في نَفْسِي كما
…
تَتَجَدَّدُ الأَكْوَانُ وَالأَحْيَاء
أَنَا ذَلِكَ الْجَّبارُ لا تَعْنوُ لَهُ
…
إِلا المَصَائِبُ وَالْمُنَى الْقَعْسَاء
الْبَابُ تَقْرَعُهُ رِيَاحُ مُلِمَّةٍ!
…
مَاذَا تُريدُ الزَّعْزَعُ النَّكْباَء
(القاهرة)
عبد الرحمن الخميسي
البريد الأدبي
من جديد
يقول الأستاذ الجليل (ا. ع) إن قول بعضهم: (من جديد) إنما هو تركيب غير عربي (مما جناه جهلة المترجمين، وأن كتابنا وبلغاءنا قبلوه من غير تفكير ولا بحث فوشج بلغتنا)
ثم هو يدعم حجته برد هذا التعبير إلى اللفظة الإنجليزية:
ولكني وجدت الحسن بن رشيق القيرواني (390 - 463هـ) قد أورد هذا التعبير في شعره، إذ أثبت المترجم له في مقدمة كتابه - العمدة - قوله في إحدى قصائده:
قد أحكمتْ مني التجار
…
بُ كل شيء غير جودي
أبداً أقول: لئن كسب
…
تُ لأقبضنَّ يديْ شديد
حتى إذا أثريت عُد
…
تُ إلى السماحة من جديد
فيتضح من ذلك أن التعبير قديم الاستعمال، أو هو - على الأقل - لا ينتمي إلى التعبير الإنجليزي الحديث في شيء نعم أن ابن رشيق ممن لا يحتج بكلامه، ولكن ورود هذا التركيب في شعره مما ينفي عنه تهمة (الترجمة الخاطئة) ويميل بنا إلى الجزم بانتمائه إلى العربية الصحيحة، فما رأي أستاذنا الجليل (ا. ع) في ذلك؟
(جرجا)
محمود عزت عرفة
1 -
فرية قتل الإمام الشافعي
نشر بعضهم كلمات في (جريدة الأهرام) يؤيدون فيها خبر أن الإمام الشافعي مات مقتولاً، ورد بعضهم ذلك، وإني مثبت هنا ما يستبين منه كذب هذا الخبر. قيل أن أشهب المالكي ضرب الشافعي فشجه فمرض حتى مات. وقيل إن الذي ضربه هو فتيان المالكي: أما نسبة ذلك إلى أشهب ففرية صريحة، وإن ذكرها الشمس البرماوي من غير سند، بل هذا لا يصدر من عالم قطعاً، على ما حققه العلامة ابن حجر العسقلاني في (توالي التأسيس). وأن نسبتها إلى فتيان فإنك أيضاً. قال الحافظ بن حجر في كتابه المذكور:(لم أره من وجه يعتمد)، وقال العلامة أبو عبد الله الراعي في كتابه (انتصار السالك) (لم يصح ولم يرد من
وجه يعتمد عليه)
وفي الخبر نفسه ما ينقض عزو ذلك إليه، لأنه عاش سنة كاملة بعد وفاة الشافعي، ومات حتف أنفه سنة 205، فلو كان قتله بمفتاح حديد - كما قيل - لما وني الوالي (وهو السري ابن الحكم) عن الاقتصاص منه، لأنه كان قد عزره تعزيراً شديداً لما بلغه أنه سب الأمام الشافعي في مناظرة بينهما، فكيف لو قتله؟!
وإنما هي أفائك مكشوفة من دعاة الفتنة، يعكرون بها صفو الإخاء بين المذاهب. ولم يقع من صميم رجال المذاهب ما يشين ناصع أعمالهم في دور من أدوار التاريخ مطلقاً؛ وإنما ذلك من المتطفلين البعيدين عن الفقه وأهله. ومرض الشافعي بالباسور الشديد متواتر الخبر بأسانيده في (توالي التأسيس) وغيره.
2 -
جميل نخلة المدور
قال الأستاذ محمد عبد الغني حسن (في العدد 426): أما نسبة جميل نخلة المدور إلى العراق فهي شائعة عندنا في مصر. والحق أني لم أقرأ ترجمة لهذا الباحث العظيم
وفي (الأعلام للأستاذ الزركلي) ترجمة موجزة له نتعلل بها إلى أن يسمح الأستاذ البحاث كوركيس عواد بترجمة مبسوطة: جميل بن نخلة المدور (1279 - 1325 للهجرة): متأدب، من أهل بيروت، وسكن مصر فتوفى فيها، اشتهر بكتابيه (حضارة الإسلام في دار السلام) و (تاريخ بابل وأشور)، وكان الشيخ إبراهيم اليازجي يصحح له ما يكتبه. وفي أصحابهما من يرى أن (حضارة الإسلام) لليازجي، وأنه نحله جميلاً في أيام ادقاع الأول وإثراء الثاني.
أحمد صفوان
(تصويب): وقع في كلمتي في العدد (426) غلطتان
مطبعيتان، صوابهما:(الهذلي) و (البطليوسي)
تصويبات سريعة
عرض الأستاذ وجدي في الجزء السابع من مجلة الأزهر لبعض كتب النبي صلى الله عيه
وسلم والردود عليها واستهل مقاله بأنها كانت في السنة السادسة من النبوة، ثم شك في ردود ثلاثة مستدرجاً في شكه حتى أنكرها وسماها مفتريات ساذجة. وإحقاقاً للحق وإنصافاً للسيرة والتاريخ - نشير في هذه العجالة إلى الصواب؛ ونهيب بالأستاذ وهو رجل مسئول أن يعطي السيرة بعض عنايته واهتمامه حتى لا يورط القارئ في مهاوي الشكوك بعد:
1 -
الصواب أن إرسال الكتب كان في السنة السادسة من الهجرة والتاسعة عشر من النبوة
2 -
وأن هرقل والمقوقس كانا يعلمان من الكتب القديمة أن نبياً سيظهر. وموضوع التبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم معروف مستفيض جاء به القرآن الكريم وغيره مما لا يدع مجالاً لشك الأستاذ ولا استبعاده. وإنما لم يذعنا له خوفاً على الملك والسلطان، ولا عبرة بتصديق لا إذعان معه ولا إسلام
3 -
ثم حسبك دليلاً على إسلام النجاشي أصحمة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعاه، وصلى عليه صلاة الغائب، وأنه أكرم المهاجرين إليه في الهجرتين إكراماً، وأنه زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان وأصدقها عنه أربعمائة دينار، فكيف تنكر بعد هذا إسلامه وتستبعد رده بشبهة ظهور الصنعة فيه؟ ولئن سلمنا هذه الصنعة إن الرد مترجم قطعاً. وللمترجم أن يتصرف في الألفاظ ما شاء ما دام أميناً على المعنى حفيظاً عليه
هذه تصويبات خاطفة ومن ابتغى المزيد فليرجع إلى السيرة الحلبية، والى كتاب الجنائز في البخاري، والى شرح المواهب اللدنية ص346 ج3. وكفى بهن دليلاً
طه محمد الساكت
المدرس بمعهد القاهرة
إلى الدكتور زكي مبارك
الحسن والفضل منفوسان على أصحابهما. لهذا ما تراني في هذه الكلمة متصدياً للرأي الطريف الذي ارتأيت في أحد (شجون الأحاديث) التي تحدث قراءك كل أسبوع في الرسالة الغراء. إن للأفكار الحسان عشاقاً يحومون حولها كما يحوم حول الحسان من بنات حواء كل عاشق ولهان. فاسمح لي إذاً أن أحوم قليلاً حول ما ارتأيت من رأي في حديث (ما
علمتني الأيام).
ارتأيت ألا يبدي أحداً رأياً في مسائل الأخلاق والدين والاجتماع إلا مكتوباً، فيأمن مغبة التزيد الشنيع الذي يتزيد بعض خساس الناس على الأحاديث ترسل إرسالاً في المجالس والنوادي والمجتمعات. وذلك أن الكلمة المكتوبة، خلافاً للكلمة الملفوظة، لا تقبل التزيد ولا التحريف المقصود، أو غير المقصود، وإن ركب أحد المعاندين المكابرين رأسه وحاول أن يزيد أو ينقص أو يحرف فيما كتبت ونشرت، فأنت بما تملك من سلاح المنطق والرجوع إلى الحقائق والاحتكام إلى الرأي العام خليق أن ترده إلى محجة الصواب أو تلقمه حجراً إن كان لا يسد فاه إلا حجر. ولا أنكر أن للرأي قوته وإغراءه وللنصيحة ما تستأهله من إصغاء تام، لا سيما وهذه الأيام هي الأيام التي تروج فيها سوق الرواة المتزيدين المحرفين المشنعين. ولكن، ولا بد من لكن هنا، هل ينجو صيارفة الفكر وصاغة الكلام من مساوئ التشنيع والتزيد والتحريف لو اعتصموا بالصمت ولاذوا بالسكوت كما تنصح لهم أن يفعلوا يا دكتور؟! أما أنت فقد أجبت جواب الموقن أنه ما على المرء لينجو من مساوئ التزيد والتحريف إلا أن يطبق شفتيه ويطلق قلمه ينقل إلى القارئين آراءه وأفكاره فلا تعبث بها الأهواء الخبيثة والذواكر العابثة. أما أنا، وأني على أشد اليقين مما أقول، فلا أرى الاعتصام بالسكوت في النوادي والمجالس الخاصة أو العامة منجياً من أذى التزيد والتشنيع لسبب واحد بسيط يكاد لبساطته وشيوعه لا يخفى على أحد: فقد تنجح في أن تروض نفسك على ألا تبدي رأياً في شؤون السياسة والدين والاجتماع إلا مكتوباً، ولكن ما حيلتك في هذا النفر الذين لا يعنيهم أن يسمعوا رأيك خارجاً من شفتيك أو مدوناً في صحيفة أو كتاب فيمضون يشيعون أنك قلت كيت وكيت وارتأيت زيت وزيت؟
هذا شيء، والشيء الآخر وجوب الكلام أننا قد نفيد في عرض أفكارنا على غيرنا قبل إثباتها على الورق فائدة التمحيص لهذه الأفكار وإزالة الفضول، فنعدل عن الفكرة الجائرة، وتعدل الفكرة الحائرة ونثبت على الفكرة الصائبة
وشيء ثالث أن كثيراً من المفكرين لا يجدون الوسيلة إلى التدوين، أما لأنهم خطباء مرتجلون أو لأنهم لا يجدون الصحيفة تنشر لهم ما يرتأون، فهل يصمت هؤلاء أو يتكلمون؟!
بناءً على هذه وبناءً على أن الله خلق الحنجرة والشفتين واللسان قبل أن يخلق الورق والمداد والأقلام وحتى لا تصبح المجالس والنوادي ميادين تتبارى فيها فنون الملق والتدجيل والرياء أرى أن يتكلم كل ما أطاق لسانه وحنجرته الكلام، ولكن في حدود اللياقة والمنطق والاحتشام
هذا ولما كان الحديث ذا شجون فقد استرعى انتباهي من شجون حديثك ما ارتأيت من أن الكفايات يجني بعضها على بعض، وهي قولة حق يحس صدقها كل من عانى التعبير عن هواجس النفس وخوافي الحس بطريق غير الطريق الذي اعتاده؛ ولكن هذا لا يعني أن نخضع للأمر الواقع ونترك هذه الكفايات يبتلع بعضها بعضاً حتى لا تبقى إلا الكفاية الواحدة تستبد بصاحبها أبلغ الاستبداد، ولا تدع له أن يقول قولاً أو يبدي رأياً أو يدون هاجسة من هواجسه إلا عن طريقها وبأسلوبها، وقد يكون بين الكفايات المكبوتة ما هو أولى بالبروز وأخلق بالرعاية وأحق بالترويض من الكفاية التي زاحمت ما عداها من الكفايات فزحمتها وردتها ذليلة مقهورة. ثم يجب ألا يفوتنا أن الممارسة والمران كفيلان بأن يزيلا عن الكفاية المكبوتة ما قد بحسه صاحبها من العسر عند أول ما يحاول استغلالها. فالكفاية العالية المهملة كالجواد الكريم طال ارتباطه وحرم أن يسعى أو يجول في طريق أو ميدان، فيجد راكبه صعوبة في تصريفه أول الأمر، ولكنه لا يلبث طويلاً حتى يعود إلى ما هو خليق بالعتق والأصل الكريم من التبريز في غير عسر ولا عناء.
أديب عباس