الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 428
- بتاريخ: 15 - 09 - 1941
أحاديث التلاميذ المصريين
يوم العودة إلى المدارس
(لكاتب كبير)
في أكثر البلاد الأوربية والأمريكية يكون (يوم العودة إلى المدارس) يوماً خفيف الظل، لطيف الروح، وهو عند تلاميذ تلك البلاد أجمل أيام العام الدراسي الجديد، ولكن ما سر الجمال في ذلك اليوم؟ أيكون في تنسم أرواح المدرسة من جديد، ولها في قلوب أكثر التلاميذ مكان؟ أيكون في تسلم الكتب الجديدة، ولها جاذبية يتشوق إليها عقلاء التلاميذ؟
لا هذا ولا ذاك، فهنالك عذوبة تفوق هذين المعنيين الكريمين، وهي عذوبة الأحاديث التي يتجاذبها التلاميذ، وهم يقصون أخبار الصيف وما وقع لهم فيه من نوادر وطرائف، وما شاهدوا فيه من غرائب وأعاجيب. . . إي ولله، فهنالك لذة طبيعية، هي لذة الحديث عما رأينا وسمعنا في أيام الراحة من متاعب الدروس، وهي لذة لم نذقها ولم يذقها أبناؤنا ولا تلاميذنا، ولن يلتفت إليها المربون المصريون إلا يوم يؤمنون بأنها تصنع في خلق الحيوية الذوقية والروحية ما تعجز عنه المدارس والمعاهد والكليات.
فماذا يقول التلاميذ المصريون بعضهم لبعض يوم يلتقون في مطلع العام الراسي الجديد؟ وما هي موضوعات الأحاديث التي يتجاذبونها في ذلك اليوم؟
الواقع يشهد بأننا لم نبذل جهداً قوياً أو ضعيفاً في تلوين البلاد المصرية؛ فلم ننشئ فيها غابات، ولم نلتفت إلى ما بها من بحيرات، ولم نحاول تشويق أبناءنا وتلاميذنا إلى درس ما فيها من نبات وحيوان، ولا فكر جماعة منا في إعداد المناهج لأيام الصيف، وهي في مصر أطيب الأيام، وإن تعرضت لوهج القيظ من حين إلى حين
الحق أننا لا نفكر في حقوق الأبناء والتلاميذ. . . وهل نفكر في أنفسنا حتى نفكر فيهم؟ إن عيشنا رتيب رتيب، وأكثرنا يقضي أيام الإجازة على النحو الذي يقضي به أوقات الفراغ في موسم الأعمال، فلا ينتقل من بلد إلى بلد، ولا يتيح لعينيه فرصة التطلع إلى منظر جديد، وكذلك نحبس أبناءنا في بيوتنا أيام الصيف. إلا أن نتلطف فنسمح لهم بالتجول في رحاب تلك البيوت، ثم تكون النتيجة أن يلقوا رفاقهم يوم افتتاح العام الدراسي وليس عندهم ما يتحدثون به غير المغامرات الصبيانية، وهي لا تخرج عن التغزل المزيف أو الصحيح
بخادمات الجيران!
أنا أريد أن يلقى التلميذ رفاقه في مطلع الخريف وعنده أشياء يحدث بها أولئك الرفاق؛ كأن يقول إنه قضي أياما أو أسابيع في رحلات طريفة تعرف بها إلى بعض خصائص هذه البلاد، وكأن يقول إن (بحيرة قارون) لها تاريخ لم تظفر بمثله (بحيرة التمساح)، وكأن يقول إنه عجب من الأقدار التي فكرت منذ الأزل في تهيئة الوسائل لإقامة خزائن أسوان، وكأن يقول إنه عرف بالضبط مواطن اللولبيين، وكان لهم تاريخ في مناوشة قدماء المصريين، وكأن يقول إنه عرف المسجد الثاني، وهو المسجد الذي بني بعد المسجد الجامع بمدينة الفسطاط، وكأن يقول إنه عرف الموجب الذي قضى بأن تكون هناك منافسات ظاهرة أو خفية بين أهل الشمال وأهل الجنوب
أريد وأريد، ولكن المدرسين والآباء يصدونني عما أريد
فإن اعتذر الآباء بشواغلهم اليومية، فما أعذار المدرسين ولهم مواسم يرون بها مع تلاميذهم ما يشاءون، ولو كانت لهم عيون؟!
وهل لحاضرات المدرسين عيون وأكثرهم يقضي الإجازات في رحاب القهوات؟
وما قيمة المدرس الذي لا يجد ما يحدث به تلاميذه عن مشاهداته في أيام الصيف؟ ما قيمة العيون البليدة التي لا تتطلع إلى الجديد من مشاهد الوجود؟
ولكن ما الوجوب لإيذاء المدرسين بهذا الهجوم العنيف وهو عضو في الأسرة المصرية، وهي أسرة لا تفكر في إعداد ميزانية لأيام الإجازات؟
أيام العمل مرجعها إلى البيت، وأيام الراحة مرجعها إلى البيت، وأيام المرض مرجعها إلى البيت، ولو أبيح لهؤلاء أن يقبروا في بيوتهم لعدوا ذلك من دلائل التوفيق؟
فيا بني آدم، من أهل هذه البلاد، تذكروا إن المثل المصري يقول:(الحركة بركة) وتذكروا أن لأبنائكم منافع من التعرف إلى أقاليم النيل السعيد، إن كانت لكم غاية في تثقيف أولئك الأبناء؟
ماذا يقول المدرس لتلاميذه يوم العودة المدرسية،
وماذا يقول التلاميذ بعضهم لبعض في ذلك اليوم؟
ضرب حجاب الغفلة على أولئك وهؤلاء، فلن يجدوا غير الحديث عن صفارات الإنذار
وأسعار القطن وغلاء الأقوات وهو حديث معاد لا تنشرح لسرده القلوب
لأولئك وهؤلاء أن يعتذروا بعجزهم المادي عن مشاهدة بعض الأقطار الشرقية أو الغربية، فما عذرهم في العجز عن مشاهدة الأقاليم المصرية؟
أيريدون أن تقوم وزارة المعارف بتكاليف تلك الرحلات؟
كنت أرجو أن يكون في أنفس المدرسين والتلاميذ ما يوجب جوب الأقاليم المصرية مشياً على الأقدام ليعرفوا كيف يكون (طولها شهرا وعرضها عشر)، كما قال عمرو بن العاص، ولكن. . . ولكن أبناء هذه البلاد مصريون لا أعراب!
تحركوا قليلاً، يا أبناء مصر، فالحركة في أسوأ أحوالها أفضل من السكون، لأن الحركة حياة والسكون موت، أعانني الله وإياكم على التخلق بأخلاق الأحياء
كاتب
الحديث ذو شجون
للدكتور زكي مبارك
(الإسلام الصحيح - القدوة الصالحة أنفع من البرهان - مناجاة
روحية - عجز المدنية الأوربية عن إقراء السلام لا يجب أن
بصرفكم عن فهم روحها الأصيل. . .)
الإسلام الصحيح
رجاني الأستاذ أحمد كامل مدرس علم النبات في مدرسة مشتهر الزراعية أن أجيب عن أسئلة وجهها إلي حضرة الأديب تادرس مسيحية وكيل بريد أخطاب، والأسئلة تدور حول التعريف بالإسلام الصحيح
ويظهر إن هذه الأسئلة وجهت من قبل إلى حضرة الباحث المفكر الأستاذ فريد وجدي، كما وجهت إلى بعض الوعاظ، وإلى أحد الأساتذة بكلية أصول الدين
ويظهر أيضاً إن صاحب الأسئلة رجل قد أطلع على كثير من المباحث الإسلامية، فخطابه يشهد بأنه قرأ بعض التفاسير، ونظر في بعض المذاهب، وكون لنفسه فكرة واضحة وغامضة عن العقيدة الإسلامية، بحيث يستطيع المجادلة في كثير من المسائل التي يدور حولها الخلاف بين المسيحيين والمسلمين
ويظهر كذلك إنه يتوهم إن الإجابة عن أسئلته ضرب من المستحيل، وإلا فكيف جاز له أن يتحداني فيقول: هذا موطن الشجاعة إن كنت من الشجعان؟!!
وأجيب بأن هذه الأسئلة ترجع إلى غرضٍ من أثنين:
الأول هو الرغبة في درس بعض المشكلات الدينية، والثاني هو الشوق إلى فهم أسرار العقيدة الإسلامية. فإن كان الحافز هو الغرض الأول، فأنا غير مستعد للمشاركة في هذا الجدال، فقد علمتني التجارب إن المجادلة التي تقع بين رجلين من دينين مختلفين، تنتهي غالباً إلى تعميق هوة الخلاف، ولا تجني منها غير ثمرة الفرقة والشقاق، إلا أن نكون وصلنا إلى أشرف الغايات في التفاهم العلمي، وذلك غير مضمون، ما دام الجدل قد انتقل إلى الجرائد والمجلات، فقد ينقلب الجدل إلى لجاجة من حيث لا نريد
وإن كان الحافز هو الشوق إلى فهم أسرار العقيدة الإسلامية فأنا أرجو حضرة السائل أن يراعي المسائل الآتية حين ينظر في الكتب التي تشرح أصول الدين الإسلامي:
أولاً: لا يجوز القول بأن الإسلام مسؤول عن جميع ما سطر باسمه عن حسن نية من أقوال بعض الوعاظ والفقهاء، حتى يجوز اتهامه بقبول الأباطيل والأضاليل، كالذي يقع في كلام أهل الغفلة عن روح الإسلام، وهو من أوهامهم براء
ثانياً: لا يجوز الاعتماد على ما قاله بعض أئمة المسلمين في ساعة غضب، كالذي نقله الأديب تادرس مسيحية عن الشيخ محمد عبدة إذ يقول:(لو أخذنا مسلما من شاطئ الأطلنطي، وآخر من تحت جدار الصين، لوجدنا كلمة واحدة تخرج من أفواهها وهي: إنا وجدنا آبائنا. . .)
فتلك كلمة قالها الشيخ محمد عبدة في ساعة من ساعات غضبه على من كان يناوئه من رجال الدين بلا فهم ولا إدراك، وإلا فهي كلمة مفترا على المسلمين، وفيهم ألوف الألوف من أهل البصيرة واليقين.
ثالثاً: يجب أن يكون مفهوماً أن تقاليد الإسلام تعرضت لما تعرضت له تقاليد سائر الديانات من التشويه والتحريف، فمن الظلم أن يؤخذ الإسلام بعبارات دونت في عصور الظلمات، ولو نسبت إلى بعض الأكابر من العلماء.
رابعاً - مرت أوقات على الباحثين من المسلمين وهم لا يفطنون إلى اخطر التساهل في سرد الظنون والفروض، ولو عقلوا لأدركوا أن التساهل ستكون له عواقب سود، كأن يصبح حجة ينتفع بها خصوم الشريعة الإسلامية، وهم قد انتفعوا بما في بعض التفاسير من أباطيل.
خامساً - يجب أن نفهم أن الإسلام قد سيطر على كثير من أمم المشرق والمغرب، وهذه السيطرة نفعته من جانب وأضرته من جانب: نفعته لأنها كانت شاهدا على قوته الذاتية، وأضرته لأنها كانت السبب في مزج روحه الأصيل بأوشاب الآراء الموروثة عن تلك الشعوب؛ فمن العدل والإنصاف أن ننزه الإسلام عما أضيف إليه بسبب الغفلة أو بقصد التضليل
سادساً - قد اختلف المسلمون أنفسهم لأسباب عنصرية أو سياسية؛ وكان من نتائج هذا
الاختلاف أن يتأثر المؤلفون بالنزعات العنصرية والسياسية وهي نزعات توجب على الباحث أن يحترس ويحتاط، حتى لا يحمل الإسلام ما لا يطيق، ولو كان من غير المسلمين، لأن نزاهة الحكم واجبة على الجميع
سابعاً - لم يغفل أكابر المسلمين عما أضيف إلى الإسلام من الأباطيل، فكل اعتراض له دفع، وكل شبهة لها تفنيد، فإن رأيت ما يسوءك من كلام بعض الوعاظ أو بعض الفقهاء فارجع إلى ما دحض به على ألسنة الموهوبين من أهل الإسلام الصحيح، وذلك في مقدورك إن أردت الاهتداء
ثامناً - بيننا وبين ظهور الإسلام نحو أربعة عشر قرناً، فحدثني أيها المنصف، حدثني كيف تمر هذه القرون بدون أن تجنى على ذلك الدين بالتحريف والتزييف؟ وهل سمعت برأي عاش أربعة عشر عالما بدون أن يتعرض للمسخ والتشويه؟ فكيف يعيش دين أربعة عشر قرناً وهو في أمان من أهل التزيد والافتراء، وله ملايين من الخصوم والأعداء، فضلاً عما له من الأصدقاء الجهلاء؟!
إذا صح هذا - وهو صحيح صحيح - فكيف يؤخذ الإسلام بآراء مدخولة أملاها الحقد الأسود، أو صاغها التودد إلى بعض الوثنيات البوائد في الممالك الآسيوية والأفريقية والأوربية في عصور غاب عنها الناقد الرشيد؟!
تاسعاً - المصدر الأصيل للعقيدة الإسلامية هو القرآن، فماذا في القرآن من اللبس والغموض؟ وماذا فيه مما يوجب الشك والارتياب؟
في القرآن كلمات تحتاج إلى تأويل، لبعد العهد بيننا وبين ظهور القرآن، وأنا حاضر لتأويل تلك الكلمات، على شرط أن يكون مناظري طلاب فهم وحق، لا عشاق لجاجة وعناد
عاشراً - عاش الإسلام نحو أربعة عشر قرناً برغم القوا صف والعواصف والأعاصير؛ وأنشئت في دحضه وتزيفه ألوف الألوف من الخطب والرسائل والقصائد والمؤلفات، فهل يتصور عاقل أن الباطل تكون له مثل هذه القوة العاتية؟
إن كان للباطل مثل هذه الصلاحية للبقاء فسأغير رأيي، وسأقول إن الثبات على الخطوب من صور الحق الغلاب، ولو قيل في معنى الثبات ما قيل (بغض النظر عن عقيدتي الصوفية في الأنس بجميع صور الوجود)
والإسلام باقي، ولم يبيد أبداً، لأن روحه مقبوسة من جمر الخلود
القدوة الصالحة أنفع من البرهان
ويرجوا الأديب تادرس مسيحية أن أقنعه بمزايا الإسلام ليسلم. وأقول: إن الكمية لا تهمني ولو كان الأمر بيدي لشذبت الإسلام من بعض الغصون الطفيلية، فما انتصر الإسلام بالأرقام وإنما انتصر بالمعاني، وهذا الأديب قد وعد بمتابعة ما أكتب في هذا الموضوع الدقيق، فليتدبر هذا القول:
لا ينتقل الرجل من دين إلى دين بفضل الحجج والبراهين إلا في حالة التجرد من مستور النوازع والأهواء، ولو كان الناس يصغون في كل وقت إلى صوت العقل لأراحوا كواهلهم من ألوف المتاعب والصعاب
فلم يبق إلا باب واحد من أبواب الهداية، وهو القدوة الصالحة، القدوة التي تخلق الجاذبية الروحية فتنقل القلب من مكان إلى مكان بلا دعوة ولا نداء
وهذه القدوة هي التي استطاعت في الأزمان الماضية أن تحول جماهير الأقباط إلى الإسلام عن رغبة صحيحة وقلب سليم
وكان للأقباط الذين أسلموا فضل كبير في إذكاء الروح الإسلامي بالديار المصرية. فكان منهم نوابغ في الفقه والتوحيد، استطاع جماعة منهم أن يصلوا إلى أعظم المناصب الإسلامية بجدارة واستحقاق، وليس أمام الإخلاص مستحيل
وما أحب أن أكتم رغبتي الشديدة في وحدة الأمة المصرية من الوجهة الدينية لتنعدم أسباب الشقاق الذي يثور من وقت إلى وقت، ولنقضي على الفتنة التي تهددنا من حين إلى حين باسم الأكثرية والأقلية، وهي فتنة لا ينتفع بها غير الأعداء.
ولكن هذا الغرض لن يتحقق في عام أو عامين، فماذا نصنع إلى أن تريد المقادير أن يتحقق؟
نعتصم بالأخوة الوطنية فلا يبغي بعضنا على بعض، ولا يأثم فريق في حق فريق بسبب اختلاف الدين
والأخوة الوطنية تحتاج إلى حراسة قوية، وهي لا تقوم إلا على قواعد من الأخلاق الصحاح. والخلق الصحيح يوجب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. ويوم نتحلى بهذا الخلق
تنعدم الفوارق أو تكاد بين المختلفين في الدين، ويشعر المسيحي في مصر بجاذبية نحو الإسلام، وهي الحجر الأول في بناء الإخاء
وهنا شبهة يجب عرضها بلا مواربة لنعرف كيف نهدمها من الأساس، وهي الشبهة التي تصيح وتصرخ في كل يوم بأن اختلاف له دخل في المشكلات المعاشية المتصلة بالوظائف الرسمية
وأساس الشبهة أن المتعلمين من الأقباط كانوا قبل عشرين سنة يجدون الوظائف بلا صعوبة، وهم اليوم لا يجدون وظائف إلا بمشقة وعناء
هذا حق، ولكن تعليله سهل، فالمتعلمون قبل عشرين سنة من المسلمين والأقباط كان عددهم أقل من عدد الوظائف، فكان الشاب المتعلم يجد وظيفة تريحه من هموم البطالة، ولو كان من حملة الشهادة الابتدائية
أما اليوم فعدد الوظائف أقل من عدد المتعلمين، وهي أزمة تواجه المسلمين بأكثر مما تواجه الأقباط؛ بسبب النسبة العددية؛ والشبان الأقباط يعرفون هذا الأزمة بلا جدال، والشكوى لا تصدر عنهم، وإنما تصدر عن آبائهم الذين نشأوا في عهود الرخاء، فهم يظنون أن التعصب الديني هو الذي ضيق ميدان الوظائف، ولا يدرون أن قانون العرض والطلب هو الذي خلق ذلك الضيق
وإنما نصت على هذه الشبهة لأنها موجودة بالفعل، ولأن أذاها يواجهنا في كل يوم، ولأن التحرر منها يبدد غيوماً تعكر سماء هذه البلاد، بدون أن يكون للمسلمين يد في حوك ظلالها السود
الشاب القبطي قد يتجاهل الواقع فيعلل نفسه بأنه مضطهد لقبطتيه، فكيف أعلل الظلم الذي أعانيه منذ أعوام طوال واسمي محمد ورئيسي اسمه محمد؟
وأنا بعد هذا أرجو أن يفتح الله علينا جميعاً فلا نعاني أزمات هذا الزمان، ولا يفسد ما بيننا بسبب المعاش، وهو غاية ثانوية في حيوات أصحاب المبادئ والآراء
أتراني أجبتك بصراحة وصدق، يا وكيل البريد في أخطاب؟
مناجاة روحية
كدت أعرف بعض الخصائص التي يمتز به فلبي وروحي لطول ما أجهدت نفسي في
التعرف إلى ما ينطوي عليه القلب والروح من أسرار وغرائب وأعاجيب، وقد كنت أخشى أن ينقضي العمر قبل الظفر بذلك المطلب المنشود
وأظهر ما عرفت به تلك الخصائص هو الشوق إلى إدراك سرائر الوجود، بما فيه من النقائض لمن يجهل ما أقيم عليه من الأساس، كأن يجتمع فيه البغض والحب والدمامة والجمال
وأعجب العجب أن يصح عندي أن ليس في الدنيا شر بالمعنى المعروف لهذا اللفظ، فما مرت بي أزمة إلا أحمدت عواقبها، وعددتها من فضل المنعم الوهاب، ولا تنكر صاحب أو صديق إلا كان ذلك التنكر فرصة لدرس أهواء النفوس والقلوب
وأعجب من هذا أن تكون الوشايات والنمائم والأراجيف مصدر قوة واستعلاء، فما أذكر أبداً أني تهيبت أقوال الناس، أو نصبت لأوهامهم أي ميزان، إلا أن يلتفت ذهني إلى الاستفادة من ذلك في أبواب التعليم والتثقيف
وأنا أبتسم كلما ناسا يتوهمون أن في مقدورهم أن يأمروني فأطيع، كأنهم يجهلون أني أؤرق جفونهم عامداً متعمداً ليعرفوا كيف الاستصباح بظلام الليل، وليهتدوا إلى السر المكنون في سواد المداد
والحق كل الحق أني رجل طيب القلب، وتلك الطيبة هي سر شقائي بالناس، فأنا أريد أن أرفع الغشاوة عن قلوب أهل الجمود، ولن ترفع تلك الغشاوة بغير مشرط يؤلم ويوجع، وإن كان لا يريد غير النفع الصحيح
ولو كانت غايتي من حمل راية القلم هي الانتفاع المادي لسلكت سبيلاً غير هذا السبيل، فللأقلام ميادين تصل بأصحابها إلى الثراء العريض، ولكن أين هذا مما أريد؟ وما قيمة الدنيا وأمعائي لا تتسع لغير وجبة واحدة في كل يوم، وما أراد الله أن أعرف مهني الظمأ والجوع في غير المعنويات؟
غايتي الأصيلة هي رفع الغشاوة عن قلوب الجامدين من أبناء هذا الجيل. والجهاد في طب القلوب قد يفضل الجهاد في طب العيون
فما ذلك الصراخ الذي ينبعث من بعض الجرائد والمجلات؟
وما بال قوم يشهدون على أنفسهم بالضجر من كلمة الحق، وكان الظن أن يكونوا رسل
هداية وتوفيق؟
وما بال فلان يحشد جيشاً من الثرثارين لإيذائي، ولي عليه فضل سيذكره صاغراً أمام العزة والجبروت، إن كان لمثله يوم البعث مكان؟
أما بعد، فما أردت بهذه الكلمات غير المناجاة الروحية، وأناجي روحي فأقول:
من أي جوهر صاغك الله، أيها الروح، وقد بقيت سليما على رغم ما اعترض طريقك من ألوف الصعاب والعراقيل؟
واجهت بلادك وزمانك بكل ما تريد بلا تهيب ولا إشفاق، وبغي عليك الأصدقاء قبل الأعداء، ثم بقيت رحيما بالعدو، وبرّاً بالصديق، كأنك لم تدرك ما بيت أولئك وهؤلاء
من أي جوهر صاغك الله، أيها الروح، وقد غلبت من من غلبت وقهرت من قهرت، مع الترفق الشديد بصرعاك؟
يمر بك المناضلون مرور الطيف العابر فلا يبقون غير لحظات ثم يختفون، وإن كان مرورهم أعنف من الكابوس الثقيل؛ ثم تبقى أنت في سنة 1941 كما كنت في سنة 1919 ولا يكون لمناضليك غير الازدهاء بأنهم ساجلوك ساعةً من زمان، وذلك حظهم في هذه الدنيا من أصول التشاريف
أيها الروح، صاغك الله كما أراد، فله الحمد وعليه الثناء
أسرار المدينة الأوربية
لم تمر على أوربا أزمة أقسى وأعنف من الأزمة التي عانتها في العامين الأخيرين، فقد اندحرت ممالك كنا نرى اندحارها من المستحيلات، واستطالت شعوب لم نكن ننتظر أن تستطيل وصح عند الأكثرين أن المدينة الأوربية أفلست كل الإفلاس، بعد خيبتها في إقرار قواعد العدل والسلام
وأقول إنه يجب أن ندرس أوربا من جديد، وأن نستعد لدفع شرها كل الاستعداد، فمن الظاهر أن طمع طغاتها لن تكون له حدود، وأن عللونا بمعسول الأماني والمواعيد
وآفتنا منذ أزمان هي الغفلة عن مرامي المدينة الأوربية، وفهم ما تقوم عليه من قواعد وأصول، وقد نعرف ثم نكتم ليصح وفاؤنا للشرق، كأن من الحرام أن ندل قومنا على مصادر الحيوية في أقطار الغرب!! وهناك آفة أفظع وهي غفلة بعض من عاشوا في أوربا
عن التعرف إلى مواهبها العلمية والروحية والاقتصادية والحربية، فأنا أعرف شخصاً عاش في تلك البلاد سبعاً وعشرين سنة ثم عاد وهو لم يتغير ولم يتبدل، ولم يعرف من خريطة البلد الذي عاش فيه غير خطوط معدومة المدلول، ثم انسجم حين عاد مع بيئته القديمة بلا تحفظ ولا احتراس، وكان الظن أن يغيرها من حال إلى حال، ولكنه عاش في أوربا معصوب العينين فلم يعرف ما فيها من أسرار ليمد قومه حين يعود بزاد جديد
ولهذا الشخص أمثال وأمثال، وجهلهم أو رياؤهم هو السبب في صد مصر عن فهم الاتجاهات السياسية والاقتصادية في البلاد الأوربية
اعرفوا أوربا. اعرفوها. اعرفوها. لتتقوا شرها عن بصيرة وإدراك، واحترسوا ممن يوهمكم أن أوربا ذهبت ولن تعود
أوربا المبلبلة باقية إلى أزمان وأزمان، فادرسوها بعناية لتعرفوا مسالكها الظاهرة والخفية، ولتقفوا على غرضها المستور من التودد إلى أقطار الشرق، فالجسم المزخرف الأملس هو أظهر شمائل الحية الرقطاء، وما قال أحد إنه رأى أنياب الحية إلا بعد التزود من سمها الزعاف. . . والله الحفيظ، وبه نستعيذ
زكي مبارك
كيف يكتب التاريخ
للدكتور حسن عثمان
مدرس التاريخ الحديث بكلية الآداب
- 4 -
جمع المراجع والأصول التاريخية
الخطوة التالية بعد اختيار موضوع البحث التاريخي هي عملية جمع المادة التاريخية عن ذلك الموضوع سواء من المراجع العامة والخاصة أو من المصادر والأصول المطبوعة والمخطوطة، مع جمع ودراسة الآثار والمخلفات التي تتعلق بذلك الموضوع. والمراجع العامة والخاصة تفيد في إعطاء فكرة عامة عن العصر الذي يكون موضوع البحث جزءاً منه. وعدم الاستفادة بما كتبه السابقون يعتبر مضيعة للوقت وإخلالاً بشروط البحث العلمي؛ فينبغي على كل جيل من المؤرخين أن يعرف ما كتبه السابقون، وأن يبدأ حيث انتهوا، وأن يعمل مؤرخ اليوم لكي يمهد لمؤرخ الغد. والمراجع العامة والخاصة تساعد أيضاً في كشف بعض الأصول التاريخية المجهولة وتفتح آفاقاً جديدة للبحث. والباحث الذي يكتب في ناحية من تاريخ مصر في القرن الثامن عشر مثلاً ينبغي أن يدرس بعض المراجع التي تناولت تاريخ مصر منذ أقدم العصور، كما يدرس بعناية المراجع التي تبحث في تاريخها أثناء القرن الثامن عشر، ويطالع ما كتبه الرحالون الذين زاروا مصر من الشرق ومن الغرب، ويدرس ما دونوه من المعلومات والمشاهدات، وذلك لكي يفهم تاريخ العهد المعين الذي يرغب في الكتابة عنه
وكيف يمكن للباحث أن يعرف كل المراجع العامة والخاصة والأصول المطبوعة عن الناحية التي يرغب في دراستها؟ الإحاطة بذلك ليست أمرا سهلاً. ويمكن الباحث في أول الأمر أن يستعين بالاطلاع على بعض المقالات في دوائر المعارف فيعرف بعض المراجع والأصول التي تهمه. ثم يرجع إلى كتب الببليوغرافيات (المراجع) التي تتناول موضوع دراسته. ولقد أصدر الغربيون أنواعاً مختلفة من الببليوغرافيات، فمنها الببليوغرافيات العامة ومنها الخاص بقطر أو بعصر أو بشخصية معينة؛ وبعضها يكتفي بذكر المراجع
والمصادر وأماكن وسني طبعها وعدد صفحاتها؛ بينما البعض الآخر يعطي مذكرات وصفية موجزة عن تلك المراجع والأصول المطبوعة. إنما هذا لا يكفي، لأن كتب المراجع لا تكون وافية في كل الأحوال، وهي في الغالب لا تذكر شيئاً عن المقالات التي تنشر في المجلات التاريخية وهي كثيرة ومتنوعة؛ فمن الضروري إذاً مراجعة فهارس هذه المجلات للإلمام بما كتب فيها عن الموضوع المعين. وكذلك يلزم الباحث أن يراجع فهارس دور الكتب المطبوعة غير المطبوعة. ويجمع الباحث من كل هذه النواحي أسماء المراجع والأصول التي تعنيه؛ ويحسن أن يستعين بعمل فهرس أبجدي على جذاذات من الكرتون ويضع عليها ملاحظاته، وإذا اقتضى الأمر أن يكتب ملاحظات مطولة فليدونها على أوراق خاصة. ثم يبدأ في قراءة الكتب التي يصل إليها ويأخذ منها مذكرات باللغة الأصلية في المواضع الهامة على الأقل، مع وضع أرقام الصفحات؛ ويرجى قراءة الباقي لحين الوصول إليه بتصويره بالفوتوستات أو بالسفر إلى مكان وجوده
ثم تأتي الأصول التاريخية التي لا توجد في أغلب الأحوال كتب ببليوغرافية تدل عليها. ومن هذا النوع نجد الوثائق والرسوم والصور ومخلفات الإنسان. . . والوثائق عبارة عن القوانين والأوامر والمنح والأحكام والفتاوى والعقود والمراسلات والمعاهدات والمذكرات والتقارير. وهي تحفظ في الأصل عند الملوك والأمراء وفي المحاكم والأديرة أو عند الأشخاص العاديين. وليس من الضروري وجود وثائق وافية عن كل حوادث التاريخ؛ فالكثير منها تنطمس آثاره وتزول دلالاته لأنها تتعرض في ظروف مختلفة للتلف والضياع مثل ظروف الثورات أو الحرائق أو الرغبة في التخلص منها وإتلافها عمداً عندما تكون في حوزة من لا يفهم قيمتها التاريخية، أو من يهمه منع تداول معلوماتها بين الناس. وبذلك يضيع الكثير منها بالنسبة للتاريخ؛ وكأن الأفكار والحوادث التي كانت تحملها في طياتها وثناياها لم تكن في الوجود. وعلى ذلك فإن المؤرخ كثيراً ما يجد فجوات في التاريخ لا يستطيع أن يملأها. وستبقى حلقات كثيرة من التاريخ مجهولة إلى الأبد؛ وليس هناك ما يمكن أن يعوض عن ضياع هذه الوثائق؛ وحيث لا توجد وثائق لا يوجد تاريخ. وينطبق ذلك على كل آثار الإنسان
وعملية البحث والكشف عن الوثائق هي أهم عملية أساسية لكتابة التاريخ. وكشف كمية
من الوثائق الهامة عن الموضوع المعين هو الذي يحدد إمكان الاستمرار في بحثه أو العدول عنه إلى غيره. والباحث الذي يكتب التاريخ وقد فاته الوصول إلى مجموعة من الوثائق الأساسية لا يكون لبحثه قيمة علمية مهما كانت كفاءته وقدرته على العمل. والباحثون الأولون في التاريخ قد لاقوا صعوبات جمة في سبيل الوصول إلى الوثائق التاريخية؛ وإذا كانت الحوادث التي قصدوا أن يكتبوا عنها قريبة العهد من العصر الذي عاشوا فيه، فإنهم كانوا يرجعون إلى أقوال بعض الأشخاص الذين شهدوا الحوادث ويوازنون بينها ويستخلصون منها ما يمكن الوصول إليه من الحقائق التاريخية. على أن هذه الطريقة لا تكون سليمة دائما نظرا لتعرض الروايات الشفوية للتغيير والتعديل، والأفكار والآراء والأقوال الشفوية إذا ما دونت أصبحت مسجلة ووقف تغييرها إلى الحد الذي وصلت إليه. فالوثائق ضرورية جداً للعهد القريب من المؤرخ فضلاً عن العهد البعيد عن الزمن الذي عاش فيه. والوثائق في أغلب الأحيان تنتقل بالتدريج من حوزة الأشخاص إلى الأماكن العامة وتحفظ في دور الأرشيف ودور الكتب وفي المتاحف والكنائس
والكثير من الوثائق المحفوظة في الأماكن العامة قد وضع عنها كاتالوجات وفهارس مختلفة؛ إلا إنها في أحوال كثيرة أيضاً لا تزال غي وافية، وأغلبها يكتفي بوضع أرقام مجلدات الوثائق مع بيان الشهور والسنوات التي تتناولها، بدون أن تصف محتوياتها، وهي بين قديم وحديث ومخطوط ومطبوع. كما أنه توجد وثائق في مصر وفي الخارج لم تنظم ولم توضع عنها الفهارس الأولية بعد، وهذه بالنسبة للباحثين تعتبر في حكم المجهولة، ولا يمكن الاستفادة منها قبل تقسيمها وترتيبها ترتيباً أولياً على الأقل، وهذا كله يبين صعوبة البحث عن الوثائق. إلا أن التقدم مستمر في هذا الباب. ولقد وضعت كتالوجات وصفية لبعض نواح من الوثائق في دور الأرشيف بالغرب؛ واهتمت الحكومات الغربية بإرسال بعثات خاصة إلى الخارج لكي تبحث في دور الأرشيف الأجنبية عن الوثائق التي تهم تاريخ بلادها وعندما فتح أرشيف الفاتيكان للباحثين أنشأت كثير من الدول معاهد خاصة في روما لكي يشتغل أعضاؤها بجمع ونسخ ووضع فهارس عن الوثائق التي تهمها في الفاتيكان، فهكذا فعلت إنجلترا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وبلجيكا والدانمرك. . .
وكيف يمكن للباحث المبتدئ أن يشق طريقه في هذا البحر العجاج؟ لا ريب في أن طريق
البحث وعر شاق؛ ولا بد من الصبر والجلد، ويستطيع الباحث أن يتصفح فهارس وكاتلوجات الوثائق التي يظن أنها تحوي شيئاً يعنيه، وبعض هذه الفهارس مطبوع وأغلبها مخطوط. ومن حسن حظ الباحث أن تكون بعض الوثائق اللازمة له قد حصرت ونظمت ووضعت عنها الفهارس. ولكن ستبقى أمامه دائما مناطق مجهولة لا بد من الإقدام على كشفها بنفسه. والباحث عن الوثائق يشبه المنقب عن الآثار الذي يظل سنوات عديدة يبحث في مناطق مختلفة حتى يعثر في النهاية على ما يرضيه ويرضي العالم. ولنأخذ بعض الأمثلة العملية عن جمع الوثائق والأصول التاريخية.
فالباحث في دار المحفوظات المصرية بالقلعة عن تاريخ محمد علي قائد الجند الألباني، بعد رحيل رجال الحملة الفرنسية عن مصر قبيل ولايته حكم مصر، سيجد مادة قد وضعت عنها السجلات الأولية فيستعين بها في فحص بعض دفاتر مرتبات العساكر الألبانيين ابتداء من 1217هـ، وسيجدها مكتوبة بخط القيرمة؛ فلابد من الاستعانة على قراءتها بمن يعرف ذلك الخط، حتى يتعلم البحث قراءته بنفسه. وسيعثر الباحث في هذه الدفاتر على أسم (محمد علي أغاسر جشمهء عساكر أرنؤود) وسيعلم بعض أشياء عن مرتباته وعن تكاليف عساكره. ثم يفحص أيضاً دفاتر (كشيدهء ديوان مصر)؛ ويجد أنها تحتوي على صور فرمانات سلطانية وأوامر باشوية بعضها يخص محمد علي أغا. ثم يبحث بعض الأوراق التركية التي لم يتم وضع سجلات لها، وهي عبارة عن بعض أوامر باشوية أو تذاكر ديوانية خاصة بمرتبات جند محمد علي
وقد يسافر الباحث في ناحية من تاريخ الشام إلى سوريا لمقابلة بعض العارفين بتاريخ البلاد وبدور الكتب بها كالدكتور أسعد رستم فيجده قد أنتقل إلى المصيف، فيتبعه إلى ظهور الشوير ويتحدث إليه طويلاً ويأخذ منه ما يريد. وقد يحاول الاتصال بالأستاذ إسكندر المعلوف فينتقل إليه في زحلة ويستفيد بخبرته ومعلوماته. ثم يقصد دمشق فيجد الأستاذ كرد علي قد غادرها إلى شمال سوريا، وفي انتظاره يجتمع بالأستاذ عبد القادر المغربي وبالأستاذ حسني الكسم فيتحدث إليهما وتنفتح أمامه سبل لم يكن يعرفها من قبل، وبذلك يمكنه الوصول إلى مجموعة من المخطوطات الأساسية التي لم تدرس من قبل
والبحث في أرشيف الحكومة التاريخي في فلورنسا عن تاريخ المصادمات البحرية بين
الأسطول العثمانية وبين السفن التسكانية في القرن السابع عشر مثلاً، يجد في الفهارس والكاتالوجات المطبوعة والمخطوطة بدار الأرشيف بعض ما يفيد في فحص مجلدات خاصة؛ ولكن هذا لا يكفي، بل عليه أن يدرس عشرات من المجلدات في سنوات معينة وفي نواح مختلفة؛ فيفحص مثلاً المجلدات التي تحوي مراسلات ممثلي فلورنسا في الدولة العثمانية، ومذكرات التجار الفلورنسيين، وتقارير رجال سان ستيفانو الواردة إلى حكومة فلورنسا، والتي تحوي أخباراً عن حوادث ذلك الاصطدام. وكذلك يفحص المجلدات التي تضم صور المراسلات الصادرة من حكومة فلورنسا إلى ممثليها في الشرق الأدنى، وإلى التجار الفلورنسيين، وإلى رؤساء وقواد نظام سان ستيفانو. وللغرض نفسه ينبغي أن يفحص أيضاً عشرات من المجلدات عن المراسلات الواردة من صقلية والبندقية وجنوا مثلاً إلى حكومة فلورنسا، والتي تتضمن أخباراً عن هذه المصادمات؛ ثم المجلدات التي تحوي صور المراسلات الصادرة من فلورنسا إلى كل تلك الجهات؛ وينتج عن ذلك المجهود جمع مادة أصلية مهمة لم تكن معروفة من قبل عن موضوع البحث
ولا ينبغي على الباحث أن يقتصر في جمع الوثائق البحث الذي يدرسه على أرشيف واحد فقط؛ فمن الضروري البحث عن وثائق أخرى - إن وجدت - في أمكنة متعددة، ونتناول نفس الموضوع، فيتجه الباحث إلى أرشيف الحكومة التاريخي في فيينا لأنه يرى أن علاقات السلم والحرب كانت قوية دائماً بين الدولة العثمانية وإمبراطورية النمسا، وأنه لا بد من أن أخبار الاصطدام البحري بين السفن العثمانية والسفن التسكانية قد وصلت إلى ممثلي النمسا في القسطنطينية، وانهم قد أرسلوها بدورهم إلى حكومة فيينا. ويكتب الباحث إلى مدير أرشيف فيينا فيرسل إليه المعلومات التي يعرفها؛ وملخصها إن المادة الموجودة عن ذلك الموضوع قليلة جدا وعديمة الأهمية. إنما ذلك لا يعني أن هذه المعلومات صحيحة، ولا يقتنع الباحث برد مدير الأرشيف. ويسافر بنفسه إلى فيينا، ويجد إن الكتالوجات الموجودة لا تفيد شيئاً؛ ولكن ذلك لا يمنعه من البحث؛ يعمل بعض الزمن وينتهي به الأمر إلى كشف طائفة ممتعة من الوثائق الألمانية والإيطالية عن الموضوع الذي يدرسه، فيحملها إلى مدير الأرشيف ويرجوه أن يدرجها في كاتالوجاته. ونلاحظ إن الباحث ينسخ بنفسه جزءاً من الوثائق التي يعثر عليها ويمكنه اختصاراً للوقت أن يشرك
معه بعض الأخصائيين في نسخ جزء من الوثائق، كما يمكنه أن يصور بالفوتوستات جزءاً آخر على حساب الحالة. ولا يكتفي الباحث بكل ذلك، بل يمضي بالبحث والكشف عن الوثائق في أماكن أخرى مثل باريس ومدريد ولندن. . . ويدرس الباحث المادة التي جمعها ويقارن بين مجموعات الوثائق التي كشفها ويوازن بين معلوماتها وبين ما وصل إليه من المراجع والأصول المطبوعة، ويستخلص الحقائق التاريخية التي يمكنها الوصول إليها، كما سنرى ذلك في المقالات التالية. وهذه كلها أمثلة عملية تعطى فكرة عامة عن كيفية البحث عن الوثائق والأصول التي تظل مجهولة للعلم حتى يكشف عنها. وإلى آخر لحظة يظل الباحث يتوقع كشف أصول جديدة توضح أو تغير ما وصل إليه من الحقائق مما قد يضطره إلى تعديل معلوماته إذا لم يكن قد طبع بحثه بعد، أو إلى تغييره إذا ما أعاد طبعه
ويتصل بالوثائق الرسوم والصور وهي مهمة من ناحية تاريخية. والأثر الذي يحدثه الشكل يسجله الفنان على الورق أو على المرمر، والصف الكتابي مفيد في بيان عادات وخلق نابليون مثلاً؛ لكن رسم الفنان إياه أو صنع تمثال له يعطينا فكرة مجسمة تضاف إلى ما نعرفه من أوصافه بطريق الكتابة. والرسوم والصور وثائق مهمة لأنها تحفظ لنا أبداً آثارا وأشكالا ومناظر وأزياء مختلفة قد تغيرت معالمها أو زالت من الوجود، ولا تستطيع أن تعبر عنها بوضوح الكتابة الوصفية. ونزداد أهمية التصوير بعد تقدم استعمال الفوتوغرافيا في الوقت الحاضر، فهي تسجل مشاهد عديدة للإنسان ولآثار الحضارة والعمران
ومن الأصول المهمة أيضاً نجد آثار الإنسان ومخلفاته وتقاليده، كما عرفنا ذلك في مقال سابق. وأعمال الحفر والتنقيب تكشف عن مخلفات العصور القديمة؛ والبحث في بعض الأماكن يؤدي إلى العثور على آثار الإنسان في العصور الحديثة. ويجب على الباحث أن يشاهد ويدرس بنفسه آثار العصر الذي يكتب عنه. وينبغي أن يزور المباني القائمة التي كان رجال العصر يعيشون فيها، والحدائق التي كانوا يروحون عن خواطرهم في أرجاءها، وأن يتعرف طرق المعيشة والأزياء وأدوات الحرب وآلات الموسيقى. . . وفي الغالب تحول المباني إلى متاحف وتجمع فيها بعض آثار الإنسان. ولا ريب فإنه من الضروري للمؤرخ أن يعيش فترة خلال هذه الذكريات التي أدت من الماضي إلى الحاضر، وأن تشيع في نفسه هذه الرؤى وتلك الخلجات التي أحاطت برجال العصر الذي يدرسه
(يتلى)
حسن عثمان
كليلية ودمنة
نقد وتعليق
للأستاذ عبد السلام محمد هارو
8 -
80: 1 - 5 (فلبث الذئب وابن آوى والغراب أياماً لا يصبن شيئاً مما كن يعشن به من فضول الأسد، وأصابهم جوع وهزال شديد. فيعرف الأسد ذلك منهم فقال: جهدتن واحتجتن إلى ما تأكلن. فقلن ليس همنا أنفسنا ونحن نرى بالملك ما نرى، ولسنا نجد للملك بعض ما يصلحه. قال الأسد: ما أشك في مودتكم وصحبتكم)
وهذه صورة عجيبة من التعبير لم أدر لها سراً، وكان أولى بابن المقفع أن يجعل الضمائر العائدة إلى هذه الجماعة من الحيوان على طراز واحد، كما هو الأصل في إرجاع الضمائر. أما أن يجعلها للمؤنثات ثم لجماعة العاقلين ثم للمؤنثات أخرى ثم لجماعة العاقلين رابعة، فهذا عجب لم نره لكاتب غيره
وقد ينزل العرب غير العاقل منزلة العاقل، وابن المقفع جعل هذه الجماعة مرتين من غير العاقلين ومرتين من العاقلين فأسرف فيما أجازه القوم إسرافاً
وألفيته يعاود هذا المذهب ويراجعه. ففي 86 س 7 (فلنأت سائر الطير فلنذكر ذلك لهم. فأجابوه إلى ذلك وأعلمهن ما أصابه وحل به) الضميران في (لهم) و (أعلمهن) عائدان إلى سائر الطير. وفي 91 س 4 (ودنا منهن ليبصرن، فتناوله بعضهم وضرب به الأرض) الضمائر راجعة إلى: (جماعة من القردة) في الصفحة السابقة. وفي 152 - 153 (فبينما هم في ذلك إذ وقع لهم غراب فقال بعضهم: انتظرن حتى يأتينا هذا الغراب) الضمائر مرجعها (جماعة من الطير). وغير ذلك كثير
9 -
74: 5 (فلما فرغ دمنة من تضريب الأسد على الثور)
التضريب هنا: التحريض، وفي اللسان:(والتضريب تحريض للشجاع في الحرب. يقال ضربه وحرضه) والتضريب أيضاً: الإغراء، وفي اللسان:(والتضريب بين القوم: الإغراء) وفي نسخة بولاق ص 43 (من تحميل الأسد على الثور) وهي الرواية الجيدة؛ لأنها لغة ابن المقفع، ولازمة من لوازمه الكتابية. فقد جاء في ص 1. 1 س 7 (ولكن قتل لتحميل الأشرار) وفي س 11 من الصفحة عينها (من تحميله إياك عليه وفي ص 249 س
8: (تحميل الملك علي) وفي س 14 من الصفحة نفسها (ليحملوا عليه الأسد) فهذا هذا
وقد أراد ابن المقفع بكلمة (التحميل) الإغراء). ومن اللفظ العجب أن ابن منظور وصاحب القاموس لم يذكرا هذا اللفظ في مادته، بل ذكرا في هذا المعنى (حمله على الأمر يحمله حملاً فلنحمل: أغراه به) ثم انفرد ابن منظور بقوله (وحملت على بني فلان إذا أرشت بينهم) والتأريش: التحريش والإغراء
10 -
86: 4 (فأعينوني وظافروني) وبدلهما في نسخة بولاق ص 48: (فأعنني)، و (ظافره) بمعنى أعانه وظاهره لم يذكرها صاحبا اللسان والقاموس، وقاربهما ابن منظور بقوله (وتضافر القوم عليه وتظاهروا بمعنى واحد) فنستطيع أن نزيد في معجمنا المنتظر هذه الكلمة، وابن المقفع ثقة يحتج بقوله: وهو دليل أن المعاجم المتداولة لم تستوف ولم تستوعب كل أصول اللغة وفروعها إلا ما نبهت على عدم وروده. فذا مرجعه إلى استيثاق الرواة الأولين واستقصائهم
11 -
95: 7 (ليس بمستكبر لها أن تختطف بزاتها الفيلة) ابن المقفع - فيما أشعر - لا يقول هذه الكلمة بل يقول (بمستنكر)
ومما يجدر ذكره أن استكبر الشيء بمعنى رآه كبيراً وعظم عنده، قول منسوب إلى الإمام ابن جني، ولم يقله عامة اللغويين. واتفقوا أن استكبر بمعنى تكبر؛ وفي كتاب الله:(إنه لا يحب المستكبرين)، (يصدون وهم مستكبرون)
وقد رجعت إلى نسخة شيخو (ص 99) فوجدت: (ما أرضا (كذا) يأكل جرذها مائة منٍ من حديد بمستنكر لبزتها أن تختطف غلاماً)
12 -
107: 6: (إذا جئنني بالليل من غير نداء ولا رمى ولا شيء يرتاب به). فما ذلك الرمي؟!
الصواب: (ولا رمز) - أي إشارة وعلامة؛ وقد جاء بدلها في نسخة بولاق (53): (ولا إيماء)، وهو والرمز والإشارة بمعنى
13 -
115: 13، 16 وص 116: 1 وص 117: 1، 16 وص 118: 2، 6:(رأس الخنازير) و (سيد الخنازير). عندي أنها: (رأس الخبازين) و (سيد الخبازين)
يؤيد ذلك ما جاء بدلها في نسخة شيخو السريانية: (فتكلم صاحب المائدة)، وما هو عند ابن
الهبارية (115):
فأخذ الخباز كف دمنه وقال: لله العظيم المّنه وكذلك ص 118:
فأطرق الخباز لما سمعا
…
ذلك من مقاله وخضعا
وكما يفهم من قول ابن المقفع عنه 117: 12: (ثم أنت تجترئ أن تقوم بين يدي الملك وتلي طعامه)
14 -
116: 11: (ولا مسيء وإن أذنبه بضائره ذنبه) تطبيع، صوابه:(وإن أذنب)
15 -
120: 9: (فأقر بذنبك وبؤ بإساءتك): باء بإثمه فهو يبوء بوءا: إذا أقر به؛ وفي الكتاب: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك)؛ وفي الحديث: (أبوء بنعمتك على وأبوء بذنبي) - أي أقر؛ وقال لبيد:
أنكرت باطلها وبؤت بحقها
…
عندي ولم تفخر عليَّ كرامُها
وأصل البوء الرجوع، فمن باء فكأنه رجع إلى الإقرار بعد الإنكار والسكوت
وبهذا أيضاً يفسر قول ابن المقفع في س 15: (وأن أبوء بما لم أجن)
16 -
121: 11، 12 (فحفظ الفرخان ذلك بلسان البلخية)
البلخية: أهل بلخ، بفتح الباء: مدينة مشهورة بخراسان والتاء فيه دلالة على الجمع. وهي عند التحقيق علامة للتأنيث بتقدير الجماعة أو الطائفة كأنك تقول: الجماعة البلخية، فلما حذفت الموصوف وأقمت صفته ألحقت بها تاء التأنيث المنبهة على الجمع أيضاً. ومثلها في ذلك: الإباضية، والإسماعيلية، والأشعرية، والباطنية، والجبائية. ونحو ذلك كثير من الأسماء للفرق الدينية والسياسية
17 -
127: 14 (وأخفت على الشبكة حتى لججت فيها وصويحباتي). لج فلان في الأمر تمادى عليه وأبى أن ينصرف. فهو فعل اختياري لا دخل للقسر فيه. والمعنى لا يتجه بهذا. وإنما هو (لحجت) بالحاء المكسورة المهملة بعدها جيم. لحج السيف وغيره بالكسر يلحج لحجاً: أي نشب في الغمد فلم يخرج. وفي حديث على يوم بدر (فوقع سيفه فلحج) أي نشب فيه. ويقال لحج في الأمر يلحج إذا دخل فيه ونشب. ومن البين أن المراد نشوب الطير في الشبكة، مما أعماهن القدر وأعشى أبصارهن
18 -
128: 1 (ويستنزل الطير من الهواء، إذا قضى ذلك عليهم) أجرى (الطير) مجرى
العاقل فجعل لها ضميره. وهو معروف عند العرب. وفي كتاب الله: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) وفيه: (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحكمنكم سليمان وجنوده)، وقال عبدة بن الطبيب:
إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته
…
إلى الصياح وهم قوم معازيل
جعل للديك أسرة وسماهم قوماً
19 -
130: 1 (منها عداوة من يجتزيان على ذلك كعداوة الأسد والفيل). وفي نسخة بولاق 62 (منعا ما هو متكافئ كعداوة الفيل والأسد) وعند ابن الهبارية 129:
(وهو التجازي لا سواء إنما)
الاجتزاء: طلب الجزاء، قال:
يجزون بالقرض إذا ما يجتزى
وفي ذلك معنى التكافؤ. والتجازي - كما ترجمه ابن الهبارية أصل معناه التقاضي، والمراد به المقاصة، فهو كذلك في معنى التكافؤ
2 -
133: 15 (وكان الضيف رجلاً قد جال الآفاق ورأى الأعاجيب)، والفعل (جال) لا يتعدى بنفسه. والوجه (جال) في (الآفاق). وسمع جول الأرض: جال فيها، وجول في البلاد أي طوف. فهذا المضعف ورد بالوجهين. وفي القاموس أن جال الشيء: اختاره. وهذا معنى لا يراد هنا
21 -
139: 8 (وانقلبت ظهر البطن، وانجررت حتى دخلت حجري) فماذا جره حتى انجر؟! إنما هي (وانحدرت) أي نزلت في سرعة إلى الجحر
22 -
150: 7 (إن كان بعيداً لم يأمن من معاودته، وإن كان متكشفاً لم يأمن استطراده، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته). متكشفاً أي بادياً ظاهراً، وهي لا تساير الكلام. والصواب (مكثباً) أي دانياً. أكثبك الصيد والرمي وأكثب لك: دنا منك. وعلى هذا الوجه الذي أثبت وردت الكلمة في نسخة بولاق 69. ويؤيد هذا التصحيح ترجمة ابن الهبارية 148:
لأنه إن كان منه نازحا
…
أعاد مثل فعله مشايحا
أو كان منه دانياً أو حاضرا
…
واثبه مبادراً مساورا
فكلمة (دانيا) في النظم تقابل كلمة (مكثبا) التي ذكرت
23 -
165: 16 (فإن الغراب ذو أدب ومكر ومكيدة). لا وجه لورود كلمة (أدب) بالدال في هذا المعرض. والصواب (أرب) بالراء؛ ليصح اقترانها بأختيها: المكر والمكيدة. والمقام مقام ذم وتهجين. والإرب بالكسر، أو بالتحريك: الدهاء والخبث والنكر. وفي نسخة شيخو 158 (فإن الغراب ذا أرب ومكائد)
24 -
166: 15 (فإن الشر يدور حيثما دارت). هي (حيثما درت)
25 -
171: 4 (فابتليت ببلاء حرمت عليَّ الضفادع) والجملة بهذا الوضع مبتورة ناقصة. وتمامها (حرمت عليَّ الضفادع) من أجله (أي من أجل البلاء. وذلك كما في ص 77 من طبعة بولاق
26 -
173: 1 (بل برأيك وعقلك كان هذا؛ فإن الرجل الواحد أبلغ في إهلاك العدد من كثير العدد ممن ذوي البأس). وفي هذه العبارة نقص كسابقتها: وتمامها كما في نسخة بولاق 78: (؛ فإن الرجل الواحد) العاقل الحازم (). . . الخ. وعند ابن الهبارية ص 174:
فالرجل اللبيب في الأعداء
…
أبلغ من ألف ذوي فَتَاء
و (اللبيب) هو العاقل ذو اللب
27 -
190: 12 قول البرهميين للملك حين سألهم تعبير الرؤيا: (فلعلنا - إن استطعنا - أن ندفع ما نتخوف منه). الوجه (تتخوف) بالخطاب؛ قد ليس من شأنه أن يحكموا في تعمير الرؤيا بهذا الحكم قبل أن يجتمعوا للتشاور والتآمر. وهم قد استمهلوا الملك (ستة أيام) ليتمكنوا من ذلك. والملك هو الذي كان متخوفاً، لأنه (رأى ثمانية أحلام يستيقظ عند كل منها)
28 -
191: 6 (لنجعل دماءهم في أبزنٍ ثمم نقعدك فيه). كلمة (الأبزن) معربة عن الفارسية، بفتح الهمزة بعدها باء موحدة ساكنة ثم زاي مفتوحة. وهو الحوض من نحاس يستنقع فيه الرجل؛ ويعرف في ألفاظنا الدخيلة باسم (البانيو) وبالفرنسية: وبالإنجليزية - و (أبزن) أصله في الفارسية: (آبزَن) بمد الهمزة؛ وتكتب أحيانا (آب ز ن)؛ فسرت في معجم استينجاس بأنها حوض للاستحمام من نحاس أو حديد بطول جسم الإنسان يملأ بماء طبي يجلس فيه المريض أو يتمدد
وقد أهمل هذا اللفظ كثير من اللغويين، منهم الليث، والجواليقي، وابن دريد، والزمخشري، مع أنه مستعمل قديماً وجاء في شعر أبي دُوَاد الإيادي، يصف فرساً وصفه بانتفاخ جنبيه:
أجوف الجوف فهو منه هواء
…
مثلُ ما جافَ أبزَناً نجَّار
وأبو دواد جاهلي. ويفهم من هذا الشعر أنه يصنع أحياناً من الخشب، لِمَا جعل صانعه النجار. وكأن بعض العرب كانوا يجتزون بالخشب عن النحاس، قال ابن بري:(الأبزن شيء يعمله النجار مثل التابوت)، وأنشد بيت أبي دواد. وروى البخاري أن أنس ابن مالك قال:(إن لي أبزناً أتقحَّم فيه وأنا صائم)
وقد فسر (الأبزن) في هذا الحديث بأنه الحوض الصغير، أو حجر منقور كالحوض، أو شيء يتبرد فيه وهو صائم يستعين بذلك على صومه من الحر والعطش.
(له بقية)
(عبد السلام محمد هارون)
معركة الأطلنطي
للأديب محمد شاهين الجوهري
(لا تكاد خطبة من خطب تشرشل تخلو من ذكر (معركة الأطلنطي)، على صفحات هذا المحيط تقوم معركة من أشد المعارك وأعنفها، فهي المعركة التي ستكتب السطر الأخير من سطور الحرب. وفي هذه المعركة يتعاون السلاح الجوي الألماني مع سلاح الغواصات، فتضرب الطائرات الألمانية الموانئ والمدن الإنجليزية لتنهك قوى بريطانيا في الداخل، وتفتك الغواصات بالقوافل التجارية في عرض المحيط. وإذا كان يجري في هذا المحيط شريان الإمبراطورية البريطانية الحيوي، فلا عجب إذا رأينا ألمانيا تبذل قصارى جهدها لتقطع هذا الشريان لتمنع عن بريطانيا ما يأتيها من معونة ومدد، بينما تعمل بريطانيا على أن تبقى على هذا الشريان إذ في بقائه بقاؤها)
المصانع الأمريكية تعمل فتنتج المؤن والعتاد الحربي؛ واتفاقية الإعارة والتأجير تبيح إصدار هذه المؤن وهذا العتاد إلى بريطانيا. وفي الجزر البريطانية يرابط المدافعون عن الديمقراطية، ويفصل المحيط الأطلنطي بين هذا المدد الأمريكي وبين المدافعين عن هذه الجزر. وفي هذا المحيط ترتع الغواصات الألمانية متعاونة مع الطائرات في معركة لا تعرف هوادة ولا رحمة ضد السفن الإنجليزية. ويرمي هتلر من وراء هذه إلى غرضين:
أولهما إضعاف إنجلترا بتدمير موارد ثروتها الداخلية وأحواض سفنها وموانيها، وشل حركة إنتاج السفن والذخائر الحربية.
وثانيهما منع المدد الذي يصل إلى بريطانيا من الخارج بإغراق سفنها في المحيط، وعزلها عن أمريكا. وعندئذ يسهل عليه مهاجمة بريطانيا
تبلغ هذه المعركة شدتها في فصل الربيع. ففي هذا الفصل تتقشع السحب التي كانت تخيم على آفاق المحيط فتجعل عمل الغواصات والطائرات عسيراً، وتبدأ الغواصات الألمانية تجوب المحيط باحثة عن السفن البريطانية، وتنطلق الطائرات الألمانية في الجو لتساعد الغواصات في المهمة الملقاة على عاتقها. وقد كان المتحمسون للطيران في ألمانيا يعقدون آمالاً كباراً على السلاح الجوي ضد الملاحة البريطانية، فكانوا يعتقدون أن قاذفة القنابل قادرة على أن ترسل أية سفينة حربية إلى أعماق المحيط، ولكن التجارب برهنت على أن
هذا السلاح لم يحقق ما بنى عليه من آمال، ولذا أصبح عمل الطائرات الألمانية الرئيسي هو القيام بمهمة استكشاف مواقع السفن واتجاهاتها وإبلاغ ذلك باللاسلكي إلى الغواصات لتهاجم هذه السفن
وعدد السفن الذي يصل إلى بريطانيا سالماً هو الذي يقرر إن كان في مقدورها أن تحافظ على سلامة هذا الخط الحيوي بينها وبين أمريكا، وأن تضمن دوام وصول الإمدادات إليها. ويقول المستر نوكس:(إن هتلر يعمل على ألا تصل المؤن والذخائر إلى بريطانيا، لأن في وصولهما هزيمته. إننا لا نرضى لمنتجاتنا أن تغرق في الأطلنطي، وستلحقنا الهزيمة إذا رضينا بذلك. يجب علينا أن نفي بوعدنا ونساعد بريطانيا لأنها عانت كثيراً في الحرب الكبرى الماضية لما كان قد لحق أسطولها من الوهن من جراء نشاط العدو. ففي أبريل من سنة 1917، أغرقت الغواصات الألمانية من السفن البريطانية ما حمولته مليون طن تقريباً. وكان الألمان يتوقعون انهزام بريطانيا في ذلك العام، ولكن تطبيق نظام القوافل البحرية ووصول المدمرات الأمريكية، وسفن الحراسة، واختراع الأجهزة المخبرة عن الغواصات، قد أضعف كثيراً من خطر الغواصات).
ويحاول هتلر الآن جهد طاقته كسر شوكة بريطانيا البحرية ويبذل في ذلك أعنف الجهود. فإن دخول إيطاليا الحرب، وما يحرض به اليابان من قيامها بمناورات دبلوماسية وعسكرية، إنما هي خطة يرمي من ورائها إلى إرغام إنجلترا على استخدام أسطولها في ميادين بحرية متعددة لتتوزع قواه، وتقل مقدرته، ويصبح من السهل على هتلر أن يضربه الضربة القاضية. وأن مجرد وجود الأسطول الإيطالي في البحر المتوسط قد أضطر بريطانيا إلى الاحتفاظ بوحدات عديدة من أسطولها في هذا البحر في وقت تحتاج فيه إلى هذه الوحدات في الأطلنطي لتعمل ضد الغواصات، وفي حراسة القوافل. وقد فطنت بريطانيا إلى ذلك وعملت من جانبها على إحباط السياسة الألمانية فأجرت بعض القواعد البحرية للولايات المتحدة، أو بمعنى آخر ألقت مهمة الدفاع عن هذه القواعد على عاتق الأسطول الأمريكي، وذلك لتقلل من الأعباء الملقاة على عاتق الأسطول البريطاني وتوجه قواه لمناهضة العدو وتأمين طرق قوافلها التجارية وضمان وصول الإمدادات إليها
عندما بدأت الحرب كانت بريطانيا تملك من السفن ما حمولته
18.
5 مليون طن، أضيفت إليها حمولة قدرها 8. 5 من
الأطنان حصلت عليها إنجلترا من الدانمرك وبلجيكا وفرنسا
وألمانيا وإيطاليا والنرويج وهولندا، ومن هذا المجموع الذي
يبلغ 27 مليوناً من الأطنان أغرق الألمان ما حمولته خمسة
ملايين طن أي ما يعادل 51 ما تملكه بريطانيا تقريباً
من أين لبريطانيا أن تحصل على ما يسد هذا النقص؟
تنتج بريطانيا من السفن سنويا ما حمولته 1. 500000 طن. ولكي تسهل المهمة الملقاة على عاتقها أدخلت بعض تعديلات على بناء السفن، وذلك بالتخلي عن كل ما ليس له مهمة رئيسية في السفينة. وقد صار يبنى الآن نوع من السفن يكبر حجم السفن العادية مرتين ونصفاً، ويمكن بناء أجزاء هذه السفن في مصانع في داخلية البلاد بعيدة عن غارات الطائرات الألمانية على أحواض السفن. ويبلغ حمولة ما أمدت به الولايات المتحدة بريطانيا في عام (1941) 1000000 طن. كما تقرر أن تمدها أمريكا بما مقداره 2000000 طن في عام (1942)، وسيبلغ هذا المدد خمسة ملايين طن في عام (1943) وبلغت حمولة ما وصل بريطانيا فعلاً 1. 500000 طن يضاف إليها خمسون قطعة أعطيت لبريطانيا بموجب قانون الإعارة والتأجير. وسيرسل إليها 150 قطعة تبلغ حمولتها 1. 500000 طن. وهناك مورد آخر لبريطانيا وهو السفن المحجوزة في موانئ الولايات المتحدة، ويبلغ عددها 58 قطعة حمولتها 589000 طن
تلك هي الموارد التي تجد فيها بريطانيا عوضاً عن بعض ما تفقده. هذا ويبذل العمال جهوداً جبارة لبناء أكبر عدد من السفن، كما يضرب السلاح الجوي موانئ الغزو الألمانية ملحقاً ما استطاع من الخسارة بهذه الموانئ وأحواض السفن. ولا يألو رجال البحرية جهداً في مكافحة الغواصات والقضاء عليها؛ وبذا تعمل بريطانيا على زيادة الإنتاج وتقليل الخسارة مما يساعد كثيراً على سد هذا النقص
وغنى عن البيان أن لسيطرة النازي على البلاد الساحلية في أوربا أثرها العظيم في سير
معركة الأطلنطي، فإن الغواصات الألمانية تتخذ من موانئ النرويج شمالاً إلى موانئ فرنسا جنوباً قواعد تكمن فيها. وهذا قد أعطى ألمانيا ميزتين هامتين:
أولاهما إن ألمانيا باستيلائها على هذه القواعد أمكنها أن تستخدم غواصات صغيرة الحجم تسع من خمسة رجال إلى عشرة، بدلاً من الغواصات الكبيرة التي تسع من ثلاثين رجلاً إلى أربعين، وبذلك قلت الخسارة التي كان يتحملها الألمان من إغراق غواصاتهم كما زاد عدد الغواصات لتي تعمل في المحيط. والميزة الثانية إنه باستيلاء ألمانيا على النرويج وفرنسا مكن الغواصات الألمانية من أن تتفادى الخطر الذي كانت تلاقيه في الحرب الماضية حين كان من المحتوم عليها أن تمر بحقول الألغام التي كان ينشرها الإنجليز في مضيق دوفر وبحر الشمال كلما أرادت الوصول إلى قواعدها على الساحل الألماني. فللإنجليز الآن إذا ما حاولوا تضييق الخناق على الغواصات الألمانية يجب عليهم أن يبذروا حقول الألغام على طول الساحل الأوربي، وهذا يعد من أصعب الأمور وأشقها على الأسطول البريطاني نظراً لوقوع هذه السواحل تحت رحمة القواعد الجوية الألمانية. كذلك فقدت بريطانيا ميزة كانت لها في الحرب الماضية وهي عدم استخدام الموانئ الأيرلندية الغربية كقواعد للسفن مما يضطر الدوريات البحرية أن تقطع للقيام بدورياتها رحلات أشق كثيراً مما كانت في الحرب 1914
وإذ كان في استيلاء ألمانيا على هذه السواحل كسب لها
وخسران لبريطانيا، فبريطانيا قد سعت من جانبها لإيجاد
وسائل تفسد على الألمان ما اكتسبوه من ميزات فزودت سفنها
بأجهزة ترشد إلى مكان الغواصات، وقذائف الأعماق التي
تتفجر تحت سطح الماء وهي تعتبر من أفتك الأسلحة
بالغواصات. وكذلك وفق الإنجليز إلى نوع جديد من السفن
يعرف باسم (الكورتيث) وهو عبارة عن مدمرة صغيرة تجمع
إلى بساطة تركيبها سرعتها وسهولة إدارتها وتبلغ تكاليف هذه
المدمرة الصغيرة 108 تكاليف بناء المدمرة العادية؛ فلا يزيد
ثمنها على نصف مليون من الجنيهات، وتحتاج إلى عدد قليل
من البحارة لا يزيد عن الأربعين، ويبلغ طولها نصف طول
المدمرة؛ وحمولتها أربعمائة طن وسرعتها 25 عقدة بحرية
في الساعة. ويمكن بناء عشر مدمرات من هذا النوع بدلاً من
مدمرة واحدة كبيرة. وتحمل هذه المدمرة مدفعين من عيار 4
بوصات وقذيفتين للأعماق. ولما ثبت نجاح هذا النوع من
السفن في محاربة الغواصات قامت كندا ببناء 80 قطعة.
وتبني إنجلترا الآن 300 قطعة من هذا النوع. هذا وقد زودت
كل سفينة تجارية بمدفع ضد الطائرات والغواصات لتكون
أقدر على حماية نفسها.
وهكذا تبذل الدولتان قصارى جهودهما وتقذفان بثمرات إنتاجهما في هذا المحيط حيث تدور المعارك الكبرى
محمد شاهين الجوهري
معهد الصحافة العالي بالجامعة الأمريكية
5 - المصريون المحدثون
شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر
تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين
للأستاذ عدلي طاهر نور
السكان
من المستحيل تقريباً في بلد لا يقيد فيه مواليد ولا أموات أن يعين عدد السكان بدقة. وقبل تأليف هذا الكتاب ببضع سنوات عمل إحصاء على أساس عدد البيوت في مصر وافتراض ثمانية أشخاص لكل بيت في العاصمة، وأربعة أشخاص لكل بيت في الريف وهذا الإحصاء - على ما أعتقد - يقرب جداً من الحقيقة. ولكن الملاحظة الشخصية والبحث يجعلانني أميل إلى الاعتقاد بان مدناً كالإسكندرية وبولاق ومصر العتيقة تحوي كل منها خمسة أشخاص على الأقل لكل منزل. أما رشيد فنصفها آهل ونصفها الآخر قفر، ودمياط المزدحمة بالسكان يجب أن نحسب ستة أشخاص لكل منزل فيها وإلا نقص تقديرنا كثيراً عما يظن أنه عدد سكانها. فإذا أضيف شخص أو شخصان إلى كل منزل في المدن المذكورة، فلا يحدث مع ذلك إلا فرق ضئيل في إحصاء سكان مصر ومجموعهم طبقاً لتلك الطريقة الحسابية يبلغ أكثر من مليونين ونصف المليون من الأنفس؛ ولكن هذا العدد قل فيما بعد. وكان من المحتمل أن يكون من هذا العدد قرابة مليون ومائتي نفس من الذكور ثلثهم (400000) يصلحون للخدمة العسكرية
وقد جند محمد علي من هذا العدد الأخير مائتي ألف رجل على الأقل لجيوشه النظامية وللخدمة البحرية. وأقصى خسارة نتجت من إبعاد هؤلاء الرجال عن زوجاتهم، أو منعهم من الزواج عشر سنين، لا بد أن تزيد على ثلاثمائة ألف؛ ولذلك جعلت مجموع السكان أقل من مليونين. أما عدد أفراد الطبقات المهمة فقد كان كما يلي على وجه التقريب:
مصريون (فلاحون وحضريون)1. 750. 000
مصريون مسيحيون (أقباط)150. 000
عثمانيون أو أتراك 10. 000
سوريون 5. 000
يونانيون 5. 000
أرمن 2. 000
يهود 5. 000
أما بقية السكان من البدو والنوبيين والعبيد والمماليك والفرنج، فمن المحتمل أن يبلغ عددهم نحو سبعين ألفاً. أما عدد كل طائفة على حدة فلا يمكن معرفته على وجه اليقين. وقد كان عرب الصحراء بين الغربية والشرقية لا يعدون في سكان مصر.
قلت: إن القاهرة يبلغ عدد سكانها مائتين وأربعين ألف نفس تقريباً عندما وضع هذا الكتاب. ولو كنا قد بنينا حكمنا على أهل هذه المدينة من ازدحام شوارعها المهمة وأسواقها لخدعنا كثيراً. ففي كثير من القارات والأزقة لا يرى إلا القليل من المارين. كذلك لا يمكننا الحكم من سعة المدينة وضواحيها، فإن داخل الجدران كثيراً من الأمكنة الخالية، بعضها يتحول إلى بحيرات أثناء الفيضان. ثم إن الحدائق والمقابر الكثيرة وأحواش المنازل والجوامع تشغل مساحة واسعة. وقد عددت بين سكان القاهرة نحو مائة وتسعين ألفاً من المصريين المسلمين، وحوالي عشرة آلاف من الأقباط وثلاثة آلاف أو أربعة آلاف من اليهود، والبقية أجانب من بلدان مختلفة
ويرجع أن سكان مصر في عصور الفراعنة كان عددهم ستة ملايين أو سبعة. ولو أن شيئاً من محصول الأرض في العصر الحاضر لم يصدِّر، لعال هذا المحصول أربعة ملايين نفس. وإذا كانت الأرض الصالحة للزراعة تزرع، لكفى المحصول ثمانية مليون، وغاية ما يمكن أن تصل إليه مصر في أغزر السنين فيضاناً. ولذلك فإني أعتقد أن المصريين القدماء في الوقت الذي كانت فيه الزراعة في حالة ازدهار كان عددهم كما قررت سابقاً. كما انه من المفروض إن عددهم لم يكن يزيد على نصفهم إلا بقليل في عصر البطالسة والعصور التالية، عندما كانت تصدر كميات كبيرة من الحبوب سنوياً. وهذا الإحصاء يتفق مع ما قاله ديودور الصقلي من أن مصر بلغ عدد سكانها في أيام الملوك الأقدمين سبعة ملايين، بينما في عصره لم يقلوا عن ثلاثة ملايين
ومن تأمل في سياسة محمد علي لا يسعه إلا أن يأسف للفرق بين حالة مصر تحت حكمه
وبين ما كان يجب أن تكون، إذ لم يزد عدد سكانها بكثير عن ربع العدد الذي كان في إمكانها إعالته.
ولقد كان في استطاعة العاهل العظيم أن ينفع شعبه أجزل النفع لو أنه بدلا من إفقار الفلاحين بنزع الأراضي الزراعية واحتكار المحصولات القيمة، واستخدام كفاءة السكان في إرضاء طموحه وتحقيق فتوحه، أو في منافسته الصناعة الأوربية على غير طائل
كان قد وجه عنايته إلى مساعدة الطبيعة في أن يجعل مصر بلداً زراعياً على الأخص، فقد كان يكفي محصول قطنها وحده، بل ويفيض، للحصول على كل منتجات المصانع الأجنبية وكل المحصولات الطبيعية التي تتطلبها حاجة السكان من البلاد الأجنبية
الفصل الأول
ميزات المصريين المسلمين وملابسهم
يؤلف المسلمون العربيو الأصل غالبية سكان مصر منذ قرون. وقد أحدث ذلك انقلابا في اللغة والقوانين والشمائل العامة، وأصبحت العاصمة المصرية أعظم قاعدة للمعارف والفنون العربية. وسيخصص لوصف هذا الشعب - على الأخص الطبقتان الوسطى والعليا في القاهرة - أكبر جزء من هذا الكتاب
ويلاحظ أن شمائل المصريين وعاداتهم تثير الاهتمام بنوع خاص، لأنها مزيج من تلك الشمائل والعادات التي تسود الجزيرة العربية وسورية وشمال أفريقيا كله وتركية إلى حد بعيد. وليس في العالم بلد كمصر يمكننا أن نحصل فيه على معرفة تامة بأكثر طبقات العرب تمدناً
ويظهر من الإحصائيات الواردة في مقدمة هذا الكتاب أن المصريين المسلمين - أو المصريين العرب - يؤلفون تقريباً أربعة أخماس سكان العاصمة، وسبعة أثمان سكان مصر كلها
والمصريون المسلمون من جنس خليط انحدر إلى حد كبير من عدة قبائل وعشائر عربية وفدت إلى مصر في عصور مختلفة، بعيد الفتح. وهؤلاء العرب المهاجرون كانوا أولا قبائل تجوب الصحراء، ولكنهم تركوا حياة البداوة وتحضروا، ثم اصهروا إلى الأقباط
الذين أصبحوا بالإسلام آمنين، فأدى اختلاطهم هذا إلى تكوين شعب كثير الشبه بقدماء المصريين الذين ينتمون إلى الجنس (القوقازي) مع قرابتهم إلى الجنس الأسود على درجات مختلفة، وهذا الشبه يبدو تاماً في عدة أفراد منهم على الجملة، وعلى الأخص في القبط والنوبيين، وهو في مسلمي مصر الوسطى والعليا أكثر شيوعاً ووضوحاً، ولكنهم مع ذلك ليسوا أقل عروبة من أهل الحضر في الجزيرة ذاتها، إذ فشت فيهم منذ القدم عادة اقتناء الجواري من قبائل الجلا والأحباش، إما للزواج وإما للتسري. ولذلك كان عرب المدن الآن يشبهون الجلا والأحباش بقدر ما يشبهون البدو. وهذا - على الأقل - هو الحال في مدن الإقليم الجنوبي الغربي من بلاد العرب؛ أما الجهات الجنوبية، فالحضريون فيها أكثر اختلاطا بالهنود وأجناس الملايا وبالأفريقيين كذلك. فالمصريون عامة والعرب كذلك - ولو على درجة أقل - ينزعون بعرق إلى أهل أفريقيا الأصليين. ويلاحظ أن لفظ (العرب) يطلقه سكان البلاد العربية الآن على البدو في مجموعهم، ويطلقون كلمة (العربان) على أهل القبيلة أو على القليل منهم، أما الفرد فيسمى (بدويا). وقد زال التمييز بين القبائل تقريباً في العاصمة وفي غيرها من المدن المصرية؛ ولكنه لا يزال باقياً بين الفلاحين الذين حافظوا على عادات بدوية كثيرة سأتكلم عنها فيما بعد. وفي بقاع مختلفة من مصر عشائر تنحدر من العرب الأولين الذين يترفعون عن التزوج ممن هن أقل منهم جنساً. وهؤلاء يصعب بل يستحيل تمييزهم من قبائل صحراء الجزيرة العربية. ومسلمو القاهرة الوطنيين يسمون أنفسهم عادة:(المصريين) و (أولاد مصر) أو (أهل مصر) و (أولاد البلد)؛ وآخر تلك العبارات الثلاث أكثرها شيوعاً في المدينة نفسها. أما أهل الريف، فيسمون بالفلاحين (أو المزارعين)؛ وكثيراً ما يطلق الأتراك على المصريين لفظ الفلاحين، ويقصدون به معنى الغلظة والجفاء، أو ينبذونهم بأهل فرعون إهانة لهم، فيرد عليهم المصريون كلما اجترءوا على ذلك بتسميتهم أهل نمرود
ويتراوح طول المصريين بين خمسة أقدام وثماني بوصات، وخمس أقدام وتسع بوصات، وأغلب الأطفال تحت سن التاسعة أو العاشرة دقاق الأطراف ضخام البطون، ولكن. . . سرعان ما تتحسن إشكالهم كلما تدرجوا في النمو، فلا يبلغون أشدهم حتى تتناسب أعضاؤهم بشكل ظاهر. فالرجال أقوياء مفتولو العضلات، والنساء جميلات التكوين بدينات
من غير إفراط. ولم أرى في المصريين بدانة إلا في الذين أخلدوا إلى حياة البطالة في العاصمة وفي غيرها من المدن
(يتبع)
عدلي طاهر نور
ليالي القاهرة
وقفة على دار
للدكتور إبراهيم ناجي
قِفْ يا فُؤَادُ عَلَى الْمَنَازِلِ سَاعَا
…
فَهُنَا الشَّبَابُ عَلَى الأَحِبَّةَ ضَاعا
وَهُناَ أَذَلَّ إِبَاَءهُ مُتَكَبرٌ
…
أَمَرَتْ عيُوُنٌ قَلبَهُ فَأَطَاعا
أحْسَسْتُ بُالدَّاء القدِيم وَعَادَنِي
…
جُرْحٌ أَبَيْتُ لِعَهْدِهِ إِرْجَاعا
وَمَشَىَ مَع الأَلَمِ الذُّهُولُ كأَنَّمَا
…
طَارَتْ بِلُبِّي الحَادِثَاتُ شعَاعا
كَثُرَتْ عَلَيَّ مَتَاعِبي فَمَحَوْنِني
…
ومَحَوْنَ حَتَّى السُّقْمَ والأَوْجَاعا
يا مَنْ هَجرْتَ لقَدْ هجْرتَ إلى مَدىً
…
فإِلى الِّلقاَءِ! ولَنْ أَقُولَ ودَاعَا
غيمه
للأديب عبد الرحمن الخميسي
تَخِفُّ إلى صَدْرِ السَّمَاءِ تَمِيِمَةً
…
رَمادِيَّةَ الأَصْبَاغِ مِنْ كفِّ رَاهِبِ
تَشُقُّ عُبَابَ الجَوِّ حَيْرَى كأَنها
…
سَفِيَنةُ وَهْمٍ فِي خَوَاطِرِ كاتِبِ
يُنَادِمُهَا فَجرٌ نَدِىٌ مُنَوِّرٌ
…
وَيُطْلِقُها فِي أُرْجُوَانِ المَوَاكِبِ
وَتُرضِعُها مَسْفوُحَها الشَّمسُ وَقتما
…
تُرِيقُ دِماهَا فَوْقَ هَامِ المغَارِبِ
وَترْقُبُ دَمْعَ البَدْرِ فِي كلِّ ليلَةٍ
…
لِتَسْبحَ في غَمْرٍ مِنَ النُّورِ ذَائِبِ
من لواعج الذكرى
للأستاذ محمد كامل حته
أبى! كيفَ ماتَتْ مَعَاِني الرثاءْ
…
عَلَى شَفتيَّ وَغُصَّ القلمْ!
وكيفَ احتواِني ذهولُ الفناءْ
…
عَشَيَّةَ غُيِّبْتَ بَينَ الرِّممْ. . .
وأينَ الدموعُ، وأينَ البكاءْ
…
يموجُ على شاطِئَيِه الألََمْ!
وأينَ الرثاءُ يَهُزُّ السماءْ
…
وَيُدْمِى الجفونَ وُيذكِى الضَّرَمْ
تَأَبَّتْ عَلَيَّ فنونُ العزاءْ
…
وَجَارَتْ عَلَيَّ همومُ العدمْ
فأَعْوَزَني يومَ مِتَّ الوَفاءْ
…
وما أنا في الناسِ بالمنَّهَمْ
كأني وقد حُمَّ فيكَ القضاءْ
…
ذبيحٌ تَحَشْرَجَ فيهِ النغمْ!
تُرَى كيفَ مَرَّتْ عليَّ الشهورْ
…
وكيف انقضَى العامُ والآخَرْ
وكيف احتوانِيَ صَمْتُ القبورْ
…
وأخرسني وَحْيُهَا الساخرُ!
وبي لوعةٌ من عذابِ السعيرْ
…
تَلَظَّى بها القلبُ والخاطرُ
وما في بَيَاني وَنًي أو قُصُورْ
…
ولي منْطقِي المسعفُ الهادرُ
لقد خدَعَتْني المنَى وهي زُورْ
…
وغَرَّرَ بي الأملُ الغادرُ
فأقسمتُ: ساقي الردَى لن يدورْ
…
على مهجتي كأسُهُ الدائرُ
فدارَتْ بيَ الكأس ظَمأَى تفورْ
…
وَغُولُ الردَى مُطْبِقُ كاشِرُ!
هُوَ الموتُ قدْ رَوَّعَتْنِي رُؤاهْ
…
فذابَ جَنَانِيَ في قَبْضَتِهْ
وَأَعْوَلَ فِي دُنْيَيَاتِي صَدَاهْ
…
وَغَامَتْ حَيَاتي على صَفْحَتِهْ
فلمَّا تَقَشَعَ عَنِّي دُجَاهْ
…
تَلَفَّتُّ، وَالقلبُ في غَشْيَتِهْ
فأَلَفيتُنِي فِي خِضَمِّ الحيَاهْ
…
مَهِيضَ الشراعِ على لُجَّتِهْ
وَحِيدًا تُرَوِّعُهُ فِي سُرَاهْ
…
هُمومٌ تَفَزَّعُ مِنْ وَحْشَتِهْ!
وَأَيْنَ العزاءُ، وكيف النجاةْ؟
…
سؤالٌ يُدَمْدِمُ في وَحْدَتِهْ
وأين أَبي؟ في جِوَارِ الإلهْ
…
يُلقَّى الكرامة في جَنَّتِهْ!
إلى البدر. . .
للأديب محمد عبد السلام كفافي
سميرك يا بدر الدجى كاد يغربُ
…
ويحجبه من عالم الموت غيهبُ
أرانا تشابهنا فأنك في الدجى
…
منار وإني في دجى اليأس كوكب
ونحن بنو أم كلانا سليلها
…
ولكنَّنا فيها نُوَارى ونُحجب
فويلك إن أَلْقت عليك بظلها
…
وويلي إذا ما في ثراها أُغَب
ولكن تخالفنا فأنت تعود من
…
غروب ولن آتي إذا حان مغرب
وأنت صليب القلب لكنني فتى
…
فؤادي بألوان الهموم معذّب
فكم بات قبلي سامرون مدى الدجى
…
طوتهم من الماضي سنون وأحقب
تناجيك أشعار لهم وأهازيجٌ
…
ويشجيك نايٌ خالد اللحن مطرب
وولوا ولم تحزن عليهم بدمعة
…
ولكن على أجداثهم بت تلعب
حكيت فتاتي في الملاحة والسنى
…
وتحكيك منها قسوة وتجنب
كأنك منها وهي منك تحدرت
…
فليست إلى الأرضين تُنمى وتنسب
أراها على أفق الجمال تربّعت
…
يداعبني منها شعاع محبّب
فيوهن بأسى حبُّها ويهدّ من
…
قوى عزمتي والحب أقوى وأغلب
فويليَ يا بدران - إن مت - منكما
…
فلا هي تبكيني ولا أنت تندب
البريد الأدبي
1 -
ما رأيكم في هذا الجواب؟
لأستاذنا الكبير (ا. ع) فضل في أقوال الكتاب والشعراء من التعابير
الدخيلة في اللغة الغربية. وهو يخصني بالعناية فيتناول كلامي بالنقد
من حين إلى حين، وإن كان في يأس من إصغائي إليه في كل وقت،
لأني أرى من حق الكاتب أو الشاعر أن يدير التعبير كيف يشاء، وفقاً
للصورة التي تتمثل في ذهنه وهو يساور بعض المعاني ولأغراض
ومن أغلاطي عند عبارة (من جديد) وهي كثيرة الدوران في كلامي، ويرى أستاذنا (ا. ع) أنها (من التعبيرات التي تسربت حديثاً إلى لغتنا، فتداولها الكتاب من غير تمحيص، ولا وزن لصحتها اللغوية، ولا لصلاحيتها لأن تندمج في الأساليب الفصيحة وتغدو جزءاً منها) ثم قال: (وما كنت أتوهم قط أنها تصل يوماً إلى أقلام البلغاء) وبعد أن رجح أنها (من التراكيب الإفرنجية الكثيرة التي شوهتها الترجمة السقيمة) تلطف فقال: (أفلا يرى معي حضرة الدكتور أنه يجدر بنا أن نحارب هذه الطفيليات في لغتنا، وأن نقضي عليها قبل أن يستشري فيها شرها؟)
واتفق أن صرفتني الشواغل عن الجواب فكتب الأستاذ بعد ذلك بأسابيع كلمة يقرر فيها أن عبارة (من جديد) لن تقتلع من اللغة إلا بعناء، وفوض أمره وأمر اللغة إلى الله!
فما رأي أستاذنا (ا. ع) فيمن يخبره أن اللغة العربية عرفت هذا التعبير قبل أكثر من تسعة قرون؟ ما رأيه في قول ابن رشيق وهو من أقطاب الأدب العربي:
قد أحكمتْ من التجا
…
ربُ كل شيء غير جودي
أبداً أقول لئن كسب
…
تُ لأقبضنّ يَدَيْ شديد
حتى إذا أثريتُ عُدْ
…
تُ إلى السماحة من جديد
أيراني أجبتُ؟ إن لم يقتنع فسأرجع إلى مصاولته من جديد وإن اقتنع فأنا أنتظر منه جائزة سنية على هذا الجواب، والسلام
2 -
مشكلة جديدة
قبل ظهور العدد الماضي بثلاثة أيام قدمت الكلمة السابقة لمطبعة الرسالة، وراعني أن أجد أحد الأدباء سبقني بكلمة عن أبيات ابن رشيق، ولم تكن تلك الأبيات بعيدة مني، فهي من شواهد كتاب (الموازنة بين الشعراء) ولكن الحظ قضى بأن تكون (الجائزة السنية) من حق ذلك الأديب وقد وصلت كلمته قبل كلمتي
وهنا تظهر مشكلة جديدة تصورها الأسئلة آلاتية
1 -
حكم الأستاذ الكبير (ا. ع) بأن عبارة (من جديد) لم تكن شائعة بيننا قبل نحو عشر سنين، فهل يؤمن بقيمة الاستقراء الفردي في اللغات؟
2 -
وحكم بأنه ما كان يتوهم قط أن تصل هذه العبارة يوماً إلى أقلام البلغاء، فهل يتفضل فيشرح الأسباب التي تمنع وقوع هذه العبارة في كلام بليغ، ولو صح القول بأنها منقولة عن اللغات الأجنبية؟
3 -
ورجح القول بأنها مترجمة عن الإنجليزية، وأقول إن لها نظيراً في الفرنسية، فهل يجب أن ننفي من لغتنا كل عبارة لها نظائر في لغات الأجانب؟
4 -
قال أستاذنا (ا. ع) إنه جهد في أن يخرج هذا التركيب في مختلف أوضاعه تخريجاً سائغاً فلم يوفق، ثم قال:(قد يكون التقدير في عبارة الدكتور (من وقت جديد) أو (من شيء جديد) أو (من أمر جديد) مثلاً، ولكن كيفما قدرنا هذا الموصوف ألفينا الكلام غثاً لا معنى له)
ومن حقي أن أسأل أستاذنا عن الموجب لهذا التقدير وهو من صور التكلف والافتعال؟ يضاف إلى ذلك أن البحث عن أصول التعابير يضيع الغرض الأصيل وهو الإيجاز ويفقد التعابير حظها من الذاتية البيانية.
إن أجاب سعادة الأستاذ عن هذه الأسئلة بما يقنع فله عندي جائزة سنية، على شرط أن يخص السؤال الثاني بالعناية والاحتفال.
زكي مبارك
من جديد
اطلعت في العدد (427) من (الرسالة) على كلمة للأستاذ الفاضل محمود عزت عرفة،
يعقب بها على ما كتبته في تخطئة قول بعضهم: (من جديد)؛ ويستشهد لعربية هذا التعبير بما رواه لابن رشيق في إحدى قصائده.
ولقد طربت - علم الله - لهذا التصويب، وإن كان لا ينزلنا منزلة اليقين؛ - كما قال الأستاذ - يميل بنا إلى الجزم بانتهاء هذا التعبير إلى العربية الصحيحة، ويبعد بنا عن فكرة أنه مترجم عن الإنجليزية لقدم عهده.
وإني أشكر للأستاذ إفادتي وخدمته للغة بكشفه هذا.
هدانا الله إلى السداد، وألهمنا الصواب فيما نقول ونعمل.
(ا. ع)
الذي حرك العالم!
تساءل الأديب الفاضل أحمد الشرباصي في العدد الخامس والعشرين بعد الأربعمائة من (رسالتنا الغراء) عن السبب في تسمية (الجاز) المستعمل في المنازل بأسماء مختلفة، فقال: إن الحكومة تكتبه في البطاقات التي تعطى شهرياً للجمهور باسم (الكيروسين)، وكتاب السياسة يسمونه (البترول)، والعامة تسميه (الجاز)؛ ويقترح الأديب أن يطلق عليه (النفط)، كما كان يسميه العرب وتسمى منابعه (النفاطات).
والواقع أن (الجاز) أحد مشتقات عديدة تستخرج من زيت معدني هو البترول، أي أن كلمة (الجاز) لا ترادف كلمة (البترول)، والعلاقة بينهما هي علاقة الفرع بالأصل. وأما كلمة (الكيروسين)، فهي ترجمة إفرنجية علمية صحيحة للجاز، وموضوع (البترول) موضوع كيميائي متشعب. والمكتبة الإفرنجية غنية بالمصنفات العديدة عنه نظراً لأهميته الحيوية لجميع الأمم، سواء المتحاربة أم المسالمة، فما من مصنع يشتغل، أو سيارة تتحرك، أو طائرة تحلق، أو قطار يسير، أو بيت يعمر بأهله، إلا كان للبترول ومشتقاته فضل كبير في ذلك: فمنه يستخرج بنزين السيارات والطائرات، ومنه تستوقد النيران في المنازل بالجاز، ومنه زيوت التشحيم بأنواعها المختلفة، ومنه زيوت الديزل والمازوت للوقود، ومنه الشمع، ومنه الإسفلت. وأما كلمة (الجاز) التي شاعت على لسان الجمهور فأغلب الظن أنها مأخوذة من أحد زيوت البترول المسمى جاز أويل وهو نوع خفيف من زيت الديزل ويستضاء
به أيضاً.
وإذا كان قد جاء في المختار والقاموس والمصباح أن النفط ضرب من السرج يستصبح به، وأن النفاطة منبت النفط ومنبعه، فأظن أنه بعد التقدم العلمي في دراسة البترول وتقسيم مشتقاته لا يكفي. فعلى علماء المجمع اللغوي أن يحددوا اللفظ المقابل لكل من المواد السالفة الذكر، بعد أن اتضح أن الجاز شئ والبترول شئ آخر.
أحمد علي الشحات
كيميائي
استيضاح
في العدد (425) كتب الأستاذ الكبير (أ. ع) تعقيباً لغوياً على الدكتور زكي مبارك جاء في هامشه ما نصه: (ويكنى عن الأمر بكذا؛ إلا أن (كذا) تفرد إن لم يتعدد الفعل. قال في (المصباح): ويكون كناية عن الأشياء، يقال فعلت كذا، وقلت كذا؛ فإن قلت: فعلت كذا وكذا فلتعدد الفعل آه).
وفي هذا القول نظر، كما يقول الأسلاف إذ جاء في مختار الصحاح ما نصه:(تقول فعل كذا وكذا) و (تقول عندي كذا وكذا درهماً) وهذا يفيد جواز تكرار (كذا).
وقول المصباح: (فإن قلت: فعلت كذا وكذا فلتعدد الفعل) مبهم محتاج إلى توضيح، إذ لا نفهم معنى تعدد الفعل هنا؛ أيقصد تعدد الفعل من الفاعل، أم بقصد تعدد الفعل في الجملة وتقديره مضمراً يفسره المذكور، أم ماذا؟ مع ملاحظة أن المصباح نفسه قد أورد قبل ذلك في المادة نفسها هذه الجملة:(يقال اشترى الأمير كذا وكذا عبداً).
فهل يتفضل الأستاذ الكبير (أ. ع) بتوضيح ذلك وتبسيطه لعامة القراء؟
(البجلات)
أحمد الشرباصي
في اللغة
طالعت بجريدة الأهرام صباح الأحد كلمة (هناء) في مقال بإمضاء (مصري) وتحت عنوان
(يا أولياء الأمور) وقد سبق أن أنكر الباحثون وجود تلك الكلمة في اللغة وقالوا إن الصحيح (هناءة) لا (هناء) فهل يتفضل العلامة وحيد بك بما يؤكد الخطأ أو الصواب. ولحضرته الشكر.
(ع. ع)
القصص
ذَهَبْ آلْ هُوهِنِزْلَرِنْ
تأليف الكاتب الإنكليزي س. فورستر
للأديب سيد إبراهيم البكار
عندما كان ابن عمي بريان طالباً بالطب، كان كثيراً ما يختلف إلى منزلي، وخاصة عندما يكون في حاجة شديدة إلى النقود. أما الآن وقد أصبح طبياً ناجحاً فلم أعد أراه أو أسمع صوته. لذلك كانت دهشتي شديدة، عندما دق جرس التليفون في أحد الأيام وكان المتكلم بريان. وسألني عما إذا كان في استطاعتي أن أستغني عن جزء من وقتي ليواضعني الرأي في أمر هام. وقد انتهى حديثي معه بأن دعوته إلى العشاء.
ومع أنني كنت مشغولاً إذ ذاك بعرض إحدى رواياتي على مسارح لندن، ومنهمكاً في درس تفاصيل اتفاق مع إحدى الشركات السينمائية على شراء رواية أخرى، فإني كنت مشتاقاً إلى رؤية بريان، وقضاء بعض الوقت معه. فقد كان شاباً ظريفاً، يتفجر حيوية ونشاطاً.
وكان لبريان مقدرة عظيمة على ضبط نفسه، فلم يكلمني في ذلك الأمر الهام حتى فرغنا من تناول العشاء وشرب القهوة. وفي أثناء ذلك أخذ يسألني بكل أدب عن الرواية والفلم، وعن مدى نجاح مسرحيتي الجديدة. ولم يكن عجيباً أن يلقبني بريان بالعم فقد درج على ذلك منذ صغره، ولم أكن من ناحيتي أرى غضاضة في ذلك، بل كنت أعتبر هذا شعوراً طيباً منه نحوي. ولما فرغ بريان من إشعال سيجارته سألته عن ذلك الأمر الهام الذي كلمني عنه في التليفون.
قال بريان: حسن يا عمي، كل ما أريده منك أن تصحبني في رحلة على ظهر الدوليسينيا. والدوليسينيا هو الاسم الذي أطلقه على يختي الخاص.
قلت: يا طفلي العزيز، لقد كنت تتكلم الآن عن الرواية والفلم. وأنت تعرف أني أريد أن أنتهي منهما. وعلى ذلك لن يكون في استطاعتي أن أستغني عن دقيقة واحدة في ستة الأسابيع القادمة.
قال بريان: حسن، هذا ما كنت أخشاه، فبعد ستة أسابيع يكون الوقت قد مضى، وأنت تعرف أن الملاحة في الدانوب تتعطل في أثناء الشتاء.
- الدانوب؟ وأين تريد أن تذهب؟ ولماذا؟
- أنت ترى، ولكن يحسن بي أن أتكلم من البداية.
- إن هذا يكون أكثر إيضاحاً.
- لقد بدأت هذه القصة منذ أسبوعين مع أحد مرضاي وهو بحار ألماني ظريف يدعى (باير). وكانوا قد حملوه إلى المستشفى من الميناء، إذ أصابته إحدى الرافعات إصابة خطرة. وقد بلغت ما في وسعي لإنقاذه فنلت بذلك ثقته، وقد ساعدني على ذلك معرفتي باللغة الألمانية. وقبل وفاته بقليل أرسل إحدى الممرضات لاستدعائي - ولحسن الحظ كنت موجوداً حينئذ في المستشفى - وأخبرني عن الكنز.
- الكنز؟
- نعم، الكنز. إنها تبدو لك رواية خيالية. وقد فكرت فيك وهو يقص عليّ تلك القصة العجيبة. ألا ترى معي أنها كذلك؟ البحار الذي يحتضر يقص على الدكتور الطبيب في المستشفى قصة الكنز المخبوء، إنما كان ينبغي أن تكون مع البحار خريطة يبين عليها مكان الكنز.
- وهل كان معه؟
- كلا ولكن ما قاله يكفي. لقد قال إنه كان جندياً في الحرب العظمى، ولم يشتغل بالملاحة إلا أخيراً. وقد كان أحد الحراس الثلاثة الذين أرسلته الحكومة الألمانية لحراسة مقدار من المال أرسلته إلى بلغاريا أثناء الحرب. وقد عهد إلى أحد الضباط حراسة العربة المملوءة بالمال. ولما كانت أرض بلغاريا أرض صخرية وعرة، فقد وصلوا إلى هناك متأخرين. وأنت تعرف أن بلغاريا كانت أسبق الدول التي بادرت في التسليم.
- نعم. هنا صحيح. ولا زلت أعجب كيف أن الشبان الذين لم يكونوا إلا صبية صغار في سنة 1918 يعرفون عن معركة هاستنج أكثر مما يعرفه آباؤهم وأعمامهم الذين خاضوا غمارها وذاقوا ويلاتها.
وعاد بريان يقول: لقد كانوا قريبين من الحدود عندما سلمت بلغاريا. ولما سمع الضابط أن
جيشاً إنجليزياً كان في طريقه إلى صوفيا أمر بتحويل عربة الكنز إلى خط آخر، ووصلها بالقطار الذاهب إلى ألمانيا. ولم يكن سيرهم سريعاً، لأن خطوط السكك الحديدية كانت غير منتظمة. وكانوا لا يزالون في هنغاريا عندما سلمت النمسا أيضاً.
قلت: هذا معقول جداً. فالنمسا كانت ثانية الدول التي سلمت
واستطرد بريان يقول: وهكذا كانوا هناك مع عربة من عربات السكك الحديدية ملأى بالذهب. ولم يكونوا قادرين على التقدم ولا على الرجوع. وكان عليهم أن يعملوا عملاً حازماً سريعاً. ومما حملهم على ذلك أيضاً أن التشيك والرومانيين كانوا يسيرون في اتجاههم. وكان الإيطاليون يتقدمون نحو فينا. وبالطبع لم يكن الضابط يريد أن يستولي الخلفاء على ذلك الكنز ولذلك دفنوه.
قلت: وهل أخبرك أين دفنوه؟
- بالطبع. فقد وقف قطارهم عند تل عال يقع بالقرب من قرية تسمى (ديللنجن) على نهر الدانوب. وعلى قمة هذا التل صليب تذكاري. وقد تعاون الضابط وباير والرجل الثالث على إخراج الذهب من العربة، وحملوه ليلاً إلى أعلى التل، ودفنوه هناك على عشر خطوات من الصليب المذكور.
وقد قال لي باير إن المال كله كان في صناديق حديدية، من بينها اثنان لم يستطيعوا حملهما إلا بصعوبة.
- وهل تظن أنه كان يقول الحقيقة؟
- نعم. . إني متأكد من ذلك تأكدي من جلوسي هنا معك.
- ولكن هذا لا يعني أن الكنز لا يزال هناك.
- صبراً. فسأخبرك عن كل شئ في وقته، فبعد أن دفنوا الكنز رحل الثلاثة: باير، والضابط، والرجل الثالث، قاصدين بلادهم. وقد كان رجوعهم شاقاً، فقد كانت هناك ثورات في كل مكان؛ وكانت آثار التخريب والدمار بادية في كل قرية.
- نعم هذا صحيح، فقد شاهدت بعيني ما حدث في دول أوربا الوسطى بعد الهدنة بقليل.
- وعلاوة على ذلك لم يكن مع أحدهم الغذاء الكافي. وكانت العدوى الأنفلونزا منتشرة في ذلك الوقت، وقد أصيب بها الرجل الثالث فمات في فينا. وبقى باير والضابط. ولما وصلا
أخيراً إلى ألمانيا كانت الحرب هناك قد انتهت أيضاً؛ ولكن كانت هناك فتن وقلاقل داخلية. وبينما كانا خارجين من محطة السكك الحديدية في درسدن قذف شخص مجهول قنبلة أصابت من الضابط مقتلاً. وأصيب باير بجروح لم تكن خطرة على كل حال، فقضى هناك بعض الوقت حتى التأمت جروحه، ولما ثابت إليه صحته صمم على أن يحتفظ بسر الكنز لنفسه وألا يخبر به أحداً ما داموا لم يسألوه عنه. فقد نسى الجميع كل شئ عن هذا الكنز وسط القلق والاضطراب والثورات القائمة.
- ليس هذا بعجيب.
- حسن. منذ ذلك الوقت وباير يبحث عن طريقة يحصل بها على هذا المال؛ ولكن لم يكن ذلك بالشيء اليسير، إذ يجب عليه أن يجتاز بعض الحدود، ويتعرض للشبهات والظنون. وفضلاً عن ذلك فإن هذه الرحلة الطويلة الشاقة تتطلب كثيراً من النقود ولم تكن النقود متوفرة لديه. وكان يخاف أن يطلب معونة أحد حتى لا يطلعه على سره. لذلك أخذ يتنقل من عمل إلى آخر، منتظراً حدوث معجزة تدنيه من غرضه. ولكن لم يتحقق حلمه، فقد كان آخر عمل له أنه كان بحاراً على ظهر السفينة الألمانية، ولم يعش طويلاً؛ فقد مات بعد أن قص على هذه القصة.
- وهل سمعه أحد وهو يخبرك بهذه القصة؟
- كلا. إن هذا مستحيل. ومع ذلك فقد كان يكلمني باللغة الألمانية.
- حسن، كل شئ يكاد يبدو حقيقياً، ولكن ما هي خطتك؟
- أريد أن نركب الدوليسينيا إلى هناك، ويمكننا أن نبحر إلى أعالي نهر الرين، ونعبر القناة الواصلة بين الرين والدانوب.
- يا إلهي! لقد نسيت كل شئ عن هذه القناة.
- ومن ثم ننزل إلى الدانوب، من فينا، وبعد ذلك ترسى عند ديللجمة، ثم نحمل الكنز ليلاً إلى اليخت. وأنت تعرف أن اليخت أكثر صلاحية لتخبئة الكنز من السيارة. ولن يرتاب فينا إنسان أو يشك في الأمر أحد.
- هه!
- ستأتي معنا. أليس كذلك؟ سنكون أنا ودوروثي مسرورين بمجيئك.
- دوروثي؟ يا للشيطان! وما الذي أدخل دوروثي في الأمر؟ ودوروثي هي خطيبة بريان.
- نحن على وشك الزواج، وستكون هذه الرحلة بمثابة شهر العسل لنا.
- فليبارك الله نفسي. هل تظنني أصحبكما وأتطفل على زوجين في شهر العسل؟
- لكننا لا نبالي بذلك.
- ربما لا تبالون أنتم بالأمر؛ ولكني أنا أبالي. إني أفضل أن يختل عقلي - كما أتوقع لنفسي - بهذه التجارب وهذا الفلم. أما أنت فخذ اليخت، ولكن لا تسألني أن أصحبكما.
- أشكرك يا عمي. ستأخذ نصف الكنز. هل تقبل؟ إننا سنستخدم يختك كما تعلم.
ردني ما قاله إلى عالم الحقيقة مرة ثانية. لقد رن كل شئ في أذني معقولاً إلى الآن. ولكن عندما أخذت أنظر في الأمر عن كثب بدا لي كل شئ أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة الواقعة. فاكتشاف الكنز المخبوء لا يكون إلا في القصص والروايات.
وقطع على بريان سلسلة تأملاتي بقوله:
- كم تظن من المال هناك؟
قلت: أنا لا أعتقد أن دولة كبيرة كألمانيا ترسل إلى بلغاريا في أثناء الحرب أقل من مليون جنيه. أليس كذلك؟
وتناولت ورقة وقلماً وأخذت أحسب.
- كل شئ حسن. لقد حسبناها أنا ودوروثي. نحن نستطيع أن نحمل مليون جنيه على ظهر الدوليسينيا بكل سهولة.
وأخيراً اتفقنا على كل شئ. سأضع يختي تحت تصرف بريان؛ وعندما يأتي بالمليون سيعطيني عشر هذا المليون. وأنا أعتقد أن مائة ألف جنيه تكفي عجوزاً مثلي لكي يقضي بقية حياته في هدوء واطمئنان. ويستطيع بريان أن يأخذ باقي المليون، وإذا لم يستطع إنفاق كل هذا المال فعليه أن يعيد بناء مستشفى لندن. وكنت أعرف أن بلاد الدانوب مليئة بالفتن والقلاقل، وأنهم سيتعرضون لكثير من المخاطر. فلما أبديت مخاوفي إلى بريان ابتسم وقال:
- إن دوروثي تحب المغامرات، وهي تخوض المخاطر بشجاعة منقطعة النظير. وعلى كل حال نحن نعرف كيف نحتفظ برؤوسنا سليمة، فلا تخف.
وأخذنا نتناقش في بعض التفصيلات الخاصة بالرحلة، وإعداد العدة لها، ولم يبرح بريان منزلي إلا بعد الساعة الرابعة صباحاً.
وأخيراً أتى اليوم السعيد، يوم زواج بريان ودوروثي. ولم أستطع التخلص من مشاغلي إلا بصعوبة. وما صدقت أني أصبحت حراً طليقاً، من أوامر الأستديو، وقيود التجارب في يوم بأكمله، حتى قصدت الكنيسة حيث أقيمت مراسيم الزواج، ووقعت باسمي شاهداً في السجل الخاص بالزواج، ثم قدت العروسين السعيدين إلى مرسى الدوليسينا. كان أمامي ستة أسابيع قبل أن أراهما ثانية. ولا أقول إن هذه الستة أسابيع مرت ببطء، أو إني قضيتها على أحر من الجمر، فقد كانت مشاغلي كثيرة. كان أمامي الرواية المسرحية، ومضايقات التجارب التي لا تنتهي؛ ثم هناك أيضاً الفلم، ولا تستطيع من يشتغل بإخراج فلم أن يجد من وقته لحظة واحدة يقضيها في هدوء وسلام. وعندما انتهى الفلم وأصبح صالحاً للعرض، كان لا يزال على أن أنتهي من هذه الرواية بسرعة، وقد انتهيت منها في الوقت الذي تعهدت بتقديمها فيه إلى الناشر. وعندما انتهيت من هذا كله أحسست كأن عبئاً ثقيلاً أزيح عن عاتقي. ومن ثم أخذت أفكر طويلاً في الدوليسينا، وكنت أتخيلها وهي تأخذ طريقها عبر القناة بين مرتفعات بافاريا، ثم أتخيلها وهي تندفع مع التيار في نهر الدانوب؛ ثم أتخيلها وهي تثير شكوك البوليس في سبع دول مختلفة.
وكنت أواظب في أثناء ذلك على قراءة الجرائد الأجنبية. ولكني لم أعثر فيها على أي نبأ بالقبض على زوجين إنجليزيين بتهمة التجسس أو سرقة كنز. ولكنني مع ذلك أخذت أتضايق، وأوشك صبري أن ينفذ عندما سمعت جرس التليفون يدق فجأة، وكان الترنك يناديني من سوثهامبتن.
- هالو! عمي! لقد رجعنا ثانية. وكان الصوت صوت بريان.
قلت: وهل أنتما بخير؟
قال: نعم وقد وجدنا الكنز.
وصحت فجأة: وجدتما ماذا؟
- وجدنا الكنز كله سليماً. ألم أقل لك إني سأجده؟ سأخبرك بكل شئ في هذا المساء. نحن الآن في المحطة على وشك ركوب القطار إلى المدينة.
وربما كان أول ما خالج نفسي من مشاعر هو الاطمئنان لعودتهم سالمين، ولكن مع هذا طغى على فضول هائل لمعرفة كل شئ عن الكنز. وقد كنت ما أزال في ريب من أن هذه المغامرة قد انتهت بهذه السهولة. وعهدي بالمغامرات أنها لا تتحقق إلا في الروايات الخيالية التي كنت أؤلف منها العدد الكبير. كنت في الحقيقة بين الشك واليقين، وكنت في اضطراب ذهني، وقلق فكري، عندما أتى بريان ودوروثي لينقذاني مما أعاني.
قلت عند رؤيتهم: حسن؟
قال بريان: نحن مسروران لرؤية عمي المؤلف العظيم.
وقالت دوروثي: لقد رأينا ونحن في التاكسي جموع الجماهير المحتشدة وهي تتزاحم على شراء التذاكر لرؤية مسرحيتك الخالدة!
قلت: لعنة الله على المسرحية، لنتكلم عن الكنز أولاً.
قال بريان: حسن، ولكن أسمح لي أولاً بشيء من الشراب يا عمي.
وأحضرت إليه ما طلبه، ثم أخبرت الخادم أن الدكتور والمسز سومرست سيبقيان للعشاء. ثم استدرت نحوهما وقلت: حسن.
وابتدأ بريان يقول: لم تكن رحلة رديئة بالنظر إلى الدين كانوا يرافقونني.
ورمته دوروثي بمخدة صغيرة.
قلت وقد شعرت بالغضب لتدخلها: لا تكوني طفلة حديثة الزواج هكذا! اتركي هذا الطفل الأحمق يقص قصته بطريقته الخاصة.
وعاد بريان يقول: لم تكن الرحلة تستحق الذكر. إلا أن النهر كان مليئاً بالقوارب الكبيرة والجرارات الضخمة التي كانت تحدث صوتاً عالياً، حتى أنك لا تستطيع أن تسمع كلامك نفسه؛ وقضينا يومين على هذا الحال. أما اليخت فيجب عليك يا عمي أن تضع فيه ماكينة فاخرة بعد ذلك. لقد كنت أقول دائماً إنك ستستعمل اليخت عاجلاً أو آجلاً.
قلت بضيق: سأفعل ذلك في المرة القادمة.
- هذا عن نهر الرين. أما الملاحة في الدانوب فقد كانت حسنة. إنه نهر واسع جميل، وكانت الرياح تساعدنا، وكانت الأمواج هادئة، وبعبارة أصح كانت الرحلة موفقة. آه، لقد نسيت أن أخبرك عن العبور من هولندا إلى ألمانيا. كان علينا أن ندفع. . .
قلت وقد نفذ صبري: أنا لا أهتم بما تدفعه. استمر في قصتك.
- حسن، لقد عبرنا تشيكوسلوفاكيا والنمسا والمجر، وكان كل من يرى الراية الزرقاء ترفرف على اليخت لا يفهم السبب الذي حدا بيخت إنجليزي خاص إلى المجيء إلى أواسط أوربا، ولكنهم اعتادوا رؤيتنا فلم يسببوا لنا متاعب عند رجوعنا أخيراً بالذهب؛ وكان كل مكتب جمارك يدعونا ليلقي علينا بعض الأسئلة عن المكان الذي أتينا منه، وعما نفعله، وإلى أين نحن ذاهبان، وكان أكثرهم يتظاهر بأنه لا يعرف الألمانية.
قلت وقد عيل صبري: لعنة الله على الألمانية! ألم تذهب أخيراً إلى ديللنجن؟
- نعم في آخر الأمر، وكان أول شئ بدا لنا من ديللنجن هو الصليب التذكاري على المرتفعات القريبة من الماء. وكان هناك خط حديدي بجوار التل كما قال باير تماماً؛ وكان علينا أن نذهب إلى الشاطئ ونعبر شريط القطار، ثم نصعد إلى قمة الجبل، ولما وصلنا إلى ذلك الصليب التذكاري خطوت عشر ياردات إلى الشمال منه، وكان كل شئ حسناً.
- ماذا تعني بقولك حسن؟
- لقد قال باير الصدق، فقد كان هناك كثيب صغير من الرمال وحشيش نام لا يلاحظه إلا من يعرف مكانه بالضبط.
وعلى ذلك فقد رجعنا إلى اليخت، وانتظرنا إلى أن أتى الليل، وكان الانتظار طويلاً ومملاً، إذ كان يلوح لنا أن الوقت لا يتقدم. ولما خيم الظلام على الكون، ذهبنا إلى الشاطئ ثانية. . . وكنت قد اشتريت مجرافاً أثناء مروري بمدينة فينا، فأخذناه معنا واجتزنا شريط القطار، وكان قطار الشرق السريع الآتي من استامبول يمر في ذلك الوقت. . . فانتظرنا حتى مر، ثم ارتقينا التل في الظلام. ولم يكن من السهل العثور على ذلك الصليب التذكاري في هذا الظلام الشامل. . . ولكن كان من حسن حظنا أننا قد أتينا إلى هذا المكان في النهار. . . فجلست القرفصاء، وأخذت أتحسس الأرض لكي أعثر على كثيب الرمل. . . ولما وجدته بدأت أحفر في ذلك المكان. . . ولم أحفر كثيراً، فبعد أن حفرت ثلاث بوصات بدأ المجراف يحدث صوتاً مسموعاً نجم عن اصطدامه بشيء معدني، وكان ذلك الشيء صندوقاً حديدياً كبيراً. . . وبذلنا أنا ودوروثي مجهوداً كبيراً حتى أخرجناه من الحفرة. . .!
وكان هناك صناديق أخرى في تلك الحفرة. وكنت أعرف أننا إذا أخرجناها كلها من الحفرة فلن نجد الوقت الكافي لكي نحملها إلى اليخت قبل طلوع النهار. وهذا يعني أن بعضها سيبقى على التل إلى النهار، وسيظهر الناس على حقيقة الأمر كله. لذلك آثرنا أن نحمل هذا الصندوق أولاً، ثم نحمل بقية الصناديق في الليالي التالية. وعلى ذلك، فقد ردمنا الحفرة بمهارة ورجعنا إلى اليخت بالصندوق الأول، وكان ثقيلاً. وقد حدث أن وقع على قدمي، وكشط الجلد كله، وكانت دوروثي هي السبب في ذلك. . .
وصاحت دوروثي معارضة: كلا، لست أنا. . .
وصحت غاضباً: كوني هادئة، أيتها الطفلة. . .
وعاد بريان يقول: حسن، بعد ما اجتزنا شريط القطار أوصلنا الصندوق إلى اليخت بواسطة قارب، ثم وضعناه أخيراً في الكابينة، وكان أمامنا وقت كاف لكي نحضر صندوقاً آخر، ولكننا آثرنا أن نفتح ذلك الصندوق أولاً لنرى ما بداخله.
وكأنما تعمد بريان مضايقتي، لأنه اختار هذه اللحظة بالذات لكي يشعل سيجارته، ولكنني امتنعت عن أي معارضة وانتظرت بفارغ الصبر حتى انتهي من هذه العملية وعاد يقول:
- ولم يكن فتح الصندوق بالشيء الصعب، فقد كان القفل قديماً قد أتلفه الصدأ، فلم نجد صعوبة في كسره، وكان. . .
فقاطعته وأنا أقول بلهفة: وماذا وجدتم في الداخل؟
- وجدنا المال الذي قال عنه (باير)؛ ولكنه كان أوراقاً مالية، وبالطبع كانت هذه الأوراق من الطبعة التي أصدرتها ألمانيا أثناء الحرب. وكان في الصندوق نصف مليون فرنك إن لم يكن أكثر؛ وأظنك اشتريت لي أوراقاً من هذا النوع بعد الحرب مباشرة لكي ألعب بها، وفي الوقت الذي خرجت فيه هذه الأوراق من دائرة التعامل، كان المائة ألف منها تساوي بنساً واحداً على ما أظن!
سيد إبراهيم البكار