المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 429 - بتاريخ: 22 - 09 - 1941 - مجلة الرسالة - جـ ٤٢٩

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 429

- بتاريخ: 22 - 09 - 1941

ص: -1

‌الأدب والإصلاح

للأستاذ عباس محمود العقاد

أشار الدكتور زكي مبارك إلى حديث لي لخصته صحيفة العزيمة الأسبوعية بقلم مراسل من مراسليها ولخصه الدكتور في قوله إن الأدب ينبغي (أن يكون للأدب، فلا يكتب الكاتب غير ما يوحي به الطبع، وهو يعني بالحقائق الخالدة؛ أما المشكلات التي تتعلق بالطبقات المختلفة فهي مشكلات وقتية يناط تدبيرها بالرجال الإداريين)

ثم قال الدكتور: (أما بعد فهذه، مشكلة من أصعب المشكلات، وللأستاذ عباس العقاد أن يوضح رأيه كما يشاء)

ورأيي في هذا الموضوع الذي يستحق التوضيح إن الأديب لا يغض من أدبه أن يكتب في مسائل الاجتماع والإصلاح الموقوت، ولكن الكتابة في هذه المسائل ليست شرطا من شروط الأدب وليست حتما لزاماً على كل أديب

لان الأدب التعبير، والتعبير غاية مقصودة، وغاية كافية، وغاية لا يعيبها أن تنفصل عن سائر الغايات

ولا فرق بين الأديب المعبر بنظمه ونثره وبين الموسيقي المعبر بألحانه ونغماته. فكلاهما يصف النفس الإنسانية في حالة من حالاتها، وكلاهما مستقل بوحيه لا يشترط فيه أن يتعرض لعمل المصلح الاجتماعي أو الباحث الأخلاقي أو الناظر في مشكلات الثروة وشؤون المعيشة

وإنما جاء اشتراط البحث الاجتماعي أو الاقتصادي على الأدباء وأصحاب الفنون بدعة من بدع المذهب الاشتراكي في العصر الحديث، وهو مع هذا نقيض الدعوة الاشتراكية في الأساس والصميم

لان الدعوة الاشتراكية تستكثر على الفقراء أن يستغرقوا حياتهم في طلب القوت والاشتغال بأعباء المعيشة، وترى أن الحياة الصالحة هي الحياة التي يقل فيها جهد العمل، وتكثر فيها فرص المتعة بالنعيم

فإذا كان هذا هو رجاءها الأعلى وغايتها القصوى، فمن اعجب العجب أن تجعل الخبز وضرورات المعيشة شاغلا لكل عامل وقائل، ومحوراً للأحلام والآمال، وفريضة لا يعفى

ص: 1

منها أحد من الناس حتى الذين وكلتهم المجتمعات الإنسانية منذ كانت إلى التجميل والتزيين وتذكير أبناء آدم بأنهم نفوس وألباب لها مطالب في بعض ساعاتها غير مطالب المعدات والجلود! وأكبر من مطالب السوائم والحشرات

ماذا نقول! أنقول السوائم والحشرات؟ كلا معاذ الله أن نتهم السوائم والحشرات بالاستغراق في المطاعم والمعدات، فإنها تعلمنا ما يجهله غلاة الاشتراكيين، ويريدون منا أن نغفل عنه ونتعلم نقيضه: تعلمنا أن الجمال، وأن الطعام ضرورة مفروضة وليس بالحياة كلها ولا بالشاغل الذي يستوعب كل حي في كل ساعة في كل عمل وكل مسعاة: تعلمنا إنها تغني وتمرح وتلعب وتحير الشمس والقمر، وتلوذ بالأعشاب والأزهار، ولا تدين نفسها بدين الخبز والمعدة إلا ريثما تفرغ من هذه السخرة والمفروضة عليها أو هذا العبء الذي يثقلها ويعطلها عن سرورها ونشوتها

ونحن إذ نقول هذا لا نجهل ما يقوله الاشتراكيون إذ يستخفون بالفنون والآداب التي تناط بالجمال الخالد ولا تناط بالمنافع الموقوتة. فإنهم يزعمون أن الجوع أولى بالتفكير والتعبير من هذه المطالب التي يسمونها بالكماليات وهي هي كما أسلفنا طلبة الحياة وطلبة جميع الأحياء

وحسن ما يقولون أو فليكن حسناً كما يشاءون، ولكن الأمة التي لا تستطيع أن تفرغ من حياة جميع أبنائها بعض ساعات لبعض هؤلاء الأبناء يشبعون فيها مطالب الجمال، هي أمة لا تستحق الطعام ولا تستحق الوجود. فبحسب الفرد عشر ساعات من الأربع والعشرين للكد والكدح وطلب المعاش؛ وبحسب الأمة تسعة ملايين وتسعمائة وتسعة وتسعون ألفاً من عشرة ملايين بين أفرادها يكدون ويكدحون لمعاشها. وغير كثير بعد ذلك ألف أو اقل من ألف يذكرونها الجمال ويعبرون لها عن أحلام الحياة التي يعطيها الطير والحشرة وتعطيها الضارية والبهيمة كل ما استخلصته من براثن الضرورات

لا بل نزيد على ذلك أن الألف الذين يذكرونها الجمال ويعبرون لها عن أحلام الحياة لا يخلون من فائدة في باب الخبز والطعام إذا نظرنا إلى النتائج والحقائق ولم نقصر النظر على البوادر والعناوين

فالشاعر الذي يفتن المرء بجمال الزهرة، يرفعه من معيشة الذل والشظف، ويجعل قناعته

ص: 2

بالدون والسفساف ضرباً من المستحيل. وفكتور هوجو لم يكن من أصحاب البرامج الاجتماعية، ولكنه وصف البؤس والظلم فأغنى عن البائسين والمظلومين ما لم يغنه الدعاة المنقطعون لما يسمونه: مشاكل المجتمع وبرامج الإصلاح. وكل نغمة موسيقية تعبر عن شوق إنساني هي خبز لا يحسن بالإنسان أن يحتمل جوعه ويصبر على فقده، لان عدم الخبز الذي تطلبه المعدات فقر وعوز. أما عدم الخبز الذي تطلبه الأرواح، فهو مسخ وحرمان من الأذواق والأخلاق

ويكثر الاشتراكيون من ذكر الاقتصاد، ويحسبون الدنيا بحذافيرها اقتصادا في اقتصاد، وهم يخالفون قواعد (القصد الطبيعي) فيما يشيرون به على نوابغ الأدب والفنون، لأنهم يطلبون من العبقريين الموهوبين عملا يقوم به من ليست لهم عبقرية فنية ولا ملكة أدبية، إنما يغنى فيه من درسوه وحذقوه وتفرغوا لإحصاءاته وقواعده ومقابلاته ومقارناته، ونريد به بحث المسائل الاجتماعية، ومسائل الفقر والغنى، وتوزيع الثروة ونظام الطبقات. فهذه موضوعات لا حاجة بها إلى عبقريات هوميروس وابن الرومي والمتنبي وشكسبير وبيرون؛ ولا تخسر شيئا إذا أقبل عليها من خلقوا لها وانقطعوا للإحاطة بمعارفها وأصولها، ولكن العالم الإنساني يخسر أولئك العبقريين إذا وقفوا ملكاتهم على مسائل يوم أو مسائل امة، لن تصبح بعد يوم آخر ولا بين أمة أخرى. . . في حين إن الذي كتبوه لا يزال شاغل بني الإنسان في جميع الأيام وبين جميع الأقوام

فليس من القصد الذي يترنم به الاشتراكيون أن تصرف عبقرية من عمل تحسنه، وتحيلها إلى عمل يتولاه غير العبقريين وغير الموهوبين، وإنما هو خلط في التوزيع يعاب لما فيه من سوء الوضع فوق ما يعاب لفشله وقلة جدواه

ويستطرد بي هذا المقال في (الرسالة) للأستاذ رمسيس يونان، ينحلني فيه كلاماً لم أقله ولم أقل ما يؤديه؛ بل قلت ما هو نقيضه على وجه صريح لا محل فيه لتأويل

فالأستاذ رمسيس يونان يروي الحقائق عند العقاد ومنها (أن الأمان كل الأمان، خطر على الهمم والأذهان، وانه لو اطمأن كل فرد إلى قوته وكسائه، فقدنا من بني الإنسان العنصر المقتحم المغامر)

ثم يقول: (ولو صدر هذا القول من إسماعيل صدقي مثلا لعذرناه، ولكن الغريب حق أن

ص: 3

يصدر من العقاد. فكيف يستطيع العقاد الشاعر أن يقول انه لا تكون مغامرة أو اقتحام إلا حيث يكون طلب الرزق، وإن الإنسان لا يغامر في سبيل غرام أو في سبيل كشف علمي أو إنتاج فني؟! ولماذا لا نقول إن روح المغامرة إذا تحررت من هموم العيش وأعباء الثروات، فسوف تكتشف لنفسها ميادين وآفاقاً جديدة هي اجدر بعواطف الإنسان؟!)

والعجيب كما أسلفت أنني صرحت بنقيض هذا الكلام في مقالي عن المال الذي يناقشه الأستاذ رمسيس يونان. فقلت: (إن طلب المال كطلب العلم فطرة لا تتوقف على التوريث ولا على ما يعقبه الأباء للأبناء؛ وقد يهمل الإنسان رزقه ورزق أبنائه ليتابع الدرس ويتقصى مسألة من مسائل العلم والمعرفة. . . وإنما تفسر أعمال الإنسان بالبواعث والدوافع قبل أن تفسر بالنتائج والغايات. وإذا قيل لنا أن فلانا يجمع المال لأنه يخاف عاقبة الفقر، قلنا: ولماذا يخاف هذه العاقبة التي لا يخافها غيره! إنه لا يخالف غيره إلا لاختلاف البواعث النفسية دون الاختلاف في الغايات. . .)

هذا كلامي فكيف فهمه كاتب المقال عن الفقر ومسألته الاجتماعية؟!

فهمه على أسلوب الاشتراكيين في فهم كل شيء؛ وأسلوبهم انهم يفهمون ما يروقهم، وأن الذي يروقهم هو المناوأة والإنكار، وعلى هذه السنة ينكرون العصامية كما ينكرون الغنى، ويسمون الفقر مسألة اجتماعية ليريحوا أنفسهم من العطف على الضعفاء، فلا هم يطيقون الممتازين بالفضل أو الثروة، ولاهم يشعرون بالعطف الصحيح على المحرومين من النبوغ والمال. وماذا يفيد العطف كما يقولون؟ أليست هي مسألة اجتماعية لا دخل فيها للشعور والرحمة؟!

وكأننا إذا قلنا أن الفقر داء اجتماعي يعالج كما تعالج الأدواء الاجتماعية خرجنا به من طريق العلاج. . . وكأنهم إذا قالوا إنه مسألة وليس بداء فرجوا أزمة الفقر أو اقتربوا بها من التفريج على أن الحقيقة إن الدنيا لن يزال فيها الفقراء والأغنياء، ولن يزال فيها الأذكياء والأغبياء، ولن يزال فيها الأخيار والأشرار، ولن يزال فيها السمان والعجاف والطوال والقصار والأقوياء والضعفاء. وآفة الاشتراكيين انهم لا يعيشون ويتعرضون مع هذا لعلاج مسألة العيش. . . فحياة كارل ماركس الشخصية تكتب في صفحتين، وكذلك حياة لينين وستالين وإخوانهم اجمعين. ولو عاشوا لفهموا العيش غير هذا الفهم وعالجوه

ص: 4

غير هذا العلاج

فقوانين الحياة سابقة لقوانين الأجتماع. وقوانين الحياة هي التي أوجبت بين الناس هذا التفاوت في الأرزاق كما أوجبته بين الحيوان والنبات. وعبث أن نعلق الرجاء بالمستحيل، فلا انتهاء للتفاوت في مطبوع ولا في مكسوب. وغاية ما نستطيع أن نمنع الفقر الذي يشقى به من لا يستحقه، وان نرفع طبقة الفقراء بالقياس إلى الأغنياء، وأن نجعل للأمم نصيباً من ثروة الأفراد

أما محو التفاوت في الكسب فلا سبيل إليه، وليست كلمة (مسألة) بالتي تخلق سبله لو كان إليه سبيل.

عباس محمود العقاد

ص: 5

‌خلاصة من كتاب:

الحروب الحاسمة في التاريخ

للأستاذ محمد توحيد السلحدار بك

(من (أحاديث القهوة) حديث دار بيننا عن هزيمة ألمانيا المنكسرة في الحرب الماضية وأسبابها الظاهرة والباطنة؛ فقال الأستاذ السلحدار - ومن عادته أن يجعل لكل حديث نتيجة - إنه قرأ في هذا الموضوع كتاباً له قيمة وفيه ثقة؛ ثم لخص لنا رأي المؤلف فكان فصل الخطاب ومقطع الحكم. فرغبت إليه أن يكتب هذا التلخيص لقراء الرسالة فكتبه الأستاذ لتوه من غير تنقيح ولا مراجعة)

في سنة 1933 نشر بايو كتاباً اسمه (الحروب الحاسمة في التاريخ) ? والكبتين ب. هـ. لدل هرت الكاتب العسكري للانسيكلوبيدية البريطانية وترجمته الفرنسية هي لكل من ميرا والكلونيل فنلونج قال المؤلف: إن موضوع الكتاب والغرض من وضعه وقيمته هي أمور لم تتعين في ذهنه تعيناً دقيقاً إلا شيئاً فشيئاً، وعلى ترتيب وسياق هما دون المعتاد في إعداد كتاب. ذلك بأن فكرته الأصلية إنما كانت أن يستخلص الجوهر من مطالعات واصلها عدة سنين، ومن خواطر ألهمته إياها هذه المطالعات. ولذا جاء كتابه خلاصة مكثفة من ملاحظاته التي دونها في أثناء دراسته لكل من تلك الحروب الحاسمة.

وقال إنه أول من وضع لكتابه من غير أن يدخل فيه نظرة في عوامل الحرب الكبيرة الماضية وفيما بين هذه العوامل من علاقات ونسب؛ وقد علل ذلك بأن الاعتماد على أسانيد وافرة أخذاً عن وثائق المحفوظات وعن الشهادات الشخصية كان يومئذ أمراً ممكناً، لكنه اعتقد أن الجو كان لم يزل مشحوناً بكهرباء المجادلات العلنية بسبب ما تدور عليه من المصالح الخاصة؛ وتلك حال يصعب فيها التجرد من الشهوات لقبول حكم في الموضوع. وكان هو شديد الرغبة في آلا يضعف مثل هذا الجو ما أعتبره درساً صادقاً حيوي الأهمية استنبطه من الماضي لينفع في المستقبل، إذ كان غرضه من التأليف هو في الواقع تنشيط بحوث تجري بروح علمي لا إذكاء نار الجدل. كان يريد بما استنبطه من خبرة العالم القديم والعالم الحديث أن يمكن القارئ من الاهتداء إلى الدروس التي أتت بها حرب سنة 1914 إلى سنة 1918. غير أن أصدقاء ونقادا بصراء عرض عليهم أول وضع للكاتب حثوه

ص: 6

على أن يدخل فيه بعض نظرات في تلك الحرب تصل بين خبرة الماضي وخبرة العصر على النظام الذي تقتضيه طبيعة ملاحظات المؤلف، محتجبين لنصيحتهم بأن الطلبة قد أتيح لقليلين منهم الفرصة والوقت للتعمق في أكداس المواد التاريخية

فالكتاب أبحاث استراتيجية في الحروب الحاسمة، مهد لها مؤلفه بفصل في التاريخ من حيث هو خبرة عملية؛ ثم بحث في حروب اليونان (إيبا مينونداس وفيليب والأسكندر فحروب رومة (هنيبال وسبيون وقيصر فحروب القرون الوسطى، فحروب القرن السابع عشر (جستاف أدلف - وكروميل وترين فحروب القرن الثامن عشر (مرلبورو وفريدريك الثاني فحروب الثورة الفرنسية (نابليون)، فحرب القرم وحرب سنة 1914 يريدون بكلمة استراتيجي في اللغة الفرنسية باباً من الفن العسكري يتعلق بخطط قيادة الجيوش إلى حيث تلاقي جيوش العدو. ويعنون بكلمة تكتيك فن ترتيب الجنود واستعمالها في القتال.

وقد ذهب المؤلف إلى إن هذين التعريفين ضيقا النطاق، وإن التكتيك والإستراتيجي متداخلان. وإن هناك الإستراتيجي العادية والإستراتيجي الكبرى وهي تشمل السياسة العامة للحرب سواء أدارت في ميدان أم في ميادين، وأن هذه السياسة يضعها ويديرها الحكام المدنيون؛ أما القواد العسكريون - خصوصا في البلاد الديموقراطية - فعليهم حسن استعمال وسائل القتال لتحقيق أغراض السياسة. وفيما يلي خلاصات من بعض فصول الكتاب. قال صاحبه:

1 -

رجال العسكرية في العالم يعترفون جميعاً بصدق قول نابليون في الحرب: (إن نسبة الحال النفسية إلى الحال المادية كنسبة ثلاثة إلى واحد) في الحرب

وقد لا يكون لهذه النسبة أية أهمية في الحقيقة إذا اجتزئ بالنظر إلى قيمتها الحسابية، لان المستوى النفسي يميل إلى الهبوط عند عدم كفاية السلاح، وأي نفع يكون لأشد الإرادات ثباتاً في جسم هامد؟

لكن لذة الحكمة قيمتها على الدوام، وإن كان العامل النفسي والعامل المادي متلازمين، وكان كل منهما لا ينقسم، لأنها عبارة عن أن العوامل النفسية هي المرجحة في جميع الأعمال العسكرية الحاسمة؛ فإنها عليها وحدها تتوقف باطراد نتيجة المعركة ونتيجة الحرب؛ وفي

ص: 7

التاريخ العسكري هي وحدها العوامل التي توجد على قليل من الاختلاف في جميع مسائل الحرب، في حين أن العوامل المادية تختلف في كل موقف تقريباً وفي أثناء كل حرب. ويمكن أن يصاغ معنى تلك الحكمة في أسلوب أقرب إلى التعبير العلمي فيقال: إن قوة بلاد العدو تشبه أن تكون قائمة على عدد العسكر وعلى المصادر المادية على حين أن العساكر والمصادر متوقفة توقفاً جوهرياً على اعتدال القيادة وعل حال الجيش النفسية وعلى المؤن.

2 -

الاقتراب المباشر هو قيادة الجيش إلى ملاقاة الجيش المعادي الأساسي رأساً والهجوم على قلبه طلبا لنتيجة حاسمة، ولم ينتج هذه النتيجة إلا في النادر عند التفاوت العظيم بين الجيشين. إما الاقتراب غير المباشر فهو الاقتراب بحركات الالتفاف عن بعد والهجوم على جوانب الجناحين، أو في الميدان البعيد عن الجيش الأساسي عند تعدد الميادين، وهو الذي جاء بالنتيجة الحاسمة في كل حرب تقريباً.

3 -

والحصر، بحرياً كان أو برياً، يمكن عده من أعمال الاقتراب غير المباشر والإستراتيجي الكبرى؛ وقد كانت الدول الوسطى في آخر سنة 1917 تعاني شدته القاسية. وهذا الضغط الاقتصادي هو الذي خدع الألمان وحملهم في سنة 1918 على هجومهم العسكري في الميدان الغربي (اقتراب مباشر بالنسبة إلى سائر الميادين)

إن فرنسا في سنة 1914 حاربت بخطة حربية اشتهرت باسم الخطة رقم 17 تم وضعها بعد تعيين جوفر رئيساً لهيئة أركان الحرب العامة سنة 1912، وهي الهجوم السريع المفاجئ على قلب الجيش الألماني رأساً بالاقتراب المباشر. ومن الغريب أن هذه الخطة كانت مستلهمة من آراء للقائد الألماني فون كلوزويتز في حين أن الخطة الألمانية التي وضعها الكونت شيلفن سنة 1905 كانت قريبة إلى آراء نابليون. فكانت الخطة الفرنسية خير ما ساعد فون شيلفن على تحويل الخطة الألمانية الأصيلة إلى طريقة الاقتراب غير المباشر من غرب بلجيكا. ومحل المهارة الحقيقة الدقيقة التي جعلت هذه الخطة اقتراباً مباشراً هي الفكرة المتبعة فيها في توزيع القوات على أقسام الجيش: 53 فرقة للمفاجأة الأولى والصدمة من بلجيكا، وعشر فرق لتكون محوراً أمام فردان تدور عليه تلك الكتلة، وتسع فرق فقط للجناح الأيسر من الجبهة الألمانية على طول الحدود الفرنسية فيما يلي

ص: 8

فردان من الشرق إلى الجنوب. غير إن مولتك عدل في تلك الخطة من سنة 1905 إلى سنة 1914 إذ قوى الجناح الأيسر تقوية لم تحفظ النسبة بينه وبين الجناح الأيمن الذي كان معداً للتقدم من بلجيكا، وأبعد الطريق المختار لهذا الجناح عن البحر؛ ثم لم يزل يقوض بتعديلاته أسس الخطة في الميدان حتى انهارت وعدل عنها آخر الأمر في 4 سبتمبر سنة 1914 (معركة المارن الأولى 5 - 9 سبتمبر سنة 1914). ومن تعديلاته أنه أجاب على تحدي الفرنسيين عند قيامهم بالهجوم المباشر في أغسطس سنة 1914، وحاول إحداث معركة حاسمة في اللورين فجنح بذلك إلى الاقتراب المباشر.

ولو أن ألمانيا - بعد معارك المارن في سنة 1914 وحتى بأخرة عنها - اتبعت سياسة حرب دفاعية في الغرب هجومية في الشرق (اقتراب غير مباشر) لجاز أن تختلف النتيجة: إذ ليس يوجد غير أسباب واهية كانت تحمل على الظن بان جهود الحلفاء - في هذه الحالة - كانت تصل إلى أكثر من حمل ألمانيا على النزول عن بلجيكا وشمال فرنسا مقابل احتفاظها، غير مدافعة، بغنائمها في الشرق. أما في سنة 1918 فإن الفرصة كانت قد فاتتها وكان جلدها الاقتصادي قد تأثر تأثراً خطراً. ذلك هو الموقف الذي كانت فيه ألمانيا سنة 1918 حين بدأت هجومها الأخير في الميدان الغربي

نظر المؤلف في معارك الميدان الغربي إلى إبريل سنة 1918 ثم قال:

أصبحت فكرة فوش الموجهة لقيادته أن يحتفظ بالقدرة على ابتداء الأعمال الحربية غير مسوق في المحاربة بعمل العدو ? وألا يدع له سبيلا إلى الراحة في ذلك الوقت الذي فيه كانت القوات الاحتياطية تتجمع لديه هو. وكان أول عمل قام به هو تخليص السكك الحديدية على جوانب جيشه وذلك بسلسلة من الهجمات المحلية

فقام هيج بالهجمة المحلية الأولى في 8 إبريل سنة 1918 تجاه أميان وقد ضاعف لذلك جيش رولنسن باحتياطات وحيل ماهرة من حيث لم يشعر الألمان. ولعل هذه الهجمة - التي قادها450 دبابة - كانت أتم مفاجأة وقعت في هذه الحرب، وقد كفت لإفساد الاعتدال النفسي في القيادة الألمانية، وأشعرت لوندورف بهزيمة جنوده المعنوية حتى حملته على التصريح بأن الصلح لن يمكن الوصول إليه إلا بالمفاوضة. وقال: إنه ريثما يتيسر ذلك يجب أن يكون هدف ألمانيا الإستراتيجي شل إرادة العدو الحربية شيئاً فشيئاً بدفاع

ص: 9

إستراتيجي!!

تلاحقت الهجمات حتى عرقلت خطة لودندورف، إذ لم يبق في وسعه أن ينقل جنوده الاحتياطية بسرعة تمكنه من سبق ضربات الحلفاء ومنعها، واستمر النقصان في هذه الجنود بنسبة كانت في مصلحة الحلفاء؛ وقد سمحت هذه الخطة للحلفاء مدة - على الأقل - بأن يستمروا في التقدم وأن يضعفوا المقاومة الألمانية بالتدريج على نسبة النقصان العددي والخور النفسي في القوات الألمانية. ونظراً إلى هذا الانحطاط، وإلى تأكيد هيج أنه يستطيع اختراق خط هندنبرج قرر فوش أن يقوم بهجوم عام في آخر سبتمبر. وكان من نتائج هذا الهجوم أن جلا الألمان عن الأراضي التي احتلوها بهجومهم سنة 1918، وان ارتدت جبهتهم الغربية كلها، وأتيح لهم تقصيرها وتعديلها بتضحية ساقة الجيش في تقهقره.

في 11نوفمبر سنة 1918 - وهو يوم الهدنة - كانت القوات الألمانية التي دفعها الهجوم العام آمنة في جبهتها المعدلة، وكان الحلفاء الزاحفون في وقفة لم تكن يومئذ بسبب مقاومة العدو بقدر ما كانت لصعوبة تموين الجيوش منطقة أمحلتا الحرب وخربتها.

لم يكن للهجوم العسكري في طوره الأخير إلا أهمية ثانوية؛ لكن الصدمة المعنوية التي أصابت القيادة الألمانية بفعل المفاجأة الأولى التي قام بها هيج بدباباته يوم 8 إبريل سنة 1918 في بدء الهجوم، تلك الصدمة قد أكملتها الحرب في ميدان بعيد وقعت فيه حركة اقتراب غير مباشر، جعلت الصدمة قاتلة: ذلك أن هجوم الحلفاء من (سلانيك) هو الذي أدى إلى هذه النتيجة، فإن العدو لم يستطع أن يمنع تقدم الحلفاء على جناح، إذ لم يتمكن من جلب جنوده الاحتياطية بسرعة كافية بسبب بطأ حركاته في تلك الجبال. وقد طلب البلغار الهدنة إذ انقطع جيشهم قطعتين وهم متعبون من الحرب. وهذا الفوز الذي أحرزه الحلفاء أخرج من ميدان البلقان البعيد أهم نصير فيه للدول الوسطى، وفتح الطريق لتفجر الجنود المتحالفة على النمسا من خلف. ولقد تعين هذا الخطر المهدد عند نجاح هجمة إيطالية على الجبهة النمسوية المنهوكة القوى النفسية والمادية، لان تسليم النمسا في الحال أمر جعل للحلفاء إمكان التصرف في أرضها وسككها الحديدية، واتخاذ قواعد فيها للأعمال حربية ضد ألمانيا من بابها الخلفي. وكان الجنرال جلوز قد صرح للمستشار الألماني - منذ سبتمبر - بأن ما كان من ذلك محتملا وقوعه يومئذ يكون حاسماً إذا هو وقع فعلا. فهذا

ص: 10

الخطر المهدد وهو الدخول من الباب الخلفي، والتأثر النفسي المتفاقم من وقع الحصر - الذي هو اقتراب غير مباشر في الإستراتيجي الكبرى - حصر شعب جائع ضائع الأمل، هما أمران كانا مهمازين دافعين للحكومة الألمانية انتهيا بها إلى التسليم.

ففي الطور الأخير من هجوم الحلفاء العام، قام هيج في 29سبتمبر بهجمة على خط هندنبيرج كانت أخبارها الأولى مقلقة للألمان. ويومئذ قررت قيادتهم العليا فجأة أن تطلب الهدنة زاعمة أن انهيار بلغاريا قلب كل ترتيباتها: إذ كانت قد اضطرت إلى أن ترسل إليها جنوداً أعدت أولا للميدان الغربي، وهذا تصرف كان قد غير الموقف تغييراً أساسياً بسبب الهجمات التي وقعت في الوقت نفسه على الجبهة الغربية؛ وهي هجمات وإن أمكن صدها إلى ذلك الحين، يجب أن يتوقع الألمان استمرارها، تلك هي الحال التي فيها دعي البرنس ماكس إلى تولي وظيفة مستشار الإمبراطورية ليبدأ المفاوضة في الصلح، وسبب اختياره لذلك هو شهرته بالاعتدال والأمانة.

وقد طلب البرنس إمهاله عشرة أيام أو ثمانية أو حتى أربعة ليساوم مساومة مفيدة من غير اعتراف بالهزيمة قبل أن يفاتح العدو رأساً. لكن هندنبرج كرر بصراحة قوله (إن خطورة الموقف العسكري ليس يمكن معها أي تأجيل) وشدد في (أن يعرض الصلح على الأعداء في الحال) فأرسل طلب (الهدنة في الحال) إلى الرئيس ولسن يوم3 أكتوبر.

وقد تضمن طلب (الهدنة في الحال) اعترافاً واضحاً بالهزيمة. وكانت القيادة العليا قد اجتمعت برؤساء جميع الأحزاب السياسية في أول أكتوبر وأعدتهم من شعورها هذا فقوضت بذلك دعائم جبهتها الداخلية الخاصة قبل إرسال طلب الهدنة إلى الحلفاء بيومين: لان هذا النور الفجائي أعمى رجالا طال إبقاؤهم عمداً على جهل الأمور وحرك دعاة السلام وكامن قوى الخلاف جميعها. وقد قامت الثورة في ألمانيا يوم 4 أكتوبر، أي بعد إرسال الطلب بيوم، وانتشرت في أنحاء البلاد، فاستقال البرنس ماكس في 9 نوفمبر وسلم مقاليد الحكم إلى إبرت الاشتراكي.

حقا إن لودنددرف هدأت نفسه بعد 29 سبتمبر بمدة، حين اطلع على تقارير تخبره أن الحلفاء خففوا هجماتهم. ولم يرجع عن طلب الهدنة ولكنه كان يريدها لإراحة الجنود، بل شعر في 17 أكتوبر أن هذه الإراحة قد يمكن الاستغناء عنها وذهب إلى تصوره للموقف

ص: 11

في 29سبتمبر كان أسوأ من الحقيقة الواقعة.

لكن شعوره الأول كان قد ذاع أمره في الدوائر السياسية والجمهور الألماني، وكانت الأمة قد تحطم قوة إرادتها وفقدت الثقة بالقيادة العامة. وفي 23 أكتوبر أجاب الدكتور ولسن على المذكرة الألمانية إجابة كانت في حكم طلب التسليم بلا قيد ولا شرط، فاضطر لودندرف إلى الاستقالة في 26 أكتوبر.

والنظر في تاريخ مائة اليوم الأخيرة من تلك الحرب يبين صحة الدرس القديم قدم العالم: ذلك أن الغرض الحقيقي في كل حرب هو إصابة عقلية رؤساء العدو لا أجسام عساكره؛ ويبن أن صدمة المفاجأة والشعور بالعجز عن درء الأعمال الإستراتيجية المحتملة هما اللذان أوهيا قوى لودندرف المعنوية أكثر مما أوهاها فقده الجنود والمدافع والأراضي.

محمد توحيد السلحدار

ص: 12

‌الحديث ذو شجون

للدكتور زكي مبارك

الترقية إلى المدارس الثانوية - إلى وزير المعارف - ردوا

هؤلاء المدرسين إلى المدارس الأولية! - أربعة قرون من

تاريخ العراق - افتحوا الشبابيك وانظروا الليل، لتشغلوا عما

في قلوبكم من أسباب المعاطف والحتوف

الترقية إلى المدارس الثانوية

كانت وزارة المعارف تراعي (الأقدمية) في ترقية المدرسين من الابتدائي إلى الثانوي، مع ملاحظة تقارير المفتشين ومع النظر في درجات (الدبلوم) وذلك نظام غير مقبول، وإن كان يعتمد على قواعد لها صلات (ظاهرة) بفكرة العدل.

والحق أن نظرية (الأقدمية) لها دخل في تعويق المواهب، لأنها تصل بأهل البلادة والخمود إلى ما يريدون على مر الزمان، وتصد الموهوبين عن الوصول إلى مطامحهم العالية فتردهم أشباحاً تنتظر مرور الأيام لتصل إلى الهدف المنشود بلا تعب ولا عناء.

والحق أيضاً أن درجات الدبلوم ليست وثيقة أبدية لكفاية المدرس، فقد يخمد نشاطه بعد ذلك، وقد يبذه من سبقهم في الترتيب.

وإذن فلا بد من مقياس جديد، وهو مقياس (المسابقة) لاختيار المدرسين للمدارس الثانوية، وذلك نظام لا يثور عليه غير الزاهدين في الدرس والتحصيل، أو الخائفين من الخيبة والإخفاق

وقد أجريت المسابقة بين المدرسين في الأعوام الأخيرة فكانت فرصة لمراجعة نحوية وصرفية وبلاغية وأدبية غفل عنها أكثر مدرسي اللغة العربية، وكذلك يقال في سائر المواد، فتلك المسابقة هي في الواقع فتح جديد، وإن قيل فيها ما قيل.

فإن لم يكن بد من النص على بعض المؤاخذات فأنا أقول إن الترفق بالمتسابقين ظاهر ظهوراً جلياً، وكنت أحب أن يكون ذلك الاختبار أقوى مما رأيناه، ليكون شهادة بالقدرة على

ص: 13

التعمق والاستقصاء، ولتكون له جميع خصائص ال بحيث يمكن للسابقين أن يصبحوا ولهم منازل أدبية وعلمية تستوجب الالتفات.

والخطأ يرجع إلى الأساس الذي يبنى عليه تكوين اللجان، فتلك اللجان تختار في الأغلب من رجال مشغولين، وهم الرجال الذين تختارهم وزارة المعارف لجميع اللجان، كأنهم من (أهل الخطوة) وكأنهم يقدرون على كل شيء، فهم أعضاء في كل لجنة، وهم شهود في كل اجتماع، وهم زينة جميع الحفلات!!!

واختيار اللجان على هذا الأساس يضيع المقصود من المسابقة بعض التضييع، فالأصل أن يكون عند الممتحن من الوقت ما يسمح بأن يراجع مواد الامتحان بعناية وتدقيق، ليدرك الفروق الخفية بين مواهب الممتحنين، وليشعر المتسابقين بقيمة التعمق والاستقصاء، وذلك لا يتيسر لرجل مشغول، وأعضاء اللجان عندنا رجال مشاغل بحرفة الاشتراك في اللجان، وهي حرفة لم نجد لها أثراً فيما قرأنا من كتب التاريخ! جعل الله كلامي خفيفاً على جميع أعضاء اللجان!

أما بعد، فقد ثار على هذا النظام (ستة نفر) من المدرسين بالمدارس الابتدائية؛ وهم الأساتذة: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعبد السلام محمد هارون، وعلي محمد البجاوي، وإبراهيم الأبياري، ومحمد سعيد العريان، وعبد الحفيظ شلبي. وهم يرجعون أن يرقوا إلى المدارس الثانوية بدون امتحان

ولكن كيف وهو نظام لا يثور عليه رجل حصيف؟؟

هم يجيبون بان لهم جهوداً في (التأليف والتحقيق الأدبي) وتلك الجهود لا تقل قيمة عن الجهود التي تبذل في الاستعداد لذلك الامتحان!

وأقول إن هذا حق، فلهؤلاء المدرسين جهود محمودة في التأليف والتحقيق، وفيهم من وصل إلى الابتكار في بعض الفنون.

ولكن وزارة المعارف لا يعجزها أن تجيب، فهي تقول إن هذا الباب إن فتح فسيتيح فرصاً كثيرة لأدعياء التأليف والتحقيق. وهي تقول أيضاً إن المؤلف أو المحقق لا يجوز له النكول عن مثل ذلك الامتحان.

وأنا أرى ما ترى وزار المعارف في هذا الموضوع؛ ولكن الحجة التي ساقها هؤلاء (النفر)

ص: 14

- وهو التعبير الذي اختاروه في المذكرة التي قدموها إلى وزير المعارف - الحجة التي ساقوها تبعث على التفكير في حظهم من الأنصاف

يقول هؤلاء: (أن مدرسي اللغة العربية الذين يبلغون 1200 ليس فيهم إلا ستة نفر استعلنوا بجهودهم بين هذا الجمع الجامع) إلى آخر الاحتجاج

في مصر 1200 مدرس لم يلتفت منهم إلى التأليف والتحقيق غير هؤلاء؟؟

أهذا حق؟ أم هو وهم اعتصم به أولئك المدرسون؟

إن كان حقاً فيجب أن يرقوا في الحال، وإن كان باطلا فيجب أن يحالوا إلى (مجلس تأديب)، لا نهم أهانوا طائفة المدرسين!

وعلى فرض إنهم لم يقولوا غير الحق فلن تعجز وزارة المعارف من الجواب؛ فستقول - وقد قالت - إن المسابقة يراد بها اختيار المدرسين الأكفاء لا المؤلفين الأكفاء، وهنالك فروق بين التدريس والتأليف

وهذا أيضاً حق، ولكن هؤلاء المدرسون رضا عنهم المفتشون في أمد يزيد على عشر سنين؛ فماذا تريد الوزارة اكثر من ذلك لتطمئن إلى صلاحياتهم للتدريس؟

إلى وزير المعارف

وزيرنا اليوم هو معالي الدكتور محمد حسين باشا، وهو رجل منوع المواهب، ولكن التاريخ لن يحفظ له غير موهبة واحدة هي موهبة التأليف والتحقيق، لأنها اظهر مواهبه العقلية، فما الذي يمنع من أن يتلطف فينظر إلى هؤلاء المدرسين بعين العطف وقد شاطروه اقتداء العيون تحت أضواء المصابيح؟

إن لم ينصفهم الوزير المؤلف فمن ينصفهم؟

وإن كان في ريب من قدرتهم على إجادة التأليف فليراجع مؤلفاتهم (في أوقات فراغه) ليحكم لهم أو عليهم بما يشاء!

ردوا هؤلاء إلى المدارس الأولية

ومن هؤلاء؟ هم جماعة من المدرسين في المدارس الابتدائية لا يحسنون كتابة مذكرة إلى وزير المعارف وإن كان فيهم أفراد من أهل التأليف والتحقيق

ص: 15

وأعيذ القارئ أن يفهم إني أغض من أقدار معلمي المدارس الأولية؛ فأنا أشير دائماً أن يكون (كبار الأساتذة أوصياء على صغار التلاميذ) فالطفل يحتاج إلى مدرس عنيد، أما التلميذ أو الطالب فحاجته قليلة إلى المدرس الممتاز، لأنه يطلع بنفسه على دقائق العلوم والفنون

فمن هؤلاء الذين أشير يرجعهم إلى المدارس الأولية عقابا لهم على التقصير في الإنشاء؟

هم (النفر) الذين يرجون أن يرقوا إلى المدارس الثانوية بدون امتحان، بفضل ما قدموا في خدمة التأليف والتحقيق؟

وسأهجم على هؤلاء النفر، مع الرجاء أن يراعي وزير المعارف إن هذا الهجوم لا يراد به الغض من منازلهم الأدبية، فهم حقاً وصدقاً من أفاضل المدرسين وإنما جاءت العلة من اشتراك جماعة في كتابة مذكرة معدودة الأسطر والكلمات ولو أنشأها كاتب واحد لجاءت غاية في الوضوح والجلاء

وإليهم أسوق المؤاخذات الآتية

أولا - قال إن ماضيهم في التدريس والتأليف قضى بأن (لا تتهيأ لهم العوامل النفسية التي تسمح بأن يقبلوا على امتحان الترقية)

ومعنى ذلك إنهم صاروا في أنفسهم أعظم من لجان الامتحان مع إن الأخبار ترد من وقت إلى وقت بأن في أوربا وأمريكا من يتقدمون إلى المسابقات بعد الخمسين، ولهم في ميدان المجد الأدبي والعلمي مكان

ثانيا - قالوا (إن المعلم بعد أن ينضج وتكتمل شخصيته العلمية لا يتأتى له أن يعود تلميذاً يستوعب ويفرغ ما يستوعبه)

وأقول إن التلميذ الحق هو المدرس الحق، والاستكبار على التلمذة ضرب من الجهل

ثالثا - قالوا (إن الذي يحسن أن يقول لا يستحسن كما يقال)

وأجيب بأن امتحان الترقية يطالبهم بالنقد لا بالاستحسان

رابعا - قالوا (إن الذي له عقل الناقد غير الذي له عقل السامع)

وأقول إن السمع نوع من النقد، لو كانوا يعقلون!

خامساً - قالوا: (كلما أرتفع الإنسان منزلة في الرأي نزل مرتبة في الاستعداد للتعلم من

ص: 16

غيره)

وأجيب بأن هذا هو زهو بغيض، ولو أنصفوا لحكموا بأن الارتفاع في الرأي يزيد في الاستعداد للفهم والاستيعاب

أما بعد فمذكرة هؤلاء النفر لن تنفعهم بشيء لأنها أقيمت على حجج ظاهرة البطلان

ولكن هذه المذكرة لا تصور أقدار هؤلاء المدرسين، وأنا أنتظر أن يتلطف وزير المعارف فينظر إليهم بعين العدل والأنصاف وهو أقدر الرجال على وزن أهل التأليف والتحقيق

إن غلطة واحدة يكشفها باحث في كتاب قديم أو حديث تستوجب الالتفات، فما سكوتنا عمن جماعة كشفوا العشرات أو المئات من الغلطات؟

يضاف إلى ذلك أن الاهتمام بالتأليف والتحقيق يشهد لاصحابه بالقيمة الأخلاقية، فأولئك المؤلفون والمحققون أنفقوا أوقات فراغهم فيما ينفع ويفيد، ولم ينفقوها في (لعب الأوراق) كما يصنع الفارغون من أكثر الموظفين!

أنصف هؤلاء، يا معالي الوزير، ليعرف جمهور المدرسين أن الدرس والبحث والتنقيب من الأعمال التي لا تضيع

هؤلاء جنود العلم والأدب، يا معالي الوزير وهم صوت مصر الصداح، وإليهم وإلى أمثالهم يرجع الفضل في رفع صوت مصر بأقطار الشرق

وما عسى أن تكون مصر في العهد الحديث لو حرمت أصوات الشعراء والكتاب والمؤلفين؟

أولئك هم المضحون بأنفسهم في سبيل المجد المصري، فمن الواجب أن نعفيهم من حضور الامتحان، أمام فلان وفلان، وأنت تعرف ما أريد!؟

أربعة قرون من تاريخ العراق

كتاب ظهر بالإنجليزية سنة 1925 وهو من تأليف المستر لونكريك المفتش الإداري بالحكومة العراقية سابقاً، ونقله إلى العربية الأستاذ جعفر خياط مدير التعليم الثانوي بوزارة المعارف العراقية

وترجع أهمية هذا الكتاب إلى انه تحدث عن عصور لم يتحدث عنها أحد بالتفصيل، فقد بحث عن تاريخ العراق ف العصور المظلمة من بداية القرن السادس عشر إلى نهاية القرن

ص: 17

التاسع عشر

وكانت النية أن أنظر فيه نظرة عابرة لأكتب عنه كلمة تقوم مقام التحية لصديق كريم من أعز أصدقائي في العراق، وهو الأستاذ جعفر خياط وليس من الإسراف أن تذكر صديقاً بالخير لأنه ترجم كتاباً بلغ أربعمائة صفحة بالقطع المتوسط، وإن لم نطل النظر في ذلك الكتاب

وبدأت بقراءة الفصل الأخير لأهميته عندي، وهو الفصل الذي يسجل أعمال مدحت باشا في العراق، فقد كنت سمعت أنه أعظم حاكم عرفته تلك البلاد بعد الحجاج، ثم استهواني أسلوب المؤلف في التاريخ فمضيت صعداً إلى أن وصلت إلى المقدمة، وكان آخر ما قرأت كلمة المترجم، وتم ذلك كله في يومين اثنين، بفضل مهارة المؤلف في إحياء معالم التاريخ

دلني هذا الكتاب على الكثير من الحقائق، ومنه عرفت كيف كانت دول أوربا تغازل العراق في القرن التاسع عشر، وكيف كانت التجارة وسيلة لإيقاع بلاد الرافدين في الإشراك

والمؤلف لم يرد بكتابه غير هداية قومه إلى خصائص الحياة العراقية، وهو قد صرح بأنه يتحدث (عن تاريخ بلاد يتعلق ماضيها الأخير بحياة الألوف من أبناء بلاده ومصايرهم) ولم يفته أن ينص على أن تلك المصاير تثير الجدل بين مواطنيه وهم ينظرون إلى المستقبل بعناية والتفات

وكذلك يرى علماء الإنجليز أن التاريخ أداة من أدوات النفع، وهل يدرس التاريخ لغرض أنفع من هذا الغرض؟

إن الهدف الأول لهذا المؤلف هو إرشاد قومه إلى خفايا العصور التي كونت العراق الحديث، وقد وصل إلى ما أراد، وإن كان اهتمامه بتسجيل ما صنع أسلافه لم يخل من تحيز مستور أو مكشوف، والنزاهة المثالية لا تتاح لجميع الناس

ولا بد من النص على أن هذا الكتاب من نماذج البراعة في سرد حوادث التاريخ، وهو يربط العراق بالأمم التي تأثر بها من قرب أو من بعد في مدى أربعة قرون، حتى لنكاد نشهد سيال المنافع بين تركيا وإيران، ول شئت لقلت إنه يشير من طرف خفي إلى تأثير مصر في بعض وقائع التاريخ، وتلك نقطة لم يلتفت إليها مؤرخو مصر في العصر الحديث

ص: 18

وإذا كان المؤلف قد أراد هداية قومه إلى خصائص الحياة العراقية، فقد أراد المترجم أن يدل قومه على تلك الخصائص بنقل هذا الكتاب إلى العربية، وهم قوم شغلتهم متاعب الكفاح من تأريخ العراق في عصور الظلمات

وفي مقدمة المترجم إشارة إلى جهود الدكتور مصطفى جواد في المراجعة وبعض التعليقات، وهي إشارة ذكرتنا بأديب فاضل قضى وقتاً في طلب العلم بالجامعة المصرية، وترك في أنفس عارفيه صورة محفوفة بالود والإعجاب.

افتحوا الشبابيك وانظروا الليل

الشبابيك جمع شباك، وهي كلمة فصيحة تؤدي معنى لا تؤديه كلمة النوافذ؛ كما تؤدي كلمة الدكاكين معنى لا تؤديه كلمة الحوانيت

والليل صديقي في هذا العهد، ولا أقضيه في غير داري، لان صدري ينقبض من السهر في القاهرة منذ عرفت المصابيح الزرق؛ وكانت لياليها أشد إشراقاً من الصباح

وفي هذه الليالي البيض أو السود، عرفت قيمة الخلوة إلى قلبي؛ كما عرفت قيمة الليل، وكما عرفت أن القلم هو الصديق الباقي على الزمان

إذا عوت صفارة الإنذار كان من واجبك أن تطفئ النور وتفتح الشبابيك؛ كما توصي (وزارة الوقاية المدنية)، وقد اكتفت بذلك فلم تأمرك بالنظر إلى الليل، ولعلها تخاف عليك ففي صدورنا بقية من الخوف الموروث عن أسلافنا القدماء، يوم كانوا يعيشون في الغابات والأدغال، وحين كان الليل مسرح المهالك والحتوف

ولكن، هل تعرف لم أوصيك بنظر الليل حين تطفئ المصباح؟

أوصيك بنظر الليل لتشغل به عن النظر في قلبك، إن كان لك قلب!

وهل في الوجود معاطب أخطر وأعنف من المعاطب المبثوثة في ثنيات القلوب؟

الوقوع في مهاوي سقر أهون عليّ من الوقوع في مهاوي قلبي، ففيه مخاوف ومهالك لا أستطيع اجتيازها بأمان، ولو زودتني المقادير بما زودت به أهل الغفلة والجمود، وما أسعد الغافلين والجامدين من أبناء هذا الزمان!

احترس من قلبك كل الاحتراس، وتغافل في كل وقت عن مطامحه العاتية، فهو لا يقنع بالقليل، ولا يرضيه إلا أن تسيطر على جميع من في الوجود، وأين أنت مما يريد؟

ص: 19

احترس من قلبك، إلا أن تعرف كيف تسايره في أودية الأماني والآمال، وشعاب الشعر والخيال

احترس من قلبك، كما أحترس من قلبي، فما سايرته إلا في ميدانين اثنين: ميدان الحب وميدان المجد، ثم كان نصيبي أن أقضي حياتي في عناء وشقاء

القلب، وما أدراك ما القلب؟ هو جارحة روحانية تدرك بها ما لا تدرك بالجوارح الطبيعية، وهو سبب ضلالك وسر هداك، فنزهه من النظر إليه في كل وقت، لينتفع بغفلتك عنه فينبغي ويستطيل، كما يصنع السفهاء عند غفلة الرقيب!

لا بد لك من قلب فتاك صوال، ليكون من حظك أن تشهد قيام الموازين، فقد سمعت أن الخلائق لن تبعث جميعا، وإنما يبعث من لهم تاريخ في إزاغة البصائر أو هداية القلوب. . .

زكي مبارك

ص: 20

‌كليلة ودمنة

نقد وتعليق

للأستاذ عبد السلام محمد هارون

(تتمة)

29 -

15: 195 (أرادوا إدخال النقص عليك في ملكك)

كلمة (النقص) ركيكة في هذا المعرض لا يقولها مثل ابن المقفع. وإنما هي (النقض) بالضاد المعجمة. والنقض الإفساد وحل العقد. وهي سائرة في لغة الجاحظ وأضرابه من أمراء البيان العربي

30 -

5: 199 (وكانت شارته إليها أن غمزها بعينه).

الشارة: الحسن والهيئة واللباس. وليست مرادة. بل هي (إشارته). وقبل هذا (وأشار عليها بأخذها فأخذتها)

31 -

15: 199 (فأضاء كل ما حولها فاشتاف إليها، وقال لإيراخت) فاعل (أضاء) هو (كل). وأما فاعل (اشتاف) فهو الملك، فالجملتان محتاجتان إلى فاصل بينهما، واشتاف بالفاء، إذا تطاول ونظر. واشتاف البرق أي شامه. ومنه قول العجاج:

(واشتافَ من نحو سهيل بَرْقا)

32 -

200: 9 (فأنها امرأة عاقلة لبيبة، حريصة على الخير، سعيدة من الملكات، ليس لها في النساء عديل) وكيف تكون (سعيدة) مع أن الملك أمر بقتلها وأوشك أن ينفذ أمره؟ ثم هو في معرض التنويه بخصالها. وليست السعادة خصلة أو خلقاً من الأخلاق. والوجه (سديدة (الرأي) من الملكات (التي) ليس لها في النساء عديل)

33 -

11: 208، 12 (الذي يصنع الطعام وينظفه لسيده ثم يقدمه إليه في إبانه) ليست كذلك، وإنما هي (وينضجه لسيده) تصحفت على الناسخ فشوهها بما رأيت

34 -

5: 210 (والجرئ الجاهل المقدم على ما ليس له وإن أتلف نفسه ونفس غيره في طلب حاجته وشحه) صوابه (ونجحه) والنجح بالضم النجاح وإدراك البغية

35 -

13: 223 (إن أنا وأخذته) هي لغة في (آخذته) بالهمز. قال صاحب القاموس

ص: 21

(وآخذه بذنبه مؤاخذة. ولا تقل وأخذه). وفي اللسان (والعامة تقول وأخذه) والحق أن الكلمة عربية، وأنها لغة لبعض العرب. وفي المصباح: وتبدل واواً في لغة اليمن فيقال وأخذه مواخدة. وقرأ بعض السبعة (لا يواخذكم الله) بالواو، على هذه اللغة. والأمر منه واخِذْ)

وقال العرب في مثل ذلك (واخيته) لغة في (آخيته) و (واسيته مواساة) لغة في (آسيته مؤاساة)، و (واكلته) لغة في (آكلته)، (وامرته) لغة في (آمرته)

والهمز في كل ذلك أكثر وأجود

36 -

15: 224 (الحيوانات) جمع حيوان. زعم بعضهم أن العرب لم تنطق بها. ومجيئها هنا شاهد على صحتها وعلى استعمالها. وقد استعملها (الجاحظ) في كتاب الحيون (س 1 265: 3) قال: (والنسيم الذي يحيي جميع الحيوانات) وكذا الثعالبي في فقه اللغة ص24 طبع الحلبي، قال (فصل في طبقات الناس وذكر سائر الحيوانات). وكذا البغدادي في طبقات (الفرق بين الفرق) المتوفى 429 قال في ص118:(وأصناف الحيوانات) وقال في الصفحة، نفسها (ولا نوعاً من الحيوان) فأجاز بذلك الاستعمالين. واستعمله أصحاب (رسائل إخوان الصفاء) في الجزء الثاني من طبعة التجارية، استعمالاً كثيراً، يدل على ذيع هذه الكلمة وإقرار العلماء لها

37 -

234: 9: (وقع موقع من يركب ناب الفيل المغتلم ثم يغلبه النعاس). كثر ما ورد اسم (الفيل) في هذا الكتاب وذاك راجع بالطبع إلى الجو الهندي الذي يشيع فيه. وتجده أيضاً مقروناً بكلمة (المغتلم)، كما ورد في 47 س11، 71 س13، 79 س1، 255 س5، فهو مضرب المثل عندهم بالقوة وشدة اليأس. قال الجاحظ في ذلك:

(وإذا اغتلم الفيل قتل الفيلة والفيالين، وكل من لقيه من سائر الناس ولم يقم له شيء، حتى لا يكون لسواه هم إلا الهرب وإلا الاحتيال لأنفسهم). ثم ذكر قصة كان يتداولها الفرس عن مصارعة كسرى لفيل مغتلم تمكن من ضربه والفتك به.

38 -

3: 250: (فلما رأوا الأسد قد احتشد في طلب اللحم وغضب): أرى أنها (احتد) والحدة تقارن الغضب

39 -

4: 247: (فما الذي يشبه كفك عن الدماء وتركك اللحم)؛ وكلمة (يشبه) مقحمة، لعلها زيادة من المملي للناسخ حين تردده في الكلمة بعدها؛ وصواب العبارة: (فما الذي كَّفك

ص: 22

عن الدماء وأكلِكَ اللحم)

490 -

4: 256: (واللهج بالزنا): لا تجوز كتابتها بالألف إلا لمن نظر إلى أنها مقصورة من الممدودة (الزناء) وهي لغة بني تميم، ولغة أهل الحجاز القصر؛ ومن ذهب إلى قصرها لم يكتبها إلا بالياء، لأنها يائية الأصل.

41 -

11: 271: (وعلمنا أنك كنت لما ساق الله إليك من ذلك أهلاً، بفضل قسمه لك، وتابع نعمه عليك). فعلى أي فعل عطف الفعل (وتابع)؟!

إن عطف على (قسمه) استرك المعنى وعاد الضمير في (نعمه) إلى (فضل) أي نعم الفضل، وليس ذلك شيئاً؛ والوجه:(بفضل (ما)(قسمه). . . الخ. أو (بفضل قسمه لك، ونعمة تابع عليك) - أي تابعها - أو (بفضل قسمه لك، وسابغ نعمه عليك)

42 -

2: 52: (كالشعلة من النار التي يصونها صاحبها وتأبى إلا ضياء وارتفاعاً). سبق الحديث عن هذه الفقرة في رقم (5)، وكنت على شك من صحة كلمة (يصونها)، إلى أن ظهر لي وجهها فيما قرأت من عيون الأخبار:(ذو الهمة إن حط، فنفسه تأبى إلا علواً، كالشعلة من النار (يصوبها) صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً)؛ والتصويب: الخفض والتنكيس؛ وفي التهذيب: (صوبت الإناء ورأس الخشبة تصويباً إذا خفضته). فصاحب النار يخفض رأس الخشبة المشتعلة، فلا يمنع ذلك النار أن ترتفع وتأخذ طريقها في العلو

43 -

13: 276 (ولم تجدي من الأسف والحزن على شبليك شيئاً إلا وقد كان من كنت تفعلين بأحبابه ما تفعلين يجد مثله أو أفضل منه). وليس يقال حزن فلان حزناً أفضل من حزن فلان، أو أسف أسفاً أفضل من أسفه، والوجه (أمثل) كما ورد في أصل النسخة. و (أمثل) هنا تفضيل من مثل بالرجل يمثل مَثْلا ومُثْلة: نكل به. فالمعنى أشد تنكيلاً منه

44 -

279: 4 (ويبقى حيران متلدداً). وفي نسخة بولاق 1. 1 (متردداً) وعند ابن الهبارية 267:

عاد إلى طِلاب ما قد تركا

فضلَّ عنه وبقى مرتبكا

والمتلدد والمتردد بمعنى، وهو من أسرار العربية: أن يختلف اللفظان في حرفين متقاربي المخرج فإذا المعنى واحد أو كالواحد. وفي اللسان (تلدد: تلتفت يميناً وشمالاً وتحير متبلداً). وجاءت هذه الكلمة بالراء في 280: 12 (فبقى حيران متردداً)

ص: 23

4 -

في التعليقات

1 -

أورد الأستاذ في شواهده على أثر الأسلوب الفارسي في هذه النسخة ما جاء في صفحة270 (فسأله رجل فقال) وقال في المقدمة 26 (تشبه هذه الجملة التعبير الفارسي): (برسيده كفت) وفي التعليقات 300 (هذه الجملة تذكر بالتعبير الفارسي (برسيده كفت)

وليس للأسلوب الفارسي أي أثر في هذه العبارة، بل هي عربية خالصة جرى عليها العرب في الغابر، واستفاضت في كلامهم

وبين يدي أحد الصحاح الستة، وهو صحيح أبي عبد الله البخارى. ففي 2: 1س6 (أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي). وفي 162: 1س3 (أن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت) وفي161: 2س3 (سألت أنس بن مالك رضى الله عنه قلت أخبرني بشيء عقلته عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي 41: 3س (عن عمران بن حصين رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله - أو سأل رجلاً، وعمران يسمع - فقال: يا أبا فلان). وغير ذلك كثير.

2 -

287 تعليقا على ما ورد في الأصل ص16 (آدرهرير) قال الأستاذ: (نظنها محرفة عن آزر هربد، أي سادن النار)، ولست أدري: لم عدل عن لفظ (آدر) بالدال إلى (آذر) بالذال المعجمة مع انهما بالفارسية في معنى واحد، وهو النار؟!

3 -

وفي الصفحة نفسها تعليقاً على ما ورد في ص21 س4 (ما أتذمم منك) أن (ذلك) وضع موضع الضمير والمعنى ما أتذمم له. قال الأستاذ (وضع الإشارة موضع الضمير هنا يشبه التعبير الفارسي) وقال نحو هذا القول في تعليقه في المقدمة ص26 على قول ابن المقفع (تجرى أمورهم فنونا يغلب على أكثر ذلك الخطأ) حين استشهد على أثر اللغة الفارسية في ترجمة ابن المقفع

والحق أن هذا أثر من آثار اللغة العربية لا الفارسية؛ فإن العرب يضعون الإشارة موضع الضمير في كثير من عباراتهم. ويطرد ذلك في ربط الجمل الخبرية، والأصل في ذلك الضمير. وفي الكتاب (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار) أي هم. وفيه (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) أي كله

ص: 24

4 -

288 تعليقا على ما ورد في الأصل ص30 (أكن كالمصدق المخدوع الذي زعموا أن جماعة من اللصوص) أن كلمة الذي هنا تشبه أن تكون ترجمة الكلمة الفارسية (كِهْ) وهي تكون بمعنى الذي، وتأتي للتعليل والتفريع. أي أن ابن المقفع ترجم كلمة (كه) بكلمة (الذي) مع أنها هنا للتعليل والتفريع، أي بمعنى (فقدته) فلا تحتاج إلى ضمير عائد، على حين أن كلمة (الذي) في استعمالها العربي تحتاج إلى عائد

وهذه شبهة طيبة، واستنتاج حسن. ولكن الضمير العائد إلى الموصول يحذف كثيراً. وجاء حذف العائد حين يتصل بحرف الجر في قول الله تعالى:(ذلك الذي يبشر الله عباده) أي به. وفي قوله (فاصدع بما تؤمر) في أحد وجهي تخريجه وقول حاتم الطائي:

ومِنْ حسدٍ يجورُ عليّ قومي

وأيُّ الدهر ذو لم يحسدوني

أي فيه، وذو موصول عند طيء. وقال الجاحظ (فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم) أي كان هذا منه. فهذا الحذف في كلامهم جائز وإن كان قليلاً جداً. وهو أولى في التخريج مما ذهب إليه الأستاذ من تأثير اللغة الفارسية. وابن المقفع أيقظ من أن يؤثر في بيانه العربي هجنة فارسية، أو يلتاث في ترجمته هذه اللوثة

5 -

295 تعليقاً على ما ورد في 174 من قوله (وأكيس الأقوام من لم يكن يلتمس الأمر بالقتال ما وجد إلى غير القتال سبيلاً): (هممنا أن نحذف (يكن) من هذه الجملة ثم رأينا أنها تشبه أن تكون من أثر الترجمة الفارسية؛ فإن استعمال الفعل يكون، مألوف في مثل هذا التركيب بالفارسية)

هذا نص ما ورد في التعليق. والحق أن التعبير عربي خالص، ولم تشبه شائبة فارسية ولم تقربه، وأن (يكن) هنا قد جردت من معنى المضى، وألزمت معنى الثبوت واتصال الزمان من غير انقطاع. وفي كتاب الله من غير ذلك كثير. (وكان الله شاكراً عليما)، (وكان الله سميعاً عليما)، (فإن الله كان عفواً قديرا)، (وكان الله غفوراً رحيما)، (وكان الله عزيزاً حكيما) ومنه قول المتلمس:

وكنا إذا الجبار صَعَّرَّ خده

أقمنا له من صعْره فتقوّما

وقول الفرزدق:

وكنا إذا القيسى نبّ عَقودُه

ضرمناه فوق الأنثيين على الكردِ

ص: 25

وقول قيس بن الحظيم:

وكنت امرأ لا أسمع الدهر سُبَّةً

أسبُّ بها إلا كشفت غطاءها

فليس في الكلام هجنة فارسية كما رأيت

هذه نظرات في بعض مواضع من هذا الكتاب الجليل. ولم أشأ أن أطنب في سرد محاسن النشر وجودة العرض؛ فذلك أمر يبادر الناظر في هذه النسخة ويبدهه في أول ما ينظر

وليس يفوتني في هذه الفرصة أن أكرر تهنئتي للأستاذ الكبير (عبد الوهاب عزام) بهذا العمل العظيم الخالد على الزمان، وأن أزجي مثلها إلى الأخ المحترم (الأستاذ شفيق متري) صاحب مطبعة المعارف، بما أنفق من جهد ومال، في الاحتفال الناجح بمرور خمسين عاما على جهاد مثمر، بدأه والده وسهر هو على إتمامه وعايته.

عبد السلام محمد هارون

ص: 26

‌المجرم رجل مريض

للأستاذ حسين الظريفي

كان سيزار لمبروزو أول من تناول المجرم بالبحث العلمي وطلع على العالم بنتائج طريفة كان أخطر ما فيها إثبات العلائم الدالة على الأجرام. وقد لبثت نظريته في المجرم والجريمة ردحاً من الزمن وهي ذات سيادة تكاد تكون كاملة في عالم الجنائيات. إلا أنها أخذت بعد حين بكثير من النقد والتجريح، ثم توسع فيها الناقدون وأضافوا إلى أصلها كثيراً من الحواشي التي لم يقل بها صاحب النظرية، حتى يكاد يعد لمبروزو خارجا على ما ينسب إليه، أو أنه ليس من المدرسة المعروفة باسمه

وفي الواقع ان لمبروزو لم يصب كبد الحقيقة، إلا أنه لم يزغ عنها تمام الزيوغ؛ فالنظرية ليست كلها على خطأ أنها ليست كلها على صواب؛ وأحسن ما يمكن أن يقال فيها إنها صورت نصف الحقيقة، ولم يعن جمهور العلماء بنقضها ودحضها إلا لأنها ظهرت في غير ظرفها الملائم وقبل الزمن المهيأ لأخذها بالقبول

وتتضح خطوط هذا التحليل في تفصيل النظرية الحديثة على بواعث الأجرام، تلك النظرية التي تنطوي على بعث الجريمة من وراء الخلل في الغدد الصماء

وهذه الغدد غير منقاة، وهي تلتقي عصارتها في الدم مباشرة من دون وسيط فتنتقل على متنه إلى كافة أجهزة الجسم وتفعل فيه الأفاعيل من هدم وبناء وتنويم وأيقاظ على رغم مقاديرها الضئيلة، وهي في مجموعها تؤلف وحدة حيوية مترابطة الأجزاء تفعل وتتفاعل بمقدار وعلى نمط خاص

وكان من العلماء الذين وقفوا سنوات طويلة من حياتهم على البحث في الغدد الصماء (الدكتور رالف رينولدز) بسان فرنسيسكو وزميله الدكتور (ستانلي) طبيب سجن كانتين. وقد قام هذان الدكتوران بكثير من العمليات لإزالة اضطرابات الغدد وتنظيم سيرها في السجناء من الجناة فكان ما قاما به عظيم الأثر في تحسين أحوالهم الطبيعية والعقلية؛ وتغيرت طباعهم وأخلاقهم وحتى إشكالهم الظاهرة. وقد وجد الدكتور (رالف) أثناء اختباراته المتواصلة أن نسبة مئوية كبيرة من أبناء السجون مصابة بحالة غير عادية في الغدد الصماء، وشاهد أن من يرتكبون جناية القتل وما يماثلها من الجروح يكونون مصابين

ص: 27

باضطرابات في الغدد الدرقية الموجودة في أصل العنق، وأن المزورين والمحتالين والسراق يختلفون من غيرهم بغددهم النخامية، وأن من ينغمسون في الجرائم الشهوانية والنقائص الجنسية، وإذا كانت هيئة أعضائهم في الذكورة والأنوثة شبيهة بسواها فلأن منبع الاختلاف مستقر في الداخل.

على أن الغدد المضطربة يكثر أن تترك آثار اضطراباتها ظاهرة في أجزاء البدن الظاهر، تلكم الآثار التي أوحت إلى لمبروزو نظريته فأصاب وأخطأ في آن واحد.

والذي يظهر من هذه الكشوف العلمية أن الجريمة ظاهرة مادية لعلة فسيولوجية تقوم في جانحة المجرم، أو أنها ليست إلا مظهراً لزيادة أو نقص تلك العصارات الذرية التي تفرزها الغدد الصماء في الدم، فتختلق في الإنسان ما تشاء من عواطف وشذوذ.

وبالقياس إلى هذه النظرية يصبح العقاب غير مجد في معالجة الأجرام وفيه جناية اجتماعية على الجاني. والطريق الوحيدة لإزالة الجريمة هي معالجة ما يعانيه الجناة من الاضطرابات في غددهم الصماء.

قد يقال: إن من الجناة من لا يعود إلى ما جنى إذا نزل به العقاب، وإن منهم من يقلع عن ارتكاب الجرائم متى تقدمت به السن. وعندي أن الرد على هذا النقد منطو في أن من الجناة من يندفع إلى الجريمة بقوة ظرفه الخاص؛ فمثل هذا الجاني لا يمكن أن يعد في عداد أولئك الذين تتحرك في نفوسهم عوامل الأجرام من وراء الخلل في الغدد الصماء. كذلك يمكن أن يقال: أن الغدد قد تعود إلى التوازن بعد الإفراط في الإفراز متى ضمرت ببلوغ الشيخوخة.

ونحن وإن كنا نرى استحالة تطبيق هذه النظرية في أكثر البلاد وتعسر تطبيقها في البلدان الأخرى، فإن البحث العلمي يجب ألا ينقطع بقيام التعذر والاستحالة في التطبيق، وأنه لا مناص من اعتباره باعثا عليه.

على أن من الجرائم ما قد يكون منبعثاً عن سوء التربية في دور الطفولة. فقد ثبت في دائرة العلوم النفسية والتربوية أن لسنوات الطفولة من التأثير الخطير في نفس وأخلاق الطفل ما يبقى رازحاً تحت أعبائه طول حياته.

وليس عجيباً أن نحلل بعض مظاهر الأجرام، فنجدها عائدة إلى ما كان من سوء التربية في

ص: 28

مراحل الطفولة، فإن الوليد لا بد أن يأخذ عن وسطه المحدود كثيراً مما ندعوه بالعقد النفسية، تلك التي تتسرب إلى سريرة الطفل كأمراض داخلية تظهر عادة في أخلاقه وأعماله وفي طريقة تفكيره، وقد تندفع به إلى نوع خاص من الأجرام، وذلك أن سلسلة التفكير تصطدم بالعقد النفسية فيقف دون نموه الطبيعي ويضطر إلى اتخاذ طريق آخر معوج في النمو يوحي به ما ترسب في قاع النفس من عهد الطفولة. فالعقدة ليست إلا الشرك الذي تقع فيه حياتنا العقلية، وقد توحي بارتكاب الجريمة، وأي من وراء قناع من العقل الباطني تتوارى فيه الأبصار.

إن هذه العقد النفسية مهما كانت راسية في قرارة النفس، ولا تكاد تظهر إلا في ثوب مستعار تخفى فيه حقيقتها عن الأنظار فإن في الإمكان أن تصل إليها يد البحث العلمي بطريقة التحليل النفسي، حيث يهتدي بهذا الطريقة إلى العقد النفسية التي اعترضت حياتنا العقلية، وعاقتها عن السير في طريق تكاملها الطبيعي؛ ثم أخذت تظهر من حين لآخر في ضروب أخلاقنا وأفكارنا وأعمالنا، وكانت مصدر شذوذ في كثير من أولئك. وقد ظهر لدى البحث العلمي أن المرض يزول بالوقوف على العقدة التي فرضته وبهذه الطريقة يمكن إرجاع المصابين في حياتهم العقلية إلى حالتهم الطبيعية بعد أن تكون قد انحلت العقدة، وقضى على أصل المرض.

وظاهر مما سبق أن الجريمة قد تكون منبعثة عن تلك الرسائل الكهربائية التي تطلقها الغدد الصماء على متون الدماء فتتصل عن طريقها إلى أجهزة البدن كافة. وقد تكون وليدة العقد النفسية التي تصيب الحياة العقلية؛ وتورث من الأمراض ما قد تظهر آثارها في صورة ارتكاب بعض الجرائم.

فالمجرم لم يعد بعد كما كان من قبل مثال الرجولة والبطولة، والسجن لا يقوم على الرجال، وإنما يقوم على أشباه الرجال ممن أصيبوا في غددهم أو في نفوسهم، وكانوا أجدر بالمعالجة الطبية أو النفسية من الزج بهم في أعماق السجون

(بغداد)

حسين الظريفي المحامي

ص: 29

‌شخصيات تاريخية:

ثيموستوكل

للأستاذ محمد الشحات أيوب

كانت بلاد اليونان في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد، محاطة بدول فتية ناهضة كدولة الفرس في الشرق التي قضت على الإمبراطوريات الكبرى القديمة في مصر وكلدونيا وسوريا وليديا، وكدولة القرطاجنيين التي نهضت في شمال أفريقيا، وأخذت تبسط سلطانها على البلاد المجاورة لها في الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط، وكدولة روما الناشئة التي ثارت في وجه الأثرسكيين، وأخذت تكون لنفسها سلطاناً واسعاً في شبه جزيرة إيطاليا. وقد اتفق الفرس والقرطاجنيون، واتفق القرطاجنيون والأثرسكيون، على وضع حد لاستعمار اليونان بعد هذه الحركة التي كان من نتائجها انتشارهم في معظم أجزاء البحر الأبيض المتوسط.

لذلك كان لا بد من أن ترتطم قوة الفرس بقوة اليونان في الشرق، وقوة القرطاجنيين والأثرسكيين مع اليونان في الغرب. وقد أراد الفرس الانتشار غرباً، فوجدوا أمامهم اليونان ستتبين في غرب آسيا الصغرى، فأخضعوهم لسلطانهم، ولكن هؤلاء اليونان ثاروا على أسيادهم الفرس، وطلبوا المعونة والمساعدة من إخوانهم يونان القارة الأوربية، فلم يلب نداءهم إلا دولتان هما: أثينا وإرسيزى اللتان وجهتا حملة لتخليص إخوانهم من نير الفرس. من اجل هذا حقد الفرس على هاتين الدولتين، وصمموا على معاقبتهما والانتقام منهما؛ فكانت ثورة اليونان في غرب آسيا الصغرى بدء عهد نزاع خطير، يعرف باسم الحروب الميدية بين قوتين لا يستهان بهما وهما: قوة الفرس وقوة اليونان.

وقد استمر النزاع مدة طويلة بين هاتين القوتين. ونحن لا يعنينا اليوم من هذا النزاع إلا تلك الحروب التي نشبت في أول القرن الخامس قبل الميلاد، ولا يهمنا منها إلا تلك الشخصية العظيمة، شخصية (ثيموستوكل) التي لعبت دوراً مهماً جداً في ترجيح كفة اليونان على كفة الفرس.

ص: 31

ولكي نتمثل أهمية الدور الذي لعبه ثيموستوكل، يجب أن نعلم أن اليونان لم يكونوا متفقين فيما بينهم وبين أنفسهم على الخطة التي يجب عليهم أن يتبعوها. كانوا فريقين: فريقاً منهم مع الفرس يساعدهم ويشد أزرهم، وفريقاً آخر في صف الوطن يعمل للدفاع عنه وللتمكين من استقلاله، وهم بعد ذلك لم يكونوا دولة متحدة قوية تقف صفاً واحداً أمام دولة الفرس، بل كانوا دولاً صغيرة تتنافس فيما بينها وتحقد كل منها على الأخرى، ثم إلى جانب هذا وذاك كانت كل دولة على صغرها منقسمة على نفسها في الداخل وتتنازعها الأهواء والأحزاب، فكان النزاع قوياً جداً بين الأرستقراطيين والديموقراطيين في أثينا وشديداً جداً بين الملكيين والأينور الخمسة في إسبرطة؛ وكذلك كانت الحال في أرجوس وكورنث وتساليا وغيرها، فجاء ثيموستوكل واستطاع أن يوحد بين هذه الأشتات المتناقضة وكون منها جبهة قوية وقفت أمام الفرس وصدتهم عن أرض اليونان، بل وأحرزت عليهم انتصاراً عظيماً هو انتصار موقعة (سلامين). فالشخص الذي يستطيع أن يجعل بلاده تحرز هذا النصر الحاسم وهي على هذا النحو من الانقسام والفرقة لا شك يعد من أكبر الشخصيات في التاريخ.

وقعت الحرب الميدية الأولى في عام 490 ق. م ووجه الفرس حملتهم الأولى ضد أثينا وبلاد اليونان في هذه السنة، فتصدت لهم القوة الأثينية وعلى رأسها مليتاد يساعده بعض القواد مثل طالليماكوس وتيموستوكل وأرستيد، وتمكنت هذه القوة من صدهم وإلحاق الهزيمة بهم في موقعة ماراتون الكبرى، فارتد أسطول الفرس بعد ذلك عائدا إلى بلاده. انتصرت أثينا في هذا الدور الأول وكانت الشخصية الغالبة هي شخصية مليتاد؛ أما تيموستوكل فلم يكن له شأن كبير حينئذ، إنما كان يقوم بدور ثانوي في هذه المعركة، إذ وضع هو وأرستيد على رأس الوسط في الجيش، أما كبار القواد مثل مليتاد فقد وضعوا على رأس الجناحين لأن خطة الجيش اليوناني كانت ترمي إلى القيام بحركة تطويق لحصر جيش الأعداء.

هزم الفرس في هذه الموقعة؛ ولكن (دارا) ملكهم لم يكن بالشخص الذي يرضى عن الهزيمة، وإنما أخذ يعد العدة للانتقام، ثم مات دون أن يحقق هذا الغرض، وخلفه ابنه أجررنسيس تاركاً لهذا الابن عبئاً ثقيلاً ومهمة خطيرة، ولم يصب أجررنسيس هذا من

ص: 32

النجاح ما أصاب أبوه من قبل، ولم ينجح في النيل من اليونان والانتقام منهم بالرغم مما عرف عه من مضاء العزيمة وقوة الإرادة وحدة الذكاء ونشاط الشباب. هزم كما هزم أبوه من قبل، وأنتصر عليه اليونان لأنهم أوتوا من الحظ السعيد ما أوجد لهم شخصية عبقرية هي شخصية تيموستوكل التي عرفت كيف تتبصر للأمر، وتضع الخطط الحربية الماهرة استعداداً لهذا العراك العنيف. وكانت هذه الهزيمة سبباً لازدراء اليونان به، واحتقارهم له؛ فتحدث عنه (أشيل) في تراجيديته الرائعة (الفرس) وصوره كما صوره غير من كبار كتاب اليونانيين في صورة بشعة: صوره كأنه رجل مجنون أصيب في عقله. أراد أن يتسامى إلى صف الآلهة فاعتقد نفسه منهم، فتكبر وطغى، فحقدت عليه وتربصت به، وجعلته يضل السبيل، ويرتكب من المآثم والغلطات ما كان من الأسباب التي أدت إلى هزيمته

وكان الحزب المسيطر على شؤون الحكم في أثينا في ذلك الوقت هو الحزب الديمقراطي، وهو الحزب الذي استطاع أن يقودها إلى النصر. وكان على رأس هذا الحزب زعيمه تيموستوكل الذي إليه يرجع الفضل الأكبر في إحراز النصر في موقعة (سلامين)، لذلك كان هذا النصر من الأسباب التي قوت من شأن الديمقراطية الأثينية وجعلتها ترتكز على أساس متين حتى بلغت أوجها في عهد بركليس

لم يكن تيموستوكل من الأشراف ولا من الأرستقراط، بل ولم

يكن من الطبقات الوسطى، وكانت العادة في القديم إلا يولى

الشخص مهام دولة إلا إذا كان من أبناء البيوتات الكبيرة.

لذلك كان من أعجب الأمور أن يستطيع شخص كتيموستوكل

أن يصل إلى أعلى المناصب في الدولة وهو فرد من أفراد

الشعب، فلم يتعود الناس من قبل أن يتزعم الحزب الديمقراطي

شخص من أبناء الشعب، وإنما كانت العادة أن يتزعمه أفراد

ص: 33

من الأرستقراط الذين كانوا يميلون إلى الشعب ويودون

إنصافه ورفع الظلم عن كاهله؛ بل كان تيموستوكل أكثر من

هذا، كان من أصل اجنبي، ونحن نعرف إن الشعوب القديمة

كانت تنظر نظرة خاصة إلى الأجانب لاعتبارات أساسها

الدين، كما وضح ذلك خير توضيح المؤرخ الفرنسي الشهير

(فيستل دي كولا في كتابه عن (المدينة القديمة لذلك كانوا

في مركز الخاص من الوجهة القانونية، فلم يكن يسمح لهم

بالتدخل في شؤون البلاد الداخلية إلا إذا اكتسبوا حقوق المدينة

وهي ما نعرفها اليوم (حقوق التجنس بالجنسية الأهلية). كان

أبو تيموستوكل من هذا النوع: كان أجنبياً ولكنه أكتسب صفة

المواطن بما خوله له دستور كليستين من حقوق، وكانت أمه

أجنبية أيضاً، ولكنه تمكن، بالرغم من ذلك، من أن يعتلي أكبر

المناصب في الدولة، وهو صغير السن، كمنصب الأركون في

عام 493492 ق. م. وسنه لا تزيد على ثلاثين عاماً ومنصب

الاستراتيج في عام 490489 وقد بلغ من العمر ثلاثة وثلاثين

عاماً، لأنه أوتي من المواهب والصفات ما جعله يصل إلى

الحكم في سهولة ويسر؛ إذ كان ذكياً إلى أقصى درجة من

ص: 34

درجات الذكاء، وكان سريع الحكم في ثقة واطمئنان، وكان

خطيباً بارعاً ذاق اللسان فصيحاً، وكانت موهبته من هذه

الناحية موهبة طبيعية لم تأت عن طريق الدراسة ولا عن

التجربة، إنما أتاه الله حظاً عظيماً من الفصاحة والبلاغة جعله

يسيطر على مواطنيه، فيملك عليهم مشاعرهم ويوجههم أنى

شاء، فأسلسوا له القياد، وجعلوه يتربع على مكان الزعامة

فيهم. وقد تمكن من هذه الزعامة وأستأثر بها، حتى أنقذ بلاده

من خطر داهم كاد يقضي عليهم، فأحرز لها نصراً حاسماً

نقلها من دولة صغرى إلى دولة كبرى لها إمبراطورية

ضخمة، وتتحكم في موارد البلاد المجاورة وتشرف على جزء

كبير من شرق البحر الأبيض المتوسط. فتكبر وتغطرس،

وطغى وتجبر؛ ولكنه كان رجلا لا كالرجال، وعبقرياً لا

كالعبقريين. تضطرنا عبقريته إلى التغاضي عن كثير من

عيوبه، لان هذه العبقرية من النوع الذي يجعلنا ننحني أمامه

إجلالاً واحتراماً. وهو كغيره من الشخصيات العظيمة التي

أحدثت انقلاباً هائلا في تاريخ بلادهم مثار نزاع بين كثير من

المؤرخين ولا سيما القدماء منهم مثل أبي التاريخ هيرودوت،

ص: 35

والمؤرخ الأول توسيديد: قسا الأول عليه قسوة شديدة، فأصدر

عليه حكما في شيء كثير من البعد عن جادة الحق، أما الثاني

فكان أقرب إلى الاعتدال: وقف إلى صفه ودافع عنه دون

تحفظ ولا احتياط

نظر تيموستوكل إلى بلاده فوجدها عبارة عن شبه جزيرة

تحيط بها المياه من جميع الجهات إلا جهة واحدة، ووجد

الخطر عليها عظيم إذا ما أتى العدو إليها يغزوها عن طريق

البحر فينزل إلى البر - كما فعل الفرس - قوات هائلة، لا

يستطيع الأثينيون لها رداً ولا صداً، إلا إذا كانت لديهم قوات

بحرية تستطيع أن تنازلهم فتبعدهم عن أرض الوطن، فأخذ

يعلن بين الأثينيين أن مستقبل أثينا على البحار. وقد خالف

الكثيرون في ذلك؛ ولكن التجارب والحوادث التي وقعت فيما

بعد أيدت رأيه وصدقت نظريته. رأى كثير من أبناء جلدته أن

موقعة ماراتون هي آخر المواقع بين الفرس واليونان، وأنهم

ما داموا قد انتصروا فيها، وما دام العدو قد ابتعد عن بلادهم

فلن يعود إليهم أبداً. لذلك وثقوا واطمأنوا؛ أما هو فكان يرى

غير هذا الرأي، كان يرى أن ماراتون ما هي إلا خطوة من

ص: 36

خطوات النزاع بين الفريقين، وأن الفرس لا شك راجعون من

جديد للانتقام لأنفسهم من الهزيمة الساحقة التي لحقتهم من

قبل، وذلك لوقوفه على بعض أخلاقهم ولمعرفته ببعض

عاداتهم. من أجل هذا رأى أن يمكن لأثينا على البحر بأن

يؤسس لها أسطولا بحرياً ضخماً يجعل لها السيادة البحرية من

دون منازع. ورأى أيضاً أن يعمل على تحويل الشعب الأثيني

من شعب حربي بري، إلى شعب حربي بحري، من شعب

مشاة وفرسان، إلى شعب ملاحين وبحارة، ولكن هذا وحده لا

يكفي، فلابد إلى جانب هذا من اختيار المواني المنيعة التي

تصلح لإرساء الأسطول، والمواقع الطبيعية التي إن حصنت

صلحت مراكز مهمة للدفاع عن البلاد. فعدل عن ميناء فالير

المكشوف لتعرضه للرياح والأعاصير، ولعدم صلاحيته من

الناحية الطبيعية، إلى ميناء بيريه وحوله خلجان طبيعية منيعة

كخليج (نريا) وخليج (موينخيا)؛ وهذه الخلجان تصلح هي

الأخرى لان تكون مواني جيدة. فأخذ يحصن هذا الميناء

الجديد، وساعده على القيام بهذه الأعمال أعمال التحصين -

أن كان يتولى مركزاً من مراكز القيادة - وهو مركز

ص: 37

الأستراتيج في عام 490489

ذاعت آراء (تيموستوكل) وانتشرت بين الاثينيين، فانضم إليه كثير منهم يؤيدونه ويساعدونه على تكوين هذا الأسطول البحري الضخم الذي يحلم بتأسيسه، بعد أن سمعوا ما سمعوا عن استعداد الفرس العظيم، وقرب قيامهم بالهجوم على وطنهم، وبعد أن رأوا من هذا النزاع الذي يهدد بلادهم بالخطر بين أثينا وأرجينا، وفي هذا النزاع لم تستطع أثينا إحراز النصر آلا بعد صعوبة كبيرة، بعد أن أعارتها كورنت عشرين سفينة من أسطولها، فأثر الخطر الفارسي والخطر الأرجيني عليهم. وقد زاد عدد المؤيدين لنظرية (ثيموستوكل) زيادة هائلة بعد ما وجد الأثينيون أن وطنهم أصبح في حاجة شديدة إلى المواد الغذائية التي قلت بنسبة عظيمة بعد أقفال الأسواق الاقتصادية في الخارج في البلاد المعادية لبلادهم، كبلاد البيوسيين والشاليين، أو في بلاد خضعت للفرس مثل بلاد شبه جزيرة اكليسيديك والبحر الأسود ومصر. فلم يكن بعد ذلك أمام أثينا أسواق اقتصادية واحدة تستطيع أن تتمون منها وهي سوق الغرب في صقلية وبلاد اليونان الكبرى؛ وأثينا لا تستطيع أن تستورد من هذه البلاد القمح والمواد الغذائية الأخرى إلا إذا كان لديها أسطول عظيم يحمل لها ما هي في حاجة إليه

ثم إن تيموستوكل أثر على مواطنيه بحجة أخيرة وهي من أقوى الحجج تأثيرا على ذهنية الشعب - إن صح إن للشعب ذهنية - فبين لهم إن الأسطول المزمع إنشاؤه سيكون مورداً لإعالة فقراء الأمة من الذين لا يجدون عملا ما، وهم أصحاب الطبقة الرابعة من الشعب المسماة طبقة (التيت فمن هذه الطبقة سيجند الملاحون والبحارة الذين من دونهم لا يستطيع الأسطول أن يقوم بمهمته على الوجه الأكمل

أقنعت أغلبية الشعب بهذه الحجج المختلفة؛ ولكنهم تساءلوا: من أين لنا بالمال الذي يساعدنا في بناء هذا الأسطول، ونحن نعرف أن الأسطول يحتاج إلى مال كثير؟ لم يقفوا كثيرا عند هذا السؤال، إذ ساعدهم الحظ في ذلك الوقت فوجدوا المال اللازم، وجدوه في مناجم (لوريون) بالعثور في عام 483 - 482 على عرق ثالث من عروق الفضة قائم بين طبقتين من الطبقات الأرضية، كطبقة (الشيست) وطبقة (الككلير)، وكان هذا مصدر ثروة

ص: 38

كبيرة، وعلى الأخص بعد أن نضب معين العرقين السابقين. وهنا اختلفت آراء الشعب بصدد هذا المصدر الجديد من مصادر الثروة، فانقسمت الأمة قسمين قسم على رأسه أرشيد الزعيم المعروف يريد توزيع هذا الإيراد - وهو إيراد منتظم - بين المواطنين جميعا (ويتراوح هذا الإيراد بين 50، 100تالانت) فإذا وزع على هذا النحو نال كل فرد ما يقرب من 20 دراخمة (والتالانت فيها 6000 دراخمة). وقسم آخر على رأسه ثيموستوكل يرى أن تعير الدولة لكل مائة من كبار الأغنياء (تالانت واحدة) على أن تكلف كل وحدة من هذه الوحدات المئوية ببناء سفينة، حتى إذا اجتمعت هذه السفن بعد بنائها كانت نواة طيبة للأسطول الأثيني. طالت المناقشات بين الفريقين وزاد النزاع حدة بينهما، ولكن تيموستوكل وأنصاره تغلبوا في آخر الأمر، ونفى الشعب الزعيم المعارض أرشيد، وظفر ثيموستوكل وأتباعه بما أرادوه لوطنهم من هذا الأسطول الذي كان السبب الأكبر في إحراز النصر في أكبر معركة بحرية في القرن الخامس على الإطلاق وهي معركة (سلامين). وعلى هذا النحو حدث هذا الانقلاب الهائل الذي حول أثينا من دولة برية إلى دولة بحرية لها أسطول قوي ضخم كان هو السبب الرئيسي في بناء مجدها وعظمتها في القرن الخامس قبل الميلاد، فأصبحت أثينا بذلك دولة بحرية قادرة على الدفاع عن أرضها وعن أرض اليونان جميعاً ضد قوات كبيرة تفوقها في العدد والعدة وهي قوات الفرس. وقد كان ثيموستوكل في هذا رجلا عظيماً، إذ استطاع أن يحدث هذا الانقلاب وأن يكون هذا الأسطول الذي جمع ما يقرب من مائتي سفينة والذي كان العامل الأساسي في بناء الإمبراطورية الأثينية البحرية

أخذت أثينا بعد ذلك تستعد للمعركة القادمة وهي واثقة ومطمئنة إلى أسطولها القوي، ولكنها تشعر تمام الشعور إنها لا تستطيع وحدها مناهضة الفرس، بل كانت على يقين من ضرورة الحصول على تأييد إسبرطة والدول اليونانية الأخرى. وكانت إسبرطة أنانية، بلغت أنانيتها حداً عظيماً جداً عرف في التاريخ القديم، فهي لا تهتم إلا بشؤونها وبشؤون جزيرة البيلويونيز الخاصة لسلطانها المتمكنة لأمرها، ولكنها فهمت أخيراً أن من مصلحتها الاتفاق مع أثينا والمدن اليونانية الأخرى التي تريد الدفاع عن اليونان لوضع خطة دفاعية مشتركة، لأنها أحست أن في انتصار الفرس ترجيحاً لكفة أعدائها كدولة أرجوس التي

ص: 39

تناوئها العداء في شبه جزيرة البيلوبونيز، وإضعافاً لسلطانها ونفوذها هي؛ لذلك دعت إلى عقد مؤتمر يوناني عام، هو مؤتمر الجامعة اليونانية الأول، اشترك فيه عدد من اليونان، وامتنع عن الاشتراك فيه عدد آخر كان يؤيد الفرس، ولزم عدد ثالث جانب الحياد وفي هذا المؤتمر العام الذي عقد بجوار مدينة كورنث نرى ثيموستوكل يلعب دوراً بارزاً مهماً هو دور الصلح والتوفيق بين اليونان، وتحقيق الوحدة بينهم جميعاً ضد العدو المشترك، فسعى سعياً حقيقياً للقضاء على أسباب الخلاف بينهم، وعلى الأخص بين أثينا وأرجينا؛ ثم إنه أظهر في هذا المؤتمر أيضاً بعداً في النظر وترفعاً عن المطامع الشخصية، فقبل أن يكون قواد الأسطول والجيش من رجال إسبرطة، وأن يمثل هو في الأسطول مكاناً ثانوياً مع إن المنطق كان يقضي بأن تكون قيادة الأسطول لأثينا، لأنها أصبحت أقوى الدول اليونانية في البحر، ولكنه تغاضى عن ذلك ورضى أن يعمل تحت إمرة أمير البحر الإسبرطي (إيربياد) بل وأيده كل التأييد، مع أن (ايربياد) هذا كان دونه في شؤون البحر، ثم بذل له من النصح والإرشاد في موقعة سلامين الكبرى ما يحملنا على أن نقارن بين موقفه هذا وبين موقف سيف الإسلام خالد بن الوليد الذي رضى أن يجاهد في سبيل الإسلام تحت قيادة أبي عبيده بن الجراح مع أنه يفوقه في الفنون الحربية، ومع أنه كان يتولى شؤون القيادة قبله على نفس الجيش الذي كان يحارب في صفوفه. وقد رضى كل من ماند وثيموستوكل بهذا الأنهما لا ينظران إلى مصالحهما الشخصية بل ينظران نظرة كلها جلال وجمال. هي النظرة إلى المصلحة العامة ووضعها في المكان الأول من اهتمامهم ورعايتهم. ثيموستوكل من الرجال الذين يفضلون وطنهم على أشخاصهم ويتعالون بمطامع بلادهم على مطامعهم الشخصية، لذلك كانوا أبطالا حقاً. من أجل هذا السبب استطاعوا وأن يكونوا عند حسن ظن مواطنيهم بهم، فكونوا لا نفسهم مجداً لا زال باقياً على الحياة، واسماً لا يزال صداه يرن في آذاننا حتى اليوم

هذا في الخارج؛ أما في الداخل فقد رضى أن يستدعى منافسه ومعارضه أرشيد من المنفى، بل وأن يشركه معه في الحكم، فاتفق الاثنان معاً في ذلك الوقت العصيب الذي تعرضت فيه بلادهم لخطر الغزو الأمين. فبرهن ثيموستوكل بذلك أيضاً على أنه قادر على دفن الأحقاد الشخصية في سبيل رفع كلمة الوطن

ص: 40

وعلى هذا النحو استطاع ثيموستوكل أن يحقق الوحدة داخل وطنه بالاتفاق مع خصومه ومعارضيه، وأن يحقق الوحدة في الخارج بالاتفاق بين بلاده والبلاد المنافسة لها وعلى رأسها إسبرطة، وأن يعد العدة للنزاع المقبل ببناء أسطول قوي لا يستطيع اليونان إحراز النصر بدونه، فكان أن أعد البلاد على خير وجه لاستقبال قوى الفرس. واليونان مطمئنون إلى عدالة قضيتهم وواثقون إلى قوادهم وزعمائهم، وهم يعملون آخر الأمر ويحاربون متحدين متراصين كالبنيان يشد بعضه بعضاً في سبيل الدفاع عن الوطن المقدس

كان هذا هو الدور الإعدادي الذي أظهر فيه ثيموستوكل مواهب العبقرية في الزعامة والتنظيم والإدارة. أما عن دور التنفيذ وهو الدور الحاسم الذي أحرز فيه اليونان جميعاً النصر المبين فله مجال آخر سنحدثك عنه في العدد القادم إن شاء الله

محمد الشحات أيوب

ص: 41

‌6 - المصريون المحدثون

شمائلهم وعاداتهم

في النصف الأول من القرن التاسع عشر

تأليف المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين

للأستاذ عدلي طاهر نور

(تابع الفصل الأول)

يلاحظ أن أهل القاهرة وسكان الأقاليم الشمالية حيث يكثر المهاجرون لاعتدال الجو: هؤلاء لقلة تعرضهم للشمس يمتازون بوجوههم الشديدة الصفرة وببشرتهم الناعمة الملمس، بينما الآخرون يزداد لونهم ظلمة وبشرتهم غلظة. أما في مصر الوسطى وفي الصعيد الأعلى فيشتد وهج الشمس وتزيد سمرة الوجه كلما صعد الأنسام نحو النوبة حيث يكون الجو أشد حرارة، وحيث يحل النوبيومن محل المصريين تدريجياً. وسحنة المصريين المسلمين بيضية الشكل جميلة الهيئة. فالجبهة معتدلة الحجم نادرة الارتفاع شديدة التقوس، والعينان بعيدتا الغور، أو تبدوان كذلك نتيجة لخفض الحاجب من بهر الشمس، سوداوان لامعتان، تشبهان بعض الشبه أعين الأجناس الحبشية، والأنف مستقيم غليظ بعض الشيء، والفم جميل التكوين، والشفتان اقرب إلى الغلظ، والأسنان جميلة الشكل تشبه إذا نظرنا إلى الموميات أسنان المصريين القدماء واللحية سوداء خفيفة جعداء. وقلما ترى عيون رمادية، إلا في ذرية الأجانب من أوربيين وغيرهم أو في سلالتهم. وقد أعتاد الفلاحون لدوام تعرضهم للشمس كسر جفونهم؛ وهذه من ميزات البدو. وأكثر المصريين مصابون بالعور أو بالعمى. وهم لا يحلقون اللحية كلها وإنما يحلقون ما فوق الفك الأسفل وما تحته وكذلك ما تحت الشفة السفلى ما عدا العنفقة على مثال الرسول (صلعم). وقد ينتفون تلك المواضع. والقليل منهم يحلق اللحية كلها ما عدا الشاربين فلا يحلقهما أحد، وهم يطلقون لحاهم بمقدار قبضة اليد تقريباً

وهذا هو المتبع عادة. وتلك كانت عهدة الرسول صلى الله عليه وسلم، هم لمحافظتهم على

ص: 42

السنة لا يطيلون الشاربين ولا يمدونهما على الأقل فوق الشفة العليا حتى لا يضايقانهم عند الأكل أو الشرب. وعادة الخضاب ليست شائعة في مصر ولأنهم يحترمون الشيب. ويحلق المصريون شعر الرأس كله، أو يتركون خصلة صغيرة فوق الناصية تسمى (شوشة). ويقال إن هذه العادة الأخيرة - التي تكاد تكون عامة بينهم - منشأها خوف المسلمين عند وقوعهم في أسر الكفار أن يعمد هؤلاء - عند ذبحهم - إلى وضع أيديهم النجسة في الفن ليحملوا الرأس منه إذا لم يجدوا شعراً. وقد تكون اللحية قصيرة أيضاً، ولكن الراجح أن تلك العادة أخذت عن الأتراك، لأنها لا تشاهد عامة عند البدو، ولأن عادة حلق الرأس ظهرت بين العرب منذ عهد قريب، ثم إنها للنظافة. ويتبع المصريون عادات أخرى لنظافتهم لا محل لذكرها هنا. ويلاحظ أن كثيراً ما يشم رجال الطبقة السفلي وغيرهم أذرعهم وأحياناً أيديهم وصدورهم كما يفعل النساء، (وسنصف هذه العادة عند الكلام عن النساء)

وتتألف ملابس رجال الطبقتين العليا والوسطى من الأجزاء الآتية: أولاً، سروال فضفاض من الكتان أو القطن يشد حول الوسط بشريط طرفاه مطرزان بالحرير الملون وإن كانا تحت الملابس الخارجية. ويصل السروال إلى ما تحت الركبتين بقليل أو ينزل حتى الكعبين. إلا أن الكثير من العرب لا يلبسون السراويل الطوال لأن النبي (ص) حرمها عليهم. بعد ذلك قميص أكمامه واسعة جداً تصل حتى المعصم، يصنع من نسيج الكتان الأبيض الرخص أو من نسيج القطن أو الحرير الموصلي أو الحرير المخلوط بالقطن، وكلها مفوفة بيضاء. ويرتدي أغلب الناس فوق هذا، عندما يبرد الطقس (صديرياً) قصيراً من الجوخ أو من الحرير الملون المفوف أو من القطن، ولا أكمام له. يضاف إلى هذا رداء طويل من الحرير المفوف أو القطن يسمى (قفطان) أو على حسب التعبير الغالب (قُفطان)) ينزل حتى الكعبين وأردانه الطويلة تمتد إلى ما بعد أطراف الأصابع ببضع بوصات وتشق من فوق الرسغ بقليل، أو من وسط الذراع بحيث تكشف اليد؛ إلا انه يمكن سترها بالكم عند الضرورة، لأن من العادة أن تغطى اليدان في حضرة شخص عظيم. ثم يلف حول هذا الثوب شال ملون أو قطعة طويلة من الحرير الموصلي الأبيض المنقوش. وأخيراً، الحلة الخارجية العادية وهي عبارة عن كساء طويل من الجوخ، من أي لون كان، يسميه الأتراك

ص: 43

(جبة) ويسميه المصريين (جبة) ولا تتعدى أكمامه المعصم تماماً وبعض الأشخاص يلبسون (البنش) - وهو قباء من الجوخ - أكمامه كإكمام القفطان طولا ولكنه أوسع منها ويرتدونه - على الأخص - في الحفلات فوق الجبة، ولكن الكثير منهم يستبدلونه بها؛

وهناك رداء آخر يسمى (فرجية) يشبه البنش تقريباً وأكمامه طويلة غير مشقوقة، ويلبسها غالباً رجال العلم. ويتوشح شقاءً بنوع من المآزر الصوفية السوداء يسمى (عباية)، وقد تشتد فوق الرأس، وفي الشتاء أيضاً يتدثر كثير من الناس بشال من الحرير الموصلي، أو غيره (مثل الذي يستعملونه للعمامة) يلف حول الرأس والكتفين.

أما غطاء الرأس، فيتكون من قلنسوة قطنية صغيرة مطابقة للرأس تماماً وتغير كثيراً. ثم يوضع (الطربوش) - وهو غطاء من الجوخ الأحمر - محكم على الرأس أيضاً، يتدلى من قمته شرابة من الحرير الأزرق القاتم، وأخيراً يلف على الطربوش قطعة طويلة من الحرير الموصلي الأبيض المصور، أو شال كشميري وهذه هي العمامة. وقلما يستعمل الشال الكشميري إلا عندما يبرد الجو. وقد يلبس البعض طربوشين أو ثلاثة، الواحد فوق الآخر. أما عمامة الشريف وهو الموصول نسبة بنسب الرسول فخضراء، وله وحده هذا الامتياز؛ كما أنه ليس من المعتاد أن يلبس أحد غير الأشراف ثياباً خضراء ناضرة

أما الجوارب فلا يستعملها إلا بعض الناس شتاء، ويتخذونها من الصوف أو القطن. وأما الحذاء فهو من الجلد المراكشي الأحمر السميك وطرفه الأمامي مدبب معقوف إلى أعلى. وينتعل البعض حذاء داخلياً من الجلد المراكشي الأصفر الناعم ذا نعل من الجلد نفسه، فيخلع الحذاء الخارجي وحده عند الدوس على البسط ولهذا السبب يلبس الحذاء الخارجي مكعوباً

ويحمل المصريون في خنصر اليد اليمنى خاتماً من العقيق أو غيره ينقش عليه اسم حامله ويصاغ عادة من الفضة. ويرفق الاسم غالبا بعبارة خادمه (أي خادم الله أو عبده) أو بعبارات أخرى تعبر عن إيمان الشخص بالله الخ. وكان الرسول (ص) يستقبح استعمال الذهب، ولذلك قلما يلبس المسلمون خواتم من ذهب. ولكن النساء يتحلين بمختلف الحلي (من خواتم وأساور الخ) من هذا المعدن الثمين

ويستعمل الخاتم لختم الرسائل وغيرها من المكاتبات! ويعتبر الخاتم أصدق من إمضاء اليد،

ص: 44

وطريقة ذلك أن يلطخ الخاتم بقليل من الحبر بإصبع من الأصابع، ثم يضغط على الورقة بعد أن يأخذ الشخص من ريقه بإصبع آخر ويبلل المكان المراد ختمه. وكل فرد تقريباً يحمل خاتماً متى كان يستطيع ذلك ولو كان خادماً. ويضع محترفو الكتابة والعلماء وغيرهم في منطقتهم دواة (دواية) من الفضة أو النحاس الأصفر أو النحاس الأحمر، وهي عبارة عن محبرة أو صندوق به أوعية للحبر والأقلام. ويحمل البعض بدلا منها أو علاوة عليها مطواة أو خنجر، وتلك عادة قديمة. أنظر حزقيال، الإصحاح التاسع الآية الثانية

ويحمل المصريون شبكهم معهم أينما حلوا (إلا في المساجد) أو يحملها لهم خدمهم؛ وأن كانت العادة لم تجر بالتدخين في الشوارع. وهم يضعون كيس التبغ في صدر القفطان الذي يتهدل فوق الحزام، كما يضعون فيه أيضاً مناديلهم المطرزة بالحرير والمرصعة بالذهب، بعد أن تطوى باعتناء

وقد يرغب الكثير من أفراد الطبقة الوسطى أن ينفوا عنهم فكرة الإثراء فيرتدوا فوق ملابسهم مئزراً قطنياً أسود اللون لا تميزه عن مآزر العامة ميزة

عدلي طاهر نور

ص: 45

‌في الليل!

للأديب عبد الرحمن الخميسي

(في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي. . . طلبته فما

وجدته)

(التوراة)

أسدَلَ الليْلُ ياَ حَبيبي سُتورَهْ

ومَشَى في جَوَانِبِ المعَمُورَهْ

كاهِناً تْخفُقُ الشُّموُعُ عَلَى كَفَ

يهِ حَيَرَي كَأَنَهَا مَذْعُورَهْ

حَالِماً يَعْقِدُ الضَّباَبُ حَوالي

هِ أكاِليلَ في الدُّجى مَنْثُورَهْ

شَاعِراً يَنْقُلُ النَّسِيمُ أَغَانِي

هِ وَتَنْدى جِوَاوِهُ الْمَسحُورَهْ

سَاحِراً يَبْهَرُ النُّفُوسَ وَيُلقِى

بِعَصاهُ عَلى الرِّيَاضِ الشَّجِيِرَهْ

شَادِياً يُنْصِتُ الوُجُودُ لِمُوسِي

قاهُ حَتى كَأِنَّها مَنْظُورَهْ

عَابِدَاً تَظْمَأُ الصَّلاةُ إِليهِ

وَمَحَارِيبه السَّمَاءُ الكَبِيِرَهْ

ذَاهِلاً أَغْرَقَ الدُّنَى فيْ ذُهُولٍ

مُسْتَحَبٍ إلى القُلُوب الكَسِيرهْ

صَامِتاً تَضْجَرُ المُرُوجُ بِنَجْوَا

هُ وَلَكِنَّهُ وَسِيعُ السَّرِيرَهْ

سَاهِماً يَرْقُصُ الخَيَالُ حَوَالي

هِ وَيُجْرِي الرَّبِيعُ فِيهِ عَبِيرَهْ

رَاحِماً يَلجَأُ الحَزِيِنُ إِليهِ

بِشِكاَياتِهِ الدَّوَامِي المَرِيرَهْ

شَاعَ فيْ جَوِّهِ السُّكُونُ وَمَدَّتْ

فِيهِ أَنْفاسَها النُّجُومُ المُنيرَهْ

وَجَرَتْ خَلفهُ الظُّنُونُ وَحَاطَتْهُ

طُيُوفٌ مُجَنَحاتٌ سَحِيرَهْ

فَهوَ لِلْبَائِسِ الطَّرِيدِ عَذَابٌ

يَمسَحُ الفَجرُ فيْ الفَضَاءِ سُطُورَهْ

وَهَوَ لِلعَاشِقِ الوَفيِّ سَمِيعٌ

يَتَلَقَّى عَنْ حُبِّهِ أُسطُورَهْ

وَهوَ لِلشَّاعِرِ الكَئِيبِ مَلاذٌ

يْنفُضُ الدَّمْعَ فيْ صُواهُ الضَّرِيرهْ

أَقْبَلَ اللَّيْلُ! آهٍ يَا وَيْلتاَ مِنْ

مَقْدَمِ اللَّيْلِ لِلنُّفُوسِ الْكَسِيرهْ

أَقْبَلَ اللَّيْلُ! فاَسْتَيَدَّتْ بِقَلْبي

حَسَراتٌ عَلَى عُهُودِي الَخْضِيرَهْ

وَسَرَى فيْ دَمِي حَنِينٌ وَشَوقٌ

مُبْهَمٌ. . . آهٍ مَا أَشَدَّ سَعِيرهْ

ص: 46

وَصَحَتْ حَوْليَ الهُمُومُ وَنَاشَتْ

ذَاتَ نَفسِي كَأَنْها مَسْعُورَهْ

أَقبَلَ الِليْلُ فَاَرتَطَمَتُ كَأنِّي

مَوجَةٌ فَوقَ شَطِّهِ المَحْبُوبِ

قَذَفَتْ بِيَّ إلَيهِ أَشْوَاقُ رُوحِي

وَشُجُوني وَحَسرَتي وَلَهِيِبي

وَارِتِيَاحِي إلى الظّلامِ وَيَأَسِي

وَحَنِيني إلى السُّكونِ الرَّحيِبِ

وَاغتِرَابي عَن الأَنامِ كأَني

زَهْرَةٌ بَيْنَ جَلمَدٍ وَجِدِيبِ

وَهُرُوبي مِنْ الْحَقِيقَةِ يَا لَيْ

لُ فَأَتْرِعْ بِخَمْرِةِ الوَهْمِ كوبي!

آهٍ! إِني أُرِيْدُ أَنسَى غَرَامِي

وَجِرَاحِي وَذِكْرَيَاتِ حَبِيِبي

أَبْعِدُوا الصُّوْرَةَ الجَمِيلةَ عَني

أَبْعِدُوها لِتُخْمِدُوا تَعْذِيِبي!

أَبْعِدُوا الصُّورَةَ الجَمِيلةَ عَني!

أَبْعِدُوها فَإنّها لحَبيِبي!

فَهي في مَسبَحِ الهَواءِ تَهَادَتْ

رِقَّةً تَبْعَثُ اشْتِيَاقَ القُلُوبِ

وَهْيَ في جَبْهَةِ السَّمَاءِ هِلَالٌ

يَتَغَنَّى بِنُورِهِ تَشْبِيِبي

وَهيَ في الظُّلْمَةِ المَدِيدَةِ نُسْكٌ

شَاعَ في رَحْبِها النَّدِىِّ الرِطِيِبِ

وَهيَ في البَحْرِ! وَالسَّماءِ! وَفي النُّو

رِ! وفي سُحمةِ الظّلامِ الرهِيبِ!

وَهيَ في الأَرْضِ كلِّها. . حَيَواتٌ

وَمِثالٌ لكلِّ حُسنٍ نَشيبِ

صَاغَهَا اللهُ مِنْ مَفَاتِنِ هَذا ال

كَوْنِ فنّاً لِكلِّ فَنٍ ذَهِيبِ

أَبْعِدُوا الصُّورَةَ الَجمِيلةَ عَني

أَبعِدُوهَا لِتُخْمِدُوا تَعذِيبي!

كيْفَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْسَى غَرَامِي

وَجِرَاحِي وَذِكْرَيَاتِ حَبِيبي؟

وَلقَدْ أُطْبِقَتْ جُفُوني وَلكِنْ

قَدْ تَرَاءتْ رُسُومُهُ في جُنُوبي

أَيها الليْلُ قَدْ فَزِعتُ إلى عَط

فِكَ مِنْ ظُلمِ حُرْقَتي وَكُروبي

أَنَا أَهْوَاكَ يَا ظلَامُ فَأَطفئِ

لي دَرَارِيكَ وَاستَمِعْ لِنَحيِبي!

وَلتَكُنْ فِي النَّسيِمِ مِنكَ شَكاتي

ارْوِهَا لِلسَّمَاءِ عَنْ مَكْرُوبِ!

أَيُّهَا الليلُ لَيتَني كنتُ نَجماً

عَائماً في مِيَاهِكَ الزرْقاءِ

أَقطَعُ الظُّلمَةَ الأتِيَّةَ لهَفَا

نَ إلى مَخْدَعِ الْحَبيبِ النَّائي

ثمَّ أُضْفِي عَلَيهِ مِني خُيُوطاً

تَحْتَويهِ في ضَمِّةٍ رَعناءِ

لأُرَوِّي بِقُبلَةٍ مِنهُ نَفْسي

تُطلِقُ الرُّوحَ من أسًى وَعَنَاءِ

ص: 47

وَأُحَلِّي بِسِحرِ عَينَيْهِ ذاتي

ثَّم أزْهى عَلَى نُجُوم السَّمَاءِ

غَيْرَ أَني يَا حَسْرَتا آدَمِيٌّ!

قَيَّدتِني أَرْضِيَّتِي في بِنائِي!

أَيها الليلُ لَيْتَني كنتُ عصفو

راً طَلِيقاً مَعَ السَّنَي وَالهَوَاءِ

كنْتُ نَقَّرتُ فَوقَ نَافِذَةِ الَمحْ

بُوبِ أدْعُوهُ لاسْتماعِ غِنائِي

ليُغنِّي مَعِي وَيُحْكِمَ قَيدِي

بَيْنَ كفّيْهِ رَاضِياً بِشَقَائِي

غَيْرَ أَني يَا حَسْرَتاَ آدَميٌّ!

قَيَّدَتْني أَرْضِيَّتِي في بِناَئي

أيها الليلُ ليْتَ أَنِّي هَوَاءٌ

سَابحٌ في حدِيقَةٍ زَهْرَاءِ

أجْمعُ العِطْرَ مِنْ ثُغُورِ الأَقَاحي

وَالرَّياحينِ في مَدَى أَحْناَئي

ثمَّ أَمْضِي إلى حَبِيبي عَلِيلاً

أَسْكَرَ البَدْرُ عُنْصُري بالضَّياَءِ

أَحمِلُ الطِّيبَ في فُؤَادِي إِليهِ

وَأُفرِّي حِيَالَهُ أحْشاَئي

لأكُونَ الأَنفاَسَ في رِئَتَيهِ

وَلأحْظَى في صَدرِهِ بفَناَئِي

غَيرَ أنِّي ياَ حَسرَتا آدَمِيٌّ!

قيَّدَتني أَرْضِيَّتي في بِنائي

أيُّها اللَّيْلُ! ليتَني كنتُ روضاً

مُورِقَ الزَّهْرِ، وارِفَ الأفياءِ

نمَّقَتْ صَفْحَتي أَنَامِلُ حَسنَا

ءُ رَبيِعيَّةُ النّدَى والرُّواءِ

كنْتُ نَسَّقْتُ مِنْ وُرُودي تاَجاً

لِحَبيبي كالهالةِ البَيْضَاءِ

غَيْرَ أَنِّي ياَ حَسْرَتَا آدَمِيٌّ!

قيَّدَتني أَرْضيَّتي في بِنائي!

أَيُّهاَ اللَّيْلُ ياَ مُقِيلَ الْحَيَارَى

والْمَسَاكِينِ في البَلَاءِ الشديدِ

في دَمي ثَوْرةٌُيَبُثُّ لَظاَهَا

هَاجِسٌ أَلهَبَتْهُ ناَرُ الصُّدودِ

وَعَلَى مُهْجَتِي يَؤُزُّ الْتِيَاعٌ

جَائِعٌ لِلوَقودِ بَعْدَ الوَقُودِ

وَأَناَ بَيْنَ ما أُعَاني لَهِيفٌ

أَتهاَوّى في قلِبَي المَهْدُودِ

نهْزَةٌ لِلشُّجُونِ لَكِنَّ رُوحي

تَتَخَطَّى إليْكَ كلَّ السُّدُودِ

خُذْ بِنفْسي إلى السَّلَامِ وَهَدِّى

سَوْرَةَ الوَجْدِ في فُؤَادِي العَمِيد

وأمْسَح السُّهْدَ عَنْ عُيُوني وصُغْ مِنْ

زَفَرَاتي النّشِيدَ تِلوَ النّشِيِدِ

فَارْتِقابُ الوِصَالِ أمرٌ بَعيدٌ

خِلتُهُ لَيْسَ كالسُّهَا بِالْبِعَيِد

وَحَرَامٌ عَلَى الغَرامِ ضَيَاعِي!

وَحلَالٌ فِي ظِلِّهِ تَغْرِيِدي!

ص: 48

وَحرامٌ عَلَى العَذَابِ اجْتِياحي

وَأَنا مَا بَلَغتُ عُمرَ الوُرُودِ

وحرامٌ عَلَى العُيُونِ اللوَاتِي

حيَّرَتْني، فِي بُعْدِها تَشْريدِي

وحرامٌ عَلَى الهَوَى يَا حبيبي

أنْ يُحيلَ السَّعيدَ غَيرَ سَعيِد! ِ

وحرامٌ عَلَى الليَالِي طَوَافِي

حوْلَ أَهْوَالها الغِضَابِ السُّودِ

وأَناَ ما خُلِقْتُ إِلا لأشّدُو

في رِكابٍ مِنَ الجمَالِ فَرِيدِ

أيُّهَا الليلُ في فُؤَادِيَ لَيلٌ

زَاخِرُ الَموْجِ لَيْسَ بالْمَحْدُودِ

وَسَيَهْتَزُّ في ضُلوعكَ فَجرٌ

يُوقِظٌ الطَّيرَ لِلنهارِ الجَديدِ

وَأَناَ مُظْلِمُ الْجَوانِحِ ظَمْآ

نُ إلى فَجْرِى الْمُنيرِ الْفَقِيدِ

لِي رَجَاءٌ في رَحْمَةِ اللهِ لَمَّا

وَسِعَتْ في الوُجُودِ كُلَّ الوُجُودِ

أَنْ يُنِيرَ الْحَيَاةَ في قَلبِيَ الدَّا

جي وَيُقْصِى عَنِّى هَزِيمَ الرُّعُودِ

فأَناَ زَوْرَقٌ يُضَلِّلُهُ الإِعْ

صَارُ عَنْ شَطِّهِ الأمِينِ الوَحِيدِ

حَجَبُوهَا! وَمَنْ سَيُطْلِقُ أَسْرَا

بَ الأمَاني إلى وُكورِ حَيَاتي؟

حَجَبُوهَا! وَمَنْ يُنَضِّرُ أَغْرَا

مِي وَيَجْنِي مَع الصِّبَا ثَمَرَاتي؟

حَجَبُوهَا! وَمَنْ يُجَمِّلُ عَيْشِي

وَيُغَذِّى بِحُسْنِه صَبَوَاتي؟

وَلِمَنْ جِئْتَ ياَ غَرَامِي إلى الدُّنْ

ياَ؟ وَمَنْ ذَاتُهُ تُكمِّلُ ذاتي؟

حَجَبُوهَا! فَمَنْ يُهدْهِدُ أَشْوَا

قِي إلَيهاَ وَلْهَفَتِي وَشَكائي؟

أَيُّهَذَا القَضَاءُ لا كنْتَ ياَ غَا

دِرُ! فَرَّقْتَ في اللَّهِيبِ شَتاتي

وَشَرِبْتَ الدِّمَاَء مِنْ غَوْرِ قلبِي

وَاخْتَطَفْتَ الضِّيَاَء مِنْ بَسَمَاتي

وَغَرَسْتَ الْهُمُوم في ذاتِ نَفْسِي

كَحِرابٍ تُدَكُ في جَنَباَتي

وَزَرَعْتُ الأشْوَاكَ في طُرُقاتي

وَأَرَقتَ الذُّهولَ في نَظَرَاتي!

فعَبَرْتُ السِّنِيَن كالطْائرِ المح

مُومِ أقتاَتُ من رِمالِ الْفَلاةِ

أيْنَ عُشِّي وَأيْكَتِي وَغَدِيري

وَرَحيقِي وَزَهْرَتي وَلِدَاتي؟

وَلِمِاذَا أَبْعَدْتَني ياَ زَماني

عَنْ حِمَاها! فأَظْلمَتْ طُرُقاتي؟

أناَ أهْوَاكِ يَا شَقيقَةَ رُوحي!

أناَ أهْواكِ يَا حَيَاةَ حَياتي!

فَنِيَتُ نَفْسي في هَواكِ كما لوْ

فَنِيَ النَّهْرُ في الْخِضَمِّ الْعَاتي

ص: 49

وتَلاشَيْتُ في غَرَامكِ، وَاهْتَا

جَتْ من الشَّوقِ والْجَوى حُرُقاتي

أَنتِ شِطْري وكَيْفَ يَبْعُدُ شِطْري

ثمَّ تَخْبُو إذا نَأَى حَسَرَاتي؟

أنتِ إِشْرَاقَةٌ مِنَ اللهِ تَنْسَا

بُ وَتَمْحُو بِنُورِها ظلمُاَتي

أَنتِ مَعْنىً فَوقَ الَجماَل رَفِيعٌ

أَتَسَامَى إليه في صَلَوَاتي

قَرِّبينيِ مِنَ الإِلهِ وَهَاتى

مَا تَشَائِينَ مِنْ كُئُوسِكِ هَاتى

وَخُذيني إليكِ في كُلِّ مَعْنىً

منْ مَعَانِيكِ يا حَيَاةَ حَيَاتي!

(القاهرة)

عبد الرحمن الخميسي

ص: 50

‌البريد الأدبي

جواب

أجيب عن سؤال الأستاذ الفاضل (ح. ج) بأن (الهناء) لفظ عربي صحيح، والله يحفظه

وحيد

البيئة ونزع العمائم

ذكر الأستاذ الكبير الدكتور زكي مبارك تحت موضوع البيئة في عدد 418 من الرسالة المحبوبة أن اللذين زاروا الأندلس من أهل المشرق كان فيهم من دهش حين رأى بض القضاة يجلسون للحكم بين الناس ورءوسهم عارية، ولم يفهم أن هذا من تأثير البيئة، فأهل أوربا ينزعون أغطية الرءوس في المواقف الجدية وبهم تأثر العرب في الأندلس. . . الخ

بهذا التأثير الغربي حكم الدكتور كما قد مر بك، وبه قطع، وبه استشهد، وبه يريد أن يقوّم ما أعوج من بعض أبناء زمانه ساعده الله عليهم. . . فإن صح هذا الحكم على أن أهل الأندلس تأثروا بالبيئة الأندلسية فبمن تأثر أهل المشرق وعمن أخذوا نزع العمائم في بعض المواقف وبيئتهم تختلف اختلافاً كبيراً عن بيئة الأندلس؟ ومن أخبار تلك المواقف الجدية المشرقية البغدادية الرواية الآتية: قال صاحب الأغاني في (ح9 ص97): قال الراوي حدثنا محمد بن عباد المهلبي قال: لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت إلى المأمون وعمامتي علي فخلعت عمامتي ونبذتها وراء ظهري والخلفاء لا تعزى في العمائم. . . الخ

فعلى هذا أرجو من الدكتور المبارك أن يدلي برأيه في هذه الرواية ولحضرته من أبناء الشرق وتأريخه الحديث كل التحيات (بغداد)

عبد المجيد الساكني

النفط

جاء في مقال الأديب الأخ أحمد الشرباصي أن كلمة نفط عربية الأصل، ولكن يا سيدي الأديب جاء في كتاب منشة طبري أن النفط هو سائل أفضل من زيت الزيتون للمعابد وخصوصاً في ليلة السبت. وهذا الكتاب مطبوع في بغداد من قبل 1700 سنة فهو دليل

ص: 51

على أن الاسم عبراني لا عربي. والرجاء من علمائنا اللغويين وهم الأفاضل الأيوبي بك والعوامري بك والنشاشيبي بك أن يفيدونا هل نفط عربية أو يوجد لها اسم آخر بلغة العرب؟ ولهم الشكر من قراء الرسالة

(القدس الشريف)

داو ود أحمد العاروري

لحبيب أم لابن عبد ربه؟

في (يتيمة الدهر) للثعالبي ج1ص400 الأبيات الآتية منسوبة إلى حبيب بن أحمد الأندلسي وهي:

ودعتني بزفرة واعتناق

ثم نادت متى يكون التلاق

وتصدت فأشرق الصبح عنها

بين تلك الجيوب والأطواق

يا سقيم الجفون من غير سقم

بين عينيك مصرع العشاق

إن يوم الفراق أفظع يوم

ليتني مت قبل يوم الفراق

وقوله:

هيج البين دواعي سقمي

وكسا جسمي ثوب الألم

أيها البين أقلني مرة

فإذا عدت فقد حَلَّ دمي

يا خليَّ الروع نم في غبطة

إن من غارقته لم ينم

ولقد هاج لقلبي سقما

حب من لو شاء داوي سقمي

وفي (العقد) لابن عبد ربه - المجلد الرابع ص41 - عندما تكلم في التوديع ينسب هذه الأبيات إلى نفسه. فهل أخطأ الثعالبي في التحرير، أم كذب ابن عبد ربه وادعى لنفسه ما لم يقل؟ نريد من الأستاذ إسعاف النشاشيبي أن يسعفنا بالقول الفصل وله منا الشكر ومن الله حسن الجزاء

أحمد حسن علي شعيب

كتاب (محمد فريد) لعبد الرحمن الرافعي بك

ص: 52

لم يكتب إلى اليوم تاريخ مصر الحديثة كاملاً، وإلا فأين صفحات فلان وفلان من أبطال جهادها والذائدة عن حقوقها؟ وإذا كان تاريخ (محمد فريد) - وهو من زعمائها الآحاد - كادت تغمره الحوادث في لجة النسيان حتى نشأ الناشئ وهو لا يدري عنه إلا ما لا غناء فيه فكيف بمن هم دون فريد أثراً؟ لقد عنى بعضهم داخل الجامعة وخارجها بالكثير من الموضوعات التاريخية، فقرأنا لهم المباحث الطيبة قي شتى فترات التاريخ، ولكنا لم نجد بين إنتاجهم التاريخي شيئاً عن مصر الحديثة المجاهدة

ولقد قيل كثيراً: إنه يصعب كتابة تاريخ الأيام القريبة لاعتبار سياسي؛ وهو قول ينبغي الأخذ به، فالمؤرخ الحق لا يعرف شيئاً يمكن أن يجور به في عمله عن قصد السبيل؛ والإنسانية استطاعت الآن إلى حد كبير أن تحمي العلم الخالص من كل تحكم ظالم؛ وإن أناساً هنا وهناك نشروا مذكراتهم، أو تأليفهم التاريخية، وفيها مساس كبير بالمعاصرين، فخرج عملهم على حظ عظيم من الإحسان والدقة. . . هذا، ووثائق التاريخ المصري الحديث لما تندثر، وفرصة تمحيص رواياته أكثر اليوم مواتا للباحثين؛ ونشر صفحاته ستفيد منه الأمة وناشئتها بصفة خاصة خيراً كثيراً؛ وإذن فليس يجمل إهمال هذه الاعتبارات جميعاً تلقاء الخوف من اعتبار واحد فيه ضعفه.

لا غرو بعد هذا إن نحن قابلنا كتاب (محمد فريد) للرافعي بك، وهو إحدى حلقات سلسلته الذهبية في تاريخ مصر القومي بالكثير من الغبطة والتقدير. . . فهو تاريخ كامل للفترة الواقعة بين سنتي 1908 و 1919، تلك الفترة التي لا نغالي إذا قررنا أن شبيبتنا التي لم تدركها تجهلها، أو - على أحسن الفروض - تجهل الكثير من أحداثها

ولقد جمع الرافعي في كتابه ما يكاد يطلع القارئ على كل ما كان في هذه الحقبة الهامة في تاريخ النهضة المصرية، وكأن القارئ الشاب عاشها فعلا، ولكن لا كفرد عادي يعرف شيئاً وتغيب عنه أشياء، بل كفرد وثيق الصلة بالحركات المختلفة للنهضة، مطلع على دقائقها

ولن يجد الشباب في كتاب الرافعي كتاباً تاريخياً دقيقاً فحسب، ولكنهم سيجدون فيه أيضاً سيرة مثالية توجه نزعاتهم الطامحة

سيرون الجهاد والمثابرة في أسمى صورهما، وسيرون كيف يكون الزهد في المنصب والجاه، وكيف يكون التفاني في المثل العليا بأوفى معانيه. وسيرون السعي السلمي المنظم

ص: 53

لإيقاظ الشعور الوطني، وترقية الأفكار العامة، وإحراز الدستور. وسيرون مولد الكثير من المشروعات الإنسانية في نواحي الاقتصاد والاجتماع والتعليم، وسيرون في جنباته صوراً كثيرة لأدب تلك الفترة، وسيجدون أمامهم من الوقائع والروايات ما يستشفون منه الموضوعات الاجتماعية والسياسية وقتئذ

وسيرون - وما أنفع وما أروع! - سيرون العنت الهائل يلحق بأسلافهم المجاهدين فيزيدهم إيماناً! سيرون كيف كانت المطالبة بالحقوق جريمة يحاكم فاعلوها بالحبس مع الشغل.

وسيرون الأخلاق الواهية، وكيف ينبعث من بني الوطن من يكيدون للوطن وخدام الوطن. ثم سيرون في تاريخ الوطنية أحداثاً لم يعاهدوها إلا في تاريخ الأديان: سيرون الهجرة والفتن والردة! وسيرون بعد حامل الرسالة لا يهن ولا يهون

ليقرأ الشباب هذا الكتاب ليروا فريداً المجاهد تعذبه الغربة، وتؤوده العلة، ويود لو انتقل إلى مكان في نفس أوربا أرحم بمرضه فلا يستطيع لضيق ذات يده! ثم ليروه وهو المصاب بأدواء الكبد والاستسقاء، والذي يغادر مشفى ليدخل آخر، وينتهي من عملية القيلة المائية ليعاني (بزل) الماء الراشح في تجويف بطنه. . . تارة بالتسعة لترات، وتارة بالسبعة عشر لترا. . . ليروا هذا المريض المجهود يدع البلد الذي آنس فيه بعض الشفاء وينفر إلى المؤتمر الدولي الاشتراكي في (لوسرن) ليرفع فيه صوت مصر!

وسيتابع الشباب في الكتاب حياة (فريد) حتى تأفل، وسيسمعون قوله والمنية ترنق عليه:(لست أخاف الموت، لأنه حق، ولكن كل ما كنت أتمناه أن أرى مصر متمتعة بتمام استقلالها!)

وسيسمعون إلى وصيته الدافقة وطنية وأسى وشعراً؛ (فإذا مت فضعوني في صندوق، واحفظوني في مكان أمين، حتى تتاح الفرصة لنقل جثتي إلى وطني العزيز الذي أفارقه وكنت أود أن أراه!)

أما بعد، فقد ترك لنا الأستاذ الرافعي سبيلا ننقد منه كتابه القيم، فهو يتعقب عامداً زعيماً بعينه يبحث له عن زلات، ويفسر الكثير من تصرفاته بما يسيء إلى سيرته؛ والرافعي قد يكون رجلاً حزبياً سياسياً يتلمس الأسباب لرفع مذهب على مذهب، وينظر إلى عمل خصمه السياسي نظرة تبدي المساوئ؛ فهو لذلك قد يكون معذوراً فيما صنع، ولكننا كنا

ص: 54

نؤثر أن يغلب الطابع العلمي التاريخي المحض على كتابه العظيم

وفي الكتاب أخطاء مطبعية يضيق المقام عن سردها، ونرجو أن يبرأ منها في طبعاته التالية إن شاء الله

وللأستاذ المؤلف شكر الوطن القادر صنيعه ووفاءه

(المنصورة)

لبيب السعيد

ص: 55