الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 444
- بتاريخ: 05 - 01 - 1942
الرسالة في عامها العاشر
باسم الله تخطو الرسالة إلى عامها العاشر؛ وبغير أسم الله نورِ السموات والأرض لا يهتدي في هذا الظلام الحالك سارِ ولا سائر. والظلام في هذا الكوكب طبيعة أصيلة؛ فأناره الله بالشمس والقمر والدين؛ وأنرناه نحن بالزيت والكهرباء والعلم، حتى أوشك أن ينجاب الحلَك الغاشي عن آفاقه وأخلاقه؛ ولكن سلائل الطين لا تستضيء بصائرهم وسرائرهم بغير الدين؛ فإذا أطفئوه في قلوبهم تنفسوا الظلام فإذا الدنيا ضلال وجهل!. وإذا العالم دمار وهُلْك! وتلك هي الحال التي يكابدها الناس اليوم: ظلام في بلاد الأرض، وظلام في نفوس الناس، وظلام في وجوه المستقبل! فمن يخرج يده لا يكدْ يراها، ومن يتعلق بسبب من أمله انقطع به! ومن ينظر في صفحة الغد عمِّيت عليه! ومن لم يجعل الله له نوراً فما من نور!
الظلام! الظلام! الظلام! ذلك هتاف الأمان ودعاء السلامة في كل أمة من أمم الشرق والغرب اليوم! فليت شعري هل تأله الشر وتحكم الشيطان وصدقت المانوية؟
غشينا ظلام الغرب ولفَّنا ليلة الألْيل؛ فكأنما انطفأت في مشرقنا عين الشمس! وما كان المغرب منذ دحا الله الأرض إلا مبعث ظلمة؛ وما كان المشرق منذ أوقد الله الشمس إلا مطلع نور. فإذا دجت الآفاق واستسرت المعالم كان معنى ذلك أن الشرق قد انكفأ فلم يرسل شمسه ولم يبلغ رسالته!
والحق أن منازل الوحي من الطور والجليل وحِراء قد أصبحت ترسل أمواج النور الإلهية لغير قابل. كان لها من نفوس الأنبياء أجهزة من صنع الله تقبلها وتنشرها وتهدي بها وتدعو إليها؛ فلما خُتمت النبوة وانقطع الوحي ورث الخلفاء والعلماء رسالة الله فكانوا كورّاث الملك أو المال، منهم القاعد المضِيع، ومنهم المجاهد الكاسب. ولو شاء ربك أن يدرك النصرَ أولياؤه، ويطبِّق الأرض دينُه، لجعل الناس أمة واحدة؛ ولكن لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم!
لا تزال منازل الوحي ترسل الأمواج السماوية بالهدى ودين الحق؛ ولكن الله الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء حرم الناس نعمة القبول فاستأسدت فيهم الغرائز، وأسرفت عليهم المطامع، وتفرقت بهم المذاهب، وذاقوا من فساد النظام وطغيان الحكام ما لم يذقه الحيوان الأدنى من القتل والجوع والجور والبؤس والفوضى.
وكان الظن بالأزهر الذي قام للدين، وعاش بالدين، أن يكون لأمواج الوحي الخالد محطة
استقبال وإذاعة؛ ولكنه انقطع عن ركب الحياة فخضع لعوادي الدهر القاهر، خضوع القلعة المحصورة للمغير القادر!
على أن هذه الحرب العالمية هي كما قلنا القيامة الصغرى؛ ومن الحتم أن سيكون بعد القيامة الخَلق الجديد والحياة الفضلى. والواقع في الظن أن الأزهر يمهد لهذا الانبعاث، ويهيئ لهذه الحياة. وما هذه الروح التي دبت في (جماعة كبار العلماء) آخر العام المنصرم إلا نفحاتُ الربيع الأولى يرسلها الفيروز لتُجري الماء في الأعواد، وتوقظ الحياة في البراعم.
لعلك تقول لنفسك: ما بال الرسالة لا تنفك تذكر الأزهر في معرض الإصلاح والنهضة، وما الأزهر في رأي أكثر الناس إلا متحف آثار ومقبرة أفكار وطلل مذاهب؟
وقولي فيما تقول أن الشرق لا ينهض إلا بالدين، وأن الدين لا ينهض إلا بالأزهر. ولست أقصد بالدين هذا الدينَ الذي يعتقده المسلم المعاصر، ولا بالأزهر هذا الأزهر الذي تراه في نظامه الحاضر؛ إنما الدين الذي أعنيه هو دين القرن الأول، والأزهر الذي ابغيه هو أزهر القرن الرابع عشر. أريد الدين النقي القوي الذي فتح الممالك، ومدن الأمم، وكرّم الإنسان، واحترم العقل، وفرض المعرفة؛ أما هذا الدين الذي يقول بعبادة الأولياء، وتمجيد القبور، وتقديس القديم، وإيثار التواكل، ومخادعة الله بالحيل، ومهاواة القادة بالنفاق، فليس دين الله؛ إنما هو دين هؤلاء الأوزاع الأتباع الذين ضلّوا وذلّوا فمزقتهم الأحداث، وأكلتهم المطامع، وأصبحوا نهباً تتقاتل عليه الدول ويعتدل بتقسيمه التوازن.
وأريد الأزهر الجديد الذي يضع لثقافة الشعب أساساً من الدين، يقوي بقوة الله، ويثبت بثبوت الحق، ويدوم بدوام الدنيا؛ ثم يقيم عليه من القواعد والنظم والأوضاع ما يقره العقل ويؤيده العلم، وتقبله العصر، وتقتضيه الحاجة؛ أما هذا الأزهر الذي يَعْلك الكلام، ويجترّ الماضي، ويقتات الفُتات، ويبطل الاجتهاد، ويعطل العقل، فهو مسجد من المساجد الأثرية لا أقل ولا أكثر.
أما بعدن فقد عوّدتك يا قارئي العزيز أن أتحدث إليك في مطلع كل عام عن بلاء الرسالة في الجهاد وعملها في المستقبل؛ وإنك لتعلم أن هذا الظلام الشامل الكثيف الذي ضرب على أبواب الغد حجباً فوق حجب، يجعل مثل هذا الحديث أقرب إلى لغو الكلام وعبث الأماني.
فاسأل الله أن يتولانا في هذه الزلزلة العامة برحمته وفضله!
أحمد حسن الزيات
أحلام العام الجديد
للدكتور زكي مبارك
التفت أخونا الأستاذ الزيات فرأى العام الجديد لا يخيفه إلا من ناحية (استحكام أزمة الورق ومواد الطباعة وارتفاع أثمانها إلى عشرة أضعاف)، فتوكل على الله وقرر أن (الرسالة ستستمر على نظام العام السابق من التخفيض والتقسيط والإهداء مع المشتركين القدماء؛ أما المشتركين الجُدد فيردون الاشتراك كاملاً، مقسّطاً أو غير مقسّط). وبهذا ظهر (امتياز) الصديق القديم على الصديق الجديد!
والتفتّ فرأيت العام الجديد يخيفني من ناحية غير تلك الناحية، فأنا لا أشكو غلاء الورق ولا ارتفاع مواد الطباعة، بعد أن أرجأت النظر في طبع مؤلفاتي الجديدة إلى أن تنتهي الحرب؛ وإنما أشكو غلاء العواطف وارتفاع أثمان الصدق إلى ألف ضعف لا عشرة أضعاف.
وما ظنّكم بزمان لا يبرع شعراؤه في غير الحديث عن (الرغيف)، كالذي ترون من يوم إلى يوم في بعض الجرائد والمجلات؟
ما ظنُّكم بزمان يعدّ فيه الحديث عن أحلام القلوب ضرباً من الفُضول؟
إن هذه المحنة العاتية هي الفرصة لاختبار ما عند أدبائنا من عناصر الثروة المعنوية، فيها نعرف ما عندهم من أرزاق الروح والذوق والوجدان.
أيكون الكلام عن (الرغيف) تودداً إلى أهل البطون، وهم ألوف أو ملايين؟
إن كان ذلك فأين الأريستوقراطية الأدبية وهي تسمو على الحاجيات اليومية؟
أيكون الكلام عن الرغيف فرصة من فرص القول يهتبلها من لا يصل إلى بعض الجرائد والمجلات إلا بعناء؟
إن كان ذلك فأين تصوّن الأديب عن الكلام المبذول؟
سمعت - بل علمت - أن مدرساً في (قنا) أرسل إلى جلالة الملك برقية يشكو فيها انعدام الرغيف، فماذا وقع من الخطر حتى يجوز مثل هذا الصراخ؟ وماذا نصنع لو أصبحت بلادنا وهي ميدان حرب، وقد تصير كذلك إذا طال استمراء المتحاربين لما اندفعوا إليه من استطابة الجنون؟
وإذا استجاز (المدرس) أن ينظم القصائد الطوال في الشوق إلى الرغيف وهو مدرس يقتات بالعواطف والأحاسيس، فماذا يصنع (الفلاح) أو (الصانع) وهما شخصيتان تعتمدان في القوت على الرغيف؟
لعل الأيام أرادت أن تعلمني ما كنت أجهل، فقد طال مني التجني على الصوفية (وكانوا يدعون إلى التحرر من ربقة الرغيف) فهل كان للرغيف مثل هذه الآفة في العصور الخوالي؟
ولعل الأيام أرادت أن تقنعني بأني صرت من الحكماء من حيث لا أعرف، فقد هجرت الخبز منذ أعوام طوال، واكتفيت بما تيسر من الخضروات، بغض النظر عن اللحم الذي نأكله باسم النقد الأدبي، وهو لحم غاب أسمه عن (دولة الحاكم العسكري) فلم يفرض على من ينتاشه أي عقاب!!!
ما تهمني أزمة الرغيف، وإنما تهمني أزمة القلب
ولو كان في وزراء مصر لهذا العهد من عانى أزمات القلوب لعرف كيف يحارب أزمة الرغيف، لأن القلب هو الأساس في فهم أخطار الوجود.
الظبية تجترئ بالعشب فتستغني عن الماء، ومن أجل هذا سُمَّيتْ جازية، و (جازية) اسم من أسماء الملاح في هذه البلاد وإن لم يعرف الجمهور ما فيه من معنىً ملفوف
فإذا فقدت الظبية العشب، فكيف تعيش وبه غنيتْ عن الماء؟
لن أنسى أبداً سخرية (فاجيه) من (أفلاطون)، وفاجيه كان أكبر من اهتممت بآثاره الأدبية والفلسفية من بين أقطاب الأدب الفرنسي، وعن سيرته تعلمت أشياء هي الهادي والدليل في حياتي الأدبية، فأنا أسجل كل ما يعتلج في صدري قبل أن يضيع، ثم أقدمه للجرائد والمجلات حين أشاء، بلا تقيد بالمكان والزمان!
وفي هذه المرة أكون أعظم من أستاذي فاجيه، فقد سخر من تسامى الفلاسفة إلى ولاية الحكم وهو ينقد أفلاطون. أما أنا فأرى أن الفلاسفة هم أقدر الناس على إقامة لموازين بالقسطاس.
نحن، رجال القلم، أعرف خلق الله بما يشتجر في الصدور من الآم وآمال
كانت الحكومة إلى رجال يعيشون في حصون تقفل أبوابها بالنهار وبالليل: فلا يعرفون ما
يعاني الشعب من ظلمات الحوادث والخطوب. . .
ولم نكن كأولئك، فنحن قوم نعيش للشعب وفي صحبة الشعب، ولنا فيه أعمام وأخوال، ولن نتجنى عليه بأي حال
ونحن مع هذا معرّضون لدسائس سود، ومن الواجب أن نبدّد تلك الدسائس، بلا تسويف، تمهيداً للوزارة التي سنؤلفها في العام الجديد.
قيل إن الزيات متأنق في الأسلوب، فهو يزاوج بين لفظ ولفظ بغير عناء؛ وأقول إن هذه النزعة تنفع في المزاوجة بين الطبقات والأحزاب، حين يمس الزيات وهو رئيس الوزراء.
وقيل إن العقاد مولع بوصل ما بين الشرق والغرب في الآفاق الفكرية، وأقول إنه أصلح الأدباء لتولي وزارة الخارجية.
وقيل إن أحمد أمين لا يجيد الكلام في غير البحث المطروق، وأقول إنه أصلح الناس لوزارة المواصلات، فلن نجدد فيها إلا بعد انتهاء الحرب.
وقيل إن المازني أول أديب حجّ بيت الله في غير موسم الحج، فهو إذن أصلح الأدباء لأن يكون سفير مصر في الحجاز، وإن قال في صلاة (زكي باشا) ما قال.
وقيل إن توفيق الحكيم يقدس (السيدة زينب) فهو إذن وزير الأوقاف.
وقيل أن طه حسين لم يُجد في (هامش السيرة) غير الحديث عن (الراهب) فهو إذن وزيرنا في بلد النجاشي.
وقيل إن محمود تيمور لا يحسن القول إلا في وصف الطبقات الشعبية، فهو إذن وزير الشؤون الاجتماعية.
ولا موجب للحديث عن الأدباء الغَدَرَة من أمثال: عبد القوي أحمد ومحمد هيكل ومصطفى عبد الرزاق؛ فقد تولوا الوزارة قبل أن يستأذنوا إخوانهم من رجال القلم البليغ!
بقي مكاني في الوزارة المنشودة، فما عسى أن يكون؟
هل أختار وزارة المعارف؟
وكيف وهي وزارة متعبة، وما تولاها رجل إلا عرف خطر المشي على الشوك؟
صار من تقاليد وزارة المعارف أن يهدم الخَلَف ما بني السلف، وأنا أكره التقلبات الكثيرة،
وأبغض الضجيج المفتعَل، والصياح المصنوع.
يضاف إلى ذلك أني نشرت مقالات تفوق العدّ والإحصاء في شؤون التربية والتعليم، ومن الجائز أن يطالبني الجمهور بتحقيق ما اقترحت في تلك المقالات، وهنالك الخطر كل الخطر، إلا أن أروض نفسي منذ اليوم على التنصل من تلك المقترحات!
هل أختار وزارة الداخلية؟
هذا هو المركز اللائق برجل يغضب للشعب، ويثور على الاحتكار والمحتكرين.
إن توليت وزارة الداخلية - وهذا أمرٌ قريب - فسأفرض على رجال الحكومة في مختلف الأقاليم أن يعرفوا جميع البيوت وجميع الناس، ليدلوا الدولة على المستور من الثروات والنيات، وسأجعل من سلطة الشرطة جيشاً يمزق الشراذم الباغية على الأمن والنظام، وهل يهدّد الأمن والنظام بمثل الإصرار البغيض على احتكار الأقوات؟
لن انتظر حتى ينتفع الناس بوعظ الواعظين، وإرشاد المرشدين، فقد ظهر أن في الدنيا قلوباً لا يقومّها وعظٌ ولا إرشاد. لن أنتظر غير حكم العدل، والعدل يوجب أن يعرف وزير الداخلية حقيقة الثروة المدفونة في زوايا البيوت، بيوت الأغنياء والفقراء، فأنا أخشى أن تكون هذه الأيام قضت بأن يكون في الفقر تزوير وافتعال (ولم يكن المصريون كذلك في الأيام الخالية، فقد كانوا يسترون الفقر عن الأقربين قبل الأبعدين)
إن توليت وزارة الداخلية - ويجب أن أتولاها - فسأحرم العمد نعمة الثرثرة فوق المصاطب، وسأحولهم إلى جنود نافعين، فأولئك أقوام يعلمون من أمور بلادهم كل شيء، ولكنهم يكتمون ما يعلمون، فإن طووا عني ما يجب أن أعرف فسأقضي فيهم بالعدل، وهم يفهمون جيداً خطر العدل.
أليس من العار أن يصبح التموين مشكلة من المشكلات في مثل هذه البلاد؟
وكيف تكون الحال لو شاءت المقادير أن نطالب بتموين مئات الألوف من الجنود يوم يدعو الداعي إلى الجهاد؟
اللعب في أمثال هذه الأيام لا يليق، ومن اللعب القبيح أن يكنز ناس ما يملكون من أصول الأقوات لينتفعوا بالربح الحرام على حساب الشعب المهدد بالجوع.
وأنا مع هذا أعرف ما تصير إليه سمعتي يوم أتولى وزارة الداخلية، فسيقول السفهاء من
الناس إني خليفة الحجاج، وسيتخذون من شراستي دليلاً على أن المواهب الأدبية تنطوي على جحيم من الطغيان المكبوت.
وما خوفي من القال والقيل وأنا في غنىً عن رضا الناس، ولن أتقدم يوماً لخوض معركة انتخابية؟
إن رجال الأقلام هم أصلح الرجال لسياسة الدولة في السنين العِجاف. وهل يشقي أحدٌ في سبيل الأمة كما نشقي؟ وهل يعرف أحدُ من متاعب الأمة بعض ما نعرف؟
الوزراء في الأمم الدستورية لا يقدرون على الحزم إلا في أندر الأحيان، لأنهم مقيدون بعواطف الناخبين، وفي الناخبين خلائق لا تعطى أصواتها إلا لغاية مطوية، هي السكوت عن آثامها الثقال.
ولن أكون وزيراً برلمانيّاً يحسب لعواطف الناخبين ألف حساب قبل أن يُقدم على إعزاز شريعة العدل
سأكون بإذن الله وزياً يختار لغرض واضح صريح: هو القضاء على البغي والفساد، وزجر من يحرمون الشعب من الأقوات.
وقد فكرت في مصير البرلمان الحاضر، وهو برلمان طال حوله الخلاف، ثم صح الرأي على السكوت عن هذه المعضلة الدستورية إلى حين، فما يتسع وقتي للنظر في شئون تضر أكثر مما تنفع. وهل تحتاج الأمة إلى برلمان إلا حين يعوزها الحاكم الرشيد؟ - (إنما أُسأل أمام ضميري لا أمام البرلمان)
سأفاضل بين الأحزاب على أساس غير الأساس المعروف، فلن تكون هناك أغلبية وأقلية، وإنما يكون التفاضل بقدرة هذا الحزب أو ذاك على توفير أسباب الرخاء.
لن يقول النحاس باشا: (أنا أول من أنذر بأزمة التموين) فسأسوقه سوقاً إلى الطواف بالبلاد لدعوة أنصاره إلى الإفراج عن القوت المحبوس
ولن يقول الدكتور ماهر باشا: (أنا أول من تأهب للحرب)؛ فسأجره جراً إلى ميدان جديد هو حرب الغلاء!
سأغيّر من أخلاق الناس، إن دُعيت إلى ولاية الحكم في هذه الأيام، وليس ذلك بالأمر البعيد، فقد جُرّبتْ جميع القُوى السياسية، ولم يبق إلا تجربة القوة الأدبية، وهي أقوى من
الزمان.
أما بعد فهذا حُلمٌ من أحلام العام الجديد، ولكل عام أحلام
هو لفتة روحية ستؤتي ثمارها بعد حين، فمن الشر الموبق أن يحال بين رجال القلم وما يشتهون من إقرار العدل، وما كانوا في الحاضر والماضي إلا موازين.
دعوْناكم ألف مرة إلى الاعتراف بالسلطة الأدبية فلم تسمعوا؛ ونهينا كم ألف مرة عن تناسي السلطة الأدبية فلم تنتهوا. فهل جازينا كم صداً بصد، وإغضاءً بإغضاء؟
لا، والله، وإنما مضينا على السجية الكريمة، فأوقدنا في صدر الأمة جذوة الشوق إلى التماسك والتساند والتآخي، فما كان في الأمة من خير فهو من صُنع أقلامنا، وما كان في الأمة من شر فهو من جناية الراغبين في السيطرة والاستعلاء.
لن تصلحُ الأمور إلا يوم تصبح المقاليد بأيدي رجال القلم البليغ ومن قال بغير ذلك فهو بقية من بقايا الطغيان البغيض
أتريدون الدليل؟
نحن نبخل بالحكم لقطعة شعرية أو نثرية حين نراها بعيدة عن الجيد المستطاب، مع أن الحكم لقطعة شعرية أو نثرية لا يقدم ولا يؤخر في سياسة البلاد.
وأنتم تُضفون الألقاب السنية على من تحبون بغير حساب، وقد تُسندون بعض المناصب إلى من لا يُزكّيه غير رضاكم عن أسلوبه في حفلات الاستقبال.
الأدباء هم أقدر الرجال في مصر على عصيان الأهواء
ألا ترون كيف نحارب منافعنا في سبيل النزاهة الأدبية؟
نحن نصاول الأحزاب والهيئات في كل يوم لنرفع قدر الفكر والرأي، ونرحب بجميع المتاعب في سبيل تلك الغاية العالية، فأين من يصنع بعض الذي نصنع؟ وأين الذي يعاني في سبيل المبادئ السامية بعض ما نعاني؟
لو سخرنا أقلامنا في سبيل الغايات الوقتية لسددنا الطريق في وجوه الكثير من طلاب النفع الموقوت، وهم أعمدة المجتمع فيما يتوهمون.
إلى أقلامنا يرجع الرأي في سياسة هذه البلاد، وإن بُعدنا صورياً عن المناصب الوزارية والبرلمانية. . . لكل وطن روح، وروح هذا الوطن هو رسالة القلم البليغ.
زكي مبارك
ظاهرات نفسية
2 -
في مسرحيات محمود تيمور
للأستاذ زكي طليمات
مفتش شئون التمثيل
سبق أن قررت في مقالي السابق عن مسرحيات تيمور أن القيمة الأدبية الحقة للعمل الأدبي، مسرحية كان أو قصة، رهينة بما يسجله من الحقائق الإنسانية الخالدة التي تسمو على مشكلات الاجتماع، ومسائل الإصلاح الموقوت، وأزياء الأساليب البيانية، وتتجاوزها إلى ما هو أعرق في الأصالة وأجدر بالمعالجة، إلا وهو النفس البشرية بكامل كيانها، فيكون همُّ الكاتب قبل كل شيء، تسجيل سماتها والكشف عن مظاهرها ومضمراتها. ومن أجل هذا جعلت نقدي للمسرحية الأولى من مسرحيات تيمور، ألا وهي (الصعلوك)، معنى بهذه الناحية وتجاوزت قصداً عما سواها؛ وسيكون هذا دأبي في نقد المسرحيتين الأخريين، وهما (أبو شوشة) و (الموكب) وعلى أساس أن كياننا النفسي الكامل يتألف من العقل الظاهر (الوعي) ومن العقل الباطن (اللاوعي)، وإننا في تصرفاتنا خاضعون إلى التيارات الخفية التي تنطلق من معقل الوعي الباطن فتدفعنا إلى إتيان بادرات، لا يستطيع عقلنا الظاهر تفسيرها.
النقد تنبيه وتبيين وتسجيل
إن مهمة الناقد وقد أخذ بما أسلفناه شاقة عسيرة، ولكنها مجدية للقارئ قبل كل شيء، إذ أنها تقدم له بيان واضح وسرد مستفيض غير مقيد بأوضاع وقيم فنية مرسومة، تقدم إليه سمات هذه الشخصيات التي نلخصها في تعقيدها النفسي مضطربة مقنعة، بعد أن يكون الناقد قد استخرجها من بين السطور، وقيد أوابدها، وتصيد شواردها، وحلل نزعاتها، وأسقط أقنعتها.
ورب معترض يقول: وما هذا اللون من الأدب أو المسرحية الذي يحتاج إلى تفسير وتعليق وتذييل يجلو الغموض ويبدد الأبهام؟ ولم كل هذا التعليق من جانب الناقد!؟
وجوابنا: أن لا غموض ولا إبهام تلحظه العين في عمل أدبي حق، لو أن كل قارئ كان
سامياً في ثقافته إلى المستوى الذهني الذي أصدر عنه الكاتب أو الشاعر عمله الأدبي الرفيع، وصدق القائل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً
…
وآفته من الفهم السقيم
وإن النقد كما أنه تنبيه منزه عن السقوط إلى ما يتضمنه العمل الأدبي من مفاتن ومقابح، فهو تفسير وإيضاح لما يسجله المؤلف مجملاً أو مركزاً، وقد تقيد بقيود الوضع الشكلي الذي تفرضه صياغة القصيد أو القصة أو المسرحية، وأخذ بأسباب شرائط فنية قد توجب الإغراب قصداً، وقد تحتم التلويح بدلاً من التصريح في مواقف، والعكس بالعكس في مواقف أخرى، وقد تقضي بالإيجاز الذي يضني القارئ في ناحية، لتنهكه مرة أخرى في تنقل وثبي جريء، تدفعه من فكرة إلى فكرة، ومن خيال إلى خيال، من غير تمهيد يستطيع كل قارئ معه أن يجد الرابطة بين كل هذا.
وهناك شيء آخر جدير بالاعتبار يتصل بالمؤلف نفسه مباشرة، وذلك أن النقد إذا صح أنه إيضاح وتبيين فوق تبين، ييسر لكل قارئ استبطان دخائل العمل الأدبي الذي يقرؤه، ويبصره بمواطن الفتنة والسمو والقبح والإسفاف فيه، فهو أيضاً تسجيل وتحليل لطرائق المؤلف واتجاهاته في الأسلوب والصياغة والفكر؛ وهو أيضاً تقدير لمبلغ توفيقه في كل هذا، لأن المؤلف الموهوب قد يصدر كثيراً فيما يكتب عن وحي الساعة وقد لبسته حال من اللاوعي، فهو لا يخضع كل سانحاته وطوارقه الذهنية إلى مقاييس الفن ومعايير البيان. إنه يرتجل أحياناً وهو يدري ولا يدري بعد أن تهيأت نفسه للخلق والإبداع، وفي تسجيل هذا من جانب الناقد تبصير جديد للقارئ وإقرار صحيح لمنازل الكتاب من حيث القيم الأدبية الفنية.
وفيما نحن بصدده في مسرحيات تيمور - وقد نحا في التأليف والتحليل النفسي نحواً يقضي بتسجيل النتائج والأعمال التي يأتيها أبطال مسرحياته من غير أن يعني بتبيين البواعث والدوافع، وذلك باعتبار أنها أعمال تبدو من العقل الباطن ولا يستطيع العقل الظاهر تعليلها وتفسيرها - لا مناص من أن تكون مهمتنا الأولى إيضاح هذه البواعث التي أدت إلى النتائج، ولا يخفى أن أعمال الناس تفسر بالبواعث والدوافع قبل أن تفسر بالنتائج والغايات.
والآن فلتقدم إلى مسرحية (أبى شوشة)
أبو شوشة
اسم لعجل مدلل، يرعاه (مؤنس بك) في ضيعته (كفر البلابل)، ومن العجيب أن يكون عنواناً لمسرحية أسم عجل يخور ولا يند لسانه بحوار في المسرحية ولا ترى له وجهاً على المسرح، ولن من يدقق قراءة هذه المسرحية لا يلبث أن يصل إلى ما توخاه المؤلف من هذا العنوان، بعد أن يتضح له أن (ابا شوشة) ليس إلا رمزاً للحاضر الجاثم بكيانه القادر بظروفه وشواغله. (والحاضر) في هذه المسرحية عنصر هام وخطير.
وترك مؤنس بك ماضيه في القاهرة منذ ست سنوات وهاجر إلى الريف وتزوج من حرائر أعيانه. له من زوجته رفيق مؤنس، وله توفره على الزراعة ومنتجاتها شغل وعزاء. تراه أول ما تراه في المسرحية، محنقاً مكروباً، لأن العجل (أبا شوشه) متوعك المزاج يعاف أكل العليق وعينه محمرة دامعة!! القصر الريفي في حيرة واضطراب، الخدم يرقبون شفاء للعجل العزيز السيد خادماً يسهر على راحته.
فجاءة يهبط القصر نفر من الزوار من أعيان الريف، بينهم حسنية هانم وزوجها (ظاظا بك) - وهما من سكان القاهرة - جاءا الضيعة لزيارتها بعد أن ذاع صيت نظامها ووفرة غلتها في دوائر القاهرة. فنرى مؤنس بك يضطرب ويرتبك لمرأى (حسنية) وكأنه فوجئ بمجيئها، ولكنه يتغلب على ارتباكه ويرحب بالزائرين.
وإذ يخلو لمؤنس وحسنية المكان بعد تمهيد دق المؤلف في إتيان مواقفه من غير تكلف، نراهما منجذبين الواحد نحو الآخر، متقابلين فماً لفم، وسرعان ما ينجلي للقارئ أسباب ارتباك مؤنس واضطرابه. . . لقد كان مؤنس وحسنية متحابين، متعاقدين على الزواج قبل أن يهجر مؤنس القاهرة ويقيم بيته وأعماله في الريف. ولكن حدث إذ ذاك أن توفي والده وطالعته تركة موروثة مرهقة بالدين تتدحرج نحو الإفلاس والبوار؛ فأسقط في يده، وخابت أمانيه في الزواج، لأن كبرياءه حجزته عن أن يتزوج من حسنية الناعمة المثرية. فترك القاهرة بغتة واستقر في الريف يرمم المنهار من تركته بعد أن قطع كل رباط يربطه بالقاهرة وساكنيها. وكان أن تزوجت حسنية من ظاظا بك.
هذا المشهد هو دعامة المسرحية وبيت القصيد فيها. . .
هما هما الاثنان يبعثان الماضي وذكرياته، وها هو مؤنس يشد على يد حسنية في اتقاد، مهيباً بها أن تنسى الحاضر وأن ترجع بعين الخيال إلى مراتع حبهما، فتزداد التصاقاً به، وتدني فمها من فمه، مغمغمة أسمه المحبوب، القبلة تكاد تتم فصولاً، الحب الهامد يتسرح من جديد و. . . .
ولكن يحدث في هذه اللحظة أن يرتفع خوار العجل أبى شوشة؛ فإذا بمؤنس يجمد في مكانه، وإذا بالقبلة لا تتم، وإذا به يترك حسنية واجمة متعجبة، ويطل من النافذة منادياً متسائلاً عن صحة العجل العزيز الغالي!!
بادرة عجيبة ولا شك من جانب مؤنس تناقض الواقع الذي كان يعيش فيه منذ لحظة بيان لسانه وكمال وعيه!
ويستدرك مؤنس ما أتاه من غير وعي بهذه البادرة النابية فيعاود الحديث عن الماضي ويستعين عليه في هذه المرة بمطالعة بعض صور فتوغرافية قديمة تمثله مع حسنية في مواقف عديدة. ويبدو للقارئ أن مؤنس يحاول لاهثاً أن يستمد من هذه الصور إنقاذاً لمخيلته ويقظة لحسه. وتقع يد حسنية بين هذه الصور على رسم للعجل أبى شوشة فتتبرم؛ ثم لا تلبث أن تزداد عجباً على عجب، إذ ترى مؤنس يأخذ بأسباب سرد مشرق عن ولادة العجل وحياته الأولى.
وهكذا يبدو مؤنس متطوحاً بين (الماضي) الذي يشده بعيني حسنية، وبين (الحاضر) الذي يجتذبه بجوار أبى شوشة.
ولا تجد حسنية موضوعاً للحديث غير الكلام عن الطقس. ويفطن مؤنس إلى ذلك فيعتصر حسه من جديد ويأخذ في إطراء مفاتن حسنية، فينشط حس المرأة أمام هذا الإطراء فلا تتوانى عن أن تعرض عليه أن يحضر الحفلة التي ستقيمها في القاهرة بمناسبة عيد ميلادها، ولا تتحرج عن أن تناشده معاودة حياته الأولى في ظل حبها.
مؤنس ينقاد إلى حديثها في شبه حلم لذيذ وقد غمره الماضي، فلا نلبث أن نسمعه متبرماً بحاضره. وها هو أخيراً يقرر في نبر صوتي متقد أنه سيعود إلى القاهرة، وأنه سيحضر حفلة عيد ميلادها. . . وأن الإنسان في وصفه أن يحقق ما يريد إذا صح عزمه على ذلك.
وإذ هما يحتضنان، يرن صوت الخادم وقد أقبل نحوهما. . . الخادم يدخل فرحاً معلناً أن
(أبا شوشه) أكل عليقه، وأن الصحة عاودته. . .
يا لسخرية الحاضر من الماضي!!
نرى مؤنس ينتفض فجأة وكأنه، خرج من حلم بعيد وينطلق نحو الباب والفرحة ترقص أمامه، ويدعو حسنية إلى أن ترافقه إلى مذود العجل؛ ولكنها ترفض فيتركها وقد نسى القاهرة وحفلة العيد!!
هذا المشهد هو الرواية كلها، وقد وفق تيمور في التمهيد لانطلاق الإيحاءات الباطنة التي كانت تطرق مؤنس وتجعله وهو لا يدري ينقض ما يبرمه وهو يدري. وفق تيمور في هذا بطريق إيرادها جسات نفسية خاطفة كانت تلوَّح للأمر المزمع، والغاية المقصودة.
وتجري بعد هذا المشهد الحافل مشاهد إضافية، نرى (حسنية) في أحدها تعلن لمن جاءوا الضيعة معها أن (مؤنس) سيحضر حفلة عيد ميلادها بالقاهرة؛ ولكن سرعان ما يحضر مؤنس وقد امتلأت نفسه نشاطاً وفاضت غبطة ليعلن الحضور بدوره أنه سيشترك في المعرض الإقليمي بمنتجاته الزراعية، وكان قبل ذلك متردداً في هذا الاشتراك. تمتعض (حسنية) وتقطع الحديث وهي تقترح العودة إلى القاهرة، لأن لديها ما يشغلها لإعداد حفلة عيد ميلادها. وإذ ذاك يتذكر (مؤنس) أمر هذه الحفلة، ويبدي حيرته كيف يوفق بين الاشتراك في المعرض وحضور حفلة القاهرة. . . ولكن (حسنية) تتدخل في الأمر تدخلاً عابراً من باب جبر الخاطر - وأغلب الظن أنها بدورها أحست فتوراً من الرجوع إلى شيء مضى وفات - ويعتذر مؤنس عن حضوره الحفلة وكأنه أنقذ من ورطة قادمة!
وتنتهي المسرحية بأن ترحل (حسنية) إلى القاهرة لتعيش هناك في (حاضرها)، ويبقى (مؤنس) في قصره الريفي ليعيش بدوره في (حاضره).
كل هذا يجري ولم نر المؤلف يجعل بطلي المسرحية (مؤنس وحسنية) يحاولان تعليل تلك الإيحاءات الباطنة وتفسيرها بطريق المنطق، بل جعلها تعرض نفسها خطفاً، وبهذا خالف النهج الذي نهجه في مسرحيته الأولى (الصعلوك) وحسناً فعل.
والآن نتساءل ما الذي يلبس هذا الرجل (مؤنس بك) الفينة بعد الفينة، والموقف واحد لم يتبدل زمانه ومكانه، فنراه يتخبط وينقض فعلاً ما أبرمه كلاماً ويتأرجح بين قوتين عنيفتين تشهد كل منهما من ذراع لتجتذبه أحدهما في النهاية؟؟
إلا يرى القارئ معي أن هذا الرجل يحاول عبثاً إرجاع الماضي وبعثه بمذكيات الذكرى وبحطام نفسه ويشخص المرأة التي كانت له شريكة فيه؟؟ وأن الحاضر يأبى عليه ذلك ويسير على شرعته الأزلية من أن ما فات مات، وأن لا رجعة لما أغرقه الزمن في لجته؟؟
نعم هو هذا. وأن الذي كان يلبس الرجل ويدفعه بقوة خفية إلى التناقض إنما هو سيطرة الحاضر الذي أقام لنفسه في الواعية الباطنة سلطاناً يدفع به وثبة الماضي إذا قدر له أن يستفيق من همدته وتهيأ للانسراح بعد انكماشه، والماضي بدوره له في الواعية الباطنة منازل ينطوي فيها على نفسه ولكنه يقنع من السلطان بأن يكون معين الصراع بين المادة والحافظة، وأن يكون الشرفة التي نطل منها على المستقبل.
لا سبيل إلى إحياء الماضي، تلك هي المسألة التي أثارها تيمور في مسرحيته - الماضي لا يعود - ومرد هذا أن النظرة إلى الأشياء تتغير بتغير الميول، والميول تبدل أثوابها بمرور الزمن، الزمن الذي يبلى كل شيء ويسير دائماً إلى الأمام دون أن ينظر إلى الوراء، الزمن الذي يستبد فينا بحاضره، ويدفعنا بشواغله والتزاماته إلى أن نحيا فيه. فكان النظرة إلى الأشياء مقضي عليها بالتغير، ومتى تغيرت النظرة تغيرت معها معالم الدنيا من إنسان وجماد.
لقد نال الزمن من (مؤنس) وهو لا يدري، كما نال من نفس (حسنية) وهي لا تشعر، ولم يكن حظها في هذا أرفق من حظ مؤنس، وآية ذلك أنها حينما أجابت نداء (الماضي) عن لقائها حبيب القلب الغابر وانساقت مع دفعاته الفاترة المتقطعة، لم تستطع أن تدفع سلطان (الحاضر) بل كانت في محاولتها إحياء الماضي، كما كان (مؤنس)، متعثرة على الرغم منها.
ولو أن تيمور أجرى موضوعه على الرجل دون المرأة لأوقع بالمسرحية ثلمة تنفذ إليها منه بالمؤاخذة، ولكنه فطن إلى ما لا يفطن إليه عادة غير المرتاض بصياغة القصة المتمرس بعرض موضوعه عرضاً صادقاً كاملاً.
ورب معترض يقول: إن الدافع الحقيقي الذي حجز (مؤنس) عن معاودة حياته العاطفية مع (حسنية) هي أعماله بالريف وشواغله الملحة فيه. وهذا حق من ناحية أن هذه الأعمال وتلك المشاغل إنما هي من عناصر (الحاضر)، والحاضر، كما قررنا، يفرض سلطانه
علينا، بيد أن هذا ليس كل شيء، لأن الظروف المحيطة بمؤنس وحسنية - ما رسمها المؤلف - كانت ظروفاً مواتية تسمح لهما باستئناف علاقتهما دون أن يخل ذلك بشواغلهما، ولكن بشرط. . . وهذا الشرط أن يكون لأعج العاطفة المتأجج في قلبيهما متقداً قوياً كما هو المشاهد المألوف لدى الأكثرين، لأن الإنسان يحيا بغرائزه وعواطفه أكثر مما يحيا بعقله ومنطقه، وفي تلك الفترات التي يكون فيها الإنسان لحياة العاطفة لا يبالي بأي قيد من القيود. ولكن العاطفة القوية أو الحب المتقد لم يكن يعمر قلبيَّ مؤنس وحسنية عند لقائهما الأخير. لقد كان الأمر غير ذلك فيما مضى، ولكن الزمن أطفأ اللاعج المتقد وأوهن القوى النابض، ولم يبق في قلب كل منهما من ذلك الغرام غير هيكل من عظام نخرة ترتدي مسوح (فينوس) تكفي أن تهزها اليد لتنهار.
زكي طليمات
التبعة والعقوبة في المجتمع البشري القديم
للأستاذ رفعة الحنبلي
ساد المجتمع، خلال العصور القديمة، نوع من النظم الاجتماعية، وضرب من المبادئ الفطرية، أخذ بها طوال المدة التي جنح فيها إلى التفكير الهزيل، والمعرفة الضئيلة، والعلم القليل مما كان له أثر فيه. فاتسم بطابع خاص يتميز به عن بقية المجتمعات الإنسانية الأخرى، ولم يقتصر على الثقافة فحسب بل تناول التقاليد والعادات أيضاً.
وفي الواقع أنه إذا تقصى المرء أحوال المجتمع البشري القديم في الأزمنة الغابرة، ودرس نظمه الاجتماعية، وتفهم نفسية أفراده وأخلاقهم، والتمس ميولهم ورغائبهم، وتبين عاداتهم وتقاليدهم، واتصل بهذه النظم على ضوء الدرس المنظم وعن طريق التتبع والاستقراء، تكشفت له عن حياة اجتماعية متأخرة، وبيئة ضيقة، وعقلية محدودة وتفكير سقيم تتباين مع الحياة الاجتماعية الأخرى في المجتمعات الثانية وبيئتها وتفكيرها وعقليتها، هذه الحياة الاجتماعية توقفنا على درجة من درجات رقي المجتمع وحضارته وتكشف لنا عن سمة من سمات الطبع والنفس، ومظهر من مظاهر الروابط الاجتماعية والقيم الخلقية.
على أن هذه الحياة لا يزال يشوبها كثير من اللبس والغموض، ولا تزال تكتنفها ظلمة كثيفة في كثير من أفيائها وإن أخذ بعض علماء الاجتماع - يدفعهم في ذلك حب البحث والاستقراء والحاجة الملحة إلى المعرفة - يبددون ما أحاط بها من ظلمة، وما اكتنفها من شوائب.
ومن النواحي التي درسها علماء الاجتماع ناحية جليلة خطيرة لها أثرها المباشر في الحياة الاجتماعية وفي مقومات المجتمع البشري أيضاً: هذه الناحية تعرف بالتبعة والتي عرفها المجتمع في الوقت الذي عرف الإنسان فيه العمل الاجتماعي واضطلع به، إذ ذهب هؤلاء العلماء إلى أن التبعة كانت معروفة عند أكثر الأمم والشعوب القديمة. وقد استمدت بعض المجتمعات الحديثة نتفاً من قوانينها ونظمها فدمجتها فيما ابتكرته من نظم وقوانين حملت الإنسان تبعة ما يقوم به من عمل اجتماعي أو أدبي أو غيره. والواقع أن المجتمعات البشرية تختلف باختلاف درجتها في سلم الحياة والارتقاء. فعلى قدر ما يكون المجتمع البشري من الرقي والحضارة يحتاج إلى نظم جديدة تتلاءم مع الحضارة والرقي اللذين أخذ
بهما؛ فالمجتمعات والحالة هذه لا تتمشى على نظم واحدة، ولا تتقيد بقوانين واحدة، بل لابد لها من نظم مختلفة وقوانين متباينة تميز المجتمع الواحد عن الآخر وتصور نفسية أفراده وبيئتهم ودرجة رقيهم وحضارتهم.
بقيت مبادئ التبعة التي أخذ بها المجتمع البشري القديم، ردحاً من الزمن - قل أو كثر - خافية على كثير ممن يعالجون البحوث الاجتماعية حتى كشف عنها بعض كبار الباحثين ممن درسوا المجتمع القديم دراسة مكنتهم من إدراكها إدراكاً قد يكون تاماً أو لا يكون، بعد أن وقفوا على خصائص الحياة الاجتماعية التي سادت ذلك المجتمع، وبعد أن تفهموا المقومات الاجتماعية العديدة. وما زال الباحثون الاجتماعيون من ذوي الاختصاص يسيرون غور هذه الحياة وهذه المقومات الاجتماعية بعدما درست آثارها، وعفت رسومها أو كادت، فراضوا صعابها وجلوا شكوكها إلى أن وقفوا على عناصرها وعواملها، وكشفوا عن أسرارها وخبيآتها؛ وهم إلى ذلك - أي الباحثون - يؤمنون بأن القدامى من أفراد المجتمع كانت لهم من الآراء الفطيرة، والتفكير الفقير، والتقدير الهزيل، ما حملهم على إلقاء التبعة لا على عاتق كل فرد من أفراد المجتمع فحسب، بل على كل الكائنات الحية من حيوان وجماد أيضاً.
بدأ علماء الأجتماع، في العصر الحاضر، يدرسون المبادئ التي من شأنها أن تجدد كل عمل يقوم به الفرد في مجتمعه وما يتبعه من عقوبة وقصاص على ضوء علم النفس الحديث، وعلم الأمراض النفسية بعد أن كان المجتمع القديم يقيم حدها على كل فرد من أفراده، دون أن ينظر إلى نفسية هذا الفرد وإلى الأمراض المتصلة بها التي تتعاوره إبان حياته، بل كان مآل نظم المجتمع القديم فرض العقوبة على أي امرئ ارتكب جرماً أو اقترف إثماً.
والتبعة ليست، في الواقع، إلا نتيجة لعمل اجتماعي، شرعياً كان أو غير شرعي، يخالف ما تعارف عليه المجتمع وما ألفه الناس، أو بعبارة أخرى نتيجة أعمال وأفعال اجتماعية يقوم بها أفراد المجتمع تتعارض مع القوانين أو النظم الموضوعة التي تستوجب التبعة، فإذا ما خرق امرؤ حرمة الآداب والأخلاق، أو نكث عهداً من العهود الاجتماعية، أو اتهم برقة في دينه أو وطنيته، أو احتفظ بعلاقة غير شرعية مع فتاة، كان ذلك كافياً، في نظر المجتمع،
لأن يحمل تبعة عمله وأن يعدَّ مسؤولاً.
ولابد للمرء أن يتساءل عن الأعمال التي قد ترضى الجماعات الإنسانية أو تفضيها إذا ما قام بها، ولابد له من أن يتفهم التقاليد والعادات التي تدنيه من المجتمع أو تبعده عنه، كي يستبين طريقه على ضوئها، ويتمشى حسب نظم المجتمع لئلا يقحم نفسه في مآخذ عنيفة ومزالق خطرة تستوجب التبعة والعقوبة.
وماذا يعني بالتبعة؟. . . هي قيام امرئ بعمل ما، في مجتمعه أو في مجتمع آخر، في حالتي النفع والضرر. فالمرء الذي يقدم على أعمال من شأنها تحدي النظم القائمة وخرقها والتي قد يتضرر منها المجتمع الإنساني يكون مسئولاً عن أعماله هذه، كما أن المرء الذي ينشط إلى المحافظة على الآداب والأخلاق، والذي يلذ له خدمة الأمة والإخلاص لها والتفاني فيها يكون مسئولاً عن هذا العمل أيضاً. فالتبعة إذا تقع على عاتق المرء في الحالين المتقدمين وإن اتجه كل منهما اتجاهاً يختلف والآخر جد الاختلاف من حيث الوسيلة والغاية؛ وإذا ما أبدلنا العقوبة بالمكافأة واللوم بالثناء، فمن هو الذي يستحق العقوبة واللوم، ومن هو الجدير بالمكافأة والثناء؟. . . مما لا مشاحنة فيه إن الإنسان يكافأ على عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. . .
ألا ترى أن الأب يكافئ ابنه الأديب الوديع ويعاقب الطائش الشرير؟. . . وكذلك المربي؛ إلا تراه يثني الثناء العاطر على الطالب الخلوق الطيع، وينحي باللائمة على النفور المتمرد؟! والحكومة، ألا تشعر أنها تكافئ رجالها المخلصين والعاملين بالأوسمة والرتب، وتعاقب المجرمين والخائنين بالسجن والإبعاد والقتل أحياناً؟. . . ألا ترى أن الجماعة البشرية قد أعدت جوائز قيمة، أدبية ومادية، للأفراد الذين يحملهم الإخلاص ويدفعهم الوفاء على التفكير بترقية المجتمع وتخفيف الآلام عن الإنسان، ورفع مستوى الحياة الاجتماعية؟ أليس كل ذلك يدخل في حدود التبعة الاجتماعية على اختلاف شكوكها وتباين غاياتها؟! على أن العلماء لم يقصدوا بالتبعة إلى المعنى الذي ذهبنا إليه، ولم يتجهوا الاتجاه الذي أخذنا به، ولكن هي الحقيقة وهو الواقع! ولمَ لا يكون المرء مسؤولاً عما قام به من صالح الأعمال كما يكون مسؤولاً عما جنته يداه من إثم أو جريمة؟! وما التبعة في الواقع إلا
صدى تلك الحياة الاجتماعية التي ارتضاها الإنسان لنفسه، وتلك البيئات التي تكتنفها التقاليد والعادات. . .
ومن هو المسئول - في الدرجة الأولى - في نظر المجتمع لقد أعطت الجماعات الإنسانية أجوبة تختلف باختلاف حياتها الاجتماعية وبيئتها وثقافتها، وتتباين بتباين أخلاقها وتقاليدها وعاداتها. على أنها حُملت الإنسان - منذ الأزمنة القديمة - التبعة، باعتبار أرقى المخلوقات الحية وأشرفها وأذكاها، وأقربها من المدينة والحضارة، حيث يقوم بدوره الرئيسي في المجتمع، إذ أنه ينعم بعقلية نيرة تدفعه إلى استخدام الحيوان لشؤونه اليومية والمعاشية والاستفادة من النبات والجماد لمنافعه الشخصية والبيتية التي تتطلبها حياته الاجتماعية. وهو - فوق ذلك - يملك من الأهلية والاستعداد ما يجعله يحمل تبعة ما يقوم به من عمل. لذا نجد الإنسان شاعراً بالتبعة ورازحاً تحت ثقلها منذ اليوم الذي قتل فيه قابيل أخاه هابيل
ولا يمكن الأخذ بالتبعة أو الإقرار بها إلا في حالة خاصة، بمعنى أن الإنسان إن لم يتمتع بعقل سليم وتفكير صحيح فلا جناح عليه بما يأتيه من عمل شائن أو فعل قبيح؛ لأن سلامة العقل وصحة التفكير شرط أساسي - في بعض المجتمعات - لإلقاء التبعة وتحمل العقوبة، وإن أقرَّ البعض هذه التبعة على من لم تتوفر فيه هذه السلامة والصحة، حتى أن بعضهم ذهب إلى إلقاء التبعة على الطفل والمجنون والأبله والمعتوه أيضاً. . . وتغالت المجتمعات القديمة، والحديثة المتأخرة، فذهبت إلى أبعد من هذا الحد، إذ ألقت التبعة على الحيوان والجماد!!
وقد تتعدى هذه التبعة من شخص إلى آخر وإن لم يجمعها نسب أو قرابة، وتتجاوز الفرد إلى الجماعة، وإن لم تكن بينهما صلة أو علاقة، وتعرف حينئذ بتبعة الجماعة، لكنها تبقى - في غالب الأوقات - تبعة غير محدودة بيد أن الجماعة التي تتحمل التبعة تكون ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة - ولو إلى حد ما - بصاحب الجريمة أو الإثم، باعتبار أن أفرداها وحدة لا تتجزأ، وباعتبار أن المتهم فرد منها، فالجريمة التي يؤخذ بها هذا المتهم تؤخذ بها الجماعة، والتبعة التي يتحملها تشاركه الجماعة فيها، والعقوبة التي تفرض عليه تنالها أيضاً على حد سواء؛ وتبعة الجماعة إنما تكون في الجماعات التي تعيش قبائل
منفصلة الواحدة عن الأخرى، وفي المجتمع القديم الذي يتبع نظام التوعية والجماعت التي يرأسها شيخ هو أكبر أفرادها سناً ومن هذه الجماعات ظهرت أول مبادئ تبعة الجماعة التي تتعدى أقرب الناس إلى أبعدهم عن المتهم.
وهنالك أيضاً بعض الجماعات ممن يقرون مبدأ التبعة الفردية في جرائم خاصة، ومبدأ تبعة الجماعة في جرائم أخرى؛ ففي حالة الجرائم الصغرى كالسرقة أو القتل، إنما تكون التبعة فردية، وتكون جماعة في حالة الجرائم الكبرى كالخيانة الوطنية وخرق حرمة الدين، والثورة على الحكومة وقتل الملك وغيرها. . . ففي هذه الحالة تسود التبعة جميع أفراد عائلة المتهم دون النظر إلى تفاوت درجة القرابة والأعمار بينهم؛ فالجد والأب والأعمام والأولاد والحفدة يساقون إلى منصة الإعدام كالمجرم على حد سواء؛ أما أقرباؤه الأدنون، فيعاملون معاملة العبيد ويصبحون أرقاء، توزعهم الحكومة على قادة الجند بمثابة رهائن، ينقطعون للعمل، ويحبسون على الخدمة، وتصادر أملاكهم، وتحجز أموالهم، كما صودرت وحجزت أملاك أولئك من قبل.
كذلك كان عدم الوفاء لصاحب الجلالة، أو عصيان أوامره المقدسة، يسبب للفرد عقوبة تذهب بحياته، وتودي بأسرته إلى العذاب البئيس، وتهوى بهم إلى أدنى درجات الاسترقاق والعبودية؛ أما هو، فيعدم ويحرق، وأما زوجه وأولاده، فيصبحون أرقاء؛ أما أبواه وجداه واخوته وأولاد أخيه، فينفون من الأرض إلى أمد بعيد.
وهكذا نجد أن هذه العقوبة العنيفة التي تعرَّض صاحبها وأسرته ومن يلوذ به إلى الموت، والتي تجعل من ذوي قرابته عبيداً أرقاء، لم تستأثر بها أمة دون أخرى، بل اشتركت أكثر الأمم فيها مع اختلاف العقوبة من حيث العنف والقسوة باختلاف شرائعها وقوانينها. ففي فرنسا مثلاُ - أيام قيام الملكية في ربوعها - كانت عقوبة النبيل والشريف الذي يرتكب أية هفوة في حق الملك أو الإمبراطور، هي تجريده من رتبة العسكرية، وإنزال درجته النبيلة، وإبعاده مع أسرته خارج المملكة، أو الإمبراطورية، مع حرمانه هو وأسرته من العودة ثانية إلى بلاده ووطنه حرماناً قد يكون أبدياً؛ وإن قدر له أن يعود دون عفو خاص من صاحب الجلالة، فإنه يعدم حالاً دون أية محاكمة أو أي تحقيق؛ أما إذا لم يكن نبيلاً، وكان ينتسب إلى عامة الشعب، فعقوبته كما يقول الأستاذ تماثل عقوبة الشريف فضلاً عن هدم منزله
وإعفاء أثره. وإذا تعمق الباحث في درس هذه التبعة، ردَّ دواعيها ومسبباتها إلى ذلك الاعتقاد السائد - قديماً وحديثاً - أن صاحب الجلالة هو خليفة الله في أرضه، لذلك كان لهذا الاعتقاد من الأثر القوي في نفسية الشعوب والأمم ما جعلها تشرع هذه العقوبة العنيفة لحفظ خليفة الله من الاغتيال وحرصاً على شخصيته المقدسة.
والأمة العربية لم تعرف في سالف عهدها التبعة الفردية بل كانت آخذة تبعة الجماعة باعتبار أنها ترى نفسها قائمة على التكتل وعلى المبادئ القبلية وإفناء الفرد إفناء كلياً في المجموع. وكم من حرب ظل ضرمها يحتدم بين قبيلة وقبيلة لجريمة ارتكبها أحد أفراد هاتين القبيلتين!. . . وكم من تضحية فرضت على فرد لم يقترف إثماً. . .! أو على أفراد قبيلة لم يجنوا جريرة أو ذنباً!. لقد كان رأس القبيلة هو المسئول الأول والمباشر عن عمل كل فرد من أفراد جماعته، كما أن القبيلة بأجمعها مسئولة عن هذا العمل أيضاً. . . وجاء الإسلام بالشريعة السماوية السمحة، فمحا تبعة الجماعة وأقر تبعة الفرد ورسم حدودها وأمسى الفرد مسئولاً عن عمله دون غيره مهما ترادفت آثامه وتعددت جرائمه، ولا تزروا وازرة وزر أخرى. . .
إلا أن العرب عرفوا، قبل الإسلام، نوعاً من التبعة الفردية، في حدود ضيقة محدودة، كانت قائمة ما قام (نظام الخليع) على معنى أن القبيلة كانت تكره في بعض الأحايين على مجازاة أحد أفرادها لخصال وخلال لا تقره عليها أو تتنافى مع بيئتها وأخلاقها - فتخلعه من ذمتها وتبعده عنها وتقطع صلته بها؛ فالمرء الذي تلفظه القبيلة يتحمل هو وحده تبعة عمله وليس لقبيلته أن تتحمل شيئاً من هذه التبعة كما أنها لا تطالب بدمه إذا أهدر.
إن هذه الظواهر الاجتماعية، في صدد تبعة الجماعة ليست في الواقع، إلا صدى تلك الحياة الاجتماعية الضيقة وصدى ذلك النظام الاجتماعي الضعيف. وكثيراً ما كانت هذه التبعة جد عنيفة وقاسية ينوء الفرد بحملها ويرزح تحت تقلها.
لقد تقلص ظل هذه التبعة عن الإنسان في مجتمعنا الحاضر وعفت رسومها وأمحى أثرها إلا عند الجماعات المتخلفة عن المدنية والحضارة واتجه إلى التبعية الفردية إذا أصبح الإنسان مسئولاً عما يرتكبه من آثام وجرائم، ولا شأن لأسرته وذوي قرابته فيما يرتكبه من إثم وجريمة، وإن كان بعض الأمم التي بلغت أقصى درجات المدنية والحضارة، وأسمى
مراتب الرقي والتمدن، تأخذ بها أحياناً في حالات خاصة إبان الحروب والثورات.
(البقية في العدد القادم) - بيروت
رفعة الحنبلي
من الأدب الروسي
أنطون تشيكوف
الكاتب الروسي العالمي
(من كتاب (رجال القصة الروسية الحديثة) لسيرج برسي)
للأستاذ خليل هنداوي
من عادة الناس القول: (بأن الإنسان لا يحتاج إلا إلى مترين من الأرض، لكن هذه الحاجة هي حاجة الجثة الهامدة، لا حاجة الإنسان الحي الذي لا يكفيه إلا هذا الفضاء. لا يطلب الإنسان من الأرض قيد أقدام، ولا يطلب مسكناً، وإنما يطلب الأرض بأسرها، والطبيعة بسعتها، لكي تتفتح على آفاقها كل خصائصه ومزاياه بحريته؟)
هذا ما قاله - تشيكوف - عن أبحاثه ورسالته حين دخل الحياة الأدبية. ولد سنة 1860، وبعد أن أنجز دراسته في جامعة بلده أتم دراسة الطب في موسكو حتى غدا طبيباً مشهوراً، لكنه أخذ يسأم هذه الحياة العملية، ويستهويه عامل الأدب. فنشر عدة أقاصيص في بعض الصحف، وكان يؤجر عليها، لأن موارده في العيش كانت ضئيلة. وقد جمعت قصصه الأولى ولم تكن مما تبعث على الرضا، لأنها قصص كتبت لاجتذاب القراء وتسليتهم في أوقات فراغهم، دون أن تنطوي على فلسفة معينة، أو غاية معلومة. لكن الكاتب سرعان ما تبلورت نفسه، واتسعت آفاق عقله، فترك ذلك الجو الصبياني، ودخل في جو ملؤه دراسة الإنسانية، وهذه الدراسة طوقت روحه بالحزن والكآبة. أضف إلى ذلك أن بلده كان يكابد عناء الحروب في الحرب الروسية التركية، هذه الحرب التي كان ثمنها تحرير بلغاريا مذ أوحت إلى الروس أنفسهم بإدراك حريتهم وأثارت في الشباب العزم للعمل على الوصل إلى هذه الحرية مهما بلغ الثمن وأرهقت المقادير. لكن هذا الأمل تحطم، وهذه الجهود ذهبت عبثاً، لأن الرجعية قد ظفرت، وبظفرها طارت الأحلام، فعرا النفوس شيء من الذهول أو التحذير، ومن كان في قمة العزيمة والأمل جاء انتكاسه عظيماً، ووشكان ما دب في هذه القلوب النشيطة دبيب اليأس والعجز، فمن القلوب من لاذ بالعزلة لوحده كأنه لا يريد أن يبدي جراحه، ومنها من اعتصم بالعمل ليذهل، ومنها من ظل يرسل الأنين تلو
الأنين لعلة يشفى. وهكذا يقال إن ضباباً رمادياً أحاط بحياة القوم، حاملاً معه الكآبة. هذه هي المشاهد التي وقف عليها - تشيكوف - براعته، ولم تنتج روسيا مثله كاتباً استطاع أن يصور لنا اضطرابات هذه الفئة من الناس التي كانت تمشي خابطة على وجهها بدون فجر ولا رجاء.
يقول أحد أبطاله مفسراً الأزمة الخلقية: (ليس لي من العمر إلا ست وعشرون، ولكن أراني لا أجهل أن الوجود يمشي بلا غاية، خالياً من أي غرض، وكل شيء فيه باطل زائل. تتشابه فيه حياة ساكن جزيرة (سخالين) مع حياة ساكن (بنس)؛ والفرق بين دماغ (كانت) ودماغ ذبابة ما لبيس له قيمة حقيقية، وأن لا شخص في هذا الكون على ضلال ولا على صواب)
وفكرة - العدمية - بكل ظواهرها المروعة تنعكس كثيراً ما في آثار تشيكوف، وأقصوصة (القبلة) ليست إلا وجهاً من هذه الظواهر. فالعريف (ريابوفيت) بتأثير قبلة غير مقصودة لبث بحلم بالحب طوال صيف؛ فهو ينتظر متألماً ساعة العودة ليرى جميلته المجهولة، لكن حلمه لم يكن إلا وهماً، إذ لم يكن هنالك أحد ينتظره. وبينما كان في أصيل يوم يسرح على ضفة جدول استسلم لتأملات تتفجر من قلبه: (الماء يفر إلى حيث لا يعلم أحد، ولا لماذا. إنه يفر على الحالة التي مرّ بها في أيار الغابر. إنه عبر من الجدول إلى النهر الكبير، ومن النهر الكبير إلى البحر، ثم إنه تبخّر واستطار، ثم استحال مطراً. فهل أرى ذات الماء يركض جديداً على مرأى من عيني؟! ما غاية ذلك ولماذا؟! وهكذا أصبحت الحياة عند هذا العريف لغزاً معمي لا يدركه العقل، تمشي على غير غاية، هائمة بدون قرار.
وقد أعطانا تشيكوف نماذج عدة لأفراد انتقاهم من بيئات مختلفة؛ فكأنما يأخذ القارئ بيده، يقوده إلى أي مكان يستطيع أن يعرض عليه فيه صوراً من المجتمع الروسي الحديث: في الحقل أو المصنع أو الطريق. وهو بعد ذلك لا يستقر في موقف، ومهما كانت المواطن التي يرتادها القارئ وراء آثاره لا يخرج منها إلا مشبعاً بهذه العزلة الروسية المؤلمة.
يقدم لنا تشيكوف مثلاً للحبة الضالة فتى كثير الأحلام، يضع رأسه حيث تطلع عليه منه أية فكرة جديدة. قد بحث عبثاً طوال حياته عن شكل عملي يلائم مثله الأعلى الذي يراه، والآن تركه القدر أباً أو ترك له ابنة تكرهه على كسب قوتها وقوته، هو يحب ابنته، ولا يفتأ
يردد اللوم لها على كثير من العيوب في حياتها القلقة. في أمسية ساهرة، وجدت امرأة أيم - هذه الفتاة العابسة الشاردة، فأخذت تعزيها بكلمات لطيفة، وفي هذه الساعة تحدث الأيمان وشكا كلاهما للأخر ما عنده، وأذاع الرجل عليها قصة حياته كلها، وما ساقه إليه القدر، فاهتمت بحديثه اهتماماً شديداً وأقبل بقلبه وعاطفته. حتى ليظن الناظر أن القدر لم يجمع بينهما باطلاً، وإنما لأمر يريده في الجمع بينهما، وفي الغد ركبت المرأة العجلة، وكان يساعدها على الركوب، وإن الآذان لتنتظر منهما الكلمة التي يجب أن تجمع ما بينهما، ولكن لم يقل واحد هذه الكلمة. انطلقت العجلة ولبث الرجل جامداً كالتمثال. ينظر بعاطفة فيها فرح وألم إلى الطريق البعيدة التي توارت عليها السعادة التي فرت من بين يديه منذ قليل.
وقصة (الغارة) تقدم لنا مثلاُ لعاطفة الخوف الحادة التي تغزو فجأة نفس فتى متكبر اصطدم ببعض الحقائق. فالطالب (فاسيليف) وهو ذو طبيعة حادة دخل للمرة الأولى بيت الهوى ولكنه لم يستطع أن يتحمل التأثيرات المرهقة التي كان يكابدها؛ وغزت رأسه أفكار مظلمة أحاطت به من كل مكان. فكان يصيح آخذاً برأسه: (أحياء. . . أحياء. . . لو حطمت هذا المصباح لوجدتم أن في هذا شراً، ولكن - هنالك - ليست المصابيح هي التي تحطم، ولكن حيوات الخلائق البشرية. . . أحياء) ثم أخذ يفكر في وسائل استنفاذ هؤلاء المنكوبات، ويبدو له أن يجلس على قارعة الطريق مخاطباً كل عابر:(إلى أين تمضي؟ ولماذا؟ إخش الله؟) لكن هذه الفكرة سرعان ما غلب عليها الألم والريبة من نفسه، وزاد عليه الألم حتى سحق قلبه، ولكن فتيان مجتمعه لم يتألموا من أجله، وإنما كانوا يعربون غير ملتفتين إليه. فأحس الطالب أن عقله يفلت منه. فقيدوه حتى إذا ما شفى مما هو فيه ذكر عواطفه الأولى، وخجل منها، وهكذا حطم مذهبه، وخفق حلمه.
في الأوساط الاجتماعية، ومرابع العمال يكاد الإنسان يبدو أكثر ابتعاداً عن الأثواب السطحية والمظاهر الكاذبة. فإن المكافحة المتواصلة ضد الفقر لم تترك فرصة لغيرها. الحياة قاسية تحطم بلا رأفة أحلام السعادة، ولا ندع للإنسان - على الأغلب - رفيقاً يقاسمه أثقال الهموم والرزايا حتى الصغيرة منها. وقصة السائق تعطينا مثلاً لهذه العزلة، هذا السائق المعدم فقد ولده فلم يأنس في نفسه القدرة على احتمال هذه المصيبة. ووجد فيها ما
يدفعه إلى أن يحدث الناس بها. ولكنه كان يبحث عبثاً عمن يستمع إليه. وفي يوم من أيام عمله ألقى نفسه وحيداً مع فرسه فناجاها: (نعم يا فرسي الصغيرة! إنه مات ولدي الحبيب، وتوارى سريعاً من دون علة. لنفرض أن لك مهراً، وهذا المهر مات على حين غرة، ألا يؤلمك فقده؟) أما الفرس فقد رنت إليه بعينين هادئتين لامعتين، ونفخت من أنفاسها بين يدي صاحبها الذي أنجز قصة موت ولده.
ولتشيكوف قصص رائعة وقفها على وصف الحياة للقروية التي تشبه من وجوه عدة حياتنا القروية. ومن ذلك (القرويون)، فنيقولا خادم في أحد فنادق (موسكو) ساوره داء عياء ووجد نفسه مضطراً إلى مغادرة عمله. وكان كل ما يقتصده يذهب إلى أيدي الأطباء والصيادلة. وعندما يئس من شفائه قرر أن يعود إلى قريته حيث أهله وأخوته، لأنه يؤثر إذا فاتته الحياة أن يموت على مرأى من أهله. لقد تر القرية حين كان فتى ثم لم تقع عليها أنظاره بعد ذلك. عاد هو وزوجه وابنته، فوجد أباه وأمه وأخوين له مع أزواجهما وأولادهما في هوان وفاته، وألقى أن الأسرة كلها تأوي إلى زريبة مظلمة قذرة يرن في أجوائها الذباب؛ فأدرك أن بقاءه في موسكو كان الأجدر به، ولكن هذا أمل خادع لأنه لا يملك أجر العودة. إذن يجب البقاء في هذا اللحد الذي أختاره. وهكذا استقبلتهما هو وزوجه حياة كلها تعب ونكد وشقاء ليس فيها إلا النزاع والصفع والهوان بدون نهاية. إنه يريد أن يعود، لأنه مل هذا الوجود؛ ولكن أني له المال؟ فزادت صحته سوءاً على سوء؛ فوعده صاحب قديم بشفائه، فقام بجملة تجاريب كانت القاضية عليه. وقضت زوجه من بعده شتاءها في القرية مع ابنتها. فأسرع دبيب الهم بخطوط الكهولة إلى وجهها الذي كان يحار فيه ماء الشباب، ومالت قامتها، وتبدلت حالتها. ومن ذا الذي يبقي على الهم؟ أقبل الربيع والأم وابنتها تدخلان الكنيسة ثم تزوان ضريح فقيدهما، ثم تطوفان سائلتين في الطرق! وتشيكوف نفسه يقول:(إن حياة عمالنا هي سوداء تمشي في طريق الفسق، أما حياة الشعب: عماله وفلاحيه، فما هي إلا ليل مدلهم ملؤه الجهل والفقر والألم)
إن تشيكوف ببراعته الفائقة، ونظراته الشخصية، يصف الحياة الإيجابية والسلبية؛ وهو ليس بذي طبيعة هجائية، لأن كتابته يغمرها العطف العميق. وهو لا يسخر من أبطاله، وإنما يشفق عليهم. عبقريته هادئة، مفكرة، عميقة، ولكن يخيل أحياناً أن هذا الهدوء ليس
إلا قناعاً. وقد قال ناقد فيه: (إنه قلم ذو حنان) وهو في قصصه ينبوع فياض، لا ينفذ له موضوع، ولا يغتر له تحليل برغم بساطته. وهو لا يُعنى بالإسهاب الكثير، والاستطراد البعيد، لأنه يكفيه أن يطرق الجانب الحي من الموضوع.
جرب تشيكوف الكتابة المسرحية، وله منها القوى المتين، ومن ذلك مسرحية (الأخوات الثلاثة). هؤلاء كن يقضين حياتهم في بلدة حقيرة تبعث على السأم، خالية من الرجال اللامعين، وليس فيها إلا من تشابهت وجوههم، وتشاكلت نفوسهم، كأنهم نسخة واحدة تكررت نسخاً. وكان حل هؤلاء السفر إلى موسكو، لكن بلادتهن قضت عليهن بالبقاء، فليتهن يتناقشن ويتجادلن متفلسفات في مواضيعهن. وقد اتفق أن نزل المدينة ثلة من الجند، فماجت فيهن الحياة، وكان لهن حوادث حب مع العرفاء دامت حتى يوم الرحيل.
قالت الكبرى: إنهم رحلوا. . . سنبقى وحدنا! والحياة الساكنة ستبدأ.
فقالت الثانية: إنما يجب العمل، لا شيء يعوزنا إلا العمل!
وقالت الثالثة معانقة أختيها في حين راحت الموسيقى العسكرية تعزف لحن الرحيل: يا أُختيَّ! إن حياتنا لم تنته بعدُ إننا سنحيا.
هذه الموسيقى تصدح طربة. . . رويداً رويداً! إنني أُحس به. . . سنعلم غداً لماذا نحيا ولماذا نتألم!
هذه ناحية قوية من نواحي فلسفة تشيكوف البسيطة، وهي بمجموعها تنم عن (عجز عن الحياة مشوب بأمل مبهم. . .)
إن تشيكوف في الحقيقة منحة الأدب الروسي، وغرسة لم تتعهدها إلا تربة عرقه. ففي نزوعه إلى الحرية ترن ألحان تولستوي؛ وفي ميله إلى شراء الماضي بالألم يلوح وجه (دوستوفسكي) كأنما آثار كبار الروس تتبين خلال سطوره.
وقد يشبه تشيكوف من نواح عدة (موباسان) و (إيبسن) لكنه لا غموض ولا إبهام فيه، لأن الغموض النرويجي لا يلائم روح الأدب الروسي الذي ينزع إلى مجابهة المسائل الملعونة في الحياة مجابهة صريحة عنيدة. ولقد حار في تحديد قيمته النقاد فمنهم من وصفه بأنه كاتب (خلى) لأن كتابته لا تدعو إلى الثورة التي برزت في بعض آثار غيره، ومنهم من وجد فيه متشائماً لا يتفاءل في شيء من الحياة الروسية، لأنه ملتفت إلى وصف الآلام أو
الجهود النازعة إلى طلب حياة تكون أحسن أثاثاً ورئياً.
ولعل في الرجوع إلى بعض سطور له ما يفيدنا في توضيح صفات هذه الشخصية الفذة، ومما يقوله:(إنني أخاف أولئك الذين يفتشون عن ميول ورغبات خفية بين السطور، وأولئك الذين يريدون أن يجدوا فيَّ محرراً أو محافظاً. . . إنني لست من ذلك في شيء. . . لست بالمحرر ولا بالمحافظ، ولا بالراهب ولا بالخلي، وإنما أنا رجل أمقت الكذب والصولة في أي مكان وتحت أي مظهر. . . لا أريد أن أكون إلا فناناً. . . وهذا كل شيء) ولكن هذا الفنان الحر الذي أبغض الكذب والصولة في المعنى الذي تفهمهما لم يستطع أن يكون إلا محرراً للإنسان بأوسع معنى للتحرير، ولم يكن بذلك المتشائم الذي تمثلوه، لكنه كان كاتباً يتألم لمثله الأعلى، ويوقظ بكتاباته الأمل في الخروج من غسق الحياة التي وصفها. وقد تبدي في بعض مراحله أنه مؤمن بمستقبل الإنسان والإنسانية، فيقول في محاورة له لبستانه:(أتعلم بعد جيلين أو ثلاثة أن الأرض ستصبح بستاناً زاهراً وإذ ذاك كم تغدو الحياة جميلة؟) وهو الذي يقول بأن الإنسان قوة الأرض المركزية (وينبغي للإنسان أن يعلم أنه أسمى من كل ما في الطبيعة. . . . إننا أكوان سامية عظيمة؛ وحين يتسنى لنا أن نعرف كل قوى العبقرية البشرية تغدو قرناء للآلهة)
لكن هذه الآمال الكبرى لم تحل بينه وبين وصف عجز الإنسان في كل زمان ومكان، فهل تأتي ذلك منه بطريق المناقصة؟ نقول: لا، لأن تشيكوف إذا لم يشك لحظة في تقدم الإنسانية فإنه ليتألم، ويبعثه على الألم تشاؤمه الأسمى للنزاع إلى السمو؛ وهذا التشاؤم الإنساني تجاه ما يخور العقل أمامه عجزاً، وهذه العاطفة تتألم وتيأس إزاء خبط الحياة وعصف الموت.
يقول أحد أبطاله: (إني إذا ما خشيت الحياة ولم أفهمها، فعندما أرقد على بساط من الأعشاب. وأتأمل طويلاً في حشرة ولدت في مطلع الليل، لأتفهم شيئاً من وجودها. يخيل إلى أن حياتها ليست إلا مرحلة من الرعب والذعر، فيها أرى نفسي، وأتمثل خاطراتي. . . كل شيء يروعني لأني لا أفهم العقل ولا نهاية الأشياء. لا أفهم شيئاً، ولا أدرك أحداً. . . أما أنت فإذا كنت تفهم فأحر بي أن أهنئك. . .) و (حين ينظر الإنسان طويلاً في السماء الزرقاء المترامية، فالأفكار المنبعثة والنفس تتحد اتحاداً خفياً في عاطفة عزلة عميقة،
وخلال لحظة واحدة يشعر الفكر بوحدة الموت ولغز الحياة اليائسة المروعة)
إن هذا اليأس الشامل، وهذا الشقاء الذي تحدث عنه تشيكوف يتمثلان في آثار كل الشعراء والفنانين الروس البارزين. ومن منهم لم يرسم الحياة بهذه الخطوط المجعدة، ولم يجعل فؤادها مغموراً بهذا اليأس!
على أن تشيكوف - بما أوتي - رأى وأدرك وجهي الحياة: وجه تقدمها التاريخي والاجتماعي، ووجهها الآخر الذي يحيط بها من كل ناحية: هذا الوجه المظلم المجهول الغائم تحت أنفاس الموت الباردة.
(حلب)
خليل هنداوي
في المخبأ.
. .
للأستاذ محمد محمود دوارة
عشنا لنرى ما لم يخطر لنا على بال. واضطرتنا حوادث الأيام إلى أن نأتي أعمالاً لو أنا أتيناها قبل اليوم لنسب إلينا الجنون المطبق!. . .
انقلبت جميع الأوضاع رأساً على عقب.
كان الظلام مبعث الرهبة والخوف، فأمسى هو الملجأ منهما كان المنزل هو المكان الذي يتوفر فيه أمن المرء وطمأنينته فأصبح الهلاك كل الهلاك في البقاء بالمنزل.
كانت الشجاعة في الثبات أمام الأخطار والكاره ومجابهتها وجهاً لوجه فإذا هي في الفرار والهرب.
كان النهار معاشاً والليل لباساً فإذا النهار غير معاش والليل هلاك.
كان القمر فتنة الكون في لياليه الباهرة، وكان نجوى الشاعر والعاشق والفنان، فإذا هو علامة من علامات الشر، ونذيرٌ من نذر الدمار والخراب.
فسبحان الذي يغير ولا يتغيّر. . .
بعد منتصف الليل والكون غارق في بحار الكرى تدوي في الفضاء فجأة أصوات منكرة متقطعة متكررة لا عهد لنا بها من قبل، فكأنه قد نفخ في الصور، وجاء البعث والنشور.
يثب المستدفئ من فراشه الوثير وكان لو خيَّر بين تركه أو خسارة نصف ماله لضحّى بالمال غير متردد في الاختيار.
وتمتلئ الشوارع في تلك الساعة التي اعتادت فيها الفراغ إلا من متسكع لا مأوى له، أو حارس تعلم بالتجربة كيف ينام وهو واقف، أو معربد جعل من ليله نهاراً.
رجال ونساء وصبية وأطفال كلهم مفزع مضطرب. كلهم صامت كأن لم يخلق له لسان ولا شفتان، وكلهم سريع الخطى لا فرق بين هرم وشاب، ولا بين عجوز وفتاة في عنفوان الصبا والشباب.
قف في تلك الساعة وتأمل معي الناس. . .
هذه جارتي الحسناء التي اعتادت أن تقف أمام المرآة نصف النهار لتخرج إلى الناس فتنة وسحراً لا يقاومان، هاهي قد خرجت تهرول بوجهها الذي خلقه الله. لم تمكنها المفاجأة ولم
يمكنها الخوف من الكذب على عباد الله.
وهذا جاري الذي لم أكن أراه ولم يكن يراه الناس إلا منتفخ الأوداج مصعر الخد متبختراً يمشي الهوينى كأنه الهودج أو الديك الرومي، هاهو الآخر يهرول في مشيته ضارباً بأصول العظمة والكبر ومشية الحاكم عرض الحائط.
وهذا الرجل الذي قطع حبل السكون بضراعته إلى الله تعالى وبدعوة رسله وأنبيائه وأوليائه، هل رأيته في الصباح وسمعته وهو يسب الأديان جميعاً لسبب من أتفه الأسباب؟
ما أروع الفرق بين الليل والنهار في هذه الأيام!
وما أقرب المسافة بين إيمان الإنسان وكفره، وبين أمنه وخوفه وبين هداه وضلاله!
وفي المخبأ في كل ليلة من ليالي الغارات تستطيع أن تشهد وأن تسمع ما لا عين شهدت، ولا أذن سمعت، قبل هذه الليالي السوداء!
دخل المخبأ متأخراً عن رواده بقليل رجل يحمل في إحدى يديه مصباحاً كهربائياً (بطارية) يستعين به بين الفينة والفينة على تعرف طريقه، فما كاد يطأ بقدميه بابه حتى ضغط زر المصباح ليرى ما أمامه، ولكنه سرعان ما ارتد إلى الوراء مفرغاً مضطرباً إذ تعالت صيحات الاحتجاج والتوبيخ الموجهة إليه من كل جانب.
- من هذا الحمار الذي يريد ضياعنا في شربة ماء؟!
- من هذا المجرم الذي يريد قتلنا؟!
- اطفئ النور أيها المغفل
- الله، الله. . . أتريد قتلنا بمصباحك كما قتل مصباح آخر قوماً آخرين بالإسماعيلية؟
ووسط ذلك السكون الرهيب والظلام الدامس انبعث صوت متحدث رزين تدل نبراته على فرط الرسوخ في العلم.
قال زاده الله علماً ومعرفة:
- الصمت مطلوب في هذه اللحظة يا إخوان، لأن طيارات الأعداء بها أجهزة خاصة لالتقاط أصوات المتكلمين وهي من الدقة بحيث لا يخفي عليها حتى همسات الهامسين. . . ضعوا ألسنتكم في أفواهكم، وإن استطعتم فاكتموا أنفاسكم على قدر الاستطاعة! بهذا حكم الله وبه قضى، ولا راد لقضائه سوى رحمته. واعلموا أن كل من يجازف بالحديث أثناء
تحليق الطائرات في الجو كأنه يريد أن يدل الأعداء على مكاننا، أو بمعنى آخر كأنه يريد القضاء على نفسه وعلينا جميعاً.
ولست أدري هل صدَّق الناس قول ذلك الخبير العجيب أم لم يصدقوه، فان واحداً منهم لم يعترض على ما قال ولم يحاول مناقشته، ولكني لا أشك لحظة في أن جارتي العجوز قد آمنت بكل كلمة من كلماته، وإلا فما بالها تكتم أنفاسها ذلك الكتم الشديد الذي جعلها في آخر الأمر تعلن إفلاسها في تلك المحاولة العسيرة قائلة: يفعل الله ما يشاء. . . إنني أكاد أموت اختناقاً.
ثم جازفت وعادت سيرتها الأولى في استنشاق الهواء ونفثه بالكيفية المعتادة
وعند مدخل المخبأ مع بعض اللاجئين فراراً من الجو الخانق في داخله كان بيننا جندي من أهالي الصعيد يظهر من لهجته الجافة أنه لم يتلق أي نصيب من التعليم أو التهذيب.
ومما يدل على حاجته الشديدة إلى دروس في الذوق أنه اختار هذه المناسبة ليحدثنا عن جماعة لجئوا إلى مخبأ في بلد من البلاد المنكوبة بالغارات فأصيب ذلك المخبأ وهم فيه بقنبلة مباشرة نسفته نسفاً وجعلت من فيه أشلاء لا يعرف فيها القدم من العنق ولا المعصم من العامود الفقري!
وفي أثناء حديثه ظهرت أنوار المصابيح الكاشفة منعكسة على السحاب فأراد أحدنا أن ينتهز فرصة ظهورها ليحول التفاتنا إلى غير ذلك الحديث المقلق للراحة حديث الجندي اللبق! فقال وهو يشير بسبابته إلى حيث تلك الأنوار:
- انظروا! هاهي الأنوار الكاشفة قد بدأت عملها
ولكنه ما كاد يفعل حتى انقض الجندي على ذراعه الممدودة في الفضاء وإذا به يجذبها في شدة وعنف قائلاً في غضب ليس بعده غضب:
- أأنت مجنون يا هذا؟ أتريد أن ترى الطيارات ذراعك الممدود وسبابتك الموجهة إليها فتعرف مكاننا ولا تتركنا إلا أشلاء لا يعرف فيها القدم من العنق ولا المعصم من العامود الفقري كما حدث في. . .
واستأنف حديثه كما بدأه. . .
وردد الفضاء صوت انفجار أول قنبلة مضادة للطائرات، ثم تلاه أصوات متلاحقة لقنابل
أخرى تتفاوت في الشدة والقوة فسرت في المخبأ دمدمة رهيبة تلاها ضمت كصمت القبور لم يقطعه إلا صوت امرأة تخاطب زوجها قائلة:
- هذا صوت قنابل الطيارات. إنهم يضربون البلد! لابد من الهجرة غداً
فأجابها في صوت ضعيف مستكين:
- ليست هذه قنابل الطيارات
- ماذا تكون إذن؟ لابد من الهجرة غداً. . . غداً من الفجر بإذن الله. هل جننت حتى أعيش في هذا الجحيم؟
- لست هذه قنابل الطيارات. قلت لك إنها المدافع المضادة لها
- بل هي قنابل الطيارات
- ليست هي قنابل الطيارات
- بل هي قنابل الطيارات
- ليست. . .
وشفع كلامه في هذه المرة بحركة صاحت على أثرها المرأة صياحاً منكراً، وإذا بها معكرة زوجية من الصنف الحاد.
وطغا صوت المرأة على صوت أضخم المدافع وأقواها صوتاً
وكان الأستاذ كامل قد احتسى كأساً أو كأسين غير حاسب للغارات حساباً؛ فلما فاجأته غارة الليلة وهو في نشوته اللذيذة هبط إلى المخبأ وهو يلعن الحرب ومن كان السبب في شبوبها.
وهناك انتبذ ركناً قصياً واستسلم للتفكير
ولكنه لم يهنأ بجلسته طويلاً، إذ صاح صبي من الصبية كان يجلس إلى جواره قائلاً:
- هنا رجل سكران يا ماما. . . في المخبأ سكران طينة. . إنني أشم رائحة الخمر. وأيدته امرأة عجوز قائلة:
- إن رائحته كبرميل من الخمر القذرة
وإذا بدردبيس أخرى تقول:
- إن وجوده بالخندق نجاسة!
فلم يسمع كامل أفندي إلا أن ينفلت من مكانه في سكون تاركاُ القوم قبل أن يكشفوا أمره. . . ومن يدري ماذا يفعلون به حينئذ؟!
وأقسم من تلك الليلة إلا يذوقها إلا نهاراً. . .
في المخبأ عجائب لا تجتمع في مكان آخر، وفيه مفارقات لا تخطر على بال
هاهنا رجل جبان رعديد ينتفض من الفزع، بينما أخذت طفلة في الخامسة تشجعه وتهون الأمر عليه.
وهتاك فتاة عابثة تضحك من كل شيء ومن لا شيء
في المخبأ لمحات من الفكاهة الصافية الحلوة وصور عابسة من الأسى المرير. وإذا كنت لم تر السعادة مرتسمة على وجه من الوجوه فتعال إلى المخبأ وانظر إلى وجوه الخارجين منه بعد انتهاء الغارة وكأنهم يبعثون!
أما إذا أردت أن ترى الهم في أقتم صوره فانظر إلى ذلك الوالد وهو يجلس إلى جوار زوجته المريضة وقد حمل على يديه ولداً من أولادها بينما حملت هي آخر، بينما جلس بينهما ثلاثة أو أربعة آخرون.
(السويس)
محمد محمود دواره
20 - المصريون المحدثون
شمائلهم وعاداتهم
في النصف الأول من القرن التاسع عشر
تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين
للأستاذ عدلي طاهر نور
تابع الفصل السادس - عاداتهم
من العادات التي تراعيها طبقات الشعب أن تذهب العروس ظهر الأربعاء الأول أو بعيد الظهر، أو يوم السبت إذا كان الزواج يتم مساء الاثنين، إلى الحمام في أبهة واحتفال. ويسمى هذا زفة الحمام. فيتقدم الزفة فرقة تتكون من مزمار أو مزمارين وطبول مختلفة الأنواع. وكثيراً ما تنتهز الفرصة للاحتفال بختان الولد؛ فيسير هذا وحاشيته خلف الموسيقيين بالطريقة السابق ذكرها. وقد يتقدم حاشية العروس رجلان يحملان الأواني والملابس التي تستعمل في الحمام على صينيتين مستديرتين تغطيان بنسيج من الحرير المطرز أو الساذج. ويوجد أيضاً سقاء يروى ظمأ السائرين، ورجلان آخران يحمل أحدهما قمقماً من الساذجة أو المذهبة، أو من الصيني مملوءاً بماء الورد أو زهر البرتقال يرش منه على السائرين من وقت لآخر. ويحمل الآخر مبخرة من الفضة يحرق فيها العود وغيره من المواد العطرية، ولكن يندر أن تسير الزفة بهذه الطريقة. وتكون حاشية العروس من صديقاتها وقريباتها المتزوجات، يتقد من اثنتين اثنتين، وتتلوهن الفتيات العذارى. ويلبس المتزوجات الملابس العادية ويتدثرن بالحبرة الحريرية السوداء؛ أما الأخريات فيلبسن الحبرة الحريرية البيضاء أو الشال. ثم تتبعهن العروس تحت مظلة حريرية ذات ألوان زاهية قرنفلية أو وردية، أو صفراء، أو ذات لونين معاً على هيئة خطوط عريضة غالباً ما تكون وردية وصفراء. ويحمل المظلة من قوائمها الأربعة المعلق على كل منها منديل مطرز. أربعة رجال. ويفتح صدر هذه المظلة. وتختفي العروس تحت ملابسها فتتدثر من قمة الرأس إلى أخمص القدمين بشال كشمير أحمر، أو نادراً بشال أبيض أو
أصفر، ويتوج رأسها بغطاء من الورق المقوى يوضع عليه الشال فيحجب عن الأنظار وجهها وملابسها الثمينة وحليها خلا قُصة أو قُصتين. وحلي أخرى أحياناً من الماس والزمرد تعلق على هذا الموضع من الشال الذي يغطى الجبهة. ويرافق العروس تحت المظلة اثنتان أو ثلاث من قريباتها، وامرأة أخرى تروح عليها عندما تشتد الحرارة بمروحة كبيرة من ريش النعام الأسود يزين أسفلها مرآة صغيرة. وقد تقام زفة واحدة لعروسين معاً تحت مظلة واحدة. وتسير الزفة ببطء شديد وتتبع طريقاً ملتوياً ليطول العرض. وتتوجه إلى اليمين عند البدء في السير؛ ويأتي في ذيل الزفة فرقة موسيقية أخرى مثل الأولى أو فرقة من طبالين اثنين أو ثلاثة. ويلاحظ أن السائرات في زفة العروس من الطبقة السفلى يزغردن كثيراً. ويزغرد كذلك نساء الطبقة الفقيرة كلما شاهدن زفة. (شكل 46) زفة عرس (قسم أول)
وقد يستأجر الحمام كله للعروس وحاشيتها فيمضين ساعات أو ساعتين على الأقل في الاستحمام واللعب وتناول الطعام. وكثيراً ما تستأجر العوالم (القيِان) لتسليتهن في الحمام. ثم تعود الزفة بالنظام نفسه. ويتحمل أهل العروس نفقات الزفة، إلا أن العريس يقيم المأدبة التي تعقب ذلك.
وتعود العروس من الحمام إلى منزل أهلها فتتناول مع رفيقاتها العشاء. وتصحبهن القيان لاستئناف اللهو. وتدور أغانيهن على الحب والزواج. وبعد ذلك تعجن بعض الحناء وتضع العروس قطعة من العجين في يدها، ثم تتناول (النقوط) من ضيفاتها، فتلصق كل منهن قطعة من النقود الذهبية عادة في تلك العجينة حتى لا يبقى موضعاً فيها، فتقشطها العروس حينئذ بعيداً عن يدها على حافة وعاء مملوء ماء، ثم تضيف بعض الحناء إلى يديها وقدميها وتربطان بالكتان حتى الصباح، فتصبح بلون أحمر برتقالي قان. وتستعمل المدعوات ما تبقى من الحناء لصبغ أيديهن. وتسمى هذه الليلة (ليلة الحنا)(شكل 47) زفة عرس (قسم ثان)
ويقيم العريس الحفلة الكبرى في هذه الليلة، وأحياناً في اليوم السابق. فيعرض (المحبزون) ألعابهم أمام المنزل أو داخل الفناء إذا كان المنزل واسعاً. وقد وصفت الألعاب الشائعة الأخرى التي تعرض على المدعوين لتسليتهم.
وتزف العروس إلى منزل عريسها في اليوم التالي. وتسمى هذه الزفة لأهميتها (زفة العروسة). أما الزفة السابق وصفها فتسمى (زفة الحمام) لتمييزها عن الأخيرة. وقد تسير العروس إلى الحمام بغير أبهة أحياناً تقليلاً لمصاريف الاحتفال وتكون الزفة إلى منزل العريس فقط. وزفة العروس كالزفة السابقة تماماً. وتتناول العروس الفطور مع حاشيتها ثم تبدأ الزفة بعد الظهر، فتسير ببطء وانتظام كزفة الحمام سيراً طويلاً خلال الشوارع الرئيسية لأجل العرض ولو كان منزل العريس قريباً. وقد تدوم الزفة ثلاث ساعات أو أكثر عادة. وقد يتظاهر أمام الزفة مبارزان لا يلبسان غير السراويل، أو يتضارب فلاحان بالنبوت أو بغيره. وترحب العائلات الموسرة بمن يجيد تسلية المتفرجين بحليهم وألعابهم العجيبة أثناء زفة العروس، وتقدم إليهم هدايا جميلة. وحينما زوج السيد عمر نقيب الأشراف الذي كان الوسيلة الكبرى لبلوغ محمد علي ولاية مصر، بنته منذ حوالي خمس وأربعين سنة سار أمام الزفة شاب قد شق بطنه وأخرج أمعاءه على صينية من الفضة، ثم أعادها إلى موضعها بعد الزفة ولزم السرير عدة أيام قبل أن يشفى من آثار هذا الجنون الكريه. وضرب آخر ذراعه بسيفه أمام المتفرجين ثم شد جرحه قبل أن يخرج السلاح ببضعة مناديل تشربت بالدم. وقد وصف لي هذه الألعاب شاهد عيان. وهناك مشهد أكثر غرابة واشد إثارة للاشمئزاز لا يقل شيوعاً في هذه المناسبات عادة إلا أنه يندر أن يشاهد الآن. وقد يعرض الحواة أيضاً حيلاً مختلفة إلا أن أكثر الألعاب تكون تقليداً للمعارك. وقد تعرض مثل هذه الألعاب في الاحتفال بختان، وقد تسير في الزفة العظيمة عدة عربات يركبها صناع وتجار من مختلف الفنون والحرف الممارسة في العاصمة يمثلون أعمالهم العادية. ويوجد في إحدى العربات بعض الرجال يصنعون القهوة ويقدمونها إلى المتفرجين أحياناً، وفي عربة أخرى يجلس بعض الموسيقين، وفي عربة ثالثة بعض العوالم. وتركب العروس في مثل هذه الزفة عربة أوربية مقفلة، ولكن كثيراً ما تركب العروس وقريباتها وصديقاها الحمير فوق البراذع المرتفعة، ويتقدمهن الموسيقيون والمغنيات ويتلوهن فرق أخرى في نهاية الزفة.
وتؤدب للعروس ورفيقاتها مأدبة عند بلوغهم منزل العريس، وسرعان ما تنصرف الصديقات وتبقى أم العروس وأختها وحدهما معها أو إحدى قريباتها الأخريات وامرأة
أخرى تكون (البلانة) عادة، وتسمى الليلة التالية (ليلة الدخلة)
ويبقى العريس في الدور الأسفل، ويذهب قبل الغروب إلى الحمام فيتغير ملابسه وقد يغيرها في المنزل؛ وبعد أن يتناول وجبة العشاء مع بعض أصدقاءه ينتظر قليلاً إلى قبيل الصلاة أو إلى هزيع من الليل، ثم يذهب حينئذ - حسب العادة الشائعة - إلى أحد المساجد المشهورة مثل مسجد الحسين لإقامة الصلاة؛ وتقام له بهذه المناسبة زفة إذا كان شاباً، فيتوجه إلى المسجد مسبوقاً بفرقة من طبالين وزمار أو زمارين، وبصحبته بعض أصدقائه وحاملي المشاعل: والمشعل عبارة عن عصا طويلة ينتهي طرفها الأعلى بإطار أسطواني من الحديد يوضع فيه خشب مشتعل؛ وقد يكون لها اكثر من وعاء واحد للنار (أنظر شكل 48)، (شكل 48) مشاعل وتسير الجماعة إلى المسجد عادة بخطى سريعة ونظام قليل، وتختم الزفة فرقة موسيقية كالأولى أو فرقة طبالين. ويلبس العريس عادة قفطاناً ذا خطوط حمراء وجبة حمراء ويعتم بشال من الكشمير باللون نفسه، ويمشي بين صديقين في مثل ثيابه. وتقام الصلاة للاحتفال فقط، وفي أكثر الأحيان لا يصلي العريس مطلقاً، أو يصلي من غير وضوء مثل المماليك الذين يقيمون صلاتهم خوفاً من سادتهم فقط. وتعود الزفة من المسجد في نظام أتم وأبهة أعظم وبطء شديد. وربما كان سبب ذلك أنه لا يليق بالعريس أن يسرع إلى المنزل ليحظى بعروسه. ويتقدم الزفة
- كما سبق - موسيقيون وحاملوا مشاعل، يتبعهم رجلان يحملان على كتفيهما إطار معلقاً في مذراةٍ يتدلى منه ستون فانوساً صغيرة أو أكثر مقسمة إلى أربع دوائر تعلو إحداها الأخرى، ولا تثبت الدائرة العليا بحيث يستطيع أحد حاملي الإطار أن يدرها من حين لأخر. وينير لآلاء هذا الفوانيس والمشاعل الكثيرة الشوارع التي تمر فيها الزفة، فتحدث تأثيراً جميلاً يستحق الاعتبار ، يتقدم العريس وأصحابه وغيرهم في شكل حلقة مستطيلة متقابلين وفي يد كل منهم شمعة أو أكثر، وأحياناً يحملون أغصاناً من شجر الحناء أو بعض الزهور عدا العريس وصديقيه على كل جانب، وهم يمشون في مؤخرة الحلقة التي تشمل عشرين شخصاً أو أكثر. وكثيراً ما يقف الموكب برهة يغني أثناءها أحد رجال الحلقة أو صبيانها أنشودة العرس، ويقف أثناء ذلك دق الطبول ونغمات المزمار الحادة التي تبلغ مسامع العروس قبل وصول الزفة إلى المنزل بنصف ساعة أو أكثر. وينتهي الموكب كما
سبق بفرقة موسيقية ثانية.
هذه هي الطريقة الشائعة في زفة العريس. وهناك طريقة أخرى أكثر اعتباراً تسمى (زفة ساداتي) يسير العريس فيها بين أصدقائه كالطريقة السابقة وبين حاملي المشاعل دون الموسيقيين، ويستخدم مكان هؤلاء رجال يسمون لاحترافهم الغناء في مثل هذه الأوقات (ولاد ليالي) ويتوجه العريس بين هذه الحاشية إلى المسجد. ثم يعود الموكب على مهل ويشرع المغنون في الغناء أو إنشاد الموشحات في مدح الرسول (صلعم) ويرتلون متعاقبين ما تيسر من القرآن بعد الوصول إلى المنزل، ثم يقرءون جميعاً الفاتحة، وينشد أحدهم بعد ذلك قصيدة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وأخيراً ينشد الجميع مرة أخرى الموشحات ويتناولون النقوط من العريس وأصدقائه.
(يتبع)
عدلي طاهر نور
برقة
للأستاذ عبد اللطيف النشار
ما بَرْقة تلك التي خَلقَتْ لنا
…
شغلاً وشغلاً للهواجس في غد
تلك التي حمل ابن أوس هما
…
في بارع بادي الجمال مخلد
(أصَبا الأصائل إن برقة مَنشد
…
تشكو اختلافك بالهموم العوَّد)
أم برقة أخرى وكم من برقة
…
أخفى تألقها اتساع الفدفد
قد كدت أنساها لطول تذكري
…
فضللت حتى كدت أَلاَّ أهتدي
(يا جارة الوادي) ولست بجارة
…
إن لم تردي عنه كيد المعتدي
ثأرُ السنوسيين لما ينسه
…
أهل العروبة واللسان والأمجد
جبّتْ عروبتنا عهوداً قبلها
…
ومضت حفائظنا وراء المسجد
مضت الألوف من السنين بما حوت
…
مما حمدناه وما لم نحمد
والآن يقرئ بالسلام يمينَهم
…
ويسارًهم أبناء دين محمد
ولقد شهدت وأدمعي منهلة
…
أسراكمو، يا ليتني لم أشهد!
أتحالفون لغزو مصر عدوكم
…
وعدوَّها وعدو أهل السؤدد
يا جارتا إن كنت غير مطيقة
…
إدراك ثأرك فاغضبي وتمردي
أما لا ألوم على المساوئ أهلها
…
إن كنت لما تدركي فتجلدي
إني لأذكرها فأذكر شاعراً
…
(ظن الظنون فبات غير موسد)
ماذا شهدت؟ شهدت أسمج مشهد
…
فتيان رومةَ في القميص الأسود
وأظنهم لا ينزعون سوادهم
…
لا بل يحك عليهمو بالمبرد
صدأ العقول كسا الجسوم بلونه
…
فمشوا عراة مشية المتبلد
فرحوا بأسرهمو فدان ألوفهم
…
في موكب الأسرى لفرد أوحد
لا بل همو اعتادوا المذلة قبلها
…
فبلادهم تعنو لرأي مفرد
متبجح جعل الصياح أداته
…
فسما على أكتاف شعب مُجْهد
لا تطلبوا من خاضع حرية
…
(صعب على الإنسان ما لم يعتد)
أمر الجنود بغزو صر فأذعنوا
…
وأتوا إلى مصر بغير تردد
لا فاتحين ولا غزاة وإنما
…
أُمروا فكانوا طوع أمر السيد
ووراءهم (عَرَبٌ) فوا أسفالهم
…
لِمَ يتبعون جيوش طاغ معتد؟
وإذا أردت عن الحروب نبوة
…
فانظر إلى الجندي ماذا يرتدي
الفاتحون، ثيابُهم ولحاهمو
…
شهدت لهم بعقاب يوم مُرْصّد
شِعر أُغصُّ به فذلكموا أخي
…
ولو أنه في نهجه لم يرشد
لو كنت من أبناء برقة ما خطت
…
رجلي إلى مصر وسيفي في يدي
هيا أدخلوها راكعين وسجداً
…
أنتم بمصرٍ عند أقدس معبد
لو يشهد (المختار) أسرى برقة
…
لرثى لشعب في الهوان مبدد
سد يا حليف فكل فرد سيد
…
لكن شعبك ما له من سيد
لا ندعى لك عصمة في موقف
…
لا بل نقول لصاحب لا تبعد
طال الخلاف وما تزال بقية
…
منه ولكنا كرام المحتد
خلق الوثائقَ والكتابةَ قومُنا
…
حرصاً على عهد لهم أو موعد
سادوا، وما سادوا بغير جدارة
…
ما ساد إلا كل سامي المقصد
عبد اللطيف النشار
(الرسالة)
في عيدها العاشر
(مهداة إلى (الرسالة) الحبيبة وإلى أقطابها الثلاثة: الزيات
والعقاد وزكي مبارك. . .)
للأستاذ أحمد أحمد العجمي
حيَّ (الرِّساَلةَ) وَاقْبِسْ مِنْ مُحَيَّاهَا
…
مَا شِئتَ مِنْ حُسْنِهاَ أو مِنْ حُمَيّاهَا!!
رّفَّتْ عَلَى الشْرْقِ أَنْدَى مِنْ أَزَاهِرِهِ
…
كأَنَّ مِنْ نَفَحَاتِ الخُلْدِ رَيّاهَا
وَأَشْرقَتْ بشُعَاعِ الْفِكْرِ نَاضِرَةً
…
تَسْبِي الْقُلُوبَ وَتجري في حَناياهَا
حَسْنَاءُ أَوْفَتْ عَلَى عَشْرٍ وَمِنْ عَجَبٍ
…
سِرُّ البريّة لا يَعْدُو ثَنَايَاهَا
ترجو العيونُ إذا أَبْصَرْنَ نَضْرَتَهَا
…
لَوْ أَنَّهُنَّ شِفَاهٌ قّبَّلَتْ فَاهَا
مَضَى الزَّمانُ عَليْهَا وَهْيَ أُغْنِيَةٌ
…
فَمُ الخلودِ ارْتَوَى مَنْهَا وَغَنّاهَا
تختالُ بالفَنِّ والآداب مُتْرَعَةً
…
كالنَّهر يضحكُ أَعْشاباً وأمواهَا
الفكرُ أدبها، والعقلُ هَذَّبها
…
وَالطبعُ حبَّبها، والحُسْنُ جَلاَّهَا
والشرقُ مَن وَرْدَها ريَّانُ مُقتبسٌ
…
مِن نورها مُستمدٌ مِن سجاياهَا
تغدو عليه كأنفاسِ الربيع لها
…
في كل قلبٍ معانيها ونجواهَا
وللحياةِ مجالٍ في صحائفها
…
كالنفس تزخرُ بالدنيا طواياهَا
لم يبق للكون سرٌّ بعد ما بعثتْ
…
شُعاعَها في الدُّنى يجلو خفاياهَا
رسالةُ النيل لا يبْغي بها بدَلاً
…
وَهْيَ (الرسالة) و (الزياتُ) أدّاهَا
سَمَتْ إلى المجد وَالْعَلْيَا وصاحِبُها
…
أوفى عَلَى الغاية القُصْوى ووفاَّهَا
في كلِّ لفظٍ من (الزياتِ) أغنيةٌ
…
السّمْعُ يعشقها والفكرُ يهواهَا
والفنُّ في أدب (الزياتِ) مَوْهبةٌ
…
الْحُسْنُ باكَرَها والسحرُ غاداهَا
ما زال يهتف بالفصحى ويكلؤُها
…
حتى غدا وهوَ حاميها وموْلاهَا
أما (زكيٌّ) فلا والله ما خَلَقَتْ
…
لَهُ الطبيعةُ أنداداً وأشباهَا!
أهفو إليه كأنّ النفسَ غارقةٌ
…
في حُبِّهِ! وكأنّ الحبَّ سَلْواهَا
حديثهُ ذو شجونٍ سحرُها عجبٌ
…
ما رادَها شاعرٌ إلا تمنَّاهَا
معنىَ جميلٌ وأُسلوبٌ له صِلةٌ
…
بالموْج في البحر: هَدَّاراً وتيَّاهَا
لو أنّ بالخمر معنىً من سلامتهِ
…
لباعتِ الناسُ بالأقداح دُنياهَا!
وسائِلوني عن (العقادِ) إنَّ لهُ
…
نَفْساً تفيضُ المعاني من زَواياها
أَضْفَي منَ الكَوْنِ تَخْتَالُ الحياةُ بها
…
بالشِّعْرِ والحُبِّ والدُّنْيا ومغزاها
لهُ عَلَىَّ أيادٍ لَيْسَ يَعْرِفُها!
…
ولَسْتُ أَجهْلهُا بل لَسْتُ أنْسَاها
ديوانهُ قبْلتِي أَلقَي الحياةَ بها
…
حَسْنَاء بالحُبِّ تَلْقَانِي وألْقَاها
مِرْآةُ نَفْسٍ جَمالُ الكُوْنِ رَقْرَقَها
…
وَسِرُّ رُوحٍ لِسَانُ الدَّهْرِ نَاجَاها
أقسمتُ أنكَ يا عقادُ مُعْجِزَةٌ
…
هَيهاتَ يدري ضميرُ الكَوْنِ مَعْناهما
آمنتُ بالشِّعر يا عقادُ في بَلَدٍ
…
غَلَّ الْعَمَى مُقلتَيْهَا ثمَّ غَشّاها
للِجَهل فيها دواوين وأروقةٌ
…
تدعى المدارس حيَّ الله مبناها!
آمنتُ بالشِّعر والدنيا تضيق به
…
وطالما أضحك الدُّنيا وأبكاهَا
أنا - ويا ويح من تجني عليه أنا -
…
كزهرة الجبل العالي وريْاها!
يضوع منها الشذى لكن يضيع سدى
…
مع الرياح وما تدري ببلواها
حسبي من الدهر أن أحيا بعاطفة
…
مماتها في سبيل الشعر محياها!
(كوم النور)
أحمد أحمد العجمي
القصص
ليلة عيد الميلاد
للكاتب الإنجليزي (نيودورجو)
بقلم الأستاذ كامل يوسف
- 1 -
طلب الناس هدنة من أحزانهم ليلة 25 ديسمبر سنة 1917 وراحوا يحيون ذكرى ميلاد (السيد المسيح)، فأنيرت الثريات الملونة، وأوقدت شموع الميلاد في كل دار، وتدفق الشراب في أجواف الناس، حتى أصبحوا لا يشعرون إن كانوا يحملون فوق أكتافهم رؤوساً أم أثقالاً. وامتلأت البطون بألذ وأفخر المآكل، حتى خيل إليهم إنها تكاد تنفجر من فرط ما استقر فيها، وتلمس كلٍ المتع فمن مخاصر إلى مراقص إلى مناج إلى مختلس للقبلات. كان الناس على هذه الحالة من المرح والسرور، وهم يقولون في أنفسهم:(غداً سيكون الطوفان) فستحمل إليهم الأنباء ويلات الحرب التي نزلت بذويهم وفلذات أكبادهم، وربما حملت إليهم هذه الأنباء، وأشفق ذوو الأمر من تبليغها حرمة لهذا العيد المقدس.
في هذه الليلة تنبه شيطان من شياطين العالم الآخر على حركة مرح غير عادية في الكوكب الأرضي، واستغرب صدور ذلك من سكان الأرض وقال في نفسه:(لعلهم لا يشعرون بما يجري من ويلات!) ولم يدر سبب ذلك فلجأ إلى زميل من زملائه يعبر له عن عجزه عن إدراك السبب، وكان بجوارهما مفستو فليس كبير الأبالسة ينصت إليهما فقال لهما في ابتسامة ساخرة: ألا تعلمون سر هذا المرح؟ اليوم ذكرى ميلاد رب السلام، فما أغبى الإنسان! إنه ينسى مصائب الأجيال والأزمان ممثلة في الحرب الأوربية الآن ويهلل فرحاً بهذا العيد!
فلما سمع الشطيان ذلك قال أحدهما للآخر: ما دام الأمر كذلك فدعنا نمزح ونضحك من الناس قليلاً هذه الليلة.
فأجابه الآخر: وأين نضحك وهنا مجال عملنا في الضحك والاستهزاء، وأشار بيده إلى جهنم. فقال الأول: حقاً إنه لمجال مُله مسل، وإنه لا يسرني شيء أكثر من ذلك الرجل
الذي يقال له فيدياس فقد قيل عنه إنه أخرج أحسن دمية عرفها التاريخ، ومن ذلك الرجل الذي يقال له فيدياس فقد قيل عنه إنه أخرج أحسن دمية عرفها التاريخ، ومن ذلك الرجل الذي يقال له (دافتشي)، ومن ذلك الرجل العابس الذي كان يكره أمه كرهاً عميقاً وانفصل عنها ثم جمعتها المصادفة في موطننا العزيز أعني به (شوبنهور). ليس يضحكني أكثر من هذه الشخصيات الغربية التي تبددت في شخص امرأة جميلة، رآها فيدياس فقال إنها أجمل مما صاغته يده؛ ورآها دافتشي فاعترف بحقارة فنه تجاهها؛ ورآها الرجل العابس شوبنهور فأقر بخطأ رأيه في المرأة وعادت العلاقات بسببها مع أمه، تلك المرأة المتحذلقة، ورآها لويس الرابع عشر فأمر مدام ببادور أن تكون خادمتها، واستحت كيلوبطرة أن تظهر أمامها لئلا تفقد شهرتها التاريخية.
وكان هذا الشيطان مع حداثة عهده قديراً مبدعاً في مخاطراته، وساخراً بارعاً في أفعاله؛ وكان زميله ينصت إليه بشوق ولذة، فقال له وهو معجب: هيه يا بعلزبول! فاستمر الأول يقول: تصور هذا الجمع من المجانين تظهر في وسطهم حورية! لقد كنت أتودد إلى كل واحد منهم على حدة حتى أدعه يثق بأنها أصبحت أسيرة هواه، فإذا استقر هذا الرأي في ذهنه تحولت عنه إلى آخر، ومثلت هذا الدور نفسه مع كل واحد، وبذلك استفززت غيرتهم جميعاً فنشب بينهم الخصام. وسمعت شوبنهور يقول بعد ما قاسى الخيبة:(محال أن أنزل عن رأي الذي ذكرته في المرأة. إنها الخادعة الماكرة) وسمعته ينادي نيتشه: تعال يا بني وهات معك سوطك لكي أتفاهم مع هذه المرأة المغرية) فقد ضحكت كثيراً من حركات هذا الفيلسوف العصبية. وددت لو صورت نفسي على مثال كلبه لكي أمزح معه، ولكني أشفقت على أعصابه. لقد كان يوماً جميلاً حقاً ظللت فيه أبحث عنك لكي تشهد هذا الفصل المضحك فلم أجدك، فأين كنت؟
- كنت مشغولاً بدعاية من نوع دعايتك. فقد هيأت لنيرون أن يشمل النار في جهنم ليزيد في لذته، فإذا استعد لذلك ظهرتُ كالمارد فاستخزى وسكن جنونه. ولكني في الحق سئمت هذا المزاج وتاقت نفسي إلى شيء جديد.
فقال الشيطان الأول: وأنا كذلك أريد تجديداً.
ثم قال فرِحاً كمن طرأ عليه خاطر جميل: دعنا نمزج ونسخر مع من في الأرض الليلة؟
- وهو كذلك. إنها لفكرة حسنة. دعنا نضحك من سخفهم هذه الليلة.
- 2 -
في مساء تلك الليلة اجتمعت الجموع في كنيسة القديس بولس. وكانت الجموع خاشعة، وقد اكتظت الكنيسة بالمصلين، كل قد جاء يدعو الله أن يحفظ أهله من شرور هذه الحرب الطاحنة؛ وكانت صلاة القداس يعلوها وقار وجلال لم يشهد من قبل، وكانت قلوب المصلين تتجه إلى الذات العلية مخلصة صادقة في دعواتها وصلواتها؛ وظل هذا الجلال والصمت لا يقطعهما غير صوت الكاهن وأغاني الشمامسة ونغمات الأرغن حتى أتى دور الدعوات، فأخذ الكاهن يتضرع إلى المولى عز وجل أن يزيل الكروب، وكان يجد من مساعدة الشعب له ما يجعلهم يرددون بصوت يرن صداه في قبة الكنيسة ومن أعماق القلوب (آمين يا رب. آمين يا رب) واستمر الكاهن في توسله يقول:(وامنع الحروب والغلاء والفناء وسيف الأعداء)، وقد توجهت القلوب بجملتها إلى الذات الإلهية بإخلاص أن يكشف عن الإنسان ذلك الكابوس الثقيل الذي لم يقاس أفظع منه. ومن منهم لا يتوجه بإخلاص إلى الله بهذه الضراعة وكلهم منكوب إما في نسله أو في ذوي قرباه؟ لذلك كانت (آمين يا رب) تخرج من القلوب بحرارة صاعدة إلى عرش الملكوت في ذلة الضعيف يطلب صنيعاً من سيده.
في هذه اللحظة الرهيبة كان المستر باترمان يردد هذه الدعوات وهو يقول في دخيلة نفسه: (يا رب لا تسمح بإجابة هذه الضراعة لأن فيها خرابي بل خراب أمتنا العزيزة)، وكان الشيطان الكبير يرافق زميله الصغير في هذه الحفلة المقدسة. فلما سمعا المستر باترمان اقتربا منه وسمعها أمنيته فضحكا من هذه المهزلة الإنسانية الكبيرة وأرادا أن يعبثا بالمستر باترمان فرغب الشيطان الكبير أن يهوي الرجل على الأرض، وكان عجوزاً في السادسة والستين من عمره لا يقوى على الوقوف طويلاً أثناء القداس؛ لذلك كان يستند على عصاه الأبنوسية، وفي فترات السكون الشامل بين الضراعة والأخرى، جاء الشيطان الكبير فزحزح العصا. فسقطت من يد الشيخ العجوز وأحدثت ضجة كبرى لفتت أنظار المصلين، وانكفأ الشيخ على وجهه وكاد يسقط لولا أن تمالك نفسه، ولما كان لا يقدر على الوقوف بدون العصا، انحنى ليأتي بها، ولكنه ما كاد يقبض عليها حتى خطر للشيطان الصغير أن يبعث به أيضاً فجذب العصا منه ثم تركها تهوي على الأرض فأحدثت مثل الضجة الأولى
في فترة السكون، ولكن المستر باترمان أحكم في المرة الثانية القبض عليها ووقف مستنداً إليها وهو يشعر بشيء من وخز الضمير علله بأنه نتيجة أمنياته التي تخالف أمنيات المصلين.
والمستر باترمان من أغنياء الإنجليز وصاحب مصانع الذخيرة والأطعمة المحفوظة، وهو مع ذلك من أقطاب السياسة وله نفوذ كبير في إدارة دفنها. لذلك لا تستغرب منه هذه الأمنيات السيئة، إذ في إبطال الحرب ضياع ثروته التي جعلها في مواد سيكون مصيرها البوار. وهو ككل رجال السياسة يعيدون عن توخي الصالح العام، يوقعون الأمم في شباك الحروب للغنم الذي يعود عليهم أو لخطر وهمي في أذهانهم، ويدفعون بملايين من أرواح البشر في سبيل هذه الغايات المجرمة. وكان من سوء حظ البشرية أن نعتقد في رجالها القداسة، وكان المستر باترمان ككل سياسي يبرر موقفه المخزي بشتى العلل والنيات. لذلك كان يجيب على هذه الضراعات التي كانت تخرج من قلوب المصلين ومن صميم الإنسانية جمعاء، بالتوسل للذات الإلهية إلا يجبها لماذا؟ لأن في إجابتها وانتقاء الحروب ضياعاً لثروة أمة ممثلة في ثروته تصبح بعدها في ذل الإفلاس والانحطاط المالي.
انتهت الصلاة وخرج باترمان وهو ما زال يشعر بوخز ضميره، وقصد النادي وخرج وراءه الشيطانان، وقال أكبرهما: لنتبعه حيثما يذهب، ولنجعل منه متعة لأنفسنا الليلة. (فما كاد يدخل ردهة النادي حتى سمع أصواتاً عالية كان أصحابها في مناقشة حادة؛ فلما دخل القاعة وجد أعضاء النادي في صخب وجدل فسأل صديقه المستر كونراد عن سر هذا الجدل، فعلم منه أنهم يجادلون في محاصرة بلاد العدو. وهل هذا العمل يكلف الحلفاء والإنجليز خاصة أكثر مما يربحون، ولكن باترمان لم يكن صافي الذهن خلي البال حتى يدلي برأيه، غير أنه سأل صديقه:
- وهل من جديد في الجو السياسي؟
فأجابه: لا شيء غير ما نقلته إلينا التلغرافات الآن من أن البابا يناشد الدول المتحاربة وخاصة الحلفاء أن يكفوا عن القتال
وقد وجد باترمان مجالاً يخرج فيه عن صمته الذي لزمه منذ كان في الكنيسة فانفجر صائحاً:
- لقد ضايقنا هذا البابا بأمنياته، فماذا يهمه من الحرب؟ نحن الذين ضحينا بأبنائنا وأموالنا لنا الخيار في الكف عن الحرب أو الاستمرار فيها؛ أما هو فماذا يهمه من الخسائر؟ لقد انزوى هو ورجاله في معقل الفاتيكان ثم يريد أن يملي إرادته علينا. إن خير جواب على هذا النداء أن تقابله بما قوبلت به نداءاته الأخرى بالإعراض والإغفال.
فرد عليه صديقه المستر كونراد:
- أنت محق يا عزيزي باترمان. إن البابا لم تحترق يده في النار ليعرف ما هي النار. لذلك لا يمكنه أن يحكم على نزاعاتنا؛ وهو لم يغامر في هذا المديان؛ وهو وجنوده يسمنون من أكل أجود اللحوم وشرب أفخر الأنبذة. دع غواصة ألمانية تصيب أربعة منهم وهو يتنزهون في قارب - أقول أربعة فقط لا ملايين كما فجعنا نحن - وعندئذ يحق لنا الأخذ برأيه ونقول إنه جرب الأسى والحزن مثلنا، وعندئذ لا يتمالك أن يصب غضبه وغضب الإله الذي ينوب عنه على هؤلاء السفلة الألمان.
وكانت هذه الإجابة قد أرضت سياسينا فكسرت من حدة غضبه، واطمأنت ثائرة نفسه فقال - هو كذلك -: أوعز إلى الصحف المحافظة أن تستخف بنداء البابا، ولندع الصحف الكنائسية تنادي بهذا الحلم الخيالي الذي يبدو جميلاً لأربابها أعني به الصلح والسلام.
- وهو كذلك
وأنصرف باترمان وخرج من النادي بعد أن وقف على تطورات الحالة السياسية وقصد فندق سيسل، وكان الفندق غاصاً بالناس تلك الليلة يحيون فيه عيد الميلاد، ودخل المستر باترمان الفندق وخطا في ردهته الطويلة فلقت نظره في نهايتها ما حرك اهتمامه، فدرج نحو هذا الشيء وهو يقول في نفسه:(هل بعثت؟ محال أن يكون ذلك، فلسنا في عصر المعجزات، إذن لابد أن تكون قريبتها)، وكلما اقترب ازداد يقيناً، لأن ما يراه أمام ناظريه الآن ينبئ عن صلة القربى. فأمامه سيدتان كبراهما ذات جمال رائع وقامة كغصن البان، وعيون هي موارد السحر، وشعر هو الذهب الوهاج، وسنٌّ في حدود الثلاثين؛ والأخرى لا تقل عنها حسناً، ولكنها أقصر قامة وأقل فتنة. وقد اقترب منهما باترمان وهو واثق من هذه القربى، وشغل باله بها فلم يع شيئاً غيرها. ولما وقع نظره عليها شعر بتجاوب العاطفة في نفس تلك السيدة؛ فقد بدا على ثغرها ابتسامة جميلة فهم منها الشيخ معنى الرضا. ولما
اقترب منهما رفع قبعته وانحنى وحياهما: (مساء الخير يا سيداتي! عيد ميلاد سعيد)
فأحنت الكبيرة رأسها قليلاً بكبرياء، وأجابت هي وشقيقتها الصغيرة:(مساء الخير يا سيدي، عيد ميلاد سعيد). ولم تكن المستر باترمان يعرفهما من قبل، ولكن دفعه إلى هذه التحية وجه الشبه الذي رآه والذي أراد تحقيقه. لذلك لم يلبث أن فاجأهما بهذا السؤال:(أليس سيدتاي من أسرة سوانسون) فأجابت الكبرى في رفق وعلى ثغرها ابتسامة مغرية: (كلا يا سيدي، بل نحن من أسرة كلارك). وكان ثغر الصغيرة يفتر عن ابتسامة خفيفة، ولكن الشيخ لم يقنعه هذا الرد. وذهب إلى أنه لابد أن يكون هناك صلة قديمة بين أسرة سوانسون وكلارك، ولكنه لا يمكنه تحقيق ذلك وهو في طريق كل إنسان يدخل أو يخرج من الفندق. لذلك دعاهما للجلوس معه فلم يرفضا، كانتا فرحتين طروبتين، وقصدا مكاناً قصياً بعيداً عن ضوضاء الأحاديث وصخب الراقصين، ودعاهما إلى الشراب فلم يرفضا، وكانت علامات السرور بادية على محياهما، كما كان الشيخ مسروراً لهذه العلاقة التي ذكرته بالماضي. . . وكانوا كلما شربوا كثر ضحكهم وعلا صوتهم، وكان الرائي يشاهد خصلتين من الشعر على فوديهما كأنهما قرنان، ولم يفطن لذلك الشيخ الذي أعماه السرور، وقد حق للشيخ أن يسر، فقد وجد شبهاً قوياً بين السيدة الكبرى وبين زوجته، كان قد احب في شبابه فتاة من طبقة النبلاء كانت آية الجمال في عصرها، ثم تزوجها بعد جهد جهيد ولم تعش معه إلا عاماً ونصف عام ثم ماتت على أثر ولادتها الأولى. فقطع على نفسه عهداً منذ ذلك الحين أن يحفظ لها المودة ما دام حياً، وقد بر بوعده، وصرف عنايته إلى ابنه (جيمس) وغمره بحبه، وجعل منه الذكرى الوحيدة لتلك الحبيبة الراحلة. . . لذلك كان قرة عينه وحبة قلبه، لا يألو جهداً في العناية بأمره - ولو كلفه ذلك كل ثروته - إخلاصاً لتلك الفتاة التي فتح لها قلبه لأول مرة. . . وكان لجيمس تلك الطلعة السمحة التي كانت لوالدته، وتلك النوتة التي كانت في متوسط ذقنها، فهو صورة منها. . . كان الشيخ المهدم يرى فيها مطلع السحر. . . فلما وقع نظره في تلك الليلة على هاتين السيدتين، انتعشت روحه، لأن حبيبته تعود للحياة ثانية. . . ولشد ما جذبته تلك الطلعة نحوها لتصور الماضي البعيد المملوء بالأحلام السعيدة. . . ذكر كيف ظفر بحبيبته وتذوق السعادة لأول مرة في حياته! ولكن الشقاء كان يسخر من هذه السعادة فلم يلبث أن انتزعها منه. . . هذا
الماضي البعيد يعود الآن، وهو الذي جعله ينسى الحالة السياسية وما فيها من تطورات ومفاجآت. . . كانت تشغل باله على الدوام، وخاصة تلك الليلة. لقد اعتقد تلك الليلة بالبعث، وكان يقول في نفسه: لعلها تجهل في حاضرها شخصيتها السابقة. . . وقد كذب هذا الوهم ما رآه من ميلها من أول نظرة إليه. . . فهي هي إذن، وسذاجتها في حديثها هي سذاجة حبيبته التي ورثها عنها ابنه (جيمس) معبوده الثاني بعد أمه، وكان يود تلك اللحظة لو يحضر جيمس ليشاهد طلعة أمه - أو على الأقل - ليشاهد طلعة نسخة منها، ولكن (جيمس) في ميادين الحرب، قد تملكه النزعة الإمبراطورية فأبى أن يخلد إلى السكينة في الوقت الذي تصوب سهام العدو إلى هدم إمبراطورية أجداده، فتطوع في الحرب برغم كل العراقيل التي وضعها والده في سبيله. . . ولكم كان يسر الشيخ إذا علم أن الفرقة التي ينتسب إليها ابنه قد حازت انتصاراً على العدو، وكان يعتقد ان الظفر قد تم بفضل حذق ابنه، وكان يكثر من ترديد ظفر الفرقة التي يحارب فيها ابنه أمام أصدقائه، وكان يقول لهم: وإلى حذق ابني يرجع الفضل. . . وكان عند التحاق ابنه بالجيش يخشى عليه عادية الردى، ولكن بعد أن تدبر تاريخ حياته وما فيه من نكبات وفواجع، استكثر على المقادير أن تختمها بفقده، وأصبح يميل إلى اعتقاد أن المقادير رحيمة، تكفر عما أصابته بهذه الحسنة، وقد أغراه بهذا الوهم ما كان يصله من حين وآخر من سلامة ابنه من كل الأخطار. . .!
في هذه اللحظة القدسية التي وجد فيها الشيخ نفسه بجوار حبيبته نسى العالم وما فيه من شرور، وشعر بسمو روجه وبلذة قدسية، كلها قد هبطت عليه من السماء. . . وكان يزيد هذا الشعور الروحي في داخله كلما فتح عينه فرأى صورة زوجته وحبيبته، أو هي بذاتها. . . ولم يكن هذا الشعور من فعل الخمر، فإنه لم يكرع غير ثلاثة أكواب من الويسكي لم تحدث له أي جموح في الخيال، بل هي على العكس قد زادت في انتباهه وذهبت بالغضب الذي كابده طول هذا اليوم.
وكان حديث الشيخ عادياً، أو قل كان مقطوعاُ، وهل في مثل هذه اللحظة يجري الحديث؟. . . وكان معظم ما قام به لا يخرج عن تعبيره عن غبطته وسروره وسعادته بتلك اللقيا، وكانت الفتاتان لا تكلفان أنفسهما أكثر من الابتسامة رداً على تمنياته. وقد أحدث سروره
نوعاً من الذهول جعله في عزلة عما يحيط به؛ حتى إنه لم يشعر بوجود خادم الفندق بجواره يقدم إليه شيئاً في صحن، حتى نبهته كبرى الفتاتين، فالتفت إلى الوراء فوجد الخادم، فقدم إليه برقية وقرأ على الغلاف: في خدمة صاحب الجلالة الملك. . . ففهم أنها برقية حكومية، وما كاد يفض الغلاف ويقرأ البرقية حتى أفاق من نشوته، وأظلمت الدنيا في وجهه، وأغمى عليه. . . فتناولت الفتاة الكبرى البرقية وقرأنها؛ فإذا فيها:
(الملازم الأول (جيمس باترمان) أصابته رصاصة قضت عليه. . .!)
(القيادة العامة)
وبعد أن عاد إلى حسه سمع صوتاً يردد: (يا رب، لا تسمح بإجابة هذه الضراعة، لأن فيها خرابي، بل خراب أمتنا العزيزة!) وتلا ذلك ضحكات ملئها السخرية والتهكم. . . ففتح عينه، فلم يجد مصدر هذا الصوت، ولم يجد جليستيه. . . ولكنه شعر بحفيف أشبه بحفيف الأجنحة أحدث تياراً شعر به!
كامل يوسف