المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 452 - بتاريخ: 02 - 03 - 1942 - مجلة الرسالة - جـ ٤٥٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 452

- بتاريخ: 02 - 03 - 1942

ص: -1

‌من صور الريف

على المصطبة

على المصطبة الغبراء وفوق حصيرها الخشن جلس (البك) وفي عينيه نظرة يكسر من طولها الخجل، وعلى شفتيه بسمة يمد في عرضها الملق، وفي يمناه مسبحة يقطر من حباتها الرياء، وفي يسراه صحيفة وفدية لا تزال على طية البريد، وتحت قدميه بقية من وحل الشتاء تهدد حذاءه اللامع، وبين يديه وعن يمينه وعن شماله جلس الفلاحون يسارق بعضهم بعضا نظر المستفهم عن سر هذا التواضع الغريب، وسبب هذا التنازل المفاجئ، ورب الدار يذهب ويجيء في ربكة تبدو دلائلها على حركاته المضطربة، وكلماته المتقطعة، وتحياته المتكررة

صحيح أن صاحب المصطبة رفيع الصوت في القرية، نافذ الرأي في الناس؛ ولكنه منذ أيام قلائل كان في (دائرة) البك فريسة لغضبة هوجاء من غضباته أخذته بالشتم واللطم والسخرية، لأنه جرؤ على أن يسأل (الكاتب) عما له من حساب الإجارة، وأن يعترض على (الناظر) فيما عليه من نفقات الإدارة. ومن العسير على المنطق المحض أن يستخرج هذه النتيجة من تلك المقدمة!

كان البك المالك يرد التحيات الساذجة بالانحناء والإيماء والتحني؛ فكأنما انقلب جانبا معطفه الأسود جناحين رءومين يرفرف بهما على بنيه! وكان أكابر القرية قد تسامعوا بمقدم (مالكهم) على حال من التطامن والتبسط لم يألفوها منه، فأقبلوا على المجلس الذي شرفته سيارته بالوقوف عنده

ومهما يكن البك عيي اللسان كليل الذهن فلابد أن يتكلم ليكشف عن سر قدومه. وقد استأذنت الشيخ منصور راوي هذا الحديث أن أترجمه بلغة الناس فأذن

قال البك: لم أزركم منذ خمس سنوات لأن أعمال مجلس النواب لم تدع لي وقتا يتسع للاهتمام أسرتي، ولا للتفكير في معدتي، فكنت في أغلب الأحيان لا آنس بأهلي ولا أهنأ بطعامي. . .

فقال الشيخ منصور مقاطعا: ولكننا يا صاحب السعادة لم نقرأ لك كلمة واحدة في محضر من محاضر المجلس.

ص: 1

فقال البك: ذلك لأن في المجلس فريقا يتكلمون وفريقا يعملون؛ وأنا من هذا الفريق

فقال الشيخ منصور بلهجة المستدرك الخبيث: ولكنك لم تفارق العزبة في أكثر الأيام التي ينعقد فيها المجلس!

فقال البك: ذلك لأن الكلام يكون في داخل المجلس؛ وأما العمل فيكون في خارجه

واندلق مالك القرية في الكلام ليأخذ علي الشيخ منصور سبيل الرد فقال: وقد أخذت الحكومة برأيي في كثير من مشكلات التموين وأزمات الحكم، واستفاد النواب من اقتراحاتي واعتراضاتي في (بوفية) المجلس وفي لجانه؛ ولكنني إذا انتخبت هذه المرة فسأوزع مواهبي وجهودي بالعدل بين الحكومة والأمة، وبين القرية و (الدائرة). سأنظر بعين الرحمة إلى ما يكابده إخواننا الفلاحون من الغلاء المرهق، والعناء المعني، والمرض المضني، والجهل المطبق، والعيش الخسيس؛ فأخفض الإيجار، وأردم البرك، وأرمم المسجد، وأعيد المدرسة، وأحمل الحكومة على أن تمدكم بالماء النقي والنور والكهربائي، وأن تخصكم بوحدة طبية أقل ما يكون فيها صيدلية وطبيب.

ولعلي بذلك أكون قد أوفيت لكم بذمتي، للوطن واجب خدمتي، وأديت لله زكاة قدرتي وثروتي

وكانت عين البك لا تنفك تراقب وجه الشيخ منصور، فلما رآه يتحفز للكلام بادره بقوله:

- وأنت يا شيخ منصور! ما هذا الحديث الذي قرأته لك في (الرسالة)؟

- أي حديث تعني يا بك؟

- حديثك عن صحة الفقير وثروة الغني

- لقد قلت شيئاً كهذا ولكنني لم أنشره

- زرني غدا في العزبة فأريك عدد الرسالة وأسر إليك بعض الحديث

قال البك ذلك ونهض فودع الناس ثم ركب سيارته الفخمة وذهب يعيد هذه الأسطوانة نفسها في قرية أخرى!

وأقبل القوم بعضهم على بعض يتساءلون: لماذا يعنى البك نفسه هذا العناء، ويستخذى الناس هذا الاستخذاء، وهو بحمد الله ضخم الثروة فلا يحتاج إلى مكافأة البرلمان، زمن المروءة فلا يصلح بطبعه لخدمة إنسان؟ فقال الشيخ منصور: إن في أربعين جنيها

ص: 2

لمضربا، وإن في مزايا النيابة لطماعية. وإن الله الذي فطر بعض النفوس على الأثرة والشح جعل من خصائصها الوضاعة إذا تسامى المطلب، والضراعة إذا تجافى المطمع. وقد رأيتهم هذا الرجل المتكبر المترفع الكز كيف طامن من كبره، ورد من جماحه، وبسط من يده، لتعطوه أصواتكم في الانتخاب، حتى إذا انتخب عاد إلى معاملتكم بالسفه، ومحاسبتكم بالدناءة، واستغلالكم بالشره، ومقاطعتكم بالأنفة. إنه هو وأمثاله لا يرون للفلاح قيمة ولا كرامة إلا الانتخاب. وقد كنا أحرياء ألا نعطي أصواتنا إلا من يعيش عيشنا ويشعر شعورنا ويتألم ألمنا؛ فإن منطق الطبع يقول إن خصمك لا يدافع عنك، وسيدك لا يحب حريتك.

فصاح أحد الحضور: ولم لا ترشح نفسك ونحن نضمن لك أصوات القرية؟

فقال الشيخ منصور: إني - وا أسفاه - لا أحرز من النصاب قيراطا، ولا أملك من التأمين بارة! والنصاب والتأمين عقبتان وضعهما قانون الانتخاب في سبيل الكفايات الفقيرة؛ كأن المال شرط في صدق الجهاد للوطن، وإخلاص النيابة عن الأمة! وإن مثلك في ضمان أصوات القرية واستسهال ما بعدها كمثل السائح الذي لقي في بعض طريقه نعل حصان واحدة فالتقطها ثم ضمها إلى صدره وقال:

آه! وا فرحتاه! بقي ثلاث كهذه وحصان ثم أركب!

(المنصورة)

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌2 - الحياة صادقة!

للأستاذ عبد المنعم خلاف

وراثة التشاؤم - خطأ في فهم الفكرة الأساسية في الحياة - نتائج خطيرة تتصل بالعقائد الثلاث في الحياة وواهبها والإنسان - الإنسان مبعث أكثر الشر - ضيوف الحياة يسخطون على المضيف! - الحياة جديرة باختيار الخروج إليها من العدم - لا خلط بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان - في عالم الكلام كثير مما لا وجود له في الطبيعة - تنقيح سجل الفضائل وسجل الرذائل - الأخلاق (تفاعلات) أرضية وليست منزلة من السماء - إلى الذين يديمون التفكير في الإنسان والطبيعة

قال المتنبي:

صحب الناسُ قبلنا ذا الزمانا

وعناهم من أمره ما عنانا

وتولوا بغصةٍ كلهم من

هـ وإن سَرَّ بعضَهم أحياناً

ربما تحسن الصنيعَ ليالي

هـ ولكن تكدر الإحسانا

وكأنَّا لم يرض فينا بريب ال

دهر حتى أعانه من أعانا

كلما أنبت الزمان قناةً

ركب المرء في القناة سنانا!

وهكذا تلقى أكثر الناس ساخطاً على الحياة متبرماً بها، ناقماً على القدر، يستشعر في قلبه غيظاً دفيناً قد يكتبه الإيمان حيناً وقد يبعثه الجحود أحياناً، فيثور حتى يسخط على اليد التي أخرجته إلى الحياة ووضعت في قلبه شعلتها. . . وقد وقر في الصدور أن الحياة محنة وعناء أكثر مما هي فرصة للذات واهتبال الخيرات واكتساب المعارف وخروج من دائرة الجمود والموت والعدم إلى نطاق الإحساس والانفعال والنمو والمعرفة.

وقد ترجم الأدب القديم والأدب الحديث عن تلك الآراء المتشائمة السوداء ترجمة ملأت كثيراً من الصحف، وتوارثها الخلف عن السلف وزاد كل عصر في مجموعها، حتى صارت نظريات مسلمة رضيها أكثر الناس وتدارسوها فيما بينهم وعلموها ناشئيهم قبل أن يختبر هؤلاء الناشئون وجوه الحياة بأنفسهم وتجاربهم، فلونت مناظيرهم بالألوان القاتمة، واستقبلوا الحياة بوجوه عابسة، حتى في أدوار الشباب اللاهي القوي المتفتح الضليع الخليق بحب الكفاح وطلب المجد عن طريق القوة والفتوة، وترصدوا الأقدار على أنها

ص: 4

معادية لهم مريدة الشر دائماً بهم، جاهدة أن تضع في سبيلهم العوائق والعراقيل، كأن رب الأقدار مولع بالتنكيل والعذاب يصبه على من يخرجهم إلى رحاب ملكوته، مغرم بفرض الأوامر والنواهي التي لا معنى لها إلا إظهار السلطان وإرهاق عبده الإنسان! فهم لذلك حريصون على اهتبال اللذات خلسة وجهرة، وعلى الثورة على الأوامر والنواهي تحرراً وانطلاقاً. . .

وقد وقر في الأذهان كذلك أن الدنيا لا احتمال لمكارهها وآلامها وتكليفاتها، ولا طاقة للقلوب البشرية على حمل أماناتها وأعبائها، فاجتزت الأفكار معاني العجز والكسل والتسليم الذليل القاصر الذي لم يحاول شيئاً أمام ما زعموه سلطة القدر، ورددت الأفواه ألفاظ الجزع والهلع والضعف والقنوط والهروب من مواجهة الحياة، وجلس الرجال، نعم الرجال! عنصر الكفاح في الحياة مجالس الأطفال القاصرين العاجزين على التراب يبكون ويئنون ويضمرون الغيظ الأليم من الحرمان، وينظرون إلى السماء نظر الفقد والثكل حتى يوم الإقبار. . .

ومن هذه الفكرة الواحدة الأساسية الأولى ولدت جميع المصائب والمكاره التي ضاعفت سواد الحياة في نظر الناس وجعلتها سلسلة من الآلام، وأخرجتها مخرج المأساة الدامية التي يدور فيها سوط القدر على ظهورهم وسيفه على رقابهم. . .

كانت نتائج هذا الفهم المخطئ والوضع المغلوط لهذه الفكرة الأولى، ذات أثر عميق في مجرى الحياة يتصل بالعقائد الأصلية فيها: وهي العقيدة في الحياة نفسها، والعقيدة في واهبها، والعقيدة في الإنسان. . .

فأما العقيدة في الحياة فقلما تحظى من فكر الفرد أو فكر الأمة أو فكر الإنسانية بما يجب لها من التأمل والفهم قبل البدء بالسير في طريق الحياة. . . أعني عند تفتح المدارك وابتداء عهد الرشد وإدراك النسب الكثيرة بين الأشياء. . .

وإنك إذا سألت أكثر المتعلمين - دع الجاهلين - عن مدى فهمه لحياته وإحساسه بها، وعن الفكرة الأولى التي بنى عليها معاني نفسه، ووجه إلى قطبها إبرة قلبه، وأدرك أنها هدف الإنسانية جميعها وجدت أكثرهم يتلجلج ولا يكاد يبين؛ لأنه دخل الحياة في ذهول الطفولة، ثم درج إليها في عبث الشباب، ثم أخذته غمرة مشاغل الجماعة في عهد الكهولة، ثم هدمته

ص: 5

عقابيل المرض والانحلال في عهد الشيخوخة، وإذا هو بعد ذلك مدرج في الأكفان، ملقىً إلى ظلمات القبور.

هو في مراحل عمره مشغول بكل شيء إلا ما يجب أن يشغل به أولاً. . .

ولكن قد يصحو أحدهم من ذهول الطفولة أو من عبث الشباب صحوة المحموم الهادي، فترة قصيرة يرى فيها وجه الحياة، ثم تعاوده أخذة الحمى فينتكس. . .

وقد يدرك أحدهم وجه الحياة وهو في مشاغل الكهولة، ولكن يعز عليه أن يفارق طريق الجماعة ويبتدئ بناء حياته على ما أدرك فيمضي في طريق القافلة التائهة. . .

وقد يصحو أحدهم الصحوة الدائمة وهو في انحلال الشيخوخة فيعوزه ويؤوده أن يجاهد في سبيل إفهام الناس وإقناعهم بما أدرك فيمضي مغيظا محسوراً يردد:

أواهُ لو عرف الشبا

بُ، وآهِ لو قدر المشيب!

ما استقامت قناةُ رأييَ إلا

بعد أن عوَّج الزمان قناتي

فلا مفر إذاً من ترقب عهد اليقظة وتفتح المدارك عند الطفولة والشباب، لإدخال الفكرة الصحيحة عن الحياة، وغايتها إلى أذهانهم.

والفكرة الصحيحة - في رأيي - عن الحياة هي فكرة التفاؤل الرحب والتأويل الواسع لما عسى أن يكون في الحياة الطبيعية من آلام، وفهم الحياة على أنها فرصة للفرجة والاطلاع على أسرارها، وأنها سفر في مجاهل الكون. ولابد للسفر من بعض المشقة. . . ولكنها ليست مشقة النزاع والخلاف بين الركب المسافر، فإن ذلك جناية الركب وليست جناية الطريق. . .

ومن الهين على العقل أن يهدأ ويستريح لهذه الفكرة متى أدرك أن دخولنا إلى الحياة لم يكن باختيارنا، وأن إنشاء الكون وتهيئة الأرض وإعدادها للسكنى بالحرارة والماء والضوء والغذاء والهواء والإنبات والإنسال ليس لنا أيضاً رأي فيه أو اختيار، فلا مفر لنا إذاً من الخضوع والتسليم والاندفاع مع عجلة الحياة، والاجتهاد في التحري عن قوانين الطبيعة التي وجدنا أنفسنا في نطاقها وإسارها، والتلمس للغايات التي يصح أن تكون أهدافاً لإيجادنا في الحياة

وما أريد أن أستند في تركيز هذه الفكرة إلى دين متوارث أو إلى رأي مأثور، وإنما

ص: 6

الاستناد إلى الواقع المحسوس والمنطق الوضعي الذي في الطبيعة.

ولو سألت الإنسانية نفسها: من أدخلني إلى رحاب الحياة وجعلني أحرص عليها مع أني لم أدخلها باختياري؟ والتزمت ما يوحيه الجواب على هذا السؤال إذاَ لنبت إيمان كل فرد من قلبه هو قبل أن يقرأ كتاب دين أو يرث عقيدة أمه وأبيه

لأن سر الحياة العميق الملتهب الذي يسكن أجسامنا يحملنا على المحافظة عليه دافع مبهم مجهول عجيب مهما لقينا في سبيل الاحتفاظ به من آلام وعناء. . . ولم يفر من حملة إلا الأقلون من المنتحرين؛ وهم القلة بحيث لا يعتد بهم

هذا الدافع العجيب هو صوت خفي بعيد عن غير (المؤمنين) وواضح قريب عند المؤمنين. وما يعنينا البحث عن الصوت الواضح عند هؤلاء؛ وإنما يعنينا البحث عن ذلك الخفي البعيد عند أولئك. . .

ونسألهم: لماذا لا يفرون من الحياة وينتحرون ما داموا بها غير مؤمنين؟

لماذا يستمرون في الصراخ والعويل والإزراء على الحياة والأقدار العمياء أو المبصرة، واليد المقدرة أو الصدفة الخابطة. ويصدعون أسماع الناس بالأنين والتشاؤم مع أن الأولى بهم أن يريحوا أنفسهم من عناء الأحوال والأعمال والأقوال فيرجعوا إلى عالم الجمود والموت كما تمنى قائلهم:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حَجَرٌ

تنبو الحوادث عنه وهو ملموم!

ونسألهم لماذا يقعد بهم الجبن عن مفارقة الحياة ثم تذهب بهم الشجاعة إلى السباب والسخط على من أدخلهم إليها؟! فأين أدب الضيوف؟!

إن للحياة نبأ عظيما يدركه الفكر المقدر لتلك الأعمال العظيمة التي يدور بها دولاب الفلك في هول واتساع وقوة ورهبة! و (إن في السماء لخبرا) كلمة جاهلية العصر؛ ولكنها لباب العلم في كل زمان

وما يعنيني شخصيتي المحدودة، ما دمت قد حظيت برؤية هذه الدار الهائلة ذات الأعاجيب اللانهائية.

وما تضيرني حوصلتي الضيقة المظلمة الفقيرة ما دمت قد رأيت رحاب الفضاء ومصادر النور وخزائن الغنى والثراء التي ما لها من نفاد

ص: 7

لقد تمتعت على الأقل بأحلام الفاقدين وأنها لمتاع أي متاع! وتطلعت إلى عالم الانطلاق وأنا في القيود. . . وأدركت الباقي الخالد حين أدركت الفاني البائد. . .

وإنها لمعانٍ جديرة أن يخرج إليها الإنسان باختياره من سكون العدم وجموده، ويقتنيها ببعض الآلام والمكاره، ويصطبر على الحياة من أجلها حتى توفى إلى غايتها، ويبالغ دائما في حب من أخرجه إليها. . .

ولكن أفي الحق أن طبيعة الحياة تحمل هذا الجانب البالغ من المكاره التي يزعمها الناس ويتوارثون الحديث عنها ويفيضون فيه شعراً ونثراً وحكماً ووصايا وأمثالاً؟ أم أن تلك المبالغة من جناية الإنسان الظلوم الجهول على الحياة وعلى نفسه وعلى واهب الحياة وبارئ النفس؟

أم إنها من جناية (تجار الكلام!) وحدهم الذين يرسلون زخرف القول غروراَ لا يبالون ما فيه من الصدق أو الكذب ما داموا قد عبروا فيه عن حالة من مكارههم وسوداويتهم، وما داموا قد أرضوا غرامهم الفني بحسن الصياغة والإغراب في المعاني والإتيان بغير المألوف وإرسال الخيال في أودية الأوهام والضلال؟

أما اعتقادي فهو أن الآلام الأصيلة في طبيعة الحياة قليلة جدا لا تتعدى ما يتصل بالكوارث الطبيعية والأمراض. وإن كانت الكوارث الطبيعية والأمراض قد تغلبت على الإنسان قديما فهو الآن مستطيع دفاعها والتحصن منها وتقليل آثارها إلى حد كبير، فلا داعي لاجترار أقوال المتشائمين القدماء.

وقلما تصيب الأمم كارثة طبيعية الآن. ولن يبلغ مجموع الكوارث الطبيعية عشر معشار ما كسبت أيدي الناس وما بغى به بعضهم على بعض

فأكثرية آلام الإنسان ناشئة من جناياته هو على نفسه وعلى جنسه، فهو يجني على نفسه بالإفراط في اللذات والشهوات حتى يتهدم جسمه، وبالتفريط في وقايتها من أسباب الأمراض حتى يدب إليه المرض وآلامه ويتسرب منه لذريته

وهو يجني على جنسه بالشره والطمع فيما ليس له، وبالتوزيع الظالم للثروة، وباغتصاب حقوق الضعفاء والعجزة الذين لا يستطيعون حيلة، ويجب الغلبة والتسلط وإهدار الدماء وإهلاك الحرث والنسل في سبيل ذلك، وبتلويث الذرية بالأمراض الخبيثة، وبالنزاع

ص: 8

والخلاف لمجرد الحسد والحقد ومطاوعة الغرائز الدنيا التي يجب أن يحد من شرتها ما دام قد ارتضى حياة المدنية والجماعة المتعاونة المتفاوتة في الكفايات

وإذا نحن تأملنا عالم الشر والألم وجدنا أكثر من تسعة وتسعين في المائة منه ناشئا من جنايات الإنسان، والباقي مرده إلى الأسباب الطبيعية

وصدق قول القرآن: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا)

وصدقت الخنساء:

إن الجديدين في طول اختلافهما

لا يفسدان ولكن يفسد الناس

فليس من الإنصاف إذاً في الحكم على الحياة أن نخلط بين الأسباب الصناعية والأسباب الطبيعية للآلام فندخل جنايات الإنسان في نطاق الطبيعة، ونجعل فساده سبباً في إرسال خواطر الشؤم والسخط على الحياة وواهبها. وإنما الإنصاف أن نعمد إلى النفس البشرية فنجعلها في انسجام وتوافق مع قوانين الطبيعة فلا نضيف للطبيعة شراً ليس فيها. . .

ونحن قد حملنا الأقدار العليا أكثر مما تحتمل، فنسبنا إليها ما نقترفه نحن من جرائم، وزعمنا إنها راضية عن حياة الاجتماع الحالية، ووقفنا منها موقف اللائمين. ولو فهمنا الأقدار التي استأثرت بها اليد والأقدار التي خولت الإنسان التصرف فيها، وفهمنا القدرة العجيبة التي للفكر البشري والجهد البشري على تغيير الأوضاع في الأرض، وتأملنا تغير الإنسان وثبات الطبيعة في دوراتها الأبدية الكبرى، وطواعية كل شيء للإنسان بسلطان العلم والتنظيم، وأخذنا عقائدنا في الحياة وفي النفس مما تسمح الطبيعة لنا بالتصرف فيه، وأدركنا الخطوات السريعة التي خطاها الإنسان في سبيل الانطلاق والسيطرة والتحرر من القيود والقدرة على طرح كثير من القيود على مرافق الطبيعة لتسخيرها، إذاً لكان لنا من ذلك كله رأي جديد في أنفسنا وفي الحياة وفي سلطاننا عليها، ولحملنا ذلك على تلمس النقص والفساد في نفوسنا لإكماله وإصلاحه لا في الطبيعة البريئة من كثير مما تنسبه إليها.

ولكننا مع الأسف الشديد لا نزال نأخذ عقائدنا في الحياة وفي الإنسان من منطق العجزة الأولين الذين كانت الأرض مغلقة الأبواب في وجوههم، وكانت الحياة جديدة عليهم، وكانوا

ص: 9

وسط ألغازها ومشقاتها كأطفال في صحراء، وكانت أكثر علومهم نظرية تجريدية تتخيل، وتفرض وقليلاً ما تجرب وتعمل، وكانت آراؤهم مبنية على ما يأخذونه من الأقوال المأثورة التي هي خواطر ابتدائية لفهم الحياة، وكانت الأرض نفسها مبهمة مجهولة لديهم، والأهوية والأمواه والنباتات والأمراض والنجوم ومواقع البلاد وأجناس العباد والنباتات والحيوان مجهولة العناصر والمناشئ. . .

أما الآن فالناس جميعاً يقرءون أو تقرأ ناشئتهم المثقفة على الأقل كتاباً واحداً هو الطبيعة ذات العلوم (الموضوعية) التي لا تتبدل بتبدل الأمكنة والأزمنة والأجناس

فجدير بهم ان يأخذوا عقائد جديدة من الحياة الجديدة. ولاشك إنها ستكون واحدة لوحدة المصدر الذي يأخذونها منه؛ ثم يرتدوا بعد ذلك للعقائد المسطورة في الصحف الموروثة، فما وجدوا فيه مصداقاً لما أخذوه من الطبيعة أبقوه، وما وجدوا فيه خلافاً عليها طرحوه وراءهم ظهرياً، وحاذروا أن يلقنوه الناشئين فيزيفوا عقائدهم.

أجل، في عالم الكلام المسجل كثير من القضايا التي لا وجود لها في الطبيعة. وكل ما في الطبيعة حق يجب الاعتراف به حتى الشر! فهو مخلوق بالحق وللخير: يخدمه ويشير إليه

ولو علم المتكلمون ووارثو الكلام انهم كثيراً ما يقولون ما لي له وجود، وأنهم يخلقون عوالم من الأفكار والآراء لا تمكن الحياة فيها، وأن الأحلام والأماني الكواذب وضباب الأفكار كثيراً ما تسبق إلى ألسنتهم وأقلامهم، إذاً لحرصوا غاية الحرص - إن كانوا أمناء على الحياة - على أن يكون كلامهم وفنهم مرآة للحق الذي في الطبيعة وحده!

إن الطبيعة ثابتة كما نعلم، ولكن النفس فيها طبيعة التغير والتطبع والمرونة تحت تأثير الأفكار، والأفكار أمهات الأعمال

وضلال أكثر النفوس ناشئ من أنها لو توضع في المواضع التي تتسلط عليها فيها عوامل الطبيعة المباشرة ليكون عقلها صورة من التجارب التي فيها، بل وضعت تحت تأثير تلك الأقوال المغلوطة عن الحياة والقدر والعجز الإنساني والأحلام الكواذب فهي تنظر للحياة بما في نفوسها من آثار ذلك وتحكم عليها به

ولو ذهبت أتقصى الضلالات المسطورة في الكتب والموروثة في العقول سواء في الفضائل أم في الرذائل، إذاً لأخرجت عددا من الفضائل ووضعته في الرذائل وعكس ذلك

ص: 10

وكم أود لو أظفرنا باستخلاص الأخلاق الإنسانية الثابتة من الطبيعة وحدها حتى نضع من ذلك قانون الأخلاق للجميع! وإن الأخلاق تفاعلات بين النفس والطبيعة وبين النفوس والنفوس، وليست منزلة من السماء، وإنما الذي ينزل من السماء هو الإرشاد إليها حين يضل الإنسان طريقها.

إن العلم الطبيعي هو أعظم أبواق الحياة في دعوة الناس إلى اللقاء والسير في طريق التعارف والتكافل. والشقاء الحالي الذي تصلي الإنسانية نيرانه ناشئ من إنها لم تستجب لدعوة العلم والخضوع لما يوحيه من وحدة المصلحة والمنفعة والطريق. . .

وفي اليوم الذي تتسع فيه أخلاق الفرد لبني أمته وأخلاق الأمم بعضها لبعض، ويؤمنون بضرورة ضبط النفوس وتوزيع الموارد الاقتصادية - وهي كثيرة كافية في الطبيعة - توزيعاً عادلاً، والتعاون على مكافحة الشر والألم: الشر الذي مبعثه الغضبية والأنانية الفردية والقومية، والألم الذي مبعثه أذى الطبيعة وآفاتها؛ فلا شك يسعدون في جنة موقوتة يجدونها في الأرض قبل الجنة الموعودة في السماء!

قد يبدو هذا الكلام لكثير من الذين لا يدمنون التفكير في الطبيعة والنفس والقضايا العليا للوجود، المغمورين بالمنازعات والشهوات، غير المعنيين بالسؤال عن وضع الإنسان في الحياة، الخاضعين لسلطان الأنانية الفردية والقومية، الجاهلين خطوات سير الإنسان منذ وجوده ساذجاً إلى صيرورته عالماً معقداً، الذين لا يسألون عن ماضي الإنسانية ولا يتساءلون عن مستقبلها، وإنما يدخلون الحياة ويخرجون منها كأنهم أوراق أشجار تجف وتذروها الرياح، أو تحرق في المواقد، أو تطرح في المزابل والعفونات، أو كأنهم ذئاب عاتية خلقت للشر والفتك، أو خرفان بلهاء خلقت للذبح والافتراس، أو ذباب قذر يطير ويحط على الأقذار. . . الذين لم يأخذوا من الطبيعة أسرارها أو يعملوا فيها عملا عظيماً، أو يصافحوا يد الله على بساطها ويأخذوا منها بعض أفانين صنعها. . . الذين يولدون عمياً، ويعيشون عمياً، ويموتون عمياً. . . قد يبدو هذا الكلام لدى هؤلاء بعيداً أو مستحيلاً. . .

ولكن الذين تركوا حماقات الأنفس وضلالات الجهل وتجردوا للحق، واتسعت نفوسهم باتساع الطبيعة، ونظروا لقضايا الوجود نظرة الاهتمام، وعرفوا أن وسائل تحقيق هذه

ص: 11

الآمال حاضرة. . . يرون كل أولئك حقا لاشك فيه!

عبد المنعم خلاف

-

ص: 12

‌للحقيقة والتاريخ

2 -

بين آدم وحواء

للدكتور زكي مبارك

أرجع ثانيةً إلى الغرض من هذه الأحاديث فأقول:

كتاب شيث بن عربانوس يؤرخ عهد آدم في الجنة وعهده في الأرض، وكان ذلك لأن المؤلف قريب الزمن نسبياً من هذين العهدين؛ فقد ولد في العام الثاني بعد انحسار الطوفان، وإذا فهو أقدم نسلٍ حفظته الأرض بعد نجاة من نجا من قوم نوح، وأول عقلية علمية في ذلك العهد البعيد، إن صح إنه شخصية حقيقية من شخصيات التاريخ

ولكن ما قيمة هذا الكتاب؟ وما وزن حديثه عن آدم وحواء؟

عرضته على دار الكتب المصرية وعلى مكتبة وزارة المعارف وعلى مكتبة الجامعة المصرية فلم أجد من يعترف بقيمته التاريخية، وإن كان مكتوبا بالخط الكوفي. . . وهل كنت أجهل أن الطعن في صحته من الممكنات؟ إنما كان همي أن أنتفع بثمنه، وأن أمكن الجمهور من الاطلاع على ما فيه من مقاصد وأغراض، ولكن الأمل في الانتفاع بثمنه أمسى خيالاً في خيال، ولو ثبت إنه نسخة قديمة من نسخ الإنجيل، وهل زكتني سفارة غربية أو شرقية حتى أبيع من المخطوطات ما أشاء. . .؟ أنا مصري وآبائي مصريون، فكيف أنتفع من مصر باسم العلم والأدب والتاريخ؟

ألم تسمعوا حديث الأجنبي الذي استمصر في سنة 1937؟

كان أحد الأجانب يدرس إحدى اللغات الحية بالمدارس الأميرية وبالمرتب الذي يتقاضاه الأجانب من المدرسين، ثم لاحت له فرصة للتجنس بالجنسية المصرية، فأسرعت وزارة المعارف وردته إلى (الكادر) الذي تعامل به المدرسين من المصريين، كأنه انتقل من الهدى إلى الضلال؛ وكان الظن أن تراه انتقل من الخوف إلى الأمان!

وإذا كانت المتاعب تلاحق من يستمصر من الأجانب، فكيف تصنع بالمصري الأصيل؟!

إلى الله يشكو المصريون شقاءهم وعناءهم من التغاضي عن حقهم في الانتفاع بثمرات البلاد!

إلى الله نشكو الغربة في الوطن الغالي، ومنه نستمد العون على مكاره الزمان!

ص: 13

ما لي ولهذه الخواطر المزعجات؟ وهل قلت المتاعب الجديدة حتى نؤزرها بمتاعب قديمة تأخذ وقودها من الذكريات؟

أرجع إلى الغرض مرة ثالثة فأقول:

قبل الشروع في تلخيص كتاب شيث بن عربانوس أسجل أني غير مطمئن إلى إنه ألف في العصر الذي تلا الطوفان - وما أقول بأن ذلك مستحيل - فقد يكون من الممكن أن ننظر إلى الطوفان من وجهة معنوية، فنعده مرحلة من مراحل الغفوات الروحية في الحياة الإنسانية، ونعد العصر الذي تلاه عصر يقظة ونهضة وإحياء، وعندئذ يصبح من السهل أن نفترض أن ذلك العصر يصلح لما صدر عن شيث بن عربانوس من أفكار وآراء

ولكن هنالك عقبة تمنع من ذلك الافتراض، وهي إجماع الكتب الدينية على أن الطوفان وقع بالفعل، وأنه لم يبق من السلالة الإنسانية إلا ما حفظته سفينة نوح. . . ومن الواضح أن تلك البقايا كانت في شغل بتدبير حياتها المعاشية؛ فمن العسير أن نتصور أنها عرفت التأليف والمؤلفين إلا أن توغلنا في شعاب الفروض!؟

يضاف إلى ذلك أن المصادر التي تحت أيدينا لم تتحدث عن شيث بن عربانوس؛ ولم نسمع أن اسمه ورد في كتب المستشرقين - وهم حجة فيما يتصل بمجاهل التاريخ في الشرق - وقد يعرفون منه ما يجهل الشرقيون!

فأين وجد زكي باشا ذلك الكتاب؟

كان في النية أن أوجه إليه هذا السؤال، ولكن المنية عاجلته فقضت بأن تطول الحيرة في مصدر ذلك السفر الغريب

وفي الحق أني غير مصدق لكتابٍ لغته العربية مع إنه ألف بعيد الطوفان

وهنا أذكر حادثةً في نهاية من الغرابة، ولكنها وقعت على مسمع من جمهور كبير في أروقة السوربون يوم أديت امتحان الدكتوراه في الخامس والعشرين من أبريل سنة 1931؛ فقد حاجني المسيو ماسينيون حجاجاً عنيفاً حين رآني أنكر أن تنشأ اللغات بالتوقيف. . . وإن عادت الدنيا إلى ما كانت عليه ورايت المسيو ماسينيون بعافية فسأراجعه في هذا الحجاج؛ فما يستطيع ذهني أن يبغ فكرة التوقيف؛ وإنما أعتقد أن اللغات ظاهرة إنسانية يصنع بها التطور ما يصنع على اختلاف الأجيال

ص: 14

المهم أن أسجل أني مرتاب في كتاب شيث بن عربانوس، ولن أقبل نسبته إلى ذلك العهد البعيد، العهد الذي تلا الطوفان. وأين نحن من الطوفان وهو صورة حائرة لم يبق من ملامحها غير أطياف؟

فمتى ألف هذا الكتاب، إن صح ذلك الارتياب؟

إن لغته مزيج من القرشية والحميرية، فهل ألف قبل أن تصير لغة قريش لغة التخاطب والتأليف في أشتات الجزيرة العربية وفيما خضع لسلطانها الأدبي من الممالك الإسلامية؟

ألا يكون مؤلفه صنع ذلك عمداً على سبيل التضليل؟

الله وحده هو الذي يعلم ما مر بهذه الوثيقة التاريخية من تمحل واحتيال

المشكلة الأساسية

أترك الكلام عن صحة كتاب شيث، وأنتقل إلى تشريح ما فيه من معاني وأغراض فأقول:

يقع الفصل الأول في صفحات تصل إلى الخمسين، وفي هذا الفصل نقض للنظرية التي تقرر أن آدم استكان لحواء، فتركها تعصي الله كيف تشاء، فالمؤلف يقر أن آدم كان تعب من الإقامة في الجنة، وكان يتمنى لو استطاع أن يخرج منها بأي حال وعلى أي أسلوب ليتنسم روح الوجود، لا روح الخلود، فقد كان يعرف بفطرته أن الخلود إنما يأخذ صورته من الوجود

وثورة آدم على الجنة لها أصل: فقد كان يرى إنه لا يليق بالإنسان أن يأكل طعامه بلا جهاد. وكان يرى من الضمة والمهانة أن يترك المرء بلا متاعب ولا تجارب، وهو لم يخلق إلا للكفاح والنضال

وزاد في هم آدم أن حواء كانت في الجنة بلا ضرة، فلم تقهرها الغيرة على التسابق إلى مواقع هواه! بدليل إنها كانت تنساه أو تتناساه عاماً أو عامين، بلا تلهف ولا تشوف، لأنها تعلم إنه لن يكون لسواها من النساء، ولو أضمر من ضروب الخيانة ما يريد خياله الحبيس، وإلا فكيف جاز أن تقضي في الجنة أعواماً بلا تبرح ولا اختيال؟

وفي هذا المقام نقل شيث أبياتاً عزاها إلى آدم عليه السلام، وهي من النظم الركيك، فلا موجب لإثباتها في هذا التلخيص، ويكفي أن نشير إلى معناه لجودته وصدق مغزاه، وهو يقول بعبارة صريحة إن حواء لم تكن تفرق بين البلادة والعقل، ولم تكن تعرف أن التودد

ص: 15

إلى الرجل والترامي عليه في رقة ودلال لا ينافي الأدب والحياء

كذلك قال آدم في رواية شيث. وعلى فرض أن الرواية صحيحة فآدم مخطئ - وأنا أريد آدم الرجل لا آدم الرسول - وإنما أخطأ لأنه تصور أن التلطف يجب أن يصدر أولاً عن المرأة والتلطف، هنا معناه الفتك وهو من جانب المرأة دلال، ومن جانب الرجل صيال

إذا كانت حواء أجرمت في ترك آدم عاماً أو عامين فآدم أجرم أيضاً بسكوته عن شكل تلك الظبية النفور بشكل من الحب العارم والوجد العصوف

وهنا تظهر مفاجأة من أغرب المفاجئآت، فشيث ينقل عن تأملات آدم خطوات تبدد ما وجهنا إليه من اعتراض

وسأنقل تلك الخطوات بعبارة سهلة تقربها من أذهان القراء بعض التقريب (لأنها في لغة شيث لا تخلو من غموض والتواء) ثم أنقدها برفق رعاية لمكان ذلك الجد الجليل

كان جلوس آدم على شط الكوثر من وقت إلى وقت يوحي إليه أفكاراً في غاية من الطرافة النسبية، لأنه أول إنسان شهد الوجود، على أرجح الفروض

كان يعرف أن الجنة في غاية من العرض والطول، بحيث تتسع لسكان الأرض والسموات فكيف جاز أن لا يكون فيها غير نهر واحد؟

كذلك قال آدم في رواية شيث، وهو قول خاطئ، فوحدة النهر في الجنة لها مغزًى جميل، لأنها ترد أهل الجنة إلى مزاجٍ متقارب في فهم الأشياء. وهل يختلف سكان الأرض إلا باختلاف الطعوم فيما يأكلون وما يشربون؟ لو اتحد مذاق الطعام والشراب بين جميع سكان الأرض لقل بينهم الخلاف. ألم تروا كيف تختلف الطبائع بين الحيوانات اللحمية والحيوانات النباتية؟

إن القط في صورة الأسد، ولكنه ليس في صولة الأسد، لأن معدته لا تأخذ من اللحم إلا عشر معشار ما تأخذه معدة الأسد؛ وهو يروع الكلب الضخم بأقل إشارة، لأن الكلب لغفلته قد يكتفي بالأطعمة المكونة من عناصر نباتية!

وما أقول بأن اللحم أفضل من النبات في جميع الأحوال، وإنما أقرر أن اختلاف الأغذية هو السبب في اختلاف الطبائع. وكذلك أقول في اختلاف الفصول، وهل كان اطراد الجو في الجنة على نسق واحد إلا بشيراً بما سيكون بين أهل الجنة من وفاق وصفاء؟

ص: 16

وكانت غيبة حواء عن آدم توحي إليه التفكير في منافع الأعضاء

كان يتأمل فيرى أن الله خلق للإنسان عينين وأذنين ولساناً واحداً فما سر ذلك؟

يجيب آدم - فيما روى عنه شيث - بأن الله أراد أن يكثر زاد الإنسان من المرئيات والمسموعات، ولا بأس بأن يقل نصيبه من المنطوقات، لأن الرؤية والسماع من ضروب الانتهاب، أما النطق فمن صنوف الإعطاء، والانتهاب هو الشاهد الأول والأخير على قوة الحيوية، أما الإعطاء فهو تسليم وانسحاب

وقد ابتسمت حين قرأت هذا الكلام، فعنه أخذ الشاعر الذي سجل أن المرء يقبض يده عند الولادة ويبسطها عند الموت، وإن جهل التعليل على وجهه الصحيح

وتحرير هذا المعنى أن المرء عند الولادة مقبل على الحياة، فهو يقبض يده ليشير إلى أن وظيفته هي الأخذ والنهب، وهو يبسط يده عند الموت ليشير إلى أن التبذير من صور الفناء

ثم يمضي آدم في تأملاته فيقول: كيف يقنع من رزق عينين باصرتين بوجهٍ واحد: هو وجه حواء؟ وكيف يقنع من رزق أذنين واعيتين بصوتٍ واحد: هو صوت حواء؟

ومن هذا التأمل العارم كان ضجر آدم من وحدته في الفردوس

ويظهر أن آدم كان وهب فكرة الاعتراض والجواب، فقد خطر له أن حواء لها أيضاً عينان وأذنان، وأن من حقها أن تفكر في مثل ما فكر فيه، إن أقيم للعدل ميزان

ثم يجيب آدم بأن تساوى الجوارح بين الرجل والمرأة ليس دليلاً على التساوي في المواهب ولا دليلاً على التساوي في الإحساس. ويبلغ غاية الشوط فيقرر أن المرأة كانت بعينين وأذنين لأنها أخذت من ضلع الرجل فهي من صوره الوجودية، أو هي الشكل الذي يرضيه أن تكون عليه ليتم بينهما الانسجام في حدود الإمكان

وأقول إن هذا الكلام هداني إلى كثير من المعاني:

فالحول يكثر في النساء ويقل في الرجال، ومعنى ذلك أن للذكر مثل حظ الأنثيين، حتى في القوة البصرية

وإذا وجد العور في إحدى السلالات فالطفلة ترثه قبل الطفل

وإذا كان أحد الأبوين غبياً دميماً وثانيهما ذكياً جميلاً فالغالب أن يرث المولود الذكر ما عند

ص: 17

أبويه من الذكاء والجمال ويؤيد هذا أن الديك أجمل من الدجاجة، وأن الجواد أجمل من الفرس، وهذا الحكم مطرد في أكثر المخلوقات، وهو يظهر واضحاً في أشجار التوت، بغض النظر عن ظهوره في سائر الأشياء

وإذا صدقنا رؤية شيث عما كان بين آدم وحواء فلن يفوتنا أن نسجل أن آدم هو الذي نطق قبل أن تنطق حواء، وهل كان لتلك المرأة تاريخ في الجنة غير انصياعها لدسيسة الحية، وعن الأنثى تنقل الأنثى أصول الفساد؟

الظاهر أن للذكورة خصائص لا تصل إليها الأنوثة بأي حال. والظاهر أيضاً أن الرجال لن يزالوا بخير ما فطنوا لمكر النساء. وهل انخدع آدم بحيلة حواء أو حيلة الحية إلا في لحظة من لحظات الضعف؟!

وأستطرد قليلا فأقول:

وقع في هذه الأيام حادث فظيع، هو اصطدام أحد كبار الموظفين بسيارة يقودها أجنبي سكران، وعلق الموظف بمقدم السيارة، ومضى السائق ينهب الأرض لينجو من العقاب. وتنبهت لخطر الفادحة سيدة مثقفة، فمضت بسيارتها في ملاحقة ذلك الجاني الأثيم، ولكنها فوجئت بإشارة المرور فوقفت!!

وهنا الشاهد الذي أريد: فلو كان في سيارتها رجل لداس إشارة المرور في سبيل الواجب؛ ولم يترك ذلك الجاني الهارب بلا اقتناص أو افتراس

هي امرأة وإن نالت إجازة الحقوق، وطاعة إشارة المرور هي في نفسها الصورة الحرفية لطاعة الواجب، أما تشريح هذه الدقائق فهو من خصائص الرجال، والرجل هو الذي يدوس جميع الأنظمة في سبيل الإعزاز لما يؤمن بأنه حق

وجملة القول أن سخرية آدم من مواهب حواء لم تكن طغياناً في طغيان، وإنما اعتمدت على قواعد وأصول. ولم تقع من آدم إلا لأنه كان يستوحي الفطرة والطبع، ولو أن الجنة لعهده كان فيها مدارس وكليات لكان من المرجح أن يكون حديثه عن حواء مغلفا بالرياء!

ثم تجيء عقدة أغرب وأعجب، وهي تفكير آدم في مسألة النسل، وهي مسألة لم يفكر فيها آدم إلا بعد تأمله لما في الجنة من فصائل الطير والحيوان، ولم يكن فطن إلى إنها مسألة تلحق عالم النبات، وقد تمس عالم الجماد

ص: 18

ومن كلام شيث نفهم أن تفكير آدم في مسألة النسل لم يصر من المعضلات النفسية، وإنما كان يعتاده من حين إلى حين، ثم ينصرف عنه بالاشتغال بمداعبة حواء، كأن يرميها بنواة من نوى الجوز، أو يقذف بها في (الكوثر) على حين غفلة، أو يدوس شعرها الذيال

والحق أن عقم آدم وحواء في الجنة يحتاج إلى تأويل

أليس من العجب أن يكون ما في الجنة خصباً في خصب ونماء في نماء، إلا فيما يتصل بآدم وحواء؟

كان الشجر والزهر والنبات والطير والحيوان، كان كل أولئك في حيوية مخصبة لا يعتريها ضعف ولا خمود؟ وكان ثرى الجنة ينبت الأفانين من الألوان في كل يوم: وكان هواؤها يتجدد في كل لحظة بأسلوب يدل على أن الهواء مخلوق له روح، وكانت أسماك الكوثر تجتمع وتفترق بأريحية ودلال. . . كان كل ما في الجنة على جانب من الذاتية، ولو كان من صغار الدواب والحشرات، أو ضعاف الذباب والبعوض، ولجميع الخلائق في الجنة مكان.

ازدهرت الجنة في أغلب مناحيها وأثمرت، وخص بالعقم آدم وحواء، فما هي الأسباب؟

لم يفكر شيث في عربانوس في تعليل هذه الظاهرة الغريبة. ونحاول تعليلها فنقول:

كان سبب ذلك العقم فيما نفترض أن حياة آدم وحواء في الجنة كانت حياة دعة وهدوء واطمئنان وأمان، وهذا اللون من الحياة يخمد الحيوية الجنسية والمعنوية، ويحول الرجل والمرأة إلى حيوانين جامدين لا يفكران في التسلح لدفع عوادي الوجود

والذي يقرأ ما أثر من الآداب الفطرية يلاحظ أن النسل لم يكن يبتغى للزينة، وإنما يبتغى للدفاع والحفاظ؛ ومن هنا كانت قلة النسل من خصائص الأمم التي يقل خوفها من العدوان أو تقل رغبتها في السيطرة والاستعلاء؛ ومن هنا أيضاً كان الناس يفضلون البنين على البنات، لأنهم لا يبتغون من الذرية غير القدرة على مكافحة الباغين والعادين من الخصوم والنظراء.

ولم يكن لآدم في الجنة نصيب من الخوف، فقد كان ينام حيث يريد بكل اطمئنان، وكان يتفق له أن يجعل صدر الأسد الرابض وسادة الرفيق، وقد طاب له مرة أن يطوق (حواء) بعقد مؤلف من أفراخ الثعابين.

ص: 19

ومع هذا لم يكن (آدم) يدرك ما في هذه المظاهر من غرابة وشذوذ، فما كان سمع ولا عرف أن في الوجود أشياء فيها إيذاء.

وأقول: إن ذلك الأمان الموصول هو الذي أخمد عواطف (آدم) وأغناه عن التسلح بالنسل، وحبب إليه طعم القرار والهدوء والخمود. وكذلك صنع الأمان (بحواء)، فغفت عواطفها الجنسية، واستنامت إلى العقم، وهو مرض لم تلتفت إليه إلا حين رأت إحدى الظبيات تباغم رشأها الوليد في بعض غياض الفردوس.

ويؤيد هذه النظرية أن (آدم) لم ينجب إلا حين هبط الأرض، فقد شعر بالخوف، وأدرك أن لابد له من أنصار وأعوان من الأبناء.

ومعنى ذلك أن الذرية ضرب من الفاعلية الحيوانية، وهي تصدر عن الرجل كما يصدر السم عن ناب الثعبان.

وفي هذا المقام نشرح ظاهرةً لم تشرح من قبل، وهي ما يلاحظ من قلة النسل عند العبقريين، فما التعليل الصحيح؟

يرجع السر إلى أن السلاح الماضي في يد الرجل العبقري هو مواهبه الذاتية، فهو يحارب بالفكر قبل أن يحارب بالنسل، وهواه لا يقف عند إخضاع الخصوم من الأهل والجيران، وإنما يمتد إلى إخضاع الألوف والملايين من سكان الشرق والغرب والشمال والجنوب.

والنسل الحسي عند الجاهل سلاح موقوت يخلقه الخوف؛ أما النسل المعنوي عند العالم، فهو سلاح موصول تخلقه الرغبة في السيطرة الدائمة على الأفكار والعقول.

ولهذا السبب كانت ذخائر الأمم من الذرية لا تصل عن طريق العبقريين، لأن هؤلاء لا يشعرون بالانفعال الحيواني شعوراً يكفي لأن تصدر عنهم الأنسال الكثيرة، وإنما يتجه انفعالهم إلى جانبٍ آخر هو الرغبة العاتية في غزو العالم عن طريق الفكر والبيان.

وهل فطن أحد إلى المعنى المطوي في قول كثير:

يُغاثُ الطير أكثرها فراخاً

وأمّ الصقر مِقلاتٌ نَزُورُ

فما معنى ذلك؟ معناه أن أم الصقر لا تحتاج إلى حماية، فهي لا تكثر من الذرية. ومعناه أن ضعف البغاث يوحي إليها بالإكثار من الأفراخ لتقاوم خصومها بالقوة العددية في حدود ما تطيق.

ص: 20

والمشاهد أن المرأة الدميمة هي في الأغلب ولود، كما أن المرأة الجميلة هي في الأغلب عقيم، وكان ذلك لأن الدمامة تحتاج إلى حماية من الذرية؛ أما الجمال فهو في ذاته قوة وسلطان

وللملائكة في أذهان الناس صور مجردة من النسل، لأن الملائكة مؤيدون بقوة ربانية تغنيهم عن الاعتزاز بالأبناء

والله عز شأنه (لم يلد ولم يولد) لأنه منزه عن الضعف تنزيهاً خالياً من الشوائب، وهذا لا يمنع من أبوته الروحية لجميع ما في الوجود، إن صح التعبير بالأبوة في الدلالة على رفق الخالق بالمخلوق

وصفوة القول أن عقم آدم في الجنة له أصل، فقد كان أكرم من في الجنة، وكان المنطق يوجب أن يعيش بلا أسندة من الذرية بفضل غناه عن الكفاح والنضال

ولكن. . . ولكن الأقدار أرادت غير ما يريد، فنقلته من الجنة إلى الأرض، ليشعر بالخوف، وليحتاج إلى معاصم من الأبناء، وليذوق طعوماً من الأفراح والأحزان لم تكن تخطر له في بال

والواقع أن الله كان أراد بآدم أشياء، حين خلق له حواء، فقد شغلته عن التكبير والتسبيح والتهليل، وزينت له الثورة على ما في الجنة من أنظمة وقوانين

وشيث يحدثنا أن آدم كان صدره ضاق بالجنة بسبب ما لها من أسوار وجدران تجعل من المستحيل أن يسلم من تعقب حواء، وتفرض عليه التفكير في طلب النجاة ولو بالارتماء في أحضان الأرض، مع أن بين الجنة والأرض فراغاً لا يعبره الهابط إلا في أعوام أطول من أعمار الأشجان. وسنرى فيما بعد إنه لم يفق عند هبوط الأرض إلا بعد أزمان وأزمان

هل كان آدم سعيداً في الجنة؟

الظاهر إنه كان من السعداء، ولكن شيث بن عربانوس يحدثنا إنه طفح الدم في الجنة بسبب صحبة حواء. فكيف وقع ذلك البلاء؟!

وقع من عدم التكافؤ الروحي بين الرجل والمرأة، فهما مخلوقان مختلفان إلى أبعد حدود الاختلاف. وزاد في النفرة أن آدم كان يميل إلى طاعة الله. وأن حواء كانت تشتهي الخروج على طاعة الله. وتعليل ذلك سهل: فأسرع الناس إلى المخالفة عن أمر الحق هم

ص: 21

الضعفاء

صبر آدم ما صبر إلى أن وقع (حديث السدرة)، وهو حديث سجله شيث بن عربانوس بأمانة ونزاهة وإخلاص. فما ذلك الحديث؟!

زكي مبارك

ص: 22

‌في الفلسفة الإسلامية

2 -

إخوان الصفاء

للأستاذ عمر الدسوقي

هل هم شيعة باطنية؟

لقد أقر إخوان الصفاء على أنفسهم بالتشييع في غير ما موضع من الرسائل. فمن ذلك قولهم عن السبب الذي حداهم لكتابة هذه الرسائل: (لكيما إذا نظر فيها إخواننا وسمع قراءتها أهل شيعتنا وفهموا بعض معانيها، وعرفوا حقيقة ما هم مقرون به من تفضيل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم خزان علم الله ووارثوا علم النبوات، وتبين لهم تصديق ما يعتقدون فيهم من العلم والمعرفة والفهم والتمييز والبصيرة في الآفاق)

ومنها: (واعلم يا أخي بأن لكل نفس من المؤمنين أبوين في عالم الروح كما أن لأجسادهم أبوين في عالم الأجساد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضى الله عنه: أنا وأنت يا علي أبوا هذه الأمة. وهذه الأبوة روحانية لا جسمانية)

هذا وقد عقدوا فصلاً خاصاً بينوا فيه الطوائف التي تنتمي إلى الشيعة، وقد انتقدوا بعضها واسترضوا بعضها، وأخذوا يتبرءون ممن يدعى التشيع وهو يرتكب المنكرات ويقترف الموبقات، ويحملون على من يقول بأن المهدي المنتظر مستتر من خوف المخالفين، كما أنهم حملوا على من يبكي الأموات من أهل البيت حملة شعواء، وهاك ما يقولون: (إن قوماً من أشرار الناس جعلوا التشيع ستراً لهم عما يحذرون من الآمرين عليهم بالمعروف. . . وإذا نهوا عن منكر فعلوه بارزوا بإظهار التشيع واستعاذوا بالعلوية على من ينكر عليهم أو ينهاهم. لبئس ما كانوا يعملون. ومن الناس طائفة ينسبون إلينا بأجسادهم وهم براء بنفوسهم منا ويسمون أنفسهم بالعلوية وما هم من العلويين، ولكنهم من أسفل السافلين، لا يعرفون من أمرنا إلا نسبة الأجساد. . . فهم أبعد الناس عن أهل ملتنا، وأعدى الناس لشيعتنا، وأغفل الناس عن حقيقة أمرنا وأسرار حكمتنا. . . ومن الناس طائفة قد جعلت التشيع مكسباً لهم مثل النائحة والقصاص لا يعرفون من التشيع إلا التبري والشتم والطعن واللعن والبكاء وترك طلب العلم وتعلم القرآن. وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور كالنساء

ص: 23

الثواكل، يبكون على فقد أجسامنا وهم بالبكاء على أنفسهم أولى. ومن الشيعة من يقول: إن الأئمة يسمعون النداء ويجيبون الدعاء، ولا يدرون حقيقة ما يقرون به وصحة ما يعتقدون. ومنهم من يقول: إن الإمام المنتظر مختف من خوف المخالفين. كلا! بل هو ظاهر بين ظهرانيهم يعرفهم وهم له منكرون كما قيل:

يعرفه الباحث من جنسه

وسائر الناس له منكر

نرى مما تقدم أنهم لا ينكرون التشيع ولكنهم يريدونه على شكل خاص، وأنهم يبرءون من هؤلاء الذين لوثوا اسمهم وارتكبوا المنكرات والموبقات وادعوا أنهم علويون. فهم بذلك فرقة من الشيعة ترمي إلى تعاليم خاصة. وغايتها إصلاح الطائفة وتهذيبها بالتعليم. ونرى كذلك أنهم يقولون بالمهدي المنتظر وأنه كان موجودا إبان تأليف هذه الرسائل، ولعله أحد من ألفها كما يذهب إلى ذلك بعض المستشرقين. وأنهم كانوا يقولون بأن عليا وصي النبي عليه السلام. وليس في ذلك أصرح من قولهم في باب مخاطبة المتشيعين:(ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا عليه السلام وأهل بيته الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الوصيين صلوات الله عليهم أجمعين)

أما نسبتهم إلى الإسماعيلية الباطنية فلم تثبت بصفة جازمة، بيد أن من يدرس آراء هذه الطائفة وآراء إخوان الصفا يجد تشابها عجيبا، وإن كان الأولون أكثر صراحة من الآخرين. على أن الأستاذ كازانوفا يقول:(لقد وجدت مخطوطة في المكتبة الأهلية بباريس مفقودة الصفحات الأولى والعنوان، وتقرأ على الصفحة السادسة منها ما يلي: فصل من رسائل إخوان الصفا، وفي ابتدائها: القول على السر المخزون والعلم المصون من باطن الرسالة الجامعة من رسائل إخوان الصفا. ووردت فيها الجملة المشهورة: اعلم يا أخي أيدنا الله وإياك بروح منه التي يتكرر ذكرها في كل صفحة من الرسائل). وقد وجد كازانوفا أن هذه الرسالة الجامعة مصطبغة بالصبغة الإسماعيلية، متلبسة بشمول الألوهية، ونظرية الفيثاغوريين في الأعداد. ويقول في ذلك:(ما أراني إلا مصيبا في القول بأن فلسفة الإسماعيلية جميعها مبثوثة في رسائل إخوان الصفا؛ فالقول بالإمام المنتظر الذي سوف يظهر ليعيد السلام إلى العالم يمثل امتزاج نظريات الأفلاطونية الحديثة بالاعتقاد بعودة المسيح)

ص: 24

وقد جاء في أحد أعداد جريدة آسيا فصل هذا عنوانه: (بحث جديد على الإسماعيلية أو الباطنية بالشام المعروفين بالحشاشين). وقد قال كاتبه ما يأتي: (إن سنان بن سليمان الملقب برشيد الدين هو من أجل وأفخم رؤساء الإسماعيلية، وقد خدم في ألموت المقدمين الذين كانوا قبله، وزاول علوم الفلسفة وأطال نظره في كتب الجدل والخلاف، وأكب على مطالعة رسائل إخوان الصفا)

ويقول المحبي في خلاصة الأثر: (وحاصل تلك الرسائل ليس إلا مذهب الباطنية الإسماعيلية، وهم أنحاء شتى، ومعظم القول في هذه الشيعة، من شيعتهم تناسخ الأرواح، وادعاء حلول الباري تعالى في الأنبياء المشهورين من آدم إلى محمد عليهم السلام وفي أئمة آل البيت - وأخرهم المهدي - ويعظمونه على الجميع. والإسماعيلية يوافقون الإمامية في ذلك)

وقد ثبت تاريخياً أن المغول عند فتحهم لقلعة (ألموت) مركز رؤساء الإسماعيلية عثروا على كثير من نسخ رسائل إخوان الصفا. وقد جاء في رسالة الإنسان والحيوان المطبوعة في مصر خطأ تحت عنوان الجامعة: (نحن لسنا السواد وطلبنا بثأر الحسين بن علي عليهما السلام وطردنا البغاة بن مروان. . . ونحن نرجو أن يظهر من بلادنا الإمام المنتظر)

وقد تضافر الكتاب قديماً وحديثاً على نسبة هذه الجماعة إلى الإسماعيلية الباطنية، ومنهم ابن تيمية وابن حجر والألوس وغيرهم، وقد دعاهم إلى ذلك أن نشاط الإخوان في بث تعاليمهم يشبه نشاط الإسماعيلية وجدهم في نشر مذهبهم وتشكلهم بما يلائم مصلحتهم، ولبسهم لكل حال لبوسها، ومخاطبتهم الناس على حب أهوائهم وأمزجتهم، واستعمالهم السحر والطلاسم والرقى والتعاويذ في إقناع الناس بمقدرتهم ومبلغ علمهم. ثم في تكتمهم وشدة حرصهم على ألا يطلع على مذهبهم إلا من دخل في شيعتهم وقولهم بالتقية والإمام المنتظر ووصاية علي رضى الله عنه. . . الخ

تسامحهم الديني

ومما يقوي صلتهم بالإسماعيلية رحابة صدرهم لجميع المذاهب والديانات والعلوم، فقد ثبت أن الإسماعيلية في أوائل دخولهم بلاد الهند كانوا يوافقون البوذيين على عقائدهم حتى

ص: 25

يستميلوهم إليهم، ثم يكملون النقص في هذه العقائد بنظرية الإسماعيلية الأساسية، وهي قداسة علي رضى الله عنه وعودته، ثم يجعلون برهما محمداَ، ووصنو عليا، وآدم سيفا

أما إخوان الصفا، فكانوا أمام جميع المذاهب والديانات غير متعصبين:(وبالجملة ينبغي لإخواننا - أيدهم الله تعالى - ألا يعادوا علماً من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، وألا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها)

ويقولون: (واعلم بأن غرض الأنبياء عليهم السلام وواضعي النواميس الإلهية أجمع غرض واحد وقصد واحد وإن اختلفت شرائعهم وأزمان عباداتهم وأماكن بيوتهم وصلواتهم، كما أن غرض الأطباء كلهم غرض واحد في حفظ الصحة الموجودة واسترجاع الصحة المفقودة وإن اختلفت علاجاتهم باختلاف الأمراض العارضة للأبدان). فالتوراة والإنجيل والقرآن وغيرها من الكتب الدينية، السماوية وغير السماوية، عندهم سواء. وكأني بهم يحاولون أن يستوعبوا الديانات كلها في دين واحد ومذهب واحد. وليس هناك أوضح من قولهم:(فالله أرسل روحه إلى كل الناس، لا فرق بين النصراني والمسلم وبين الأسود والأبيض)

وقد ثبت أن جمعية بغداد التي هي فرع من جمعية إخوان الصفا، والتي كان يختلف إليها أبو العلاء المعري كما مر بنا، كانت تجمع السني والشيعي واليهودي والنصراني والصابئي والدهري

وقد حدثنا أبو حيان التوحيدي في المقايسات قائلاً: (إن من أعضائها يحيى بن عدي وأبو إسحق الصابي وأبو إسحق النصيبي وماني المجوسي. . . الخ) وهذا دليل واضح على رحابة صدرهم وعظم دعايتهم وتعدد طرق تبشيرهم

(يتبع)

عمر السوقي

مدير كلية الميقاصد الإسلامية ببيروت

ص: 26

‌إذا.

. .

قصيدة من الشعر الإنجليزي

إذا احتفظت بصوابك بينا يفقد كل من حولك صوابهم فيتهمونك بما لم تجرم يداك؛

إذا وثقت بنفسك بينا يتردد الرجال في أمرك وحسبت مع ذلك لترددهم حسابه؛

إذا صبرت وانتظرت ولم يضجرك الصبر والانتظار، أو تقولوا عليك ولم تغرك أقاويلهم بأقاويل مثلها تبتدعها؛

إذا كرهوك وملكت نفسك فأمسكت عن كراهتهم، ومع هذا لم تدغل في الظهور بالطيبة أو الثرثرة بالحكمة؛

إذا استطعت أن تحلم ولم تجعل أحلامك سلطانك، وأن تفكر ولم تجعل التفكير كل غايتك، بل قمت تسعى لتحقيق ما انتهيت إليه من رأيك؛

إذا جاءك النصر أو نزلت بك المصيبة، فسويت لهذين الضيفين الختالين المخادعين من نفسك، وعدلت بينهما في النصب من لقائك ومعالجتك؛

إذا استطعت أن تسمع الحق الذي قلت يحرف كلمة أدنياء، ويلوي معانيه سفلة خبثاء، يحفرون به الحفر للوقيعة بله أغبياء، أو أطلقت أن تقف تنظر إلى أشيائك التي أنفقت ساعات حياتك في صنعها تكسر وتحطم، ثم قمت تبنيها بأداة مبروة بالية؛

إذا استطعت أن تكون كل مكاسبك كومة واحدة وتقاس بها فتفقدها كلها مرة واحدة، ثم عدت تبدأ من حيث بدأت أولاً، ولم تخرج أنفاسك بكلمة تنبس بها عن خسائرك؛

إذا قدرت وقد أدبر عنك كل شيء أن تهيب بقلبك وأعصابك وأوتار عضلاتك لترجع لك المدبر وقد فات وتولى بعيدا فتثابر جميعا حين لا شيء فيك يهتف لها بالمثابرة إلا إرادتك؛

إذا استطعت أن تخاطب عامة الناس ودهماءهم وتحفظ على نفسك فضيلتها، أو تسير مع الملوك جنباً إلى جنب ولا تضيع مع ذلك مسحةً تميز عامة الناس ودهمائهم؛

إذا عجز الأعداء الألداء والأحباب والأقربون عن أن ينالوك بأذى؛

إذا اعتمد عليك كل الناس ولم يغلوا في ذلك؛

إذا قضيت الدقيقة القاسية التي لا ترحم من دقائقك بحرية تجريها تدوم ستين ثانية؛

إذا كان ذلك فلك الأرض وما عليها، وأفضل من هذا انك تكون رجلاً يا بني

ص: 27

(زكي)

ص: 28

‌الأحلام

للعالم النفساني (ألفرد أدلر)

بقلم الدكتور محمد حسني ولاية

يقول فرويد: إن الحلم يمثل رغبات جنسية طفلية لم تستوف بعد. وإن الحالم يشبع رغباته المحرمة في محيط أوهامه على الرغم من التقييدات التي فرضتها المدنية عليه.

إني أرى أن هذا الرأي لا يقوم على أساس، وان تفسير الأمراض النفسية ومظاهر المدنية على أساس جنسي لا أقره عليه

يقصد الحالم بحلمه تأكيد أهمية الذات ورفعتها. والحلم كالأخلاق والانفعالات والأعراض النفسية قد جهزه الحالم لغرض صمم من قبل.

يكافح الحالم في حلمه لتبرير شخصيته إزاء صعوبات حيوية قائمة. وليحل مشكلاً من مشاكل الحياة يلجأ إلى تصويره تصويراً طفولياً بسيطاً كأن يكنى عن المشكل بالامتحان، وعن فكرة الانتصار بالطيران إلى السماء، وعن الخطر بهوة سحيقة.

زارتني سيدة في الثامنة والثلاثين شاكية من نوبات متكررة من القلق وخفقان القلب وألم في الثدي والمعدة، وقصت علي الحلم الآتي:

(رأيتني أهرب من فهدين فصعدت إلى أعلى صدر رجل ثم استيقظت وقد استبد بي الخوف)

تمخض تحليل الحلم عن سلسلة من الأفكار ترمي إلى تفادي إنجاب طفل آخر. وليس الصعود إلى أعلى صدر الرجل إلا رمزاً للجنوح إلى الذكورة. وكان الخوف والقلق عرضها النفسي الرئيسي الذي يرمي إلى التهرب من وظيفة الأمومة. وقد صورت في الحلم والديها بفهدين كناية عن خطر داهم يهددها فصعدت إلى أعلى لتنجو منهما لأنهما كانا يعارضان في زواجها

ظهرت الأعراض النفسية الأولى عندما كانت في التاسعة عشرة بعد أن خطبت سراً إلى زوجها الحالي. وقد استغرقت خطبتها ثماني سنوات رغم معارضة العائلة؛ وتفتق هذا عن حدوث نوبات ثورية إلى أن تم الزواج، ولكنها عادت مباشرة بعد ولادة ابنتها الوحيدة البالغة من العمر عشر سنوات

ص: 29

وقد أماط التحليل النفسي اللثام عن تكوينها الهستيري عن تلون صفاتها بلون الذكورة إذ كانت كثيرة التحدي محبة للتسلط متكبرة

ابتدعت لنفسها خطة تؤمن حياتها بعد أن تعرفت إلى زوجها باستغلال القلق المستحوذ عليها. وعملت على ترتيب هذه الخطة على نمط هلوسي في سريرتها دون أن تعي. وأضاف إليها آلاماً في الثدي والمعدة لتجعل كل العلاقات الجنسية غير القانونية مستحيلة. . .

وكانت تعنى بالتشنجات الليلية التي أقضت رقاد زوجها إنه من المقلق جداً أن يصحو زوجها على أثر صياح طفل. ولم تكن نوبات ضيق التنفس التي كانت تعتريها إلا تحذيراً لزوجها من احتمال إصابتها بالسل الذي قد ينجم عن الحمل

والآن ننتقل إلى حلم آخر للشاعر (ميتور سيمونيدس) رآه قبل الإبحار في رحلة إلى آسيا:

(حذره شخص من الإبحار في رحلة مقررة)؛ وكان هذا الشخص ميتاً، وقد سبق أن تولى هذا الشاعر أمر دفنه، فعدل حينئذ عن الرحيل

ونحن نفترض أن سيمونيدس كان خائفاً من هذه الرحلة فاستغل الشخص الميت ليخيفه منها ومن نهاية مريرة قد تؤدي إلى القبر لأن الذي حذره منها ميت

رغب الحالم على وجه العموم - كما يتضح من هذا الحلم - أن يضع نفسه في مركز خاص يصل إليه من أحسن الطرق التي تتلائم مع شخصيته وطبيعته وأخلاقه.

(للبحث صلة)

محمد حسني ولاية

ص: 30

‌صفحة من كتاب

حنين

للأستاذ شكري فيصل

سكن الكون، فما في الكون إلا همسات. . . من حديث النجم أو بث المحبين الشكاة. . . ينفثون الآهة الحرى، ويلقون السهاد. . . وينادون محبيهم فهل يدري محبوهم نداءً؟. . . ويثور الدمع في أجفانهم فيضاً غزيراً. . . أترى يدرك ذلك الذين تطفر الدموع من أجلهم، وتتمتم الشفاه بالحنين إليهم، وينبض القلب بذكرهم المستطاب؟!

سكن الكون، فثارت وحدتي تتلوى. . . وتذكرت العهود الزاهرات النضر. . . وتراءت من أمامي صور من الماضي القريب. ويحها من صور! فتنهدت حزيناً أسفاً، وتمنيت لها منصرفاً؛ وذرفت الدمع هتاناً إذ وجدت في الدمع خفوت السورة، وبرودة الثورة، وبعض العزاء

. . . وصمت الليل، كأنما كان يعد على الناس أنفاسهم المتصاعدة. . . وقد أووا إلى فرشتهم الدافئة، يجدون فيها الهدوء، وينعمون فيها بالدفء. . . ويحسون أنهم يرتعون في أحضان الأبوة، وفي سماحة الأمومة، وفي جمال القرابة الدانية

ودقت الساعة الثانية عشرة، وانبعثت ضرباتها على صفحة الأفق الساكنة. . . كأنما كانت اثنتي عشرة قطرة من الماء تنصب على قطعة من الصفيح اللامع، فيكون لها بريق متلألئ كهذا الصدى الموغل في جوف الظلام البعيد

وامتد رواق الليل كما يمتد حنين إنسان غريب. . . يدثر الماضي ليجد فيه الذكرى، ويتطلع إلى المستقبل ليفسح فيه فرجة الأمل. . . كذلك كان رواق الليل، لا يحتجزه حد ولا يقهره سلطان، ولا يقف من دونه عائق. . . كما لا يحتجز الحنين سلوى ولا يقهره ضر، ولا تقف من دونه الدنيا بكل صورها وألوانها

إلا هذه النجوم. . . لقد كانت في منجاة ومأمن. . . لكأن عالمها الحلو، وشعاعاتها المتراقصة تكيد لليل وتتحداه. . . وكأنما هي في أنوارها الحنون تبعث في نفوس المحبين الولهى الأضواء الطروب. . .

سيظل هذا الحنين المتصل يهفو حول الأمل الناعم، ويغرد في حفافيه الندية. . . وينثر

ص: 31

عليه الورود والرياحين كما تنثر دنيا النجوم من عالمها العلوي ذراتها اللامعة في أجنحة الليل السود

وسكن الكون. . . واستلقى الليل على صدر الدنيا. ونشر عليها أذياله وأردانه. . . كأنما كان يريد أن يكبت فيها الحركة، ويقتل فيها النشاط، ويقطع ما بينها وبين السماء. . . كان كالساعات اليائسة في حياة المحبين. . . مزهقة، مرهقة، ثقيلة الظل شديدة الوطأة، كأنما تحاول أن ترين فتحول بيننا وبين الرحمة. . . ولكن الرحمة القريبة لا تدع السبيل إلى اليأس، والحب القوي لا تقل منه المصاعب، والسماء الكريمة لا تقطع ما بينها وبين الناس. . . إنها تشق ثوب الليل الصفيق لتنبت النجوم النيرة على ظهره وفي أطرافه ومن بين يديه. . . كما تنبت الخزامى في الأرض القفر عطرة الطيب، شذية الروح. . . وأنها لتمزقه في كل جوانبه، وترقمه في كل ثناياه كما ترقم قطرات الماء سطح البحيرة الهادئ بدوائرها المترجرجات

هكذا الحنين. . . أيتها الكريمة الرءوم. . . كهذا الليل. . . تضحك على جوانبه المترعة بالأسى منى، وترق في ساعاته المريرة رؤى. . . وتنتثر في لياليه الكئيبة أحلام بيضاء كهذه النجوم.

واستغرق الكون في سكونه. وأحس الليل ما يقلى من عنت. لقد فرض سلطانه فتمزق. . . ومد رواقه فتخرق. . . ونشر جناحه البهيم فهاض النور جناحه البهيم. . . وغص بالحادثات. . . والنجوم من حواليه ترقص رقصة الظفر، وتنشد نشيد الحياة، وتهزأ هزأ المتحدي. . . وترسم شعاعاتها دعوة كريمة للفجر المستكن.

وارتمى يفكر. . . واستعرض تاريخه الطويل، وبكى مجده المندثر وساعاته الخاليات، وذكر كيف اكتسح الأفق المديد، وغطى الشمس المشرقة. . . ثم جاءت هذه النجوم الصغيرة تعبث به وتهزأ منه، فلم يملك أن بكى. . . وانثالت دمعاته على كل نبتة وفوق كل غصن. وكان بكاؤه هذا الندى الطري الذي اندفع بتلقي بسمة الصباح

. . . وهكذا تتراقص الأماني من حوالينا. . . أيتها الإنسانة الكريمة. . . وتنبثق شعاعاتها الناعمة تخط الفجر الذي نرنو إليه؛ وتنسق ألوانها الزاهية السبع لتنسج بردة الشمس، ولكنها تمضي في هدوء واتزان؛ فلن تمر بنا في كل مرحلة، ولن تقف بنا عند كل لون.

ص: 32

ولكنها ستفجؤنا هالة بيضاء نيرة؛ فهلا وفرت عليك بعض الجهد، وحفظت عليك بعض القوة، وكففت عن ارتقاب المشرق كما أرقب، والتحديق فيه كما أحدق؟!

ولكن لا عليك، لا عليك يا أماه؛ حدقي، وارقبي، إن نظراتنا كهذه النجوم ترقص رقصة الظفر، وتنشد نشيد الحياة، وترسم للقاء دعوة كريمة!

(القاهرة)

شكري فيصل

ص: 33

‌يوم الزهاوي

للأستاذ يحيى محمد علي

إنه ليوم وإن احتوته لجج الزمن العاتية واستقرت به في أغوار الماضي، فإن له بين شفاف القلوب الذاكرة للجميل، وفي أعماق النفوس المطوية على الوفاء، أثراً لا أحسب النسيان يقوى على طمس معالمه. إذ امتدت فيه يد القدر من بطون الغيب إلى قلب (الزهاوي) فأسكنته، وإلى لسانه فأسكتته، وبذلك غيضت من مناهل الحكمة منهلاً دفاق الفيض، وأطفأت من مشاعل العرفان مشعلاً وضاء السنا، وقطعت من قيثارة الشعر وتراً رنان الصوت، وتركت في كل فؤاد حسرات تضطرم، وفي كل عين عبرات تختنق!

فكان يوماً لا نملك حين ينساب إلينا من مطاوي كل عام إلا أن نقف فيه وقفة الذاكر المحزون لنحلق بأجنحة الذكرى إلى أجواء رفيعة من النبوغ والعبقرية، وآفاق مترامية من الإبداع والعظمة، تزيدنا إعجاباً بالزهاوي، وإجلالاً لقدره، ويقيناً بأن خسارتنا فيه كانت أعظم مما قدرناه بكثير

ثم لا تلبث الذكرى أن تفتح لنا من أسفار المجد سفراً أفعم (الزهاوي) صفحاته بمآثره ومفاخره لنستمد منه لضلالنا هدى ولمحنتنا تجربة، ولنستوحي كلمة حتى نفرغها في مسامع أولئك الذين بخسوا (الزهاوي) حقه، وأنكروا عليه نضاله المجيد وكفاحه الخالد وما كانوا إلا أنفسهم يظلمون، وستبقى آثار (الزهاوي) لنهضتنا معيناً ثراً لا ينضب سيله الطامي ولا يغور. . .

وحسبنا - ومجال البحث لا يتسع للإطالة والإسهاب - صفحات من هذا السفر نقلبها بين أيديهم، لينعموا النظر فيها، وليحكموا بعقول سالمة من الأهواء، وضمائر خالصة من الأحقاد، على أدب (الزهاوي) وجهاده.

يقول الزهاوي: (. . . غنيت لأبناء وطني أريد إيقاظهم، فلما فتحوا عيونهم شتموني، ثم غنيت، فأخذوا ينظرون إلي شزراً، ثم غنيت فابتسموا لي، ثم هتفوا لي وبقى فيهم من يشتم، وغنيت وسأغني إلى أن يسكتني الموت، وسوف تبقى بعدي كلماتي معربة عن شعوري وما كابدته في حياتي من شقاء واضطهاد، فهي دموع ذرفتها براعتي على الطرس ناطقة بآلامي وهي خليقة بأن تذرف من عيون قارئها دمعة هي كل جزائي من نظمها. .

ص: 34

)!

فهو الشاعر الذي عاش لأمته فاستوحاها وأوحى إليها، والذي ما خفق قلبه إلا بحبها، وما توجع واضطرب إلا لمصائبها وهوانها، والذي ما جرى لسانه إلا بذكرها، وما شدا إلا بآمالها وأمانيها

غنى لها، وغنى، ولكنها تجاهلته حينا واضطهدته أحياناً أخرى واهتزت جزعاً وحزناً حين فقدته

غنى لها حين ألفاها سادرة في الضلال تتثبط في رهج الوني والعجز، وتتعثر في دياجير الخمول والفتور، ليوقظها من سباتها العميق ويمهد لها سبل الإفلات من ربقة هذه الغفلة، فهو القائل:

تيَّقظت الأقوام من غفلة لها

ونحن بحال لم نزل فيه نهجع

والقائل:

أيها الشعب طال نومك فأيقظ

للمساعي فالليل صار نهارا

وليبعث فيها من الثقة والعزم ما ييسر لها تحطيم أصفاد اليأس ونضو ثياب الذل ومجاراة الأمم التي سبقتها في مضمار التقدم والرقي فقال:

يا قوم قد وعر الطريق أمامكم

فإذا عزمتم تسهل الأوعار

إن التوقف في زمان حازم

فيه تقدمت الشعوب، لعار

والقائل:

أمة تكسر الرتاج إذا ما

وجدت دون ما تريد رتاجا

وغنى حين رأى الجهل يرين على العقول فيكبحها عن الرشاد والسداد ويهوي بها إلى وهدة الزيغ، ليرفع عن مداركها آصار الأفن ويدر أعوادي الطيش ويخفف عرام الأمية فقال:

العلم ثروة أمة ويسار

والجهل حرمان لها وبوار

وقال:

لا يأمن المدلج الساري تورطه

ما لم يوطد له من عقله سندا

وقال:

استنيروا بالعلم فالعلم نور

إنما بالعلوم تنفي الشرور

ص: 35

وليهيب بها للتهافت على ينابيع العلم ونشر التعليم فقال:

أليس الرضى بالعلم أكبر حطة

أليس ذراع العلم أقدر دافع

خذ العلم إن العلم مال لمعدم

ورِيٌّ لعطشان وقوت لجائع

وقال:

تشق حياة ما لها من مدرب

وتشفى بلاد ليس فيها مدارس

ثم غنى لما وجد الرجعية تحدق بالحقائق فتشوهها وتمسخها، وتنأى بالعقائد عن هدفها السامي وغايتها المثلى، فقال حاثاً على التمسك بالحقائق دون الأوهام والتحرر من نير الخرافات والنزوع إلى التجدد ومماشاة روح العصر الذي لم يعد يأتلف وهذه الأوهام

يا قومنا لا نفع في أحلامكم

فخذوا الحقائق وانبذوا الأحلاما

جهل الذين على قديم عولوا

إن الزمان يغير الأحكاما

وقال:

أنضو القديم وبالجديد توشحوا

حتام تختالون في الاطمار

وتملصوا من نير كل خرافة

خرقاء تلقى الربن في الأفكار

وغنى حينما تبين المرأة ترزح تحت أعباء التقاليد البالية وينوء بها الحجاب، مدافعا عنها، زائدا عن حقوقها السلبية طالباً إنصافها فقال:

غصبوا النساء حقوقهن

فلا تصان ولا تؤدي

وإذا النساء ردين في

شعب فإن الشعب يردى

وقال:

طالما قد وقفت أدرأ عنهن الرزايا فيالها وقفلت ثم غنى. . . وغنى. . .

وما كان ليفت في عضد الزهاوي أو يثنيه عن عزمه طعن أو ثلب وإعانات أو إرهاق ورائدة نصرة الحق؛ وحسبه ذلك مسيغاً لغصة الجحود، ومخففا لوطأة النكران، وإن قوله:

هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا

وأدعيها وإن صاحوا وإن جلبوا

أقولها غير هياب وإن حنقوا

وإن أهانوا وإن سبوا وإن ثلبوا

لأقوى دليل وأنصع برهان على تفانيه في سبيل الحقيقة!

هذا هو الزهاوي وهذه بعض مآثره وألحانه. .

ص: 36

أفليس من حقه على أمته التي حمل نفسه من أجلها علي المعاطب وجوزي منها بالصدود والإغفال أن تعني بأحياء ذكراه براً منها بالأدب واعترافاً بالفضل ووفاء بالعهد؟!

أمثل الزهاوي من يمر يوم ذكراه كسائر الأيام؟!

لطفك اللهم بالأدب. . . فإن ما يلقه من عقوق الناس لعظيم

وأنتم أيها الجاحدون لفضله. . . أليس في كل ما أداه الزهاوي لأمته ما يستدر من مآقيكم دمعة حبسها الغرور ومنعها الحقد؟

حسبك يا جميل أنك القائل:

كنت للحق كل عمري وفيّاً

وسأبقى حتى أموت وفيّا

وقد أديت رسالتك على الوجه الأكمل ففي ذمة الخلود.

(بغداد - مصرف الرافدين)

يحيى محمد علي

ص: 37

‌لكي تعيش.

. .!!

للأستاذ م دراج

أليس عجيباً أن يتعارض المنطق من القانون؟ إن منطق الحياة ليقول: الحياة تبرر نفسها! ولكن القانون لا يخضع دائماً لمثل هذا القول! (الحياة تبرر نفسها) منطق عجيب حقاً بنسف دعائم الجريمة والعقاب، ومع ذلك فالقانون باق، وسنة الحياة لا تتغير! أجل. . . إن القانون يثور على المجرمين، ولكنه لا يفهم لماذا أجرموا؟ يصليهم العذاب في أركان مظلمة يسميها (دور التأديب والإصلاح)! ولكن هذه الدور تزداد دائماً، وتتسع، وتكتظ، ومع ذلك يصر على إنها ليست للإفساد، لسبب الانحطاط في طبقة ما من الأمة، ويتعلل بتدهور أخلاقها، ثم ينسى التفسير الصحيح لهذا التدهور، وكيف تسببت أعراضه وتفاقمت، لأنه لا يريد أن يقول: إنه الجوع أو الجهل، أو الحرمان أو الفقر بمعنى أقرب وأوضح. . .

هذه هي القصة، قصة المرأة التي خلقت التاريخ، وبقيت المحور الذي تدور عليه حوادث العالم حتى اليوم. . . رأيتها بالأمس تسير الهوينا إلى جانب الطريق: تتصفح الوجوه صفحة صفحة بعينين لهما منطق مفضوح! لقد طال سيرها على غير هدى، حتى كاد التعب يهوي بفرعها إلى الأرض، فأسندت ظهرها إلى جذع شجرة عتيقة كمن يريد انتظار شيء معلوم. . . فوقفت على بعد منها، لأني لمحت على وجهها سمة التضليل واضحة، ولم يخف عني أنها تنتظر المجهول. . . المجهول الذي يقودها من هذه السوق التي أقامتها مدنية القرن العشرين لتجارة الرق المشروعة، فماذا رأيت؟ رأيت قطعة من جسم الإنسانية، تتمرغ في الوحل، والناس يطربون لهذا المنظر البشع، ويتهافتون على مشاهدته، فبعضهم من ذوي (الرؤوس البيضاء) كانوا يرمقونها بنظرة التهكم والسخرية؛ أما البعض الآخر فمن ذوي الشعور اللامعة والحواجب المزججة، فإنهم يصارعونها النظرات أولاً ثم يفتشون في مظهر الثديين، ثم يهبطون بأنظارهم حتى قدميها، وكثيراً ما كان بعضهم يتعمد المرور من ورائها ليطمئن إلى حكمه الأخير! وهم لا يكفون عن اللف والدوران، وكأنهم جيوش من النحل تطوف حول زهرة من أزهار الربيع. . . إن منظرها على هذا الوضع ليضايقني ويثير في غيرة لا أعرف مصدرها، لعلها الثورة على الإنسانة الذليلة، أو لعلها الأنانية التي لا يخلو من بعضها كائن بشري. . . وجدتني مضطراً إلى الابتعاد، فقد كان

ص: 38

يؤلمني أن أكون أحد المتحفزين للدخول في صفقة كهذه. ولم أكد أبتعد خطوتين، حتى أعود فألقى عليها نظرة أخيرة، فأجد سيارة ضخمة لها طنين العظمة والكبرياء تتباطأ رويداً رويداً، ثم نقف عن الحركة، ويتحرك بابها، ولا ينزل منه أحد. . . لقد حجبت عني هذه السيارة منظر الفتاة، فقفزت كذلك خطوتين بعض الشيء، وخيل إلي إنها تسأل عن الثمن. . . وأخيراً تقفز إلى جوار السائق وتندفع السيارة بصيدها الحرام، مخلفة وراءها عثاراً مشيعاً بدخان العظمة والكبرياء. . .

ويضيق صدري، فأمشي مسلوب العاطفة والفكر معاً. أمشي أنا أيضاً على غير هدى، هنا وهناك لا ألوي على شيء. وفجأة أسمع طنيناً بعيد إلى صوابي، فأدرك أن حياتي كانت معرضة للخطر، كنت مهدداً بالفناء من هذه السيارة الماجنة، فقد وقفت مني على بعد أمتار. وألقت صيدها المذبوح إلى الطريق! وعلى غير وعي مني أتبع خطواتها، فهي تسير في نفس الاتجاه الذي يصل بي إلى مسكني. ولكني لا آبه بالوقت، ولا بحاجتي إلى الراحة، وأتابع السير وراءها حتى تعرج على دكانه تبيع (سمكا مشويا) ثم إلى بائع الخبز فتبتاع منه حاجتها. . . وتواصل السير وأنا أتبعها. . . لقد اندفعت اندفاعاً غريباً لأعرف شيئاً عن قصتها. سلكت شوارع مظلمة، وحارات، ودروباً ما كنت أتصور أن القاهرة، هذه المدينة الجميلة الضاحكة. . . ذات القصور والفنادق والملاهي والأحياء التي تضارع أرقى العواصم في الغرب، هذه المدينة التي يسمونها كذباً وتضليلاً عروس الشرق، تضم هذه المباءات القذرة، تلك التي لا تجد لها مثيلاً بين زنوج أفريقيا أو بلاد نيام نيام أو أي أرض شئت

وأخيراً أراها تحيي أمها العجوز، وتنحدر إلى باب مسكنها الغائر في بطن الجبل. فأتذكر المرأة التي أمر بها كل يوم وهي جالسة إلى صندوق القمامة تفتش فيه جاهدة عن شيء يؤكل، والرجل الذي تسلل إلى فضلات طعام إحدى الفرق المعسكرة، فأرداه الجندي صريعاً بالرصاص. والفلاح الذي يأكل الحشائش من الأرض كالحيوان. والعامل الذي يقسره الجوع أن يسرق قطعة من (العجوة) ليبلع بها رغيفه. . . كل أولاء كهذه المرأة هم في العذر والحاجة سواء. لقد فقدوا كل إحساس لأنهم جياع فما يهمهم عرف ولا قانون. وهل في عداد القوانين التي تنظم حياة المجتمع قانون واحد يجنب الفقير عواقب الشطط!! آه. .

ص: 39

لقد تذكرت! هناك السجون! وهل رأيت في السجون إلا فقيراً أو محروماً أو مطروداً؟ هذه السجون بنيت لفريق واحد من الناس، وليس هذا الفريق من الأغنياء!

وعدت إلى داري مهموم القلب، يحتدم بيني وبين نفسي عراك عنيف: إنها ساقطة. . . بغي. . . عاهرة تفسد في الأرض. أثور، وهي تهدئني: (ألا تدري أن صفقة كهذه لا غبار عليها، ما دام الخمر والجوع هما وسيطاها! إن الخمر والجوع كليهما كأس يثمل شاربها. فكل كأس من الخمر رصيد من العرق أو الدموع! فلم لا ترى مثل هذا يحدث على الشاطئ الغربي من النيل. . . حيث تقوم القصور الشاهقة مطلة على الأكواخ والكهوف لا محل للأسطورة القديمة التي كانوا يسمونها الفضائل، والشرف. والكرامة. والمروءة! كل هذه أكاذيب قد عفت منذ زمن بعيد. إن الإنسانية تتقدم، وتتطور، دائماً، دائماً، حتى في تجارة الرقيق. ولكنها تجارة منظمة. أجل تجارة منظمة تتفق وأسلوب القرن العشرين. . .

لا يا صاحبي، إنها إنسانة لابد لها من القوت لتعيش. ومن يدري؟ ربما أعيتها الحيل في البحث عنه. أذلتها الحاجة. والجواب بغير ثمن ليس من طبيعة هذا العصر، ولا من تعاليمه. فما الكرامة، وما الشرف، وما العرض، أمام الحاجة الملحة للطعام؟ وما دمنا قد رضينا أن يحيا كل إنسان لنفسه، فليس لك أن تلوم المرأة العاطلة، التي لا عائل لها ولا قانون يحميها، إذا انغمست في الظلام تفتش عن شيء أعياها البحث عنه في النور. إن لغة العطف والرحمة لم تعد من مصطلحات هذا الزمن. فالرجل القادر على أن يمنح العطف والرحمة في شكل كسرة تمسك الرمق أو ثوب يستر الجسد قد طغت عليه تكاليف المدنية، فهو يرى أن (جالوناً) من البنزين لسيارته، أو كأساً من الشراب يذهب بصوابه، أو حفلة ساهرة ترمز إلى عظمته، أحق وأولى من معونة لا يطالبه بها القانون، ولا تعترف بوجوبها الدولة!

صدقني إذا قلت لك: إن يد المدنية الحديثة قد قلبت صفحة الزمن، فطوت معها كل أثر للفضائل في العهد القديم. نحن الآن أمام صفحة جديدة، تختلف في تعاليمها ومراميها، وليس من معانيها شيء اسمه الرحمة!!

إن القوة الآلية التي جعلت الثروة تتركز في يد عدد قليل من الناس، وتتزايد بأرقام مخيفة، هي بعينها التي سلبت الكثرة الهائلة النزر الضئيل الذي بيدها حتى باتت تبحث عن

ص: 40

الرغيف فلا تجده. فالزيادة المطردة في جانب، والنقص المستمر في جانب، قد أوجدا ميزاناً عجيباً تعلو فيه كفة إلى السماء، وتهبط أخرى حتى تلاصق الأرض. وليس القب الذي يرفع هذا الميزان هو توراة (موسى) ولا إنجيل (عيسى)، ولا هو القرآن الذي بلغه (محمد)، كما أن صنجاته ليست من المروءة أو الكرم أو الزهد، ولكنها من نوع آخر تبيحه المدنية وتشجعه، من الغش، والطمع، والمكر، والاستغلال الشنيع الذي لا يصده حتى عرض فتاة مسكينة تتضور جوعاً!

فكيف إذن تطلب من امرأة ضعيفة جائعة محرومة من شريعة الدين وشريعة المدنية، أن تفهم معنى الكرامة والشرف وقداسة العرض في هذا المعترك الضال؟ الإنسان ظل للنظام الذي يعيش فيه، فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟

كيف؟ كيف؟ لم يعجبني دفاع نفسي عن البغي. رأيت فيه دفاعا عاطفيا لا يجوز على العقل، فاختلفنا. واتفقنا أن نقدم (للرسالة) هذه القضية.

م. دراج

ص: 41

‌الإمبراطورية اليابانية

للأستاذ أبو الفتوح عطيفة

ليس من شك في أن أنظار العالم في هذه الأيام تتجه صوب ميادين القتال المختلفة: في ليبيا وروسيا وفي الشرق الأقصى، وفي المحيطين الأطلنطي والهادي، وتتلهف إلى استماع أنبائه عسى أن تنفذ أبصارهم إلى غياهب المستقبل فيعرفوا بعض ما ينتظرهم. وليس من شك في أن أنباء القتال في الشرق الأقصى تستأثر في الوقت الحاضر بالجانب الأكبر من اهتمامهم. لقد بدأ المستر تشرشل حديثه الذي أذاعه في مساء يوم الأحد 15 من فبراير سنة 1942 بإذاعة نبأ سقوط سنغافورة في يد اليابانيين. قال مخاطباً شعوب الإمبراطورية:(أتحدث إليكم جميعاً في ظل هزيمة عسكرية شديدة بعيدة المدى. لقد سقطت سنغافورة، واجتيحت شبه جزيرة الملايا كلها)

ومضى يقول: (لقد تعرضنا جميعاً لهجوم شعب محارب يتجاوز عدده التسعين مليونا من الأنفس تسلح بأمضى أنواع الأسلحة) ووصف شجاعة اليابانيين في ميدان القتال، وقوة اليابان الحربية فقال:(وخليق بكل إنسان ألا يقلل من شأن قوة اليابان الحربية وقوتها في الجو أو في البحر أو في ميادين القتال البرية يوم ينازل رجل رجلاً، فقد أثبتوا أنهم محاربون بواسل حقاً) ولاشك أن الناس يتوقون إلى معرفة الكثير عن اليابان. وهل تستطيع أن تصمد طويلاً في هذه الحرب أم لا. وهانحن في مقالنا هذا نحاول أن نمدهم بما يتسع له المقال من معلومات.

اليابان إحدى الدول العظمى التي ما تزال تحتفظ بالنظام الملكي؛ وإمبراطورها يلقب بالميكادو وله سلطان عظيم على رعاياه. ويطلق على اليابان لقب إمبراطورية مع إنها لم تكن قبل فتوحاتها الحديثة أكبر من فرنسا بل كانت أصغر مساحة من شبه جزيرة اسكندناوة وإن كان عدد سكانها يزيد على التسعين مليونا. ويمتاز اليابانيون بنشاطهم وذكائهم؛ ولكن هذه الصفات لا تساعدهم على أن يجعلوا من طبيعة بلادهم الجبلية حدائق غناء أو مزارع خصبة؛ ومن ثم اضطر اليابانيون إلى الالتجاء إلى الصناعة (كما حدث في بريطانيا) واستبدال مصنوعاتهم بما يحتاجون إليه من مواد غذائية ومواد خام - ويشتغل معظم سكانها بالزراعة، ومع هذا يعتقد كثير من الكتاب إنه لولا التجاء اليابانيين إلى البحر

ص: 42

المجاور طلباً للسمك لما استطاعوا تموين أنفسهم. ولم يشعر اليابانيون بالضغط الناشئ من ازدحام السكان في بلادهم؛ ولعلهم لا يشعرون بذلك لأنهم ملاحون يستطيعون أن ينشئوا علاقات تجارية مع العالم الخارجي ويحصلوا على ما يبتغون من مواد خام ومواد غذائية. وقد كانت اليابان تستورد الأرز من الهند الصينية، والنترات من شيلي، والأخشاب من استراليا.

تتكون اليابان من أربع جزائر كبيرة: هندو، وهكايدو، وكيوشو، وشيكوكو، وعدد عديد من الجزائر الصغيرة. وهي كإنجلترا بمعزل عن القارة الآسيوية يفصلها عنها بحر اليابان؛ وقد أتاح لها فرصة جعلتها تنمو وتنهض وتنشئ حضارة خاصة بها ودولة مستقلة لا تخضع لغيرها. يمتد الأرخبيل الياباني من جنوب شبه جزيرة كمنشتكا في عروض لندن إلى فرموزة في العروض الحارة؛ ومن ثم نجد مناخ أجزائها الشمالية بارداً؛ ويزيد في برودته هبوب الرياح الشمالية الباردة عليه شتاء، وهبوب تيار كوريل البارد، بينما جنوبها حار. على أن معظم أجزائها يقع في مهب الرياح الموسمية الصيفية ويتمتع بكميات كبيرة من المطر، وسطحها جبلي ولذا كانت أنهارها قصيرة تكثر بها المساقط وهذه قد استخدمت في توليد الكهرباء.

الغلات والنباتات

اليابان فقيرة من حيث مواردها الزراعية؛ فثلث مساحتها صالح للزراعة. وأهم ما يزرع به الأرز هو الغذاء الرئيسي للسكان، والقمح والشعير والفواكه والخضر، وفي الأجزاء الجنوبية يزرع الشاي وشجر التوت. واليابان من أكبر الدول إنتاجاً للحرير الطبيعي. وفي فرموزة تنمو الغابات التي من أهم أشجارها الكافور. وفي وديانها يزرع الأرز وقصب السكر ويصدر إلى اليابان الأصلية وتستورد اليابان مقادير كبيرة من المواد الغذائية من بلاد آسيا المجاورة. وتغطي الغابات كثيرا من أرضها وتمدها بالأخشاب اللازمة لصناعاتها

المعادن والصناعة

يوجد باليابان الفحم؛ ولكن المقدار المستخرج منه لا يزيد على

ثمن (81) الناتج من بريطانيا؛ ولذا لا تعتبر اليابان من الدول

ص: 43

الهامة في إنتاجه ولا ينتظر لها مستقبل صناعي عظيم. وتوجد

بها كميات من الحديد، ولكن جل اعتمادها في صناعاتها على

ما تستورده من حديد أملاكها الأسيوية. وهي من أكبر دول

العالم إنتاجاً للنحاس

وقد تقدمت الصناعة باليابان ولكن ما زال عدد المشتغلين بها من السكان قليلاً. وأهم الصناعات صناعة المنسوجات القطنية والحريرية والورق والخزف واللعب وبناء السفن

واليابان من الدول البحرية الكبيرة ولها أسطول عظيم وقد اضطر سكانها لركوب البحر لصيد السمك. ويبلغ عدد الصيادين حوالي المليون

موازنة بين بريطانيا واليابان

يشبه كثير من الكتاب اليابان ببريطانيا ويطلقون عليها التشبيه صحيح من بعض وجوهه؛ ولكن هناك أوجه كثيرة للخلاف: فاليابان أقرب إلى خط الاستواء من بريطانيا؛ فهي تقع في عروض البحر الأبيض. ويختلف مناخها ومناظرها ومحصولاتها عن نظيراتها ببريطانيا. ويختلف الإنجليز عن اليابانيين في مظهرهم وأخلاقهم وطرق حياتهم. وتعتمد بريطانيا على الصناعة بينما اليابان ما زال أكبر اعتمادها على الزراعة. ويشك كثير من الكتاب في مقدرتها على أن تصبح دولة صناعية. فموارد الفحم بها لا يمكن أن تستمر طويلاً برغم ضآلة المستهلك منها. وتنقص صناعاتها الجودة والإتقان، أما إنجلترا فمواردها وموارد إمبراطوريتها لا تنفد

ويرى كثير من الكتاب أن اليابان يمكن أن تكون موضعاً حسناً للمقارنة بإيطاليا لا ببريطانيا؛ فتركيبهما الجغرافي وعروضهما، وكثافة السكان بكل منهما، وانتشار الزراعة وقلة الممتلكات تجعل المقارنة بينهما ممكنة، بينما لا يمكن تشبيه اليابان ببريطانيا!

(للبحث بقية)

أبو الفتوح عطية

ص: 44

‌25 - المصريون المحدثون

شمائلهم وعاداتهم

في النصف الأول من القرن التاسع عشر

تأليف المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين

للأستاذ عدلي طاهر نور

تابع الفصل السادس - عاداتهم

كثيراً ما يلجأ الأب والأقارب الفقراء إلى التخلص من الطفل الذي ماتت أمه ولم يفطم عندما لا يستطيعون الحصول على ظئر له. وقد يوضع الطفل أحياناً على باب المسجد ساعة صلاة الجمعة، فيحدث عادة أن تأخذ الشفقة بعض المصلين عند خروجه من المسجد فيحمله إلى منزله حيث ينشأ في أسرته كطفل متبنى لا رقيق. وقد يعتني بعضهم بالطفل حتى يجد له رجلاً أو امرأة تتبناه. وقد حدث من زمن غير بعيد أن عرضت امرأة على سيدة من أسرة يعرفها صديق لي أن تبيعها طفلاً سنة بضعة أيام وجدته على باب مسجد؛ فقبلت السيدة تربية الطفل لوجه الله رجاء أن يحفظ لها طفلها الوحيد جزاء هذا الإحسان.

ثم ناولت المرأة التي أحضرت الطفل عشرة قروش ولكنها رفضت الأجر المقدم. وهذا يبين أن الأطفال يصبحون أحياناً مجرد سلع، ويستطيع من يشتريهم أن يجعلهم عبيداً له يتصرف فيهم كما يشاء. وقد أخبرني أحد النخاسين وأكد لي غيره خبره هذا أن الوالدين قد يبيعان الصغيرات أحياناً باعتبارهن جواري مجلوبات من بلاد أخرى؛ وأن كثيراً من أولئك البنات سلمن إليه بإرادتهن ليبيعهن؛ وقد ألقى في روعهن أنهن سينعمن بالملابس الفاخرة والترف العظيم، وعلمن أن يقلن أنهن أحضرن من بلادهن في سن الثالثة أو الرابعة ولذلك يجهلن لغتهن الأصلية، وإنما يمكنهن التكلم بالعربية فقط.

وكثيراً ما يحدث أيضاً أن الفلاح يضطره الضنك الشديد إلى وضع ابنه - مقابل مبلغ من المال - وضعاً أسوأ بكثير من الرق. وذلك عندما يطلب مجندون أولاد من يقتنون وهؤلاء يستطيعون أن يخلصوا أولادهم من الجندية بأن يعرضوا على الفلاحين الفقراء أن يجندوا

ص: 46

أولادهم بدل مقابل جنيه أو جنيهين لكل ولد. ويفوزون بطلبهم عادة مع إنه حب البنوة سائد عند المصريين بقدر حب الأبناء لوالديهم. ويكره أغلب الوالدين مفارقة أولادهم عندما يجندون خاصة كما يدل على ذلك الوسائل التي يعمدون إليها لمنع تجنيدهم. وقد لاحظت أثناء زيارتي الثانية لمصر أنك لا تكاد تجد في أي قرية شاباً صحيح الجسم ليس بأسنانه كسر (حتى لا يمكنه أن يقرض الفشكة) أو بأصابعه أو بعينيه إصابة أو عمى حتى لا يجند. ويتخذ النساء المتقدمات في السن وغيرهن هذا الأمر حرفة منتظمة، فيدرن على القرى لتنفيذ هذه العمليات؛ وقد يقوم أبوا الولد أنفسهما بهذا الأمر. ويبدو مما قيل آنفاً أن العاطفة ليست وحدها دائماً السبب الذي يدفع أهل الطفل إلى الالتجاء إلى مثل هذه الوسائل حتى لا يحرموا أطفالهم.

ولا يمكن تصوير فلاحي مصر من حيث حالتهم المنزلية والاجتماعية وشمائلهم صورة ملائمة. ويشبه الفلاحون على أسوأ الاعتبارات أسلافهم البدو دون أن ينعموا بكثير من فضائل أهل الصحراء إلا في درجة منحطة. وكثيراً ما أحدث ما ورثوه عن أجدادهم أسوأ تأثير في حياتهم الداخلية. وقد ذكرنا من قبل أن المصريين انحدروا من عدة قبائل سكنت مصر في عصور مختلفة، واصهروا إلى الأقباط، وان التمييز بين القبائل لا يزال قائماً بين سكان القرى في القطر كله. وقد انشعبت بمرور السنين سلالة كل قبيلة من المقيمين إلى عدة فروع؛ وسميت هذه القبائل الصغيرة بأسماء متميزة أطلقت على القرية أو القرى أو المركز الذي يقيمون فيه. ولم يحتفظ الذين أقاموا طويلاً في مصر بالعادات البدوية الكثيرة، ولم يصونوا نقاوة جنسهم، وإنما اصهروا إلى الأقباط الداخلين في دين الإسلام أو سلالتهم؛ ولذلك تحتقرهم القبائل التي أقامت في مصر بعدهم فيسمونهم ازدراء (فلاحين) بينما يجعلون لأنفسهم تسمية العرب أو البدو؛ ويتزوج هؤلاء الآخرون متى شاءوا من بنات الأولين، ولكنهم لا يزوجون بناتهم لهم؛ ويثأرون للدم إذا قتل شخص من قبيلة وضيعة أحدهم بقتل اثنين أو ثلاثة أو أربعة؛ وقد أشير إلى تلك الشريعة البدوية الوحشية الخاصة بثأر الدم وسيادتها بين سكان قرى مصر في فصل لاحق. فيقتل أحد أقارب القتيل من ذريته أو من سلالة الجد الأكبر لأبيه القاتل، أو أحد الأقارب المذكورين من ناحيته؛ ولذلك كثيراً ما ينشب القتال بين قبيلتي القاتل والقتيل، وقد يستمر أو يتجدد كل حين عدة سنين.

ص: 47

وكثيراً ما يكون الأمر كذلك نتيجة إهانة يسيرة بين شخصين ينتميان إلى قبيلتين مختلفتين. وكثيرا ما يعود الثأر بعد جيل أو أكثر من ارتكاب القتل، بينما كانت الخصومة في ذلك الوقت هادئة، وربما لم يكن يذكرها أكثر من شخص واحد. وهناك قبيلتان في الوجه البحري إحداهما (سعد) والأخرى (حرام) اشتهرتا بهذه الحروب والخصومات الصغيرة، ولذلك يطلق اسمها عادة على أي شخصين أو فريقين عدوين. ومما يثير الدهشة أن يباح في الأيام الحاضرة مثل هذه الأعمال التي إذا ارتكبت في مدينة من مدن مصر عوقب عليها بالموت أكثر من شخص. وقد أباح القرآن الثأر ولكنه قيد تنفيذه بالعدل والاعتدال. وتخالف هذه الخصومات حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:(إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، ويشبه الفلاحون البدو في أحوال أخرى؛ فعندما تخون الفلاحة زوجها يقذف بها هذا أو أخوها في النيل بعد أن يربط في عنقها حجر أو تقطع إرباً ويقذف ببقاياها في النهر. وقد يعاقب الأب أو الأخ العذراء التي تتهم بمنكر. ويعتبر أهل المرأة أن جريمتها تمسهم أكثر ما تمس الزوج، وكثيراً ما يحتقرون إذا لم يعاقبوها

ص: 48

‌الفصل الثامن

عادات المجتمع العامة

يؤدي احترام المسلم للتجارة إلى اتساع دائرة معرفته بالناس على اختلاف درجاتهم اتساعاً عظيماً؛ وينشط قانون انفصال الجنسين حرية المعاملات بين التجار إلى مدى بعيد، إذ يسمح للتاجر أن يشارك غيره - بصرف النظر عن اختلاف الثروة أو الدرجة - دون خشية اقتران شخصين متفاوتين بالزواج؛ وتتمتع النساء مثل الرجال بسعة المعاملات التجارية مع الغير من جنسهن

ويتكلف المسلمون ويدققون في شمائلهم الاجتماعية إلى أقصى حد؛ ويقوم الكثير من عاداتهم الشائعة على تعاليم الدين، وذلك يميزهم في مجتمعاتهم من كل قوم آخرين. ومن عاداتهم تحية بعضهم بعضاً بقولهم:(السلام عليكم) فيرد من يحيونه بقوله: (عليكم السلام ورحمة الله وبركاته). ولا يوجه المسلم هذا السلام إلى من يخالفه في الدين ولا بالعكس؛ ويجب على المسلم أن يحيي المسلم بهذه التحية، إلا أن إهمال هذا الواجب لا حرج فيه. ويجب رد التحية على الإطلاق؛ فالتحية (سنة) وردها (فرض). وقد يحيى المسلم مع ذلك خطأ من يخالفه في الدين، وليس على هذا أن يرد التحية. وينقض المسلم تحيته عندما يتبين خطأه بقوله:(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛ وكذلك يفعل أحياناً إذا حيا مسلماً ورفض أن يرد السلام

وأهم آداب السلام كما أملاها الرسول (ص) وكما يتبعها المصريون المحدثون ما يأتي: يبدأ الراكب بالسلام على الراجل، وألعابر على الجالسين قلوا أو كثروا، والفئة القليلة أو أحدهم على الفئة الكبيرة، والصغير على الكبير، ولما كان يكفي أن يوجه السلام واحد من الجماعة فكذلك يكفي أن يرده واحد. ويجب على المسلم أيضاً أن يحيي أهل المنزل عند دخوله وخروجه؛ ويجب دائماً أن يبدأ بالتحية ثم يتحدث. وللآداب السابقة بعض الشواذ فلا يلزم مثلاً في المدينة المزدحمة تحية أكثر هؤلاء الذين قد يمر بهم الإنسان ولا في الطريق حيث يقابل المرء عدة عابرين. إلا أن العادة جرت على أن يحيي الرجل الموسر أو الحسن الهندام أو الشيخ المحترم أو أي شخص وجيه من يبدو إنه رفيع المكانة أو عظيم الثروة أو من رجال العلم ولو كان الطريق حافلاً. وعادة المهذبين أن يضع من يسلم أو من يرد

ص: 49

السلام يده اليمنى على صدره أو يلمس شفتيه ثم جبهته أو عمامته ويسمى ذلك (تيمينة). وتؤدي التيمينة الأخيرة، وهي أكثر احتراماً، لمن علا قدره لا مع السلام فحسب، ولكن أثناء الحديث أيضاً وبدون سلام حينئذ

ولا يؤدي من كان من الطبقة الدنيا السلام إلى العظيم دائماً وعلى الأخص إذا كان تركياً، وإنما يكتفي بأداء التيمينة. ويظهر احترامه لمن سما مركزه بإحناء اليد إلى أسفل ثم رفعها إلى شفتيه وجبهته دون أن ينطق بالسلام. ومن العادات الشائعة أيضاً أن يقبل الرجل يد العظيم، ظهرها وحده أو ظهرها وباطنها أحياناً، ثم يضعها على جبهته لإظهار احترامه الخاص. إلا أن العظيم لا يسمح بذلك في أغلب الأحوال، وإنما يلمس اليد التي تمد إليه فيضع المحيي حينئذ يده على شفتيه وجبهته فقط. وتقبل القدمان دلالة على الخضوع والمذلة لالتماس العفو عن ذنب أو للشفاعة لشخص آخر، أو لطلب إحسان من عظيم. ويقبل الولد يد أبيه والزوجة يد زوجها والعبد والخادم الحر غالباً يد السيد. ويقبل أرقاء العظيم وخدمه كم ملابسه أو طرفها

وعندما يحيي الأصدقاء الخواص بعضهم بعضاً يتصافحون باليمنى، ثم يقبل كل منهم يده أو يضعها على شفتيه وجبهته أو يرفعها إلى جبهته فقط أو يضعها على صدره دون أن يقبلها. ويتعانقون بعد الغياب الطويل وفي بعض المناسبات الأخرى. فيقبل كل منهم الآخر على الناحيتين اليمنى واليسرى. وهناك طريقة أخرى للتحية شائعة الاستعمال بين الطبقات الدنيا. فعندما يتقابل صديقان بعد سفر يتصافحان بعد سفر يتصافحان ويهنئ كل منهما الآخر على سلامته ويتمنى له الهناءة والرفاهية مرددا عبارتي:(سلامات) و (طيبين) على التعاقب ومراراً. وعندما يبدأن هذه التحية التي تدوم وقتاً، وقبل أن يأخذا في الحديث يتصافحان كالعادة المتبعة عندنا، ويغيران وضع اليد كلما يلفظان العبارتين السابقتين فيدير كل منهما إصبعه على إبهام الآخر عندما يردد العبارة الثانية ويعود إلى الوضع عند العبارة الأولى

(يتبع)

عدلي طاهر نور

ص: 50

‌أغنية

من ليالي الدانوب

للأستاذ أحمد فتحي مرسي

يا ليالي الحبِّ عاد الحبُّ ذكرًى، يا ليالي

يا مَجالي النهرِ أينَ النهرُ مِنَّا، يا مجالي

غابَ عن عيني وما غابَتْ رُؤَاهُ عن خَيالي

وسلام يا مِهادَ الحبِّ يا نْبعَ الجَمال

يا ليالي الحبِّ عاد الحبِّ ذكرًى، يا ليالي

أينَ تحتَ الدَّوْحةِ السكْرَى أماسيُّ اللقاء

حينما أرختْ بنانُ الكونِ أهدابَ المساءِِ

أينَ ضفَّاتُكَ يا نهرُ الندِيَّات اللَّوائي

لَقِيْتنَاَ بين ألحانٍ وأزهارٍ وماء

حُلُمٌ من غفوةِ الماضي تراءَى في جلالِ

يا ليالي الحبِّ. . . . . . . . . . . .

حدِّثي يا سرحةَ الوادي ويا خُضْرَ الرحابِ

واذكري يا كأسُ أحلامَ ليالينا العِذابِ

واروِ يا نهرُ ترانيمي وأصْغي يا رَوابي

أنا من خلَّقْتُُ في واديكَ أياَّمَ الشبابِ

وانطوتْ صفحةُ أحلامي على تلكَ الرمالِ

يا ليالي الحبِّ. . . . . . . . . . . .

هاهُنا كَمْ صافحَ الزهرُ وندَّى راحَتْيها

والفَراشاتُ إلى الضوءِ تَسَامَى واليْها

ترتجِي الأمواجُ لو فاضتْ فمسَّت قدميها

وتودُّ الكأسُ لو تبقى طويلاً في يديْها

والغُصونُ الخُضرُ ما بينَ سُجودٍ وابتهالِ

ص: 52

يا ليالي الحبِّ. . . . . . . . . . . .

سألتني أترَى النهرَ جميلاً في سُرَاهُ

لِمَ يبدو أزرقَ الصفحةِ يَسْي من رآهُ

قلتُ يا أنشودةَ القلبِ، ويا حُلْمَ هواهُ

هذه الزُّرقةُ من عَيْنَيْكِ لَصَّتْها المياهُ

وتهادتْ راقصاتٍ بين زَهْوٍ واختيالِ

يا ليالي الحب. . . . . . . . . . . .

أيها الأزرقُ يا مَسبحَ أحلامِ الحسانِ

والَّذِي غنَّتهُ قِيثارِي شجِيَّاتِ الأغاني

أنا من غنَّت بألحانِيَ أيَّامَ الزمانِ

وشدا كلُّ لسانٍ بالذي يشدُو لساني

وحيُ أيَّامِكَ يا نهرُ وأيَّامِي الخوَالي

يا ليالي الحب. . . . . . . . . . . .

يا ليالي الحبِّ عاد الحبُّ ذكرًى يا ليالي

يا مجالي النهرِ أين النهرُ منَّا يا مجالي

غابَ عن عينِي وما غابتْ رُؤَاهُ عن خيالي

وسلامٌ يا مِهادَ الحبَّ، يا نبعَ الجمالِ

يا ليالي الحبَّ عاد الحبُّ ذكرًى يا ليالي

أحمد فتحي مرسي

المحامي

ص: 53

‌البريد الأدبي

تواضع الأديب الحق

مما يسترعي الالتفات أحياناً تلك اللغة التي يخاطب بها بعض الأدباء زملاءهم، فتراهم يقولون:(زميلنا أو صديقنا فلان يطلب إلينا كذا، ونحن نقول له كذا، والأجدر به أن يسألنا كذا) إلى آخر هذا الكبر والتكبر في التعبير

هؤلاء قد نسوا من غير شك أو تناسوا أن تكبر الأديب الحق وتعاليه هو في الفكر والتفكير لا في مخاطبة الآخرين. إني أرى شعار الأديب الحق هو: (تواضع في معاملة الناس، وتعال في معالجة الأفكار). لقد آن الأوان لأذكياء القراء أن يقفوا بالمرصاد لكل أديب يحاول أن يتعاظم بالحط من غيره، وأن يرفع قدر نفسه بوسائل لا تتصل بجوهر الرسالة العليا للفكر والأدب

حدث ذات مرة أن تفضل أحدهم فذكرني بقوله: (صديقنا فلان)! فتساءلت: (أهو يريد أن يشرفني بصداقته أم يشرف نفسه بتعظيمها على حسابي)؟!

يقولون إن الذوق شيء ليس في الكتب؛ ولكني أقول إن الذوق شيء ينبغي أن يكون في طبيعة كل كاتب

توفيق الحكيم

على هامش العدد الممتاز

ظهر هذا العدد حافلاً كما تعود القراء بالآراء المنخولة، والعلم المصفى، والأدب الحي، الذي يبعث الحياة قوية في النفوس التي نال منها الجهد. وقد وقفني، وأنا أطالع بعض ما فيه من بحوث كلمات - هي لفتات قوية - جعلتني أكتب هذه الكلمة القصيرة

1 -

يقول الأستاذ الجليل الزيات: (إن عمر رضى الله عنه رأى من العدل أن ينال اليهودي الذي عجز عن كسب حياته، من بيت المال ما يمسك نفسه). ذكرني هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد أهل الحيرة في كتابه الذي جاء فيه: (وأيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت المال وعياله وما أقام بدار الهجرة والإسلام) أين هذا العدل مما نراه

ص: 54

اليوم من ضياع حقوق الفقراء المسلمين عند الأغنياء المسلمين ولدى الحكومة في دار الإسلام!

2 -

ويذكر المؤمن حقاً الأستاذ الغمراوي في تأملاته أن الفضيلة جعلت في هذا الزمن الضال بأهله وسيلة للغلب: فالأمم تتعاهد فان وجدت في الوفاء ربحاً وفت، وإن وجدت الربح في النكث نكثت. هذه الحقيقة المؤلمة أذكرتني كذلك ما جاء في كتاب الفاروق عمر إلى سعد بن أبي وقاص وهو في حربه مع الفرس:(فإن لاعب أحد منكم أحداً من العجم بأمان، أو فرقة بإشارة أو بلسان كان لا يدري الأعجمي ما كلمه به وكان عندهم أمانا، فأجروا ذلك مجرى الأمان. وإياكم والضحك، والوفاء الوفاء!)

هل ترى أنبل من هذا وأشرف! يحض الفاروق على الوفاء بكلمة تبدو من لأعجمي لا يدري معناها ولا يدور بخلده أنها أمان، أما الأمم التي ترى أنها أوفت على الغاية من المدنية والحضارة، والتي يأخذ عنها سادتنا وزعماؤنا ورجالاتنا العادات والتقاليد، فتتعاهد وتحكم العهد، حتى لا تترك فيه لفظة ينفذ منها شك، أو حرف يكون تعلة للبس؛ ثم إذا رأت إحداها أن خيرها في النكث نكثت، إن مكنها هذا ما تملك من حول وطول، ومن قوى الدمار والهلاك!

يا قومنا! يجب أن نعتز بتراثنا وآدابنا وأمجادنا التي تصمد في مقام الاعتزاز والفخر. بذلك تحترمنا الأمم الأخرى، ونسير في طريق المجد. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

محمد يوسف موسى

المدرس بكلية أصول الدين

إلى الدكتور زكي مبارك

قرأت ما كتبته في العدد (448) من مجلة الرسالة الغراء تحت عنوان (أعدى الأعداء) ولست أقول فيه شيئاً، غير أني أحيلك إلى ما كتبه الدكتور طه حسين بك في العدد (399) من مجلة الاثنين ففيه خير جواب لك

ولعل من الخير أن أذكرك بكلمة قالها الجاحظ في كتابه عن النساء وهي: (لسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل أن النساء فوق الرجال أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو بأكثر)

ص: 55

وبما لقلمك من فضل على الأدب العربي الحديث لا يسعني إلا أن أقول: (هداك الله للحق وأبعد كيد الشيطان عنك).

(بنت بغداد)

حول الهجرة وشخصيات الرسول

أولى المجلات عناية بما ينشر فيها بحثاً ونقداً (مجلة الرسالة الغراء) لأنها أصبحت حقا مشاعاً للطبقة الراقية من رجال الدين والعلم والأدب، فلا غرو أن ينتظر القراء منها تحقيق ما ينشر فيها من بحث أو يذاع فيها من رأي. كتب صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت كلمة ضافية في العدد 449 ناشد فيها أمنية له حارة أن يعني العلماء بجمع ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يميز من ذلك ما كان بصفته رسولاً وما كان بصفته إماماً أو قاضياً أو مفتياً، بعد أن مهد لذلك بمقدمة نعى فيها على علماء الإسلام حرمانهم النبي صلى الله عليه وسلم من حق الاجتهاد وصورهم كأنهم يرون النبي صلى الله عليه وسلم اسطوانة لجبريل حيث غلبوا صفة الرسالة على صفة البشرية، إلى أن قال فيهم: ومن زعم ذلك فقد لاقى في رأيه من قريب أو بعيد بالذين يقولون (أبعث الله بشراً رسولاً). ومعلوم أن قائلي ذلك هم الكفار

وماذا يقول الأستاذ في أن كتب الأصول من أولها إلى آخرها تقول بصحة اجتهاد الرسول، وأنه إذا أخطأ في الاجتهاد نزل الوحي بتصحيح الخطأ، لأننا مأمورون في القرآن الكريم بالاقتداء به ولا نقر بحال على الاقتداء به خطأ. كذلك نصت جميع كتب الأصول وكتب الشريعة جمعاء على تقسيم أفعاله صلى الله عليه وسلم إلى ما كان منها جبلياً أو من قبيل العادات فلا يكون شريعة ولا نحن مأمورون بالاقتداء به فيها، وإلى ما هو بيان لما جاء في القرآن أو نزل بالوحي فيجب أن يكون تشريعاً عاماً، وتحدثوا عن ذلك بإفاضة حتى مازوا ما يصدر عنه بصفة كونه إماماً، وما يصدر منه بصفته مبلغاً أو قاضياً أو مفتياً وهي الشخصيات التي أرادها الأستاذ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من أمر الصحابة بالتفرقة بين ما يصدر عنه بصفته رسولاً وما يصدر عنه بصفته من البشر. جاء في صحيح مسلم عنه قال: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم

ص: 56

بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) وقال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) واتخذ العلماء ذلك قاعدة شرعية بنوا عليها تفصيل الكلام فيما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم من تصرفاته، حتى اختلفت الأئمة الأربعة في كثير من المسائل بناء على هذا الأساس نفسه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:(من قتل قتيلاً فله سلبه) حملها بعض المذاهب على إنه تشريع عام ودائم، ورأى مالك إنه تصرف منه بصفته إماما. كذلك ورد (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) رأى مالك والشافعي أن ذلك من باب التبليغ والرسالة فهو تشريع دائم، ورأى أبو حنيفة أن ذلك إنما صدر عنه بصفته إماماً. إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الخلاف

هذا حديث العلماء في القديم والحديث في الفقه واختلافه باختلاف النظر إلى شخصيات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يصدر عنه من قول أو فعل، بسطوا القول في ذلك ووضعوا له الأبواب والقواعد في كتب الأصول وكتب القواعد وأحكام القرآن والسنة

فأمنية الأستاذ محققة بحمد الله، وأما الخلاف في الفروع الجزئية فهو ضرورة اجتماعية في كل تشريع، ويمتاز التشريع الإسلامي بأنه فيه مصحوب بحسن التفاهم وعمق النظر إلى اختلاف أحوال الأفراد والطوائف مما لا يوجد في التشريع الوضعي.

محمد عبد السلام القباني

المدرس بكلية الشريعة

البراق النبوي وقصة المعراج في التصوير الإسلامي

نشرت مجلة المقتطف في عدد فبراير 1942 مقالاً للأستاذ (عمر حمدي) خريج معهد الآثار الإسلامية عن: (البراق النبوي) كنا ننتظر أن يذكر الأستاذ في ذيله إنه ترجمة لفصل من كتاب (التصوير في لمؤلفه (السير توماس أرنولد)، وهذا الفصل في الكتاب المذكور من صفحة 117 - 122 بعنوان (البراق)

والأجدر بخريج معهد الآثار الإسلامية أن يلجأ في كتابة مقال إلى الطريقة العلمية الصحيحة من إرجاع الفضل لذويه، والاعتماد على المراجع؛ فتلك هي الأمانة العلمية الواجبة، فنحن الآن في عصر زخرت فيه المكتبات بالكتب، وصار فضل كتّاب المقالات، بل فضل المؤلفين أنفسهم هو فضل إسناد الآراء إلى مصادرها الأصلية. ذلك ما يطلب

ص: 57

منهم، إذا لم يكن أن يكون لهم في مضمار العلم فضل الابتكار.

ونأمل أن يتفضل المقتطف الأغر بنشر هذا الاستدراك في عدده القادم.

السيد العجمي

رأي الأئمة في المذاهب الصوفية

بعد أن أطلعت - أيها القارئ الكريم - على فتوى الإمام (الطرطوشي) بالشين في المذاهب الصوفية، يجدر بك أن تسمع رأي أئمة الفقه المجتهدين في هذه المذاهب الصوفية التي ذر قرنها في أواخر القرن الثاني للهجرة، وظهر الشذوذ في المنتحلين لها في القرن الثالث للهجرة

قال الإمام الشافعي الذي توفى سنة 204هـ: إذا تصوف الرجل في الصباح لا يأتي المساء إلا وهو مجنون. وأنكر الإمام أحمد الذي توفى سنة 241هـ بعده على خيارهم، ونهى عن قراءة كتب الحارث المحاسبي على التزامه الكتاب والسنة علماً وعملاً. وروى الخطيب بسند صحيح أن الإمام أحمد سمع كلام المحاسبي فقال لبعض أصحابه: ما سمعت في الحقائق مثل كلام هذا الرجل، ولا أرى لك صحبتهم. وسئل الإمام أبو زرعة عن الحارث المحاسبي وعن كتبه التي ألفها في: أصول الديانات، والزهد على طريق الصوفية؛ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، بدع وضلالات. عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب؛ فقيل له: في هذه الكتب عبرة؛ فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه عبرة - بلغكم أن مالكاً أو الثوري أو الأوزاعي أو الأئمة صنفوا كتبا في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم قد خالفوا أهل العلم. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!

ومن خيار الصوفية الوعاظ المتقدمين منصور بن عمار، وقد ذكر بن مفلح في كتاب (الآداب الشرعية) أن الإمام أحمد نهى عن كلامه. وقد أنكر الغزالي في كتاب (الغرور من الإحياء) على المتشبهين بالصوفية، وكان ذلك في أواخر القرن الخامس، فإن الغزالي توفى سنة 505، وكان قد تاب إلى الله من علوم التصوف والكلام وانقطع إلى علم السنة. ثم أن ابن الحاج المالي المتوفى سنة 737هـ تكلم في كتابه (المدخل) على هؤلاء المتشبهين

ص: 58

بالمشايخ من أهل عصره في القرن الثامن وبين ما لهم من المنكرات، وفند ما يدعونه من الكرامات

وبعد، فهذا نموذج من كلام أئمة الإسلام ندعم به فتوى الإمام الطرطوشي في المذاهب الصوفية، وحسبي ذلك وكفى

(كفر المندرة)

أحمد أحمد القصير

مات حتف أنفه

في الطبعة الرابعة لكتاب (إعجاز القرآن) للرافعي رحمه الله ص332 في الكلام عن البلاغة النبوية وتحت عنوان (تأثيره في اللغة صلى الله عليه وسلم يقول المؤلف: فلا جرم كان صلى الله عليه وسلم على حد الكفاية في قدرته على الوضع والتشقيق من الألفاظ وانتزاع المذاهب البيانية حتى اقتضب ألفاظاً كثيرة لم تسمع من العرب قبله. . . إلى أن يقول (وكلها قد صار مثلاً وأصبح ميراثاً خالداً في البيان العربي كقوله: مات حتف أنفه. وقد روى عن علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) إنه قال: ما سمعت كلمة غريبة من العرب (يريد التركيب البياني) ألا وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعته يقول: (مات حتف أنفه) وما سمعتها من عربي قبله) ا. هـ

ولكنا نرى في لامية السموأل بن عادياء المشهورة قوله:

وما مات منا سيّد (حتف أنفه)

ولا طُلّ منا حيث كان قتيل

فكيف توفق بين هذا وذاك؟. . .

الرجاء أن تطرحوا السؤال على القراء، ليجيب عليه من حضراتهم من يشاء.

(البصرة)

خالد الشواف

ص: 59