المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 46 - بتاريخ: 21 - 05 - 1934 - مجلة الرسالة - جـ ٤٦

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 46

- بتاريخ: 21 - 05 - 1934

ص: -1

‌مدينة سبأ

للدكتور طه حسين

كان الأديب الفرنسي ملرو نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم، ولا تجد في ذلك شيئا من الغرابة، فنوم الأدباء البارعين يقظة، لأنه مملوء بالأحلام التي قد تكون من الصدق والدقة، ومن الخصب والإنتاج بمنزلة لا يبلغها الحق نفسه في كثير من الأحيان. ويقظة الأدباء نوم، لأنهم يشغلون فيها عما يحيط بهم من هذه الحقائق الممكنة الواقعة بما يملأ رؤوسهم من هذه الخيالات والأوهام التي تدنو من نفوسهم حتى تصبح كأنها جزء منها، وتبعد عن متناولهم حتى تصبح كأنها النجوم وهم يعجبون بقربها منهم فيطمعون فيها ويطمحون إليها، وهم يشفقون من بعدها عنهم فيحلون في طلبها ويجدون في إدراكها، ويكلفون في بلوغها أعنف الجهد وأشق العناء.

كان الأديب الفرنسي ملرو إذن نائما كاليقظان، أو يقظان كالنائم. كان في ساعة من هذه الساعات الحلوة التي يقضيها الأدباء مستمتعين بلونين من الحياة، أحدهما مختلط مضطرب شاحب، وهو لون الحياة الواقعة. والآخر واضح جلي ناصع، وهو لون هذه الحياة التي يحيونها بين الخيالات والأوهام. وانه لفي ذلك وإذا غانية حسناء رائعة الحسن، جميلة بارعة الجمال، غريبة الزي، لم ير مثلها قط فيمن رأى من غانيات باريس، وفاتنات غير باريس من المدن الأوربية التي زارها بل لم ير مثلها فيما رأى من الصور والرسوم التي تنقل للناس ما حفظته ذاكرة التاريخ القديم والمتوسط والحديث من ملامح الغانيات وأشكالهن وأزيائهن، وكانت تتراءى له من بعيد لا يكاد يراها حتى يفقدها، ولا يكاد يفكر فيها بعد فقدها حتى تتراءى له من جديد، فلا يكاد ينظر إليها حتى تستخفي، ولا يكاد يستأنف التفكير فيها حتى تبدو. وكانت إذا تراءت له ملأت الجو من حوله عبيراً وعرفا لم يحس مثلهما قط فيما أحس من الأعطار المصنوعة ومن الاعطار الطبيعية، ومن شذى الرياض وعرف الغابات، وكانت إذا استخفت ذهب معها هذا العبير، إلا بقية ضئيلة تضطرب في الجو، كأنها البقية الضئيلة من شعاع الأمل. فكانت نفس الأديب الفرنسي ملرو تتعلق بهذه البقية الضئيلة من العبير، كما تهيم بهذا الشخص الجميل الرائع الذي كان يبدو ويستخفي في سرعة كوميض البرق. ولو أن هذا الخيال عرض لرجل مثلك أو مثلي

ص: 1

على هذا النحو وهو نائم لأيقظه، أو عرض له وهو يقظان لذاد عنه كل وهم أو خيال، ولدفعه إلى حياة عنيفة متنبهة تشبه الجنون. ولكنه لم يعرض لك ولم يعرض لي، وإنما عرض للأديب الفرنسي ملرو. ولهذا الأديب قوة ساحرة فيما يظهر، تمكنه من مقاومة الحق الذي يوقظ النائمين، ومن مقاومة الوهم الذي ينيم الإيقاظ، وتمسكه في حال بين الحالين، ومنزلة بين المنزلتين، فإذا هو نائم كاليقظان ويقظان كالنائم. وقد دعا إليه سحره هذا، فأعانه السحر على أن يظل على الحدود بين المملكتين مملكة اليقظة، ومملكة النوم. مملكة الحقيقة الباطلة التي يضطرب فيها مثلك ومثلي من الناس، ومملكة الخيال الصادق التي يضطرب فيها الأدباء والشعراء، وظل في مكانه يرى هذه الجنية، ويتنسم عبيرها إذا ظهرت له، ثم يتعلق بما بقى من نشرها ويهيم بخيالها إذا غابت عنه، وكأن هذه الجنية كانت تريد أن تعبث بالكاتب الأديب ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وما أكثر ما تعبث الجن بأبناء الإنسان. ولكن الأديب الفرنسي ملرو، كان من البراعة والمهارة، ومن السحر واللباقة، بحيث استطاع أن يعبث بهذه الجنية الماكرة الماهرة، وأن يكرهها على أن تبيح له سرها، وتلقي عنه ما بينها وبينه من الأستار. واكبر الظن أن الأديب الفرنسي ملرو، إنما تعلم هذا الفن الذي يستغوي به الجن من رياضة بسيطة، ما اجدر أدباءنا وشعراءنا أن يتكلفوها ويأخذوا أنفسهم بها، وهي رياضة الصيد في الأنهار والغدران. فهذه الرياضة تحتاج إلى صبر طويل، طويل جداً، والى لباقة ودقة قلما تحتاج إليهما الرياضات الأخرى، وقد يمكث الصائد على شاطئ الغدير ساعات طوالا جداً، ينتظر الصيد فيصيبه أو لا يصيبه، ولكنه لا ييأس على أية حال.

ظل الكاتب الأديب ملرو، في حالة هذه بين الحالين، وفي مقامة هذا بين المملكتين، وظلت الجنية تبدو له فيستقبلها، وتغيب عنه فيتبعها، حتى سئمت منه هذا الصبر، وضاقت منه بهذا الثبات، واستيأست من ترويعه والعبث به، فوقفت منه غير بعيد وحدقت فيه تحديقا طويلا، لو حدقته في رجل مثلك أو مثلي لملأت قلبه رعبا، ولدفعته إلى الجنون دفعا، ولكن الأديب الفرنسي ملرو ثبت لمنظرها الجميل، وتحديقها الطويل، مبتسما في هدوء، ينظر إليها ولا يقول لها شيئا. وأخذت هي تدنو منه وتطيل النظر فيه، وهو ثابت لا يضطرب، ومستقر لا يريم، حتى إذا كانت منه بمكان النجى، سألته في لغة غريبة لم يسمع لفظها قط،

ص: 2

ولكنه فهم معناها كما يفهم معاني اللغة الفرنسية حين تلقى إليه. سألته في هذه اللغة الغريبة، وفي ابتسام ليس اقل منها غرابة قائلة من تكون؟ لقد عرضت لكثير مثلك من الناس منذ عشرات القرون، فروعتهم ترويعا على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم، وتفاوت درجاتهم في العلم والجهل، وفي الغفلة والذكاء، حتى اتخذت ترويع الناس لذة من أهون اللذات، إذا فرغت مما أنا فيه من أعمال الجد التي تحملني كثيرا من الألم والعناء. حدثني من تكون؟ ولا بأس عليك من أن تجيبني باللغة الفرنسية فسأفهمها عنك، كما تفهم أنت عني الآن هذه اللغة الحميرية، التي لا يتكلمها أحد من الناس في هذه الأيام، والتي يجد علماؤكم في قراءتها وتفسيرها، واستنباط قواعدها وأصولها. حدثني من تكون أيها الفتى الذي عجزت عن ترويعه والعبث به؟ قال الأديب الفرنسي ملرو، وهو ينظر هادئا مبتسما إلى هذه الجنية: بل حدثيني أنت من تكونين؟ فإني لم اعرض لك، وإنما عرضت لي، وإني لم احفل بك، وإنما حفلت بي، وإني لم ادن منك، وإنما دنوت مني، وإني لم أحاول سحرك بلحظ ولا لفظ، ولا حركة ولا عبير، فما ينبغي لك أن تسأليني، وإنما ينبغي لي أن أسألك. ومع ذلك فإني لم أسألك حتى بدأتني بالسؤال، ومع ذلك فإني قادر على أن أعفيك من الجواب وعلى أن أدعك تمضين في طريقك، فما اكثر من يعرض لي من أمثالك، وما اكثر ما أتحدث إليهن وما يتحدثن إليّ، ولئن فاتني أن أعرفك واسمع من أنبائك فقد عرفت من قبلك خيالات أخرى، أستطيع أن أستأنف لقاءها متى شئت، وان أقص عليها من أنباء الأحياء، وتقص على من أنباء الأموات. قالت الجنية أو قال الخيال: ما شد طغيانكم أيها الناس، إنكم لضعاف أشنع الضعف، ولكن المكر يجعل ضعفكم قوة، وذلكم عزة، وجهلكم علما. حدثني يا فتى من تكون؟ وإلا فإني قادرة على أن أسوءك، قال بل حدثيني أنت من تكونين، واستيقني انك لا تقدرين من الإساءة إلي على شيء، بل أنا قادر إن شئت على أن اغلق بيني وبينك الباب، واقطع بيني وبينك الأسباب. وأي شيء ايسر من أن امضي إلى هذه الناحية، فإذا أنا في مملكة اليقظة التي لا وهم فيه ولا خيال، والى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة النوم العميق التي لا تستطيع الأحلام أن تدنو منها أو تجد إليها سبيلا. قالت فإني أراك على قوتك ذكيا ماهرا، تحسن الحوار وتعرف كيف تقطع الطريق على خصومك ومحاوريك. ما أرى ألا انك جني قد اتخذت شكل إنسان، وما أرى إلا إننا نستطيع أن نتفق

ص: 3

فنعبث بالناس جميعا، ونكيد لهم جميعا، ونخدعهم جميعا ساعة من نهار، أو يوما من أسبوع. قال بل أشهرا كاملة من عام كامل، بل عاما كاملا من أعوام طوال، فحدثيني من تكونين أحدثك من أكون. واعلمي منذ الآن إني اكره ترويع الناس والعبث بعقولهم، فان الرجل الممتاز حقا هو الذي يحسن العبث بعقول معاصريه، فان استطاع مع ذلك أن يعبث بخيالهم وآمالهم وأيديهم وجيوبهم، فهو الرجل العبقري حقا. فحدثيني من تكونين أحدثك من أكون. فقد يخيل إلي أن سيكون لهذه الساعة في حياة الناس شأن. قالت وهي تبتسم ابتساما عريضا، وأنا أيضا أرى هذا. فهل سمعت شيئا من حديث تلك المملكة التي امتلأت بذكرها كتب القصص والتاريخ؟ قال أي مملكة تريدين؟ فما اكثر المملكات اللاتي ملأ ذكرهن كتب القصص والأدب والتاريخ. قالت في شيء من الدل، وهذا العرف الذي يملأ الجو من حولك، والذي يكاد يذهلك، لولا انك رجل ممتاز لا يعرف الذهول إليه سبيلا، ألا يدلك على شيء؟ قال بلى! انه يدلني على انك قد سريت من الشرق، فهذا العرف لا عهد لي بمثله إلا في كتب القصص والتاريخ. ألا تكونين قد أقبلت من بلاد اليمن، تلك التي تحدث عنها القدماء والمحدثون؟ قالت قد عرفتني، فأنا جنية من ارض اليمن، أقبلت اعبث ببعض أهل الغرب، وابحث للجن اليمانيين عن بعض الفرائس، فظفرت بك، قال بل وقعت في يدي، فمن أي بلاد اليمن أقبلت؟ قالت من تلك المدينة العظيمة التي كانت تملكها تلك الملكة القديمة العظيمة. قال ملكة سبأ؟ قالت هي هي!: قال وعلام نستطيع أن نتفق؟ قالت على أن نعبث بالناس شيئا. ثم نهدي إليهم بعد ذلك ما يعوضهم من هذا العبث احسن تعويض. ثم اتصل الحديث بينهما وانقطع، ثم اتصل مرة أخرى وانقطع، ثم اصبح الناس وإذا الأديب الفرنسي ملرو يمر بالقاهرة في طيارة قد أنشئت له، فيقيم في القاهرة يوما وبعض يوم، ثم يفارقها، ثم تمضي أيام ثم يخفق البرق بأنه قد استكشف مدينة سبأ في اقل من تسع ساعات!. طار من جيبوتي فعبر البحر ثم مضى حتى انتهى إلى الربع الخالي، وكانت صاحبته الجنية قد سبقته وضربت له موعدا في تلك العاصمة الجميلة، ورسمت له الطريق التي يجب عليه أن يسلكها رسما دقيقا صادقا، فلما انتهى إلى موعده صور من المدينة ما صور، لم يهبط إلى الأرض، ولكن جنيته صعدت إليه، ودلته على اجمل المناظر واجدرها أن يخلب الناس ويسحر ألبابهم. ثم عاد إلى باريس وقد سبقته إليها الأنباء. والناس من

ص: 4

أمره بين الشك واليقين، فكتب المقالات، وألقى الأحاديث ونشر بعض الصور، فأما العلماء فأنكروا، وأي شيء ايسر على العلماء من الإنكار؟ وأما غير العلماء فصدقوا وأي شيء ايسر على غير العلماء من التصديق؟

ثم تنتقل الأنباء من أوربا إلى أمريكا عابرة إليها المحيط، فيضطرب العالم الجديد اضطرابا، وإذا البرنامج كله قد تحقق، دهش الناس ثم اضطربوا، ثم صدقوا، ثم اندفعوا، فكان العبث بالعقول، ثم بالخيال ثم بالأيدي، ثم بالجيوب، فإذا كان شهر نوفمبر، فان البعثة ستعبر المحيط، ثم تعبر البحر أيضا، ثم تمضي في الصحراء، وما اكثر ما في الصحراء العربية الجنوبية من بقايا المدن القديمة التي عرفها الناس والتي لم يعرفوها، ومن يدري!،! لعل هذه الجنية التي تراءت للأديب الفرنسي ملرو، أن تبر بالوعد، وتفي بالعهد، وتهدي إلى العلماء المنكرين وغير العلماء المصدقين، مدينة قديمة فيها من الآثار ما يعوضهم من هذا العبث الذي يخضعون له في هذه الأيام تعويضا حسنا.

لا ينبغي انم ننكر على الأدباء حياتهم هذه التي يمضون فيها مع الخيال والوهم، ويسمعون فيها لأحاديث الجن والشياطين، ويتبعون فيها آمالهم وأمانيهم، فان هذه الحياة لذيذة في نفسها بالقياس إلى الأدباء أنفسهم، وبالقياس إلى الناس حين يسمعون أنباءها. ثم هي في كثير من الأحيان خصبة منتجة، تبدأ بالحلم والوهم والأمل، وتنتهي إلى اليقظة والحق واليقين. لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه وإنما ينبغي أن نتمنى لأدبائنا وشعرائنا حياة مثلها يملؤها الوهم والخيال والأمل، ويملؤها النشاط والجد والعمل والصبر على احتمال الجهد، وعلى احتمال السخرية والاستهزاء بنوع خاص.

طه حسين

ص: 5

‌الزلة الأولى

للكاتب الفرنسي لامنيه

بقلم احمد حسن الزيات

قطعة رائعة التمثيل جليلة المغزى للامنيه، وهو علم من أعلام الأدب الفرنسي، وفيلسوف من فلاسفة المذهب الكاثوليكي، وخطيب بليل اللسان من خطباء الدين والسياسة، ولد سنة 1782 في بلد زعيم البيان الفرنسي (شاتوبريان)، ثم طار في جوه، فنشأ مثله لطيف الوجدان، خصب المخيلة، وثاب الفكر، صحيح الرأي لا يخضع لنظام، ولا يستكين لحادث. دخل الكنيسة راهبا، ثم الجمعية العمومية نائبا، فنصر الله في الأولى والحرية في الثانية. ثم صبا في سياسته إلى الاشتراكية، وفي عقيدته إلى الأرثوذكسية، وحاول أن يقيم المسيحية على دعائم جديدة من الوضوح والبساطة. فلقى في سبيل هذه الآراء الحرة سخط البابا وغضب الكهنوت وعنت الساسة.

أما أسلوبه فخطابي شعري يعتمد على الصور الحية والتشابيه القوية، ويسلك فيه مسلك (بوسويه) في احتذاء الإنجيل، واقتباسه منه أسلوب الرمز والتمثيل.

وهذه القطعة التي ننشرها اليوم تمثل شبق الإنسان إلى شهوة البهيمية وحاله بعدها، فمثل الشهوان كمثل الظمآن يتحرق إلى اللذة الآثمة، كما يتحرق هذا إلى الكرمة اليانعة، ودون هذه اللذة آثام وأجرام ورجس، كالمستنقع الذي يحول بين الظمآن وبين عصير العنب. وهنا يتصارع العقل والهوى، وتوازن النفس بين نتانة الوحل وبين برودة العنب، فيستخف الشهوان بالخطيئة اعتمادا على التوبة، كما يستخف الظمآن بالوحل اعتماداً على الغسل، ولكن هيهات! لابد للجرح من اثر. وللنتن الخبيث من ذفر

قال لامنيه:

برح به أُوار القيظ، وبلغ منه سُعار العطش، فأرسل طرفه في الفضاء، فرأى في حضيض الأكمة كرما تهدلت أغصانه وتدلت عناقيده. فهفا قلبه من الفرح، وتاقت نفسه إلى بلوغ الكرم لينقع بثمره أوامه، وينضح بشرابه كبده، ولكن بينه وبين الأكمة مستنقعا لا مناص من خوضه، وقف موقف الحائر لا يدري أيقدم أم يحجم؟ فتارة تدفعه حرارة الظمأ، وتغريه

ص: 6

برودة العنب وطراءة الكرم، وتارة تقعد به وخامة الطين ونتانة الوحل.

فلما لاحه العطش سولت نفسه إليه أن المستنقع قد يكون قريب الغور سهل المعبر، فما الذي يمنعه أن يجرب ما يفعله كثير من الناس؟ على انه لا يلوث غير قدميه، وذلك أذى في جانب ما يبغيه قليل.

أطاع هواه واستجر لشيطانه، فوضع قدميه في النقع حتى غاص فيه إلى ركبتيه. فوقف مترددا مرتابا يداور الأمر في نفسه ويقول: لعل الرجوع أخف مئونة وأحمد مغبة، ولكن الكرمة وعناقيدها أمامه، والريق قد عصب من الظمأ فاه. . . فقال في نفسه: أما وقد بلغت ما بلغت فليس من الرأي أن ارجع فيذهب ذلك العناء باطلا، لا ينبغي بعد هذا أن اكترث لما ألقى من الوحل قل أو كثر، فسأعود نقي الجسم طاهر الثوب إذا ما اغتسلت في أول نهر أجده.

أمضى على هذه الفكرة عزمه وتقدم، فبلغ الطين صدره، ثم عنقه، ثم شفتيه، وما لبث أن طم فوق رأسه، فضاق صدره وحشرجت أنفاسه، وكاد يصرعه الخُناق لولا أن استجمع قواه ونهض نهضة بلغت به جانب الأكمة.

خرج والحمأ المسنون يسيل من أعضائه، فأكل من الشجرة التي اشتهاها حتى اكتظ، ثم نظر إلى نفسه فأخجله ما رأى من بشاعة منظرة وقبح زيه، فخلع ثيابه وطفق يبحث عن ماء رائق يطهر به نفسه، ويذهب عنه رجسه ولكن هيهات أن يتم له ما يريد! انه مهما فعل فان الرائحة الخبيثة باقية تسطع في الأنوف وتدفع في الحلوق.

لقد نفذت أبخرة المستنقع في لحمه وعظمه، ثم أخذت تفوح وتنشر، فكونت من حوله جواً فاسداً عفناً لا يطيق الصبر عليه إنسان، ولا يستطيع الدنو منه أحد.

لقد أراد أن يكون مع الزواحف فليكن كما أراد!

ص: 7

‌سبيل الخلاص من الامتيازات الأجنبية

للدكتور عبد الرزاق احمد السنهوري

أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق

- 2 -

ذكرنا في العدد السابق المقترحات الخاصة بالتشريع في المعاهدة التي تعرض الحكومة المصرية على الدول ذوات الامتيازات إبرامها. فننتقل بعد ذلك إلى القضاء ثم إلى الإدارة.

2 -

القضاء

نقترح أن تنص المعاهدة على إنشاء محاكم مصرية جديدة تحل محل المحاكم المختلطة، ويتناول اختصاصها ما يأتي:

(1)

القضايا المدنية والتجارية فيما بين الأجانب المتمتعين بالامتيازات الأجنبية دون غيرهم، بما فيها قضايا الأحوال الشخصية، وكذلك القضايا المدنية والتجارية ما بين مصري وأجنبي متمتع بالامتيازات الأجنبية. ويستثنى من ذلك القضايا العقارية فتكون من اختصاص المحاكم الأهلية مطلقا، حتى لو كان الخصوم جميعا من الأجانب وتكون العبرة في الاختصاص بشخصية الخصوم الحقيقية، فلا ينظر إلى الصالح المختلط، ولا يعتد بتحويل الحق إلى أجنبي تحويلا صوريا. وينص على جواز الاتفاق مقدما فيما بين الأفراد على التنازل عن اختصاص هذه المحاكم الجديدة، كما ينص على جواز التنازل عن هذا الاختصاص باتفاق الخصوم فيأية حالة كانت عليها الدعوى، ويكون الاختصاص في هذين الفرضين للمحاكم الأهلية.

(2)

القضايا الجنائية التي يكون المتهم فيها أجنبيا متمتعاً بالامتيازات، وإذا تعدد المتهمون وكان فيهم مصري كانت القضية من اختصاص المحاكم الأهلية حتى بالنسبة للمتهمين الأجانب، منعا لتضارب الأحكام -

أما تشكيل المحاكم الجديدةفيكون على الوجه الآتي:

(1)

محكمة استئناف يكون نصف عدد المستشارين فيها مصريين والنصف الآخر من الأجانب. وتشكل في هذه المحكمة دوائر مدنية وجنائية يكون عدد أعضاء كل دائرة منها

ص: 8

ثلاثة (بدلا من خمسة)، ولا يكون تشكيل الدائرة صحيحا إلا إذا كان أحد أعضائها على الأقل مصريا.

(2)

ثلاث محاكم ابتدائية في القاهرة والإسكندرية والمنصورة، ويكون نصف القضاة في كل محكمة من المصريين والنصف الآخر من الأجانب، وتشكل الدوائر في هذه المحاكم على الوجه المبين في تشكيل دوائر محكمة الاستئناف. والمحاكم الابتدائية جائزة للمصريين وللأجانب على السواء، فإذا انتخب أجنبي للرياسة وجب انتخاب مصري للوكالة. وإذا جلس في الدائرة اكثر من عضو مصري تكون رياسة الدائرة حتما لمصري. ويكون أعضاء النيابة العمومية كلهم مصريين، عدا النائب العام أما لغة هذه المحاكم الجديدة فتكون اللغة العربية للدوائر التي يرأسها مصري، وإحدى اللغتين العربية أو الفرنسية للدوائر التي يرأسها أجنبي على أن تقرر الدائرة أي اللغتين تستعمل في القضايا المختلفة.

وقد لا حظنا في هذه المقترحات إن بعضها قد أقرته إنجلترا في مفاوضاتها مع مصر، كما في المذكرة البريطانية التي سبقت الإشارة إليها (أنظر الكتاب الأخضر ص9 - ص10) وكما جاء في مشروعات هرست المعروفة. والعض الآخر تحتمه العدالة، ويستوجبه تقدم مصر في مدى ستين عاما انقضت منذ إنشاء المحاكم المختلطة الحالية، مما يقتضي تمصير المحاكمالجديدة مع الاحتفاظ بالعنصر الأجنبي فيها. والفكرة الأساسية في هذه المقترحات أن ينقل اختصاص المحاكم القنصلية إلى المحاكم الجديدة، فلا يعود يوجد من المحاكم في مصر إلا ما كان مصريا. وفي الوقت الذي يتسع فيه اختصاص المحاكم الجديدة على حساب المحاكم القنصلية يضيق فيه هذا الاختصاص لحساب المحاكم الأهلية. فنسترد لاختصاص محاكمنا الأهلية القضايا العقارية، وقد قدمنا أن الامتيازات الأجنبية لا تمنع من ذلك، وان الأجانب لم يسمح لهم بتملك عقارات في البلاد العثمانية إلا بشرط أن يخضعوا لقوانين البلاد ومحاكمها فيما يتعلق بهذه العقارات. ونسترد أيضا ما انتزعته المحاكم المختلطة من اختصاص المحاكم الأهلية من طريق التوسع في التفسير توسعا يصطدم مع النفق القانوني الصحيح. فنقصر كلمة (الأجنبي) على من كان تابعا لدولة متمتعة بالامتيازات، حتى يدخل في اختصاص المحاكم الأهلية قضايا الأجانب غير المتمتعين بالامتيازات وقد اصبحوا الآن كثيرين. وهذا حقنا، لا يجوز إنكاره علينا، ومع ذلك فقد أنكرته المحاكم المختلطة الحالية،

ص: 9

ولم يجد في إقناعها تعديل المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية بما يتفق مع هذا الحق. ثم نقضي على نظرية الصالح المختلط التي استطاعت المحاكم المختلطة الحالية من ورائها أن تمد اختصاصها إلى قضايا فيها كل المتقاضين مصريين، بدعوى إن هناك مصلحة لأجنبي في الدعوى، ولو كانت هذه المصلحة ليست هي بالذات موضوع النزاع. وطبقت هذا المبدأ على الشركات ولو كانت مصرية، فأدخلتها في اختصاصها مادام فيها مساهم أجنبي. وطبقته كذلك على حجز ما للمدين لدى الغير، فقضت باختصاصها ولو كان كل من الدائن الحاجز والمدين المحجوز عليه مصريا مادام المحجوز لديه أجنبيا. وليس للمحاكم المختلطة في كل هذا سند قانوني إلا نص المادة 13 من لائحة ترتيبها، وهذه لا تعرض إلا لحالة استثنائية لا يجوز التوسع في تفسيرها، ومن باب أولى لا يجوز القياس عليها. ثم نضع حدا للاحتيال على جعل قضية من اختصاص المحاكم المختلطة من طريق تحويل الحق المتنازع فيه إلى أجنبي تحويلا صوريا. ونفسح المجال لاتفاق الخصوم على اختصاص المحاكم الأهلية حتى لو كان بينهم أجنبي، سواء أوجد هذا الاتفاق وقت رفع النزاع أم كان قد تم قبل ذلك، وبهذا نمهد السبيل لمد اختصاص المحاكم الأهلية إلى الأجانب الذين يرتضون هذا الاختصاص.

وراعينا بعد ذلك أن تكون المحاكم الجديدة، وهي مصرية، غير مقصورة في مصريتها على الشكل دون الجوهر، كما هو شأن المحاكم المختلطة الحالية. فطلبنا أن يكون نصف قضاة المحاكم الجديدة مصريين حتى نضمن بذلك أن تكون هناك دوائر، غالبية القضاة فيها مصريون ورئيسها مصري ولغتها العربية، وان يكون نصف أعضاء الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف - ولها اختصاص تشريعي كما قدمنا - من القضاة المصريين. واجزنا رياسة المحاكم للمصريين وحتمنا أن تكون الوكالة لهم إذا كان الرئيس أجنبيا وبذلك يكون العنصر المصري في المحاكم الجديدة معادلا للعنصر الأجنبي وهذا هو العدل، فان المصالح المصرية التي تقضي فيها هذه المحاكم لا تقل في الأهمية والخطر عن المصالح الأجنبية إن لم تزد عليها. هذا إلى أن المحاكم مصرية، تجلس في ارض مصرية، وتحكم باسم مليك البلاد، وتتقاضى نفقاتها من خزينة مصر، وتنفذ السلطات المصرية أحكامها فإذا طلبنا بعد كل هذا أن يكون نصف القضاة مصريين فلا نكون قد ارتبكنا شططا بل نحن معتدلون، فما

ص: 10

زلنا نفسح المجال واسعا للعناصر الأجنبية: نصف القضاة منهم، ولهم أن يرأسوا المحاكم والدوائر، وللدائرة التي تتشكل من غالبية أجنبية أن تتخذ الفرنسية لغة للتقاضي، وهذه الغالبية الأجنبية مكفول توافرها في نصف الدوائر. أليس في كل هذا ضمان كاف نقدمه للأجانب حتى يطمئنوا إلى قضاة المحاكم الجديدة؟

3 -

الإدارة

نرى أن تنص المعاهدة على إلغاء كل القيود التي تضعها الامتيازات الأجنبية على سلطة الإدارة المصرية. فيصبح لرجال الإدارة السلطة في القبض على المجرمين الأجانب وتفتيشهم وتفتيش منازلهم ومحال أعمالهم دون تدخل القناصل. ويكفي ضمانا للأجانب أن يجعل هذا من اختصاص رجال ضبطية خاصة تلحق بالمحاكم الجديدة، وتوضع تحت إشراف النائب العام أمام هذه المحاكم، ولا بأس من اختيار هذا النائب من بين الأجانب مادمنا قد نقلنا الاختصاص الجنائي للمحاكم القنصلية إلى لمحاكم الجديدة، على أن يكون النائب العام وحده هو الأجنبي دون سائر أعضاء النيابة، هؤلاء يجب أن يكونوا مصريين كما قدمنا. وإذا كان لابد من تقديم ضمانات أخرى. فلا بأس من إدخال عنصر أجنبي لا يزيد على النصف بين رجال الضبطية القضائية الخاصة التي أشرنا إليها.

ومادمنا قد جعلنا اختصاصات الضبطية القضائية بالنسبة للأجانب في يد هيئة خاصة فيها عنصر أجنبي وهي تحت إشراف النائب العام الأجنبي فانه لم تعد هناك حاجة للضمانات التي تطلبها إنجلترا مما جرت على تسميته (بالبعثة الإنجليزية) في البوليس المصري، وهي البعثة التي ورد ذكرها في المفاوضات التي دارت بين البلدين. كذلك لا حاجة إلى وجود مستشار قضائي ومستشار مالي، فإذا كان لابد من وجودهما وجب تحديد اختصاصهما والمدة التي يبقيان فيه تحديدا ضيقا، بحيث لا يتنافى وجودهما مع سيادة الدولة، ولا يؤيد دعوى الإنجليز في حماية المصالح الأجنبية، ولا يتعارض مع المسئولية الوزارية.

وغنى عن البيان أن الإدارة المصرية تستبقي حقها مطلقاً في إبعاد الأجانب غير المرغوب فيهم عن مصر، فان هذا هو حقها في الوقت الحاضر لم يؤثر فيه وجود الامتيازات الأجنبية ولا قيام المحاكم المختلطة. كذلك يكون للإدارة المصرية وللهيئة التشريعية اتخاذ

ص: 11

التدابير اللازمة لمنع التدابير اللازمة لمنع المهاجرة إلى مصر أو تقيدها إذا استلزمت مصلحة البلاد ذلك. وللحكومة المصرية الحرية الكاملة في عقد معاهدات مع الدول بشأن تسليم المجرمين الفارين. كل هذا نذكره لا لأن هناك شكا في الحكومة المصرية تملكه، فانه لا يوجد أحد ينكر عليها هذه الحقوق التي لم تتأثر بالامتيازات الأجنبية، وإنما نقرره هنا لأنه ورد ذكره في مشروعات هرست المعروفة، وكان يراد تضيق سلطة الحكومة المصرية فيه فنرجع إلى الوراء بدلا من أن نتقدم إلى الأمام. هذه هي أسس المعاهدة التي نقترح أن تعرضها الحكومة المصرية على الدول ذوات الامتيازات. وقد راعينا في وضعها ألا تتضمن من المبادئ والأحكام إلا ما أقرته إنجلترا نفسها في المفاوضات التي دارت بينها وبين الوزارات المصرية المختلفة، وإلا ما كان متفقاً مع العدالة وما تستدعيه حالة البلاد من تعديل النظم القائمة. وهذه الأسس هي الحد الأدنى لما تطلبه البلاد في الوقت لحاضر، على أن تسترد الدولة المصرية سيادتها كاملة متى حانت الظروف المناسبة. وإذا كنا في حاجة إلى إقناع أحد بصلاحية هذه الأسس فليست هي الدول ذوات الامتيازات التي تحتاج إلى ذلك، وهي تعرف حق المعرفة أن هذه المطالب، عادلة معتدلة، وإنما حاجتنا هي إقناع الجانب المصري نفسه بالاقتصار على هذه المطالب، بعد أن دوت صرخة الرأي العام تنادي بإلغاء الامتيازات الأجنبية دون الإبقاء على أي اثر منها. على أننا إذا كنا استبقينا بعض هذه الآثار في المعاهدة المقترحة، فإنها لا تبقى إلا في فترة الانتقال من حالتنا الحاضرة إلى حالة أخرى تعود فيها إلى مصر سيادتها الكاملة. ولذلك جعلنا المعاهدة مؤقتة، وأعطينا لمصر حق إلغائها بإعلان يصدر من جانبها. وقد تكون فترة الانتقال هذه ضرورية في الوقت الحاضر، حتى لا نباغت البلاد بتغيير فجائي طفرة واحدة.

فإذا عرضت هذه الأسس على الدول ذوات الامتيازات، فقد تقبلها هذه الدول جميعها، أو قد يقبلها عدد كبير منها (والعبرة بعدد الرعايا لا بعدد الدول) وفي هذه الحالة تعقد المعاهدة مع الدول التي قبلت، ولا نعتد بالأقلية التي لم تقبل، فهذه لا تلبث أن تنضم إلى المعاهدة، كما فعلت فرنسا في سنة 1876. وينتهي الأمر عند هذه الخطوة الثانية. أما إذا لم تقبل الدول هذه الأسس، فعلى الحكومة المصرية أن تخطو في التدابير التي تتخذها الخطوة الثالثة وموعدنا بتفصيلها العدد المقبل.

ص: 12

عبد الرزاق السنهوري

ص: 13

‌لا غالب إلا الله.

.!

للدكتور عبد الوهاب عزام

ذهبت البارحة إلى مسرح الحمراء. قد سمى الأوربيون كثيراً من ملاهيهم باسم الحمراء بعد أن حرفوه إلى الهمبرا. سألت نفسي في لطريق كيف حرف الاسم هذا التحريف؟ فقالت: إن الزمان ليطمس الأعيان ثم يذهب بالآثار، فما إبقاؤه على الأسماء؟ أشفقت من هذا الحديث أن أتغلغل فيما وراءه من الآم وأحزان، فقلت: فيم الفرار من الكد والعناء إلى هذا الملهى إن بدأت حديثه بالمراثي والمصائب؟

أخذت مكاني بين الجالسين فسرحت طرفي في طراز عربي من البناء والنقش، وإذا منظر يفتح لي من التاريخ فجاجاً ملأى بالأهوال والعبر. لبثت أتأمل البناء متحرزاً أن اجتازه إلى ما وراءه من خطوب التاريخ. ومازالت أصوب النظر واصعده في المسرح حتى جمد البصر على دائرة في ذروته لاحت فيها أحرف عربية، فكنت وإياها غريبين في هذا الجمع (وكل غريب للغريب نسيب) بل كنت وإياها نجيبين في هذا الحفل لا يفهمها غيري، ولا تأنس من الوجوه الحاشدة بغير وجهي. أجهدت البصر الكليل في قراءة الأحرف فإذا هي (لا غالب إلا الله) يا ويلتاه!

شعار بني الأحمر الذي حلوا به قصورهم ومساجدهم.؟ إنها لسخرية أن توضع هذه الكلمة الجليلة في هذه الكلمة في هذا الملهى، وأي جليل من ماضينا المجيد لم يتخذه القوم سخرية؟ قرأت هذه الكلمة فإذا هي عنوان لكتاب من العبر، قلبته صفحة صفحة ذاهلاً عما حولي فلم انتفع بنفسي في مشهد اللهو واللعب، ولم تحس أذني الموسيقي والغناء. أغمضت عيني عن الحاضر لأفتحها على الماضي. وصمت الأذن عن ضوضاء المكان، لتصيخ إلى حديث الزمان.

وناهيك بجولان الفكر طاوياً الإعصار، منتظما البوادي والأمطار، واثبا من غيب التاريخ إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى غيب التاريخ.

شهدت في ساعة جيوش طارق غازية من الزقاق إلى البرتات، وشهدت مصرع عبد الرحمن الخافقي في بلاط الشهداء، وشهدت جلاد الأجيال من المسلمين والأسبان، ورأيت الناصر في حربه وسلمه ملء العين جلالاً ورهبة، وملء القلب عدلاً ورحمة.

ص: 14

ورأيت البطل ابن أبي عامر يحالف الظفر في خمسين غزوة، ويبعد المغار حيث نكصت الهمم والعزائم من قبله. ورأيت دولة الأمويين تزلزل فتتصدع فتنهار، وأبصرت ملوك الطوائف يتنازعون البوار والعار، ويؤدون الجزية إلى الفونس السادس صاغرين. ثم سمعت جلبة جيوش المرابطين يقدمها يوسف بن تاشفين، وشهدت موقعه الزلاقة القاهرة، ثم رأيت راية المرابطين تلقف رايات ملوك الطوائف. وهذه دولة الموحدين، وهذا المنصور يعقوب بن يوسف في موقعه الأرك يحطم جيوش الأسبان بعد الزلاقة بمائة عام. ورأيت موقعه العقاب وقد دارت على المسلمين دوائرها. والناصر ابن يعقوب يفر بنفسه بعد أن اقتحمت عليه المنايا دائرة الحراس ورأيت غرناطة وحيدة في الجزيرة يتيمة، قد ذهبت أترابها، وصارت كما قال طارق يوم الفتح: أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، ولكنها على العلات، ورثت مجد المسلمين وكبرياءهم فجالدت الدهر عن نفسها مائتين وخمسين عاما، وحمت حضارة المسلمين على رغم النوائب وكلب الأعداء. ثم رأيت أشراط الساعة - رأيت أبا الحسن وأخاه محمدا يتنازعون السلطان على مرأى من العدو ومسمع، ورأيت أبا عبد الله ينازع أباه أبا الحسن. ذلك الملك المائل، والظل الزائل، ورأيت العراك المديد بين أبي عبد الله وعمه الزغل كما تتناطح الخراف في حظيرة القصاب. وتلك جيوش فرديناند وايزابلا تنيخ على مدينةبعد أخرى، وتدك معقلا بعد آخر، ومالقة تجاهد الكوارث جهاد المستميت، والزغل يشق الأهوال إليها لينقذها، فيقطع أبو عبد الله طريقه ويرد جنده. ومالقة في قبضة العدو، وأهلها أسارى يباعون في الأسواق ويتهاداهم الملوك والكبراء. وهاهو الزغل يسلم وادياش إلى العدو على منحة من الأرض والمال. ثم يعيا بأعباء المذلة والهوان فيهاجر إلى الغرب. ثم شهدت يوم القيامة، الجيوش محيطة بغرناطة وأهلها يغيرون على العدو جهد البطولة والاستبسال والصبر، ثم يغلق عليهم الضعف أبواب المدينة. وهذا من ربيع سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وأبو عبد الله يسير إلى فرديناند في كوكبه من الفرسان لا محارباً ولا معاهداً، ولكن ليسلم إليه مفاتيح الحمراء. نظرت الصليب الفضي الكبير يتلألأ على أبراج القلعة، وبكيت مع أبي عبد الله وهو يودع معاهد المجد وملاعب الصبا من الحمراء وجنة العريف. وسمعت أمه عائشة تصرخ في وجهه:(ابك اليوم كالنساء على ملك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال) فينهل دمعه، وتتصاعد زفراته على

ص: 15

الأكمة التي يسميها الأسبان اليوم (أخر زفرات العربي). وهذا أبو عبد الله وهو الذي باء بأوقار من العار والذل تأبى فيه بقية من الشمم العربي أن يقيم على الضيم فيهاجر إلى المغرب، ويرسل إلى سلطان فارس من بني وطاس رسالته الذليلة المسهبة يدفع عن نفسه ما قرف به في عرضه ودينه. ويشكو إلى السلطان حزنه وبثه ويقول:

مولى الملوك ملوك العرب والعجم

رعيا لما مثله يرعى من الذمم

بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن

جار الزمان عليه جور منتقم

على رأسي وقلبي بهذه الأحداث الكاربة، والخطوب المتلاحقة، وهالتني هذه المشاهد المفظعة، فخرجت من هذه الغمرة مرتاعاً كما يستيقظ النائم عن حلم هائل.

نظرت أمامي فإذا المسرح، وصعدت بصري فإذا الدائرة:(لا غالب إلا الله.!)

عبد الوهاب عزام

ص: 16

‌الفاشستية ومبادئها القومية والاقتصادية

للأستاذ محمد عبد الله عنان

كانت مبادئ الثورة الفرنسية روح الحركات الدستورية والديمقراطية التي جاشت بها معظم الأمم الأوربية خلال القرن التاسع عشر، وكانت الحريات الدستورية والديمقراطية إلى ما قبل الحرب هي المثل القومية والشعبية العليا. ولكن الحرب صدعت من صرح المبادئ الحرة والإنسانية، ويثبت إلى الأمم والجماعات الأوربية كثيرا من النزعات الرجعية، فاستردت القومية المتعصبة سابق قوتها وعادت الأحقاد القومية إلى سابق اضطرامها، وشغلت الديمقراطية بخلافاتها ومعاركها الداخلية عن مواجهة الخطر الذي يهددها ولم تلبث الحركة الرجعية حتى أحرزت فوزها الأول بقيام الفاشستية الإيطالية، ثم بقيام حكومات طغيان أخرى في أسبانيا وبولونيا ويوجوسلافيا تحتقر الحقوق والحريات الدستورية وتعمل لسحقها، وان كانت مع ذلك لا ترى بأسا من أن تستتر وراءها وتعمل باسمها في أحيان كثيرة. ولم تكن الفاشستية الإيطالية حين قيامها واستئثارها بمقاليد الحكم والسلطان في إيطاليا، سوى حركة محلية قامت في ظروف خاصة، ولم يكن يقدر لها يومئذ إنها ستغدو ذات يوم فكرة قومية تهب ريحها على كثيرا من الأمم الأوربية الأخرى، وإنها ستغدو نظاما عاما للدولة يطبق اليوم في دولة عظيمة أخرى هي ألمانيا مع خلاف يسير في الوسائل والغايات، وتقتبس منه اليوم دول أوربية أخرى كالنمسا التي أصدرت دستورها الجديد على أساس المبادئ الفاشستية، بل تذاع اليوم دعوته في بلاد ديمقراطية عريقة كإنكلترا يقوم بها حزب يدعوا إلى النظام الفاشستي.

وظفر الفاشستية على هذا النحو يدعوا إلى استعراض المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها، والظواهر الخاصة التي تتميز بها. ويجب أولا ألا ننسى إن الفاشستية تشترك مع البلشسفية في الاستئثار بجميع السلطات والسيطرة على جميع موارد الدولة، وان الفاشستية من حيث هي نظام طغيان مطلق تشبه البلشفية كل الشبه. بيد إن هنالك فروقا جوهرية بينهما في الوسائل والغايات سنأتي عليها فيما بعد. ودعامة الفاشستية الأولى هي الفكرة القومية، وعليها تقوم جميع مبادئ هذا النظام، واليها ترجع غاياته؛ فالفاشستية ترى أن (الأمة) هي حقيقة طبيعية تاريخية، مثلها الأعلى هو إن أبناء البلد الواحد اخوة تجمعهم رابطة القومية

ص: 17

العامة، ولا تحقق سعادة الأمة بقيام فريق منها ضد فريق آخر ولا طبقة منها ضد طبقة أخرى، بل يجب أن تنظم جميع الطوائف والطبقات والقوى لصالح الأمة المشترك، وباسم الوطن الواحد. وترى الفاشستية إنها جديدة طريفة في جوهرها فهي لا تريد أن تصلح أو تحي نظما قائمة، ولكنها تدعي إنها تقيم حضارة مكان حضارة وتنشيء نظما جديدة لبناء الدولة والمجتمع مكان نظم ذاهبة؛ وعندها إن جميع المبادئ والنظم القديمة قد عفت ولا تصلح بعد للعمل على إحياء الحضارة أو المجتمع، ولا بد أن تقلب من أساسها، وان تبدأ الحضارة والمجتمع حياة فتية جديدة على ضوء المبادئ والنظم الجديدة. والدولة الفاشستية لا تقوم على النظام الرأسمالي، ثم هي لا تقوم أيضا على النظام الاشتراكي؛ فالإنسان لم يخلق في نظرها لكسب المال فقط، ولم يخلق أيضا ليقاتل المحظوظين والمنعمين من بني وطنه، ولكنه خلق ليؤدي واجبا اعظم من ذلك وأسمى هو الواجب القومي.

وإذا كانت الجامعة القومية هي دعامة النظام الفاشستي، فان الفكرة التعاونية هي روح هذا الاتجاه القومي؛ وهي أهم ظاهرة في تكوين الدولة الفاشستية: فالدولة الفاشستية لا تقوم كما تقوم الدولة الديمقراطية على فكرة التنافس الحزبي والطائفي في سبيل السلطة، ولكنها تقوم على تعاون جميع الطبقات والقوى القومية. وقد عرف السنيور موسوليني في إحدى خطبه الأخيرة هذه الفكرة التعاونية في ما يأتي:(إنها هي الأداة التي تسترشد بها الدولة في وضع النظام الأساسي الشامل الموحد لجميع القوى المنتجة بالأمة للعمل على تنمية موارد الشعب الإيطالي وقوته السياسية ورفاهه) وفي قوله (قد أعطى النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي كل ما يمكن أن يعطياه، ونحن نرث من كل منهما كل ما فيه من العناصر الحيوية). ويلاحظ إن الفاشستية لبثت بعد قيامها مدى أعوام قبل أن تضع الفكرة التعاونية موضع التطبيق وتتخذها أساسا لتنظيم الدولة الاجتماعي والسياسي، ففي أبريل سنة 1927 أصدرت حكومة رومة (لائحة العمل) وهي القانون الاجتماعي الأساسي للدولة الفاشستية؛ وفيه تعرف الدولة التعاونية وتشرح نظمها ويشرح قانون العمل المشترك وضماناته والأعمال التعاونية وتربية العمال. وترى الدولة الفاشستية إن العمل ليس مجهود يبذله العامل لكسب قوته، وينتفع به صاحب المال، وليس هو الذكاء أو الجرأة أو الأثرة التي تحرك النظام الرأسمالي، ولكن العمل طبق النظرية الجديدة هو مجموعة صنوف النشاط

ص: 18

التي ترمي إلى تنمية موارد الأمة المعنوية والمادية؛ والنظرية الفاشستية تبعد هنا كل البعد عند مبدأ الحرية الاقتصادية وقانون العرض والطلب؛ وتقدم الفكرة المعنوية على كل هذه الاعتبارات، فكل عضو في جماعة عاملة عقلية أو فنية أو مادية إنما هو قبل كل شيء من أبناء الدولة، وهو يدخل بذلك الاعتبار في دائرة القانون الخاص، والقانون العام، بل يدخل في دائرة القانون الدستوري. ولم تقف الفاشستية في تطبيق الفكرة التعاونية عند الناحية الاجتماعية ولكنها خطت في سنة 1929 خطوة أساسية أخرى، فطبقتها من الوجهة الدستورية، وقررت تحويل التمثيل السياسي إلى تمثيل تعاوني؛ وأجريت الانتخابات البرلمانية لمجلس يتألف أعضاؤه من ممثلي النقابات والجماعات التعاونية. وأخيرا منذ أيام قلائل فقط أصدرت الفاشستية كلمتها الفاصلة في النظام البرلماني فقررت إلغاءه وبذلك قضت الدولة الفاشستية على آخر المبادئ والآثار الراسخة التي تقوم عليها الديمقراطية، وأضحت تقوم على مبادئها الخالصة الاجتماعية والسياسية.

وتشترك البلشفية مع الفاشستية كما قدمنا من حيث هي نظام طغيان مطلق، ولكن البلشفية تقف في الطرف الآخر معارضة للفاشستية كل المعارضة في الفكرة القومية. فالبلشفية قبل كل شيء على مبدأ نضال الطوائف والطبقات الاجتماعية، وعلى مبدأ سيادة الكتلة العاملة؛ وترى البلشفية إن التاريخ لم يكن في جميع عصوره سوى نضال بين الطوائف، وإن قوى الأمة الحقيقة ومواردها تتكون قبل كل شيء من العمل أو جهود الكتلة العاملة؛ وشعارها هو سيادة الكتلة العاملة، ولا تتحقق هذه السيادة إلا بسحق الطبقة الرأسمالية؛ وهذا هو الفارق الجوهري بين البلشفية والفاشستية. فالأولى تقوم مهمتها الاجتماعية والاقتصادية على نضال الطوائف، وتقوم مهمة الثانية على الفكرة التعاونية، ولكن البلاشفة يسخرون من هذه الفكرة ويقولون إن تعاون الطبقات ذات المصالح المختلفة مستحيل بطبيعته، وان الطغيان الفاشستي يتخذ من التعاون حيلة لإخضاع الطبقات العاملة، وان هذا التعاون إنما هو تعاون الذئاب مع الأغنام. هذا وثمة فارق جوهري آخر بين النظامين هو أن البلشفية تذهب في برنامجها الهدام إلى حدود بعيدة، فترى إن تحقيق مثلها لا يكون إلا بهدم كل المبادئ والنظم القائمة، واستبدالها بمبادئ ونظم أخرى من تفكيرها وصنعها. ولكن الفاشستية لا تذهب في قصد الهدم إلى هذا الحد، فهي ترى أن تأخذ من النظم القائمة ما

ص: 19

يلائم غاياتها، ولا ترى باسا من أن تقتبس من الاشتراكية كما تقتبس من الرأسمالية.

وتستطيع الفاشستية أن تدعي اليوم إنها قد أصبحت حركة عالمية بعد أن لبثت إلى ما قبل عامين حركة إيطالية محلية، فمبادؤها ومثلها السياسية والاجتماعية تسيطر اليوم على أمة عظيمة أخرى هي ألمانيا. وطغيان (الوطنية الاشتراكية) الذي يفرضه الهتلريون اليوم على الشعب الألماني يقوم على نفس الوسائل التي شقت بها الفاشستية طريقها إلى السلطان والحكم منذ اثنتي عشرة عاما. بيد أن الفاشستية الألمانية تنقصها الطرافة، ويغلب فيها التقليد على الابتكار، وتنقصها بالأخص الزعامة الممتازة، وتقدمها بهذه السرعة يرجع إلى وسائل العنف والإرهاب اكثر مما يرجع إلى وسائل الإقناع والتأثير. وهي في جوهرها كالفاشستية الإيطالية تقوم على الفكرة القومية، وحشد أبناء الوطن الواحد تحت لواء واحد؛ ولكنها تذهب في فهم الفكرة القومية إلى حد التعصب الجنسي والديني الواضح، وهو حد لم تبلغه الفاشستية الإيطالية قط، فزعماء الوطنية الاشتراكية الألمانية: اعنيهتلر وزملاءه يمزجون الفكرة القومية بفكرة الجنس والسلالة ويفرقون بين الجنس الآري والأجناس الأخرى، ويقولون إن الشعب الألماني هو شعب آري أشقر يتفوق بالدم والمزايا الجنسية والفكرية على جميع شعوب الأرض، ويشهرون العداء على غير الآريين؛ ومن ثم كانت ثورة الخصومة السامية وطاردة اليهود الألمانيين بحجة أنهم غير آريين وان وجودهم خطر جنسي واجتماعي على الشعب الألماني، وهي حركة تعصب شائن لم تضم الفاشستية الإيطالية في أي طور من أطوارهاوكانت ذريعة سياسية في الواقع رأى الهتلريون في اتخاذها تحقيقا لبعض خططهم السياسية والاقتصادية؛ وتذهب الفاشستية الألمانية إلى ابعد من ذلك فتعتبر جميع الأجناس السامية والشرقية أجناسا منحطة هدامة للحضارة يجب أن يسودها الجنس الآري.

وأما من الوجهة الاقتصادية فأن الفاشستية الألمانية غامضة في وسائلها وغاياتها. فهي تزعم إنها اشتراكية على حين إنها ابعد الأشياء عن الاشتراكية. وهي تعتمد في خططها الاقتصادية على التقليد والاقتباس من الفاشستية الإيطالية؛ فقد أصدرت مثلا قانونا (لتنظيم العمل القومي) على مثل لائحة العمل الإيطالية؛ وجمعت نواحي الإنتاج المادي والفكري في دوائر معينة مقتبسة نظام النقابات الإيطالي. ويعرف الدكتور فدر أحد علماء الوطنية

ص: 20

الاشتراكية الاقتصاديين مهمة الحكومة النازية في الميدان الاقتصادي بما يأتي: (إن الوطنية الاشتراكية تعارض فكرة جعل الاقتصاد القومي قوميا. والواقع انهإذا كان من واجب الدولة أن تدير شؤون البلاد الاقتصادية فيجب أن يكون شعارها عدم التدخل في الإنتاج، ومهمة الحكومة الجوهرية هي (التنظيم) فعلى الدولة أن تدير شؤون البلاد دون أن تشترك فيها. وهذا هو الباعث الذي يوجه الاقتصاد الوطني الاشتراكي).

وقد حققت الفاشستية في إيطاليا دولة قوية ومجتمعا جديدا قويا، وبذلت جهودا خليقة بالإعجاب لتنمية الموارد القومية وتنظيم الإنتاج القومي، وبثت إلى الشعب الإيطالي قوى معنوية جديدة، ورفعت هيبة إيطاليا الخارجية. ولكنا لا نستطيع حتى إزاء هذه النتائج البديعة أن ننسى الوسائل العنيفة التي حققت بها الفاشستية سيادتها وسلطانها، ولا نستطيع أن ننسىأنها مازالت تحقق ظفرها على حساب الحريات الدستورية والشعبية. وإذا كانت الفاشستية قد استطاعت أن تسير حتى اليوم في طريق التقدم والظفر، فلسنا نستطيع مع ذلك أن نؤمن بما يقوله زعماؤها ودعاتها من إنها أصبحت تتبوأ مكانتها المستقرة الراسخة بين الأنظمة السياسية والاجتماعية العريقة، وإنها أصبحت نظام المستقبل، ذلك إنها تقوم على كثير من العنف وتغليب الإرادة الفردية والوسائل المصطنعة، ولا تتفق في كثير من مبادئها وغاياتها مع المبادئ والغايات الإنسانية المثلى، وليست من جهة أخرى تتفق مع النزعات الحرة الراسخة التي يمتاز بها التطور السياسي والاجتماعي في عصرنا؛ ومن المحقق انه يوم تبرأ أوربا القديمة من الجراح التي أصابتها من جراء الحرب الكبرى، ومن الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هزت أسس المجتمع الأوربي القديم، فان صرح الفاشستية سيأخذ عندئذ في الانهيار والتطور، وستعود المثل الحرة والدستورية القديمة إلى تبوئ زعامتها وسيادتها في الدولة والمجتمع.

محمد عبد الله عنان المحامي

ص: 21

‌حل العقد بقطعها

بعض مواقف الفصل - فقر العالم إلى العباقرة

الناس مفتقرون في كل حين من الدهر إلى رجال يحلون العقد لا بالنفث فيها كما يصنع أهل السحر والشعبذة، بل بقطعها توفيرا للوقت وكفاية لمؤونة التعب وبرهانا على العبقرية - كما صنع ذو القرنين منذ اثنين وعشرين قرنا. وكما صنع المتنبي منذ عشرة قرون. . وكما صنع لورد كرومر في أواخر القرن الماضي. وكما صنع مصطفى كمال في رواية الأمريكي التائه.

ذلك بان جمهرة الخلق قوالون وبياعو كلام اكثر منهم فعالين سواء في ذلك منهم خاصتهم وعامتهم. فإذا عرضت لهم عقدة مهما يكن موضوعها اشتغلوا بالحرف وعتقه، وعد واعن الروح وجدته. والغالب ان يشكل عليهم فهم الحرف فيروحون يتخبطون فيه وفي تاويله حتى يقوم فيهم من يضرب بالحرف عرض الحائط وينبذ اللفظ ويشرب في قلبه حب الروح ويفقه المعنى فيحل العقدة بأسرع مما عقدت.

ذو القرنين

أما ما صنع إسكندر المقدوني الكبير تلميذ أرسطو طاليس الفيلسوف العظيم في أوائل القرن الثالث قبل المسيح فهو انه زار أحد هياكل آلهة اليونان فرأى عقدة معقودة ومحبوكة، فسأل عنها فقال له الكهنة والمتنبئون والسحرة والنفاثات في العقد: إن من يحل هذه العقدة يفتح آسيا، فجرب فلم يفلح، ولكن أومض في صدره قبس العبقرية التي استمدها من معلمه فلم يلبث أن استل سيفه وحل العقدة بقطعها وترك الذين حوله مصعوقين، وفتح أمامه السبيل إلى فتح آسيا.

المتنبي

وأما المتنبي فحكاية ما صنع مبنية على بيت قاله من قصيدة هي من عيون قصائده. فقد اكثر في زمانه من التبرم بالناظمين الذين سماهم متشاعرين وقال انهم غروا بذمة، ويحذرهم على ذلك الذم لانه داء عضال لهم (ومن ذا يحمل الداء العضالا). وانهم كثيروا الادعاء، إذا برزوا له في نزال عجزوا عن ان يأتوا بشيء، وجاء هو بكل شيء، ولذلك

ص: 22

قال (فكم منهم الدعوى ومني القصائد)

ولما اشتدت منافسهم له وابو فراس في جانبهم جمعهم ذات يوم مجلس سيف الدولة، فقالوا فيه ما قال مالك في الخمر وهو ينشد البيت في اثر البيت، وهم يقولون سرقت هذا من هذا القائل، وذاك من ذاك القائل، حتى مل سيف الدولة وضجر وحتى قيل انه رماه بدواة فأدماه، فارتفعت من سويدائه شرارة العبقرية التي ما خانت العبقري مرة، فمد يده إلى حيث استعار سيف الاسكندر، وفك به رؤوس هاته الزعانف ببيته المشهور الباقي على الزمان بقاء قصائده.

ان كان سركم ما قال حاسدنا

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

ويكفي ثوابا له ان يقوم سيف الدولة عن سريره ويقبله في جبينه، إذ كان هذا البيت أمضى من سيف الاسكندر، وكان في حده الحد بين لعب خصومه وجده، والفارق بين باطلهم وصحيحه، وأغنى عن التمادي في خصومتهم ومماحكاتهم، ورد عداوتهم في نحورهم (وعداوة الشعراء بئس المقتنى) كما قال في أحد أبياته،

وقد اشار إلى هذه الحادثة ببيته الآخر الذي جرى مجرى المثل ككثير من شعره وهو:

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم

قال إن شوارد الشعر وقوافيه لا تقلق لي بالا ولا تؤرق لي نوما وإنما يقلقني الحزن على حبيب راحل وتؤرقني الصبابة، فأنشد القصيدة ناعما خلي البال وأنام ملء جفوني على حين ان هؤلاء الأدعياء يسهرون لياليهم مختصمين ولا يفتح عليهم بشيء.

لورد كرومر

قد تعرض في القانون حالات تحسب فيها المحافظة على القانون سخافة وكسره حكمة وعقلا. وقد يقف الجندي في الميدان مواقف يحيد بها عن أوامر رئيسه ويعصاها فيدفع بذلك كارثة كبيرة وبمقتضى الأحكام العسكرية يجب أن يقتل، ولكنه لا يقتل لأنه عاذ بعقله في موقف، طاعة الأمر العسكري فيه خطأ، وعصيانه صواب. والذين عرفوا تاريخ نلسن الشهير عرفوا انه خالف أوامر رؤسائه غير مرة، وان ذلك حال دون ترقيته الترقية العسكرية المعتادة، ولكنه لم يحل دون صعوده إلى أعلى مراقي الشهرة البحرية العالمية على يد عبقريته.

ص: 23

كان في القاهرة في أواخر القرن الماضي مطبعة اسمها المطبعة العثمانية فنقل إلى مختار باشا الغازي القوميسير العثماني العالي حينئذ، أن فيها قائمة بأسماء أعضاء حزب تركيا الفتاة في جميع أنحاء السلطنة العثمانية، وكان السلطان عبد الحميد يخشى باس تلك الجمعية وأعضائها الأحرار، ولو عرفهم بأسمائهم لأهلكهم في جملة من اهلك منهم، ولشرد أهلهم وأسرهم كل مشرد، فراى مختار باشا ان الفرصة سانحة للزلفي من مولاه (وتحسين مركزه) فاستعان بالخديو، ورأى الخديو ان الفرصة فريدة (لتبيض وجهه)، في الأستانة فأمر ففوجئت المطبعة واقفل صندوقها الحديدي وختم بالشمع الأحمر انتظار الحكم المحكمة.

والهم الله من اطلع لورد كرومر على المسالة وأخبره بعاقبة وقوع تلك القائمة في يد الأستانة، فأرسل مندوبا من قبله ومعه سيف الاسكندر ففض ختم الصندوق الحديدي وفتحه واخذ جميع ما كان فيه من الأوراق. وبذلك انتهت المسألة وقطعت العقدة. ولو تركت للمفاوضات الدبلوماسية ما انتهت بأنجح من المفاوضات الدبلوماسية في مسألة نزع السلاح الآن!

ولم يسمع بعدها حس ولا ركز في موضوعها، ولا همس هامسكبيرا كان أو صغيرا، سوى احتجاج الصحف على انتهاك حرمة القانون وتدنيس قدس القضاء.

مصطفى كمال

رواية الأمريكي التائه معروفة؛ فر من العدالة الأمريكية إلى فرنسا ومن فرنسا إلى اليونان، لأنه رأى فرنسا خطر عليه واليونان بردا وسلاما على قلبه. فانزل في هذه على الرحب والسعة. فطلبته أمريكا فحكمت محكمة أثينا العليا بان تسليمه لا يجوز في نظر القانون الدولي، إذ ليس بين أمريكا واليونان معاهدة لتسليم المجرمين

فردت أمريكا بأن في أرضها نصف مليون يوناني ففهمت اليونان هذا الوعيد ورأت أن تنذر الأمريكي التائه ففر، ومازال تائها بباخرته حتى مر بالأستانة ووقفت باخرته في مياها. فطلبت أمريكا من تركيا أن تسلمه إليها وبلغ الطلب مصطفى كمال طبعا وقيل له القانون الدولي ثم القانون الدولي.

فسكت هنيئة ريثما راجع في مخيلته حكاية الاسكندر، وحكاية كرومر، وتصور رجال

ص: 24

القانون يسهرون ويختصمون على حرف القانون وتفسير القانون، فضحك من منظرهم هذه وقال مع المتنبي

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم

ثم جيء إليه بخاتم المارد فسمع هاتفا يقول (لبيك! عبدك بين يديك) فقال مصطفى كمال أتني بسيف الاسكندر. فإذ السيف أمامه، فتناوله وضرب به عقدة القانون الدولي فقطعها. ولو تركها ما حلتها محكمة لاهاي ولاهاواي ولا شنغاي!

ثم أمر فسلم الأمريكي التائه إلى دولته وترك أهل القانون يتشاتمون ويتضاربون ثم ينصرفون.

العالم أحوج ما يكون إلى رجال أمثال هؤلاء يحلون عقد العالم بأعمال توحيها العبقرية، وهو اعظم ما يكون غني عن الذين يقولون مالا يفعلون ويقشرون النعنع والكمون، ويهملون اثقل الناموس الحق والرحمة والأيمان، وينبذون روح القانون ويتعلقوا بحرفه ونصه.

(ن. ش)

ص: 25

‌مختار دائما.

. .!

للأستاذ محمود خيرت

ولماذا لا نذكره دائما، وهو الذي بعث الفن القديم من مرقده ورفع عنه غبار الماضي الطويل، ونشره بيننا في زي جديد تحده عليه آثار العصر الحاضر؟ أن هذا الشاب الراحل كان النواة الأولى لفنه. وما أنا بمبالغ إذا قلت إن فن النحت والتصوير كان معدوما من قبله هو وإخوانه (محمد حسن، ويوسف كامل، وعلي الأهواني، وراغب عياد، وعلي حسن، وغيرهم من زينة مصر الآن).

انهم جميعا كانوا من عمد النهضة الحديثة التي انشأ معبدها المرحوم باولوا فورشللا أستاذهم وأستاذي أيضاً. . . وقد كنت أذهب إلى مصنعه وأنا محام فعرفتهم وعرفوني، وكنا جميعا تلاميذه وان كانوا بالمدرسة وأنا في أوقات فراغي بهذا المصنع نجتمع عنده ونذهب منه إلى حيث المرج أو عزبة النخل أو شاطئ النيل أو بعض أحياء القاهرة القديمة نصور وأستاذنا يطوف بنا كالقائد يدلنا على مواضع أخطائنا. وكالأب يتلطف معنا ويغرس حب الفن في نفوسنا. نبغوا وكان على رأسهم تلك الشعلة المتقدة الراحلة. لا زلت أذكره وهو بمدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز فتى وسيما غزير الدم، مرسل الشعر، حلو الحديث، جم الحياء، عاشقاً. . . ولكن فنه يتلذذ بذكره في كل لحظاته. . . ولازلت اذكر يوم زارني عند الغروب يطلب إلي في لهفة بعض صور لتماثيل غربية عن الحب، فعرضت عليه ما عندي منها. فلما كان اليوم التالي دق التليفون عند الساعة الخامسة صباحا. . . وكان المتكلم هو يذكر أنه لم ينم تلك الليلة كلها، وقد غمره شغفه بوضع تمثال للحب على النحو الذي فكر هو فيه. بل أنه كان يكلمني من المدرسة. . . لأنه لم يستطع صبرا فما كادت الشمس تشرق عن الأفق حتى قصد إليها ووضع فكرته فعلا. وطلب إلي ألا أتأخر عنه لأرى ما وضعه. وكان تمثاله الطيني يمثل فتاة عارية متناسبة الأعضاء جميلة الوجه لها نظرات زائغة، كأنها ترى في الفضاء شبح الحب مقبلا عليها وكأنها تخافه فتدفعه بساعديها الممتدين، وقد ستر موضع عفتها بحمامتين تتناغيان على ما في الصورة المرصودة هنا وقد عنيت بالتقاطها وقتئذ.

كان مختار لا يعرف للنوم معنى ولا لملاذ الحياة طعما، إلا ما كان منها متصلا بفنه الذي

ص: 26

يعشقه عشقا ويهيم به هياما، وهي مواهب من تهيئهم الأقدار للنبوغ حتى أنني لما أرسلت بنسخة من تلك الصورة إلى الميسو لابلاني ناظره وأستاذه، وكان وقتئذ بفرنسا بسبب العطلة المدرسية - أرسل يطلب إلي أن افتح عيني مختار إلى الشهرة التي تنتظره وأنه سيكون في يوم قريب فخر مصر، بل فخر العالم كله (هكذا). وعند ذلك أقبلت عليه أزف إليه هذه البشرى، وسلمته ذلك الخطاب الذي يعد أول وثيقة تنبأ فيها أستاذه النافذ البصيرة بما سيكون له من الشأن.

وهكذا اصبح مختار حديث المجالس الفنية في فرنسا حتى اختارته (وهو مصري) مديراً لمتحف جريفين الشهير، وحتى ابتاعت بعض آثاره تزين به متاحفها، وحتى صور لنا آلام مصر وآمالها ونهضتها في تمثاله الخالد.

لم يكن مختار من أولئك القاعدين المقلدين فيسير على أسلوب فالكونيه وكافوفا وكلوريون، أو جيروم وكاريو وبارتولوميه ورودين، فتخرج آثاره موسومة بطوابعهم وتفني روحه الفنية في أرواحهم، وإنما كان نفسا يعز عليها ألا يكون لها شخصية مستقلة متقدة بالأمل، ظمأى إلى النهوض، وثابة إلى أبعد مراتب المجد حتى انه قبل قيامه إلى فرنسا لاستكمال علمه أشار إلى ذلك في شعر قاله ثم بعث به إلى، اثبت منه هذه الأبيات لأن أكثره غير موزون ولا مصقول وان دل على سمو هذه الروح.

وقائله ما بال شعرك مسدلا

فقلت لها إن الفنون جنون

اعلل نفسي بالمعالي تخيلا

فياليت آمال الخيال تكون

سأرفع يوما للفنون لواءها

ويبقى لذكرها بمصر رنين

من ذا الذي يصهر نفسه مثل هذا الهيام الفني ويغمرها مثل هذا الأمل الحبيس في خدر الطفولة والاغتراف من العلم ولا يكون له من هالات الظفر والمجد والشخصية نصيب؟

وإذا كان وهو لا يزال بمصر طالبا لم يرض لتمثاله (الحب) إلا أن يطبعه بصورة خاصة من وحي نفسه وعصاره خياله الذي كان وليد سهره تلك الليلة الطويلة التي مر بنا ذكرها، فكيف لا نلمس هذه الشخصية الناضجة في تمثاله الذي رمز به للنهضة.

ولقد تعاقبت القرون وأبو الهول (ذلك التمثال الصخري القديم) غائر في رمال الصحراء، محدق بنظره في الفضاء، صامت صمت الحجر الصلد الذي نحت منه، حتى هيأت الأقدار

ص: 27

لمصر ولدا من أولادها البررة الشجعان يخرجه من صمته ويحركه من سكونه. فمثل لنا مختار إلى جانبه مصرية نبيلةشامخة بنفها تنظر إلى المستقبل في عزم وإيمان كما أنهضه من رمل الأحقاب الخالية كأنه يتطلع مطمئنا إلى هذا المستقبل.

وبعد، فعد معي أيها القارئ الكريم إلى ما ذكرت من ذلك الشعر وهو قوله:

وقائلة ما بال شعرك مسدلا

فقلت لها إن الفنون جنون

اعلل نفسي بالمعالي تخيلا

فياليت آمال الخيال تكون

سأرفع يوما للفنون لواءها

ويبقى لذكراها بمصر رنين

ألا ترى انه خط هذا الشعر السهل بمداد من سائل شعوره الفياض بحب الفن وحب مصر والوعد برفع لوائها خفاقا بين الويه النهضة الحديثة. وفي مكان آخر من هذه القصيدة إشارة إلى ما كان يعانيه من عشيرته في سبيل هذا الحب وهو صابر ثابت سائر في طريقه الذي رسمته له آماله، حتى حققها بعد ان كانت خيالا، وحتى بر بوعده فكان صادقا، وحتى خلدته آثاره بعد موته كما اشتهى. . .

إن مختار كان وحده كوكبا مضيئا سيارا، ولكن شاء الحظ الساخر ألا يتم إلا دورة واحدة من مداره. فهل يكتب لمصر إن يخلفه كوكب آخر يعيد سيرة هذا المدار؟

محمود خيرت بقلم قضايا المالية

ص: 28

‌استيلاء المغول على بغداد

لنصير الدين الطوسي

صفحة تاريخية لم تنشر

ذكر الؤرخون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم (حادثة سقوط بغداد) على يد المغول وافردوا لها المجلدات الضخام، ولكن الأمر الذي يستحق الاعتبار اكثر من كل شيء هو ان نقرا تفاصيل هذه الحادثة بقلم البحاثة (الخواجه نصير الدين الطوسي) الذي رافق الحملة التترية إلى بغداد وحضر الواقعة بنفسه وكتب ما رآه وما سمعه بدون تحزب كما سيتضح لك من هذه الوجيزة التي أخرجها حديثا من بين رسائل العلامة الطوسي الخطية (رسول النخشبي) أحد كتاب إيران، رأينا ان نرسل بترجمتها للرسالة لأهميتها أولا ولمناسبة ما أورده الأديب فرحان شبيلات في عددي الرسالة 33 - 34 - ثانيا (لما عزم السلطان (هولاكو خان) على أن يلج بلاد الملاحدة (الباطنة) سير من قبله مندوبا إلى الخليفة ليطلب منه النجدة حتى يستأصل بذلك شأفتهم ويمحو سطوتهم فبلغ الرسول الخليفة فحوى الرسالة بقوله يقول السلطان. . (إننا بعاداتنا البدوية وأسسنا القومية نستنجد بموالينا على أعدائنا، وبالنظر إلى الحب والولاء القائم بيني وبينك أرجو معونتنا بخيلك وإمدادنا برجلك، حتى ندرأ شر هذه الفئة الباغية التي أريقت بكيدها الدماء وأزهقت بغدرها أرواح الأبرياء) فاختلي الخليفة بحاشيته وائتمر مع أصحابه، فأجابه الجمع من الجنود والأمراء، بأن (هلاكو) يريد بهذه الحيلة إخلاءبغداد من العدد والعدة لتصبح في وجهه مفتحة الأبواب، خالية من الخيل والركاب، فيستولي آنئذ على المدينة بلا توجس خوف وارتياب، ونمسي على ما فعلنا نادمين. فانصاع الخليفة لرأي الجلساء وتواني في إمداد السلطان ورجع الرسول إلى سيده بخفي حنين.

ولما أن فرغ السلطان من فتح بلاد الملاحدة عائب الخليفة عتابا مرا وانذره إنذارا أليماً، فارتأى الخليفة أن يستشير وزيره - العلقمي - فأشار عليه هذا أن يحمل ما في دار الخلافة من فاخر الأثاث وزخرف الرياش على البغال المسرجة والخيل الملجمة ويقدمها هدية للسلطان، وينجو بهذه الواسطة مما يوشك أن يحدث في ملكه من التدمير والهوان، فقبل الخليفة ما شار الوزير إليه وأمر بتسجيل ما يلزم انتقاءه من الأشياء، وعين لإيصالها نفرا

ص: 29

من أركان دولته لعرض المعذرة عند تقديم الهدية، فاجتمع أحد الأمراء المدعو (الدوات دار الصغير) مع عدة من صحبه وقال لهم إن هذه مكيدة أراد بها الوزير قتل أعواننا ونهب أموالنا، فإذا جيء بالأموال إلى ظاهر البلد ننقض عليها برمتها ونستنقذهالتكون ذخرا ليوم شدتنا، فنمى الخبر إلى الخليفة واضطر إلى إبدال الكثير بالقليل، والوافر اليزر، فاغتاظ السلطان وأرسل إليه أن يحضر بنفسه أو أن يبعث إليه أحد الذوات الثلاثة: الوزير أو الكاتب أو سليمان شاه، فتواني الخليفة في إنجاز ما أراد السلطان أيضا، فاشتد من اجله غضب السلطان وعقد النية على فتح بغداد، فأرسلالخليفة الأزبكي مرة وابن الجوزي بن محي الدين مرة فارتدا خائبين. لأن السيل قد بلغ الزبى، وحان الوقت الذي لا ينفع فيه الندم.

ففي شهر شوال سنة 655 هـ نهض السلطان - هلاكو - من همدان موليا وجه شطر قاعدة الخلافة العباسية. على أن الأمير (صوغنجاق) والسردار (تايجنوئين) كانا قد ذهبا مع مقدمة الجيش الأيمن على الميمنة مما يلي أربيل عن طريق جبال (شهر زور) كما أن القائد (دقوق) وزميله (كبد يوقائين) و (انكتانوئين) كانوا على الجناح الأيسر من الميسرة التي زحفت إلى (تكريت) و (بيات) وكان فيلق القلب من الجند السلطاني تحت أمرته الشخصية يسير من كرمنشاه وحلوان إلى بغداد. هذا وقد سار (الدوات دار) من بغداد بجيش الخليفة وأتى إلى بعقوبة فخيم بجوارها. أما السلطان فكان قد أوعز إلى أحد قواده المدعو (تايجورا) أن يعبر دجلة ويدخل بغداد من جانبها الغربي - وقد تخلى هو عن رحله وسرادقه عند ما وصل حلوان وخرج منها بسرية من جيشه، وأول حادث حدث هو أن طلائع الجيش الملكي أسرت طليعة من جند الخلافة، ولما مثلوا بين يدي السلطان اقسموا الإيمان المغلطة على أن يخلصوا الخدمة من يومهم للملك ويؤدوا له ما يجب عليهم من الصدق والامانة، وكان في جملتهم أمير من بقايا الملوك الخوارزشاهية فأرسل هذا كتابا من قبله إلى العسكر العباسي مخاطبا به (قرانسقور) أحد أمراء جيش الخلافة بالعبارة التالية: -

(إنني وإياكم من جنسية واحدة، وأديت الطاعة واتصلت بالخدمة فصرت من المكرمين، فإذا ارتم أن تبرئوا أنفسكم وتشفقوا على أرواحكم فاعتصموا بحبل الطاعة وتمسكوا بذيل العبودية لأني لكم من الناصحين.)

ص: 30

وبعدما قرأ (قرانسنقور) الكتاب أجاب الأمير المذكور بما يلي: - (متى صارت لهلاكو تلك المكانة التي يتمكن بواسطتها بلوغ هذه الغايات، ولعمري ان هذه الدولة (العباسية) قد شاهدت كثيرا من أمثاله وأقرانه، هذا وان مجيئه بهذه الصورة إلى بلاد الخليفة وتدميرها بهذه الصفة لدليل على انه يريد في الأرض علوا وفسادا، وان أراد غفران ذنوبه وقبول أعذاره فليرجع إلى همدان حتى أتشفع له بواسطة (الدوات دار) لدى الخليفة ليعفو عما سلف منه)

وبعد ما وقف السلطان على فحوى الرسالة ضحك ضحكة المتهكم وقال (نعم الأمر بيد الله وانه فعال لما يشاء) وبعد ما عبر القائدان دجلة ظن البغداديون إن هذه الجيوش والعساكر ما قطعت النهر إلا تحت قيادة هولاكوخان الخاصة ونمى الخبر إلى (الدوات دار) فقفل راجعا من بعقوبة إلى بغداد، وعبر دجلة فالتقى (بصو غنجاق) الذي كان في مقدمة الجيش المغولي، ووقعت بينهما معركة انكسرت فيهما عساكر (صوغنجاق).

وإلتجأ الأخير إلى الفرار، ولكن الذي حصل لعسكر (الدوات دار) عند اشتباكه بالحرب مع (تايجونوئين) القائد الثاني دعا لضياع النتيجة، ضاقت عليه الأحوال فآب (الدوات دار) راجعا بجمعه المتفرق إلى بغداد.

أما السلطان فامتطى جواده وعبر (ديالى) مع جمع من عسكره إلى أن بلغ ظاهرة بغداد في منتصف شهر محرم سنة ستمائة وست وخمسين، وأرسل (بوقاتيمور) مع جيش ليحط من جانبها الغربي، وأمر أن يقيم الجند حائطا يحتضن المدينة من كل الجهات ثم نصبت عليه المجانيق وهيئت المؤن والمعدات اللازمة للحرب والقتال.

ولما أحس الخليفة بذلك اجتمع بأصحابه ليتشاورا في الخطب، فقال بعضهم إذا أردنا أن نقدم لهم الهدايا الفاخرة ونفتدي المدينة بالدرهم والدينار فعسى أن يحملوا هذا دليلا على الخوف والهوان، والأصلح إيفاد الوزير (صاحب الديوان) مع (ابن الدربوس) بقليل من التحف والرياش فاستحسن الجميع قوله فلما احضر صاحب الديوان وزميلاه إلى السلطان قال: لماذا لم يحضر عندنا (سليمان نشاه) و (الدوات دار)؟ فاجيب بان السلطان كان قد كتب للخليفة أن يبعث واحد من هؤلاء الثلاثة فأرسل الخليفة الوزير الذي هو أكبرهم، فقال السلطان نعم. ولكن أردت ذلك في همدان، وهاأنذا في بغداد، هذا وبعد أحد ورد ظهرت

ص: 31

بوادر القتال ظهورا تدريجيا، وابتدأت العساكر المغولية الحرب في 22 محرم وحمل السلطان بنفسه على بغداد من جانبها الشرقي تجاه برج العجم، وحاربت عساكر (كبة بوق) بالسهم والنشاب، وكان القائدان (بلغاي) و (سناي) يتقاتلان في الجانب الأيمن لمدينة. وأما (بوقاتيمور) فانه انهال بجيشه على بغداد من الجانب الغربي في ارض كانت تعرف حينذاك بـ (روضة النقل)، أما (تايجونوئين) و (صوغنجاق) فقد احتوشا المدينة وزحفا عليها مما يلي المارستان العضدي، ودام القتال الشديد لمدة ستة أيام بلياليها، وأمر السلطان أن ترسل ست رسائل بواسطة النشاب لجماعة السادة والعلماء والأركان والمشايخ وغيرهم ليفهموهم بأن الجيوش المغولية لا تتحرش بهم أن القوا السلاحهم وكانوا في حياد. وما بزغت شمس يوم الثامن والعشرين من شهر المحرم إلا وتمكن العسكر المغولي من الاستيلاء على برج العجم، وقبل صلاة ظهر ذلك اليوم تم النصر للمغول باندحار البغداديين اندحاراً عظيماً ووقوع المدينة في قبضة التتر، وكان قد أرسل السلطان وحدات من جيشه للحراسة على دجلة من أعلاها إلى أدناه وللقبض على الذين يريدون الفرار واتفق أن صادفوا ثلاث سفن تحمل أثاث (الدوات دار) وشيئا كثيرا من أمواله وسلاحه وغير واحد من رجاله وصحبه من جملتهم نقيب العلويين، فأوقفوها عن السير برشاشات النفط النارية، ولما تمكنوا منهم قتلوهم جميعا حتى النقيب العلوي وصادروا جميع ما فيها من المحولات، هذا وقد أمر السلطان أهل بغداد ان يشتركوا جميعهم بهدم الدور التي تحيط بالبلد، وبعد ما أعلن السلطان العفو العام استأذن الخليفة السلطان للخروج من بغداد لأنه تحقق من نفسه وجيشه الضعف الكامل وانه باء بالفشل المبين. والخلاصة ان الخليفة قابل السلطان في (باب كلواز) بجمع حاشد من السادة والأئمة والمشايخ والأركان وهذه هي المقابلة التي كانت تعد آخر يوم من أيام الخلافة العباسية.

ثم صدرت أوامر السلطان ان يبادر الجند بنهب المدينة وغزو ما فيها من الأموال. وفي يوم الأحد الموافق لرابع شهر صفر سنة 656 هـ دخل السلطان المدينة وولج القصر العباسي ثم دخل الغرفة التي كانت معدة لجلوس الخليفة عند ما يريد القراءة والكتابة وكان الخليفة حاضرا هناك مع نفر غير قليل من العلماء والإشراف، فتقابل السلطان معهم وتكلم بعد ذلك مع الخليفة وقال له أين الهدايا؟ فأحضرت له فقسها بين رؤساء الجند وقادة

ص: 32

الجيش، ووضع السلطان طبقا ملؤه الذهب الإبريز الخليفة وقال له تقدم وكله لسد جوعك، فقال الخليفة ليس هذا مما يأكل الإنسان! فقال السلطان إذن ما ضرك لو كنت قسمته على أعوانك وجيشك ليكون وسيلة لقوة أمرك وداعيا لنصرتك؟ ولم لم تخلع هذه الحدايد التي غلقت بها هذه الأبواب لصنعوا منها سهاما تمنع عبور أعدائك من الجيحون (دجلة)؟ فأجابه الخليفة كل ذلك كائن بتقدير الله، فقال السلطان نعم وغن الذي سيجري عليك يكون بتقديره أيضا. ثم أمر السلطان أن تدخل النساء اللواتي باشرهن الخليفة أو ولده بقصر دار الخلافة، وأذن بدخول الوصائف والخدم أيضا، وأحصيت فكانت (700) امرأة و (1300) وصيف وخادمة. وبعد أسبوع أعلن آلام العام وجمعت الغنائم والأسلاب.

وفي اليوم الرابع عشر من صفر خرج السلطان من المدينة وأمر بإحضار الخليفة بظاهرها فاحضر مع ابنه الأوسط وخمس أو ست من خدمه الخصوصيين فوقعت الواقعة وصار ما صار وانتهت آخر أيام الخليفة العباسي في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي قتل نجل الخليفة الأكبر وشتت بعد ذلك شمل الحرم والنساء فتفرقوا أيدي سبأ. ثم أيمر السلطان بعد ذلك بتعمير بغداد ودفن أجساد البشر والحيوانات التي كانت مطروحة في الطرقات بعدما نصب الوزير - ابن العلقمي - للوزارة وصاحب الديوان لديوانه، وأعطى إمارة الجيش لبن الدربوس وسلم إدارة الشرطة في بغداد لرجل يدعى - استونها - وبعد ذلك رحل من بغداد إلى حيث يريد محفوفاً بهالة من النصر،

وكان السلطان قبل رحلته من بغداد سير (بوقاتيمور) بحملة أخرى لإخضاع الحلة وواسط فخضعتا وتوجه (بوقاتيمور) بعد ذلك نحو مدينة (تستر الأهواز) بقصد الاستيلاء عليها ورافقه شرف الدين بن الجوزي إلى هناك.

وأما الكوفة والبصرة فانهما أظهرتا الخضوع بلا أدنى حرب أو مقاومة.

كربلاء

عباس علوان الصالح

ص: 33

‌5 - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران

‌والكوميدية المقدسة

بقلم محمود احمد النشوي

لقد وعدنا في العدد الماضي أن نذكر أحراس الجحيم من الشياطين في خيال دانتي. وفي الحق انه افتن في وصفهم. وجعل منهم أولى أذناب يطوقون بها المعذبين مثنى وثلاث ورباع. وآخرين في صورة كلاب تعددت رؤسها وأفواهها. وجعل منهم من يصرخ ويصيح بصوت تنبو عن جرسه الأسماع. .

جمهرة من المردة استغل الشاعر مواهبه إلى أقصى حدودها في وصفهم محتفلا بذلك الوصف حتى جعل لهم مدينة تخصهم لا يلجها سواهم ففي بعض طبقات الجحيم، وعلى ضفاف نهر اكرونتي يقف الشيطان بزورقه ينقل فيه المعذبين من مكان إلى مكان ضاربا بمجدافه كل من أبطأ به ضعفه أو تمرده. وفي بعض جنباتها يرى الشيطان شربيرو في زي كلب ضخمت جثته، وتعددت رؤوسه وأفواهه ترسل الصراخ والنباح عاليا تنكره الآذان. وفي بعض نواحيها يرى الشيطان بلوطو ملحا في هذيانه بصوته الذي لا تبين نبراته. ويبعث رنينه في القلوب الفرق والرعب والهلع. ثم يحدثنا مرة أخرى عن شيطان له زورق يعبر عليه أهل النار بركة سوداء قاتمة يتقلب في أوحالها وأقذارها المتكبرون والحاسدون. ذلك الشيطان هو حدثنا عن الشيطان مينوتاورو الذي تراءى في ظلمات الجحيم متخذا هيئة ملفقة من الإنسانية والحيوانية نصفه ثور ونصفه ادمي إلى كثير من زبانية ومن شياطين افتن شاعر الطليان في وصفها افتتانا جعله يختصها بمدينة (ديتي تلك التي اشرف دانتي منها على أبراج وقباب يلفحها لهب الجحيم. وينعكس عليها ضوء النيران. ولم يكد يخطو نحوها يريد اختراقها حتى اعتراضه ألف من الزبانية يحتجون على دخوله مدينتهم واختراقه حرمتهم. ولقد كانت الشياطين كلما اعترضته في طريقه أو أرادت إلحاق الأذى به هرع إلى فرجيل فاستنصر به، فأقنعها فرجيل بالإرادة السماوية التي تأمره بالمسير فخلت له السبيل. بيد ان المردة من (ديتي) أبوا إلا إعراضا وعصيانا فأغلقوا من دونه أبوابهم، فوقف الشاعر مشدوها يعجب لمئات الشياطين من حوله. ولثلاث من إناث الجن وقفن فوق اكبر البروج مولولات صائحات. وليس خضابهن الحناء بل

ص: 34

يصطبغن بالدماء. وتدور على أوساطهن الثعابين وتنسدل على أعناقهن ورؤسهن الأفاعي مكان الشعر متكاثفة يركم بعضها بعضاً. ولا زال دانتي تحيط به المرعبات من كل الجوانب حتى جاءه ملك كريم أهوى نحو الشياطين بعصاه ففتحت له أبوابها. واخترقها دانتي ذاهبا لطيته واستكمالا لرحلته بين حراس الجحيم وعذاب العاصين مسهبا في الحديث عنهم. بيننا المعري لم يسهب في وصفهم فلم يكن له غرض في ذلك بله الافتتان فيه فهو لم يرد ذكر لعصاة والمجرمين يصف للناس عذابهم عظة وذكرى حتى يفتن في وصف ذلك العذاب. وفي وصف الزبانية والأحراس الموكلين بالعذاب وإنما هو رجل لغة وأدب وشعر. يتلمس الطرق الشائقة ليبرزها طريفة محببة للنفوس. فلم يعرض لخزنة النيران إلا قليلا على حين أنك ترى دانتي همه وصف المجرمين والخائنين: خائني أوطانهم وإخوانهم وأهليهم، معملا خياله فيوصف المعذبين، وفي وصف الموكلين بعذابهم حتى ينفر الناس من الخطيئة، ويتجافوا عن المعصية.

إبليس في الروايتين

ذكر الجحيم يتتبع ذكر إبليس. وإبليس رمز الشر حتى عند عبدة الشيطان، فهم يعبدونه اتقاء لشره. فتحدث عنه المعري ولم يغفل دانتي ذكره. وكلاهما صورة في آلامه وأوصابه وفي عذابه وما يلاقيه. بيد أنك إذ تقرا وصف المعري له تغرق في الضحك وتعلم أي سخرية بلغها أبو العلاء. وأي دعابة اغرق فيها رهين المحبسين. وتعلم من بعد ذلك ان صاحب رسالة الغفران هو اشد كتاب العربية جرأة على ما لم يجروء عليه أحد غيره.

وسأنقل إليك ما ذكره عن إبليس متدرعا بالشجاعة أنا الآخر حتى في النقل، ولولا ان واجب الموازنة يضطرني للنقل. ولولا أن حاكي الخبر ليس بمسؤول عنه، لضربت صفحا عما سطره المعري عن ابليس. فقد ذكره وهو يحاور ابن القارح يسائله عن صناعته ويذم له حرفة الأدب. ويسائله عن أعمى البصرة بشار بن برد ذي اليد عليه كما يقول حين فضله على آدم. ثم يستفتيه في تحريم وتحليل. . وفي أحكامفقه ودين. . .

فدونك ذلك القصص أكتبه واترك للقارئ تفهم ما تحدث به المعري في خلاله. وقال المعري محدثا عن ابن القارح (ثم يطلع على أهل النار فيرى إبليس لعنه الله وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل، ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية، فيقول الحمد لله

ص: 35

الذي أمكن منك يا عدو الله وعدو أوليائه، لقد أهلكت من بني آدم طوائف لا يعلم عددها إلا الله، فيقول: من الرجل؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان من أهل حلب. كانت صناعتي الأدب أتقرب به إلى الملوك، فيقول بئست الصناعة إنها تهب غفة من العيش لا يتسع بها العيال، وإنها لمزلة القدم وكم أهلكت مثلك، فهنيئا لك إذ نجوت، فأولى لك ثم أولى لك، وان لي إليك حاجة فان قضيتها شكرتك يد المنون، فيقول: إني لا اقدر لك على نفع، فان الآية سبقت في أهل النار، اعني قوله تعالى (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا أن الله حرمها على الكافرين) فيقول: إني لا أسألك في شيء من ذلك ولكن أسألك عن خبر تخبرنيه، أن الخمر حرمت عليكم في الدنيا وأحلت لكم في الآخرة، فهل يفعل أهل الجنة بالولدان المخلدين فعل أهل القريات؟ فيقول: عليك البهلة، أما شغلك ما أنت فيه؟! أما سمعت قوله تعالى (لهم فيها أزواج مطهرة وهم خالدون). .؟

فيقول: وان في الجنة لأشربه كثيرة غير الخمر فما فعل بشار ابن برد؟ فان له عندي يدا ليست لغيره من ولد آدم، كان يفضلني دون الشعراء، وهو القائل

إبليس افضل من أبيكم آدم

فتبينوا يا معشر الأشرار

النار عنصره وآدم طينة

والطين لا يسمو سمو النار

(لقد قال الحق: ولم يزل قائله من الممقوتين)

في تلك الصورة الهازئة الساخرة يرسم لنا المعري إبليس تضربه المقامع. ويضطرب في الأغلال وهو لا يني يسأل ابن القارح تلك الأسئلة السفسطية من ناحية، البذيئة من ناحية أخرى. ولكن المعري جمع به خياله في تلك الليلة النبوية فتكشف عما ترى

ودانتي بماذا وصف إبليس؟ وماذا تخير له من طبقات الجحيم؟ وعماذا سأله؟

لقد تخيله تعصف به الثلوج في ظلمات السعير. ويهلكه لزمهرير في الهاوية. وهو فيما بين الثلوج والعواصف كطاحونة الهواء تقلبه الرياح كيفما أرادت.

ثم اختار له الدرك التاسع من جهنم وهو اسفل طبقتها واشدها هولا وبلاء.

ولم يسأله في الأدب ولا عن أحد الشعراء ولا عن أحكام تحليل وتحريم. ولم يكن له سعة اطلاع المعري حتى يدخل في نحو ذلك النقاش. بل انساق يعلل ما أحاط به من عذاب اليم

ص: 36

بأنه كان ملكا صوره ربه فاحسن صورته، وأعطاه جمالا يفرع فيه كل مخلوق بيد نفسه المليئة شرا وخبثاً جعلته يسرف في الغرور حتى تمرد على ربه فطرده من جنته وبقي طيلة عمره مذءوماً مدحورا وله في الآخرة عذاب شديد.

يتبع

محمود احمد النشوي

ص: 37

‌أيها الشرق.

.!

أيها الشرق! يا وطني الكبير،

أهتف بك فتسبق إلى عيني باكية دامية ذليلة، وتتدفق على ذهني ذكريات بعضها شجي يزجي الألم حاداً عنيفا، ويذكي الدم حاراً مستعراً، وبعضها حلو يثمل النفوس بالفخر، ويهز الأعطاف بالإعجاب. .

ولكنك الآن ذليل أيها الشرق! آه لو استطاع هذا القلم الضعيف أن ينفث في نواحيك الإيمان، ويبعث في جوانبك الأمل، لكان سعيداً، أنت يا وطني مهبط الحضارة ومسقط النور، ما في ذلك شك. أنت مجال الأبطال والقوة، ومراد الحكمة والنبوة، ومخرج الدعاة والقادة، هذا حق لا تخلص إليه شبهة، ولا تنصرف إليه ريبة.

ليقل - كبلنج - إن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان - فلسنا نتوقع من دعاة الاستعمار أقل من هذا. . ولكن الحقيقة تلطم كبلنج وتلزم المكابرين من أمثاله حدود الاقتناع

فان كانت أوربا تفخر بنابليون لأنه عبر الألب وتخطى البرانس، ونلسن لأنه كسب موقعة أو موقعتين، وولنجتن لأنه ذبح مليوناً أو يزيد، فان الشرق ليتية بزغلول لأنه قهر إنجلترا بغير السيف والرمح، وغاندي لأنه هز إنجلترا بغير الحديد والنار، ومصطفى كمال لأنه دوخ في ساح الحرب أصحاب الغازات الخانقة والطائرات المحلقة والمدافع الرشاشة. . .! وإبراهيم لأنه طرق أبواب اليونان مرات وعبث بحبل أولمب مهبط الوحي وملعب الأبطال ومستقر الآلهة!!

وإن كان للغرب أن يفخر بروسو وفولتير وشكسبير وجوت وبيرون، فإن الشرق والعالم يفخر بالأفغاني ومحمد عبده وابن خلدون والمتنبي وفيلسوف المعرة. الشرق غني برجاله قوي بأبطاله، خصب بحضاراته. . . ولكني بعد هذا ومع هذا لا أستطيع إلا الاعتراف بالحق - وليس ينكر الحق إلا الضعاف - والحق أن الشرق كان فتياً فأصابه الكبر، وكان قوياً فأخذه اليأس والخور، وكان عاملاً فجنح إلى الراحة واستراح إلى المسالمة. . . هذا هو المنطق الذي يرضي الله والعقل والناس، والحق إننا نغالي في تقدير ما ضينا ونشغل به عن حاضرنا. وهل أتاك حديث المرأة الصلعاء التي أخطأها الزواج لصلعها فكانت إذا جاءها الخاطب ثم هم بأن ينصرف استوقفته قائلة (ألم تر إلى خالتي إن لها شعراً جميلاً!!)

ص: 38

هل لمحت وجه الشبه؟

الشرق محتل كله أو يكاد: تضرب في نواحيه الخيام الدخيلة، وترفرف على سواريه الأعلام الغريبة، وتحلق في سمائه الطائرات الأجنبية. . . وأهل الشرق نيام ضرب عليهم الغفلة وملكهم اليأس واستبد بهم الخور وانشقت بهم العصا.

يا أبناء الشرق! إن أخاف عليكم اليأس أن يدرككم فيشل عقولكم، ويغل أيديكم ويضل هداكم.

أنا أعرف وأعترف أن الغاية بعيدة، وأن السبيل قفر وعر وأن الشرق ضعيف الحول والحيلة، وهذا بعينه ما يلقى في نفسي الجزع ويردني إلى حيرة تشبه أن تكون جنوناً لأني أخاف عليك أيها الشرق أن تلقى عصا لأمل وتغمد سيف العزيمة وترفع الراية البيضاء. . .!

وأخاف عليك ظاهرة أخرى: في الشرق تنشق العصا وتتفرق الكلمة وتشت الوحدة، وتتبدد القوافل في شعاب الجبال فلا تزال كل قافلة تتهادى وحيدة فريدة في الوهاد والنجاد حتى ينال منها الجهد، وتشتبه عليها السبل وتنبت بها الأسباب في صميم الصحراء. .! والعدو على المستشرف يرقب ويغري ويبتسم، حتى إذا ضمن تصدع الشمل وتقطع الأسباب انثنى فهاجم كل قافلة في مواضع الضعف منها، فأطمع الأولى بالرغبة، وقمع الثانية بالرهبة، وأغرى الثالثة بالرابعة. . . حتى يستقيم له الأمر ويخلو له الطريق ويصفو له الجو. أفليس أجمع للكلمة وأضمن للنصر وأحزم للرأي، لو تلافت هذه القوافل كلها في السهل فضمت شتاتها ولمت شعثها ونظمت نفسها في سرب طويل قوي ثم سارت على حداء الأمل وهداية الأيمان. .؟؟

مؤلم هذا الانقسام الذي يشيع في صفوف المجاهدين في بلاد العرب وفي مصر وفي الهند، في الجزيرة ملكان مسلمان يتحاربان وفي مصر أحزاب تتطاحن. وفي الهند طوائف تجور عن السبيل والغاية. والشرقي المخلص الصادق لا يستطيع أن يشهد هذا دون أن يضيق به ويأسف له، ويتمنى على الله أن يكشف عن الشرق هذا البلاء. . .

أيها الشرق. . . أحب أن أعتقد أن سكونك تحفز الأسد قبل أن يقفز، وأحب أن أسمع أن صمتك استقرار العاصفة قبل أن تزأر وتثور وتدوي، وأحب أن لو كان سيرك تسلسل

ص: 39

النهر قبل أن يفيض ويطغى فيجترف السدود ويكتسح الحدود ويجتاح العالم. وأحب ألا يأكل بعضك بعضاً، وألا يقضي قويك على ضعيفك، وأحب أخيراً ألا تضيق بالألم وألا يأخذك اليأس، فلا بأس بالمحن لهيب يصفي الروح وينقي الجوهر وينفي العرض، ويذكي الحفيظة ويغلي الدم ويفجر الثورات.

محمود البكري القلوصناوي

ص: 40

‌7 - بديع الزمان الهمذاني

للدكتور عبد الوهاب عزام

(تتمة)

يقول الحصري: إن البديع حاكى ابن دريد. وهي رواية جديرة بالاهتمام. ولست أعرف أين أحاديث ابن دريد إلا أن تكون بعض روايات القالى عن ابن دريد في الأمالي تتضمن هذه الأحاديث أو أشباهها. ومن ذلك ما رواه القالى عن ابن دريد من سؤال إعرابي في المسجد: (قال أبو علي وحدثنا أبو بكر رحمه الله، قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس، قال وقف إعرابي في المسجد الجامع في البصرة فقال: قل النيل، ونقص الكيل، وعجفت الخيل، والله ما أصبحنا ننفخ في وضح، ومالنا في الديوان من وشمة. وأنا لعيال جربة. فهل من معين - أعانه الله - يعين ابن سبيل، ونضو طريق، وفل سنة؟ فلا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت).

وأقرب من هذا إلى المقامات حديث المرأة التي سكنت البادية قريباً من قبور أهلها، وهو مروي عن ابن دريد أيضاً، ووصية رجل أعمى من الأزد لشاب يقوده ويؤيد هذا ما رواه بن خلكان عن المرزباني عن ابن دريد

(وقال المرزباني: وقال لي ابن دريد سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي فسهرت ليلتي. فلما كان آخر الليل غمضت عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب، وقال أنشدني أحسن ما قلت في الخمر. قلت ما ترك أبو نواس لأحد شيئاً فقال أنا أشعر منه. فقلت ومن أنت؟ فقال أنا أبو ناجية من أهل الشام وأنشدني:

وحمراء قبل المزج، صفراء بعده

أتت بين ثوبي نرجس وشقائق

حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا

عليه مزاجا فاكتست لون عاشق

فقلت أسأت، فقال ولم؟ قلت لأنك قلت وحمراء، فقدمت الحمرة ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فقدمت الصفرة، فهلا قدمتها على الأخرى؟ فقال ما هذا الاستقصار في هذا الوقت يا بغيض؟

وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال أنشدني ابن دريد هذين البيتين لنفسه، وقال جاءني إبليس في المنام وقال أغرت على أبى نواس، فقلت نعم، فقال

ص: 41

أجدت إلا أنك أسأت في شيء ثم ذكر بقية الكلام اهـ

فهذه الرواية عن ابن دريد تذكرنا بالمقامة الإبليسية والمقامة الناجية من مقامات البديع.

وكذلك وصف الفرس في المقامة الحمدانية يشبه وصف الفرس في الأمالي. ويمكن إذا أريد، ذكر كل ما يخطر بالبال، أن يقال إن ابن دريد أزدى وعيسى بن هشام كأنه ينتسب إلى الازد في المقامة الفزارية.

وفي كتب الأدب كثير من القصص الصغيرة المصوغة في أسجاع مختارة وكلمات منتقاة. ولكن مهما يقل فبديع الزمان فيما نعرف، مخترع هذه القصص الخيالية التي عرفت في الأدب العربي باسم المقامات، وأما روايات اللغويين فقد رويت على أنها حقائق، وأريد بها رواية اللغة قبل أي شيء آخر، وحديث الراوي فيها مرسل لا صناعة فيه، ولا يقصد في الرواية على حين يستوي في المقامة أو يتقارب من حيث البلاغة والفصاحة حديث عيسى بن هشام وكلام أبي الفتح الإسكندري.

وأما تسمية هذه القصص بالمقامات فلأن أبا الفتح يقوم فيها واعظا أو مستجديا أو محتالا وهلم جرا. وفي القرآن الكريم:

(عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا). وفي شعر لبيد:

ومقام ضيق فرجته

بلسان وبيان وجدل

وقد استعملت كلمة (مقامة) في معنى مقام. وفي رسائل الخوارزمي (ولكل مقامة مقالة). وفي شرح الشريشي لمقامات الحريري (والمقامات المجالس واحدتها مقامة. والحديث يُجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلساً، لأن المستمعين للمحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس ببعضه أخرى قال الأعلم: المقامة المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير.)

والهمذاني نفسه يبين ذلك بقوله في المقامة الوعظية (قال عيسى ابن هشام فقلت لبعض الحاضرين من هذا؟ قال شخص قد طرأ لا أعرفه. فاصبر عليه إلى آخر مقامته، لعله ينبئ عن علامته)

يقول الثعالبي إن بديع الزمان أملى المقامات في نيسابور، ويظهر أنه أملى معظمها هناك، وأنه أملى بعد مقامات أخرى كالمقامات الست التي مدح بها خلف بن أحمد أمير سجستان.

ص: 42

والحصري يدلنا على تاريخ المقامة الحمدانية يقول إن البديع أملاها في شهور سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: وأظنه أملى معظم المقامات قبل هذا

هل ارتجل المقامات؟

يروي الشريشي عن بعض أشياخه أن البديع ارتجل المقامات، وأنه كان يقول لأصحابه اقترحوا غرضاً نبني عليه مقامة فيقترحون ما شاءوا فيملي عليهم المقامة ارتجالا. ولا أحسب هذا حقاً، فبديع الزمان نفسه لم يدع هذا، وقد فخر بالمقامات على الخوارزمي وتحداه أن يأتي بمثلها، ولم يتحد بذكر الارتجال، بل قال انه أملاها والإملاء لا يقتضي ارتجالا.

موضوع المقامات

أراد البديع بمقاماته أن يدل على تمكنه في اللغة ومكانته من البلاغة، وقدرته على تصريف القول في فنون شتى. هذا غرضه الأول، وقد سلك إلى هذا الغرض موضوعات كثيرة

وليست الكدية موضوع المقامات كلها، بل كثير منها لا كدية فيه، وفي كثير منها لا يقف أو الفتح موقف المستجدي إلا في آخر المقامة وبعضها ليس فيه إلا الاستجداء كالمقامة الساسانية والمجاعية والبخارية والمكفوفية.

ومن أغراض المقامات الوعظ كالمقامة الوعظية والأهوازية، وفي بعضها الألغاز كالمغزلية والإبليسية. وبعضها أنشئ للمدح وهي المقامات الست التي مدح فيها خلف بن أحمد: الناجية والخلفية والنيسابورية، والملوكية، والسارية، والتميمية. وبعضها يتضمن الحجاج في المذاهب كالمقامة المارستانية، وبعضها للكلام عن الشعراء ونقد الشعر، كالمقامة القريضية والشعرية والعراقية والابليسية، وبعضها يتضمن حوادث زمانه وأخلاق معاصريه وأحوالهم، كالمقامة الأسدية والخمرية التي نرى فيها أبا الفتح إماماً في مسجد يشم رائحة الخمر من عيسى بن هشام وأصحابه فيزجرهم ويشتمهم، ثم نراه بعد في حانة يلقاه فيها هؤلاء، وكالمقامة الرصافية التي ذكر فيها أصناف اللصوص وحيلهم. وهي تشبه القصيدة الساسانية لأبي دلف الخزرجي، معاصر بديع الزمان.

وهو في هذا الضرب من المقامات كالمقامة المغيرية، والحلوانية، يبين عن علم واسع

ص: 43

بأحوال زمانه، ويذكرنا بالجاحظ، والمقامات البشرية والصيمرية أقرب إلى روايات الأدباء، وهو حسن الفكاهة جداً في المقامة المغيرية التي وصف فيها أبو الفتح ضيفه الثرثار، والحلوانية التي يصف فيها اختلاف رجلين في الحمام على أجرة عيسى ابن هشام والحلاق المجنون، والأصفهانية التي وصف فيها الإمام الذي يطيل الصلاة.

وانظر قول عيسى بن هشام فيما أصابه في الحمام: (فأخذنا إلى الحمام السمت، وأتيناه فلم نر قوامه، ولكني دخلته) الخ المقامة الحلوانية

والقصص في المقامات لا تفصيل فيه ولا اتقان، وإنما هو وسيلة إلى مواقف الإسكندري أو عيسى بن هشام، ويحس القارئ بعيب في بعض هذه القصص على قصرها: ففي المقامة الأصفهانية يحدثنا عيسى ابن هشام أنه كان على أهبة السفر فسمع النداء للصلاة، وخاف أن تفوته القافلة، ولكنه آثر أن يصلي فابتلى بإمام مطيل ممل، ثم قام رجل فقال من كان منكم يحب الصحابة والجماعة، فليعرني سمعه ساعة، فلم يستطع عيسى الخروج، ثم قال الرجل قد جئتكم ببشارة من نبيكم لكن لا أؤديها حتى يطهر الله هذا المسجد من كل نذل يجحد نبوءته، قال عيسى فربطني بالقيود، وشدني بالحبال السود. ويدعى الرجل أن معه دعاء علمه إياه النبي في المنام، وأنه كتبه في رقاع فتسابق الناس إلى الرقاع، وانثالت على الرجل الدراهم. وعرف عيسى بعد خروجه أنه أبو الفتح، ولا يخبرنا ما الذي فعل في أمر السفر الذي بدأ المقامة بحديثه. وفي المقامة الفزارية يقول انه لقي الإسكندري في ليلة يضل فيها الغطاط، ولا يبصر فيها الوطواط. ثم يقول آخر المقامة، فحدر لثامة عن وجهه، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فكيف عرفه في الظلام؟ وفي المقامة الغيلانية يحدث عيسى بن هشام عن عصمة بن بدر الفزاري أنه لقي ذا الرمة والفرزدق، ولا يقول إنه لقيهما في منام أو لقي شيطانيهما فكيف رأى هذين الشاعرين رجل معاصر لعيسى بن هشام الذي يحدث بديع الزمان.

وأما عيسى بن هشام وأبو الفتح الإسكندري فيقول عنهما الحريري في مقدمة مقاماته: (وكلاهما مجهول لا يعرف، ونكرة لا تتعرف.) وكأنه يريد أن يقول انهما ليسا كأبي زيد السروجي، عيسى بن هشام لا ينتسب إلى بلد، وفي بعض المقامات كلام يمكن أن يؤخذ منه أنه ينتسب إلى الازد، وابو الفتح انتسب في المقامة العراقية إلى عيسى، وهو منسوب

ص: 44

إلى الإسكندرية من الثغور الأموية وهي نسبة غريبة. ماذا يريد بالثغور الأموية؟. يرى شارحو المقامات أنها ثغور الأندلس، وكانت بها إذ ذاك دولة بني أمية. وهذا غريب كذلك فما عرف في كتب التاريخ أو تقويم البلدان اسم الثغور الأموية، ولا الظن بالبديع أنه ينسب صاحبه إلى الأندلس ويسميها الثغور الأموية، وهو رجل يكره الأمويين كما يؤخذ من شعره. أرى في المسألة وجهاً آخر لا أجزم به، ولكني أرجحه. ذلك أن تقرأ (الثغور الأموية). نسبة إلى مدينة آمو أو أموية وهي مدينة آمل الشط على نهر جيحون أو نسبة إلى جيحون وهو يسمى أمودريا أي نهر أمو. ويقول ياقوت في معجم البلدان. وهو يعدد المدن التي سميت الإسكندرية:(ومنها الإسكندرية التي على شاطئ النهر الأعظم.) هذا إلا أن يكون البديع نسب صاحبه الذي لا يستقر في مكان نسبة لا يعرفها أحد.

وبعض المقامات لا يسمى فيها أبو الفتح، وان عرف بصفاته كالأهوازية والبصرية، وبعضها يخلو من أبي الفتح اسماً وفعلاً كالمقامة البغدادية والنهدية. وأحياناً يأتي أبو الفتح في آخر المقامة بعد مضي معظم حوادثها كالمقامة الأسدية التي تصف لقاء عيسى بن هشام وأصحابه الأسد، ثم قاطع طريق، ثم لقاء أبى الفتح بعد ورودهم حمص.

أسلوب البديع في نثره

البديع يلتزم السجع إلا قليلاً. وهو في الرسائل اسجع منه في المقامات، وجملة قصيرة وسجعه متقارب. وذلك أحسبه نتاج الطبع الذكي الحساس، الذي يود أن يسمع الأنغام متتابعة رنانة. وذلك ما جعله يؤثر في كثير من شعره الأوزان المجزوءة. وهو في الرسائل يترك السجع أحياناً إلى المزاوجة أو الإرسال كقوله في رسالته إلى أبي الطيب عن الأمير خلف بن أحمد:(فلما ايفع وارتفع، طالبته الهمة العلياء برفض الدنيا حتى يؤدي فرض الله في الحج، فقام عن سرير الملك، إلى سبيل النسك، فحج البيت، ودرس العلم حتى علم ناسخ الكتاب ومنسوخه، ومباحه ومحظوره الخ) وكذلك في المقامات يترك السجع أحياناً ولا سيما في رواية عيسى بن هشام

وقد يأتي بثلاث سجعات متواليات أو أربع، بل يتابع في الرسائل عشر سجعات أحياناً كقوله: (ونادمته والمنادمة رضاع ثان، وطاعمته والمواكلة نسب دان، سافرت معه والسفر والأخوة رضيعاً لبان، وقمت بين يديه والقيام والصلاة شريكا عنان، وأثنيت عليه، والثناء

ص: 45

من الله تعالى بكل لسان، وأخلصت له والإخلاص محمود من كل إنسان. ثم أربع سجعات أخرى على هذا الروي

وقد يجعل السجع مركبا على رويين في أربع فواصل أو ست كقوله في رسالة خلف بن أحمد: (وكأن هذا العالم قد أحسن عملا فجعل هذا الملك ثوابه. وكأن هذا الملك قد أساء مثلاً، فجعل هذا العالم عقابه)

وقوله: فكان ما أضعناه، كإنا زرعناه فأنبت سبع سنابل، وكان ما فقدناه، كإنا أقرضناه هذا الملك العادل

وقد يسجع في أثناء الجملة قبل تمام المعنى كقوله (حقاً أقول أن التمرة، بالبصرة، اقل خطراً من البذرة، بهذه الحضرة، وإني أيد الله القاضي على قرب العهد، بالمهد، قطعت عرض الأرض، وعاشرت أجناس الناس)

ومما يكثر في نثر البديع تحليته بالشعر، وقد قال الثعالبي في ذلك: (ويوشح القصيدة الفريدة من قوله، بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم والنثر، ويروي من النثر والنظم. وهو لا يكتفي بتفصيل نثره بأبيات من الشعر، بل يصل النثر بالشعر حتى يتوقف معنى كل منهما على الثاني، كرسالته إلى الخوارزمي التي ذكرناها فيما تقدم، وكقوله في مدح أبي جعفر الميكالي:

ولو نظمت الثريا

والشعر بين قريضا

وكامل الأرض ضربا

وشعب رضوي عروضا

وصغت للدر ضدا

أو للهواء نقيضا

بل لو جلوت عليه

سود النوائب بيضا

أو ادعيت الثريا

لأخمصيه حضيضا

والبحر عبد لهاه

عند العطاء مغيضا

لما كنت إلا في ذمة القصور، وجانب التقصير.)

ومن أحسن افتنانه في ذلك المقامة الوعظية التي لاءم فيها بين المنثور والمنظوم أحسن ملاءمة.

ويجد قارئ الرسالة والمقامات قطعاً من تحداها في الأخرى فمقامة الوصية التي يوصى

ص: 46

فيها تاجر ابنه معظمها في إحدى رسائله وبعض المقامة النيسابورية ومعظم العلمية، في رسالة إلى أبي القامس الكرجي التي وصف فيها بعض القضاة. وبعض المقامة الملوكية التي مدح بها خلف بن أحمد في رسالة يمدح فيها الملك نفسه.

وكذلك نجد في الديوان والرسائل والمقامات وصف وقائع واحدة، كلقاء الأسد في الديوان والمقامة الاسدية، وقطع الأعراب طريقه في هذه المقامة والرسائل. وذلك يثبت أن المقامات تمثل كثيراً من حوادث زمانه.

نشأ البديع في عصر بلغ فيه الأدب العربي أوجه، وازدهر فيه الأدب الفارسي، وقد عرفنا أنه ترجم كثيراً من الأبيات الفارسية في ديوانه. فهل ظهر أثر الفارسية في معانيه وألفاظه؟ أثر قليل.

فمن المعاني الشائعة في الأدب الفارسي قوله (أو لم يكفنا الجرح حتى ذر عليه الملح) وقوله (أنا العبد قرطك في أذنه مطيعاً وطوقك في عنقه) فهي عبارة فارسية شاعت حتى كنى عن العبودية بالحلقة في الأذن. وقوله: (هيفاء لا تسع العيون جمالا) فتسع هنا تشبه كنجد بالفارسية

ومن الألفاظ الفارسية أو العربية المستعملة على الأسلوب الفارسي قوله في مدح السلطان محمود:

إذا ما ركب الفيل

لحرب أو لميدان

رأت عيناك سلطانا

على كاهل شيطان

ففي هذا إشارة إلى قصة طهمورث والشيطان.

وقوله:

عند فديتك جدي

شويته بمضيره

فان أتيت فخير

وأن أبيت فخيره

فالخيرة فارسية معناها الحيرة أو اللغو. ولذلك قال الصديق الذي أرسل إليه هذان البيتان: لا نبيع الخير بالخيرة وأجاب الدعوة. وقوله:

يا بن النبي كفاني

من الثناء وبسي

بسي بمعنى حسبي، وهي كلمة بس المستعملة في العامية المصرية.

ص: 47

وقوله في الديوان:

فان مددت يدي يوما فلا رجعت

حتى يعود على شسته النوق

والشست سية القوس، والنوق تعريب نوك أي السهم.

وقوله:

والدهر لونان في تصرفه

يضرب بالبيدق الغرازينا

وفي الرسائل الباغ بمعنى البستان، وكتخداي الخلق، وزرق بمعنى نفاق، وقلب بمعنى زائف، والسياسة في معنى العقوبة، وقوله (فان كان قد عرض في البين عارض العين.) فاستعمال البين هذا الاستعمال ترجمة كلمة (درميان). وحصار بمعنى قلعة وغير ذلك.

هذا ما وسعه المقام في الإبانة عن سيرة الهمذاني وأدبه. ولا بد من ترتيب الرسائل ترتيباً تاريخياً لتفصيل سيرته ومعرفة تطور أسلوبه. وحسبنا الآن ما قدمنا عن هذا الأديب العظيم الذي أخترمتهالمنية في سن الأربعين، ولو عمر لكان عسى أن يكون له في الأدب العربي آثار أبعد شأوا، وأعظم خطرا وأسير ذكرا من آثاره التي أوحت إلى معاصريه أن يلقبوه (بديع الزمان).

عبد الوهاب عزام

ص: 48

‌هانيبال يرثي أخاه

للأستاذ فخري أبو السعود

بينما كان هانيبال في جنوب إيطاليا غازياً سار إليه أخوه بمدد فقابله الرومان في الشمال فقتلوه، وبعثوا برأسه إلى أخيه

رويد الليالي قد خَضَدْنَ قناتي

ويا طالما استعصت على الغمزات

سلام على عهد العظائم والعلا

وتلك الفتوح الغُر والغزوات

وأيام ألهو بالمدائن زاحفا

وأهزأ بالأوعار والفلوات

لِيَهْن بني روما صعود نجومهم

فَنَجْمِيَ هاوٍ حالك الظلمات

اتانِيَ منهم جحفل بعد جحفل

فمزقتهم في خالد الوقعات

وشردتهم عن معقل إثر معقل

وروَّيت من قوادهم أسَلَاتي

وبات حماهم مستراد فوارسى

ومعهد لذاتي ومُرْ تَبَعاتي

فَثَّلوُّا أكاليلى وحلوا عزائمي

بمصرع نَدْبٍ خائض الغمرات

طلوُبِ عظيمات زعيم كتائب

ركوب مشقات قريع كماة

رضى السجايا ثابت الجأش باسل

كريم المحيا ناضر القسمات

فهل علموا لادرَّ درُّ أبيهمُ

بأي صفات أوقَعُوا وسِمات؟

أذَلوا أجلَّ الهام غرد أو عفرَّوا

بساقي تراب أشراف الجبهات

فأصبح من بعد الأمارة جسمه

أنيس ذئاب أو سمير بُزاة

وأدْلوّا بهذا الرأس فهو مُخَبِّري

بتصويح مجدي وانطواء حياتي

أخَيَّ جَنىَ ظلما عليك تجبري

وُغلوّاهُ أطماعي ولؤم عداتي

فداؤك أعضائي، لقد كنت ساعدي

فبان، فقلبي دائم الحسرات

وكنت أليفي مذ شببنا وصاحبي

وكنت خدين اللهو والصبوات

وكانت تهاب الأُسد بأسك قانصا

وترمي مصيبا أبعد الفلوات

وكنت مبائي إن ألمَّتْ ملمة

ومرجع أسراري وكهف شكاتي

وكنت ظهيري في مُغار وملحم

ويوم طرادٍ هائج الهبَوات

وكنت ملاذ الروح واللب والنهى

وكنت سراج الرأي في الشبهات

ص: 49

أخيَّ وهل مثلُ الأُخوة نعمة؟

وهل بعدها من لُحمة وسداة؟

فديتك منهوبَ الترائب مثخَنا

بكف الأعادي داميَ الطعنات

تنوشك منهم عصبة بعد عصبة

خضيبَ العوالي ثائرَ الفتكات

سيبكي فؤادي يوم رزئك موجعا

واسقي قديم العهد بالعبرات

مصابك أو هي مِرَّني وأغصني

وزهدني في العيش والمتُعات

وأبدي لعيني آخر المجد والعلا

فعفت طلاب المجد والعظمات

فلا طال عيش آض بعدك موحشا

كبيت خلاء مقفر العرصات

سوى ريثما أشفي من الروم غلت

وأنهل من تلك الجموع ظُباتي

ويبكي حسامي مصرعَ الفضل فيهمُ

ويأخذ من أبطالهم بِتِرات

فخري أبو السعود

ص: 50

‌تذكار الشاعرة الكونتس دي نواي

للأستاذ خليل هنداوي

- 2 -

الحب والموت في شعرها

لم تذهلها هذه الطبيعة التي فنيت في حبها وجنحت الويها كل ميولها وأهوائها عن كل شيء، كما كانت تقول (إن نظرات الغابات والغدران والحقول أشد تأثيراً في نفسي من نظرات الإنسان) ولكنها سرحت في عوالم غير هذه العوالم: في عالم الحب، وعالم الموت والفناء.

يقول (جابر يول)(لم أجهل إلا يوما واحدا إن هذه الهائمة بالأزهار والأعشاب قد جحدت العالم كله لتقود نفسها إلى حب شهواني)

(ماذا يهمني إذا تلاشى اليوم عالم من الوجود؟

(فالزمن يستطيع أن يلد - ما ظلت حيا - صيفا جديداً)

وهي في هذه الخطرة غادة فاسقة متوهجة، تتبع ملذاتها الفانية برغبة عارية، وفي عينيها رواقان يظهران ويختفيان. يقولا ن (تعال، تعال، تعال!) وهادنت الساعة التي كانت ترتقبها لتنعم فيها بالرجل الذي توهجت للقائه. وهذه هي نفس الروح الأولى بما يغشاها من ذهول ووثوب، لا تهيم - في هذه المرة - في وجه الطبيعة، ولكن في وجه الإنسان، وعناق الإنسان

ولكن ما عسى يكون هذا الحب؟ إذا كانت الشاعرة تتخيل أن الحب بعد أعوام طافحة بالخداع والافتتان والزهو يغدو الوسيلة الوحيدة لتوليد الجشع النفسي الباعث على امتلاك الوجود!

(إن الوجود النقم الذي لا يأنس أبدا. . . .

أستميله إلي، وأطوي نفسي في حناياه. . .

حين يلتف ذراعاي على جسد نقي لامع كالصيف)

وهل يكون هذا الجسد إلا جسد من تحنو عليه ويبهجها البلوغ إليه؟

ص: 51

ألا أيها الوجود! إنما يدرك الناس باللذة الملتهبة نفسك التي لا نهاية لها.)

أحب منها هذا الارتباك بعد العناق ممثلا في قولها:

(إن نفسي خارجة عني، واللانهاية تملأ روحي روعة، فهل أراني متحدة معك. أم ممتزجة معها؟

إنني أحس قلبي، في جنح الليل الثائر. . . مؤتلفا مع النجوم.)

وهذا الاعتراف من والهة تؤمن بأن (اللذة لا تكمل الرغبة) أوه وهي مخدوعة بعمر السرور القصير، تاوى إلى جنات أحلامها الزاهية وتقول

(هذه كلها ستبقى عندما الحلم يفر،

هذه التي سنقدم لها في أعماق الليالي شفاهنا مغشاة بالظل، ونفتح لها أذرعنا مغمورة بالحلم.)

إلا تتجلى في هذه المقاطيع ذات الروح التي تجلت في مقطوعات الحدائق!

(عندما يطغى على الألم من وجهك الساطع

عندما لا يقدر قلبي المستعبد على مغادرتك

أحلم بأن ورائي - مغاني بعيدة وسفنا وموانئ، ومدنا أنيسة ما زالت تبهر لبى

ورغبتي الضالة تؤمن بأنها لا تقدر أن تحيا بعيدة عن هذه الشواطئ أنا في غنى عن كل شيء حين أترنم بها)

وقد يتجهم في وجهها كل وجوه الحب فتضمر الانتقام من الرجل، أو تغفي عنه. وتهيم في الحياة معتزلة بنفسها،

(أنا أعلم أن الهواء جميل، وأن هذا الفضاء هو الذي يسطع وأن لمعات النهار لا تهب على منك

وأسمع كبريائي يقول لي

أيتها الغادة العزيزة، أنا حماك الغيور إلى الأبد)

ولننظر إلى هذا الكائن المحبوب! كيف أرضى نفسه وأحب نفسه، وكيف طغى عليه القلق؟

(أيها الكائن العزيز الذي بكيته. . .

هل أستطيع أن أغفر لنفسي القاسية قعودها عنك هادئة يوم انتابك الألم)

ص: 52

يقول (جابريول): وفي ديوان (دي نواى) شعر مجوني شهواني لم تصنفه قلبها امرأة، تبرز فيه الحواس متيقظة، تتروح وتتلمس وتتذوق، شعر امرأة تتنشق وترشفها، وتتروح الطيوب العابقة من بلاد المشرق.

(عبير المسك، والأرز والورد يضمحل مع الرياح

والحب يعيده وينشره بأنامله الإلهية في جوف أريكة ملتهبة)

شعر امرأة وصفت العناق بكلمات رقيقة، لها وسوسة القبل وحلاوة العناق.

(وأنا لا أزال أرتقبك لأتذوق هذا السكر الفاسق.

أحلم بنظرتك الطافحة حبا، وبذراعيك العاريتين، وبعطفك الجميل الذي يطير عذبا. . .

ومن مقاطيعها الخالدة ما أوحاه إليها الموت، والموت عندها هو البلد المجدب، حيث لواء الحب فيه غير خفاق. وهذه الفكرة قد تحتلجها كثيرا وتحملها على استحضار الأسقام حين يغيض ماء الشباب، كأنها وثنية يروعها القبر الذي يمثل لها ساحة العدم، وطالما ذكرت الموت فثارت، وهاج قلبها واحتد عقلها وأعلنت حواسها العصيان على (عالم النسيان)

(أيها الموت! أيها السر الجديد! أيها الدرس الذي لا يتبدل.)

ولكن امرأة حية مثلها (ما خلقت لتموت) فكم مرة أعلنت بصفاء نفسها - في أشعارها - أنها لا تريد أن تموت. . . فهي طورا تجرب أن تستأنس بالعدم بواسطة الملاصقة.

(أيها الوجود الذي همت فيه كثيرا

سيأتي يوم تغتمض فيه عيناي. . .

فأحلم، وأنا ملتهبة معتزلة. بآخر شيء على العارض تهافت عليه ناظري عند الرحيل)

وتارة تعلل نفسها بإمكان التقمص والاستحالة.

(أيها الوهم المشتت! ألا تسمع صوت الأرض التي تشق؟)

مثلها كمثل الوثنيين الذي يكتبون ويعلمون (ألا شيء سيحيا بحرارة عروقه). وراء ذلك كله تعتمد على خلودها الأدبي الذي يقدر على استنقاذها من الردى.

(أكتب لليوم الذي أحول فيه رفاتا.

ليعرف الجيل القادم مبلغ ارتياحي للهواء والهناء. اكتب لأكون محبوبة بعد الموت.

إذا ما تلا أحد الفتيان ما كتبته، يحس قلبه يخفق، ويرتعش ويضطرب.

ص: 53

وإذا به يحملني في صدره، ويؤثرني على غاداته. . . .)

دير الزور:

خليل هنداوي

ص: 54

‌حول السلم الموسيقي

طالعت في مقال لحضرة الأستاذ مدحت عاصم نشر بالعدد 44

من مجلة الرسالة أن المسافة بين درجتين متتاليتين في السلم

الغرب المقرب تساوي 1615. ولما كانت القيمة الحقيقية

لهذه المسافة ليست وإنما هي أي الجذر الثاني عشر للنصف

ويساوي 0. 9438 (مقربا إلى أربعة أرقام عشرية) على حين

أن 1615 تساوي 0. 9375 ولما كانت فكرة الجذر الثاني

عشر للنصف فكرة أساسية في السلم المقرب الذي يشير إليه

حضرته، بل هي أساس التقريب في بناء السلم بواسطتها أمكن

توحيد المسافة بين الدرجات المتتالية وجعلها جميعاً متساوية،

على حين أن النسبة 1615 إنما تنطبق على السلم الدياتوني

قبل تعديله إلى السلم المقرب في أواخر القرن الثامن عشر،

فلذا رأيت أن أكتب منبها على ذلك.

وقد أشار الأستاذ عاصم في نفس المقال إلى تسمية الدرجة السابعة في السلم بالدرجة الحساسة قال (وان كنت لا أدري مصدر هذه التسمية - وأحسب علماء النغم أنفسهم لا يستطيعون لذلك تفسيراً دقيقا.)

والدرجة الحساسة التي تشير إليها حضرته وهي التي تعرف أيضا بالدرجة المؤدية أو الموصلة إنما سيميت بالحساسة أو الموصلة باعتبار الوظيفة التي تؤديها في التأليف الموسيقي، أو بعبارة أخرى مركزها النسبي في السلم وعلاقتها بالدرجة الأساسية أو الـ ومن المعلوم في التأليف الموسيقي أن الدرجة السابعة تجيء سابقة مباشرة ومؤدية أو

ص: 55

موصلة إلى الدرجة الأساسية كما يحدث عند نهاية كل قطعة موسيقية تقريباً، فمثلا الفالس برييانت لشوبان (نمرة 2 من المؤلف نمرة 34)

فإذا علم أن القطعة درجتها الأساسية هي الـ أو الـ فان الدرجة السابعة وهي أو الصول الحادة كما يظهر بوضوح تؤدي أو توصل إلى الدرجة الأساسية في الختام أو الـ النهائية. أما فكرة الحساسية فناشئة عن إننا إذا وقعنا مجموعة النوتات أو الـ المشتمل عل الدرجة السابعة، فإننا نشعر بحساسية خاصة للصوت الحادث أو شعور بتوقع حدوث صوت آخر هو النهائي المشتمل على الدرجة الأساسية.

هذا وقد لاحظت بعض ملاحظات أخرى في المقالين السالفين لحضرته في هذا الموضوع منها وصف حضرته في المقال الثاني (المنشور في 29 يناير) لسلم فيثاغورس بأنه أقدم سلم عرف في التاريخ، مع أننا إذا ضربنا صفحاً عن موسيقى الأمم القديمة كالصين والهند، فان اقدم سلم عند الإغريق هو السلم الدوري ويليه في القدم السلم الفيثاغورسي. ولعل منشأ الخطأ في ذلك يرجع إلى ما حدث في القرون الوسطى من خطأ في هذه الأسماء يرجع إلى امبروز اسقف ميلانو الذي صار بعد ذلك بابا لروما، وسمي باسم جريجوري فانه أصدر أمرا بتجديد السلالم الموسيقية ورد فيه خطأ وخلط كثير في أسمائها.

محمد مصطفى شريف

ص: 56

‌الدوق دي لاروشفوكو

للدكتور حسن صادق

ورأى لاروشفوكو أن يرضي الدوقة فانضم إلى أخيها ودارت رحى القتال. وفي 7 أبريل عام 1652 انتصر جيش الملك في (بلنو) وأثناء ذلك عاد مازاران إلى فرنسا وبدأ يستخدم الحيلة والدهاء في إخماد الثورة، وعرف لاروشفوكو أن الدوقة أعرضت عن حبه وكلفت بالدوق دي نيمور فآلمه ذلك جد الألم. وقد ذكرت حفيدة الدوقة في مذكراتها أن لاروشفوكو كان شديد الرغبة في قطع هذه الصلة والخلاص من هذا القيد. واستدلت على صحة قولها بإحدى مواعظه:(لما نمل الحب، نغتبط إذا خان الحبيب عهد وفائه، لأنه بعمله هذا يحلنا من عهد وفائنا له). ولكن الغيرة بقيت تخز قلبه زمناً طويلاً لأنها كما قال في موعظة أخرى: (تولد مع الحب ولا تموت في كل حالة معه)

نال إعراض الدوقة منالا كبيرا من كبريائه، ولكنه استمر في القتال يشد أزر أخيها. ثم حدثت موقعة حي سان انطوان، وقتل فيها كثير من النبلاء، وأصيب لاروشفوكو برصاصة في وجهه كادت تقضي على بصره، فنقل إلى مستشفة لبانكور وكان هذا آخر عهده بالحرب الأهلية، وجنبته هذه الإصابة عار الاشتراك مع كونديه في قيادة جيش من الأسبان ضد بلاده

ونذير بهذه المناسبة أن عهد الحرب الأهلية من أسوأ العهود التي مرت بها فرنسا، فقد أظهر النبلاء أثناءه نزقا كثيرا، ونبغوا في فن الدسيسة، وكشفوا عن الأثرة المتأصلة في نفوسهم، وجمعوا كل وطنيتهم في مصالحهم الذاتية، وتكالبوا على متع الحياة في جشع وضيع، وكاد بعضهم لبعض في سبيل الألقاب والرتب، وأسالوا الدماء، وأسلموا البلاد للفوضى تفتك بها دون أن يروعهم وازع نفساني. كان كونديه ولاروشفوكو ومن إليهما في ذلك العهد قطاع طرق ورؤساء مناسر، تنهب وتحرق وتهتك الأعراض في مرح وحشي. واهتبل النبلاء فرصة الاضطراب فعاشوا في البلاد ذئابا إقطاعيين، وساءت حال الفلاح حتى عزت عليه اللقمة التي تحفظ ذماءه، وامتلأت السجون بالبائسين الذين عجزوا عن دفع الضرائب الباهظة المفروضة عليهم، ورأت باريس في عام 1652 مائة ألف جائع يهيمون في طرقاتها ويستجدون أهلها وهم في أسمال بالية. ولهذه الأسباب فرح الشعب لما

ص: 57

استتب الأمر للملك، ونظروا إلى استبداده نظرهم إلى نعمة هبطت عليهم من السماء.

وأثر هذه الحرب الأهلية المادي ليس بأقل سوءا من أثرها المعنوي، فقد دفعت الناس في طريق النفاق والخيانة والأثرة الجامحة، وكان من نتائجها أن يتهافت النبلاء المتكبرون على قدمي الوزير مازاران يرجون ويستعطفون في ذلة وخنوع

ولم تنتج هذه الحرب أثرا طيبا إلا في الأدب والفنون، وتعتبر نهايتها فاتحة العهد الأدبي الحافل الكبير الذي صقلت فيه العبقرية الفرنسية، وأصبح الأسلوب فيه عذبا نقيا، والتعبير لاذعا دقيقا. وكثير من الذين حملوا السيف وخاضوا غمار هذه الحرب شاهدوا صروحا أدبية خالدة، بعد أن لاحظوا أهواء الناس ورأوهم في ثوبهم الحقيقي. ومن هؤلاء هذا الكاتب الذي نتحدث عنه

وفي 21 أكتوبر عام 1652 أصدر الملك لويس الرابع عشر العفو عن لاروشفوكو، وسمح له بالعودة إلى باريس، ولكنه لم يعد إليها إلا بعد وقت طويل قضاه في الريف هادئا يفكر في آماله الضائعة، وأحلامه المتداعية

الشيخ الفيلسوف

لما فشلت ثورة الأمراء واستتب الأمر للملك لويس الرابع عشر، عرف ضروب الأهواء التي تتلاعب بنفوسهم، واستغلها استغلال رجل قدير، وجاد على هؤلاء السادة العظماء بأنواع الإحسان الوفير حتى أحالهم إلى ندماء متواضعين، استكانت الأهواء الجامحة بعد انتصار الملكية، فأخلد الناس إلى السكينة، وعادت الحياة إلى مجراها النمطي، وبدأت النساء ينشدن في (الصالونات) أو بين جدران الأديرة ضروب الانفعال التي كن يجدنها في نكبات الحرب الأهلية. ولم تعد تفكر الطبقة العالمية إلا في قهر (الضجر) مرض الأغنياء الذين لا يعملون، الذي استحوذ عليها. يدلنا على ذلك قول مدام دي مننون:(إني عاجزة عن أن أبين مبلغ الضجر الذي يعذب العظماء الاغنياء، والمشقة التي يلاقونها في قضاء يومهم)

وفي ذلك الوقت عاد بيت رامبويية إلى فتح أبوابه، ولكنه لم يلق الإقبال الذي اعتاده قبل الحرب الأهلية، لأن ربة البيت المركيزة دي رامبويية كانت في الثانية والسبعين من عمرها، واضمحلت قواها الذهنية، وتفرق أثناء الاضطراب الذين كانوا يترددون عليه، ثم

ص: 58

ظهرت في باريس (صالونات) أخرى أهمها صالون الآنسة دي مونبانسييه، والآنسة دي سكودري، والكونتس دي لافاييت، وصالون الدقو دي لاروشفوكو، الذي بدأ بعد الشغب يبحث عن السعادة في الأدب والفكير، ثم صالون المركيزة دي سابيله.

وكان كل صالون يميل إلى نوع خاص من الأدب. فصالون الآنسة دي سكودري يميل إلى وضع المعاني الغزلية الرائعة في شعر قصير، وصالون الآنسة دي مونبانسييه يحب الصور الشخصية، وصالون المركيزة دي سابليه يتعشق عمل المواعظ، أما بيت رامبوييه فكان مولعاً بالأدب وفروعه جميعها

وفي أحد الأيام، وكان ذلك في عام 1658، طلبت الآنسة دي مونبانسييه من الحاضرين في مجلسها أن يرسموا صورهم كتابة في مقالات موجزة. ثم تناولت القلم ووصفت على القرطاس أجزاء وجهها، ثم قوة ذهنها، ثم أهواء نفسها وميولها وأخلاقها. وقلدها جميع الحاضرين ومن بينهم لاروشفوكو. ثم جمعت هذه الصور ونشرت في عام 1659 وكانت صورة لاروشفوكو الممهورة بالحروف الأولى من اسمه أول عهد الجمهور الفرنسي بكتابته. وسنذكر نبذا من هذه الصورة عند الكلام على أخلاقه وميوله

وكانت جماعة المركيزة دي سابليه يعالجون في صالونها الموضوعات الجدية، ويتحدثون عن ديكارت والمنطق والأهواء الإنسانية، وقبل أن يتفرقوا يحاول كل منهم أن يضع خلاصة المناقشة في جمل قصيرة فصيحة، أي يضعها في حكم أو مواعظ. وانتشر هذا الميل إلى الحكم حتى بلغ الريف. وفي عام 1660 كتب لاروشفوكو من (فرتى) إلى المركيزة يقول (هل لاحظت أن الميل إلى كتابة حكم ومواعظ يعدي كالزكام؟ هنا في الريف كثير من الناس انتقلت إليهم العدوى وشغفهم هذا الميل حبا). وصالون هذه المركيزة هو الذي ملك على لاروشفوكو عقله ولبه، واستأثر به دون الصالونات الأخرى

وفي عام 1661 أصيب بمرض النقرس، فلازم بيته في شارع السين بباريس، وجعله (صالونا) يجتمع فيه عظماء الفرنسيين وأدباؤهم. وفي هذه السنة اعتزلت الدوقة دي لونجفيل الاجتماع واتجهت إلى العبادة والتكفير عن سيئاتها، بعد أن هجرها صاحبها الدوق دي نيمور، ومات قتيلا في مبارزة وقعت بينه وبين الدوق دي بوقور

وكان لاروشفوكو قد بدأ يكتب مذكراته بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها في لهجة

ص: 59

المؤرخ الرزينة، ويذكر فيها الأسباب التي حملته على الاشتراك في هذه الحرب ويردها كلها إلى نكران الجميل الذي بدا له من الملكة آن دوتريش والدوقة دي شفرير والدوقة دي لونجفيل. وأطلع عليها أحد أصدقائه في عام 1662 فنصح له بعدم نشرها حتى لا يغضب الملك والأشخاص الذين ورد ذكرهم فيها، فقبل نصحه، ولكن صديقاً آخر نقلها مشوهة دون أن يعلم المؤلف ونشرها في هولانده في عام 1664، فأثارت لغطا كثيرا. ويقول الدوق سان سيمون:(لما اطلع أبي على هذه المذكرات ملكته سورة الغضب، وتوجه في الحال إلى المكتبة التي تبيعها، وكتب على كل عدد منها عنوة واقتدارا (كذب المؤلف) وكاد الملك يتدخل في الامر، ويسئ إلى لاروشفوكو لولا حظوة ابنه البكر فرنسوا السابع لدى مولاه.

يتبع

حسن صادق

ص: 60

‌العُلوم

العقل البشري

للدكتور عبد الفتاح سلامه

العقل ثلاثة أقسام:

1 -

العقل المميز

2 -

العقل الواعي أو الشعوري أو العقل الظاهر

3 -

العقل غير الواعي أو اللاشعوري أو العقل الباطن، ' والعقل غير الواعي يحتوي على قوى عقلية وأفكار مستترة ليست ظاهرة للجزء المجاور له المسمى بالعقل الظاهر. والفكرة المستترة فيه والتي تنضج بالنسبة إليه، يرسلها إلى العقل الظاهر لتحويلها من مجرد فكرة إلى حركة أو عمل، هذا إذا وافق عليها ذلك العقل الظاهر.

والعقل الظاهر هو ذلك الجزء من العقل الذي نعي به كل ما حولنا من ظروف وأحوال، فيختار منها ما قد يبدو له مهماً ويبت فيه إن أمكنه، وهو يتلقى أفكار العقل الباطن لينفذها أو يناقشها ويبت فيها كذلك إن أمكنه، وإلا فانه يعرض ما عسر عليه على العقل المميز.

وسواء أكان العقل الظاهر أو التمييز هو الذي بت في أمر ما فان ذلك يعتبر تجربة يصح القياس عليها، فترسل هذه التجربة إلى العقل الباطن فتسجل وتبقى فيه إلى الوقت المنسب إذ يطلبها أحد العقلين في أي ظرف يحتاج فيه إليها.

على أن تسجيل التجارب والأفكار ليس هو العمل الوحيد للعقل الباطن، بل إن هناك عملا آخر يقوم به، وهو إنه قد يكون له رأياً مستقلا من الأفكار المسجلة عنده، أو قد يوازن بين هذه الأفكار المسجلة ويستخلص منها رأياً يود إثباته أو تنفيذه فيعرضه على العقل الظاهر كما سبق أن بينا ذلك.

ولأجل أن يكون الفكر الذاتي ناضجاً تماماً يجب أن يعرض على العقل الظاهر ثم على العقل المميز حتى تتم له صفة الصحة، فيعتقد الإنسان به تمام الاعتقاد، وهذا هو الطريق الطبيعي للأفكار الذاتية التي لا تسبب أي مشقة للإنسان.

وهناك أفكار ذاتية أخي لا يمكن بأي حال عرضها على الجهات الرئيسية من العقل فتبقى في العقل الباطن، ذلك لأن هناك ما يمنع العرض على العقل الظاهر، وقد يكون هناك

ص: 61

أيضا ما يمنع العرض على العقل المميز. وأما المانع في الحالتين فهو الضمير الذي يقوم بالمحافظة على تقاليد المجتمع وواجباته من جهة، وبالمحافظة على الدين وتعاليمه من جهة أخرى

والفكرة الذاتية التي لم تتمكن من الوصول إلى العقل الظاهر تبقى في العقل الباطن كوحدة قائمة بذاتها. ذلك لأن الضمير طردها من الجهات الرئيسية من العقل، فلا هي نفذت كما يريد العقل الباطن ولا هي نوقشت حتى يتضح له فسادها فيتركها، وهذا هو السر في تشبث العقل الباطن بالأفكار التي لا يوافق عليها الضمير الديني أو الاجتماعي أو الأخلاقي وفي عمله على تنفيذها بأي شكل كان، ولما كان ذلك التنفيذ محالا بفعل الضمير فان العقل الباطن يتخيل تحقيق هذه الفكرة المحرمة عليه، وهذا التخيل يسبب في كثير من الأحوال حركات جسمانية أو ألفاظاً تنم عليه. والحركات والألفاظ ليست إلا نتيجة تخيل تحقيق فكرة مكبوتة في العقل الباطن، وعلاقة هذه الحركات والألفاظ بالفكرة هي علاقة الصورة أو الخيال الذي يستمد وجوده من وجود جسم آخر قد لا يكون ظاهرا للعيان. وهكذا نرى أن الفكرة الذاتية نفسها وهي التي سببت الحركات والألفاظ لم تتمكن من الوصول إلى الشعور أو التمييز، أي إن الإنسان لا يدري عنها شيئاً مطلقا

ولتسهيل فهم علاقة أقسام العقل الثلاثة ببعضها نشبهها بثلاث غرف متصلة مع بعضها ببابين، وأمام كل باب حاجب يصرح أو لا يصرح بالدخول، وإذا عرفنا أن الحاجب قد يتجاوز مهمته بان يمنع من الدخول من يجب أن يدخل، فإننا نجد أن الضمير قد يغالي في منع مرور الأفكار الذاتية من قسم عقلي إلى القسم الأعلى المجاور له فتبقى الفكرة الذاتية كما قدمنا مصدراً لحركات وألفاظ وعواطف قد تأخذ صفة أعراض الأمراض العصبية، على حين أنه لو سمح لها بالمرور لعرفها العقل الظاهر ولناقشها العقل المميز وبث فيها على أساس سليم فتصبح غير قادرة على إيجاد ما كانت تسببه

على أن هذه الحركات والألفاظ لا يمكن لها الحدوث إلا في غياب التمييز، لأن هذا الأخير كثيراً ما يترك القيادة الفعلية في الإنسان إلى العقل الظاهر، وهذا بدوره كثيراً ما يتأثر في تصرفاته برغبات العقل الباطن وأفكاره، ويكون العقل الباطن إذن هو القائد الأعلى في غياب التمييز أو في حالة ضعفه لسبب ما، ولما كانت الأفكار الذاتية هي من عمل العقل

ص: 62

الباطن، ولما كان هذا الأخير محدود التمييز فهو عرضة للخطأ في تقديره لحقيقة الامور، وينتج من ذلك أنه كثيراً ما تكون الأفكار الذاتية مخطئة، ولما كانت هذه الأفكار هي التي تقود الإنسان غالباً - في غياب التمييز - فانه من الجلي أن يكون الإنسان العادي عرضة للخطأ في كثير من تصرفاته، وأن يكون الإنسان العصبي عرضة لأن يسبب لنفسه ولمن حوله شتى المتاعب

وإذا كان العقل الباطن محدود التمييز لانه لا يأبه بالحقائق فانه غزير الخيال واسع الحيلة في هذا الباب. ولك خيال عنده حقيقة وإن خالف الواقع، وهذا ما حدا بفرويد أن يقول بان هناك حقيقتين: الحقيقة الواقعية والحقيقة النفسية، وإذا كان الإنسان العادي يعيش في الحقيقة الواقعية فان الإنسان العصبي يعيش في الحقيقة النفسية - أي فيما يصور له الخيال، وهناك أمر آخر يقوم به العقل الباطن، وهو تسجيل الأفكار والتجارب والمعلومات على قواعد الاصطحاب والقرينة أي أن الأشياء المماثلة أو المخالفة لبعضها مسجلة مع بعضها أو بالقرب من بعضها

وتبدأ الأفكار الذاتية والاصطحاب في الظهور عند الإنسان من يوم ولادته، فالجوع يسبب الرغبة في الأكل، والوالدة تطعم طفلها، وهكذا تنشأ فكرة عند الطفل بأنه في حاجة إلى شخص آخر يمده بما يشبع جوعه، ويتعود الطفل سماع صوت معين ورؤية شخص معين يطعمه ويسهر عليه ويسبب له الشعور بالراحة والسرور والاكتفاء، فيصحب ذلك الصوت المعين وهذا الشخص المعين بالسرور والاكتفاء، وهكذا ينشأ الاصطحاب عند الطفل، وهذا يفسر خوف الطفل وبكاءه عند شعوره بانفراده، واطمئنانه وسروره عند رؤيته لوالدته أو عند سماعه صوتها

وإذا عرفنا أن حواس الجسم خلقت لتحمي وجوده، وعرفنا ان العقل هو القائد المدبر لهذه الحماية، وانه من اجل ذلك يسجل عنده الحوادث الماضية كتجارب يستنير بها في أي موقف من مواقفه، وان هذه التجارب وان لم يذكرها الإنسان مسجلة في الجزء اللاشعوري من عقله، مهما طال عليها القدم. إننا إذا عرفنا ذلك أمكن لنا أن نفهم ما قد يبدو لنا غريباً، فقد يسيء إلينا في طفولتنا بعض أشخاص ذوي خلقة معينة، وقد ننسى هؤلاء الأشخاص بالذات ولكننا لا ننسى ان نقابل اي شخص يماثلهم في الخلقة بالكراهية، ذلك لاصطحاب

ص: 63

الخوف والخطر لهذا الشكل المعين، وهذا يفسر أيضا قول البعض انه يمقت فلانا من أول ما يراه، ولكنه لا يعرف سبب ذلك

على ان هذه الفكرة الذاتية كثيراً ما تتعدى الحاضر إلى المستقبل، فقد تجلس في المقهى على ان تغادره في ساعة معينة فيشغلك الحديث مع جارك، وتنسى كل شيء، ولكن لا تلبث ان تذكر ميعادك في الوقت المناسب فتستأذن لتلبيته، أو قد تنما على أن تستيقظ في ساعة معينة فيكون لك ما تريد. ذلك لانه في اللاشعور قد تكونت عقيدة بأنه من مصلحة الإنسان أو من مصلحة وجوده ان يذهب إلى الميعاد في ساعة معينة، ولهاذ ترى اللاشعور يذكر الشعور باستمرار بالموعد، فهو بين آونة وأخرى يقذف بفكرة الموعد أمام الشعور، وقد لا يأبه الشعور إلى هذا التذكير، لأن الوقت لا يزال مبكراً، ولكن اللاشعور يستمر في التذكير بين آونة وأخرى حتى يحل الموعد فيتذكره الإنسان إذا كان متيقظاً، أو ينتبه من نومه إذا كان نائماً

وكما إن الأفكار الذاتية قد تكون مخطئة فكذلك الاصطحاب قد لا يكون على أساس سليم. ومحاولة تصحيح خطأ الاصطحاب أو توجيه اللاشعور إلى الأفكار والعقائد الصحيحة هو في الواقع واجب على كل إنسان يود أن يحيا حياة عقلية سليمة

وإذا كنا قد أثبتنا أن العقل الباطن هو الذي يقوم بمهمة التخيل فان الجزء الشعوري من العقل هو الذي يقوم بتنفيذ كل ما يوحي به العقل الباطن في غياب التمييز، لأنه يعتقد أن كل ما يوحي به العقل الباطن مهم لاستكمال النقص الموجود في الجسم. وهو في تنفيذه لرغبات العقل الباطن قادر كل القدرة على عمل ما قد يبدو مستحيلاً لأول وهلة، لأن الشعور لا يسيطر فقط على حركة الإنسان الظاهرة، بل يسيطر أيضا على كل الأعضاء الداخلية للجسم. فيكفي أن يخيل العقل الباطن السفر لأجل أن ينفذ الشعور ذلك السفر. ويكفي أن يتخيل العقل الباطن الشفاء لأجل أن ينفذ الشعور الشفاء أيضاً. وهذا هو الأساس في الإيحاء بأنواعه

هذا إلى أن الشعور تتمثل فيه غريزة التغذية، وهي التي تهيئ للجسم أسباب المأكل والمشرب والدفء. . . الخ. وهكذا يتبين أنه إذا كانت كل الجهود التي ترمي إلى حفظ النفس وجعل الجسم كاملاً سليماً ممثلة في العقل الظاهر. ولما كان الإنسان قليل العقلان في

ص: 64

هذا السبيل فيكون الطمع والحسد والغيرة والمغالاة في جمع المال. ولما كانت كل من هذه الجهود ترمي الى تفكك المجتمع وانحطاط الأخلاق فإننا نجد أن المجتمع قد حاربهما لشيئين:

أولا: من الطفولة إلى إكمال الدراسة نجد أن الأب والمدرس والدين يتعاونون على كبح هذه الرغبات بما يخونه من تعاليم، ثم ينسى الإنسان الأب والمدرس وتبقى التعاليم في العقل بصفة ضمير أو وازع نفساني يحض على الخير وترك الشرك.

ثانياً - إن ما يلاحظه الإنسان في الحياة من احتقار الهيئة الاجتماعية لكل من يحاول إشباع رغبة محرمة يجعل الشعور، وهو الذي يهمه حفظ الجسم وسلامته من الامتهان، يقف في وجه العقل الباطن أو يقلل من مغالاتها هي الأخرى في تنفيذ رغباتها. وهي تقف هنا أيضاً في وجه العقل الباطن باسم الضمير الإنساني النبيل في الظاهر.

والواقع أن خوفها مما حدث لغيرها هو الذي يجعلها تقف هذا الموقف وهكذا يبدو أن الضمير مفيد للهيئة الاجتماعية، وهذا هو الواقع ولكن إلى درجة محدودة. لأن ذلك الضمير إذا كان قوياً أكثر من اللازم فانه يمنع الرغبات من المثول أمام التمييز أو الشعور فتبقى في العقل الباطن دون أن تنفذ، ولما يقتنع العقل الباطن بضرر تنفيذها بعد. وهنا كثيراً ما تنشأ الأمراض العصبية. والطريق الوحيد لإقناع ذلك العقل والتغلب عليه هو عرض رغباته على الشعور أو العقل المميز لمناقشتها والبت فيها

والعقل المميز هو القوة الاختيارية، أي التي توازن بين كل شيء وتختار التصرف الذي يتراءى لها، وهي موضع الذكاء في الإنسان

ويجب أن نذكر أن الضمير لا يمنع كل رغبات العقل الباطن من الوصول إلى الشعور ثم إلى التمييز، بل بالعكس فانه يسمح للكثير منها بالوصول إلى التمييز نفسه، ولكنه يقف أمام رغبات معينة فيمنعها من طريقها إلى الشعور. وهذه الرغبات المعينة الممنوعة هي التي تسبب الأمراض العصبية واما هذه الرغبات المعينة فإننا سنذكرها بشيء من الإسهاب بعد أن نتكلم عن قصة أوديب الملك، وعما يسميه -

والعقل بأقسامه الثلاثة ما هو إلا شيء معنوي أو بمعنى آخر هو وظيفة يقوم بها المخ الذي يتكون من جزأين - الأول وهو القشرة السنجابية الرمادية، يتكون من مجموعة من خلايا

ص: 65

عصبية متصلة ببعضها تمام الاتصال، والثاني وهو الجزء الأبيض المكون من خيوط دقيقة تقوم بمهمة أسلاك التلفون، وتوصل الخلايا مع بعضها كما توصل بين الخلايا وأجزاء الجسم المختلفة.

والخلية العصبية هي وحدة المخ التي تساهم في تكوين العقل بأقسامه الثلاثة، ففي كل خلية جزء من المعلومات والإحساس والتمييز الخ. والعقل التام أو قيام المخ بوظيفته كما يجب لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الاتصال الكلي بين جميع الخلايا، وبهذا يمكن تبادل المعلومات والإحساس والتمييز بين الخلايا فيؤدي المخ وظيفته على أحسن حال. وكلما كان هناك ما يمنع اتصال الخلايا كان هناك أيضاً فكر غير ناضج ورأي غير معقول. وليست فائدة الاتصال بين الخلايا مقتصرة على تبادل المعلومات. إذ أن تسجيل التجارب والأفكار يحدث بواسطة هذا الاتصال على قواعد الاصطحاب والقرينة فالمعلومات المتشابهة أو المتضادة تسجل في خلايا متجاورة أو متباعدة، ولكنها متصلة ببعضها

ولما كان المخ البشري من الوجهة التشريحية الميكروسكوبية متماثل من جميع الوجوه - سواء في ذلك المخ الزنجي ومخ الرجل الأبيض، وسواء في ذلك أفتى وأغبى رجل - فإن اتصال الخلايالا يتوقف على كثرة أو قلة الخيوط الدقيقة، أو على مقدار تفرع هذه الخيوط كما يتوقف على العوامل النفسية والعقلية الأخرى

فالعوامل النفسية إذن هي التي تمنع الاتصال بين الخلايا. وأكثر هذه العوامل هو ما يكون بفعل المشادة بين اللاشعور والشعور، أو بمعنى أدق بين اللاشعور والضمير - أو بين ما يسميه فرويد وهو يقصد بكلمة لبدو كل الجهود التي ترمي إلى إشباع شهوة النفس وبكلمة الجهود التي ترمي إلى حفظ النفس وجعلها ملائمة لمقتضيات الوسط الذي تعيش فيه

هذه المشادة بين اللاشعور والضمير هي التي خلقت العواطف في الإنسان وخلقت فيه التردد وعدم البت في الأمور، وهي التي كثيراً ما تحول دون تمام الاتصال بين الخلايا، فيكون الفكر والرأي والتصرف غير ناضجة من الوجهة العقلية السليمة. وهي أيضا التي تمهد السبيل إلى الأمراض العصبية المختلفة

وليس هذا الاتصال المباشر بالخيوط الدقيقة - هو الاتصال الوحيد بين الخلايا. فان هناك اتصالا آخر غير مباشر وهو اتصال يمكن تشبيهه بالاتصال اللاسلكي بين المحطات

ص: 66

المختلفة

هذا الاتصال الأثيري قد يكون موجودا، ولكنه نادر وقليل الحدوث بين خلايا المخ الواحد، وهو مع ذلك شائع وكثير الحدوث بين الخلايا التي لا تنتمي إلى مخ واحد. وهذا هو سبب ما نسميه توارد الخواطر وسبب الرؤيا الصادقة. ومن منا لا يذكر انه أراد مرة أن يقول كلمة فسبقه مخاطبه بقولها؟ ومن منا لا يذكر انه كان يتكلم مع صديقه عن شخص ثالث، فإذا بهذا الشخص الثالث يحضر على الأثر؟ ومن منا لا يذكر انه رأى شيئاً في الرؤيا فإذا به يراه في اليقظة في اليوم التالي؟

وهكذا نرى أنه قد يكون لكل رؤيا تفسيران - التفسير الأول وهو الثابت في جميع الرؤى هو التفسير التحليلي الذي سبق أن تكلمنا عنه. وأما التفسير الثاني الذي يتعلق بحوادث اليوم الأول أو الأيام القليلة التي تلي ليلة الرؤيا فانه، فضلا عن كونه قليل الأهمية في الغالب لا يمكن معرفته قبل حدوثه بالفعل، فهو نادر الحدوث، أي أن الرؤيا التي لها تفسير من هذا القبيل قليلة ونادرة. فالتفسير التحليلي إذن هو الأهم وبواسطته يمكن معرفة رغبات الإنسان الكامنة فيستدل على مواطن المرض العصبي ويستأصل من جذوره

هذا وقد حاول الكثيرون التخلص من الأفكار الذاتية المخطئة بطرق شتى

1 -

الإيحاء

2 -

الإيحاء الذاتي

3 -

الجمع بين الطريقتين السابقتين وهي طريقة (وهي التي يسميها '

4 -

التنويم المغناطيسي. وعيبه أنه يؤثر تأثيرا بيناً في شخصية النائم. على أن هذه الطرق الأربعة مع إمكان نجاحها في الحالات البسيطة، فهي كثيراً ما تفشل، ذلك لأنها لا تؤثر إلا في الحركات والألفاظ أو الأعراض العصبية الأخرى التي سببتها الأفكار الذاتية الكامنة، ولكنها لا تؤثر في هذه الأفكار نفسها. ولذا فان هذه الأعراض قد تختفي لتحل محلها أعراض أخرى أخف أو أشد منها على حسب الظروف. ولو تسنى معرفة هذه الأفكار أو الرغبات الكافية لعرضت على العقل المميز وبت فيها ولخرجت إذن من العقل الباطن وأصبحت غير قادرة على ما كانت تسببه قبل ذلك

وفيما بعد سنتكلم عن الإيحاء والتنويم والاتصال الأثيري والتحليل النفسي مع شيء من

ص: 67

الإسهاب. ولا بأس الآن بعد أن وصلنا إلى هذا القدر من البحث من أن نشير إلى الروح وما هي، فقد تعرض لها الكثيرون في العصور المختلفة. فمن قائل إنها في الدم، ومن قائل إنها في القلب. وربما يظن الإنسان أنه قد توصل إلى معرفتها، وأنها هي التي تتجلى في الاتصال الأثيري السالف الذكر، والواقع أنها بعيدة عن متناول يده الضعيفة، فهو لم يعرف بعد جميع أسرار المادة التي يراها حوله في كل مكان. وأولى له أن يعرف هذه الأسرار قبل التطلع إلى معرفة الروح. والروح من أمر الله

عبد الفتاح سلامه

ص: 68

‌القصص

مغامرات آخر بني سراج

لشاتو بريان

'

تلخيص وتحليل ونقد

بقلم الآنسة سهير القلماوي ليسانسييه في الآداب

بنو سراج في التاريخ

إذا كان تاريخ سقوط غرناطة يحفه الكثير من الغموض والكثير من النقص واللبس، فلا غرو إذا كان تاريخ بني سراج كله غموض وإبهام، وكله لبس ونقص. لا نجد كتاباً يذكر عن بني سراج شيئاً كافياً، ولا نجد كاتباً ينتهي في أمرهم إلى ما ينتهي إليه غيره، هذا إذا ذكروهم وما أقل ما ذكروا.

فإذا بدأت بقولهم إن بني سراج اسرة، تجد خلافاً في هل عرفوا في التاريخ كاسرة حقاً، أو أن التاريخ لم يعرف منهم إلا فرداً واحداً؟ وهم بعد يختلفون في حقيقة اسمه. وإذا ثنيت بقولهم نشأوا في غرناطة وجدت من يقول إنهم نشأوا في قرطبة، ثم رحلوا عنها إلى غرناطة. وهكذا يستمر الخلاف في كل خطوة من خطى الكلام على بني سراج.

ولكن برغم هذا كله يمكن أن نستخلص من كلام المؤرخين في شأنهم ما يلي: إنهم أسرة عرفت في غرناطة أواخر أيام بني الأحمر وكان هلاكها على يد أحدهم: أما أبو الحسن علي، وأما أبو عبد الله. وكان لهم يد في الخلافات الأخيرة التي وقعت بين أفراد الأسرة الحاكمة. وهم مشهورون بعد بخلافاتهم مع بني الزغري أو الزغبي، ونجد تأييدا لذلك كتاباً إسبانياً ألف حوالي سنة 1595 عنوانه (تاريخ عصابات الزغري وبني سراج والحروب الأهلية في غرناطة)

كذلك شهر بنو سراج بقصد الفتك بهم، فقيل أن بني الزغري كادوا لهم عند أبي عبد الله ففتك بهم. أما المكيدة نفسها فبعضهم يكتفي بالإشارة اليها، والبعض الآخر يتخذ الأسطورة

ص: 69

المشهورة في الفتك بهم كحقيقة تاريخية فيرويها. وفيما بعد تفصيل لتلك الأسطورة

أما شانوبريان مؤلف القصة المشهورة باسمهم، فالظاهر انه كان يرى فيهم أسرة من أشراف غرناطة حاربهم الأسبان فقتلوهم وشردوهم، والدليل على قولي هذا إن بطل القصة آخر سلالة بني سراج جاء إسبانيا للانتقام من سلالة السيد الأسبان لأنهم شردوا أجد اده وقتلوهم: ولو صحت لديه الأسطورة المشهورة لجاء ابن حامد منتقماً من سلالة بني الأحمر لا من سلالة الأسبان.

ننتهي من كل هذا إلى ان بني سراج اسم يذكر مقروناً بذكر سقوط غرناطة وببني الأحمر. إما مآلهم وإما حقيقتهم فشيء يحفه الكثير من الغموض ويحيط به سياج من الأساطير يخفي الكثير من الحقيقة.

بنو سراج في الأساطير

إذا كان التاريخ لم ينصف بني سراج فان الأساطير أنصفتهم كما أنصفهم الفن في الأدب والغناء.

تتعلق ببني السراج أسطورتان مهمتان، وكلتا الأسطورتين كانتا منبعاً للأدب أو للقصص بنوع خاص.

أما الأولى فهي الأسطورة التي تروي في سبب الفتك ببني سراج وهي أن أبا عبد الله بلغه حب أحد بني سراج لأخته زريده، فثار ثائره، وجمع الحاسرة كلها في مكان من الحمراء وأحرقهم أو قطع رؤوسهم جميعاً، ومازال صدى أصواتهم يرن في جنبات الحمراء شاكياً من ظلم مالا قوه. ويلمح كاتب مقال بني سراج في دائرة المعارف الإيطالية شبهاً عظيماً بين هذه القصة والقصة التي تروي في الشرق عن سبب الفتك بالرامكة، مما يجعله يرجح ان قصة بني سراج هذه ما هي إلا أسطورة غريبة صيغت على نسق الأسطورة الشرقية، فبنو سراج وزراء بني الأحمر، والبرامكة وزراء بني العباس، وفتك بالبرامكة الرشيد، لان جعفراً البرمكي أحب أخته العباسة، وكذلك فتك أبو عبد الله بالسراجيين لأن أحدهم احب أخته زريدة. ثم يقول كاتب المقال، واسم وهو اسم غريب في الأسماء العربية ما هو إلا تحريف تحكمي لاسم زبيدة زوج الرشيد.

ومما يبعد هذه الأسطورة عن التاريخ أن مؤرخاً عربياً واحدا لم يذكرها وان كان الأسبان

ص: 70

اكثروا من ذكرها في مؤلفاتهم.

وأما الأسطورة الثانية التي تتعلق ببني سراج فهي الأسطورة المذكورة في كتاب لانطيونو فالجانس اسمه تاريخ بني سراج وظريفة، ألفه سنة 1551 وقد استقاه من كتاب لا يعرف مؤلفه اسمه ' ويروي فيه قصة ابن دريز الرامي الذي تزوج سراً من ظريفة ابنة قائد قرطبة والذي أسره قائد الأنتقيرة. ولما صاحبته زوجه عن طيبة خاطر إلى السجن أخذت القائد شفقة على حالها المحزنة، وعلى حبهما وإخلاصهما، وطلب إلى أبيه أن يعفو عنهما، وحصل منه على أمر بإطلاق سراحهما. وقد رويت هذه القصة برقة زائدة حتى إن يقول، يظهر إنها كتبت بريشة من جناح أحد الملائكة واشتهرت هذه القصة شهرة عظيمة واعجب بها وذكرها في دون كيشوت. كتابه ديانا. واستخلص من موضوعها روايته. . . . وكانت القصة باختصار موضوعاً لعدة قصص من اشهرها أجملها ما رواه ' روايته

هاتان هما الأسطورتان، وما تفرع عنهما، ولكن موضوع بني سراج أنفسهم غير متأثر بأسطورة معينة من الأسطورتين كان وحياً للموسيقى المشهور شروبيني فقد وضع فيهم أوبرا مثلت في باريس سنة 1381 ووضع كلامها ولا تزال بعض ألحانها مشهورة إلى اليوم

كذلك نجد ذكرهم عند شعراء العرب، فهم يذكرون كثيراً، مثلا فيما ألف حول سقوط قلعة الحامة من شعر وغناء.

كذلك أنصفت الأساطير بني سراج كما أنصفهم الأدب والغناء.

قصة شاتو بريان

هؤلاء هم بنو سراج كما يعرفهم التاريخ وكما تعرفهم الأساطير ولكن الذي رفع ذكرهم ليس التاريخ أو الأساطير، وإنما هي قصة ألفها الكاتب الفرنسي المشهور شاتوبريان، وهي قصة (مغامرات آخر بني سراج). وليست القصة عن بني سراج أنفسهم كما يدل عنوانها، ولكن المؤلف اتخذ لقصته بطلا ادعى انه آخر سلالة هذه الأسرة، ولا يغير من القصة لو كان هذا البطل آخر سلالة أي أسرة عربية أخرى شهدت سقوط غرناطة وأصابها ما أصاب العرب جميعاً إذ ذاك.

كيف استقى المؤلف قصته

ص: 71

عاش شاتوبريان في شمال فرنسا، ولكنه عرف بكثرة الرحلات واتساع نطاقها، كما عرفت أسرته كلها بولعها بالرحلات والمغامرات، وقام شاتوبريان نفسه بعدة رحلات، فقد سافر إلى امريكا، وكانت تلك الرحلة من أهم ما انتفع به في كتابه الذي رفع ذكره وهو أثالا. كذلك عاش زمناً في لندره، حيث كتب الكثير من مؤلفاته، ورحلاته هذه لم تمل عليه أدباً فحسب، وإنما وصفها في كتب عدة غير مشهورة.

ولكن هناك رحلة خاصة هي التي أوحت إليه بتلك القصة التي نحن بصدد الكلام عنها، فقد تواعد وإحدى صديقاته على زيارة الحمراء وما حولها في غرناطة. وفعلا تقابلا هناك وزارا معاً الحمراء وما جاورها. وكان من أثر هذه الزيارة ان كتب القصة في نفس تلك الأمكنة التي يصفها. في الحمراء وما جاورها.

هذا ما أوحى إليه بالقصة. وأما مادة القصة فقد استقاها من كتاب أشرنا إليه آنفاً وهو (تاريخ عصابات الزغري وبني سراج والحروب الأهلية لغرناطة) ألف هذا الكتاب حوالي سنة 1595 ولكنه ترجم إلى الفرنسية وطبع في باريس ثلاث طبعات، الأولى سنة 1606، والثانية سنة 1698، والثالثة سنة 1809، وإذا عرفنا أن شاتوبريان مات سنة 1848 عرفنا انه كان يمكنه الاطلاع على كل هذه الطبعات الثلاث للترجمة الفرنسية فوق إن إحداها طبعت في شبابه، فلا غرو أن لفتت نظره. وهذا الكتاب الذي ألفه مستقى من ومن قصص العامة مسيحية وإسلامية حتى أن بعضها منقول نقلا. أضف إلى كل هذا أن أوبرا في بني سرا مثلت سنة 1813 فكانت حافزا للمؤلف ولا شك على تأليف قصته

ملخص: القصة

أما القصة نفسها فتتلخص في ان ابن حامد هاجر من قرطاجنة إلى غرناطة شوقاً إلى رؤية آثار أجداده وآخذاً للثأر ممن فتكوا بهم. وأثناء زيارته لتلك الآثار التي كانت تثير أشجانه، لمح أسبانية فتعرفها ثم احبها وأحبته. وزارا معاً قصر الحمراء، ولكن كل واحد منهما أصر على دينه، وأصر على ألا يتزوج صاحبه إلا إذا بقى على دينه. وكان ابن حامد يعرف أن صاحبته من أسرة أسبانية عريقة، ولكن لا يعرف عن هذه الأسرة شيئاً. وكانت إدماء تعرف أن صاحبها من أشراف العرب الذين هاجروا إلى المغرب، ولكنها لم تعرف لأسرته

ص: 72

اسما.

ويضطر ابن حامد إلى ترك غرناطة ليودع والدته قبل فراقها الحياة، فيودع إدماء ويقسمان على الإخلاص والوفاء. ثم يعود إليها بعد أن فارقت أمه الحياة فيجدها كما أمل: وفية مخلصة ثابتة على دينها

ولكن يظهر لابن حامد منافس في حب إدماء هو صديق أخيها الفارس الفرنسي لوترك ويعرض عليها أخوها الزواج من لوترك فترفض وتعترف له بحبها لابن حامد، فيثور أخوها ويطلب ابن حامد للمبارزة فيتبارزان ويجرح ابن حامد. وتأتي إدماء إلى ميدان المبارزة في صحبة لوترك، وتحاول إصلاح الحال بين أخيها ولوترك من جهة، وبين ابن حامد من جهة أخرى، ولكنها لا تفلح، ويصر ابن حامد على أن يحترم دون كارلوس أخاها ويحتقر لوترك حبيبها ويكرههما الاثنين.

وعند الغروب بينما كان ابن حامد سائراً سابحاً في أفكاره، إذ تنبه على صوت الناقوس يدعو النصارى إلى صلاتهم، فيدخل الكنيسة على إله النصارى وهو إله أيضا أن يحل ما تعقد في رأسه من أفكار. فيرى في الكنيسة (لوترك) راكعاً يصلي، فيهم بالخروج وإذا به يفاجئ إدماء داخلة تصلي أيضاً، فيظن هو إنها آتية للقاء لوترك، ولكنها تنفي عنه الظنة قائلة (أنا أعلى من أن أغشك) ثم تشتكي له ما تلاقيه وتفهمه أنه بتنصره يبرئها من سقامها وآلامها، فيخرج ابن حامد من الكنيسة وهو مصمم على أن يتنصر في الصباح.

وفي المساء سار إلى دون كارلوس فوجده قد سبقه إلى بيت لوترك، فسار إليه هناك فوجد أن لوترك يقيم حفلا في هذا المساء، وبدأ القوم يغنون بمفاخر قومهم كعادتهم في حفلاتهم، وغنى دون كارلوس فعرف ابن حامد من غنائه أنه أحد سلالة السيد الأسباني الذي جاء ينتقم من سلالته لأجداده بني سراج. وهنا كشف ابن حامد لهم عن حقيقته، فخيره دون كارلوس بين المبارزة وبين التنصر والتزوج بإدماء. وكان الخيار عليه صعباً، فحكم إدماء، فكان حكمها أن (عد إلى صحرائك)

ظلت إدماء بلا زواج طول حياتها تندب السراجي، وضم السراجي قبر لا زال معروفاً إلى الآن في المغرب بقبر آخر بني سراج

هذه خلاصة القصة ونلاحظ عليها ما يلي.

ص: 73

1 -

إن القصة كلها لا أصل لها في التاريخ. ويقول صاحب مقال بني سراج في دائرة المعارف الإيطالية أن ليس لها من الحقيقة سوى الاسم، بنى سراج.

2 -

إن الفكرة الدينية كانت عنصرا هاما في الموضوع، وهي دائما عنصر هام في روايات شانو بريان حتى قصته التي رفعته إلى أوج الشهرة وهيمبنية على الفكرة الدينية.

3 -

تعد القصة من مؤلفات شاتو بريان الثانوية، قلما يقرؤها إلا من كان معنيا بشؤون الشرق والشرقيين. ولكنها برغم هذا من القصص التي تترك في نفس القارئ أثرا بينا، لا من حوادثها فقط ولا من شهامة إبطالها فحسب، ولكن من هذا كله ومن الوصف الدقيق الذي تمتاز به.

4 -

أبطال القصة مرتفعون بشهامتهم وشرفهم ارتفاعا لا يقربهم إلى نفس القارئ، ومما ساعد على بعدهم عن قلب القارئ قلة التحليل النفساني الذي يصل بالقارئ إلى معرفة هؤلاء الأبطال معرفة تقربهم منه، وهو وان كان قد عمد إليه في بعض الأحيان فلا انه لم يوفق فيه. فشخصية ابن حامد وهي أهم شخصية في القصة لا تجد لها تحليلا كافيا ولا تتبينها إلا إذا أسبغت عليها الكثير من خيالك الخاص.

5 -

والمحادثات التي تجري في القصة متكلفة بشكل غريب، وكان أبطالها كلهم ينشئون رسائل أو ينمقون مقالات، وكان لكل هذا أثره البين في إلباس هذه الشخصيات لباساً غامضاً لا يتنوع بتنوع الأشخاص.

6 -

كان المؤلف في قصته وصافاً اكثر منه مؤلفاً قصصياً، والظاهر أن موضوع القصة وأشخاصها لم يهم المؤلف قدر ما أهمه وصف الحمراء وما جاورها.

الترجمة لشكيب أرسلان

ترجم القصة الفرنسية الكاتب المعروف شكيب أرسلان، ولكن الترجمة حرفية، وقد أخلت حرفيّها بكثير من معانيها، وجعلت لها صبغة غريبة لغرابة تراكيبها وتعابيرها. ولو عمدت إلى نقل المواضع التي أفسدتها الترجمة الحرفية لاكترث وأمللت

وقد خلى المترجم ترجمته بأبيات شعر كثيرة مقتبسة غير التي اضطر إلى نظمها ترجمة للأصل الفرنسي الشعري، وكانت هذه الأبيات المقتبسة مما ساعد كثيراً على عدم الانسجام في القصة، فهي وان كانت في نفس المعنى المساقة فيه، إلا ان بعدها عن روح القصة

ص: 74

وجوهاً جعلها كالأنغام الناشزة في الموسيقى.

وأخيراً لم يكن للمترجم فضل في تلك الترجمة إلا نقل صورة مهما تكن حالها لقصة يجب ان يطلع عليها كل قارئ لتاريخ الأندلس، وأما فضله حقاً فهو في الذيل الذي أتبعه قصته وهو ما لا نتعرض له.

سهير القلماوي

ص: 75

‌الكتب

ديوان الأعشاب

لمحمود أبو الوفا

حديث عن الشعر وعن الديوان

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

في إحدى زياراتي للأستاذ مصطفى صادق الرافعي رأيت على مكتبه (ديوان الأعشاب) الذي أخرجه الشاعر المعروف الأستاذ محمود أبو الوفا، فاكبرت أن أجد هذا الديوان حيث وجدته، ولكن الأستاذ أثنى عليه وعلى صاحبه، ثم قال: هلم نقرؤه معاً، وبعد أن استوفيناه، نقلت عنه هذا الحديث للرسالة الغراء، قال:

(أبو الوفاء شاعر ملء نفسه، ما في ذلك شك. مذهبه الجمال في المعنى، يبدعه كأنما يزهر به، والجمال في الصورة يخرجها من بيانه، كما تخرج الغصون والأوراق من شجرتها. وله طبع وفيه رقة، وهو يجري من البيان على عرق، وسليقته تجعله ألزم لعمود الشعر وأقرب إلى حقيقته، حتى إنه ليعد أحد الذين يعتصم الشعر العربي بهم، وهم قليل في زمننا، فإن الشعر منحدر في هذا العصر إلى العامية في نسقه ومعانيه، كما انحدر التمثيل، وكما انحدرت أساليب الكتابة في بعض الصحف والمجلات.

وللعامية وجوه كثيرة تنقلب فيها الحياة، ومرجعها إلى روح الإباحة الذي فشا بيننا، ونشأ عليه النشء في هذه المدينة التي تعمل في الشرق غير عملها في الغرب، فهي هناك رخص وعزائم، وهي هنا تسمح وترخص، في ظل ضعيف من العزيمة. وإهمال البلاغة العربية الجميلة كما هي في قوانينها، ليس إلا مظهراً لتلك الروح تقابله المظاهر الأخرى، من إهمال الخلق، وسقوط الفضيلة، وتخنث الرجولة، وزيغ الأنوثة، وفساد العقيدة، واضطراب السياسة، إلى ما يجري هذا المجرى مما هو في بلاغة الحياة المبينة كالمرذول والمطرح والسفساف في بلاغة الكلام الفصيح. كل ذلك في مواضعه تحلل من القيود وإباحة وتسمح وترخص، وكل ذلك عامية بعضها من بعض، ولك ذلك لحن في البلاغة والخلق والفضيلة والرجولة والأنوثة والعقيدة والسياسة.

ص: 76

والشعر اليوم أكثره (شعر النشر) في الجرائد، على طبيعة الجرائد لا على طبيعة الشعر. وهذه إباحة صحافية غمرت الصحف، وأخضعت أذواق كتابها لقوانين التجارة، فانهم لينشرون بعض القصائد، كما تنشر (الإعلانات) لا يكون الحكم في هذه ولا هذه لبيان أو تمييز أو منفعة، بل على قدر الثمن أو ما فيه معنى الثمن.!

ومن مادية هذا العصر وطغيان العامية عليه، إننا نرى في صدر بعض الجرائد أحياناً شعراً لا يكون في صناعة الشعر ولا في طبقات النظم أضعف ولا أبرد منه، ولا أدل على فساد الذوق الشعري، ولكنه على ذلك الأصل الذي أومأنا إليه يعد كلاماً صالحاً للنشر، وان لم يكن صالحاً للشعر.

وهكذا أصبحت العامية في تمكنها تجعل من الغفلة حذقاً تجارياً، ومن السقوط علواً فلسفياً، ومن الركاكة بلاغة صحفية، ومتى تغير معنى الحذق، وداخلته الإباحة، ووقع فيه التأويل، وأحيط بالتمويه والشبه - فالريبة حينئذ أخت الثقة، والعجز باب من الاستطاعة، والضعف معنى من التمكين، وكل ما لا يقوم فيه عذر صحيح، كان هو بطبيعة التلفيق عذر نفسه.

وأكثر ما تنشره الصحف من الشعر هو في رأيي صناعة احتطاب من الكلام. . . وقد بطل التعب، إلا تعب التقشش والحمل، فلم تعد هناك صناعة نفسية في وشي الكلام، ولا طبع موسيقي في نظم اللغة، ولا طريقة فكرية في سبك المعاني؛ وبهذه العامية الثقيلة أخذ الشعر يزول عن نهجه، ويضل عن سبيله، ووقع فيه التوعر السهل. . . والاستكراه المحبوب. . . وصرنا إلى ضرب حديث من الوحشية. هو الطرف المقابل للشعر الوحشي في أيام الجاهلية. فما دام الكلام غريباً، والنظم قلقاً، والمأتى بعيداً، والمعنى مستهلكاً، والنسج لا يستوي، والطريقة لا تتشابه - فذلك كله مسخ وتشويه في الجملة، وإن اختلفت الأسباب في التفصيل، وإذا كان المسخ جاهلياً بالغريب من الألفاظ، والنافر من اللغات، والوحشي من المعاني، وكان عصريا بالركيك من الألفاظ، والنازل من التعبير، والهجين من الأساليب، والسخيف من المعاني ثم بالسقط والخلط والاضطراب والتعقيد، فهل بعض ذلك إلى من بعضه؟ وهل هو في الشرع الجميل إلا كسلخ الإنسان الذي مسخه الله فسلخه من معان كان بها إنساناً، ليضعه في معان يصير بها فرداً أو خنزيراً ليس عليه إلا ظاهر الشبه، وليس معه إلا بقية الأصل؟

ص: 77

فالفردية الشعرية، والخنزيرية الشعرية، متحققتان في كثير من الشعر الذي ينشر بيننا، ولكن أصحاب هذا الشعر لا يرونهما إلا كمالا في تطور الفن والعلم والفلسفة. وأنت متى ذهبت تحتج؟؟؟ الشعر من قبل الفلسفة، وتدفع عن ضعفه بحجة العلم، وتعتل ليصحح فساده بالفن - فذلك عينه هو دليلنا نحن على أن هذا الشعر فردي خنزيري، لم يستو في تركيبه، ولم يأت على طبعه، ولم يخرج في صورته؛ وما يكون الدليل على الشعر من رأى ناظمه وافتنانه به ودفاعه عنه، ولكن من إحساس قارئه واهتزازه له وتأثره به.

والشاعر أبو الوفا جيد الطريقة، حسن السبك، يقول على فكر وقريحة، ويرجع إلى طبع وسليقة، ولكن نفسه قلقة في موضعه الشعري من الحياة؛ وفي رأيي أن الشاعر لا يتم بأدبه ومواهبه حتى يكون تمامه بموضع نفسه الشعري الذي تضعه الحياة فيه. والكلام يطول في صفة هذا الموضع، ولكنه في الجملة كمنبت الزهرة لا تزكو زكاءها، ولا تبلغ مبلغها إلا في المكان الذي يصل عناصرها بعناصر الحياة وافية تامة، فلا يقطعها عن شيء ولا يرد شيئاً عنها؛ إذ هي بما في تركيبها وتهيئتها إنما تتم بموضعها ذا لتهيئته وتركيبه. فان كانت الزهرة على ما وصفنا، وإلا فما بد من مرض اللون، وهرم العر، وهزال النضرة، وسقم الجمال.

ولولا أن الحكمة وفت الأستاذ أبا الوفا قسطه من الألم، ووهبته نفساً متألمة حصرتها في أسباب ألمها حصراً لا مفر منه - لفقدت زهرته عنصر تلوينها، ولخرج شعره نظماً حائلاً مضطرباً منقطع الأسباب من الوحي؛ غير أن جهة الألم فيه هي جهة السماء اليه؛ ولو هو تكافأت جهاته المعنوية الأخرى، وأعطيت كل جهة حقها، وتخلصت مما يلابسها - لارتفع من مرتبة الألم إلى مرتبة الشعور بالغامض والمبهم، ولكان عقلا من العقول الكبيرة المولدة التي يحيا فيها كل شيء حياة شعرية ذات حس.

ولكن مادامت الحياة قد وزنت له بمقدار، وطففت مع ذلك وبخست، فقد كان يحسن به أن يقصر شعره على أبواب الزفرة والدمعة واللهفة، لا يعدوها، ولا يزاول من المعاني الأخرى ما ضعفت أداته معه أن تتصرف، أو انقطعت وسيلته إليه أن تبلغ. ويظهر لي أن أبا الوفا يحذو على حذو إسماعيل باشا صبري، وهو شبيه به في أنه لم تفتح له على الكون إلا نافذة واحدة؛ غير أن صبري أقبل على نافذته ونظر ما وسعه النظر، أما أبو الوفا

ص: 78

فيحاول أن ينقب في الحائط ليجعلها نافذتين. . . .

أما انه ليس من الشعر أن تنزل الحيرة الفلسفية عن منزلتها بين اليقين والعقل، أو المشهود والمحجب، أو الواقع والسبب، أو الرسم والمعنى - فتنقلب حيرة معاشية تسم الأشكال والمعاني بسمتها المادية الترابية، وتقع في الشعر فتقحم بين شعر القلب العاشق، وشعر الفكر المتأمل - شعر المعدة الجائعة، وتضع بين أشواق الكون شوقها هي إلى الطعام والثياب والمال. . . .

على أنه كان الأمثل في التدبير، والأقرب إلى طريقة النفس الشاعرة أن يصرف أبو الوفا هذا الشعور المادي الذي يتلذع به فيحوله فيجعله باباً من حكمة السخر الشعري بالدنيا وأهلها وحوادثها، كما صرفه ابن الرومي من قبل فأخطأ في تحويله، فجعله مرة بابا من المدح والنفاق، ومرة باباً من الهجاء والإقذاع.

ولو بذل الشاعر أبو الوفا مجهوده في ذلك، واتهم الدنيا ثم حاكمها، ونص لها القانون، وأجلس القاضي، وافتتح المجلس، ورفعها قضية قضية، ثم أخذها حكماً حكماً، تارة في نادرة بعد نادرة، ومرة في حكمة إلى حكمة، وآونة في سخرية مع سخرية - إذن لاهتدى هذا المتألم الرقيق إلى الجانب الآخر من سر الموهبة التي في نفسه، فأخرج مكنون هذه الناحية القوية منها، فكان ولا ريب شاعر وقته في هذا الباب، وإمام عصره في هذه الطريقة.

على أن في صفحات ديوانه أشياء قليلة تومئ إلى هذه الملكة، ولكنها مبثوثة في تضاعيف شعره، والوجه أن يكون وجهه في تضاعيفها. وإنه ليأتي بأسمى الكلام وأبدعه، حين يعمد إلى ذلك الأصل الذي نبهنا إليه، فيصرف لهفة نفسه إلى بعض وجوهها الشعرية، كقوله في (حلم العذارى) وهي من بدائعه ومحاسن شعره:

هاهما عيناك تغري

ني على شتى الظنون

فيهما بحر وموج

وسهول وحزون

ووضوح وغموض

واضطراب وسكون

ومعان بينات

ومعان لا تبين

وتهاويل فنون

من رشاد وجنون

ص: 79

وأشعات حيارى

من منى أو من حنين

ليت شعري أي سر

خلف هاتيك الجفون

آه إن السر أنبا

عنه ذان الطائران

حينما مالا على غص

نيهما يعتنقان. . .

(فهذه أبيات في شعر الجمال كالمحراب ملؤه عابده. . . اهـ)

محمد سعيد العريان خريج دار العلوم

ص: 80