الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 476
- بتاريخ: 17 - 08 - 1942
الصدق في الأدب
الصدق هو جُمَّاع الصفات الجوهرية للأدب الصحيح. هو مطابقة الخير للواقع، ومجانسة الشيء للطبيعة، ومشابهة المثال للأصل، ومجاوبة العمل للعقيدة، وموافقة الأسلوب للقاعدة، ومناسبة الكلام للمقام، وملاءمة اللفظ للمعنى، ومواءمة الموضوع للكاتب. فلو ذهبت تتقصى أسباب ما تجد في العمل الأدبي من النقص أو الخطأ أو العبث أو الزيف أو الفساد أو التعمّل، لما وجدتها في غير الإخلال بالصدق في واحد أو أكثر من مدلولاته التي ذكرتُ. فالصفة التي لا تدل على شيء من حقيقة الموصوف، والكلمة التي لا تقع في وضعها من المعنى ولا في موضعها من الجملة، والصورة التي لا تتألف من خطوط الحاضر وألوان البيئة، والصناعة التي لا تقوم على أساس من الطبع والذوق، والحِلْية التي لا تساعد الأسلوب على التأثير والإبانة، والموضوع الذي لا يسفر عن جانب من الجمال أو الحق أو الخير، والكاتب الذي لا يقف عند ما يحسن من فنون القول؛ كل أولئك تزوير على الطبع، وافتئات على الفن، وتلفيق من الهراء لا يدخل في الأدب ولو دفعوه دفعاً في أوسع أبوابه
إذا حكَّمت الصدق في رأيك أمِنتَ التناقض؛ فلا يخالف ظاهرك باطنَك، ولا يعارض آخرك أولك. وإذا حكمتَ الصدق في أسلوبك أمنت الفضول؛ فلا تؤدي معنى بغير لفظه، ولا تضع لفظاً في غير موضعه. وإذا حكمت الصدق في نيتك أمنت النفاق؛ فلا تقول ما لا تعتقد، ولا تعتقد ما لا تؤمن بصحته. وإذا حكمت الصدق في كفايتك أمنت المجازفة؛ فلا تعالج ما لا تعلم، ولا تنقد ما لا تفهم، ولا تدَّعي ما لا تثبت. وإذا استحالت مراعاة الصدق في بعض فنون الأدب كالقَصص المتخَّيل، وجبتْ عليك مراعاة احتماله
على ذلك أسوق إليك إذا سمحت جملة من إحدى افتتاحيات الرسالة لأطبق عليها شرط الصدق في الشكل والموضوع والغرض. ولم أختر هذه الجملة لأنها من نوابغ الجمل، ولكنني اخترتها لغرض لا يشق عليك أن تلحظه فيما بعد
موضوع الجملة طفولة مجرم بالغريزة لم تفارقه نية الإجرام منذ درج إلى أن أكتهل. نشأ هذا الطفل في (قريتنا) وفي (حارتنا)، فأنا أصف حاله كما كان، وأقص أمره كما وقع. الحارة ساحة فسيحة تستدير عليها البيوت، فكأنها صحن دار كبيرة. والأطفال - وأنا منهم - يلعبون في بُهرتها شتى الألعاب في مرح وبهجة؛ فإذا طلع عليهم هذا الصبي الشرير من
داره انقطع اللعب وخبّأ كل طفل لعبته ثم لا يلبث الشجار أن ينشب بينه وبين الأطفال بنين وبناتٍ بغير رفق؛ فالقوي يثبت له فيضربه، والضعيف يفر منه فيقذفه، والبنت ترتاع فلا تدفع عن لعبتها يده. والبيوت على الحارة مفتحة الأبواب لا يحرس أمتعتها غير الأمانة؛ ولكن المجرم الصغير ينتهز غفوة الأمانة في نفسه فيدخل هذه البيوت ليسرق حبلاً أو وتداً أو كرة صبي أو بيضة دجاجة. فلما أيفع دخل (صبياً) في خدمة (جدعان) القرية؛ وهم في الريف كالفتوات في المدن، دأبهم الشجار والسرقة والفجور. كان لهؤلاء الجدعان ليال مذكورة بالسطو واللهو؛ فكانوا إذا فرغوا من تدبير الجريمة وتنفيذها، أقاموا لزملائهم (وعملائهم) ولائم يكثر فيها اللحم والخمر والحشيش، ويقوم عليها أحداث المجرمين مقام الخدام والنُّدُل، كما يقومون في تدبير الجرائم مقام الطلائع والرُّسل. ولا أطيل عليك فقد صغَّرت هذه الصورة في هذه الجملة:
(نشأ من لِداته من أطفال القرية كما ينشأ الزنبور بين النحل أو الثعبان بين الحمام؛ فكان لا ينفك ضارباً هذا بعصا؛ أو قاذفاً ذاك بحجر، أو خاطفاً لعبة من بنت، أو سارقاً شيئاً من بيت! فلما جاوز حد الطفولة دخل في خدمة الفجًّار والمجَّان، فكان يخدم أولئك في تدبير الجرائم، ويخدم هؤلاء في إعداد الولائم. . .)
فأنت ترى هذه الجملة على إيجازها قد صورت نشأة هذا الطفل على الإجرام بالمعنى الذي لا تزيد فيه، وباللفظ الذي لا بد منه، وبالبيان الذي لا بأس به؛ وإذا سلمت الجملة الفنية من اللغو والخطأ والغثاثة سلم فيها عنصر الصدق وهو جوهر الأدب
ولكنك مع ذلك لا تعدم ناقداً يزعم أنه يضع (الميزان الجديد) للنقد في (الثقافة)، ثم يجازف باستخدام علمه بالأدب الغربي، في الحكم على أساليب الأدب العربي، فيعتسف الرأي اعتسافاً لا يتسع له فيه عذر. فهو ينكر منطق العقاد، ويظلم شعر علي طه، ويغمز أسلوب طه حسين، ويحكم على سائر الأساليب المعروفة بمجافاة (الموسيقى والإيحاء والطبيعية)
هذا الناقد الفاضل قد اختار الجملة التي اخترتها ليبرهن بها على كذب الأسلوب لا على صدقه! فهو يقول أن أسلوبها أشبه بأسلوب (المقامات)(كذا والله!) وأن القارئ يقرأها (فلا يتصور أن مثل هذا الرجل موجود) ودليله على ذلك أن وجوده لو كان ممكناً ما سألني القراء عن حقيقته. والواقع أن الذي سأل في الرسالة طالبٌ في المعهد الجنائي، وما كان
سؤاله إلا عن مكان المجرم لا عن حقيقته. ثم يمضي الناقد على أن القطعة من الأدب المصنوع فيقول: (يا لله! ولم لا يخطف لعبة من ولد وهو مجرم كبير؟ (كذا!) ولم لا يسرق من جامع وذلك أيسر من السرقة من بيت؟ وهل هو حقيقة لم يخطف إلا من بنت؟ ولم لا يسرق إلا من بيت؟. . . وهو يخدم المجرمين بتدبير الجرائم، ولكن لم لا يخدم المجان بأعداد المقاصف؟ وهل الوليمة أشهى من المقصف؟) فالناقد لا يرى بأساً في أن نضع الولد بدل البنت، والجامع بدل البيت، والمقصف بدل الوليمة، لأننا في ظنه لم نقصد إلى معاني هذه الكلمات وإنما قصدنا إلى المزاوجة والسجع! هذا النقد أعوزَه الصدق فصدر عن هوَى أو جهل. وأي الآفتين كانت المصدر فإنها ورَّطت الرجل في نقد كلام لا يصدُق نقده إلا على افتراض الكذب فيه!!
أحمد حسن الزيات
أوهام تخلق متاعب
للدكتور زكي مبارك
في صدر هذه الليلة عانيتُ متاعب كادت تقصهم ظهري، وكدت أخشاها على حياتي، ثم لطف الله فتبددت بعد ساعات كانت أطول من الآبادَ
فما تلك المتاعب؟
هي متاعب خلقتها أوهام في غاية من السخف، ولكن النص عليها واجب لمنفعة القراء، فقد يكون فيهم من تعتريه مثل تلك الأوهام في بعض الأحوال
التفتّ بغتةً فرأيت نفسي تراجع طوائف من الذكريات الموصولة بمعاملاتي مع جماعات من المعارف والأصدقاء، فانقبض صدري أشد الانقباض، وتجسمت أمام خيالي ألوان الأوهام بصورة لم أشهد مثلها من قبل، صورة مروَّعة قاسيتُ منها ما تقاسي النار من الريح العَصُوف
وفي فورة تلك الكروب جاء لطف الله فرأيتني أقول: ومَن أولئك وهؤلاء حتى أعاني في العتب عليهم مثل هذا العذاب؟ إذا غدر بك القريب فليس بقريب، وإذا تجنى عليك الصديق فليس بصديق، ومن واجبك أن تحفر قبراً تدفن فيه من لا يرعى حق القرابة، ولا يحفظ عهد الإخاء. ما اهتمامُك بمن يرضيهم أن تَشقَى نفسك؟ وما عتبُك على من يسرهم أن تزلّ قدمك؟ وما حزنُك على ضياع مودّة كان يجب أن تضيع لأنها في رعاية الضائعين؟! أمن أجل خلائق مِراض القلوب تُمرض نفسك؟ أمن أجل إخوانٍ غَدَرة تؤذي قلبك؟ أهؤلاء وأولئك يستحقون أن تفكر فيهم ساعةً من ليل؟ وهل أكرموا أنفسهم حتى يكرموك؟ وهل أعزوا حياتهم حتى يُعزوك؟ إن حزنك لما صنعوا معك دليلٌ على أنك دائم الإشفاق عليهم، وقد نصحك الشاعر صادق رستم حين قال:
شرُّ البليَّة إشفاقٌ على فئةٍ
…
لو كنت تؤكل ما عفُّوا ولا شبعوا
تبيتُ تبكي لَصرف الدهر يفجعهم
…
ولو رأوك على الأعناق ما دمعوا؟
لا تشفق عليهم، وأشفق على نفسك أيها الغافل عن حقائق الخلائق؛ فلو أنك استبقيت ما أنفقت من الوقت في صحبتهم لتنفقه في تربية الخنازير، لكنتَ اليوم من كبار الأغنياء. . . وقد نصحك المثل المصري فما انتصحت، المَثل الذي يقول: (كلُّ ما تزرع ينفعك، إلا أبن
آدم تزرعه فيقلعك)! وهؤلاء يحققون صدق هذا المثل أفظع تحقيق، فهم يقوّلونك ما لم تقل، ويذيعون عنك أغرب الأحاديث، وقولهم فيك مسموع، لأنهم عرفوك، ومن حق من عرفك أن يقول فيك ما يشاء
وما ضرَّني إلا الذين عرفتُهم
…
جَزى الله خيراً كلَّ من لست أعرفُ
ما جزعك من غدر صديق؟ وما حزنُك من لؤم أليف؟ أنتَ أنتَ، ولن يكون بلاؤك بأولئك وهؤلاء غير سحابة صيف، ثم ترجع إلى إسباغ نعمائك على الجاحدين
تذكر يا غافل فضل الله عليك. تذكر أنه عصمك من الجحود حين أغناك عن الناس، والجحود رذيلة لا يتعرض لها غير المبتَلَيْن بتقبل إفضال المفضلين من أهل الكرم المطبوع أو المصنوع
أنت تتحدث كثيراً عن التأدب بأدب الله، فهل تأدبت بذلك الأدب الجميل؟
إن الله يسبغ نِعمه على الكافرين بعزته السامية. إن الله يعطي الملحدين أضعاف ما يعطي المؤمنين، كما يفعل الأب الرحيم حين يؤثِر الابن السقيم على الابن السليم، فما أنت وذلك الأدب الرفيع؟
وأراك تبدي وتعيد في أحاديث البر بأصدقائك، ولو ناقشوك لأفحموك، فما قبِلوا برِك إلا حين اطمأنوا إلى أنك رجلٌ كريم، والكريم غير منَّان
وما الوقت الذي تقول إنك أغدقته على الجاحدين من إخوانك؟ لقد دفعوا ثمن المعروف أضعافاً مضاعفة، لو كنت تنصف، دفعوه تحيات وابتسامات، وهي معان تفوق كرائم الأثمان، ودفعوا ما هو أعظم، لو كنت تعقل، فقد أشعروك بلسان المقال أو لسان الحال أنك رجلٌ نفَّاع، وذلك أعظم ما يوصف به أكابر الرجال
أنت تمن على أصدقائك؟ فماذا أبقيت للمتجرين بالأخلاق؟!
كان الظن أن تنسى جميلك إن كنت من أصحاب الجميل، ولكنك. . .
وهنا أفقتُ قليلاً فسألت نفسي عن سبب التفوه بذلك المن السخيف:
ماذا أكلت اليوم من الطعام؟ ومن لقيت من الناس؟
يجب أن أعرف ما وقع في يومي هذا، لأعرف سبب السخف الذي وقعت فيه حين مننت على معارفي وأصدقائي
في عصرية اليوم - وهو الخامس من شهر آب - كنت أهنئ فلانة بعيد ميلادها السعيد، وفي لحظة من لحظات الصفاء حدثتها أني ولدت في مثل هذا اليوم، فهتفت بحماسة مصحوبة بالحنان:
نعم، يا سيدتي، وثمرات الأعناب في شهر آب
ثم قُلقِلتْ نفسي قلقلة عنيفة حين تذكرت أني لا أحتفل بعيد ميلادي كما يحتفل أكثر الناس، وكيف يتيسر ذلك وأنا أخلَق في كل لحظة خلقاً جديداً، باعتبار ما يَرِدُ على عقلي وروحي من شتيت الآراء والأهواء؟
وسألتني عما أستظرف من هدية الميلاد فأبيت الإفصاح عما أريد، وإن كنت أشرت إلى أني معجب بدالية مسلم بن الوليد!
وغفلة فلانة عن مدلول هذه الإشارة لم تزعجني، لأنها قليلة المعرفة بقصائد صريع الغواني!
فما السبب الأصيل لاضطرابي وانزعاجي في هذا المساء؟
لعل السبب يرجع إلى أني قضيت صباحية اليوم بوزارة المعارف، وهي مملوءة بالمراوح، ولتفصيل ذلك أقول:
في مكاتب كبار الموظفين بوزارة المعارف مراوح كهربائية تدور من جانب إلى جانب، ليقلَّ خطرها فيما يقال، وأنا رجلٌ يؤذيه البرد الطبيعي أشد الإيذاء، فكيف يتحمل البرد الصناعي وهو ثقيلٌ ثقيل؟
أنا لا أخاف المراوح الثابتة، لأن تجنب تيارها مستطاع، وإنما أخاف المراوح الدوارة، المراوح التي تغزو الصدور والمفاصل برغم التحرز والاحتراس
وهذه المراوح كثيرة في وزارة المعارف، وأنا منها في شقاء وعناء، ولا سيما المروحة الجاثمة بمكتب تفتيش اللغة العربية، ومن أجل هذا أوصي زائري بمقابلتي في مكتب الأستاذ علي أدهم سكرتير الرجل النبيل شفيق بك غربال، لأنه مكتبٌ مضنونٌ عليه بالمراوح ليساير الطبيعة في أمان
وآه ثم آه من المراوح في وزارة المعارف!
إنها تخلق تيارات عنيفة الإيذاء، وهي السبب في بلبلة بالي في هذا المساء
وأعجب العجب أن المراوح الدوّارة تحتل جميع المكاتب الحكومية، وكأنها النمائم المبذولة بغير حساب، فأين من يرجمنا من تلك الرياح الباغية؟ وأين من يعرف أن القيظ في أحر أحواله أروح من البرد؟
عرفتُ بالضبط والتحديد سبب اعتكاري في هذا المساء، فما عن لؤم أو حقد غمزت معارفي وأصدقائي، وإنما هي جناية المراوح بوزارة المعارف، وسيأتي يومٌ قريب أو بعيد تُرفَع فيه تلك الآصار الثقال
إن قوماً يعجبون من ثورتي على الناس والزمان، فهل يعرفون أن المراوح تلفح وجهي في كل مكان؟
لو صفا دهري لصفوت، ولو عدل زمني لعدلت، واختلال الموزون يُخلْ الميزان
بمن أثق؟ وعلى من أعتمد؟ وما اطمأننت إلى صديق إلا رأيته بعد حين أو أحيان وصولياً عديم الروح والوجدان
ومع هذا أصفح عن أبناء زماني، لأنهم أبناء الزمان
ومع هذا أيضاً أبتسم حين يلقاني فلان وعلان
فضحتكم يا جماعة المنافقين، فالتمسوا قلباً غير قلبي، وجيباً غير جيبي، وانتظروا غضب الله على جميع المرائين
ثم ماذا؟
ثم أشير إلى غربتي في وطني بالفكر والروح، غربة قاسية لا ترحم ولا تلين، غربة أتوحُّد بها توحُّد الليث في العرين.
زكي مبارك
سيكولوجية إدلر
تلخيص وتبسيط
للأستاذ محمد أديب العامري
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
مجتمعنا اليوم في الشرق قلما يضع الفرد في موضعه المناسب في الحياة. ولذلك يلازم المرء شعور الوحشة مما يجده في نفسه من نقص ومما يجده في المجتمع من عدم إفساح الطريق له ليعوض بالبروز في ناحية منه شعوره بالنقص. وليس المجتمع في الغرب أحسن بكثير مما هو في الشرق؛ ولكن إدلر يرى أن المجتمع الراقي لا يتخلف عن إسداء كل فرد منه ما يستحقه بالنسبة لكفايته. وهذا يفسح المجال للمواهب. فإذا فحصنا عباقرة التاريخ وجدنا في كل واحد منهم نوعاً من النقص. فضعف البصر ضعف شائع في العظماء. وبعض العظماء والناس ضعفاً في معدهم وأمعائهم. وفي الأطفال والناس من يكون أيسر فلا يستطيع أن يستعمل يده اليمنى، ومنهم من يكون غبياً يتلعثم، ومنهم من يكون بالغ القصر الخ. . . كل هذه عوامل تولد الشعور بالنقص
فإذا أثر النقص في الإنسان تأثيراً شديداً تولد فيه (مركب النقص)، وظهرت لذلك بوادر كثيرة مختلفة. فبعض الناس تراهم في حركة دائمة، فإذا مشوا ضربوا الأرض بأرجلهم، وإذا تحدثوا رفعوا أصواتهم ليسمعهم الناس، ولهم أمزجة حادة وانفجارات عاطفية فجائية. ومن الناس من يتناقض في آرائه وأعماله، ومنهم من يتردد تردداً عظيماً، فلا يستطيع أن يحزم في أمر. كل ذلك من علائم المرء وقد أصيب بشعور بالنقص. ومما يدل على شعور النقص في إنسان، الوقوف المعتدل المتوتر الذي يدفع المرء فيه برأسه إلى الأعلى على شكل ملحوظ، أو طأطأة الرأس إلى الأرض أثناء المشي، أو الاعتماد المستمر على الطاولة أو الجدار أو العصا حين الوقوف. والطفل الذي يحب الاستناد إلى أمه أو يخاف من مواجهة الناس فيظل متهيباً منفرداً طفل يحس بالنقص. والرجل الذي يتجافى عن المجتمع ويتحاشاه إنما يفعل ذلك في الغالب لأنه يتملكه شعور بالنقص. والخوف صفة من هذا القبيل كذلك. وهنالك نوع من الجرأة لا يختلف عن الخوف، فالإنسان أحياناً يتملكه تهور
فجائي نادر يدفعه إلى الهلاك
ويرى إدلر أن الخوف والشجاعة مرتبطان بالإيمان بالقضاء والقدر. وهو يقول: (أن الإيمان بالقضاء والقدر مخرج يخلص به الإنسان من الجهاد والبناء المفيد في الحياة. إن هذا الإيمان دائماً دعامة واهية يستند إليها الإنسان)
والغيرة باعتدال صفة عادية معروفة، ولكنها إذا اشتدت كانت من علامات الشعور بالنقص. أما الحسد فدليل مركب نقص شديد عميق. ويوافق علم النفس الفردي على أن (الحسود لا يسود) وأنه لا يمكن أن يكون الحسد مفيداً على أي شكل من الأشكال.
التحليل النفسي
تصبح بذلك طريقة التحليل النفسي عند إدلر واضحة. إن هذه الطريقة تعتمد على فهم الشخصية الإنسانية المحللة، وترمي بشكل خاص إلى النفاذ إلى هدف هذه الشخصية في الحياة، وعلى أساس من ذلك يوصف العلاج النفسي. وللوصول إلى هذا يجب أن يفهم (طراز الحياة للإنسان المحلل. وأن تدرس التذكارات القديمة، والأحلام التي يحلمها. (وطراز الحياة) هذا هو الشكل الذي تكون شخصية المرء قد استوت عليه بعد نموها خلال السنوات الأولى. ويمكن أن يفهم هذا الطراز من دراسة أوضاع الإنسان وخاصة في حالاته غير الطبيعية؛ فالإنسان السوي هو الإنسان الذي يستفيد المجتمع منه، والذي يكون له من الإقدام والجهود ما يتقوى به على مشكلات الحياة. إن الرجل الذي ينحرف عن هذا لا يكون سوياً، ويمكن مراقبته ومعرفة دائه، ومن ثم معرفة طريقة إصلاحه
ويروي إدلر حكاية رجل كان من صفاته أنه خجول شديد الشك في أصدقائه. فمثل هذا الرجل لا يمكن بشكه أن يكون ذا أصدقاء، ولا يمكن لشدة خجله أن يخالط الناس. ثم إنه كان شديد الخوف من الفشل في عمله؛ فحمله ذلك على شدة العمل حتى أنهك نفسه. ويعتبر هذا الرجل فاشلاً في علاقاته الاجتماعية كما يعتبر فاشلاً في عمله. إنه يحس إحساساً عميقاً بالضعف. وقد لوحظ أنه في مشكلة الحياة الثالثة - الحب - كان شديد التردد. فإنه كان يتنقل في حبه من فتاة إلى أخرى، ثم لم يتزوج قط. وكان هذا الرجل بكر أبويه. وبكر أبويه في نظر إدلر يتعرض في الغالب للحرمان كله أو بعضه من جراء العناية بالطفل الثاني التي يشاهدها البكر. وهذا الحرمان يولد في نفسه الشعور بالنقص. ومثل هذا الرجل
إذا أردت أن تمكنه من أن يتغلب على شعوره بالنقص وجب أولاً أن توضح له أنه يقدر نفسه دون ما تستحق، كما يجب أن توضح له تزمته في ملاقاة الناس ووجه خطئه في تخوفه من أن يفضل عليه أحد من الناس
وأما عن ذكريات الإنسان القديمة، فإن المرء يتذكر ما له أهمية في نفسه. ولا عبرة بأن تدل ذكريات الإنسان على نموذجه الأول الذي تقدم ذكره)، لأنها تشير إلى ما وقع من أمر هام، وإلى ما يقع على أمثاله، لأن شخصية الإنسان الأساسية لا تتغير. ويصلح هذا الموضوع للمقارنة بما اكتشف عن الإنسان بوسائط أخرى. وللحصول على الذكريات القديمة يطلب إلى الإنسان أن يرتد بذاكرته إلى حداثته وأن يتذكر من حداثته وأن يتذكر من ذلك ما يتذكره
وقد يجد المحلل صعوبة في هذا، لأن المريض قد يقول إنه لا يذكر شيئاً. ولكن الإلحاح عليه يثمر دائماً ثمرة طبية، فيذكر المريض شيئاً. إن ما يذكره الآن له أهمية لأنه يدل على وصفه الأول - الحالة التي نشأ عليها. والذاكرون من الناس يذكرون أشياء كثيرة مختلفة بالطبع، ولكن براعة المحلل تردها إلى أصول محدودة
فبعض الناس مثلاً يقول إنه يذكر أنه سمع صوت قاطرة، وبعضهم يذكر أنه أكل أكلة لذيذة، وبعضهم يذكر أشياء تتعلق بأمه وأبيه، وبعضهم يذكر حالات مرضية أصابته، وبعضهم يذكر شيئاً يتعلق بملابسه أو أنه خرب أو حرم. . . الخ فوظيفة المحلل هنا أن يرد هذه الأشياء إلى أصولها، ليجد منها شخصية المرء الأولية وليربط ذلك بشخصيته الحاضرة على اعتبار أن شخصية الإنسان لا يتغير بتقدم السن
يذكر الإنسان مثلاً من قديم ذكرياته أن أمه ضربته وعنفته حتى فر منها هارباً، وضل الطريق حتى خاف على نفسه الموت. فمثل هذه الذكرى تشير إلى عامل قوي من عوامل التخوف، لا بد وأن يكون قد دخل في تكوين شخصية الإنسان، وهذه الحالة تقرب من الواقعية، فإن صاحبها حين دخل الجامعة ليتعلم ظل خائفاً من الرسوب في الامتحانات الجامعية بالرغم من ذكائه. فلما تخرج قتل نفسه اجتهاداً في الحياة لئلا يفشل فيها، فهو يلعب في حياته من حيث الأساس دور الرجل الخائف، وهذا هو شعور النقص الأساسي في نفسه
ونموذج الحياة الأول للإنسان يظهر منه شيء في الأحلام، فالحلم عند إدلر لا يخرج عن كونه قسماً من طراز الحياة. والنموذج الأول دائماً منطو فيه. ومن هنا كانت معرفتك لإنسان مؤدية إلى معرفة نوع أحلامه، ومعظم أحلام الناس أحلام خوف، لأن النوع البشري جبان. ويحلم المرء أحلاماً مخيفة، لأنه في يقظة، دائماً يتوجس من الفشل، ويحاول أن يتخلص من الحياة بالهرب من مشاكلها. هو يبحث عما يجنبه متاعبها، هذا هدفه، والحلم يؤيد له هذا الهدف، ولا فاصل عند إدلر بين النوم واليقظة، فإن طرف أحدهما منساب في طرف الآخر، فنحن في النوم نسمع ونفكر ونحس احساسات عامة، وتستهدف أحلامنا - على العموم - هدفاً من العظمة يخلصنا مما نحس به من شعور بالنقص، ولكن في الأحلام نوعاً من التشويش أو الغش والتمويه على النفس؛ ولذلك فالذين يفكرون تفكيراً منطقياً ويواجهون حقائق الحياة لا يحلمون إلا قليلاً، أو لا يحلمون قط. إن المرء يضع أحلامه، فأحلامه تتجه في محتوياتها إلى ما يتجه هو إليه في الحياة، ومن أحلامه يتضح لك شيء من هدفه فيها
فأنت تستطيع إذن بمختلف هذه الأساليب أن تتصل بمعرفة (النموذج الأول) الذي ينشأ عليه الإنسان و (طراز الحياة) الذي يتبعه. ونستطيع من ذلك أن نعرف النقطة المركزية التي يدور عليها شعوره بالنقص، والطريقة التي يحاول أن يعوض بها عن هذا النقص. وإن النقطة المركزية على كل حال نوع من النقص. وهذا الضعف نفسه يحمل المرء رجلاً، كما حمله طفلاً على التزام جانب المجتمع والشعور بحاجته إليه.
فطريق الإصلاح الأساسي لأي إنسان أصبح شعوره بالنقص مركباً أنه يؤثر في حياته فيدفع به إلى نواح غير مفيدة، هو تعديل مركز الفرد في المجتمع وتسويته. ومرة أخرى يتلخص هذا التعديل في تحسين موقف المرء من الناس ومن مهنته ومن مسألة زواجه
ولا أقصد أن أطيل أكثر مما قد فعلت؛ فالطريقة التي يمكن أن ينشأ بها طفل لكي يكون إنساناً سوياً هي أن يعامل بعدل واحترام. ولكن الشاب الذي يتم تكوين طراز حياته على صورة معوجة يجب أن يدرس وأن تعرف مزاياه وأن يوجه نظرة إليها. فإدلر يعتقد أن (كل إنسان يصلح لكل شيء). فإذا فتحت للشاب آفاق جديدة وسوعد في التغلب على ضعفه، اندفع في الحياة من جديد. وقد عولجت عملياً حالات كثيرين من المرضى
العصبيين ومن حالات قريبة من الجنون على هذا الأساس فنجحت طريقة العلاج
أما في ناحية المهنة فيحذر إدلر من الاستعلاء الذي يجده كل شاب في نفسه حين يعمل مع غيره. هذا الاستعلاء يحمله على الفوضى وعدم الطاعة للرؤساء. وليس من السهل إيجاد عمل لمبتدئ لا يرأسه فيه أحد. فإذا لم يعرف كيف يتلقى الأمر من رئيس له لم يقدر على التقدم. وإذا لم يحسن التصرف مع الناس على اعتبار أنه رجل اجتماعي فلا سبيل إلى نجاحه ولا يعني إدلر فيما اطلعت عليه من كتاباته إلى اليوم، بمظالم عميقة تقترفها البشرية في حق نفسها ولا تفيد فيها نصائحه، ولكنا نغض النظر عن ذلك الآن
وحل مشكلة الحب عند إدلر يدخلنا في بحث يختلف عما تثيره حياتنا الاجتماعية في الشرق من مشكلات في هذا السبيل. ولكن مما لا ريب فيه أن الرجل المصاب بداء الشعور بالنقص قد يحجم عن الزواج خوفاً من تبعات الحياة الجديدة. وضعف الإنسان عامة عن مواجهة إنسان من الجنس الآخر ينتج عن إحساس بالنقص يحمل صاحبه على التردد والحياء
(السلط)
محمد أديب العامري
شعر علي بن أبي طالب
للأستاذ محمد محمود رضوان
تمهيد
وفق الأستاذ السيد يعقوب بكر في بحثه الذي نشرته الرسالة عن شعر علي بن أبي طالب أحسن التوفيق. والحق أن هذه المسألة من المسائل المشكلة الكثيرة التي تحتاج إلى البحث والتمحيص في أدبنا العربي، وقد سبقنا المستشرقون إلى هذا النوع من البحث فجلوا كثيراً من الحقائق، وكشفوا كثيراً من الشبهات. ولولا ما يلبس آراءهم في كثير من الأحيان من تعصب تمليه النعرة الدينية، وما يجرمهم من شنآن تزكية العصبية الجنسية، لكان لبحوثهم شأن غير هذا الشأن.
وهذه المسألة - شعر علي بن أبي طالب - كتب فيها المستشرقون، وقد ناقش الأستاذ بكر في بحثه آراءهم ومن ثم اهتدى إلى رأيه الأخير. وعندي أنه أقرب إلى الحق والمعقول، وأعني به أن علي بن أبي طالب كان يقول الشعر وإن كان مقلاً، وأن بعض ما نسب إليه في المراجع العربية صحيح، وأن أكثر ما في ديوانه من الشعر مكذوب مصنوع.
لسنا نخالف الأستاذ إذن فيما وصل إليه؛ ولكن عنت لنا في بحثه بعض آراء ومآخذ نجملها فيما يلي:
الشعر المنسوب لعلي
ذكر الأستاذ جملة أشعار منسوبة إلى علي في عيون الأخبار ومعجم الأدباء ومقاتل الطالبين والعمدة وحماسة البحتري وكامل المبرد والعقد. ثم قال: (نستطيع أن نقول واثقين إن هذه الأشعار التي وجدناها هي معظم ما في هذه المراجع من الشعر المنسوب إلى علي) اهـ
وأقول إن ما رواه الأستاذ - وهو لا يعدو ثمانية وعشرين بيتاً - أقل من كثر مما نسب في المراجع العربية المعتمدة إلى علي، ولو أحصي لكان أضعاف ما روى. وأذكر على سبيل المثال ما رواه صاحب تاج العروس (ج7 ص85) أنه قال يوم خيبر:
دونكها مترعة دهاقا
…
كأساً زعافاً مزجت زعاقا
وما رواه ابن هشام في المغنى. وقال السيوطي في شواهده (عزاه المصنف لعلي ابن أبي
طالب):
فلما تبينا الهدى كان كلنا
…
على طاعة الرحمن والحق والتقى
وغير ذلك كثير مما تجده في مروج الذهب والعقد وتاج العروس ونهاية الأرب، وشرح المضنون، وتاريخ ابن عساكر وكامل المبرد والتحفة الناصرية وجمهرة ابن دريد واللسان وغيرها.
ويلحق بهذا المأخذ فساد الاستدلال الذي بناه الكاتب على وجود هذه الأشعار في المراجع العربية إذ استدل بوجودها فيها ووجودها في ديوان علي على صدق نسبتها إلى علي.
أقول إن هذا استدلال فاسد إذ من البدهي أن الذي وضع ديوان علي أو جمعه قد نقل ما في المراجع العربية جميعاً منسوباً إلى علي ولعله زاد عليه. . . فليس في هذا دليل.
من أسباب الخطأ في نسبة الشعر إليه
ويرى الكاتب أن هذه الأشعار قد وضعها أناس مختلفون معظمهم من الشيعة وأنهم نسبوها إلى علي حباً فيه. . . ثم جاء جامع الديوان فجمع كل ما عثر عليه من الشعر المنسوب إلى علي الخ
وأنا مع موافقتي على هذا الرأي أرى أن هناك سبباً آخر غير مقصود في عزو كثير من هذه الأشعار لعلي، وذلك أن علياً رضي الله عنه كان كثير التمثل بشعر العرب. ومن ثم ظن الرواة أنه قائل الشعر الذي تمثل به فنسبوه له خطأ:
1 -
خذ مثلاً قول الشاعر:
أفلح من كانت له مزخّة
…
يزخُّها ثم ينام الفخَّة
ذكره صاحب اللسان فقال: (وفي حديث علي رضي الله عنه. . . أفلح. . . البيت)(اللسان ج4 ص10) وعبارة ابن الأثير (وفي حديث علي. . . أفلح. . . البيت)(النهاية ج3 ص187)
فأنت ترى أن البيت ورد في حديث لعلي، ومن ثم ظن الرواة أنه قائله فنسبوه إليه. . . ففي المزهر (ج2 ص206) ما نصه:(وقال ابن دريد: روي عن علي رضي الله عنه. أفلح. البيت). والذي رواه البطليموسي في (الاقتضاب ص383)
أفلح من كانت له قوصرَّة
…
يأكل منها كل يوم مرَّة
قال الشارح: (يروي هذا الرجز لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم ذكر البيت الذي معنا على أنه مثل هذا البيت
2 -
وقال المبرد في (الكامل ج2 ص15 طبعة التجارية) (وأحسن ما سمع في هذا ما يعزى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقائل يقول هو له، ويقول آخرون قاله متمثلاً، ولم يختلف في أنه كان يكثر إنشاده:
فلا تفش سرك إلا إليك
…
فإن لكل نصيح نصيحا
وإني رأيت غواة الرجا
…
ل لا يتركون أديماً صحيحاً
فأنت ترى تشابه القول على الرواة فيما كان يتمثل به
3 -
وأبلغ من هذين الشاهدين ما نقله العيني عن البيت المنسوب لعلي:
أي يومي من الموت أفر
…
يوم لم يقدر أو يوم قدر
أن ابن الأعرابي قال: (هو للحارث ابن المنذر الجرمي وليس لعلي رضي الله عنه، ولكنه تمثل به)(المقاصد النحوية بهامش خزانة الأدب ج4 ص447)
الزيادة فيما صح من شعره
وثم طريق آخر سلكه المزيفون على علي رضي الله عنه من الشيعة وغيرهم. ذلك أنهم عمدوا إلى البيت أو الأبيات اشتهرت نسبتها لعلي فزادوا عليها - قبلها أو بعدها - وتستطيع بقليل من النظر أن تتبين الزيادة من اختلاف النظم والأسلوب وتهافت المعنى
خذ مثلاً بيتيه اللذين أجمعت كتب الأدب على أن علياً قائلهما، بل إن المازني - وصوبه الزمخشري - لم يكن يصحح نسبة الشعر لعلي إلا هذين البيتين وهما:
تلكم قريش تمنَّاني لتقتلني
…
فلا وربك ما بروا وما ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم
…
بذات ودقين لا يعفو لها أثر
ثم ارجع إلى شرح شواهد المغنى ص176 تجد قبلهما ثلاثة أبيات وبعدهما ثمانية أبيات لا تشك بعد أن تقرأها أنها مصنوعة وترى فيها أثر الصنعة والتشيع والحديث عن المهدي المنتظر
وسوف يبعث مهدي بسنته
…
فينشر الوحي والدين الذي قهروا
وسوف يعمل فيهم بالقصاص كما
…
كانوا يدينون أهل الحق إن قدروا
وغير ذلك كثير نمسك عن ذكره خوف الإطالة
رأي آخر في شعر علي
وثم رأي آخر أرادوا به التوفيق بين ما قاله المازني والزمخشري ويونس وغيرهم أن علياً لم يقل من الشعر إلا البيتين السالفين، وبين ما ذكره الآخرون من شعره
وقد وجدت هذا الرأي للزبيدي في تاج العروس (مادة خيس) فقد روي أن علياً بنى سجناً سماه المخيس فقال فيه:
أما تراني كيِّساً مكيَّساً
…
بنيت بعد نافع مخيَّسا
باباً حصيناً وأميناً كيِّسا
قال الزبيدي: (قال شيخنا تبعاً للبدر: وهذا ينافي ما سيأتي له في ورق أنه لم يثبت عنه أنه قال شعراً. . . الخ)؛ قلت: (ويمكن أن يجاب أن هذا رجز ولا يعد من الشعر عند جماعة)
وأنت ترى أنه تخريج تافه، لأن كثيراً مما روي لعلي من الشعر، وإن كان له بعض الرجز. والبيتان اللذان سلف القول في صحته نسبتهما له من الشعر لا الرجز. هذا علاوة على أن الرجز من الشعر كما صححه جلة العلماء
تصويبات في الشعر المنسوب له
1 -
نقل الأستاذ عن العمدة لابن رشيق أبياتاً لعلي قالها يوم صفين يذكر همدان ونصرهم إياه، منها:
ونادى ابن هند في الطلاع وحميراً
…
وكندة في لخم وحي جذام
قلت: يلوح لي أن في هذا البيت تحريفاً كبيراً؛ وأرى أن صوابه:
ونادى ابن هند ذا الكلاع وحميراً
…
وكندة في لخم وحي جذام
و (ذو الكلاع): رجل من حمير قاتل مع معاوية في صفين أخرجه معاوية حين أخرج علي سعيد بن قيس الهمداني سيد همدان؛ وأخرج معاوية أيضاً عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولخم وجذام: (راجع مروج الذهب ج2 ص20)؛ وقد قتل ذو الكلاع في صفين
2 -
ونقل عن العمدة أيضاً من شعر علي في صفين:
لمن راية حمراء يخفق ظلها
…
إذا قيل قدِّمها حصينُ تقدَّما
فيوردها في الصف حتى يرَدْ بها
…
حياضَ المنايا تقطر الموت والدما
قلت: في هذا الشعر تحريف في موضعين: الأول في حصين والصواب: (حضين) بالضاد المعجمة، وهو تحريف واقع في أكثر كتب الأدب: كالعمدة والعقد ومروج الذهب والبيان والتبيين والتصويب عن الأمالي (ج2 ص158) وسمط اللآلي ص817، وابن عساكر ج4 ص374، وتاج العروس ج7 ص80. قال البكري في سمط اللآلي:(هو حضين بالحاء المهملة والضاد المعجمة ابن المنذر بن الحارث الرقاشي يكنى أبا ساسان، وكان رئيس بكر وحامل رايتهم يوم صفين وله يقول علي بن أبي طالب: لمن راية، البيت)
وفي تاريخ ابن عساكر ترجمة له قال فيها: (ولا أعرف من يسمى حضيناً بالضاد المعجمة والنون وغيره)
والتحريف الثاني في (حتى يرد بها): وهو ظاهر لأنه لا عامل يجزم الفعل
والبيت ورد في (العقد الفريد) ثلاث مرات: ثنتان منهما (حتى يزيرها) وواحدة (حتى يردها)؛ وكل ذلك تحريف؛ والصواب: ما في تاريخ ابن عساكر من أبيات خمسة تختلف روايتها قليلاً: وفيها (حتى يقيلها)؛ وهي كذلك أيضاً في (تاج العروس) من أبيات أربعة ج7 ص85
هذا، ورواية العمدة (راية حمراء) أصح الروايات خلافاً لسائر كتب الأدب التي ترويها (راية سوداء)، لأن راية علي بصفين كانت حمراء لا سوداء
3 -
ونقل عن حماسة البحتري لعلي رضي الله عنه:
من أي يوميَّ من الموت أفر
…
أيومَ لم يقدرَ أم يوم قُدِرْ
قلت: الرواية كذلك في مروج الذهب (ج2 ص25)
وهذا البيت من شواهد الأشموني والمغني، والنحاة يستشهدون به في باب الجوازم على النصب بلم في لغة؛ ولهم في تخريجه كلام كثير وروايتهم له (في أي يومي الخ. . .)
والبيت كما ترى من بحر الرجز، ولكن كتب الأدب تذكر معه بيتاً ثانياً من بحر الرمل وتحرف في الأول بعض التحريف لإخراجه من الرجز إلى الرمل ليتفق البيتان، فرواية العقد الفريد (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1 - 123، وطبعة العريان 1 - 83)
أي يوميّ من الموت أفر
…
يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه
…
ومن المقدور لا ينجي الحذر
وهي شبيهة بالرواية في ديوان علي
ولم يشذ عن ذلك - على ما أعلم - إلا النويري، فقد ذكر البيتين من الرجز فقال (نهاية الأرب 3 - 227)
من أي يومي من الموت أفر=أيوم لا يقدر أم يوم قدر
فيوم لا يقدر لا أرهبه=ثم من المقدور لا ينجي الحذر
ثم نعود إلى نسبة هذا البيت لقائله؛ فبعضهم ينسبه لعلي رضي الله عنه، وآخرون ينسبونه للحارث بن منذر الجرمي، ومن هؤلاء العلامة الأمير في حاشيته علي المغني (1 - 217) والسيوطي في شرح شواهد المغنى (231)، ويظهر أنهم نقلوا ذلك عن ابن الإعرابي الذي نسب له العيني هذا الرأي فيما ذكرناه آنفاً. أما العيني فيقول (أقول: قائله هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كذا قاله أبو عبادة البحتري في حماسته)
وقد أخطأ السيوطي، فذكر في شرح شواهد المغنى البيت - من الرجز - ثم قال إنه أول مقطوعة للحارث بن منذر الجرمي وذكر بعده أبياتاً منها
إن أخواليَ من شقرة قد
…
لبسوا لي عمساً جلد النمِر
وهذه الأبيات من الرمل كما ترى. والبيت كما تذكره كتب النحاة ومنها المغنى من الرجز، فلا يكون مطلعاً لها إلا إذا رجحنا رواية العقد الفريد وديوان علي التي ذكرناها آنفاً
(بني سويف)
محمد محمود رضوان
المدرس بالمدرسة الابتدائية
طلعت حرب
ورسالته الأدبية
لمناسبة الذكرى الأولى لوفاته
للأستاذ مصطفى كامل الفلكي
أشاد الكتاب بالناحية العامة من حياة فقيد الوطن (طلعت حرب) وهي الناحية المتصلة بالرسالة العظمى التي أداها لبلاده، رسالة الاقتصاد وتدبير المال وانتشال مصر من وهدة الخراب التي عمل الأجانب على سوقها إليها بإقبالهم على استثمار مرافقها جميعاً بحيث لم يدعوا لأبناء البلاد سبيلاً
وتلك هي الناحية العظمى في حياة الرجل الفذ، ولو أننا أنصفنا لحددنا هذه الناحية بأنها هي الغالبة عليه عند الناس لظهورها وبروزها
والواقع أن طلعت حرب كان ذا رسالة أدبية خاصة، فإن الأديب لا بد أن يكون ملماً بجميع أحوال أمته وأطوارها وعاداتها وتقاليدها مستخلصاً لنفسه فكرة عن إصلاح المعوج من أمورها، وذلك هو (طلعت حرب) في جميع أدوار حياته، فهو صاحب فكرة في الإصلاح القومي العام، ظل يدعو إليها من بدء حياته حتى وفاته
فقد عرفه الناس لأول مرة وفي صدر شبابه مؤلفاً تخرج له المطابع ثمرات ناضجة من تفكيره وشجونه، وتحتشد أنهار الصحف برائع مقالاته ودراساته، وله من الكتب كثير، منها:
المرأة والحجاب
وفصل الخطاب في المرأة والحجاب
وقناة السويس
وعلاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين
وله رسالة في الإسلام، ورسالة أخرى باللغة الفرنسية في الرد على مسيو هانوتو الوزير الفرنسي المعروف حين هاجم المسلمين والإسلام.
هذا وغيره من إنتاج طلعت حرب نعرف نضوج الرأي والغيرة على ملته وقوميته، وتلمس
فيه قوة الروح وشدة العارضة في إيراد الحجج والاعتماد على المنطق وحكم العقل ودراسات العلماء، فهو لا يرسل القول إرسالاً دون بيان، ولا يعتمد على الرجم بالظن، وإنما قوله كله تحقيق وتدقيق، وتأليفه توفيق في توفيق. وفضلاً عن هذا فإن خطبه الضافية العظيمة تعتبر مرجعاً من أهم المراجع للباحثين في الاقتصاد وفي أحوال المجتمع المصري، فكلها حافلة بالمعلومات، مليئة بالأفكار الناضجة والتعاليم الوطنية الرائعة، تشف عن قلب مفعم بحب بلاده، وعقل حاشد بأهم ما ينبغي لرجل العمل أن يعرفه وأن يلم به. على أنك حين تطالع هذه الكتب وتلك المقالات والخطب والأحاديث والرسائل تخرج منها بنتيجة في غاية العجب، إذ ما من رجل أشتهر بعلم أو شغل بعمل استطاع أن يجمع إلى علمه أو عمله قوة في البيان أو بلاغة في الأداء
ولكن طلعت حرب استطاع أن يفعل هذه الأعجوبة ويحقق ذلك المقصد البعيد المنال
فأنت حين تقرأ له لا تشعر أنك تقرأ لعالم كل همه إيراد علمه، وإنما تعتقد أن أدبياً كبيراً أو منشأ بليغاً يسوق إليك هذه المعلومات والبيانات ويعرض عليك ألواناً من المعرفة، وأشتاتاً من الثقافات
ولو أننا جمعنا الكتب والمقالات التي أنشأها طلعت حرب لكانت أسفاراً عديدة، فإذا أضفنا إليها الأحاديث الصحفية التي أدلى بها في شتى المناسبات، وما كتب من خطابات، لكان منذ ذلك مكتبة من أرقى وأضخم المكتبات، وهذا كله شيء معترف به، ليس في حاجة إلى إثباته، لأن الجميع يعرفونه ولا ينكرونه، فإعادته والإشارة إليه تكرار ليس ما يدعوا إليه
والآن وقد مر العام على وفاة طلعت حرب الأديب فماذا فعل الأدباء لتخليد ذكراه وقد كان نصير الكتاب والأدباء والصحفيين؟
لقد وعد الدكتور زكي مبارك أن يكتب أو أن يؤلف عن طلعت حرب الأديب فأين وعده؟
يا شباب مصر اذكروا طلعت تذكروا مجدكم، وتفخروا بما فعله لتمجيدكم.
مصطفى كامل الفلكي
الفن
ليس من خصائص الإنسان أن يعرف الجمال الطبيعي ويحبه فحسب،
بل خلق مزوداً بالقدرة على إنتاجه أيضاً. فحين يرى جمالاً طبيعياً،
سواء أكان جمالاً فيزيقيا أم خلقيا، فإنه يحسه ويعجب به ويتأثر به،
فينجذب نحوه، وتتملكه عاطفة الجمال وتسيطر عليه. فإذا كانت تلك
العاطفة فعالة مثيرة ونشيطة، فإننا نميل إلى رؤية ما سبب لنا تلك اللذة
وإلى إحساسه ثانية، ونرغب في تحقيقه وإحيائه، لا كما هو عليه في
الخارج، بل كما تصوره لنا مخيلتنا، حتى تظهر فيه ذاتية خاصة،
وهذا هو الفن
فالفن إذن إنتاج حر للجمال، يصدر عن قوة كامنة في الإنسان هي ما نسميه العبقرية ويلزم لذلك الإنتاج الحر للجمال قُوى، هي نفس القوى اللازمة لمعرفته وإحساسه. فالعبقرية هي الذوق السامي، مضافاً إليه عنصر آخر هو القدرة على الإبداع. والذوق ملكة مركبة يدخل فيها ثلاث قوى، هي المخيلة والعاطفة والعقل. هذه القوى الثلاث لازمة بالضرورة للعبقرية، ولكنها ليست كافية، فإن الذي يميز العبقرية عن الذوق، إنما هو القدرة الخالقة، أو القدرة على الابتداع والابتكار. فالذوق يحس ويحكم ويناقش ويحلل ولكنه لا يبتكر، والعبقرية مبدعة وخالقة قبل كل شيء. والعبقري إنما يكون عبقرياً بواسطة رغبة مشبوبة لا يمكن مقاومتها للتعبير عما يحس به من عواطف وانفعالات وصور وأفكار تضطرم في صدره. وقد قيل: إنه لا يوجد رجل عظيم بدون بذرة من الحماقة فيه، هذه الحماقة هي الجزء الإلهي من العقل، وهذه القوة الخفية سَّماها (سقراط):(شيطانة)؛ وأسماها (فولتير): (بالشيطان في الجسد)، وهي التي تلهم العبقرية وتثيرها حتى تبوح بما أضناها. وعلى ذلك، فهناك شيئان يميزان العبقرية: حيوية الرغبة في الإنتاج، ثم القدرة على الإنتاج، لأن الرغبة بدون القدرة ليست إلا مرضاً.
فالعبقرية بالضرورة هي على العمل والإبداع والخلق، بينما يختص الذوق بالملاحظة والإعجاب. والعبقرية الزائفة - أعني المخيلة المشبوبة العاجزة معاً - تضني في الأحلام
المجدبة، وتفنى دون أن تنتج شيئاً ذا أهمية، وقد لا تنتج شيئاً على الإطلاق؛ ولكن العبقرية هي التي يمكنها أن تحول تصوراتها إلى خلق وإبداع جديدين
وإذا كانت العبقرية تخلق، فإنها إذن لا تقلد، ولذا قد يظن أنها أعلى من الطبيعة ما دامت لا تقلدها، والطبيعة من صنع الله، فالإنسان بذلك منافس لله؛ ولكن ليس ذلك بصحيح فإن الطبيعة تفسر الأشياء وتنتجها حسب طبيعتها الخاصة، كذلك العبقرية الإنسانية تنتجها حسب طبيعتها هي. . . ولنقف لحظة أمام تلك المسألة التي أثيرت مراراً، وهي: هل الفن ليس شيئاً آخر إلا تقليد الطبيعة؟
الفن من جهته تقليد بدون شك، لأن الخلق المطلق لا يمكن أن يعزى لغير الله، والعبقرية لا تأتي بالعناصر التي تعمل عليها إلا من الطبيعة. . . ولكن، هل تقتصر العبقرية على إخراجها مثلما صنعتها الطبيعة؟ وهل هي ليست إلا مجرد نسخ ونقل للواقع؟ إذا كانت العبقرية كذلك، فإن ميزتها الوحيدة تكون هي الأمانة في النسخ والنقل، وإذا كان الأمر كذلك كان الفن عاجزاً، مثله مثل طالب كسول بليد، لا يفعل شيئاً إلا أن يقلد كل ما يفعله جاره، وينقله منه بكل أمانة
والفنان الحق يحس ويعجب بالطبيعة إحساساً وإعجاباً عميقين ولكن ليس كل ما في الطبيعة باهراً ومدهشاً بدرجة واحدة. وفي الطبيعة شيء ما تتخطى به الفن إلا مالا نهاية، أعنى الحياة؛ ولكن الفن يتخطى الطبيعة ويفوقها حين لا يقلدها تقليداً دقيقاً. وكل ما هو طبيعي لا بد أن يكون معيباً من ناحية ما مهما كانت درجة جماله. وكل ما هو واقعي لا بد أن يكون ناقصاً. وعلى ذلك نجد الشناعة والقبح مختلطين بالسمو والجلالة من ناحية، ونجد الظروف والرشاقة بعيدين عن العظمة والقوة من ناحية أخرى، وهكذا. وخطوط الجمال منفصلة بعضها عن بعض؛ فإذا اتحدت اتفاقاً وبدون قاعدة ينظم بمقتضاها هذا الاتحاد أخرجت لنا المسوخ. ولكن السماح بوجود قاعدة للنظام يعني السماح بوجود مثال يخالف جميع الأفراد. هذا المثال هو ما يؤلفه الفنان حين يدرس الطبيعة والواقع فيحكم عليهما وينازلهما به
والمثال موضوع تأمل عاطفي للفنان. فالتأمل الدائم الهادئ العميق الذي تحييه العاطفة يوقظ العبقرية ويثير فيها تلك الرغبة الملحة لرؤية ما يرغب فيه متحققاً وحياً؛ ولذلك تأخذ العبقرية من الطبيعة كل المواد التي يمكن أن تساعدها، وتضفي عليها يدها القوية مثلما
فعل ميكلانج مثلاً بإزميله على الرخام الخام. فتخرج منها أعمالاً ليس لها نماذج في الطبيعة؛ أعمالاً لا تحاكي شيئاً آخر إلا المثال المتصورَّ؛ أعمالاً هي من ناحية خلق آخر أقل من الأول بالفردية والحياة، ولكنها من جهة أخرى أعلى منه بالجمال العقلي والخلقي
والجمال الخلقي أساس لكل جمال حقيقي، وهذا الأساس مغطى محجوب قليلاً في الطبيعة والفن يطلقه ويظهره. وغاية الفن هي التعبير عن الجمال الخلقي بمساعدة الجمال الفيزيقي، فهذا الأخير ليس إلا رمزاً لذاك، وهو مظلم غير واضح في الطبيعة، والفن حين يوضحه يصل إلى أعمال لا تنتجها الطبيعة دائماً. نعم إن الطبيعة قد تسبب سروراً وانشراحاً أكثر لأنها تحوز الحياة وتملكها، ولكن الفن يثير أكثر لأنه في تعبيره عن الجمال - وبخاصة عن الجمال الخلقي - يصل مباشرة إلى منبع الانفعالات العميقة. فالفن بذلك قد يكون ابعد تأثيراً من الطبيعة، والتأثير هو علامة الجمال ومقياسه
وطالب الفن ودارسه يجب عليه أن يعرف - في بدء دراسته - الواقع والمثال ويدرسهما معاً لا أحدهما أولاً. والطبيعة نفسها لا تقدم الجزئي بدون الكلي ولا الكلي بدون الجزئي، فالواقع والمثال شرطان من شروط الفن، والعبقري يعرف كيف يوحد بين المثال والواقع، بين الصورة والفكرة. وهذا الاتحاد هو كمال الفن. والأعمال الفنية الكبرى تقتضي هذا الثمن، ولكن يجب التفرقة والتميز بينهما ووضع كل منهما في مكانه الصحيح، فإنه لا يوجد مثال حقيقي بدون صورة معينة، ولا توجد وحدة بدون اختلاف، ولا نوع بدون أفراد؛ ولكن أساس الجمال هو الفكرة ' والذي ينتج الفن هو تحقيق تلك الفكرة لا تقليد الصورة الجزئية.
في بدء القرن التاسع عشر، عقد المجمع الفرنسي مسابقة عن أسباب كمال فن النحت القديم، وعن عوامل انحطاط ذلك الفن. وكان الفائز في هذه المسابقة إمري دافيد الذي قرر أن دراسة الجمال الطبيعي هي التي قادت وحدها الفن القديم نحو الكمال، وبالتالي تقليد الطبيعة هو الطريق الوحيد للوصول إلى الكمال. ولكن كاترمير دكانسي هاجم نظرية دافيد ودافع عن الجمال المثالي، وبين أن الفن عند الإغريق لم يعتمد على تقليد الطبيعة ولا على نموذج واقعي لأن النموذج ناقص مهما كان جميلاً، بل كان يعتمد في الحقيقة على الجمال المثالي الذي لا يوجد في الطبيعة. وكان دافيد قد ادعى أن كلمة
(الجمال المثالي) تعني عند اليونان - بفرض أنهم كانوا يعرفها - (الجمال المرئي)، لأن (المثال يأتي من اليونانية وهذه تعني - في رأيه - (الصورة المرئية - ولكن دكانسي أتى بأثرين رد بهما على دافيد: أحدهما من طميادس حيث بين أفلاطون بوضوح كيف يكون الفنان الحق أعلى من الفنان العادي، والآخر من (الخطيب) حيث يشرح شيشرون كيفية عمل الفنانين العظام ممثلاً لذلك بعمل فيدياس أعظم أستاذ في أكمل عصر فني. فهو حين كان يصنع تمثالاً ما لم يضع تحت ناظريه نموذجاً معيناً يعكف على تقليده، ولكن كان يوجد في نفسه صورة أو مثالاً تام الجمال. وطريقة فيدياس هذه هي نفس طريقة رفائيل التي وصفها في خطابه إلى بقوله:(لما كان ينقصني نماذج جميلة استخدمت مثالاً معيناً صنعته بنفسي)
هناك نظرية تجعل من الوهم غاية للفن، وهي نظرية ترجع الفن إلى التقليد بطريق غير مباشر. فالجمال المثالي للنفس مثلاً هو وهم العين وخداعها، ومنتهى الفن في قطعة مسرحية هو أن تقنعك أنك أمام الواقع. وكل ما في هذا الرأي من حقيقة هو أن العمل الفني لا يكون إلا إذا كان حيا. ففي الدرامة مثلاً يجب ألا تأتي بأشباح الماضي الشاحبة، بل بشخصيات مستعارة من المخيلة أو من التاريخ، ولكنها شخصيات حية وعاطفية، تتكلم وتعمل كما يعمل الناس لا كما تعمل الأشباح. ولكننا لا يمكن أن نجعل الغاية من الفن هي الخداع والإيهام؛ فإننا لو جعلنا ممثل دور بروتس نسخة منه وألبسناه ملابسه وأعطيناه نفس الخنجر الذي طعن به بروتس قيصر، لما مس ذلك الخبراء الحقيقيين إلا مسا رفيقاً. والمغالاة في الخداع تجعل عاطفة الفن تختفي لتظهر مكانها عاطفة طبيعية صرفه، فإن كنت أتوهم أن أفيجينيا على وشك أن يذبحها أبوها على بعد عشرين خطوة مني، فإنني قد أخرج من صالة المسرح مرتعداً من الخوف
وقد يقال رداً على ذلك إن غاية الشاعر هي إثارة الشفقة والخوف مثلاً. هذا صحيح، ولكن إلى حد، وبعد ذلك يخلط بذلك عاطفة أخرى تعدَّل منهما أو تمحوهما وتكون لها غاية أخرى. فإن كان الغرض من الدرامة هو إثارة الشفقة والخوف والحزن فقط بدرجة كبيرة، فإن الفن يكون بذلك غريماً عاجزاً للطبيعة، وأي مستشفى أكبر امتلاء بالشفقة والرعب والحزن من كل مسارح العالم. ونحن حين نعجب بمنظر عاصفة أو حادثة غرق، فإن
إعجابنا ليس ما يثيره هذا المنظر من شفقة أو رعب؛ بل هناك سبب آخر هو استيقاظ عاطفة الجمال والسمو التي هاجتها عظمة المنظر وامتداد البحر واصطخاب الأمواج المزبدة وقصف الرعود المدوية، ولكننا لا نفكر لحظة في أن هناك بؤساء يقاسون ويألمون وقد يموتون وإلا صار المنظر فظيعاً لا يمكن احتماله
وهناك نظرية أخرى تخلط عاطفة الجمال بالعاطفة الخلقية، والعاطفة الدينية، وتضع الفن في خدمة الدين والأخلاق، وتحيل غايته أن يرفعنا نحو الله ويهذب من أخلاقنا. وهنا يجب أن نذكر تفرقة ضرورية: إذا كان كل جمال يحوي جمالاً خلقياً، وإذا كان المثال يرقى دائماً نحو اللانهاية، فإن الفن المعبرَّ عن الجمال المثالي يطهر الروح ويرفعها نحو اللامتناهي أي نحو الله. فالفن يؤدي إذن إلى كمال الروح بطريق غير مباشر. والفيلسوف الذي يبحث عن المعلولات والعلل يعرف المبدأ الأخير للجمال ومعلولاته الحقيقية والبعيدة، ولكن الفنان فنان قبل كل شيء، وما يحييه هو عاطفة الجمال، وما يريد إيصاله إلى القلوب هو نفس العاطفة التي تملأ قلبه هو. هذه العاطفة هي رباطٌ بين العاطفة الخلقية والعاطفة الدينية، توقظهما وتحفظهما، ولكنها متميزة عنهما. والفن المؤسس على تلك العاطفة هو استطاعة غير حرة، فهو يشارك بطبعه في كل ما يعظم الروح في الأخلاق والدين، ولكنه لا يرقى إلا بنفسه. وحين يسترد الفن حريته وكرامته وغايته الذاتية، فإنه لا يمكن فصله عن الدين والأخلاق والوطن، لأن الفن يقتبس إلهاماته من هذه المنابع العميقة، كما يقتبسها من الطبيعة. والفن والوطن والدين قوى لكل منها عالمه الخاص، وبينهما اتحاد متبادل، فإذا ابتعد أحدها عن الآخرين ضل السبيل. ولكن ذلك لا يجعل الفن خاضعاً لقوانين الدين والوطن وإلا فقد سحره وجماله بفقدانه حريته
واتحاد الفن والدين والوطن لا يضر باستقلال كل منها، ونتأدى من ذلك إلى أن الفن نوع من الدين. فالله يتضح لنا بواسطة فكرة الحق وفكرة الخير وفكرة الجمال، وهي ثلاث فكرات متساوية فيما بينهما، تؤدي كل واحدة منهما إلى الله لأنها تأتي منه. والجمال الحقيقي هو الجمال المثالي، وهذا الأخير انعكاس اللامتناهي، وعليه فالفن يعبر في أعماله عن الجمال الأبدي. وكل عمل فني، إذا كان جميلاً سامياً، تمثالاً كان أو أغنية، أو غير ذلك، يلقى بالروح في حلم عظيم يحملها نحو اللامتناهي. واللامتناهي هو الحد المشترك
الذي تتوق إليه الروح على أجنحة الخيال والعقل بواسطة الجمال والحق والخير
أحمد أبو زيد
كلية الآداب
39 - المصريون المحدثون
شمائلهم وعاداتهم
في النصف الأول من القرن التاسع عشر
تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين
للأستاذ عدلي طاهر نور
تابع الفصل الثاني عشر - السحر والتنجيم والكيمياء
تحدث الساحر إليّ وسألني إذا كنت أرغب في أن يرى الصبي شخصاً ما غائباً أو متوفى. فذكرت اللورد نلسون؛ ومن الواضح أن الصبي لم يسمع عنه أبداً لأنه نطق اسمه بصعوبة كبيرة بعد محاولات. وأمر الساحر الصبي أن يقول للسلطان: (إن سيدي يحيك ويطلب منك إحضار اللورد نلسون. أحضره أمام عيني حتى يمكنني رؤيته سريعاً) فقال الصبي ذلك وأضاف في الحال: لقد ذهب رسول وعاد وأحضر رجلاً يلبس ملابس أوربية سوداء والرجل فقد ذراعه اليسرى. ثم وقف لحظة وقال وهو ينعم النظر عن قرب في الحبر: لا، إنه لم يفقد ذراعه اليسرى وإنما وضعها على صدره. وقد جعل هذا الاستدراك بيان الصبي أكثر تأثيراً مما لو كان بدونه، لأن اللورد نلسون كان يعلق كمه الخالي إلى صدر سترته، ولكنه فقد ذراعه اليمنى لا اليسرى. فسألت الساحر دون أن أبين أنني أتهم الصبي بالخطأ، إذا كانت الأشياء تبدو في الحبر كما لو كانت أمام العين فعلاً أو كما لو كانت تنعكس في المرآة التي تظهر اليمين يساراً. فأجابني إنها تبدو كما في المرآة. فجعل هذا وصف الصبي صحيحاً.
وكان ثاني من دعوتهم مصرياً أقام في إنجلترا بضع سنوات فاتخذ الملابس الأوربية. وكان المرض قد ألزمه الفراش طويلاً قبل إبحاري لمصر، فرأيت أن أسمه وهو شائع في مصر، قد يحمل الصبي على الخطأ في وصفه؛ مع أنه حدث في زيارتي السابقة للساحر أن وصف صبي آخر هذا الرجل ذاته بأنه يلبس ملبساً أوربياً مثل ذلك الذي رايته به آخر مرة. أما الآن فقد قال الصبي لها هو ذا رجل لف في ملاءة وجيء به على نعش. ويدل
هذا الوصف على أن الشخص المذكور لا يزال ملازماً فراشه أو أنه مات. وقال الصبي إن وجهه مغطى، فقال له الساحر أن يأمر برفع الغطاء. ففعل ثم قال (إن وجهه شاحب، وله شاربان ولا لحية له) وهذا صحيح.
وقد استدعيت عدة أشخاص آخرين على التوالي ولكن أوصاف الولد لهم كانت ناقصة وإن لم تكن جميعها غير صحيحة. فكان كل وصف يبدو أقل وضوحاً عن السابق كما لو كان بصره يغشى شيئاً فشيئاً. فكان يلبث برهة أو أكثر قبل أن يستطيع أن يصف من يراهم. فقال الساحر إن من العبث إجراء التجربة معه؛ فجئ بصبي آخر ورسم المربع السحري على يده إلا أنه لم يستطيع رؤية شيء؛ فقال الساحر إنه فوق السن المناسبة.
أدهشتني هذه الأعمال تماماً، غير أنها خيبت ظني قليلاً لفشلها مرات في حضور بعض أصدقائي ومواطني. وقد سخر منها في إحدى هذه المناسبات إنجليزي من الحاضرين وقال: لا شيء يقنعه غير وصف صحيح لهيئة أبيه إذ كان على يقين من أن أحداً من الجالسين لا يعرف عنه شيئاً. فدعا الصبي والد الإنجليزي باسمه، ثم بين أنه يلبس الملابس الإفرنجية ويضع يده على رأسه، ويلبس منظاراً ويقف على قدم واحدة ويقيم الأخرى وراءه على نحو ما يفعل النازل من المقعد وكان الوصف دقيقاً من كل الوجوه. فقد كان وضع اليد على الرأس ناشئاً من صداع دائم، ووضع القدم من تصلب الركبة لسقوط الرجل عن ظهر حصانه أثناء الصيد. وقد أكد لي الحاضرون في هذه الجلسة أن الصبي أحكم الوصف في كل دعوة. ووصف الصبي مرة شكسبير شخصه وملبسه وصفاً دقيقاً. ويمكنني أن أضيف إلى ذلك عدة أحوال أخرى أثار فيها الساحر ذاته دهشة معارفي الرزناء من الإنجليز. وفي يوم آخر جهز الساحر، بعد أن قام بالتجربة بواسطة الصبي كالعادة، المرآة السحرية في يد إنجليزية شابة، فلم تكد تنظر فيها لحظة حتى قالت إنها ترى مكنسة تكنس الأرض دون أن يمسكها أحد. وتملكها الفزع فرفضت استئناف النظر
قررت هذه الوقائع بعضها من تجاربي الذاتية والبعض الآخر مما وصل إلى علمي عن قوم محترمين. وقد يظن القارئ أن الصبي كان يرى في كل مرة صوراً تنعكس في الحبر، أو أنه كان متفقاً مع الساحر، أو أنه يرشد بطريق الأسئلة. كل ذلك لم يكن. أما أنه لم يكن هناك اتفاق فقد تحققت من ذلك تحققاً مرضياً باختيار الصبي الذي قام بالعمل من بين
المارين بالشارع، علاوة على رفضه رشوة عرضتها عليه فيما بعد لحثه على الاعتراف بأنه لم ير حقاً ما كان يقرر رؤيته. وقد امتحنت صدق صبي آخر في مناسبة لاحقة وبالطريقة نفسها، فكانت النتيجة واحدة. وكثيراً ما تخيب التجربة تماماً، ولكن عندما يصيب الصبي القائم بالعمل مرة يستمر في النجاح على العموم، وعندما يخطئ بادئ الأمر يصرفه الساحر تواً قائلاً إنه كبير السن. وقد يفترض البعض أن البخور أو الخيال المتأثر أو الخوف يؤثر في نظر الصبي؛ ولكن لو كان الأمر كذلك لما أبصر تماماً ما كان يطلب من أمور لا يمكن أن يكونّ عنها معلومات خاصة سابقة. ولم استطع أنا ولا غيري اكتشاف طريق ما ينفذ بنا إلى السر. ورجائي من القارئ إذا كان مثلنا عاجزاً عن إيجاد الحل ألا يدع البيان السابق يثير في ذهنه ريبة فيما يتعلق بأجزاء الكتاب الأخرى.
الفصل الثالث عشر
الأخلاق
إن طباع المصريين المحدثين تتأثر إلى درجة كبيرة بالدين والشرع والحكومة، كما تتأثر بالمناخ وأسباب أخرى. ومن ثم يصعب جداً أن نكون رأياً صحيحاً عنها. غير أنه يمكننا أن نقرر بثقة أن المصريين يمتازون أكثر من الشعوب الأخرى ببعض الصفات الذهنية العظيمة، وبخاصة سرعة الإدراك وحضور الذهن وقوة الحافظة. وهم في حداثتهم موهوبون على العموم بهذه الصفات وبقوى عقلية أخرى. غير أن العلل السابقة الذكر تحط منها تدريجاً
وليس في أخلاق المصريين الأصلية ما يستحق الاعتبار مثل الكبرياء الدينية. فهم يعتبرون كل من خالفهم في الدين هالكين. وقد ذكر القرآن في سورة المائدة في الآية الحادية والخمسين: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم)
ومن بواعث الأدب أو الصالح الذاتي أن يتحدث المسلم أحياناً إلى المسيحي، وخاصة الأوربي، بلهجة كريمة، وقد يصرح بصداقته وهو يضمر الازدراء له. ولما كان المصريون المسلمون يحكمون على الفرنج بمقتضى ما يظهر من الذين يسكنون مدنهم،
وأكثرهم من شذاذ الآفاق ونفاية البلاد، فمن الصعب لومهم على ازدرائهم. ويعامل أهل مصر المسيحيين مع ذلك بلطف فالمسلمون قد عرفوا بالتسامح كما اشتهروا باحتقار الكفار.
ويعتقد المسلم أن التقي يرفع صاحبه، إلا أن رغبة الظهور بالتقوى تفضي بالكثيرين إلى الرياء. وكثيراً ما يلهج المسلم ببعض الأدعية إذا لم يكن مشغولاً بعمل أو تسلية أو حديث، وإذا أقلقته فكرة أثيمة أو ذكرى شر أرتكبه يصيح متنهداً (استغفر الله العظيم). وكثيراً ما يشغل التاجر نفسه في حانوته بتلاوة القرآن أو بالتسبيح إذا فرغ من مساومة حرفائه أو من تدخين شبكه
(يتبع)
عدلي طاهر نور
الساقية الجافة
للأديب محمود عماد
برغميَ أيتها الساقية
…
وقوفكِ صامتة صاديه
وبالأمس كنت تروَّين تلك
…
الحقول بأمواهك الجاريه
فتجرى النضارة في زرعها
…
وفي أهلها البِشْرُ والعافيه
وكم قد أغارت عصافيرَها
…
أهازيجكِ العذبة الصافيه
فأين تحوَّل عنكِ الغديرٌ،
…
وأين الهراوةُ والماشيه؟
وأضراسُكِ الصامداتُ الشَّدادُ
…
هي اليوم من سوسها ما هيه؟
وصفصافك الغض كيف استحال
…
عِصيَّا منكّسةً جافيه؟
يمرّ النسيم بها لا تميل،
…
وكانت تراقصه حانيه!
وتَلقى العناكبُ منها سَدىً
…
متيناً لِلُحْمتِها الواهيه
كأنكِ في نسجها جثة
…
تردّت بأكفانها الباليه
وأنَّ طنين الذباب ترا
…
تيل تزُجَى إلى روحكِ النائيه
فنحن أمام وفاةٍ. . . أجل
…
وفاة تعِزّ على الناحيه
وإنَّ حياةً اليوم ماتت
…
بموتكِ أيتها الساقيه
أليس دليلَ الحياةِ الكلامُ،
…
فكم قد خطبت على الرابيه؟
وهل بعد موتٍ سوى وحشةٍ
…
أرى وحشةً لكِ تغُرَى بيه
ألا أيها السالكانِ إلى الحيّ
…
أقصَى الطريق، أَصيخاَ ليه
وقولا لزوَّارِ مقبرةِ الحيّ
…
للحيّ مقبرة ثانية
تثير الشجون بإيحاشِها
…
وأطيافِ أيامها الخاليه
فحيُّوا ثراها بِحَفْنِة ماء
…
زلال وريحانةٍ ناديه
محمود عماد
ذكريات.
. .
للأديب مصطفى على عبد الرحمن
أَشرقي في نفسِيَ الحيرى مُنىً تُذْهِبُ ما بِي
من أسى دهري وما ألقاهُ من مُرَّ العذابِ
ودعيني أملأ العينين من نورِ الشَّبابِ. . .
فنِداء الحبَّ يدعو خافِقَيْناَ
…
أَيْنَ ماضٍ من حُمياهُ انْتَشَيْنَا؟
قد مَلأْناهُ غَراما
…
ورشفناهُ مُداما
وسعتْ في نورِهِ
…
الدُّنيا إلينا
ذَاع أَمْري. . . آهِ من أمري ويا لي
…
من هوى قلبي ومن كيد الليالي!
طالت الشكوى ولكن من يبُالي
…
بشكاتي وعذَابي، من بُبالي؟
يا عزاء النفْسِ إن جلَّ العزاء
هلْ لنا من حُرْقَةِ الوجدِ ارتواءُ؟
أَيْنَ وَلى الأمس والدنيا هناءُ؟
ونعيمُ العمرِ نُعْمَى ولقِاءُ. . .
ورجاءُ شاعَ في ظلَّ الوصالِ
…
وصفاء ذَاع في كلَّ مجالِ
(ذكرياتٌ) كلمات مرت ببالي
…
هام قلبي بين شكي وضلالي. . .
يا ليالي. . . أَيْنَ أياميَ أينا. . .؟
أنا أَشْقى فإلاما
…
لا ترى عيني الْمَنَامَا
ونداءُ الحبَّ يدعو خافقينا
…
والمنى والسحر مِلْكٌ لِيديْناَ!
وشبابي لم يزل يَنْدَي بأنداءِ الشبابِ
وشِراعي يتغنَّى بأمانينا العِذابِ
فتعالىْ. . . كأْسُناَ نَشْوى وملأَى بالشرابِ
مصطفى علي عبد الرحمن
البريد الأدبي
السويبة هي الصوبة أو الصوببة
سأل حضرة الأستاذ الفاضل عبد الرحمن أفندي أحمد سعد عن أصل (السويبة) في العربية، وعن دلالتها على معنى يقارب معنى المطمورة التي على وجه الأرض فنقول - قبل الجواب - هذه الكلمة:
زارني أحد أدباء البغداديين، بعد أن وقف على كلمة (المطمورة) المدرجة في العدد 464 من الرسالة فقال:(بأي لغة كتبت يا سيدي مقالتك على (المطمورة)؟) قلنا له: باللغة المالطية، وسبب هذا الجواب أني لاحظت في طبعها أغلاط طبع كثيرة، حتى كان يصعب علي معرفة ما كتبتُ. ولولا عناية خاصة من الله لما تمكنت من فهم ما جاء فيها. ولم أبعث بتصحيح ما جاء فيها من الأوهام، لبعد المسافة بين بغداد ومصر، ولكثرة ما كان فيها من الأوهام. ولهذا اكتفيت بأن خططت خطاً أزرق تحت كل زلةٍ وردت فيها، تنبيهاً للقارئ لا غير، وذلك في نسختين فقط.
وبعد أن نبهت هذا التنبيه العام أقول:
ورد في سؤال الأستاذ الأبيض الوارد في 632: 10 (ثم يسيفونها) والصواب (ثم يسيعونها) وقوله (ويصمدونها) والصواب (ويصومعونها).
والآن نجاوب على سؤاله فنقول:
إن (السويبة) من أفصح كلام العرب وأحسنه بعد إزالة التصحيف عنه. والصواب أن يقال (الصويبة) مصغرة، أو (الصوبة) مكبرة. وبكلا اللفظيين ينطق بعض أعراب العراقيين. قال الشارح:
(والصوبة، يالضم: كل مجتمع. عن كرابح، أو الصوبة: الجماعة من الطعام. والصوبة: الكدسة من الحنطة والتمر وغيرهما. والصوبة: الكبشة من التراب، أو غيره. عن ابن السكيت: الصوبة: الجرين، أي موضع التمر، وحكى اللحياني عن أبي الدينار الأعرابي دخلت على فلان، فإذا الدنانير صوبة بين يديه، أي كدس مهيلة. ومن رواه فإذا الدينار، ذهب بالدينار إلى معنى الجنس، لأن الدينار الواحد لا يكون صوبة. هكذا في لسان العرب؛ غير أني رأيت في الأساس قولهم: والدنانير صوبة بين يديه، مهانة. فلينظر انتهى. قلنا:
قوله (مهانة) من خطأ الطبع. والصواب (مَهيلة) من هال التراب أو نحوه: إذا صَّبهُ
فأنت ترى من هذا أن أهل السودان متفقون وأهل العراق على اتخاذ هذه الكلمة، إلا أن أبناء الرافدين يستعملونها مكبرة ومصغرة على السواء من غير تفضيل صيغة على صيغة، إنما يأتون بها بحسب ما يمر بخواطرهم، ويفعلون مثل ذلك بكثير من الحروف
ثم إن نقل الصاد إلى السين كما في (الصُوَيْبة) و (السويبة) لغة قديمة معروفة عند العرب، فمنهم من كان يرقق الصاد فيجعلها سيناً، ومنهم من كان يفخم السين فيجعلها صاداً. والشواهد لا تحصى. والأمور جارية هذا المجرى إلى عهدنا هذا. ونحن نذكر بعض الشواهد من كلام الأقدمين فقد قالوا:
(الخِرس كالخِرص. والخربسيس والخربصيص. والسويق والصويق. قال ابنُ دُريد في الجمهرة: وبالصاد، أحسبها لغة لبني نميم، وهي لغة ابن الغبر خاصة)(كذا في تاج العروس. وهو خطأ أيضاً والصواب: (وهي لغة بني العنبر، إذ لا وجود لابن الغبر)
والتاج كثير أغلاط الطبع، ويجب أن يطالعه القارئ بكل تحفظ وتحرز وقد صححت فيه أوهاماً لا تحصى، ولو طبعت لجاءت في مجلد كبير، وكذلك يقال في لسان العرب، فإن مطبوعان مصر القديمة كانت تجئ بأقبح حلة وأسوأ حالة.
وأنتهز هذه الفرصة لأقول: إني لم آت على ذكر جميع مترادفات المطمورة أو ما يجالس معناها من الألفاظ المستعملة في العراق. فقد نسيت مثلاً الصوبة والصويبة. والمنثر، وزان المِنبر وهي مستعملة في ديار المنتفق وأرجائها، وهو مخزن الطعام في الصحراء ويسمى صاحبه الجَّبان بجيم مفتوحة، يليها باء موحدة تحتية مشدَّدة، فألف، فنون
والمنثر، غير واردة في معاجم اللغة، وقد وردت في (كتاب عمدة الطالب، في أنساب آل أبي طالب)، وصاحبه من أنباء المائة التاسعة للهجرة
هذا ما تيسر لنا جمعه. وهو الهادي إلى الصواب
(بغداد)
الأب أنستاس ماري الكرملي
من أعضاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية
كم ذا
يرى الأستاذ الظريفي في العدد (475) من الرسالة الغراء أن الموضوع لم ينته بالردود التي قرأها في الأعداد السالفة، ثم بغُفل بيت أبي الطيب ويتناول بيت حافظ رحمه الله بالنقد القاسي تارة وبالتجريح تارة أخرى. ولنا أن نتناول كلمته بالنقد الهادئ تقريراً للحق ودفاعاً عن شاعر النيل. وإنا لنوجز البحث فنقول: ذهب الأستاذ إلى أن (كم) في بيت حافظ استفهامية ومميزها محذوف تقديره (كثيراً) أو ما هو في معناه؛ ثم أورد بيتاً لا ندرك تماماً صلته بالموضوع وهو قول أحد الشعراء:
إلى كم ذا التملق والتواني
…
وما هذا التمادي في التمادي
فأما كون المميز (كثيراً أو نحوه) فلا نفهمه، والوَجْه أن يكون المميز (شدةً أو شوقاً مبرحاً) أو لفظاً مجروراً بمن مناسباً للمقام؛ وإذا فقول حافظ:
كم ذا يكابد عاشق ويلاقي
…
في حب مصر كثيرة العشاق
يحمل على الصورة التالية (كم شدةً أو كم من الشدائد والأشواق المبرحة يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر)؛ أما أن يكون المعنى (كم كثيراً يكابد عاشق مصر هذا الألم) فلا نكاد نسيغه.
وظاهر أن (ذا) في البيت الذي أورده الأستاذ اسم إشارة وليس بها رائحة الاستفهام بقرينة الاستفهام في الشطر الثاني. ثم يرى الأستاذ الظريفي أن (ذا) مفعول مقدم ليكابد؛ وقد يكون في هذا تعسف لا داعي إليه؛ وقد بدا اثر ذلك فيما أورده من تأويل. ويرى أن كلمة (يلاقي) حشو أريدَ به تكملة الوزن والقافية، ومثل هذا القول يفهم في مثل هذا القول يفهم في مثل قول الشاعر (وألقى قولها كذباً وميْنا) أما فرضه على قول حافظ فقسوة بالغة، فإن لكلمة (يلاقي) معنىً يزيد البيت قوة والمعنى روعة؛ فالشاعر يكابد في حب بلاده ما يكابد، ويلاقي كل يوم شوقاً وعنتاً جديداً في سبيل ذلك الحب. والقول بأن في البيت غلطة نحوية لا يقل عن سابقه قسوة. نعم إن إضافة (كثيرة) لا تكسبها تعريفاً فلا تصلح وصفاً لكلمة (مصر) وهي معرفة، ولكن من المكن قراءتها منصوبةً على الحالية من (مصر) لا من (يكابد) كما جاء في كلام الأستاذ. وقديماً قالوا: إن الحال وصفٌ لصاحبها قيدٌ في عاملها
(فكثيرة العشاق) وصف لمصر قيد في المكابدة والملاقاة؛ كما يمكن حملها على أنها منصوبة بعامل مقدر مناسب للمقام، وقد يقع مثل ذلك للمدح (كما هنا) وللدم أو الترحم أحياناً. وإذا فلا موجب لتصويب البيت بالصورة التي رآها الأستاذ الظريفي بعد ما استقر في النفوس وتنقلت روعته في قلوب الأدباء جيلاً بعد جيل
وبعد، فقد أغفل الأستاذ بيت أبي الطيب (وكم ذا بمصر من المضحكات. . .) وقد أصبح شطراً ذا خطر في موضوع البحث، ولا أدري أهو مُسلَّم به، وإذاً ففيم قوله: إن الردود لم تنه الموضوع؟ أم هو لا يزال منه في ريب وإذا فما رأيه؟ على أني أعود فأقول: إن أبا الطيب جارٍ في بيته على عرف أهل الكوفة الذين أجازوا زيادة الأسماء ومنها (ذا) وجوزوا وقوع أسماء الإشارة أسماء موصولة ومنها موضوع النزاع. وفيم العجب والرجل واسع الثقافة متأثر بآراء مدرسة الكوفة، ثم هو بعد من دعائم الشعر ومفاخر العروبة؟!
غفر الله لك يا أبا الطيب؛ طالما عَنَّيْتَ حُسَّادك وأنصارك! وكأني بروحك اليوم تطل على هذا الخلاف، ثم تبتسم وتومئ إلى قولك الخالد:
أنام ملء جفوني عن شواردها
…
وتسهر الخلق جرَّاها وتختصم
(المنصورة)
محمود البشبيشي
حول الردف والسناد
ردّاً على كلمة الأديب الفاضل أحمد يونس محمد أقول: إن علماء العروض نصوا حقيقةً على أن الردف هو حرف مدٍّ قبل الروي؛ وعليه فتكون الياء في مثل: سريرتي والخميلة، ليست من قبيل الردف، لعدم وقوعها قبل حرف الروي مباشرة. . . ولكني أضيف إلى هذا أن الشعراء قد أجمعوا من قديم على التزام مثل هذه الياء - إذا وردت - في سائر الأبيات، حتى لتوهموها من الردف وأضافوها إليه؛ هم محقون في ذلك، لأنها لا تستساغ في الواقع إلا ملتزمة مع سائر الأبيات. . .
وقد بلغ من إجماعهم على اعتبارها ردفاً، واحترازهم من الوقوع في (سناد الردف) بإهمال التزامها، أن نص ابن رشيق على هذه الشبهة في كتابه (لعمدة)؛ فقال في باب القوافي (ص
106 من الجزء الأول):
(وقد يلتبس بالمردف ما ليس بمردف، فيجتنبه الشعراء مثل (فيهم) مع (منهم) وهو جائز، لأن الهاء ليست رويَّا فتكون الياء ردفاً، وإنما الروي الميم): أي أن ياء (فيهم) لم تقع قبل حرف الروي (الميم) مباشرة، بل فصلت بينهما الهاء؛ فالياء هنا ليست ردفاً بسبب ذلك الفصل. . .
ونحن لم نضف هذه الياء إلى باب الردف إلا أخذاً بإجماع الشعراء، وهم إدراكاً لدقائق العروض من (العروضيين) أنفسهم. ولئن كان ابن رشيق شاعراً أيضاً، إلا أنه اصدر حكمه هذا وهو لا بس ثوب (العروضيين) ومتحدث بمنطقهم؛ وما نظن أنه أتى في شعره بمثل الذي أجازه هنا. . .
ثم إننا نحاسب الأستاذ محمود حسن إسماعيل باعتباره شاعراً مرهف الإحساس. . . لا نظَّاماً ولا عروضيَّاً
على أن قصيدته إن خلت من الردف ومن سنادِه، وفقاً للقاعدة العروضية فهي لم تخل من التأسيس - في بعض أبياتها دون بعض - كما أشرنا إلى هذا في كلمتنا السابقة؛ وعليه فيكون السناد الذي تطوق إليها، وهو سناد التأسيس دون غيره من (أنواع السناد الخمسة) التي يتساءل عنها الأديب صاحب الكلمة
(جرجا)
محمود عزت عرفه
في كتاب (الإمتاع والمؤانسة)
. . . أُصحح للأب الفاصل أنستاس ماري الكرملي خطأ وقع فيه وهو قوله إن (هيردوس أتيقوس) روماني لا يوناني؛ فهذا ابعد في الخطأ من استنكاره أن يعتبر (تيودسيوس) يونانياً، وذلك لأن (أتيقوس) هذا أي (الآتيكي) نسبة إلى (آتيكا) مقاطعة آتينا (معلم خطابة)، أو على الأصح (معلن بلاغة) يوناني صميم ولد في ماراتون سنة 101 بعد الميلاد وكان أبوه (آتينا) صميماً تولى القنصلية أيام (نرفا)، ولقد مات (أتيقوس) سنة 177م، ونحن نعرف عنه أنه أنفق شبابه في (آتينا)، وأنه درس بها الفلسفة آخذاً بمذهب
(أفلاطون)، أنه أتى إلى (روما) ليشرف على تربية الإمبراطور الفيلسوف مارك أوريل وأخيه في التبني (نرفوس) وأنه بعد أن صار قنصلاً، وبعد أن جمع ثروة ضخمة، عاد إلى (آتينا)، حيث بنى عدة مبان هامة، لا يزال قائماً منها إلى اليوم (أوديون أتيقوس) الشهير بسفح (الأكروبول) وإذا، (فأتيقوس) يوناني، ولغته هي اليونانية
وإذا ذكرنا أن (كومودوس) هو ابن (مارك أوريل) وأن (أتيقوس) قد أشرف أيضاً على تربيته، كما اشرف على تربية أبيه، وإذا كان من الممكن أن يكون (قومودس) إمبراطور روما كتب إلى (أتيقوس) باللغة اليونانية يطلب إليه كتباً وأشعاراً، وأن العرب قد علموا بذلك - مترجماً عن اليونانية - ترجمة لا نعلم مبلغ دقتها فأي غرابة في أن يكونوا قد جعلوا من (أتيقوس) شاعراً يونانياً، ومن (قومودوس) ملكاً لليونان، ما دام مصدرهم كان يونانياً وما دام (التوحيدي) يورده علي سبيل الرواية؟ وهل العرب كانوا يعرفون شيئاً دقيقاً عن الشعراء اليونان ومعلمي البلاغة عندهم، حتى نستبعد أن يخلطوا بين الشاعر ومعلم البلاغة، أو أن يستنتجوا من يونانية النص أنه تبودل بين يونانيين؟
وأما قصة (الكراكي)، فقصة لا اثر لها فيما عثرت به من كتب اليونان، فهي خرافة لا نعلم عن نسبتها إلى قومودوس وأتيقوس شيئا، وإن يكن هناك احتمال في أن تكون من بين الأساطير الكثيرة التي راجت عن وفاة الشاعر اليوناني الكبير لوسيان المعاصر لقومودوس وأتيقوس
وهكذا يتضح أن القراءة التي نظمها أقرب ما تكون إلى الصحة، هي قومودوس وأتيقوس اللهم إلا أن تكون عند الأستاذ كرواس معرفة خاصة بأبقوس الشاعر اليوناني، وذلك ما ننتظره منه إن تفضل فجاد بعلمه الغزير
ولعل في هذه القراءة ما يطمئن إليه - ولو مؤقتاً - الأب الفاضل إلى أن يقترح غيرنا قراءة أصح
محمد مندور
مدرس بكلية الآداب