الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 477
- بتاريخ: 24 - 08 - 1942
أبو سمبل
للأستاذ عباس محمود العقاد
أمسينا في جو مفعم بالزجر والعيافة، مغلف بالأحاجي والأسرار؛ يتكلم المتكلم فإذا هو عائف أو زاجر من حيث يريد ولا يريد، وإذا هو معرض عما بين يديه وتحت عينيه لينظر إلى عالم الغيب ويستعجل العلم بغده المحجوب، وبالذي يجري في ساعته تلك على مدى الألوف من الأميال
وحق للناظر تلك الليلة أن يعرض عما بين يديه وتحت عينيه! فماذا كان في الحق بين يديه وتحت عينيه؟
منظر واحد يتكرر ثم يتكرر ثم يتكرر في غير تبديل!
هضاب ورمال، ثم هضاب ورمال، ثم هضاب ورمال. . . ثم نيل ينتظمها ويجري في خلالها، ليزيد التشابه بينها ولا يزيدها شيئاً من التبديل أو التنويع
فإذا طالت نظرة العين إلى تلك المتشابهات فهي كالعين المنوَّمة التي حدجت بالنظر شيئاً واحداً حتى غاب عنها وغابت عنه، فاستسلمت لما يوحي إليها من الأنباء، وما يكشف لها من الأسرار
هنالك علمنا منشأ الزجر والعيافة من قديم. فلا يزجر الزاجر ولا يعيف العائف إلا وبه نقص من حظ العيان، وحاجة إلى العلم بالفهم والسماع
وكنا في مثل تلك الحاجة ليلة الزجر والعيافة
فتركنا معركة العلمين ناشبة في بدايتها ونحن لا نسمع كثيراً ولا قليلاً عنها، وانقضى الليل وطرف من النهار ولا خبر ولا رواية، ولا إشاعة كتلك الإشاعات التي يخترعها المرجفون ولها صبغة من الخبر والرواية
وما معركة العلمين في تلك الليلة وفي كل ليلة تأتي بعدها إلى أقاصي التاريخ؟
هي معركةٌ سماها القدر ولم يسمها الجيشان ولا صحف الأنباء أو مطلقو الأسماء على معارك القتال
هي معركة علمين اثنين تتلخص فيهما جميع الأعلام التي تظل المتقاتلين اليوم في كل ميدان
علم الحرية وعلم الطغيان!
علم الدفاع وعلم الفتوح والغارات
وأي العلمين ارتفع في تلك المعركة ففيه مصير عالمين وخافقين ومشرقين، وفيه ابتداء زمان وانتهاء زمان
وتلك تلك المعركة التي انقطعنا عن أخبارها ليلة وطرفاً من نهار. ثم بلغنا الشلال، فعلمنا أننا سنقضي في الباخرة نيفاً وأربعين ساعة، لا نحن بالعالم متصلون، ولا العالم بنا متصل، حتى تستأنف الصلة به عند تخوم السودان
نيف وأربعون ساعة بغير أخبار!
وفي الباخرة مع ذلك طائفة من رجال الصحافة ورجال الأعمال تعودوا عشرين سنة على الأقل ألا تنقضي عليهم أربعون دقيقة بغير خبر جديد، عن أمور بالغ ما بلغ شأنها فهي من سفساف الحديث إلى جانب الحديث عن العلمين
فمن لم يتعلم الزجر والعيافة في تلك الليالي المحجبات فما هو متعلم، وقد تعلمناهما فأحسنَّا العلم بهما من درس واحد لم تسبقه دروس. . .
أقبل الليل فألقت الباخرة مراسيها عند الشاطئ إلى الصباح.
وخرجنا من المقاصير نتنسم الهواء جادين ونتنسم الأخبار متفكهين، وذهب كل منا يسأل صاحبه مازحاً: ما أحدث أنباء المساء؟ فيجيبه: أي مساء؟ الجمعة أو الخميس أو الأربعاء فكل أخبار هذه الأيام سواء
وإنّا لكذلك إذ انحدر أمامنا مركب سريع موقر بالأبقار السمان. . .
فصاح صائح: بشارة خير!
وصاح ثان: نعم، وأي خبر! فهي أبقار لا تذهب إلى مصر لتموين الأستاذ روميل وأصحابه بطبيعة الحال!. . . ولا تصل إلى القاهرة قبل ثلاثة أيام. .
وانطلقت الفكاهة والجد أي منطلق في ذيول هذه العجماوات؛ فمن قائل: إنها تكلمت وسكت الناس؛ ومن قائل: إن بقرات يوسف عليه السلام كانت سبعاً وكانت في المنام، وهذه سبعون وفوق السبعين تراها في اليقظة رأى العين. أحسن البشارة وما أصدق التعبير!
وكان صاحب القدح المعلى في تلك العيافات والتعبيرات طبيباً لوذعياً يسخر من الخرافات
فقلنا: وقد تمت المعجزة بحمد الله، واصطلح الطب والسحر لحظة في هذه الليلة بفضل الجهل بالأنباء. . . وللجهل فضله الذي لا ينكر في بعض الأحايين
ثم توالت الأنباء من هذا الطراز: كل مركب منحدر يعبر عن شئ كثير، بغير سؤال وجواب، وبغير اعتساف في التأويل والتعبير
وأسفرت ليلة الزجر والعيافة عن صباح مشرق كأوضح ما يكون صباح وتشرق شمس في سماء
ونظرنا. . . فماذا رأينا؟
عجيبة من عجائب التوفيقات: فقد رأينا على الشاطئ قبالتنا هيكل الصباح المشهور بين الهياكل المصرية، ورأيناه في اللحظة التي بُني لها، وأعدت محاريبه للقائها والامتلاء بشعاعها وضيائها: وهي لحظة الشروق
هذه مطالع هاتور
هذه محاريب أبي سمبل، وهذه تماثيلها الأربعة الفخام لا تسأم النظر إلى الدنيا في مجلسها، ولا تسأم الدنيا من النظر إليها
وهذا هو الوادي الذي قدسوه قبل ثلاثة آلاف سنة، وجعلوه حرماً لربته هاتور، ولأرباب كثيرين
فهي إذن ظلال الهيكل الساحر التي شملتنا في جو الزجر والعيافة منذ ألممنا بواديها ونحن لا ندري
وهي إذن بقية من كهانات سبقت جميع الكهانات، وأخذ منها الوادي أو هي قد أخذت من الوادي بنصيب
وكان تمام التوفيق أن نبيت الليل في جوارها ثم لا نطلع عليها إلا مع طلوع الصباح، وقد فضت له مغالقها وكشفت له محاريبها، وعانقته هنيهة عابرة في لجة من النور
وعبرنا صامتين
وأنصتنا وأطلنا الإنصات، لأننا نختلس السمع من وراء ثلاثة آلاف عام. وماذا يمنعنا أن ننصت فنسمع؟. . . ثلاثة آلاف عام لا تنأى بنا عن السمع في ذلك السكوت
كانوا يقولون في تلك اللحظة من وراء الجدران الضخام، ومن وراء جدران أضخم منها
وأفخم، وهي جدران الدهور:
(أتيت أيها البصر الهادئ وتمزقت الظلمات ورجعت الأشباح إلى ظلماتها، واهتزت الأرض بالبشائر، وافترت الثغور!
(تحيات يا رائد السماء، إنّا لك خاشعون
(وإن الحياة لتبتسم بك يا كريم. وإن الماء ليتنفس بك يا واهب الأنفاس، وإن الزهرة لبك تزهر، وإن الوردة لبك تعطر، وإنها لتحيات إليك يا رائد السماء، وإنا لك لخاشعون!
(صورت نفسك فما لك مصور، وكذلك صورت في ملكك أول نهار، وخلقت نفس الصباح، ونفس الإنسان، وكل ما نماه عالم الإنسان
(حجبت سرك في النور الأعظم فلا يستشفه بصر مبصر، وإنا لنحييك يا رائد السماء، وإنا لك في سرك لخاشعون!
(يأيها الوليد القديم لكل نهار جديد، نستقبلك فنرقص فرحاً في كرامتك، ونحنو لك خاشعين!)
كانوا ينشدون هذا النشيد من وراء الجدران
كانوا ينشدونه بكل لسان، ويرسلونه إلى كل سمع، فلا يضيرهم أن يخذلهم لسان واحد في تلك اللحظة، وهو اللسان الذي لا يقول بعد الموت، ولا يخترق حجاب القبور
إيه أيتها التماثيل الضخام! فيم تتحدثين في تلك الجلسة وقد طالت بك آلاف السنين؟
كم قلت؟ وكم لم تقولي؟! وكم رأيت وكأنك ما رأيت؟ وكم غمرتك الرمال وأنت لا تحفلين، وغمرتك الأنوار وأنت لا تحفلين، وغمرتك الأنظار المستطلعات وأنت لا تحفلين. . . فيم احتفالك! وفيم صبرك وانتظارك؟ وإلام تجلسين؟ إلام إلام تجلسين؟!
قلت لأصحابي: هذه جلسة تاريخية ليس لها قرار، لأنها كلها قرار!
قال قائل منهم: طوبى لها قرارها! وطوبى لها هذه الجلسة التي اطمأنت إليها: لا حروب ولا أشجان، ولا أهواء ولا أضغان، ولا اكتراث للإنسان ولا لعالم الإنسان
قلت: على رسلك يا صاح. . . لو استطاعت أن تبتسم لكلامك لامتلأت أفواهها بالابتسام، ثم جلجلت بالضحك حتى ارتجت لها الهضاب والآكام.
أهذه التماثيل الضخام بمعزل عن الحروب والأشجان، وعن الأهواء والأضغان، وعن
الاكتراث للإنسان وعالم الإنسان؟
هي حديث حرب، وهي حديث حب، وهي حديث شجن، وهي حديث إنسان يتكلم من وراء الزمن إلى إنسان
وخطوة واحدة وراءها تريك رمسيس في مركبة الحرب يقلب الصفوف على الصفوف، ويرسل الحتوف وراء الحتوف، ويفخر بالنجاة وهو مارق من بين ألوف
وخطوة أخرى وراءها تريك الفاتنة (نفرتاري) وهي كالغصن الريان بهواه وهوى عاشقيه
وخطوة أخرى وراءها تريك المطامع والأهواء؛ تلعب بالكهان والرؤساء، وتزدلف إلى السطوة والثراء، وتنطق بالهجر والمراء
كلا. يا صاح! هي الحرب في هذا المكان والحرب في كل مكان، وهي الأهواء الآن والأهواء في كل آن، وهي الصخور الصلاب تسكت سكوتها فتسمع منها لجب الفرسان، ونجوى الحسان، وسعاية الأقران والأعوان
هي حرب ينبئنا بها حجر، وحرب ينبئنا بها بقر، وحرب ينبئنا بها كل قائل وأعجم، ولا يعوزه ترجمان
عباس محمود العقاد
غرام (سعد زغلول)
للدكتور زكي مبارك
دَرجتُ في الأعوام الأخيرة على كتابة مقالة سنوية في (الرسالة) بمناسبة ذكرى (سعد)، رعايةً لفضل هذا الرجل في بعث الحياة الأدبية عند اختلافه مع زملائه الذين شاطروه أعباء الثورة المصرية، لا رعايةً لمقامه الوطني (وهو مقام محفوف بالإجلال عند جمهور المصريين والشرقيين)؛ وإنما أحترس هذا الاحتراس لأن حقدي على (سعد) كان يفوق الوصف، ومقالاتي في الهجوم عليه كانت أقوى مما كتبت في صدر شبابي، فقد كانت مبادئ الحزب الوطني غزت قلبي غزواً عنيفاً
أكتب هذا والحزن يعصر قلبي، فقد انقضى ذلك العهد، وخمدت النار التي كانت تتأجج في صدري، ولم أعد أقبل الانضمام إلى أي حزب من الأحزاب السياسية
كانت لدينا مبادئ نقتتل في سبيلها اقتتال المجاهدين الصادقين، وكنا نرحب من أجلها بالسجن والاعتقال طائعين فرحين، مبادئ سليمة تفرق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه، في غير بغي ولا عدوان، فعلى عهدها الكريم ألف تحية وألف سلام!
ولو لم يكن هذا الحديث متصلاً بذكرى (سعد) الذي عانى ما عانى من بلايا النفي والاعتقال لطويته بلا تردد، مراعاةً لظروف هذه الأيام، فلتكن هذه السطور فناً من الإحياء لذكراه بين أبناء هذا الجيل
حديث اليوم عن (غرام سعد زغلول)، وهو حديثٌ لم يُفْضِ به إلا لأفراد قلائل، فما ذلك الحديث؟
أذكر أولاً أنني لن أجترح إثماً، ولن أسنّ سنّة سيئة، حين أتحدث عن غرام رجل عظيم شرَّق صيته وغرّب، فمن المحال أن تخلو قلوب العظماء من صبوات وأهواء
يضاف إلى ذلك أنني سأتحدث يوماً عن (غرام مصطفى كامل)، الغرام الذي جعله من كبار الخطباء بلغة الفرنسيس، والذي فرض عليه أن يهتف هتاف الشوق إلى هواه، وهو يعاني سكرات الموت. . .
وأذكر ثانياً أن الدار التي سيجري أسمها في الحديث عن (غرام سعد) لن تتألم ولن تتأفف، لأن سعداً أحبها وأحب أهلها حب الشرفاء، ثم أرتدّ عنها بحسرة دامية لم يخف كربها إلا
بعد سنين تزيد على الخمسين
فكيف كان (سعد) حين استعر في يصدره ذلك الحب؟
كان طالباً في الأزهر الشريف، وكان طلبة الأزهر في العهود السوالف على جانب كبير من التوقر والاستحياء
ولو شئت لقلت: إنه كان من الصعب على أي فتىً مصري أن يتخيل كيف تكون المرأة وهي عارية؛ ولو شئت لقلت أيضاً: إن التصون كان مما يتباهى به الفتيان، في ذلك الزمان، قبل أن تصاب الدنيا بأوضار التمدن الجديد
وكان (سعد) أزهرياً عفّ القلب، ولم يكن يعرف من نعيم الحواس غير اللحظات التي يقضيها مع زميله إبراهيم الهلباوي متربِّعَيْن على الرصيف بجانب المحكمة المختلطة لمشاهدة الرائحات والغاديات في عصرية كل خميس
فهل تكون تلك العصريات علَّمتْ سعداً معانيَ الغزَل الملفوف؟
هل تكون أوحت إليه أن قلب الفتى قد يتوهج من حين إلى حين؟
حين قصَ علينا الهلباوي بك رحمه الله تلك الحكاية لم يشأ أن يطنب في الشرح والتعليق، فقد كان في المجلس رجال يؤذيهم التبسط في مثل ذلك الحديث ولم أكن أنا أعرف أني سأتكلم عن غرام سعد بعد حين أو أحايين
المؤكد أن سعداً قضى شبابه في تصون وعفاف، ولولا ذلك لكان من العسير أن يظل في نشاطه المعروف إلى أن يجاوز السبعين
ومن هنا نعرف كيف اصطلى بنار الوجد في صباه، فالشاب المصون يعاني من الغرام لذعات أحر من لذع النار، لحرمانه من التصعيد الذي يجود به الحب الأثيم
فأين كان حب سعد، حبه السليم من آفات العبث والمجون؟
أطل يوماً من غرفته فرأى في دار الجوهري فتاةً كحيلة العينين مُشرقة الجبين، ثم غضّ بصره بسرعة حين تذكَّر أن ما زاد على النظرة الأولى حرام لا حلال
وما احتياجه إلى نظرة ثانية وقد رُسمت صورة الفتاة على ألفاف قلبه رسماً جعلها أقرب إليه من متن الألفية، وأوضح من شرح أبن عقيل؟
هل يُطلْ من النافذة فيراها مرة ثانية ليتأكد من التماثل بين الصورة والأصل؟
لا بأس، ولكن الفتاة لم تكن تظهر في صحن البيت إلا عند الأصيل، وهو الوقت الذي يعود فيه فتحي أفندي من المدرسة، وهو شقيقه الذي صار فيما بعد فتحي باشا زغلول، وكان الشيخ سعد يراعي فتحي أفندي، ويتعمد الظهور أمامه بصورة الناسك المتعبد، ليصرف عنه سوء التلفت إلى النساء، فقد كان يعرف أن التلاميذ (الأفندية) معرَّضون من هذه الناحية لأخطار تزلزل رواسي الجبال
النظر إلى المرأة حرام، فما حكم الشرع في سماع بُغام الملاح؟
وإنما عرضَ له هذا الخاطر الطريف، لأن مناغاة الفتاة لأترابها كانت تداعب أذنيه من وقت إلى وقت، وكان شديد العجب من أن تكون لفتيات الحواضر أنغام لم يسمع مثلها من بنات الريف، أنغام تصنع بلُبّه ما تصنع الراح بألباب الشاربين
ما حكم الشرع في هذه القضية؟ أيستفتى أشياخه بالأزهر الشريف؟ أيرجع إلى مطولات الفقه بالكتبخانة الخديوية؟
لا هذا ولا ذاك، وإنما اكتفى بوضع القطن في أذنيه عند سماع ذلك البُغام إلى أن يقضي الله في أمره ما هو قاض
كان يتمنى أن تتاح النظرة الأولى مرة ثانية، النظرة التي يرمي بها الفتى من غير عمد، وهي حلال على أرجح الأقوال، ولكن آبائنا قبل ستين سنة لم يكونوا يسمحون لفتاة بالخروج من البيت حين تصبح وهي في نضرة الغصن الفينان، فمن المستحيل أن يظفر الشيخ سعد بنظرة بريئة من تلك الفتاة عند الخروج لدروس الصباح، أو عند الرجوع لتناول الغداء
وهل كان الفتى الأزهري الذي يصلي ويصوم يستبيح التطلع إلى بنات الجيران؟ هيهات ثم هيهات، فقد حلف على المصحف ليصيرنَّ إلى آخر حياته وهو في طهارة القانت المنيب
ثم يضطرم قلب سعد أعنف الاضطرام، ويزداد بلاؤه بهواه المكتوم، من يوم إلى يوم، والفتاة لا تعرف أن بجوارها فتىً يدعو الله في أعقاب الصلوات أن يجعلها نصيبه من دنياه، أو يجعلها على فرض الحرمان نصيبه من الحُور العين
ويمضي فيقلب كتب النحو والفقه والتوحيد ليحفظ ما فيها من الأشعار الغزلية، ولا يكتفي بذلك، بل يمضي فينسخ ديوان أبن القارض، ليتخذ منه سميراً يؤنس وحشته حين تخفت
الأصوات في دار الجيران
إن سعداً فلاّح وابن فلاّح، والفلاحون يخمدون نار الصبوة بالزواج، فما الذي يمنع من أن يسلك مسلك الفلاحين الشرفاء، فيطلب القرب من أهل تلك المليحة الحوراء؟
وهنا تثور مشكلة من أقبح المشكلات، مشكلة اجتماعية يعانيها الحي الأزهري في جميع الأزمان، وهي إصرار سكانه من كبار التجار على أن الأزهريين غرباء
لا جدال في أن الأزهريين هم شرايين الحياة في ذلك الحي، وبفضلهم تحيا متاجر وتقوم أسواق، ولكن هذا الفضل مجحود، لعله يحار في فهمها اللبيب. وقد كانت كلمة (مجاور) كلمة مدح، لأنها منقولة عن مجاورة الحرم النبويّ الظاهر، ثم صارت كلمة هجاء، بسبب التحامل على الأزهريين، فاعجبُ لكلمة ينقلها سوء المعاملة من مدلول إلى مدلول، بلا موجب معقول!
ومع أن الشيخ سعد زغلول كان يعرف أن حيّ الأزهر حيٌّ غادر ختّال، فقد قهره الهوى على أن يطلب يد ابنة الجوهري، ليسلم من وَقّد هواه، وليعرف كيف يُقبل على دروس الأزهر بعناية والتفات. وهل من المحال أن يفي ذلك الحيّ مرة في العُمر لمشرِّفيه من فتيان الريف؟
تشجّع الشيخ سعد فطلب يد ابنة الجوهري، فردّهُ الجوهري برفق، وهو يجهل ما ينتظر عمامة سعد من سيطرة أدبية وسياسية على أبناء هذه البلاد
ورجع سعدٌ حزين القلب، كاسف البال، وقد خاب أمله في هواه إلى آخر الزمان، ثم نظر فرأى أن الفرار من الحيّ الأزهري واجبٌ مفروض، لينجو من غمزات الذين شهدوا ردّهُ الأليم عن مناسك هواه. وأبناء الريف تؤذيهم ثرثرة السفهاء
لابُدّ من ترك الحيّ الأزهري، ولكن إلى أين؟ وماذا يصنع؟
إن أباه كان يرجو أن يصير من علماء الأزهر الشريف، ومن أئمة الدين الحنيف، فكيف يخلف ظن أبيه بلا تهيُّب ولا استحياء؟
ثم بدا له أن الكرامة الذاتية من مقاصد الكرامة الدينية، فخلع العمامة والجبة والقفطان، ولبس الحُلة الإفرنجية واحترف المحاماة، فأصبح وهو الأفوكاتو سعد أفندي زغلول، بشارع عابدين، وأمسى مكتبه سامراً يلتقي فيه كرام الرجال
ولكن لوحة صغيرة كانت تُثير جواه حين يدخل ذلك المكتب، لوحة رُقِشَ في صدرها الأبيض هذا البيت:
وإذا دُعيتُ إلى تناسي عهدكم
…
ألفيت أحشائي بذاك شِحاحا
ولم يكن بدٌ للقلب المجروح من دواء، وهل يُداويَ القلب المفطور بغير العمل الموصول؟
مرَّ عامٌ وعامٌ وأعوام، وسعدٌ يجاهد في سبيل المجد ليعرف من ردُّوه جاهلين أنهم أضاعوا (جوهرة) لن يرى (الجوهريُّ) مثلها ولو أضاع العمر في البحث والتنقيب
ثم استجاب الله لدعوات الوالدَين الصالحين، فاقترن سعدٌ بِفتاة كريمة العم والخال هي بنت مصطفى باشا فهمي رئيس الوزراء في ذلك العهد، وهي اليوم صفية زغلول أم المصريين، أسبغ الله عليها نعمة الصحة والعافية، إنه قريبٌ مجيب
وجاءت أيام في أثر أيام، وتنقل سعدٌ من حال إلى أحوال، إلى أن نفاه الإنجليز في سنة 1919 بسبب قضية الاستقلال
ثم سمح الإنجليز بأن يسافر من مالطة إلى باريس ليقنع (مؤتمر السلام) بعدالة القضية المصرية إن استطاع
وعجز سعدٌ وأصحابه عن الوصول إلى قصر فرساي، فرجع إلى مصر وهو آسف غضبان
فماذا رأى بعد الرجوع؟
أقيمت له حفلتان في الحيّ الأزهري، أولاهما في دار البكري، وقد فرح بها فرحاً عظيماً، فقد كان يظن أن خذلانه في الوصول إلى (مؤتمر السلام) قد يصرف عنه قلوب المصريين وفي تلك الحفلة هُتف عند دخول عدلي باشا بعبارة (تحيا وزارة الثقة) وهُتف لسعد باشا بعبارة يحيا (الشيخ سعد)
أما الحفلة الثانية فكانت. . . أين كانت؟
كانت في دار الجوهري، الدار التي ردَّت سعداً خائباً قبل أعوام تزيد على الخمسين
وجرى الهتاف لسعد: (يحيا الشيخ سعد)
والتفت سعد باشا ذات اليمين وذات الشمال، فرأى أنه في أمان من ثرثرة السفهاء، وأن الشيخ القديم لن يغلب الباشا الجديد، وأن من حق الأزهريين أن يفتخروا به مشكورين
ثم التفت الرجل مرة ثانية ذات اليمين وذات الشمال، وسمح لعينيه بدمعتين محرقتين، هما التحية لهواه الذي ذهب إلى غير معاد
هذا سعد باشا خليفة الشيخ سعد، ولكن أين بنت الجوهري؟ وأين مكانها في هذا الوجود؟ أغلب الظن أنها ماتت وإلا فكيف صبرت عن خلع العذار لتقبِّل الحبيب الذي أنتصر على مكايد الزمان؟
وأقام سعد في (بيت الأمة) يتلقى تهنئة الوفود بعودته سالماً من باريس، وكان يمد يده فينزع اللثام عن كل امرأة تعتصم بالحجاب، وكانت حجته أنه يؤيد رأي صديقه الحميم قاسم أمين
ولعله كان يرجو أن يطلُع عليه القمر الجوهري، لو كان للقمر الآفل طلوع
لقد حدثتني النفس بزيارة دار الجوهري قبل أن اسطر هذا الحديث، ولكني خفت أن أضاف إلى المجانين
كان لي فيك هوىً، يا دار الهوى، فأين غرام سعد وأين غرامي؟
إن أعتدل الميزان فسنكتب على بابك العالي سطراً يقول:
(هنا تهاوتْ أحلام وقلوب)
وأين دار الجوهري؟ لا تسألوها عن مكانها ولا تسألوني، فقد ناب عني وعنها أبو تمام حين قل:
لا أنتِ أنتِ ولا الديار ديارُ
…
خفَّ الهوى وتقضَّت الأوطارُ
وأنت، يا سعد باشا، ما رأيك في هذا الحديث؟ ألا ترى أنه من أشرف ما يتصل بتاريخك الجميل
زكي مبارك
من معهد الإسكندرية
إلى جامعة فاروق الأول
للأستاذ محمد محمد المدني
أيتها الجامعة الناشئة:
سلام الله ورحمته وبركاته عليك، وهنيئاً لك هذا البدء السعيد لحياة أرجو أن تكون طويلة مباركة حافلة بالعمل والنشاط والإنتاج إن شاء الله!
أتدرين ممن تلقين هذا الكتاب؟ إنه من أخ لك لم تلده أمك الشابة الحسناء، المشرفة على ضفاف النيل بالجيزة الفيحاء، ولكن ولده عمك أو جدك (الأزهر)! ذلك الشيخ العجوز الرابض تحت سفح المقطم منذ ألف عام. . . أريد أن أهنئك من قلب مخلص صادق لم يداخله الحسد، ولم يكدره التعصب، بما تلقينه من عناية بك، واهتمام بأمرك. . . ثم أشكو إليك ما أتجرع أنا من غصص الضعف، وما أذوق من ذل الغربة وويل الشتات!
أنت الآن - أيتها الأخت - في فترة من الزمان تغبطين عليها: لم تبتدئي بعد عامك الدراسي الأول، وأرى الدنيا عليك مقبلة، والأيام عنك راضية، والدولة إليك دائلة!
أنت كالعروس المدللة الأثيرة عند أهلها: يعدون لها، ويتطلعون إلى يوم جلوتها، ولا يدخرون وسعاً في سبيل إرضائها، وتهيئة الحياة السعيدة المترفة الناعمة لها. . . وأهلك أغنياء كرماء قد عرفوا الحياة وأدركوا أسرارها، ومرنوا على السير فيها بخطوات ثابتة جريئة متوالية، حتى احتلوا المكان الأول، ونالوا الحظ الأوفر، وتركوا الخاملين المتخلفين من ورائهم، يكادون يتميزون غيظاً ويموتون غماً!
هذه وزارة المعارف كثيرة الحركة دائبة النشاط: قد حشدت قواها، وعبأت رجالها: تجتمع لجانها، وتنعقد مجالسها، وتكتب تقاريرها، وتؤلف فيها الهيئات الفنية وغير الفنية، ويسهر وزيرها، ويدأب في السعي مستشارها، وتشتغل الصحف والمجلات ودار الإذاعة بأمرها. . . وكل ذلك من أجلك أنت - أيتها الأخت - السعيدة! ومن قبل شغل المجلسان في دار الندوة بهذا الأمر: تقبلاه بقبول حسن، وأقراه في مثل لمح البصر، وأوسعا له في البذل والعطاء، ولم يضنا عليه بالحر من المال، والعالي من المناصب، والرفيع من الدرجات. . . فأسعدي - يا أخت - بهذا العطف، واهنئي بهذه الرعاية، واستمتعي بمجد آلك،
واستطيلي فخراً بأسمائهم، واستظلي مما عقدوه عليك بلواء من الأمن والطمأنينة والرضا، واسلكي سبل العلم، وفجاج البحث، ذللاً لا أشواك فيها، ولا عقاب تعترض من دونها!
سيري يا أختاه بجنان ثابت ونفس مطمئنة وصدر لم تفسده الوساوس، ولم تحوم حوله الشكوك، فقد وفتك الدولة حقك، وكفتك ما يهمك، وجعلتك في يمنى يديها حين جعلت غيرك في يسارها ومن وراء ظهرها!
معاذ الله - أيتها الأخت الناشئة - أن أتطاول إلى مثل مقامك، أو أمني النفس بمثل منزلتك، فإنما أنا معهد ثانوي صغير لا يزيد على هذه المدارس الكثيرة التي تعمل في خدمتك، والتي ستمدك كما مدت أمك الرءوم من قبل بالبنين والبنات؛ ولست قريباً لك ولا نداً لخطابك، ولكني أشاركك فقط في معنى واحد، به أكتب إليك وبه أجترئ عليك: أنا معهد الإسكندرية وأنت جامعة الإسكندرية، ولقد كنت مثلك يوم نشأت منذ ثلاثين عاماً: كنت معهداً من المعاهد العليا عنيت به الدولة يومئذ كما تعني بك الآن، واحتفلت به الأمة كما تحتفل بك الآن، وأسندت إدارته إلى رجل عبقري حازم لم تزل آراؤه وإصلاحاته وهمته ونشاطه مسك الأحاديث وعطر المجالس، هو المغفور له الشيخ محمد شاكر، وقال الناس عني كلاماً كثيراً، قالوا: هذا معهد الإسكندرية عاصمة مصر الثانية، هذا هو (أزهر) الدولة المحمدية العلوية سينافس أزهر الدولة الفاطمية، وقد حققت بي الأيام بعض هذا الظن، فكنت نموذجاً في أساتذتي، وكنت نموذجاً في طلابي، وكنت نموذجاً في دراساتي ونظامي، وخرجت رجالاً أئمة يكادون يستأثرون بالفضل في كل ناحية من نواحي الأزهر الحاضر: في العلم، في الخلق، في الإدارة، في الحزم، في الشجاعة، ولكن الزمان صدمني مرتين: فأما إحداهما فيوم بدا لرجال الأزهر أن يجعلوني معهداً كمعاهد الأقاليم فأصبحت معهداً ثانوياً كمعاهد طنطا وشبين وقنا، أعد أبنائي، وأجد في تعليمهم وتثقيفهم وتهذيبهم وتقويم أخلاقهم؛ حتى إذا سويتهم فتيان علم وعمل وخلق كريم دفعت بهم إلى الأزهر فغرقوا في لجته وضلوا في تيه. والأزهر كما ينبئ عنه التاريخ قوة خارقة غلابة تحيل الأشياء ولا تحيلها الأشياء: كم من رجال تأبوا عليه ثم خضعوا له من حيث لا يشعرون، وأرادوا له صيداً فكانوا هم المصيدين! وكم من علوم لم تهضمه ولكنه هضمها، ورامت منه فأخضعها وأذلها! وكم من أخلاق فيه تبدلت وملكات ثابتة تأرجحت! فماذا عليهم لو يتركوني كما
أنشأوني معهداً عالياً نموذجياً ولم تمتد أيديهم إلي، إذاً لكنت اليوم جديراً أن أكون قريناً لك بل منافساً شريفاً يحاول أن يسبقك في ميادين العلم والبحث والإنتاج!
وأما صدمتي الأخرى فقد أصابتني قريباً، وكانت صدمة عنيفة زلزلت مكاني، وقوضت أركاني، وشطرتني شطرين رمت أحدهما إلى العاصمة الغربية فزحمت به معهد طنطا، واحتفظت بأيسر الشطرين في دمنهور فأقامته في (كُتّاب) لجمعية تحفيظ القرآن ثم قالوا عن هذا (الكُتّاب) وأنا أكاد أذوب خجلاً: هذا معهد الإسكندرية
لقد أنزلوك على الرحب والسعة إحدى دورهم الفسيحة الأرجاء العالية البناء، ولن تمضي عليك بضع سنوات حتى تكون لك مدينة جامعية في رمل الإسكندرية تشرق على بحر الروم كما تشرق مدينة الجامعة الأولى على نهر النيل، أما أنا فقد قضيت حياتي في مكانين متباعدين في مدينة الإسكندرية شمالاً وغرباً: أحدهما زقاق غير نافذ من أزقة السيالة تكتنف البيوت فيه داري، ويعلو الباعة المتجولين في كل صباح ضجيج من حولي؛ والآخر دار بنوها، وكأنما كان مهندسها ينظر في ضمير الغيب إلى ما حدث الآن فبناها على نظام ثكنات الجيوش. نعم بنوها، ولكن في أي مكان؟ في (القباري) موطن المصانع ومستودعات البترول و (مغالق) الخشب، ومخازن السكك الحديدية وطريق الإسكندرية كلها إلى (السلخانة) ومدابغ الجلود!
(وفكر) الأستاذ الأكبر المراغي في أن يبني لي داراً تليق بمكانتي، فأمر رجاله أن يرودوا الإسكندرية وضواحيها مكاناً مكاناً فرادوها، وقيل للناس أنهم قد انتخبوا مكاناً فيها، ثم انتهى الأمر بالمشروع إلى هذا الحد فكتبت فيه تقريرات أضيفت إلى سجل التقريرات عن سائر المشروعات!
وليتني بقيت في الإسكندرية حيث كنت، ولكنهم حفظهم الله قد خافوا الغارات، وقذائف الطيارات، ففروا بي من قضاء الله إلى قضاء الله. فهذه هي صدمة الأخيرة التي حدثتك يا أخت عنها، فإذا بدا لك أن تسأليني: كيف جاز لمعهد أزهري أن يفر من الإسكندرية قبل أن تفر مدارسها الابتدائية بل مدارسها الإلزامية ورياض أطفالها، فإني أجيبك على البداهة بأن لنا معاشر الأزهريين فلسفة خاصة في القضاء والقدر والصبر على النوازل والثبات للشدائد؛ فلسفة تقضي علينا أن ننصح الناس بالرضا عن ذلك كله، واحتمال ذلك كله
وننسى أنفسنا، وأن نبالغ في نهي الناس عن الجزع والفزع ثم نخالفهم إلى ما ننهاهم عنه! وقد يكون في الأمر سر آخر لا أعلمه ولا أعتقد بأنك حريصة على أن تعلميه، وربما علمه فضيلة شيخي الجليل الناشط الأستاذ الشيخ أبي العيون. وبهذه المناسبة أذكر لك أن هذا الشيخ الناشط لا يباشر عمله في إدارتي الآن منذ عام أو يزيد، لأن الأزهر رأى أن ينتفع بنشاطه في منصب من مناصب التفتيش (في إدارته العامة) فيا لله لمعهد قسمه الثانوي في طنطا وقسمه الابتدائي في دمنهور، وشيخه ومدير أدارته في القاهرة بين المفتشين!
أيتها الأخت السعيدة: هنيئاً لك، وعزاء لي.
أخوك
معهد الإسكندرية
(بطرف) جمعية المحافظة على القرآن الكريم بدمنهور
(طبق الأصل)
محمد محمد المدني
المدرس بكلية الشريعة
من وثبات العبقرية
نظام الضرائب في الإسلام
وهل روعي فيه الوضوح والملاءمة
للأستاذ علي حسين الوردي
لقد وضع الاقتصادي الأشهر آدم سميث، كما سبق ذكره، أربع قواعد يجب أن تتوفر في الضريبة الصالحة: هي العدل والاقتصاد والوضوح والملاءمة.
أما وقد انتهينا في مقالاتنا السابقة من بحث قاعدتي العدل والاقتصاد في الضريبة، فقد بقي علينا أن نأتي إلى موضوع الوضوح والملاءمة فيها.
قاعدة الوضوح
يريد العلماء بالوضوح في الضريبة أن تكون الضريبة معينة في مقدارها وزمان جبايتها ومكانها، بحيث يكون الناس على علم من ذلك كله فلا يبقى إذن مجال للزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، مما يؤدي إلى إساءة الاستعمال والاختلاس والإرهاق، إذ يغتنم الجباة فرصة جهل الناس فيستخلصون منهم ما لاحق لهم به
والحكومات الحديثة تحرص على اتباع هذه القاعدة كل الحرص، فنجدها تنشر على الناس الميزانية العامة في رأس كل عام، وتحاول بكل وسيلة أن يطلع المكلفون على ما فرض عليهم من ضرائب لكي يعدوا أنفسهم وأعمالهم وأموالهم في سبيل ذلك، ولكي يعلموا بشيء من اليقين ما تزيد به الضريبة على كلفة الإنتاج وما ينبغي لهم من تقرير الأسعار وتهيئة العرض حسب الطلب المقبل.
ولقد قيل بهذه المناسبة إن القديم الخبيث من الضرائب خير من الطيب الجديد. ويريدون بهذا القول: أن الضريبة القديمة، مهما كانت سيئة، فقد عرفها الناس وتعودوا عليها منذ زمن طويل، ثم اطمئن المنتجون إلى آثارها فهم ينتجون بعد أن يضعوا مقدارها في حسابهم واضحاً معيناً. وإذا كان السعر من جرائها مرتفعاً علم المنتجون بما يستطيعون بها من بيع وما يأتيهم بعد ذلك من أرباح. وعلى هذا يكون ميزان العرض والطلب في الميدان الاقتصادي هادئاً، ومحتملاته المقبلة على شيء من الوضوح
أما إذا وضعت الحكومة ضريبة جديدة، اختل هذا الميزان طبعاً وأخذ يترجح يمنة ويسرة، لأن المنتجين تفاجئهم الضريبة فيضطرون إلى تحملها في أرباحهم أو إلى زيادة أسعارهم بها، وفي كلا الحالتين يطرأ الارتباك على سوق البضاعة: لقلة في العرض ناتج عن ضآلة الأرباح، أو لقلة في الطلب ناتج عن ارتفاع الأسعار
هذا هو ما دعا الحكومات الرشيدة إلى الإبطاء في تبديل نظام الضرائب الجاري في بلادها وقصر التعديلات فيه على أقل حد ممكن، لأنها تعلم خطر التغييرات المتعاقبة على النظام الاقتصادي المستقر على حالة راهنة
وإذا نظرنا إلى الإسلام نجد ضرائبه على قسط كبير من الوضوح والاستقرار، ولعله قد فاق كل نظام في هذا المضمار، إذ أن رسول الله قد وضع نظاماً ثابتاً للصدقات لا يتغير على مدى الأيام، وهاهو ذا جزءاً من الفقه يتدارسه المسلمون جيلاً بعد جيل، وعندما حدثت في الإسلام أوضاع جديدة احتاجت إلى أنواع أخرى من الضرائب كما حدث في عهد عمر، وضع الفقهاء كما بينا سابقاً ضرائب جديدة أثرت من بعدهم واتبعت اتباعاً طويلاً
وكأن الإسلام قد شعر بما يشعر به علماء اليوم من أن الضريبة القديمة ليست ضريبة فشرع للناس شرعة الضرائب الثابتة، وهي ما كانت الأمم القديمة لا تعرفه ولا تهتم به
فلا ريب في أن الملك في الزمن القديم كان يبغت الناس بين كل آن وآخر بضريبة جديدة، تبعاً لما كان يشعر به من حاجة إلى مال، أو رغبة في ادخار
وبهذه المناسبة نود أن نطلع القارئ على طريقة في الجباية كانت مستعملة في الزمن القديم، ولا تزال بعض الدول اليوم تعتمد عليها أحياناً، تلك هي طريقة التوزيع ويلاحظ فيها أن الحكومة لا تعين نسبة الضريبة في قانون ثابت، حيث تؤخذ من الفرد كل سنة كما تقتضي قاعدة الوضوح إنما تعين الحكومة مقدار حاجتها من المال في رأس السنة المالية ثم تقسم هذا المقدار على الولايات لتؤدي كل منها حصتها المتناسبة من الضريبة العامة. وحاكم الولاية بدوره يفرض على أفراد ولايته ما يشاء من وزيعة، إذ هو مسؤول على وفاء ما تطلب منه الحكومة المركزية بكل وسيلة
حقاً، إن هذه الطريقة سهلة الإدارة واضحة المعالم بالنسبة للحكومة، لكن فيها ظلماً وفيها غموضاً بالنسبة لدافع الضريبة، ذلك لأنه لا يعرف مقدار الوزيعة التي تؤخذ منه كل سنة،
فهي تختلف عاماً بعد عام
فإذا كانت حاجة الحكومة كبيرة في إحدى السنين، أرهق الفرد في دفع حصته من ذلك من غير اهتمام كبير في ما ينتج الفرد أو يستطيع؛ ولذلك يبقى حائراً في كل حين، لا يدري مقدار الوزيعة التي ستفرض عليه، ولا يقدر إذن أن يتضح أثرها الاقتصادي في تكاليفه المقبلة وأسعاره
أما الإسلام، فلا نعلم أنه لجأ مرة إلى مثل هذه الطريقة، وكل الذي نعرفه في هذا الموضوع، هو أنه كان يوصي عمال خراجه وصدقاته دائماً بالرفق والعدل من غير اكتراث بالمقدار الذي يستحصلونه بعد ذلك. وقد قال أحد العمال لعلي بن أبي طالب عندما أوصاه بالرفق: يا أمير المؤمنين، إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك (يعني من غير جباية)؛ فأجابه علي: وإن رجعت كما ذهبت. . . ويحك! إنَّا أمرنا أن نأخذ منهم العفو (يعني الفضل)
وقاعدة الوضوح هذه تكون واجبة أشد الوجوب عندما تجبى الضريبة بطريق الالتزام، لأن الملتزم الذي يتقبل جباية الضريبة على مقدار معين من المال، يرغب دائماً في أن يستفيد من غموض الضريبة، أو جهل الناس بها، وهو قد يتوخى تعمية الأمر ليتسع له مجال ابتزاز المال منهم تحت ستار من القانون!
وفي الحقيقة أن الحكومة مهما حاولت توضيح الضريبة للناس، فلا بد أن يبقى ثمة كثير من البلهاء الجاهلين
وهذه السيئة هي التي جعلت الحكومات الحديثة تتجنب - جهد الإمكان - منح الجباية إلى الملتزمين
هذا، والالتزام - فضلاً عن ذلك - مخالف لقاعدة الاقتصاد في الضريبة:
فلقد قلنا فيما مضى: إن الفرق بين ما يخرج من جيوب الدافعين، وما يدخل إلى خزينة الدولة، يجب أن يكون أقل ما يمكن، لكي يتوفر في الضريبة عنصر الاقتصاد
وفي جباية الضريبة عن طريق الالتزام، يحاول الملتزم أن يجبي لنفسه أكبر مقدار ممكن، لكي يوفر لجيبه الفرق العظيم بين ما يؤدى للحكومة وما يجبى من الناس، ونجده لذلك يعذب الناس باسم الحكومة ويرهقهم إرهاقاً
وقد تضحك يا سيدي القارئ إذا علمت بما صنع عبد الله ابن العباس برجل جاء إليه فقال: أتقبّل منك الأُبُله بمائة ألف. فضربه ابن عباس مائة وصلبه حياً
من هذا نعلم إن الإسلام كان يبغض الالتزام كل البغض، ويحرمه كل التحريم. وإليك ما قال أبو يوسف في هذا الشأن يوصي به الخليفة هرون:
(ورأيت ألا تقبل شيئاً من السواد ولا غير السواد من البلاد فإن المتقبل (الملتزم) إذا كان في قبالته فضل عن الخراج عسف أهل الخراج وحمل عليهم ما لا يجب عليهم. وظلمهم وأخذهم بما يجحف بهم ليسلم مما دخل فيه. وفي ذلك وأمثاله خراب البلاد وهلاك الرعية. والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته. ولعله أن يستفضل بعد ما يتقبل به فضلاً كثيراً، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية، وضرب لهم شديد، وإقامته لهم في الشمس، وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب عظيم ينال أهل الخراج بما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه. إنما أمر الله أن يؤخذ منهم العفو، وليس يحل أن يكلفوا فوق طاقتهم. . .)
قاعدة الملاءمة
ويسميها بعض المؤلفين قاعدة الرفق والسهولة. يقول فيها آدم سميث: تجب جباية الضريبة في الزمان والمكان وبالطرق الأكثر ملاءمة للمكلف
وهذه القاعدة لم يكن معنياً بها كثيراً لدى الأمم القديمة، ذلك لأن علاقة المصلحة بين الحكومة والفرد لم تكن متبادلة
أما الحكومة الحديثة فقد بدأت تشعر بأهميتها في حياة الأمة، وبأثرها في الإنتاج العام. واليوم ينصح علماء المالية بأن الجباة يجب أن يذهبوا بأنفسهم إلى حيث يجبون الضريبة في الأماكن التي يختارها المكلف، وليس بجائز أن يتخذوا لهم المكان المطمئن ويأمرون المكلف بجلب الأموال إليهم وهم ناعمون. . .
والإسلام قد نظر في الأمر نفس هذه النظرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا على مياههم وبأفنيتهم)
يقول الإمام القاسم بن سلام المتوفى سنة 224 هجرية في شرح ذلك: (. . . لا ينبغي
للمصدق (الجابي) أن يقيم بموضع ثم يرسل إلى أهل المياه ليجلبوا إليه مواشيهم فيصدقها، ولكن ليأتهم على مياههم حتى يصدقها هناك، وهو تأويل قوله على مياههم وبأفنيتهم)
أما وقت الجباية فيجب أن يكون في الحين الذي يستسهل فيه المكلف دفع الضريبة أو عندما تتوفر لديه النقود بعد حصاد زرعه أو بيع بضاعته
سأل عمر واليه على حمص سعيد بن عامر بن حذيم: ما لك تبطئ بالخراج؟ فأجابه أمرتنا ألا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم. فقال عمر: لا عزلتك ما حييت
قال الإمام أبو عبيد القاسم: (لم يأت عن رسول الله أنه وقت للزكاة يوماً من الزمان معلوماً، إنما أوجبها في كل عام مرة. وذلك أن الناس تختلف عليهم استفادة المال، فيفيد الرجل نصاب المال في هذا الشهر، ويملكه الآخر في الشهر الثاني، ويكون للثالث في الشهر الذي بعدهما. ثم كذلك شهور السنة كلها. وإنما تجب على كل واحد منهم الزكاة في مثل الشهر الذي استفاده فيه من قابل. فاختلفت أوقاتهم في محل الزكاة عليهم لاختلاف أهل الملك. فكيف يجوز أن يكون للزكاة يوم معلوم يشترك فيه الناس. . .)
حقاً لقد كان الإسلام رفيقاً بدافعي الضرائب كل الرفق موصياً بهم من أجمل الإيصاء. أنظر إلى علي بن أبي طالب يوصي عامله على مصر في أهل الخراج: (. . . فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو باله أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ئنائهم، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم. . .)
تلك تعاليم سامية بلا ريب وهي مطابقة لما تملي قاعدة الرفق والملائمة ولما يلح على إتباعه علم المالية العامة إلحاحاً.
ولا مراء في إن الإسلام قد شرع للناس شريعة الضرائب الصالحة في الزمن الذي أنغمر فيه العالم في دياجير الظلم، وانحطت فيه الروابط الاجتماعية والاقتصادية انحطاطاً عظيماً. وكأن الإسلام قد جاء بتجربة اقتصادية كبرى برهنت للناس بالبرهان الحي على أن العدل
أساس الملك حقاً، وإن الرفق أولى بإنماء الجباية من التعسف والتكالب. فقد يأخذنا العجب حين نرى الجباية قد بلغت - على عهد الإسلام - مبلغاً لم يحلم به القياصرة والأكاسرة، وهم الذين كانوا يستنزفون أموال الناس بالباطل، وهم على زعمهم غانمون. بلغت الجباية على عهد المأمون - حسب قائمة أبن خلدون التي أوردها في تاريخه - ما يناهز الأربعمائة مليون درهم عدا الحيوانات والسلع والعروض، وهي أموال طائلة لا يجوز مقارنتها بعملة اليوم لأن الدرهم كان حينذاك ذا قوة شرائية كبرى.
ولا يخفى أن هذا المبلغ كان حصة الخزينة المركزية الخاصة بالخليفة، حيث تأتي إليه خالصة بعد الإنفاق على إدارة الحكومات المحلية وإعانة الفقراء فيها. هي حصة الخليفة وحده يتصرف بها كما يرى في تدبير الشؤون العامة. فيا ليت شعري كم هو مجموع الجباية العامة إذاً قبل الإنفاق!
هذا مع العلم أن أقصى ما وصل إليه مجموع الجباية العامة عند الرومان في عنفوان مجدهم لم يتجاوز الأربعمائة مليون درهم، وهم الذين كانوا في دقة القانون وبراعة الإدارة مشهورين.
أليس في هذا حجة بالغة على أن العدل أساس الملك، وأن الرفق أولى من التعسف في إنماء الجباية
كاظمية - عراق
علي حسين الوردي
المساهمة والشركة في مصر
بمناسبة ذكرى وفاة (طلعت حرب)
للأستاذ عبد الله حسين
في يوم الخميس 13 أغسطس أحتفُل بالذكرى الأولى لوفاة الزعيم الاقتصادي الكبير المغفور له محمد طلعت حرب باشا، المؤسس الأول لبنك مصر وشركاته المساهمة المعروفة. ولقد كان مما يتفق وطبائع الأمور، أن يعرض المحتفلون بهذه الذكرى، والمعزون والجماهير التي عرفت (طلعت)، أو استمعت إلى أحاديثه وخطبه، أو وقفت على آثاره وأعماله وتصرفاته، إلى بنك مصر وشركاته، وما يتصل بها من خطط، وما تعرضت له من أزمات؛ وكان من الطبيعي أيضاً أن يكون للفقد - شأن كل عظيم وعصامي ومبرز - الأصدقاء والحساد والأعداء. . . والخصومة للعظيم - وخاصة لمن بلغ منزلة (طلعت) - لا تغض من مكانته، بل لعلها تزيده منزلة، وتُجلَّى على الأيام فضائله وشمائله. ذلك أن النقد وحده هو الذي يستطيع أن يكشف عن اللؤلؤة الصحيحة من دفائن المعادن
لست أريد أن أتناول هنا ترجمة حياة الفقيد، ولا أن أقوم ببحث في شؤون الشركات الوطنية؛ وإنما حسبي أن أعرض لأشياء تحدث بها أناس منذ أعوام ثلاثة، وكان من وراء هذه الأحاديث ذلك القانون الذي صدر في العام الماضي بدعم بنك مصر وتقوية الروابط بينه وبين الحكومة
كانت هذه الأشياء من المسائل التي بالغ حساد (طلعت) وخصومه في الخفض من مكانته، والغض من شأوه، وفاتهم بادئ ذي بدء، أن (طلعت كان رجلاً، وكان مجرباً، وكان بادئاً، وكان بشراً، وكان يعمل في بيئة لم تُتَعهد من قبل. . . كل هذا قمين أن يدعوا إلى شيء من الخطأ والتراخي والتشاؤم. ولقد كنت أشفق من هذا الأشياء، وكنت أخشى أن تعدو من جرائها العوادي على البلاد والمشروعات الوطنية
غير أنني بعد أن هدأت العاصفة، وقضي (طلعت)، راجعت نفسي، وشئت أن أكون في منزلة القاضي، يفصل بالحق، ويورد في حيثيات حكمه الأسباب التي يتألف منها اعتقاده، والمقدمات التي انتهت إلى رأيه
أراد (طلعت - حين فكر وحين مضى يحقق ما فكر فيه - أن يستعين في مشروعه
بالعناصر التالية:
1 -
(الأعيان): للإفادة من أموالهم في الاكتتاب برأس المال، ثم يجذبهم إلى نقل مودعاتهم من البنوك الأجنبية إلى البنك الوليد
2 -
(الحكومة): بوزاراتها ووزرائها وكبار موظفيها. لكي تكون يداً مع المشروع وما تفرع عنه من الشركات، وذلك بأن تودع أموالها البنك، وبأن توصي بتفضيل منتجات شركاته وما إلى ذلك من مزايا
3 -
(الصحافة): للدعوة والدعاية والتخفف من المهاجمة أو النقد، إذ أن المشروع جديد ومالي يتأثر بالنقد السريع
4 -
بالجمهور - عامة، وخاصة - الطلبة والشباب:
فإذا كان قد حدثت أشياء غير صالحة، فإن منجم ذلك هو العيوب التي نشهدها في تصرفات الأعيان والحكومات والمصالح الأميرية وبعض الصحافة والجمهور. ذلك أن كل عنصر من هذه العناصر، حسب أن له حقاً على طلعت أو على البنك، بأن يترخص وأن يتسامح فيما لا يجوز الترخيص والتسامح فيه. فإذا وقف طلعت موقف الحزم، غضب طلاب المنفعة؛ وإذا تسامح - وهذا ما كان يؤثر طلعت دفعاً للكيد - استتبع هذا ألواناً أخرى من التسامح، بالاستزادة من الإقراض والتراخي في الأداء. والرجل يريد أن يرضي جميع الحكومات خشية أن يقال إنه حزبي. على حين أن مشروعاته مستقلة وواجب أن تكون مستقلة عن الأحزاب السياسية والتجارية والشخصية.
وعندي أنه إذا شئنا أن نتقي ما حدث من الأزمات والأخطاء، أن نمضي قدماً في علاج شئوننا، فنعرف أين يبدأ حقنا وأين ينتهي عند حق غيرنا من بنك أو شركة أو مساهمة أو مصلحة عامة. علينا أن نفرق بين منافعنا الخاصة وبين المصالح العامة. بل علينا أن نعرف كيف نضحي منافعنا الخاصة لنصلح شئوننا العامة. فالمجاملة والتسامح (سياسة معلهش) والتراخي والاستغلال الحقير للنفوذ هذا كله مرجع العيوب في مشروعاتنا ومساهماتنا وشركاتنا. فإن أصلحنا، صلحت أداتنا المالية والاقتصادية، وأدركنا أن الداء فينا وعلاجه بين ظهرانينا، وأنصفنا الموتى من الأحياء
عبد الله حسين
نحن في صراع دائم
للأستاذ حسين الظريفي
كان يعتقد في العقل أنه ليس إلا ما تمليه علينا تجارب الحياة؛ فالطفل يولد ولا عقل له، حتى يأخذ عن الوسط ما هو فيه، ويظل رهين شروط حياته الخاصة والعامة بلا حد ولا أمد، ومن شب عن الطوق وتفرد عن المجموع فقد أوتي حظاً كبيراً
تلك كانت نظرة العلم إلى العقل من حيث يظهر ومن حيث يتطور. غير أن فقهاً تمخضت عنه بداية القرن الحديث، نظر إلى هذا العقل الذي يولد بعد الولادة ويظل محدود في نموه وسموه بين المهد واللحد؛ فأحاط به ثم تجاوزه إلى ما وراءه فأيقن أن هناك عقلاً باطناً يكمن وراء عقلنا الظاهر أورثتنا إياه قرون تتصل بأول الخليقة؛ فهو ميراث ماضينا من حيث يبدأ إلى حيث يتصل به حاضرنا الذي نحن فيه، ولا تزيد الأحقاب إلا شداً ومداً
وقد أسفرت بحوث العلم عن إثبات ما لهذا العقل الكامن من الأثر البالغ، في تلوين النزعة والفكرة والإرادة واقتيادها إلى حيث يريد، على غير شعور منا بما نفعل ومالا نفعل
إن موضع القوة في هذا العقل قائم وراء ما له من مظهر الخفاء؛ ففي غفلة عما نعيه ونسترعيه من شئوون عقلنا الشاعر، يقوم العقل الباطن بعمليات التفاعل حتى تنبعث من أعماقه كلمته الآمرة أو الزاجرة فتدين لها الجوارح. ونحن لا نعي ما يدبر ويقرر إلا ذلك الأثر الذي نقوم به، غير شاعرين بالبواعث
إن قوة العقل الباطن آتية مما يبطن في فعله وانفعاله، في ذات نفسه وفيما وراءه من عقل واع تحيط به الظروف والوقائع. فالرغبة فيه خفية يضغط عليها ما تواضع عليه الناس من عرف وتقليد. والحركة فيه قائمة دائمة ولكنها في قعر غير قريب، وما أقول باستحالة الوصول إلى قاعه البعيد. ولكن دون ذلك أهوال
هنالك حيث لا يصل سمع ولا بصر، إلا ما ندر، تزدحم الرغائب وتتصادم، ويعلو بعضها على بعض درجات وطبقات، وكل رغبة منها تريد بلوغ القمة والخروج من الزاوية إلى النافذة، لتلقى النور، وتعرب عن نفسها بأعمال الجوارح؛ ولكنها لا تكاد تصل السلم حتى تجد عليه رقيباً عتيداً يدفع بها إلى الحضيض. وهكذا تبقى الرغائب حية في القبر تتنازع وتتصارع والرقيب يأبى عليها إلا أن تنحدر إلى ما وراء مجرى الشعور، مهما أستحرَّ
هناك القتل وطال عليه الأمد. وما ذلك الرقيب إلا الضمير
فالرغبة الجامحة تصدم بقوة الضمير، فيضغط عليها حتى تنحدر إلى قاع النفس وتستقر فيه، غير قانطة من بلوغ منطقة الوعي من العقل وفرض نفسها عليه، وتحريك الجوارح به وفق ما تريد.
وما دامت الرغائب محجوراً عليها في قرارة النفس، فأنها تبقى في نزاع لا يهدأ، تستنفذ فيه ما هي بحاجة أليه مما نملك من طاقة. ونحن إن لم نشعر بجلبة هذا الصراع في داخل النفس فأن تأثرنا به ولا ريب كبير. وقد تبلغ شدة التنازع بين الرغائب إلى حد تبتلع فيه كل نشاطنا، حتى نظهر وكأنا لا نملك شيئاً من قوة الاندفاع إلى العمل وتجللنا مظاهر التردد والخمول.
إن الرغبة المقموعة تريد حرية التصرف فيأبى عليها العرف الاجتماعي إلا أن تقهر، حتى إذا كثرت الرغائب المقهورة واستطال عليها الزمن بلغ التنازع فيما بينها ذروته وأصبحنا ونحن من أنفسنا في ساحة حرب تضيع فيها الجهود سدى. ذلك لأن من طبيعة الرغبة أن تملك حرية الاستمتاع بالإرادة، فإذا هي قهرت وانحدرت إلى ما وراء الشعور، اتخذت لنفسها هناك موقفاً عدائياً لكل رغبة فيه، تليدة أو جديدة؛ حتى إذا ازدادت الرغائب وتمادت على ما هي فيه من تكالب على الظهور، نشأ عندنا ما يعبر عنه بالقلق الداخلي أو النفسي، ونحن في مثل هذه الحالة لا نشعر إلا بذلك الشعور الغامض العميق الذي تسودنا فيه بلبلة الفكر فلا نعرف ما ينبغي أن يدرك أو يترك. وبهذه الحرب الدائرة بين مختلف الرغائب نستهلك الكثير مما نملك من طاقة عصبية وذهنية، فيبدو احتياجنا إلى مثل هذه الطاقة في أعمال وعينا الأخرى، ونظهر وكأنا عاجزين.
إن مجهودنا العصبي محدود بقدر، فإذا نحن لم نحسن التصرف فيه ونضعه في موضعه الذي يجدي ظهر عجزنا عما خلقنا قادرين عليه. وما استنفاد هذا المجهود في صراع الرغائب إلا كذلك الجيش الذي اقتتل أفراده قبل منازلة العدو فأبيد بأيديه، والفارق هنا أن قتال الرغائب لا يزال ولا يفتر وإنما تزيده الأيام حدة وشدة، ويختلف مصير المصاب به باختلاف قوة احتماله لهذا العبء الثقيل.
والرغبة لا تقل مهما استطال زمن جهادها وجلادها في سبيل استعلائها على أخواتها من
الرغائب، ولا يدركها الفناء مهما امتد بها عهد المكوث في باطن النفس، حيث لا يصل وعي ولا شعور، وإنما تبقى في القاع تفعل فيما فيه وتنفعل به، حتى تنفجر من النفس فتثور وتظهر بأعراض قد تصل إلى حد الجنون، أو تحتال على الوعي، بالرمز تارة وبالمظهر مرة أخرى، وتخدعه عن نفسه وتظهر فيه
كل أولئك يفصح لنا عن مدى صراعنا، ويبعث فينا الرغبة في الوقوف على تطورات هذا الصراع وما يستخدم فيه من معدات النزال والقتال، ويود كل امرئ لو يعجل ببدء المعركة الفاصلة، وانتصار التفريج فيها على القمع والإرهاب
ونشير إلى أن لنا من صراع الرغائب في عقلنا الواعي مثالاً متناهياً في الصغر قد يفصح - ولو من طرف خفي - عن هول المعارك التي تدور في منطقة العقل غير الواعي، وتلقي خافت النور على ما لها من مركز ثقل فيما ندرك وما نترك. وفي الواقع أن الرغائب المتناقضة لا يندر وجودها في ساحة العقل الشاعر، فقد تتنازعنا الرغبة في الراحة وفي الاستمرار على المطالعة، ونقف لحظة قد تطول وقد تقصر بين هاتين الرغبتين حتى تتغلب الواحدة على الأخرى فنجيب تلك دون هذه؛ غير أن الشأن في صراع العقل الباطن يصل إلى مدى يضيق عن تصوره خيال الشاعر العبقري؛ ونحن بعد ذلك لا ندري من أمره شيئاً إلا من أوتي حظاً غير قليل من علم النفس الحديث
حسين الظريفي
كتاب الإمتاع والمؤانسة
حول نقد الأب أنستاس الكرملي
للأستاذ محمود البشبيشي
قرأت ما كتبه العلامة الأب أنستاس في (الرسالة) الغراء ناقداً طبعة كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، وقد دفعني حب الإنصاف والغيرة على الحق والرغبة في تمحيص المسائل اللغوية إلى كتابة هذه الكلمات مخالفاً فيها الأب أنستاس في بعض ما أورده من النقدات؛ ويقيني أنه لا يضيق صدراً بها، فهو من رجال البحث الذين لا يبغون من وراء بحثهم إلا الحقيقة وحدها:
1 -
رسم الحروف
خطَّأ الأب أنستاس كتابة (رءوساً. يبدءوا. مشئوم) بصورتها الحاضرة، ورأى أن الصواب أن تكتب هكذا:(رؤوساً - يبدأوا - مشؤوم) والقاعدة المأثورة تنص على أن (كل همزة بعدها حرف مدّ من جنس حركتها ترسم مفردة كما في (رءوس ويبدءوا) أو على نبرة إذا لم يمكن فصل ما بعدها عما قبلها كما في (مشئوم). وهذا ثابت في كتب الإملاء (رسم الحروف)، وقد يكون فيها رأي آخر، ولكن صحة رسمها على الصورة التي خطأها أمر لا شك فيه
2 -
اللغة
خطَّأ قولهم (نعم وكرامة) ورأى أن الصواب أن يقال: (حباً وكرامة) والعبارتان صحيحتان، ولكن الجهة منفكة كما يقولون؛ فقد ورد في المحيط (افعلُ هذا وكرامةً لك)، وفي الأساس كذلك على معنى (وأكرمك إكراماً) فالكرامة هنا مصدر، وفي قولهم (حباً وكرامة) أسم ذات؛ فكل منهما في موضعه صحيحة
3 -
الصرف:
خطَّأ (المسكَن) بفتح الكاف ورأى أن الصواب الكسر مع أن القياس الفتح والمحيط والمصباح ينصان على جواز الفتح والكسر معاً. وخطَّأ ضبط الدال الأولى من (جُددٍ) جمع جديد بالفتح والقياس يساعده ولكن ورد في المصباح ص959 الطبعة السادسة لسنة 1925
بالمطبعة الأميرية بالقاهرة قوله: (بعض بني تميم يخفف الجمع في نحو سُرُر وذُلُل بفتح العين (الحرف الثاني) وَطَرَدَ بعض الأئمة ذلك في الصفات فيقال: (ثياب جُدَد). ولا أدعى أن الفتح كثير، ولكني أراه وجهاً أقره بعض الأئمة للتخفيف ونطق به من يوثق بعربيتهم فالتخطئة المطلقة هي محل الخلاف
4 -
الرواية
خطأ رواية بعض أبيات لأعشى باهلة في رثاء أخيه المنتشر فقال ما معناه: الصواب أن يقال: (أحوى نوءُها المطر) بدل (أخطأ نوءَها المطر) وأن يقال: (لا يضعف الأمر) بدل (لا يصعب الأمر. . .) ولتمام الإيضاح نورد البيتين كما أوردهما الشيخ حمزة فتح الله في المواهب الفتحية (الجزء الثاني) ونصهما:
ينعى أمراً لا تغيب الحيَّ جفنته
…
إذا الكواكب أخطا نوءها المطر
لا يُصِعب الأمرَ إلا ريث يركبه
…
وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر
وظاهر من سياق الكلام أن رواية المواهب صحيحة وقد أخذ بها الناشران وإن المعنى لا غبار عليه؛ وإذا فلا معنى لهذه التخطئة
5 -
النمو
لا يزال الأب أنستاس مصمماً على وجوب جمع (أفعل وفعلاء) إذا كانا وصفين على (فُعْل) ولهذا خطأ قول الناشرين (حجارة ملساء) وأوجب أن يقال (حجارة مُلس). ولنا أن نطلب إلى حضرته نشر خلاصة رأيه الذي أوده في (مجلة المجمع العربي) ليمكن أن يبحث في روية. ونحن مع تسليمنا بأن هاتين الصيغتين لم تردا في الفصيح إلا مجموعتين على (فُعْل) نستطيع أن نحكم بجواز استعمال الوصف بهما مفرداً قياساً على قولهم: (إن الجمع بمعنى الجماعة فيجوز وصفه بالمفرد) ولذلك شواهد لا تحصى، والأصل عدم المنع إلا بنص قاطع؛ فهل عند الأب أنستاس ذلك النص؟
إني لأذكر ما دار بينه وبين الدكتور زكي مبارك حول هذا الموضوع في مجلة (أبولو) وأعلم رأي الأستاذ الجليل الشيخ عبد القادر المغربي في تخريج عبارة أبي العباس التي وردت في (الكامل) وتمسك بها الأب أنستاس، ولكني أرجو أن يزيد الرأي إيضاحاً،
والحقيقة بنت البحث.
وخطأ الأب أنستاس هذه العبارة من الأستقُصات الأربع جارياً على أن (الاستقصى) مذكر فيجب تأنيث العدد بالتاء خضوعاً للقاعدة المشهورة (تذكير العدد مع المؤنث وتأنيثه مع المذكر). وهنا أكتفي بإيراد نص عبارة توارد عليها (الصبان والخضري) في باب العدد وهي:
(محل وجوب هذه القاعدة إذا ذكر المعدود بعد أسم العدد، فلو قُدمّ وجعل اسم العدد صفة له جاز إجراؤها وتركها كما لو حذف. تقول مسائل تسع ورجال تسعة وبالعكس كما نقله النَّووي عن النحاه)، ثم يقول الشيخان فاحفظها فإنها عزيزة النقل
وبعد فإني من المقربين للأب أنستاس بسعة العلم وغزارة الفضل.
(المنصورة)
محمود البشبيشي
عدنا. . . والتقينا
للأستاذ الكبير عباس محمود العقاد
التقينا!
والتقينا
عجباً كيف صحونا ذات يوم فالتقينا
بعد ما فرّق قطران وجيشان يدينا!
فتصافحنا بجسمينا وعدنا فالتقينا
بعد عصر
أيّ عصر
والنوى تجري وسر الحب في الأكوان يجري
ثم نادانا تعالوا فاهبطوها أرض مصر
قُضى الأمر كما شاء، فعدنا والتقينا
كم بكيتِ؟
واشتكيتِ
ثم أُلهمتِ على الغيب فأصغينا وقلت:
قلت في السابع والعاشر من شهر سيأتي
هاهنا سوف تراني، فرأينا والتقينا!
يوم ذكرى
هو أحرى
بالتقاء كلما دار به الحول وأسرى
في سماء تعبر الشعرى وتدني كل شعرَي
كيف يلقانا وحيدين غدٌ فيه التقينا
قبل عامٍ
ثم عام
كان يومٌ، أيّ يوم، في صفاء وابتسام
يوم لاقى الحبُّ لحظينا على عهد الدوام
فتعاهدنا وقلنا: كلما عاد التقينا
وتدانى. . .
وكلانا
زائغ الطرف يناجي الأفق قلباً ولساناً
ثم ماذا؟ ثم كنْ يا بُعْدُ لي قرباً، فكانا!
واستعان الحب بالداء حليفاً، فالتقينا
كم غرام
وسقام
عرفا الحلف على غير سلام ووئام
فإذا ما اجتمعا فانتزعاني من مقامي
فبحسبي منهما أناَ شكونا فالتقينا
يا فتاتي
يا حياتي
لا تُراعى بعد هذا من فراق أو فوات
قَدَر الله كفيلٌ لك في ماض وآت
كلما فرّق شملنا دعانا فالتقينا. . .!
عباس محمود العقاد
البريد الأدبي
الأب أنستاس ماري في عيد ميلاده
احتفل الشيخ الجليل الأب أنستاس ماري الكرملي في 5 آب بعيد ميلاده السادس والسبعين، منزوياً في صومعته الهادئة، منصوفاً إلى العمل الذي وقف عليه حياته
إن سيرة الأب الكرملي مثال حي للفكرة التي تتسلط على ذهن الإنسان فتعلق بشغاف قلبه، وتغدو جزءاً من أجزاء نفسه؛ وأية فكرة هذه التي ملكت لب الأب وهيمنت على جوارحه منذ حداثة عهده؟
هي اللغة العربية، وأكبِرْ بها فكرةً ينزع إليها العقل، وتروَى عنها النفس، تراءت له وهو فتى لم يكد يبلغ أشده، فبهره منها الحسن والسناء، وقطع لها راضياً عهد المودة والوفاء. وهاهو ذا بعد ستين سنة أو تزيد لا يزال وفيّاً بالعهد، متحمساً للغة الضاد حماسة الشباب الفوَّار، مخلصاً لها إخلاص الشيخوخة المحنكة الحكيمة
كانت اللغة العربية مذ وجدت - ولن تزال - وسيلة للخطاب والتفاهم، تحمل الأفكار من ذهن إلى ذهن، وتنقل الأخبار من جيل إلى جيل، حتى قرَّبت بين الناس، ووصلت بين الأزمنة الغابرة والحاضرة. وإذ أصبحت بعد تهذيب أطرافها وتنميق أسبابها أداة الآداب الرفيعة، لم تخرج عن كونها وسيلة لا غناءَ فيها إلا بما اتخذت له من غاية الإفصاح والتبيان. لكن لكلماتها وتراكيبها - مع ذلك - جِرْساً في الأذن، ورسماً على القرطاس حبباها أحياناً إلى النفوس، وقرباها من الأذهان بصرف النظر عن مدلولها ومؤداها
ولقد أشار إلى ذلك أناتول فرانس في كتابه: (الحياة الأدبية) عند الكلام على معجم جديد ظهر في اللغة الفرنسية، فقال إن بودلير كان يقرأ معجمات اللغة، ويبتهج بقراءتها، وأن تئوفيل غوتييه كان مولعاً بالكلمات يحبها حباً جماً، وأن جوزه ماريادي هريديا كان يجهر بان مطالعة المعجم تستشيره وتدخل على نفسه من اللذة والسرور ما لا تدخله قراءة رواية (الفرسان الثلاثة). وأضاف أناتول فرانس قائلاً بأسلوبه الساحر: (أما أنا فلا أجد عادة للكلمات معنى يفوق المعنى الذي تجعله لها المصطلحات، فقد كنت في أغلب الأوقات أهيم في معاجم كبيرة، كأنها الرياض الملتفة. وسبب ذلك أني أرى أن الألفاظ إنما هي صور، وما المعجم اللغوي سوى عالم قد رتب بحسب ترتيب حروف الهجاء. وإذا نظرنا إلى
الأمور نظرة صادقة فإننا نجد أن معجم اللغة إنما هو الكتاب الذي لا يفوقه كتاب، فإنه يشتمل على التصانيف بأجمعها، فما عليك إلا أن تستدرجها منه. . . وإني لأشعر في قلبي بحنوّ عظيم إزاء كل كلمات اللغة. إني اشعر برأفة كبيرة أمام طائفة التعابير البسيطة والفخمة. إني أحبها كلها، فهي تستميلني وتستفزني، وإني لأمس الكتاب الذي يضمها مساً شديداً ينم على مبلغ تأثري وارتياحي)
غير أن هذه الوسيلة التي يستعملها الناس في خطابهم، ويستعين بها الأدباء في أداء رسالتهم، قد أصبحت غاية في حد ذاتها للعلماء الذين انقطعوا إلى دراستها، ووقفوا حياتهم على استجلاء غوامضها.
فلا عجب أن نهج لغوينا العربي نهج من سبقه من علماء اللغة الأعلام، من أبي منصور الأزهري صاحب التهذيب، وأبي نصر الجوهري صاحب الصحاح، ومجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس، إلى البستاني، والشدياق، والشرتوني، وسواهم من المحدثين، وأن ترسم خطى من سلف من أئمة التدقيق والتحقيق من أمثال جونسن ووبستر، وأميل لِتْره، فاتخذ من اللغة غاية ما بعدها غاية، يكب على نقد مفرداتها نقد الصيرفي
وما أشبه لغوينا من بعض الوجوه بزميله الإنجليزي ضموئيل جونسن الذي سبقه بنيف وخمسين ومائة سنة! فغيرة الأب على اللغة العربية تشبه غيرة جونسن على لغته الإنجليزية، وأسلوب الأب المتين اللاذع يعدل أسلوب جونسن (وأن يكن هذا الإنجليزي الصميم لم يرض قط أن ينزل إلى ميدان المساجلات والمناظرات بالرغم عن الحملات التي كثيراً ما حملت عليه.) ومجلس الأب شبيه بالمنتدى الأدبي الذي أنشأه الدكتور جونسن وصحبه وحضره مؤرخه بُوزْوِل، فسجل مباحثاته ومداولاته.
ومقام لغوينا العراقي بين أقطاب العربية معروف مرموق، وجهاده في سبيل الفصحى مرئي مسموع، ورأيه في التمسك بأهدابها مقبول متبوع. ولنا عليه أن يكلل مساعيه الموفقة في خدمة اللغة الشريفة بإخراج معجمه الكبير الذي وسمه (بالمساعد)، فيتفرغ لإنجازه وتنقيحه وتبيضه، فهو عصارة سعيه وخلاصة جهده.
(بغداد)
مير بصري
(سعد زغلول من أقضيته)
لم يكن الأستاذ عبده حسن الزيات ينتظر أن أكتب كلمة عن كتابه الجديد (سعد زغلول من أقضيته)، لأنه يعرف أني فرطت في التنويه بمؤلفاته وأبحاثه التي ظهرت من قبل، وإن كان يعرف مع ذلك أن ثقتي بفضله وكفايته لا تحتاج إلى دليل
الكتاب يُعرَف من عنوانه، كما يقال، وعنوان هذا الكتاب غاية في الدقة والتحديد؛ ومن غريب ما وقع لهذا العنوان أن الخطاط الذي كتبه - وهو حسني - قد استطاع أن يبرزه في أبهى حلة من حلل الجمال، مع أنه يقع في أربع كلمات يصعب الربط بينهما برباط الانسجام والاتساق؛ وما اذكر أني رأيت الكتاب معروضاً في أية مكتبة، إلا وقفت أمتع ذوقي بخط العنوان. فإلى (حسني) الخطاط تحية خالصة لا يشوبها غير الحرص على إعزاز الفن الجميل
ثم أتحدث عن الكتاب بإيجاز، فأذكر أنه من أقوى الشواهد على حصافة المؤلف، وعلى مبلغ فهمه للدراسات الجدية، وعلى أنه جدير بثقة الذين كرَّموه عند ظهور هذا الكتاب النفيس
وأذكر أيضاً أنني ما تحدثت عن الأستاذ عبده حسن الزيات إلا وصفته بصدق الوطنية، فهو عندي من الشبان النوادر الذين يفهمون الوطنية على وجهها السليم، وقد جاء كتابه تأييداً لهذا الوصف: فهو خدمة صادقة لمصر، ممثلة في إبراز جوانب من الفقه والعدل عند أفراد من رجال القضاء، على رأسهم (سعد)، وهذه الخدمة تؤكد ما أشرنا إليه غير مرة من أن رجال القانون في مصر جعلوا لمصر المقام الأول بين الأمم الإسلامية في شرح القوانين باللغة العربية؛ ولو أن الأقدار كانت بخلت بأن يظفر (سعد زغلول) بذلك المجد الضخم، المجد الوطني والسياسي، ثم جاء كتاب الزيات يحدد نفسيته وعقليته من أقضيته، لكان كافياً في جعل (سعد) من أعاظم الرجال
هذا الكتاب جيد جداً، فليس من الإسراف أن نرجو عميد كلية الحقوق أن يؤلف لجنة تنظر فيه، تمهيداً لمنح المؤلف درجة جامعية، وإغراءٍ لأمثاله من الشبان بالتعمق والاستقصاء
وإذا كانت (ذكرى سعد) هي التي حدت المؤلف في بعض السنين الماضية على التفكير في
موضوع كتابه الجليل، فأنا أرجو أن تكون كلمتي عن كتابه فنّاً من الاحتفال بذكرى (سعد)، سعد القاضي على أعدل ما تكون فكرة القضاء
فإن لم يكن بدُّ من النص على السرّ في التوفيق الذي يحالف الأستاذ عبده حسن الزيات، فأنا أرجح أنه يرجع إلى البر بالوالدين، كتب الله له دوام التوفيق. . . والسلام
زكي مبارك
تصحيح
نشرت (الرسالة) في العدد (475) كلمة للأستاذ الفاضل حسين الظريفي عن بيت حافظ:
كم ذا يكابد عاشق ويلاقي
…
في حب مصر كثيرة العشاق
جاء فيها (على أن في البيت غلطة نحوية باستعمال لفظة (كثيرة) فهي إن نصبت على الحالية لم يستقم المعنى، لأن كثرة عشاق مصر لا يكون حالاً من المكابدة، وإن جرت على الصفة احتاجت إلى التحلية بأل المعرفة، وبذلك ينكسر الوزن، وعليه يكون من الضرورة استبدال لفظة (الجملة) بلفظة (كثيرة) ليستقيم الوزن والمعنى معاً) ا. هـ
أقول: وهذه غفلة عجيبة فإن (كثيرة) تصلح أن تكون حالاً وأن تكون صفة، فإذا كانت حالاً فهي حال من مصر، والعامل فيها ليس يكابد كما توهم الكاتب؛ بل هو لفظ (حب) المضاف؛ والمعنى يكابد العشاق في حب مصر حال كونها كثيرة العشاق أي حبهم لها في هذه الحال
وعلى أنها صفة تجري على الرأي القائل إن إضافة الصفة المشبهة محضة أي إضافة معرفة، وعلى ذلك فكثيرة معرفة
علي محمد حسن
في الشعر التمثيلي
كتب الأستاذ البشبيشي في العدد 473 من الرسالة يقول: (فقد رأيت أن الشاعر البدوي الجليل عبد المطلب كان قد عالج لرواية الشعرية علاجاً استكمل شرائط الفن واستوفى أوصاف الحيوية التي طالعتنا من فنون أمير الشعراء. . . فقد ألف عبد المطلب عدة روايات شعرية تمثيلية. . . وبذلك ينفرد وحده بفضل السبق في هذه الناحية الخطيرة من
الفن الأدبي، فقد افترع هذا اللون من الشعر الروائي افتراعاً) وكل ذلك لم يكن؛ فعبد المطلب وإن عالج الشعر التمثيلي ومشى فيه خطوات لا تحمد ولا تذم، لم يكن السابق ولا المفترع، وإن كان له فضل الاستجابة السريعة لتلك الموجة الجديدة بين شطآن أدبنا العربي الحديث؛ وإنما السابق إلى ذلك؛ الشاعر خليل اليازجي كما يحدثنا أستاذنا المرحوم محمود مصطفى في الجزء الثالث من أدبه العربي حيث يقول ص 413 (وعلى ذكر روايات شوقي التمثيلية نذكر أن أول من حاول جعل الرواية العربية كلها شعراً هو المرحوم الشيخ خليل اليازجي في رواية (المروءة والوفاء) وقد مثلت في الشام، ويذكر المرحوم جورجي زيدان أنه شاهدها في بيروت 1878م) ولا شك أن حادثة كهذه بلقاء في الأدب قد وصلت إلى سمع الشيخ عبد المطلب، وعلى فرض أنها لم تصل إلى سمعه فقد ملأ الشعر التمثيلي في القرن التاسع عشر أرجاء أوربا، هذه واحدة؛ أما الثانية فعبد المطلب على فضله لم يستكمل شرائط الحيوية التي طالعتنا من فنون أمير الشعراء. فهذا القول أقرب إلى الغلو منه إلى شيء آخر؛ فشعر عبد المطلب في هذا الباب لا يصح أن يذكر بجانب شوقي وفحولته. فهما وإن اشتركا في الجنس فقد اختلفا في النوع أيما اختلاف، وإنك لن تستطيع أن تتم قراءة تمثيلية لعبد المطلب إلا بعد حمل على النفس وإعنات لها وإجهاد. حاشا شوقي فإنه يطير بك فلا تشعر أن لعقلك أو لقلبك منازعة معه، وإنما هي الفحولة الشعرية تفرض عليك أن تطير معها حيثما تطير
عبد الرحمن عيسى
خريج كلية اللغة العربية
من نوادر الخواطر
كتب (قاف) في العدد 188 من الثقافة تحت عنوان (شخصية العامل وعمله) ما يلي:
تعودنا منذ قريب أن نقول كلما عرضنا للحديث عن شخص من رجالنا العامين، وحاولنا الموازنة بين عمله وبعض شئونه الخاصة - تعودنا أن نقول معتذرين من بعض سلوكه (هذه مسائل شخصية)
وهو يضرب لذلك الأمثلة ثم يقول: (مستحيل أن يكون الرجل رجلين: رجلاً في الشارع
والبيت، ورجلاً في الديوان. إن الرجل الذي هنا هو الرجل الذي هناك وإن اختلف الزي والشارة.
فهل يعلم (قاف) أن هذه الفكرة ذاتها قد وردت في مقال الأستاذ عبد المنعم خلاف تحت عنوان (مقتول يبكي على قاتله) في العدد 371 من (الرسالة) الصادر في 12 أغسطس سنة 1940 حيث قال الأستاذ:
إن هذا التفريق بين السلوك السياسي والسلوك الروحي قد صار أمره عجباً من أعاجيب الحياة الأوربية! وقد بات خطراً على الحياة الإنسانية الشخصية، لأنه تسرب إلى موازين الحكم على الأفراد، فهم يحترمون الذكي ويقدرونه ولو كان شيطاناً شريراً مفسداً ويقولون هناك حياة خاصة يحل للإنسان فيها ما يحرم عليه في الحياة العامة حتى تعددت الشخصيات. ثم يقول بعد ذلك: هذا كذب وتدليس على الطبيعة كما أرادهما الله فاحذروه. (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) لي آخر المقالة
فهل يرى (قاف) أن هذا من توافق الخاطر؟
أحمد بدران