الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 478
- بتاريخ: 31 - 08 - 1942
الحديث ذو شجون
عواطف عربية
للدكتور زكي مبارك
في خطاب من حضرة الأستاذ سعيد العيسى إشارة صريحة إلى أننا لا نهتم بالحديث عن الحياة الأدبية في (فلسطين)، وفي خطاب من حضرة الأستاذ رشاد المغربي عبارة تقول: إن مجلة (الرسالة) لم تنوه بروايته الجميلة (خطيئة الشيخ)؛ وفي مقال حضرة الأستاذ عباس العقاد أن جماعة من اللوبيين يأخذون على مصر سكوتها عن الأدب في وطنهم المحبوب.
وهذا العتاب ليس بجديد، وهو يعاد من يوم إلى يوم، وما دخل أديبٌ مصريٌ بلداً عربياً إلا سمع ألواناً من هذا العتاب، فهل أستطيع الجهر بكلمة الحق مرة واحدة، ليعرف الإخوان هنالك أن عليهم تبعات فيما يُنسب إلينا من تقصير وإهمال؟
ولشرح هذه الكلمة أقول:
أعلنت مجلة (الرسالة) أنها ستصدر أعداداً خاصة بالبلاد الأدبي لتلك الأعداد من أقلام كبار الباحثين بتلك البلاد، وأنها ستبدأ بالعراق.
فما الذي يُنتَظر لتحقيق هذا المشروع النافع؟
أتستطيع (الرسالة) إيفاد مندوبين إلى كل بلد لتحقق هذا الغرض على أكمل الوجوه؟
الجواب عند (خزينة الرسالة) إن كانت تستطيع، ولعلها تستطيع لأنوب عنها في زيارة بغداد أو دمشق أو بيروت بضعة أسابيع!
فلم يبق إلا أن نقترح خطة سديدة لتنفيذ الاقتراح بلا عناء.
والخطة سهلة جداً، فماذا نصنع إذا أردنا إصدار عدد خاص بالسودان؟
يقوم (نادي الخرّيجين) بواجبه: فيجمع الموادُ بعناية رجاله، ثم يرسلها إلى مجلة (الرسالة) قبل انعقاد مؤتمرهم السنوي بأكثر من أسبوعين؛ وعندئذ يسر مجلة (الرسالة) أن تشترك اشتراكاً فعلياً في ذلك المهرجان.
وماذا نصنع إذا أردنا إصدار عدد خاص بالعراق؟
يقوم (نادي القلم العراقي) بواجبه: فيجمع الموادُ بعناية رجاله، ثم يرسلها إلى مجلة
(الرسالة) في الوقت الذي يريد، فيكون هو المسئول أمام قراء (الرسالة) في (العراق)، وهو بحمل هذه المسئولية خليق.
وفي العدد الخاص بسورية، يقوم رجال (المجمع العلمي) بواجبهم: فيصورون ما في وطنهم من أفكار وآراء وآمال. . .
وفي العدد الخاص بلبنان يُلقَى العبء على كاهل إحدى الجمعيات الأدبية هناك. . . وكذلك يقال في سائر البلاد!
تلك هي الخطة السديدة، ومن توهم أن مجلة (الرسالة) تصدر أعداداً خاصة بلا اطمئنان إلى هيئات تحمل المسئولية، فهو يهيم في بيداء الخيال. . .
وللأستاذ سعيد العيسى أن يتأمل في هذه لكلمة إن كان يجب أن نؤدي خدمة صحيحة لوطنه العزيز فلسطين.
العدد الخاص بالسودان
أنا أرجو من أخي الأستاذ الزيات أن يتفضل فيترك لي حرية التصرف في إعداد العدد الخاص بالسودان، لأستطيع القول بأني صدقت فيما وعدت به إخواني هناك، فإن سمح فأنا أرجو نادي الخريجين أن يشير على أعضائه بدرس الموضوعات الآتية:
1 -
تحديد التاريخ الذي أشرق فيه الإسلام بآفاق السودان.
2 -
المذاهب الفقهية والصوفية بالسودان.
3 -
التيارات الفكرية الحديثة في الحواضر السودانية.
4 -
اللهجات العربية في السودان.
5 -
قيمة السودان من الوجهة الإقتصادية.
6 -
الأساطير السودانية.
7 -
منزلة السودان في تاريخ الأدب العربي.
8 -
المعاهد المصرية في السودان.
9 -
شعراء السودان وكتّابه وخطباؤه في القديم والحديث.
10 -
مبلغ انتفاع الطلبة السودانيين بالحياة في المدارس المصرية.
11 -
المكتبات العمومية والخصوصية في السودان.
12 -
الأغاني الشعبية ودلالتها على العواطف السودانية.
13 -
تأثير الأدب المصري الحديث في الجيل الجديد بالسودان.
14 -
آراء السودانيين في الروابط العربية والإسلامية.
15 -
الفكاهة السودانية في الأشعار والأقاصيص.
تلك خمسة عشر موضوعاً تستحق اهتمام نادي الخريجين، وأنا لا أفرض وإنما أقترح، فقد تكون لديهم موضوعات أعظم من هذه الموضوعات، والمهم هو المبادرة إلى تحقيق الاقتراح بإرسال المواد قبل انتهاء الأسبوع الثاني من شهر رمضان.
إن وصلنا إلى إصدار عدد عن السودان بهذا الروح فلن يقول السودان إن مصر تنساه أو تتناساه، ولن يقول أبناؤه عادلين أو ظالمين إن أشقاءهم في مصر لا يحفظون عهد الإخاء.
وإلى الفتيان من أعضاء نادي الخريجين أعهد تحقيق هذا الأمل الجميل.
أراني الله وجوههم بخير وعافية، إنه قريبٌ مجيب.
مطلع قصيدة
كان نقاد الأدب من العرب ينصون على مطالع القصائد، كأن ينوهوا بهذا المطلع:
إنا محيُّوك فاسْلَمْ أيها الطللُ
فهل في مطالع القصائد لهذا العهد ملامح تذكِّر بتلك المعاني الصِّحاح؟
نعم، ثم نعم، فقد نظم الدكتور رشيد كرم قصيدة ليلقيها في المؤتمر الطبي العربي الذي سيُعقَد في بيروت، وكان سيُعقد في هذه الأيام، لو سمحت هذه الأيام!
ابتدأ قصيدته فقال:
متى كانت لنا (سينا) حدودا
وأنا أسأل السؤال نفسه فأقول:
متى كانت لنا (سينا) حدودا
ومتى ترفع الحواجز الجمركية بين الأمم العربية والإسلامية؟
إلى بعض الناس
إن شقاءكم بأنفسكم طال وطال ثم طال، ولن نملك إبراءكم من ذلك الشقاء، لأنه أخطر من أن يطب له أطباء النفوس والقلوب.
لن تنفعكم الدسائس في كثير ولا قليل، فقد كانت الدسائس ولن تزال أسلحة الضعفاء.
استعينوا بالقوة مرةً واحدة، وحاربوا الحق بسلاح الظلم، لا بسلاح الإسفاف، فقد يعفو الله عن الظالمين الأقوياء، ولا يعفو عن الآثمين الضعفاء.
لن أفرَّط في تعليمكم أصول الأخلاق، فكونوا ظلامين، ولا تكونوا دساسين، لأن الظلم قوة، والدسيسة ضعف، وباطل الأقوياء أشرف من حق الضعفاء.
وطني وبلادي
إلى الفتييّن العظيمَيْن (م. ن. ج) و (ع. ع)
- وما اكتفيت بالتلميح إلا لأنني لم أستأذنهما في النص على أسمهما بالتصريح - إلى هذين الفتييّن العظيمَيْن أوجه القول:
إن بلادنا لن تُضام أبداً، ولن تكون لغير أهليها، ولو تألبت عليها جيوش البر والبحر والهواء.
بلادنا باقية باقية، في عزة وعافية، ولن تنال منها المطامع الدولية إلا بقدر ما ينال النسيم المعلول من قمم الجبال.
بلادنا طوّقت جميع البلاد بأغلال الديون العقلية والروحية، ولن يتنفس بلدٌ في شرق أو في غرب إلا وهو مدينٌ لمصر بديون ثقال.
لا تنسوا أن بلادكم دانت الفكر والعقل والروح ألوفاً من السنين؛ ولا تنسوا أن أكبر مجد يظفر به الأوربيُّ المثقَّف هو أن يحل رمزاً من رموز آبائكم الأولين.
كان الخط المصري القديم إشارات من ملامح الطير والحيوان، فما تفسير ذلك؟
يقول الجاهلون إنه دليل على الطفولة التاريخية.
وأقول أنه دليل على العبقرية المصرية، لأنه يجعل كل حرف كائناً حياً من طير أو حيوان، والحروف خلائق حية عند من يعقلون.
ثم ماذا؟
ثم أذكر أن بلادنا هي التي صدّت المغول الوافدين من الشرق، وهي التي صدت الصليبيين الوافدين من الغرب، فكنّا الميزان لأبناء ذلك الزمان.
ومن نحن اليوم؟
برغم قسوة الظروف قد استطعنا أن نقول نحن، وأن نفي بالعهد؛ لأن مصر لا تكذب ولا تخون.
لن تضام مصر أبداً، لأنها وطن الرجال، ولأنها أول وطن غلب الدهر الخوَّان.
أحبك يا وطني، أحبك يا بلادي، حُّباً لا ينتظر أي جزاء، لأنه أعظم من أي جزاء!
زكي مبارك
أطوار الوحدة العربية
الصراع بين العرب والترك
للأستاذ نسيب سعيد
حدثنا في مقالنا الأول عن مراحل الوحدة العربية، وكيف تطورت فكرة العروبة في التاريخ، فبعد أن كانت حلماً ذهبياً جميلاً في مخيلة محمد علي الكبير عزيز مصر خرجت إلى الوجود وأصبحت حقيقة واقعة؛ فالمرحلة الأولى إذن انقضت والوحدة العربية لا تزال حلماً من الأحلام، أما المرحلة الثانية فقد طبعها الجهاد في سبيل تحقيق هذا الحلم بطابعه الخاص. وقد استهل هذا الجهاد العربي المبين بالنضال بين أبناء العروبة الأبرار وبين الأتراك وانتهت هذه المرحلة من سلسلة تاريخ القضية العربية عام 1918 وتشمل حوادث الفترة الممتدة من إعلان الدستور العثماني سنة 1908 حتى دخول الجيش العربي إلى دمشق في أول أكتوبر سنة 1918، وإنشاء الحكومة الفيصلية في ربوع الشام.
ولئن ذهب بعض المؤرخين المعاصرين من الشرقيين والغربيين إلى اعتبار ما حدث في العهد الحميدي التركي من حوادث فردية لا انسجام بينها ولا ارتباط كصدور كتاب أم القرى وطبائع الاستبداد، ونشر كتاب يقظة العرب في آسية التركية بالفرنسية في باريس عام 1905 من مقدمات الحركة العربية وطلائعها، أو إنشاء الجمعية السرية التي أنشئت في بيروت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فالنهضة العربية المادية الحقيقية لم تبدأ إلا بعد إعلان الدستور سنة 1908 وقد قامت على دعامتين جديدتين: حرية الكلام، وحرية الاجتماع، فقد كفلها النظام الحكومي الجديد لسكان تلك المملكة، فانطلقت الألسنة والأقلام، وارتفع الضغط عن الأفكار، وانتشرت العلوم، فساعد هذا الانقلاب وهو خطير الشأن على إيقاظ العرب، فأدركوا أنهم كمية مهملة في العالم، وأن لهم حقوقاً يجب أن ينالوها، وكرامة يجب أن تصان، ومجداً يجب أن يعملوا لإحيائه وتجديده.
وصدرت صحف عربية عديدة في ظل النظام الدستوري الجديد في دمشق وبيروت والقدس وبغداد والبصرة وغيرهما من بلاد العرب، وفي الآستانة نفسها، وإلى هذه الصحف، وبصورة خاصة إلى الصحف العربية التي كانت تصدر في القطر المصري الحبيب، يعود معظم الفضل في تكوين (الرأي العام العربي) وإنشائه، وبث الروح القومية بين طبقاته.
ولم يغتفر لها الترك ذنبها يوم نصبوا الميزان في عالية لمحاكمة أحرار العرب، فكان الصحافيون أكثر الطبقات ضحايا، فقد استشهد منهم في هذه المرحلة الكثيرون، وحكم في هذا الدور بالإعدام غيابياً على فريق من رجال الصحافة في مصر؛ ويأتي رجال الجمعيات والأحزاب السياسية بعد الصحافيين. ولئن كان ضحايا هؤلاء أقل من أولئك، فما ذلك إلا لعجز الترك عن اكتشاف أسرار الجمعيات السرية لما تذرع بها رجالها من تكتم شديد خلال التحقيق والمحاكمة. ومن تحصيل الحاصل القول بأن المنتدى الأدبي في الآستانة كان أكثر الجمعيات العربية ضحايا، لأنه كان أشهرها وأهمها، ولأنه كان مقر الدعاية العربية في الآستانة؛ فانتقم الترك من مؤسسيه انتقاماً مريعاً. ويأتي حزب اللامركزية بعد المنتدى الأدبي العربي، فقد فتك الترك بكل ما استطاعوا القبض عليه من رجاله، كما حكموا على المقيمين بمصر كافة بالإعدام. ثم يأتي بعد ذلك عنصر الضباط العرب في الجيش التركي، فكانوا يرسلونهم إلى خطوط النار في ميادين الحرب، وقد استشهد كثيرون منهم على هذا المنوال.
ولا بد لنا من القول بأن (القضية العربية) مرت في هذه المرحلة بثلاثة أدوار:
1 -
يبدأ الدور الأول بإعلان الدستور سنة 1908، وينتهي بإعلان الحرب العظمى عام 1914، فقد نهج العرب في خلاله نهج الأمم المناهضة العاملة للحرية والاستقلال، فألفوا الجمعيات السرية، وأصدروا الصحف، ونظموا القصائد الحماسية القومية، وأنشئوا الأحزاب السياسية، وعملوا على التنظيم الداخلي، وانشئوا الروابط بين لجانهم وجمعياتهم وأنديتهم، واستعدوا للعمل الكبير الذي وضع نصب أعينهم القيام به، تحقيقاً لحلم عزيز مصر العظيم محمد علي باشا
ولا يسع الباحث في أعمال هذا الدور إلا الإعجاب بما يشهده من انتظام وتضامن وتعاون بين أبناء العرب في جميع الأقطار والأنحاء
2 -
أما الدور الثاني، وهو دور الإرهاب والظلم، أو دور مطاردة رجال (القضية العربية) وأحرار العرب ومفكريهم، فيبدأ من أوائل عام 1915، أي من زمن وصول جمال باشا السفاح إلى دمشق وإصداره أمره بإلغاء كتيبة الضباط العرب الشباب من خريجي المدارس العليا؛ وكانوا يمرنونهم في دمشق ويعدونهم ليكونوا ضباطاً، على أثر ما سمعه من أناشيدهم
القومية؛ فأرسلوا إلى ميادين القتال في شتى الجهات، وهلك معظمهم. وينتهي هذا الدور بإعلان الثورة العربية الكبرى رسمياً يوم 10يونيو سنة 1916
على أن أقطاب الاتحاديين قرروا في شهر يناير عام 1914، أي قبل وصول جمال باشا إلى سورية بسنة تقريباً اتخاذ تدابير متعددة للقضاء على الحركة العربية، وتتريك العرب، إلا أن تأثير هذه التدابير ظل محدوداً، لأنها سلبية في طبيعتها لا تتعدى المقاومة الخفية. ولقد تحول الحال حينما أعلنت الحرب العظمى عام 1914، وبسطت الأحكام العسكرية، ونصبت المحاكم العرفية وأوقف البرلمان، ووضعت المراقبة، وعطلت الصحافة، وانطلقت أيدي الاتحاديين في البلاد العربية يفعلون ما يشاءون، لا رقيب ولا حسيب. ويلوح لنا أن اختيار جمال باشا لمنصب القائد العام في بلاد العرب - وهو المعروف بشدة الشكيمة، والميل إلى سفك الدماء - وتحويله إلى سلطة لا حد لها، ليس من قبيل الصدف، بل هو نتيجة خطة أحكم الترك تدبيرها، وأرادوا من ورائها الفتك برجال العرب ومفكريهم وشبابهم الذين أشربوا الروح القومية أملاً بأن يخرجوا منصورين من الحرب الكبرى، وكانت الدلائل تدل في سنيها الأولى على أن النصر سيكون في جانبهم، فينفذون سياسة التتريك، ويقضون على كل نغمة عنصرية، وينشئون إمبراطورية طورانية تحيي مجد جنكيز خان وتيمورلنك، وبقية عهد الذئب الأغبر
لا تلحق تبعة ما جرى في ذلك العهد الدموي جمالاً وحده، بل تشمل أقطاب الاتحاديين الذين كانوا مسيطرين على البلاد العثمانية وفي مقدمتهم أنور باشا وزير الحربية ووكيل القائد العام والدكتاتور الحقيقي؛ فقد كان مصدر كل سلطة في الدولة. وقد استمد نفوذه من سيطرته على الجيش، ولو أراد لوضع حداً لتلك الأعمال، ولكنه تغاضى عنها ومنح جمالاً كل ما طلبه من سلطة، ووضع تحت تصرفه كل ما أراد من قوى. على أن سير الحوادث، وقد جرت على غير ما يشتهونه جعل أنور يعدل عن تلك السياسة فيضيق اختصاص صاحبه ويسلبه ما كان منحه إياه، يؤيد ذلك ما جرى حين النظر في قضية خان الباشا بالشام والحكم على أحرار العرب، فهو لم يجسر على إعداد الذين ألح بإصدار الحكم بإعدامهم بل أرسل الإعلام إلى ديوان التمييز العسكري لفحصه عملاً بالأوامر الجديدة، وقد سلبت منه اختصاصاته فعاد منقوضاً يقول إنه لا وجه لإقامة الدعوى على أحد لأن الجرم
الذي حوكموا لأجله لم يدخل في حيز التنفيذ
وينقسم العمل السياسي في خلال هذا الدور إلى ثلاث حلقات:
(ا) فالحلقة الأولى تبدأ من إعلان الحرب العظمى أي من شهر أغسطس عام 1914 حتى شهر أغسطس 1915 وقد انضم العرب في خلال هذه الفترة إلى الدولة قلباً وقالباً وأيدوها رغم ما كان بينهم وبين الاتحاديين، ورغم ظهور دلائل تدل على سوء نية هؤلاء وترقبهم دوائر السوء بالعرب لأنهم أدركوا أن الاحتلال التركي أهون من الاحتلال الأجنبي مهما كان الحال وأقل شراً، ولأنهم اعتقدوا أنهم لا يعدمون وسيلة للتفاهم مع أوليائها حينما تضع الحرب أوزارها، وتنقشع غمامتها. وأطمع هذا العطف الاتحاديين كما غرهم ما كانوا ينعمون به من قوة ومن سلطان عظيم لم ينالوا مثله في غابر أيامهم فقالوا إنها فرصة ثمينة لا يجود الدهر بمثلها، فأقدموا على تصفية حساب الحركة العربية، ونصبوا الميزان في عاليه كما نصبوه من قبل في أشقودرة يوم أرسلوا شوكت طورغود إلى ألبانيا في سنة 1911 للقضاء على الحركة الألبانية القومية فعجلت أعمالهم تلك في إخراجهم من ألبانيا وطردهم من البلقان، كما عجلت حركة عالية على إخراجهم من بلاد العرب وطردهم منها.
ولا يسع المؤرخ النزيه إلا التنويه بإخلاص العرب للدولة في هذه الفترة، وإذا اضطروا إلى الاتصال بأعدائها بعد ذلك وتعاونوا معهم على هدمها أو القضاء عليها، فالذنب ذنب الترك أنفسهم قبل أن يكون ذنب العرب والتبعة لاحقة بهم وحدهم، فلو جزوا العرب على إخلاصهم بإخلاص، وصافحوا اليد الممتدة إليهم، وتغاضوا عن كل حادث في الماضي وهو ما جرى العرف أن يحدث في الشدائد، وأي شدة أعظم من تلك الحرب، لما وقع ما وقع ولما كان ما كان
(ب) وتبدأ الحلقة الثانية بعد إعدام الرعيل الأول من شهداء العرب ومجاهديهم الأبطال، فقد كشر (جمال) السفاح عن أنيابه وتنكر للعرب، ولبس ثوب الأسد بعد ما نزع ثوبه الجميل، وأخذ ينادي بأنه لا بد من عقاب الخونة، والخونة في عرفه واصطلاحه هم أحرار العرب، والناهضون المجاهدون من رجالهم، مع أنه دعا هؤلاء في الخطبة التي خطبها في النادي الشرقي شهر يناير عام 1915 إلى إحياء شهامة العرب، وإعادة مجد العرب. ولا بد لنا من الاعتراف بأن العرب فوجئوا بأعمال جمال السفاح مفاجأة، فتشتت رجال الجمعيات في كل
ناحية من أنحاء السلطنة العثمانية بعضهم منفي، وبعضهم سجين، وبعضهم مقتول، وأرسل آخرون إلى ميدان الصراع العالمي وجند آخرون في الجيش، وفر غيرهم. أضف إلى هذا أن الصلة كانت مقطوعة بين الشام وبين العراق والحجاز من أقطار العرب فضلاً عن العالم الخارجي لصعوبة السفر والانتقال في تلك الأيام العصيبة السوداء، ولوجود مراقبة شديدة على المراسلات. والحقيقة أنه لم يبق خارج القفص في تلك الأيام سوى عدد ضئيل جداً كان يقيم في دمشق على حذر ووجل يترقب القبض عليه من ساعة إلى ساعة، ويودع أهله وأسرته عند خروجه من المنزل في الصباح لأنه قد لا يعود إليهم في الظهيرة، وكذلك يودعهم في الأصيل لأنه ما كان واثقاً من الرجوع إليهم في الغسق. فهذه الفئة القليلة كان بقاؤها في الفيحاء بفضل عوامل محلية خاصة؛ فبعضها أقام بضمانة الوالي خليص بك والي الشام كالمرحوم الدكتور شهبندر، وبعضها أقام في جلق لأن الوحدة العسكرية المنسوب إليها كانت تقيم فيها كالدكتور احمد قدري، ويسن الهاشمي وغيرهما، نقول أن هذه الفئة هي التي اتصلت بالأمير فيصل عند مروره من دمشق في غدوه إلى الآستانة ورواحه منها. وهي التي أطلعته على ما يقاسيه العرب من الترك، فنقل شكايتها إلى رجال الدولة، وعمل على تعديل هذه السياسة في دمشق فلم يوفق. وهي التي نفخت فيه روح الثورة، وكان معروفاً في إعلان الحرب العظمى بمصافاة الترك قائلاً بعدم الخروج عليهم مهما كانت الظروف. وهي التي أقنعته بوجوب العمل لإنقاذ العرب من خطر محقق؛ فضم جهوده إلى جهود أخيه الأمير عبد الله، وكان متصلاً بالبريطانيين فتقررت الثورة ووضعت أسسها. ومما لا ريب فيه أنه كان للعامل المحلي والشخصي يد لا تنكر في إعدادها وتكوينها
(ج) وتبدأ الحلقة الثالثة بمؤتمر الطائف في خريف سنة 1915 وقد قرر إعلان الثورة العربية، وإعداد معداتها في الداخل، والاتصال برجال بريطانيا العظمى في الخارج. وقد سارت الأمور على أفضل ما يرام، فأقام الأمير علي في المدينة يستميل القبائل الضاربة في تلك البطاح، وأخذ عليها العهود والمواثيق، كما انصرف الأمير عبد الله من ناحية إلى جمع كلمة قبائل العرب في الطائف وإعدادها لليوم العصيب
أما الأمير فيصل، فكان يقيم في دمشق يفتل خيوط الرأي ليجد مخرجاً يخرجه من معتقله،
فقد استبقاه الترك رهينة يهددون بها والده، ويغلون يده عن كل عمل، ولولا تخلصه منهم بكل لباقة وإفلاته من قبضتهم الحديدية لتأخر إعلان الثورة ولسارت الأمور في غير هذا الاتجاه. وامتدت المكاتبات بين الحسين أمير الحجاز يومئذ والإنجليز سنتين وأشهراً، وانجلت عن تلك العهود التي بذلها السر هنري مكماهون للعرب باسم حكومة صاحب الجلالة البريطانية وبالإضافة إليها
(د) ويبدأ الدور الثالث بإعلان الثورة العربية الكبرى رسمياً، ونزول العرب إلى ميدان الصراع والنضال وينتهي بإرسال الحسين أمير الحجاز يومئذ بلاغه الشهير إلى الدول العظمى يوم 30 أغسطس عام 1918 مما سنفصله في حديثنا المقبل فقد ضاق النطاق اليوم، فإلى اللقاء. . .
(دمشق)
نسيب سعيد المحامي
مفاوضات الفتح العربي لمصر
للأستاذ السيد يعقوب بكر
(هذا البحث قسمناه قسمين: ففي القسم الأول حققنا هذه
المفاوضات من الوجهة التاريخية ووصلنا إلى التسليم بصحة
وقوع بعضها ونفي وقوع البعض الآخر. وفي القسم الثاني
حاولنا أن نتلمس الروح المسيطرة على طرفي كل مفاوضة
صح عندنا وقوعها)
القسم الأول
(ا) المفاوضة الأولى
1 -
ذكرها أبو المحاسن في النجوم الزاهرة (ج1 ص13 - 24ط دار الكتب) نقلاً عن ابن كثير في تاريخه المسمى بالبداية والنهاية. قال: (لما استكمل المسلمون فتح الشام، بعث عمر بن الخطاب عمرو بن العاص إلى مصر. وزعم سيف: أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بُسر بن أبي أرطاة وخارجة بن حذافة وعمير بن وهب الجمحي، فاجتمعوا على باب مصر، فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل النيات، بعثه المقوقس صاحب الإسكندرية لمنع بلادهم.
فلما تصافوا قال عمرو بن العاص: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم. ليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد فبرزا إليه، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا: إن الله بعث محمداً بالحق وأمره به وأمرنا به محمد، وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة. وقد أعلمنا أننا مفتتحوكم وأوصينا بكم حفظاً لرحمنا منكم، وإن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة؛ ومما عهد إلينا أميرنا:(استوصوا بالقبطيين خيراً) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين
خيراً لأن لهم ذمة ورحما
فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف والملك منهم، فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم وأغربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام. مرحباً به وأهلاً وأمناً حتى نرجع إليك.
فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثاً، لتنظرا ولتناظرا قومكما، وإلا ناجزتكم؛ قالا: زدنا، فزادهم يوماً؛ فقالا: زدنا، فزادهم يوماً؛ فرجعا إلى المقوقس. . .)
فواضح من هذا الكلام أن هذه المفاوضة وقعت عند باب مصر بين عمرو بن العاص من جانب وأبي مريم جاثليق مصر والأسقف أبي مريام من الجانب الآخر
2 -
وذكرها ابن الأثير (ج2 ص440 - 441ط ليدن). قال: (فأخذ المسلمون باب اليون وساروا إلى مصر فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف بعثه المقوقس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم لا تعجلونا حتى نعذر إليكم، وليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام فكفوا وخرجا إليه فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية وأخبرهما بوصية النبي (ص) بأهل مصر بسبب هاجر أم إسماعيل عليه السلام؛ فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء. آمنا حتى نرجع إليك. فقال عمرو مثلي لا يخدع؛ ولكني أؤجلكما ثلاثاً لتنظرا وأمر بمناهدتهم)
فواضح من هذا أن ابن الأثير متفق مع ابن كثير في مكان المفاوضة وطرفيها
3 -
وذكرها ابن خلدون (ج2 ص114 - 115 ط بولاق). قال: (ولما فتح عمر بيت المقدس استأذنه عمرو بن العاص في فتح مصر فأغزاه، ثم اتبعه الزبير ابن العوام، فساروا سنة عشرين أو إحدى وعشرين أو أثنين أو خمس فاقتحموا باب اليون ثم ساروا في قرى الريف إلى مصر. ولقيهم الجاثليق أبو مريم والأسقف قد بعثه المقوقس. وجاء أبو مريم إلى عمرو فعرض الجزية والمنع وأخبره بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم وأجلهم ثلاثاً ورجعوا إلى المقوقس)
فواضح من هذا أن ابن خلدون متفق مع ابن كثير وابن الأثير
4 -
وذكرها الطبري (مجلد 5 ص2584 - 2589 ط ليدن). قال: (خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة حتى انتهى إلى باب اليون واتبعه الزبير
فاجتمعا فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف في أهل النيات بعثه المقوقس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم: لا تعجلونا لنعذر إليكم وترون رأيكم بعد؛ فكفوا أصحابهم وأرسل إليهم عمرو أتى بارز فليبرز إلى أبو مريم وأبو مريام؛ فأجابوه إلى ذلك وآمن بعضهم بعضاً. فقال لهما عمرو: أنتما رهبا هذه البلدة فاسمعا. . .) ويذكر بقية الحديث بما يوافق ما ذكره ابن كثير تماماً
فواضح من هذا أن الطبري متفق مع المؤرخين الثلاثة في طرفي المفاوضة، ولكنه يختلف عنهما في مكان المفاوضة، فيقول أنها كانت عند باب اليون ويقولون أنها كانت عند مصر.
نترك الآن المؤرخين العرب وننتقل إلى كتاب حنا النقيوسي المؤرخ القبطي المشهور فلا نجد فيه ذكراً لهذه المفاوضة
ويقول الأستاذ بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر)(ص190 من الترجمة العربية) بصدد هذه المفاوضة: (والظاهر أن قصة بعث المقوقس باثنين من الأساقفة وهما أبو مريام أو (أبو مرتام) وأبو مريم لمفاوضة العرب لم تكن سوى قصة بعث بها الوهم. فلم يكن بين الأساقفة أحد بتلك الأسماء، ولعل تلك القصة لم تنشأ إلا من الخطأ العظيم الذي وقع فيه مؤرخو العرب عندما قرءوا أخبار هذه الحوادث، وقد اختلط فيها حوادث التاريخ بالخرافات اختلاطاً فاحشاً، ومسخها الناسخون عند نقلهم منها منذ لم يتحروا فيها الدقة. ولكننا مع ذلك نستطيع أن نقول إنه قد جاءت جماعة عليها أحد الأساقفة وإنهم فاوضوا عمراً في ذلك الوقت)
والأستاذ بتلر يقول هذا القول أثناء حديثه عن سير العرب الفاتحين إلى بلبيس، مما يفهم أنه يرى أن هذه المفاوضة كانت في بلبيس لا في مصر كما يقول ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون. ثم هو يرى بعد ذلك أنها لم تكن بين عمرو من جانب وأبي مريم ومعه أبو مريام من جانب آخر؛ بل كانت بين عمرو وجماعة عليها أحد الأساقفة
ونحن لا نملك رفض ما يقوله الأستاذ بتلر؛ فنحن لا نملك رفض قوله بحصول المفاوضة في بلبيس، لأن اتفاق ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون على أنها حصلت عند مصر وتفرد الطبري بأنها حصلت عند حصن بابليون مما لا يمكن التعويل عليه لما عرفناه ولمسناه من خلط مؤرخي العرب في كلامهم عن حوادث الفتح. أضف إلى ذلك أن جعل
المفاوضة عند بلبيس أكثر ملاءمة لسير حوادث الفتح من جعلها عند مصر. والقارئ لحوادث الفتح يدرك هذا تمام الإدراك. ونحن بالطبع ليس لنا أن نطالب الأستاذ بتلر بالمصدر الذي اعتمد عليه في القول بأن المفاوضة حصلت في بلبيس، وذلك لأنه لم يعتمد في ذلك على مصدر ما وإنما قال به توفيقاً منه بين حوادث الفتح العربي التي تعرضت لشيء كثير من الخلط والتشويه في معظم المصادر العربية وغير العربية
هذا من ناحية مكان المفاوضة، وأما من ناحية طرفيها فنحن لا نستطيع رفض قوله في ذلك أيضاً، لأننا لا نملك على ذلك الرفض قدرة علمية، ولا سيما أنه عاد في الملحق الثالث من ملاحق كتابه فأكد قوله وقواه. قال (ص450 - 452):((2) أبو مريم. وصف الأستاذ (لين بول) هذا الشخص بأنه جاثليق مصر، وأنه انضم إلى جيش عمرو. ولفظ جاثليق لا معنى له إلا (بطريق)، وأول من ذكره من مراجعنا الطبري، فقد جعلته معلوماته الفارسية يذكر ذلك اللفظ على أنه اسم كبير أساقفة مذاهب النسطوريين والأرمن. ويكثر ذكره في كتب سيبيوس وسواه، ويعرفه المعرفة. والحقيقة أن الطبري نفسه يفسر ذلك اللفظ بأنه كبير أساقفة النصارى، ولكنه يقول بعد ذلك عبارة محيرة وهي أن اسمه كان (أبن مريم). ويمكننا أن نسلم بأنه قد كان في مصر رئيسان للأساقفة أو بطريقان في وقت الفتح وهما قيرس وبنيامين؛ ونزيد على ذلك أنه قد يجوز أن بطريقاً ثالثاً كان موجوداً عند ذلك وهو بطريق مجهول (للجايانيين)، ولكن ذلك غير مهم فيما نحن فيه. وابن مريم لا يمكن أن يكون هو (فيرس)؛ ولكنه قد يمكن أن يكون المقصود به (بنيامين). ونرجو أن نستطيع البرهان على أن ذلك هو المقصود؛ فإنه في مدة ابن الأثير كان الاسم قد حرف إلى (أبو ميامين)، في حين أن أبا المحاسن يذكر - وهذا طبعاً صحيح - أن الأسقف القبطي في الإسكندرية كان اسمه بنيامين. ويذكر السيوطي أن الأسقف القبطي هو (أبو ميامين) وليس على المرء إلا أن يقرن هذه الحقائق بعضها إلى بعض فيرى لأول نظرة أن من أسهل الأمور تحريف اسم (أبا بنيامين) إلى (أبو ميامين) ثم إلى (أبو مريم)، في حين أن (ابن مريم) يجوز أن يكون تحريفاً للاسم بنيامين؛ فإن كتاب العرب كانوا يعرفون أن اسم مريم اسم يجله النصارى إجلالاً عظيماً، فأخطئوا في لفظ (أبا) فظنوا أنه اللفظ العربي (أبو)، في حين أنه نزع من الجزء الأول من (بنيامين) وهو (بن) وخلط باللفظ العربي (ابن) ونشأ
من ذلك الخلط أسماء عجيبة زادها تحريف النساخ خطأ فذهبوا إلى تسمية الأسقف باسم (أبو مريم) و (ابن مريم).
ونستطيع الآن أن نستبعد اسم (أبو مريم) ونحن واثقون من أن ذلك الاسم لم يكن، وكذلك أسماء (أبو مرتم) و (ابن مريم) و (وأبو ميامين)؛ وأن نجعل مكان هذه الصور الغريبة اسم (بنيامين) الذي كان كبير أساقفة القبط في الإسكندرية. غير أنه لا يكفي أن نستبعد هذه الخيالات فإنا إذا سلمنا أن الشخص التاريخي المقصود هو بنيامين فإنه من المحال أن نقبل ما قيل عنه من أنه اشترك مع عمرو أي اشتراك فيما ذكر عنه، فلم يحاربه ولم يفاوضه. وأما ما ذكره الطبري ومن اتبعه كابن الأثير عن بنيامين فإنه قول سخيف. فقد جعلوه قائداً حربياً تحت حكم المقوقس. وقد سعى الطبري إلى جعل حبره مقبولاً لا تناقض فيه فجعل المقوقس أميراً للقبط؛ ولكن كل الأدلة المستمدة من المؤرخين المصريين تدل على أن هذين الرأيين غير صحيحين (وكان الطبري غريباً عن مصر، ولكنه زارها).
فالمؤرخون المصريون مجمعون على أن بنيامين بقي مختفياً في الصعيد مدة عشر سنوات قبل الفتح العربي، وثلاث سنوات في مدة الفتح. ولو لم يكن لدينا غير ما كتبه ساويرس (حياة بنيامين) لكان ذلك كافياً للبت في هذا الأمر. غير أن كل المؤرخين من حنا النقيوسي إلى ما بعده متفقون في هذا الرأي. فكيف إذن نستطيع أن ندرك علة ما يعزوه مؤرخو العرب إلى بنيامين من الاشتراك في الأمور عند الفتح؟ والتعليل هو ما يلي: أنهم وجدوا في الأخبار القديمة أو الروايات السابقة أن زعيم المدافعين والرئيس الذي فاوض في شروط الصلح مع الفاتحين هو كبير أساقفة الإسكندرية، ووجدوا بعد الفتح وفي التاريخ القبطي أن كبير الأساقفة في الإسكندرية المعترف به هو بنيامين؛ وفوق ذلك لقد كان بنيامين هو الذي جاء إلى عمرو وصالحه في وقت الفتح الثاني للإسكندرية عند ثورة منويل؛ فاختلط هذا الخبر بالصلح الذي كان مع قيرس؛ وعلى ذلك اختلط الشخصان وعزي إلى بنيامين ما فعله قيرس عند الفتح)
فبقي علينا إذن أن نأخذ برأي الأستاذ بتلر في هذه المفاوضة
(للبحث تتمة)
السيد يعقوب بكر
نذر مقبول
للأستاذ الكبير عباس محمود العقاد
أرأيتِ حين نذرتِ؟
…
ودعا (النوى) فدعوت؟
من ذا الذي لبّاك؟
…
من ذا أجاب مُناك؟
قدّيسةٌ عطفت على المكنو
…
ن من نجواك
ووعدتها فوفيتِ
قدّيسة سمعت لنا
…
وسعت لتجمع بيننا
من ذا يعيب هواك؟
…
من ذا إذن يلحاك؟
والعذر عذر صبابتي
…
والحق حق صباك
كذبوا إذن وصدقت!
بالشمع كم أغريِتها
…
أتراك أنت خدعتها؟!
كلا. وما أقواك
…
في خدعة وشباك!
فالنور لب غذائها
…
والنور صفو رضاك
شُغفتْ به وشُغفت
عباس محمود العقاد
مشاركة الأدب الإنجليزي
في الدراسات العربية
نقلاً (عن برنارد لويس)
للأستاذ عبد الوهاب الأمين
1 -
العصور الوسطى
كان رأي الباحثين مجمعاً منذ مدة على أن أولى الاتصالات الثقافية المهمة بين الإسلام والفرنك كانت نتيجة الحروب الصليبية. وفي الحق أن الحروب الصليبية هي الفرصة الأولى التي اجتمع فيها الشرق العربي بالغرب المسيحي اجتماعاً قريباً، وجعلت من جراء ذلك مبادلات ثقافية؛ غير أن الدراسات التاريخية المتأخرة أبانت أن هذه المبادلات كانت محدودة من ناحيتي المجال والمفعول؛ وهو أمر يجب أن يكون منتظراً بسبب سيطرة الناحية العسكرية في ذلك الدور. ولقد وصل الفكر العربي عن طريق آخر إلى الغرب بصورة عامة، وإلى إنجلترا بصورة خاصة
لقد دخل العرب المنتصرون إلى أوربا بعد غزوهم شمال أفريقية، واستعمروا منطقتين في حوض البحر الأبيض المتوسط لمدة طويلة هما: أسبانيا وصقلية، وأنشئوا لهم مدينة بالغة التقدم ما لم يكن يوازيه أي تقدم آخر في الأراضي المسيحية في ذلك الحين. ذلك التقدم الذي لم يعجز عن التأثير على معاصريهم من المسيحيين، حتى أنه بعد أن استعاد المسيحيون تلك البلاد ظلت التعاليم العربية مزدهرة مدة طويلة. وكان الملوك المسيحيون يتكلمون العربية، ويؤازرون العلماء العرب، وبقيت الثقافة العربية العالية نافذة في بلاد الفرنك، وأصبح المسيحيون الذين يتكلمون في أسبانيا واسطة مهمة لبسط النفوذ، كما أن اليهود الذين ينطقون بالعربية في أسبانيا وصقلية - والذين كانت لهم لغة عامة هي العبرية - مع مشاركيهم في الدين من الفرنك، كانت لهم يد طولى في نشر الثقافة العربية في الغرب. وينبغي أن نشير في هذا المقام بصفة خاصة إلى الفيلسوف الأسباني اليهودي (إبراهام بن عزرا) من مدينة طليطلة الذي زار لندن في سنتي 1158 - 1159، واشتغل بالتعليم هناك مدة؛ كما أن الإنجليزي (توماس براون) ولي القضاء في صقلية، ويذكره
العرب في كتاباتهم باسم (القائد برون)
وفي القرن الثاني عشر أخذ العلماء يفدون من الشمال، وعلى الأخص من إنجلترا، لزيارة الجامعات العربية في أسبانيا في سبيل تحصيل العلم، وكان أول كبير من هؤلاء هو الإنجليزي (أديلارد) من مدينة (باث) أحد رواد الثقافة العربية في الغرب
وقد ساح (أديلارد) في الربع الأول من القرن الثاني عشر في أسبانيا وسورية ودرس اللغة والعلوم العربية، وترجم كثيراً من الكتب العربية إلى اللاتينية لفائدة معاصريه من المسيحيين، واشتغل في عودته ترجماناً للملك هنري الثاني - ولم يصر بعد ملكاً - وكان قد أهدى إليه أحد كتبه أيضاً. ويتألف أهم كتبه وهو (القضايا الطبيعية) من حوار بينه وبين قريب له درس في الجامعات الفرنكية بينما درس (أديلارد) بين العرب. وعلى ذلك فأن الجدل الذي يقوم بين الاثنين يتطرق إلى المقابلة بين الدراستين، وقد قال في مقدمة كتابه هذا:(إني سأدافع عن قضية العرب، لا عن قضيتي) وشدد في نهاية كتابه على تفوق الطريقة العربية كما ساعد بنفوذه على نشرها في الغرب، فترجم عدداً من الكتب العربية في علم الهيئة والرياضيات وبذلك مد في نشر هذه العلوم في أوربا.
وقد اقتفى أثر (أديلارد) كثيرون من الإنجليز. فقد درس (روبرت) - وهو من أهالي جستر - في القرن الثاني عشر أيضاً، الرياضيات وترجم الكتب العربية. وهناك شخصية طريفة هي شخصية (دانيل مورلي) الذي يحدثنا عن نفسه أنه كان برماً بالجامعات الفرنكية فذهب إلى إسبانيا (في طلب أحكم الفلاسفة على وجه الأرض) على حد تعبيره، وقد عاد إلى إنجلترا بمجموعة كبيرة من الكتب التي لقيت جمهرة كبيرة من القراء. (وميخائيل سكوت) الذي درس - في القرن الثالث عشر - في صقلية وأتقى اللغتين العربية والعبرية، وترجم كتب أرسططاليس من اللغة العربية، وكان كثير منها قد تلقاه الغرب لأول مرة، كما أنه ترجم التعقيبات العربية على فلسفة أرسططاليس، وألف عدة كتب في علم التنجيم والكيمياء
ولقد كان عمل هؤلاء وغيرهم من الإنجليز المغامرين الذين زاروا بلاد العرب كبير الفائدة من الناحية الثقافية، فبفضل أعمالهم ذاعت آثار العرب الفلسفية والعلمية العظيمة في إنجلترا والغرب، وتقدمت الثقافة الأوربية خطوة كبيرة إلى الأمام. وكان التأثير الذي تركته كتبهم المترجمة والموضوعة عظيماً. وفي وسعنا أن نضع الفيلسوف الإنجليزي العظيم
(روجر باكون) في عداد الذين تأثروا تأثراً عميقاً بالثقافة العربية، وكذلك الشاعران (شوصر) و (ليد كيت). ومن المهم ذكره في هذا المجال أن أول كتاب طبع في إنجلترا وهو كتاب (آمالي وأقوال الفلاسفة) (سنة 1477) وقد وضع على أساس كتاب عربي هو كتاب:(مختار الحكم ومحاسن الكلم) الذي صنَّفه في سنة 1053 الأمير المصري (مبشر بن فاتك)، ولم يطبع النص العربي، ولكن هناك نسخة خطية منه لا تزال موجودة في هولاندة، وهو مجموعة أمثال وأقوال حكيمة، وكان كثير الشيوع مدة من الزمن في الشرق وقد ترجم إلى لغات أوربية
إن الدَّين الذي تدين به أوربا في العصور الوسطى لمعاصريها من العرب ومترجميهم لهو دَين مضاعف، ففي الدرجة الأولى كان العرب هم الذين نشروا القسم الأكبر من ميراث الفكر والعلم الإغريقي الذي كان الغرب قد أضاعه، واحتفظ به العرب وأذاعوه؛ وفي الدرجة الثانية أن أوربا قد تعلمت من العرب طريقة جديدة في الدراسة، تلك الطريقة التي وضعت العقل فوق السلطة، ودافعت عن البحث العلمي الحر، وقد كان هذان الدرسان هما اللذين لعبا أكبر دور في إعطاء نهاية للعصور الوسطى، وبعث النهضة (الرينسانس) وولادة أوربا الجديدة، كما أن العلماء الإنجليز ساهموا بدور كبير في نقل هذه الدروس. وإن من مآسي التاريخ الآن أن العرب ينسون في هذا الوقت الأشياء التي علموها هم لأوربا، وأن يقوموا بدراستها مرة أخرى بعد مضي عدة عصور
ونود أن نختم هذا الفصل بالرجوع إلى أقوال (إديلارد) نفسه في حديثه مع قريبه عن الطريقة التي تعلمها في أسبانيا؛ ورأيه هذا قد سجل منذ ثمانمائة سنة:
(إنني، والعقل دليلي، قد تعلمت أمراً واحداً من أساتذتي العرب. أما أنت فعلى خلاف ذلك قد تلجمت بلجام من المظهر الخارجي للسلطة - وبماذا نصف السلطة إلا بأنها لجام؟ - على شاكلة الحيوانات المتوحشة، فإنها تساق إلى حيث يشاء المرء بدون أن نرى لماذا وإلى أين تساق، بل تتبع المِقْود الذي توقف به، وكذلك الكثير منكم قد رُبطوا بقيود وسلاسل من التسليم المنحط، وسيقوا إلى الخطر بسطوة الكتاب. . . لقد منح العقل للأفراد لكي يكون هو الحكم الرئيس للتفريق بين الحق والباطل. . . فيجب أن نسعى بداءة ذي بدء إلى البحث عن العقل، فمتى وجد قبلت حينئذ السلطة إذا أريد إضافتها إليه، فإن السلطة
في حد ذاتها لا يمكن أن توحي بالثقة إلى الحكيم، ولا ينبغي لها أن تستعمل لهذه الغاية)
والذين يعرفون كتابات العرب سيؤيدون رأي (إديلارد) هذا على الفور، أما الذين يعرفون علم الغرب فسيدركون مغزاه حالاً
عبد الوهاب الأمين
أرواح وأشباح
للأستاذ خليل هنداوي
لقد صدق حدسي! وهاهي تمر كرجع الطرف تزورنا فيها مواكب جديدة لهذا الشاعر المبدع من (أرواحه وأشباحه) والحق أن هذه القصيدة الجديدة تعد بذاتها فاتحة (للشعر العربي الحديث) الذي آن له أن يخلع تلك الثياب الرثة التي بالغنا في ترقيعها وتزويقها، حتى نصلت صبغتها، وبليت جدتها! ومما يزيد في قيمة هذه القصيدة أنها أول قصيدة تلدها مصر من الشعر الصحيح، ولا نستطيع القول أنها مبتكرة بأسلوبها وغرضها، لأن بعض السوريين سبقوا إلى هذا النوع من القصائد الواحدة التي يختلف وزنها وقافيتها، ويبقى غرضها واحداً. وأعرف من هذه القصائد (المواكب) لجبران خليل جبران، و (بساط الريح) لفوزي المعلوف، وعبقر (لشفيق المعلوف) و (إرم ذات العماد) لنسيب عريضة، ولكن قصيدة شاعرنا (الملاح التائه) قصيدة وحدها بميزاتها وغايتها، لأن صاحبها اتجه بها شطر الفن الخالص، وجردها من أي غرض يرمي بها إلى الأبتدال، اعتقاداً منه بنظرية (الفن الخالص للفن الخالص) بينما نجد قصيدة (المواكب) تزحف في جو ثقيل مرهق بالفلسفة الشاكة الحائرة، وقصيدة (على بساط الريح) ترمي إلى غرض فلسفي أخرى توجهه العاطفة، وقصيدة (عبقر) تكاد تكون أكثر تجرداً للفن؛ أما قصيدة (إرم ذات العماد) فهي أشواق صوفية هائمة على رمال الوجد والحنين. وأصحاب هذه القصائد جميعها ثائرون على ماضي الشعر العربي وأسلوبه الضيق الموروث، ولذلك تجردوا من قوالبه، وانطلقوا من غاياته، وانقادوا إلى عوالمهم الذاتية المجردة، ولكل غايات استقبلها وبلغها بمقدار ما هامت نفسه، وسما فنه. ولعل أبرز ما في (هذه القصائد) هذه الوحدة في الغاية، تنطلق معها من فاتحتها إلى خاتمتها. وإنا لنجد هذا النوع غريباً في أدبنا، لأن الأدب العربي لم يسجل مثله، في حين أن الآداب الغربية طافحة بهذا النوع الذي يدل على امتداد الفن، وبعد الغرض، وسمو التحليق. وهنالك دواوين قائمة بنفسها لتوحي إليك بفكرة واحدة، على طرائق مختلفة، كهذا الذي فعله الشاعر الفرنسي - فرناند جريك - في ديوانه جمال الحياة، فجمال الحياة فكرة تفاؤلية تسيطر على نفس الشاعر، والشاعر في كل مظهر من مظاهر الكون يتوسم هذا الجمال، ويتغنى به، ومهما يكن من شيء، فإن هذا يدلنا على أن الشاعر
الحقيقي يعتنق رسالة أو فكرة يجمعها من مزاجه الخاص يحاول أن يبثها ويبشر بها
كانت هذه القصيدة بيدي فتناولها صديق لي أديب فما لبث أن أبدى نفوره منها واستنكاره لهذا الضرب من الشعر لأنه خالٍ - بحسب اعتقاده - من الغاية والغرض؛ وما كنت بلوَّام لمثل هذا الصديق على اعتقاده، لأن المدرسة الشعرية العتيقة لا تزال على اعتقادها في أن الشعر خاضع للغاية ينزع إلى الحكمة أو إلى القومية، أو. . . أما هذه القصيدة فما نزعتها؟ وما غايتها؟ إننا نحب أن نعتق شعرنا من هذه التقاليد، ونرفعه من هذه الأغراض الدانية، لنتوجه به شطر الفن الخالص. إذ أن الشعر العالي لا يتجلى في هذه العواطف الصافرة التي تؤز فوق الرؤوس، ولا في هذه الأصباغ الكثيفة غير المتناسقة؛ وإنما الشعر هذه اللمحات الفنية الهادئة والرعشات الوديعة التي تذكرك برعشة الطبيعة حين يقظتها. ومن عجب الدهر أننا نتخطى تعاليم المدرسة القديمة، ونلمس نقائصها، وننفي أكثر شعرها، ثم نرى من لا يزال يتحمس لها، ويناضل من أجلها الآن نستطيع القول - إزاء هذه المقطوعة - أننا إزاء قصيدة شعرية بلغت من السمو والفن والدقة ما لم تعرفه قصيدة عربية من قبل. ولكي يستطيع الشاعر أن يبث لمحادثة الفنية لم يجد إلا جوَّاً يونانياً. والعلة في ذلك أن الجو العربي نفسه محدود الشاعرية، محصور الخيال، ليس فيه هذه الوثبات التي توحي للشاعر المطلق أن يحلق في جو مطلق، فليس في هذا الالتجاء نفسه ما يعيب الشاعر أو القصيدة، لأن الجو اليوناني - في اعتقادي - برئ من كل غرض، يملكه الفن وحده ولا يجد الأدباء الغربيون حرجاً في الرجوع إلى هذه المملكة الغنية بشوارد الفن، على رسوخهم وغناهم. ولأدبائنا الحق في تفهم الأدب اليوناني والفن اليوناني. بعد أن درس العقل العربي العقل اليوناني، كانت بينهما صلات متينة، وجولات مشبعة بروح الصداقة. والفن اليوناني - على اعتقادي - أشد ضرورة للعرب من الفلسفة اليونانية
أشخاص هذه القطعة أشخاص يونانيون لهم محلهم في الفن اليوناني والجمال اليوناني. وقد أحسن المؤلف صنعاً في الإعلان عن كل شخص في مقدمته. ومن هؤلاء (سافو) الشاعرة الإغريقية، وتاييس الراقصة الأثينية، وبلتيس صاحبة الشاعر الإفرنسي (بيرلويس). أما الحديث فيدور حول روح شاعر يبعث بعثاً جديداً يزف إلى الأرض كالشبح العابر. أو الوهم مثله الخاطر. تعرفه إحدى الحوريات أو الأرواح - تاييس - وتقوله لسافو إنه (فتى
تملأ ألحانه الأرض غداً). وبلتيس يؤلمها أن يمر متكبراً، وقد أصابته لوثه أهل الفنون فليمض شقياً! أما تاييس فهي أكثر إشفاقاً عليه. لا تلومه لأنه (كف عينيه برق الحياة) فتحاول بيلييس أن تثير حقد صاحبتها فتذكر لها ما صنع أترابه الشعراء من قبل يوم أغووا حواء ولدات حواء. والمرأة - دائماً - حديث الفن!
أنالته أجمل أزهارها،
…
فأهدى لها شر أزهاره!
ولعل هذه الأزهار تذكرنا بأزهار بودلير!
وهنا نستشهد بيلتيس بقصيدة (الحية الخالدة) التي قدم لها صديقنا الأستاذ الكيالي بأن المرأة هي الحية الخالدة التي يشتهيها الفنانون والشعراء رغم لدغاتها. وفي هذه القصيدة يهبط الشاعر بمعشوقته من المنزلة العالية التي تصورها فيها إلي المنزلة الدانية التي تضج بها الشهوة الجائعة؛ وتصبح فيه المرأة كتلة من لحم يثير الدماء بعد أن كانت جمالاً صور من نقاء - فانحدرت المرأة وانحدر بانحدارها الرجل لأنه أصبح شيئاً ككل الرجال، وأصبحت هي شيئاً ككل النساء
أما بيليتس فلا تحب أن تعتقد بخطيئة المرأة؛ لأن الرجال. . .
وكم في الرجال سعار الوحوش
…
إذا لمسوا الجثة الدافئة. . .
أما المرأة. . .!
ألم ينسم الخلد من عطرها
…
ألم يعبد الحسنَ في زهرها
ألم يقبس النور من فجرها
…
ألم يسرق الفن من سحرها
شفت غلة الفن حتى ارتوى
…
وإن دنس الفن من طهرها
وهامت على ظمأ روحها
…
وكم ملئوا الكأس من خمرها
والمرأة تبقى بعد هذا أحجية الفن.
(خطيئتها قصة الملهمين)
…
(وإغراؤها الفرح المفتقد)
لقد قربت جداً عارياً
…
وقلباً يضن بأسراره
ثم تنتقل هذه الغواني من حديث الشعر إلى الفن الممثل في - تمثال جميل - فلا تجد سافو الفنان أعلى روحاً من الشاعر لأنه كمثله.
غداً يستغل غرام الحسان
…
سبيلاً إلى الشهرة الذائعة
يصيب بهن خلود اسمه
…
وهن قرابينه الضائعة
ولكن بيليتس تريد أن تنتقم لنفسها ولأترابها، وتطلب النزول إلى الأرض.
لنشرب من دم هذا الفتى
…
مصفى الرحيق بأكوابنا
ونجعل من حشرجات الرجال
…
تحية شاد لأنخابنا
ولكن تاييس تدرك أن الجمال والحب يضيع عالمهما بدون الشعراء والفنانين فتقول:
إذا خلت الأرض من طيرهم
…
فمن ذا يحي الجمال القسيم؟
فتغضب بيليتس وتعود إلى حبها المعروف، كما أوحته (أغاني بيليتس)، هذا الحب الذي ليس به حاجة للرجال!!
وهنا تستعر المشادة بين وتاييس وبيليتس، هذه تميل إلى كل هوى بين أثنين، وتلك تمثل هوى المرأة المتعلق بالرجل، وترى هذا الهوى ضرورة لا مناص منها لحياة الفنون. والجمال وحده هو الذي يهذب قلب الرجل، وينيم فيه الشرس المستخف!
وبعد محاورة تختلف ألحانها بين هؤلاء، يعود الإله - هرميس - الذي ترك الشاعر على أفق الأرض، فيرى حورياته في غضب وثورة، فيصف لهن هذا الفنان الذي ساء أمره عندهن، وفي وصفه أروع ما وصل إليه فنان وهو يتحدث عن الفن. . .
الفنان عنده. . .
يسف إلى حيث لا ينتهي
…
ويسمو إلي قمة لا ترام
ويُسقى بكأس إلهية
…
مرنقة بالهوى والأثام
هو المرح الشارد المستهام
…
شرود الفراشة عند المساء
ولعلك تلمس معي هذه القطعة المزدحمة باللمحة الفنية التي تظن أنها لا تنزل إلا على الشعراء الملهمين
أرته السماء أعاجيبها
…
وروته من كل فن بديع
فضن بلألاء هذا الجمال
…
وخاف على كنزه أن يضيع
أبي أن يبدده ناظراه
…
فأطبق جفنيه ما يستطيع
فإن شارف الأرض نادت به
…
ففتح عيناً كعين الربيع
أتستطيع أن تحدد لي عين الربيع هذه؟ ألمست معي هذه الدنيا من الرفيف والألوان
والأعاجيب؟
ولا يزال - هرميس - يصف لحورياته هذا الفنان حتى يستل من أفئدتهن كل سخيمة ويعدن راضيات عنه، مؤنسات بفنه، مغضيات عن عثراته. لأن عثرات الفنان بشائر للفن، والفنان نفسه يعبد المرأة - على ما تحمله إليه - لأنه كما يقول:
وكانت حياتي محض اتباع
…
فصارت طرائف من فنها
وكان شبابي صمت القفار
…
ورجع الهواتف من جنها
فعادت ليالي الصبا والهوى
…
أرق المقاطع في لحنها
وأفرغت بؤسي في حضنها
…
وأترعت كاسي من دنها
وهكذا تنتهي القطعة برحيل الشاعر، بعد أن ترك في حورياته نظرات العطف والابتسام
هذه هي القصيدة التي أهداها الشاعر خالصة لوجه الفن، سلسة التعبير، لينة القوافي، هائمة الألوان، ولن يغني عن قراءتها شيء من هذا الموجز المشوه الذي ذكرته، لأن القطعة الفنية لا تنقل
والذين يتذوقون الشعر المجرد، ويحبون الفن المجرد، سيستمعون في هذه القطعة خير لحن يجاوب ألحانهم، ويتذوقون منها أصفى سلسال يروي ظمأهم
حقاً إن هذه القصيدة طليعة تلك المواكب الجديدة الهائمة في تيه المرح والعذاب والحب، وستتلو هذه الأرواح أرواح، وهذه الأشباح أشباح، ما دامت هنالك قيثارة صافية النغم، ومخيلة مجردة الخيال، هي قيثارة ومخيلة ملاحنا التائه.
(حلب) - (الحديث)
خليل هنداوي
40 - المصريون المحدثون
شمائلهم وعاداتهم
في النصف الأول من القرن التاسع عشر
تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين
للأستاذ عدلي طاهر نور
تابع الفصل الثالث عشر - الأخلاق
كثيراً ما يقسم المسلم بالله وبالرسول وبرأس مخاطبه ولحيته. وعندما يخُبَر أحدٌ بخبر يثير دهشته وعدم تصديقه يصيح: والله؟ فيجيبه الآخر: والله. وكما أن العادة أن يبسمل المسلم قبل الطعام والشراب، يفعل ذلك أيضاً عندما يتناول دواءً أو يكتب شيئاً أو يبدأ مشروعاً مهماً، ثم يحمد الله بعد البسملة
وعندما يتعاقد اثنان يتلوان الفاتحة معاً. والعادة عندما يتجادل البعض في عمل أو رأي أن يصيح أحد الطرفين أو آخر يود فض النزاع أو تهدئة المتخاصمين: (الصلاة على النبي)، أو (صلوا على النبي) فيقولان بصوت منخفض:(اللهم صل عليه) ثم يستأنفان المجادلة ولكن باعتدال على العموم.
كثيراً ما يُسمع في المجتمع المصري العبارات الدينية تعترض الحديث في الأمور الحقيرة والخليعة أيضاً. وقد يكون ذلك أحياناً بطريقة تحمل من يجهل أخلاق هذا الشعب على أن يظنه هزؤا بالدين. ويكرر المصريون أسم الله في الكثير من أغانيهم الماجنة من غير قصد للإهانة طبعاً، وإنما يفعلون ذلك لاعتيادهم إقحام اسم الله في كل ما يدعو إلى الدهشة أو العجب، فيعبر الماجن عن انفعاله بالجمال عند رؤيته فتاة فاتنة بقوله أثناء كلامه الفاحش:
(تبارك الذي خلقك يا بدر)
وسأورد المقطوعة الأخيرة من أحد الموشحات مثالاً للطريقة الغريبة التي يختلط بها الفجور والدين في الأدب العامي المصري:
قابلني الرشيق بعد البعد والاحتجاب. فقبلت ثناياه وخده، ورن الكأس في يده، وفاح المسك
والعنبر من محبوب أرشق قواماً من غصن البان. وبسط سريراً سندسياً، وقضيت الوقت في سعادة متصلة. لقد استبعدني ظبي تركي
والآن أستغفر الله ربي من كل خطاياي ومن كل ما هجس في نفسي. إن أعضائي تشهد عليّ. ومتى قهرني الحزن فأنت أملي يا ربي في كل ما يحزنني. أنت تعلم ما أقول وما أنوي. أنت الكريم الغفور. إني ألوذ بحماك فاغفر لي.
وقد زارني أحد أصدقائي المسلمين بعد كتابة الملاحظات السابقة توا فقرأت عليه القصيدة وسألته أيليق أن يمزج الدين بالخلاعة هكذا؟ فأجاب: (نعم، يليق كل اللياقة. فهذا رجل يذكر خطاياه ثم يستغفر الله ويصلي على الرسول). فقلت: (ولكن هذه قصيدة قيلت لتسلية هؤلاء الذين ينهمكون في اللذات المحرمة. ثم لاحظْ أن الصفحة التي تصف الفسق تقابل التي تذكر أسماء الله عندما أطوي الكتاب فيكون وصف الملذات الأثيمة فوق ذكر الاستغفار). فأجاب صديقي: (ذلك عبث. اقلب الكتاب جاعلاً أسفله أعلاه ينعكس الحال فيغطي الغفران المعصية. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، وإن الله يغفر الذنوب جميعاً وهو الغفور الرحيم)(الآية 52 من سورة الزمر). وقد ذكرتني إجابته ما لاحظته كثيراً من أن غالبية العرب - وهم شعب كثير التناقض - يستمرون في مخالفة الشرع اعتماداً على أن عبارة: (أستغفر الله) تمحو كل خطية. وكان بين يدي صديقي نسخة من القرآن فوجدت فيها عند بحثي على الآية المقتبسة ورقة عليها كلمات من الكتاب الكريم، وكان الرجل على وشك أن يحرقها لئلا تسقط فتداس. فسألته: أيجوز ذلك؟ فأجاب: إما أن تحرق وإما أن تلقي في مجرى ماء. والأفضل حرقها، إذ أن الكلمات تصعد مع اللهب فتحملها الملائكة إلى السماء. ويستشهد المسلمون حتى أشدهم تُقي بالقرآن عند المزاح. وقد حدث مرة أن طلب أحدهم أن أهدي إليه ساعة فأوعز إليَّ بهذه العبارة الملتبسة: إن الساعة آتية أكاد أخفيها (الآية 15 من سورة طه)
وكثيراً ما يشاهد المرء في المجتمع المصري ناساً يتلون آيات وأحاديث تتناسب المقام، ولا يعتبر مثل هذا الاقتباس - كما هو الحال في مجتمعنا - نفاقاً أو مملاً، وإنما يثير إعجاب المستمعين ويصرفهم عن تافه الحديث إلى جده. ويشغف مسلمو مصر وغيرها من البلدان،
على ما أعتقد، بالحديث الديني. وتُحَي أكثر الحفلات عند الطبقتين الوسطى والعليا في القاهرة بتلاوة (خاتمة) أو إقامة (ذكر). وقلما يجرؤ أحدهم على التصريح بتفضيل الموسيقى على الخاتمة أو الذكر اللذين لا جرم يبتهجون بهما. والحق أن الطريقة التي يرتل بها القرآن أحياناً حسنة جداً ولو أن سماع الخاتمة كلها قد يُمل غير المسلمين
يدهشني شدة تمسك المسلمين بدينهم على الدوام؛ غير أنني أعجب لقلة محاولتهم دعوة الغير إلى الإسلام. وكثيراً ما عبرت عن دهشتي لتغافلهم عن نشر دينهم مخالفين أسلافهم في صدر الإسلام فكانوا يجيبوني: (أي فائدة في هداية ألف كافر؟ هل يزيد ذلك عدد المؤمنين؟ أبداً. لقد قدر الله عدد المؤمنين ولا يستطيع الإنسان أن يزيده ولا أن ينقصه). ولم أخاطر بالرد خشية أن يؤدي أعترض إلى جدال لا حد له. وقد سمعتهم يدافعون عن إهمالهم إدخال الناس في دينهم بذكر الآية السادسة والأربعين من سورة العنكبوت: (ولا تجادلوا أهل الكتاب) دون أن يذكروا العبارة التالية مباشرة: (إلا بالتي هي أحسن، إلا اللذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد). ولو كان المسلمون عملوا بهذه الوصية لأدى جدلهم إلى تحرير أفكارهم وتزقية معارفهم
يقدس المسلمون المحدثون الرسول غاية القداسة ويقسمون كثيراً باسمه ويلتمس شفاعته المتعلمون والجاهلون على السواء. ويتأثر الحجاج من زيارة القبر النبوي أكثر مما يتأثرون بقيامهم بالشعائر الأخرى. وهناك فئة لا تأتي عملاً لم يتقرر قيام الرسول به فيمتنعون خاصة عن أكل ما لم يأكله ولو ثبت إباحة تناوله. وما كان الإمام أحمد بن حنبل يأكل البطيخ لأنه مع علمه أن الرسول أكله لم يستطيع أن يعرف ما إذا كان يتناوله بقشره أو بدونه أو إذا كان يكسره أو ينهشه أو يقطعه، كما أنه نهى امرأة جاءت تستفهمه عن الغزل ليلاً على ضوء مشاعل الغير أثناء مرورهم في الشارع، لأن الرسول لم يذكر شرعيتها ولا يعرف عنه أنه انتفع من ضوء غيره بدون إذن. وقد أعجبتُ مرة بمنافض جميلة ينفض فيها رماد الشبُك؛ فسألت صانعها لماذا لا يسمها باسمه؟ فأجاب: معاذ الله! إن اسمي أحمد هو أحد أسماء الرسول فهل تريد أن أضعه في النار؟ وقد سمعت شكوى الناس من الباشا لأنه وسم جمال الحكومة وجيادها باسمه (محمد علي). وقال الذي ذكر لي هذا الحادث: إن الميَسم الذي نقش عليه هذان الاسمان الواجب احترامهما، اسم الرسول (ص) واسم ابن
عمه رضي الله عنه، توضع في النار وهذا منكر، ثم يوضع على رقبة الجمل فيسيل الدم النجس فيدنس الاسمين المقدسين على الحديد وعلى جلد الحيوان. والمحتمل عندما يندمل الجرح بل المحتم أن يضع الجمل وهو راقد رقبته على شيء قذر
ويبعث مثل هذا الشعور المسلمين على أن يعترضوا على طبع كتبهم. ويندر أن يكون لهم كتاب لا يتضمن أسم الله، ولا أذكر أني رأيت كتاباً خلا منه. فالقاعدة أن يصدر الكتاب بالبسملة وتبدأ المقدمة بحمد الله والصلاة على الرسول. ويخشى المسلمون أن يدنس المداد الذي يطبع به أسم الله، أو الورقة التي يطبع عليها. ويخشون أيضاً أن تصبح كتبهم عند طبعها رخيصة الثمن فتقع بين أيدي من لا يصونها. وفكرة استعمال فرجون من شعر الكلب، وكانت تستعمل أولاً هنا، لوضع الحبر على أسم الله أو على كلامه تكدرهم كثيراً. ومن ثم لم يطبع الكتب في مصر حتى الآن إلا الحكومة؛ غير أن أثنين أو ثلاثة استأذنوها في طبع بعض الكتب في مطبعتها فأذنت لهم. وأعرف كتبياً هنا رغب طويلاً في طبع كتب كان يثق بعظيم ربحها ولكنه لم يستطع أن يتغلب على تردده في شرعية هذا العمل
(يتبع)
عدلي طاهر نور
من صور اليوم
فُسْتَانٌ قَصير
للأستاذ علي شرف الدين
باَلَغْتِ في التَّقْصِيرِ ياَ غَانِيَةْ
…
خَلَّي قَصِيرَ الثَّوْبِ لِلْجَارِيةْ
ثَوْبٌ بخيلُ الذَّيلِ تمشِي بِهِ
…
فَرَّارَةٌ مِنْ خدرِهَا نَائِيهْ
كالبائع الجوَّالِ في يومِهَا
…
لم تخلُ من تَجْوَالَهِا ناَحيهْ
وتزرَعُ الأرضَ بريداً سرَى
…
كأَنها في شَعبه ساَعيهْ
رِعايةُ الأطفالِ قد أصبحتْ
…
- فيما تراهُ - عادةً باليهْ
وَتُرْسلُ الضَّحْكاَتِ إنْ أبصرَتْ
…
سيدةً في بيتهاَ طاهيهْ
تَهَشُّ للناسِ وفي بيتهاَ
…
عباسةٌ صخَّابةٌ عاويهْ
تمشي (كَبَلْقيسَ) وقد شمرتْ
…
في القَصْرِ عن سيقانِهاَ العارِيهْ
والجودُ في الثوبِ دليلُ التُّقى
…
وآيةٌ للعفّةِ الواقيهْ
جودي على ثوبك يا هذه
…
جودي له بالفَضْلةِ الباقيهْ
إني - على فقري - كفيلٌ بها
…
رخيصةً - في السعر - أو غاليهْ
مَنْ جاد بالجسم - على قدسه -
…
ما بخلهُ باللبسةِ الفانيهْ؟!
مَنْ جَاوَزَتْ عِشرينَ أولى بها
…
أن تلزمَ المنزِلَ في عافيهْ
يا ربَةَ المنزلِ ما بالهُ
…
تصدّعتْ أركانهُ العاليهْ؟
في البيتِ مُلْكٌ أنتِ في عرشِهِ
…
مَليكةٌ في شَعبها راعيهْ
عُودي إلى خِدْرِكِ واستأنفي
…
سعادةً كانتْ به ماضيهْ
(فالنسرُ) لا ينقضُّ إلا على
…
(حمامةٍ) عن وكرهِاَ نائيه
وإنما يفتكُ ذئبُ الوَرَىِ
…
- في وثبه - بالنجعةِ القاصيهْ
علي شرف الدين
مفارقات
للأستاذ عبد اللطيف النشار
كل ما في (مصر) يدعو للعجب!
…
طالب الطب شغوف بالخطب
والحقوق بتدليل الدُّمَى
…
والزراعي بأخبار الأدب
وبنو الأزهر صاروا ساسةً
…
وبنو الآداب أعداء الكتب
والغواني رائحات غاديات
…
في (عماد الدين) من غير سبب
ورجال الحكم للنرد خلوا
…
وحديث الحكم يقضي في (الكُلُب)
ويد الضيف وما نجحدها
…
تنبع الفضة منها والذهب
والسويسري بآثار اللغى
…
والفرنسي بآثار العرب
وخطونا خطوة واحدة
…
رحمة الله على قبر ابن حرب
عبد اللطيف النشار
البريد الأدبي
كم ذا؟
ما كنت أعلم - حين تفضلت الرسالة بنشر كلمتي الأولى عن (كم ذا) هذه - أني أثير عاصفة يدوي صوتها في آذان هؤلاء القراء الكرام أمثال الأستاذ الكبير (البشبيشي) الذي تناولها بالرد والمناقشة أكبر من مرتين. . . ولا أزال آخذ عليه وعلى غيره أن المناقشة لم تذهب إلى ما نريد. . . وأنهم جنحوا إلى الإعراب والتخريج، وهو مطلب غير مطلوب، وبحث غير مرغوب. . . وقد طلب إلي بعض الأصدقاء أن أحسم النزاع في (كم ذا يكابد عاشق ويلاقي). . . فلم أجد أحسن من هذا الرأي القائل:(إن اللغة العربية - وإن كانت تعتمد على السماع والنقل - لا تحتم استعمال لفظ إلى جانب لفظ، أو كلمة إلى جانب أخرى، اللهم إذا اقتضاها المقام، أو دعت إليها المناسبة. فمثلاً اختص الفعل المضارع بالسين وسوف لأن معناها التنفيس والتسويف. . . وذلك لا يناسبه غير المضارع لوقوعه فيه. فلا نقول سَقُمتُ ولا سوف قام. وعلى هذا فلا مانع من دخول (كم) على (ذا) في التراكيب العربية وسواء لدينا كونها للاستفهام أو الإشارة أو الموصولية أو الزيادة، فإن هذا يرجع إلى الإعراب وهو لا يتأبى شيئاً، ولا يضيق عن تأويل
إبراهيم علي أبو الخشب
1 -
شعر علي بن أبي طالب
أطلعت على مقالات الأستاذ السيد يعقوب بكر في تحقيق شعر علي بن أبي طالب رضى الله عنه، ثم قرأت ما عقب به الأستاذ محمد محمود رضوان (في العدد 469 من مجلة الرسالة وما بعده)
وإن من المصادر الوثيقة التي أوردت ذرواً من شعره كتاب (معجم الشعراء للمرزباني) وفيه زيادات أبيات في بعض القطع التي نشرها الأستاذ يعقوب، واختلاقات في بعض كلماتها، وبيان لرواتها:
قال المرزباني في الصفحة 279: أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. يروى له شعر كثير، منه قوله يوم خيبر لما خرج مرحب يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب
…
شاكي السلاح بطل مجرب
فقال علي رضي الله عنه:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
…
كليث غابات كريه المنظره
وله في رواية سعيد بن المسيب:
أفاطم هاك السيف غير ذميم
…
فلست برعديد ولا بلئيم
لعمري لقد جاهدت في نصر أحمد
…
ومرضاة رب بالعباد عليم
أريد ثواب الله لا شيء غيره
…
ورضوانه في جنة ونعيم
وله:
يا شاهد الله عليَّ فاشهد
…
آمنت بالخالق رب أحمد
يا رب من ضل فإني مهتد
…
يا رب فاجعل في الجنان مقعدي
إلى غير هذا مما أورده المرزباني في معجمه المذكور
2 -
تخطئ
مررت على تصحيح الأب الكرملي للجزء الثاني من (الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي) في مجلة الرسالة، فرأيت فيه (في العدد 474): وفي ص67 (أسكرّجة)، والمشهور أنها بلا ألف في الأول
أقول: أغفل الأب تصحيح ضبط الراء. وفي المعرب للجواليقي: (السُّكُرَّجة بضم السين والكاف وفتح الراء وتشديدها فارسية معربة، وترجمتها: مقرب الخل، وكان بعض أهل اللغة يقول: الصواب أسكرَّجة)
وفي شفاء العليل للخفاجي: (الصواب فتح الراء المشددة)
محمد غسان
تصحيح بيتين
ورد في مقال (أوهام تخلق متاعب) للدكتور زكي مبارك بالعدد السابق من الرسالة بيتان للشاعر صادق رستم
هذا نصهما:
شر البلية إشفاق على فئة
…
لو كنت تؤكل ما عفوا ولا شبعوا
تبيت تبكي لصرف الدهر يفجعهم
…
ولو رأوك على الأعناق ما دمعوا!
أما النص الذي جاء به الشاعر في قصيدته (أخلاق العصر)
بالعدد الثامن من مجلة الثقافة فهو:
رأس الحماقة إشفاق على نفر
…
لو كنت تؤكل ما عفوا ولا شبعوا
تبيت تبكي لصرف الدهر يدهمهم
…
ولو رأوك على الأعناق ما دمعوا!
هذا ومع أن النص الأول لم يحد عن المعنى الذي أراده الشاعر فإن من واجب الكاتب الحرص على أمانة الرواية والنقل مهما بلغت قدرته على توليد الألفاظ وتشقيق الجمل ومهما وصلت خبرته بأوزان الشعر وتفاعله خصوصاً، وإن البيتين المذكورين من الشعر الحديث الذي لم يغبر عليه الزمن، ولم يتقادم به العهد، ولم تختلف فيه الرواة.
محمود محمد حسن
المدرس بمدرسة البلينا الأولية
أغلاط
1 -
كان سيدنا عبيد الله بن عباس جواداً وله قصص في الجود مذكورة في الكتب، وقد ظن كثيرون أن هذا الجواد هو سيدنا عبد الله الراوية المشهورة، وبالرغم من أن الكتب تذكره بصيغة التصغير، فإن بعض الخاصة لا يزالون يعتقدون أن الجواد هو عبد الله. وقد ترجم بعض الكاتبين لسيدنا عبد الله فساق هذه القصص، وجهدت جهدي لإقناع أحد أساتذتي بهذا الخطأ فما استطعت، وادعي أن غاية ما في الأمر أن الاسم ذكر مصغراً، وأخيراً في النوادر لأبي علي العالي فصلاً يذكر فيه أبناء العباس بن عبد المطلب فيقول: وعبد الله الحبر مات بالطائف وعبيد الله الجواد مات بالمدينة (رضي الله عن الجميع) فهو صريح في أنهما شخصان لا واحد ذكر مرة مكبراً ومرة مصغراً
2 -
تعرض المرحوم الرافعي في كتابه (تاريخ الأدب العربي) للهجات العرب، فذكر أن هذيلا تقلب ألف المقصور ياء حين إضافته لياء المتكلم وتكسر ما قبل الياء قال شاعرهم:
سبقوا هوِىَ وأعنقوا لهواهم
…
فتخرموا ولكل جنب مصرع
وضبط هوِىّ بكسر الواو، وما هكذا تنطق هذيل، وإنما ينطقون بفتح الواو فيقولون (هوَىّ). . . قال العلماء: لمّا كان من الحتم كسر ما قبل ياء المتكلم، وهو غير ممكن في هذا، لأن الألف لا تقبل الحركة، قلبت هذيل الألف ياء، إذ الياء أخت الكسرة
فذهب على الرافعي - رحمة الله - إلى ما إليه قصد العلماء، فظن أن الكسرة قبل الياء المشددة لازمة؛ فليصحح ذلك من عنده نسخة من القراء
علي محمد حسن
في (عبقرية محمد)
هذا الكتاب جليل في بابه، زاد مكانة العقاد وسموه في الأدب والتفكير، وقد وقفني منه أمران:
1 -
في ص144 يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يتمثل بشطرات من أبيات يبدل وزنها كلما أمكن تبديله: فكان يقول مثلاً: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود)، لأنها لا تقبل التبديل، ولكنه إذا نطق بقول سحيم عبد بني الحسحاس (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً) قدَّم كلمة الإسلام فقال: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهياً)
2 -
وفي ص145 يورد الحديث هكذا: (كما تكونوا يولّ عليكم)
1 -
وتقسيم ما يتمثل به الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ما يمكن تبديله لم يورد المؤلف ما يؤيده ويقتضيه. والمثال الذي ذكره لما لا يمكن تبديله غير صحيح؛ فإن تبديله ممكن، وقد روى أن الرسول عليه الصلاة والسلام تمثل به هكذا: (ويأتيك من لم تزود بالأخبار. راجع السيرة الحلبية في باب الهجرة إلى المدينة
2 -
والمعروف في رواية الحديث: كما تكونوا يوليّ عليكم. وحذف النون في تكنوا للتخفيف على حد لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لحمل ما المصدرية على أن في نصب الفعل بها، وروى كما تكونون يولي عليكم. راجع الجامع الصغير، والمغني قبيل ختامه والسلام.
محمد النجار
من صميم الواقع
الحياة على المسرح تجري حارة في أوصال مضحكاته ومبكياته، رغم أنها فِكَرٌ مركزة، وصور مصغرة لما يجري في دنيانا، فماذا بنا إذن لو شاهدناها حقيقة واقعة على مسرح الحياة؟
إنها لمأساة وأية مأساة!!
هو اجتماعي زعيم نبض قلبه بحب الناس فوقف عليهم العمر دائباً يشتغل بحل عقدهم، فكم أنجى وأشقى. كان رحمة لم تحرمها أسرةٌ. أرشد وهدى، وهو في شغله وكدحه راض لسعيه، لا يطمع في غير جزاء الله الحسن، لكن الله اختار له سعادة الآخرة لا الأولى، فقاسى في حياته ما قاسى، مما يذيب النفس أسًى عليه وإشفاقاً. سيق سَوقاً إلى جحيم الحب فاكتوى بِحَرهَّ
لَبى نداء زوجته وراح ينقذ أختها. كانت تصغرها، وكان لها خطيب منذ صغرها شَبَّ فاجراً فسَّاقاً، وراح ينفق على قانصته من بنات الهوى باليمين وبالشمال. لكن أمَّهُ التي هي أصل جاهه ومصدر ثرائه، تريد خطيبة الصغر له زوجاً، وهو إن خالف أمه، فقد المالَ الذي من أجله يحُب، ومن أجله يحُترم. وإذ شكا الأمر إلى رفيقته الفاجرة، خشيت أن يفلت منها ذلك الصيد الثمين، فكادت ودبرت، وعمل هو بكيدها، فأقنع أمه بما جعلها هي نفسها ترجع عن تحقيق ذلك الزواج
لقد استغلا رقة عود تلك الخطيبة البريئة، وأشاعا عنها أنها مريضة بذلك المرض الذي تنفر الدنيا ممن يصاب به. . . السل. . . حرمت المسكينة إذن كل خطيب وفقدت الثقة بنفسها كانسان صحيح. وفقدان الثقة فيما يتعلق بهذين الأمرين هو اصل عقدة نفسها، واصل توهمها أنها مريضة، ذلك التوهم الذي خلق بالفعل علَّتَها.
لجأت الأخت الكبرى في ذلك إلى زوجها الإنساني الرحيم، مستنجدة متوسلة، عسى أن يفعل شيئاً لإنقاذ أختها البائسة التي تذوي سريعاً قبل أن يكمل ازدهارها. وعقدتها مزدوجة، وعلتها مشتركة. فحرمانها من الرجل في المرتبة الأولى وإن كان في تتابع الحوادث في المرتبة الثانية. لقد أرهقها فأضناها وهي الرقيقة التي لا تحتمل الضنى. أرهقها، فأعلها، بما ساعد على انتشار الإشاعة الخبيثة وزكاها. فالرجل داؤها، والرجل لا غير دواؤها.
المرأة كالعود الرطب، يينع وينضر ويفرع إذا ما تُعِهد فُغذَّى ورُوَّى بالأمل، وساقي ذلك
الأمل هو الرجل، يسكبه في عبارات التقدير والإعجاب، ويفيضه من عيون البث والوجدان، فمن لهذه العطشى بساق يُرويَى، فيجري الحياة ويُحيي الموات؟!
شاء القدر ألا يكون غير الزوج الوفي، والمصلح الاجتماعي، فأقنعته زوجته بأن يمثل دور العاشق مع أختها
راح يقوم بدوره بإخلاص وبراءة. ومرت الأيام على تلك الحال، فما أعجب ما حدث للأختين! تعافت الصغرى، فاعتلت الكبرى! أجل. إن رشفة الحب الأولى حلوة ومسعدة، وجرعة الغيرة الأولى مرة ومجهدة. . .
وفي أثناء ذلك، كان يرنو القدر إلى ذلك المخلوق المُسَيَّر إلى هاوية شقائه، رُنوَّ طفل على فمه ابتسامة درجت معه تنمو ما نما، وتكبر ما كبر، وتشيب ما شاب، فإذا ما أخضرت على الشجرة ورقة، واصفرت أخرى، ونضج الثمر الشهي، وحان القطاف، خرجت البسمة العجوز عن صمتها، وأرسلها الكهل الرهيب قهقهة ساخرة مدوية، أثارت عاصفة هوجاء، وزعزعا نكباء، زلزلت في شبوبها أسس السعادة، فلم تبق ولم تذر غير مجد في الأثر
ناء الجسد بحمل ذلك القلب الكبير، وماد بذلك الصراع الجبار بين العاطفة والواجب، ففزع إلى أمه الأرض فاحتضنته
مات. . . لكنه عاش مجسداً في كل أثر من آثاره الطيبة، وعمل من أعماله الجليلة. عاش مخلداً في قلوب الناس وأفواههم يجتمعون كل عام حول نصبه التذكاري الذي أقاموه له، يتغنون بحمده والثناء عليه، وتتصاعد الأنغام تترى مستبقة إلى تمثاله العالي، فإذا ما بلغت مواطئ قدميه، ارتمت ركعاً سجداً.
عباس يونس
بين الفلسفة اليونانية والأدب اليوناني
ورد في مقال الأستاذ خليل هنداوي وهو يبحث الصلات الفنية اليونانية في قصيدة شاعر الحب والجمال (علي محمود طه) صاحب ملحمة (أرواح وأشباح) نص هذا الاقتراح:
(أكان خيراً للعرب تناولهم الفلسفة اليونانية كما فعلوا، أم أن يتناولوا الأدب اليوناني والفن اليوناني؟
1 -
ما هي الفوائد التي اجتناها العرب من الفلسفة اليونانية؟
2 -
ما هي الفوائد التي كان بإمكان الأدب العربي أن يجنيها لو انكب على الأدب اليوناني وفنه؟
3 -
أية فوائد ترجع للعرب؟
والمجلة تحمل هذا الاقتراح على أدباء الشباب ليتناولوه بالبحث والدرس، ومجلة (الحديث) الحلبية تمنح جائزة أدبية لأحسن مقال يعرض لهذا الموضوع عرضاً شاملاً.