المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 491 - بتاريخ: 30 - 11 - 1942 - مجلة الرسالة - جـ ٤٩١

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 491

- بتاريخ: 30 - 11 - 1942

ص: -1

‌إن هي إلا أسماء

للأستاذ عباس محمود العقاد

في ليالي القمر، وفيما بين الخريف والشتاء، ليس أجمل ولا أروع من مشية طويلة في صحراء (ألماظة) أو ما يليها من الطرق المعبدة بين الحدائق والرمال

هاتيك ليالٍ تسبح في بحار من سحر النور وسحر الصحارى وسحر التاريخ، بل النبوة إن صح ما قيل معززاً بالأسانيد أن موسى عليه السلام تلقى العلم هو وبنتاءور ونخبة من الحكماء والعظماء بجامعة (أون) في هذا الجوار، على أزمنة مختلفات

وما أذكر أنني مشيت في هذه الطرقات مع أحد إلا سألني: على اسم مَن من العظيمات أو الجميلات سميت هذه الصحراء بالماظة؟ وما معنى كلمة الكربة أو القربة أو القربى التي يطلقها الناس على الطريق المؤدي إليها من غير طريق قصر البارون؟

ومجال التخيل أو مجال العبث هنا فسيح

أما مجال الصدق والتحقيق فهو لا يتسع لأكثر من سطور: ألماظة هي (المجزا) أو الـ بالإيطالية ترجمة للمخزن بالعربية، والكربة أو القربى كما يكتبها بعضهم هي الـ بالإيطالية ومعناها (المتحني) أو المتعرج كما يترجمها زميلنا (المرصفي) رحمه الله لو سئل فيها

وقد نعلم أن بعض المهندسين والمفتشين في ترام مصر الجديدة كانوا عند نشأتها من الطليان، وكانوا يتحدثون عن المخزن فيقولون (المجزا) وينطقها العمال بعدهم (المازا) أو ألماظة على سبيل التصحيح، وخير من ذلك أن يقال على سبيل التغليط!

وكانوا إذا ذكروا المحطة الأخيرة قبل مدخل ألماظة ذكروا (الكرفا) أو موضع الانحناء فينطقها العمال بعدهم (الكربة) ويعربها بعضهم (بالقربى) على سبيل الحذلقة أو التحريف

فهذا هو الجد في أصل (ألماظة) و (الكربة) في غير تخيل ولا عبث ولا اختراع

أما مجال التخيل والعبث فكما قلنا فسيح، وكما يستطيع كل مخترع أن يخترع باب على صحراء!

ونحن نعرف الذين يسألون فيجيبون ولا يسكتون، ونعرف الذين يخلقون الأسماء أو يخلقون القصص والتواريخ حول الأسماء، فلو سئل واحد من هؤلاء: ما ألماظة؟ ومن هي رحمها

ص: 1

الله؟ أو سئل: ما القربى؟ ومن أي شيء تقترب بإذن الله؟ فماذا تراه يقول؟ وأي قصة لا يجوز أن تتألف وتتضخم في جواب هذا السؤال، وتفسير معنى الاسمين العجيبين وما فيهما من الشعر ما يغري بالاختراع؟

لقد رأينا كيف اخترعت قصة (أنس الوجود والورد في الأكمام) حول قصر مهجور بجزيرة (فيلة) عند الشلال؟ ورأينا أن القصر أصبح معقلاً مبنياً لفتاة يعشقها فتى مفتون بها يتعقبها من وراء البحار والأنهار والجبال والرمال؟ ولمن يبنى مثل هذا القصر إن لم يبن لبنت وزير؟ ولماذا يبنى إلا للحيلولة بين عاشقين؟ ذلك أمر معقول أدنى إلى العقل من التاريخ، ولهذا غلب اسم أنس الوجود على القصر حتى عرف به في الكتب وضاع بين الألسنة والأسماع ذلك الاسم الذي يسميه به المؤرخون

قال الراوي: أما ألماظة والقربى وقصر البارون فلها حديث عجاب، ونبأ مستطاب، يدهش الألباب، وتتحلى به الصحيفة والكتاب.

فالأصل في ألماظة (ألماسة) على التحقيق، لأنها كانت جوهرة مكنونة تحاط بالظلمات والسدود، ويقام من حولها الحراس والأجناد

وكانت (ألماسة) هذه جوهرة موموقة على سبيل المجاز، وفتاة معشوقة على سبيل الحقيقة التي يعلمها الراسخون. حجبوها لأنهم عشقوها فتعقبوها، وحاروا كيف يخفونها ويكتمون سرها لأن الذين تعقبوها كانوا ينفذون إلى كل سر ويحيطون بكل مكان. . . بنت وزير ولابد أن تكون حتى يستطاع نقلها من سهل إلى جبل ومن بحر إلى بر ومن بستان إلى صحراء، وابن أمير لابد أن يكون ذلك الذي هام بها وتعقبها حتى يستطيع أن يخيف الوزير على فتاته ويستطيع فوق هذا أن يهتدي إليها حيثما ضلله المضللون، وأن يطمع في اغتصابها ولو حماها منه الكماة المستبسلون

عرفنا السر إذن ووضعنا أيدينا على مفتاحه المكنون، ولم يبق إلا أن نتعقب المتعقبين إلى حيث يفلحون أو يخفقون

قال الراوي: وخرج الأمير الصغير يتنسم الأخبار، ويجوب الأقطار، ويتقلب بين الجزر والبحار، فوقف على كل جزيرة، ومخر في كل بحر، وسأل كل راكب، وتحير عند كل طريق؛ إلى أن أراد الله اللقاء، وأذن بانقضاء الفرقة والجفاء. فوقع المحب الوامق على

ص: 2

المسئول الذي يجيب عن كل سؤال، لأنه ساحر يضرب الرمل ويعرف طريق الرمال

قال له يا بني، إن نجم صاحبتك في الرمل وليس في الماء، فاخرج إلى صحراء مصر بعيداً من بحر القلزم وبعيداً من بحر الروم، وعلى ملتقى الخطين من هذين البحرين، وامش كذا مئات من الخطوات، واتل كذا صفحات من الرقى والتعاويذ، وأدن إلى قصر شامخ وصرح باذخ، فاحمد الله على بلوغ المراد، وانحر هناك الجزور للقصاد والوراد، ولكن حذار أن يخدعوك، وإياك إياك أن يسترجعوك، فإنك إن دخلت القصر الشامخ وجدته خواء لا أنيس فيه، فزعمت أنهم كانوا فيه ثم تركوه ينعي من بناه، ونكصت على أعقابك وأنت على مدى لحظات من ديار الحبيب الموعود

حذار يا بني أن يخدعوك، وإياك إياك أن يسترجعوك

فإذا بلغت تلك القصور، فلا تقف عندها إلا ريثما تنحر الجزور، وتنصب القدور، وتطلق البخور، وتشكر ربك الشكور، ثم دع القصر المعمور، واضرب في الخلاء المهجور، فهنالك تنحني وتدور، وعند المنحنى تستقبل مطالع النور، ومنازل البدور، وتنادي يا ألماسة يا ألماسة فينكشف المستور، وينفتح ما وراء السور، ولي منك البشارة يوم تقام الأعراس ويشدو في الحي قمري السرور، وبشير الحبور

قال الراوي، فلما جاوز القصر، وانحنى إلى القفر، صاح وا فرحاه! وا طرباه. . . دنت القربى والحمد لله!

وكان وراءه مسجل الأسماء الذي حضر كل تسمية في الأرض والسماء، فقال: هذا هو حي (القربى). . . فسمع الناس الدعاء، وكانت (الكربة) على منعرج الصحراء!

قصة أين منها قصة أنس الوجود والورد في الأكمام؟ وأين التوفيق بين ألماظة والقصر الهندي بصحراء مصر الجديدة، من التوفيق بين أنس الوجود ومعابد البطالة بجزيرة الشلال؟

في ليلة من ليالي القمر الماضي كنت أتمشى مع صاحب يُستحب الحديث معه على مقربة من تلك الصحراء، فبدر السؤال الذي بدر قبل الآن عشرات المرات، وكنت أستطيع الإيجاز فأروي لصاحبي قصة (المجزا) و (الكرفا) في كلمتين معجلتين، وأستطيع الإطالة فأنسج له رواية مسهبة تطول وتطول، ثم تعاد فتجر من ورائها الذيول. فآثرت الإطالة

ص: 3

على الإيجاز، وأفضت في الاختراع والتلفيق على نحو يجمع بين التاريخ والرواية، وذكرت السنوات وسميت الأسماء وأصحبت الحديث بالتعليق، الذي ينوب عن (التأثر) والتصفيق، وانتهيت من القصة كأنني أشكك فيها، وألقي التبعة على ناقلها وحاكيها، فكان شكي مدعاة لقبولها، والجنوح إلى تصديقها، والنفرة من مكذبيها، ثم انتهت الإطالة إلى مداها، فأردت أن أصلها بإيجاز من غير لحمتها وسداها، فلا يسألني القارئ عن الخيبة التي قوبلت بها الحقيقة الواقعة، فلعلها كانت ابلغ من الحماسة التي قوبل بها التلفيق والاختراع، ولا يعجبني كراهة المخزن والكرفا فإنها لن تروق القلوب الفتية كما تروقها ألماسة والقربى، وهكذا معظم الحقائق ومعظم الأوهام ومعظم الأسماع ومعظم العقول

وكم للحق من وحشة! وكم للوهم من حظوة! وكم من الناس يأبون أن يصدقوا ما يرون ويسمعون لأن صدق الحياة أليم، فإذا هم يصدقون من يحجبون الصدق عنهم لأنه حجاب مزخرف وثير

وعدنا في الطريق فإذا نحن على مقربة من مسجد يتوسط بين القصر والمنحنى، فعاد صاحبي يقول وكأنه ينتقم مني بما يقول: وأظن هاهنا كان موضع الجذور والقدور، ومقام الصلاة من ذلك المحب الشكور!

قلت: مرحى! مرحى! فهكذا قال الراوي ونسيت، وهكذا يفيد التعليم في السامع النجيب!

يقول شكسبير: وماذا في اسم؟

كثير يا شكسبير!

عباس محمود العقاد

ص: 4

‌السوقية في الأدب

للدكتور عبد الوهاب عزام

قرأت مقال الأستاذ الزيات الذي عنوانه (دفاع عن البلاغة)، فوقع في نفسي على القبول والاستحسان، وألفيته ترجماناً عن معان ترددت في نفسي ورددها لساني، وذكرني بحديث تحدثت به في دمشق في دار الأستاذ الصديق العلامة محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي

أذكر أني جلست والأستاذ مرة فأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، وأفضنا في أمور شتى حتى دفعنا في الكلام عن الأدب وما عرض له من آفات، وما حاق به من مساوئ الاتجار، ومسايرة الآلات الحديثة عجلة واندفاعاً، ومن تملق الجمهور بالإسفاف إليه، والتيسير عليه، وإمتاعه وتلهيته بما يلائم القراءة العجلى والنظرة السريعة، وقد أجملت هذا كله في كلمة، فقلت:(قد غلبت السوقية على الأدب) قال الأستاذ: أصبت المحز بهذه الكلمة، وأحسنت التعبير عما يسميه الفرنسيون:

وبيان هذا أن الآلات الحديثة يسرت الصناعة، وعممتها، وزوقتها، ولبست الجيد الثمين والرديء الرخيص في بعض المظاهر. فطمح كل في اقتناء الأمتعة التي كان لا يطمع فيها إلا الأغنياء، وطمع الفقراء في منافسة الأثرياء بأمتعة تقارب أمتعتهم أو تشبهها شكلا ولوناً، وقابل الصناع والتجار هذا الطموح وذاك الطمع بما يسده من بضاعة مزيفة مزينة خداعة، وكسدت الصناعات اليدوية الجيدة التي تكلف الصانع عمل الأشهر أو السنين، وأعرض الناس عنها مشفقين من تكاليفها. فمن لم يملك ثمن الحرير الطبيعي أو لم تسخ يده به عمد إلى الحرير الصناعي، ومن لم يستطع اقتناء الذهب اقتنى المذهب أو المموه. ومن لم يتسع ماله لاشتراء الماس اشترى ما يشبه الماس، ومن لم يقدر على اللؤلؤ البحري لجأ إلى اللؤلؤ الصناعي، وهلم جرا. فشاع بين الناس الصناعي إلى جانب الطبيعي، والمقلد إلى جانب الأصلي، والسوقي إلى جانب المتصنع، والزيوف إلى جانب الجود، والبهرج بجانب الصحيح

والعلم على هذا القياس، فقد تولت الحكومات التعليم فيما تولت، فحددت زمانه ومكانه وموضوعه ودرجاته، وخطت الخطط لتعميمه، وجعلت له شهادات تشهد لصاحبها بالعلم

ص: 5

وعلى من لا يحملها بالجهل، وحشر إلى دور العلم الراغب والكاره والأهل وغير الأهل، ووجه الأحداث الوجهة التي يريدها العرف أو النظام أو الضرورة لا التي تميل إليها نفسه، وتختارها مواهبه. وجرف التيار الناس، فصارت المدارس مصانع تصنع التلاميذ على قوالب متماثلة أو متشابهة، أو مطابع تخرج آلاف النسخ من كتاب واحد، وتقدم أصحاب الشهادات إلى الأعمال كما تعرض السلع في الأسواق

قال بعض السامعين: أليس نشر العلم وتعميمه خيرا للناس؟ قلت لا ريب إنه خير ولكن معه شرا هو الذي حدثتك عنه. ولست أبغي الآن أن أفيض في هذا الداء وأدويته ولكن ساقنا إليه الحديث في الأدب

قال أحد الأصحاب وهو الحديث الذي بدأناه ثم حدنا عنه فلم نعد إليه

قلت: والأدب على هذا النسق. الجرائد والمجلات والكتب شاعت وانتشرت، وصار الكاتب بهذه الوسائل الحديثة السريعة يعرض على الناس ما يكتب وكأنه ماثل أمامهم يحدثهم به أو يخطب فيهم. فهو يسايرهم مسايرة المحدث أو الخطيب، ويلقاهم كل يوم على صفحات الصحف، يلتمس رأيهم فيما كتب، ويتعرف موقعه من نفوسهم. وكلما أرضى الكاتب جمهرة القراء سمع ثناءهم عليه وإكبارهم إياه فحرص على هذا الرضا رغبة في علو المكانة وبعد الصيت. واضطر إلى أن يسف إليهم دون أن يرفعهم إليه، وأن يجاريهم دون أن يصدهم عما يشتهون، وأن يلاينهم دون أن يحملهم على ما يكرهون أو يكبحهم عما يهوون، وأن يلهيهم ويضحكهم لا يشق عليهم ولا يسومهم عناء. فكأن الكاتب تاجر وكأن كتابته سلع في الأسواق أيضاً. والتاجر يلتمس لكل سوق ما يروج فيها. والرديء الرائج خير له من الجيد الكاسد.

ووراء هذا أصحاب الصحف والمكتبات والمطابع يبغون الربح في تجارتهم، والربح على قدر إقبال الجمهور على ما يخرجون، وإقبال الجمهور على قدر هواه ومتعته ولهوه. فالكاتب الذي يرضي الجمهور ويمتعه ويلهيه أقرب إلى أصحاب الصحف والمكتبات والمطابع، يبذلون له المال، ويسارعون إلى نشر ما يريد. على حين يجفون الكاتب المبدع الذي يحمل الناس على المكره، ويقودهم على الطريقة التي فيها صلاحهم وإن نفروا عنها نفور المريض من الأدوية الكريهة.

ص: 6

قال صاحبي الملول: وما وراء هذا؟ قلت: وراءه ما زعمته أول الحديث من غلبة السوقية في الأدب؛ فقد صار بضاعة في السوق أو تلهية في الملاهي، أروجها أقربها إلى عقول الناس، وطباعهم وإن تفهت وحقرت، وانتهت بهم إلى المهالك. وأكسدها ما علا عن إدراك العامة وأشباه العامة، وما اقتضى فهمه عقلاً وعلماً وضاق عن الجمهور ووسع الخاصة وحدهم. فمن شاء مالاً ورواجاً وصيتاً ومكانة عند العديد الأكثر فليطلع على الناس كل يوم بقصة أو نادرة أو ملهاة مما يقرأ في القطار والترام وحين انتظارهما؛ وليتجنب الموضوعات التي تحوج القارئ إلى الجد والكد، والألفاظ التي تحتاج إلى علم باللغة واسع، والأساليب التي تقتضي التمهل والتأمل لإدراك ما فيها من جودة وبراعة وجمال.

ومن ابتغى إصلاح الجمهور وتهذيبه وتعليمه وشاء الخير العام للناس، ورغب في الحقيقة والجمال لا يبالي أين يقعان من نفوس الدهماء فلا يتعجلن المكانة والصيت والمال وليكتب ابتغاء مرضاة الله، وليدع إلى الخطة الرشيدة، وليسم إلى مستوى الحق والخير والجمال، وليبلغ ما يوحي إليه ربه، ويهدي إليه قلبه. وإن طمع في المكانة وحسن الأحدوثة فليعلم إنه منته إليهما لا محالة؛ ولن يضيع الخير والحق والإجادة والإتقان على مر الزمان، ولن يذهب العرف بين الله والناس.

فإن سأل سائل: أتريد الناس كلهم على قراءة الأدب الرفيع والفلسفة العالية؟ قلت لا لا، بل أريد ألا تتحكم السوقة في الأفكار والأقلام، وألا يطغى الرواج على الجودة. أريد أن يؤدي الكاتب أمانته، ويبين عقيدته، غير حاسب حساب السوق، وليكن بعد هذا في الكتابة ما يلائم العامة وما يلائم الخاصة، وما يجمع بينهما. أريد أن يعلو الكاتب ما مكنه طبعه، وأن يدق ما شاء له فنه، لا يعنيه إلا أن يؤدي واجبه على الوجه الأكمل. وكذلك أريد أن ينزل الكاتب الآخر كما يريد طبعه، وأن يسهل ويدنو كما يشاء فنه. لكل وجهة، ولكل مجال، ولكل قراء. وإذا صدق كل كاتب نفسه، وأخلص لعمله، فرقت الكتاب المعارف والطبائع؛ فعلا جماعة وهبط آخرون، وبعد كاتب وقرب آخر، وكانت ضروب الكتابة معربة عن ثقافة الأمة وأذواقها، ملاقية أصناف الناس بما يسد حاجاتهم، ووجد الناس الصعب والسهل، والبعيد والداني، والغالي والرخيص، كلاً في بيئته وفي مظانه. لا أدعو إلى أن يصير الأدباء فناً واحداً في البيان وأسلوباً عالياً في الكتابة، ولكن أخشى أن تذهب السرعة

ص: 7

بالإتقان، وتطغى التجارة على الإحسان، ويمتحن الكتاب حتى يروا حسناً ما ليس بالحسن، ويجرفهم السيل فيتجهوا حيث يريد الناس لا حيث يريدون، وينتقل الزمام من يد القائد إلى يد المقود، ويسير الإمام خلف المأموم، فتنبهم الغايات، وتلتبس الطرق، وتشتبه الأعلام. وما ظنك بجماعة تسير على غير سبيل إلى غير غاية؟

عبد الوهاب عزام

ص: 8

‌مسابقة الأدب العربي لطلبة السنة التوجيهية

2 -

الشوقيات

للدكتور زكي مبارك

مصاير الأيام - قصائد سورية - قصائد لبنانية - مصرع

شوقي - شعور شوقي بالوجود - بين أحمد شوقي وحافظ

إبراهيم

مصاير الأيام

هذا عنوان قصيدة صور بها شوقي صروف الحياة من عهد الطفولة إلى عهد المشيب. . . ابتدأ الشاعر بحياة الطفل في (المكتب)، والمكتب كلمة جديدة يراد بها المدرسة الأولية، وهي كذلك في عرف وزارة المعارف، فهي تقول المكاتب العامة بعد أن كانت تقول المدارس الأولية. وكان العرف المدرسي قبل سنين يعمم كلمة المكتب بحيث تشمل حجرة الدرس، ولو كانت في مدرسة عالية

وشوقي في هذه القصيدة يتمثل حياة الأطفال، ويحسها أصدق إحساس

ألَا حبذا صحبةُ المكتبِ

وأحبِبْ بأيامها أحبِبِ

ويا حبذا صِبْيةٌ يلعبون

عِنانُ الحياة عليهم صَبي

كأنهم بَسَمات الحياة

وأنفاس ريحانها الطيّب

وعبارة (عِنان الحياة عليهم صَبِي) عبارة طريفة، والمراد بصبا العنان هو الرقة واللين

ثم يلتفت الشاعر فيرى أن الأطفال لا يفرحون بالمكتب كل الفرح، ولا يرتاحون إليه كل الارتياح، وكيف والأمر كما قال:

يُراح ويُغدَى بهم كالقطيع

على مشرق الشمس والمغربِ

إلى مرتعٍ ألِفُوا غيره

وراعٍ غريب العصا أجنبي

وهذان البيتان من أروع ما صورت به حياة الأطفال في رعاية المعلمين!

وصور اختلاف قواهم باختلاف أسنانهم فقال:

ص: 9

فراخٌ بأيكٍ فمن ناهضٍ

يروض الجناح ومن أزغب

وصور غفلتهم عن المصير المرتقب فقال:

مقاعدهم من جَناح الزمان

وما علموا خَطَر المركب

وقد جاد الوحي على شوقي ببيتين في غاية من العذوبة والصدق، أما البيت الأول فهو قوله في تلوين حيوية الأطفال:

عصافير عند تهجّي الدروس

مهارٌ عرابيد في الملعبِ

وأما البيت الثاني فهو قوله في اختلاف الإحساس باختلاف أوقات الجرس:

لهم جرَسٌ مُطربٌ في السراح

وليس إذا جدَّ بالمطربِ

وهل ينسى المدرسون لا التلاميذ أن جرس الانصراف محبوب الرنين، وأن جرس الدرس بغيض الضجيج؟

وأذكر من باب الفكاهة أني كنت أشرح لأحد نظار المدارس قيمة الطرافة في هذا البيت فقال: إن شوقي نسي جرس الغداء! ثم قال شوقي:

جنون الحداثة من حولهم

تضيق به سَعةُ المذهب

عدا فاستبدّ بعقل الصبيّ

وأعدى المؤدب حتى صبى

والغرض قد التوى على شوقي في هذين البيتين بعض الالتواء، لأنه ساوى بين الجنونين: جنون الأطفال وجنون المعلمين

وأخطأ شوقي في اختيار كلمة (المؤدب)، والصواب أن يقول (المعلم). فهناك فرق بين التأديب والتعليم، فالتأديب هو التثقيف، والتعليم هو الترتيب. وفي كلام الجاحظ عبارة تفصح عن الفرق بين المؤدب والمعلم، وتدل بوضوح على أن المؤدبين أكبر من المعلمين

ثم نقل شوقي تلاميذه من المكتب إلى المدرسة ثم إلى الحياة فقال:

فيا ويحهم! هل أحسوا الحياة

لقد لعبوا وهي لم تلعب

تجرب فيهم وما يعلمون

كتجربة الطب في الأرنب

سقتهم بسم جرى في الأصول

وروَّى الفروع ولم ينضب

ودارَ الزمان فدال الصِّبا

وشب الصغار عن المكتب

وجدَّ الطِّلاب وكدَّ الشبا

ب وأوغل في الصعب فالأصعب

ص: 10

وعادتْ نواعمُ أيامه

سنينَ من الدأَب المنصِب

وعُذِّبَ بالعلم طُلابهُ

وغصُّوا بمنهله الأعذَب

والمجال يضيق عن تشريح هذه القصيدة، القصيدة التي قال فيها شوقي:

وكم منجب في تَلقي الدروس

تَلَقّى الحياةَ فلم يُنجبِ

فأرجو أن يلتفت إليها المتسابقون، لأنها من غرو الشوقيات

قصائد سورية

في المقال السالف نصصنا على السر في اهتمام شوقي بأخبار سورية ولبنان، فلنذكر اليوم أن الشعر تحدث عن سورية في قصائد جياد، منها القصيدة التي تحدث فيها عن الشهداء في سبيل الاستقلال:

بني سوريةَ التئموا ليومٍ

خرجتم تطلبون به النزالا

سلوا الحرية الزهراء عنا

وعنكم هل أذاقتنا الوصالا

وهل نِلنا كلانا اليومَ إلا

عراقيب المواعد والمطالا

عرفتم مهرها فمهرتموها

دماً صَبَغ السباسب والدغالا

وقمتم دونها حتى خضبتم

هوادجها الشريفة والحجالا

دعُوا في الناس مفتوناُ جباناً

يقول: الحرب قد كانت وبالا

أيطلب حقهم بالروح قومٌ

فتسمع قائلاً ركبوا الضلالا

ومنها القصيدة الأموية، وقد أشرنا إليها في المقالة الماضية. ومنها القصيد الذي لا يطاوله قصيد، فما نظم شاعر أروع مما نظم شوقي في (نكبة دمشق)، ولا ارتاع شاعر كما ارتاع شوقي لنكبة دمشق:

لحاها الله أنباءً توالتْ

على سمع الوليِّ بما يَشُقُّ

يفصِّلها إلى الدنيا بريدٌ

ويجملها إلى الآفاقِ بَرقُ

تكاد لروعة الأحداث فيها

تخال من الخرافة وهي صدق

وقيل معالم التاريخ دُكَّتْ

وقيل أصابها تَلفٌ وحَرْق

ألستِ دمشق للإسلام ظئراً

ومرضعةُ الأبوَّة لا تُعَق

وفي هذه القصيدة يقول شوقي في وصف ما صنعت النكبة بنساء دمشق:

ص: 11

بَرزْنَ في نواحي الأيك نارٌ

وخَلْفَ الأيك أفراخ تُزقُّ

إذا رمنَ السلامةَ من طريقٍ

أتتْ من دونه للموتِ طُرْق

بليل للقذائفِ والمنايا

وراء سمائه خطفٌ وصعْق

إذا عَصَف الحديد احمرَّ أُفقٌ

على جَنَباتِهِ واسودَّ أُفق

ثم توحي إليه ملائكة الشعر أن يقول:

بني سورية اطّرحوا الأماني

وألقوا عنكم الأحلامَ ألقُوا

فمن خِدَع السياسة أن تُغَرُّوا

بألقاب الإمارة وهي رِقُّ

وكم صَيَدٍ بدا لك من ذليل

كما مالتْ من المصلوب عُنْق

نصحت ونحن مختلفون داراً

ولكن كلنا في الهمِّ شرق

ويجمعنا إذا اختلفتْ بلادٌ

بيانٌ غيرُ مختلف ونُطْق

وقفتم بين موتٍ أو حياةٍ

فإن رمتم نعيم الدهر فاشقُوا

ومن يسقى ويشرب بالمنايا

إذا الأحرار لم يُسقَوا ويَسقُوا

ففي القَتْلى لأجيالٍ حياةٌ

وفي الأسرى فدًى لهم وعتق

وللحرية الحمراء بابٌ

بكل يَدٍ مضرَّجة يُدقُّ

هل يحتاج هذا الشعر إلى شرح؟ هيهات!

قصائد لبنانية

المذاق يختلف بعض الاختلاف أو كل الاختلاف بين قصائد شوقي السورية وقصائده اللبنانية، فهو في الشام يعاني نارين: الذكريات للأمجاد الأموية، ونار الحقد على الاستعمار الفرنسي، وقد جاهده السوريون أصدق الجهاد، وعانوا في دفعه مكاره لا تطاق

ولا كذلك حال شوقي في لبنان، فهو هنالك شاعر يصدح فوق أفنان الجمال، ولا يرى ما يسوءه من الاضطهاد، لأن الظواهر كانت تزعم أن الفرنسيين واللبنانيين على وفاق

كان لبنان لعهد زيارات شوقي وطن الشعر والجمال والأمان والرخاء. وكان اللبنانيون على فطرتهم الأصيلة من الترحيب الصادق بكل من يزور وطنهم الجميل، فأنس بهم شوقي كل الأنس، واطمأن إليهم كل الاطمئنان

أيام شوقي في سورية كانت أيام جهاد، أما أيامه في لبنان فكانت أيام شهاد

ص: 12

كان شوقي يكره أن يقول إن شبابه إلى أفول، وإن جاوز الستين، ثم شاء شيطانه أن ينقله إلى (زحلة) وطن الرحيق، ومعه المحامي فكري أباظة والموسيقار محمد عبد الوهاب. وفي لحظة من لحظات الصراع بين العيون والقلوب هان عليه أن يبكي الشباب الذاهب فيقول:

شيعتُ أحلامي بقلبٍ باكِ

ولممت من طُرُق الملاح شباكي

ورجعتُ أدراجَ الشباب ووَردهُ

أمشي مكانهما على الأشواك

وبجانبي واهٍ كأن خفوقه

لما تلفت جهشة المتباكي

شاكي السلاح إذا خلا بضلوعه

فإذا أهيبَ به فليس بشاكي

قد راعه أني طويت حبائلي

من بَعد طول تناولٍ وفكاك

ويح ابن جنبي، كل غاية لذة

بعد الشباب عزيزة الإدراك

لم تبق منا يا فؤاد بقية

لفتوّة أو فضلةٌ لِعراك

كنا إذا صَفقتَ نستبقُ الهوى

ونَشُدّ شدَّ العُصبة الفُتّاك

واليومَ تبعثُ في حين تهزّني

ما يبعث الناقوس في النُّسّاك

وكان الرأي أن تُلقى هذه القصيدة في حفلة أعدها أهل زحلة لتكريم شوقي، وكان الأستاذ فكري أباظة هو الأثير عند شوقي حينذاك في إلقاء شعره البليغ، فاعترض الموسيقار عبد الوهاب قائلاً إن هذه القصيدة للغناء، وليست للإلقاء، ثم صدح بصوته الرنان:

يا جارة الوادي طربت وعادني

ما يشبه الأحلام من ذكراك

مثّلتُ في الذكرى هواك وفي الكرى

والذكريات صدى السنين الحاكي

لم أدر ما طيبُ العناق على الهوى

حتى ترفّقَ ساعدي فطواك

لا أمس من عمر الزمان ولا غدٌ

جُمِع الزمان فكان يوم لقاك

وفي هذه القصيدة يقول شوقي على عادته في التخوف من محجب الغيوب:

لبنان ردَّتني إليك من النوى

أقدار سير للحياة دِرَاكِ

نمشي عليها فوق كل فجاءةٍ

كالطير فوق مكامن الإشراك

مصرع شوقي

في مكتبة الدكتور طه بك حسين ظرف مختوم كتب عليه: (مصرع شوقي) فما الذي يحتويه ذلك الظرف المختوم؟

ص: 13

في إحدى العصريات من صيف سنة 1925 أو سنة 1926 حدثني الدكتور طه حسين أن شوقي أسفّ أبشع الإسفاف بقصيدة نشرتها جريدة المقطم عن هوى شوقي في لبنان

وأعترف أني كنت أرى ما يرى الدكتور طه في تلك القصيدة يومذاك، فقد نشرت في المقطم على أسوأ حال من التحريف

ثم دارت الأيام وعرفنا إنها أجود مما كنا نتوهم، وأنها في كل خاطر وعلى كل لسان في لبنان

ثم دارت الأيام مرة ثانية فعرفنا أن الأريحية اللبنانية سمحت بأن يكثر من يقولون إن شوقي عناهم بذلك القصيد، القصيد الذي يهتف:

وأغرَّ أكحلَ من مَها (بكْفَّية)

عَلِقَتْ محاجرُه دمى وعَلِقْتُه

لُبنانُ دارتُهُ وفيه كِناسهُ

بين القنا الخطاّر خُطّ نَحيتُهُ

السلسبيلُ من الجداول وِردهُ

والآسُ من خُضْر الخمائل قوتُه

دخلَ الكنيسة فارتقبت فلم يُطل

فأتيت دون طريقه فزحمتُه

فازورَّ غضبانا وأعرض نافراً

حالٌ من الغِيد الملاح عرفتُهُ

فصرفت تلعابي إلى أترابه

وزعمتُهنّ لبانتي فأغرتُه

فمشى إليَّ وليس أول جؤذر

وقعت عليه حبائلي فقنصته

قد جاء من سحر الجفون فصادني

وأتيت من سِحر البيان فصدته

لما ظفرت به، على حَرَم الهدى

لابن البَتُول وللصلاة وهبتُه

إلى آخر القصيد

شعور شوقي بالوجود

بين قصائد شوقي في سورية ولبنان وقصائده في البلاد التركية والفرنسية آماد طوال، ومع هذا نجد أن إحساسه بالوجود على اختلاف الأزمان غاية في القوة والبريق

وهل ننسى أن الجرائد المصرية لم تجد عند مصرع باريس في الحرب الحاضرة غير ما توجع به شوقي لباريس في الحرب الماضية؟

ولقد أقول وأدمعي منهلَّةٌ

باريسُ لم يعرفك من يغزُوكِ

زعموك دار خلاعةٍ ومجانةٍ

ودعارةٍ، يا إفكَ ما زعموكِ

ص: 14

إن كنتِ للشهوات رِيَّا فالعُلَا

شهواتُهنّ مروَّياتٌ فيكِ

ومن هذا الكلام نعرف أن للعلا شهوات أعنف من شهوات الأهواء.

وقصيدة شوقي في غاية بولونيا قديمة العهد، وهي مع ذلك لطيفة النفس، ذكية الروح

وأبياته في (شبه أمينة) أبيات لطاف، وقد رأيت بعيني صورة أمينة في غرف كثيرة من دار شوقي، بدون استثناء لحجرة الاستقبال، وهي البنية التي قال فيها ذلك الأب الحنان:

وكم قد خلَتْ من أبيك الجيوب

وليست جيوبك بالخاليهْ

ثم ماذا؟

ثم يبقى الحديث عن القصيدة التي حفظها غريم شوقي في الشعر والبيان، وهو حافظ إبراهيم، مع تفاصيل يوجبها التاريخ، ليعرف المتسابقون سرائر هذين الشاعرين، وليواجهوا يوم الامتحان مدرعين بالبصيرة واليقين. والله عز شأنه هو القادر على أن يجعلهم طلائع الفكر والرأي في هذا الجيل.

زكي مبارك

ص: 15

‌عثرت به وعثرت عليه

للأستاذ محمد مندور

لم يكن في عزمي أن أرد على زكريا أفندي إبراهيم لأن المناقشة لم تكن بيني وبينه، وإنما فعلت لأنني رأيته قد أثار مسألتين حسبت في إيضاحهما فائدة لعامة القراء وقد اعتمدت في تأييد استعمالي (لعثرت ب) على مبادئ لغوية عامة لم يقتصر العلم بها على الباحثين في علم اللسان بل سبقهم إليها ولحقهم الفلاسفة وكافة المفكرين. فاللغات كما قلت مجازات ميتة في الكثير من مفرداتها، فنحن عندما نقول بالفرنسية مثلا بمعنى (أتلف) نستعمل مجازاً ميتاً لم يعد يحس به أحد، وذلك لأن معنى هذا الفعل الاشتقاقي في اللغة الفرنسية هو (يلقى في هاوية) (هاوية: وكذلك الأمر في اللغة العربية، فالرفعة والسمو والانحطاط مثلاً كل هذه الألفاظ كانت معانيها الأولى حسية، ثم ماتت تلك المعاني وأصبحنا نستعمل تلك الألفاظ في الدلالة على الصفات المعنوية المعروفة، وهكذا مما لا حصر له في كافة اللغات. ولقد كانت هذه الحقيقة من الأسس التي بني عليها الفلاسفة الإنجليز أصحاب المذهب الحسي في المعرفة ومنابعها مذهبهم، إذ لاحظوا أن معظم ألفاظ اللغة كانت في الأصل تدل على معان تدركها الحواس ثم انتقلت إلى المعنويات

وعلى هذا يتضح لنا أن عثر في معناها الأصلي لم تكن تفيد الاطلاع مصادفة أو عن بحث في شيء، وإنما أفادت هذين المعنيين تجوزاً، وحروف الجر في كافة اللغات من أدوات نقل المعنى، ومن ثم فعندما نقول عثر ب، أو عثر على، يجب أن نحدد المفارقات بين الاستعمالين تبعاً لدلالة حرفي جر ومنحاهما في نقل المعنى. والذي لا أشك فيه أننا نقول (عثر الجواد بحجر) ونكون بذلك في حدود المعنى الحقيقي بحيث إذا تجوزنا أو قلنا عثرت بفكرة نكون أقرب ما يكون إلى مضمون المعنى الحقيقي أيضاً. ومن الواضح أن في ذلك المعنى ما يدل على المصادفة لأن الجواد لا يبحث عن حجر ليعثر به. وأما عندما نقول عثرت على فكرة، فالحس اللغوي يبصرنا بأننا هنا قد بعدنا عن المعني الحقيقي وما يحمل من دلالة المصادفة لأنه على الأقل يتضمن العثور بالفكرة ثم الوقوع عليها، وليس من الضروري أن نعثر بالشيء ثم نقع عليه إذ قد يفلت منا؛ فالعثور على الشيء فيه معنى إيجابي هو ما أحسست ولا أزال أحس فيه بمدلول البحث

ص: 16

وأياً ما يكون الأمر فأنا بعد لا أرى مانعاً ما دام المجاز قد مات في عثر وأصبح الفعل يدل على الاطلاع في الاستعمالين من أن نقصد (يعثر ب) إلى الاطلاع مصادفة و (عثر على) إلى الاطلاع عن بحث. واللغة، كما قلت، كائن حي من الواجب أن نغذيه باستمرار بأن ننوع من طرق الأداء فيها كما نحدد من تلك الطرق على نحو ما نشاهد في لغات الأمم المتحضرة كلها

هذا رأيي أقف عنده لأن الأصول العامة تكفي لتأييده. ومع ذلك فقد حمل إليّ البريد هذا الصباح خطاباً من صديقي عبد الرحمن بدوي الأستاذ بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول؛ وهاأنا أنسخ لكم خطابه. قال بعد المقدمة:

(أود أن ألفت نظرك إلى نقط لعل بعدك عن المصادر هو الذي حال بينك وبين التنبه إليها وفيها تأييد لما تقوله فيما يتصل بالتعبير (عثر به)

وأولى هذه النقط خيانة زكريا إبراهيم (وهو من تلاميذي الآن بالسنة الثالثة قسم الفلسفة) لنص (لين) إذ هو بتمامه يؤيد استعمال (عثر به) بمعنى اطلع عليه فهو يقول ما نصه:

: ; ، ; عثر به

((وأشرس وعثر به

معجم لين ص1952 عمود (1) س3، 4 من أسفل.

وتحت مادة (أشرس) يذكر الشاهد الثاني: عثر بأشرس الدهر (أمثال الميداني المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة 1310 ج1 ص313 س1 - 2)

وثاني هذه النقط أن (عثر على) بمعنى الاطلاع مصادفة وبلا طلب ليس متفقاً عليها بين اللغويين والمفسرين. فالذي يوردها صراحة من بين اللغويين الراغب الأصفهاني في (مفرداته)(تاج العروس) للزبيدي (وهو الذي يشير إليه لين هنا في الإشارة وغالب المفسرين عند كلامهم على الآية (وكذلك أعثرنا عليهم) والآية (فإذا عثر على أنهما استحقا إثما) يقولون إنها لا تدل على الاطلاع مصادفة. فالقرطبي يقول: (الجامع لأحكام القرآن ج6 ص358 طبع دار الكتب سنة 1938)(ومنه قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم) لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفي عليهم موضعهم) أي الناس الذين كانوا يبحثون عن أهل الكهف. ويرجح رأي هؤلاء أن الآية (فإذا عثر على أنهما استحقا إثما) يقصد منها كما يقول الرازي

ص: 17

(ج3 ص478 المطبعة العامرة الشرقية. الطبعة الأولى سنة 1308 بالقاهرة). (فإن حصل العثور والوقوف على أنهما (أي الأمينين على الوصية التي يوصي بها من بات بأرض ليس فيها مسلم) أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة، أي أن المعنى هو (فإن وجد أنهما. . .) وإلا فلا يصح حكم الآية إن وجد بعد التحقيق أنهما خانا. وهذا ما لا يمكن أن يكون القرآن قد قصده. وفيما يتصل بآية أهل الكهف (وكذلك أعثرنا عليهم) فالقصد هنا من الله واضح لأنه قصد أن يدل بعض الناس على وجود أهل الكهف فليس هنا مصادفة إذن.

ويؤيد كلامك أو شعورك بوجود معنى المصادفة في (عثر به) أكثر مما هو في (عثر عليه) أن الأصل في (عثر عليه) هو (أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفياً عليه قد عثر عليه)(الرازي في الموضع نفسه)، فعثر به هي الأصل، وعثر عليه هي المجاز؛ وعثر فيها معنى المصادفة من أصلها فما هو أقرب إلى الأصل وهو عثر به يكون معنى المصادفة فيه أقوى

ونقطة ثالثة هي أنك لست أول من استعملها بهذا المعنى فقد وجدت إنها استعملت مرارا من قبل. أذكر منها الآن ما يلي إلى جانب ما أورده لين في المثل: (عثر بأشرس الدهر)

(1)

استعملها ابن هانئ الأندلسي المتوفى سنة 362هـ حين قال:

منعوك من سنة الكرى وسروا فلو

عثروا بطيفٍ طارقٍ ظنوك

(راجع ديوان ابن هانئ تصحيح الدكتور زاهد علي. مطبعة المعارف سنة 1352هـ ص531)

(ب) واستعملها ابن خلدون المتوفى سنة 808هـ حين قال:

(عثر بمجمعهم اتفاقاً)(تاريخ ابن خلدون طبعة دي سلان. الجزائر سنة 1847 ج2 ص342 س10 - وراجع دوزي: ملحق المعاجم العربية تحت مادة عثر ج2 ص95 عمود1 - الطبعة الثانية سنة 1927). . . . . .)

عبد الرحمن بدوي

. . . انتهى خطاب الأستاذ عن هذه المسألة.

وإذن فأنت ترى - كرئيس تحرير لمجلة محترمة - ولاشك يرى معك القراء أنني لست ميجارياً في محاجتي كما وصفني تلميذنا زكريا إبراهيم ونحن لا ريب نفتح صدورنا لنقد

ص: 18

تلاميذنا، بل وأقول مخلصاً إننا نفرح به ونحثهم عليه، ولكن على أن يكون في حدود اللياقة؛ بل وخير من ذلك أن يكون في حدود الحقيقة والعلم الصحيح، وذلك لأنني لا أرى سفسطة في دفاعي عن عثرت به التي أفادت المعنى الذي أردت العبارة عنه مع عدم خروجها عن أصول اللغات عامة بما فيها لغتنا

وإن كان هناك شيء أنكره من زكريا إبراهيم، فهو عدم الأمانة العلمية، لأن اليوم الذي نرى فيه طلبتنا يتصرفون في نص لكي يحاجوا أستاذهم محاجة في هذا العناد أعتبره يوم فشل لكل مجهوداتنا العلمية ويوم حزن لي لا يعرف مداه إلا الله

محمد مندور

ص: 19

‌الطريق إلى الحق

للأستاذ محمود محمد شاكر

كتب الأخ الصديق الأستاذ محمد مندور كلمة في البريد الأدبي من الرسالة (488) بعنوان (اللغة والتعريب)، عرض فيها لمسألتين: إحداهما: مسألة الصواب والخطأ في اللغة، والأخرى: هي عنصر الثبات في اللغة كما سماه. وقد دفعه إلى الحديث عنهما ما كان من تخطئة الأب أنستاس الكرملي إياه في حرف من اللغة استعمله في كلامه، وهو (عثرت بالشيء) وهو يريد (عثرت عليه) وأحب أن أقدم بين يدي كلامي بعض ما أعرفه عن (مندور)، فقد كنا زميلين في الجامعة، فكان أحد الشبان الأذكياء المتدفقين. وإن فيه من ثورة النفس ما أرجو أن يبقى له على الشباب الهرم. ثم عرفته من بعد مطلعا حريصاً على العلم قليل العناد فيما لا خطر له، ثم هو لا يزال يدأب إلى الحق في غير هوادة. فكل هذه الصفات تجعله عندي غير متعنت ولا مكابر. ولكني رأيت الأب أنستاس قد سلك إلى (مندور) طريقاً، فاندفع كلاهما يطاعن أخاه بعنف لا يهدأ. وأنا لا أحب أن أدخل بين الرجلين فيما هما بسبيله، ولكني أحرص على أن أدل (مندوراً) على الحق الذي كنا ولا زلنا نميل إليه بكل وجهٍ، ونسعى إليه في كل سبيل

وينبغي لي أن أعرض للكلام على الفرق بين الحرفين (عثرت به) و (عثرت عليه) قبل أن أتحرى إلى (مندور) طريق الحق في المسألتين اللتين ذكرهما في كلامه

فأصل اللغة في هذه المادة (عَثَر يعْثُر عَثْراً وعِثَاراً)، وهو فعل لازم لا يتعدى إلى مفعول، ويأتي هكذا غير مصاحب لحرفٍ من حروف الجر. ولكل فعل في اللغة معنى يقوم بذاته، ودلالات يقتضيها بطريق التضمن أو الالتزام

فقولك (عثر الرجل) معناه (تهيأ الرجل للسقوط): فالمراد بالفعل هو حدوث (حركة سقوط) الرجل، ولا يقصد به السقوط نفسه، أي إنه يدل بذاته على الحركة التي تسبق السقوط. وأما الدلالات التي يقتضيها الفعل فأولها: سبب حركة السقوط، وهذا السبب عقلي محض يتضمن الفعل ويقوم فيه مقام الفاعل (كالحجر) مثلاً. وثانيها: الفعل الذي فعله هذا السبب وهو (الصدم)، وثالثها: الحالة التي تلحق الرجل من جراء اصطدامه وهي التنبه والتماسك قبل السقوط. أما الدلالة الرابعة. . .

ص: 20

فلو شئت أن تفسر (عثر الرجل) لقلت: (صدم الحجر الرجل فكاد يسقط)، فكأن (عثر) قامت مقام الكلمات (صدم الحجر. . . فكاد يسقط). وأنت ترى أن (الرجل) هنا هو الذي وقع عليه الفعل (أي المفعول به)، لأنه هو الذي صدم فكاد يسقط. فلما كتم هذا الفعل (عثر) فاعله الحقيقي - وهو الحجر مثلا -، وكتم (الصدم) الذي فعل الفاعل الحقيقي، نسب فعله إلى الرجل، مع إنه ليس فاعلا بل مفعولاً به. فهذا يدل على إنه ليس مريداً للفعل (وهو العثرة)، كما يكون مريداً للفعل في قولك:(قام الرجل) إذ إنه مريد هنا للقيام. وشبيه به قولك: (مات الرجل) و (نام الرجل)، فالرجل هنا - على إنه (فاعل) في عبارة النحاة - ليس فاعلا في حقيقة المعنى بل هو (مفعول به) لأنه غير مريد في حالة الموت أو النوم

فإذا صح لديك أن الرجل غير مريد للعثرة في قولك (عثر الرجل)، رأيت الدلالة الرابعة لهذا الفعل وهي أن الشيء الذي فعل العثرة - وهو الحجر مثلاً - كان صغيراً لم يتبينه الرجل، أو لم يتوقع وجوده في المكان الذي كان فيه، فلذلك كاد يسقط على غير إرادة من الرجل لذلك

وإذا تأملت قليلاً رأيت أن قولك (عثر الرجل) لا يراد به الإخبار عن حدوث الصدم، بل المراد أن تصور هيئة الحركة التي جاءت بعد الصدم، وهي حركة السقوط. ولذلك بني مصدرها على هيئة المصادر التي تدل على عيوب الحركة في أصل الخلقة كالتي تكون في الدابة وغيرها من كل ما يمشي أو يتحرك. وذلك هو وزن (فعال) كالشماس، والجماح، والنفار، والشراد، والهياج، والطماح، والحران، والعضاض، والخراط، والضراح، والرماح، والفرار. فأنت ترى من ذلك أن المصدر قد نظر فيه إلى أن المراد في الفعل هو حركة السقوط لا الصدم، فإن الصدمة ليست عيباً، وإنما العيب في هيئة الحركة. وكثيراً ما يستعمل العثار للخيل يقال:(عثر الفرس) أو غيره من الدواب

هذا. . . وحروف الجر التي تأتي لمصاحبة الأفعال إنما تأتي لمعان يتعين بها للفعل معنى لم يكن ظاهراً فيه قبل دخولها، بل ربما اضطر الحرف الفعل أن ينتقل من الحقيقة إلى المجاز، ولذلك تسمى حروف المعاني

ثم إن كل حرف من هذه الحروف له معنى أصلي يقوم به، ثم تتفرع منه معان أخرى لا تزال متصلة إلى المعنى الأول بسبب. فالياء مثلاً هي في حقيقة معناها على إلصاق شيء

ص: 21

بشيء أو دنوه منه حتى يمسه أو يكاد. ففي قولك (ألصقت شيئاً بشيء) تقع الباء في معناها الأول وهو الإلصاق الحقيقي. وفي قولك (مررت بزيد) تكون مجازاً لأنها تدل على الدنو والمقاربة الشديدة، كأنك ألصقت مرورك بالمكان الذي يتصل بمكان زيد. وينتقل الحرف من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي بدليل من الفعل الذي يشترك معه في الدلالة. ولذلك تخرج من معناها الحقيقي إلى معنى السببية أو التعليل أو المصاحبة أو الاستعانة مما يذكر في باب معانيها، ولكنها في جميع ذلك تدل على الإلصاق الحقيقي أو المجازي

فإذا جاءت الباء بعد فعل يقتضي معناه بذاته أو بدلالته معنى من الإلصاق، تعين لها أن تكون واقعة في معناها الحقيقي، ويكون دخولها مبالغة في إظهار معنى الإلصاق. وذلك كقولك:(أمسكت الشيء)، و (أمسكت بالشيء) فالباء هنا تزيد في معنى الفعل تقوية الإمساك إذ أن الإلصاق مما يدل عليه هذا الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام

فإذا قلت (عثر الرجل بحجر) فمعناه كما بينا آنفاً (صدم الرجل حجر فكاد يسقط). والباء قد دخلت على الفاعل الحقيقي للعثرة وهو (الحجر)، فهي إذن مكملة لمعنى الفعل، ولم تأت لتعدية الفعل إلى مفعول، كالذي يكون في قولك (ذهب الرجل) و (ذهب الرجل بمحمد)

فإذا كان الفعل دالاً بالتضمن على الصدم، والصدم يقتضي الإلصاق، وجاءت الباء مكملة لمعنى (عثر) تجر وراءها الفاعل الحقيقي للصدم، فالباء إذن ستزيد في معنى الفعل، وذلك بأن تظهر الصدم - المقتضي للإلصاق - بعد أن كان مكتوماً في الفعل، ويقوي ذلك أيضاً ظهور الفاعل الحقيقي للعثرة بعد أن كان مكتوماً في (عثر)

فقول الأستاذ (مندور) إنه أراد بقوله (عثرت بالشيء) إنه لاقاه اتفاقاً غير ممكن؛ لأن الباء وافقت الفعل فزادت في الإبانة عما يضمره من دلالة (الصدم) الحقيقي، ولم يكن فيها من المخالفة ما يحمل هذا الفعل على الميل إلى المجاز (أي إلى الصدم المجازي). وليس من شك في أن قوله (لاقاه اتفاقاً) مجاز في تأويل (عثر بالشيء)، فإذا كانت الباء إنما تزيد حقيقة الفعل قوة وبياناً، فكيف إذن تصير بعد ذلك مجازاً بغير عامل يحملها إلى المجاز؟

وقد يستخدم مع هذا الفعل حرف آخر هو (في) فتقول (عثر الرجل في ثوبه) إذا كان واسع الثوب طويل الذيل، فهو يطأ بعض ذيله كلما مشى، فتشد الوطأة الثوب عليه، فيميل كأنه يتهيأ للسقوط فيتماسك

ص: 22

فهذا الحرف (في) يدل في أصل معناه على الظرفية الزمانية أو المكانية، وينسحب بها على سائر معانيه. وهو بذلك يدل على استقرار لا على حركة كالحركة التي تكون في الإلصاق. ولما كان الفعل يدل دلالة ظاهرة على حركة السقوط وجاء الحرف (في) يطالب الحركة بالاستقرار، أسرع الفعل إليه، وذلك إنه حين يقول لك (عثر الرجل) لم تكد تجاوز تصور حركة السقوط حتى يفجؤك بقوله (في ثوبه)، فيطالبك بإقرار هذه الحركة ثم تصورها في جوف الثوب. وهذه السرعة التي يتطلبها الانتقال تضعف دلالات الفعل التي كان يدل عليها مستقلا بذاته أي في قولك (عثر الرجل) مجردا، وهي كما ذكرناها آنفاً: فاعل حركة السقوط، وفعله وهو الصدم، وحالة التنبيه والتماسك قبل السقوط، وعدم التوقع أو الاتفاق

فدخول (في) على (الثوب) أبعدت عن أول التصور أن يكون الثوب فاعل الصدم المؤدي إلى حركة السقوط، وبذلك أيضاً أضعفت دلالة الفعل على (الصدم)، إذ أن (الصدم) لا يشبه أن يكون من فعل الثوب؛ فيتغير ما يتضمنه الفعل (عثر) من الدلالة، وتضمن وطء الثوب المفضي إلى شده

ولما كان لابس الثوب الطويل ينبغي له أن يعلم أن طوله يؤدي إلى وطء ذيله فيعثر، اختفت من الفعل - إلا قليلا - دلالة الاتفاق من غير تعمد. ولذلك تستطيع أن تقول (جاء فلان يعثر في ثوبه)، ولا تستطيع أن تقول (جاء فلان يعثر بثوبه)، لأن الأولى قد ذهب منها الاتفاق من غير تعمد، فجائز أن تستمر، وأما الأخرى فمحتفظة بالاتفاق من غير عمد، فهي لا يمكن أن تستمر.

ومع ذلك فهذا الحرف (في) لم يستطع أن يغير من حقيقة (عثر) لأنه دان منها، أو هو مستقر لها، إذ سوف تنتهي حركتها إلى استقراره

وأما (على) فحرف يدل على الاستعلاء في جميع معانيه دلالة مطلقة، والاستعلاء المطلق لا يوجب الإلصاق كما في الباء، ولا يوجب الاستقرار كما في (في). فاستعمالها مع (عثر) سيحدث في معناها أثراً جديداً ينقلها من حال إلى حال

فحين تقول (عثرت على الكرسي) يقتضيك فيها معنى (عثرت) - وهو تهيؤك للسقوط وتماسكك دون السقوط - ألا تجعل معنى (على) استعلاءً ملاصقاً كما في قولك (وقعت على الكرسي)، وذلك لأنك لم تسقط بل كدت ثم تماسكت. وإذن فالحرف (على) هنا يدل على

ص: 23

الاستعلاء المطلق الذي يقتضي نفي الملاصقة كقولك: (فضلت فلاناً على فلان)

والاستعلاء المطلق مناقض كل المناقضة لمعنى (الصدم) لأن الصدم يقتضي الملاصقة، فلما جاءت (على) خلعت عن الفعل (عثر) كل ما كان يتضمنه من معنى الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولما خلعته عن الفعل خلعته أيضاً عن الفاعل (الكرسي) الذي كان فعله الصدم الحقيقي (لا المجازي). ولكن هذا الفعل لا ينفك من أحد دلالاته وهو (الصدم) سواء أكان حقيقياً أم مجازياً، فإذا خلعت (على) عنه الصدم الحقيقي بقي الصدم المجازي مكتوماً فيه قائماً مقام الصدم الحقيقي؛ وإذا كان ذلك فلابد من حدوث تغير في الفعل وفي معناه، لأن الصدم قد انتقل من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، والصدم وفاعله سببان في (عثر) التي تدل على حركة السقوط. فإذا صار الصدم من الحقيقة إلى المجاز - وهو أحد مقومات حركة السقوط - فلابد من أن تصير (عثر) إلى المجاز أيضاً لأنها صارت مسببة عن مجاز.

فأنت ترى أن هذا الفعل لم ينقله من الحقيقة إلى المجاز إلا حرف واحد هو (على) الذي يدل على استعلاء مطلق يناقض معنى الصدم الحقيقي الذي كان ثابتاً في الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام

وعلى ذلك لا يزال هذا الفعل مع (على) يدل على حركة السقوط المجازية، ويتضمن بدلالة الالتزام فاعل هذه الحركة، وفعله وهو الصدم المجازي، ثم حالة التنبه والتماسك قبل هذه الحركة، ثم عدم التوقع أو الاتفاق، وهذا بعينه ما يريده الأخ (مندور) بقوله في تأويل (عثرت به) إنه لاقاه اتفاقاً

وانظر الآن إلى سليقة هذه اللغة فإنها إذا كانت قد جعلت مصدر (عثر وعثر به) و (عثر فيه) عثاراً بوزن (فعال) الدال على عيوب الحركة، أو على الحركة نفسها: كالمزاح والضراب والنزال، والصراع، فإنها تجعل مصدر (عثر عليه) عثوراً على وزن (فعول) الذي يدل أكثره على مجرد الحركة، كالنزول، والسقوط، والقعود، والجلوس، والشرود، والنفور، والجموح والطموح. وبذلك خالفت بين المصدرين مع اشتراك الوزنين في معنى الحركة، لأن الفعل انتقل من الحقيقة إلى المجاز

وفي الآيتين من كتاب الله: المائدة (110)(فإن عثر على أنهما استحقا إثماً)، وآية أصحاب

ص: 24

الكهف (20)(وكذلك أعثرنا عليهم) جاء الفعل بالمعنى المجازي الذي يقتضي حركة السقوط المجازية، والصدم المجازي، وحالة التنبه والتماسك قبل حركة السقوط، وعدم التوقع أي الوقوف على الشيء بغير طلب أو بحث أو كشف

ولكن الأخ مندور يقول: (ولم أرد (العثور عليه) أي الاطلاع الذي يدل على علم ومعرفة وبحث وجهبذة لا أدعيها). والذي أوقعه في هذا التأويل قول أصحاب اللغة (عثر على الأمر عثوراً) اطلع. فتفسيرهم مقصر عن الغاية كل التقصير لأنه يدل على جزء واحد من الدلالات التي يتضمنهما الفعل، وهي حالة التنبه التي تلحق الرجل من الصدمة فينظر ويتبين ما صدمه، وأهملوا بقولهم (اطلع) المعنى الأصلي للفعل (عثر) وهي حالة السقوط المجازي، والصدمة المجازية، وعدم التوقع. وهذا نقص مخل في عبارة كتب أصحاب اللغة

وأنا أقرر أن أكثر ما في كتب اللغة عندنا من تفسير الألفاظ إنما هو تفسير مخل فاسد، لأنه قد أهمل فيه أصل الاشتقاق، وأصل المعنى الذي يدل عليه اللفظ بذاته كما رأيت هنا. وإذا أهمل هذان فقد اضطرب الكلام واضطربت دلالاته، وأوقع من يأخذ اللغة بغير تدبر في حالة من التعبد بالنصوص كتعبد الوثني للصنم. وأيضا فهو يوقع بعض النابهين من الكتاب في أوهام ليست من الحق في شيء، يحملهم عليها تكرار هذا التفسير الفاسد فيسلمون به على غير تبين، كما رأيت في تفسير قولهم (عثرت عليه) إنه (اطلعت عليه)، فانك حين تقول:(عثر على الكلمة في الكتاب) فلست تقولها إلا حين تريد أن تصور الكلمة كأنها فاعل الصدم، وتصور رؤيتها كأنه صدم لك، وهذا الصدم يستدعي تنبهك فتتماسك وتنظر إلى ما صدمك، وإن هذا كله كان بغير طلب أو بحث وإنما جاءك اتفاقاً على غير تعمد كان منك.

هذا وأنا لم أقصد ببحثي هذا إلى اللغة، بل قصدت إلى الدلالة على طريق الحق إلى فهمها. وأحب أن أظهر من يقرأ كلامي هذا على أنني لا أجعل مفردات اللغات كل الهم في عملي أو عمل غيري. ويقيني أن أكثر من يطيق التدبر والتأمل يستطيع أن يصل إلى فهم اللغة فهماً صحيحاً نافعاً معيناً على حسن العبارة ودقتها في البيان عن المراد، وهو لم يتكلف إلى ذلك إلا قليلا من الجهد

ص: 25

واحسبني قد سلكت إلى أخي مندور طريق العلم إلى غاية الحق، وهي غايته التي أعلمه لا يعمل إلا لها. وسواء عليه بعد ذلك أكان الحق له أم عليه

أما مسألة الخطأ والصواب في اللغة، ومسألة عنصر الثبات فيها، فنتركهما إلى العدد التالي من الرسالة، ولأخي مندور تحيتي وشكري.

محمود محمد شاكر

ص: 26

‌2 - خزانة الرؤوس

في دار الخلافة العباسية ببغداد

للأستاذ ميخائيل عواد

(ج) رأس يهبوذ صاحب الزنج

روى خبره أبو الفرج ابن الجوزي في جملة حوادث سنة 270هـ قال بعد أن شرح عيثه وفساده: (وجاء البشير بقتل الفاسق، ثم جاء رجل معه رأس الفاسق، فسجد الناس شكراً، وأمر أبو أحمد أن يكتب إلى أمصار المسلمين. . . وقدم ابنه العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث ليراه الناس فيسروا. فوافى بغداد يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى في هذه السنة والرأس بين يديه على قناة، فأكثر الناس التكبير والشكر لله والمدح لابن الموفق وأبيه. ودخل أحمد بن الموفق بغداد برأس الخبيث وركب في جيش لم ير مثله من سوق الثلاثاء إلى المخرم وباب الطاق وسوق يحيى حتى هبط إلى الحربية، ثم انحدر في دجلة إلى قصر الخلافة في جمادى الأولى هذه السنة، وضربت القباب وزينت الحيطان)

قلنا: لم يصرح ابن الجوزي بوضع رأس هذا الخبيث في خزانة الرؤوس، ونحن نرجح إنه استقر في هذه الخزانة، بعد أن عرفنا إدخاله دار الخلافة

(د) راس البساسيري

كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري قد عظم شأنه، واستفحل أمره، وانتشر ذكره، وقد هابته ملوك العرب والعجم حتى دعي له على المنابر، وعزم الاستيلاء على بغداد ونهب دار الخلافة والقبض على الخليفة وهو يومذاك القائم بأمر الله، فتم له ما أراد إذ دخل بغداد، وقبض على الخليفة وسيره إلى بلد عانة على الفرات فحبسه فيها، ثم دار الفلك دورته؛ فوقع البساسيري في الفخ، فكان مصيره حز رأسه وحمله إلى خزانة الرؤوس. وقد صدقت فيه الآية:(ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون بما كنتم تكسبون)

قال ابن الجوزي في حوادث سنة 451هـ (. . . وانهزم البساسيري على فرسه فلم ينجه، وضرب فرسه بنشابة فرمته إلى الأرض، وأدركه بعض الغلمان، فضربه ضربة على

ص: 27

وجهه ولم يعرفه، وأسره كمشتكين دواتي عميد الملك، وحز رأسه وحمل إلى السلطان. ولما حمل إلى السلطان حكى له الذي أسره إنه وجد في جيبه خمسة دنانير وأحضرها، فتقدم السلطان إلى أن يفرغ المخ من رأسه ويأخذ الخمسة دنانير، ثم أنفذه حينئذ إلى دار الخلافة؛ فوصل في يوم السبت النصف من ذي الحجة، فغسل ونظف، ثم ترك على قناة وطيف به من غد، وضربت البوقات والدبادب بين يديه، واجتمع من النساء والنفاطين وغيرهم بالدفوف ومن يغني بين يديه، ونصب من بعد ذلك على رأس الطيار بإزار دار الخلافة ثم أخذ إلى الدار)

(هـ) رأس البريدي:

أبو الحسين البريدي أحد العابثين الخارجين على سياسة دولة بني العباس. ارتكب من الظلم أمراً عظيما. فقد أرعب الخلق وكثرت جموعه، وتزلزل له الخليفة. وكان ظهوره في نواحي البصرة، حيث سعى غير مرة لفتحها والاستيلاء عليها؛ لكنه رد على أعقابه ولم ينل وطره، فقد خانه أكثر أصحابه وأعوانه، ثم قبض عليه وأودع دار السلطان.

قال مسكويه في أحداث سنة 333هـ: (وكان أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي أخذ في أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه؛ فأظهرها في هذا الوقت، فلما كان بعد أسبوع من القبض عليه استحضر الفقهاء والقضاة، وأحضر أبو الحسين البريدي، وجمعوا بين يدي المستكفي بالله، وأحضر السيف والنطع، ووقف السياف بيده السيف، وحضر ابن أبي موسى الهاشمي، ووقف فقرأ ما أفتى به واحدا واحداً من إباحة دمه على رؤوس الأشهاد؛ وكلما قرأ فتوى واحد منهم سأله هل هي فتواه فيعترف بها حتى أتى على جماعتهم، وأبو الحسين البريدي يسمع ذلك كله ويراه، ورأسه مشدود، والسيف مسلول بازائه في يد السياف، فلما أعترف القضاة والفقهاء بالفتوى أمر المستكفي بالله بضرب عنقه، فضربت من غير أن يحتج لنفسه بشيء أو يعاود بكلمة أو ينطق بحرف، وأخذ رأسه وطيف به في جانبي بغداد ورد إلى دار السلطان. . .)

(و) رأس الخليفة الأمين، رأس عيسى بن ماهان، رأس أبي

السرايا:

ص: 28

من يستعرض خزانة الرؤوس في دار الخلافة العباسية ببغداد، ير فيها رؤوس أمراء، ووزراء، وقواد، وصنوف شتى من طبقات الناس، من عرب وأمم مختلفة، ولكنها لم تكتف بهؤلاء أصحابا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، إلى رؤوس أفراد بيدهم تدبير الملك وسياسة الرعية، أولئك هم الخلفاء؛ وإن في هذا الأمر الخطير لعبرة مؤلمة وموعظة بليغة.

كان رأس الأمين أول ما وضع من رؤوس الخلفاء في هذه الخزانة. ولا ندري أوضع بجانب رأس بهبوذ الزنجي، أم إلى جانب غيره من رؤوس المارقين العابثين، أم أفرد له فيها مكان خاص؟ ومهما يكن من أمر فهو لم ينج من هذه الخزانة العجيبة. وأمر الأمين مشتهر يوم نكب، ويوم قتل وقطف رأسه، ودعنا نأخذ بعض خبره، وخبر رأسه من شيخ المؤرخين محمد بن جرير الطبري؛ فانه روى في ماجريات سنة 198هـ هذه الأحدوثة (. . . قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد (الأمين) فأخذ بيده وسادة وجعل يقول: ويحكم أني ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه غلام لقريش الدنداني مولى طاهر، فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده، فصاح خمارويه: قتلتني قتلتني بالفارسية. قال: فدخل منهم جماعة فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحاً من قفاه، وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر وتركوا جثته. قال: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جلد وحملوها. . . قال: وبينا نحن كذلك إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها، وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق، فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه ثم هجموا عليه فحزوا رأسه واستقبلوا به طاهراً وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة، فأذن له، وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية. فقال له: أخوك يقرئك السلام فما خبرك؟ قال: يا غلام هات الطس فجاءوا به وفيه رأس محمد. فقال: هذا خبري فاعلمه. فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار؛ وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم. وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد. وذكر عنه (عن الحسن ابن أبي سعيد) إنه ذكر أن

ص: 29

الخزانة التي كان فيها رأس محمد، ورأس عيسى بن ماهان، ورأس أبي السرايا؛ كانت إليه. قال: فنظرت في رأس محمد، فإذا فيه ضربة في وجهه وشعر رأسه ولحيته صحيح لم ينجاب منه شيء، ولونه على حاله. قال: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى. . . فرأيت ذا الرئاستين وقد أدخل رأس محمد على ترسٍ بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد. . .)

(يتبع)

ميخائيل عواد

ص: 30

‌رسالة الشعر

في أخريات الخريف

للأستاذ محمود الخفيف

تُنذِرُني أَوْرَاقُ هُذِى الكُرُومُ

تَساَقَطتْ ذَاوِيَهْ

وَفِي حَوَاشِي الأفْقِ تِلْكَ الْغُيُومْ

غاَرِقِةً طاَفَيِهْ

وَفي وُجِوهِ النَّاسِ هذا الوُجُومْ

بَادِيَةً أسْبَابُهُ خَافِيَهْ

خَشْخَشَةُ الأغْصَانِ كم زَيَّنتْ

للِنَّفسِ أشْجَانَهاَ

وَصُفرةُ العِيدَانِ كَمْ لَوَّنتْ

بالْمَوتِ ألْحَانَهاَ

وَالرِّيحُ كَمْ وَلْولَةٍ أعْلَنَتْ

مِثلِ التي حَاوَلتُ كِتْماَنَهاَ

حَتَّامَ تُوحي أُخْرَياتُ الْخَرِيفْ

للِنَّفسِ هَذا الْحَزنْ

وَاعَجَباَ: هذا النَّسيِمُ الْخَفِيفْ

يَفَرَقُ مِنْهُ البَدَنْ

وَكُلُّ شَيءٍ فِيِه مَعْنًى مُخِيفْ

ألْبَسهُ حَوْلِي خَيَالَ الكَفَرْ

تَلُوحُ في أوْرَاقِهِ الذَّابِلَهْ

كلُّ مَعَاني الشَّقاَءْ

فِيها جُسُومٌ تَرْتَمِي ناَحِلَهْ

أومَى إليْهاَ الْفَنَاءْ

يُطِلُّ مِنْ أعْيُنِها الذَّاهِلَهْ

الْجُوعُ والسُّقْمُ وَقُرُّ الشِّتَاءْ

وَأَلمَحُ الآلافَ ألْقَى بِها

لِحِتْفهِا طَاغِيَهْ

طَعِينَةَ تَشْكُو إِلى رَبَّهَا

مِنْ يَدِهِ الْعَاتِيَهْ

لَائِذَةً بالمَوْتِ مِنْ رُعْبِهاَ

مَّمِا تَرَى في هَذِه الْغَاشِيَهْ

وَصَوَّرتْ أَيَّامِيَ الذَّاهِبَهْ

مَا إِنْ لَهَا مِنْ مَآبْ

وَكَمْ تَهَادَتْ كالمُنَى الكاذِبهْ

لاحَتَ كلَمْح السَّرابْ

للِمَوتِ تَمْضِي زُمَراً وَاثِبَهْ

مُعَجَّلةً أغْرَى بِهِنَّ الوِثاَبْ

وَاحَزَناَ أغْصَانُها الْعَارِيَهْ

تكْسَى غَدَاةَ الرَّبِيعْ

هَلْ مِنْ رَبيعٍ للمُنَى الذَّاوَيهْ

وَالقَلْبُ ذَاوٍ صَدِيعْ

باَتَتْ شِتاءً كلُّ أيَّامِيهْ

يا هَوْلهُ بَعدَ رَبيعٍ مريعْ

الخفيف

ص: 31

‌البريد الأدبي

إعجاب

قبل أن تنسيني الشواغل أني قرأت مقالا نفيساً للأستاذ (أبي أسامة) أسجل إعجابي، وأرجوه أن يذكر حقوق الأدب والتاريخ على قلمه البليغ

زاده الله توفيقاً إلى توفيق، ورفع بأمثاله أعلام البيان.

زكي مبارك

تصحيح بعض سقطات الكرملي

أنا أعلم أني طلبت إلى الأب أنستاس الكرملي أن يكون دقيقاً أميناً واعياً. . . أكون قد كلفته ما ليس من عادته، بل فوق ما يطيق. ولذا فغرضي من كلمتي ليس الأب نفسه، وإنما أكتب تحذيراً لبعض من يقرأ كلامه من ضعاف الطلاب حذراً أن ينخدع به ويعتمده من غير تحقيق

ادعى الأب في العدد (475) من الرسالة الغراء أن استعمال خطأ لضد الصواب (من الأغلاط الشائعة في مصر). ثم قال: (على ما كتب اللغة) فنبهنا في العدد (479) إلى أن هذا الرأي ليس في كتاب من كتب اللغة، ونقلنا له نقولاً أجمعت كلها - بلا استثناء - على أن (الخطأ) كلمة صحيحة وبعضها ذكر (الخطاء) بعد (الخطأ) وبعضها لم يذكر وبعضها وهاها وهو صاحب الصحاح. فسبب وهيهاً إذاً عدم ذكرها في بعض المعاجم ونص بعضها على توهينها

فلما صرعه الحق حاول أن يبتعد عنه فكان مما قال في العدد (487) من الرسالة: (خذ بيدك أي معجم شئت. . . تر أن الكلمة القليلة الأحرف مقدمة على غيرها)

وهذا - وإن وقع كثيراً - إلا إنه لا يطرد. وعلى ذلك تكون كلمة الأب تخرصاً، فقد فتحنا القاموس المحيط كما اتفق فرأيناه يقول:(خنز اللحم خنوزاً وخنزاً) فأطبقناه وكتبنا الكلمة منبهين على عدم تدقيق الأب وأمانته

أنا أريد أن (أفترض جدلا) أن (الخطاء) قد تسمو في بعض الأحيان إلى درجة (الخطأ) وإذاً يكون الأب قد جهل بديهة من البدائه اللغوية التي يتعلمها شادي العربية

ص: 33

أعلم أيهذا الأب إنه إذا أتتك كلمتان فصيحتان من مادة واحدة فقدم الأخف حروفاً فإنها أفصح. وهل أنت بحاجة إلى ردك إلى مصدر ما؟ نعم فراجع إذاً كتاباً صغيراً لأحد المتأخرين هو (البلغة لحسن صديق خان) ثم الفهم الفهم والأناة الأناة، ولك عطفي الخالص.

(دمشق)

سعيد الأفغاني

تصحيحان

1 -

جاء في البريد الأدبي من مجلة (الرسالة) الغراء (العدد 483) كلمة بعنوان: (رواية فاطمة البتول لمعروف الأرناءوط) وقد كتب هاته الكلمة الأديب لبيب السعيد حول الرواية المذكورة مقرظاً وناقداً. وجاءت في الكلمة هذه الجملة: (وفي وادي العقيق حيال قبر حمزة رضي الله عنه. والمتبادر المفهوم من سياق هذه الجملة أن قبر حمزة رضي الله عنه واقع في العقيق. وليس الأمر كذلك فإنه استشهد في وقعة أحد على سفح جبل الرماة الصغير القائم في قلب وادي قناة - لا وادي العقيق - وبينهما في هذه النقطة بون شاسع. وقد دفن سيد الشهداء بعد مصرعه ببطن وادي قناة، ثم نقل إلى شاطئ الوادي للشمالي في نقطة تسامت منتصف جبل أحد، وبغربي قبره قبور الشهداء في تلك المعركة

3 -

وجاء في هامش مقال (الحديث ذو شجون المنشور في (العدد 484) من مجلة الرسالة أيضاً تفسير لنسبة الظواهري بأنها (نسبة قديمة إلى الظواهر، وهي ضواحي مكة وبها كان يقيم أجداد الشيخ الظواهري في سالف الزمان، وإليهم ينسب كفر الظواهرية بمركز ههيا بمديرية الشرقية) اهـ

والحقيقة أن الظواهر - كما هو معروف - هم فخذ من بني سالم أحد بطون حرب. ويقيم هذا الفخذ لهذا العهد وما قبله بوادي الصفراء الواقع بين المدينة المنورة وينبع. وممن نص على ذلك الأستاذ فؤاد بك حمزة في كتابه (قلب جزيرة العرب) في الصفحة 142. والى هذا الفخذ نسبة الظواهري وكل ظواهري

(مكة المكرمة)

عبد القدوس الأنصاري

ص: 34

تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها

يذكر كثير من المتحدثين عن الفضيلة والأخلاق المثل العربي القائل: (تجوع الحرة ولا تأكل بثديها) ولكنهم يخطئون في فهمه، إذ أنهم يفهمون منه أن المرأة الحرة يجب أن تتحمل الجوع ولا تتخذ عرضها وسيلة لدفعه، وهم لا يذكرونه إلا في موقف يفهم منه هذا المعنى. ولعلهم يظنون أن كلمة (ثدييها) يكنى بها في هذا المثل عن عرض المرأة؛ والحق غير ذلك، فأصل هذا المثل أن أغلب نساء العرب كن يرين قيام إحداهن بإرضاع غير أولادهن مقابل أجر - قل أو كثر - مما يشين المرأة العربية، فقالوا:(تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) من أجل ذلك. بل كانت نساء بعض القبائل العربية كقريش لا يرضعن أولادهن، وكن يعددن ذلك عاراً، لأنه قد يدل على الفقر والفاقة، فكيف لهن إذن بإرضاع الأولاد الأجانب عنهن؟!

أحمد الشرباصي

حول اختلاف القراءات

قرأت ما كتبه الأستاذ محمد غسان حول اختلاف القراءات رداً على الأستاذ عبد المتعال الصعيدي، فوجدته قد اشتبه عليه رأي الأستاذ الكبير حتى ظنه ما يراه ابن المقسم من تجويز القراءة بما يحتمله الرسم وتظاهره العربية بدون نظر إلى الرواية. . . وشتان بين الرأيين، لأن رأي أستاذنا لا يراد منه تجويز قراءات لم ترد، وإنما يراد منه توجيه قراءات واردة بالتواتر أو الآحاد، ولا تدخل في باب اختلاف اللهجات بسبب جديد يرتاح إليه العقل، وتطمئن إليه النفس، ولا يبقى معه احتمال لما يزعم من نشوء ذلك من تصحيف. . . وهذا غرض يتفق مع ما أخذ به أستاذنا نفسه للدفاع عن الإسلام وأحكامه بما يتفق مع ذوق هذا العصر. وهو الطريق الذي سنه المصلحون من أئمة الدين قبله، فأفادوا الإسلام بآرائهم وأفكارهم إفادة جليلة سامية. فالأستاذ غسان لم يفهم كلمة أستاذنا كما فهمها الأستاذ عزت عرفة ولهذا جاء رده بعيداً عن الصواب

عبد العليم عيسى

ص: 35

رسالة عمر بن الخطاب في القضاء

كان مما قررته وزارة المعارف على طلاب الثقافة هذا العام رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري، وهذه الرسالة واردة في كتاب المنتخب للسنة الرابعة الثانوية وفيها قليل من التحريف، وعلى هذا الكتاب اعتمد المؤلفون الذين قاموا بشرح النصوص وطبعها ونشرها؛ ونحن نصحح هذه الأخطاء معتمدين في ذلك على كتاب رغبة الأمل من كتاب الكامل، للمرحوم إمام الأدب سيد بن علي المرصفي.

1 -

ورد في أخر الرسالة (فما ظنك بثواب غير الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته) والصواب فما ظنك بثواب عند الله عز وجل. . . الخ، ولا وجه للنص محرفاً، وقوله في عاجل رزقه وخزائن رحمته وصف لثواب الله لا ثواب غيره

2 -

(وإياك والقلق والضجر) والصواب الغلق، لأن القلق والضجر بمعنى واحد، والغلق يؤدي معنى أكثر من القلق؛ إذ هو ضيق الصدر وقلة الصبر فهو سبب الضجر.

زكي غانم

دنية القاضي في العصر العباسي

أما بعد: فقد بعثت إليكم في 15 أيلول سنة 1942 بمقال عنوانه (دنية القاضي في العصر العباسي). وقد جاء في المقال المذكور حاشية تحققت منها الآن أنها مغلوطة، فأبادر الآن لتصحيحها، إذ يعز عليّ أن أرى غلطاً فيما أحرره

قلت في نحو أواسط هذا المقال: (وللدنيّة أخبار طريفة كانت في أكثرها مدعاة للسخرية منها، والتمثيل بها. فقد روى أبو الفرج الأصفهاني حكاية قال فيها: (أخبرنا) محمد بن خلف وكيع قال: كان الخليجي القاضي، واسمه عبد الله (بن محمد) ابن أخت علوية المغني، وكان تياهاً صلفاً، فتقلد في خلافة الأمين قضاء الشرقية؛ فكان يجلس إلى اسطوانة من أساطين المسجد. . .) وذكرت في الحاشية أن الشرقية يقصد بها الجانب الشرقي من بغداد. والصواب: أن الشرقية على ما في معجم البلدان (3: 279؛ طبعة وستنفلد): (محلّة بالجانب الغربي من بغداد، وفيها مسجد الشرقية في شرقي باب النصر. قيل لها الشرقية لأنها شرقي مدينة المنصور لا لأنها في الجانب الشرقي)

ص: 36

(بغداد)

ميخائيل عواد

ص: 37

‌الكتب

عبقرية عمر

للأستاذ عباس محمود العقاد

بقلم الأستاذ محمود أبو رية

لما نشرت الصحف أن الأستاذ عباس محمود العقاد قد أجمع النية على وضع كتاب عن (عبقرية عمر) قلنا إنها آية جديدة على بعد إدراكه وسعة عقله ما دام هو بسبيل الكتابة عن العبقرية الإسلامية، فانه ليس أحرى بالدرس والتأريخ بعد رسول الله صلوات الله عليه من عمر. ذلك بأن التأريخ الإسلامي لم يشهد من العدل والحزم وحكمة السياسة والقيام على أمور الرعية بالنصفة والمعدلة مثل ما شهد في عهده، حتى لقد كانت أيامه مضرب المثل الصالح في العدل والإصلاح على مدى التاريخ كله. ولقد اعتز به الإسلام من أول يوم أسلم فيه وظل عزيزاً به طول حياته، ولم يكد ينقلب إلى ربه حتى انقلبت الأحوال وتبدلت الأمور وانبعث بنو أمية بما كان جاثماً في صدورهم من الحقد والشنآن على بني هاشم، فأحاطوا بعثمان واستحوذوا على الملك، وقام الأمر منذ يومئذ على قوة العصبية والغلب، وتصدع البناء الإسلامي الذي كان قد أقيم على الشورى والعدل. وكذلك أخذ داء التفرق الديني واليأس يدب في جسم الأمة الإسلامية حتى أنهك قواها وأذهب ريحها. ولقد صدق علي في قوله يوم موته:(إن موت عمر ثلمة في الإسلام لا ترتق إلى يوم القيامة)

وثم أمر آخر يوجب تقديم هذا الرجل في التاريخ على غيره قد بينه الأستاذ المؤلف في أصدق عبارة فقال: (إن دراسة عمر غنيمة لكل علم متصل بالحياة الإنسانية كعلم الأخلاق وعلم الاجتماع وعلم السياسة، ولم تقتصر مزايا هذه الدراسة على علم النفس وكفى)

ولئن كان مؤلفنا الكبير قد عاجله التوفيق في وضع عمر في مكانه اللائق به في التاريخ، فإنه قد أحسن غاية الإحسان في إنه لم يتخذ في كتابه سبيل من كتب قبله فقال:

(وكتابي هذا ليس بسيرة لعمر ولا بتاريخ لعصره على نمط التواريخ التي تقصد بها الحوادث والأنباء، ولكنه وصف له ودراسة لأطواره ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة من هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وحقائق الحياة)

ص: 38

وإنه لعلى حق فيما نهج لنفسه، لأن طريقة التأليف التي تقوم على سرد الحوادث وإيراد الوقائع وبخاصة إذا كان ذلك قد صار من علم الناس أصبحت من الأمور التي تبعث الضيق إلى الصدر والسأم إلى النفس، ولو أن الأستاذ العقاد كان قد اتبع سنن من قبله الذين يتزيدون من نقل الحوادث بغية الجمع، ويتوسعون بتدوين الوقائع ابتغاء الحشد، فإنه لا يكون قد أربى عليهم بشيء ولا تكون المكتبة العربية قد غنمت منه إلا زيادة كتاب فيها!

كان الناس لا يعلمون بما درسوا من كتب السيرة كل ما يجب أن يعرف عن عظمة هذا الرجل الذي كان (ممتازاً بعمله ممتازاً بتكوينه، وكان وفاء شرط الامتياز والتفرد في عرف الأقدمين والمحدثين من المؤمنين بدينه وغير المؤمنين)

ولئن كان المؤرخون قد أطالوا في سرد تاريخه وأكثروا من بيان أعماله فإنهم لم يصلوا إلى دراسة حقيقة هذه النفس الكبيرة، ولا عرفوا كيف يتغلغلون إلى آفاقها الواسعة ومراميها البعيدة، وهذا لعمرك هو الفارق بين الكتاب الذي لا يرعف قلمه إلا مداداً يسيل على الصحف سطوراً سوداء وبين الكاتب الملهم الذي ينبثق من قلمه نور يشق الحجب لينفذ إلى ما وراءها، ويمزق الغلف ليصل إلى خفاياها

إن أظهر صفة لعمر قد أشاد التاريخ بها وحفظها له رائعة جليلة هي صفة (العدل)، وعلى أنك ترى أصحاب السير قد ملئوا بطون الأسفار من الأنباء التي تثبت هذه الصفة وتدل عليها، فإنك لا تجد أحداً منهم قد هدى إلى إظهار حقيقة هذا العدل العمري، ولا استطاع أن يصل إلى كنه أسبابه حتى يعلم الناس كيف امتاز عدل عمر من عدل غيره فبلغ به ما لم يبلغ سواه من الثناء والإعجاب ما دام يجري على وجه الأرض حكم، ولكنك لو رجعت إلى كتاب (عبقرية عمر) لوجدته قد وقفك على مرد هذا العدل وكشف لك عن أسبابه فيقول:(إن له روافد شتى بعضها من وراثة أهله، وبعضها من تكوين شخصه، وبعضها من عبر أيامه، وبعضها من تعليم دينه، وكلها بعد ذلك تمضي في اتجاه قويم إلى غاية واحدة لا تنم على افتراق). ولا يدعك على هذا الإجمال بل يفصل لك القول عن هذه الروافد حتى تصير وملء نفسك الإعجاب والرضا

ولا يكتفي بدرس هذه الصفة بل يمضي في استقصاء دراسة سائر خلائقه وصفاته فيقول:

(إن خلائقه الكبرى كانت بارزة جداً لا يسترها حجاب؛ فما من قارئ ألم بفذلكة صالحة من

ص: 39

ترجمته إلا استطاع أن يعلم أن عمر بن الخطاب كان عادلاً وكان رحيماً وكان غيوراً وكان فطناً وكان وثيق الإيمان عظيم الاستعداد للنخوة الدينية). وبعد أن يحدثك بأن هذه الصفات مكيفة فيه وأنها تتجه (إلى جهة واحدة، ولا تتشعب في اتجاهها طرائق قدداً كما يتفق في صفات بعض العظماء). وأن هذه الصفات يتمم بعضها بعضاً (حتى كأنها صفة واحدة متصلة الأجزاء متلاحقة الألوان) يمضي فيقول: (وأعجب من هذا التوافق بين صفاته أن الصفة الواحدة تستمد عناصرها من روافد شتى ولا تستمدها من ينبوع واحد، ثم هي مع ذلك متفقة لا تتناقض متساندة لا تتخاذل كأنها لا تعرف التعدد والتكاثر في شيء)

وهل تراه يقف بك عند هذا الاستقصاء البعيد أو يقنع بما قدمه من بحث ليس وراءه من مزيد؟ إن فلسفته لتأبى عليه إلا أن يمعن في الاستيعاب ويبالغ في الدرس فيقول (وما العدل والرحمة والغيرة والفطنة بغير الإيمان الذي هو الرقيب الأعلى فوق كل رقيب، والوازع الأخير بعد كل وازع، والمرجع الذي لا مرجع بعده لطالب الإنصاف)(إن إيمان عمر هو الضابط الذي يسيطر على أخلاقه وأفكاره، كما يسيطر على دوافعه وسوراته) ثم لا تدعه فلسفته العميقة حتى تظفره بسر لم يهتد إليه أحد من قبل ذلك هو (مفتاح الشخصية العمرية) ذاك الذي عرفه الأستاذ العقاد بأنه (السمة التي تميزه بين العظماء حتى في الإيمان، وسيطرته على الأخلاق والأفكار والدوافع والسورات، فإن الإيمان ليقوى في نفوس كثيرات ثم تختلف آياته وشواهده باختلاف تلك النفوس. . . والذي نراه أن (طبيعة الجندي) في صفتها المثلى هي أصدق مفتاح (للشخصية العمرية) في جملة ما يؤثر أو يروى عن هذا الرجل العظيم)

ولم يستأثر بهذا المفتاح بل تناوله بيد ماهرة وفتح به مغاليق هذه النفس الكبيرة ليبين للناس بقلمه البليغ خصائص عظمتها وما استفادت الحياة منها مما يجعلك تشهد مقراً بنفاذ بصره وقوة ذهنه

وبحسبك أن تراه لا يتولى ناحية من نواحي هذه العظمة إلا أتى على أطرافها وأحاط بجميع أكنافها، ولا درس جانباً من جوانبها إلا هتك من سره، وأظهر المكنون من أمره

ولا نذهب نستزيد في بيان ما اشتمل عليه كتاب (عبقرية عمر)، لأن ذلك يحتاج إلى مقالات مستفيضة، وإنما نجعل كلمتنا دالة تشير إلى جملة هذا الكتاب دون تفصيله، فإذا لم

ص: 40

يكن فيها كل البيان عنه فليكن فيها شيء من دليله

ولعل هذه اللمحة تبين موضع هذا الكتاب الممتع الذي صور فيه العقاد عبقرية عمر أصدق تصوير وسايرها من إسلامه إلى عمله في الدولة ومعاملته للرسول وأصحابه، ثم ما كان عليه من ثقافة وغير ذلك مما لا تجد مثله في كتاب قبل اليوم

ولئن كان العقاد قد كشف بكتابه هذا عن عبقرية عمر وجلاها للناس في أروع مظهر وأبلغ بيان، فإنه قد أثبت العبقرية لنفسه في هذا الكتاب الفريد حتى لا يكاد يختلف في ذلك اثنان.

(المنصورة)

محمود أبو رية

ص: 41