الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 505
- بتاريخ: 08 - 03 - 1943
أسس الإصلاح
للأستاذ عباس محمود العقاد
الإصلاح المرتجل، أو الإصلاح الجزاف، قلما ينفع وقد يضير ونعني بالإصلاح المرتجل أو الإصلاح الجزاف كل إصلاح لا ينظر فيه إلى الحاجة التي تدعو إليه، ولا إلى الأساس الذي يقوم عليه. فهو كالدواء الذي يعطى قبل معرفة الداء، أو كالعلاج الذي يعالج به الجهلاء كل داء: يفيد إن أفاد مصادفة واتفاقا، ويضير - إن ضار - لأن الشأن فيه أن يضير فلا بد لكل إصلاح من أساس يقوم عليه، ومن حاجة يغنى فيها بمقدارها وعلى حسب البيئة التي تنشأ فيها ولا بد لأولئك كله من تقدير صحيح لكثير من الأمور نقول ذلك لان حديث الإصلاح في العالم يجري على كل لسان، وينقله المتحدثون في مصر ليقيسوا عليه ما يقبل المقياس، وبخاصة ما نقلته الأنباء البرقية عن (مشروع بيفردج) في البلاد الإنجليزية، وما يرتبط به الشعب التي لا عداد لها في نواحي السياسة والاقتصاد والأخلاق ولا نريد هنا تفصيل القول في هذا المشروع، فلهذا التفصيل وقته حين ترد ألينا البحوث المسهبة التي أحاطت به من جانب القبول ومن جانب الإنكار، ومن جانب آخر غير القبول والإنكار وهو الاعتراف بالأساس كله - أو ببعض الأساس - ثم التعقيب عليه بالإضافة أو التعديل. فحسبنا الآن أن نقول إن المشروع يشتمل على النظم التي تكفل إعانة العجزة والعاطلين ووقاية الأطفال وتأمين الصحة العامة وتعويض المصابين في الأعمال القومية، وما شاكل ذلك من ضروب الإعانة والصيانة والترفيه. حسبنا هذا الآن إلى أن يحين الأوان للبحث المفصل في أجزائة، والمقابلة المفصلة بينه وبين نظائره من مواطن الإصلاح في البلاد المصرية، وفي البلاد الشرقية على التعميم. إلا أن الوقت قد حان - بل حان جداً - لإقامة هذه المشروعات الإصلاحية كلها على أساسها القويم، حذرا من يوم نصاب فيه بالإصلاح المرتجل أو الإصلاح الجزاف، فلا ننجو من غوائله إلا بعد حرب أخرى كالحرب الحاضرة، وساءت تلك من نجاة هي والمصيبة سواء!
هذا الإصلاح على أي أساس يقوم؟
إن بعض الفضلاء الذين عقبوا على مشروع بيفردج في مصر قد فهموا منه أنه غلبة للمذهب الحكومي على المذهب الفردي في معقل الفلسفة الفردية، وهو البلاد الإنكليزية
وقبل التعقيب على هذا الفهم لا غنى لنا عن بيان وجيز لما نقصده من المذهب الحكومي والمذهب الفردي في صدد هذا الإصلاح، وصدد كل إصلاح من قبيله
فالمذاهب الاجتماعية تتشعب كثيراً بين الأمم الأوربية، ولكنها بعد هذا التشعب تنحصر في طرفين اثنين جامعين، وهما توسيع الحرية الفردية أو توسيع الرقابة الحكومية
فالديمقراطية تميل إلى توسيع الحرية الفردية
والنازية والفاشية والشيوعية - أيضاً - تميل إلى توسيع الرقابة الحكومية
وأنصار الديمقراطية يرون أن الرقابة الحكومية ينبغي أن تتناول الأقل الأقل من شئون الأفراد الخاصة والعامة، ولا تمتد إلى شأن من شئون العقيدة أو التربية أو المعاملة إلا بحساب شديد وقدر مقدور لا يتجوز في المزيد
وأنصار الرقابة الحكومية ينوطون بالحكومة تدبير الثروة العامة وتدبير التربية العامة والهيمنة على الأعمال ورؤوس الأموال والعلاقة بين أصحاب المصانع وعمالهم وأصحاب المتاجر والمشترين منهم، كأنما جميع هؤلاء موظفون في شركة كبيرة أو ديوان كبير
والميل الغالب بين الإنجليز هو الميل إلى الحرية الفردية سواء تمثلت في الديمقراطية أو في نظام من النظم التي تشبهها وتؤمن بصلاحها.
نزع القوم إلى ذلك في مسائل الاقتصاد، وفي مسائل السياسة، وفي مسائل الاخلاق، وفي مسائل الآداب والفنون والعلوم. فالحرية الفردية عندهم هي النعمة التي لا تعد لها نعمة، والحكومات كلها عندهم إنما هي وسيلة من وسائل تحقيق هذا النعمة الكبرى: معيار صلاحها هو مقدار فلاحها في تحقيق هذه الغاية التي لا تعلوها غاية
وتخلص مذهب القوم هذا في كتاب هربرت سبنسر عن الفرد والدولة، أو عن (الإنسان) والحكومة، تكبيراً لمكان الفرد، وحداً من مكان الدولة
وساعد القوم على الإيمان بهذا المذهب أنهم من قديم الزمان فرديون غالون في حب الحرية الفردية، أو هم فرديون تاريخياً وجغرافياً ونفسياً باتفاق الزمان والمكان، وأحداث الحياة، وتطورات النفوس
هم سكان جزيرة منعزلون، وأقاليمهم كانت فيما مضى ولايات منعزلة يشبه أن يكون كل أمير في ولاية ملكاً مستقلاً لا يدين للحكومة العامة بغير الولاء من بعيد؛ وهم ركاب سفن
تعودوا أن تكون كل سفينة كأنها وحدة مستقلة فوق الماء وتحت السماء؛ وهم تجار يحرصون على حرية الأخذ والعطاء؛ وهم من سلالات الشمال (الضبابي) التي تعود أهلها الإيواء إلى المنازل كأنها القلاع والحصون لا يطرقها طارق بغير إذن من أصحابها.
فهم حريون فرديون معرقون
أفنستطيع أن نقول اليوم إن مشروع الإصلاح الجديد قد قلب هذه الأوضاع جميعها رأساً على عقب وخرج بهزيمة الحرية الفردية في معاقل الديمقراطية؟
إن قلنا ذلك فنحن ناقضون لمنطق الحوادث، بل منطق الحرب الحاضرة على الخصوص لأن الحرب الحاضرة في صميم لبابها حرب بين المعسكرين المتقابلين: معسكر الحرية الفردية ومعسكر الرقابة الحكومية.
فمنطق الحوادث إذا انتصر الديمقراطيون ألا تهزم الديمقراطية، ولا تنتصر عليها الرقابة الحكومية في نطاق واسع بعيد الآماد
وجائز أن تقتبس الديمقراطية بعض الحسنات من النظم الأخرى التي تقبل (الاندماج) في بنيتها
ولكن الذي لا يجوز أن تنتصر فيصاب مبدأها بالهزيمة، وينهدم أساسها الذي قامت عليه إنما الحقيقة أن مشروع بيفردج وما يحكيه من مشروعات الإصلاح هو انتصار للديمراطية على الفاشية والشيوعية في جوهر الخلاف بين المعسكرين
هو انتصار للقول بتعاون الطبقات على القول بحرب الطبقات، ومن ثم فهو انتصار للديمقراطيين على المعسكر الذي يقابلهم في الحرب الحاضرة
فالديمقراطية هي حكم الأمة بالأمة للأمة، ولا تناقض بين هذا المبدأ - أو هذا الأساس - وبين تعاون طبقات الأمة على المعيشة الاجتماعية
وأنصار الرقابة الحكومية هم القائلون بحرب الطبقات، وهم الذين يرجعون بالتاريخ من قديم إلى غلبة طبقة واحدة وتسخير سائر الطبقات لمنافع تلك الطبقة، ويعتقدون أن تفسيرهم للتاريخ الإنساني يقتضي في النهاية أن تتغلب الطبقة العاملة وحدها على الدولة فتنزع الأموال والأملاك وتدخلها في حوزة الدولة التي لن يكون فيها يومئذ غير طبقة واحدة
فعبرة الحرب الحاضرة هي انتصار الديمقراطية التي تقول بتعاون الطبقات
بل تقول بعموم مذهب التعاون في العلاقات الدولية والعلاقات الداخلية على السواء
وإذا كان للتاريخ الإنساني معنى فهذا هو منطق الحوادث في صراع اليوم، وهذا هو منطق الحرب الحاضرة إذا شاءت لها الأقدار أن تجري إلى نهايتها على استقامة واعتدال
ونحن نؤمن أن الحرية الفردية هي رائد التاريخ الإنساني من قديم الزمان، وأنها هي مناط التقدم في الحياة الاجتماعية وفي الحياة النفسية بلا اختلاف
ويخطئ من يرجعون بنشأة الحرية الفردية إلى الثورات الحديثة، أو إلى العهد الذي شاعت فيه كلمة الديمقراطية على ألسنة الخاصة والعامة في الجيلين الأخيرين
فالحرية الفردية - أو الديمقراطية - قد نشأت مع الأديان السماوية الذي آمن فيه الإنسان بالروح وآمن بالتكليف، وآمن بالمساواة بين الأرواح أمام العزة الإلهية
يومئذ عرف الفرد أنه فرد له روح تناط بها الفرائض والواجبات، ويناط بها الثواب والعقاب
ويومئذ أصبح الإنسان (وحدة) مستقلة أمام الله
ويومئذ قام أساس الديمقراطية في الأرض قياماً لا يزول ولن يزول، إلا أن يذهب التاريخ فوضى بغير دلالة وغير اتجاه
ولهذا آمنا حق الإيمان بهزيمة الطغيان في هذا الصراع القائم على الرغم من ظواهر النجاح في بداية الصراع. لأننا آمنا حق الإيمان أنه واقف في طريق التيار الجارف، وأن الإنسانية لو كانت تريد أن تدين بالقوة الغاشمة لما كانت بها حاجة إلى الأديان تظهر بعد القوة الغاشمة هي - أي القوة الغاشمة - عند الإنسانية من بداية عهدها، بل من بداية عهد الحيوان
ولهذا نفهم أن مشروعات الإصلاح على سبيل المثال مشروع بيفردج لا تدل على هزيمة الحرية الفردية ولا يمكن أن تدل عليها وتطمع في النجاح
ولكنها تدل على التعاون بين الطبقات، والتعاون بين الأمم، والتعاون بين الأفراد
تدل على العالمية، وهي اتساع لحرية الفرد في العالم كله، واتساع لحرية كل وطن من الأوطان
وهي تقدم في الاتجاه القديم: الاتجاه الذي تجلى يوم آمن الإنسانية بروحه وتكليفه واستقلاله بين يدي الله
فالحرب الحاضرة قد أظهرت أن الأمم تحارب متعاونات بين جميع طبقاتها، وينبغي أن تجني فضائل السلم في جميع طبقاتها
وعلى هذا الأساس يقوم الإصلاح الصحيح السالك في سبيل التاريخ، وليس على أساس التناحر بين طبقات بغير أمل في التوفيق والتعاون والسلام
تبقى الطبقات وتتعاون على المثال الذي ظهر في هذه الحرب
أظرف يوم!
للدكتور زكي مبارك
انتظر أبنائي سيارة الليسيه خمسين دقيقة أو تزيد. انتظروها على باب البيت، بين المطر المنهمر والريح العصوف
وحين أشفقت أمهم فدعتهم إلى الدخول أجابوا ضاحكين: هذا أظرف يوم!
ثم جاءت السيارة فأقلتهم برفق إلى معهدهم المحبوب، ولعلهم لم يحبوا معهدهم بأكثر ما أحبوه في هذا اليوم، فلن تكون الروس غير حكايات وأقاصيص، ولن يكون المدرسون غير أطفال كبار يفرحون بمنظر المطر الهتان!
وبقيت في البيت أسأل نفسي عما أصنع، فما يجوز أن أخرج في مثل هذا اليوم، وهو لا يصلح لغير اقتناص الأوابد من الذكريات
لم يكن المطر غريبا عليّ، فقد تمتعت به أعواما في الديار الفرنسية. ولن أنسى فضله يوم دخلت مدينة الهافر أول مرة في سنة 1927، فقد أتاح الفرصة لمحادثة ريحانة مطولة على غير ميعاد. . . نظرت إليها بعين الغريب الحائر وقلت: ، - ' ?
وبين السؤال والجواب تلاقى روحان، وكان المطر سبب التلاقي
وفكرت في (المطرية) التي نسيتها على سلم البيت المحبوب في باريس، يوم فارقتها آخر مرة في صيف سنة 1933
وعلى محطة ليون تذكرت تلك (المطرية)، وجاءت فلانة لتوديعي، فلانة التي كانت قالت: ،
يومئذ أوصيت فلانة بأن ترجع إلى البيت المحبوب لتأخذ المطرية التي نسيتها هناك
تذكرت وتذكرت
تذكرت أني حين رجعت إلى بغداد في صيف سنة 1939 مع (وفد مصر) للاشتراك في تأبين الملك غازي رأيت في شارع الرشيد إنسانة تشبه تلك الفلانة، فطوفت حولها مرات إلى أن صرخت:
فقلت: لا غرابة في أن لا تعرفني، فشمس بغداد تزيغ عيون الباريسيات
كان أمر هذه الفلانة عجبا من العجب، كانت فتاة غريبة الروح، وقد تركت دينها لتعتنق
ديني، بعد مصاولات روحية يضيق عن شرحها هذا الحديث
وما السبيل إلى قضاء لحظات أعرف بها كيف تحدرت هذه الموجة إلى بغداد؟
- ندخل هذا الفندق؟
- لا، فهو فندق مطروق!
- وهذا الفندق؟
- هو فندق حوله شبهات!
- والى أين نتجه يا شيطانة، وقد عرفت من خفايا بغداد أضعاف ما أعرف؟
- إلى فندق مود
وكان فندق مود هو الفندق الذي نزل به (وفد مصر)، وكان اجتماعي بها فيه يعد فضيحة في أنظار المصريين والعراقيين
قال حمد باشا الباسل: ما تلك بيمينك يا دكتور مبارك؟
فأجبت: هي حية هديتها إلى الإسلام يوم كنت في باريس!
ثم دارت بيني وبينها كؤوس من الشراب الحلال
وهممت بدفع ثمن الكؤوس فاعترض الأستاذ عبد المسيح وزير، وتلطف حمد باشا فقال: لو رأيتكما بمصر لجعلت (قصر الباسل) مقركما إلى آخر الزمان!
ثم دعاني حمد باشا إليه في جانب من بهو الفندق ليسر في أذني كلمات
- ما هذا الذي تصنعه بنفسك يا دكتور مبارك؟
- وماذا أصنع بنفسي يا باشا؟
- ما قدومك علينا بهذه المخلوقة المتبرجة؟
- هي التي قدمت علي من باريس
- أنت عرفت هذه الفتاة في باريس؟
- وهديتها إلى الإسلام
- أنت تهدي إلى الإسلام؟
- أسألها تخبرك!
ثم نظرت إلى حمد باشا وقلت:
- هل تعرف (الحلوبة)؟
- وما الحلوبة؟
- هي أمطار عنيفة مزلزلة تفاجئ العراق في بعض أيام الشتاء
- فهمت فهمت!
- ماذا فهمت يا باشا؟
- فهمت أن هذه الحلوبة تقع على قلبك في الصيف لا في الشتاء
- نعم، وبهذا تتم المعجزة في الحياة العراقية!
ثم عاد حمد باشا فقال:
- أيطول هذا المجلس؟
- أي مجلس؟
- المجلس الذي يدور فيه الغزل بطريق العلانية!
ثم التفت فرأيت الجارم بك يوغل في التنكيت، ورأيت الدكتور عزام يروي أشعاراً، فأخذت بذراع الفلانة وانصرفت
ولكن إلى أين؟
إلى الفندق الذي تقيم به مع خطيبها العراقي، وكانت حدثته عني أحاديث شوقته إلى أن يراني
- دكتور، أنت الذي سميت هذه الفتاة ليلى؟
- وأنا الذي علمتها كيف تكتب أسمها بحروف عربية
- وترى أن أقترن بها؟
- وأرى أن (تتطوق) بها؟
- ايش لون؟
- تلك عبارة مصرية، ستفهمها بعد حين
ولم أدر ما جد في الدنيا بعد ذلك اليوم، وإنما أذكر أني تلقيت خطاباً من (ليلى المريضة في باريس) تقول فيه: قتل السيد رستم حيدر، وكان النصير الأوحد لخطيبي، فما الذي ترى في مصيره ومصيري؟
في تلك اللحظة تذكرت سعادة الأستاذ طه الراوي، وهو غاية في كرم النفس وشرف الروح
. . . هل أكتب إليه بخبر فلانة وفلان؟
وأسرعت الدنيا فأثارت الحرب، وأمست أحاديث المحبين عبثاً في عبث، ومجوناً في مجون!
كانت الحرب هي (الحلوبة) الدنيوية لا العراقية، والعراق مظلوم في اتهامه بالشقاق، فتأريخه في أسوأ أحواله اهدأ من تأريخ الأمم التي تدعي الشوق إلى السلام والقرار والاطمئنان
حلوب العراق لا تدوم غير ساعات، أما حلوبة الغرب فلا تنقضي إلا بعد سنين
ما هذا الذي أرى؟ ما هذا؟ ما هذا؟
هذه أمطار وبرق ورعود!
لم يبق من تقليد مصر للغرب إلا أن تتشبه بجوه في هذا الهذر الممقوت!
وانظر فأرى صدري ينقبض حين يخف المطر لحظة أو لحظتين، وكان المظنون أن افرح بميل الجو إلى الاعتدال
ما السر في هذه النزعة الغربية؟ ما السر في الفرح بهطول الأمطار في بلاد أغناها النيل عن الغيث؟
لعل ذلك يرجع إلى أن (الإنسان الأول) يحتل صدورنا من حيث لا نعرف، وإلا فكيف جاز لأبنائي أن يقولوا إن هذا اليوم هو اظرف يوم؟
كان الماء من أسباب الوقاية عند القدماء، الوقاية من غارات السباع والوحوش، وكانت المياه سببا في انتصار المصريين في اعظم معركة من معارك الحروب الصليبية، وهي المعركة التي اشترك فيها النيل، فقد أحاط بالأعداء من كل جانب، وقضى عليهم بالخذلان.
وهنا أذكر حواراً دار فوق منبر الأزهر في أيام الثورة المصرية سنة 1919:
حضر الخطيب محمد بك أبو شادي ذات ليلة ليحدثنا عن الأخطار المخوفة من سيطرة الإنجليز على السودان، فقال فيما قال إن تلك السيطرة قد تكون سبباً في منع مياه النيل عن الأراضي المصرية
عند ذلك علت المنبر وقلت ينبغي أن نبحث عن أسباب منطقية لاحتفاظ مصر بالسودان.
وأنا أرى أن مسالة المياه قليلة الأهمية، لأن حياة السودان في تحدر مياه النيل إلى الأراضي المصرية. ولو وجد السودان من يساعده على احتكار مياه النيل لتعرض لآفات من الحميات لا يعلم أذاها غير علام الغيوب ثم ماذا؟
ثم طافت بالقلب خواطر حول شعور المصريين بظواهر الوجود وأقول بصراحة أن الذين ينظمون الأغاني يخطئون أبشع الخطأ في الإكثار من التغني بالرياض والبساتين
إن المصريين لا يفهمون هذه الاشياء، ولن يذوقوها لو فهموها، لأن مصر خضراء في جميع الفصول، وهي من أجل هذا لا تشعر بقدوم الربيع، لأن دهرها كله ربيع
الروض كلمة غير مفهومة، أو كلمة لا تذاق في الديار المصرية على نحو ما يفهمها ويذوقها شعراء العرب في البلاد التي تتأذى بالشتاء
المصري لا يدرك تقلبات الجو إلا في أندر الاحوال، وهل في مصر جو يتقلب؟
دخلت على المسيو دي كومنين وأنا محزون في يومٍ مطير فقال:
، ' ،
ولكن المطر لم ينتظر إلى الغد، فقد صفت السماء قبل أن ينتهي الحديث
والمسيو دي كومنين يلازم سرير المرض منذ أسابيع ولم أفكر في عيادته لأني اكره رؤية الاساد وهي مراض
سمعت أيضاً أن الأستاذ محمد الههياوي مريض، وان أطباء مستشفى الدمرداش قد احتجزوه عامين بعد الشفاء، لأنهم علموا أن أحد أبنائه مات، وليس من المصلحة لمريض في دور النقاهة أن يدخل بيتا شعاره السواد
هل يعرف أبناء هذا الجيل أن الههياوي كان اخطر مفنِّد لمشروع (ملنر) في السنين الخوالي؟
عند الله جزاؤك يا صديقي، لا عند الوطن، فقد كدت أؤمن بأن الوطن المصري لا يحفظ الجميل
الههياوي مريض، وسيعافى بأذن الله حين يقرأ هذه الكلمات، فلعل دواءه في أن يجد صديقا يذكره بالخير وهو عليل
ما هذا الجو العبوس؟ وما هذا المطر الهتون؟
وما شقائي بمرض الأستاذ محمد الههياوي ومرض المسيو دي كومنين؟
واين الأستاذ محمد عوض جبريل؟
أين أخوان عرفتهم يوم كانت الدنيا تسمح بأن يأنس صديق إلى صديق؟
إن الأستاذ أسعد داغر مريض منذ شهرين، وهو صوره من صور الوداد الصحيح، فأين من توجع لعلته بقصيدة في جريدة الاهرام، وهي تنشر قصائد التوجع لمرضى الروس واليونان؟
ثم ماذا؟
ثم أنتهز هذه الفرصة لتوضيح حقيقة غفل عنها أكثر الباحثين فأقول:
ليس في مصر أحزاب بالمعنى الذي يفهمه الأوربيون، لان جو مصر لا يوحي بالاختلاف كما يوحي بالائتلاف
وأذن يكون النجاح الحزبي في مصر مقصورا على الجماعات التي تعرف كيف تأتلف، وهذا هو الواقع بالفعل، فما فازت جماعة في مصر إلا بمراعاة ما في الجو المصري من الثبات والفرد كالجماعة في مصر، ففي مقدور كل فرد أن ينجح إذا مشى في طريق واحد إلى آخر الشوط، أما التنقل من حال إلى أحوال فهو نذير الانحلال
الإنسان ابن جوه، وجو مصر لا يعرف التقلب، ولو راجعنا تواريخ الفائزين في معترك الحياة المصرية لرأيناهم جميعا من أهل الثبات في الأفكار والآراء
إن المصري يتكلف ويتصنع حين يرائي، لان جو مصر لا يساعد على الرياء
والحقد الأسود في مصر لا يقع إلا من رجل نسبه في مصر مدخول. وبكلمة واحدة تصفى ما بينك وبين خصمك من أبناء هذه البلاد، لان فطرة المصري منقولة عن جوه، وهو غاية في الصفاء
ولكن ما هذا اليوم (الملخبط)؟
أني أخشى أن يجعل مقالي هذا (لخبطة في لخبطة)!
هو ذلك، فقد انتقلت من حديث إلى أحاديث بلا نظام ولا ترتيب.
سيصفو الجو، سيصفو بعد ساعات، لا بعد أيام
الإنسان ابن جوه؟
كذلك قلت، فما بالي أعاني شجوناً تحترب في جميع الاحايين؟
ما حالي في دنياي؟ وما نصيبي من الجو المفطور على الصفاء؟
لا بأس، فبحرف أو نصف حرف أبدد ما حولي من المصاعب حين أريد، ولن أريد، لان الصراحة في الخصومة معنى نقلته عن وطني، وأنا لوطني أوفى الأوفياء
أعظم عيب في مصر هو أنها لا ترضى عن التفاوت في المواهب فهي لا تلتفت أبداً إلى الأوساط من الرجال في أي ميدان
وهذا العيب فضيلة عبقرية، ونحو به فرحون
لن نترك فرصة تمر بلا برهان على صحة البنوّة لهذه السماء وما صحت في غير مصر سماء، فتقشعي أيتها الغيوم الدخيلة على سماء هذه البلاد
هذا أظرف يوم؟
نعم، هو أظرف يوم، لأني أسلمت فيه العنان للقلم الجموح
زكي مبارك
الحكم الذاتي في المدرسة
للأستاذ السيد يعقوب بكر
وهناك مسألة أخرى يصح التحدث عنها، وهي مسألة الإيعاز والحكم الذاتي
فللإيعاز أشكال كثيرة. ومن أعود هذه الأشكال بالفائدة شكلان: الإيعاز الإيجابي، والإيعاز السلبي. والإيعاز السلبي فيما يبدو أكثر فائدة في مضمار التربية
فالمربي يركن إلى الإيعاز الإيجابي حين يجد تلميذه أو تلاميذه ينهجون سنناً يؤدي بهم فيما بعد إلى اعوجاج تربوي. فإذا لم يرعوا تلميذه أو تلاميذه عن إنهاج هذا السنن فله حينئذ أن يسلك أحد سبيلين: فإما أن يصطنع العسف، وأما أن يرفض تحمل مسئولية ما يحدث. وصفوة القول أنه إذا وجد المربي تلميذاً ينتهج سنناً في انتهاجه ضرر تربوي، فعليه إذا استطاع أن يحول بينه وبينه، وإلا فليخبر من بيدهم القوة
على أنه يجب ألا يركن إلى الإيعاز الإيجابي كثيراً، ولكن إذا مست الحاجة إليه فليصطنع بغير تردد
أما الإيعاز السلبي فهو أدعى إلى الاهتمام. ذلك لأنه الوسيلة التي يصطنعها المربي لتدريب تلاميذه على تفقد العلاقة بين السبب والمسبب، وبذلك يعمل على أن يحقق لهم شخصيتهم العقلية. ومتى مرن هؤلاء التلاميذ على تفقد العلاقة بين السبب والمسبب فأنهم يستطيعون أن يصلوا إلى مرحلة العمل المثمر
ولنضرب للإيعاز السلبي مثلا نوضح به هذا الذي نقول. فلنفرض أن هناك فصلاً يصطنع فيه الحكم الذاتي، وأن تلاميذ هذا الفصل يبحثون مثلا مشكلة التأديب. فهناك نجد هؤلاء التلاميذ عاطلين من العقول الناضجة ومن الخبرة بالحياة، وأنهم لهذا يغفلون في اعتبارهم بعض الأحوال، فإذا ما وصلوا إلى رأي ما في هذه المسالة، فأن رأيهم هذا يكون رأياً مبتسراً غير مبني على اعتبار جميع الأحوال. وهنا يأتي دور المدرس، فإما أن يضع نطاق اعتبارهم حالة يتناولها رايهم، واما أن يسألهم مباشرة عما إذا كان خطر ببالهم انهم اغفلوا اعتبار عامل من العوامل. فإذا أدى بهم هذا إلى أن يعيدوا النظر في رأيهم ويصلوا بذلك إلى كنه المسألة، فان المدرس يكون حينئذ قد اصطنع الإيعاز السلبي ليعينهم على الوصول إلى هذا الرأي الصحيح. وإذا لم يستطعيوا الوصول إلى هذا الرأي الصحيح فعلى
المدرس حينئذ أن يدعهم وما وصلوا إليه. فانهم سيدركون بالخبرة أنهم كانوا على خطأ، وأنهم لم يدخلوا في اعتبارهم جميع الحقائق.
وهنا مسألة ثالثة هي مسألة تأثيرات الحكم الذاتي. فللحكم الذاتي تأثير فيما يتعلق بالحياة، وتأثير فيا يتعلق بالنجاح في الحياة. ولنتكلم عن كل من هذه التأثيرات
1 -
فيما يتعلق بالحياة
من وجوه النقد التي يمكن أن توجه إلى نظام الحكم الذاتي أنه يجبل التلاميذ على أن يحيوا حياة
مثلى بينها وبين واقع الحياة أمد بعيد، بحيث أنهم حين يلجون باب هذه الحياة يجدون أنفسهم
مضطربين إلى أن يفصلوا مما نشئوا عليه لينغمروا فيما هم فيه
والجواب على هذا الاعتراض أن الحكم الذاتي حين ينشئ التلاميذ على أن يحيوا هذه الحياة المثلى يعمل على إصلاح واقع الحياة وعلى معالجة ما فيها من عيوب. أما إذا نشأ التلاميذ على أن يحيوا حياة تشبه حياتهم الواقعة فأنه حينئذ لا يضطلع بأي إصلاح، وإنما يضمن للحياة الواقعة بقاءها على ما هي عليه من تخلف وقصور.
وهناك جواب آخر يتلخص في أنه يلاحظ دائما في أن التلاميذ يسلكون مسلكاً مضاداً لما يريده عليهم أساتذتهم. فإذا كان أساتذتهم يريدونهم على اعتناق الآراء القديمة البالية، فانهم على العكس من ذلك يعتنقون الآراء الثورية الهادمة، وإذا كانوا يريدونهم على اعتناق الآراء الثورية المجددة فانهم على العكس من ذلك ينتهجون نهجاً محافظاً. فهذه الحال الأخيرة هي ما نراه في نظام الحكم الذاتي. على أننا لا نقصد بالمحافظة هنا الجمود، بل المحافظة على خير ما في التراث القديم من تقاليد ثبتت على محك الزمان. ومعنى هذا كله أن نظام الحكم الذاتي يبث في نفوس التلاميذ روحاً مجددة ولكنة على أساس من القديم، روحاً تجمع بيم طرافة الجديد وعراقة القديم، روحاً تجدد ولكن لا تبدد.
2 -
فيما يتعلق بالمنزل
لاشك في أن نظام الحكم الذاتي الذي ينشأ عليه الطفل في المدرسة يطبع هذا الطفل بطابع خاص ويحيله شخصاً آخر ويبث فيه روح الحرية والشجاعة، بحيث نراه في المنزل وقد
خلع رداءه القديم، فأخذ يكثر من الأسئلة ويجادل أبويه ولا يكتم رأياً من آرائه، ويصبح بذلك كله مبعث فوضى واضطراب في البيت. ولكن بمرور الزمن نجد هذا الطفل قد اخذ يستشعر روح السعادة، ويكون بذلك مبعث سعادة في البيت.
فإذا ما لاءم والداه بين نفسيهما وما يعتنقه من رأى فإن الحكم الذاتي يكون حينئذ قد امتد أثره أليهما عن طريق غير مباشر. أما إذا لم يستجيبا له فهما على الأقل سيضطران إلى معاودة النظر في فلسفتهم في الحياة.
وصفوة القول أن للحكم الذاتي في المدرسة يداً تستطيع أن تمتد إلى المنزل فتتناوله بالتغيير والتبديل.
3 -
فيما يتعلق بالنجاح في الحياة
يخيل إلى أن نظام الحكم الذاتي يؤهل التلاميذ لان يكونوا في المستقبل رجالاً يقومون بما تفرضه عليهم الحياة من واجبات، وزعماء يقودون الجماعات ويسوسون الجماهير. وليس من شك في أن هذا راجع إلى ما يبثه نظام الحكم الذاتي في نفوس التلاميذ من الاعتماد على النفس والقدرة على سياسة الغير.
وللحكم الذاتي أنصار وخصوم. فكما أن له أنصار ينادون بوجوب اصطناعه في كل مدرسة فان له خصوماً لا يفهمون منه إلا انه نوع من البلشفية نوع من البلشفية يتخلى فيه المدرس عن سلطته التقليدية ليتولاها عنه التلاميذ.
وهم يقولون انهم لا يخدعون بما يزعمه أصحاب هذا النظام من حتى الدرس في الأشراف والتوجيه. ذلك لأنهم لا يعترفون بسلطة إلا سلطة المدرس، ولا يؤمنون بحق إلا حقه.
فهؤلاء هم خصوم الحكم الذاتي. على أنهم لن تقدر لهم الغلبة عليه. ذلك لأنه صدى للحياة المتجددة، وهم صدى للقديم الموغل في القدم، وكيف يميت الصدى الحي صدى كاد يأكله الفناء؟ إلا أن الحياة لا تبقي إلا على ما يسايرها في سيرها الأبدي، أما ما يتخلف عن مسايرتها فقد حق عليه أن يموت على مدرجة الطريق غير مرئي من أحد أو مبكى من أحد.
هذه سنة الحياة، وسنة الأحياء، وسنة كل شيء.
السيد يعقوب بكر
ميدان تونس
للأستاذ محمد إبراهيم حسن
مدرس بكلية الآداب
تمثل تونس الميدان الأول في حوض البحر المتوسط إذ تواجه فيه قوات جيوش الحلفاء في أكثر من موضع.
وكل من الطرفين يدافع دفاعاً مستميتاً. وستحدث قريباً في هذا الميدان موقعة خطيرة ستلعب دوراً هاماً في الحرب الحاضرة في هذا الشطر من العالم.
ذلك لان المسيطر على هذا الميدان يتحكم في كل أجزاء الحوض المتوسط. فإن كتب النصر للمحور فقد حمى بذلك جنوب أوربا، أو على الأقل إيطاليا من غزو الحلفاء. بل لا يبعد أن يعيد المحور كرته في السيطرة على شمال أفريقيا ليحول حوض البحر الأبيض إلى بحيرة محورية. أما إذا كتب النصر للحلفاء فستكون الطامة الكبرى على المحور إذ تعرض إيطاليا للغزو لا محالة، فالشقة قريبة جداً. ولا سيما أن الحذاء الإيطالي مكشوف من جميع نواحيه تقريباً لضرب الطائرات وإصابة الأهداف، كما أن تحصين هذه الشواطئ الطويلة أمر صعب على المحور بعد أن أنهكته روسيا من ناحية، وحاصرته بريطانيا بحرياً من ناحية أخرى. كما أن استيلاء الحلفاء على تونس سيطهر شمال أفريقيا من المحور، ويسهل الملاحة في هذا الحوض، وتعود الطرق الملاحية مطمئنة إلى حد كبير بين الهند والجزر البريطانية عبر مضيق جبل طارق. ولا شك أن هذا النصر سيؤثر كثيراً على سياسة الدول المحايدة في هذا الحوض ونعنى مصر وتركيا وأسبانيا.
ومما يزيد في أهمية هذا الميدان أنه يساعد كثيراً في التموين، فتونس غنية بحاصلاتها الزراعية من حبوب وفاكهة، وسواحلها تسيطر عليها موانئ صالحة لإيواء السفن، مثل: تونس وبنزرت وقابس وسوس والحمامات، وكلها تقع على رؤوس خلجان عميقة، كما أنها تتصل بالداخل بشبكة من السكك الحديدية تمر في الأودية والممرات الجبلية، كما أن كل هذه الموانئ على اتصال وثيق بالسكك الحديدية والطرق الصالحة.
من هذه النظرة العارضة يبدو السبب واضحاً في هذا القتال العنيف وتلك المغامرات التي نسمع بها في الصحف بين وقت وآخر. ولكن الغريب في هذا الميدان هو ضعف التقدم من
الجانبين؛ فلقد عهدنا في الجيوش الألمانية تلك الحروب الخاطفة والدقة البالغة اللتين ظهرتا في الإغارة على نروج والدانمرك في إبريل عام 1940، وعلى بلجيكا وهولندا وفرنسا في مايو من ذلك العام. ولكن هذه الآلة الدقيقة لم تعمل في ميدان تونس بدقتها المعهودة، وبدلاً من أن تنتهي من حركاتها الحربية في أسابيع معدودات نجدها وقد مضى عليها بضعة شهور وهي لا تزداد إلا بعداً عن الغرض الذي تنشده.
ولعل هذه الظاهرة تعلل بعوامل كثيرة منها: طبيعة هذا الميدان المعقد إذ ينقسم إلى إقليمين متباينين هما الإقليم الجبلي الذي يشمل معظم الميدان، والإقليم السهلي الذي يمثل شريطاً يضيق ويتسع. ويتكون الإقليم الجبلي من سلسلة الأطلس البحرية في الشمال، وسلسلة أطلس الصحراء في الجنوب، وبينهما الطرف الشرقي من هضبة الشطوط، ويكثر في هذا الإقليم الممرات الوعرة مثل ممر قصرين الذي استولت عليه القوات الأمريكية أخيراً. وهذه الممرات تمثل كميتاً صعباً وتعقد شباكا معقدة لكل من الطرفين المتحاربين. ويقطع هذه الممرات السكك الحديدية التي تسهل اتصال مدن الداخل بموانئ الساحل.
أما الإقليم السهلي فيحيط بالإقليم الجبلي من ثلاثة مواضع: فهو سهل ساحلي ضيق في الشمال تشرف عليه الأطلس البحرية، ويضيق جداً حول بنزرت، ثم يبتعد قليلاً عن تونس. وهو في الجنوب قد شغل معظمه ببحيرة شط الجريد. أما في الشرق فيمثل شريطاً ساحلياً يتسع في الوسط ويضيق في الشمال حيث تقرب الأطلس البحرية من الساحل، ويضيق في الجنوب حيث ترقب أطلس الصحراء من الساحل في منطقة قابس. ولا شك أن الموضعين خطيران من الناحية الحربية لان كلا منهما يمثل عنق زجاجة تسهل للمسيطر عليه مهمة الدفاع والهجوم عند الضرورة. ولذلك يرجح أن القوات الألمانية المتقهقرة في طرابلس لا ينتظر أن تقاوم كثيراً عند خط مارث بل ربما تحصن نفسها عند عنق قابس إن أعطيت الفرصة
يظهر إذن أن هذا الميدان معقد جداً من الناحية الجغرافية مما يصعب الحركات الحربية، فان كان المناخ هو العامل الأول لبطء الحركات العسكرية في الميدان الروسي في فصل الشتاء.
فان طبيعة السطح هي العامل الأول لبطء تقدم الجيوش في الميدان التونسي ليس في
الشتاء فقط بل طول العام.
ومما زاد في هذا البطء من الجانب الألماني هو تقسيم القوات المحاربة: فقسم في الشمال وقسم في السوط في منطقة سيدي بوزيد وقسم في الجنوب يمثل الجيش الألماني المتقهقر، والجانب المحوري، يعمل على الاتحاد لضرب الحلفاء ضربة قاضية، وجانب الحلفاء يعمل على العزلة لضرب كل على حدة. ولا شك أنه حتى الآن من الصعب أن نحكم أي الكفتين هي الراجحة.
وهناك عامل ثالث لا يقل عن العاملين الأولين أهمته وهو أن كلا من الطرفين قوي صلب الجانب مصمم على الدفاع راغب في النصر. ويواجه المحور عدواً من نوع جديد يخالف ما صادفه في تلك الدول الضعيفة التي اكتسحها في أول الحرب وظن بذلك أن النصر بسرعة خاطفة هو غرضه الأول ولا شك أنه بالغه. فاليوم يواجه في روسيا وتونس عدواً قوياً. ولا شك أن الغلبة لمن يصمد في الميدان.
محمد إبراهيم حسن
واسط مدينة الحجاج
للأستاذ يوسف يعقوب مسكوني
لا يخفى على المتتبع ما للثقافة في أية بلدة من البلدان من تأثير عظيم يقيم لها وزناً بين باقي المدن والأمصار.
فقد يتحدث المتحدث عن بلدة واحدة ذات شأن في مملكة من المماليك فتجعل البلدة لهذه المملكة شأناً بين الأمم والشعوب، وفخامة المدن نتيجة الثقافة والعمران، وهما أساسان رصينان في أسس الحضارة البشرية التي سمت على أحوال باقي المخلوقات في الطبيعة. ونقصد بالثقافة العلم والفن ومعاهدهما التي تدعى بالمدارس والجامعات على اختلاف أشكالها وأنواع مسمياتها.
فهي المناهل الرائقة للعلم والفن. وكلما ازداد عدد هذه البيوت ازداد مقدار التقدم الثقافي والتهذيب العلمي وبهما تكمل سيادة الأفراد في المجتمع البشري. وكذلك العمران ونقصد به المؤسسات المتنوعة لكل ما ينفع الفرد في حياته سواء أكان ذلك من أجل صحته أم عيشه أو اكتسابه. كل هذه المؤسسات تعود عليه بالنفع العميم لمواطنيه كافة من أبناء قومه وغيرهم.
ولقد دلت أبحاثنا عن تاريخ واسط الذي ما زلنا ندأب على استقصاء أخباره أن لمدارس هذه المدينة المندثرة أهمية كبيرة في تاريخها وان كان ما توصلنا إلى معرفته منها قليلاً. فإن معاهدها الثقافية لم تقتصر على عدد معلوم تحيط به المعرفة بل كانت هناك في واسط الربط التي كانت تكون بمثابة مدارس تدرس فيها علوم الدين وخاصة القرآن الكريم، وما يتعلق به من التفسير وما يخص قواعد الصرف والنحو وعلوم البيان والبديع والنثر والشعر، وكذلك الفقه والعلوم الشرعية وفلسفة الكون والتوحيد وغيرها؛ كما أننا نعلم أنه كان يتخذ في كل مسجد من المساجد مدرسة لتعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ودرس العلوم الدينية.
فكان يعتبر كل مسجد بمثابة مدرسة من المدارس، وكان فيها كتاتيب لتعليم الصغار وتهيئتهم لقبول هذه العلوم. ولم تشتهر مدينة واسط كما يظهر لنا إلا بالمدارس الآتي ذكرها على ما دونه المؤرخون الرحالون من أبنائها، ولعلهم لم يجدوا أشهر منها في زمانهم.
فأولاها مدرسة الأمير خطلبرس، وكانت تقع هذه المدرسة بالقرب من دجلة في الجهة الشمالية الغربية من الجانب الشرقي كما يغلب على الظن، لأن مدينة واسط كانت راكبة دجلة من الجانبين كبغداد. وقد نص على تعيين موقعها العلامة المؤرخ ابن الديئبي في مخطوطه المحفوظ الآن في الخزانة الأهلية بباريس حيث قال فيه:(جعفر بن مظفر بن يحيى بن محمد بن هبيرة. توفي بواسط سنة 610هـ. فدفن بها بمدرسة (خطلبرس) أعلى البلد اهـ. وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد الأمراء الذين حكموا في واسط أسمه خطلوبرس ذكره جماعة من المؤرخين يطول بنا تفصيل أقوالهم هنا. وهي من مؤسسات القرن السادس للهجرة لأنفاق اكثر المؤرخين على تحديد وجود الحاكم المذكور في هذا القرن. ونستدل من أخبار هؤلاء المؤرخين أن المدرسة كانت كبيرة حتى كانت فيها مقبرة لدفن مشاهير الرجال العلماء فيها. وذكر ابن حجر في الدرر مدرسة بواسط تعرف بالمدرسة البرانية لوقوعها في أعلى البلد ولعلها هي لاتفاق المؤرخين على تعيين هذا الموضع. وتليها مدرسة الغزنوي بواسط وهو: محمود بن احمد بن عبد الرحمن أبو الفضل الغزنوي حدث بكتاب تفسير الفقهاء، وتكذيب السفهاء لأبى الفتح عبد الصمد بن محمود بن يوسف الغزنوي عن ولده القاضي يحيى بن عبد الصمد عن أبيه ذكره الحافظ ابن النجار وقال: صحب أبا الفتوح احمد بم محمد الغزالي وأخذ عنه علم الوعظ وقدم بغداد سنة سبع وخمسين وخمسمائة وعقد مجلس الوعظ بجامع القصر ثم انتقل إلى واسط فسكنها إلى حين وفاته.
وقرأت في كتاب القاضي أبى الحسين علي الواسطي بخطه قال: توفي محمود الغزنوي يوم الجمعة ودفن يوم السبت ثامن شعبان
سنة ثلاث وستين وخمسمائة في مدرسته بمحلة الوراقين وكان يوماً مشهوداً)
ثم تعقبها مدرسة شرف الدولة محمد بن ورام الجاواني الكردي ورد ذكره في مخطوطة تاريخ واسط لأسلم بن سهل ابن حبيب الرزاز الواسطي المعروف ببحشل حيث ذيلت في آخر المخطوطة الفقرة التالية: (سمع جميع هذا الكتاب وهو تاريخ واسط لبحشل. . . وذلك بواسط في مدرسة شرف الدولة محمد ابن ورام نور الله ضريحه في مجالس آخرها الاثنين رابع عشر من ذي القعدة من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة). فإذا كان آخر قراءة
المخطوطة في هذه السنة فلا شك أن تشييد المدرسة المذكورة يسبق هذا التاريخ المذكور بكثير
ثم تأتي بعدها مدرسة للحنفية ذكرها ابن الساعي الخازن وذكر مدرسها أبا المحاسن عبد اللطيف المعروف بابن الكيال الواسطي قاضي واسط المشرف على ديوانها الزمامي. تولى القضاء بواسط بعد أبيه. وكانت وفاة أبي المحاسن هذا سنة خمس وستمائة
ومن مدارسها أيضاً المدرسة الشرقية الشرابية ذكرها ابن القوطي البغدادي في حوادث سنة 632 هجرية. حيث يذكر فتحها في هذه السنة بالجانب الشرقي من واسط على دجلة وهي التي أمر بإنشائها شرف الدين أبو الفضائل الشرابي للشافعية، وكانت مجاورة لجامع كان داثراً فأمر بتجديد عمارته ورتب بها للتدريس العدل أحمد بن نجا الواسطي ومعيدان واثنان وعشرين فقيهاً، وخلع على الجميع وعلى من تولى عمارتها من النواب والصناع والحاشية الذين رتبوا لخدمتها، وعمل فيها دعوة حسنة حضرها صاحب الديوان تاج الدين معلى ابن الدباهي الناظر بواسط والقاضي والنقيبان: نقيب بني العباس ونقيب بني أبي طالب والشعراء والقراء، وكان المتولي لعمارتها وجعل النظر إليه وإلى عقبه في وقفها أبو حفص عمر بن أبي إسحاق الدروقي، وكان ذا مال كثير فائض وجاه عريض عمر، إلى جانب جامع ابن رقاقا رباطاً واسكنه جماعة من الفقراء، ورتب فيه من يلقن القرآن المجيد ويسمع الحديث، وأجرى عليهم الجرايات اليومية والشهرية. وأنشأ قريباً من مدرسة الشرابي هذه رباطاً آخر على شاطئ دجلة وتربة يدفن فيها ووقف عليها وقوفاً سنية، وممن درسوا بالمدرسة الشرقية الشرابية عماد الدين زكريا القزويني قاضي واسط صاحب كتاب عجائب المخلوقات وكتاب آثار البلاد وأخبار العباد فلم يزل كذلك إلى أن مات. وكان حسن السيرة عفيفاً. ومن مدارسها أيضاً المدرسة التي وصفها ابن بطوطة في رحلته ولم يذكر اسمها وإنما يذكر أسم بانيها وهو الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي الذي كان من كبار أهل واسط وفقهائها، وقال فيه إنه يعطي كل معلم بها كسوة في السنة ويجري له نفقة في كل يوم ويقعد هو وإخوانه وأصحابه لتعليم القرآن الكريم بها ثم يقول:(وقد لقيته وأضافني وزودني تمراً ودراهم) فتكون رحلة ابن بطوطة إلى واسط في إبان تشييد هذه المدرسة التي قال فيها إنها مدرسة حافلة فيها نحو ثلاثمائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعليم
القرآن وهي من منشئات أوائل القرن الثامن الهجري. ويجد الباحث في تاريخ واسط مدارس بأسماء المحدثين والرواة والفقهاء كانوا يتخذونها بأسمائهم أو يجعلون قسماً من بيوتهم مدرسة يجتمع إليها طلاب العلم من المدينة أو من أنحاء أخرى
هذا مجمل ما تمكنت من العثور عليه من أخبار مدارس واسط. ويقيني أن وجود هذه المدارس في مدد متقاربة هو الرجعة العلمية التي حدثت في أواخر أيام الدولة العباسية لا سيما عهد الوزير نظام الملك وزير آلب أرسلان وملكشاه السلجوقيين فهو الذي نعش الرح العلمي في زمانه بفتحه المدارس النظامية في أنحاء الشرق العربي والعجمي فتأثرت واسط هذه الآثار وعاد لها نشاطها العلمي والثقافي وهي أم المقرئين والمحدثين والفقهاء الذين درسوا وأفتوا في مختلف البلدان العربية وأخصها بغداد مركز الخلافة العباسية حيث كثر في معاهدها العلمية الأساتذة الواسطيون
ومن أخبار العمران في واسط أن نذكر مارستانها وأطبائها الذين عثرنا على أسمائهم في سياق البحث. وأول أطباء واسط تياذوق طبيب الحجاج بن يعلف له نوادر وألفاظ مستحسنة في صناعة الطب وقد عمر طويلاً. صحب الحجاج والى العراق وخدمه بصناعة الطب، وكان يعتمد عليه ويثق بمداواته؛ وله تفاصيل مع الحجاج لا يسعنا ذكرها. وقد توفي بواسط في نحو سنة تسعين للهجرة، وله من الكتب كناش كبير أي كتاب جامع ألفه لابنه، وكتاب إبدال الأدوية وكيفية دقها وإيقاعها أذابتها وشتى من تفسير أسماء الأدوية. وله تلاميذ أجلة تقدموا بعده. ذكره عدة مؤرخين. ثم يليه تلميذه فرات بن شماتة الذي كان طبيباً لعيسى بن موسى الذي دعاه المهدي إلى خلع نفسه وتولية الهادي، ومن الأطباء أيضاً يوسف الواسطي الذي قرأ عليه جبريل بن عبيد بن بختيشوع الذي كان من أطباء المقتدر وخواصه، ومنهم أبو سعيد سنان بن ثابت بن قرة الحراني كان طبيباً مقدماً كأبيه، وكان طيب المقتدر خصيصاً به، ثم خدم القاهر وإليه يرجع وعلى وصفه يعتمد. ومن أخباره أنه لما كان خليفة الراضي بالله استدعى بحكم التركي سناناً وكان بواسط وسأله الانحدار إليه ولم يتمكن من الطلوع في ذلك قبل موت الراضي لملازمة سنان بخدمته، فانحدر إليه أكرمه ووصله. وله حديث طويل فيه نصح وإرشاد يطول بنا وصفه حتى انه حمل بحكم على عمل دار ضيافة بواسط وقت المجاعة أكرمه سناناً غاية الإكرام وعظمه غاية التعظيم
ومن أهم البيمارستانات التي شيدت بواسط البيمارستان الذي شاد بذكره المؤرخون، أنشأه مؤيد الملك أبو علي الحسن الرخجي وزير شرف الدولة بن بهاء الدولة مدبر دولة الخليفة القادر بالله العباسي في العراق جميعه سنة 413 هـ وأكثر فيه من الأدوية والأشربة والعقاقير، ورتب له الخزان والأطباء وغير ذلك مما يحتاج اليه؛ وصفه عدة مؤرخين أيضاً. ومن مشاهير أطباء هذا البيمارستان أبو النعيم بن ساوة الطبيب الواسطي كان من الحذاق في الطب وله فيه إصابات حسنة وقد قتل في سنة 497 هـ، فيكون موته قريباً من عهد تشييد البيمارستان المذكور وممن نحن جديرون بذكره الطبيب الكبير موفق الدين أحمد بن محمد المعروف بأبي طاهر بن البرخشي كان من أهل واسط وكان فاضلاً في الصناعة الطبية كاملاً في الفنون الأدبية والفلسفة والحكمة والطب، وكان كريم الشمائل ظريف المخايل لا يخال إلا الأكابر، ولا يألف إلا الصدور، وكان مع ذلك مأوى الضعفاء وملجأ الملهوفين كثير الإحسان، وقد كان من أهل القرن السادس للهجرة. وقدقيل إنه كان حياً بواسط سنة ستين وخمسمائة، وكان عنده أدب بارع ومعرفة بالنظم والنثر فلا بد أن أبا طاهر البرخشي كان من الذين خدموا في البيمارستان المذكور أو من الذين اتصلوا بأطبائه ما دام أنه كان إذ ذاك من مشاهير أطباء واسط ومن الذين عاشوا بعد تشييد البيمارستان المذكور
ومن الأطباء أيضاً أبو الفرج سعيد بن إبراهيم الواسطي، هذا كان طبيباً وقساً وراهباً، وممن نزحوا إلى واسط لممارسة هذه المهنة العظيمة الشأن أبو العلاء محفوظ بن المسيحي بن عيسى الحكيم الطبيب النصراني النيلي الأصل نزيل واسط، وكان طبيباً فاضلاً نبيلاً مذكوراً في وقته عالماً بصناعة الطب مرتزقاً بها جميل المشاركة محمود المعالجة وله مع ذلك أدب طريف وخاطر في النظم، وكان مولعاً بالألغاز والمعميات. توفي في أوائل سنة ستين وخمسمائة إذ كان معاصراً لأبي طاهر البرخشي المذكور آنفاً
هذا ما وقع إلينا من أخبار أطباء واسط ومارستانها ولعلنا نعثر على غيرهم في المستقبل والله ولي التوفيق.
(بغداد)
يوسف يعقوب مسكوني
السيدة سكينة بنت الحسين
للأستاذ سعيد الديوه جي
- 3 -
صالتها
ولئن ظهرت صالونات فتيات الطبقة الأرستقراطية في الغرب حوالي القرن الثامن عشر، فقد كانت هذه الصالونات معروفة في الأندلس قبل ذلك بقرون. فكان صالون (ولادة بنت المستكفي) مجمع العلماء والشعراء وأهل الفن والأدب. وهذه الصالونات كانت منتشرة في المدينة منذ القرن الأول الهجري. والذي نراه أن أول ظهورها في الشرق كان في المدينة المنورة على عهد الدولة الأموية، وأول من سن هذا هي السيدة سكينة، ثم تبعها بعد ذلك سيدات قريش
امتازت ندوة سكينة بفخامتها وجلالتها، ذلك لأنها ندوة سكينة التي نعرف أدبها الرفيع وعلمها وظرفها ومروءتها وميلها إلى تشجيع كل نابغ، والأخذ بيد كل سائر، تهديهم الطريق وتذلل لهم العقبات، وترشدهم إلى مواضع الضعف في علمهم وأدبهم وفنهم. وفي بيتها غرف للانتظار وأخرى للضيافة يتزاحم فيها الشعراء والأدباء والفقهاء ورواة الحديث والمغنون. وقلما كان يمر بالمدينة أمير أو شريف أو نابغ أو عالم إلا ويعرج إلى هذه الندوة عش الأدباء وكعبة العلماء والفقهاء.
وكم اجتمع الشعراء ببابها والناس حولهم يطلبون الإذن منها لينشدوها أشعارهم أملاً في صلتها أو طلباً لإبداء رأيها. وكم انتظر الشعراء ببابها أياماً حتى يأذن لهم. والشيء المعتاد عند أهل المدينة هو أن يترددوا إلى ندوتها ليشاهدوا مباراة الشعراء فيها، أو الحلقات العلمية التي تعقد. أو مجالس رواة الحديث التي تدور، وكانت السيدة سكينة تشارك في هذا كله من وراء حجاب حيث تراهم ولا يرونها، يحف بها جواريها اللاتي يروين الأحاديث ويحفظن الأشعار
اجتمع الفرزدق وجرير وجميل وكثير ونصيب في موسم الحج. فقال بعضهم لبعض: لا تجتمعون في مثل هذه الساعة، فهلموا نفعل شيئاً نذكر به في الزمان. فقال جرير: هل لكم
أن نسلم على سكينة بنت الحسين فلعلها أن تكون سبباً لما أردتم. قالوا: نعم الرأي. وانطلقوا فاستأذنوا. فخرجت جارية وأعلمت مولاتها بقدومهم. فأذنت لهم فقصدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم. أخرجت إليهم جارية وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: آيكم الفرزدق؟ قال: أنا. قالت: أنت القائل:
هما دلتاني من ثمانين قامة
…
كما انقض باز أقتم الريش كاسره
قال: نعم. قالت: ما وفقت ولا أصبت. أما آيست من تعريضك بعودة صدق محمودة؟ ما دعاك إلى إفشائها سرك وسرها؟ أفلا سترت على نفسك وعليها؟ خذ الألف درهم وانصرف. ثم دخلت وخرجت، وقالت: آيكم جرير؟ قال جرير: هاأنذا. قالت: أأنت القائل؟:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
…
وقت الزيارة فأرجعي بسلام
قال الجرير: أنا قلته. قالت: فما أحسنت ولا أجملت ولا صنعت صنع الحر الكريم حين رددتها، وقد تجشمت إليك هول الليل. أفلا أخذت بيدها ورحبت بها وقلت لها (نفسي فداؤك فادخلي بسلام. خذ هذه الألفين والحق بأهلك. ثم انصرفت إلى مولاتها ثم عادت فقالت: آيكم القائل:
ولولا أن يقال صبا نصيب=لقلت بنفسي النشء الصغار
بنفسي كل مهضوم حشاها
…
إذا ظلمت فليس لها انتظار
قال نصيب: أنا قلته. قالت: غزلت وأحسنت ولا كرمت، لأنك صبوت إلى الصغار وتركت الناهضات بأحمالها. خذ هذه السبعمائة درهم فاستعن بها. ثم انصرفت إلى مولاتها ثم عادت فقالت: آيكم القائل:
وأعجبني يا عز منك خلائق
…
كرام إذا عد الخلائق أربع
دنوك حتى يدفع الجاهل الصبا
…
ودفعك أسباب المنى حين يطمع
وإنك لا تدري كريماً مطلته
…
أيشتد إن لاقاك أو يتضرع
قال كثير: أنا قلته. قالت: غزلت وأحسنت. خذ هذه الثمانمائة درهم فاستعن بها. ثم انصرفت إلى مولاتها ثم خرجت فقالت: أيكم القائل:
لكل حديث بينهن بشاشة
…
وكل قتيل بينهن شهيد
يقولون جاهد يا جميل بغزوة
…
وأي جهاد غيرهن أريد
وأفضل أيامي وافضل مشهد
…
إذا هيج بي يوماً وهن قعود
قال جميل: أنا قلته. قالت: غزلت وأحسنت وكرمت وعففت، ادخل، لما سلم. فقالت سكينة:
(أنت الذي جعلت قتيلنا شهيداً، وحديثنا بشاشة، وأفضل أيامك يوم تذب عنا وتدافع، ولم تتعد إلى قبيح، خذ هذه الألف درهم وأبسط لنا العذر، أنت أشعرهم)
على أن هذا التبصر بالشعر وفنونه والمآخذ الدقيقة على الشعراء لم يكن ليتهيأ لغير سكينة، فقد كان لها فوق ذكائها المتوقد، من عوامل الوراثة من والديها وما ساعدها على ذلك. فجدها سيد فصحاء العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمها بدوية نشأت في البادية وتلقت الفصاحة عن شعرائها وبلغائها وهي شاعرة رقيقة. ناهيك عن محيطها الذي نشأت فيه وهي المدينة المنورة عش الأدباء والشعراء، ومنشأ الغزل الإباحي العفيف - كل هذه العوامل أثرت في السيدة سكينة وجعلتها تفوق بنات قريش في بصرها الثاقب ورأيها الصائب وأدبها الرفيع
نرى رواة الشعراء يختصمون وكل يفضل صاحبه فإذا جدال وإذا خصام وينشدون حكماً صائباً يقدر أن يوفق في مثل هذا الموقف الحرج فيقضي لفحل على فحل دون خوف أو حذر أو تعصب. ومن لهم في مثل هذا الموقف؟ وأني لهم ذلك الحكم الواسع الإطلاع على أشعار العرب وأنسابها وأخبارها ليوفق في حكمه؟ ومن يعرض نفسه لتهكم جرير أو لفحش الفرزدق أو لهجو الأحوص. هذا مالا يجرؤ عليه أحد. ولا يتهيأ لغير (السيدة سكينة). اجتمع بالمدينة رواة الشعراء جرير ونصيب وكثير وجميل والأحوص فأدلى كل منهم أن صاحبه أشعر وتراضوا بأن يحتكموا إلى سكينة بنت الحسين. فقصدوا ندوتها وعرضوا عليها الأمر فأذنت لهم. فدخلوا. قالت لصاحب جرير: أليس صاحبك الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
…
وقت الزيادة فأرجعي بسلام
وأي ساعة أحلى للزيارة من الطروق؟!
ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
…
فوا حزناً من ذا يهيم بها بعدي
كأنه يتمنى لها من يتعشقها بعده ألا قال:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
…
فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواسلاً وتواعداً
…
ليلاً إذا نجم الثريا حلقا
باتا بأنعم ليلة وألذها
…
حتى إذا وضح النهار تفرقاً
قالت: نعم. قالت: ألا قال (حتى إذا وضح النهار تعانقاً)
ثم قالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فيا ليتني أعمى أصم تقودني
…
بثينة لا يخفي علي كلامها
قال. نعم. قالت. رحم الله صاحبك. إنه كان صادقاً في شعره، وكان جميلاً كاسمه، فحكمت له. ورضى الجميع بالحكم
ميلها للغناء
وللسيدة سكينة شعور رقيق وحب للجمال - وهل يحب الجمال إلا الجميل - هي جميلة في صورتها، جميلة في صوتها، جميلة في نفسها، وجميلة حتى في تهكمها ونقدها. ففاض هذا الجمال من روحها الطيبة الطاهرة، وغمر ندوتها، وجعلها معرضاً للفن والجمال.
وما الغناء إلا مظهر من مظاهر الجمال الروحي الذي تجيش به الأنفس فتهتز له القلوب فتردده ألحاناً.
كان يعجبها الغناء وتهتز له. وكان المغنون يقصدون صالونها ويعرضون فيه ألحانهم الجديدة وأصواتهم المبتكرة التي لم تكن معلومة عند العرب. وكان (الفريض) مولاها يلازم هذه الندوة ويشرف على مرتاديها من أهل الفن. فاعتنت السيدة سكينة بتربيته وأسلمته إلى المغنين وما زال يسمو أمره حتى بلغ في الغناء ما بلغ.
وهذا (حنين المغني العراقي المشهور يشد الرحال إلى المدينة المنورة تلبية لدعوة زملائه المغنين فيها. ولما كان على مرحلة منها ازدحم الناس لمشاهدته - فلم يرى يوماً كان أكثر حشراً ولا جمعاً من يومئذ - وأمل كل سرى وشريف أن يحل حنين ضيفاً عنده. ولكن كل شرف دون شرف، ومن له من الشرف والمروءة مثل ما لها؟ عرج الحنين إلى دارها ليسلم عليه ويستأذنه في الغناء عندها قبل كل أحد. فأذن له بالدخول. ثم أذنت للناس إذناً عاماً وأقبل أهل المدينة كعاداتهم إلى صالتها ليسمعوا أنغام حنين، غصت الدار وصعدوا فوق
السطح وأُمرت لهم بالأطعمة فأكلوا ثم ابتدر حنين يغني:
هلا بكيت على الشباب الذاهب
…
وكففت عن ذم المشيب الآيب
فأزدحم الناس على السطح وسقط الرواق على من تحته فسلموا جميعا إلا (حنين) فأنه مات تحت الهدم.
على أن المصائب التي اعتورتها منذ صغرها لم تترك قلبها خاليا من الحزن والأسى، وكيف يخلو قلبها من الحزن وقد شهدت أعظم المصائب؟ فقد كانت تأنس بالنوح وتخفف به آلامها وأحزانها. ومن أحق بالنوح منها؟ وهل النوح إلا أنغام الحزن والأسى؟!
كانت تبعث بالأشعار المحزنة إلى المغنين ليصوغوا بها ألحانا يتاح بها. كما كانت تختار من ذوي الأصوات المشجية وتسلمهم إلى المغنين ليعلموهم النوح، وقد بعثت مملوكها عبد الملك أبن سريج وأمرته أن يعلمه النياحة. ولما توفي عمها (أبو القاسم محمد بن الحنفية) ناح عليه نوحاً في غاية من الجودة.
(يتبع)
سعيد الدبو هـ جي
بالموصل
الأزهر حصن الدين وينبوع الأدب
للأستاذ حسن عبد العال
صاحب جريدة (الإصلاح) الحلبية
فقدت استنبول صفة الإسلام بزوال الخلافة منها وانتقلت هذه الصفة إلى القاهرة، وكانت القاهرة مع وجود الخلافة في عاصمة الإمبراطورية العثمانية عاصمة (عملية) للإسلام، فقد حفظت آثار الإسلام وأخذت طابعاً إسلامياً بارزاً في مساجدها القديمة ومدارسها الدينية، وعاداتها التاريخية، ومواسمها المذهبية، وهي الآن مركز لأعظم جامعة إسلامية وأقدم جامعة في العالم ففيها الأزهر، والأزهر دعامة الإسلام وركن العروبة؛ وينبوع الأدب وقاموس اللغة، وقد حفظ الأزهر مآثر الإسلام وبالغ في إغداق الفضل على اللغة العربية حتى صانها من الفناء وضمنها من البلاء، وأحاطها بسياج صد عنها المكارة فنعمت في أروقته وعاشت في ظلاله حتى صدرت إلى مجاهل الهند والصين، وبلغت آداب العرب ذروة المجد في هيكل الأزهر، حتى أشرقت على العالم العربي بجمالها وبهائها، وغرف العرب والمسلمون من معينها في كل زمان ومكان، وتدفقت شهداً من أفواه الأدباء الفطاحل
هذه صورة عن الأزهر، وهو على كل حال أجمل وأفضل، ولئن كان في حالته المتواضعة ومتانته في الدفاع عن العروبة والإسلام قذى في عين جماعة السخفاء من المتأدبين، وحصناً لا يثبت فقرهم الأدبي أمام غناه في المناعة والجبروت، لقد نجده ضرورة للأدب وحياةً للقومية، ونوراً للعالم الإسلامي؛ وفي هذه الضرورة وهذه الحياة وهذا النور رحمة تصيب كل من نطق بالضاد وآمن بالله الأحد، رحمة عامة شاملة، لو جزأتها إلى تراكيب الاصطلاحات الحديثة لكان معنى هذه الرحمة اقتصادا أو سياسة واجتماعاً، ارتبطت بها أجزاء العالم الإسلامي المبعثرة، والأقطار العربية المتفرقة. وإن شئت الدليل فقل لي ما يكون شأن عالم إسلامي بدون هذه الجامعة؟ وما حالة بلاد العرب بدون هذا للغتها؟ وما قيمة القومية بلا لغة ذات قواعد وآداب؟ ولأذهب بك إلى شي اقرب من هذا كله، ولأذكرك بحقيقة تلمسها وتؤمن بها، لتعتقد ببداهة فضائل الأزهر، فلولاه لما قرأت أدباً لطه حسين، ولا تلذذت بما كتب عبد الوهاب عزام، ولا أخذتك روعة علم أحمد أمين، ولا استنزفت مقالات أحمد حسن الزيات كل ما في نفسك من إعجاب، ولا كان سعد أخطب الخطباء
وأحسن الزعماء، والمنفلوطي في طليعة الكتاب. كلهم طلبوا في الأزهر وحفظوا ألفية ابن مالك، وقرءوا مجموعة المتون، واستظهروا رسالات الكتاب ودواوين الشعراء، وحفظوا القرآن والحديث، وحضروا دروس المعاني والبيان والبديع والتفسير وفقه اللغة، حتى علموا بلغتهم ودينهم، ورسخت أسس أدب أمتهم في صدورهم؛ ثم مالوا إلى آداب الأمم الأخرى اقبلوا عليها إقبال العالم بالأدب، ونقلوا روائعها إلى قومتهم، فأحسنوا الانتقاء، وأتونا بأدب متين جميل جيد السبك، حسن الأسلوب غزير المادة كان الأدب الحديث لهذا الزمان، ولكنه كان مؤسساً على فضل الأزهر وأصوله في التدريس، ولو لم يكن كذلك لقرأنا الآن أدباً ركيكاً وخيالاً بارداً كله لحن يتطاير منه السخف، فالحمد لله على نعمة الأزهر وأدباء الأزهر وعلوم الأزهر فلقد أغنى الأمة العربية بالأدب الممتاز، وجعلها في حل من الاقتصار على أدب يكتبه جماعة من أدبائنا الحديثين، ممن تأدبوا من هوامش الأدب وأطراف الكتب. . .
وبعد فالأزهر كله فضل وفخر. وفخري منه أنني طلبت فيه
حسن عبد العال
البريد الأدبي
من جنايات المذاهب الصوفية
قرأت في باب البريد الأدبي رقم 504 كلمة عن المذاهب الصوفية وتنكب بعض رجالها وأتباعها الطريق السوي، ذكر فيها كاتبها الفاضل عن تفسير المنار بعض ما كان للحلاج من مواطآت كان الغرض منها أن يلقي في ورع العمة وأشباه العامة أنه ممن آثرهم الله بعلم الغيب والقدرة على المعجز من الأمور
وقد بعثني ما قرأت إلى كتابة هذه الكلمة الموجزة عن هؤلاء الذين يزعمون أنفسهم متصوفين ومشايخ الطريق، الذين بما لبسوا على العامة وأشباه العامة وبما اندس بينهم من الحال بالشرع والحق، صاروا غير أهل لشيء مما يتمتعون به من تشريف وتكريم
محي الدين بن عربي من أساطين المتصوفة، وممن لا يزال لهم أتباع كثر في البلاد الإسلامية، على بعد فلسفته النظرية والأخلاقية عن الدين، ويكفي أن نشير إلى بعض ما يرى في الأخلاق
1 -
انه بما ذهب إليه من القول (بوحدة الوجود) وما يستلزمه هذا القول من اعتبار العالم كله صوراً ومجالي ومظاهر لله الذي هو وحده الموجود، قد أتى الأخلاق من قواعدها، إذ لا معنى للمسؤولية الأخلاقية التي هي مناط الثواب والعقاب؛ لان للآثم أخلاقياً أن يقول: ما دام الله الذي اتخذني مظهراً له هو الذي فعل حقيقة ما يظن انه فعل لي، كيف يستقيم أن أكون أنا المسؤول!
2 -
ويظهر أن الشيخ الأكبر (كما ينعته أتباعه) لا يتهيب أن يصل به مذهبه إلى هذا الحد فيما يتصل بالأخلاق. أنه يرى أن الذي وصل إلى درجة المحبة الحق يباح له أن يتجاوز حدود ما أنزل الله، بعد أن لازم زمناً طويلاً حفظها؛ لان من أحكام المحب أو من صفاته أنه كالدابة جرحه جبار! بل أنه ليرى أن هذا الصنيع من المحب لا يعتبر مجاوزة للحدود إلا في نظرنا نحن، أما بالنسبة إليه فهو كأهل بدر الذين أباح لهم أن يفعلوا ما يشاءون فقد غفر لهم، وإذاً فتصرف المحب هو تصرف فيما أبيح له! وإذا تركنا هذا القياس الخاطئ للمحب على أهل بدر، رأينا ابن عربي يذكر تعلة أخرى لما جاز من تعدي المحب حدود ما أنزل الله؛ إذ يرى أن هذا المحب - وهو ولهان مدله العقل لا تدبير له في رأيه - غير
مؤاخذة فيما يصدر عنه، وغير مطالب بالآداب التي لا يطالب بها إلا من كان له عقل
وبعد: فهل لنا بعد هذا أن نعالج في جد مشكلة هؤلاء المتصوفة، أعني الذين عرفوا منهم بالإلحاد
في العقيدة، والضلال في الأخلاق، وأكل أموال أتباعهم الجهال بالباطل!
محمد يوسف موسى
المدرس بكلية أصول الدين
العالم العربي
أهاب الأستاذ محمد عوض محمد في مجلة الثقافة بزعماء المسلمين لإعداد الخطط التي تؤول إلى ما فيه اليمن والفلاح. ومن واجبات المصلحين حث القادة على العمل المثمر لوضع الدعائم التي يقوم عليها صرح الوحدة العربية وتوجيه آراء الأمة نحو المثل العليا والسير بالشعب نحو المحجة السامية.
وما نخال مقال الأستاذ إلا توطئة لمقالات أخر ودراسات شاملة نأمل منه ومن حضرات المفكرين أمثاله أن يمهروا بها العالم العربي، ولا أقول الإسلامي
فالوطنية الحق ليست وقفا على دين من الاديان؛ وان في مسيحي الشرق العربي من الشباب الطامحين المثقفين الأحرار من يدلون على الملأ: قاصيه ودانيه بعروبتهم ويفخرون بقوميتهم، ويتعصبون لها كأشد المسلمين اعتزازاً بالوطنية وتعلقاً بالعروبة. وأني أرى أن يعدل كتابنا عن اسم (العالم الإسلامي) إلى (العالم العربي) عند ما يعرضون للوطنية وللاستقلال بالدراسة والبحث لأنه أدل تسمية وأدق تعبيراً.
وبعد، فما أنا من يتحرج بالاسم الديني هذا يطلق على البلاد العربية الغالية، والمسلمون أخوان لي أثيرون على قلبي، ولهم في نفسي - كما لهم في كل نفس تؤمن بالعروبة - مكانة لا تعد لها المكانات، وإنما أود أن نجرد نحن الشرقيين معنى الوطنية من الطائفية، فالطائفية كما نعلم جميعاً لم تكن إلا بلاء في وطن كثرت فيه الملل وتعددت فيه المذاهب والنحل.
والطائفية كانت - لنكد الطالع وشؤمه - الثغرة التي نفذ منها دعاة السوء إلى بنياننا القومي
فصدعوه، وما فينا على ما أعتقد من ينكر هذه الحقيقة إلا من أضله التعصب سواء السبيل وغشت على بصيرته نوازع الأهواء.
نحن اليوم أشد ما نكون حاجة إلى التكاتف والتساند وتوحيد الجهود لدرء ما قد يهدد الكيان العربي من أخطار. وعرب نحن سواء كنا مسلمين أم نصارى، وحرى بنا أن فرقت بيننا المذاهب أن تجمعنا العروبة فهي خير آصرة تتآلف عليها القلوب وتتوثق بها العرى، فللعروبة يجب أن تهفو النفوس وباسمها فلتنطق الأفواه
(بيروت)
جورج سلستي
تراث بني إسرائيل
يخطئ المفسرين الأستاذ الصعيدي فيما ذهبوا إليه من أن الله عز وجل رد بني إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم؛ معتمداً على أن تاريخ مصر وتاريخ بني إسرائيل لا يثبتان عودة الإسرائيليين إلى مصر ولا قيام ملك لهم فيها قبل ظهور الإسلام؛ ثم يقول: والحق أن الله تعالى يشير إلى بساتين وعيون كانت لهم في فلسطين، وأن الضمير في (أورثناها) يعود إلى مطلق الجنات والعيون؛ لا إلى خصوص ما كان في مصر على ذلك العهد، وهذا من أسلوب الاستخدام المألوف في لغة العرب
ومقال الأستاذ صريح؛ أو ظاهر - على لغة الأزهريين - في خمس دعاوي، إن المفسرين قاطبة على هذه الرأي، وأنهم جميعا مخطئون؛ وأن التاريخ ينفي عودة بني إسرائيل لأنه لم يثبتها، وأن الأستاذ وحده مبتكر هذا الرأي، وأنه الحق.
ولكن ما قول الأستاذ في أن ما نقله المفسرين إنما هو رأي جمهورهم - لا رأي جميعهم - بناء على الظاهر كما يقول الأزهريون إلا بقاطع. ولا قاطع، وأن التاريخ إذا سكت عن إثبات شئ لا يكون حجة على نفيه، ومن القضايا الأزهرية (عدم الدليل ليس دليلاً على العدم).
فكيف وقد أثبت التاريخ القديم رجوع بني إسرائيل إلى مصر؟ قال الآلوسي: ورأيت في
بعض الكتب أنهم رجعوا مع موسى وبقوا معه بمصر عشر سنين. وجاء في كتاب البشرية ص 88 لمؤلفه لينج أن موسى بعد أن هزم فرعون مصر الذي فر إلى الحبشة حكم مصر ثلاث عشر سنة
والمتبادر من قوله تعالى: (ويستخلفكم في الأرض)، ومن قوله (ثم قلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض)، ومن قوله سبحانه (وأورثنا بني إسرائيل) انهم رجعوا إلى مصر. وقد حكى الألوسي تأويلا آخر هو عين ما قاله الأستاذ الصعيدي إلى أن قال: وأخذ قوم بقول الحسن وهو رجوع بني إسرائيل إلى مصر وقال لا عبرة بالتواريخ وحسبنا كتاب الله تعالى فهو أصدق القائلين
طه محمد الساكت
المدرس بمعهد القاهرة
من نوادر العرب
نوادر العرب كثيرة، يعثر عليها المرء في تضاعيف الكتب التاريخية، وثنايا المصنفات الإخبارية. وإني لراوٍ لك فينا يلي طرفا مما التقطته من نوادرهم
1 -
كان أبو حية النميري جباناً، وكان له سيف ليس بينه وبين الحية فرق، وكان يسميه (لعاب المنية). وذات يوم وقف النميري على باب داره ليلاً، وقد جرد سيفه وهو يقول:(أيها المغتر بنا، والمجترئ علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك؛ خير قليل، وسيف صقيل، هو لعاب المنية الذي سمعت به. أخرج بالعفو عنك، وإلا دخلت بالعقوبة عليك)! وظل واقفا لا يجسر على الدخول، مخافة أن يكون فيه لص فاتك. فجاء رجل من أهله، فدفع الباب فانفتح. . . وخرج منه كلب يعدو كالأرنب، فسقط النميري على قفاه وهو يقول:(الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني حرباً)!
2 -
دخل رجل أعور على معن بن زائدة، فأمر له بجائزة. وكان (معن) جودا؛ ثم دخل عليه رجل آخر، وكان مثل زميله اعور، فأمر له بجائزة. . . فعادا يمشيان جنبا إلى جنب بحيث صارت عيناهما المكفوفتان جوار بعضهما البعض. . . فقال معن (لقد أعطيتكما منفردين، فماذا تريدان؟) فقال أحدهما (بيننا رجل أعمى يستحق الصدقة)، فأعطاهما معن
ضعف ما أخذاه، فقال أحدهما:
ألم ترني وعمراً حين نمشي
…
نريد السوق ليس لنا نظير
أماشيهِ على يُمْنَى يدْيه
…
وفيما بيننا رجل ضرير!
3 -
وأما نوادر البخلاء فليس لها حصر، ولذلك نجتزئ بذكر هذه النادرة الطريفة: -
طبخ أحد البخلاء قدراً، وجلس يأكل مع زوجته، فقال:(ما أطيب الطعام لولا كثرة الزحام!) فقالت: (وأي زحام وما ثم إلا أنا وأنت؟) فقال: (كنت أحب أن أكون أنا والقدر)!
زكريا إبراهيم
كليوباترة
منذ أمد بعيد واستديو لاما يعمل عملاً متواصلاً في إنتاج فلم (كيلوباترة)، وقد ابتدأ عرض هذا الفلم الذي اشترك في تمثيله جماعة منتقاة من الممثلين والممثلات نذكر منهم الأساتذة: بدر لاما، منسي فهمي، السيد زيادة، حسن كامل. والآنسة أمينة رزق، وزوزو نبيل. والمطربة درية أحمد وغيرهم. وقد أخرج هذا الفلم التاريخي العظيم المخرج المعروف الأستاذ إبراهيم لاما.
عبد الفتاح متولي غبن