المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 506 - بتاريخ: 15 - 03 - 1943 - مجلة الرسالة - جـ ٥٠٦

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 506

- بتاريخ: 15 - 03 - 1943

ص: -1

‌7 - دفاع عن البلاغة

الذوق

يكثر ترداد كلمة (الذوق) في البلاغة، كما يكثر ترداد كلمة (العقل) في الفلسفة. ذلك لأن حاسة الذوق هي أداة الفن، كما أن ملكة العقل هي أداة العلم. فمن لا يذق لا يدرك الجمال، كذلك من لا يفقه لا يعرف الحق. ولم تؤتَ البلاغة إلا من فساد الذوق فيمن يكتب أو فيمن يقرأ. ولم أجد فيما أثر من أدبنا، ولا فيما نقل إلى لغتنا، كلاماً يفيد طالب البلاغة في موضوع الذوق على ما له من بليغ الأثر في إنشاء العمل الفني وصحة تقديره ودقة نقده. لذلك لم أر من الفضول، وأنا في مقام الدفاع عن البلاغة، أن أحاول تجلية هذا المعنى بمقدار ما يحسن الاستطراد في موضوع يؤديَّ على الطرف الأقصى من الإيجاز

ما هو الذوق؟ والذوق حاسة معنوية يصدر عنها انبساط النفس أو انقباضها لدى النظر في أثر من آثار العاطفة أو الفكر. وقديماً فطن الناس إلى الشبه بين الذوق الحسي الذي يميز بين الطعوم، وبين هذا الذوق المعنوي الذي يحكم في نتاج الفنون. وما أظنهم وقفوا بوجه الشبه بين هاتين الحاستين عند طبيعة الإدراك، وإنما تعدوا به إلى قابليتهما للكمال والنقص، واختلافها بين الناس باختلاف الزمان والمكان والخلق والمادة على أن التنوع والتغير والاختلاف في الذوق الحسي أضعف وأقل، لأن مجاله محدود؛ وأدراك المادي قريب، واستيعاب المحدود ممكن، وفعل الطبيعة والبيئة في تطوير الغرائز بطئ لا يكاد يحس. أما الذوق المعنوي فمجاله ما يعجب وما لا يعجب من أعمال النفس والذهن. والمعجب وغير المعجب من هذه الأعمال أمور لا تزال تتأثر بعوامل الزمن والإقليم والجنس والتربية والثقافة والحضارة والطبقة والسن؛ وكلما التبست هذه الأمور التبس الذوق الذي يسيرها ويدبرها ويفرق بينها ويحكم عليها. فالذوق الحسي مرجعه إلى الطبيعة وللطبيعة طريقة واحدة؛ والذوق المعنوي مرجعه إلى العادة وللعادة طرق متعددة. وإذن لا يمكن الظفر بذوق عام تصدر عنه أحكام الناس على الأعمال الفنية، فإن ما يعجب الحضري قد لا يعجب البدوي، وما يطرب المصري قد لا يطرب الأوربي؛ فرقص (ببا) خزي عند الغربيين، وغناء (جانيت) نهيق عد الشرقيين. وفي الغالب نرى الشيء الواحد يثير الاستحسان في نفس والاستهجان في أخرى. فكيف نجعل الذوق أذن ميزاناً في البلاغة

ص: 1

وهو على هذا الاختلاف؟

إن للذوق مصدرين يستمد منهما الحكم في جميع قضاياه: الأول العقل المتزن، وهو يحكم في التناسب والقصد والترتيب والعلائق المشتركة بين السبب والنتيجة، أو بين الطريقة والغاية. والذوق المستمد من هذا المصدر له ما للعقل من الوضوح الذي يشرق في كل نفس مهذبة؛ وقواعده كقواعد العقل لا تتغير لأنه ثابت مطرد. والفنان الذي أوتي ثقوب الذهن يكون في مأمن من الزيغ إذا اتبع قواعد الفن لأنها وضعت على هذا الأساس المكين

والمصدر الآخر هو العاطفة، وهي الشعور الواقع على النفس مباشرة من طريق الحواس. وهنا كان مجال الاختلاف وسبب التباين؛ لأن الحقيقة في الفنون غير الحقيقية في العلوم: هي في العلوم محصورة مضبوطة، ولكنها في الفنون منتشرة مبسوطة؛ ومن ذلك كان التدرج من الحسن إلى الأحسن، ومن الفائق إلى الممتاز. ولم ينشئ هذه الفروق إلا هذا الذوق العاطفي الذي يتولد من الصفات والعادات والحوادث فيجعل الحقيقة الفنية تختلف في نفسها من شعب إلى شعب، ومن قرن إلى قرن، حتى لتختلف في المكان الواحد، وفي الزمان الواحد، وفي الإنسان الواحدة، تبعاً لحالات العواطف وانطباعات الحوادث واختلافات الميول

ضع نموذجا أمام مائة طالب ليرسموه، ثم انظر بعد ذلك فيما عملوا تجد الرسوم كلها تتشابه لأول وهلة؛ فإذا أطلت فيها النظر لا تجد رسمين منها يتشابهان، لأن الذوق الخاص بكل راسم جعل الصور تختلف في حقيقتها، وإن لم تختلف في جوهرها وطبيعتها

لا بد للذوق إذن من استمداد العقل والعاطفة كليهما في تكوين حكمه: هذا بمقتضى المنطق السليم، وتلك بمقتضى الشعور الحاصل. ومرجع كل حكم من أحكام الذوق إلى القاضي الأعلى وهو الطبيعة. وللطبيعة، والحمد لله، قانون نافذ على كل كائن. وقد كان للناس قبل أن يوجد الفن ذوق معنوي خلقته الطبيعة فيهم كما تخلق الغرائز؛ وكان لهذه الحاسة من ميلها ونفورها قاض يحكم على كل شئ فلا يخطئ حكمه. فلما ظهر الفن لم يعارض الطبيعة ولم يناقضها، وإنما حسنها وزينها وعمل أحسن مما عملت باتباع طريقتها واقتباس وسيلتها وملاحظة تطورها إن الفنان كلما دنا من الطبيعة كان أنقى وأصدق. أنظر إلى أدب الجاهليين من العرب والإغريق تجد أظهر خصائصه الحقيقية والسذاجة والوضوح. ذلك

ص: 2

لأن البدوي أو الهمجي يمتاز بقوة بصره وحدة سمعه؛ وإن حاسته المعنوية التي تتصل بعينه وأذنه تمتاز كذلك بوضوح الإدراك وصدق الحساسة. وإذا كان ذوقه أضعف من ذوق المتمدن في التحليل والتحديد والتمييز، فإنه ثابت غير مضطرب، خالص غير مشوب. لقد اخترع البدوي المجازات البيانية والصور الخطابية قبل أن ينشأ الفن ويوضع البيان. ولقد كان إذا ما ضرم النوى أنفاسه، وأرمض الهوى نفسه، يخاطب الغياب ويظنهم يسمعونه، ويكلم الأطلال والأموات ويعتقد أنهم يفهمونه. أسمعه حين تصيبه مصيبة فيشكو، أو تسعفه صنيعة فيشكر، أو تمسه إهانة فينتقم، تجده قد شعر بأثر ذلك في نفسه كل الشعور، وإدارة بالعبارة الملائمة أصدق الأداء، فلا يوارب ولا يبالغ ولا يتكلف. لأن الطبيعة صادقة لا تعرف التمويه، صريحة لا تقبل الرياء.

وهل تنتظر من رجل لا يقول إلا ليعبر عما في نفسه أن يقول غير ما في نفسه؟ وكيف يجازف بالألفاظ حين يصف وهو لا يصف إلا ما أثر في قلبه أو وقع تحت حسه؟ فليت شعري هل نستطيع أن نكون اليوم كالبدو طبيعيين نستلهم الواقع ونستوحي الطبيعة! اليقين الذي لا ريب فيه أننا لا نستطيع، لأن حياتنا قد أصبحت من التركيب والتعقيد والتصنع بحيث لا تجد غريزة على جبلتها، ولا عادة على طبيعتها، ولا عاطفة من عواطف الناس على أصلها وحقيقتها. فنحن نتغزل من غير حب، ونمدح من غير عاطفة، ونصف ما لم نر، ونقص ما لم يقع، ونتقمص في القصص أشخاصاً خياليين أو حقيقيين فنتكلم بلسانهم، ونشعر بشعورهم. فكيف نستطيع في هذه الأحوال أن نجد العبارة والحرارة اللتين يجدهما البدوي أو الهمجي، من دون كد ولا معانات؟ لقد جعلنا الطبيعة بالتصنع فناً، فينبغي أن نجعل الفن بالتطبع طبيعة.

(للكلام بقية)

احمد حسن الزيات

ص: 3

‌في ضيافة الهلالي باشا

للدكتور زكي مبارك

كانت جريدة الأهرام نشرت أن جماعة من الوزراء سيزورون المنوفية، وأن منهاج الزيارة شهود اجتماع يعقده النواب والشيوخ في سنتريس، فاستفسرت من حضرة الأستاذ شافعي ألبنا عن المراد من ذلك الاجتماع، فقال إنه للترحيب بالوزراء وهم في الطريق إلى عاصمة المنوفية، وإنما اختيرت سنتريس لأنها الملتقى لبلاد مركز أشمون، ولأنها أول بلد على بحر شبين بعد عبور القناطر الخيرية

قلت لنفسي: إن اسمي يخطر في البال حين تذكر سنتريس، فما الذي يمنع من دعوة وزير المعارف للتفضل بزيارة داري هناك؟

وكان المفهوم عندي أن الدعوة ستقابل بالاعتذار الرفيق، فقد كنت أعرف أن الوقت لا يتسع للزيارات، ولكن الهلالي باشا أعزه الله تقبل دعوتي بأحسن القبول، كأني وجهتها إليه وهو في أسيوط وطن الشهامة والجود

وفي مكتب الوزير دار حديث على الصورة الآتية:

- أهلاً بنابغة سنتريس!

- هذا اللقب لا يكفي يا معالي الوزير في تحيتي

- وكيف؟

- لأن الأستاذ عباس حافظ هو الذي منحني هذا اللقب في مناوشة أدبية، وهو يريد أني نابغة سنتريس فقط، ولست مفكراً عالمياً، كما أريد لنفسي. وللأدباء مسالك تعجز عنها الشياطين!

- كنت أحسب أنك منحت هذا اللقب لكثرة ما تتحدث عن سنتريس

- لو صح هذا لجاز أن أكون أيضاً (نابغة أسيوط) فلي فيها قصائد، وسأنشر عنها كتاباً بعد حين

- أسيوط أوحت إليك أشياء؟

- هي مدينة موحية، ولعلك توافق على أن لشارع الهلالي هناك جاذبية تفوق الوصف، وما دخلت أسيوط إلا جعلته طريقي إلى النيل

ص: 4

- لذلك الشارع تاريخ، فقد كان مع الأراضي التي حواليه بستاناً من بساتين جدي، وكان البستان هو الممر الموصل بين قصره بالمدينة ودهبيته بالنيل، فأين أنا من تلك الحياة؟ وأين مني ذلك الثراء؟

- إن ثروة جدك لم تضع، يا معالي الوزير، فلها صورة باقية هي علمك وفضلك، وفي بعض الآثار أن ذكاء المرء محسوب عليه، فالذكاء رزقك، وهو أطيب الأرزاق

- من فضل الله على أهل الأدب أن يحبب إليهم المعاني

- وفي سبيل المعاني سترى أني بخلت على جيبي بثمن شجرتين عظيمتين قامتا في مدخل البيت

- وما حديث الشجرتين؟

- إن تكلا باشا صاحب جريدة الأهرام بنى في ضواحي سنتريس قصراً لا يعلو عليه غير هاتين الشجرتين، فأنا أعزهما كل الإعزاز لأطول بهما قصر الرجل الذي قلت فيه:

ينازعني في سِنتريسَ منازعٌ

له من جَدَا (الأهرام) مرتبع خٌصبُ

إلى آخر القصيدة التي سأثبتها في الطبعة الثانية من ديواني

- سأزور دارك، مع الشكر لدعوتك الكريمة، وإن كان مكاني في رحلة الوزراء إلى المنوفية مكان الضيف

- وزير المعارف لا يكون ضيفاً بالمنوفية، لأن المنوفية تمد مصر بجماهير كثيرة من المعلمين، وأنت وزير المعلمين، وسيكون الجميع ضيوفك هناك

كان يجب أن أدعو الوزراء الذين يشتركون في رحلة المنوفية، ولكن كيف أدعوهم وقد ضاق الوقت؟

دعوت معالي الأستاذ فؤاد باشا سراج الدين بالتليفون فتلطف بالقبول، ولم يفته أن ينص على أن اسم سنتريس اسم جميل

ومررت على معالي وزير العدل، وهو رجل أبغضه بعض البغض، لأنه يريد بجهاده ونضاله أن يكون الرجل الأول في المنوفية لا في سنتريس! فقال حين رآني: ما كنت أعرف أن الهلالي باشا يعزك إلى هذا الحد. ففهمت أن الهلالي باشا حدثه عن دعوتي قبل أن أصل إليه بلحظات

ص: 5

ثم رجوت الأستاذ شافعي ألبنا أن ينوب عني في دعوة من لم أستطع دعوتهم لضيق الوقت، وهو أخ نعمت بمودته شهوراً طوالاً في غياهب الاعتقال

في عصرية اليوم الذي يسبق يوم الاحتفال دخلت سنتريس لأرى كيف استطاع أبنائي بمعونة بني أعمامهم إعداد حديقة الدار لاستقبال الوزراء

وهناك وجدت نواب مركز أشمون يتحاورون فيما ينبغي أن يقال

سمعت كلمات لم تعجبني، فسارعت إلى تفنيدها فيما بيني وبين نفسي، لأتخذ منها مادة أنتفع بها في إحدى المقالات، ولأشير عليهم بإخفائها عن الوزراء، إن خفت أن يقولوها في حضور الوزراء.

فقلت في نفسي: وما الغيب في ذلك؟ هل نقلت أطيان المنوفية إلى القليوبية أو الغربية؟ إن الذي وقع لا يزيد عن أن العائلات الكبيرة تفرعت إلى عائلات صغيرة، ومن هنا تعددت الملكيات في المنوفي، وهذا باب من قوة الشخصية، فلكل فلاح في هذا الإقليم وجود صحيح، وهو لهذا صورة نموذجية من الرقي المنشود

وسمعتهم يقولون: يجب أن نعرض مطالب المنوفية على الوزراء

فقلت في نفسي: الأفضل أن يقال إن المنوفية في استعداد لمعاونة الوزراء على إصلاح سائر الأقاليم، لأنها تملك أكبر عدد من المفكرين

والتفت فرأيت الأخ العزيز محمد أفندي محمود عمدة سملاى يجذب يدي ليسر في أذني كلمات، فما تلك الكلمات؟

هو يرى أن نقيم الزينات على باب البيت

وأنا أرى أن يبقى البيت بصورته الطبيعية، لأني أبغض الحسن المجلوب

ثم غلب رأيه وحضر الفراشون لتزيين مدخل البيت، فسمعت منهم كلمات غير مفهومة، ولكني تظاهرت بالعلم وتركتهم يتصرفون في حدود ما يحسبون

(شُوَية كُرُنات، شوية كرنُات)

فما هذا من الوجهة اللغوية؟

الكلمة الأولى مفهومة، فالشَّوية مؤنث الشُوّىّ، والشوىّ مصغر شئ المخفف عن شئ، ولكن ما (الكُرُنات)؟

ص: 6

دار ذهني مرة ومرات إلى أن عرفت أنها منقولة عن الكلمة الفرنسية وعلى هذا تكون الكُرنُات هي التيجان

لا بأس، فللأدب الفرنسي في عقلي ديون، ومن حقه أن يزور داري مع الوزراء.

أما بعد فنحن في صبيحة الاحتفال، وقد تجمعت خلائق في سنتريس يعجز عن عدها الإحصاء وهذا هو (البرجاس)، فما البرجاس؟

هو لعب الخيل، تلك كلمة قاموسية هجرت في أكثر البلاد، وبقيت مأنوسة في سنتريس

لم يكن منظوراً أن يحضر الوزراء في الميعاد. ومن الذي يفَرض على رجال مكدودين أن يحضروا يوم راحتهم في الميعاد؟ لم يبق إلا أن تتمتع تلك الجماهير بلعب الخيل، وفي لعب الخيل متعة ذوقية تذكّر أبناء المنوفية بماضيهم في الفروسية

وبجانب لعب الخيل تقوم المزامير والطبول في لونها القديم والحديث: فتسمع مرة (يا نخلتين في العلالي) وتسمع مرة (بالك مع مين يا شاغل بالي)

ثم تنظر فترى بُنَيّات المدارس الأولية من سملاى وسنتريس فتلتفت إلى ماضي صِباك، يوم كنت تخطب طِفلةً وهي في المهد، لأنك سمعت أن أمها من رائعات الجمال. . .

أما الأطفال فقل فيهم ما تشاء. ولقد سرْني أن أرى أطفال سملاي وسنتريس في صحة وعافية. وأي أطفال؟

الحمد لله على نعمته، فما فيهم سقيمٌ ولا ضعيف، وإنما هم الطلائع لجيل سيكون برعاية الله أقوى الأجيال

إن وزارة الصحة لا تخاف على سنتريس حين تتعرض بلاد مركز أشمون لإحدى الآفات، فهواء سنتريس شفاء من كل داء، وهل تذكر وزارة الصحة أن بلدنا كلفها شيئا من المتاعب؟

إن الله يعلم أن سنتريس تعتمد على رعايته السامية؛ وإن الله يعلم أن أهل سنتريس أحوج الناس إلى رعايته السامية؛ فهو بكرمه وفضله ولطفه يقيهم الأسواء

قضاء لحظة تحت سماء سنتريس تذهب همومي ولو كانت أثقل من الجبال، فلهذا البلد روحانية منقولة عن اعتماد أهله على واهب الخيرات والثمرات، ورعاية الله لمن يتوكلون عليه لا تحتاج إلى بيان.

ص: 7

حضرت ثلة من الشرطة للمحافظة على النظام، ولكن الأهالي لم يحوجوهم إلى تعب، فقد عرف كل فرد واجبه، وسادت الرغبة فأن تكون الحفلة غاية في الصفاء

ومع هذا أنظر فأجد رئيس نقطة النعناعية يشكو من أن أحد أقربائي يحاول الشغب في الاحتفال، وبعد التحري ظهر أن حامد أفندي عثمان يطلب من الحاضرين إمضاء عريضة ترفع إلى وزير المعارف، ليتفضل الوزير بإنشاء مدرسة ابتدائية في سنتريس

عند ذلك ابتسمت وقلت: يسرني أن يعرف حضرة الضابط أن معالي الهلال باشا يحب هذا النوع من الشغب. والمطالبةُ بإنشاء مدرسة ابتدائية في سنتريس شغب لطيف. ثم أخذت العريضة لأقدمها إلى معالي الوزير بنفسي، وستكون أجمل هدية أقدمها إليه

وأقبل الخيالة يعدون ويركضون تبشيراً الزائرين، فهتفت الجماهير بحياة جلالة الملك، وصدحت الموسيقى بالسلام الملكي ثم تعالت الهتافات بأسماء الوزراء وباسم رئيسهم الجليل، شفاه الله وعافاه

كان مع الركب جماعة من المحررين والمصورين، وهم جميعاً أصدقاء، وكان فرحى بلقائهم فرح الأديب بالأديب

وبعد تناول القهوة وقف النائب المحترم سليم أبو العلا فألقى خطبة طويلة تحدث فيها عن أعمال الذين حضروا من الوزراء، وقد قوبلت خطبته بالإعجاب

وكانت النية أن يخطب الأستاذ عبد البر زهران، ولكن الوقت لم يتسع لما يريد. ثم نهض معالي الأستاذ صبري باشا أبو علم فألقى كلمة لطيفة شكر بها نواب مركز أشمون، وأعتذر بلطف لمن ضاق الوقت عن سماع ما أعدوا من الكلمات الجياد

وفي تلك اللحظة تموجت تلك الجماهير لتزور داري مع الوزراء، فكان منظر لن تنساه سنتريس، ولو طال الزمان

لقد أقيمت في بلدنا حفلات كثيرة سمع فيها أهل بلدنا أصوات رجال مشاهير من رؤساء الوزارات، ولكني أستبعد أن يكونوا فرحوا بقدر ما فرحوا في هذا اليوم السعيد

أمر الوزراء الوفديين عجب في عجبّّ!! إنك تنقدهم كيف شئت في المجالس والمنتديات، ولكنك لا تستطيع صد الجماهير عن الوفاء لهم إلى أبعد حدود الوفاء

لم أكن وفديا في أي يوم، ولا دعوت هؤلاء الوزراء للتفضل بزيارة داري إلا لغاية أدبية،

ص: 8

هي أن تضيفهم سنتريس، وهي المكان الذي اختاره للاحتفاء بهم نواب مركز أشمون، فما الذي يملك من السحر هؤلاء الوفديون؟

كان السرادق الذي أعده النواب يضيق برغم رحابته عن إعلان الفرح بقدوم أولئك الوزراء، فلما وجدت الجماهير فرصة للترحيب بهم في حديقة الدار تدافعوا تدافع الأمواج، وأعلنوا فرحهم بهتاف يشق أجواز السماء

وفي هذا الزحام وقف وزير المعارف ليسمع النشيد:

سنتريس في سرور

وهناء وحبور

وقف برجاء من الأديب محمود عبد العزيز، برغم ذلك الجو الضجاج

أين الوقت؟ أين؟

إن الوزراء سيصلون الجمعة في شنوان، فمن الواجب أن نعفيهم من الخطب الطوال

قال الأستاذ عبد السميع الطوخي فقرات من خطبته، وقال الأستاذ محمد شما أبياتاً من قصيدته، ودعاني وزير العدل إلى أن ألقى خطبتي، فماذا أقول؟

قلت: إن الحاضرين جميعاً في ضيافة الهلالي باشا. . .

وطويت خطبتي. فما الذي كان في الخطبة المطوية؟

الجواب عند شجرات الورد في حديقة داري، وهي قد حدثتني أن الزهر يعيش يوماً أو يومين، أما جذور أشجار الورد فهي في صلابة الجلمود، ومنها تتخذ (البيبة) التي تعجز عن إحراقها النيران

دعابة الهلالي باشا هي زهر الورد

وصلابة الهلالي باشا هي جذع الورد

وهل منعت وداعة هذا الرجل من أن يكون أحزم الرجال؟

زكي مبارك

ص: 9

‌ذكرى السيد جمال الدين

للأستاذ محمود شلبي

أمم في رجل، وبركان ثائر يرمي بالحمم والنار، وصورة حية فذة عجيبة تسعى من النور وإلى النور. رجل أقام العالم وأقعده، وهز الشرق هزة عنيفة فأحيا العقول بعد مواتها، فتنبه الغافل ونشط العاقل وخر الباطل ذليلاً خاشعاً إلى الأذقان

ذلكم يا صاحبي، الأستاذ الفيلسوف السيد جمال الدين الأفغاني المتوفى صباح يوم الثلاثاء 9 مارس سنة 1897 ميلادية

ولد في قرية (أسعد آباد) من قرى كنر سنة 1254 هجرية، وفي السنة الثامنة من عمره أجلس لتعليم وعنى والده بتربيته فأيد العناية به قوة في فطرته، وإشراق في قريحته، وذكاء في مدركته، فأخذ من بدايات العلوم ولم يقف دون نهاياتها

واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة من سنه، ثم عرض له سفر إلى البلاد الهندية، فأقام بها سنة وبضعة أشهر ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الأوربية الجديدة

ثم ذهب إلى مكة حاجا، ثم عاد إلى بلاده، ولم يمكث طويلاً حتى تاقت نفسه إلى الحركة فيمم وجهه شطر الهند وتلقته حكومتها بحفاوة وإجلال.

وهبط مصر أربعين يوماً تردد فيها على الجامع الأزهر وخالطه كثير من طلبة العلم السوريين ومالوا إليه كل الميل، ولكنه تعجل بالسفر إلى الآستانة

وصل الآستانة وهو مع ذلك بزيه الأفغاني: قباء، وكساء، وعمامة عجراء؛ وحومت عليه لفضله قلوب الأمراء والوزراء، وعلا ذكره بينهم وتناقلوا الثناء على علمه ودينه وأدبه، وهو غريب عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم. وبعد ستة أشهر سمي عضواً في مجلس المعارف فأدى حق الاستقامة في آرائه وأشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه على الذهاب إليها رفقاؤه

ودعي لإلقاء خطاب في دار الفنون للحث على الصناعات، فلبى بعد امتناع، وما ألقى الخطاب حتى ثارت عليه ثائرة الرجعيين فصدر إليه الأمر بمغادرة الآستانة بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب ثم يعود إن شاء، ففارق الآستانة مظلوماً في حقه، مغلوباً لحدته، وحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر

ص: 10

مال الشيخ إلى مصر، فهوت إليه أفئدة من الناس وتحلق حوله طلاب المعرفة من كل صنف، ثم وجه عنايته لحل عقل الأوهام عن قوائم العقول؛ فنشطت لذلك ألباب، واستضاءت بصائر، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية، فاشتغلوا على نظره وبرعوا، وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه

وهنا اصطدم الحق بالباطل، فنفس عليه الشيوخ مكانته، وشغب عليه سفلة المتعلمين وهم شر من سفلة الجاهلين، ولكنه واصل وثبته الفكرية وأشعل النار في الهمم الخامدة، وظل دائباً عاملاً دعي من حيدر آباد إلى كلكته وألزمته حكومة الهند الإقامة فيها

ولما وضعت الحرب أوزارها، أصعد إلى مدينة لوندرة وأقام بها أياماً قلائل، ثم انتقل عنها إلى باريس وأقام بها ما يزيد على ثلاث سنين وافاه في أثنائها الإمام محمد عبده.

هذا هو الرجل العجيب، أنشأه القدر إنشاء ليكون الشعلة المقدسة في الشرق، في زمان هبت فيه ريح الجهل تريد أن تطفئ نور الله.

ولقد أجمع على احترامه الغرب والشرق، وشهدت له الأستانة وباريس وبطرسبرج بالعبقرية والغيرة والحمية على الدين.

ونظرة واحدة إلى حياة الرجل، تدلنا على قوة شكيمته في الحق، وسلطته على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها كأن كل معنى قد خلق له، يشد هذا وذاك قلب سليم، وحلم عظيم، وقوة اعتماد على الله لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر. تتضافر هذه القوى الذهنية والقلبية والخلقية داخل بنيان الرجل، فتندفع متعطشة إلى النور والحرية، فيندفع البطل إلى طموحه كالأسد الوثاب، ويتخط العراقيل المكدسة في طريقه حتى ينال ما يبغي أو يرتقب بارقة تلوح.

لقد كان السيد جمال الدين كثير التطلع إلى السياسة، قوي الرغبة في إنقاذ المصريين من الذل، فدخل الماسونية وتقدم فيها حتى صار من الرؤساء، ثم أنشأ محفلاً وطنياً تابعاً للشرق الفرنسوي، ودعا تبابعته من العلماء والوجهاء إليه، فصار أعضاؤه نحواً من ثلاثمائة. وعظم إقبال الناس عليه حتى أقلق من بيدهم الأمر وقتئذ.

أنظر إلى الرجل وهو يخاطب العوام ليستشيرهم، فيقول ما معناه: (. . لو كان في عروقكم دم قيه كريات حياة، وفي رؤوسكم أعصاب تتأثر، لما رضيتم بهذا الذل والمسكنة، ولما

ص: 11

صبرتم على هذه الضعة والخمول، ولما قعدتم على الرمضاء وأنتم ضاحكون. تناوبكم أيدي الرعاة، ثم اليونان والرومان والفرس، ثم العرب والأكراد والمماليك، ثم الفرنسيس والمماليك. . وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، ويهيض عظامكم بأداة عسفة، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت. انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار طيبة ومشاهد سيوة وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم:

وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

إن التشبه بالرشيد فلاح

هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، انفضوا عنكم غبار الغباوة والخمول. . .).

لقد كان للرجل من حياته مقصدان: علمي وهو تنبيه المسلمين إلى الإصلاح الديني والعلمي بالكتابة والخطابة، وسياسي اجتماعي وهو ترقية الشرق أية دولة كانت غير مفرق بين وطنه وسائر البلدان.

وهكذا النفوس ذات الآفاق الرحيبة التي لا تقف عند غاية إلا لتتخطاها إلى أخرى أسمى منها.

محمود شلبي

ص: 12

‌إلى الأب أنستاس ماري الكرملي

لا. . . بل النحاة واللغويون ثقات!

للأستاذ عبد الحميد عنتر

نشرت (الرسالة) في العدد (503) مقالاً ضافياً للأستاذ (الأب أنستاس ماري الكرملي) تحت عنوان (لماذا لا أثق بأقوال النحاة ولا اللغويين). عدد فيه بعض مآخذ عليهم، توجب عدم ثقته (دائماً) بأقوالهم، ولو كان إدلاء إجلاء، إلا بعد عرضها على محك النقد والتحقيق، فإن أظهر المحك صدق إبريزهم، وافق عليها وقيدها عنده، وإلا نبذها نبذ النواة؛ ثم عرض لذكر شئ من أخطائهم التي جمع ما يقع في مجلد ضخم. هذا ملخص تصديره

وسيكون كلامي إلى (الأب) في ثلاثة مقامات:

الأول - في منزلته اللغوية

الثاني - في تخطئته النحاة واللغويين

الثالث - في مبلغ هذه التخطئة من الصواب أو الخطأ فأقول، مراعياً الإيجاز قصارى جهدي، ومن الحق تعالى أستمد السداد

المقام الأول

لا ينكر أحد أن للأب (أنستاس) البحاثة الراوية، جولات في ميادين اللغة وصولات، وأنه يطرف قراء العربية الفينة بعد الفينة، ببحوثه الشيقة، ونقاشاته اللغوية الدقيقة الممتعة؛ ولا غرو، فإنه بذلك يحافظ على تراث أجداده الفصحاء وأسلافه من العرب العرباء. ونحن لا ننسى قولاته الضافية باحثاً منقباً عن اللغة على صفحات (الأهرام) أيام الرخاء (أعادها الله على العالم أجمع) فنحمد له غيرته على العربية، وحدبه على خدمتها، وولوعه بالبحث عن شواردها، فهو من أكابر الباحثين في اللغة المحدثين، وإن لم نر له معجماً يضارع (أقرب الموارد) للقس (سعيد الشرتوني) أو (المنجد) للأب (لويس اليسوعي) مثلاً

المقام الثاني

ظاهر عنوان المقال يحمل في طياته المقدمات ونتيجتها الحتمية الآتية:

الأب يبني بحوثه وتحقيقاته اللغوية على أقوال اللغويين والنحاة، والنحاة واللغويين في

ص: 13

نظره مخطئون غير موثوق بأقوالهم. فالنتيجة المنطقية أنه هو الآخر مخطئ غير موثوق بأقواله، ويلزم هذه النتيجة نتيجة عامة، هي أنه لا يثق أحد بأقوال النحويين واللغويين أجمعين!! وأحسب (الأب) لا يرضى لنفسه تلك الوصمة الشنعاء، كما أعتقد عدم صحة النتيجة العامة بالبداهة

على أن من يسمع كلمة (أخطأ اللغويون. أخطأ النحاة). التي رددها (الأب) في مقاله، يفهم أن اللغة قد أحيط بها، وأن علماء اللغة والنحو قوّضوا بنيانها، وهدموا أركانه! مع أن ما نسبه إليهم في مقاله من الخطأ (في انتقاده) لا يعدو أنهم حصروا عدداً من الألفاظ على زلة خاصة، وجاء هو ومَن قَبله بقليل يقولون:

إن في اللغة أوزاناً أُخَر تنقض هذا الحصر.

والخلاصة: أنه جعل خطأهم في العدّ، خطأ في اللغة!

لا. يا سيدي. إن الخطأ في اللغة شئ آخر. هو أن يفسر اللغوي لفظاً بغير معناه الذي تواضع عليه العرب، كأنه يفسر (الماء) بمعنى العسل، أو يجعل معنى (نَصَر) لمقلوبه وهو (رصَن)، أو نحو ذلك. ومثلك لا يحتاج إلى هذا البيان. فالحق أن العنوان بظاهره قريب، وإن تنصل الأب من هذه الريبة: بأنه لا يثق إلا بأقوال القُدامى من النحويين وعلماء اللغة. وإذا وضح أن الخطأ الذي ألصق بعلماء النحو واللغة إنما هو (في العدد) لا (في اللغة). وجب أن يقول الأب معي: (إن النحاة واللغويين إثبات ثقات، وإن كان توثيقهم في الحقيقة قطعيّ الثبوت قبل أن أوجد أنا والأب بمئات السنين.

وإن كان الأستاذ يريد بالخطأ ما وقع لصاحب القاموس أو غيره من اللغويين، فمثل هذا لم يسلم منه لغوي ولا نحوي. هذا صاحب القاموس يحصي أخطاء صحاح الجوهري، وهذا صاحب الجاسوس يحصى أخطاء القاموس، وهذا الشيخ إبراهيم ناصيف اليازجي اللُّبناني، والعلامة أحمد تيمور باشا، يؤلف كل منهما في مؤاخذات لغوية على كتاب لسان العرب، ومع ذلك لم يجرؤ أحد فيما أعلم، على القول برفع الثقة عن القاموس أو عن لسان العرب؛ بل لا يزالان ولن يزالا أهم مراجع للعلماء، وأضوء نبراس للأدباء من الكتاب والشعراء. وبعد فأظن أن هذا المقام قد استوفى حقه من التوضيح والتدليل.

المقام الثالث

ص: 14

قلنا: إن الخطأ الذي نوه الأب بذكره في مقاله - هو خطأ النحاة واللغويين في (حصر الألفاظ لبعض الأوزان)، وهو المحور الذي يدور عليه مقاله الطويل، المقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول - فِعْلى

أورد الأب هنا قول النحاة واللغويين: ليس لنا من الجموع على وزن (فِعْلى)، ألا حجلى (جمع حَجَل لطائر) وظِربي (جمع ظَرِبان لدابة خبيثة الريح)، ولا ثالث لهما، ثم أخذ يندد بعلماء النحو واللغة، من عهد أبي الطيب المتنبي، وأبي علي الفارسي إلى عهد اللغوي الكبير الشنقيطي. فإنه لم يعثر أحد منهم على ثالث لهذا الوزن، إلا الدماميني، فقد وجد ثالثاً بعد طول عناء، وهو لفظ مِعْزَى جمع معزاة، حتى جاء الشنقيطي والأب أنستاس، فعثرا في المخصص وغيره على ستة جموع (أسماء جموع) بوزن فِعْلى، (وكلها من غريب اللغة). وهي: العِرْقي (أصول الشجر الممتدة في الأرض إلى أسفل) والعِمْقي (شجر أمر من الحنظل بالحجاز وتهامة)، والعِفْري (ريش عنق الديك)، والصِّحْنَي (نوع من السمك، وهو معرّب، ومعناه الصِّير) والذِّفْرَي (أسم جمع للعظم الناتئ خلف الأذن، واحدته ذفراة)، والشِّيزَي (خشب تصنع منه الجِفان). بهذه الكلمات ظهر خطأ النحاة وعلماء اللغة في قولهم: ولا ثالث لها.

قلت: لم يصب الأب شاكلة الصواب في هذه التخطئة؛ فإن نظرة غير فاحصة في قواعد النحو والتصريف ترشدنا إلى صواب ما قاله الأقدمون، وخطأ ما جاء به المتأخرون، وإلى القارئ البيان:

أثبت النحاة اللغويون وغيرهم، كلمتي (حجْلى وظِرِبَى) في معرض الكلام على موانع الصرف، وحكموا لهما بحكم (ذكرى) التي تمنع من الصرف لألف التأنيث المقصورة فلا يدلهما التنوين أبداً، وليس لهما ثالث في اللغة يحكم له بهذا الحكم. وأما (مِعزى) وما ذكر معها، ففيها عن العرب وجهان: الصرف وعدمه. فالمصروف منها ألفه للإلحاق بدرهم، وغير المنون منها ألفهُ للتأنيث.

ومما تجب معرفته صرفيَّا أن وزني (فَعْلى وفعلى) إذا ورد لهما مفرد بالتاء كأرطاة

ص: 15

(شجرة) مفرد أرطي، ومِعْزاة، مفرد معزي - تحتم أن تكون الألف مع التاء فيه للإلحاق: الأول بدحرجة، والثاني بزئِبقة، ولا يجوز أن تكون الألف المصاحبة للتأنيث؛ إذ لا يجتمع في الكلمة أداتا تأنيث، فإذا عري المفرد عن التاء، فقيل أرطي ومِعزي، كان القياس يوجب أن تكون الألف إذن للإلحاق، ويكون اللفظ معها منوناً. لكن العرب صرفتهما تارة لمحاً لأصلهما مع التاء، ومنعتهما الصرف تارة أخرى، لأن ألفهما تشبه ألف جَرْجى وذكرى

والخلاصة: أن ما عدا (حجلى وظربى) لا يتحتم فيه منع الصرف. وإذاً فلا ثالث لهما يتحتم فيه المنع. وعلى ذلك فأبو علي الفارسي، والمتنبي وشارح القاموس، ومن لف لِفَّهم، كانوا على حق فيما ذهبوا إليه!

القسم الثاني - فُعَلى

نقل الأب عن تاج العروس، شرح القاموس، أنه لم يجئ على هذا الوزن إلا ثلاث كلمات لا رابع لها. وهي: أُرَبى (الداهية) وشعبي وأرمى (موضعان). ثم ذكر الأب لها أخوات بلغت ستاً؛ فتكون الألفاظ الواردة على هذا الوزن عشرة، لا أربعة كما قال صاحب التاج

أقول: ما قاله الأستاذ هنا صواب حقاً؛ لكن سبقه إلى هذا النقد أحد النحاة المتأخرين. قال الأشموني عند شرح قول ابن مالك:

والاشتهار في مباني الأولى

يبديه وزن أُرَبى والطُّولى

(وزعم ابن قتيبة أنها لا رابع لها، ويرد عليه: أني (حب بعقد به اللبن)، وجنفي لموضع، وجَعَبي لكبار النمل) 1هـ

وهذه المآخذ أهون من أن تضع من قدر ابن قتيبة، أو ترفع الثقة. وصاحب التاج ثقة تابع في النقل لابن قتيبة، وجل (من أحاط بكل شئ علماً). والفضل كل الفضل للمتقدم

القسم الثالث - تفاعيل

أثبت الأب هنا عن تاج العروس قول العرب: (تباشير الصبح، وتعاشيب الأرض، وتعاجيب الدهر، وتفاطير النبات والشباب، ولا خامس لها؛ ثم قال (الأب): هناك سبع كلمات من هذا القبيل، وذكرها، فتكون العدة أثنى عشر جمعاً على وزن (تفاعيل)، لا أربعة كما قال صاحب التاج، وربما كان في اللغة ضعف هذا العدد أو أكثر. هذا كلامه

ص: 16

وأقول: ما قاله الأب عين الصواب، ولكن ما كان يحسن منه أن يذيع من على منبر (الرسالة)، وهي الصحيفة العالمية للآداب والعلوم والفنون - أن مثل هذا خطأ في اللغة! بل كان الأخلق به - وهو على ما وصفت آنفاً من الدقة في البحث والتحري للصواب - أن يقول: ذلك تقصير من اللغويين في الاستيعاب، وحكم منهم على ما لم يعلموا نفيه أو ثبوته، وأو نحو ذلك من العبارات التي تلتئم وما نسبه إليهم من عيب (إن صح أن يكون ما صدر منهم عيباً)

وكلنا يعلم أن لغة العرب لغة ضخمة، وأن العبء الذي تحمله اللغويون والنحاة، في سبيل جمع شتاتها، وتنسيق كلماتها والمحافظة على سلامتها من الخطأ واللحن - كان أثقل الأعباء التي تحملها العلماء، منذ بدء التأليف والتدوين إلى وقتنا هذا

فكيف يقال مع ذلك: لا أثق بأقوال النحاة ولا اللغويين؛ لأنهم أخطئوا في حصر بعض الألفاظ؟!

الحق أن هذا أو اقل من هذا لا يصح أن يقال.

(يتبع)

عبد الحميد عنتر

أستاذ بكلية اللغة العربية

ص: 17

‌للذكرى والتاريخ

طيبة تستقبل فرعون مصر

للكاتب الفرنسي تيوفيل جونييه

في كتاب قصة المومياء (إلى جانب المصريين نحن حقاً

برابرة) - تيوفيل جوتيه -

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

أف، تلك المدينة الضخمة الواسعة، لم تعد تضم بين أحضانها إلا المرضى والعجزة والمسنين الذين لم يعودوا بعد قادرين على الحركة، والعبيد المكلفين بحراسة المنازل؛ ففي الشوارع والميادين، وطرق أبي الهول، وأقواس المعابد والأرصفة، يجري سيل من الناس متجه إلى النيل؛ ويزخرف هذا الجمع الحاشد اختلاف عجيب، فالمصريون يكونون الأعظم، ويعرفون بسمات وجوههم النقية، وبقامتهم الرشيقة العالية، وبثيابهم من الكتان الدقيق، ومناطقهم المثناة باعتناء، وبعضهم يلف رأسه بنسيج ذي خطوط زرق أو خضر، ووسطهم مشدود بسراويل ضيقة، وظهرهم عار له لون الصلصال المحروق

في هذا الجمهور الوطني تظهر نماذج مختلفة لأجناس أجنبية: فزنوج أعالي النيل سود كآلهة من البازلت، أذرعهم مطوقة بحلقات كبيرة من العاج، وتتأرجح في آذانهم حلي بربرية؛ والأثيوبيون ذوو الألوان البرنزية، والسحنات النافرة، قلقون برغمهم في هذه الحضارة كأنهم حيوانات متوحشة في وضح النهار؛ والأسيويون يعرفون بلونهم الأصفر الرائق، وعيونهم الزرق، ولحاهم المجعدة على شكل حلزوني، ويعصبون رءوسهم بقلانس مثبتة بعصائب، ويلبسون أردية مطرزة ذات أهداب؛ أما اليونانيون فيرتدون جلود لحيوانات يعلقونها بعواتقهم، ويتركون أذرعتهم وسيقانهم الموشومة وشماً غربياً، ويحملون ريش طير فوق رءوسهم التي يتدلى منها ضفيرتان، تصيران واحدة تنظم على هيئة قرط على الصدغ

في وسط هذا الزحام يمشي الرهبان عليهم الهيبة والوقار رؤوسهم محلوقة، ويلفون أجسامهم بجلد النمر، بحيث يبدو فم الحيوان كأنه مشبك حزام، وفي أقدامهم أحذيتهم، وبأيديهم عصى

ص: 18

من شجر السنط قد كتب عليها بالهيرغليفية؛ ويسير الجند إلى جنوبهم خناجرهم ذوات المسامير الفضية، وعلى ظهورهم تروسهم، وفي أيديهم فئوسهم؛ والشخصيات المبجلة يحلي صدورها أوسمة التشريف، ويحيها العبيد بالانحناء، ووضع الأيدي إلى أسفل بالقرب من الأرض؛ وتمشي بجانب الحيطان في هيئة متواضعة حزينة نسوة فقيرات، يكدن يكن عاريات، ينحنين تحت ثقل أبنائهن، المتدلين من أعناقهن في خرق بالية أو قفف من الحصير، بينما تختال فتيات جميلات يصحبهن ثلاث توابع أو أربع - في أثوابهن الطويلة الشفافة، التي تنعقد عند أسفل صدورهن بوشاح أطرافه مرسلة، ويضئ فوقهن اللؤلؤ والذهب، ويفوح منهن رائحة الأزهار والعطور

وبين الرّجّالة تمضي الهوادج يحملها الأثيوبيون بخطى سريعة منتظمة، والعجلات الخفيفة المسرحية بحصن يزينها جلال ذات أهداب، ويجمل رأسها الريش؛ أما العربات التي تحمل أسراً ويجرها الثيران، فتمشي باتئاد، وتجد طريقها بعسر بين الجمهور الذي لا يأبه بأن يداس؛ وغالباً ما اضطر السائقون إلى أن يضربوا بسياطهم المتمهلين والذين لا يخلون الطريق

هذا وفوق النهر حركة غير عادية، فعلى طول المدينة قد غطى النيل برغم سعته، ولم يعد في الوسع رؤية مائه بقوارب من كل صنف، فمن زوارق ذات حيزوم وسكان عاليين، إلى أخرى ذات ألوان وتذهيب، فكلها كان مستخدماً، ولم يستنكف حتى من ركوب المراكب المعدة لنقل البهائم وحمل الفواكه، ولا الأرمات المصنوعة من خشب الخيزران، والتي كانت معدة في العادة لحمل أوعية الصلصال

ليس من السهل عبور النهر من جانب إلى جانب، وسط جمهور يربي على ألف ألف نسمة، بل يجب لذلك كل مهارة نوتية طيبة ونشاطهم.

ماء النيل تضربه المجاديف وتشقه السكانات، فيرغي ويزبد كأنه بحر، ويكون آلاف الدوامات التي تضعف قوة التيار

والزوارق في مجموعها مختلفة ومبهجة، فبعضها ينتهي كل من طرفيه بزهرة كبيرة من أزهار اللوتس تنحني إلى الداخل، وتربط بساقها راية، والبعض حيزومة على شكل هلال ينهض طرفاه فوق الماء، ومنها ما يحمل فوقه نوعاً من الأبراج أو السطوح يقف فوقها

ص: 19

رؤساء النوتية، وبعضها مكون من ثلاث جذوع ربطت بالحبال، ويحركها مجذاف؛ أما المراكب المعدة لنقل الحيوانات والعربات فقد ربط بعضها إلى بعض، ووضع عليها معبر يسمح بالصعود والنزول من غير كبير عناء، وقد كان عددها عظيما، وعليها تصهل الأحصنة المطهمة، وتضرب الخشب بحوافرها الرنانة، والثيران قلقة تنحني إلى النهر بمقماتها التي يسيل منها خيوط من اللعاب، ولكنها تهدأ إذا لاطفها قوادها.

يضبط النوتية حركات المجدفين بالتصفيق، ويجثم الملاحون فوق الكوثل، أو يمشون فوق سطح المركب يصدرون أوامرهم، ويرسمون خطة السير الضرورية للانزلاق بين هذه الكثرة المربكة من الزوارق، وبرغم الاحتراس كانت الزوارق تصطدم أحياناً

هذه الآلاف من السفن المطلي أغلبها باللون الأبيض، والمزخرفة بزينة خضراء وزرقاء وحمراء، والمحملة بالرجال والنساء اللابسات ملابس من ألوان شتى أخفت سطح النيل تماما في أماكن كثيرة، وأظهرت تحت الأشعة الساطعة لشمس مصر منظراً ساطعاً باهرا في حركته، وكان الماء المتحرك بكل قوته يضئ ويبرق كأنه فضة خالصة، أو شمس كسرت آلاف الأجزاء

لقد كانت الزوارق ثقيلة بمن عليها وأبراجها مليئة بالعابرين، وفوق سطحها يجلس الرجال والنساء والأطفال متربعين، تلك الجلسة العزيزة لدى الشعب المصري. ولدى رؤيتهم يخيل إلى المرء أنهم قضاة أوزيريس، لولا أن منظرهم لا يدل على التأمل، وهو سمة قضاة الموت، بل على العكس يشعر بأقصى ما يكون من السرور

في الحق أن فرعون عاد منتصراً، يقود معه عدداً ضخما من الأسرى؛ فطيبة غارقة في السرور، وشعبها قد خرج بأجمعه إلى المحبوب أمون رع رب التيجان، مدبر المملكة الطاهرة، القدير على كل شئ إله الشمس، منظم شئون العالم

على الجانب الغربيّ للنهر، لم يكن الازدحام أقل شدة من الشاطئ الشرقي، وقد جاء سكان أحياء ممنون والقرى المجاورة، وفي كل لحظة تحمل الزوارق أناساً جدّوا ترسو بهم فوق الأرصفة فتزيد كثافة الجمهور، بينما العربات التي لا تعدّ تشقّ طريقها إلى ميدان العرض، وتضئ عجلاتها كأنها شموس بين الغبار الذهبي الذي تثيره. لقد صارت طيبة في هذه اللحظة خراباً، كما لو أن فاتحاً قاد شعبها أسيراً

ص: 20

والمنظر، مع ذلك، جدير بأن يصوّر، ففي وسط الخضرة اليانعة التي ينهض فيها النخيل بتيجانه، تبدو الألوان الزاهية للمتنزّهات والقصور وخيام الصيف محاطة بأشجار الجمّيز، و (الست المستحية)، وكثير من أحواض المياه يضئ في الشمس، والدوالي تشتبك محاليقها في عرائش مقوّسة، وفي النهاية يبدو شبح قصر رمسيس بأبراجه الهائلة، وجدرانه الضخمة، وصواريه المذهبة المزخرفة، ترفرف فوقها الرايات في الهواء، وأبعد من ذلك إلى الشمال يبدو التمثالان الضخمان الجالسان على عرشهما في وضع خالد لا يتأثر، وكأنهما جبل صخريّ ذو شكل إنساني يقوم أمام مدخل معبد أمينوفيس، ويتراءى في لون ناصل الرمسيوم الذي يبعد قليلاً، والمقبرة الوحيدة للكاهن الأكبر، ولكننا من أحد الجوانب نستطيع أن نرى قصر منفتاح.

(يتبع)

أحمد أحمد بدوي

مدرس بحلوان الثانوية للبنين

ص: 21

‌السيدة سكينة بنت الحسين

للأستاذ سعيد الديوه جي

(تتمة)

مزاحها وتهكمها:

أنتهي الفرزدق من حجته ويمم شطر المدينة المنورة ليسلم على السيدة سكينة أملاً في صلتها ورغبة في ثنائها ليغيظ بهذا خصمه بل أكبر أعدائه (جريراً). والفرزدق من الحزب العلوي، طورد وسجن واضطهد بسبب تشيعه لهم. ولم يكتم هذا الحب الصادق لآل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أمام الخليفة هشام. ولكن هذا لم يخلصه من انتقاد السيدة سكينة وتهكمها به. ولما مثل في ندوتها سألته: من أشعر الناس؟

- وهي تعلم مكانته من الشعر فهو أفخر الشعراء الأمويين وأمدحهم وأمتنهم أسلوباً وأجزلهم لفظاً - قال: أنا. قالت: كذبت. أشعر منك الذي يقول:

بنفسي من تجنبه عزيز

عليَّ ومَنْ زيارته لمام

ومن أمسى وأصبح لا أراه

ويطرقني إذا هجع النيام

ولا شئ يغيظ الفرزدق أكثر من تفضيل قرنه وخصمه الألد جرير عليه. بهت الفرزدق وأسقط في يده. وماذا يصنع مع سكينة التي تريد أن تلعب بعقل هذا الشيخ؟ قال لها: والله لئن أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. قالت: لا أحب فاخرج عني. خرج الفرزدق يتعثر في أذياله، ويخشى أن يشيع هذا الخبر فيسمعه جرير ويتخذه حجة له عليه. وفي اليوم الثاني عزم على أن يعيد الكرة لعل الله يشرح صدر سكينة فتشمله بعطفها وتمن عليه بكلمة ثناء تجبر بها كسره. ولما مثل في صالونها قالت له: من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت، أشعر منك صاحبك حيث يقول:

لولا الحياء لهاج لي استعبار

ولزرت قبرك والحبيب يزار

كانت إذا هجع الضجيج فراشها

كتم الحديث وعفت الأسرار

فقال لها: والله لئن أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. فأمرت به فأخرج. ضاقت عليه الأرض بما رحبت فلا يدري ماذا يعمل وبمن يلوذ. ولكنه لم يقطع أمله من صلتها وثنائها. فقصدها

ص: 22

في اليوم الثالث. ولما مثل في صالونها، سألته: من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت. صاحبك أشعر منك حيث يقول:

إن العيون التي في طرفها حَوَر

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وهن أضعف خلق الله إنسانا

علم الفرزدق بأن شعر جرير قد وقع في قلبها لرقته وسلاسة ألفاظه وخلوه من الفحش والخبث، فهو يمثل النفس الطاهرة الطيبة. عندئذ لجأ الفرزدق إلى التلطف والتوسل، فقال لها:(يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لي عليك حقاً عظيماً: خرجت من مكة إرادة السلام عليك فكان جزائي منك تكذيبي ومنعي من أن أسمعك) وعرَّض لها بكلامه أن تهبه جارية وضيئة من جواريها أعجبته. فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية. وقالت: (يا فرزدق أحسن صحبتها فإني آثرتك بها)

وأحاديثها مع عروة بن أذينة كثيرة. وهو من فقهاء المدينة ومحدثيها. وقد أخذ عنه الإمام مالك. كان من الأتقياء ولكن قلبه لم يخلص من الهوى. كان يحب وكان يعشق ولكن كان يستر حبه ويكتم هواه - ومهما حاول المرء كتم هواه فلابد أن يظهر يوماً على لسانه

بينما كانت تسبر سكينة بوادي العقيق رأت هذا الشيخ فمالت إليه بموكبها ووقفت عليه وقالت له: يا أبا عامر، أنت الذي تزعم أن لك مروءة وأن غزلك من وراء عفة وأنك تقي؟! قال: نعم. قالت: أفأنت الذي تقول:

قالت وأبثثتها وجدي فبحت به

قد كنت عندي تحب الستر فاستتر

أَلست تبصر من حولي؟ فقلت لها

غطى هواك وما أُلقي علي بصري

قال لها: نعم

قالت: (من حولي من الجواري حرائر إن كان هذا خرج من قلب سليم) وكيف يخرج هذا الغزل الرقيق من قلب خال من الهوى وإن لصاحبه من حب الجمال ما جعله يتخذ له قصراً في وسط العقيق عش الأدباء والظرفاء والمجان.

ومن تهكمها: أنها كانت في مأتم فيه بنت لعثمان بن عفان. فقالت بنت عثمان مفتخرة: (أنا بنت الشهيد) فسكتت سكينة فقال المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله) فالتفتت إلى بنت عثمان وقالت لها: (هذا أبي أم أبوك؟!) فبهتت العثمانية وقالت: (لا أفخر عليكم أبداً)

ص: 23

وكانت تسلك طريق الدعابة والمزح في حياتها، ونوادرها أكثر من أن تحصى

ومن ذلك أن لسعتها دبيرة. فقالت لها أمها مالك؟ فضحكت وقالت: (لسعتني دبيرة، مثل الأبيرة، أوجعتني قطيرة)

وبعثت مرة إلى صاحب الشرطة: إنه قد دخل علينا رجل شامي فأبعث إلينا بالشرط. فركب معهم وأتى إلى باب سكينة. فأمرت ففتح له. ثم أمر الجارية من جواريها فأخرجت إليه برغوثاً

وقالت. . (هذا الشامي الذي شكوناه) فانصرفوا يضحكون. ولعل أجمل مزحها كان مع أشعب خادمها ومضحكها. وكم لاقى هذا المخنث من تنفيذ أوامرها الأمرين: تارة تأمر جواريها أن يطأن بطنه وطئ شديداً تكاد تخرج أمعائه منه. أو تأمرهن أن يخنقنه أو يسحبنه على وجه ويلقى خارج الدار أو تأمره أن يقلد أصوات الحيوانات فيموي كالهرة أو يهر كالكلب.

غضبت يوم عليه فدعت حجاماً ليحلق لحيته. فقال له الحجام: انفخ شدقيك حتى أتمكن منك - وأشعب حتى في مثل هذه الحالة أن يضحك سيدته - فقال للحجام: (أمرتك أن تعلمني الزمر أو أن تحلق لحيتي؟!) فضحكت وعفت عنه.

وغضبت عليه مرة أخرى فأمرت أن يتخذ بيت من عود ويوضع فيه بيض وتبن وأدخلت أشعب به. وحلفت ألا يخرج من البيت حتى يحضن البيض كله إلى أن يفقس. ففعل أشعب - وكلما دخل زائر إلى دار سكنية كان أشعب يقرقر مثل الدجاجة - حتى فقس البيض كله فراريج. وأمرت أن تربى الفراخ بدارها. وكانت تنسبهن إليه وتقول: (بنات أشعب)

تأثيرها في المجتمع

ولم تقتصر شهرتها بين أهل عصرها في العلم والأدب والفن بل كان لها تأثير شديد في كل ما تفعله. فلم تظهر بزي إلا انتشر بين فئات الطبقة الأرستقراطية وتعداهن إلى بقية الطبقات. ذلك لأن السيدة سكينة أول من أبتكره وظهر به. كما كانت تصفف جمتها تصفيفاً لم ير أحسن. وصارت الجمة (السكينية) هي المتبعة في تصفيف الشعر. ولم يقتصر هذا التقليل على النساء بل إن فتيان قريش أخذوا ينسقون شعورهم على مثالها. وكان عمر بن عبد العزيز إذا رأى رجلاً يصفف جمته (السكينية) جلده وأمر بحلق شعر رأسه.

ص: 24

وأما تنسيق ندوتها وما يجد فيها من رياش وأثاث ورياحين فكان حديث فتيات قريش. فما من فتاة إلا وتزور هذه الندوة لتنظر ما أستجد بها مما أبدعته قريحة سكينة لتقلدها في ذلك.

فإن السيدة سكينة هي سيدة نساء عصرها على الإطلاق. كانت أحسنهن عقلاً وأظرفهن وأعلمهن وأعلاهن مقاماً وأرفعهن أدباً. تجالس الآجلة من قريش ويسعى إلى مجلسها أصحاب العلم وأرباب الفن يستمعون إلى محاضرتها أو يلتمسون صلتها. كما كانت تطرح عليهم الأسئلة وتجادلهم بما يقولون وتنتقد آراءهم ولا تخشى في الحق لومة لائم؛ ولهذا نرى قاصديها يحسبون لها حساباً. وهكذا تألق هذا النجم في سماء المدينة وظل يهتدي به حتى سنة 117هـ

وفاتها

وفي صباح يوم شديد الحر فاضت روحها وانتقلت إلى جوار ربها. خرج النعش يتهادى بين الجموع المحتشدة والقلوب الخاشعة والعيون الدامعة. ولكنها (حتى على الموت لا تخلو من الحسد) فإن أمير المدينة خالد بن عبد الملك أمر أن يؤخروا الصلاة عليها حتى يحضر وجلس الناس حولها حتى العشاء ولم يحضر؛ وغلبهم النعاس فأوقدوا حولها عوداً بأربعمائة دينار وصلوا عليها جماعات جماعات. وفي صباح اليوم التالي دفنوها ودفنوا معها العلم والأدب والفن.

أقفرت الدار من سكينة فلا شعراء ينشدون، ولا علماء يتجادلون، ولا رواة يحدثون، ولا أدباء يحتكمون.

(أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا

أخنى عليها الذي أخنى على لبد)

(الموصل)

سعيد الديوه جي

ص: 25

‌الذكرى الباسمة

لشاعر العاطفة والوجدان جان ريشبان

للأستاذ عبد العزيز العجيزي

لن أنسى لك أبداً أول حديث في الحب،

فعلى الرغم من انصرافي إلى الصلوات،

إلى الحسرات وتأوهات الضمير، سأجثم كابياً؛

غير جائل بالفكر فيما يثير الفزع في نفسي، بل

سابحاً بخاطري في ذكرى ليلة مقمرة ولت ولم تعد

لن أنسى لك أبداً أول مناغاة ساحرة،

ولا ما ألاقيه من عنت الزمان وتتابع الحدثان

وغفلة النسيان، ولا من تكدير الصفو وعبوس

الجو؛ فقد طويت صفحات حظي طياً،

لأوْدع في ثناياها فؤاد وردتي الناعسة.

لن أنسى أبداً أول عُرس لربيع أيامنا، حينما

لمع لي سنا عينيك وبدا أشد فتنة وخلابة وإغراء

من السماء الصافية، والغابة الزاهية، والشمس

الغاربة؛ حينما قبلت عبير الهوى المترقرق من ثغرك

الباسم. لن أنسى ذلك أبداً وإن غيبتني المنون. . .

الأطيار سكرى بسلاف شفاه الأزهار،

والأغاني والأغاريد راقصة على خدود الورود،

لا لشيء سوى ارتشاف عذب نغمات هوانا.

فواهاً لهذا الطير وواهاً لهذا الزهر!

بل واهاً لغرامنا الجامح وحبنا الهائم!

ص: 26

في نشوة تلك الساعة غاب صوابنا حتى عن

حمد الله، وتوهمنا اللحظات تمضي على رِسلها

بينما الحب مقيم دفين، فرتبنا لقاء الزمن الوليد

ترتيب العصفور لو كره. مسكين! مسكين أيها

الطفل الوليد؛ فقد أخذتنا غفوة سمعنا فيها

هتاف صوت يردد: كل شئ لا يغني.

لكن، أواه! إني لا أروم إثارة أحزاني وأشجاني.

أواه حبيبتي! أواه رفيقة صباي! أواه ليلاي!

سوف يُنفخ دائماً في مزمار آهاتي وشكاتي.

سوف أتنقل في روض ذكراك، جانياً

قطوف حلاوتك وأفاويق عفتك، متنسما شدى

قبلاتك المناجية مناجاة قبلات القمر الحالم.

أهيم بذكرى قدك الرخص البارع، وغصنك

المعتدل الفارع، ذكرى جسدك الذي مازج

أشواقي في معبدها الروحاني، ذكرى أريج أديمك

الأشد من رحيق عتيق المدام، ذكرى الأزهار

الفواجة بمداعبة جيدك الأندى من الفجر؛ ذكرى

مرقدنا الحاقد على هوانا، الملتهب غيرة وحسداً.

أهيم بذكرى أيامي السادرة في ثنايا عمري،

ويغمرني عُباب ذكرياتي المقدسة. وحين يشتعل

رأسي شيباً، ويغضن الهرم وجهي، وأصبح مثل

(كاساندر) سأستمد الدفء من قبس

ربيع حياتي؛ وسألتمس دائماً حرارة

هذا القبس من تحت ذرات الرماد.

عندما يهب إعصار الفناء، وأحس برد الموت

ص: 27

يتمشى فيّ، سأذكر ربيع عمرنا الطلق النضير.

وألفظ حين ذاك النفس الأخير، فيخبو

سراج ذكراي، وتنعم هنالك روحي بالضوء

السنى في هيكلها النوراني، وأودع الحياة في

موكب الذكرى ناعم البال، إلى أفق باسم لألأء.

(المنصورة)

عبد العزيز العجيزي

ص: 28

‌المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم

في النصف الأول من القرن التاسع عشر

تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين

للأستاذ عدلي طاهر نور

الفصل الخامس عشر

استعمال التبغ والبن والحشيش والأفيون الخ

إن تحريم الخمر بأنواعها في التشريع الإسلامي، جعل المسلمين يلجئون إلى وسائل أخرى تسبب لهم نشوة خفيفة أو ضروباً مختلفة من الطرب الشديد

وأكثر هذه الوسائل انتشاراً في أغلب البلدان الإسلامية ما يسميه العرب (كيفاً) وهو تدخين التبغ، ولا يمكنني أن أترجم هذا اللفظ بأكثر من (لذة لطيفة). ويبدو أن هذا التبغ أدخل إلى تركيا وجزيرة العرب وغيرهما من بلاد الشرق قبيل القرن السابع عشر من الميلاد أي بعد سنوات قليلة من انتظام تصديره كسلعة تجارية من أمريكا إلى أوربا الغربية. وكثيراً ما أشتد الجدل حول إباحة التدخين للمسلم غير أن ذلك جائز الآن. وقد غير التبغ من طباع المدمنين عليه من الترك والعرب وجعلهم على الأخص أكثر كسلاً مما كانوا عليه قبلاً، فهم يضيعون في تدخين شبكهم وقتاً طويلاً. إلا أنه كان ذا أثر آخر حسن، فقد أغنى إلى قدر كبير عن استعمال النبيذ الذي يضر على الأقل بصحة سكان الأقاليم الحارة. وتقدم قصص ألف ليلة وليلة التي كتبت قبل استعمال التبغ في الشرق والتي تصور لنا بلا ريب عادات العرب وشمائلهم في ذلك الوقت تصويراً صادقاً، تقدم هذه القصص أدلة وافرة على أن المسلمين وقتئذ أو في العصر السابق مباشرة كانوا يشربون النبيذ علانية. ويمكن أن نقول دفاعاً عن الشبك - كما يستعمله العرب والترك - أن أنواع التبغ الخفيفة التي يستعملونها عادة لها تأثير لطيف. فهي تهدئ الجهاز العصبي وترهف الذهن بدلاً من أن تبِّلده. ولا شك أن الشبك يتضمن كثيراً من ملذات الشرقيين ويقدم إلى الفلاح منعشاً رخيصاً زهيداً ويبعده في الغالب عن الملذات المضرة

وتعتبر القهوة، نعيماً مماثلاً للتبغ وتؤخذ معه، وقد ساعدا على جعل النبيذ أقل انتشاراً بين

ص: 29

العرب. ويؤيد هذا الافتراض لفظ القهوة وهي تسمية عربية قديمة للنبيذ. ويقال إن هذا الشراب المنعش اكتشفه في الجزء الأخير من القرن السابع للهجرة أو الثالث عشر من الميلاد متعبد عابد الشيخ عمر دفعه الاضطهاد إلى أحد جبال اليمن مع بعض أتباعه، وحمله الجوع إلى أن يشرب منقوع البن الذي ينبت هناك بالطبيعة. غير أن استعمال البن لم ينتشر في اليمن إلا بعد هذا الزمن بجيلين. وقد استوردت مصر البن بين سنتي 900 و910 هجرية أي في أواخر القرن الخامس عشر أو ابتداء القرن السادس عشر من الميلاد، أو قبل إدخال التبغ إلى الشرق بجيل تقريباً. وكان يشربه حينئذ في جامع الأزهر فقراء اليمن ومكة والمدينة الذين وجدوا فيه منشطاً لهم على العبادة والتسبيح، وكانوا يعكفون على شربه بكثرة. وأدخل البن إلى الآستانة بعد ذلك بنصف قرن تقريباً. وقد أثارت القهوة منازعات حادة بين المتعبدين والمتعلمين في جزيرة العرب ومصر والأستانة. فكان كثير من العلماء يؤكد أن القهوة لها خصائص مسكرة فتحرم على المسلمين بينما كان آخرون يقررون أن للقهوة فضائل، إحداها مقاومة النوم فتكون عوناً قوياً للأتقياء على عبادتهم ليلاً. وكثيراً ما كان بيع البن حينئذ يحرم ويحلل حسب رأي الحاكم. أما الآن فيقول جميع المسلمين تقريباً بحل القهوة، ويفرطون في استعمالها، وحتى الوهابيون الذين هم أشد المسلمين صرامة في الحكم على التبغ والتمسك بأحكام القرآن والحديث. وكانت القهوة تجهز قبلا من حب البن وقشره معاً. ولا تزال تعدّ في جزيرة العرب منهما معاً أو من القشر فقط. وتحّضر في البلاد الشرقية الأخرى من الحب وحده يقلى ويطحن أولاً فأولاً.

في القاهرة أكثر من ألف (قهوة). والمقهى غرفة صغيرة ذات واجهة خشبية على شكل عقود. ويقوم على طول الواجهة، ما عدا المدخل، مصطبة من الحجر أو الآجر تفرش بالحصر ويبلغ ارتفاعها قدمين أو ثلاثاً وعرضها كذلك تقريباً. وفي داخل المقهى مقاعد متشابهة على جانبين أو ثلاثة. ويرتاد المقاهي أفراد الطبقة السفلى والتجار وتزدحم بهم عصراً ومساءً. وهم يفضلون الجلوس على المصطبة الخارجية ويحمل كل منهم شبكه الخاص وتبغه. ويقدم (القهوجي) القهوة بخمس فضة للفنجان الواحد أو عشر فضة (للبكرج) الصغير الذي يسع ثلاثة فناجين أو أربعة. ويحتفظ القهوجي أيضاً بعدد من آلات

ص: 30

التدخين من نرجيلة وشيشة وجوزه. وتستعمل هذه الأخيرة في تدخين التمباك والحشيش الذي يباع في بعض المقاهي. ويتردد الموسيقيون، والمحدثون على بعض المقاهي في الأعياد الدينية خاصة

(يتبع)

عدلي طاهر نور

ص: 31

‌غروب.

. .!

للأستاذ محمود حسن إسماعيل

مَاليِ أَحِسُّ كأَنَّ عُمْرِيَ في يَدِ الأَحْزَانِ يُطْوَى؟!

نَفْسِي تَنَاهَبَهَا الشَّقَاءُ وَلَمْ تَجِدْ فيِ الْجِسْم مَأْوَى

قَلْبِي أَذَلَّتْهُ الْجِرَاحُ فمَا يُطِيقُ بِهِنَّ شَكْوَى

حُبِّي اسْتَحَالَ رِوَايَةٍ لِلدَّمْعِ يَعْصِرُهَا فَتُرْوَى

وَصِبَا غَرَامِيَ صَارَ أَبْعَدَ مِن مَشِيبِ الغَيْبِ شَأْوَا

أَغْدُو، وأُمْسِي. . . وَالأَسَى نَارٌ أُذَابُ بِها وَأُكْوَى!

رَبَّاهُ! مَا أَنَا؟. . . هَلْ وُجِدْتُ عَلَى زَمَانِ النّاَسِ سَهْوَا!

سَوَّيْتَنيِ رُوحاً. . . تَمَرَّدَ أَنْ يَرَى الأَرْضَ مَثْوَى

وَأَنَا التُّرَابُ! فَكَيْفَ صِرْتُ هَوًى، وَتَعذِيِباً، وَشَجْوا!

شُرُفَاتُ غَيْبِكَ لا يُتِحْنَ لِغَيْرِ مَنْ يَبْكِي دُنُوَّا

وَأَنَا إليك ذَرَفْتُ أيامي فَزَادَ دَمِي عُتُوَّا

وَرَأَيْتُ سِحْرَكَ فيِ الُوجُودِ أَضَلَّ إِحْسَاسِي وَأَغْوَى!

النَّهْرُ جَبَّارٌ عَصَاكَ فَلَاحَ مَحْمُوماً تَلَوَّى

وًالعِطْرُ زِنْديِقٌ يُذِيعُ عَذَابَهُ. . . وَيَقُوُلُ: سَلْوى!

وَالطَّيْرُ مَجْرُوحُ الغِنَاءِ وًيْلبِسُ الآهَاتِ صَفْوَا

وَالرَّيحُ جِنٌّ آثِمٌ وَخَزَتْهُ زَلَّتُهُ فَدَوَّى. . .

. . . وَطَوَى الفَضاءَ مُزَمْجِراً مُتَضَرِعاُ يَسْتَلُّ عَفْوَا!

وَالشَّمسُ مَسْلُولٌ تَلَفَّعَ بِالْغُيُومِ وَدَسَّ بَلْوَى. . .

. . . قَلِقَتْ عَلَى شَفَقِ الْمَغِيبِ كأَنَّهَا في النَّار تُشْوَى!

وَاللَّيْلُ أَقْبَلَ يَمْلأُ الْقيِعَانَ أَسْراراً وَنَجْوَى. . .

وَأَنَا الْغَرِيبُ شَرِبْتُ أَحْزَانيِ فَقِيلَ: شَرِبْتُ لَهْوَا

وَبَكَيْتُ حَتَّى خِلْتُ أَجْفَانِي مُعَذِّبَتِي وَنَشْوَى!

مَاذَا رَجَائِي في الْحَيَاةِ إذا انْتَهَى مَا كُنْتُ أَهْوَى

ص: 32

وَوَقَفْتُ أَحْفِرُ لِلْجِرَاحِ طَرِيقَها. . . فَتَعُودُ شَدْوَا!

محمود حسن إسماعيل

ص: 33

‌نظرة جديدة

في (ليالي الملاح التائه)

بمناسبة طبعته الجديدة

للأديب حسين محمود البشبيشي

من حيوية الفن الحق أن يتجدد أثره في النفس برغم تقادم العهد، بما يبعث في نفس المتأمل من أحاسيس. وإني لأجد اليوم في الحديث عن (ليالي الملاح التائه) نشوة المقبل على شئ جديد وما ذاك إلا لتجدد ما يهيجه الديوان من بوارق الحس. وسنحاول في هذا المقال أن نسبر غور هذه النفس الشعور ونرجع عبقريتها الفنية إلى أسسها الأصلية. تنهض شاعرية الليالي على أساسين: سعة العقل المطلع، ومضاءة الشور الفني. فانك لتلمح أثر العامل الأول في مسايرة الشاعر لكل ما يضطر في عالم الإنسانية من أفراح وأحزان. فقد طلع علينا الشاعر الفنان في كثير من المناسبات وسجل الكثير من المرائي الفاتنة، وإن ذلك ليظهر جلياً في قصائده مصرع الربان، وبحيرة كومو؛ وليس أدل على أصالة هذا الأساس في نفسه من مسايرته له في كل الأحايين، وما عهدنا بقصائد: عيد الميلاد، وستالينجراد ببعيد!. . . مثل هذا يدل على أن الشاعر قد نزع قيود الشخصية المحدودة وحلق في جو الإنسانية الفسيح فأطلع طائره يمجد مصرع الربان، وداعب قيثاره يخلد ثبات ستالينجراد، وذاب لهفة وتقديراً وإعجاباً بفتنة فينسيا. ورأى بحيرة كومو وراقه منها:

بهج في كنوزها

للمحبين مدّخر

بابل أم بحيرة

أم قصور من الدرر

أم رؤى الخلد في الحياة تمثلن للبشر

هاله السحر منها فهتف:

لا تقل أخصب الثرى

فهنا أورق الحجر!!

وما كان ليستطيع أن يقول سوى هذا وهو العابد للجمال والقائل:

هاهنا يشعر الجماد

ويوحى لمن شعر!

تلك لمحة تكشف عن انطلاق شاعرنا من قيود البيئة المحدودة ونظرته إلى مفاتن ومباهج

ص: 34

الكون كوحدة تنعكس في قلبه الشاعر!

أما الأساس الثاني فهو وضاءة الشاعرية التي توشك أن تطبعه بطابع خاص يكسب قصيدة عذوبة في الجرس، ورقة في الصياغة، وأناقة في اختيار الكلمات التي تطالعك كالعروس في جلوتها. ومن منا لم يطرب لروعته الموسيقية وفتنة التركيب وحسن الاختيار الموفق للبحر الذي نسج منه الجندول والروعة اختتامه بعض أبياتها بكلمات توشك أن ترقص من رقة النغم. . . مثل (خمرة، ثغرة، عبرة، أثرة. . .) إن القارئ ليوشك أن يجد نفسه مترنما مرتلاً لتلك الأبيات التي تتوجها هذه الكلمات في غير ما شعور وبغير إرادة

تلك هي الحيوية الموسيقية عند ملاحنا التائه. وإنها لتملك عليه حواسه وتنظمها وتسيرها فتراه وقد تأمل في مظاهر الجمال، وبواعث الشعر تتوافر على حسه المشاعر، وتتوالى على قلبه العواطف فلا يسعه إلا أن يعبر عن هذه العواطف المنثالة المتدفقة في أنغام تجمع بين صدق العاطفة وتدافق الحس. . . وهو حينئذ يحس أن يعبر في مقاطع رنانة قصيرة تعطي للقارئ فكرة سريعة الانتقال النفسي الوجداني. . . أنظر إليه وقد تدفق قائلاً في عاطفة متدفقة تظهر جلية في تدافع النغمات في كلمات. . . (دعوات) و (فرحة) و (نشيد). . .

مهرجانٌ ممالك الشرق فيه

دعوات، وفرحة، ونشيد!!

وإن ذلك ليظهر أيضاً في قوله:

وسلمت يا مولاي للوطن الذي

بك يستظل، ويستعز، ويسلم

فقد تزاحمت وتواترت الخواطر والأحاسيس فهتف قائلاً (بك يستظل)، ثم تدفق مغرداً (ويستعز)، ثم صاح منشد (ويسلم). ومن هذا قوله:

صوامع رهبان، محاريب سجَّد

هياكل أرباب، عروش قياصر

وثمة ناحية أخرى جديرة بالتأمل أخطأ فهمها بعض الناس. . . وهي ميل ملاحنا التائه إلى تكرار بعض الصور والألفاظ مما جعل بعض مراض القلوب يتوهمون أن ذلك وليد قصور في التخيل وضيق في الأفق. . . وما ذلك من الحق في شئ. بل إننا لننظر إلى الأمر نظرة المتأمل فنقول: التكرار عندنا نوعان. . . تكرار يوشك أن يقتصر على مرتين أو ثلاث، وتكرار لا تحدّه أرقام فهو طليق طلاقة الحس المعبر. . . والأول نراه من مظاهر

ص: 35

القصور، والثاني نعتقد أنه من أثار الاتصال بين مظهر التعبير وجوهر الشعور. وعلي طه في تكراره فنان يساير مشاعره ويعجب بفنه؛ وهيهات أن يستطيع الخلاص من قيد عواطفه. وإذا كان في قراراته حبُ لشيء أو معنى فلا أقل من أن ينطلق مردداً له مستطيبا لتكراره. . . ولكنة حين يكررها يبدل في عرض مشاعره ويلبسها ثوباً جديداً تستشف من خلاله اتصالها بوشائج قوية مع أصولها الثابتة في أغوار نفسه. ولعل المسألة تظهر جلية إذا علم القارئ أن أهم صفة في خلق شاعرنا هي الوفاء. . . فما يستغرب إذا منه الوفاء لبعض أحاسيسه. . .! وما تلك الأحاسيس والصور التي يطيب للملاح أن يكررها. . .؟ هي:(الحلم، الأشباح. الزورق. الكأس) نعم إن المتأمل ليهوله كثرة ما ردد شاعرنا العبقري هذه الكلمات. . . ولكننا بقليل من التأمل نقول إن هذه الكلمات وإن اختلفت في الدلالة فقد اتفقت في الباعث الأصيل لها. . . وإليك الدليل. . . إن الانفعال الذي عند تصورك الحلم وانطلاقه هو بلا ريب ما تحسه عند توهمك الشبح وتهاويله. وما يصدق على الأحلام والأشباح يصدق على الكأس وعصيرها. وهل كانت الكأس إلا الوسيلة للانطلاق في جواء سحيرة فسيحة؟ وإن ما يصدق عن الأحلام والأشباح والكأس ليصدق على حيرة الزورق، فإن حيرته لتعطيك رهبة الرياح الهوج والأمواج الرعن. . . هذا وإلى القارئ بعض هذا التكرار الفني الجميل الذي يرتكز على طبيعة حق فقد كرر كلمة الحلم قائلاً:

(حلم مثلته في خاطري)، (يا عروس البحر يا حلم الخيال)، (غرقان في حلم عذب تسلسله) و (أحلام الليالي الكواعب) وتكراره لكلمة الكأس (لو سقى مثواك بالكأس الصبيب)، (هي الكأس مشرقة في يديك)، (هيئ الكأس والوتر). وتكرار لكلمة الزورق (وضمنا فيه زورق يجري)، يسري عليها للملائك زورق)، (نرقب النيل تحت زورقه).

. . . وثمة ناحية أخرى تلمحها خلال ديوانه وهي أن أصدق ما صاغه في حب وطنه كان وهو في غربة عنه؛ وتلك بارقة نفسية عميقة تدلنا على أن الفاقد للشيء هو خير من يقدره. . . أنظر إليه كيف تذكر النيل ومصر وهو على ضفاف (كومو) وفي جلوة الجندول بفينسيا. وبعد فلا يسعنا إلا أن نهتف أن هذا الشاعر المغرم بالأشباح والحيرة والشرود والأحلام والزورق خير مثال لتأثر الشاعر وتقيده بأحاسيسه الأصيلة. . . أفلم يخضع لهذه الحيرة السابحة والأحلام والأشباح فأبى إلا أن يكون ملاحاً تائهاً. . .

ص: 36

حسين محمود البشبيشي

ص: 37

‌البَريدُ الأدبيّ

هل الاسكندر الأكبر هو ذو القرنين المذكور في القراّن الكريم

يعتقد بعض المؤرخين خطأ أن الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم. فنجد المقريزي والمسعودي يحاولان أن يثبتا أنه (هو)، وكذلك الأستاذ فريد وجدي في دائرة معارفه، وغيرهم كثيرون. ومنهم من يدعي أن سبب تسميته بذي القرنين أنه ملك قرني الدنيا، وأن له ضفيرتين، أو أنه شجاع كالكبش، وغير ذلك من الترهات التي لا يجوز أن يعتمد عليها المؤرخ. ويخيل إلي أن سبب خطئهم جميعاً هو عدم اطلاعهم على التوراة. فلو رجعنا إليها لعرفنا سبب هذه التسمية التي ألصقها المؤرخون خطأ بالإسكندر

ولكي نلم بالموضوع يحسن أن نتساءل: لماذا ذكر القرآن الكريم شيئاً عن ذي القرنين؟ وجواب ذلك سيوضح لنا كل شئ: سأل اليهود وكفار قريش النبي عليه الصلاة والسلام عن شخص لم يذكروا اسمه جاب الدنيا شرقاً وغرباً، وكان له ملك عظيم. ويقصد اليهود بذلك ذا القرنين المذكور في التوراة. فنزلت آيات القرآن الكريم عن ذي القرنين في سورة الكهف. وإليك رواية التوراة: رأى النبي دانيال علية السلام في المنام كبشاً ذا قرنين وفسره في التوراة بمملكة فارس التي لم تكن قد ظهرت بعد. ورأى كبشاً آخر ذا قرن واحد يهجم على هذا الكبش ذي القرنين ويقتله. وفسره في التوراة بملك من ملوك اليونان سيظهر في المستقبل ويقضي على دولة الفرس العظيمة. . . وعلى ذلك فالمقصود بذي القرنين دولة فارس العظيمة التي أسسها الملك كورش والتي تنتهي بالملك دارا الثالث الذي في عهده قضى الإسكندر على دولة الفرس. والمقصود بذي القرن الواحد الإسكندر الأكبر

ودولة فارس كانت عاصمتها سوس في جنوب غرب إيران. وكان الشعب الفارسي في الجنوب والميديون في الشمال. والقرنان إشارة إلى هذين الجنسين. والقرن الواحد إشارة إلى أن اليونان جنس واحد. وكانت دولة فارس تملك عدا بلادها التركستان في وسط آسيا، وبابل في حوض نهري الدجلة والفرات من الجنوب، وآشور في شمال بلاد النهرين، وبلاد آسيا الصغرى، والمستعمرات اليونانية التي بها، وبلاد الفينيقيين بسورية، وأرض العبرانيين بفلسطين، ومصر. . . وعلى ذلك فالآيات القرآنية الكريمة التي جاءت في سورة الكهف هي في الحقيقة تاريخ دولة برّمتها، والأعمال التي قام بها ملوكها. ومع ذلك

ص: 38

إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجده يرفع ذا القرنين إلى مصاف المؤمنين، في حين أن الإسكندر الأكبر كان وثنياً يدّعي أنه ابن الإله آمون، وأوصى بأن يدفن بعد موته بمعبد آمون بسيوة. وكان متهتكاً يميل إلى الفجور وشرب الخمر وكان ذلك سبب وفاته. وكانت جثته تعبد بعد موته. فلا يعقل أن يكون هو ذا القرنين الذي يقول فيه القرآن الكريم:(قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى). والآية الكريمة التي تقول: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) تنطبق على الملك كورش الذي أتجه غرباً وفتح بلاد الفينيقيين بسورية حتى بلغ البحر الأبيض المتوسط (فوجد الشمس تغرب فيه). أما سد يأجوج ومأجوج فالذي أقامه هو الملك كورش أيضاً وهو الآن في موضع اسمه (دريند) ومعناها السد، وهو أثر سد قديم بين الجبال في بلاد التركستان في وسط آسيا. ويروى الرواة في تلك البلاد أنه كان خلف هذا المكان قديماً قبيلتان: إحداهما تسمى ياقوق والأخرى ماقوق. ولقد غار السد بفعل الزلازل. وهذا يفسر قوله تعالى: (فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء). ومن نسل يأجوج ومأجوج كانت جيوش تيمورلنك وحفيده هولاكو الذين خربوا بغداد وأسقطوا الدولة العباسية.

من هذا نرى أن الإسكندر ليس ذا القرنين، وعلى ذلك ليس من العدل أن نلصق به هذا اللقب بالإكراه. وإذا كان ولابد أن نجعل له قروناً فلا مانع من تسميته بذي القرن الواحد.

الدكتور إبراهيم الدسوقي

حول تراث بني إسرائيل

قرأت ما كتبه الأستاذ الساكت رداً على تخطئتي للمفسرين في تراث بني إسرائيل، فوجدته يؤيد ما ذكروه من رجوع بني إسرائيل إلى مصر بأن الألوسي رأى في بعض الكتب أنهم رجعوا مع موسى وبقوا معه بمصر عشر سنين، بأن صاحب كتاب الأصول البشرية ذكر أن موسى بعد أن هزم فرعون مصر الذي فر إلى بلاد الحبشة حكم مصر ثلاث عشرة سنة، وبأن المتبادر من قوله تعالى:(ويستخلفكم في الأرض). وقوله: (قلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض). وقوله: (وأورثناها بني إسرائيل) أنهم رجعوا إلى مصر

ص: 39

وكل هذا لا يفيد الأستاذ الساكت بشيء، لن الله تعالى قد عين ذلك التراث في قوله:(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) فالأرض المباركة هي أرض الأنبياء من المسجد الأقصى وما حوله، كما قال تعالى:(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وهي الأرض المقدسة التي ذكر الله أنه كتبها لهم في قوله: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) فهذه الأرض هي التي كانت مطمح بني إسرائيل، وهي الإرث الذي كانوا يتطلعون إليه، وأرسل موسى لأجل أن يمكنهم منه

وقد فصل الله تعالى ما جرى لبني إسرائيل بعد مجاوزتهم البحر، وكرره في سور كثيرة من القرآن الكريم، وذكر من ذلك أنه حاول أن يحملون على دخول الأرض التي وعدوا بها، فهابوا قتال أهلها (قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، قال رب إني لا أملك إلا نفسي وآخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين)

ولم يذكر الله تعالى فيما فصله وكرره من ذلك أنهم رجعوا إلى مصر، وهو لو صح حادث عظيم ما كان الله تعالى ليهمل ذكره، على أن أولئك القوم الذين عجزوا عن فتح بيت المقدس، وأظهروا ذلك العجز والجبن، لا يعقل أن يقووا على فتح مصر، ولا يعقل ألا أن يبقوا في ذلك التيه الذي ضربه الله عليهم، وألا أن يحرمهم الله نعيم مصر أيضاً جزاء فسقهم وعصيانهم

ولا شك بعد هذا في أن ظاهر القرآن الكريم يشهد لذلك التفسير الذي ذكرته، وهو التفسير الذي يتفق مع المعروف من تاريخ مصر القديم وتاريخ بني لإسرائيل، ولا اعتداد بتلك الروايات المجهولة التي ذكرت في المنارة وغيره، ولم تبين لنا كيف ملك موسى مصر، ولا كيف تركها بعد أن تمكن منها

والله يعلم أني لم أطلع على ذلك التفسير الذي يتفق تفسيري معه، وإنما كان ذلك من توارد الخواطر، والخطب فيه سهل.

ص: 40

عبد المتعال الصعيدي

ص: 41