الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 509
- بتاريخ: 05 - 04 - 1943
الفرد والدولة
للأستاذ عباس محمود العقاد
للأحوال الاقتصادية في كل مجتمع شأن عظيم في توجيه حياة أفراده، وفي إقامة النظم الحكومية والآداب العرفية بين أهله
هذه حقيقة لا حاجة بها إلى كشف ولا إثبات، ولا حاجة بها إلى كاشفين ولا مثبتين، لأنها أقرب إلى البديهيات المقررة والأصول المسلمة، منها إلى (نظريات) الأدلة والبراهين.
هذه حقيقة لم يكشفها الاشتراكيون والشيوعيون، وإن غلا فيها دعاة الاشتراكية والشيوعية، فإن شاءوا من خصوم مذهبهم أن يثبتوها معهم أو يثبتوها قبلهم أو بعدهم فما من معارضة في إثباتها بين فريق من الناس حيث كان
ولهم أن نزيدهم خطوة أخرى في هذا الطريق فنقول: إن الأحوال الاقتصادية وراء كل حركة عظيمة من حركات التاريخ؛ فما سجل التاريخ قط من نهضة أو دعوة أو ثورة أو انقلاب إلا كان للأحوال الاقتصادية في كل أولئك أثر واضح وسهم كبير.
وإلى هنا نقف فلا نستطيع أن نتقدم خطوة؛ لأننا إذا تقدمنا خطوة أخرى وراء هذه الخطوة قلنا ما ليس في وسعنا أن نقوله وليس في وسع العقل أن يقبله ويسيغه: قلنا إن الأحوال الاقتصادية هي كل شيء وإنها هي المهم الذي لا مهم غيره، وإن العوامل الكونية لا تشتمل على شيء آخر غير المضاربات والأسواق وتداول الأسعار.
وهذا مسخ للحياة ومسخ للفكر ومسخ للعوامل الكونية
بل هذا مسخ للكون حتى ليصبح من بداية الخلق إلى نهايته (بورصة) مضاربات ومثابة سمسرة وشطارة واختلاس
وليس في وسعنا أن نقول ذلك، وإن قاله الاشتراكيون، وقاله الغلاة من الاشتراكيين وهم الشيوعيون الماركسيون
فالأحوال الاقتصادية شيء هام ولكنها ليست بكل شيء هام، والأحوال الاقتصادية لها سلطان على المجتمع ولكنها ليست بكل سلطان في المجتمع، وليس المجتمع مع ذلك بالقضاء الذي لا يرد له حكم في حياة الأفراد، فقد يكون للأفراد حكم نافذ في كل مجتمع نشأوا فيه.
والقول بهذا هو الحد الفاصل بيننا وبين دعاة الاشتراكية الذين يلغون سلطان الفرد ليثبتوا سلطان المجتمع، ثم يقيمون للمجتمع قانوناً لا فكاك منه ولا محيد عنه، وهو قانون الضرورة المادية أو الضرورة الاقتصادية أو ما يسمونه في الجملة بالتفسير المادي للتاريخ.
ليست الأحوال الاقتصادية بكل شيء
وليس المجتمع بكل شيء
وليس الفرد لغواً إلى جانب المجتمع أو الأحوال الاقتصادية. ولكنه شيء، والمجتمع شيء، والأحوال الاقتصادية شيء، وليس من الضروري اللازم لإدراك حقيقة من الحقائق الاجتماعية أو الفلسفية أن نلغي شيئاً من هذه الأشياء
احسبنا في عهدنا هذا أحوج ما كنا إلى توكيد هذه الحقيقة مرة بعد مرة، لأن توكيدها في الأذهان غير عاصم من ضلال الشعور - بل ضلال الوهم - الذي يتمثل لبعض الناس كأنه مذهب من مذاهب التفكير.
فتغليب الشئون الاقتصادية، أو تغليب الدوافع المادية على دوافع الحياة في الأفراد، هو في الواقع (قدرية) جديدة يلجأ إليها العاجزون في زماننا هرباً من التبعة، كما لجأ العاجزون فيما مضى إلى قدرية القرون الوسطى
كان العاجزون فيما مضى يقولون: ماذا نصنع؟ وما الحيلة؟ هذا قدر مكتوب لا حيلة فيه!
فأصبح العاجزون في زماننا يقولون: ماذا نصنع؟ وما الحيلة؟ هذه ضرورات الاقتصاد التي تسيطر على إرادة الأفراد، فلا لوم عليهم، ولا تقصير من قبلهم، وإنما اللوم لوم المجتمع والتقصير تقصير (الأحوال)
وما كتبنا قط مقالاً عن الفرد والمجتمع إلا أحسسنا بخطر هذه القدرية في أسئلة بعض السائلين، وتعقيب بعض المعقبين، فعلمنا أنه (مهرب) جديد من التبعات الفردية، يلوذ به من يحاول فيفشل فيعز عليه أن يلوم نفسه على فشله، فيذهب به ليلقيه على كاهل المجتمع أو الأحوال الاقتصادية أو التفسير المادي للتاريخ.
أحسسنا بخطر هذه القدرية مرة أخرى على أثر المقال الذي كتبناه عن أسس الإصلاح، والمقال الذي كتبناه عن فلسفة الترجمة، لأننا أثبتنا في كلا المقالين وجود الفرد إلى جانب
وجود الدولة أو المجتمع، وخرجنا منهما بالرأي الذي خلاصته أن الفرد قد يكون قوة فاعلة كما يكون نتيجة منفعلة، وإن الإصلاح الذي يلغي حرية الفرد فساد شر من كل فساد.
كتبنا ذينك المقالين فلم يسترح إليهما أناس ممن استراحوا إلى القدرية الجديدة، لأن إعفاء النفس من اللوم راحة، وإلقاء التبعة كلها على المجتمع راحة، وفيما ذكرناه في المقالين ما يزعج المستنيم إلى تينك الراحتين.
يجب أن نقول إن المجتمع هو كل شيء، وإن الذنب كله هو ذنبه، ليستريح المؤمنون بالقدرية الجديدة
ولكننا لا نقول ذلك، وليس لنا أن نقوله. . . بل نحن نقول إن المجتمع شيء فقط وليس بكل شيء، وإن عليه ذنوباً وليست عليه جميع الذنوب، فالقدريون إذن غير مستريحين، و (الحوقلة) من نوع جديد هي كل ما يعبرون به عن هذا القلق المستحدث: قلق التفسير المادي للتاريخ!
ومهما يبلغ هؤلاء القدريون الجدد من الحوقلة فما هم بقادرين على إلغاء الفرد وإنكار قسطه من توجيه التاريخ، وبخاصة حين يكون من عظماء الأفراد
قالوا مثلاً ما طاب لهم أن يقولوا عن المظالم التي ضيقت على الناس منذ قرون فهجروا بلادهم إلى القارة الأمريكية، وقالوا ما طاب لهم أن يقولوا عن الأسباب الاقتصادية التي حفزت أناساً إلى البحث عن طريق جديد إلى الهند، فعثروا من طريق المصادفة على تلك القارة الأمريكية.
ولكن الذي قالوه كله لن يفسر لنا الفوارق بين الناس في التأثر بالمظالم أو بالعوامل الاقتصادية؟
فالمظالم قد نزلت بملايين من الناس، والعوامل الاقتصادية قد أحاطت بملايين من الناس، فلماذا وجد فيهم من ينفر من الظلم فيهجر بلاده ووجد فيهم من يستكين إلى الظلم فيقيم حيث أقام؟ ولماذا قنع أفراد بالشظف وطمح أناس إلى الوفر والثراء في قطر مجهول؟
أهي العوامل الاقتصادية التي فرقت بين فرد وفرد في حظوظ الحياة وملكات الشعور؟
وإذا كانت العوامل الاقتصادية لم تخلق هذا فمن أين لها أن تلغيه، وكيف يسعها أن تفسر التاريخ وهذه الفوارق الحيوية باقية عندها بغير تفسير.
كانت نظم الحكم في الدولة العثمانية واحدة، وكانت أسباب المعيشة بين رعاياها متماثلة أو متقاربة، ولكنها كانت تدين اليوم لسلطان قوي فإذا هي قوة مخيفة لمن حولها، ثم يخلفه على الأثر سلطان ضعيف فإذا هي مطمع لكل طامع فيها
فكيف ينكر المنكرون مع هذا أن اختلاف الأفراد لا يغير ولا يبدل في حوادث الأمم وحركات التاريخ؟
وسألنا سائل: ماذا يكون (صلاح الدين) لولا الحروب الصليبية؟ فسألناه: وماذا تكون الحروب الصليبية لولا صلاح الدين؟ بل لماذا تغيرت الوقائع كلما تغير القواد في تلك الحروب وفي جميع الحروب؟
والطريف في مناقشات هؤلاء القدريين أنهم يعقدون المقارنة بين الأبطال والحوادث ليرجحوا نصيب الحوادث على نصيب الأبطال، فيضعون صلاح الدين في كفة ويضعون الحوادث الصليبية في كفة أخرى، ويفعلون مثل ذلك في جميع الحوادث وجميع الأقدار، فإذا هم يبدعون للناس وزناً لا يستقيم في ميزان لأن المقارنة إنما تنعقد بين الأمثال والأشباه؛ فتنعقد المقارنة بين الحروب الصليبية وبين الغارات التترية، أو بين حروب الإسلام وحروب المسيحية، أو بين الثورة الفرنسية والثورة الروسية، ثم تنعقد المقارنة بين القواد هنا والقواد هناك، وبين العظماء في نهضة والعظماء في نهضة أخرى، ليتبين لنا ما استطاعه هؤلاء وما استطاعه هؤلاء، ويثبت لنا الميزان رجحان هذا أو رجحان ذاك.
أما من هو الأرجح: صلاح الدين أو الحوادث الصليبية؟ فهو ميزان لا يفيد ولا يدل على شيء، ولا يثوب إلى أصول
أو الوجه الصحيح في بيان فعل صلاح الدين وفضله أن تنعقد المقارنة بينه وبين فرد آخر ممن كانوا في عصره ولم يفعلوا مثل فعله ولم يؤثر لهم فضل كفضله. فيقال إنه فعل وأن غيره لم يفعل، وأن اختلاف الأفراد يؤدي إلى اختلاف الأفعال.
لكن الغرام الذي ملك على هؤلاء القدريين ألبابهم هو غرام البخس والانتقاص، وأقرب طريق إلى البخس والانتقاص أن يكون العظماء فضولاً وترفاً (مستغنى عنه). . . لأنهم أفراد وليسوا بمجتمع وافر التعداد!
نحن أبناء الشرق أحرى الناس أن نفلت من إرهاق هذه الآفة، لأننا قد فنينا في المجتمع
آلافاً من السنين. فحق لنا أن نعطي الفرد أمداً من الحرية يرتع فيه جيلاً أو جيلين، ولو على سبيل التجربة إلى حين!
على أن الحقيقة البينة التي نؤمن بها أن المستقبل للفرد إلى آخر الزمان إن كان للزمان آخر نستقصيه، وأن التاريخ الإنساني هو تاريخ الفرد في اضطلاعه بالحقوق والواجبات. فكلما أوغلنا في القدم رجعنا على التوالي إلى أزمنة تقل فيها حقوقه كلما تقل فيها واجباته، وكلما تقدمنا مع الزمن كانت آية التقدم أن الفرد يزداد في تبعاته أي يزداد في حقوقه وواجباته، ويعرف له شأناً في المجتمع مستقلاً به ما وسعه أن يستقل، أو هو على الجملة أوفر استقلالاً مما أتيح له في مجتمعات الزمن القديم.
ومقاييس التقدم كما قلنا في بعض كتبنا (كثيرة يقع فيها الاختلاف والاختلال: فإذا قسنا التقدم بالسعادة فقد تتاح السعادة للحقير ويحرمها العظيم، وإذا قسناه بالغنى فقد يغنى الجاهل ويفتقر العالم، وإذا قسناه بالعلم فقد تعلم الأمم المضمحلة الشائخة وتجهل الأمم الوثيقة الفتية، إلا مقياساً واحداً لا يقع فيه الاختلاف والاختلال، وهو مقياس المسئولية واحتمال التبعة. فإنك لا تضاهي بين رجلين أو أمتين إلا وجدت أن الأفضل منهما هو صاحب النصيب الأوفى من المسئولية، وصاحب القدرة الراجحة على النهوض بتبعاته والاضطلاع بحقوقه وواجباته، ولا اختلاف في هذا المقياس كلما قست به الفارق بين الطفل القاصر والرجل الرشيد، أو بين الهمجي والمدني، أو بين المجنون والعاقل، أو بين الجاهل والعالم، أو بين العبد والسيد، أو بين العاجز والقادر، أو بين كل مفضول وكل فاضل على اختلاف أوجه التفضيل.
(فاحتمال التبعات هو مناط التقدم المستطاع)
ومعنى ذلك أن التقدم هو الاعتراف بالفرد والاعتراف بشأنه في المجتمع، والخروج به من ربقة القدرية التي تفرض عليه سلطاناً يستغرقه ويطويه.
عباس محمود العقاد
2 - علوم اللغة العربية
في المدارس الثانوية
للدكتور زكي مبارك
مشكلة المشكلات
هي مشكلة الصراحة في وزن الأمور التعليمية بالقسطاس وأنا مقبل على شرح تلك المشكلة بلا مبالاة ولا مداراة، فما يهمني أن يرضى فلان أو يغضب فلان، لأن المنافع الوقتية لا تهمني بشيء، ولأن الخطة التي اخترتها لحياتي هي خطة الصدق الصريح في جميع الشؤون.
أقول هذا وقد شاع بين جمهور المدرسين أن مفتشي التعليم الثانوي قرروا تقليل موضوعات الإنشاء
وأنل لن أعرض لتلك الإشاعة بنفي ولا إثبات، لأني لا أملك إعلان ما دار في اجتماع المفتشين إلا باحتراس، فما يجوز لرجل يشترك في إحدى اللجان أن يذيع مداولاتها بأي حال.
ولكن ما الموجب لطي تلك المداولات والجرائد تنشر تفاصيل ما يدور في مجلس الشيوخ ومجلس النواب؟
لو كان مقامي مقام المترفق لطويت أقوال زملائي، لأدفع عنهم تطاول المتطاولين من المتهاونين، ولكن مقامي مقام الثائر الذي لا يرضيه غير الظفر بأكبر نصيب من أنصبة النضال، فأنا أوذي نفسي ولا أوذي زملائي حين أعترض على الترفق بالمدرسين والتلاميذ.
بدعة مزعجة
هي بدعة التخفيف، تخفيف الواجبات المدرسية
وعندي كلمة سأقولها مرة واحدة ثم أسكت عنها إلى آخر الزمان.
سأقول إن في مصر ناساً يظنون أن تلاميذ المدارس الثانوية أطفال، وأن من الواجب أن تكون دروسهم هينات لينات، لأنهم أطفال!
سأقول إن التخفيف يفضي إلى قلة الاهتمام، والاهتمام هو أساس كل تفوق. وقد صارت علوم اللغة العربية في المدارس الثانوية عرضة للتسهيلات والتخفيفات من عام إلى عام، بصورة توجب الانزعاج
لقد انعدم علم الصرف أو كاد ينعدم في المدارس المصرية، وصار من النادر أن نجد تلميذاً يعرف كيف ينتفع من المعاجم اللغوية.
ومضى التخفيف إلى النحو فحذف منه أبواباً كثيرة، وصار من النادر أيضاً أن نجد تلميذاً يفهم أسرار الإعراب
وانساق التخفيف إلى علوم البلاغة فهو يقص حواشيها بلا تردد، وقد نرى غداً من يقترح حذف تلك العلوم، بحجة أنها نشأت في بيئات أعجمية!
وقرر المفتشون في اجتماعهم الأخير حذف تاريخ الأدب، وكان يجب أن افرح لأني اقترحت ذلك منذ سنين، ولكن الطريقة التي احتجوا بها لذلك القرار قامت على القول بأن التلاميذ أضعف من أن يفهموا تاريخ الأدب لأنهم في حكم الأطفال!
والواقع أن تلاميذ المدارس الثانوية يسايرون من حيواتهم عهداً هو أخصب العهود، فيجب أن ننتفع بتلك الفرصة فنزودهم بالمعارف التي تسندهم في المستقبل، ويجب أن نخلق فيهم الشوق إلى جميع المعارف، وأن نجعلهم جنوداً سعداء بالجندية في ميدان التعليم والتثقيف.
قلت لزملائي: أنا أستطيع شرح أصعب معضلة أدبية أو فلسفية شرحاً يفهمه أضعف تلميذ، فلا تسيئوا الظنون باستعداد التلاميذ
فقال الأستاذ مختار يونس: لم أفهم شيئاً مما تقول
فقلت: لأني أوجزت في مقام يجب فيه الإطناب!
يجب أن نفهم أن الفرصة في أيدينا، وأن الشبان بين العاشرة والعشرين صالحون لفهم أصعب الدقائق. ويجب أن يكون في نيتنا جعل مرحلة التعليم الثانوي مرحلة حاسمة في تكوين عقول الشبان، بحيث لا يحتاجون إلى المعاهد العالية إلا إذا تساموا إلى الأستاذية في مختلف العلوم والفنون.
وأنا لا أعرف كيف قضينا أزماناً بلا فهم للمراد الصحيح من التعليم الثانوي، فهو عندنا إعداد للتعليم العالي، وكان يجب أن يكون إعداداً لخوض معترك الحياة بلا تهيب ولا إشفاق
أنا أكره أن تدوم هذه الحال، وأحب أن يصير الشاب رجل أعمال بعد العشرين، وأتعجب من أن يعيش عالة على أبويه إلى الثلاثين
وأنا أتمنى أن يصبح التعليم العالي مقصوراً على من يملكون الوقت والمال، ولهؤلاء فرص لا يظفر بها غير آحاد أو مئات، وهم لن يكونوا أشرف من الشبان الذين يصارعون أمواج الحياة قبل العشرين.
مرحلة التعليم الثانوي هي الفرصة الحقيقية لتثقيف الشبان وتضييع هذه الفرصة إثم موبق
والكلمة لحضرات المدرسين، فماذا يقولون؟
من واجب كل مدرس أن يدرك أنه مسئول عن إعداد تلاميذه للحياة، بحيث لا يحتاجون إلى شيء بعد التعليم الثانوي، إلا أن يتساموا إلى الأستاذية، كما قلت قبل لحظات
وما هذه الأستاذية التي توجب أن يكون في معاهدنا العالية ألوف وألوف؟
نحن نخلق لأبنائنا متاعب ثقيلة بفضل هذه الأحلام، ونحن نصدهم عن الحياة بفضل هذه الأحلام، ونحن نجني عليهم جناية ستُسأل عنها يوم يقوم الحساب
مرحلة التعليم الثانوي هي المرحلة النهائية، ثم يلتفت الشاب إلى حاله فيكون رجل عمل في أي ميدان
والمدرس مسئول عن تحقيق هذا المعنى، ومن واجبه أن يهب تلاميذه جميع ثروته العلمية والأدبية في أقصر وقت، لينصرفوا إلى الحياة بعد أسابيع لا سنين!
والمهمّ هو أن نؤمن بأن الشبان في مرحلة التعليم الثانوي رجال لا أطفال
المهمّ هو أن نحدِّث تلاميذنا في جميع الشؤون حديث الزميل للزميل
إن هؤلاء التلاميذ خلقٌ جديد، وقلبي يحدثني بأنهم يعرفون من حقائق الحياة أكثر مما نعرف
والمدرس الحق هو الذي يسبق زمانه بعشرات السنين، ليحاور تلاميذه في أشياء تسبق زمنهم بأزمان
فمتى نجد ذلك المدرس المنشود؟
هو موجود بالفعل، فعندنا جيوش من المدرسين الأكفاء، ولعل مصر أغنى بلاد الشرق بالمدرسين الأكفاء
ولكن الذي يعوز الحياة التعليمية في مصر هو التوجيه السديد، التوجيه الذي يُشعر المدرس بأنه مسئول أمام الوطن عن تكوين الجيل الجديد.
ومن الواضح أن هذا لا يتيسر إلا إذا تغيّرت النظرة الحكومية والشعبية للمدرس
ومعنى هذا أني أنتظر أن تكون أبوة وزير المعارف للمدرسين أبوة رفيقة إلى أبعد الحدود، بحيث يجهلون المدلول من كلمات العلاوات والترقيات والدرجات، لأن لهم أباً ينوب عنهم في فهم تلك الكلمات
حدثني صديق يساير مناقشات البرلمان بأكثر مما أصنع أن معالي الهلالي باشا قال في مجلس النواب: (إن وزارة المعارف هي وزارة الدرجة السادسة)
والعبارة صحيحة، وإن جاز أنها من الكلام المنحول
ونحن نقرأ من يوم إلى يوم أن الهلالي باشا مَعنيٌّ بتحسين أحوال المدرسين، وهذا الذي نقرأ ليس كلاماً يراد به الدعاية، وإنما هو صدق في صدق، فهذا الوزير يجب أن يكون له في وزارة المعارف تاريخ نبيل، وسيرى المدرسون بعد أيام أنه ضمن لهم طمأنينة تريحهم من القلق الذي يساورهم منذ سنين.
والمجال يسمح بتدوين الملاحظة الآتية:
كان يهمني في بغداد أن أسأل عن الطلبة الذين يتخلفون عن دروسي بدار المعلمين العالية، وكان الجواب دائماً أنهم تحولوا إلى المدرسة العسكرية، لأن مستقبلها مضمون
والحال كذلك في مصر، فالشباب عندنا لا يؤُّمون المعاهد التي تُعدّ المدرسين إلا بعد اليأس من دخول المعاهد التي تُعدّ الضباط والمهندسين والأطباء
ومعنى هذا أن يفهم الجمهور أن المدرس هو شخص فاتته المواهب التي تؤهل لتلك المناصب
وأقول بصراحة إن المدرس لا يصلح لمهنته إلا إن كان غاية في جمال الصفات الجسمانية والروحانية
ولن نظفر بمدرسين من هذا الطراز إلا إن ضمنّا أن تكون حياة المدرس في مثل حياة الضابط والمهندس والطبيب
ولن يكون هذا إلا يوم يفهم الشبان أن مهنة التعليم مهنة مجد، يقول الفرنسيون
وهل ننسى الصراع الذي يثور عند الانقلابات الوزارية؟
هل ننسى أن الوزير لا يرضى عن مصيره إلا إن كان وزير الداخلية أو المالية؟
يجب أن يكون وزير المعارف هو الوزير الأول في الدولة، لأنه المسئول عن تكوين العقول والقلوب
قالت جريدة الأهرام إن الهلالي باشا استطاع بلباقته أن يظفر بألوف من الجنيهات لتحسين أحوال المدرسين
ومعنى هذا أنه انتهب من أموال الدولة أشياء باسم التعليم!
الله أكبر، ولله الحمد!
إن مصر رضيت الحياد في الحرب، ولكنها لم ترض الحياد في العلم، فهي تناضل في الميادين العلمية نضال المجاهدين الفائزين، فما الموجب لأن يقال إن وزير المعارف قد استطاع بلباقته أن يأخذ من أموال الدولة أشياء؟
لن نسكت أو يصير وزير المعارف هو الوزير الأول، ليصير المدرس هو الرجل الأول في هذه البلاد
نحن المدرسين نطالب الدولة بإقرار العدل، لنصير مطمئنين إلى ما تريد من تثقيف الجيل الجديد
غايتنا واضحة وصريحة، وهي أن يعرف الشعب أننا في المقام الأول، لأننا معلمون، والمعلم هو الرجل الأول في شِرعة الإنصاف.
مدرس اللغة العربية
كتبت عن هذا المدرس أربع صفحات، ثم طويتها، لأنه مدرس مظلوم، فهل أعود إلى نشر تلك الصفحات؟
لن أفعل أو أنشر أقوال المفتشين بالتفصيل
وسأرى كيف أروض القلم في المقال المقبل
زكي مبارك
على هامش (أحلام شهرزاد)
2 -
قضية اليوم
للأستاذ دريني خشبة
قالت فاتنة: (أكتب يا صاحبي. . . أكتب. . . أكتب ولا تظنن أن الذي تكتب سيغضب صاحب شهرزاد أو المعجبين بصاحب شهرزاد وما أظنك إلا كنت واحداً منهم، إن لم تكن ما تزال واحداً منهم. . . ثق يا صاحبي أن مبدع شهرزاد لا يخرجه نقد ما أبدع لأنه أخذ على نفسه عهداً بأن يُنفِّذ فيها أحكام الزمان، قاضية في (القصر المسحور). وهل نسي القراء بعد ذلك الحكم الذي أصدره الزمان - القاضي العادل - على مبدع شهرزاد، في الفصل الأخير من القصر المسحور؟ إن كانوا قد نسوا هذا الحكم فاكتبه هنا لهم عساه أن ينفعهم فيما نحن بسبيله اليوم من أمر تلك القضية التي أحدث ضجتها الخرّاصون وأرجف بها المرجفون. . .
حكم الزمان: (والآن وقد سمعنا ادعاء المدعين ودفاع المتهم الأول، ولاحظنا اعتزال من اعتزل وعدول من عدل عن الاتهام، نقرر أن من حق الأديب أن ينشئ أشخاصه كما يريد هو لا كما يريدون هم، بل إن من الحق على الأديب أن يتلقى أشخاصه كما يؤديهم إليه فنه، لا يغير من صورهم التي تلقاهم عليها ولا يبدل، ولو حاول ذلك لما استطاعه ولما وجد إليه سبيلاً.
ولمن شاء أن ينكر عليه أو على فنه هذه الصورة كلها أو بعضها، وأن يعيب عليه أو على فنه ما يكون فيها من ضعف أو نقص أو تشويه، وما ينبغي لهذه الأشخاص نفسها أن تثور بمنشئها أو تمكر به أو تكيد له أو تتألب عليه، أو تبغي له سوءاً أو تستنزل عليه عقاباً؛ فإن فعلت فهي طاغية يجب أن ترد عن طغيانها، وباغية يجب أن تصد عن بغيها، وجامحة يجب أن يكبح جماحها، ومنشئها وحده هو القادر على ذلك. وسبيله إليه ترقية فنه وتجديده واصطناع الأناة والدقة والإتقان في التصوير والتعبير جميعاً. ولما كان المتهم نفسه قد أعلن تواضعه واعترف بقصوره وسلم بأنه في حاجة إلى أن يسعى ويطيل السعي، وإلى أن يجد ويمعن في الجد، لا ليبلغ الكمال، بل ليدنو منه.
ولما كنا نقدر للمتهم تواضعه وطموحه إلى الكمال، واعترافه ببعد الأمد أمامه؛ ولما كنا
نحرص على أن نمنحه المعونة على ما يريد من الرقي الفني فقد قضينا أولاً بإسقاط دعوى المدعين، وتبرئة المتهم مما وجه إليه ثانياً. . . بنفيه عن سالتش الخ. . .)
وحسب القراء يا صاحبي هذا القدر من حكم الزمان الذي ارتضاه صاحب (شهرزاد) ورضي أن ينشر في قصة (القصر المسحور) التي اشترك في إبداعها مع صاحب (أحلام شهرزاد) وليس القراء في حاجة إلى أن نذكرهم بأن هذا الحكم الذي أصدره الزمان القاضي العادل، هو حكم أملاه على الزمان صاحب (أحلام شهرزاد) وكان حريصاً فيه على أن يرسم لشريكه السبيل إلى (ترقية فنه وتحديده واصطناع الأناة والدقة والإتقان في التصوير والتعبير جميعاً)، وكان جميلاً من صاحب (أحلام شهرزاد) أن يسجل على شريكه:(تواضعه واعترافه بقصوره وتسليمه بأنه في حاجة إلى أن يسعى ويطيل السعي، وإلى أن يجد ويمعن في الجد. . . لا ليبلغ الكمال. . . بل. . . ليدنو منه) وأن يقدر له تواضعه وطموحه إلى الكمال، واعترافه ببعد الأمد أمامه). وحرصه على أن يمنحه (المعونة على ما يريد من الرقي الفني)
فهل تخشى بعد ذلك يا صاحبي أن يغضب صاحب شهرزاد إذا كتبت في قضية (أحلام شهرزاد) كلمة ترد بها الحق إلى نصابه؟ وماذا يغضب صاحب شهرزاد كما يخرص الخراصون ويرجف بالباطل المرجفون، وقد اشترك في نشر هذا الحكم الذي ذاع من أبراج القصر المسحور ولم يشترك في نشره إلا بعد أن قبله ورضي ما جاء به، ولم يعقب عليه بكلمة؟ الحق أن صاحب شهرزاد أعظم من أن توغر صدره الكريم نفثات المبطلين المصدورين. . . بل واجبه أن يصفع بالحقائق التي وردت في ذلك الحكم أقفيتهم؛ لأنه عرفها قبل أن يعرفها أحد قبله، وأذعن لها قبل أن تذيع في الناس.
وبعد فقد كان هذا الحكم تعقيباً على قصته - أو مسرحيته الرومانتيكية - شهرزاد، فهل كان فن هذه المسرحية ناقصاً؟ وهل كان في حاجة إلى التجديد واصطناع الأناة والدقة والإتقان في التصوير والتعبير جميعاً؟ وهل نحن الذين يطلب إليهم أن يجيبوا على ذلك؟ وكيف وقد اعترف صاحب شهرزاد بقصوره وسلم بأنه في حاجة إلى أن يسعى ويطيل السعي، وإلى أن يجد ويمعن في الجد. . . لا ليبلغ الكمال، بل ليدنو منه. . . إلى آخر ما جاء في عقابيل هذا الحكم من ألفاظ التواضع وبعد الأمد وحاجته إلى معونة ثابتة من
الخارج على ما يريد من الرقي الفني. . . الخ.
هل نجيب أو لا نجيب؟ وهل يقف ما اعترف به صاحب شهرزاد بيننا وبين ما نريد أن نقول؟ وهل من حقنا أن نقول شيئاً بعد هذا؟ وهل نستطيع أن نخالف عن أمر الزمان وأن نثور بأحكامه؟
أجل، نحن نستطيع أن نفعل ذلك، فقد جاء في هذا الحكم الإذنُ (لمن شاء أن ينكر عليه (على الأديب) أو على فنه هذه الصورة كلها أو بعضها، وأن يعيب عليه أو على فنه ما يكون فيها من ضعف أو نقص أو تشويه). . . وعلى هذا فلنا أن نتناول نقد شهرزاد بما نشاء من كل ضروب النقد، ضامنين ألا يغضب مبدعها كما يحاول المرجفون المبطلون أن يحملوه على الغضب، بما يوهمونه من السطو على بضاعته، وادعاء ما هو حق خالص له.
ولكن. . . هل كان فن (شهرزاد) ناقصاً؟ وهل كان في حاجة إلى التجديد واصطناع الأناة والدقة والإتقان في التصوير والتعبير جميعاً؟ وكيف اعترف صاحب شهرزاد بذلك، واعترف معه بقصوره وبأنه في حاجة إلى أن يسعى ويطيل السعي، وإلى أن يجد ويطيل الجد. . . لا ليبلغ الكمال. . . بل. . . ليدنو منه؟! أما نحن فنخالف صاحبي (القصر المسحور) في كثير من ذلك، ونوافقهما في بعضه. . . إذ نشهد أن (شهرزاد) قطعة فنية رائعة من حيث الفن الأدبي الخالص لوجه الفن، لا لوجه الحياة. . . ومن حيث أنها تصور مذهباً في الأدب يأخذ به كاتبها نفسه، ويتحمس له، ولا يرى أن يحيد عنه. . . أليس قد اشترك مع عميد الأدب العربي في (القصر المسحور) فأبى إلا أن تكون له شخصيته المستقلة البارزة إلى جانب شخصية العميد التي تختلف بأسلوبها وتتفرَّد بسردها وتتخذ إلى قلوب القراء طرائقها المألوفة المعروفة. . . وعندنا أن شهرزاد من حيث الفن ليست في حاجة إلى ترقية ولا إلى تجديد. . . فقد بلغت من ذلك الكمال. وهذا حق لا ريب فيه. أما الذي نثور من أجله على (شهرزاد) وعلى مذهب صاحبها كله في الأدب، فهو هذا التحقير الشنيع للمرأة، واعتبارها متاعاً رخيصاً لا يصح أن يناط به الشرف، أو اعتقاد الحفاظ فيه، أو نسبة العفاف إليه. ثم هذه الحماسة التي يبديها صاحب هذا المذهب في التمسك برأيه والفخر من أجله بأنه (عدو المرأة)
ومن القول المعاد أن نلخص للقراء فكرة العبقري الأول الذي ابتدع فكرة قصص (ألف ليلة وليلة) والذي ابتدع من أجلها شخصية شهرزاد الرائعة، تلك الفتاة النابغة التي استطاعت أن تطفئ جذوة الحقد على النساء في نفس شهريار، وأن تنسيه مأساة زوجته التي أزهق بسبب خيانتها أرواح هذه الجمهرة من فتيات مملكته، والتي استطاعت مع ذاك أن تكسب حب هذا الملك المنقبض النفس، المكظوم الفؤاد، وأن تبادله ذلك الحب، وأن تجزيه عليه الوفاء والصفاء والإخلاص، كما استطاعت أن تردَّ عليه ثقته بالمرأة التي كرهها، ومحبته لها بعد البرم بها، وافتتانه بحديثها بعد انصرافه عن كل كلمة تنبس بها، فيكون له منها أبناء بررة، وأسرة مجموعة الشمل، فتتغير حاله خضوعاً لقانون الظروف، ونزولاً على مقتضيات الأحوال الجديدة. . .
هذه هي شهرزاد البسيطة غير المعقدة. هذه هي المرأة التي تعتبر، ويجب أن تعتبر، محور الحياة ومناط الفضيلة، ورحمة الله التي تذهب الأحزان، وابتسامة السماء التي تشرق في القلوب المكروبة فتغمرها بالسعادة وتفعمها بالرضى. . . المرأة التي تروض الطباع الجافية فتجعلها رخاء، وتحتال للغرائز الوحشية فتحيلها إلى اللين واليسر والصفاء.
أما شهرزاد الأخرى. . . تلك الهولة التي رمز بها صاحبها إلى المرأة في كل زمان ومكان. . . فهي لا تمثل إلا نفسها. . . إنها تمثل حلماً مريضاً يملأ خيالاً مريضاً. . . لقد تصورها صاحبها امرأة احتالت على الملك - على شهريار - بقصصها البارع لتنقذ نفسها قبل أن تنقذ جنسها (ص40) كما صرحت بذلك للوزير وهي تحاوره وتداوره - هذه هي شهرزاد الأنانية الأثرة التي لا يصح أن تمثل إلا نفسها - أما شهرزاد التي تتشهى العبيد السود في المنظر الخامس، ولا تريد أن تشبع منهم، وتخون الملك من أجلهم، فمن من بنات حواء تمثل؟ مَن مِن جمهور بنات الإنسانية وأخواتها وأمهاتها تمثل هذه المرأة الساقطة الهلوك؟! هل تمثل إلا نفسها تلك المرأة التي تغازل الوزير في المنظر الثاني، ويستطيع حبها الدنس أن يعصف بنفسه - وهو الوزير المخلص - في المنظر السادس، وتكون نتيجة هذا الحب أن يقتل الوزير نفسه في المنظر الأخير حينما يكتشف أن شهرزاد لم تكن تتشهاه وحده، بل كانت تعبد (جسم) العبد أكثر مما كانت تعبد جسمه (ص138) ما هذا؟ ما تلك الصورة الشاحبة التي يخبئها صاحب شهرزاد للمرأة في مخيلته؟ لقد مسخ الصورة
الساذجة غير المعقدة، الصورة العلوية الفردوسية التي ابتدعها الرجل العبقري الأول الذي ابتكر فكرة ألف ليلة وليلة فجعلها صورة شائهة قبيحة فاجرة لا يمكن أن تمثل مرأة المواخير التي تتجر بعرضها كما تتجر بأعراض الناس. يريد أن يقول المبتدع الأخير للعبقري الأول: إنك يا صاحبي رجل سليم النية طيب القلب ساذج التفكير، تنظر للمرأة تلك النظرة العالية المبرَّأة فتتهمها بالذكاء الصالح، وتنفي عنها الدهاء الطالح، حين تضع بين يديها شخصية مستوحشة مثل شخصية شهريار الذي قتل زوجه الملكة وقتل العبد الذي خانته فيه، ثم راح يقتل العذارى نقمة منه على جنس المرأة حتى رزقه الله هذه الفتاة الألمعية (شهرزاد) التي تسلمته كما يتسلم المروضون السباع والضواري فما يزالون بها حتى يسلس لهم قيادها وينقاد لهم عاصيها، وتخضع كما تخضع الثعابين في الهند للموسيقى وتسكن سكون الطفل إذ يلتقم ثدي أمه. . . أما أنا - لا جعلت فداك - فعلى النقيض منك، إذ أني قليل الإيمان - بل لا إيمان لي على الإطلاق - بالمرأة. . . المرأة التي تمثلها شهرزاد في كل زمان ومكان. . . إني عدوها!!. . . إنها مخلوق أناني صلف غادر. . . إنها كائن غويّ بغيّ فاجر. . . إنها أصل كل بلاء، وجالبة كل شقاء. . . إنها كما جاء في هذا البيت المضحك الذي دسه عليك بعض القصاص المتأخرين فيما دسوه عليك من سخف. . . هذا البيت الواهي المتهالك الذي لا يستقيم له وزن:
إذا رأيت أموراً منها الفؤاد تفتت
…
فانظر تجدها من النساء تأتت!!
بالضبط يا عزيزي العبقري الأول، ولو أنك أنت كنت رويت هذا البيت، وثقفته لراقك أن يكون مذهبك في المرأة كما أصبح مذهبي، ولدنت به كما أدين أنا - في آخر الزمان - به فقد تناولت شهرزاد الحصيفة العفيفة الظريفة اللطيفة التي قتلت الشيطان بين جنبي شهريار، وأبادت الظلام الذي جثم على قلبه، وأعادت إلى روحه السلام والطمأنينة، وغيرت مجرى تفكيره في الحياة حين أنجبت له أبناء وخلقت له (بيتاً)، شهرزاد التي لم تزل بالملك المتبرم بكل شيء، الناقم على كل الوجود، حتى على نفسه فردته إلى الرضى، وغسلت قلبه بالثلج والبرد، واشتركت وإياه في شئون الملك، فاستقامت له الرعية، وازدهرت في فيض عدالته الدولة. . . تناولت أنا شهرزادك هذه فمسختها. . . ولا تؤاخذني يا عزيزي العبقري الأول فهذا رأيي في المرأة. . . وجعلتها أنانية أثرة لا تجهد
إلا أن تبقي على نفسها وإن هلك نساء العالم. ثم جعلتها تخدع الملك وتصر على الانتقام منه فتخونه كأسفل ما خانته زوجته الملكة الأولى، وتؤوي إلى فراشه العبيد الأقوياء السود فلا تشبع منهم، وتحرص على أن يكونوا سوداً غلاظاً (فالزهرة البيضاء الرقيقة تنبت من الطين الأسود الغليظ)، وتحرص أن يكون عبدها (وضيع الأصل قبيح الصورة، لأن هذه هي صفاته الخالدة التي تحبها). . . فإذا أنبأها العبد أن (تلك هي صفات الشهوة!) قالت له: (أقترب) فإذا قال العبد: (يخيل إليَّ أنك امرأة لا ككل النساء. أنت لا يمكن أن تعشقي أحداً) قالت له (لا شأن لك بقلبي!) فإذا قال: (أنت إنما تلعبين بي. إني أخافك) قالت: (أنت واهم) فيقول، ويا مصيبة ما يقول:(وزوجك!) فتقول: (ما شأنك به؟) فهل رأيت إلى يا عزيزي العبقري الأول كيف أشعت الفجور في نفس شهرزادك؛ وإن غضبت. فشهرزادي! وماذا يغضبك وللأديب أن يضع أشخاصه في الصورة التي يحب كما جاء في حكم الزمان في آخر قصة القصر المسحور؟ لقد أشعت الفجور في نفس شهرزاد وفي نفس العبد وفي نفس قمر وفي نفس الجلاد وفي نفس أبي ميسور، وفي نفس الملك. إي والله في نفس شهريار الذي ما فتئ يقتل النساء. لقد جردته حتى من نخوة الرجولة وفحولتها وجعلتها ضعفاً وخناً وفسولة. لأنه يرى العبد يخرج من مخبئه في مخدعها، فلا يبرم ولا يثور ولا يأمر جلاده بشيء. . . ولا بالبصق في وجهه. ولماذا يفعل وقد اشتد إيمانه بأن هذه هي طبيعة المرأة التي لا سبيل إلى تقويم معوجها؟
أرأيت إليّ يا عزيزي العبقري الأول؟! هذا مذهبي في المرأة. . . روّأت له هذا الترويء، وموّهت به على قرائي ذاك التمويه، وأذعته عليهم في كتاب وجد من حرية الرأي ورحابة الصدر، وحسن الالتفات، في مصر والشرق، ما وجد، فشاع وذاع وملأ النفوس والأسماع. . . وغلب القنّت - الذي ورد ذكره في كتابي - على صفاته الغوالي، ومزاياه الكبار.
قالت فاتنة: (وحسبك هذا القدر اليوم يا صاحبي، وقبل أن آذن لك فتضع هنا اسمك، نبه الناس إلى أن صاحب أحلام شهرزاد لم يسرق من هذا الفجور شيئاً، بل هو قد عالجه العلاج الذي كان ينبغي له منذ أعوام. وإلى اللقاء في الأسبوع المقبل)
دريني خشبة
الإصلاح الذي أنشُده للأزهر
عماده المال
للأستاذ عبد الحميد عنتر
(وسيكون للجامعة الأزهرية نصيب كبير من اهتمام حكومتي، فتعنى بإصلاح نظم التعليم فيها إصلاحاً يساير روح العصر، ويحفظ لهذا المعهد الكبير صبغته الدينية، ويهيئ له من الوسائل ما يمكنه من أداء رسالته العلمية الدينية، على الوجه الذي تنشده مصر، ويحقق آمال الإسلام والمسلمين. وستوجه الحكومة إلى الوعظ الديني عناية تناسب ما له من أثر في تهذيب الخلق المصري، وما يبذله من جهود للإصلاح بين الناس)
(من خطبة العرش)
هذا ما جاء في خطاب العرش، لسنة 1942 خاصاً بالجامع الأزهر.
وهو على ما يرى القارئ قبس من نور الحكمة، وسراج وهاج من روح الإخلاص الحكومي لهذا المعهد العتيد. ذلك المعهد الذي يجله ملوك مصر وحكامها، منذ نشأته الأولى، إلى أن بلغ من العمر ألفاً من السنين، والذي له المنزلة العليا في نفوس المسلمين بكافة بقاع الأرض، لأنهم يتمثلون فيه المحامي الأكبر عن دين الله، (الذي لا تصلح دنيا الناس إلا به)، والحصن الحصين الذي حفظ تراث العرب، من اللغة والآداب والعلوم، ووقاها عاديات الضياع والإهمال؛ ولأنهم يرون - ونرى معهم - أن النهضة الفكرية في مصر، والنهضة الخطابية والكتابية، والنهضة الأدبية والشعرية، وأستطيع أن أقول: والنهضة الوطنية. كل أولئك النهضات المباركات، كان الفضل في تدعيمها وتغذيتها للجامع الأزهر. فهل هو كما قال قائلهم الأديب، الابن البار بالأزهر، الأستاذ حسن عبد العال، صاحب جريدة الإصلاح الحلبية:(الأزهر حصن الدين وينبوع الأدب)
ولما كان في التصريح الخطير المقتبس من خطبة العرش، ما يمس نظام التعليم، وفيه ذكر الوسائل التي تمكن الأزهر من تأدية رسالته على الوجه الأكمل، أحببت أن أبين على صفحات (الرسالة) ما عنّ لي من وجوه الإصلاح، وما أراه أنفع الوسائل لأداء الرسالة العلمية الدينية، على الوجه الذي (يحقق آمال الإسلام والمسلمين). فأقول محاولاً الإيجاز ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
رسالة الأزهر قديماً
لا مراء في أن علماء الأزهر القدامى، حملوا أمانة العلم، وأدوها أحسن الأداء، وضربوا للناس المثل الأعلى في الجد والنشاط، والتوفر على الدرس والتحصيل، وتطبيق أقوالهم الطيبة، على أفعالهم الحميدة، مع تغلغل في البحث، واستقلال في الرأي، وجهر بالحق، وسمو في الخُلق، ورضاً لم يخالطه سخط، وقناعة لم يتطرق إليها طمع، وإخلاص لم يشبه رياء.
لله درهم! نشروا العلم وأحيوا الفضيلة، وحافظوا على لغة الكتاب المنزل. فدرسوا وعلَّموا، وصنفوا وألّفوا، وفحصوا ومحّصوا، حتى تركوا لمن بعدهم ثروة كبيرة من التأليف في شتى العلوم، تعد بحق مفخرة لهم، في عصر كاد ينطمس فيه نور العلم، ويخبو فيه مصباح الفكر، لولا نفحة سماوية، وروح علوية إلهية. جزاهم الله عن العلم والدين خير الجزاء.
ومما تجب ملاحظته أن نفسية الأمة إذ ذاك، كانت أكبر معين للعلماء على أداء مهمتهم، وتبليغ رسالتهم على الوجه الذي سلف بيانه، والتاريخ أعدل شاهد على ذلك؛ وأن هذه النفسية قد تغيرت الآن تغيراً طغت فيه المادة على المعاني الروحية، وأصبح الناس لا يقدرُون العالم لعلمه وأدبه، أو سمو نفسه وطهارة قلبه وصالح عمله؛ بل إنما يقدرونه لمال أو جاه، أو منصب أو رياسة. ومن هنا وجب (أن تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا)، وأن تتغير وسائل تأدية الرسالة العلمية الدينية، طبقاً لروح العصر الذي نعيش فيه. وذلك ما سأبينه في رسالة الأزهر الجديدة.
نظام الأزهر الحالي
إن من ينكر نظام الأزهر الآن، كمن ينكر الشمس في رائعة النهار، ولا يجرؤ على ذلك إلا الجاهل المتعامي الذي لا يضير الشمس إنكاره، ولا يغيّر الحقيقة جحوده واستهتاره.
إن من يزور معهداً من معاهد الأزهر الابتدائية أو الثانوية، ثم يزور مدرسة من مدارس الحكومة الابتدائية أو الثانوية، المؤثثة على أحدث طراز - لا يرى فارقاً واضحاً بين المعهد والمدرسة، (إلا العمائم والطرابيش)
أما نظام الفصول الدراسية، ومقاعد الطلاب، وأدوات الدراسة: من مصورات جغرافية،
وأخرى زخرفية، وسبورات للإيضاح، وأدوات للرسم، ومعامل للكيمياء والطبيعة، وهياكل مجسمة لدراسة علم الحياة (الأحياء) وقاعات للمحاضرات، أقول أما كل أولئك فهو في معاهد الأزهر، كما في مدارس وزارة المعارف، وتمتاز المعاهد بأن ما فيها من الطراز الحديث.
وإن من يزور كلية من كليات الأزهر، لا يرى فرقاً بين أيَّةٍ منها، وبين كلية الآداب أو الحقوق أو معهد التربية، إلا من حيث فخامة الأبنية والموقع الصحي المنتقى، وضخامة الميزانيات.
فهي في الأزهر وكليلته متضائلة متواضعة، وفي مدارس الحكومة وكلياتها عظيمة متضخمة. وتكاد طريقة التدريس في الأزهر الحديث، تضاهي الطريقة التي تتبعها مدارس الحكومة وكليات الجامعة، وكذلك نظم الامتحانات.
وقد استقر هذا النظام في الأزهر، ورسخ فيه رسوخ الشُّم الرَّواسي، حتى أصبح من العسير جداً أن يُعدل به إلى أي نهج آخر؛ لأن رجال الأزهر وطلابه قد اعتبروه تقدماً وتجديداً، ومسايرة لروح العصر الحاضر. فالعدول عنه رجوع بمعهدهم القهقري، ووقوع فيما فروا منه قديماً من بلاء!
فمن يحاول رجع الأزهر كما كان، كمن يحاول أن يجعل (النيل) ينبع من شواطئ البحر الأبيض المتوسط ثم يصب في أعالي السودان!
فالأزهر لا ينقصه نظام، ولا يعوزه رجال مفكرون، أو طلاب نبهاء، وإنما يعوزه إصلاح هذا النظام، ولا سبيل إلى إصلاحه إلا المال؛ ليؤدي به إلى بلاده، وإلى العالم الإسلامي رسالته الجديدة
وإذا قال الأزهر الحديث: (المال)، فهو لا يريد أن يتكاثر فيه حتى يصبح من أصحاب (الملايين)! أو التهالك عليه حتى يكون شغله الشاغل، ومحبوبه الأول، ولكنه يطلبه للإصلاح، وللإصلاح لا غير. . . يطلبه الآن لأنه ليس كالأزهري في الزمن السالف، الذي كانت تهدي إلى بيته الهدايا، من كل (ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين). يطلبه لأنه يرى أن كل شيء في هذه الحياة الصاخبة مفتقر إلى المال. يطلبه ليتساوى مع غيره ممن يؤدون مثل مهمته، ويقومون بمثل عمله، من رجال التعليم.
أمامي الآن بيان إجمالي لدرجات موظفي الإدارة العامة بالأزهر، ودرجات شيوخ كلياته وأساتذتها ومدرسيها وموظفيها ودرجات شيوخ المعاهد الابتدائية والثانوية ومدرسيها وموظفيها. وبيان آخر لدرجات أمثالهم من موظفي وزارة المعارف بالديوان العام، وعمداء كليات الجامعة وأساتذتها ومدرسيها وموظفيها، ونظار المدارس الابتدائية والثانوية ومدرسيها وموظفيها. والناظر إليه يرى البون الشاسع بين هذه الدرجات بالنسبة إلى عمل أصحابها من الفريقين!
فهي في ميزانية الأزهر تتصاغر وتتضاءل، وفي ميزانيات غيره تتعاظم وتتكاثر. ولو شئت أن أذكر البيان التفصيلي مؤيداً بالأرقام لفعلت، ولكني آثرت عدم ذكر شيء من ذلك رعاية لأزمة ورق الصحف، ولأن ولاة الأمور يعلمون ذلك علم اليقين. لذلك أجتزئ بذكر الأمثلة الآتية، ومنها يتبين الفرق الكبير:
الأول - في الإدارة العامة: وكيل الجامع الأزهر لم يوضع في الدرجة الأولى (التي تعطى لبعض أساتذة الجامعة) إلا في سنة 1942 مع أن نظيره في ديوان المعارف يتقاضى مرتب (مدير عام)، ومفتشو الأزهر في الخامسة والرابعة لا أكثر، مع أن مفتشي المعارف ليس فيهم من هو في أقل من الرابعة. وكبار المفتشين في الثانية
الثاني - شيوخ الكليات الأزهرية لم يوضعوا في الدرجة الثانية إلا في سنة 1942، مع أن هذه الدرجة تعطى لأساتذة الجامعة، بل إن بعض هؤلاء في الأولى كما سبق! وأما عمداء الجامعة فهم في درجة (مدير عام)
الثالث - أساتذة كليات الأزهر ومدرسوها: لم يوضع أحد من الأساتذة في الدرجة الرابعة إلا في سنة 42، ولم يكن أحد منهم في الثالثة أو الثانية أو الأولى (بالطبع) مع أن أساتذة الجامعة ودار العلوم في الثانية والثالثة وليس فيهم من هو أقل من الثالثة
أما مدرسو كليات الأزهر، فهم في الدرجات الخامسة والسادسة، ويخجلني أن أقول: والسابعة! مع أنه ليس في مدرسي الجامعة من هو في أقل من الخامسة
وعلى هذا الغرار الفرق بين شيوخ المعاهد، ونظار المدارس، وبين المدرسين والموظفين في كل منهما
فإذا طالب الأزهري بالمساواة، فهو طلب عادل، ومساواة واجبة. وفي هذه المساواة تحقيق
للعدالة بين طبقات الأمة، وراحة لضمير فئة خصصت حياتها لخدمة العلم والدين ولغة العرب.
فالأزهري الحديث يطلب المال كما يطلبه غيره، ليعيش بكرامته، وينعم بخيرات بلاده كما ينعم غيره
وإذا كانت الدول تنفق الأموال الطائلة، على الدعاية التي لم تتحقق ثمرتها بلا مقابل - فالأزهر أكبر دعاية لمصر في الشرق والغرب، بل هي دعاية محققة الفائدة، بل قد يكون من القضايا المسلم بها، أن مصر لم تتزعم العالم الإسلامي والشرق العربي إلا بفضل الأزهر. فليس بمستغرب إذن أن ينفق عليه للإصلاح، بسخاء من غير مقابل!
وممن يطلب المال؟ يطلبه من حكومته العادلة الرشيدة، التي آلت على نفسها أن تصلح شأنه، وأخذت على عاتقها أن تمكنه من أداء رسالته العلمية الدينية، وأن توجه عناية خاصة إلى الوعظ والإرشاد.
وهذا التمكين وتلك العناية، لا يقومان إلا على أساس المال وهاأنذا أرسم الخطة التي أرجو أن يسير عليها الأزهر في عهده الجديد؛ لتكون منهاجاً واضحاً لمن يريد الخير والإصلاح لهذه الجامعة الدينية الكبرى. مصدراً ما أورده هنا عن تجارب الماضي وعبره.
رسالة الأزهر الجديدة
هي بذاتها رسالته القديمة، مضافاً إليها ما يلي:
1 -
تأليف الكتب العلمية للدراسة. وهذه عقدة العقد في إصلاح نظام الأزهر، وأعتقد أن كل إصلاح لا يحل تلك العقدة، لا يؤتي ثمرته المرجوة، ولا يحقق آمال المسلمين
كتب الأزهر الحالية في شتى العلوم، مجموعات كبيرة من المتون والشروح والحواشي والتقارير، فهي حقاً ثروة علمية هائلة، جمعت كنوز العلم، وميادين الفكر، وعصارات العقول. لولا ما فيها من حشو لا تسيغه أذهان الناشئين، ولا يتفق وكثرة العلوم التي لا غنى عنها للطالبين.
ألفت تلك الموسوعات في زمن غير زماننا، ولرجال غير رجالنا. هم عملوا، وعلينا أن ننقح ما عملوا؛ لأن ما عملوه لا يروج إلا في سوق الأزهر ومعاهده، ونحن نريد بضاعة علمية من التأليف، تروج في سوقنا، وتغزو سوق غيرنا، في مصر وفي غير مصر من
جميع بلاد العالم.
نريد أن تكون كتب الأزهر القديمة، مراجع علمية، ومصادر للتأليف، ومواد ودراسات عالية لمن يريد التضلع من العلم، والتخصص فيه.
ونريد أن تؤلف للدراسة في الكليات والمعاهد الدينية كتب جديدة قيمة في جميع العلوم، مقتبسة من كتبنا القديمة تجمع المسائل العلمية، والبحوث النافعة، مع التنسيق وحسن الترتيب. مراعى فيها أن يمكن استيعاب دراستها في الزمن المخصص لكل مرحلة من مراحل التعليم، حتى لا تنفلت حلقة واحدة من سلسلة المقررات العلمية السنوية، لكل فرقة من فرق الدراسة. وهذا النوع من الإصلاح لا يعوزنا في تحقيقه إلا المال. أما الرجال فإن في الأزهر الآن عقولاً تستطيع أن تؤلف أنفع كتب (أخرجت للناس) وإني أهيب بولاة الأمر فينا، أن يبادروا بإخراج هذه الفكرة إلى حيز الوجود ولو بالتدريج، قبل أن يقل العلماء القدامى، فتفوت الفرصة السانحة، تلك الفرصة التي يرجو كل محب لخير الأزهر أن تنتهزها حكومة الشعب، في عصر الملك السعيد، صاحب الجلالة فاروق الأول، أيده الله، وأعز به الدين والوطن.
(يتبع)
عبد الحميد عنتر
أستاذ بكلية اللغة العربية
من مغاني الأزهار
إلى (ذات الغدائر الذهبية)
لشاعر العاطفة والوجدان جان ريشبان
للأستاذ عبد العزيز العجيزي
ليلاي! هيا نجول في روض الأحلام، ونطوف
بفردوس الأوهام. هيا ننعم بما يداني قطوف
فتنتك وجلالك، وأفاويق سحرك ودلالك.
هيا نسبح في أجواء الخيال، ونرفرف في فضاء
الآمال، ونسمو إلى عالم الجمال. . . واهاً لها من
أحلام مغرية! وواهاً لها من أحلام خادعة!
هيا نرنو إلى الأشجار الوارفة، والأطيار
الصادحة، والمياه الساجية تحت قبة السماء الزاهية
تأملي يا حبيبتي! فالشمس بازغة من مخدعها
بزوغ الحسناء من خدر عشيقها، شاحبة المحيا،
حسيرة الطرف، كسيرة الجناح، في موكب
الصباح النضير، وجماله الساذج الغرير، ناثرة
في الأفق طاقات الزهور العسجدية، والورود
القرمزية، بينما الدجى يسحب غدائره السوداء.
زنبقات الفجر! تلك الزنابق البيض تنثر لؤلؤاً
وضاء، فتوجي جبينك بهذا الإكليل اللألاء،
ليشدو الفجر الفريد، شدو البلابل بالنشيد،
فتتفتح حينذاك أوراق الأزهار وتنفض عن
أجفانها غلالة النعاس، كما تنفض العيون عن
أهدابها كحل الكرى عند انبلاج الصباح الوليد
ويترنم سيل الجدول المنساب، حاملاً إليك
بين ثناياه المترقرقة جواهر ماسية صافية، ومن
صفحته اللألاءة مرآة بلورية زاهية. وتندفع
أحجار الحصى كثمار الجوز المنزلقة على
الصراط الضيق، وتفوح أشجار الصندل
بالعرف الشذي، والطيب الندي.
وتسلب الريح الهائمة أنغام القبل الراقصة على
شفتيك، وتنهب الأغاني الشادية على لماك، فتجعل
الأشواق المتأججة، والأماني الهائجة، ورعدة
الصبوة الجامحة، تهيم في الآفاق، وترقد في
منازل الأفلاك، حالمة بسحر لحظك الفتاك!
ليلاي! كل شيء يزهر تحت قدميك، وينضر
بين يديك؛ فيشرق جماله لعينيك، ويضوع نسمه
من عبير ثناياك، في روض السحر والفتنة، وأيك
الجمال والروعة. . . وينمو العشب وينبت الكلأ
حيث تتباين الورود وتتنوع الأزهار. . .
لحظة يا حبيبتي من لحظات عمري أرشف فيها
الهوى صرفاً، وانتشى بالحب خمراً.
كل شيء يمتزج في ربيع هوانا بسحر الجمال،
ويثمل برحيق الوصال؛ فيعانق شذى الوجود،
وخمر الطبيعة، وفيض النور، وصدحات
القبلات الساجعات، كشدو ناي مترنم
في مجامع الأزهار؛ هذه القبل هي قربان
هيامنا القدسي، وزلفى غرامنا السرمدي.
ليلاي! ها نحن أولاء غرقى في ثبج هذا الحشد
الزاهر؛ فكيف النجاة من عبابه الزاخر؟ عبثاً
تحاولين الفرار! فالأزهار تحنو منطوية عليك لشوقها
إليك، والرياحين ترنو مطلة إليك لتلهفها عليك.
بينما تبعث الزكى من روحها والشذى من
ريحانها، لتنهلها الريح بعبيرها ورياها، وتلتهمها
بمتعها وجناها؛ كالسلوقي يعدو مسرعاً ويطوي
الأرض لاهثاً ليروي ظمأه، ويمسك رمقه!
فاطو العمر أيها الزهر المخضب، ومت بفتنتك
بين الرياض وجداً وهوى! فقد كتب الموت
على الأزهار التي تذوب صبابة وهياماً،
لتنفث زفراتها أريجاً وعبيراً لمن جافاه
نعيم الصبا ولم يهتد لضوء الهوى.
ليلى؛ أواه! حسبنا أن نموت كهذه الأزهار
الولهة، لنريق دماء صبوتنا عطراً متيماً، فتسكر
الريح بخمر قبلاتنا، وتبوح الأزهار بسر غرامنا!
أجل يا حبيبتي! هذا هو الحب العاطر ينشر
أريجه ف الأودية والحقول، ويلهم وحيه الصادق
الإفهام والعقول، ويرويه للكون في آيتيه الليل
والنهار، هوى عذريا، وحباً قدسياً، فيؤمن بالحب
بعد جحوده، ويصحو على صوت مؤذنه بعد هموده
هنالك، يوحي إلهامه، ويهمس تراتيله في أذن
الطبيعة الصماء، فتشدو الريح في يوم عرسنا مرتلة
أناشيد غرامنا، وترقص أغاني العمر على الشفاه،
مغردة أغاريد الهوى على الثغور، شادية
ألحان القبل، ساجعة أنغام الغزل.
(المنصورة)
عبد العزيز العجيزي
اليابان إزاء الصين
لليوزباشي حسين ذوالفقار صبري
هناك في الشرق الأقصى منذ أكثر من عام، هبّت فجأة أعاصير الحرب تجتاح الدول عاصفة بالقوانين، لا تعرف لتلك حرمة ولا تقيم لهذه حساباً، ثم خبت نارها فجأة كما قامت، وصفت سماؤها وشفّت إلا عن بضعة التحامات هنا وهناك، ولكن تيارها العميق، البعيد عن الأنظار ظل قوياً مستمراً عنيفاً تحت السطح الراكد قبل الزوبعة، المتلاطم أثناءها، ثم المختلج بعدها.
هناك في مجاهل الصين منذ أكثر من خمس سنين انبثق ذلك التيار، الجارف الآن، مترقرقاً في ذلك الحين، ولم يزد على أن يكون مشاغبة تافهة بالقرب من بيبنج (بكين قديماً)، ولكنها كانت مشاغبة توارت خلفها مطامع اليابان، فانتهزتها فرصة للإقدام والتنفيذ، ولكن تنفيذ ماذا؟ استعمار الصين؟ نعم ولكن. . . أين كانت خطتها المحكمة التدبير. . .؟ أين كانت، فإن المراقبين لم يروا منها إلا ارتجالاً إثر ارتجال، ولم تحصد هي من أعمالها إلا توريطاً إثر توريط؟
(إذا أردنا السيطرة العالمية، وجب علينا أول الأمر إخضاع الصين!)، تلك كانت عقيدة الجيش الياباني، وهو كما لا يخفى أداة الحكم في تلك البلاد. وإخضاع الصين عملية شاقة مرهقة، عملية تستنزف أعنف مجهود، وتستنفد أرواح ملايين من الجنود، وتتطلب فوق هذا وذاك وقتاً طويلاً تكون اليابان خلاله متورطة في مجاهل سحيقة في حين تكون روسيا متربصة عن يمينها، وبريطانيا رابضة عن يسارها، وأسطول أمريكا جاثم على مؤخرتها؛ إذ لم يكن هناك بد لإخضاع الصين من التوغل في أرضها الوعرة الموحشة حتى تصل الجيوش إلى معبر توانج كوان عند منحنى النهر الأصفر، وهو الذي يعد بحق مفتاح الصين اللازم لكل غاز منتصر، وبدونه يستحيل الانتقال بالجيوش الجرارة أو الإمدادات الوفيرة إلى قلب البلاد، وهو في الوقت نفسه يمهد الطريق الأسهل إلى ولاية ستشوان الخصبة الغنية (حيث توجد العاصمة الآن)، وهو أيضاً يهدد مرتفعات شانسي المشرفة على منشوكو والمغول الداخلية وسهول الصين الشمالية! فهو كما نرى معبر به مغاليق الصين إلا أنه معرّض مهدد إن لم يحمه صاحبه باحتلال وادي نهر هان الملتف جنوبه. إذن على
اليابان أن تحتل هذه المعاقل الثلاثة النائية: معبر توانج كوان، ومرتفعات شانسي، ووادي نهر هان، قبل أن تأمل بسط سيطرتها على أبناء (الأرض الطيبة)، وقد أحجمت. . . فهي تعلم أن الدول الثلاث المحيطة بها لا شك مقدمة على وقفها عند حدها إن هي تجاوزته؛ ولكن مطامع اليابان كانت متأصلة في نفسها، مُلحة عليها، مكبوتة متحفزة، مخبوءة متربصة، فهي إذن لا مراء مندفعة إلى عالم الوجود، إن عاجلاً أو آجلاً، كماء تفجر من ينبوع جياش، فينقلب إلى سبيل متدافع أرعن لا حاكم له ولا ضابط. لذا استقر رأي ولاة الأمور على تلافي تلك العاقبة الهوجاء بتفريج الحال على دفعات خلال منفس صغير أدّى بهم إلى سلوك مسلك عجيب، بريء المظهر، خبيث الطوية، مسلك المنحرش بالقوم الآمنين حتى يستفزهم، الغاضب لإهانة وهمية لم تلحقه، المتوعد بالويل حتى يسترضى فيتأفف، ثم المقدم على اغتصاب تعويض ضخم ليس من حقه، وقد بنيت الخطط على أن يكون التعويض المذكور مقاطعة صينية تنتزع انتزاعاً لتضم إليهم، وعندما يتم إدماجها اقتصادياً واجتماعياً في نظامهم المرسوم تُعاود عملية الاستفزاز من جديد وهكذا دواليك.
وتحرشوا أول مرة في (مكدن) في سبتمبر سنة 1931 فضُمت منشوكو إليهم. . . وتلمظت طوكيو هانئة بالذي ابتلعت، وأدارت وجهها لانتقاء وجبتها التالية، بينما مضت إدارتها الداخلية تنسق الولاية الجديدة. . . ولم تعلق كبير اهتمام بذلك الشاب الصيني اليافع الذي علمته في مدارسها الحربية، وأنعمت عليه بلباسها العسكري، فجازاها بأن ألقاه في وجهها وفرّ منها متقلباً بين اليمين والشمال في حكومات الصين، موحّداً لواءها مرة ومشعلاً الحرب بينها مرات، ذلك الشاب الذي أضحى الآن رجلاً قوي الشكيمة شديد البأس على رأس جيش عرمرم، ذلك الرجل الذي توصل أخيراً إلى توحيد مختلف حكومات الصين تحت تعاليم أستاذه العظيم (صون يات صن) ذلك الرجل الصارم العنيد، شانج كاي تشك رجل الصين الأعظم، ورمز عصرها الجديد.
تنبه القائد الصيني للخطر المحدق ببلاده فأعد خطته على أساس توسيع رقعة القتال بمجرد نشوبه مرة أخرى، فيورط اليابان في حرب أرجاؤها فسيحة وسط قوم مناهضين لهم ساخطين عليهم. أستمع إليه قبل الحرب بثلاث سنوات وهو يخاطب ضباطه في (كولنج): (تظن اليابان أن في إمكانها احتلال الصين دون كبير عناء. . . وهي لا بد معاودة التحرش
بنا قريباً. . . واعلموا أنه لا يتحتم علينا مقابلة كل سلاح تأتي به اليابان بسلاح يماثله. . . بل في وسعنا أن نجابه اختراعات العدو الجديدة بأسلحتنا التقليدية العريقة، وهي مقدرتنا الفائقة على استخدام كل ما تراه العين أو تقع عليه اليد، سواء أكان هذا جبالاً أم أنهاراً، حجارة أم أغصاناً. . . يجب علينا إيقاظ شعبنا من سباته حتى يهب خلف المغير إذا تقهقرت القوات أمامه،. . . إن تحديد وسائل المقاومة لا يهم ما دامت تحدونا عزيمة لا تهن وهمة لا تكلّ. . .)
وفي هزيع ليلة حالكة من ليالي يوليو سنة 1937 دوت في الفضاء عدة طلقات عند معبر (مركو بولو) بالقرب من بيبنج فكانت إيذاناً بالملحمة الكبرى. وأطبقت اليابان على الصين الشمالية. . . وكان (كاي تشك) كما أسلفت قد قرر أن يمد رقعة القتال ويستدرج العدو إلى جوف البلاد، أو على حد تعبيره، كان قد قرر أن يشتري الزمان بالمكان. ظنت اليابان أنها مقدمة على نصر سريع كذلك الذي واتاها منذ ست سنين في منشوكو. ظنت أن (كاي تشك) سيواجه جيوشها الميكانيكية الحديثة في سهول الصين الشمالية، ولكنه لم يفعل، بل أرسل خيرة جنوده إلى شنغهاي يهدد مصالحها هناك فاستدرج جنودها وراءه. وهزم القائد الصيني هناك وأخلى عاصمته نانكين ثم هزم في (سوتشاو)، ثم هزم مرة ثالثة أمام عاصمته الجديدة (هنكاو)، ولكنه في كل مرة كان ينزل بأعدائه أفدح الخسائر ويرتد عنهم قبيل إطباقهم عليه، مغرياً إياهم باللحاق به والتوغل خلفه حتى أضحت جنود الحملة اليابانية منتشرة على مساحة شاسعة، ولم تعد قادرة على تركيز مجهودها في مكان معين، واضطرت حامياتها الموزعة على مختلف المدن الصينية المحتلة أن تحمي خطوط المواصلات حتى لا تفقد تماسكها ولكنها لم تجرأ على المخاطرة بنفسها في الأماكن غير المطروقة، وهكذا أصبحت لا تحتل من البلاد إلا شبكة خيوط مرسومة حول أرض وعرة مجهولة وبالهلاك موبوءة.
توصل شانج كاي تشك إلى تنفيذ مأربه وأصبحت القوات اليابانية عاجزة عن إحراز نتيجة حاسمة، وأضحت حكومتها لا تجرؤ على التراجع بعد أن بهظت تكاليف مغامرتها، وظلت إدارتها الداخلية قاصرة على تنظيم موارد أراض لم يستتب الأمن فيها بعد.
وفي الوقت نفسه كان القائد الصيني يجمع الجنود وينظم الصفوف ويستورد المهام من
روسيا عبر (سنكيانج)، ومن بريطانيا وأمريكا عبر بورما أو عن طريق بعض المواني التي حمتها امتيازات الدول الغربية
ووقفت اليابان تراقب ذلك الجرح الذي لا يندمل بقلب كمد وعقل مبلبل حائر. . . ثم قبض جنرالها (سوجياما) على مقاليد الجيش وأصبح رئيساً لهيئة أركان الحرب العامة، و (سوجياما) هذا جندي نشط جسور، يواصل العمل ليل نهار تحدوه إرادة لا تكل، وكراهية ملتهبة لكل ما هو أجنبي، وكان عليه أول الأمر عزل الصين عن كل مساعدة خارجية وتأمين مؤخرة اليابان أمداً من الزمان حتى يتم لها القضاء على مقاومة شانج كاي تشك. . . وربض (سوجياما) يرقب اللحظة المناسبة حتى واتته فانقض. . . فكانت (بيرل هربور) وتبعتها هنج كنج والفلبين وبورنيو والملايو وبورما وسومطرة وجاوة وجزر سليمان. . .
يظن الكثيرون أن تلك كانت مقدمات لانقضاض اليابان على استراليا أو استعداداً منها لاجتياح الهند؛ وإني لا أنكر أنها قد تتحول إلى ذلك مستقبلاً، ولكنها لم تكن في ذلك الحين إلا سياجاً عظيماً أقامته اليابان حول الصين وبحار الصين، وإن كانت لم تتعرض لطريق روسيا التي انشغلت عن مساعدة شانج كاي تشك بحربها الشعواء مع ألمانيا النازية، وعدا ذلك فقد خشيت طوكيو استفزاز الجنرال الروسي اشترن الذي وقف على أتم استعداد يراقب بعين يقظة جيش إتاجاكي المرابط في منشوكو. . .
كل شيء هادئ في الميدان الشرقي!. . . هكذا يقرر الكثيرون لأن الصحف لم تعد تقدم لهم عنه ما تعودوه من عناوين ضخمة، وهم في ذلك مخطئون. . . فقد ألقت اليابان في أتون المعركة بفرق أخرى جديدة، وأطبقوا على (شنسي) في الشمال، واحتلوا (شكيانج) و (كيانجي) في الجنوب الشرقي فأصبح لهم خط حديدي تام يصل شنغهاي بسنغافورة عبر الهند الصينية وسيام، وهاهم يقاتلون الآن في مقاطعة يُنان حيث ألقى شانج كاي تشك بجنده المختارة على أمل إعادة فتح طريق بورما المشهور، بينما سارع وكيل هيئة أركان حربه الجنرال المسلم (باي تسونج هسي) إلى الشمال للدفاع عن (شنسي). . .
كل شيء هادئ في الميدان الشرقي!. . . نعم إلا إذا استثنينا ذلك الصراع الهائل الذي يخوضه ربع سكان العالم، أربعمائة مليون شخص، في سبيل حريتهم.
كل شيء هادئ. . . ولا جديد هناك! نعم لا جديد سوى أن زهرة الجيش الياباني قد عُقلت
وأصبحت عاجزة عن الإقدام على مغامرة جديدة! لا جديد سوى بضع معارك طاحنة في ينان وشنسي وتشكيانج وكيانجسي! لا جديد سوى أن تلك المعارك يتوقف عليها مصير العالم الشرقي بأجمعه!
حسين ذوالفقار صبري
ميلاد زهرة
(إلى الطيور النائمة في أعشاشها قبيل فجر الشتاء)
للأستاذ علي محمود طه
(من ديوانه الجديد (زهر وخمر) وهو الآن على وشك
الظهور)
يا شُعراَء الروض أيْنَ البيانْ؟
…
أين أغاريدُ الهوى والحنانْ؟
قد وُلِدت في روضكم زهرةٌ
…
يا حُسنها بين الزهور الحَسانْ!
حُلمُ الفراشات، وحُبُّ النَّدى
…
وخمرةُ النحل وسحرُ الأوانْ
قد بشَّر الأرض بها مرسلٌ
…
مُجنَّحٌ من نسمات الْجِنانْ
والنورُ سرٌّ في ضمير الدُّجَى
…
والفجرُ طيفٌ لم يبنْ للعيانْ
أبصرتُها تهفو على غُصنها
…
في وحشةِ الليل وصَمْتِ المكانْ
بيضاَء أو حمراء تُزْهَي بها
…
عرائسُ النرجس والأقحوانْ
تظلُّ تُصغي، وتظلُّ الرُّبى
…
والعشبُ والجدول والشاطئانْ
وليس منكم حولها هاتفٌ
…
تكب موسيقاهُ سِحرَ البيانْ
أملَّت النشوةَ أرواحكم!
…
أم نَضَبَتْ من خمرهنَّ الدِّنانْ
قُوموا انظروا الظِّلَّ على مهدها
…
يرقصُ فيه القمرُ الأُضحيانْ
لو تقدرُ الأنسامُ زفَّتْ لها
…
أربِعةَ الفردوسِ في مهرجانْ
وأسمعتْ من خفقِ أنفاسها
…
صوتَ البشيرات وشدوَ القيانْ
يا شعراَء الروض كم زهرةٍ
…
ميلادُهَا من حَسَنَاتِ الزمانْ
حسبي من الدُّنيا على شدوكم
…
زهرٌ وخمرٌ ووجوهٌ حِسانْ
علي محمود طه
المنارة الجديدة
للأستاذ خليل شيبوب
(ألقيت في حفلة (تحية الشعر السكندري إلى جامعة فاروق
الأول) التي أقيمت في جمعية الشبان المسيحيين بالإسكندرية
يوم الخميس 25 مارس سنة 1943)
سماء الهدى فيضي ضياَء وجدِّدي
…
ضياءك إن القلب بالنور يهتدي
وما زالت الإسكندريةُ مَهْبَطاً
…
لوحيكٍ فيها نازلاً أرضَ موعد
أطلي بألوانِ الربيعِ وأطْلِعي
…
من الزُّهر فيها فرقداً إثْرَ فرقد
فإن عروسَ الشرقِ أنفاسُها الشذى
…
وحُلتُهَا بُرْدُ الشبابِ المُجَدَّد
أنارَ على شطِّ المحيطِ ابتسامُها
…
يَرُدُّ إلى الميناء كلَّ مُشَرَّد
وسيانِ سَفْرٌ في الحياةِ مُضلَّلٌ
…
وسَفْرٌ على لْجٍ من اليمِّ مُزِبد
أطلَّتْ على التاريخ شمساً تشعبت
…
أشِعَّتُها من مصدرٍ فيه أوحد
بعلمٍ وفنٍ كالسناء وكالسنا
…
وبأسٍ وعزمٍ كالمُنِيفِ المشيَّد
إذا ما خبتْ تلك المنارةُ واّمَحت
…
معابدُ فيها للجمال المخلد
فقد بِقيَت فوق الزمان منارةً
…
كما بقيت للحسن أكْبَرَ معبد
وها قد أتاها الدهرُ معتذراً لها
…
بجامعةٍ تستلحقُ الأمْسَ بالغدِ
منارةُ فاروقٍ وليدةُ ملكه
…
فيا حُسْنَ أنْوَارٍ ويا فَخْرَ مَوْلد
بناها فأعلاها مليكٌ تألفَتْ
…
عليه قلوبٌ تصطفيه وتفتدي
وساق إليها صفوةً من رجاله
…
جهابذةً أعلامَ فضل وسؤْدد
وفجَّرَ فيها شِرْعةً صولجانهُ
…
من العلم مرويَّا بها ظمأُّ الصدى
إذا فرِقُ الوُرَّادِ محشودةٌ بها
…
كتائبُ آمالٍ تروح وتغتدي
وشرَّفها لما تقلّدَ مُفْضِلاً
…
إجازَتَها مَزْهُوةً بالمقلد
فأبلغها أوج الكمالِ فتيَّةً
…
تُباهي بما نالته أقدمَ معهد
أتمَّ على الإسكندريةِ مجدها
…
عظيمٌ له تعنو العظائمُ عن يد
فعاودَها التاريخُ يفتحُ بَابَهُ
…
لها مستعيداً سِيَرةَ المتعوِّد
وهلَّ عليها الفجرُ يلثم ثغرها
…
وهبَّ عليها الروضُ بالعَبَقِ النَّدي
وضاحكت الآفاقُ شاطئها على
…
مباهج فيها النورُ لحنُ مُغرِّد
فيا شُعلة الفن القديم تجدَّدي
…
ويا جذوة الحسنٍ الصميم تَوَقَّدِي
ويا ثغرَها هذي المنارةُ فابتِسمْ
…
ويا موجَها هذا الضياءُ فأَنْشِد
خليل شيبوب
البريد الأدبي
حول قضية شهرزاد: الأدب والأشخاص
في العدد الفائت من الرسالة أكثر من ثلاث صفحات عن (قضية شهرزاد) للأستاذ (الدريني خشبة). وقضية (شهرزاد) قد أثيرت منذ صدرت (أحلام شهرزاد) وأثيرت في جو أدبي مقيد بهذا الوصف، ولا تزال قابلة لأن تثار في هذه الحدود. ولكنني أسمح لنفسي أن أقول:(إنني شممت في كلمة الأستاذ (رائحة) أخرى!
ففي حدود الأدب الخالص يملك الأستاذ أن يقول عن (أحلام شهرزاد) على لسان فاتنة (إنني أروع لوحات الفن في عالم الأدب المصري الحديث. . .) أو أن يقول: (صورتي الرائعة التي هي ابتكار جديد لم يسبق أحد صاحبي إليه، ولا استطاع أحد أن ينبت في جنة شهرزاد زهرة أينع منها ولا أعبق من شذاها شذى). . . الخ
فهذا حكم أدبي يجد الأستاذ كثيرين يوافقونه عليه، ويجد كذلك كثيرين يخالفونه فيه؛ بل يجد كثيرين يقولون له: إن أحلام شهرزاد بما فيها صورة فاتنة، لا تقاس إلى لوحات الفن التي رسمها الدكتور طه حسين نفسه في كتاب (الأيام) أو في (دعاء الكروان) أو في (الحب الضائع) أو في (أديب) إلى آخر هذه اللوحات التي عاشت طليقة في سماء الفن الرفيع غير مقيدة بأوضاع اجتماعية أو سياسية حياتها محدودة في نطاق من الزمان!
وسواء خالفه الناس أو وافقوه، فهو حكم أدبي خالص لا عليه فيه من جناح!
أما الذي عليه فيه جناح والذي تمنيت وتمنى الناس ألا يكون في لغة النقد الأدبي في هذا الزمان، فهو مثل قول الأستاذ في رأي من يخالف رأي صاحب أحلام شهرزاد عن المرأة إنه (رقاعات)!
أو مثل قوله فيمن يخالفون رأيه هو في أحلام شهرزاد: إنهم (خراصون مرجفون)!
أو مثل قوله في قراء (شهرزاد): (وإذا صح أن يكون الناس قد صاروا نوكى وقعاديد صح أن تؤلف لهم قصة كقصة شهرزاد تهدف بالمرأة إلى هذا الهدف الوضيع الذي يجعل بيوت الناس مواخير فسق وأسواقاً للبغايا).
ومثل هذا كثير في كلمة الأستاذ، بل هو مادة كلمته وقد اختار أن يجعل من (شهرزاد) رمزاً لبناتنا وأخواتنا وأُمهاتنا. واختار أن يجعل مؤلفها قد انتهك أعراضنا وحرماتنا، فلم
نثر ولم نسخط، فنحن إذن:(نوكى قعاديد) ونحن إذن (فسول أفيكون مدخولون في عقولنا)
وأعتقد أن هذا وأمثاله لم يعد لغة في النقد في هذا الزمان. فالنقد لم يعد يقبل أن تستثير ضد الرأي الأدبي الذي تخالفه نخوة الدين ونخوة العرض ونخوة الأخلاق، وأن تتهم بلا حساب كل ناقد أدبي يخالف رأيك في نخوته وشرفه ومروءته ونجدته وتحيزته)!
أحسبه أراد أن يقول: إن لكل من مؤلف شهرزاد ومؤلف أحلام شهرزاد رأياً في المرأة يختلف عن رأي الآخر ويؤثر عليه في اتجاهاته الأدبية؛ فتلك قضية كان يمكن أن تؤدي بأعف من هذه الألفاظ وأكرم. ولقد أديتها في مجلة (المقتطف) في حدود أوسع من هذه الحدود، وأديتها واضحة صريحة مفهومة، ولم أجدني محتاجاً إلى كل هذا العناء!
وبعد فالأستاذ يكرر مرة ومرة: (أنه لا يبغي بما كتب أن يرضي أحداً أو أن يغضب أحداً) فأحب أن أطمئن الأستاذ (وهو حديث عهد بالعمل تحت رياسة المستشار الفني) أنني جربت مؤلف (أحلام شهرزاد) في نظرته للنقد الأدبي، وعلمت أنه لا يثير غضبه ولا يستوجب رضاه! والسلام
سيد قطب
هل ذو القرنين هو كورس الفارسي
أخذت في العدد - 507 - على بعض الفضلاء أن ما ذهب إليه في ذي القرنين لا يتفق مع القرآن ولا مع سؤال اليهود، لأنه يرى أن الآيات الواردة في ذي القرنين هي في الحقيقة تاريخ دولة برمتها، وهي دولة الفرس من كورش إلى دارا الثالث، مع أن كلا من سؤال اليهود وتلك الآيات صريح في أن ذا القرنين شخص واحد، لا تاريخ دولة برمتها. وقد عاد هذا الفاضل في العدد - 508 - إلى تأييد رأيه بعد تهذيبه بتأثير ما أخذته عليه، فذهب إلى أن الآيات القرآنية تمثل تاريخ ملك واحد لا دولة برمتها، وإلى أن ذلك الملك هو كورش منشئ الدولة الفارسية، وذلك باطل أيضاً من وجوه.
1 -
أن كورش حينما اتجه إلى السكيثين المعروفين الآن بالتتر لقيته الملكة طوميريس بجيوشها، فوقع بينهما حرب شديدة انتهت بأسره وقتله، وهذا لا يتفق مع ما ذكره القرآن عن ذي القرنين حين وصوله إلى بلاد التتر، فهو لم يقتل هناك كما قتل كورش، وإنما بنى
سداً ذكر القرآن أنهم لم يستطيعوا أن يظهروه ولم يستطيعوا له نقبا
2 -
أن بلاد فارس تقع في جنوب آسيا، فحينما اتجه كورش منها إلى آسيا الصغرى وسوريا كان متجهاً إلى الشمال لا إلى الغرب كما جاء في القرآن عن ذي القرنين، ولا شك أن آسيا الصغرى وسوريا لا يمكن أن يقال عمن يصل إليهما إنه بلغ مغرب الشمس، لأنهما يقعان في قلب المعمور من نصف الكرة القديم، وإنما يمكن أن يقال ذلك فيمن بلغ في فتوحاته أوائل بلاد المغرب على الأقل
3 -
أن رؤيا دانيال ليس فيها إلا تمثيل دولة الفرس بكبش ذي قرنين، وتمثيل دولة اليونان بتيس ذي قرن واحد، وكما لا يقتضي تمثيل دولة اليونان بهذا التيس تلقيب ملوكهم بذي القرن الواحد، لا يقتضي تمثيل دولة الفرس بذلك الكبش تلقيب ملوكهم بذي القرنين
أما الاسكندر المقدوني فإنه كان يلقب بذي القرنين كما ذكره كثير من المؤرخين، ويؤيد هذا تلك الدنانير القديمة التي عثر عليها في عصرنا، وقد رسمت فيها صورة الإسكندر وعلى رأسه قرنا أمون. أما فتوحاته فقد اتجه فيها من اليونان إلى آسيا الصغرى، فحارب فيها دارا وهزمه، وسار بعد هذا إلى سوريا فمصر حتى وصل إلى واحة سيوة، وبذلك يمكن أن يقال إنه وصل إلى مغرب الشمس، لأنه وصل بذلك إلى بلاد المغرب، ثم عاد بعد ذلك متجهاً إلى الشرق فقتل دارا وفتح بلاد فارس وما وراءها حتى وصل إلى بلاد الترك، وهذا الفتح يتفق اتجاهه مع اتجاه الفتح المنسوب في القرآن لذي القرنين، وكذلك يتفق الفتحان في نهايتهما غرباً وشرقاً.
أما وثنية ملوك الفرس فهي واضحة وضوح الشمس، وقد كان أسيياج جد كورش لأمه وثنياً، وهو الذي دعا أرباغوس من حاشيته ليحضر ما يقدمه من قربان لآلهته شكراً لهم على سلامة كورش، فقدم لأرباغوس لحم ابنه مطبوخاً فأكله، وقد فعل معه هذا لأنه لم يقتل كورش حين سلمه إليه وليداً وأمره بقتله، وكذلك كان كورش وقمبيز وغيرهما من ملوك فارس، وقد كان بعضهم يؤمن مع ذلك بإله الإسرائيليين، فيكرمهم تبعاً لإيمانه به، ولكن هذا لا ينفي الوثنية عنه، لأنها لا تنتفي إلا بالإيمان بالله وحده.
عبد المتعال الصعيدي
إلى الدكتور زكي مبارك
قرأت مقال الدكتور النابغة عن (اللغة العربية في المدارس الثانوية) وقد تحدث فيه عن ضعف التلاميذ في الإنشاء فرجعه إلى المدرس، فهو السبب الأول والآخر والظاهر والباطن، وسرد أسباباً لبابها انصباب الضعف على رأس المدرس، أو من رأسه، أما التلميذ، وأما المفتش، وأما الوزارة، وأما الوسط، وأما المنهج، وأما توزيعه، فليس لكل أولئك أثر من جناية على التلميذ في ضعفه. والسكوت على الاتهام مع القدرة على دحضه فوق أنه ضعف إثبات للتهمة وتزييف للعدالة، لذلك سأرد على ذلك الاتهام لا لتبرئة نفسي وأخي بل لأضع الحق في نصابه.
يرى الدكتور أن السبب الأول: (سيطرة المدرس على لغة التلميذ) وهذه السيطرة هي السبيل الوحيد لتزويده بما يشاء من ألفاظ ومعان يستخدمها فيما يكتب، لأنه لا يزال في أول طريق الكتابة فسنة أو سنتان في التعليم الابتدائي لا تقدر التلميذ على الكتابة المستقلة.
السبب الثاني: (تحكم المدرس في عقل التلميذ)، ويقصد الدكتور بذلك حصر عناصر الموضوع وتسلسلها؛ ومع أن هذا لا عيب فيه، لأن العناصر تستخلص من أفكار التلاميذ وبألسنتهم فتلك الطريقة لا تتبع إلا في السنوات الأولى من التعليم الثانوي، على أن الأساتذة لا يقيدون التلاميذ بالعناصر بل يتركون لهم العنان يفكرون كما يشاءون، ويكتبون ما يشاءون السبب الثالث:(تقديم موضوعات بعيدة عن مدارك التلاميذ وأريد بها الموضوعات الميتة)
في هذا السبب يتجنى الدكتور على كثرة المدرسين إذ هو لم يطلع - من غير شك - على جميع - الموضوعات المختارة وإنما اطلع على قلة ضئيلة لا يمكن إلا أن يكون فيها الحي والميت والحكم القائم على القلة حكم واهي الأساس.
السبب الرابع: (إقبال المدرس على تصحيح الكراريس وفي ذهنه صورة محدودة للاجابات، فهو يهمل كل صورة منحرفة عن تلك الصورة) وذلك تجن ثان أو ثالث - كما يشاء الدكتور - فإن أحداً لم يطلع على ما ارتسم في ذهن المدرس حتى يحكم هذا الحكم، وإن يكن الدكتور أيام تدريسه يسلك تلك الطريق فلا يصح اتخاذه طريقته دليلاً على طرائق غيره.
السبب الخامس: (إغرام بعض المدرسين بالإكثار من التصحيحات إكثاراً يشهد برغبتهم في
التفوق والاستعلاء).
وإن يكن الشق الأول مما يزعمه الدكتور صحيحاً فليس فيه ما يعيب المدرس الذي يعني بتقويم العبارة وتحقيق اللغة، أما التفوق والاستعلاء فمعنيان لا يردان في خاطر المدرس لأنه بطبيعة مكانه من التلميذ يستأهلهما. ولا أحسب الإباحية اللغوية التي يدعو إليها الدكتور في كثير من أدبه صراحة حيناً ودوراناً حيناً مقبولة لدى جمهرة الأدباء عامة وعلماء المجمع اللغوي خاصة.
السبب السادس: (الهيام بتجميل الموضوعات بالباطل حيثما وقعت) وقد يكون في هذا شبهة من الحق لو أنه نسب إلى التلميذ وأن الأستاذ يعالجه أنجع العلاج.
أما مراقبة التلاميذ فيما يقرءون فأؤكد للأستاذ الدكتور أنها لا تجدي، ولا يصلح اتخاذ موضوعات الإنشاء مما تثيره تلك القراءات، فجلهم - إن لم أقل كلهم - يقرأ من القصص الوضيع ومن الأدب الرخيص
وبعد فالعذر للأستاذ واضح فما جدوى اثني عشر موضوعاً يكتبها التلميذ ثم لا يجد من الوقت ما يدفعه إلى تعرف أخطائه؟ وأني له الفرصة ليصف لكل تلميذ داءه والفصل يتراوح بين الثلاثين والخمسة والثلاثين؟)
حضرات المفتشين:
وحدوا خططكم، وسددوا توجيهاتكم، ونظموا مناهج لغتكم، وامنحوها من الحظ ما للغة الأجنبية، وأعطونا من الحرية ما يحفزنا إلى الإثمار والإنتاج، ثم تعالوا بعد ذلك فحاسبونا ولومونا إن وجدتم إلى اللوم سبيلاً فلوم المقصر تقويم لا يخشاه الجادون في عملهم البصيرون بواجبهم.
عبد العظيم علي قناوي
المدرس بالقبة الثانوية