المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 511 - بتاريخ: 19 - 04 - 1943 - مجلة الرسالة - جـ ٥١١

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 511

- بتاريخ: 19 - 04 - 1943

ص: -1

‌القراءة في زمن الحرب

للأستاذ عباس محمود العقاد

هل للإقبال على القراءة في ومن الحرب أسباب حقيقية؟ وإن كانت لها أسباب حقيقية فما هي؟ وكيف يستفاد من هذا الإقبال خير فائدة؟

تلك بعض الأسئلة التي استخلصتها من خطاب مطول في هذا الموضوع، وأحسبه من أحق الموضوعات بالدراسة في الوقت الحاضر، لأنه موضوع القراءة الذي تنطوي فيه سائر الدراسات

فأما أن الإقبال على القراءة له أسباب حقيقية فذلك ما ليس فيه شك ولا يحتاج إلى بينة

إذ كل شيء حاصل فله لا محالة أسبابه الحقيقية، وألا لم يحصل ولم يكن له وجود، وإنما يجوز الخلاف في دوام هذه الأسباب وزوالها، أو في قوتها وضعفها، أو في خلوصها وما قد يشوبها من العوارض الغريبة عنها

فأما أنها حقيقية فذلك أمر لا محل فيه لخلاف

والأسباب التي تدعو إلى الإقبال على القراءة في هذه الفترة كثيرة لا تنحصر في ناحية واحدة، وقد تنحصر في جملة الأسباب التالية

فمنها أن البريد الأوربي لا يحمل إلى مصر كل ما كان يحمله إليها من الكتب والصحف والمجلات من معظم البلدان

فقد كان يرد إلى مصر بريد حافل بهذه المطبوعات في كل أسبوع، وكان له قراء مثابرون على مطالعته كلما وصلت رسالة من رسالاته. فانقطع بعض الذي كان يصل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا، وقل وصول بعض الذي كان يصل من إنجلترا وأمريكا، وتحول قراؤه إلى مراجع أخرى يشغلون بها وقت القراءة، ومعظمها من المراجع العربية الحديثة أو القديمة

ومن تلك الأسباب أن الصحف اليومية كانت منها صحف تصدر في أربع وعشرين صفحة أو عشرين، وصحف تصدر في ست عشرة صفحة ولا تقل عنها، وكانت إلى جانبها صحف أسبوعية تصدر في أربعين صفحة وتزيد عليها في بعض الأسابيع

فنقص كل ذلك نقصاناً بيناً بغير تدريج طويل، وأصبح الحد الأقصى للصحيفة اليومية في

ص: 1

أكثر الأيام أربع صفحات، وعم النقص سائر الصحف والمجلات فأوشكت أن تصدر في ثلث عدد صفحاتها قبل الحرب الحاضرة

وكل هذا النقص تقابله زيادة في وقت القراءة عند من تعودوا مطالعة الصحف والمجلات في حجمها الأول، ولابد لهذا الوقت من شاغل يناسبه ويجري في مجراه

وإلى جانب النقص في الصفحات ألف الناس الأخبار التي لا يعرض لها كثير من التنويع والمفاجأة، وندرت المناقشات السياسية الق يشتد فيها الجذب والدفع والتأييد والتفنيد، وينشط القراء إلى متابعتها بحماسة التشيع تارة إلى هذا وتارة إلى ذاك، فأصاب القراء شيء من الفتور إلى جانب النقص في المادة المقروءة لو أنهم نشطوا إليها.

ومع هذا كله كثر الوقت الذي يتسع للقراءة لانصراف الناس عن السهر في خارج البيوت، إما لتقييد الإضاءة أو لقلة الجديد في دور الصور المتحركة ودور التمثيل

ومع هذا وذاك كثرت النقود بين الأيدي وتيسر شراء الكتب يالأثمان التي أوجبها غلاء الورق وغلاء تكاليف الطباعة، وقال الخبراء بشئون الاقتصاد إن كثرة النقود في الآونة الحاضرة دليل على رخاء صحيح وليست من عوارض التضخم التي تنشأ أحياناً من شيوع العملة الورقية؛ إذ الناس يبيعون محصولاتهم وتبقى معهم أثمانها في داخل البلاد، خلافا لما كان يحدث قبل سنوات من تصريف هذه الأثمان إلى خارج القطر بالسفر أو باستجلاب البضائع الأجنبية. فهذه الأثمان المحفوظة في البلاد وهي ثروة حقيقية مكسوبة من موارد حقيقة وليست بالثروة المصطنعة التي تنشأ من شيوع الورق النقدي بغير مقابل معروف

وخلاصة ما تقدم أن الإقبال على قراءة الكتب العربية يرجع إلى تحول بعض القراء من مادة إلى مادة، وإلى اتساع وقت القراءة، وإلى تيسير الشراء، ويدوم ما دام هذه الأسباب

فإذا ضعفت طاقة الشراء، أو ضاق وقت القراءة، أو توافرت المادة الأولى التي كانت متوافرة قبل سنوات، فقد يتغير هذا الإقبال، وقد تثوب الحال إلى ما كانت عليه من قبل، أو تتمخض عن حال جديد لم نعهده حتى الآن

هذا الحال الجديد الذي لم نعهده حتى الآن قد يأتي من ناحية واحدة معلقة على تيسير الورق وتيسير الطباعة

فإذا تيسر الورق وتيسرت الطباعة بقية أيام الحرب ثبت في البلاد العربية عادة يصعب

ص: 2

تغييرها، وإن عاد البريد الأوربي إلى نظامه السابق وعادت الصحف الأوربية والأسبوعية إلى نطاقها الأول:

تلك عادة القراءة في الكتب وحسبانها في حاجات الحياة العصرية ومطالب المجتمع المهذب، فإنها عادة قد تتأصل في مصر كما تأصلت في البلدان الأوربية على كثرة الصحف فيها واتساع صفحاتها وتنوع موضوعاتها

ويزيد هذه العادة تمكيناً أن يتيسر ورق الطباعة من مصانع وطنية توالي مصر وبلاد الشرق القريب بما هي في حاجة إليه؛ فإن رخص الورق يغري بطبع الكتب الرخيصة التي تقبل عليها جميع الطبقات، ولا سيما إذا اجتمع لها إغراء الرخص وإغراء الموضوعات

أما الاستفادة من الإقبال على القراءة في زمن الحرب خير فائدة مستطاعة فذلك موقوف على معنى الفائدة التي نرمي إليها

فإن كانت فائدة الريح فسبيلها أن تعطي (جمهور القراء) ما يشتهيه من الموضوعات التي يحسبها جديرة بالقراءة قيمة بالفائدة

وإن كانت فائدة الثقافة فسبيلها أن تعطي جمهور القراء ما هو في الواقع محتاج إلى علمه، وإن لم يخطر له ذلك

ومما لا شك فيه أن جمهور القراء يحتاج إلى كثير، وإن كثيراً مما يقرأه لا حاجة به ولا غناء فيه، وإن الوقت قد حان لتزويده بما يحتاج إلى عرفانه من أحوال العالم اليوم وأحوال العالم بعد نهاية الحرب، إلى زمن طويل

فبين الموضوعات التي كانت مهملة أكبر إهمال يعاب على أبناء الحضارة في العصر الحاضر، موضوع المشاكل الاجتماعية والسياسية في قارة أوربا، وفي البلاد الغربية على الإجمال

فقلَّ جداً في مصر وبلاد الشرق القريب من كان يتابع هذا الموضوع ويعرف ما ينبغي عرفانه من أطوار الفكر وصراع الدخائل الاجتماعية في كل أمة من الأمم وارتباط ذلك جميعه بمقاصد الحكومات ومقاصد الزعماء الذين يقبضون على أعنة تلك الحكومات أو على أعنة الهيئات السياسية

ص: 3

فكم من المصريين المثقفين - ولا نقول الجهلاء - كان يعرف ما ينبغي أن يعرف عن مسألة (التقسيم الجديد) في الولايات المتحدة؟

وكم منهم كان يعلم حقيقة العناصر التي أيدت هتلر في ميدان السياسة الألمانية؟ أو حقيقة العناصر التي أيدت فرانكو في ميدان السياسة الإسبانية؟ أو حقيقة الخلاف بين ستالين وتورتسكي وما يتصل به من خطط روسيا وعلاقتها بالشرقين الأقصى والأدنى؟

كم منهم يعلم ما وراء البضائع اليابانية المنشورة في أسواقنا من حبائل الاستعمار ومطامع الاستغلال؟

كم منهم كان يعرف زعماء الأمم على ما فرطوا عليه فيعرف ما يصنعونه وما يريدونه خليقاً أن يصنعوه أو يريدوه؟

إن الذين عرفوا ذلك لجد قليلين

وإن الذي أصابنا من جهل ذلك لجد عظيم

لأننا أخذنا بالحرب ولما نتبين من تياراتها كيف تتجه سفينة النجاة، وكيف تهب رياح الأخطار

فإذا أحببنا ألا تفاجئنا السلم مثل هذه المفاجأة، فعلى الذين بأيديهم أمر القراءة والطباعة أن يملئوا الأذهان بالمعارف والمعلومات التي تغني في استطلاع الأحوال والمقاصد بعد الحرب الحاضرة، إلى زمن طويل

ما الذي تريده هذه الأمة أو تلك؟

ما الذي يريده هذا الزعيم أو ذاك؟

وما الذي يخلص فيه؟ وما الذي يماذق فيه؟ وما الذي تواتيه عليه الأسباب الحاضرة؟ وما الذي يخشى أن يعرقله من الأسباب المنظورة؟

بعض ذلك غيب لا سبيل إلى استطلاعه

وبعض ذلك عيان مشهود أو في حكم العيان المشهود، من أخبار الأمم ودراسات المفكرين، وسوابق التاريخ، وضرورات الاجتماع و (الاقتصاد)

ولا يزال في الوقت متسع لاستدراك ما فات، ولا يزال الباب مفتوحاً لمن يلج فيه، ولا تزال الحاجة كل يوم في إلحاح ومزيد من الإلحاح

ص: 4

ومهما يكن من قصر الوقت الباقي من زمن الحرب، فانقضاء هذا الوقت في معرفة الحقائق والتأهب للطوارق خير من قضائه في الإهمال والتسويف، وليكن إقبال الناس على القراءة حافزاً لمن يعنيهم أن يقرءوا ما يصلح للفهم في كل زمن وما يصلح للفهم في الزمن الأخير من الحرب على التخصيص. وليس الكتاب وحدهم أصحاب الشأن في الكتابة لأنهم لا يملكون زمام الأمر إلا قليل. فلو كنا على ما نود من توافر الأداة الثقافية لنهض بالأمر جمع قادر أولو جاه ومال يقررون الموضوعات ويوزعون الأبواب وينفقون على ثقة من الكسب وعلى توقع للخسارة في وقت واحد، أو يراوحون بين ما يربح وما يحمل الخسارة، فلا يهمهم أن يربحوا من كل شيء ما داموا لا يخسرون من كل شيء

إننا لقادرون على ذلك لو أردناه

وإننا لمريدوه لو أدركنا دواعيه، وأدركنا عقباه

فهل ندركها؟

إن قلنا: (فيها قولان) وكفى، فنحن متفائلون.

عباس محمود العقاد

ص: 5

‌روحانية الحياة المدرسية

للدكتور زكي مبارك

مهنة التعليم توحي إلى النفس طمأنينة لا توحيها أية مهنة، لأن التعليم يقوم على أساس من شرف الغرض لا يعادله أي أساس. والإحصائيات تثبت أن المعلمين أقل الناس تعرضاً للآفات النفسية، بسبب تلك الطمأنينة الروحية. . . وبرغم كثرة التشكي من الغبن الذي يلاحق مهنة التعليم فإن حال المعلمين في مصر من أحسن الأحوال، فأكثرهم بحمد الله صاروا من المياسير، ولعلهم الطائفة الوحيدة التي أعفاها الله من التعطل في هذا الزمان

والمتأمل يلاحظ أن الله يبارك في أعمار المعلمين وفي أرزاقهم بقدر ما يضمرون من الإخلاص، وبقدر ما يقاسون من العناء، لأنها مهنة لا يستريح فيها غير من يرحب بالشقاء، إن جاز أن يكون مع الإخلاص في هذه المهنة شقاء

والآفة التي تكدر حيوات المعلمين هي آفة الأسلوب القديم في الترقيات؛ فترقية المدرس بمدرسة ابتدائية هي نقله إلى مدرسة ثانوية، وترقية المدرس بمدرسة ثانوية هي نقله إلى مدرسة عالية أو نقله إلى التفتيش

وكنا أرجو أن يكون الأمر بالعكس. كنت أرجو أن تكون المدرسة الابتدائية هي المكان المختار لأكابر المدرسين، ليستطيعوا خلق الروحانية في الحياة المدرسية، وليكون ذلك شاهداً على الإيمان بقدسية التعليم

المبتدئ هو الذي يحتاج إلى المدرس الكبير العقل والروح، المدرس الذي صقلته التجارب وراضته على فهم الغرائز والنفوس

والتلاميذ في المدارس الابتدائية يحتاجون إلى رياضة روحية يقوم بها مدرسون روحيون، وهم الذين صاروا في حكم الآباء، ليكون انتقال التلميذ من البيت إلى المدرسة انتقالاً من رعاية أبوية إلى رعاية روحية

والحق أن المدرسة الابتدائية هي الأساس، فإن استطعنا أن نخلق في تلاميذها الشوق إلى الحياة العلمية فسيقل خوفنا عليهم حين يتحولون إلى المدارس الثانوية

والحق أيضاً أن العُرف الذي قضى بأن يكون المدرس في الثانويات أعلى من المدرس في الإبتدائيات قد زعزع قدسية التدريس

ص: 6

يضاف إلى هذا أننا أوجبنا أن تتأثر الترقيات بتلك الاعتبارات؛ فالمدرس في الثانوي مرتبه أكبر من المدرس في الابتدائي، وكان ذلك لأن المدرس يبدأ عمله في المدارس الابتدائية، ثم يتحول إلى المدارس الثانوية بعد أعوام قصار أو طوال

وليس عندي من الاقتراحات ما يصلح لتغيير هذا المنهاج، فقد فكرت كثيراً في حل هذه المشكلة، ولكني لم أصل إلى شيء، فهل أستطيع القول بتحويل بعض مدرسي التعليم الثانوي إلى التعليم الابتدائي؟

وهل أستطيع القول برد جماعة من المفتشين إلى التدريس طائعين لا كارهين؟

إن مهنتنا لن ترتفع إلا إذا رحب بها كبراؤنا، ولو دعوناهم إلى التعليم بالمدارس الأولية، وهي النواة الأصلية للتعليم والتثقيف

الطفل في مدارسنا يتيم، لأننا نبخل عليه بأكابر المدرسين

قلت مثل هذا الكلام منذ أعوام في مجلة الرسالة فسخر منه سعادة الأستاذ عوض بك إبراهيم، وأشار إلى أحد مريديه أن يكتب كلمة في جريدة الدستور يقول فيها: إن وزارة المعارف عملت باقتراحي فعينتني رئيساً للمدرسة الأولية بقصر الشوق!

وأين من يعرف أني أعتقد أن الذي فاتني في الحياة التعليمية هو أن أكون رئيساً لمدرسة أولية؟

لو سمحت الظروف بأن أكون مربياً لمائة طفل لرجوت أن أخلق منهم أشبالاً يكونون في طليعة الجيل الجديد

ما هذا التعالي الذي لا يليق بمهنتنا العالية؟

المدرس جنديُّ أمين، والجندي الأمين لا يقف إلا في مظان الحتوف. . . وتعليم الأطفال متعبة لا يضطلع بها غير كبار الرجال

المهم هو النص على تنزيه مهنتنا من الظواهر الخوادع، فلا يكون فيها فاضل ولا مفضول إلا بمقدار التفاوت في الإخلاص

المعلم في المدرسة الأولية يستطيع مساماة الأستاذ بالجامعة إن صدق من الوجهة المعنوية. وهو لصدقة سينسى فروق الرواتب، لأن أساتذة الجامعة لا يصلون إلى مناصبهم إلا بعد جهود لا يستطيعها غير أفراد، فمن حقهم أن يمتازوا برواتب تعينهم على متابعة ما يجد من

ص: 7

التراجم والتأليف، وعلى مسايرة حيوات العلوم والآداب والفنون

المعلم في مدرسة أولية يقيم بيته وهو في صباه، أما الأستاذ بالجامعة فلا يقيم بيته إلا بعد أن يكتهل، فعلينا أن نعترف بأن من واجب الدولة أن تراعي حقه في الجهود التي بذلها من شبابه ومن أمواله ليصلح للحياة الجامعية

وخلاصة القول أني أرى روحانية المدرسة تتبع روحانية المدرس، وأرى أن نلتفت إلى المدارس الابتدائية بأكثر مما نصنع، كأن نختصها بأكابر المدرسين، وكأن نغير النظرة المألوفة إلى طبقات المدرسين، بحيث لا يكون طول الثواء بالمدرسة الابتدائية مانعاً من أن يظفر المدرس بمثل نصيب زميله في المدرسة الثانوية من الدرجات والترقيات

ويوم يكون من حق المدرس أن يفتخر بأن وزارة المعارف رأت أن يقضي حياته كلها في التعليم الابتدائي لمزايا تعليمية يكون من حقنا أن نطمئن إلى سيادة الروحية في الحياة المدرسية

أقول هذا وأنا أعرف أني أطلب غرضاً لا يتحقق إلا بعد رياضات نفسية تحتاج إلى آماد؛ فالمدرسون في جميع بقاع الأرض يريدون الفرار من المدارس الأولية والابتدائية، ولا يرضى الرجل منهم عن حاله إلا إذا صار إلى التعليم الثانوي ثم العالي. وهذه نزعة تأخذ وقودها من هوى النفس، وليس لها في نظر التعليم سناد.

أترك هذا وأنتقل إلى مسألة ثانية، هي صلة التلميذ بالمدرسة، الصلة التي توجب أن يحبها أصدق الحب، على نحو ما كان التلاميذ في بعض العهود الماضية

والواقع أن تلميذ اليوم تجتذبه قُوىً خارجية لم يعرفها التلاميذ من قبل. . . وهل ننسى أن المساجد كانت قبل عشرين سنة ملتقى التلاميذ في أوقات المراجعات؟ فأين نحن من ذلك الحال الجميل؟

لا بد من جهاد لجذب التلميذ إلى المدرسة، بحيث يحبها حب العقل، وهو أصدق الحب

يجب أن نصل إلى إقناع التلميذ بأن روح المدرسة هو الروح الصديق، وأن أوقاته في رحابها هي أوقات الصفاء

في كلام القدماء: فلان علمه أكبر من عقله، وفلان عقله أكبر من علمه، فما معنى ذلك؟

معناه أن ملكة الفهم تختلف عن ملكة التحصيل بعض الاختلاف.

ص: 8

وعلى ضوء هذه الفكرة نريد أن نعرف المنهج المختار في سياسة التعليم فنقول:

أيهما أنفع: قراءة كتاب عن خزان أسوان أو زيادة ذلك الخزان؟

وأيهما أفضل: نظر الخريطة عشرين مرة أو رسمها مرة واحدة؟

وحفظ مقامات بديع الزمان أنفع، أم إنشاء مقامة على غرار تلك المقامات؟

ثم أثب إلى الغرض فأحكم بأن إنشاء عشرين سطراً أنفع في تكوين الذهن من قراءة كتاب، لأن الإنشاء يوقظ القوى النفسية، ويروضها على التفكير السديد

والتعليم الحق هو الذي يقضي بتقوية الملكات الإبداعية، هو الذي يخلق عاقلاً لا ناقلاً، وبين العقل والنقل مراحل طوال

وليس معنى هذا أني أغض من قيمة الاطلاع، لا، ولكن معناه أني أدعو إلى أن تكون سياسة التعليم قائمة على إعزاز قيمة الفكر عند التلاميذ، فلا يقرأ أحدهم سطراً إلا وهو يحاول أن يأتي بأروع منه وأبدع، ولا يسمع درساً إلا وفي خاطره أنه مسئول عن التعقيب عليه بالمبتكر الطريف

ما السبب في أن يكون الجو المدرسي غير محبوب في بعض الأحوال؟

لو أمكن جذب التلميذ بالعقل إلى جو المدرسة لتمنى أن تكون مأواه إلى آخر الزمان

ولكن التلميذ يُسأل عن المواظبة الصورية، ولا يُجذب إلى المواظبة الروحية

وفي العقوبات المدرسية أن ينسخ التلميذ صفحات من كتاب، وهذا النوع من العقوبة موجود بالمدرسة الفلانية، وهو عقوبة حقَّا وصدقاً، فما يمكن أن يؤذي التلميذ بأصعب ولا أعنف من أن ينسخ كلاماً هو عن فهمه غير مسئول

هرب الشيخ محمد عبدة من الدرس ورجع إلى الريف فأقام به ثلاث سنين، لأنه طولب بإعراب البسملة قبل أن يفهم الإعراب

ومئات من التلاميذ يحضرون الدروس بالجسم لا بالروح، فهم غائبون لأنهم لا يفهمون، وإن لم تفطن المدارس إلى تقييد ذلك الغياب!

ودروس القواعد دروس غير محبوبة، لهذا السبب، أعني أنها لا تقدم إلى التلاميذ مع التعليل، ولو عللت القواعد يذكر مراميها الأصلية لأحبها التلاميذ، لأن الحياة موجودة في إضافة لفظ إلى لفظ بغاية من القوة والجاذبية، ولكن أين من يفكر في التنبيه إلى تلك

ص: 9

الحياة؟

وخلاصة القول أن الغاية من التعليم هي إثارة الشوق إلى فهم الوجود، وتنمية المواهب تنمية تغني التلميذ عن الدرس بعد حين، وتجعل منه روحاً يتطلع إلى السرائر الكونية، والحقائق الوجودية، تطلع المتشوف إلى إدراك ما عاب عن الأسلاف، ولو كانوا من فطاحل العلماء

وكمية المعلومات ليست بالغاية العالية، وإنما الفهم الصحيح هو الغاية، ولو تعلق بأقل مقدار من المفهومات

وتصحيح غلطة واحدة في علم من العلوم أدل على قوة الذاتية من استيعاب جميع العلوم

ونظم خمسة أبيات نظماً صحيحاً فيه روح الشاعرية يدل على قيمة الفتى بأكثر مما يدل حفظه لجميع الدواوين

المهم هو إيقاظ روح الفكر عند التلميذ، بأن نجعل جميع الدروس وسيلة إلى هذه الغاية، ولن يتم ذلك إلا إذا استطعنا أن نشغل روحه وفكره وعقله بتعقب ما يرى وما يسمع تعقب الشغف والاشتياق

دخل تلميذ مصطفى كامل على الوزير علي مبارك وحاوره بأسلوب غير مقبول، فقال الوزير للتلميذ: اقرأ هذه اللوحة لأعرف مقدار ذكائك (وكانت طرة كثيرة التلافيف عجز عن قراءتها التلميذ)

قال الوزير: أنت لا تجيد غير الصياح!

فقال التلميذ: هل يتفضل الوزير فيخبرني عن عدد السلالم التي يصعدها كل يوم إلى مكتبه هذا منذ أعوام؟

فقال الوزير: التحدي تافه ولكنه معقول

والواقع أن التعليم لا يثير التطلع إلى استكشاف المجاهيل، ولا ينقل خيال التلميذ من أفق إلى آفاق إلا في أندر الأحوال. . .

عمل المدرس لا يتجه إلى تقديم الحقائق، وإنما يتجه إلى إيجاد الحقائق عن طريق التلاميذ. وأريد أن أقول إن المدرس لا يُخبر ولكنه يستخبر، إلى أن يعرف من تلاميذه الخبر اليقين، وكأنه به من الجهلاء

ص: 10

طريقة التلقين طريقة عقيمة، وهي لا توقظ عقول التلاميذ وقد ترميهم بالخمود

والدرس هو الفرصة لتنبيه العقول الغافية، في الحدود التي تسمح بها براعة المدرس، والمدرس البارع هو الذي يسوس الدرس سياسة تقضي بأن يشعر كل تلميذ بأنه يتلقى سؤالاً بعد لحظات

هل تذكرون الواجبات المدرسية التي يؤديها التلاميذ في البيوت؟

إنها ثقيلة جداً، وبغيضة جداً، فما السبب فيما تتسم به من الثقل والبغض؟

يرجع السبب إلى أنها لم تسبق بالتشويق إلى إيجاد الحقائق

ويرجع السبب إلى أننا لم نصل إلى خلق الجاذبية المدرسية.

ويرجع السبب إلى أننا لم فكر جدياً في إبداع شخصية التلميذ. . .

وأنا أختم هذه المقالات بتوكيد ما قلته في صدر مقال اليوم وهو أن مهنة التعليم في مصر مهنة سعيدة وأصحابها سعداء

المدرس المتبرم ليس بمدرس، لأن التدريس من أقوى موجبات الابتسام

ولو أردنا شكر الله على أن جعلنا مدرسين لعجزنا عما نريد من الشكران

للمدرس في كل يوم جهاد، وهذا مغنم جميل

إن صحت دعوتنا إلى تعميم التعلم فسيكون في مصر ألوف وألوف من المدرسين؛ فهل تستطيع مالية الدولة أن تستجيب لما يطمح إليه ألوف وألوف؟

القناعة هي التاج لمهنتنا السامية، وغِنى القلوب يستر فقر الجيوب. وهل افتقر منا أحد حتى نتوجع ونتفجع بشبهة من الحق؟

نحن أغنياء وأغنياء، فلله الحمد وعليه الثناء.

زكي مبارك

ص: 11

‌على هامش أحلام شهرزاد

4 -

قضية اليوم

للأستاذ دريني خشبة

قالت فاتنة: (الآن يا صديقي وقد أطلعتك على أطراف من شهرزاد الحكيم، وعلى أطراف من القصر المسحور، ووقفتك على المذهب الذي أخذ الكاتب به نفسه، ولم يفتأ يباهي به، ويشتط فيه. . . الآن وقد علمت أن مشروع (أحلام شهرزاد) كان وعداً موعوداً في القصر المسحور على لسان شهرزاد أراد عميد الأدب العربي أن يذود به عن هذه الشخصية الفذة التي ابتدعها الأديب العبقري القديم الأول، والتي رمز بها إلى جنس المرأة في كل زمان ومكان. . . والآن وقد علمت ما يرتئيه الأستاذ توفيق في شهرزاد كل زمان ومكان من غدر وكيد وخيانة وأنانية و. . . شَبَق. . . الآن يحين لي أن أحدثك عن أحلام شهرزاد حديثاً يروقك وتنزع إليه نفسك، النزاعة إلى الحق، المشغوفة بالجمال، المؤمنة بالكمال

(ليعلمن كيف تكون الكتابة عن شهرزاد!)

هل تذكر هذه القولة التي أخذت مكانها في القصر المسحور عن عمد؟! أما تزال تذكر هذه القولة أيضاً، وقد أخذت مأمنها من هذا الكتاب كما أخذت مأمنها الكلمة السابقة:

(سيجد عندي علم ما لم يعلم من أمر شهرزاد!)

هاتان كلمتان! فهل بر العميد فيما وعد؟ وكيف صور شهرزاده يا ترى! وكيف جافى بها عما رسمها الأستاذ توفيق؟ ثم ما بال أبطاله الآخرين! هل أخرج لنا ملكاً (ديوثَّا) كشهريار الحكيم؟ أم انتفع شهريار العميد بشهرزاده فهذبت طبعه النافر، وأقامت خلقه المعوج، ولفتته إلى شئون ملكه يرعاها بعين الخبير البصير، وعلمته كيف يوائم بين رغبات نفسه ورغبات شعبه، ثم هي مع هذا وذاك لم تنكشف له كل الانكشاف لتستبقى سحرها في قلبه، وتحتفظ بسر الجمال الذي يفضحه التبذل، ويُذيله التهالك في إشباع رغبات الرجال؟!

ثم شخصيتي؟ أنا؟! شخصية فاتنة؟ تلك الشخصية التي تزري بكل شخصيات القصص العربي في الأدب المصري الحديث. . . أرأيت كيف صورها فأتقن صورتها وأبدعها في أحسن تقويم؟

وشخصية طهمان بن زهمان ملك الجن؟! هل كان هذا المارد الأحمق الذي يجلس على

ص: 12

عرش أمة ليفرغ إلى رغباته ودنايا نفسه كما فعل شهريار الحكيم؟ أم كان ذاك الحاكم البر الحازم الحكيم الرحيم الذي حكم فعدل فأمن على شعبه كما أمن على ملكه ونشأني على خير منهاج يضمن السعادة لقبيله من الجن من بعده؟!

ثم شخصية هذا الطائف العجيب الذي كان يسْفر بالأحلام إلى شهريار ينبئه بموعد القصص الشهي الرخي الذي ترسله شهرزاد في أحلامها - ما بال هذا الطائف يا ترى؟

أما شهرزاد الحالمة فإنها من غير شك شهرزاد نبيلة كاملة، قامت بواجبها في تهذيب شهريار على خير وجه، وقامت بواجبها نحو وطنها على أحسن صورة، واحتفظت بسحر أنوثتها فلم تفسده بالتبذل، ثم هي هذا الملاك الحارس الذي أدعى وظيفته في الحياة كما ينبغي أن يؤدي كل مخلوق كامل وظيفته في الحياة. . . يأخذ بحظه منها ولا يجور على حقوق الآخرين. . . يعرف أن الحياة جد لا لعب، وهي مع ذاك جد يخفف جفوته لهو قليل برئ. . . لهو بالموسيقى التي تهذب الطبع، والغزل الحلال الذي لا ينحدر إلى أحضان العبيد، ولا يسف إلى اتخاذ الأخدان، ولا يسفل إلى أن يكون خداعاً وخيانةً ولغواً وتأثيماً. . . شهرزاد العميد هي هذا الملاك الحارس الذي أخذ على عاتقه إصلاح شهرياره في النوم وفي اليقظة. . . في النوم بإرجاعه إلى محجة الصواب كلما عاوده داؤه القديم فسأل عن سر شهرزاد، وشهرزاد مع ذاك تطلعه على شطر غير يسير من هذا السر، ثم تحتفظ لنفسها بشطره الآخر. . . الشطر الذي يبقى على سحر الأنوثة في المرأة ويجعلها شابة دائماً، جميلة دائماً، ساحرة دائماً. . . لأنها تعطي من نفسها بقدر، وتهب من ذاتها بمقدار، فلا تتبذل بكثرة البذل، ولا تمنح كل ما عندها كي تجد ما تمنحه طوال الحياة التي تربط الزوجين. . . وهي لذلك جديدة كل يوم في عين شهريار، لأنها تسقيه كل يوم كأساً جديدة. . . فإذا سألها:(ألا تنبئيني آخر الأمر من أنت وماذا تريدين؟). . . أجابت. (من أنا؟ أنا شهرزاد التي أمتعتك بقصصها أعواماً لأنها كانت خائفة منك والتي تمتعك بحبها الآن لأنها واثقة بك مطمئنة إليك وماذا أريد! أريد أن أرى مولاي راضياً سعيداً ناعم البال رخي العيش مبتسماً للحياة كما تبتسم له الحياة) فإذا أعاد بعد ذلك سؤاله، قالت له: (من أنا؟ أنا شهرزاد التي أحبتك قبل أن تعرفك كما لم تحب فتاة رجلاً قط، والتي خافتك حين عرفتك خوفاً لم يخفه إنسان إنساناً قط، والتي زفت إليك تتحدى الموت وتتحدى السلطان وتتحدى

ص: 13

الحب والبغض جميعاً، فبلغت من نفسك هذه المنزلة التي تراها والتي لا تراها، ثم أصبحت الآن وهي لا تفكر إلا فيك، ولا تفكر إلا بك، ولا تفكر إلا لك. ماذا أريد؟ أريد أن تكون سعيداً موفوراً، ولكني لا أعرف كيف أجعلك سعيداً موفوراً. من أنا؟. . . أنا من تحب أن ترى في أي ساعة من ساعات النهار، وفي أي ساعة من ساعات الليل. أنا أمك حين تحتاج إلى حنان الأم، وأنا أختك حين تحتاج إلى مودة الأخت، وأنا ابنتك حين تحتاج إلى بر البنت، وأنا زوجتك حين تحتاج إلى عطف الزوج. . . . وأنا خليلتك حين تحتاج إلى مرح الخليلة، أنا كل هذا. وماذا أريد! أريد ما تريده الأم لابنها، وما تريده الأخت لأخيها، وما تريده البنت لأبيها، وما تريده الزوج لزوجها الوفي، وما تريده العشيقة لعشيقها المفتون. وقد سألتني فألحفت على في السؤال، أفتأذن لي في أن أسألك؟) فيرفع الملك إليها بصره كالمنكر لما تقول، ولكنها تتضاحك وتتماجن وتسأله:(كيف أراك في هذا المكان من جنة القصر، حيث كان ينبغي أن أراك في غرفتك تتهيأ للخروج إلى حيث تستقبل وزراءك وتصرف أمور ملكك، أو أراك قد خرجت مبكراً فأقبلت على شئون الدولة تصرفها حفيَّا بها منكبَّا عليها. . . الخ)

فهل رأيت إلى شهرزاد العميد وفرق ما بينها وبين شهرزاد الحكيم؟ أرأيت كيف صور العميد ما ينبغي أن تكون عليه الزوجة الوفية في كل زمان ومكان!! فتكون لزوجها أماً حين يحتاج إلى حنان الأم، وأختاً حين يحتاج إلى مودة الأخت، وابنة حين يحتاج إلى بر البنت، وزوجاً حين يحتاج إلى عطف الزوج. . . ثم. . . خليلة حين يحتاج إلى مرح الخليلة. يجب أن تكون الزوج كل هذا فهل يرى الأستاذ توفيق هذا الرأي؟! أم هو موجس ظِنَين واجد على المرأة يبشر ضدها بالويل والثبور وعظائم الأمور، لا يأتمنها على أن تنجب لشهريار غلاماً ذكياً أو غبياً، ولذلك فهو يرسلها في أحضان العبيد، ويبيح غرامها للوزير ولغير الوزير، ويجعلها أنانية لا تفكر إلا في نجاتها هي دون أن تعني بخلاص بنات جنسها

ولقد نبهتك يا صديقي إلى ما التزمته شهرزاد العميد من الغموض أحياناً لتصون جمالها وتجدد سحرها في نفس زوجها، فهل تدري لماذا حرص الأستاذ الحكيم على أن تكون شهرزاده غامضة؟ إنه حرص على هذا لتذهل شهرزاده لبَّ شهرياره، ولتعصف بقبله؛

ص: 14

فغموضها هو من غموض السحراء والمشعبذين وأكلة الثعابين والذين يمشون بأرجل حافية على النار ورؤوس المسامير. . . لأن الذين يتفرجون بهذه الشعبذات يقفون حيالها مشدوهين صعقين لما فيها من غموض يذهل ألبابهم، ولا يدركون له كُنْها. . . أما ماذا وراء هذا الغموض، فليس وراءه شيء. . . ليس وراءه نفع قط. . . إن لم يكن وراءه ما يمكن كالأفعى الرقطاء في ظلمات نفس شهرزاد - شهرزاد الحكيم طبعاً - من شر وكيد وختل وخداع وخيانة وتدبير سيئ. . . ولهذا قالت شهرزاد في القصر المسحور وهي تتميز من الغيظ على توفيق الحكيم:(ليعلمن كيف تكون الكتابة عن شهرزاد!) ثم قالت: (سيأتيه علم ما لم يعلم من أمر شهرزاد!)

هذا فرق ما بين الغموضين، وللغموض نصيب عظيم من السرق الذي أرجف به المرجفون، وتخرص به المترخصون

أما فرق ما بين شهريار الحكيم وشهريار العميد فليس يحتاج إلى إسهاب ولا يفتقر إلى إطناب. وحسبك أن تذكر ما كان من غفلة شهريار الحكيم التي سماها معرفة، وسكوته على ما قتل بسببه وزيره نفسه حينما انسل العبد من مخدع شهرزاد. ذلك السكوت الذي سماه الحكيم فلسفة. ثم حسبك أن تعلم ما كان من سهر شهريار العميد على أمور رعيته، وحسن التفاته إلى تصريف أمورها، واضطلاعه بما يعود عليها بالخبر والنظام. . . حسبك هذا وذاك لتقدر أنت فرق ما بين الملكين

أما أنا. . . أما فاتنة. . . فإني كما علمت أبرع شخصيات الأدب المصري الحديث. . . إني أتمم شخصية شهرزاد. بل أنا روحها الحالم. . . بل أنا شبحها الهائم. . . بل أنا غناؤها الباغم. بل أنا منطقها السليم وسحرها العظيم وتدبيرها الكريم وقلبها الرحيم. . . بل أنا حدبها على الرعية، واستخفافها بالطغاة، وعذابها المسلط على الملوك المستبدين الذين ذاق بعضهم بأس بعض، وعذب بعضهم بأيدي بعضهم الآخرين. . . بل أنا هذه الديمقراطية العزيزة التي أجج لها الطغاة الآثمون تلك الحرب الطاغية الآثمة القائمة. . . الديمقراطية التي ترد الصواب إلى الفرد المغرور، وتعيد السلام إلى العالم، الجمال إلى الجنة. . . أنا الديمقراطية التي تبعث العزة في نفوس الأفراد، والكرامة في قلوب الشعوب، فلا يسميها الحاكمون بأمرهم الخسف، ولا يسلط عليها فرد واحد مجنون فيجعل أمنها خوفاً،

ص: 15

وقوتها ضعفاً، وعيشها شظفاً، وجهودها هباء، ورخاءها عناء، وفَرَجَها شدة، وسلامها حرباً، وعلمها شراً، وعلماءها أبالسة، وقادتها أفاكين

أستمع إلىّ أقول لأبي وهو يحاورني: (. . . متى رأيت الملوك يقدمون على حرب لا تدفعهم إليها شهواتهم الجامحة وعواطفهم الحائرة؟ ومتى رأيت الشعوب تجنب هذه الأهوال وتعصم من الحرب لغير مصالحها المؤكدة ومنافعها المحققة. . .؟. . . إن أثرة الملوك والسادة والزعماء هي التي تثير الحرب دائماً وهي التي ترهق الشعوب دائماً. . .!)

فإذا قال لي أبي: (فقد كنت أرجو أن يهيئ لك علمك وحكمتك ابتكار لون من ألوان الحياة لا تشقى فيه الشعوب بسعادة الملوك والزعماء!. . .) قلت له في بعض الذي أجبته به: (فأنبئني يا أبت ما بال هذه الرعية لا ترفق بنفسها ولا تعني بأمرها، ولا تفكر في مصالحها، وإنما ندعوها فتجيب، ونأمرها فتطيع، ونوجهها إلى حيث نشاء فتتجه إلى حيث نشاء لا يخطر لها أن تأبى إذا بلغها الدعاء، ولا أن تعصي إذا صدر إليها الأمر، ولا أن تمتنع إذا وجهت إلى حيث لا تحب. . .؛ فما طاعتها لنا في غير روية ولا تفكير، بل في غير فهم لما تؤمر به وتقدير لما تدعى إليه؟. . .)

أرأيت إلى كيف مثلت الديمقراطية أروع تمثيل وأصدقه؟ وهل سمعت إلي أفضح الطغاة والمستبدين، وآخذ على الأمم المستضعفة رضوخها لهم وعدم الثورة عليهم، وطاعتها إياهم في غير روية ولا تفكير ولا فهم ولا تقدير؟!. . . وأنا مع ذاك الديمقراطية المتعلمة المثقفة التي لا تصدر عن الطيش ولا يتلاعب بها الرعاع. وليست هذه الديمقراطية التي تدخن القنب في حانة أبي ميسور، وتنام في أحضان العبيد، وترهن السيف لتقضي ليلة هانئة؛ لكنها الديمقراطية التي تثل عروش المستبدين وتقوم على الجد ولا ترضى العبث وترفض أحلام روَّاد الحانات التي يدخن فيها الـ. . . الديمقراطية التي انتصرت على قوات الشر (. . . وردت إلى شعوب الجن حقوقها المغصوبة وحرياتها المسلوبة. . . ومن يدري! لعل علم الجن أن يصل إلى الناس ذات يوم أو ذات قرن واضحاً جلياً لا لبس فيه ولا غموض؛ أو لعل عقول الناس أن ترتقي ذات يوم أو ذات قرن إلى حيث تفهم عن الجن في غير مشقة ولا جهد. يومئذ أو قرنئذ تصلح أمور الإنسان كما صلحت أمور الجان

قالت: (وعكف شهريار على نفسه يتدبر ما سمع ويستحضر ما شهد ويتذكر ما رأى، وكأنه

ص: 16

أنسى نفسه في هذا العكوف، حتى أقبلت شهرزاد وقد ارتفع النهار. وسمعها تقول في صوت حازم باسم معاً:(لشد ما هانت عليك أمور الملك يا مولاي! هاأنت ذا تخلو إلى نفسك في زاوية من زوايا غرفتك كأنك فرد من أفراد الناس قد فرغ للفلسفة والتفكير. ألم تحاسب نفسك على هذا الوقت الطويل الذي أنفقته في غير شئون الملك! ألم يخطر لك أن للشعب حقوقاً يجب أن تؤدي إليه، وإن أوقات الملوك ليست خاصة لهم من دون الرعية؟)

قال الملك دهشاً. . . (يا عجباً! كأنما أسمع حديث فاتنة)

قالت شهرزاد ذاهلة: (فاتنة! فاتنة! ليس هذا الاسم عليّ غريباً، وأحسب أن لي بي عهداً قريباً)

قالت فاتنة: (فأنا إذن أتمم شخصية شهرزاد. . . بل أنا روحها الحالم. بل أنا شبحها الهائم. بل أنا غناؤها الباغم. بل أنا منطقها السليم، وسحرها العظيم. وتدبيرها الكريم. وقلبها الرحيم)

أما أبي. . . أما طهمان بن زهمان، فهو الذي أدبني فأحسن تأدبي، وهو الذي كان يخفق قلبه بمحبة شعبه فنشر المدارس بين طبقاته ليعلمه الديمقراطية، وهو الذي (رفع بعض النابهين من الدهماء إلى مناصب الدولة) مُعرضاُ نفسه لسخط الأمراء وكيد الشيوخ من رؤساء العشائر، فوصل من الديمقراطية إلى كثير مما كان يريد. . .

فشهرزاد وأبي طهمان وأنا. . . إنما نكون هذا الثالوث المقدس الذي ألفه العميد لتهذيب روح شهريار، ولإنقاذ هذا الروح من البرم والتوجس والتشاؤم الأسود الذي عصف به منذ خانته زوجه. وقد نجحنا في هذا، وبلغنا منه ما نريد)

قالت فاتنة: (فاسأل المرجفين إذن أين هو السَّرق الذي يدعونه؟ بل أين الشبه بين كل؟ أيكفي أن يسأل شهريار شهرزاد ما هي، وماذا تريد؟ ليكون هناك أخذ وسرق وسطو. . . أم يكفي أن تتذرع شهرزاد العميد ببعض الغموض إبقاء على سحرها وجمالها وأسرها، ليدعى الخراصون أن الغموض من (اختراعات!) الحكيم المسجلة فلا ينبغي لأحد غيره، وإلا سرق هذا (الغير) وسطا!

وبعد. . . فلندع هذا اللغو وذاك العبث، ولنطلب إلى عميد الأدب العربي مواصلة لياليه لأنها فتح جديد في أدب القصة، وقد قرأنا كلما ألف العميد بعد (الأيام والهامش) فلم نجده

ص: 17

أحسن كما أحسن في تلك الأحلام الرائعة الخالدة التي لا ترتهن بظرف من الظروف، ولا بعصر من العصور كما ادّعى بعضهم.

دريني خشبة

ص: 18

‌تغريدة

إلى تاج العراق

(في مقدم مليكه العزيز (فيصل) الثاني، ضيف وادي النيل)

للأستاذ محمود حسن إسماعيل

لَمَحْتُ بِجنَّات مِصْرٍ شُعَاعا

لأنْوارِهِ صَفَّقَ الشَّاطِئانْ

غَزَا طيْفُهُ كلَّ قَلبٍ وشاعا

فَلَمْ يخْلُ مِنْ صَفْحَتَيْه مَكانْ

تَهَادَى فَخِلْتُ الرُّبى وَالْيفَاعا

وَشمْسَ الضُّحَى مَوْكِباً مِنْ حَنَان

فَيَا (نِيلُ) مَنْ هَزَّ فيكَ البِقَاعا

مَلَاكٌ وَفى كَفه صوْلَجَانْ

حَمَى الله أَيَّامهُ أَنْ تُرَاعا

وَوَقّى لَيَالِيه رَيْب الزَّمَانْ. . .

. . . وَأَعْلَى مَع َالشَّرْق مُلْكاً حَوَاهْ

وَنَهْراً تَهِيمُ بِهِ ضَفّتَاهْ

وَتَاَجاً عَلَى الْبَأْس يَرْسُو عُلَاهْ

وَشَعْباً إلى (مِصْرَ) يَهَفْوُ هَوَهْ

وَيَرْبِطُنَا فِيهِ عَهْدُ اَلَحَياهْ

خُطَانَا إِلى كلَّ مَجْدٍ خُطَاهْ

فدِجْلَةَ والنَيل ذَاقَا الرِّضاعا

شَقِيقيْن دِيناً، وَنَجْوَى لِسَانْ!

فَيَا تَاجَ مِصْرَ أَتَتْكَ الشُّعُوبْ

مِنْ الشَّرقْ تّسْكُبُ أَحْلَامَها

وَألْقَتَ إليْكَ زِمَامَ الْقُلُوبْ

فَكُنْتَ هَوَاها وَإلْهامَها

إذا أرْعَشَتْ جَانَبيْهَا الْكُرُوبْ

أسِيتَ، وَآسيْتَ آلامَها

إذا مَسَّها في سُرَاهَا لُغُوبْ

إلى النَّجم طَيرْتَ إقْدَامهَا

فأنْتَ لَهَا في ظَلامِ الْخُطوبْ

صَبَاحٌ يُنوَّر أيّامَهَا. . .

. . . وَيَنْشُرُ في كلَّ وَادٍ ضُحَاهْ

فَيَنْسى بِهِ كلُّ قَلْبٍ أسَاهْ

على النَّهْرِ أوْ في هَجِير الْفلاهْ

ص: 19

زَمَانٌ (بفاروقَ) ضَاحٍ سَنَاهْ

مَلِيكٌ عَلَى الشَّرقِ تَحْنُو يَدَاهْ

رَعَى مُلْكَهُ، وَرَعاهُ الإلهْ!

صَحَتْ أُمَم الشَّرْقِ تَبغْي الْهُبُوبْ

فَهَيَّا لِنَرْفَعَ أعْلامَها

مِنَ الرَّافدِيْنِ أضاََء الْقِبَابْ

شُعَاعٌ بِمَهْدِ الْعُلا يَرْفُلُ

سَرَى وَالرَّبيعُ يَحُثُّ الرَّكابْ

إلى الدَّوْحِ فِرْدوْسُهُ المُخْضِلُ

فَكاَنَا رَبِيعَيْنٍ بَيْنَ الْشَعابْ

يُحَيَهمَا الحْبُّ، وَاَلْجدْوَلُ

وَهذَا يُنَاجيهِ قَلْبُ الشًّبَابْ

وَهذَا الطُّيُورُ لَهُ تَهدْلُ

وَلَكِنْ رَبيعُكَ أَنْقَى إهَابْ

وَأخْلَدُ في الروُّحِ يَا (فَيْصَلُ)!

فَمَوْجُ (الْفُرَاتِ) جَرَى في ربُاهْ

وَأحْلامُ (بَغْدَادَ) فَضَّتْ شَذَاهْ

وقَلْبُ (الْعِرَاق) انتْشَى منْ صِبَاهْ

وَرَقْرَقَ آمَالَهُ في سَمَاهْ

غَداً منْ يَدَيْكَ يُلَقّى مُنَاهْ

وَفي ظلَّ عَرْشِكَ يَجْني جَنَاهْ. . .

ونسْبَحُ بالشَّرْقِ فَوْقَ الْعُبَابْ

عَلَى وَحْدَةٍ. . . دِينَهَا مُنزْلُ!

محمود حسن إسماعيل

ص: 20

‌سليمان الحكيم

لتوفيق الحكيم!

للأستاذ سيد قطب

- 1 -

(يبدو أن فصل النقد الفني هو الفصل المتخلف في كتاب الأدب العربي الحديث. وقد لمست هذا في المناسبة القريبة بين الأستاذ (دريني خشبة) وبيني كما لمسته من قبل مرات.

فنحن: إما أن نحب فنبالغ في الإطراء، وإما أن نكره فنبالغ في القدح، وإما أن نكسل فلا نستقصي عن عمل من نتصدى لهم بالنقد، وإما أن نتحكم بمزاجنا ونفرض تحكمنا على القراء!

وسأحاول في الفصول التي أقولها في النقد الأدبي لأعلام العصر الحديث أن أتوقى كل هذا بقدر المستطاع. والله يلهمنا طريق السداد)

هذه هي التمثيلية الخامسة لتوفيق الحكيم التي يستلهم فيها الكتب الدينية أو الأساطير. وقيمة استلهام هذه المصادر وأمثالها هي في الصورة الجديدة التي يجلوها الفنان، وفي ملء الفجوات التي يعني بها الفن وقد لا يعني بها الخبر ولا الأسطورة؛ وفي التعميم الذي يخرج بها من الجو المحدود والمناسبة العارضة إلى الجو العام والحقيقة الخالدة

وتمثيلية (سليمان الحكيم) مستلهمة من القرآن الكريم ومن التوراة ومن ألف ليلة وليلة. فلننظر في المواد الخامة التي كانت بين يدي المؤلف حين همّ أن يصوغ تمثيليته الجديدة، لنعرف كم استمد منها وكم زاد عليها؛ فتلك هي الخطوة الأولى في الوزن الفني لمثل هذا العمل

قصة سليمان وأخباره في القرآن الكريم في سورتي النمل وسبأ معروفة أو في متناول كل قارئ، فلست في حاجة أن أثبتها هنا، فأكتفي إذن بتسجيل نظرة القرآن إلى سليمان الحكيم؛ فهو نبي أوتي العلم والحكمة، ووهُب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلم منطق الطير، وسخرت له الريح والجن والإنس

وأما قصته في التوراة فقد لا تكون في متناول القراء، فألخص هنا بعض ما يحتاجون إليه

ص: 21

منها في هذا السياق، وما كان بين أقواس من هذا التلخيص فهو نص منقول:

ورد في (سفر الملوك) من العهد القديم أن سليمان كان ملكاً بعد أبيه داود يعاصر من أنبياء إسرائيل وكهانهم (ناثان النبي) و (صادوق الكاهن). وقد طلب سليمان من إلهه أن يعطيه الفهم والحكمة ولم يطلب لنفسه مالاً كثيراً ولا عمراً طويلاً، فكافأه الرب على ذلك بأن وهبه الحكمة التي طلب والملك الذي لم يطلب

(وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق، وكل حكمة مصر). . . وكان صيته في جميع الأمم حواليه، وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت أناشيده ألفاً وخمسة. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزّوفا النابت في الحائط، وتكلم عن البهائم، وعن الطير، وعن الدبب، وعن السمك)

وبنى سليمان بيتاً للرب جلب أخشابه وزخارفه من مختلف الأمصار حوله. وصاهر فرعون ملك مصر فكان هذا دليلاً على عظمته!

(وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان فأتت لتمتحنه بمسائل) وقد جاءت معها بهدايا كثيرة. ولما رأت سليمان وحكمته وعظمة ملكه، أعجبت به وبحكمته وسلطانه (وأعطته مائة وعشرين وزنة ذهب وأطياباً كثيرة جدَّاً وحجارة كريمة) وأعطى سليمان للملكة كل مشتهاها الذي طلبت. . . فانصرفت وذهبت إلى أرضها)

(وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة - مع بنت فرعون - مؤابيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحيثيات. من الأمم الذين قال عنهم الرب لإسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم).

وتذكر التوراة بعد ذلك أن نساء سليمان بلغن الألف عداً، بين زوجات وسراري. وأن بعض نسائه أملن قلبه، وكان في شيخوخته (فمال وراء آلهتهن ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتورت إله الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين) وانتهى الأمر بغضب إلهه عليه وانتزاع الملك منه. . .

وأما قصص ألف ليلة وليلة فهي معروفة كذلك لعامة القراء؛ وقصص الصيادين الذين يعثرون بالعفاريت في قماقم مسحورة، وقصص الأحياء الذين يسحرون أحجاراً أو أشياء أخرى ويوضع طلسم خاص لفك سحرهم معروفة كذلك

ص: 22

ومفروض أنه كان بين يدي المؤلف بعض ما كتبه عن (سليمان الحكيم) في الفرنسية الفيلسوف (رينان)، وبخاصة ما كتبه عن (نشيد الإنشاد) نشيد الحب والربيع والشباب وهو من نظم سليمان

هذه هي الخامات التي كانت بين يدي توفيق الحكيم. فلننظر كيف استخدمها في تمثيليته

لقد انتفع بالمصادر الثلاثة على السواء، وزاوج بينها، وفسرها وأضاف إليها بحرية كاملة، وهذه الحرية معترف بها للفنان الروائي بلا جدال

فهو قد اختار أن يكون سليمان نبياً كما جاء في القرآن، وملكاً كما جاء في التوراة. وقد جاءته الخطيئة الدينية - في التوراة - من جانب المرأة، فجعلها توفيق تجيئه من ناحية المرأة أيضاً ولكنها خطيئة إنسانية لا دينية. واختارت له التوراة غضب الله وانتزاع الملك، ولكن المؤلف اختار له أن يتوب عن خطيئته وأن يقاسي عذاب ضميره

وقد أثار بين الملك والإنسانية، وبين الحكمة والنبوة، في نفس سليمان صراعاً نفسياً عنيفاً. فتغلب الملك أو تغلب الإنسان فيه عند القدرة وبدافع الرغبة، وتغلبت الحكمة أو تغلب النبي فيه عند الاصطدام وبدافع اليأس

وبعض تفاسير القرآن زوّج (بلقيس) من أحد الأمراء، ولكن المؤلف جعلها تعلق بحب هذا الأمير، وجعله يعلق بحب وصيفتها (شهباء)!

ثم استعار من ألف ليلة وليلة أحد عفاريتها وأحد صياديها. ولكنه استعارهما ليشيع الجو الأسطوري في التمثيلية من ناحية، وليستخدمها في الصراع بين الخير والشر، وبين الضمير والشهوة، من ناحية أخرى؛ وليرمز بها إلى التكامل والتصارع في نفس الإنسان الواحد من ناحية ثالثة

ومن هذه الخامات حاول أن ينشئ تمثيلية تعالج الصراع الأبدي بين الخير والشر وبين الضمير والرغبة - وتهدف مع هذا الصراع إلى الاتجاهات التالية:

1 -

تغليب الجانب الإنساني على الجانب المقدس في نفس النبي. . . سليمان!

2 -

قداسة القلب الإنساني في الحب والسخرية بجميع قوى الأرض أمام هذه القداسة

3 -

الجحود والوفاء والخير والشر، واجتماعهما في الحب الإنساني جنباً إلى جنب

4 -

رفع الستار عن بعض القداسات، وغمزات للكهان وأشباه الكهان

ص: 23

5 -

الآلام والحرمان والعجز والفجيعة هي التي تشع الحكمة وتهدئ الفورة وتفتح البصيرة

6 -

السخرية بحكمة الإنسان المحدودة مهما سمت وبقوته مهما عظمت أمام الحكمة الكونية الكبرى

7 -

التفسير النفسي - من جانب الفن - لبعض الحوادث والروايات في حياة العظماء!

فلنستعرض التمثيلية استعراضاً مجملاً لنرى إن كانت قد أدت هذه الأغراض، وإن كانت قد جمعت إليها جمال الفن وحركة الحياة. وتلك شروط الرواية الجيدة بالإجمال.

(حلوان) - يتبع

سيد قطب

ص: 24

‌بين القديم والجديد

بناة القاهرة المسلمون

تأليف السيدة ر. ل. ديفونشير

للدكتور محمد مصطفى

جلست إلى جانبها في عربة يجرها جوادان كريمان، أحدهما أشهب والآخر تغلب في لونه الحمرة، ويقودها سائق فحل عريض المنكبين قوي البنية. وكنا نتحدث في التاريخ الإسلامي، وفي الفن الإسلامي، وفي مجموعة المساجد والمباني الأثرية الإسلامية التي تضمها القاهرة بين أسوارها، والتي لا يوجد لها نظير في بلد آخر. واسترسل بنا الحديث فجعلنا ننتقل بين عصور الفن والتاريخ المختلفة. وكان السائق الفحل يملأ مكانه في خيلاء وغرور، ويسوق جواديه مترفقاً بهما، وهما ينصاعان له هادئين، كأنهما قد استسلما لحبيب يبادلانه الحب، ويعملان جهدهما على إرضائه. ومن وقت إلى آخر كانت السيدة الجالسة إلى جانبي ترسل إلى الجوادين الكريمين نظرة تدليل وإعجاب. ومرت بنا العربة في طريق من طرق القاهرة القديمة التي لم تنلها يد المدنية الزائفة بالتخريب والتشويه، ولم تصل إليها وسائل النقل الحديثة بأصواتها المزعجة. طريق من تلك الطرق الضيقة الكثيرة المنحنيات والتعاريج، والتي تعلوها (مشربيات) البيوت الأثرية من الجانبين، فتترك في أعلاها شقاً ضيقاً يظهر منه القليل من زرقة السماء ممزوجاً بالقليل من أشعة الشمس، وتتخلله مآذن المساجد الشاهقة، شامخة برؤوسها تحدث عن عظمة بُناتها

وصمتت السيدة فصمت احتراماً لها، وجعلت أتطلع إلى منظر هذا الطريق فاستهواني، وتملّكني سحره وانتقل بي إلى زمن مضى، فخيل إلى أنني عدت شاباً فتياً مزهواً بعنفوان شبابه؛ وأنني أجلس إلى جانب فتاة هيفاء ترنو إليّ بعينيها النجلاوين لتزيد من أثر فتنتها في نفسي. وإذ كنت غارقاً في هذه التأملات، سقط شعاع دقيق من أشعة الشمس على رأس الجواد الأشهب، وانتقل منها إلى ظهره، ثم إلى رأس السائق الفحل، ثم أصاب عيني فآلمني وأيقظني وعاد بي إلى الحقيقة السافرة. ونظرت إلى السيدة الجالسة إلى جانبي فوجدتها

ص: 25

كأنها عادت هي الأخرى من ذكريات عزيزة حلوة، وقالت كمن يحدث نفسه: يا لها من طريق جميلة!. . . وقلت مؤكداً: حقاً! إنها طريق جميلة ساحرة. . . وكيف لا تكون جميلة ساحرة وقد ملكت عليّ مشاعري، فعشقتها من أول نظرة، وعشقت معها هذه البيوت القديمة التي تطل عليها، وهذه المساجد والمآذن التي تقوم على جانبيها، وعشقت هذا القليل من زرقة السماء الممزوج بالقليل من أشعة الشمس، بعد أن كنت أنظر إلى السماء والشمس فيبهرني جمالها ويعمى عيني فلا أتبين منه شيئاً! وشكرت السيدة الجالسة إلى جانبي لأنها حببت إلى كل هذا، وقادتني لرؤية هذا السحر والجمال.

هذه هي السيدة (ر. ل. ديفونشير) وهي سيدة وقور، يعرفها أغلب سكان تلك الأحياء القديمة الجميلة، ويقابلونها بالإجلال والاحترام. وهي من جانبها تسر لرؤيتهم، وتتحدث معهم باللغة العربية كأنها واحدة منهم. وقد اعتادوا - منذ عشرات السنين - أن يروها تمر في أحيائهم كل أسبوع، وفي صحبتها جماعة من نزلاء مصر، تقودهم ليستمتعوا بجمال هذه الأماكن الأثرية، ويدرسوا معالمها، ويتبينوا بأنفسهم مكان حضارة مصر بين حضارات الأمم الأخرى. ولا شك أننا مدينون لها بالشكر والثناء للدعاية الطيبة التي ما زالت تنشرها لبلدنا الذي عاشت فيه طويلاً وأحبته كثيراً. فقد تطوعت

- على الرغم من تقدمها في السن - أن تقود في أيام معينة فريقاً من رجال وسيدات القوات الحليفة الموجودة بين ظهرانينا، ليشاهدوا أماكن الحضارة المصرية من متاحف ومعاهد ومبان أثرية، ليلموا بالناحية الثقافية في مصر إلى جانب ما يجدونه فيها من وسائل اللهو والتسلية.

وقد ألّفت هذه السيدة الفاضلة عدة كتب عن مصر الإسلامية، يبحث بعضها في التاريخ، والبعض في فن العمارة، والبعض الآخر في نواحي تأثير الفن الإسلامي في الفنون الأوربية. أما كتابها الذي ظهر أخيراً (بناة القاهرة المسلمون) فهو يبحث في تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي إلى وقت الحملة الفرنسية (1798م). وقد فصّلت فيه أخبار حكام مصر وولاتها وملوكها وسلاطينها، وما خلفوه من آثار وبنوه من مساجد ومدارس ومارستانات ونكايا وقناطر وحمامات وقباب ومدافن وغير ذلك من المباني.

وتكلمت في الفصل الأول من هذا الكتاب عن دخول العرب مصر، وولاية عمرو بن

ص: 26

العاص، وتشييده جامعه إلى جانب مدينة الفسطاط. وأشارت إلى من خلفه من الولاة، حتى جاء أحمد بن طولون والياً من قبل الخلفاء العباسيين، الذين كانوا قد اتخذوا إذ ذاك مدينة سامرا (سُرَ من رأى) عاصمة لبلادهم. وجلب ابن طولون معه من سامرا المعماريين والفنانين، فنسجوا فيما شيدوه بمصر من المباني والعمائر على نسق الطرز الفنية التي كانت مزدهرة في بلادهم في ذلك الوقت. لذلك نجد أن جامع أحمد بن طولون مبني على طراز جامع سامرا من حيث تخطيطه وزخارفه وشكل مأذنته، حتى أنهم استعملوا في بنائه الآجرّ (الطوب الأحمر) الشائع في العراق بدلاً من الحجر الجيري الذي كان يستعمل بكثرة في مصر لقرب محاجر جبل المقطم

وتحدثت في الفصول التالية عن انتقال الحكم في مصر إلى الخلفاء الفاطميين وتأسيسهم مدينة القاهرة. فتكلمت عن أخبار خلفائهم وما بنوه من جوامع ومساجد كالجامع الأزهر والحاكم، ثم استئثار الوزارة بالسلطة في أواخر العصر الفاطمي وما بنى في عصرهم من المباني مثل السور العظيم الذي بناه أمير الجيوش بدر الجمالي مع باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة، وجامع الجيوشي، وجامع الأقمر، ومشهد السيدة رقية وغير ذلك. ثم مجيء صلاح الدين الأيوبي إلى مصر واستقلاله بالحكم بها، وقيام الدولة الأيوبية، وبناء قلعة القاهرة لصد هجمات الصليبيين المحتملة في ذلك الوقت. إلى أن قامت دولة المماليك البحرية، وانتقلت الخلافة العباسية إلى مصر أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري، بعد أن فتح التتار بغداد. ثم ذكرت أخبار من حكم مصر من سلاطين دولتي المماليك البحرية والبرجية وأمرائهم وشدة شغفهم بالفنون الجميلة التي ازدهرت قي مصرفي عصرهم، وتشييد المباني الفخمة مثل جامع الظاهر ومارستان قلاوون وجامعه ومدفنه وجامع بيبرس الجاشنكير وسلار وسنجر الجاوي والناصر محمد بن قلاوون والسلطان حسن وبرقوق وبرسباري وجقمق وأينال وخشقدم وقايتباي والغوري. إلى أن كانت موقعة (مرج دابق) الشهيرة بين العثمانيين ومماليك مصر، وانتصر فيها السلطان سليم الأول العثماني على السلطان قانصوه الغوري، وفتح العثمانيون مصر في سنة 1517م، فصارت منذ ذلك الوقت ولاية عثمانية، إلى أن جاء المغفور له محمد علي باشا الكبير فحررها من ربقة الإدارة العثمانية

ص: 27

وأفردت الفصل الأخير من كتابها لذكر أخبار ولاة مصر العثمانيين وما بناه بعضهم من المساجد والمباني الأخرى، رغماً من حالة الاضطراب التي كانت سائدة في هذا العصر، والسياسة التي كانت تتبعها الدولة العثمانية في كثرة تغيير الولاة، لكي لا يتوفر لأحدهم الوقت لتقوية مركزه والاستقلال بالبلاد. وبينت في هذا الفصل كيف تأثر فن العمارة في مصر، بعد فترة انتقال قصيرة، بفن العمارة العثماني، وهذا هو السبب في أننا نجد بعض المساجد من هذا العصر مبنية على نسق جامع (أيا صوفيا) باستانبول في تخطيطه وبعض زخارفه. ومن أكبر مباني هذا العصر جوامع حاير بك وسليمان باشا والملكة صفية وغيرها وكذلك بيت جمال الدين الذهبي وبيت السحيمي، وأخيراً بيت الكريدلية الذي اتخذه اللواء جاير أندرسون باشا في السنوات الأخيرة مقراً لسكناه، وكون لنفسه فيه مجموعة كبيرة من التحف أهداها عند سفره إلى إنجلترا - للحكومة المصرية، لتبقى في هذا البيت كمتحف باسمه تابعاً لدار الآثار العربية

ولكن، يا سيدتي الفاضلة! إن هذا البلد الحبيب إليك له عليك حق آخر، وواجب أنت مدينة له به. وإني أتقدم إليك اليوم على صفحات (الرسالة) لأطلب منك أن تقومي بأداء هذا الواجب، فيحفظ لك هذا البلد الأمين ذكرى خالدة تبقى إلى جانب ما ألَّفت من كتب وأبحاث. لقد قضيت في مصر وقتاً هو بمثابة انتقال بين القديم والجديد، فهلا دوَّنت ذكرياتك ومشاهداتك وتجاريبك، لتبقى لمؤرخي هذا العصر يجدون فيها رأياً حراً لشخص أجنبي جاء إلى هذا البلد وأحبَّه وعاش فيه وساهم في نهضته الوطنية والثقافية؟ لقد عشت حوالي أربعين سنة في مصر، كنت في خلالها على صلة وثيقة بكبراء البلاد وعظمائها ومن وفدوا عليها من رجالات البلاد الأخرى، وكنت موضع احترام الكبير والصغير. وهذه - كما تعلمين - حقبة من الزمن طويلة في تاريخ مصر الحديث، لا شك أنك تتبعت في أثنائها حوادث النهضة الوطنية التي كان لها أكبر الأثر في تغيير مجرى التاريخ. ثم شاهدت عصر النهضة الثقافية في عهد المغفور له الملك فؤاد الأول، وما كان له من أياد كريمة في نشر الثقافة والعلوم وإنشاء المعاهد المختلفة في أنحاء البلاد. وهاأنت ذا تحضرين عهد ابنه الملك المفدَّى (فاروق الأول) حفظه الله، وتشاهدين أعمال الإنشاء والإصلاح والتجديد

ص: 28

أيتها السيدة الفاضلة: بالله عليك، تكلمي وحدثينا، هل كان الأجدر بنا أن نبقى على القديم. . . وهل نحن أفلحنا في الانتقال من القديم إلى الجديد؟. . . وهل نحن حقاً في بداية عصر جميل جديد؟. . . أم لا تزال هناك بعض الشوائب علقت بهذا الجديد فشوهت جماله؟

لا شك أننا قد خطونا في تقدمنا نحو الجديد بخطى واسعة وأنه قد آن لنا أن نحد من سرعة هذا التقدم، فنعمل على تقوية أخلاقنا وتقويمها ونشجع البحث العلمي الصحيح ونشر الآداب والعلوم على شرط أن نعاقب على السرقات الأدبية والعلمية، ونطهر مصالحنا العامة من (أدوات الحكم) الماضي. حقاً سيدتي! إنني أعرف رئيساً في مصلحة حكومية، يحكم فيها - بدون لائحة داخلية أم نظام للعمل - حكما دكتاتورياً، في وقت تحارب فيه الدكتاتورية، ويفخر بأن له 32 سنة خدمة في هذه المصلحة، مع أنه لم يحصل في أثناء هذه المدة الطويلة على شهادة دراسية من أي نوع كان، ولم يؤلف خلالها أي بحث علمي أو مقال صغير، بالرغم من أن هذه المصلحة يجب أن تكون في صفوف المعاهد العلمية الراقية. ولي صديق عزيز طبع في كل شيء على نقيض هذا (الرئيس)؛ فهو متعلم وله أبحاث علمية وذو خلق قويم مع عفة نفس وشهامة وترفع عن إيذاء مرءوسيه. وشاء حظ هذا الصديق أن يشتغل في هذه المصلحة؛ فما قولك يا سيدتي في أن هذا (الرئيس) يغار من صديقي ويحاول أن يحقر من شأنه ويحول دون مواصلته أبحاثه العلمية ولا يدع له أي مجال لإظهار كفاءته ومقدرته على العمل، ولا يراعي في ذلك الصالح العام. وقد بلغ السفه بهذا (الرئيس) أن سب مصور هذه المصلحة ورماه بالسخف لأنه التقط صورة صديقي إلى جانب كبير من أكبر كبراء البلد! مع أن صديقي قام بالواجب نحو هذا الكبير ولم يشعره بكثرة تغيب الرئيس عن أعمال مصلحته وعدم محافظته على مواعيد العمل بها

هذه يا سيدتي الفاضلة حالة تكاد تكون فردية، أرجو ألا يكون لها أو لأمثالها أي اعتبار لديك إذا تفضلت ودونت مذكراتك عن مصر. وإنني أرى أن نهدم هذه البقية الباقية من فترة الانتقال هدماً لا قيام لها من بعده، قبل أن نتابع طريقنا نحو الجديد الجميل!. . .

محمد مصطفى

مساعد في دار الآثار العربية

ص: 29

‌معركة الآزور

للشاعر الإنجليزي ألفريد تيسون

بقلم الأستاذ محمود عزت عرفة

(بقية ما نشر في العدد الماضي من ترجمة القصيدة)

وفيما كانت (سان فيليب) تشرف علينا من موضعها هذا إشراف السحابة التي توشك أن تنقض بصواعقها في تواتر وعنف، كانت أربعة من الغلايين الإسبانية قد انحازت عن الأسطول جانباً، فاستقر اثنان منها على يسار سفينتنا واثنان منها على يمينها، ثم انثالت قذائف الدمار علينا منها جميعاً. ولكن سرعان ما تبينت سان فيليب حرج موقفها فارتدت مبهورة، وفي جوفها ما يقض ويرمض. . . ثم انحدرت إلى سفينتنا عُصب من سائر السفن تقاتلنا يداً بيد. اثنتي عشرة مرة يقتحمون صفوفنا برماحهم وقذافاتهم، واثنتي عشر مرة ننفضهم عنا كما ينفض الكلب الواثب من الماء أذنيه البليلتين

. . . أخيراً يقل وجه النهار وتوارت الشمس بالحجاب، ثم طلعت نجوم الليل فوق صفحة المحيط الدافئ؛ ولكن المعركة القائمة بين سفينة واحدة وثلاث وخمسين لم تكف لحظة. . . فقد كانت (غلايينهم) السامقة تنساب إلينا سفيناً بعد سفين، على مدى فترة الليل الطويل، فتقذفنا بجاحم من متسعَر نارها ومتأجج حممها؛ ولكنها ما ترتد إلا وقد تخضبت بدم قتلاها وتجللت بسواد فضيحتها وعارها. لقد ابتلع اليم فريقاً منها، ومزقت قذائفنا فريقاً آخر لم يعد يملك معه للنضال سبيلاً. فيا لها من موقعة عجب، لم تقع عين لها من قبل على شبيه!!

كانت سفينتنا لا تزيد على حطام متناثر عند ما راح قائدنا يهتف في قوة: ناضلوا، ناضلوا! وما كادت تولى بُهْرة هذا الليل المتقاصر حتى أصيب بجراحة غادر من أجلها ظهر السفينة إلى حيث يضمَّد له. . . ولكن قذيفة أخرى مسددة شقت طريقها إلى طبيبه الذي يقوم عليه فخر في موضعه صريعاً، وأصيب هو بجراح أخرى في جنبه وفي شواه، فما كان إلا أن هتف مكرراً دعوته: ناضلوا، ناضلوا!

انحسر نقاب الظلام، وذر قرن الشمس على الأفق البعيد، ورأينا الأسطول الإسباني بدعائمه المنهارة قد أحصر بنا من كل وجهة، وطوقنا في دائرة تامة. ولكن سفينة واحدة لم

ص: 31

تجرؤ على معاودة نزالنا، كأنما قد خشوا أن يكون في نكزنا فضل من حُمة! فانحازوا إلى ناحية منا يتوكّفون مغبة هذا النضال الرائع. ولم نكن قد قاتلناهم عبثاً، ولكن حالتنا كانت بالغة الخطورة، إذ أودى من رجالنا المائة أربعون في محتدم هذا الصراع اليائس؛ وأصيب شطر الباقين بما آفَهُم وأقعدهم عن التصرف مدى الحياة. أما مرضانا في قاع السفين فقد مُنوا من نفحات البرد بما يبَّس أعضاءهم وشلَّ قواهم. . .

وهوت الرماح من أيدينا جميعاً بين متقصَد ومنآد، ونفدت كل ذخيرتنا من القذائف والمتفجرات، وامتلأت جنبات السفينة بكل شراع مقدود وقلَس مبتوت؛ ولكن السير رتشارد راح يتحدث إلينا في كبريائه الإنجليزية فقال:

أيها الرفاق، لقد اضطلعنا طوال يوم وليلة بحرب لن يكون مثلها أبداً، وربحنا من المجد وكرم الذكرى ما أناف بنا على اليفاع؛ وسنودع الحياة في يوم قريب أو بعيد، على نجوة هذا الشاطئ أو في أثباج هذا اليم، فهل نبالي متى يكون ذلك أو كيف يكون؟ ألا أغرق لنا السفينة يا سيدي المدفعي! أغرقها!! أجعلها شطرين. . . ولنقع بين يدي الله ولا نقع في أيدي الإسبانيين!

وأجاب المدفعي الباسل: أجل، أجل. . . ولكن البحارة اعترضوا قائلين: إن لدينا أطفالاً وخلفنا زوجات، وها قد حفظ الله علينا حياتنا، فلنستوثق من الإسبانيين بعهد على أن نحاجزهم فيخلوا سَربنا، لأن من الخير أن نعيش الآن حتى نعود إلى قتالهم في مؤتنف الأيام، فنكيل لهم الطعن خِلاجاً والضرب هَذاذَيْك. . . وهكذا ألقوا السلَم إلى أعدائهم بينما اضطجع القائد الباسل يودع حياته ويجود بآخر أنفاسه

وحملته ثلة من الأسبان المتغطرفين إلى سفينة قائدهم فأضجعوه إلى جانب الدَقل. . . وأقبل عليه القوم يزكّون عمله بلهجتهم الأجنبية المتظرفة، ويشيدون ببطولته على مرأى منه ومسمع؛ فما كان إلا أن نهض بينهم وهو يصيح قائلاً: لقد حاربت في سبيل ملكتي وبلادي كما يحارب الرجل الشجاع المحق. . . لم أزد على أن أديت واجبي كاملاً كما ينبغي أن يؤديه رجل. . . وهاأنا، سير رتشارد جرانفيل، أموت وملء نفسي الغبطة والاطمئنان

ثم سقط في موضعه يكيد بنفسه حتى صفرت منه الوطاب

وحدقوا بأبصارهم في وجه الصريع الذي تجسمت فيه الشجاعة وصدق البلاء، الذي طامن

ص: 32

من نخوة أسبانيا، وطأطأ من إشرافها بما تحدى به أسطولها الضخم من فلك صغير وشرذمة من الرجال قلائل. . . أشيطاناً كان هذا أم إنساناً؟. . . لقد كان الشيطان بعينه من أية وجهة نظروا إليه. على أنهم احتفلوا بإيداع جثمانه اليم احتفالاً ملؤه التجلة والتكريم. ثم احتلوا:(الانتقام) بشرذمة من بحارتهم ذوي السحن الغريبة والوجوه السمراء. واستأنفت السفينة رحلتها في رفقة ضحاياها، وهي تكابد غصص الآلام من مواجعها الخاصة غب المعركة الرهيبة

وما أسرع ما نهضت الرياح من غفوتها، وهبت عليهم بحفلات من قبَل الأرض التي اعتبدوا أهلها وعاثوا في أرجامها مفسدين

وبدأ اليم يرغي ويزبد والسماء تئن وتزمجر، فما أسدل الليل ستوره إلا والقواصف العاتية تجتاح البحر من كل جهة؛ والموج يتدفع حول السفن كأنما تركه أيدي الزلازل، ويتدفق على جوانبها وأشرعتها، فلا ينحسر منها إلا عن دوقل مصدوع أو علم منزوع

ثم استجمع البحر قواه وعطف على الأسطول الذي أوهنت من تجلده القذائف فلفه في أحضانه

أما سفينتنا (الانتقام) فقد غاصت بدورها إلى جانب إحدى الرضام القوابع تحت الماء، مودعة حياتها إلى الأبد في أعماق هذا الخضم الجياش.

(جرجا)

محمود عزت عرفة

ص: 33

‌البَريدُ الأدَبيّ

اقتراح مقدم إلى المجمع اللغوي في ضبط الخلاف بين العربية

والعامية

قدم بعض أساتذة كلية اللغة العربية اقتراحاً برأي جديد يرمي إلى تقريب الخلاف بين العربية والعامية، وإرجاعه إلى أصول ثابتة، وقواعد مضبوطة، تكون فيها العربية عربية بمقتضى هذه الأصول، وتكون العامية عامية بمقتضى هذه القواعد، فلا يشتبه أمر ذلك على أحد، ولا يكون فيه أثر لتعنت أو تحكم

والأصول التي يجب أن يرجع إليها في ذلك هي الأصول النحوية والصرفية والبلاغية؛ فكل كلمة لا تخالف شيئاً من هذه الأصول تكون عربية مقبولة، وكل كلمة لا توافق شيئاً من هذه الأصول تكون عامية غير مقبولة؛ وبهذا يكون قول العامة عباية في عباءة غير صحيح ولا مقبول، لأنه لا يجري على قاعدة الصرف في قلب الهمزة ياء، وكذلك قولهم توب بالتاء المثلثة، وقولهم جعر بالعين في جأر بالهمزة، وهكذا. ويكون قول العامة تِرْمس بكسر التاء والميم صحيحاً، لأنه لم يخرج عن أوزان الاسم الرباعي، وكذلك قولهم حُصان بضم الحاء، وقولهم معدن بفتح الدال، لأن هذا كله لا يخالف قاعدة من قواعد العربية ولا يؤثر بشيء في صميم اللغة ولا دليل على فساده عندهم إلا أن أئمة اللغة لم ينصوا عليه في كتبهم، مع أن حكم أئمة اللغة في لك قائم على الاستقرار الناقص، لأن لغة العرب من السعة بحيث لا يحيط بها إلا الله تعالى، والاستقرار الناقص لا يفيد العلم كما هو ثابت في علم المنطق.

(. . .)

جائزة فاروق الأول في مباراة الشعر والقصة

اجتمعت لجنة الأدب مجمع فؤاد الأول للغة العربية ونظرت في الجائزة التي خصصتها السيدة هدى هانم شعراوي وقدرها مائة جنيه مصري لإقامة مباراة سنوية باسم (جائزة فاروق الأول للشعر العربي والقصة المصرية) على أن توزع الجوائز كما يلي: 40 جنيهاً للفائز الأول في القصة المصرية، و20 جنيهاً للفائز الثاني فيها، و25 جنيهاً للفائز الأول

ص: 34

في مباراة الشعر العربي، و15 جنيهاً للفائز الثاني فيه، على أن تكون المباراة بإشراف المجمع اللغوي

وقد قررت اللجنة أن تكون القصة باللغة العربية الفصحى، وأن تكون مبتكرة لم يسبق نشرها، وان تعرض صورة من صور الحياة المصرية العصرية، وألا يقل عن ستين صفحة؛ وأن يكون آخر موعد لقبول الاشتراك في هذه المباراة أول نوفمبر سنة 1943

كذلك اشترطت في نظم القصيدة المقررة للمسابقة أن تكون في أحد الموضوعين الآتيين: حياة الريف المصري - فصول السنة في مصر، وأن تكون مبتكرة لم يسبق نشرها، وألا تقل عن أربعين بيتاً. وآخر موعد لقبول الاشتراك فيها أول سبتمبر سنة 1943، وللمتبارين أن يذكروا أسمائهم أو أن يختاروا أسماء مستعارة والمحكمون هم أعضاء لجنة الأدب وترسل القصص والقصائد إلى كاتب اللجنة بالمجمع.

حول مسقط رأس السيد جمال الدين

ذكر الأستاذ محمد عبد الغفار الهاشمي الأفغاني أن السيد جمال الدين ولد في قرية (أسد أباد) لا (أسعد أباد). وقد استطعت من البحث أن أقف على ما يأتي:

1 -

جاء في دائرة المعارف للبستاني: أسد أباذ مدينة بينها وبين همذان مرحلة واحدة نحو العراق، وبينها وبين مطبخ كسرى ثلاثة فراسخ وإلى قصر اللصوص أربعة فراسخ. ذكرها ياقوت وقال عمرها أسد بن ذي السرو الحميري في اجتيازه مع تبّع. . . وأسد أباذ أيضاً قرية من أعمال بيهق ثم من نواحي نيسابور أنشأها أسد بن عبد الله القسري سنة 120 هجرية لما كان على خراسان من قبل أخيه خالد في أيام هشام بن عبد الملك

2 -

وجاء في دائرة المعارف الإسلامية (المجلد الثاني ص103 ما نصه: (أسد أباذ): مدينة في بلاد الجبل (ميديا) على بعد بضعة فراسخ أو مسيرة يوم إلى الغرب من همذان، وهي واقعة على المنحدر لجبل أروند عند مدخل سهل خصب مزروع يبلغ ارتفاعه نحو 5659 قدماً. وكانت أسد أباذ في عهد العرب إبان العصور الوسطى وفي عهد المغل (كذا) كذلك مدينة زاهرة كثيرة السكان بها أسواق عامرة. وأسد آباذ اليوم بلدة جميلة بها نحو مائتي منزل (كما يسكن بعضها أسر يهودية. ويسمى الفرس هذه البلدة (كما يروي بعض الرحالة الأوربيين، (أبسد آباذ) وكذلك (سعيد آباذ) أو (سهد آباذ) الخ. . .

ص: 35

ولقد حاولت أن أوفق بين ما قاله الأستاذ وما ورد في الدائرتين المذكورتين فلم أوفق؛ فبينما هي - كما ذكر - قرية خربة لم يبق منها إلا الأثر إذ هي في دائرة المعارف الإسلامية مدينة زاهرة أو بلدة جميلة

لذلك آثرت أن أقف عند هذا الحد، وأن أدع لقراء الرسالة فرصة البحث عن مسقط رأس أبي النهضة الشرقية.

محمود شلبي

حول (معركة الآزور)

نشر الأستاذ محمود عزت عرفة ترجمة جزء من قصيدة لشاعر الإنجليز (تنسون) وقد راعنا من الأستاذ تصرفه في الترجمة تصرفاً شديداً لا تدعو إليه ضرورة، وإغراقه في المجازات والاستعارات والتشبيهات مما لا وجود له في أصل القصيدة ولا قبل له باحتماله، وتعسفه في تصيد الكلمات الغريبة.

وقد جاءت ترجمة الأستاذ أطول من الأصل كثيراً لكثرة ما زاد عليه من حشو وذيول.

قال الأستاذ: (كان السير رتشارد جرانفل مرفئاً بسفينته إلى جدة من جدد شاطئ الفلورز إحدى جزر الخالدات، عندما أقبل زورق ذو مجاذيف يهوي من بعيد كأنه الطائر يزف بجناحيه. وارتفع صوت من داخله يقول: السفن الحربية الإسبانية تمخر العباب. . . لقد رأينا منها ثلاثاً وخمسين). فإذا رجعنا إلى الأصل وجدناه هكذا:

، ، ' ،

وترجمته: بينما كان السير رتشارد جرنفل عند فلورز في الجزر الخالدات إذ أقبل من بعيد زورق حربي يخفق خفقان الطائر: (السفن الحربية الإسبانية في اليم لقد رأينا منها ثلاثاً وخمسين!)

ويقول الأستاذ: (وهكذا انسحب لورد هوارد بخمس من السفن الحربية في ذلك اليوم، وانطلق موغلاً في اليوم حتى ذاب كما تذوب السحابة في صفحة الأفق الغارق في الصمت

ص: 36

المتشح بالدفء والسكون)

ففي أي مكان من الأصل تقع هذه المجازات والاستعارات وهو:

،

;

وترجمة: (ابتعد لورد هوارد في خمس سفن حربية، حتى تلاشى تلاشى سحابة في سماء صيفية ساكنة)

وشر من ذلك في الحذلقة قول الأستاذ: (نحن جميعاً من أبناء إنجلترا الأنجاد وفتيانها المصاليت؛ فدعونا نسدد الطعن وخضاً إلى هذه الكلاب (الإشبيلية) الخواسئ أبناء الأبالسة ونسل الشياطين. والأصل:

. . . ،

،

وترجمته: (نحن جميعاً إنجليز كرام؛ فهيا بنا نضرب هؤلاء الكلاب الأشبيليين، أبناء الشياطين) فأين من هذا (المصاليت والطعن الوخض). ومثله قوله: (نطق السير رتشارد بهذا، ثم افتر فمه عن ابتسامة ساخرة فانفجرنا جميعاً نهتف في صوت مدو: مرحى، مرحى!. . . وهكذا صمدت (الانتقام) صمد عدوها دون محاشاة، وعلى ظهرها مائة مقاتل، وفي جوفها تسعون مريضاً قد أداءتهم العلل وبرحت بهم الأسقام) والأصل:

' ، ' ،

، ، ;

وترجمته: (نطق السير رتشارد بهذا ضاحكاً فزأرنا مرحى مرحى، واندفعت (الانتقام) الصغيرة خفيفة إلى قلب العدو وعلى ظهرها مائة مقاتل تحتهم تسعون مريضاً)

ومثل ذلك في الأغراب قوله: (بجدت في موضعها لا تريم) و (أُغر دعن لقائهم) و (الحاملة جماء ألف من الأطنان وخمسمائة) ويقول الأستاذ (ألوفاً آخرين من بحارتهم يسخرون من المركب الصغير الذي ركب فيما زعموا متن الغرر، وأقحم نفسه بلقائهم المتالف) والأصل:

وترجمته: (ألوف من بحارتهم سخروا من المركب الصغير الأخرق)

ص: 37

هذا، ولم يترجم الأستاذ غير ثلث القصيدة فشغل نحو صفحة من الرسالة، وكان يمكن ألا يشغل إلا نصفها إذ الأصل طولا كذلك.

(سمالوط)

محمد خليفة التونسي

هل ذلك من نوادر الخواطر؟

وقع في يدي منذ أيام كتاب بعنوان (مصر قي قيصرية الإسكندر المقدوني)، وهو من الكتب التي تعد حديثة، وكاتبه هو الأستاذ إسماعيل مظهر، فوجدته ترجمة حرفية للفصل الأول من كتاب:

ولم يأت الكتاب بشيء من عنده اللهم إلا بعنوان كتابه هذا، وحتى هذا العنوان إذا راعينا الدقة العلمية نجد فيه خطأ، فكلمة قيصرية هذه لم تعرف إلا منذ عهد يوليوس قيصر - نسبة لاسمه - فكيف ينسبها الأستاذ مظهر إلى الإسكندر المقدوني الذي سبق قيصر بنحو ثلاثة قرون.

مختار العبادي

طالب بكلية الأداب - جامعة فاروق)

ص: 38

‌ديوان أغاني البحيرة

دفقات من السنا الفتان

وانطلاق النشيد من فنان

ونقاء الضمير من روحاني

صاغها شاعر نديّ المعاني

لم يزل كالربيع في الريعان

عبد الحسن؛ حسن تلك المغاني

بين موج سعى إلى الشطآن

ونسيم سرى إلى الوديان

فأذاب الفؤاد في الألحان

فوق ثغر البحيرة الوسنان

حسين محمود الشبيشي

(كرنا) لاتينية وليست فرنسية

كتب الأستاذ زكي مبارك في مقال له بالرسالة أن (كرنات) منقولة عن الكلمة الفرنسية أي التيجان، وفي الواقع لم تعرف مصر هذه الكلمة عن الفرنسيين، بل عرفتها منذ حكم روما لمصر، إذ أن كلمة (كرنات) لاتينية في الأصل، ونقلتها فرنسا، كما تداولها أهل مصر، وكان الرومان قد اعتادوا في الحفلات أن يزينوا رؤوسهم بأكاليل عبارة عن غصون من شجر الزيتون، على شكل تاج يطلقون عليها اسم وهذه هي الكلمة التي أرادها الدكتور مبارك ونسبها إلى اللغة الفرنسية، وقد أبان عن اغتباطه بنسبة هذه الكلمة للأدب الفرنسي، ولعله يغتبط أكثر عندما يعرف أنها لاتينية، كثيراً ما ذكرها شعراء الرومان الغزليون والخمريون، مثل كاتولوس وغيره من شعراء روما القدماء.

صموئيل كامل عبد السيد

بالدراسات اليونانية والرومانية - كلية الآداب

ص: 39