الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 513
- بتاريخ: 03 - 05 - 1943
قاسم أمين
للأستاذ عباس محمود العقاد
قرأت في مجلة (روز اليوسف) حديثاً للسيدة الجليلة قرينة قاسم أمين رحمه الله، نشرته المجلة لانقضاء خمس وثلاثين سنة على وفاة ذلك المصلح الكبير، وكان من المصادفات الموفقة أن تؤدي هذا الواجب - واجب الذكرى - مجلة تصدرها سيدة. ففي ذلك بعض الوفاء (المناسب) لموضوع الوفاء
وقاسم أمين رحمه الله حقيق بالتذكار لغير سبب واحد: حقيق بالتذكار لغزارة علمه؛ وحقيق بالتذكار لنزاهة قضائه؛ وحقيق بالتذكار لدماثة خلقه ولطافة ذوقه وامتزاج الثقافة الروحية فيه بالثقافة الفكرية؛ وحقيق بالتذكار قبل كل شيء، وبعد كل شيء، لدعوته إلى إنصاف المرأة وإخراجها من ربقة الظلم الذي كان محيطاً بها وبالرجال
كتبنا عنه قبل ثلاثين سنة في (خلاصة اليومية) فقلنا: (إن المرأة المصرية مدينة لقاسم؛ لأنها كانت سجينة فأطلقها، وكانت أمة فأعتقها. والأمة المصرية مدينة لقاسم؛ لأنها كانت شلاء فأبرأها من ذلك الشلل الذي أمسك شقها عن الحركة دهوراً وأعواماً. والإنسانية مدينة لقاسم؛ لأنه أنقذها من رق لا تجرؤ مصلحة الرقيق على مطاردته. والفخر في تحرير المرأة لا يزال الآن وبعد الآن من نصيب قاسم. أما من قفوه في هذا المقصد فهم إنما درجوا على طريق بينه الآثار وسلكوا في منهج مأبور)
وقد مضت الآن خمس وثلاثون سنة على وفاة قاسم، ومضى نحو خمسين سنة على دعوته الأولى في سبيل تحرير المرأة، وولد في يوم دعوته - بل في يوم وفاته - بنات يعشن الآن ويحسبن من الرجعيات المتخلفات، لأنهن يتحرجن من أشياء لا يتحرج منها بناتهن الناشئات اللائى ولدن متحررات، وغلون في الحرية أبعد الغلواء، ولما يسمعن باسم قاسم أمين ولا بالدعوة التي دعاها. لأنهن أخذن الحرية من عدوى المجتمع ولم يأخذنها من معرفة الحقوق ولا من العناية بنهضة المرأة
وإنصاف قاسم يستدعينا إلى تقرير هذه الحقيقة. فإن عدوى المجتمع شيء ودعوة قاسم إلى تحرير المرأة شيء آخر، وإنما اللوم كل اللوم فيما نعيبه الآن من الشطط والبهرج الكاذب إنما هو من عدوى المجتمع لا من الدعوة القاسمية التي لا يزال لها فضلها ولا يزال لها
حقها من الثناء وإن شط بها الطريق على غير ما أراد صاحبها، وعلى غير ما يستطيع أن يريد
قاسم أمين قد رأى خطأ فنبه إليه
ويكفي أن يثبت الخطأ ليثبت الفضل في التنبيه إليه. ثم يكفي أن يكون التنبيه إليه شجاعة وتضحية ومجازفة بالمصير ليغنم صاحبه منا حمد الشجاع المقدم على التضحية في سبيل الخير والفلاح، ثم لا عليه بعد ذلك من الخطأ الآخر الذي جاءت به الحوادث ولا جناح عليه فيه
مثل قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة مثل محام فاضل غيور على حقوق الناس رأى إنساناً يساق إلى السجن بغير جريرة معروفة وبغير حجة مشروعة يقبلها القانون؛ فغضب المحامي الفاضل الغيور على الحقوق غضبة الكرامة الإنسانية، وجهد في إطلاق ذلك السجين جهده المستطاع، وبر بذمة القانون وذمة الصناعة وهو يخرجه من السجن ويسلمه إلى الطريق الطليق. ثم دهم الترام ذلك السجين المظلوم على مدى خطوات من سجنه فمات؛ أو بدا له أن يعرج على حانة فيذهل عن صوابه ويعتدي على بريء أو يصاب بما يسقمه ويضنيه
هو لو بقي في السجن لما قتله الترام، ولا وصلت يده إلى الكأس أو أقدم على العدوان
ولكن الرأي فيمن ظلمه وأدخله السجن، وفيمن أنصفه وأخرجه منه، لا يختلف مع كل ما حدث أو يحدث بعد انطلاقه
فلا يقول أحد فيه ذرة من إنصاف أن ظالمه خير من منصفه، وأن إدخال الناس السجن بغير الحق عمل أشرف وأكرم من إعادتهم إلى الحرية وفاقاً لحكم القانون
والذي حدث في الدعوة إلى تحرير المرأة شبيه بهذا من وجوه كثيرة. فإن الذي أنكره قاسم من ظلم المرأة وحرمانها العلم والتربية والرعاية الإنسانية لحقيق بالإنكار، وحقيق بان يتبدل أو يزول. وهنا صنع قاسم ما لابد أن يصنع، وقام بالواجب الذي نكص عنه آخرون. فوجب له الحمد وعرفان الجميل، وإن ذهبت المرأة بعد ذلك في حريتها مذهباً لم يكن ليرضاه
دعوة قاسم هي فضيلة قاسم التي تحسب له ولا تحسب عليه
أما (عدوى المجتمع) فليست من فعله ولم يكن في يديه أن يمنعها ولو كف عن دعوته وسكت عنها في زمانه كل السكوت
فهذا الشطط الذي نراه اليوم إنما نشأ من أمور كثيرة بمعزل عن الدعوة القاسمية وعن كل دعوة من قبيلها
نشأ من رؤية المرأة الأوربية في مصر بالمئات والألوف، ثم هجوم الناس على المحاكاة العمياء بغير تفرقة بين الأحوال عندنا والأحوال عند الأوربيين
ونشأ من الصور المتحركة التي تعرض لنا كل يوم مفاتن الحياة الغرامية بين الجنسين على نحو يراد به الإغراء وقلما يراد به التعليم والتهذيب
ونشأ من انتقال الألوف من أبنائنا إلى أوربا يعيشون هناك كما يعيش الشبان الميسورون في غير رقبة ولا تقيد بالعرف الشرقي الذي نشأوا عليه
ونشأ من القراءة الرخيصة التي يصح أن يقال فيها ما يقال في العملة (إن الرديء منها يطرد الجيد من الأسواق)
ونشأ من الأزمات الاقتصادية ثم من تداول الضنك والرخاء على البلاد، وفي هذا التداول ما فيهمن إفساد الأخلاق وزلزلة العرف والبيئة
ونشأ من معقبات الحرب الماضية التي عمت جميع الأقطار، ولم تخصنا نحن الشرقيين أو نحن المصريين
وهذه كلها أسباب أين منها دعوة قاسم أمين وأين منها جهود قاسم أمين أو جهود نفر من المصلحين؟
إن القدوة الاجتماعية لتصنع الكثير ولو قامت في طريقه العقبات ولم يرتفع بالدعوة إليه صوت داع من الدعاة؟
فلم يقم في مصر (قاسم أمين) يؤلف الكتب ويستهدف للملام في سبيل (التنحيف) وإقلال الطعام
وإن الإقلال من الطعام لعسير جد عسير، لأنه تضييق على الحرية وتضييق على الجسم في وقت واحد. . . ومع هذا تصبر المرأة على الحرمان والشدة وتزهد في الطعام المشتهى لتظفر (بالنحافة) الموموقة التي فرضتها العدوى الاجتماعية ولم تفرضها على المرأة دعوة
ولا عقيدة
بل فرضت الدعوة القوية صياماً في وقت من أوقات السنة وأنذرت على تركه بالعقاب في الدنيا والآخرة، فلم تصم امرأة واحدة لاتقاء هذا العقاب إلى جانب عشر نساء ممن يصمن في العام كله مرضاة للعرف وتلبية للعدوى الاجتماعية. وما كانت دعوة قاسم رحمه الله بأقوى من دعوة الصيام ونذير العقاب على تركه باسم الدين
إنما هي آفة الإصلاح حيث كان
وإنما هي القسمة السيئة التي يصاب بها المصلحون في الحياة وبعد الممات
ففي حياتهم يكرهون ويصابون
وبعد حياتهم تعرض لدعواتهم العوارض التي لا ذنب لهم فيها ولا قدرة لهم عليها فيلامون من حيث يسكت الناس عن علة الملام
وقد تثمر دعواتهم أحسن الثمر بعد زمن طويل، فإذا الناس يستمتعون بالثمر وينسون غارسيه، ولعلهم إن ذكروهم لا يشكرون ولا يكترثون
ذلك كله حق نلمحه بيننا ونلمسه بأيدينا كل يوم، فإن أوجب علينا شيئاً فإنما يوجب علينا أن نضاعف الجزاء للمصلحين الذين يساء إليهم بمقدار ما أحسنوا، وإنهم لأقمن الناس بإحسان
قالت السيدة الجليلة قرينة قاسم بك في حديثها الذي أشرنا إليه: (إنما كان قاسم ينادي بالسفور الشرعي الذي لا يزيد عن إظهار الوجه واليدين والقدمين ولا يتجاوزه إلى إظهار العورات وإلى اختلاط المرأة بالرجل على النحو الحاصل الآن. وإني أعتقد أن قاسم بك لو كان حياً لما رضي عن هذه الحال بل لانبرى لمحاربتها. ويحزنني أن أرى الكثيرين يسيئون إلى قاسم أمين إذ يحملونه المسئولية عن هذا التهتك وينسبونه إلى دعوته، فيدللون بذلك على أنهم يسيئون فهم الدعوة)
وصدقت السيدة الجليلة في قولها عن مقاصد قرينها الكريم وهي بها أدرى. فقد أراد قاسم عزة للمرأة تخرج بها من ذلة الجهل وفقد المشيئة، فإذا بها قد وصلت إلى ذلة أخرى أسوأ لها من الذلة الأولى، لأنها من طريق المشيئة والحرية التي لا تحسنها
فالعوارض التي نراها الآن إن هي إلا عوارض الضعف عن حمل الحرية قد أصيب بها
النساء كما أصيب الرجال في المرحلة الحاضرة، وغاية ما نرجوه أن تكون مرحلة انتقال وراءها مراحل استقامة وصلاح
عدت إلى كتب أدبائنا منذ أسبوعين لأكتب عنهم في مجلة (الاثنين) فقرأت في فيض الخاطر للأستاذ أحمد أمين مقالاً عن حرية المرأة بين جيلين يقول فيه بلسان البنات وهن يخاطبن أباهن:
(يا أبانا الذي ليس في السماء! رقصت أمنا فرقصنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربت سراً فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهراً، ورأينا في روايات السينما والتمثيل حباً فأحببنا، ورأينا عريا على الشواطئ فتعرينا، وتزوجت أمنا بإذن أبيها فلنتزوج نحن بإذننا. قال: نعم. قلن: وقد أوصتنا أمنا أن نركب الروح ولكننا أمام مشكلة يشغلنا حلها. فإننا نرى شبان اليوم متمردين لا يخضعون خضوعك ولا يستسلمون استسلامك، فإرادتهم قوية كارادتنا، وهم يحبون السلطة حبنا، فهم أحرار ونحن أحرار، وهم مستبدون ونحن مستبدات، فكيف نتفق؟)
والذين نراه أن شكوى الجيل الحاضر من مشكلة الزواج أعظم من شكوى الجيل الغابر الذي منه آباؤهم وأمهاتهم، فليست المسألة قوة إرادة من هذا الجنس أو من ذاك، ولكنها مسألة حرية لا يقوى على علاجها هذا ولا ذاك. وإن هان شأن الفتاة حيناً فإن شأن الفتى ليهون في حين آخر على حسب المناسبة العارضة أو على حسب قانون العرض والطلب الذي يتحدث به الاقتصاديون. ويغلب الهوان على الفتاة في المعترك الحاضر لأنها هي التي كانت مطلوبة فأصبحت معروضة أو طالبة فأصابها الرخص والهوان من طريق الحرية، وهو ما عنيناه بالذلة في طريق مشيئتها بعد الذلة التي أصابتها قديماً من فقد المشيئة. فإذا وقع الفتى في قيد الزواج فإنه ليشكو من زواجه أضعاف ما كان يشكوه أبوه وجده، ويحار فيه الحيرة التي لا مخرج منها إلا بالفرار أو الاصطبار
هي بلوى الحرية المفاجئة بعد بلوى العدوى الاجتماعية، وهي حالة جديدة تحتاج إلى (قاسم أمين) جديد يعالجها ويرفع العقيرة بالثورة عليها، ولا يكون في عمله إلا فاتح صفحة من الكتاب الخالد الذي فتح صفحته السابقة قاسم أمين قبل خمسين سنة. رحمه الله.
عباس محمود العقاد
الحديث ذو شجون
للدكتور زكي مبارك
درس في الأخلاق - الكتاب الأسود - زكي مبارك كما يراه عباس العقاد - الطبيعة المصرية - الترجمة عمل مطلوب ومفيد، ولكنها لا تدل على الأصالة الذاتية
درس في الأخلاق
صديقي. . .
أوجه إليك هذه الكلمة، وأنا أرجو أن تقرأها فيما بينك وبين نفسك، بلا تفكير في التعقيب، لأني لن أستمع لك إن قابلتها بأي اعتراض، فما يتسع وقتي للمجادلة في أمور صارت عندي من البديهيات
وأسارع فأقرر أني لا أقيم وزناً للتشكي من الزمان، على نحو ما يصنع بعض الشعراء، وعلى نحو ما كنا نصنع يوم كنا نتوهم أن الحظوظ تقسم بلا ميزان
أنا اليوم أومن بأن لله قانوناً اسمه النظام، وهو يطرد في جميع الشؤون، فالشمس بنظام، والقمر بنظام، وجميع الخلائق بنظام يفسده أقل اختلال
لا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا وفقاً لقوانين أزلية لا يجوز عليها الانحراف
السيد سيدٌ بحق، والعبد عبدٌ بحق. . . ولو حمل الهرُّ روح الأسد لصاوله في حومة الصراع بلا تهيب ولا إشفاق
نحن المسئولون عن تخلفنا حين نتخلف، لأن في مقدورنا أن نصل إلى أعظم مكانة إن تحلينا بالصدق في الجهاد، ولأن في استطاعتنا أن نكون عظماء يشغلون التاريخ، إن ناضلنا في سبيل المجد نضالاً يقرع سمع التاريخ
وهذا لا يتيسر إلا إن راعينا نظام الوجود
ذلك السائل لا يستحق غير ذل السؤال، لأنه يخمد قواه عن عمد ليظفر بالصدقات العجاف
وذلك البليد الذي رضي أن يكون طول عمره من الذيول سيظل ذيلاً لأنه بليد. . . وذلك التابع السخيف لمتبوعين سخفاء لن يصلح لشيء، لأنه يستظل بأموات يعيشون في ظلال الأموات. . . وذلك الذي يتبهنس بفضل حماية غيره لن يرتفع بأي حال، وإن استعان بطنين الذباب
لك ما تريد لنفسك، على شرط أن تفهم تلك القوانين الأزلية فتجاهد في حدود الصدق جهاد الرجال
لك ما تريد لنفسك، على شرط أن تترك الأوهام التي تزعم أن الرجل لا ينجح إلا إن صادفته فرصة تنقله من حال إلى أحوال
الفرصة في يدك إن أردت، ولكن متى تريد؟
أنت لغفلتك تتوهم أن الذين سبقوك إلى المال أو الجاه لم يسبقوك إلا بفضل الفرص التي سنحت على غير ميعاد
الفرصة في يدك، وميعادها بيدك، على شرط أن تكون رجلاً لا يجوز عنه الاستغناء
زوّد نفسك بالمزايا التي ترفعك، واقض ليلك ونهارك في كسب الخصائص التي تجعلك من أهل التفوق، وإن استطعت أن تكون الرجل الأول في المذهب الذي اخترته لنفسك فلن تشكو الغبن ولو قامت في طريقك ألوف وألوف من الأشواك
الرجل الذي يستطيع أعداؤه وحاسدوه أن يهدموه ليس بالرجل العظيم، وإنما هو وليد ظروف ومصادفات جعلته شبحاً يوهم من يراه أنه شخص من الأشخاص، وما أريد لك هذا الحظ الضئيل
أتريد أن تكون كذلك المسكين الذي يعرف في قرارة نفسه أنه لا يستطيع الوقوف على قدميه بلا سناد؟
ما لهذه الغاية الضئيلة خلقنا، وما لهذا النصيب الهزيل منَّ الله علينا بنعمة السمع والبصر والفؤاد
الكسل آفة سخيفة، وهو يميت مواهبنا الذاتية، ويمضي بنا إلى مهاوي الخمود
الكسل مذموم العواقب، وهو من صور الموت، لأنه أول خصائص الأموات
وأنت يا صديقي كسلان، بغض النظر عن نشاطك في لحظات التشكي من زمانك، وهو نشاط المريض في لحظات الصراخ
غيِّر ما بنفسك يا صديقي ليغيّر الله ما بك، واحذر أن تأكل رغيفاً بغير حق، كأن تأخذ أجراً على عمل لا تؤديه أحسن الأداء
الكتاب الأسود
تسامع الناس قبل أسابيع بأن سعادة الأستاذ مكرم باشا عبيد نشر كتاباً سماه الكتاب الأسود، وقال من قرأوه إنه غاية في قوة الحجج والبراهين، فدفعني الشوق إلى الاطلاع عليه، وأنا بلا مباهاة أقرأ جميع ما تنشر المطابع فيما يتصل بالحياة الأدبية والوطنية لأساير اتجاه الأفكار في زماني
فماذا رأيت في الكتاب الأسود؟
رأيت مؤلفه اهتم بالشؤون الداخلية، وترك الشؤون الخارجية، فما معنى ذلك؟
أتكون وزارة النحاس باشا سلمت كل السلامة من التقصير في الشؤون الخارجية ونحن في زمن تكثر فيه المشكلات الدولية؟
إن كان هذا هو الواقع بفضل سكوت مكرم باشا فوزارة النحاس باشا أعظم وزارة تغلبت على المصاعب الدولية في أحرج لحظات التاريخ
وإن كانت هناك مآخذ على الوزارة الوفدية من الوجهة الدولية فسكوت مكرم باشا على تلك المآخذ سكوت المريب
التعرض للشؤون الداخلية يغضب النحاس وحده. أما التعرض للشؤون الخارجية فيغضب ناساً يراعيهم مكرم في السر قبل العلانية
ما هذه المغالاة في تعقب الشؤون الداخلية، مع ترك الشؤون الخارجية؟
الجواب حاضر: فسعادة الأستاذ مكرم باشا يتوهم أن مسلمة الأمور الدولية قد تنفع بعد حين، وقد تردُّه إلى وزارة المالية بعد أحايين!
نحن نبالغ في إيذاء المواطنين باسم الوطنية، ونسكت عن الشؤون الخارجية باسم الديبلوماسية، وذلك هو ما صنع الأستاذ مكرم عبيد!
هل أستطيع أن أسأل عن المصير الأخلاقي لمن يجرح قوماً عاشرهم في أعوام تزيد على العشرين؟
وهل أستطيع سؤال مكرم عن سر سكوته فيما يختص بمتاعب مصر من الوجهة الدولية؟
من واجب مكرم باشا أن يقرأ هذه الكلمة ليراعيها في كتابه المقبل. وهذا درس في الوطنية أقدمه إليه بالمجَّان
زكي مبارك كما يراه عباس العقاد
تفضل الكاتب الكبير الأستاذ عباس العقاد فخصني بكلمة نقدية في مجلة الأثنين، وهي كلمة تؤيد رأيي في مذهبه الأدبي. . . ألم أحدثكم أن منطق العقاد يستقيم في جميع الشؤون إلا فيما يتصل بزملائه من الأدباء المصريين؟
إن لي في أدب الأستاذ العقاد آراء صحيحة لم تتأثر بتحامل المعاصرين بعضهم على بعض، وقد أثنيت على أدبه في ظروف لا تسمح بأن ينتظر مني أي ثناء، فقد تخاصمنا وتعادينا في آماد وآماد، ثم كانت العاقبة أن أعترف بجهاده في الحياة الأدبية، وأن أذكره بالجميل حين يستأهل الجميل
قال الأستاذ عباس العقاد: (إن الدكتور زكي مبارك أقل الكتاب شخصية في حياته الكتابية وإن أسلوبه الكتابي معروض لتوقيع من يشاء)
فبأي منطق وبأي حق يقول الأستاذ العقاد هذا الكلام الغريب؟
هل يستطيع أن يدلنا على كاتب يضع اسمه على كتاب (النثر الفني) أو كتاب (التصوف الإسلامي) أو كتاب (عبقرية الشريف الرضي) أو كتاب (ذكريات باريس) أو كتاب (اللغة والدين والتقاليد) إلى آخر ما أخرجت من المؤلفات؟
ثم يقول الأستاذ العقاد ما نصه بالحرف:
(الدكتور زكي مبارك حضر الأزهر والجامعة المصرية وجامعة باريس، ولكنه لا يمثل الأزهر ولا الجامعة المصرية ولا جامعة باريس)
وهذا كلام يسرني، وإن أراد به العقاد إيذائي، فأنا أبغض الاستعباد للمعاهد والمذاهب، وأعتقد أن أدبي سيعيش بعد أن تصبح تلك الجامعات خبراً لا تعيه ذاكرة التاريخ
زكي مبارك هو زكي مبارك كما قال العقاد، وهي أصدق كلمة قالها العقاد، على كثرة ما صدق في أحكامه الجوائر على أدباء هذا الجيل
قد يقول الأستاذ عباس العقاد كما قال الدكتور طه حسين: إن شخصية زكي مبارك المؤلف قوية كل القوة، وإنما الخلاف في شخصية زكي مبارك الكاتب
وأقول إن هذا ظلمٌ من الدكتور طه والأستاذ العقاد، وأنا أتحدى هذين الرجلين بكتاب (ليلى المريضة في العراق) فهو آية من آيات البيان
وما رأي الأستاذ العقاد في المقالات التي أنشرها بمجلة الرسالة من أسبوع إلى أسبوع؟
أيظنها مقالات معروضة لتوقيع من يشاء، كما يقول؟
مجموعات الرسالة تشهد بما أملك من قوة الذاتية، وهي أيضاً تشهد بأن أسلوبي أقوى من أسلوبه وأبلغ، وبأني أحلق في آفاق لا يصل إليها ولو استمسك بأوهام الخيال. والعقاد يعرف في قرارة نفسه أنه لا يقدر على مجاراتي في أي ميدان
وما رأي الأستاذ العقاد في القصائد التي نشرتها بمجلة الرسالة؟
هل يستطيع أن ينظم مثلها في أي غرض؟
أنا أتحداه أن ينظم قصيدة مثل قصيدة (مصر الجديدة) أو قصيدة (الإسكندرية) أو قصيدة (بغداد)
العقاد شاعر كبير، ولكنه لا يستطيع أن يكون أشعر مني، وله أن يحاول مصاولتي في ميدان الشعر إن أراد
قال الأستاذ العقاد: (زكي مبارك الكاتب لا يستغني عن زكي مبارك بحال من الأحوال، إذا استغنى المؤلفون عن أنفسهم في بعض الأحيان)
وهذا حق وصدق، وهو الدليل على ما أملك من قوة الذاتية؛ وإذا استغنى العقاد عن نفسه فأنا لا أستغني عن نفسي، لأنها أثمن ما أملك
أما بعد فما الذي دعا الأستاذ العقاد لمناوشتي بمثل ذلك التحامل الذي لا يليق بمن يكون في مثل منزلته الأدبية؟
وما عدوانه على كاتب ذكره بالخير في أكثر ما أنشأ من المقالات والمؤلفات؟
رأيي في العقاد لن يتغير بأي حال، فهو كاتب وشاعر وناقد ومؤلف، وسأزكيه عند قرائي بلا بخل وبلا إسراف، ولكني أرجوه أن يتذكر أن له صديقاً يكره أن يكون من المطففين
إن كان الأستاذ العقاد رأي بفكره الثاقب أني سأتلطف في الرد عليه فقد صدق فيما رأى، فما أستبيح الهجوم على رجل يحمل القلم منذ أعوام تجاوز الثلاثين، وقد تشارفت الأربعين، أطال الله في حياته وأسبغ عليه نعمة الصفاء
الطبيعة المصرية
وأراد الأستاذ العقاد أن يحكم بأن الدكتور هيكل كاتب لا يثب إلى الآفاق العالية ولا ينقض إلى الأغوار العميقة، فجعل ذلك وفاء للطبيعة المصرية، طبيعة الأرض التي يرويها النيل
بغير عناء كما يقول
وأقول إن الطبيعة المصرية لا تعرف السهولة التي عناها الأستاذ العقاد، وليس بصحيح أن أرض مصر يرويها النيل بغير عناء، فهو لا يؤدي واجبه في ري الأرض إلا بالجمة من القناطر والجسور، ولا ينكف شره إلا بمتاعب ثقال
والحق أننا أسرفنا في وصف الأرض المصرية بالاستواء، وكدنا نوهم أنفسنا بأن بلادنا قليلة التنوع في المناظر، وقليلة القدرة على إبداع النقائض في المذاهب والآراء
والعقاد مصريٌ من أسوان، فما الاستواء الذي يراه في الطريق بين القاهرة وأسوان؟ ومتى سهل ري الأرض في مصر وهو المشقة الأولى في حياة الفلاحين؟
والعقاد لا يبخل على نفسه بما بخل به على هيكل، فهو في نظر نفسه من الذين يثبون إلى الآفاق العالية وينقضون إلى الأغوار العميقة، فعن أي أرض ورث الوثوب والانقضاض؟
إن الوطن المصري وطن مبدع، وله في الإبداع ألوان، ومن آيات إبداعه أن يجود في العصر الواحد بأفانين من الأذواق والعقول في كثير من الميادين
ثم ماذا؟
ثم يبقى القول في تحامل العقاد على المازني، وقد أراد أن يستر تحامله فشهد بأن المازني أقدر كاتب على الترجمة من لغة أجنبية إلى اللغة العربية
فمتى كانت الترجمة عملاً ذاتياً يقام له ميزات بين أعمال الرجال؟
الترجمة شيء مطلوب ومفيد، ولكنها ليست بالعمل الذي يجعل فرداً أقدر من فرد، وأمة أقوى من أمة، ومزية مصر أنها تبدع قبل أن تترجم، وذلك دليل الأصالة الذاتية، وهو سر تفوق مصر على كثير من الشعوب
من المؤكد أن الأستاذ العقاد كان يمزح وهو يسطر مقاله لمجلة الاثنين، فإن بدا له أن يجد فليساجلني على صفحات الرسالة الصديق، وله مني خالص التحية وعاطر الثناء.
زكي مبارك
أيها النيل!
للأستاذ دريني خشبة
أيها النيل! يا أغنية الأزل! يا حابي العزيز! مالي كلما مررت بشاطئك طافت بي الأحلام، وازدحمت في روعي تهاويل الماضي، ولم أدر ما مسّ القُبل النحيلة التي تطبعها نسماتك على أفواف الزهر، وأفنان الدوح، وصفحة الماء، وخيال الشاعر، وجبين النوتي، وخدود العذارى؟!
ما لي أنسى جمال الصباح المفتر، والحدائق الضاحكة، ولازورد السماء الذائب في تبر الشمس، وأمواه الطبيعة المتبرجة، وعبير الربيع الفواح الذي يعطر جنباتك، ويتضوع فوق حفافيك، ويملأ ملاعبك بهجة، ويغازل الشعر والفن والجمال والحب. . . ما لي أنسى كل ذلك حينما تتصل روحي بروحك، وينبض قلبي بالذي ينبض به قلبك، فأحس كأنما ماؤك دموع حِرار تسكبها عيون الفراعنة، وكأنما قطراتك أحقاب المجد المؤثل التي حضّرت الدنيا، ومدينت الناس، وهدت القلوب الضالة إلى الله الحق، وسارت بموكب الإنسانية نحو النور المقدس الذي يهدي للرشد، وانتشلت العقول من غرائز الغابة بما أشاعت فيها من بينات الهدى والعرفان!
أيها النيل!
ما أروع ما يتغنى الزمان بنشيدك الخالد! هاهم أولاء الفراعين الصِّيد يهمسون فيهتز الوادي، ويطرب الكرنك، وتصحو منف، وترتجف أون، وتبسم أكاليل الغار على رؤوس القادة، وتصرخ الصقور والبُزاة: هوراس! هوراس!
فأين هو هوراس اليوم؟ إنه جريح مهيض الجناح، لأنه كما رأرأ بناظريه في سمائك يا نيل رأى بُزاةً لا تهتف بعظمتك، ولا تسبّح بحمدك ولا تقدس لك. . . بُزاة لا ترعى لك كرامة لأنها تعدك فريستها. . . فإذا أدار هوراس ناظريه إلى الأحفاد وجدهم مشغولين عنك بالعبث، منصرفين عن الجد في أمرك إلى اللهو ومتاع الغرور!
ما أروع ذكريات الصبا على ضفافك يا نيل؟
لقد كنا نجلس فوق حفافيك وفي يد كل منا سنارة يُداعب بها صغار أسماكك كلما طلعت شمس أو غابت ذُكاء. . . وما أنس لا أنس يوم مرت بنا إحدى بواخر شركة كوك
للسياحة، فرأيت الدنيا تدور من حولي، ونظر إلى رفاق صباي فرأوا عبرة حزينة تترقرق في عيني. . . ثم تنهمر على صدري فتقف قريباً من قلبي الذي كان معها على ميعاد. . . لقد كان يخفق هو الآخر!. . . لقد ذكرت أسلافي صبية الفراعنة. . . صِبية مصر العظيمة الخالدة. . . يداعبون أسماكك يا نيل، فلا تمر بهم إحدى بواخر كوك للسياحة، تلك التي جرح مرآها كبريائي، وردت إليَّ طرفي وهو كسير حسير. . .!
لقد كان أبناء الفراعنة أولاد أمة كريمة لا يجسر الأجنبي على أن يحل بها إلا ضيفاً. . . أما أن يكون فيها سيداً ويتيه فوقك على بواخره الماخرات، فقد كنت تنقلب بحراً من الدماء يا نيل يقذف به إلى اليم، أو يُلقمه أفواه التماسيح
لهذا نسيت صيدي، ولمحني رفاق صباي أبكي. . . فلما وقفتهم على ما شجاني لم يلبثوا أن بكوا مثلي. . . وحطم كل منا سنارته، وقذف بها في أذيال هذا الثبج المنساب وراء باخرة كوك. وعدنا إلى القرية محزونين!
ما أجمل الخمائل التي تنشد فوق عدوتيك قصائد الورد يا نيل!
لله هذا الأيك الذي تغنى فيه حمائمك البيض بالنهار، ويرتل فيه الكروان أورادك بالليل!
فتنة! أنهرك فتنة! ولياليك فتنة! وأنهرك يلعب في سماواتها السبع أتون، ولياليك يرقص بين أنجمها خون! أتون الشمس المشرقة الضاحكة. وخون البدر السافر الطروب!
لقد كانت مصر المجيدة مشرقة ضاحكة كالشمس، سافرة طروباً كالبدر، وكان المصريون يتوقدون كما يتوقد النيران الشمس والقمر، وكانوا ينشدون في الدنيا كلها عبق ورودك يا نيل، ويتغنون لموكب الإنسانية نشيد إنشادك، وورد أورادك، وموكب الإنسانية من ورائهم يسير. فماذا دهى الدنيا؟ إن الشمس ما تزال تشرق، وإن القمر ما يفتأ يسكب لُجينه في واديك
لن أنسى أبداً تلك الليلة المقمرة في رحبات خوفو، وبين يدي أبي الهول، حينما كنت أنصت إلى تسبيح الأباء الصناديد يملأ الفيافي والبيد، وهتاف الأجداد الأمجاد، يدوي بين تلك الأوتاد. . .
لقد خيل إليّ أنني عدت القهقري لأعيش في هذا العصر بين أسلافي الأعزة، فذهبت بخيالي أول ما ذهبت إلى أقرب معبد فشهدت قومي يصلون لله ويقولون: (نحب الله
والوطن والملك، نحب الحياة العزيزة ونحب العمل الخالص لوجه الله والوطن والملك. الله والوطن والملك في كل مكان وليس في المعبد فقط)
ثم ذهبت إلى أقرب بيت فوجدت في حديقته الصغيرة من ورودك يا نيل، وذهبت إلى البيت الذي يليه فشممت فيه عبير رياحينك، فتنقلت بين المنازل كلها فلم أجد واحدأً، واحداً فقط ليس له حديقة. وهنا ذكرت زهرة النيلوفر. زهرة اللوتس المقدسة، تلك الزهرة التي كانوا يبرزونها في كل شيء. في مبانيهم وفي ملابسهم وفي آنيتهم وفي سفائنهم. . . وحتى في مقابرهم. . . فذكرت أنهم كانوا دائماً يعيشون فيك، لأنك أصل الحياة ومصدر العيش وجالب الخير وصانع المدنية. لذلك هم يقدسونك ولا يدنسون عُدويتك بما يدنسها المصريون اليوم مما لا أسميه (!). . . ولا يلقون فيك الجيف والرمم. بل يحيونك بباقات الورد وأكاليل الرياحين وضفائر اللوتس. أليست بلادهم حديقة يا نيل؟ أليست مصر أينع حدائق الدنيا؟ إن الأمة التي لا تفهم سر الحديقة، ولا تعرف لغة الورد، هي أمة لا قلب لها يا سيد الأنهار
ثم ذهبت إلى دار ندوتهم فوجدت فيها ملأ يأتمرون. . . لم أسمع كلمة آثمة تقال يا نيل. . .! لقد أصغيت إليهم يمحصون خير هذه البلاد في أدب وهدوء. . . وفي وقار. . . لم أسمع مطلقاً كلمة لاغية يصيب بها مصري عرض مصري، ولم أر مصرياً يرمي مصرياً بالمروق، ولا بانتهاب مال الدولة، ولا باحتساب أقاربه وأصهاره، وإيثارهم بالمناصب والأعطيات. . . ولم أر واحداً منهم يحتكر الوطنية والإخلاص لمصر، ويسفه على معارضيه ويرسل لسانه فيهم، ويتهمهم بممالأة العدو. . . مما نستهين به اليوم، ونصنعه في غير مبالاة ولا اكتراث، كأنه من الهنات الهينات. لقد رأيتهم جميعاً كرماء على أنفسهم. . . لا يحمل أحدهم موجدة لأخيه، ولا يبطن له ما يكره. . . أليسوا يقولون في صلاتهم:(نحب الله والوطن والملك. . . نحب الحياة العزيزة ونحب العمل الخالص لوجه الله والوطن والملك. . . الله والوطن والملك في كل مكان. . . وليس في المعبد فقط!)
ما أجمل ما كانوا يأتمرون في غير سفاهة ولا مهاترة، في سبيل إسعادك يا نيل!
غير أنني استيقظت من أحلامي فجأة، لأن أحد رواد الأهرام عثر بي وانحطم كالبنيان الشاهق فوقي. . . فلما نهض ونظرت إليه. . . وجدته. . . أحد جنود الأنزاك! وعندما
أدرت عيني. . . وقعتا على وجه أبي الهول. . . فرأيته يضحك عليَّ. . . ساخراً بي وبأحلامي. . . والذي أذهلني أنني رأيت شفتيه الغليظتين تنبسان. . . فأرهفت أذني. . . فسمعته يقول: (ألست تعلم أن هؤلاء الأنزاك قد جاءوا يدافعون عنك؟ لم لا تعتذر للجندي الباسل!)
إلا أنني لم أعتذر للجندي الباسل، ولم أصدع بما أمرني أبو الهول. وكانت هذه هي أول مرة يعصى فيه أمر للملك خفرع!
وأقسمت إن أنا أصبحت في برلمان مصر فلن أهاتر ولن أسفه، ولن أتهم زعيماً عظيماً بالمروق، ولن أخوض في عرض أحد من المصريين، ولن أفرغ لهذا العبث؛ وإن أنا أصبحت زعيماً فلن أحتكر الوطنية لنفسي، ولن تثيرني تخرصات السفهاء! أليس وجود هؤلاء الأنزاك كفيلاً بأن يشغلنا عن كل شيء؟ لماذا يجدُّ العالم ونهزل؟ لماذا تبكي الإنسانية ونعبث؟ لماذا لا نأخذ عبرتنا من أنهار الدماء التي ضرجت جنبات مصر نفسها؟ لماذا لا نصغي إلى همس الفراعنة؟ لماذا لا يفزعنا هديرك الصخاب يا نيل!
لقد كنا نتعلم في المدارس أن تلال العرب وتلال لوبية تحميانك من رمال الصحراء يا نيل! والحمد لله، إنهما ما تزالان قائمتين بوظيفتهما التقليدية، وما تزال أنت دائباً على فطرتك التي فطرك الله عليها. . . تأتي بالزيادة في ميعادك فتأتي بالخير واليمن والبركات. . . قصة العنبرة السوداء والزبرجدة الخضراء التي رواها عمرو - إلى عمر - ما تزال تمثل على مسرحك إلى اليوم، كما كانت تمثل منذ آلاف السنين قبل عمرو وعمر. . . وما تزال المياه الحمراء تجري من الجنوب إلى الشمال فتنبت الحنطة والبقول وتهتز الخمائل ويُؤتي الأُكل
أفتحميك التلال يا نيل ولا نحميك، وتعطينا ولا نفديك، وتحفظ عهودنا ولا نحفظ لك عهداً، ويقصد بك السوء فلا نقف من حولك جنداً؟! لشدَّ ما كفرنا بغناء بلابلك، وشدو جداولك، وفيء خمائلك، وزلال سلسبيلك، وفيض نوالك، وعبق رياحينك. . . وبكل أياديك يا نيل!
كيف يخصب ثراك وتجدب قلوبنا؟ كيف ينبت الورد في واديك وينبت الشوك في نفوسنا! كيف تدب الحياة في مروجك ويتسرب الموت إلى أرواحنا؟
إن هذه خلائق الصحراء يا نيل! الصحراء. . . حيث الجدب والشوك والحسك. . .
الصحراء الغادرة التي لا تعرف الوفاء. . . الصحراء التي يصيبها الوابل ثم تجحده، لأنه يغور في قلبها الذي يشبه قلوبنا. . .
ما أشد عواصفها الهُوج. . . هذه التيهاء المضلة!!
ولكن. . . لا. . . إنها مهما بلغت من العنف فلن تبلغ ما بلغته عاصفتنا الهجوم من بأس. . .
لله يا نيل تلك المحنة الأخلاقية التي تمزق وحدتنا، وتمسح وطنيتنا، وتبعثر جهودنا، وتشعب أمرنا، وتزيد في وهننا، وتضحك الأمم علينا، وتُفرى الأعداء بنا، وتلبسُنا شيعاً وأحزاباً، وتذيق بعضنا بأس بعض!
أهكذا نستقبل الربيع في جنَّاتك يا نيل؟
أين فرعون المحتفل والكاهن الشادي والشعب المغنى!
أين البنود والأعلام؟ أين الشعراء والأقلام؟ أين العلماء الأعلام؟
أهكذا نستقبل الربيع بعواصفنا كما يستقبلنا بعواصفه؟ أهكذا لا نستطيع أن نتعلم درساً في الجد من المجزرة البشرية الماثلة؟ أإلى هذا الحد تعقم وطنيتنا يا نيل! أفي زحمة تلك الدموع التي تسكبها عيون اليتامى والمنكوبين في بولندة وروسيا والصين. . . نعبث فوق ضفافك هذا العبث يا نهرنا المقدس؟
يا رب!
تدارك اللهم هذه الأمة فلم شملها، وارأب صدعها، واحسم داءها، وسدَّ ثُلمتها، وأقم ما مال من أمرها، وأصلح بالها، وأقل عثرتها، وألهمها السداد منك، والتوجه إليك، والإيمان بك؛ فهذه محنة ليس لها إلا أنت. . . إن لم تتداركنا فمن يرحمنا؟ وإن غضبت علينا فمن لنا؟. . . اللهم فأصلح ذات بيننا فقد أعضل أمرنا، وبهظنا الخلاف حتى ساء حالنا. . . اللهم إن هؤلاء قومي قد ضلوا سبيلك الحق فردهم إليه، واستفزهم الشيطان بغروره فنجهم منه، وافتتنهم فلا تدعه يستحوذ عليهم. . . اللهم إلا تهدنا نضل، وإلا تنجنا نهلك؛ فهذِّب اللهم أعراقنا، وطهر أخلاقنا، فلا ملجأ لنا إلا إليك، ولا نعوذ إلا بك يا قريب!
أرأيت يا نيل إلى هذه الوحدانية الجميلة الهينة الحنيفية؟! أليست خيراً ألف مرة من أربابك القدامى المتفرقة؟ أوزوريس وإيزيس وولدهما هوراس! وهذه العصبة التي لا تنتهي. . .
ورع. . . وأمون. . . ثم أمون رع. . . بل الله الواحد الخلاق.
فما لنا نقدس لله الواحد وقلوبنا شتى؟!
ما لنا نعتصم بحبال من الشيطان ولا نعتصم بحبل من الله!
ما لنا تفرقنا وقد أمرنا الله أن نتحد؟
علام الخلف بيننا والوطن ما يزال جريحاً يهتف بنا وينادينا؟
هل يليق أن تكون الوطنية مغنماً ومغرماً والأقوياء يتطاحنون علينا؟
أرأيتم إلى فرنسا ماذا أصابها؟ إن آخر بطلين من أبنائها ما يزالان في شقاق. . .
فمن لك يا نيل. . .!
دريني خشبة
سليمان الحكيم
لتوفيق الحكيم!
للأستاذ سيد قطب
(تتمة)
لو انتهت تمثيلية (سليمان الحكيم) عند الحد الذي وصلنا إليه آنفاً ما نقصت في نظرنا إلا القليل من وقعها النفسي، ومن أهدافها الإنسانية. ولكنها كانت تفقد - ولا شك - شيئاً من كمال الصناعة الفنية التي يبدو أن (توفيق الحكيم) يعني بها كل العناية، ولا سيما في هذه التمثيلية الأخيرة. فلما أن بدأ تمثيليته بالصياد والعفريت وجهاً لوجه ثم توسع فيها شيئاً فشيئاً في عرض الأشخاص وفي المجال الذي يعرضهم فيه، كان من كمال هذه الصناعة أن يضيق في مجال العرض وفي الأشخاص شيئاً فشيئاً حتى إذا وصل إلى النهاية كان على المسرح فقط الصياد والعفريت وجهاً لوجه كما بدآ، وكان أن يقذف العفريت القفاز فيلتقطه الصياد، وأن يعلنا ابتداء الحرب الأبدية بينهما بعد انتهاء الرواية الموضعية!
وتلك طريقة توفيق الحكيم المختارة في الصناعة الفنية وفي الأهداف الفلسفية على السواء، في جميع تمثيلياته الرمزية الفلسفية؛ أما التمثيليات والقصص الواقعية فلها نظام آخر وشأن آخر.
ولعله يحسن هنا أن أقول: إن توفيق الحكيم لم يحسم برأي في مشكلة من المشاكل التي أثارها في رمزياته جميعاً. (فشهريار) في نهاية (شهرزاد) ذهب إلى حيث لا يعلم أحد ولم يحل مشكلة القلق العقلي التي صارع من أجلها المكان والمحسوسات والأشياء! و (بيجماليون) مات وفي نيته أن يصنع في الفن ما لم يصنع وأن ينفذ الوحي الأخير الذي يموت كل فنان أصيل وهو في نفسه أمنية توسوس له في الخيال! و (أهل الكهف) فارقوا الحياة، وهم لا يدرون إن كانوا في حلم أم في حقيقة، ولم يدر القراء - ولا توفيق الحكيم نفسه - من المنتصر؟ القلب أم الزمن، والفناء أم الإنسان! وهاهو ذا الصياد والعفريت في (سليمان الحكيم) يعلنان الصراع الأبدي في اللحظة الأخيرة ثم يسدل الستار!
تلك طريقة (توفيق الحكيم) التي لا تتخلف. ومنشئوها - فيما أعتقد - طبيعة توفيق نفسها،
فهو (الأديب الحائر) كما قاله عنه مرة الدكتور طه حسين. إنه الشك غير الواعي في طبيعة هذا الفنان، وإنه القلق الدفين في نفسه، يصدانه عن التعرض للحلول الحاسمة وعن الفصل فيما يعرض من مشاكل وأزمات. وإن ظن أنه مختار في اختيار هذه الطريقة!
ومع هذا فكم وددت لو تخلفت هذه الطريقة في (سليمان الحكيم)، أولو سار عليها، ولكنه ظل - كما بدأ - يدع الحادثة تتكلم، بدل أن يلقن أشخاصه الحديث، وبدل أن يطيل الحوار الفلسفي ليعرض به ما يريد أن يعرضه من المشكلات
لقد نسج (توفيق الحكيم) أهل الكهف وشهرزاد وبيجماليون على منوال واحد يختلف نسيجه بعض الشيء في الواحدة منها عن الأخرى، ولكنه منوال واحد على كل حال. فأما (سليمان الحكيم) فقد نسجت على منوال آخر يختلف في طبيعة قالبه عن ذلك المنوال.
في التمثيليات الأولى - على خلاف بينها في الاتجاهات - كان المؤلف يبرز لنا شخصيات ويدير بينها حواراً حول مشكلة فلسفية أو إنسانية، فنشعر لأول وهلة أن هذه الشخصيات إن هي إلا دمى تحركها أصابعه من وراء ستار لتنطق بهذه الأفكار
وتختلف تلك التمثيليات في هذه الخاصية - كما قلت -؛ ففي (شهرزاد) مثلاً لا يخطر لقارئ يفهم ما يقرأ أن (شهرزاد) و (شهريار) و (قمر) و (العبد). . . هم أشخاص حقيقيون ممن نلتقي بهم في هذه الحياة؛ وإنما هم منذ أول لحظة رموز؛ والمشكلة التي يراد منهم التعبير عنها هي مشكلة القلق الإنساني والشك العقلي، والتطلع إلى المجهول، والتخلص من الواقع بعد ارتواء الغريزة والحصول على الاكتفاء الأرضي المحدود. وفي (أهل الكهف) ربما خطر للقارئ أول الأمر أن (مشلينا وبريسكا، وأرنوش ويمليخا). . . هم أشخاص حقيقيون - ولو كانوا من أشخاص الأساطير - ولكنه يلمح هنا وهنالك ما يشككه في واقعيتهم؛ وما يلبث أن ينكشف له أنهم رموز وأن المشكلة التي يراد منهم التعبير عنها هي مشكلة الصراع بين الفناء والإنسان، أو بين القلب والزمان. وفي (بيجماليون) يحس القارئ من أول الأمر أنه يعيش في جو أسطوري رمزي وأن (بيجماليون) و (جالاتيا) و (فينوس) و (أبولون) و (نرسيس) و (إيسميه). . . إن هم إلا رموز لقوى بشرية وكونية تتصارع في الحياة أو في نفس الفنان؛ وإذا تصور لحظة أن بيجماليون هذا إنسان خاص، فسرعان ما يرى أنه رمز للفنان الحائر المثالي والواقع الحي، وبين الطموح الخالد والقدرة
المحدودة؛ وبين التسامي الفني والميل الغريزي في الفنان.
فأما (سليمان الحكيم)، فقد نسجت على منوال جديد، وعاشت في جو جديد. إنه جو أسطوري نعم، ولكن الحياة كانت تدب فيه منذ اللحظة الأولى، فسليمان إنسان نبي يحيا حياة النبي الإنسان، وبلقيس ملكة وامرأة محبة تتصرف تصرف الملكات والنساء المحبات، ومنذر أمير أسير محب حتى وهو تمثال! وصادوق وآصف والصياد هم أناس يعيشون في هذا المستوى طوال الفصول الخمسة، وحتى (داهش بن الدمرياط) هو كذلك عفريت حي على هذه الأرض، على الرغم مما يدلف به إلى عالم الرموز!
وهم جميعاً يعيشون ونشعر معهم بحرارة الحياة، ولكنهم في الوقت ذاته يعرضون لنا في تصرفاتهم وفي حوارهم القصير (بالقياس إلى الحوار الطويل في التمثيليات الأولى) مشاكل فكرية وإنسانية ونفسية في كل خطوة وفي كل حركة، دون أن ينبهونا إلى انهم يعرضون هذه المشاكل ويقصدون إلى هذه الأفكار. . .
وهذه في اعتقادي مقدرة فنية أكثر من المقدرة التي يحتاج إليها المؤلف في التمثيليات الأولى، ومنوال أصعب في النسج عليه من ذلك المنوال
لذلك وددت أن يظل هذا النسق إلى نهاية التمثيلية؛ ولكن توفيق الحكيم لم يطق صبراً على الاختفاء الطويل عن المسرح، فقد أطل مرة أو مرتين برأسه في أثناء الفصول الخمسة الأولى ليتفلسف بالعبارات! وليشعرنا بوجوده خلف الستار. حتى إذا كان الفصلان الأخيران تمرد على السكون، واقتحم حياة أبطاله الذين خلقهم، وظهر على المسرح بشخصه، ليلقن هؤلاء الأبطال حواراً طويلاً يكشف عنا في نفوسهم، ويصور المشاكل الفكرية التي يريد تصورها، بدل أن كانوا هم أول الأمر يصورون هذه المشاكل الفكرية التي يريد تصورها، بدل أن كانوا هم أول الأمر يصورون هذه المشاكل بتصرفاتهم في الحياة!
وإننا لنلخص هنا هذا الحوار لنشرك معنا القراء فيما نراه:
لقد اصطدمت بلقيس بالحرمان النهائي. وقد اصطدم سليمان بالخطيئة والحرمان، وقد اصطدم الصياد بالمحاولة التي لم تتم، ولكنها نزغة من نزغات الشيطان
فأما سليمان فقد حبس الجنيّ وترك الصياد - بعد أن علم من أمره ما علم - وهو متهالك
على نفسه، شقي بعذاب ضميره، معترف بخطيئته؛ بينما يحاول (صادوق) أن يبرر هذه الخطيئة وأن ينظر إلى سليمان بمنظار التقديس التام (شأنه منذ أول القصة) ذلك أنه يعمل لحساب المظاهر والجماهير، بينما سليمان يستوحي العقيدة والضمير. (وذلك هو الفرق بين الكاهن والنبي)
وأما بلقيس فقد هدأت باليأس واطمأنت إلى صداقة سليمان فهي لن تحبه ولم يعد قلبها صالحاً للحب. ولكنه رجل منحها في فترة ما حبه وإعجابه، فصداقته الآن هي أقرب الأحاسيس إلى نفسها وفيها بعض العزاء
وإن بلقيس وسليمان ليحسان لهذه الصداقة طعماً مريحاً بعد الحرمان!
وأما الصياد، فقد استيقظ ظميره، وإنه ليطلب إلى سليمان عقابه على النية (وقد ارتفع درجات هائلة في سلم الحكمة العالية) فلا يجيبه سليمان إلى طلبه؛ بل يطلب هو إلى الصياد أن يكون قاضيه لأنه خير منه فقد همّ ولم يفعل. أما هو فهمّ وفعل!
ثم تودع الملكة بلقيس الملك سليمان عائدة إلى مملكتها بعد المعركة!
فإذا كان الفصل الأخير، فإن سليمان قد اعتكف في القصر الذي كان قد بناه لبلقيس (فهو إذن مكان حبيب إلى نفسه وما تزال للحب الإنساني خيوط على الرغم من الندم والتوبة)!
وإذا هو متكئ على عصاه، وإذا الصياد قائم على حراسته بإذنه. وإذا هو يموت دون أن يعلم أحد بموته (حسب رواية القرآن). فإذا انكشف أنه مات بدأ حوار فلسفي طويل بين أصف وصادوق والصياد، تثار فيه مسائل فلسفية حول الحكمة الإنسانية الصغرى، والحكمة الكونية الكبرى. وحول السخرية بحكمة الإنسان وعظمته، مهما بلغ من الحكمة والسلطان!
ثم إذا الجني يظهر وجهاً لوجه أمام الصياد - قوة الخير وقوة الشر - وإذا هو يعلن الصراع الأبدي بينهما فيلتقط الصياد القفاز! وإذا الصياد والعفريت في هذه الصورة رمزان خالصان وقد كدنا نظن طول الرواية أنهما شخصان كائنان! وكذلك تسفر الرمزية في سليمان وصادوق وبقية الأشخاص
وفي هذين الفصلين أشياء تزيد وضوح أهداف الرواية، ولكن كم وددت لو سارا على النسق الأول في استبدال الحادثة بالحوار والحركة بالكلمات
ولكنه توفيق الحكيم على كل حال!
وأحب أن أنبه هنا إلى لبس قد يقع فيه من يتصدون للنقد بلا اطلاع ولا استقصاء. فالناقد المنصف لتوفيق الحكيم يرى أن له تمثيليات وقصصاً أخرى تنبض بحرارة الحياة الإنسانية وفيها الفكاهة والدعابة التي زعم الأستاذ (محمد مندور) أنه محروم منها بعد اطلاعه الخاطف على تمثيلية (بيجماليون) وحدها. وإني لأذكر في هذه اللحظة (رصاصة في القلب)، و (عودة الروح) و (يوميات نائب في الأرياف) وغيرها، وفيها جميعاً هذه الحياة الحارة البسيطة الجميلة، وهذا تنبيه يجب أن يقال
ولقد أسلفت رأيي في مقدرة توفيق الحكيم على الحوار، فأريد هنا أن أسجل له سبقه وتفرده في إدخال الحوار إلى عالم الأدب العربي مستقلاً عن المسرح، بحيث يصلح للقراءة المجردة عن التمثيل. وفي تناوله الأسانيد والأساطير تناولاً فنياً في التمثيلية الأدبية، واستخدامها لعرض المشكلات الفكرية، والصراعات الإنسانية على السواء
وقد بلغ توفيق الحكيم في (سليمان الحكيم) - على الرغم مما لاحظناه - قمته الفنية في الصناعة: بلغها في تنسيق العرض الذي تحدثنا عنه في أول المقال؛ وبلغها في إدارة الحوار وفي رسم الشخصيات، وفي الالتفاتات السريعة الموحية والإشارة الخاطفة المصورة (وفي مقال لصحيفة لا يتسع المجال لضرب الأمثال كما يتسع لها في كتاب)
ولقد كنت ألمح في أثناء دراستي للتمثيلية تلك الخيوط التي ينسجها في شخصية كل شخص، ثم يلقيها على أبعاد متقاربة أو متباعدة، ليعود إليها بعد حين، فينسج الخيط التالي بجوار الخيط الأول وهكذا. فأحس بعد خطوات لِمَ ألقي بهذا الخيط هنا وبذلك الخيط هناك!
والصورة التي أستخلصها لطريقة عمل المؤلف: أنه استحضر جميع أفكار تمثيليته وجميع مشاهدها بالتفصيل قبل أن يمسك القلم ليكتب، ثم جعل يلقي بهذا الخيط هنا وبذلك الخيط هناك، ليجمع أطرافها إليه ويشدها جميعاً في الوقت المناسب. وهو تنظيم دقيق قد يستغرب من (توفيق الحكيم) المعروف للناس؛ ولكنه غير مستغرب عند الناقد الذي (يفقس) توفيق الحكيم!
ولقد بلغ كذلك قمة التمثيلية في اللغة العربية حتى الآن. أما القياس إلى التمثيلية العالمية فلست أنا صاحب الحق في هذا المجال
وقد تكون الفكرة في (شهرزاد) أعلى أفقاً وأوسع مدى، ولكن الطريقة هنا أكمل والحركة أسرع والحياة أوضح وأبسط
وإلى هنا كان يمكن أن ينتهي الحديث، ولكن لا بد من كلمة قصيرة عن لغة التمثيلية فهي عامية معربة حين يتحدث في جو أسطوري؛ وهي عربية سهلة حين يخرج إلى الجو الفكري
ولا يفوتني أن أنبه إلى ثلاث غلطات لفظية جاءت في الرواية:
فقد جاء في ص 42: (فأنتم ترون من حسن السياسة أن توكلوا الأمر إليَّ) وصحتها (تكلوا). وجاء في ص 111: (أومن بي أيها الأحمق) وصحتها (آمن). وجاء في ص 181: (عما أتكلم؟) وصحتها (عمَّ أتكلم؟)
وقد وددت أن أغض الطرف عن هذه الغلطات، لولا أنني أريد السلامة التامة لفن توفيق الحكيم ولغة توفيق الحكيم!!
(حلوان)
سيد قطب
في التصوير الإسلامي
ليلى والمجنون
للدكتور محمد مصطفى
- 1 -
تقدمة
أحبّ قيس بن الملوّح ليلى العامرية، وبادلته الحب العفيف البريء، فلما فشا أمرهما حجبت عنه، فشق ذلك عليه، وجاء يخطبها إلى أبيها، فرفض أبوها أن يزوجه إياها، وزوجها غيره، فاشتد به الأمر، وحزن حزناً شديداً أفقده عقله، وقيل له:(المجنون) أو (مجنون بني عامر)، فكان لا يلبس ثوباً إلا خرقة، ولا يمشي إلا عارياً، ويلعب بالتراب، وهزل وطال شعر جسده، وهام في البرية مع الوحوش والظباء فألفته، وكان يشرب معها إذا وردت مناهلها، وهي لا تنفر منه، وظل هكذا حاله، يتغنى غرامه التعس، في أشعار جيدة رقيقة، إلى أن ماتت ليلى. . . فلحق بها
هذه قصة (ليلى والمجنون) مجردة من كل تنسيق وتنميق وتزويق، وهي قصة بسيطة. . . لا غريب فيها ولا عجيب. . . وهل هو غريب أو عجيب أن يعشق رجل امرأة، فيعبث به العشق ويودي بعقله وحياته. . . ولكن الذي يحيرنا حقاً أن تنال قصة قيس بن الملوّح وغرامه بليلى العامرية كل هذا الاهتمام بين القصص الغرامية الأخرى لشعراء العرب (العذريين) و (المحققين).
وليس يعنيني أن يكون شخص قيس بن الملوح تاريخياً أو غير تاريخي، وإنما الذي يعنيني أن هناك قصة غرامية هي قصة قيس بن الملوح. . . ولا يعنيني أن يشك بعض مؤرخي الأدب العربي في وجود المجنون، أو أن يبالغ البعض الآخر في إنكار وجوده، وإنما الذي يعنيني هو وجود (فن القصص الغرامي) عند العرب في القرن الأول للهجرة وتطوره حتى كاد يكون فنّاً مستقلاً على نحو ما نرى من فنون القصص الغرامي في الأدب الحديث، وأن يشق هذا الفن لنفسه طريقاً إلى الأدب الإيراني حيث تنال قصة (ليلى والمجنون) ما نالته من الحظوة في بلاد العرب، بل إنها تنفرد هنالك بأن ينظمها أكابر شعرائهم مثل نظامي
الكنجوي المتوفى في حدود سنة 600 هـ والأمير خسرو الدهلوي المتوفى سنة 725هـ، والشاعر الصوفي الكبير عبد الرحمن الجامي المتوفى سنة 898 هـ، وابن أخته هاتفي الجامي المتوفى سنة 918 هـ، والشاعر نامي من شعراء القرن الثاني عشر الهجري في عهد الملك نادر شاه، وغيرهم من شعراء إيران. ثم تنتقل هذه القصة أيضاً إلى الأدب التركي فينظمها من شعراء الترك نجاتي المتوفى سنة 914 هـ، وحمدي المتوفى في السنة نفسها، وفضولي المتوفى سنة 970هـ، وغيرهم. وأخيراً ينظمها شاعر مصر الكبير المرحوم أحمد شوقي بك في قصته (مجنون ليلى) وإننا لا نعجب إذا بحثنا في الأدب الأوربي أن نجد بعض الأثر لموضوع قصة ليلى والمجنون في القصص الغرامية الأوربية التي وضعت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي، مثال ذلك قصة (تريستان وأيسولده) أو قصة (روميو وجوليت). لا سيما ونحن نعلم أن الآداب والفنون الأوربية في ذلك الوقت كانت متأثرة إلى حدّ ما بالآداب والفنون الإسلامية عن طريق صقلية وإيطاليا وإسبانيا.
أما سبب عشق المجنون (ليلى)، فهنالك روايات مختلفة، يجمع المجنون بينها في قوله:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
…
فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
ولكن المشهور ما رواه أبو عمرو الشيباني أن المجنون كان يهوى (ليلى) وهما حينئذ صبيان، فعلق كل واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه، قال: ويدل على ذلك قوله:
تعلّقتُ ليلى وهي غرّ صغيرة
…
ولم يبد للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البَهْم يا ليت أننا
…
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
واقتبس الشاعر نظامي الكنجوي هذه الرواية وحورها بما يناسب الحضارة الإيرانية في عصره، فاستبدل بالبادية والمواشي حجرة المكتب والكتب، وجعل المجنون يقابل ليلى في المدرسة وهما صغيران، ويتعارفان ثم يتحابان في أثناء الدراسة. واقتدى بنظامي الكنجوي في ذلك سائر شعراء الإيرانية والتركية الذين نظموا قصة (ليلى والمجنون).
وكانت هذه القصة أيضاً، موضوعاً محبباً لدى المصورين في جميع فروع الفن الإسلامي وجميع عصوره، فنرى صوراً كبيرة لتوضيح حوادثها في دواوين الشعر الإيرانية والهندية
والتركية، وعلى السجاد والقاشاني وغير ذلك من الأشياء والأدوات، وتمثل هذه الصور المجنون هزيلاً ناحلاً، عارياً من الثياب إلا من غلالة صغيرة تستر عورته، ويحيط به بعض الظباء والوحوش.
وقد حاولت فيما أقصه هنا أن أوفق بين الروايات المختلفة العربية والإيرانية والتركية، وأن أوضح بعض حوادث القصة بما يسمح به المقام من الصور.
كان الملوح بن مزاحم يجلس إلى جانب زوجته وكل منهما واجم يفكر في شئون الحياة، فقد أوتيا الثروة والجاه وآلت إلى الملوح زعامة بطن من بطون بني عامر، فكان سيد القوم يتمتع بينهم بالهيبة والجلال والاحترام - ومع ذلك لم يكن لهما ولد يجلب إليهما البهجة والسرور فيلطف خُشونة حياتهما في الصحراء. ولكن من أين لهما هذا الولد وقد بلغا خريف الحياة، وكاد يشتعل رأساهما شيباً! فأخذ كل منهما يدعو الله تعالى أن يهب لهما من لدنه ولياً يرثهما ويخلفهما في رئاسة بيتهما وزعامة آلهما وقومهما، وأن يكون قلبه بعيداً عن البغضاء مفعماً بالحب، ليخفف عنهما صحبة بني عامر غلاظ الأكباد. وبينما هما في وجومهما مسترسلان، يتنازعهما الأمل واليأس، إذ تفتحت أمام أعينهما أبواب السماء، وانبثق منها نور غمرهما في غلالة من الرحمة والرضوان، وجعلهما يشعران بالسعادة والاطمئنان
واستجاب الله دعوات الزوجين الطيبين الصالحين ورزقهما صبياً جميلاً أسمياه قيسا، كان موضع إعجاب كل من رآه. وأقام الملوح على إرضاع ابنه وتغذيته وتربيته أبرع نساء الحي وأحذقهن في القيام بهذه الفنون، ونما الصبي وترعرع، وشب في كنف والديه، يعطفان عليه ويخصانه بأكبر قسط من حبهما ورعايتهما. ورزقا غيره ولكنه بقي أحب أخوته إلى قلبيهما
وفي (شكل 1) نرى منزل الملوح بن مزاحم، وقد شمله الطرب والسرور، واجتمع فيه الأهل والأصدقاء يحتفلون بمولد قيس الذي نراه في وسط الصورة في لفافة تحتضنه سيدة من سيدات العائلة وتمسح رأسه الصغير في عطف وحنان بخدها الأملس البض وهي تجلس به إلى جانب حجرة (الحريم) حيث جاء بعض السيدات لتهنئة والدته. وجلس الرجال على سجادة جميلة في الحديقة أمام سور المنزل يتزعمهم الملوح بلحيته البيضاء
وهو على رأس الجالسين إلى اليسار، وقد جلس أمامهم أفراد فرقة موسيقية يعزف بعضهم بالمزمار، وواحد منهم يغني، وتقف إلى جانبهم راقصة تضرب على الدف. ونرى الخدم والجوار والعبيد وهم يروحون ويجيئون في أنحاء المنزل يحملون أطباق الطعام وصحون الحلوى. وقد راعى المصور في تصوير سحن الرجال وملابسهم أن تكون عربية لتتناسب مع القصة العربية الأصل. وهذه الصورة في مخطوط من المنظومات الخمس للأمير خسرو الدهلوي، مؤرخ سنة 890 هـ (485 م) وكانت الصور التي في هذا المخطوط تنسب إلى المصور الإيراني الشهير بهزاد لما فيها من ميزات أسلوب هذا المصور، كالدقة في رسم المباني وزخرفتها، وفي جزء الحديقة الظاهر إلى اليمين، والاهتمام البادي على سحن الأشخاص، ووجود العبد الأسود الواقف هنا في وسط الصورة إلى اليسار، وغير ذلك. ولكن يظهر أن هذه الصورة من تصوير أحد تلاميذ بهزاد. وهذا المخطوط محفوظ في مجموعة شستر بيتي بلندن.
(يتبع)
محمد مصطفى
مساعد في دار الآثار العربية
ابتسم للحياة
أرسلها الشاعر إلى صديقه الشاعر الصاغ (ع ف م) وهو يهديها هنا إلى كل عابس في الحياة لعله أن يبتسم
شدةٌ لا تدومُ إلا قليلا
…
لا تَخَلْها مقيمةً لن تزولا
قد عرفناكَ في الخظوب حُساماً
…
ماضياً حدُّه وسيفاً صقيلا
ورأيناك في الودادِ كريماً
…
وعهدناكَ في الوفاءِ جميلا
هل يَعيبُ السيوفَ في الضرب يوماً
…
أنها في الصراع تَلْقى فلول؟
أو يَعيبُ البدورَ في الأفق يوماً
…
أنها صادفتْ لحين أفولا؟
يا صحيح الفؤاد والودِّ إني
…
ساَءني اليومَ أن أراكَ عليلا
شدةٌ تَنْجَلي ونَحْسٌ يولِّي
…
عن قريبٍ ولا يدوم طويلا
ستعودُ الحياةُ أحسنَ عرضاً
…
ويصيرُ الزمانُ أحلى فصولا
ابتسم فالحياة ليست تساوي
…
صرخةً منك أو تساوي عويلا
ليس يُجْدي الأسى عليك قليلا
…
ليس يغني العبُوس عنك فتيلا
يا قويَّ الإيمان بالله مهلاً
…
يا صحيح اليقين صبراً جميلا
محمد عبد الغني حسن
دير الحياة
ذكروا الشبابَ فقلتُ: إِي والله
…
ما كنت عن ذكر الشباب بساهي
// لكن يَعزُّ عليَّ نعيي باقياً
…
وبِفِيَّ لا بسواه من أفواهِ
نعيُ الفتوةِ والنضارة والهوى
…
والرقص في النيران والأمواهِ
والروغ من فرضٍ عليَّ وواجبٍ
…
لم يُعفِني لم أُعفَ من إِكراه
أمرٌ وفائيٌّ صَدَعْتُ به وكم
…
بعد الشباب أوامرٌ ونواهي؟
وبصيرةٌ كشفت لعيني بعدما
…
كلَّت مآسي كُنَّ قبلُ ملاهي
قوسُ السحاب أَرى به أتواَءه
…
لاما احتوى من كل لونٍ زاهي
وإِذا بدَا الشفق الغَرِيُّ تهولني
…
ظَلمٌ لدى الأفق البعيد دواهي
والورد يَسنح لي فأبحث جاهداً
…
عن شوكهِ خلف الجمال الباهي
فإِذا الذي هو مؤنسي هو موحشي
…
وإِذا الذي أغرى شبابيَ ناهي
وإِذا الحدود تغيَّرَت أوضاعُها
…
وخلودُ أحلاِم الشباب تناهي
يا رَاعيَ الغزلانِ في (وادي طوىً)
…
أقْصِرْ، فأعينهن عنك سواهي!
اخلعْ هنا نعليكَ إِنك واقفٌ
…
في موقف المتبتِّلِ الأوَّاه
وانظم صدى الَوادي بكل عهوده
…
لحناً تُغنيِّه بصوتٍ واهي
ذكروا المشيبَ فقلتُ: لا والله
…
ما كنتُ في ديرِ الحياةِ بلاهي
محمود عماد
السبيل القويم
الناس صنفان: صنف دائماً حذرٌ
…
يخشى المنايا ويقضي العمر أوهاما
وذاك صنف إِذا انتابته خشيته
…
توهم الكون في عينيه آلاما
وثاني اثنين مَنْ يحيا بعزمته
…
حتى ليحسب صوت الرعد أنغاما
وذاك صنف عزيز دائماً أبداً
…
يضيف للعمر أياماً وأعواما
فاختر لنفسك في دنياك عزَّتها
…
وابسم لدهرك مهما شاء أو راما
عبد القادر محمود
البريد الأدبي
هل قتل ذو القرنين بيد التتر؟
قرأت ما كتبه الأستاذ إبراهيم الدسوقي في العدد (512) من مجلة الرسالة الغراء، فوجدته لا يزيد عن تكرار ما كتبه أولاً وثانياً، ويتهرب من الرد على ما أذكره في تأييد رأيي أو يحوله عن وجهه ثم يرد عليه، وهذا كما فعل في ردي عليه بأن كيرش قتله التتر في حربه لهم، وذو القرنين المذكور في القرآن لم ينته أمره معهم بهذا الشكل، لأن الله تعالى يقول في شأنه معهم:(قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا، قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما، آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطرا، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا)
ولا يمكن أن يفعل ذو القرنين هذا مع يأجوج ومأجوج ثم يتمكنوا من قتله، لأنهم لا يقتلونه إلا إذا استطاعوا أن يظهروا ذلك السد أو ينقبوه، وقد أخبر القرآن أنهم لم يستطيعوا شيئاً من ذلك، وإذن لا يمكن أن يكون ذو القرنين كيرش المقتول بيد التتر. فلما أراد الأستاذ إبراهيم الدسوقي أن يرد على هذا حوله عن وجهه، وذكر أني أقول إن كورش قتل ببلاد التتر وذو القرنين لم يقتل، ليتأتى له أن يقول في رده عليّ: ومن أين عرف أن ذا القرنين لم يقتل في حين أن القرآن لم يذكر إلا جزءاً يسيراً من تاريخه. وستطول المناظرة بيننا بهذا الشكل، ولهذا رأيت أن أتركها إلى ما هو أهم.
عبد المتعال الصعيدي
ضبط الخلاف بين العربية والعامية ممكن
اطلعت في العدد (512) من مجلة الرسالة الغراء على كلمة للأستاذ الفاضل عبد الحميد عنتر تحت عنوان (ضبط الخلاف بين العربية والعامية مستحيل) يرد بها على اقتراح مقدم إلى المجمع اللغوي في ضبط الخلاف بين العربية والعامية، فعجبت لدعوى الاستحالة من الأستاذ في هذا الأمر الممكن، عجبت لإقدامنا على هذه الدعوى بسهولة، بينما غيرنا يحاول
أن يمحو كلمة مستحيل من قواميس اللغة. على أن ما كتبه الأستاذ في الرد على هذا الاقتراح لا يمت بصلة إلى عنوانه، وقد ذكر في هذا الرد أن المتواضع عليه بين العلماء أن اللفظ العامي ما لم ينطق به عربي، وأنه المدار في تمييز العربي من العامي على النقل عن المعاجم اللغوية، ولا شك أن في هذا ضبطاً للخلاف بين العربية والعامية، فكيف يدعي معه أن ضبط الخلاف بين العربية والعامية مستحيل؟
والاقتراح المقدم إلى المجمع اللغوي يرمي إلى إبطال هذا الضابط المتواضع عليه بين العلماء، لأنه يبعد الشقة بين اللغتين ويؤدي إلى تخطئة كثير من العامية بدعوى أنه لا يوجد في معاجم اللغة، مع أن هذه المعاجم لم تستقص اللغة كلها، ولو رجعنا إلى الضابط المذكور في ذلك الاقتراح لأمكن تصحيح ما يعد خطأ بالضابط المتواضع عليه بين العلماء، وفي هذا تسهيل كبير لأمر العربية في هذا العصر، وتقريب للخلاف الذي بينها وبين العامية ومحاولة لجمع المختلفتين في شأن اللغتين على أمر لا يؤثر في صميم العربية، ويضم إليها كثيراً ممن ينتصر للعامية عليها، وقد ذكر الأستاذ (عبد الحميد عنتر) في الرد على هذا الاقتراح أنه يخالف الضابط المتواضع عليه بين العلماء، ومثل هذا من المصادرة التي لا تصلح في مقام الرد، ثم ذكر أنه لو صح ذلك لجاز للعامي أن يخترع ألفاظاً لا حصر لها على نمط الأوزان العربية. والجواب عن هذا أن الاقتراح في ألفاظ موجودة بالفعل وهي ألفاظ جرت عليها سليقة الناس، ولا شأن له بما يخترع من الألفاظ، على أنه لا يوجد ما يمنع العامي من اختراع مثل ذلك عند حاجته إليه، وذلك حين لا يجد في اللغة ما يغنيه عنه. ثم ذكر أنا لو أخذنا بهذا الاقتراح لخطأنا نحو ربع اللغة من الألفاظ الشاذة، وهذه مغالطة ظاهرة، لأن موضوع الاقتراح الألفاظ العامية لا العربية. وأما ما ذكره في الأمثلة من تصحيح بعضها على لغة من اللغات فلا يفيد شيئاً في موضوع الاقتراح، ولا يصح أن يصرفنا البحث فيها عن البحث في الاقتراح نفسه، والأمثلة كثيرة لا تحصى ولا تعد.
(. . .)
ذو القرنين غير الاسكندر المقدوني
تأييداً للرأي القائل بأن أحدهما غير الآخر - وهو الرأي الذي أعيد موضحاً بالعدد (512) من الرسالة - أنقل ما يأتي:
(ومن ملوكهم - يعني اليونانيين - الإسكندر المقدوني وهو ابن فيلبس، وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قص الله نبأه في القرآن بل بينهما فروق كثيرة. وبينهما في الدين أعظم تباين؛ فهذا كان صالحاً مؤمناً، وذاك المقدوني كان مشركاً. وكان أرسططاليس وزيره). عن كتاب الإغاثة لابن قيم الجوزية أحد أعلام القرن الثامن الهجري صفحة 367 ببعض اختصار
وفي كتاب (لقطة العجلان) لصديق حسن خان القنوجي البخاري ملك مملكة بهوبال:
(التحقيق أن ذا القرنين الذي ذكره الله في كتابه عربي كثر ذكره في أشعار العرب واسمه الصعب بن ذي مراثد ابن الحارث الرائش وأنه ملك من ملوك حمير. وقد غلط من ظن أن الإسكندر بن فيلبش هو ذو القرنين؛ فإن لفظة ذو عربية، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وذاك رومي يوناني غزا دارا ملك الفرس وقتله. وهو صاحب أرسططاليس وتلميذه. وذو القرنين المذكور في القرآن ملك قديم كان على زمن إبراهيم وهو الصعب بن الرائش الذي مكن الله له في الأرض وبنى السد على يأجوج ومأجوج. وقد غلط من ظن أن باني السد هو الاسكندر الرومي) صفحات 10، 11، 91، 92 باختصار وبعض تصرف. هذا ويؤثر عن تبَّع قوله:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً
…
ملكاً تذل له الملوك وتسجدُ
ويروي بلفظ آخر فيه التصريح بأنه جدُ لتبع اليماني وهو:
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً
…
ملكاً علا في الأرض غير مفنَّد
بلغَ المشارقَ والمغاربَ يبتغي
…
أسبابَ أمر من حكيم مرشِد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها
…
في عين ذيُ خُلب وثأط حرمد
محمد عبد الله الجزار
أستاذ بكلية الشريعة
حول مقال (أثر المرأة في علي محمود طه)
جاء في مقال الأستاذ أدوار حنا أسعد المنشور في العدد السابق أن لفظة (الثلاثون) الواردة في بيت شعر من قصيدة (بحيرة كومو) للملاح التائه لم تأت إلا لضرورة الشعر، مدللاً على ذلك بكلمة من مقال للأستاذ الزيات ذكر فيها أول لقاء تم بينه وبين الشاعر إذ كان في إبان شبابه، وكان الأستاذ الزيات في عنفوان شبابه. ثم عاد الكاتب في موطن آخر من مقاله إلى التعليق على ذلك
والذي أعرفه ويعرفه أصدقاء الشاعر انه نظم قصيدة (بحيرة كومو) الوارد في سياقها البيت المشار إليه، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. ولعل ما يؤثر عن الأستاذ علي محمود طه هو احتفاله بذكر العلاقة الزمانية والمكانية بين ما ينشئه من شعر في أدوار حياته المختلفة حتى لا يقع فيما وقع فيه غيره من الخلط والاضطراب
حسن كامل الصيرفي
نزول عيسى
أرسل إلينا الأستاذ الجليل محمود شلتوت أولى مقالاته التي كتبها في (نزول عيسى) يفند فيها بالحجج الملزمة والنصوص الصريحة أقوال معارضيه، ويعرض لبعض ما عُمِّي على الحشويين والمتنطعين من وجوه الاستدلال بالحديث، ويدلي بالقول الفصل فيما يختلف فيه الناس من حين إلى حين في بعض المسائل الشرعية. وقد كان بودنا أن ننشرها، ولكن أسباباً قاهرة حالت دون ذلك
حانة الشعراء
نشرنا في العدد الماضي من (الرسالة) هذه القصيدة الفريدة من ديوان (زهر وخمر) للشاعر الكبير علي محمود طه، ولكن مقطوعتين سقطتا منها سهواً عند الطبع؛ فأحببنا أن ننشرهما احتفاظاً بوحدة القصيدة، ومكانهما بين المقطوعة الرابعة والمقطوعة السابعة، وهي:
مِنْ كلِّ مُرْسِلِ شَعْرِهِ حِلَقَا
…
وَكَأنَهَا قِطَعٌ مِنَ الحَلَكِ
غَلْيُونهُ يَسْتَشْرِفُ الأفُقَا
…
وَيَكَادُ يَحْرقُ قُبَّة الْفَلَكِ
أَمْسَى يَُبْعِثُرُ حَوْلَهُ وَرَقَا
…
فَكَأَنَّهُ في وَسْطِ مُعْتَرَكِ
فإِذَا أَتَاُهُ وَحْيُهُ انْطَلَقَا
…
يُجْرِي اليَرَاعَ بكَفِّ مُرْتَبِكِ
وَيَقُولُ شِعرْاً كَيْفَمَا اتَّفَقَا
…
يُغْرِي ذَوَاتِ الثكْلِ بالضَّحِكِ
(باخُسُ) يَروِي عن غَرَائبهِمْ
…
شَتَّى أَحَادِيثٍ وَأَنْبَاء
قِصَصٌ تَدَواَلُ عَنْ صَوَاحِبِهمْ
…
وَعن الصَبَايَا فتْنَةِ الرَّائِي
وَعَنِ الْخَطِيئَةِ في مَذَاهِبهم
…
بَدَأَتْ بآدَمَ أَم بِحَوَّاءِ
واَلْمُلهِمَاتُ إِلى جَوَانِبهمْ
…
يُكثِرْنَ مِنْ غَمْزٍ وَإِيماء
يَعْجَبْنَ مِنْ فْعلِ الشَّرَاب بِهمْ
…
وَيَلُذْنَ مِنْ سَأَمٍ بإِغْفَاءِ
إلى الأستاذ حبيب الزحلاوي
أهدي إلى الأستاذ أحسن تحية، وأعتذر إليه من تأخر هذه الكلمة بأني طالعت أولاً (شعاب قلب) لكي أشكر له هذه الهدية النفيسة، وأشكر له في آن معاً، فضله الذي أتاح لي التلذذ بقراءة كتابه البديع.
صوّر لنا الأستاذ أفراداً من المجتمع في زماننا هذا، ومثلهم بسجاياهم ووجدانياتهم، وشهواتهم وأهوائهم، وقص حوادثهم وفعالهم، ووصف أزمنتها وأمكنتها، وصاغ كل أولئك على نظام سليم من السرد الرتيب، في أقاصيص شائقة وليدة ملكاته الراوية من تجاربه الشخصية ومطالعاته، وقد مازجها الخيال وإن أنشأها من الحقائق الواقعية حتى ليكاد القارئ يتعرف فيها مثلاً شيخ (فلسفة الشيخوخة)
وليس في هذه الأقاصيص عقود وحلول؛ بل هي بسيطة بين الأقصوصة والحكاية، وهي قطع من الحياة متفرقة، لكن تضمها جهة جامعة تلوح في خفاء للقارئ. وبودي لو يكتب الأستاذ قصة كاملة فيتسع فيها المجال لملكاته، لكي تبلغ مدى قدرتها على تمثيل الحياة المصرية أو الشرقية لهذا العهد
وقد ماشى الأسلوب الحي في (شعاب قلب) تلك النفوس فيما خالجها من اكتئاب أو ابتهاج، وحياء أو إباء أو رجاء، وإعجاب أو عتاب، وقلق أو شكوى، وحسرة أو رغبة أو شهوة؛ وتوافرت فيه الحركة بوسائل معنوية بلاغية، كالتعجب والمبالغة، والتجاهل والاستفهام، والتصريح والتلميح، والتشبيه والتصوير؛ وجاء سريع المعاني إلى الفهم بمثل الفصل والوصل والإضمار في عبارات تعتّم معانيها بالتقدير.
فما حسن بالفصل، مثلاً: (كنت أنعم بالراحة كلها في مخاصرة هذه السيدة التي تنبعث منها
الطمأنينة إلى أعماق نفسي؛ لم أكلهما، لم أجتل محياها، كنت نشوان بها. . .)
ومن التشبيهات غير المحفوظة: (ذكرت ذلك الدير المهيب الشاهق الرابض فوق الربوة شبيهاً بقلعة شيدت لحماية الخيالات والأوهام!!) ومنها أيضاً: (أشعلت غليوني، أخذت أنظر الدخان يعقد حلقات تتمدد وتتبخر كخواطر الإنسان، وأرى النار تتأجج وتهمد في قلبه كالرغبات في ضمير الرجل)؟
ومن وصف الجمال، والحياء، والطهر، والإعجاب:(ذكرت تلك الفتاة القروية عائدة من الكنيسة بثيابها الفضفاضة، وضفائرها المنسدلة على كتفيها، ووجهها الخمري الزاهر بنفحات الربيع، وصدرها الناهد، وقدها الممشوق، وخطواتها المتزنة الحازمة. كم كانت رائعة صبغة الخجل الوردية التي اصطبغت بها أذناها لما سألتها عن اسمها، وهل فكرت في صلواتها في غير أهلها ممن تعرف من الناس!)
ومن المعاني المضمرة في العبارة (كل امرأة ترضي الرجل، وليس كل رجل يرضي المرأة. أما أنا فإني امرأة يسكن جسدي روحان: الأول محلَّق في السماء مصعَّد نحو المجهول، والثاني دنيوي يلتصق بأديم الأرض. ولم يكن تطلعي إلى السماء يعميني عن التطلع إلى الأرض!)
ومن جميل التصوير: (ممثل هزلي بارع. إحساسه في وجهه، وعقله في نظرات عينيه، وبراعة فنه في إيماءته وسكونه)؛ وأيضاً: (زايلت البيت فرحته، فانطفأت أنواره، وقد كانت تتألق أكثر الليل؛ وهمدت الحركة فيه، وقد كانت مرحة طليقة فياضة؛ وخرست موسيقاه، وقد كانت تفيض على الجيران أنفاسها فاتنة ساحرة، وانقطع عنه زواره، وتبدلت وجوه قطانه، خادمين ومخدومين، واعتلاها مسحات من كآبة وسحب وغيوم)
إن هذا الكتاب، على الإجمال، أدب حيّ تزينه ثمار من المعرفة، ويظهر فيه إلهام من الاشتراكية والمادية، وأثر واضح من نظرية فرويد؛ وأسلوبه محدث صاغته شخصية حرة، وملكات طليقة. وما هفواته في صدقه وتمثيله وقيمته الأدبية بشيء يذكر
ثم سروري بهدية الأستاذ الفاضل وثنائي عليه
محمد توحيد السلحدار