المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 520 - بتاريخ: 21 - 06 - 1943 - مجلة الرسالة - جـ ٥٢٠

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 520

- بتاريخ: 21 - 06 - 1943

ص: -1

‌12 - دفاع عن البلاغة

4 -

الأسلوب

أما قول إميل زولا: (وهل نستطيع أن نتبين الكمال الفني في أسلوب هوميروس وفرجيل ونحن نقرأهما مترجمين) فمرماه أن روائع اليونان والرومان لم تخلد على الدهر إلا بمعانيها المبتكرة، ووقائعها المشوقة، وعواطفها الصادقة، وشخوصها الحية، بدليل أننا نقرأها اليوم بمعانيها لا بمبانيها، وبفكرَها لا بصورها. فلو كان خلودها منوطاً بدقة الصياغة وجودة الصناعة لما عاشت بالترجمة. ثم يترتب على ذلك خطأ القول باتحاد الصور والأفكار في الأسلوب؛ لأننا حين نقرأ الإلياذة مثلاً في الفرنسية أو في العربية لا نقرأ منها غير الموضوع

والحق الذي تؤيده الدلائل أن جمال الأسلوب وحده هو الذي ضمن الخلود لهذه الروائع؛ فإن الثابت بالسند المتصل والخبر المتواتر أنها كانت آية عصرها في البلاغة، ولولا ذلك ما روتها الرواة ولا ترجمتها التراجم. واللفظ كما يقول الجاحظ:(إذا لم يكن رائعاً والمعنى بارعاً لم تصغ له الأسماع، ولم تحفظه النفوس، ولم تنطق به الأفواه، ولم يخلد في الكتب)

والترجمة الصحيحة لا تنقل أفكار الكاتب أو الشاعر وحدها عن الاصل؛ إنما تنقل مع ذلك إشراق روحه، وسمو إلهامه، ولطف شعوره، ونمط تفكيره، وخصائص أسلوبه. فلو أن ترجماناً ضعيف العربية من تراجم المحاكم حدثته نفسه أن يعرض لإحدى روائع شكسبير فنقلها نقلاً لفظياً بأسلوبه الذي يترجم به عُروض الأحوال أو أصول الاحكام، فهل تقول إذا استطعت أن تقرأ ما كتب إنك قرأت شكسبير، أم ترى أنك قرأت ألفاظاً كالعظام المعروقة المبعثرة لا تمثل من أي حيوان معنى من معانيه ولا صورة من صوره؟ إن بلاغة التوراة والإنجيل في العبرية لا مساغ للشك فيها، ولكنك تقرأهما في العربية فلا تجد أثراً لهذه البلاغة؛ ذلك لأن الذين ترجموها إلى لغة القرآن لم يكن لهم بآدابها علم، فوضعوا لفظاً مكان لفظ، ولم يضعوا أسلوباً مكان أسلوب؛ فجاءت الترجمة كما ترى موضوعية عجماء لا تشبه لغة من لغات الناس في لون ولا طعم ولا شكل

فأنت ترى أن الترجمة التي يسوقونها دليلاً على أن الروائع الأدبية تحيا بصدق موضوعها، وأن الأفكار تنفصل عن الصور وتنتقل بدونها، هي نفسها الدليل الناهض على

ص: 1

أن الموضوع لا تتحرك الهمم لنقله، إلا إذا راع النفوس بشكله، وأن الترجمة لا تكون صحيحة إلا إذا نقل المترجم أسلوب الكاتب أو استبدل به مثله

إذا حَلِيَ في صدرك بعد ذلك أن تذهب إلى ما ذهبتُ إليه من أن تجويد الأسلوب يتضمن تجويد الفكرة ويضمن خلودها؛ فدعك من أولئك الذين عادَوا الكمال الفني بطبائعهم فآثروا جانب التسمح والتجوز والمجازفة والمعافاة: كزولا، وبلزاك، واستندال، وسائر الذين رآهم فُلتير يحاصرون (معبد الذوق) ثم لا يستطيعون أن يَظهَروه ولا أن ينقبوه ولا أن يمنعوه. ولا تبال أولئك الذين نزلوا بقصورهم عن طبقة البلغاء فتنطعوا بركيك الألفاظ، وتكثروا بسخيف التراكيب، كهذه الكثرة الكاثرة من كتاب العربية وشعرائها في هذا العصر، فإنهم كما قال ابن قتيبة في أهل زمانه:(قد استطابوا الدعة، واستوطأوا مركب العجز، وأعفوا أنفسهم من كد النظر، وقلوبهم من تعب الفكر، حين نالوا الدرك بغير سبب، وبلغوا البغية بغير آلة). دعك من هؤلاء وأولئك وانظر أنت في الأسلوب الذي ارتضيته لنفسك فتعهده بالتصحيح والتنقيح ما استطعت، ولا تحفل الزمن الذي تنفق فيه؛ فإنك تخلق الخلق ليعيش، وتبدع الأثر ليخلد. والزمن لا يُبقي على عملٍ يتم بدونه. وما العبقرية كما يقول بوفون إلا صبر طويل. ولا عليك أن يقال عنك إنك بطيء بكيء؛ فإن زهيراً لم يعبه أحد بحولياته، وابن المقفع لم يغض من عبقريته قلة مؤلفاته، وأبو نواس شهر بالتخير والتفكير، كما شهر أبو العتاهية بالارتجال والاقتضاب، فجاء شعره كله من حر الكلام ومختاره، كما جاء شعر الآخر على رأي الأصمعي (كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى). وللابرويير كتاب واحد، ولفلوبير كتابان؛ ولو كان لبلزاك كتاب من طراز (الشمائل)، أو كتابان على أسلوب (مدام بوفاري) و (سلامبو) لما قلت شهرته بهما عن شهرته بمجلداته الخمسين

والروية والعمل والتهذيب والتأنق تشف عنها العبقريات الخالدات للعباقرة الخالدين. فهنا تجد الفرزدق ومسلم بن الوليد وأبا تمام وأبا العلاء وسهل بن هرون وأحمد بن يوسف والجاحظ وابن العميد والحريري؛ وهناك تجد بوالو ولافونتين وتين ولابرويير وبسكال ومنتسكيو وفلوبير وشاتوبريان وإدمون رستان!

كان لافونتين ينظم المثل ثم ينظر فيه عشر مرات، وفي كل مرة يحرر ويغيِّر، ويحذف

ص: 2

ويضيف. وكان شاتوبريان يبديء الصفحة ثم يعيدها على نحو ما كان يفعل لافونتين. ويقول بسكال إنه حرر بعض فصول (البروفنسيات) خمس عشرة مرة. ولو كشف أفذاذ الكتاب عن عاداتهم في الكتابة لما وجدت فيهم من يرسل الكلام كما يجيء، ويقيد الفكر كما يَعِن

ومعاذ الله أن تحمل هذا الكلام الواضح على محمل العجزة الكسالى من مفاليك الأدب وصعاليك الصحافة، فتفهم من الروية التكلف، ومن العمل الجهد، ومن التهذيب الصنعة المكشوفة، ومن التأنق الزخرف الكاذب. تلك عيوب سيجيئك الحديث عنها فيما يجيء. ولسنا اليوم بصدد الإفاضة في تحليل الصفات الفنية التي تميز كلاماً من كلام، وتقضي لأسلوب على أسلوب. ذلك موضوع الحديث المقبل، وإنما كان ما ذكرناه من ضرورة المعالجة والمراجعة والتخير، تذييلاً لابد منه لمناقشة الخلاف بين أنصار الجمع بين الفكرة والصورة، وبين أنصار التفريق بينهما على الوجه الذي رأيت؛ فإن من لوازم الجمع التروية والتجويد والعناية، ومن لوازم التفريق التساهل والإهمال والارتجال ومجافاة القواعد؛ وكلها من أعراض السرعة التي جعلناها في حديثنا الأول إحدى البلايا الثلاث التي تكابدها البلاغة في هذا العصر.

(للكلام بقية)

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌الحديث ذو شجون

للدكتور زكي مبارك

بين الحب والإعجاب - شبهة لغوية - غناء وغناء

بين الحب والإعجاب

الصلة بين الكاتب والقارئ منوَّعة الألوان، فهنالك كاتب يحبه القارئ، وكاتب يعجب به القارئ، وكاتب يظفر بالحب والإعجاب

ومَرَدُّ الأمر إلى ذاتية الكاتب، فإن كان أدبه أدب وجدان فهو جدير بالحب، وإن كان أدبه أدب ذكاء فهو خليق بالإعجاب، وإن جمع بين الوجدان والذكاء فهو الكاتب المنشود، وهو الذاتية الكاملة فيما يرى أصحاب الأذواق وأرباب العقول

والظاهر أن الأدب الحق يأخذ زاده من الذكاء ومن الوجدان، فإن خلا من أحد هذين الزادين فهو عُرضة للضعف، وإن خلا منهما معاً فهو إلى فناء

وقد يظن بعض الناس أن الذكاء والوجدان من المواهب الثوابت، وأن من حق الموهوبين أن يتكلموا حين يريدون. وهذا توهم، فما يستطيع أعظم عقل أو أكبر قلب أن يجود بالمعاني في كل وقت، وإنما هي بوارق تَصدُر عن العقل والقلب من حين إلى أحايين

ومع هذا فمن المؤكد عندي أن العقول تُراض وأن القلوب تُراض، ولكن كيف؟

هنالك أغذية لا يعرفها مؤتمر الأغذية، وهي التأملات في دقائق الفروق بين الحيوات الحسية والمعنوية، وهي فروق لِطاف لا يدركها غير قلب الأديب وعقل الفيلسوف

والظاهر أيضاً أنه لابد من التزود بما سميته (الحاسّة الفنية) وهي حاسة لا توهب لجميع الناس، وإنما يختص الله بها من يشاء، وإلا فكيف جاز أن يكون النوابغ في كل أمة آحاداً وإن زاد أبناؤها على عشرات الملايين؟

إن الوجود كتابٌ مفتوح، ولكنه لا يُقرأ بسهولة، ولا يجتلي أسراره غيرُ أفراد، فكيف نصل إلى لُبابه المكنون؟

أعتقد أن مسئوليتنا نحو أنفسنا خطيرة، فنحن نضيع فرص التأمل، ونحن نتهيَّب ما يُغضب المجتمع، ونحن نجعل السلامة شارة النصر المبين

ص: 4

الأصل في الأدب أن يكون ثورة عقلية وذوقية، والأصل في طبيعة الأديب أن تكون قوة موحية، قوة تُعطى وتَمنح، وعنها تصدر أقباس الفكر وألوان الخيال

وليس معنى هذا أن يعيش الأديب عيش المحادة للمجتمع، فالمحادة المقصودة عناد بغيض، ولكن معناه أن يستقل الأديب عن الموحيات الخارجية، موحيات الظروف، بصورة تجعل أدبه من وحي الخلود

ويظن ناسٌ أن الكاتب المحبوب هو الذي يحدّث قراءه عما يألفون، وهذا خطأ في خطأ، وإنما الكاتب المحبوب هو الذي يمضي بقرائه إلى شِعاب من الفكر والروح والوجدان لا يصلون إليها بغير دليل. فمن غفلة بعض الكاتبين أن يأنسوا إلى العامية الفكرية، عامية الرأي المبذول بغير حساب على اختلاف عهود التاريخ. وما قيمة الكاتب إن لم يُشعر القارئ بأنه هداه إلى أفق جديد من آفاق العقل والروح، ولو بلمحة سانحة في أثناء الحديث؟.

يجب أن تكون للكاتب ذاتية عقلية وروحية، عساه يخلُق في القارئ وجداناً يحس به حقائق الوجود. فليس بكاتب ولا مفكر من يكون محصوله نُفاضة من أضابير زهد فيها العنكبوت

والأدب عند كل أمة وفي كل عهد سموٌ وعَلاء، أو هو التعبير الصحيح عن المطامح الكريمة في السمو والعلاء، ولهذا كان من أساسه الأصيلة أن يكون طريف الفكرة جميل الأسلوب

وليس المراد من طرافة الفكرة أن تكون رأياً لم يسمع بمثله الناس، لا، وإنما المراد أن يكون تعبير الكاتب عنها تعبيراً ذاتياً يجعلها من الطريف، بحيث لو تحدث عنها غيره لعُدت من الحديث المعاد

أما جمال الأسلوب فله عندي مقياس يخالف المعروف من المقاييس، والكاتب صاحب الأسلوب في نظري هو الكاتب الذي يشغلك بنفسك حين يوجه إليك الحديث، ومعنى هذا أن تبرز الفكرة بصورة قهارة ينسى فيها القارئ أنه في صحبة كاتب، ولا يدرك إلا أنه يواجه معضلات يعترك فيها العقل والوجدان. وهذه البراعة لا تتفق للكاتب ولا تنصاع إليه إلا بعد أن يكون إماماً في لغته، إمامة صحيحة كونتها الرياضات الطوال على الأداء المبين بالأسلوب الرشيق

ص: 5

شبهة لغوية

هي شبهة من يتوهمون أن اللفظة الفصيحة هي اللفظة المخدَّرة ويريدون بها اللفظة التي لا يعرفها سواد الناس، فالكاتب العظيم في نظر هؤلاء هو الكاتب الذي يتحامى المأنوس من الألفاظ، ويؤثر الألفاظ التي عاشت في المعاجم بقوة التحنيط وإن حُرمت الحياة منذ أزمان

وأنا لا أقيم وزناً لهذا الرأي، وأضيف أصحابه إلى الجهلاء، ولا يؤذيني أن يتهموني بالتسامح في اللغة، كما طاب لأحدهم أن يقول ذلك في إحدى المجلات

الألفاظ تتقاتل في سبيل العيش كما يتقاتل الناس، فينتصر فريق وينهزم فريق، ثم يجيء الكاتب الحصيف فيعانق اللفظ المنتصر، ويتقدم الكاتب المخذول فيعانق اللفظ المخذول

كان أحد أعضاء المجمع اللغوي - وهو السيد حسن القاياتي - أنكر عليَّ في مقال نشره في جريدة البلاغ منذ سنين أن أستعمل لفظة (يستأهل) بمعنى (يستحق) فكتبت في الرد عليه مقالاً بعنوان: (والله تستأهل يا قلبي)

واستعملت مرة كلمة (شافَ) بمعنى (رأى) فثار خلْقٌ من خلق الله وعدوني من المتسامحين في اللغة، فسألتهم عن (تشوَّف) وهي كلمة كثيرة الورود في قصائد التشبيب، ثم أكدت لهم أن العرب في جميع الأقطار يقولون:(شافه) بمعنى (رآه) وقد (شفتهم) بعيني!

أتريدون الحق؟

الحق أن النقد اللغوي غلبت عليه الصبغة الببغاوية، واليكم هذا المثال:

قضى علماء البلاغة نحو عشرة قرون وهم يقولون في مؤلفاتهم وفي دروسهم بأن المتنبي أخطأ في جمع بوق على بوقات حين قال:

فإن يك بعض الناس سيفاً لدولةٍ

ففي الناس بوقاتٌ لها وطبول

وكان العجب كل العجب أن يتحامل علماء البلاغة على المتنبي نحو عشرة قرون، ولا يجدون من يهديهم إلى الصواب.

وأثني على نفسي (للمرة الأولى بعد الديشيليون) فأقرر أني تفردت برفع الظلم الذي عاناه المتنبي في تلك القرون، ولكن كيف؟

ليست البوقات جمع بوق، كما توهموا، وإنما هي جمع بوقة، والبوقة هي اللفظة الاصطلاحية في موسيقا الجيش العربي، كما تشهد نصوص رأيتها في بعض كتب التاريخ

ص: 6

وهنا أسوق فائدة لا أذكر أني رأيت من نبه إليها في كتب الصرف، وهي جعل التأنيث من صور التصغير، فالبوقة أصغر من البوق، والطبلة أصغر من الطبل، والبحرة أصغر من البحر، وقد بولغ في تصغيرها فصارت بحيرة

و (طُونس) الساقية في عُرف أهل الريف له وصلة يسمونها (الفرخ) إن كانت طويلة، ويسمونها (الفرخة) إن كانت قصيرة

وفي شوارع القاهرة نجد بائعاً يتغنى:

(حَبِّ العزيز الرُّبعة بقرش)

فما الرُّبعة؟ هي مصغر الرُّبع، بلا جدال

إن الصفة الببغاوية في النقد اللغوي أضرت باللغة وآذتها أعنف الإيذاء، فقد كتب كاتب في الرسالة ينقد استعمال كلمة (مَرِير) بمعنى مُر، وحجته أن المرير هو الحبل المحكم الفتل، ثم اتفق أن رأيت الشريف الرضي يستعمل كلمة المرير ويريد بها المر، فنظرت في أساس البلاغة فوجدت الزمخشري نص عليها بوضوح لا يحتمل الخلاف

وأنكر قومٌ جمع صناعة على صنائع، وألحوا إلى أن حملوا وزارة المعارف على تغيير اسم مدرسة الصنائع، مع أن لهذا الجمع شواهد تفوق العدَّ، وعلى أقلام كبار البلغاء

وأنكروا أن تنسب إلى الطبيعة فتقول طبيعي، مع أن العرب لم يقولوا طبَعي، ومع أن (فَعَلي) في (فَعِيلة) هو في ذاته شذوذ

والجرائد تقول (القتيل) وهي تريد القتيلة، لأن قائلاً قال بأن (فعيل) يستوي في التذكير والتأنيث، وهذا خطأ، إذا كان فعيل بمعنى مفعول، وهل أخطأ صاحب لساب العرب حين قال: رجل دفين وامرأة دفينة؟

ولم يفهم النحويون علة التذكير في آية (إن رحمة الله قريب من المحسنين) فعدوه تذكيراً أوجبته المجاورة ونسوا أن (قريب) في معنى الفاعل لا معنى المفعول

والمراد من الصفة الببغاوية في النقد اللغوي هو أن يحكي بعض الناس ما يقرءون حكاية الببغاوات. فأكثر ما نرى من اعتراض هو ألفاظ منقولة عن ناس تعرضوا للنقد اللغوي بلا بصيرة ولا يقين

لغة العرب لغة آبائنا وأجدادنا، فليعرف من لم يكن يعرف أن خطأنا فيها أفصح من

ص: 7

الصواب. وإننا لن نستمع لأي اعتراض بعد أن ركزنا الراية فوق ناصية الخلود

غناء وغناء

في مكان يستبق إليه ضياء الشمس، ونور القمر، وهدير الأمواج، وقفت أنتظر وفاءً بميعاد هو الميعاد

وأقبلت الروح الملائكية في سِمة إنسانية، كما يطيب للملائكة أن تتشكل بصور الناس في بعض الأحيان

ودار حديثٌ أعذب من رنين الكؤوس، وأرق من وسوسة الحلي، في لحظات الصفاء

ثم دار عتابٌ كعتاب القلوب للعيون، فماذا قلت وماذا قالت تلك الروح، وقد أصغى البحر واستمع الوجود؟

لو تجمع ما أثار البحر من عواطف على اختلاف الأجيال، ولو اعتصرت الحياة ما يجري في أعوادها من رحيق الحب، لكان هذا وذاك دونَ ما أضفينا على الكَون من بهجة النعيم. . . ولو دُعينا لأداء الزكاة عن تلك اللحظات لكان من القليل أن نقضي العمر في شكران من قضت حكمته أن يجعل الحب سيطرة روح على روح، وانجذاب روح إلى روح

كان ضجيج المدينة أضعف من أن يحجب سرار القلوب، وكان القمر بفضل عليائه أشرف من أن ينمِّ عن خلوة حبيب بمحبوب

في شهر يونية تقوم غمامة تحجب القمر في لحظة لا تنتظر ظلال السحاب، فنفهم أن للحب والشعر آلهة، كما تقول أساطير القدماء

كانت الدنيا كلها في يدي، وكان هواي هو الهوى، وزماني هو الزمان، وكانت لغة الوجد فوق الأصوات والحروف، وهل يعرف أحدٌ ما لغةُ الأنفاس الحِرار؟ وكيف وما كانت اللغات إلا تعابير عما يجوز البَوْح به من سرائر الأرواح؟

وأين اللغة التي تعبِّر عن فرحنا بالحب في تلك اللحظة الوجدانية؟

أين أين. . . وهي لحظة ما ظفر بمثلها عاشق في قديم ولا حديث؟

هي زاد العمر كله، فليتمرَّد الهجر كيف شاء بعد ذلك الوصال.

لو مرت تلك اللحظة بالناس في ماضيهم البعيد لظفرت اللغات بألفاظ وتعابير تفوق الوصف، ولكان من السهل أن أشرح ما يوحي به ذَرْع (الرمل) على نغمات الموج في

ص: 8

صمت الليل

ثم نفترق، فمتى نلتقي، يا روحاً لا يحيا بدونه روحي؟

للوجود كله غِناء، ولنا وحدنا غناء، وروحك هو غَريد البلبل، وحفيف النسيم، وهدير الموج، وعربدة الكهرباء

ثم نفترق وقد تحيرنا بين النور الأحمر والأزرق، وهذه إشارة لا يفهمها غير أسارى هذين النورين في (دار الوجد والمجد)، عليها أطيب التسليمات!

فمن فاته أن يعرف سر هيامي بوطني فليقرأ هذه السطور بروحانية وإخلاص

الإسكندرية هي المثال المصوِّر لسرائر النعماء، ومن لم يزر الإسكندرية فليس من حقه أن يزعم أنه عاش لحظةً من زمان

ولي في الإسكندرية دارٌ تشكو جفائي، ولم أكن من الجافين، دارٌ أساورها بلا استئذان حين أريد، كأنها دار الهوى في سنتريس أو بغداد أو باريس

في الصبح قرأت مقالاً في جريدة الأهرام عن إيطاليا بعد ثلاث سنين، وفي الظهر قرأت مقالاً في جريدة الريفورم عن إيطاليا بعد ثلاث سنين، فتذكرت أني عرفت تلك الروح في اليوم الذي أعلنتْ فيه إيطاليا الحرب قبل ثلاث سنين

وما أبعد الفرق بين إيطاليا وبيني!

مرَّت بها موجاتٌ هزمتها، ومرت بي موجات نصرتني

أفي الحق أننا لم نتعارف إلا قبل ثلاث سنين؟

أنت يا جِنِّية الشاطئ رفيقة روحي منذ أزمان وأجيال، وأنت مُناي من الهوى قبل أن يتنفس صبح الوجود

لابد للإسكندرية من حبيبين، فلنكن هذين الحبيبين، ولتفرح بنا الإسكندرية فرح الأليف بالأليف

يا مثال الحُسن ومثال اللطف، ويا ريحانةً مطلولة في صباح من أصبحة آذار!

يا تلك الروح في تلك المدينة، تذكري ثم تذكري، تذكري (سبعة أَبحُر) في لغة العراق و (سبعة أرادب) في لغة السودان، وتذكري الأبيات التي أمليتها عليك من لغة الفرنسيس. والى اللقاء في شِعاب الوجدان

ص: 9

زكي مبارك

ص: 10

‌لكي ننتفع بتجاريب غيرنا

2 -

المسرح في أوربا

بين حربين

(في إنجلترا)

للأستاذ دريني خشبة

رأينا في الكلمة السابقة كيف علل إرقن عوامل الرقي والانحطاط في المسرح الأوربي بوجه الاجمال، وعرفنا وجهة نظره في جمهور النظارة؛ وسنرى كيف يربط وجهة نظره تلك بتأخر الدرامة بعد الحرب الكبرى في أوربا عامة وفي إنجلترا على وجه الخصوص، ثم ما نشأ عن انحطاط حاسة هذا الجمهور الفنية من قيام المسارح التجارية التي أجهزت على البقية الباقية من السمو المسرحي الذي ورثته أوربا عن جهابذة كتاب الدرامة وشعرائها قبل تحول هذه القارة من الزراعة إلى الصناعة، ثم ما صنعته الحرب الكبرى من التحلل في أعصاب الأوربيين وما أفسدت به أرواحهم من انتشار الخلاعات في معظم شعوبهم ولاسيما في شعوب البحر الأبيض المتوسط أو الشعوب اللاتينية على وجه التخصيص

لم تعد تروج المأساة في مسارح هذه الشعوب المحتاجة إلى ما يرفه عنها. . . لقد فقدت إنجلترا قرابة المليون من زهرة شبابها المثقف اليانع، وقل الرجال في فرنسا التي فقدت في تلك الحرب المشئومة أكثر من مليونين، وكان لقلتهم أوخم العواقب الاجتماعية والأخلاقية، فقد فشت الخلاعة، وانتشرت الرشوة، ونفقت السوق السوداء، وخربت الأمم، واختلت معايير الفضيلة، وأصبحت الخيانة الوطنية أبسط الجرائم التي تقترف دون مبالاة. أما في إيطاليا فقد خنقت الحريات باسم الإصلاح الفاسستي، ذلك الإصلاح المادي الذي ملأ روح الأمة بالخيلاء والزهو الكاذب وأفسد فيها مثُل غاريبلدي العليا. . وفي أسبانيا حدثت القلاقل التقليدية في تاريخها المفعم بالأعاجيب، فطاح عرش ألفونسو، وشبت الحرب بين الاشتراكيتين اللتين تصطرعان الآن في روسيا وألمانيا، وانصرف الجمهور عن المسرح بعد إذ كان يشارك الجمهور الإيطالي في الذهاب إليه (بالجملة) حيث كانت العائلات تقصد

ص: 11

بكامل هيئاتها لشهود الروايات التمثيلية حاملة معها عشاءها أو غداءها فلا تجد بأساً من تناوله أثناء التمثيل. أما في روسيا وألمانيا فقد عرفنا رأي الاشتراكية في الفنون والآداب والأخلاق والأديان في الكلمة السالفة، وعرفنا كيف خضع المسرح فيهما لخدمة الدعاوة السياسية مما حاد به عن الجادة

فمن غير المعقول أن ير في التأليف المسرحي في شعوب هذه حال الكثرة الساحقة من أفرادها، وإذا قدر لنوع من التأليف أن يروج فيها فلابد أن يكون النوع الذي ينحط إلى مغازلة هذه الأذواق المريضة والأعصاب المنهوكة والأرواح المتعبة؛ ومؤلف الدرامة مضطر إلى أن ينصاع للخطة التي تمليها عليه الظروف المسرحية والتي ترسمها وتتحكم فيها نقود ذلك الجمهور، تلك النقود التي أتلفت الدرامة الفنية وخلقت المسارح التجارية في طول أوربا وعرضها ولاسيما في فرنسا وفي إنجلترا. إننا نردد في مصر دائماً أن واجب رجل المسرح سواء أكان مؤلفاً أو مخرجاً أو ممثلاً هو أن يرتفع دائماً بالجمهور لا أن ينحط إلى مستوى الجمهور، ثم ننسى أن ذلك الارتفاع بالجمهور الذي ننادي به هو عمل شاق يتعرض دائماً لظروف تجعل المهمة تنتهي دائماً إلى الفشل الذريع، لأننا نتعامى عن عيوب جمهورنا الذي كان ينبغي إصلاحه وتهيئته لشهود الروائع المسرحية. إن جمهورنا بثقافته التي لا نجهلها غير مستعد لشهود الدرامة الهادئة التحليلية ذات القضايا التي تنتهي إلى نتائج ترضي العقل ولا تستفز القلب، وتقنع التفكير ولا تحرك العاطفة. ولقد حاولت الفرقة القومية المنحلة القيام بهذا العمل الجليل، فماذا كانت النتيجة؟. . . إنها لم تجد جمهوراً. . . لأنها نسيت طبائع هذا الجمهور فلم تعالجها العلاج المعقول ولم تزخرف له من المغريات ما تجذبه بواسطته إليها. . . ولو أننا الآن بسبيل الكلام عن المسرح المصري لخضنا في الحديث عن الفرقة القومية التي أدى إلى حلها، كما أدى إلى إلغاء معهد التمثيل، تفكير أمي مرتجل يدل على قصر النظر إن لم يدل على العمى المطلق الذي يصيب سياستنا الإنشائية دائماً. . . ولما كان لهذا الحديث حينه إن شاء الله فنحن نرجئه لوقته. . .

تحكم العامل الاقتصادي إذن في خلق المسرح التجاري في أوربا جميعها، وفي إنجلترا خاصة، ولكي نعذر مديري المسارح التجارية في الانزلاق بالدرامة وبالمسرح في هذه

ص: 12

الهوة التي لم تكن تليق بأسمى الأعمال الفنية الثقافية. نذكر أن متوسط نفقات المسرح العادي في إنجلترا في الأسبوع الواحد هو أربعمائة جنيه، ويقفز هذا المبلغ في مسارح الوست إند الإنجليزية إلى 1200 جنيه أو 1300 جنيه في الأسبوع، إذ يقدر إيجار المسرح بما يتراوح بين 250 و 600 جنيه في الأسبوع الواحد، ومتوسط إيجار أحد المسارح اللندنية اليوم هو 400 جنيه في الأسبوع، وبإضافة أجور الممثلين والإداريين ومصممي المناظر ومهندسي الإضاءة والخدم والمستخدمين الآخرين ورجال الأركسترا وأجور الإعلان والنور والتدفئة الصناعية وثمن الدرامة وضريبة الملاهي (وإن تكن محتسبة على النظارة) يقفز المنصرف على المسرح أسبوعياً إلى ما ينيف على الألف جنيه بكثير. وإذا علمنا أن ثمن تذكرة الكرسي الممتاز هو ستون قرشاً (12 شلناً)، وأن ثمن الكرسي العادي هو تسعة قروش عرفنا أن إيراد المسرح متوقف إلى حد بعيد على ثمن الكراسي الممتازة (الألواج والبناوير والكراسي الأمامية) وهي الكراسي التي يدفع ثمنها الأغنياء من الجمهور الذي وصفنا، فإن لم يعمل مدير المسرح حساباً لذوق هؤلاء الأغنياء انصرفوا عنه بطبيعة الحال وتكون النتيجة المنطقية هي الخراب والإفلاس إذ تسقط الرواية من الوجهة الاقتصادية، والمدير محتاج - كي يغطي مصروفات الإخراج فقط - إلى أن تباع جميع كراسيه في حفلات شهرين على الأقل، لأن فترة الإخراج لا تدر عليه إيراداً، وهي عادة تكلفه ثلاثة أسابيع، أي أنها تكلفه حوالي أربعة آلاف أو خمسة آلاف من الجنيهات. ومن أظرف ما يورده إرفن بهذه المناسبة أن جميع المديرين في مسارح لندن، بل في جميع المسارح الإنجليزية هم رجال مثقفون ثقافة ممتازة، وهم لهذا يخجلون من أنفسهم كلما بالغوا في الإسفاف بالدرامة إلى حضيض التهريج والشعبذة ليضمنوا إقبال الطبقة الخاصة من هؤلاء الأغنياء التي تشتري التذاكر ذات الأثمان المرتفعة

(وليس أحب إليهم، لهذا السبب، من أن يقدموا للجمهور درامات من عصارة الفكر ولباب الفلسفة لو ضمنوا جمهوراً من الأغنياء الفلاسفة؛ إذ لو تأخر الزمن بشكسبير وأقبل بعد الحرب الكبرى وفي يده روايته الخالدة هملت ليعرضها على أحد هؤلاء المديرين لألقوه جميعاً من نوافذ مسارحهم، إن لم يلقوه في شيء آخر داخل هذه المسارح (!!) وذلك لأن في رواية هملت ثلاثين بطلاً يقتل معظمهم، ثم منظر هذا الشيخ المفزع كفيل بتمزيق

ص: 13

أعصاب المترفين من جمهور النظارة. . . فما لهم ولهذه المهلكات التمثيلية، وما جاءوا إلا ليلهوا هذا اللهو الخفيف الظريف الذي لا يسيل دموعاً ولا ينكأ في القلوب أوجاعاً!! ولا شك في أن شكسبير كان يرتد على عقبيه كسير الفؤاد كاسف البال فينطوي إلى الأبد على نفسه، وتضيع عبقريته التي تألقت في عصر إليزابث هباء منثوراً)

وقد عولج هذا الخطر في إنجلترا علاجاً جميلاً، إذ أنشئ في كل مدينة إنجليزية هامة مسرح من المسارح باسم أو المستودع - إن جازت هذه الترجمة السقيمة - أو مسرح الروايات التي سبق تمثيلها. وتمتاز هذه المستودعات بقلة النفقات، إذ لا يتجاوز مصروفات أحدها المائة من الجنيهات كما تمتاز بتفاهة أجور الممثلين وثبات ما تنفقه على المناظر لأنه لا يتكرر إلا كلما رث وأصبح غير صالح للاستعمال، ثم هي معفاة تقريباً من مصروفات الإخراج. فمن أشهر تلك المسارح مسرح برمنجهام الذي يدين ببقائه لكرم المستر باري جاكسون؛ ثم مسرح منشستر الذي كان يدين بوجوده للمِنح الكبيرة السخية التي تنفحه بها الآنسة تلك الإنجليزية العجيبة التي كانت تنفق من حر مالها على مسارح كثيرة حفظاً لها من الإنحلال؛ فمن تلك المسارح التي كانت تنعم بأعطياتها مسرح دبلن بإيرلندة أما مسرح هو الآخر يعتمد في مواصلة أعماله على كرم اثنين من أسخياء الإنجليز. . . وقد كانت معظم هذه المسارح تستمد قوتها من مسرح الكورت بلندن الذي كان يأذن لها جميعاً في تمثيل رواياته بل كان يمدها ببعض ممثليه. . . على أن مسارح المستودعات كثيراً ما كانت تحيد عن تقاليدها فتخرج روايات جديدة للمؤلفين المبتدئين. ومن هنا كانت فائدتها الجزيلة في إظهار عبقريات إنجليزية لم تكن لتبرز إلى الوجود لولا هذه المسارح. وحسبك أن تعلم أن برمنجهام كان الحقل الأول الذي نما فيه جون درنكووتر حيث أخرج له روايته المعروفة (أبراهام لنكولن)، كما نما فيه أيضاً شاعر الأوبرا المشهور (رتلاند باوتن)؛ وأن مسرح دبلن كان الحقل الأول الذي ازدهر فيه العاهل الدرامي الكبير جون. م. سينج والمستر لِتكس روبنسَن والليدي جريجوري. والذي يهمنا من هؤلاء الثلاثة هو سينج الذي يسمو إلى مرتبة شو في المسرح الإنجليزي الحديث؛ ولولا مسرح دبلن لما ظهر في الوجود. وفي مسرح منشستر: الـ ظهرت عبقرية ستانلي هاوتن، شارلز ماك إفوي ومستر الآن منكهوس. وفي ليفربول تألق نجم المستر رونالد جينس

ص: 14

الناقد المسرحي اللامع. . . أما في مسرح الكورت بلندن فقد وثب إلى قمة المجد مستر شو وجولذ ورثي وجرانفيل باركر وجون هانكن. . . وكما كانت هذه المسارح وسيلة لإظهار هذه الطائفة الضخمة من كبار المؤلفين فكذلك كانت سبباً لظهور أكابر الممثلين الإنجليز. وقد كان مسرح ليفربول أعظم مدرسة إنجليزية لتخريج أحسن ممثلي الطراز الأول كما بدأ نبوغ الممثلة الذائعة الصيت سيبيل ثورنديك في مسرح منشستر وهي التي أصبحت درة مسارح الوسْت إند فيما بعد. . . وكذلك أخرجت تلك المسارح طائفة عظيمة من كبار المخرجين وعلى رأسهم المستر باسل دين كما أخرجت الكثيرين من مصوري المناظر وفي مقدمتهم المستر جورج هارِسْ

أما ما كان يعاب على مسارح المستودعات هذه فجملة أمور أهمها ضآلة أجور الممثلين وضآلة المكافآت التي كانت تمنحها للمؤلفين الناشئين - وكثيراً ما كانت المس هورنيمان وغيرها من أسخياء الإنجليز هم الذين يشترون الروايات الجديدة ويمنحونها للمسارح على سبيل الهدايا ومن باب التشجيع، - وكانت هذه المسارح كلها متقاطعة فيما بينها، فلا يتصل أحدها بالآخر، ولا تقوم فرقها بزيارات إقليمية، وكانت عنايتها بالروايات الجديدة تافهة كما قدمنا. ولعل هذا كان سبباً في تخليد تلك الثروة العتيدة الضخمة من الروائع المسرحية القديمة التي لولا مسارح المستودعات لاختفت إلى الأبد أو لأصبحت محبوسة في بطون الكتب لمن شاء أن يقرأها لا لمن يحاول أن يمثلها أو يشهدها على خشبة المسرح قطعة فنية حية تتحرك بأشخاصها ومناظرها وعنصرها وموضوعها. على أن أكبر عيوب تلك المسارح هو الملل الذي يتسرب إلى نفوس النظارة من كثرة ما يشهدون ممثليها، إذ يتفق للمتفرج أن يشهد الممثل ثلاثين أو أربعين مرة (هذا في إنجلترا!) في السنة الواحدة، وفي ذلك من الإملال لنفس المتفرج ما فيه، والمتفرج - بل كل نفس بشرية - محتاجة إلى التشويق بالأشخاص الجدد حاجتها إلى الهواء الجديد والمناظر الجديدة والموضوعات الجديدة. ولعل هذا الركود في وحدة أشخاص الممثلين هو الذي أوشك أن يقضي على تلك المسارح بانصراف الجمهور عنها - ولعل هذا أيضاً هو أحد العوامل التي هونت على الجمهور المصري شأن المسرح وسببت انصرافه عنه. وهم يقترحون لاستدراك هذا الخطر - في إنجلترا طبعاً - تسهيل تزاور هذه الفرق ليعرض كل منها رواياته في

ص: 15

مسارح البلدان الأخرى، على ألا تتحمل الفرق مصروفات الانتقال أو أجور المسارح التي تزورها ما دام التزاور سيكون على قاعدة التبادل المنفعي. . . ومن عيوب مسارح المستودعات أيضاً سرعة تغيير البرنامج الذي يقتضيه الفرار من إملال الجمهور المتشوق إلى رؤية الجديد دائماً. . . وسرعة تغيير البرنامج تؤدي إلى أخطار كثيرة منها عدم عناية الممثل بدوره لكثرة إرهاقه بالعمل. وكان المسرح الألماني يتخلص من نتيجة ذلك بتمثيل الرواية الواحدة في أكثر مسارح الـ في وقت واحد ولمدة طويلة معينة ربما امتدت إلى أكثر من خمسة عشر أسبوعاً، وبذلك يضمن ربحاً معقولاً للمؤلف الذي تخصص له حصة معلومة من جميع المسارح، كما يضمن الراحة لجميع أفراد الممثلين الذين يتمكنون بذلك من أداء أدوارهم على خير وجه مضمون. على أن الألمانيين، قبل الحرب الكبرى، كانوا يعرفون للمسرح قدره، وقد ضاقوا ببطء الأساليب المسرحية الإنجليزية فأنشأوا مسارحهم الخاصة على منوال جديد وذلك بتشييد المسارح الشعبية الحرة ' التي كانت بلديات المدن الكبرى تمدها بإعانات على جانب كبير من السخاء كما كانت هي تتألف عن طريق الاشتراك من آلاف الأعضاء الذين كانوا يمنحون امتيازات عظيمة لشهود الروايات، وكان أجر الدخول لا يتجاوز الخمسة قروش قط، كما كانوا، مقابل جنيه واحد في السنة، يحصلون، يحصلون على مجلة مسرحية ثقافية ويملكون الحق في شهود عدة محاضرات ثقافية تلقى عليهم بانتظام، هذا إلى حضور أربعين حفلة تمثيلية بالمجان موزعة على الفصل التمثيلي السنوي. والعجيب في ألمانيا أن برلين نفسها كانت متخلفة في الحركة التمثيلية وراء جميع المدن الألمانية الكبرى فلم تكن تفرض هذا الذوق الـ أو العاصمي الذي تفرضه العواصم الأخرى على المدن الأقل شأناً في المملكة؛ فكان لمدينة كولونيا مسرحها الشعبي العتيد الذي كانت بلديتها تمنحه سنوياً مبلغ خمسة وعشرين ألفاً من الجنيهات؛ وكذلك كان لمدينة ثورن، وهي من أصغر المدن الألمانية، مسرحها الشعبي الذي كانت تمنحه بلديتها مبلغ ألف جنيه سنوياً. وقد مثل مسرح كولونيا رواية المعركة لجولذورتي الإنجليزي فربح منها أضعاف ما ربح في إنجلترا.

دريني خشبة

ص: 16

‌على هامش النقد

الأدب (المهموس) والأدب الصادق

للأستاذ سيد قطب

أرجو أن تكون هذه الكلمة هي الكلمة الأخيرة عن (الأدب المهموس). وبرنامجها يتناول ثلاثة أغراض:

فأما الغرض الأول: فهو أن الأدب المصري لم يخل من صور ذلك اللون المحبب إلى الأستاذ (مندور)، وهي صور منوعة وأكثر سلامة من النماذج التي استهوته هناك. ولكن عجلته فيما يصدر من الأحكام، وعدم انفساح الوقت أمامه ليدرس قبل أن يحكم، وتشيعه الواضح المفهوم لشعراء المهجر. . . هذه الأسباب جميعها جعلته ينادي بأن الشعر المصري متخلف قروناً عن الشعر المهجر، وأنه شعر خطابي لا يستهويه

وأما الغرض الثاني: فهو أن هذا اللون من الأدب، ليس هو اللون الوحيد الذي يستحق الإعجاب، وقد لا يكون أفضل الألوان؛ فالتشيع له إلى أقصى الحدود، وإنكار ما عداه من ألوان الأدب الأخرى، مسألة (مزاج) خاص، له دوافعه الخاصة، وليس حكماً أدبياً يرتكن إليه النقد الفني

وأما الغرض الثالث: فهو الحديث عن (النماذج البشرية) الحبيبة إلى الأستاذ مندور وعلاقتها في (مزاجه) بحكاية (الأدب المهموس) من بعض النواحي. وهو ما أرجو أن ينفسح له المجال في هذا المقال

ليس من الضروري أن يستتبع الهمسُ الأسى، وليس من الضروري أن يكون الأسى متهالكاً ليكون حبيباً إلى النفوس. ولكننا - مع هذا - نعرض للأستاذ مندور صورة من صور الشعر الهامس فيها الأسى وإن لم يكن فيها التهالك، لشاعر مصري كبير تحت عنوان (السلو)

أذن الشفاء. فما له لم يحمد؟

ودنا الرجاء وما الرجاء بمسعدي

أعدوت أم شارفت غاية مقصدي؟

برد الغليل اليوم وانطفأ الجوى

وسلا الفؤاد فلا لقاء ولا نوى

وتبدد الشملان أي تبدد

ص: 17

قذفت بنا الأيام في غمراتها

ورمت بنا في التيه من فلواتها

فردين لم يتلاقيا في موعد

لا أنت أكرم من أحب ولا أنا

سلواك دون الناس في هذي الدنى

تفدين حبي بالحياة وأفتدي

ما كنت أحسب أن أبيت عشية

أبَدَ الزمان ولا أراك نجية

تحت الظلام ولا أضيق بمرقدي

يأتي الأصيل ولا نراقب وعده

وبلى الظلام ولا نحاذر سهده

وإذا انقضى يوم فليس: إلى غد

وإذا رأيتك في الطريق فعابر

يجتاز عابرة، وطرف ناظر

يرنو لناظرة تروح وتغتدي!

عجباً لغابرنا وحاضر أمرنا!

أكذا تمر بنا معالم عمرنا

وتزول حتى لا دليل لمهتد؟

هذي الشفاه فهل على بسماتها

أثر يشف اليوم عن قبلاتها

في ذلك الماضي الذي لم يبعد؟

هذي العيون فأين من نظراتها

لمسات رحمتها ووحي هنائها

لم يبق من خبر ولا من مشهد!

ذكرى تردد في الحياة سقيمة

وتعيش في كنف الهوان يتيمة

وتمر ذاهبة كأن لم توجد

ترى يستطيع الأستاذ مندور أن يحس بهذه القطعة وما يغشي جوها كله من أسى شفيف وهمس عميق؟ ثم تراه حين نقلب الصفحة الأخرى على صورة هامسة ذات لون آخر، يستطيع كذلك أن يحس بالصفحتين المتقابلتين؟

إذن فليسمع هذه المقطوعة الأخرى لنفس الشاعر الكبير! تحت عنوان (الكون جميل)

صفحة الجو على الزر

قاء كالخد الصقيل

لمعة الشمس كعين

لمعت نحو خليل

رجفة الزهر كجسم

هزه الشوق الدخيل

ص: 18

حيث يممت مروج

وعلى البعد نخيل

قل ولا تحفل بشيء

إنما الكون جميل

ونلمح هنا (ألفة) عميقة بين الشاعر وبين الطبيعة، هي ألفة الحبيب العاشق المتفتح الحس والنفس، المنهوم القلب والجوارح؛ ونكاد نلمحه متسع الحدق مفغور الفم، متوفز الاحساس، وهو ينشق بل يلتهم ما في الطبيعة الحبيبة من روح وجمال

قل ولا تحفل بشيء

إنما الكون جميل

قلها وأنت تستنشق ملء رئتيك ما فيه من روح وحلاوة، ثم تستريح بنفس طويل!. قلها فإنها لحظة تجلٍ لروح ذلك الكون الجميل

وقصة ثالثة ذات لون ثالث، لا هو يا لأسى الشفيف، ولا هو بالحس المنهوم؛ ولكنها اللهفة الآسفة، والحيرة الخاطفة في (الحلم الضائع) لشاعر من شعراء الشباب المصريين:

أين حلمي وغرامي ونشيدي؟

أين آماليَ في الأفق المديد؟

أين دنياي التي جسَّمتها

في خيالي، فتوارت من بعيد!

ومضة كالبرق مرت في حياتي

أيقظت قلبي وحثَّت أمنياتي

وكما يخبو شعاع بارق

لم أجد حوليَ إلا الظلمات

أين عش كان في نفسي دفيئاً

أين أفق كان في قلبي وضيئا

وحياة عشتها في خاطري

قبل أن تولد، نشوان هنيئا؟

أهو حلم أم ترى كان عيانا

عشنا النائم في دفء هوانا

وسياحات لنا في عالم

نحن أبدعناه في الحلم فكانا؟

أين يا أحلام واديك الجميل؟

أين ظل عند واديك ظليل؟

أين؟ فالجدب يغشى عالمي

وخريف العمر والصمت الثقيل

أين أين؟ كل ما قد كان فات

لم تعد في النفس إلا الذكريات

وحنين في الحنايا موغل

وظلام غارق في الظلمات

ولدي من هذه الصور عشرات، ولكن الفراغ محدود، فبحسبي هذه الصور الثلاث من الشعر المصري المتخلف قروناً، لأنه ليس من عمل شعراء المهجر لسوء الحظ!

وبعد. فليس هذا اللون من الشعر - على تعدد صوره - باللون الوحيد الذي يعجب الناقد

ص: 19

الفني ذا الآفاق الوسيمة، والنفس الرحيبة. وقد لا يكون أفضل الألوان حين يكون المقياس هو صدق التعبير عن الحياة، لا إرضاء الأمزجة الخاصة المتأثرة بماض خاص

ومن الذي يقول: إن الهمس والوسوسة في الطبيعة أصدق من الجأر والجهر؟ إن بغام الظباء ليس آصل في الحياة من زئير الآساد؛ وإن خرير الجدول ليس أعمق في النفس من هدير الشلالات؛ وإن وسوسة النسيم ليست أوقع في الحس من زمجرة العاصفة

والموسيقى؛ ما شأنها في هذا المجال، (وهو خاطر جال في نفس الموسيقي المصري المبدع الأستاذ الشجاعي بهذه المناسبة) انقضى مثلاً على موسيقى (واجنر) وكثير من سيمفونيات بتهوفن وسواه في سبيل الهمس الذي تلجأ إليه الطبيعة مرة، كلما لجأت إلى مختلف النغمات والطبقات مرات!

كل مقاييس الفنون تنكر أن يكون الهمس أجمل أو أصدق أو أعمق. وإن هو إلا (حالة) من حالات، بل حالة لا تلجأ إليها الطبيعة والحياة إلا في فترات الراحة من عناء الضجيج! وليست الحياة كلها راحة إلا أن تكون حياة مزاج خاص يرى الدنيا من زاوية واحدة صغيرة!

ألا وإن الدنيا لحفية بالهامسين والجاهرين وإنهم لأبناؤها المخلصون في جميع نغماتهم وطبقاتهم ما داموا صادقين. وإن هذه النغمات والطبقات لكثيرة منوعة تنوعَ النفوس، بل تنوعَ الحالات النفسية في الإنسان الواحد. وإننا لنعجب بالمتنبي مثلاً حين يجهر بأعلى صوته:

أفكر في معاقرة المنايا

وقوْد الخيل مشرفة الهوادي

زعيم للقنا الخطى عزمي

بسفك دم الحواضر والبوادي

إلى كم ذا التخلف والتواني

وكم هذا التمادي في التمادي

وشغل النفس عن طلب المعالي

يبيعْ الشعر في سوق الكساد

كما نعجب به حين يهمس في حنين:

خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكياً

أو حين يهمس في ألم مرير:

وحيد من الخلان في كل بلدة

إذا أعوز المطلوب قل المساعد

ص: 20

فهو هو المتنبي في جهره وهمسه، ذو الطابع الواضح، والصدق الأصيل

وبهذه الرحابة يجب أن ننظر إلى أنماط الفنون، وأنماط النفوس في هذه الحياة التي تتسع للجميع، وتحفل بالجميع، ولا تتطلب منهم إلا التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وليكن في هذه الحدود الرحيبة ما يكون

فأما النماذج البشرية، التي يهفو إليها الأستاذ (مندور) وبعض زملائه في هذه الأيام، فيمهلني القراء أسبوعاً آخر لإدارة الحديث عليها، بعد أن استغرق المقال كل المجال!

(حلوان)

سيد قطب

ص: 21

‌الشعر الخطابي

للدكتور محمد مندور

يريد الأستاذ السيد قطب أن يجعل مما سميته الهمس في الشعر نوعاً من الأدب يتميز بالإحساس الذي يغذيه فهو شعر الحنين أو (الحنية) كما يقول، وهو يحذر القراء من آرائي لخضوعها لطبع خاص أقرب إلى المرض منه إلى الصحة، ولكنني بحمد الله لست مريضاً، ولا أذكر أنني مرضت يوماً ما، وأنا على العكس سليم الجسم صلب البناء متمتع بكل قواي الجسمية والعقلية، وشخصي بعد ليس موضع الحديث، والهمس في الشعر ليس (الحنية)، ولا هو خاص بنوع من الإحساس، وإنما هو مذهب في الفن، مذهب عام لا يتقيد بمادة

أما تحذير القراء من آرائي فهذا ما أدعو إليه أنا أيضاً لأنني أمقت مبدأ (السلطة) ' وأعرف ما أصاب الإنسانية من أضراره المميتة خلال القرون الوسطى يوم كان الناس يؤمنون بآراء أرسطو لأنها صادرة عن المعلم الأول، لا لما تقوم عليه من بينات. ونحن في الشرق أحوج ما نكون إلى تحطيم هذا المبدأ الذي يشل عقول الناس فتستسلم لآراء هذا أو ذاك، والأمر في المسائل الفنية أشد خطورة، وذلك لأن الأذواق الفنية لم تتكون بعد لسبب واضح هو جهلنا بالآداب الأجنبية أو معرفتنا بها معرفة أضر من الجهل بها، وليس من سبيل إطلاقا إلى الادعاء بأن أدبنا العربي يكفي لتكوين ذوق أدبي صحيح

وإذن فأنا لا أريد أن أملي ذوقي على أحد؛ وذلك لأن الذوق وإن يكن من أعمق ملكاتنا البشرية في إدراك مواضع الجمال والقبح، إلا أنه لا يمكن أن يصبح وسيلة مشروعة للمعرفة التي لدى الغير، إلا إذا علل بأسباب عقلية وفنية ونفسية تستطيع أن توحي بمثل ما نحس به، وإلا أصبح ما نقول ادعاء كاذباً إن لم يكن نصباً.

ولقد حاولت تمييز (الشعر المهموس) بمعارضته (بالشعر الخطابي)، ولكنني فيما يظهر لا أزال محتاجاً إلى مزيد من الإيضاح. وهاأنا اليوم أتناول قصيدة للأستاذ محمود حسن إسماعيل، وجدتها مصادفة في عدد 7 يونية سنة 1943 من (الرسالة) بعنوان (حصاد القمر)

الأستاذ محمود حسن إسماعيل يذكرني دائماً بالمتنبي، ففي شعره رنين قوي تجده في بسطة

ص: 22

أوزانه وضخامة ألفاظه بل في بعض صوره الشعرية المجتلبة على نفس النحو الذي كان المتنبي يصطنعه متتلمذاً لأبي تمام. ولكني أبادر فأقرر أن شعر المتنبي غير شعر محمود إسماعيل في معدنه النفسي وفي رؤيته الشعرية

شعر المتنبي كشعر محمود إسماعيل من النوع الخطابي ولكن شاعر الحمدانيين كان شاعراً كبيراً. وأما صاحب (هكذا أغني) فشاعر يعيبه أمران خطيران:

1 -

أولهما أن المتنبي نفس قوية عاتية متماسكة. عاطفة المتنبي مغلقة مركزة عميقة ولهذا قلما تلوح كاذبة. عاطفة المتنبي نار داخلية لا تراها وإن ألهبت اللفظ أو أوقدت الصورة. وأما إحساس محمود حسن إسماعيل فمفضوح؛ ويأبى شاعرنا إلا أن يزيده افتضاحاً بقصاصات النثر التي يعلقها فوق قصائده. وفي هذا ابتذال، للنفس عنه نفرة. عاطفة محمود إسماعيل (مطرطشة) حتى لتلوح (سراباً عاطفياً) كما يقول نقاد الإنجليز

2 -

ثانيهما اضطراب الرؤية محمود إسماعيل، بل إنني لأخشى ألا يكون له حقل شعري على الإطلاق، وهذا أمر يتضح لمن يراجع صوره في أية قصيدة من قصائده، فإنه لابد واجد بينها من التنافر ما يقطع بأنه لا يرى الأشياء رؤية شعرية صحيحة. تراه يجمع بين صور لا يمكن أن تكون وحدة للموصوف، ولو أنه حرص على الرؤية الشعرية الصادقة لرأيت التجانس الذي يعوزه. وأنا بعد أرجح أنه يلتمس الصور من ذاكرته لا مما يراه ببصره أو يدركه بحسه

ونحن عندما لا نجد لدى الشاعر العاطفة المتماسكة والرؤية الشعرية لا نستطيع أن نحكم بتفوق فنه؛ وذلك لأن الرنين الخطابي مهما بلغت قوته لا يمكن أن يسمو بالشعر. فلغيري إذن أن يعجب بقوة أسر محمود إسماعيل واستحصاد لفظه وغرابة صوره. وأما أنا فما دمت لا أستطيع أن أدرك ببصري حقيقة ما يصف ولا أن أسكن إلى نوع إحساسه، فإنني لا أتردد في رفض شعره وتفضيل (نعيمه) أو (عريضة) عليه وذلك لصدق شعراء المهجر في فنهم

وأنا بعد مؤمن بأن محمود إسماعيل يستطيع أن يصبح شاعراً كبيراً جداً وذلك لأنه يملك هبتين لا شك فيهما

1 -

أولاهما روح الشعر. روح غفل ولكنها قوة من قوى الطبيعة. قوة تحتاج إلى التثقيف

ص: 23

الصحيح. ولو جاز لي أن آمل من هذا الشاعر الإصغاء إلى موضعي النقص الكبير اللذين أشرت إليهما فيما سبق لرجوت أن نجد فيه شاعراً يعتز به عصرنا

2 -

وثانيهما قدرته على الانفعال، وفي هذا ما يلهب الحس فيدرك المرء بقلبه ما لن تدركه العقول. وما يحتاج إليه محمود إسماعيل لاستغلال قدرته إنما هو نوع من النظام يركز به إحساسه ويرد ما فيه من فضول

ثم إنني أريد أن يطمئن الأستاذ قطب إلى أن أحكامي على أدباء المهجر ليست سريعة ولا هي عن جهل، فقد قرأت الكثير مما كتب وإن لم أتحدث عنه؛ وأمر اشتغالي بالدكتوراه حدث عارض لم يستوعب قط كل وقتي، وأنا لازلت عند رأيي في أدب الحكيم ومحمود طه وغيرهما مع تحفظ واحد هو أنني اقتصرت في مقالاتي على كتب بعينها ليكون النقد موضعياً ومن ثم منتجاً. ولقد قرأت لكل كاتب معظم كتبه الأخرى فوجدت الخصائص التي ذكرتها واضحة وإن تكن ثمة اتجاهات أخرى تحتاج إلى علاج خاص كتصوير الحكيم لبعض الشخصيات تصويراً ناجحاً في (عودة الروح) وكاستخدامه للهيومر في (أهل الفن)، ولكن أدبه كما قلت في جملته أدب فكرة، أدب رمزي

وكذلك الأمر في حديثي اليوم عن محمود إسماعيل هذا الحديث الذي لا أبغي من ورائه لجاجة وإنما أبغي الخير، خير الشاعر وخير أدبنا الجديد. فأحكامي عنه تستند إلى قراءة شبه شاملة لما كتب، وإن كنت سأكتفي اليوم بنقد قصيدة واحدة من قصائده حرصاً على الدقة

القصيدة كما يقول الشاعر في بطاقته وحي سياحة قمرية في ليلة من ليالي الحصاد. . .) وهاهو شاعرنا يبدأ بوصف الحقل: (سيان في جفنه الإغفاء والسهر) وإذن فنحن في حالة هيام شعري تستوي فيه اليقظة والنوم. نحن إن أردت في حلم يقظة (نعسان يحلم والأضواء ساهدة) وهذا لا ريب جو الإلهام الشعري، ولكنه جو قد قيد الشاعر؛ ونحن لا يعنينا منه صدقه أو تصنعه، فالشاعر يدعونا إلى هذا الجو وقد أعاننا على أن نحيط أنفسنا به لنخلق فيها جواً مشابهاً وننظر مع الشاعر فماذا نرى: نرى أن السنابل قد نامت واستيقظ القمر فإذا بنا أمام مقابلة مصنوعة، لأننا لا نرى نوم السنابل بوضوح ولا يقظة القمر. القمر الذي ينشر الأحلام. وهذا يسلمنا إلى ملاحظة عامة خطيرة على شعر محمود

ص: 24

إسماعيل وهي مصدر ما فيه من تنافر وأعني بها (تشخيصه) للأشياء؛ والتشخيص لا ريب من وسائل الفن القوية، ولكنه لا يمكن أن يكون مجرد عبث أو مهارة، بل من الواجب أن تمليه الأشياء إملاء يقربه الفن وقد مسه بجناحه فإذا به كالحقائق. والفن إلى حد بعيد إيهام، إيهام بالخلق، خلق واقع شعري، فهل نجح الشاعر في ذلك؟

إنني أنظر فأرى (قلب النسيم ولهان ينفطر للأضواء) وأرى (السنا قد مال جانباً) وأرى (نخلة قد أطرقت بتلعة) وأرى ظل النخلة كأنه (مضطهد)، ثم أرى (الدوح نشواناً) ومع ذلك يدعونا الشاعر إلى أن نخشع إن مررنا بالدوح النشوان. ما هذا التنافر؟ (لماذا ينفطر قلب النسيم ولهاً بالأضواء)، أهذا تجسيم لإحساس الشاعر؟ أهو تصوير لرقة النسيم تصويراً مجتلباً؟ و (لماذا يجثو السنا) وهو يحنو على الشاعر وينساب إليه من السماء؟ ثم إن الجو كله جو أحلام هادئة فيها لا ريب حزن خفيف ومع ذلك فجأة نرى الدوح نشواناً. وكل هذا تخبط في الرواية الشعرية أو انعدام لها. ومن عجب أن تجد وسط هذا التنافر الكاذب البيت الرائع بتصويره:

إن هب نسم بها خيلت ذوائبها

أناملاً مرعشات هزها الكبر

وأن يجاور هذا التصوير الجميل تشبيهه لظل النخلة (بمضطهد) وأغصان الدوح بأشباح قافلة غاب عنها الرفيقان (الركب والسفر) وقد نزل على الدوح ضيفان (الليل والقدر) ليتم الازدواج الكاذب: الليل والقدر والركب والسفر. أما الليل فنستطيع أن نفهمه، ولكن ما شأن القدر هنا، وما الرأي في (غياب السفر) كناية عن ثبات الدوح وعدم تحركه. قد يكون في غياب الركب ما يشعر بالوحشة ولكنني في الحق لا أدرك العبارة عن السكون بغياب السفر. والأغصان (مبهورة ذاهلة) ولكنها مع ذلك قد تكون (منتعشة بشجو الرياح) وما أريد أن أدركه هو وضع تلك الأغصان. كيف كانت أو كيف رآها الشاعر. (ذاهلة أم منتعشة) أنني لا أطيق ما يلقيه الشاعر في نفسي من عجز عن إدراك ما رأى

ثم إن القمر (هيمان يحمل وجد الليل أضلعه) وقديماً قاتل النقاد أبا تمام لقوله (ماء الملام) وثار به الآمدي إذ وصف حمرة الخدين بـ (ملوطة الخدين بالورد) فماذا يقول المسكين الآمدي لو سمع محمود إسماعيل يتحدث عن (أضلع القمر)

وأنا لا أريد أن أطيل فقد أبنت بالأمثلة السابقة عما أريد من (الرواية الشعرية)؛ وأما

ص: 25

(طرطشة) العاطفة فليست واضحة في هذه القصيدة الوصفية وضوحها في قصائده العاطفية وهي كثيرة بديوانه (هكذا أغني) ومع ذلك نجد في هذه القصيدة أيضاً كثيراً من (التأوه) و (الآهات) و (الكبد) و (كبدي) و (يا كبدا) وما إليها

أنظر مثلاً إلى قوله يخاطب القمر:

(قلب كقلبك مجروح). وقوله لنفس المخاطب: (إن العذاب الذي أضناك في كبدي) ثم حدثني عما تستطيع أن ترى من جروح في قلب القمر الهادئ البارد الحالم الحزين حزناً رفيقاً لا يعرف الدماء. ثم ما هذا الضنا الآخذ بكبد الشاعر وكيف يوحي به القمر؟ أليس هذا إسرافاً معيباً ووضعاً للإحساس في غير موضعه؟

(الله أكبر! يا ابن النيل. . . يا كبدا). أو ما تحس بنفرة نفسية من (يا كبدا) هذه. وكيف تخاطب القمر (بيا كبدا)

وبعد فأنا لا أدري كيف يجوز لنا أن نضع هذا الفن الذي نرده اليوم في مستوى فن شعراء المهجر المرهف القوي المباشر. كيف نقارن هذا الضجيج بهمسهم الفني؟ وأما عن النثر فما أظن القراء في حاجة إلى أن أدلهم على أن (رثاء أحد الشبان لأمه) الذي أورده الأستاذ قطب لا يمكن بحال من الأحوال أن يقارن (بأمي) لأمين مشرق. فرثاء الشاب المذكور لا إيقاع فيه ولا نبل في الإحساس ولا توفيق في الاختيار للتفاصيل. وكيف تريد من شاب يؤلمه من موت أمه أنهم لم يعودوا يعرفون (بأسرة) أن يصل في فن الكتابة إلى مشرق الذي يذكر (فستانها العتيق) و (يديها اللطيفتين)(ووقع قدميها حول سريره) و (غابة السنديان) وما إلى ذلك من فتات الحياة التي يعرف كبار الشعراء - كما قلت - كيف يلتقطونها بأنامل ورعة فيصلون من التأثير في نفوسنا إلى ما لا تصل إليه (الأبواق والطبول).

محمد مندور

ص: 26

‌تشارلز دكنز

مواهبه وخصائص فنه

للأستاذ محمود عزت عرفة

حلم. . . يتحقق

كان جمال الطبيعة وفتنة المناظر في الطريق بين بلدتي شاتهام وجريفسِند مما يملك لب الصغير (تشارلي) ويستثير عنده أدق الأحاسيس بالجمال. وكان أحب شيء عنده أن يقف ويستوقف أباه لدن هذا الصرح الممرد القائم على قمة الربوة. . . صرح جادْزْهيل؛ حيث كان يربض فيما مضى قاطع الطريق فالسْتاف مع رجال عصابته ليسلب المسافرين والمنقطعين؛ وحيث تنبسط اليوم على مدى البصر السهولُ الآمنة الخضر والمروج الأواهل الفيح

قال الوالد الفقير المثقل بأعباء الحياة لطفله ذات يوم، وهو يحاول أن يبعث في قلبه الصغير بصيصاً من الأمل:

أترى هذا القصر الأنيق يا تشارلي؟ إنك لتستطيع أن تكون مالكه يوماً ما، إذا أنت أخذت نفسك منذ اليوم بالجد والدأب، وسلكت في حياتك مسلكا ناجحاً شريفاً حتى تنال ما ينبغي لك من الجاه والثراء جميعاً. . .

وما من شك في أن الأب كان يرتاب في إمكان تحقيق هذا الأمل الذي داعب به مشاعر غلامه؛ ولكن مشيئة القدر، وانطواء الزمن تلو الزمن كانا كفيلين بتحقيق هذه الأمنية النفيسة، في جملتها وفي تفصيلها. فقد جد تشارلز ودأب، وسلك في حياته سبيلاً ناجحاً شريفاً، ونال الجاه والثراء جميعاً. . . ثم امتلك قصر جادزهيل بمروجه ومزارعه، وقضى في رحابه أجمل أيام حياته. ولكن لم يتم له ذلك إلا في أعقاب أربعين سنة كاملة تجرع فيها كؤوس الآلام مترعة دهاقا. . .

لم يكن تشارلز من مواليد شاتهام وإنما انتقل إليها مع والده وهو في الرابعة من عمره؛ وكان مولده في لاندبورت بجزيرة بورت سي يوم الجمعة السابع من فبراير عام 1812 م.

وكان والده - وهو كاتب ببعض خزائن الأسطول - رجلاً ممتلئ النفس بالعطف البالغ

ص: 27

على أسرته، وتلمس أسباب السعادة والنعيم لها، إلى الحد الذي لا يفي به دخله، أو تتسع له ذات يده، فأقبل يستدين ويستدين حتى اضطرب ميزان حياته، وحتى جنى بهذا التصرف على أسرته أكثر مما أفادها! ولم تُتح بذلك أدنى فرصة لتشلرلز يتلقى فيها من العلم ما يشبع بعض نهمه أو يُروى القليل من غلته

وبلغ العاشرة من عمره دون أن ينتظم في سلك مدرسة أو يتلقى دروساً بالمعنى المفهوم؛ ولكنه كان قد لقن من الحياة دروساً نافعات، واستنبط من الإهمال والجهالة اللذين اكتنفاه علماً ولقانة قل أن أتيحا لغيره؛ وكان أثر هذه السنوات الست التي قضاها في شاتهام بالغ الوضوح في تفكيره وإنتاجه الأدبي فيما بعد. ففيها ثقب فكره وتفتحت مداركه، وفيها اكتسب دقةً في النظر وقوة في الملاحظة شعَّ سناهما على سائر تآليفه، وفيها عرف من بأساء الحياة وذاق من مرارة العيش ما أجداه ذوقه ومعرفته كثيراً، وتقلب في أحضان الفاقة والضر إلى الحد الذي مكَّن له من أن يصف ذلك في رواياته أبلغ الوصف وأصدقه؛ حتى لأصبح البؤس مادة لفنه والبائسون أبطالاً لقصصه، يفصح في التعبير عن أشجانهم، ويجلِّي في الإبانة عما دق أو عظم من أحداث حياتهم.

من شاتهام إلى لندن

انتقل تشارلز وهو في العاشرة من عمره مع أسرته إلى لندن. وكان الجو من حوله يزداد قتاما، ومشاكل الأسرة المالية تهدد بقية نعمتها بالزوال؛ فألحقه قريب له بمخزن لبعض معامل الصباغة لقاء أجر أسبوعي يقل عن ثلاثين قرشاً!

وبدأ تشارلز يتذوق نوعاً من الشقاء لم يألفه من قبل؛ ولقد كتب مرة يقول وهو يسترجع ذكريات هذه الفترة من حياته: إني لأعجب كيف كنت مطرحاً منبوذاً بمثل هذه السهولة وفي مثل تلك السن. أعجب كيف أن إنساناً واحداً لم تحركه دواعي الشفقة والرحمة فيرى تدارك ما فات من أمري بإرسالي إلى أية مدرسة عامة!

. . . وقبض على والد تشارلز بعد قليل وأُلقي به مع زوجه في معتقل المدينين؛ فتقوضت بهذا الحادث دعائم الأسرة الصغيرة، وقطن تشارلز بالكراء في بيت عجوز لم تكن لتعنى به في كثير ولا قليل

ولقد رسم لنا تشارلز فيما بعد صورة صادقة لهذه المرأة في روايته الموسومة بعنوان:

ص: 28

دومبي وولده!

كان في هذه الفترة من حياته يعتمد على نفسه اعتماداً تاماً، ولا يكاد يحظي بكلمة عطف من مخلوق، إذا استثنينا هذه الفترات المتباعدة التي كان يُسمح له فيها بلقاء أبويه

وإن من المؤلم حقاً أن نتصور طفلاً في الحادية عشرة من عمره يعاني وحده أعباء مثل هذه الحياة الشاقة المريرة؛ ولكن يبدو أن أباه في معتقله كان يحاول تسوية مشاكله المالية، ولم يكن النظام في معتقلات المدينين يحول بينهم وبين محاولة ذلك. . . ويبدو أيضاً أن تشارلز كان يتلقى من عطف أبويه ومن معونتهما ما يخفف عنه أعباء المسكن ويعفيه من مؤونة الكسوة. وكان يزورهما في نهاية كل أسبوع فيقضي بينهما سحابة يوم الأحد سجيناً مختاراً. . .

ويصف تشارلز بعد سنين ما ألم به في هذا الطور من حياته فيقول: لذا أعتمد على نفسي في تهيئة طعام إفطاري الذي لا يعدو خبزة بلدية بأربعة مليمات وبمثل هذه القيمة لبناً. وكنت أحتفظ بخبزة أخرى مع ثلاث أواق من الجبن فوق رف لي من خزانة خاصة، ليكون ذلك عشائي عندما أعود ليلاً. وكان هذا القدر الضروري من الإنفاق يستغرق جانباً كبيراً من شلناتي الستة التي ينبغي أن أعتمد عليها طوال الأسبوع. وأحسب أن أجر المسكن كان يدفعه أبي، لأني لم أكن أسأل عنه ألبتة. ولم أكن أتلقى أي مساعدة أخرى كيفما كانت - عدا ملابسي على ما أذكر - من صبيحة الاثنين إلى مساء السبت من كل أسبوع. وما أذكر أني حظيت من أي مخلوق بأيسر شيء من الترفيه أو الإرشاد أو المعونة، أما أيام الآحاد فكنت أقضيها إلى جانب أبويَّ في السجن

ولقد طالما تسكعت في الطرقات والجوع يقض أحشائي؛ وأعرف أنه لولا رحمة من الله تداركتني لكان من أيسر الأمور أن أتحول على يد من يريد، لصاً متمرداً أو عياراً متشرداً. . .

انتقل تشارلز بعد حين إلى مسكن قريب من سجن مارشالسي حيث كان هو أول الدالفين من الباب صبيحة كل يوم، لينعم بلقاء أبويه ويتناول معهما إفطاره، وكان في هذا أكبر العزاء لنفسه المحرومة المستوحشة

حياة جديدة

ص: 29

على أن هذه الحياة المؤلمة انتهت عند حد، وكأن طبيعة دكنز كانت قد صهرت في بوتقة الآلام إلى القدر الكافي، وتهيأت لأن تتجلى في عنصرها المشرق الوضاء، فهاهو ذا والده يغادر السجن وقد سوى مشاكله المالية. وهاهو ذا تشارلز يجد نفسه في الثانية عشرة من عمره تلميذاً بإحدى المدارس بعد أن كان عاملاً في مخزن صباغة! واستمر به الحال على ذلك سنتين

وإنه ليصور لنا، فيما بعد، هذه الفترة من حياته تحت عنوان (مدرستنا) ويصف لنا شخصياتها وحوادثها وقد استقر عليها غبار ربع قرن كامل من الزمان

. . . والآن وقد بلغنا تلك المرحلة من حياة دكنز لا نجدنا بحاجة إلى الإطناب في تتبع بقية المراحل لسبب واضح: ذلك أن خصائص دكنز الأدبية وعناصر تفكيره، وكل مقومات حياته الفنية إنما تكونت في هذه الفترة التي ألممنا بها من سيرته؛ أما ما تلا ذلك من أحداث فهو أشبه شيء بالحاشية تحت المتن، أو الإطار حول الصورة. ولكن الإشارة إليه مع ذلك أمر محتوم لإتمام هذه الهالة المشرقة التي نريد أن نرسمها لدكنز غير مباهين كي تتسنى لنا رؤيته على وضعه الحقيقي وهو في عنفوان مجده وقمة شهرته. . . فها هو ذا يغادر مدرسته بعد عامين ليعمل في مكتب أحد المحامين عاماً وبعض العام. ثم تتجه به نزعته الأدبية إلى الصحافة فيعمل مندوباً برلمانياً لبعض الصحف، وتتفتح أمامه في هذه الفترة من حياته آفاق جديدة. فهو يدرس فن ليستعين به على أداء مهمته الصحفية ويتعرف إلى بعض الشخصيات البارزة بحكم عمله وطبيعة مهنته، ولكن أهم ما يستحق التسجيل في نظرنا هو انصرافه في ذلك العهد إلى التزود بأنواع العلوم والمعارف المختلفة، وتردده الطويل على قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني. ويبدو أن هنا كانت مدرسته الحقيقية التي اضطلع فيها بمهمة المعلم والتلميذ معاً. . .

وفي عام 1831 - وكان في التاسعة عشرة من عمره - أصبح مندوباً لصحيفة ، وبعد سنيَّات قليلة كان المحرر الدبلوماسي للمورننج كرونكل. . . منصبٌ وثب به إلى الأمام وثبات بعيدة!

وكان أول إنتاج دكنز الأدبي مجموعة مقالات نشرها في (المجلة الشهرية) بتوقيع ثم ضمنها كتاباً في مجلدين أصدره في ربيع عام 1836م

ص: 30

وقد أعجب الناس من هذه المقالات بروح التهكم اللاذع الذي يسيطر عليها، وبالفكاهات الرقيقة الحلوة يرسلها دكنز خلال عباراته من غير تصنع ولا كلفة، ثم بقوة ملاحظته التي تجلو له الحقائق فيبسطها أمام القارئ بسطاً رفيقاً دقيقاً

وكانت هذه خصائص دكنز وسماته الفنية في سائر ما كتب، يضاف إليها خبرته الدقيقة الواسعة بحياة الطبقتين الوسطى والفقيرة من أبناء وطنه، وتسجيله البارع لآلامهم وآمالهم، وكفاحه الدائم في سبيل النهوض بهم ورفع أعباء الحياة ومظالم المجتمع عن كواهلهم، مما صير لأدبه قيمة اجتماعية وأخلاقية كبرى، قد تساوي قيمته الفنية لدى الكثيرين إن لم تفقها.

(للكلام بقية)

محمود عزت عرفة

ص: 31

‌من الغرب

أغاريد بليتيس

لشاعر الهوى والغزل بيير لويس

(إلى شادية الأغاني!)

بقلم الأستاذ عبد العزيز العجيزي

(بليتيس)

فتاة غيداء فاتنة، مزملَّة بالصوف، وكاعب حسناء ساحرة، مدبَّجة بالدمقس والحرير، وغادة زهراء شائقة، متشحة بالكروم والأزهار، وغانية هيفاء رائعة ملتفة بأوراق الأشجار. . . أما أنا، فسافرة المحيا، عارية الجسد، خالعة العذار، حاسرة الإزار، ممزقة الغُلف، هاتكة سادل الحجب، متجردة من الحلي والذهب، ومن نعل يقي قدمي. هاأنذا بليتيس يا حبيبي! خذني بين أحضانك، عارية بلا ثياب تستر غصني المعتدل الفارع، ولا دثار يغطي قوامي الممشوق البارع.

حبيبي إن ليل شعري ظلال حلكته، ودجى غدائري منساب حول قدي، مسترسل على جسدي كأبهى الرياش. . . وثغري الدقيق، يقطر الشهد والرحيق، من بين فصي عقيق! حبيبي؛ خذني بين ذراعيك، وضمني إليك، واهصر عطفي بساعديك، ثم انهل رحيق ورودي، واقطف جنى ثماري، وارشف خمر أزهاري. . .

هاأنذا عارية كما جاءت بي أمي في نزوة من نزوات الهوى الجامح والهيام الدافق. . . فاشد بالأغاني إذا فتنك هيف قوامي، واصدح بالأماني إذا سحرك أضحيان جمالي، وترنح بالألحان والأنغام، ترنح النشوان بالمدام!

(تسابيح الليل)

امتدت ظلال الأشجار القاتمة، وأشباحها القائمة، كما يمتد الطود الراسخ. وانتشرت الكواكب متألقة في مساري الأفلاك ومسابح الأملاك؛ ولاطف النسيم الحالم أهداب الجفون الناعسة، وداعب العبير اللافح ورود الخدود الزاهرة. . . بينما الليل ساج، يوحي الأشعار

ص: 32

بسكونه، ويلهم الأفكار بصمته، والدجى ساهر يردد ترانيم قيثاري، ونسيمه الرقراق هائم يداعب غدائري، والظلام ناشر على قدمي غلالة من السحر والفتون. . . فتأخذني روعة جلاله، وتهيجني فتنة جماله. هنالك. . . يجود سنا محياي الباهر، بربيع موفق زاهر، تتفتق فيه الورود، وتتفتح الأزهار، ويفوح النسيم معطراً من شذى نسماتي، وعبير نفحاتي؛ وتذيع نسمات الروض همسات شوقي وحنيني، ويرتل هزار الأيك شكاة تأوهي وأنيني؛ ثم تسطع النجوم، وتأتلق الكواكب من سنا عينيّ، وضياء محياي!

واهاً حبيبتي! أترانيم صوتك العذب الندي، من شدو خرير المياه المترقرقة، أم من سكون الطبيعة الصامتة؟! واهاً لصوتك الحلو الرنين! واهاً لنغمك الشهي الرخيم! واهاً لغنائك الذي يهزّ أحاسيس نفسي وحياً وإلهاماً، ويثير أهازيج قلبي طرباً وإعجاباً. . .

(آهات)

علت وجهي حمرة الخجل، ولم ألب نداء الغزل، لرشف سلاف القبل. . . فارتعشت كزهرة بللتها حبات الندى، واضطرب قلبي؛ وخفق لخفقان فؤادي صدري ونهداي. . . وبعد دلال يثير الوجد، وإعراض يذيب الكبد، قلت: أواه. لا. لا!. . . ثم أسندت رأسي إلى الوراء. ولكن لم تغادر قبلة الحب شفتيّ، ولم تفارق رعدة الهوى ساقيَّ!

حينئذ، عانق رأسي مستعطفاً، طالباً عفوي وصفحي. . . فتنسمت شذى أنفاسه، ونشقت عبير أنسامه، وتأرج النسيم بنفح زفراته؛ ثم مضى عني وارتحل. . .!

أواه! هاأنذا وحيدة حزينة، أبكي ربيع حبي الراحل، وأندب زهر عمري الذابل، بعد أن طوح بي البعد في بيداء الهجر، بين تأوهات الحسرات، وتناوح العبرات!

أواه! هاأنذا راسفة بين أكداس آلامي وأحزاني، غارقة في خضم أسقامي وأشجاني؛ شاكية لوعة هواي، باكية هوى صباي! وقمت أنشد حبي الثاوي في الغاب المهجور، والربع المقفر؛ ورحت أناجي شبابي الهاوي في الرياض الموحشة، والمسالك الواجمة التي كتمت سر غرامنا مذ وطئتها أقدامنا! فلم أر من الأطياف إلا أشباح الذكريات، ولم أسمع من الأصوات إلا أصداء التأوهات!

أواه! لقد نفشت كظيم لوعات حيري حزينة، وزفرت أليم آهات حري كليمة، تهاوت بين الحشائش متهالكة، يذيبها الجوى، وتوارت بين الأعشاب غضبي كسيفة، يدميها الضنى!

ص: 33

(أمطار)

ترقرق المطر فبلل الكون برذاذه، ولا مس الأرض بقطراته، ثم جاءت السماء بماء منهمر؛ وطاب لي السير تحت وابله وطله، متفيئة بوارف الشجر وظله.

واهاً للمطر في الربيع! ما أرقه وأعذبه! ما أروع الأغصان الدانية، وقد كللها الزهر الزاهي، وتهاوت عليها ظلال النوّار الضاحي، وماء المطر الضافي؛ فانتشر منها أريج يفوح بالعطر الزكي، والعرف الندي؛ وطاف بالنفس الولهى فأطربها، وحلق فوق الروح الحيرى فأنعشها. ولاح سنا محياي مشرق الضياء، ساطع اللألاء!

واحسرتاه! كم من الأزهار النضرة مبعثرة في الفضاء؟ كم من الورود العبقة ملقاة في مدارج الفناء؟ فرحمة بها يا حبيبتي ورفقاً! إدخريها للنحل، كي لا تهب عطرها للريح، وتذهب أدراجها برياها وجناها، ملوثة بطين الأرض وأقذارها.

عبد العزيز العجيزي

ص: 34

‌البريد الأدبي

من رسائل الرافعي - دراسة الأدب العربي

عنَّ لي أن أعرف رأي الرافعي في دراسة الأدب، فكتبت إليه خطاباً في ذلك كان الجواب عنه هذا الكتاب:

طنطا في 30 ديسمبر سنة 1912

أيها الفاضل

إن أعمالي كثيرة في هذه الأيام، ولذا أراني أبطأت في الرد على كتابك، وإني مجيبك عنه بإيجاز لأن ما سألت عنه يصعب التبسط فيه على وجه واحد

إنك تريد امتلاك (ناصية الأدب) كما تقول، فينبغي أن تكون لك مواهب وراثية تؤديك إلى هذه الغاية وهي مما لا يعرف إلا بعد أن تشتغل بالتحصيل زمناً، فإن ظهر عليك أثرها وإلا كنت أديباً كسائر الأدباء الذين يستعيضون من الموهبة بقوة الكسب والاجتهاد، فإذا رغبت في أقرب الطرق إلى ذلك فاجتهد أن تكون مفكراً منتقداً. وعليك بقراءة كتب المعاني قبل كتب الألفاظ، وادرس ما تصل إليه يدك من كتب الاجتماع والفلسفة الأدبية في لغة أوربية أو فيما عرب منها. واصرف همك عن كتب الأدب العربي بادئ ذي بدء إلى كليلة ودمنة والأغاني ورسائل الجاحظ، وكتاب الخبران، والبيان والتبيين له. وتفقه في البلاغة بكتاب المثل السائر؛ وهذا الكتاب وحده يكفل لك ملكة حسنة في الانتقاد الأدبي وقد كنت شديد الولوع به

ثم عليك بحفظ الكثير من ألفاظ كتاب نجعة الرائد لليازجي والألفاظ الكتابية للهمذاني، وبالمطالعة في كتاب يتيمة الدهر للثعالبي والعقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب زهر الآداب الذي بهامشه

وأشير عليك بمجلتين تعنى بقراءتهما كل العناية (المقتطف والبيان). وحسبك (الجريدة) من الصحف اليومية، والصاعقة من الأسبوعية، ثم حسبك ما أشرت عليك به فإن فيه البلاغ كله. ولا تنس شرح ديوان الحماسة وكتاب نهج البلاغة فاحفظ منهما كثيراً ورأس هذا الأمر بل سر النجاح فيه أن تكون صبوراً وأن تعرف أن ما يستطيعه الرجل لا يستطيعه الطفل إلا متى صار رجلاً؛ وبعبارة صريحة إلا متى انتظر سنوات كثيرة

ص: 35

فإن دأبت في القراءة والبحث وأهملت أمر الزمن طال أو قصر انتهى بك الزمن إلى يوم يكون تاريخاً لمجدك، وثواباً لجدك، والسلام عليك ورحمة الله.

(الرافعي)

(المنصورة)

محمود أبو ريه

معنى قوله تعالى: يخرج الحي من الميت

إن الله تعالى جعل أساس الخلقة في مختلف أنواع الحيوان والنبات هو حفظ النوع. ولحفظ النوع يجب أن تتوافر جملة عوامل أهمها المحافظة على الجنين حتى ينمو ويقوى، ومنها إيجاد نسل قوي يصلح لهذه المحافظة وهذا النمو. وهذان العاملان جليان في الحيوان - أما في النبات فيحتاج الأمر إلى بعض الشرح. فخذ مثلاً شجرة النبق تجد أن ثمرتها فاكهة صغيرة داخلها نواة تحتوي على جزأين أحدهما غلاف صلب متين يحتاج في كسره إلى مجهود، والجزء الآخر داخل هذا الغلاف الصلب وهو حبة صغيرة مستديرة هشة ضعيفة تسمى الجنين؛ وهذا الجنين وما يحيط به من غلاف صلب متين يشابه الجنين في بطن أمه في عالم الحيوان؛ لأن الله تعالى خلق حوله هذا الغلاف للمحافظة عليه من يد عابث أو أسنان آكل أو أن تهضمه معدة الطيور إذا ابتلعته لأنه لا يتأثر بعصيرها الهضمي. أما الحكمة في خلق الجزء الفاكهي فهي تبادل المنفعة، فيأكله الآكل هنيئاً ثم تنتفع النواة من هذا الآكل بإلقائها في الأراضي النائية لتنبت فيها، وكذلك الطيور تبتلعها ثم تتبرز النواة سليمة في جهات نائية لتنبت فيها؛ وهذا سر من أسرار الكون، لأنه إذا سقط كل حب الشجرة تحت غصونها وحول جذعها ولم يفرق بهذه الطريقة الحكيمة هنا وهناك فإنه يتراكم بعضه فوق بعض ويفقد قوة إنباته، وإذا نبت البعض منه فإنه ينبت ضعيفاً إلى حين ثم يموت

ولنفكر فيما يحدث في هذه الثمرة الصغيرة بعد أن تنزع من الشجرة؟ الذي يحدث هو أن يموت بها الجزآن: الفاكهة وغلاف النواة الصلب، ويفقدان الخواص الحيوية كالإنبات والتمثيل الضوئي وامتصاص الغذاء وما إلى ذلك، بدليل أنهما إذا وضعا في الأرض

ص: 36

للإنبات بعد تجريدهما من الجنين يصيبهما التعفن. أما الجنين فيبقى حياً وفيه كل معاني الحياة النباتية ولكنه ضعيف ومحاط بغلاف قوي صلب متين؛ فإذا استمر الحال على هذا المنوال استحال الإنبات؛ ولذا شاءت إرادة الله تعالى أن يتشقق هذا الغلاف الصلب من تلقاء نفسه بعد مدة معينة من وضعه في الأرض ليسمح بنمو الجنين إلى خارج النواة. وهذا يفسر ما جاء بالشطر الأول من الآية الشريفة (أي يخرج الجنين الحي من الغلاف الصلب المحيط؛ وهو ميت وذلك بقدرته وإرادته) أما الشطر الثاني فهو مكمل لهذه العملية، لأن هذا النبات بعد أن ينمو الجنين خارج هذا الغلاف الصلب يتخلص منه نهائياً إذ يصبح لا فائدة منه بعد أن قام بمهمته (أي ويخرج الغلاف الصلب الميت من الجنين النابت الحي بدون أن يعيق نموه) وقس على ذلك في عالم النبات على اختلاف أشكاله وأنواعه. والذي يؤيد ذلك ما جاء في نفس السورة وبعد بضع آيات من الآية التي نحن بصددها قوله تعالى:(وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكما. . . انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) ففي هذه إشارة صريحة إلى الإنبات بعد أن يفلق الحب والنوى ويخرج الحي منها من الميت فيها فينبت الحي بالماء فيينع ويثمر ويأتي من كل الثمرات وهذه قدرة بالغة

أما ما جاء بقول السائل من أن الحي يخرج من الحي فهذا لا علاقة له بهذا الموضوع. والذي أوجد هذا اللبس هو أن المفسرين قد تركوا الشطر الأول من الآية الشريفة وهو (إن الله فالق الحب والنوى) وراحوا يفسرون الجزء الثاني على حدة ويطبقونه على نظريات بعيدة كل البعد عن القصد المطلوب. أما الذي ينطبق هنا على نظرية العلماء هو الجنين الذي بالحبة فإنه حي ولا يتكون طبعاً إلا من شجرة حية.

دكتور

عباس محمود حسين

كبير أطباء منطقة التعليم بأسيوط

بنو إسرائيل والطعام الواحد

جاء في مقال الدكتور زكي مبارك (أخطار الطعام الواحد) هذا الكلام: (وقد صرخ اليهود

ص: 37

لعهد موسى من الطعام الواحد، كما قص القرآن، فأوصاهم موسى بهبوط مصر، لأن مصر منوعة الفواكه والحبوب والبقول، وهذا سر القوة التي جعلت المصريين بأمن من طغيان الأمراض الفواتك على اختلاف الأجيال). والآية المشار إليها هي قوله تعالى:(اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم). وظاهر أن (مصراً) في الآية مرادفة لكلمة (بلد). والمعنى: اهبطوا أي مصر من الأمصار تجدوا طلبتكم. أما (مصر) النيل المبارك فهي علم ممنوع من التنوين وليس مراداً في الآية. وظاهر أيضاً أن الدكتور مبارك قد سها في فهمه الآية وبنى على هذا السهو النتائج التي تقدمت

(دمشق)

(س)

في الأدب المصري (فكرة ومنهج)

صدر أخيراً هذا الكتاب، لأستاذنا الفاضل أمين الخولي، وكتب مقدمته تلميذ من تلاميذه في الجامعة اقتداء بسنة السلف من العلماء

وفي الكتاب دعوة حرة إلى دراسة الأدب المصري دراسة خاصة وبيان للمنهج الذي يجب أن يتبع في هذه الدراسة

فهو إذن قسمان: فكرة ومنهج. أما الفكرة، فقد أملتها اعتبارات قومية مصرية خاصة وأخرى فنية أدبية عامة

يقول المؤلف في الاعتبار القومي الخاص (إن حياً لن يفكر بنفسه وهو حي، لأن إيمان الحي بنفسه سر وجوده الفطري، ومصر لم تكفر بنفسها لحظة ما، فكيف لا تؤمن بشخصيتها في الفنون بعامة ثم في الأدب بخاصة. وفي هذا العصر الإسلامي الذي ظلت فيه كدأبها شاعرة بنفسها يقظة لذاتها، فهي لهذا تصر على أن تدرس وجودها الأدبي في العصر الإسلامي)

ثم تناول المؤلف الاعتبارات الفنية العامة فبين الخطأ الشائع في تحديد العصور الأدبية تحديداً زمنياً كالأموي والعباسي دون نظر إلى المكان الذي يشغله هذا الأدب كالعراق أو مصر، فذلك إخلال بالتحديد والضبط وإهمال للمؤثرات الطبيعية القاهرة مع الاهتمام بحالة

ص: 38

أيسر الأثر وهو الحكم السياسي وزمنه. فالبيئة الطبيعية لها أثرها القوي على ما يعيش فيها من ماديات ومعنويات والأدب من أشد هذه المعنويات تأثراً بالبيئة والإقليم.

ويقول المؤلف إن مصر بوصفها الطبيعي الفطري قد تميز كيانها الاجتماعي واستقر ماضيها التاريخي فتوافرت لها مقومات البيئة المتفردة الواضحة. فدرس أدبها عمل علمي صحيح الأصول.

وأنكر الأستاذ وحدة الثروة الأدبية العربية وحدة تامة، وبيَّن ما يتميز به أدب أمة عن أدب أخرى، وأوضح كيف تكون الإقليمية منهجاً واضحاً صحيحاً مع الطموح إلى دعوة أدبية إنسانية عامة، ومشاركة الأمة في الحياة الأدبية العالمية مع وضوح مشخصاتها الأدبية المميزة لها

والقسم الثاني من الكتاب رسم للمنهج الصحيح في دراسة الأدب المصري. فبين المؤلف معنى الأدب وتاريخه وما بينهما من صلة، ثم قسم منهجه إلى خطوات ثلاث:(ما حول الأدب) وهو ما يتيسر به درس النص الأدبي حتى يفهم المتن فهماً مجدياً له أثره في تكوين الذوق الأدبي ومعاونته الهامة في تحقيق تاريخ الأدب، ثم (المتن الأدبي) وهو فهم النص بهداية الأضواء التي تحف به مع الاعتماد على وسائط هذا الفهم من علوم العربية وفنونها الأدبية

ثم ندرس (تاريخ الأدب) فنستطيع أن نلمح على مصور الحياة مناطق متميزة وفوارق واضحة، نستطيع بها تأريخ الحياة الأدبية ووصف أدوارها وبيان مسالك الحياة الأدبية فيها وسبيل تطورها وموقع حاضرها من ماضيها؛ وأي مستقبل فني وراء ذلك ينتظرها

ذلك بيان لما ورد في الكتاب من آراء جريئة سديدة لم أشأ أن أنقدها، لأني أوافق عليها جملة وتفصيلاً. ولن يكفي هذا العرض السريع عن قراءة الكتاب، فهنالك قضايا تستحق اهتمام الباحثين، لأنها تتصل بدعوة فنية قومية من جهة، وتتصل من جهة أخرى بما ينادي به الناس الآن من ضروب الوحدة.

محمود عبد المنعم مراد

ليسانس في الآداب من جامعة فؤاد

ص: 39