المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 523 - بتاريخ: 12 - 07 - 1943 - مجلة الرسالة - جـ ٥٢٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 523

- بتاريخ: 12 - 07 - 1943

ص: -1

‌عيد ميلاد

للأستاذ عباس محمود العقاد

لم يكن لي عيد ميلاد

ولكنني لم أنس قط أنني ولدت، ولم أشعر قط بحاجة إلى تذكير؛ فهذه الحادثة التي لا تتكرر، وتقادم العهد بها وتعاقبت الأيام والسنون عليها، ولا يلوح لي أنني نسيتها أو أستطيع نسيانها

فما حاجتها إلى تذكار؟ وما حاجتها إلى احتفال؟ ومالي وقد أغفلتها سنين وسنين أبتدئ اليوم بإحيائها، وأحصيها ولات حين إحصائها؟

إنها العدوى

ولأعياد الميلاد عدواها كحوادث الميلاد. ألا يقول المعري في النسل والولادة:

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد

بعدوى فما أعدتني الثوَباء؟

بلى. ولكنني أنا عُديت بعد طول التعرض والممانعة، فاحتفلت بعد الخمسين بأول ذكرى، واستغنيت عن إعادة الدرس خمسين مرة لأحفظه كما يحفظه المحتفلون به بعد طول التكرار

كنت أدعى إلى عيد ميلاد بعد ميلاد

وأكثر ما دعيت إلى أعياد الأبناء الذين يخمسون سنواتهم أو يسدسونها أو يسبعونها أو لا يزالون فيها بين التثنية والتثليث

درس جديد لهم العذر أن يثبتوه في الواعية وأن يستذكروه ويراجعوه. . . ولكني رأيتهم يكبرونني ويتقدمونني في هذا المجال لأنني أبتدئ الآن وقد سبقوني مرتين أو ثلاثاً أو أربع مرات. فأنا أسأل حيث لا يسألون، وأراجع حيث لا يراجعون، وأستخرج من الأضابير تذكرة جديدة هي عندهم أقدم ما يملكون!

في أي يوم ولدت!

لم أكن أدري؛ لأنني أذكر السنة على التحقيق، وأذكر الشهر على الترجيح؛ ولكنني لا أذكر اليوم بعد أن قرأته آخر مرة في وثيقة الاستخدام، ثم تركت الوثيقة وتركت الخدمة، ووددت لو محوتها من عداد الذكريات

ص: 1

فأنا اليوم في موقف من يكتب له شهادة جديدة بالميلاد، وكأنني بهذه المثابة على عتبة الحياة

خير إن كانت الحياة خيراً. . .

وليس بشر إن كنا غارقين من الحياة في شرور

ونويت أن أسأل في أول فرصة للسؤال، ولكن في غير اكتراث ولا استعجال، فقصاراه أنه شئ في البال، ولقد تمضي عليه الأعوام وهو في مكانه من البال!

وسنحت الفرصة على غير ما اشتهيت، لأنها اقترنت بتشييع أخ إلى مثواه الأخير، في موطني الذي درجت فيه خطواتي الأولى

وعند موقف الموت يسأل الإنسان عن موقفه من الحياة

فسألت، وعلمت، وطلبت المزيد من العلم، فظفرت بالعلم اليقين من أضابير المحفوظات

بل ظفرت في حياة واحدة بشهادتين للميلاد!

وكانت نوبة من نوبات الذكريات التي تساق إلينا على غير اختيار منا، فكثيراً ما ذهبت إلى أسوان دون أن تعرض لي دواعي الإياب إلى معاهد الطفولة، وتآلف الشباب. أما في هذه المرة فندر معهد من تلك المعاهد لم أقف ساعة عليه، ولم تجذبني داعية من الدواعي إليه

ومنها المدرسة التي قضيت بها ما بين التاسعة إلى الثالثة عشرة، ولا تزال في جملتها على حالها المعهود

ذهبت إليها وأنا أحسبني في الطريق ذاهباً إلى دار كسائر الدور، ولا أخالني سأهجم فيها على لجة من أعمق اللجج النفسية، ومفاجأة من أعنف مفاجآت الشعور

حتى وقفت عند الباب، ونظرت إلى البواب

فإذا هو البواب الذي كان يستقبلنا هنالك قبل أربعين سنة في ساعة الحضور

هو بعينه بوابنا الأول لم يتغير منه إلا قليل في صورته ومعناه، وإلا النظرة التي كان يعرفنا بها لأول وهلة، وهي الآن لا تعرفنا إلا بعد تثبت واستغراب

قال: من هذا؟ فلان؟ لقد شبت كثيراً يا بني!

وفي لمحة عين لا تتسع لقلب صفحه من كتاب، تنقلب في أعماق النفس صفحات من العمر تضيق بها أسفار كبار

ص: 2

لقد شبت كثيراً يا فلان!

ملاحظة صادقة وثبت إلى لسان الرجل كأنه لا يلفظها بل تلفظ نفسها بنفسها، وكم تأخر بها الزمن مع هذا الوثوب السريع!

ولا أعرف في الحياة شعوراً كثيراً أشبه به شعوري عند باب المدرسة التي كنت أدخلها عدواً وأنا الآن جامد لديها كأنني تمثال

ولكنني أذكر شعوراً موصوفاً أحسبه أقرب ما يكون إلى هذه المفاجأة العاصفة، وهو شعور الطيار في طوائر الانقضاض السريع، وقد هبط إلى الأرض وارتفع منها صعداً في خلال لمحات

يختلف ضغط الهواء عليه، فيتفجر الدم من قلبه ويطغى على عينيه، فيوشك أن يحجب عنه الأرض والسماء

ولم يختلف هنا ضغط الهواء بل ضغط السنين!

أربعون سنة ترتفع عن كواهل النفس في خفقة جناح، وغشية كتلك الغشية التي تعصف بالطيار عصفت بي صعداً فارتفعت إلى أجواء الثالثة عشرة، وطرحت عن كتفي أعباء اربعين سنة، كانت ترين هناك

وجلست في إحدى الحجرات أتحدث كما يتحدث المنوم يتقهقر به منومه مرحلة بعد مرحلة من عهود العمر حتى يبلغ به سنة معلومة من السنين فيقول له: قف لديك، وصف ما تراه!

فإذا وصف فهو لا يقول لنا: كان هنا وكان هنا قبل أربعين أو قبل كذا من السنين؛ بل يقول: إني لأرى الساعة وإني لأسمع في أذني ما أروي، وإني هنا الآن، ولا أعرف ما وراء ذلك من مشهود ومسموع.

وانقضت على ذلك خمسة أشهر وجاء موعد اليوم الذي كان في حياتي أول يوم. فلم أحتفل بشيء واحد حين احتفلت به، بل كان أعجب العجائب أنه كان موعد ذكريات يضيق بها الإحصاء، كلها من أخطر الذكريات وأكبر المواقف في الحياة، وآخرها في السنة الماضية ذكرى العلمين!

في هذا اليوم بعينه وصلت جيوش روميل إلى العلمين، وأوشكت أن تعبرها إلى طريق العامرية فالقاهرة والإسكندرية

ص: 3

وهو الهوان على أيدي أناس هم أخبر الناس بالهوان، ولا فرار من الموت إن وجب، ولكن البقاء للهوان إخلال بكل واجب يحرص عليه إنسان

وإلى أين الفرار؟ إلى وادي التيه الذي يرجع منه الغائب أو لا يرجع، ولكنه لا يدري أين يذهب ولا كيف يكون الرجوع

وليس هذا أفجع ما في الصفقة الفاجعة

بل أفجع من الليلة التي قبلها، أو هي ليلة المذبحة كما سميناها لأنها جرأة على الماضي تهون معها الجرأة على المستقبل، وعلى المجهول!

كل ما أتركه بعدي لا أباليه

الكتب يصنع الله بها ما يشاء. وما أكتم القارئ أنني على خطوة من إحراقها في كثير من الأوقات، غضباً على تكاليف المعرفة حيث يسعد الجهل بغير تكليف

وماذا اترك غير الكتب مما أباليه إن كنت أترك الكتب ولا أباليها!

هباء أو كالهباء!

إلا أوراقاً متفرقات فيها ودائع العمر التي يموت عنها الإنسان ولا تسخو نفسه بأن تموت قبله

وهي لا تنقل إلى حيث تفتح وتقرأ في مدخل كل أرض مطروقة، وهي لا تودع عند أحد كائناً من كان

فلا موئل لها أكرم من التمزيق، ثم نار الحريق

وانقضت ساعتان قبل تمزيق الورقة الأولى

ولم تنقض إلا دقائق قبل تمزيق الورقة الأخيرة، كالذي يأخذه التردد عند الضربة الأولى ثم يهيم به سعار الضرب بعدها فلا يبقي ولا يذر، ويضرب ويضرب حتى بكل ساعداه وتخلو كفتاه؛ ثم يستريح من فرط الإعياء وبهر السعار

وانجلت الثورة عن كومة من الورق كل قطعة منها موصولة بعرق ممزق، وشعل من النار لم تكن من قديم عهدها إلا شعلاً من النار، ولكنها حارت إلى رماد!

ويلك يا هتلر!

النار التي أشعلتها في العالم لا تنسى، ولا تنسى لك عندي هذه النار التي أشعلتها أنا بيدي

ص: 4

تلك أقرب ذكرى من ذكريات اليوم الذي كان في حياتي أول يوم

وقبل ذلك نظائر لهذه الذكرى موزعة في سنوات متباعدات يوشك أن تقنعني بصدق ما يقال من أن للنفس صيحة كصيحة الإهلال في كل موعد ذكرى من ذكرياته!

أفما كان خيراً لي إذن أن أنسى ذلك اليوم في سنتي هذه كما نسيته في السنوات الماضية؟

وأن يكون لي ميلاد، وليس لي عيد ميلاد؟

عباس محمود العقاد

ص: 5

‌الحديث ذو شجون

للدكتور زكي مبارك

عصارة المتاعب - الإنتاج والاستهلاك في الحياة الأدبية - عتاب!

عصارة المتاعب

من عصارة المتاعب يصاغ إكليل المجد، ومن عصارة المتاعب يرفع ناس من التراب إلى السحاب

كذلك قلت وأنا أدفع وهماً رسخ رسوخ الحقائق، بحيث صار الأمل في زعزعته من أخيب الآمال، وهو الوهم الذي يزعم أن الحياة السعيدة هي خالية من التكاليف، وهذا الوهم يحيط بنا من كل جانب، ويملا حياتنا بالمنغصات، لأنه يفرض علينا أن نفهم أن الراحة هي الغرض المنشود، وأن كلمة التعب تماثل كلمة الشقاء في المدلول

ما هو الفرق بين الرئيس والمرءوس في وهم بعض الناس؟

الفرق هو أن الرئيس يملك من الراحة ما لا يملك المرءوس، فهو لا يسأل عن رعاية المواعيد، ولا يطالب بالسرعة في إنجاز ما لديه من الأعمال (؟!)

وفي الأمثال المصرية كلمات تؤيد هذا المعنى، فالرجل السعيد هو الذي لا يستطيع أحد أن يقول له:(قم من الشمس واقعد في الظل)، وهو الذي لا يسأل عن (ثلث الثلاثة)، كأن المسئولية تكليف يكدر صفو الهناء

ولنفرض أن الراحة هي الغاية، وأن كل رئيس يتمتع بها إلى أقصى حدود التمتع، فما السبب في أن تكون هذه المزية من حق بعض الناس لا كل الناس؟ وما هو السبب في أن يقضي فلان عمره وهو مرءوس وقد أصبح نظراؤه من الرؤساء؟

الجواب حاضر: فكل تقدم يسبق بتزكية من عصارة المتاعب، ومن لم يقدمه جهاده فلن يتقدم، ولو كان أبوه أقدر الرجال على إحياء الأرض الموات!

هل كانت الراحة من أنصبة الملوك، مع أنهم ملوك

وهل ظفر عظيم بالراحة في أي يوم؟

إن الراحة متعة حقيرة لا يرغب فيها غير الحقراء

لقد امتلأت كتب الأدب بأخبار الملاهي التي كانت تقام في قصور الملوك. فهل فكر أحد في

ص: 6

أسباب تلك الملاهي؟ وهل قال قائل إنها ضجيج يراد به ستر المتاعب؟

التعب هو المقياس للقيمة الذاتية، والعمل المتعب هو الذي يرشح صاحبه لجلائل الأعمال، والذي لا يرحب بالتعب ولا يفرح به لن يصل إلى شئ. . . والطمع في الراحة هو طمع الأموات لا الأحياء. . . وهل يثق بك أحد وهو يعرف أن الراحة من التعب هي غايتك، وأن التحرر من التكاليف هو مبتغاك؟

عصارة المتاعب

احفظ هذه اللفظة جيداً، واكتب منها لوحات يزدان بها مكتبك، وانظر إليها في صباحك وفي مسائك، واعلم علم اليقين أنها مسطورة فوق كل قلب من قلوب المجاهدين الفائزين

عصارة المتاعب نقلت خلائق من التراب إلى الحساب، فلا يخطر في وهمك أن إنساناً ارتفع بلا متاعب، ولا تصدق أن المناصب العالية تمنح كما تمنح الصدقات للمعوزين، ولا تتصور أن نظام الوجود يسمح بان يرتفع طائر بلا جناح أو يرتقي رجل بلا جهاد

يقول الكسالى من حولك بان لا نهوض بلا وسيط، وهم يردون كل فوز إلى قوة الوساطات والشفاعات

ولنسلم بان هذا القول صحيح في المطالب الهينة، كأن يكون غرضك أن تكون موظفاً يأكل العيش بأحد الدواوين، فمن الذي يرشحك لأن تقوم بعمل عظيم ولست له بأهل؟ من الذي يوصي بان تكون قوة مسيطرة على زمانك وهو يدرك أنك تعجز عن السيطرة الفكرية أو الروحية في أي ميدان؟

وكيف تصل إلى توصية من رجل عظيم وأنت مجرد من الكفاية الذاتية؟

أقم الدليل أولاً على صلاحيتك للأعمال التي لا يقوم بها غير فحول الرجال، ثم أنتظر نصيبك الحق، فقد تصل إليه بلا وسطاء ولا شفاء

هل جال بخاطرك أن توازن بين رجلين أحدهما في مركز فوق ما يستحق، وثانيهما في مركز دون ما يستحق؟ فأي الرجلين أعظم في نفسك؟ وأي حظ من هذين الحظين تريد لنفسك؟

وهل فكرت يوماً في غضب الله على من يأخذ أجراً بحق؟

أنا أخشى أن يكون رزقك أكبر من جهادك، فيكون في طعامك شئ من الحرام، والطعام لا

ص: 7

يسمن إلا إن كان حلالاً في حلال

ثم؟ ثم ماذا؟

هل فكرت في منافع الأعضاء؟

كل عضو يعرض للعطب إن لم يؤد أعماله الأساسية، فالعين تضعف إن صرفت عن النظر، والرجل تثقل إن كفت عن المشي، فما رأيك في عزيمتك وهي جارحة معنوية؟

أنا أعرف أنك تشتهي أن يحمل عنك الناس جميع أعبائك، وأن تركب فرساً ركبة الإعزاز لا ركبة الفروسية، وما أبعد الفرق بين الركبتين!

الراكب الأول مخلوق مدلل تراض له الفرس، والراكب الثاني فارس يروض الفرس، فانظر أين أنت بين هذا وذاك؟

كن رجلاً فعالاً يصنع العجائب في تصريف دنياه، كن رجلاً يفرح بالتعب، فالتعب أعظم رزق من أرزاق الرجال

لم يتقدم فرد على فرد ولا شعب على شعب إلا بفضل عصارة المتاعب، ولا جاز أن يتقدم متخلف أو يتخلف متقدم إلا بسبب تفاوت الجهاد

والأقدار التي سمحت بأن يكون فلان وزيراً في المملكة الفلانية - وكان في صباه بائع جرائد - هذه الأقدار لم تحابيه بأي لون من ألوان المحاباة، وإنما احترمت عصارة المتاعب في الأعوام الشداد فصيرته من الوزراء

ولتعرف جيداً أن لا نهاية لفضل الله على المجاهدين، فعند طيبات تفوق الوصف والإحصاء، وهو لا يتخلى عنك إلا يوم تتخلى عن نفسك بإيثار الراحة من عناء الجهاد

افرح بالتعب، واسأل الله أن يكثر متاعبك في أعمالك لا في أوهامك، فما شقي الناس إلا بالتعب في الأوهام لا الأعمال

افرح بالتعب، قبل أن لا تفرح بالتعب، فما يعاني التعب غير الأقوياء

وتذوق عرق الجبين من التعب قبل أن تعانيه من المرض

وأحذر ثم أحذر أن تمر عليك ساعة وأنت مستريح من هموم الرجال

هل سمعت باسم (الغرازة) في عرف أصحاب البساتين؟

هي عود من الخشب تسند به الشجرة الهيفاء، ومن الهيف في الأشجار، جاء الهيف في

ص: 8

النساء

ومزية الغرازة أنها تغني الشجرة عن الجهد في مقاومة الرياح إلى أن تستطيع المقاومة بعد حين؛ وقد لا تستطيع بفضل هذا التدليل

والغرازة للشجرة كالمشاية للطفل، وفي الناس من يعيش طفلاً طول عمره، لأنه لا يعيش بغير سناد

كن أنت أنت، وقف على قدميك، واستفت ضميرك في مصيرك، ولا تجعل لغيرك فضلاً في نقلك من حال إلى أحوال

لا تخف من التوحد. فما يتوحد غير الآساد، واذكر دائماً أن الله جعل أمرك بيدك، وانه فتح لك خزائن الأرض والسماء من هؤلاء: تشرشل وروزفلت وستالين؟

هم ناس أمثالك، ولكنهم اعتمدوا على عزائمهم فجعلهم الله من العظماء

وهل كانت البداية الأولى لهتلر وموسليني تبشر بأن ستكون لهم فاعلية دولية في السلم أو في الحرب؟

وهل كانت البداية الأولى للمسيو بونابارت توحي بأن سيكون الإمبراطور نابليون؟

عصارة المتاعب هي التي صنعت الأعاجيب فحولت الأطفال إلى رجال، وعصارة المتاعب هي التي نقلت هؤلاء من التراب إلى السحاب

اتعب قبل أن لا تتعب، فالتعب أمضى من السيف في اختراق المصاعب والأهوال

الراحة سم زعاف، وهي شؤم على الأعضاء، والشرايين والأعصاب

لا تبتسم للراحة، فلا راحة إلا بالتحرر من المسئولية، وهذا حظ المجانين

إن آذاك نصحي فأنا أوجهه إلى نفسي لا إليك، لأني أحوج منك إلى هذه الكلمات، بعد أن كدت أرتاب في المنهاج الذي اخترته لحياتي

الإنتاج والاستهلاك في الحياة الفكرية

المنتج في عالم الاقتصاد هو الذي يصنع ويورد إلى عملائه هنا وهناك. والمستهلك هو الذي يشتري ما تنتج المصانع من صنوف البضائع. والصلة بين المنتج والمستهلك صلة طبيعية عرفها الناس من قديم الزمان، وإن لم تخل من الشعور بأهمية الفرق بين الإنتاج والاستهلاك في وزن أقدار المتعاملين

ص: 9

والمنتج هو أيضاً مستهلك، فمصانع (المحلة) بالديار المصرية، ومصانع (لنكشير) بالديار الإنجليزية، هذه المصانع تنتج الأقمشة، وهي مع ذلك تستهلك الخيوط فتحتاج إلى الأقطان التي تخرجها المزارع المصرية والأمريكية

ومن الواضح أن المنتج أقوى من المستهلك، لأنه المتحكم الأول في الأسواق، ولأن المستهلك يعجز عن مقاومته في أغلب الأحيان

فمد الرأي في الإنتاج والاستهلاك في الحياة الفكرية؟

وما مركزنا الصحيح بين المنتجين والمستهلكين؟

قضينا زمناً ونحن عملاء أمناء للثقافات المجلوبة من بلاد غير البلاد، فمتى ننتج بأكثر مما نستهلك؟ ومتى نحاول غزو الأسواق الأجنبية بالفكر والبيان؟

قد يقال إن الفكر المصري منتج بالنسبة لكثير من أمم الشرق العربي والإسلامي

وأقول إن هذا ميدان غير جديد، فالعرب والمسلمون اخوة لنا بالشرق، وما بيننا وبينهم من الجاذبية الروحية قد يوجب أن يرضوا منا بالقليل، وإن لم ندخر جهداً في أن نلقاهم بأقوى مما يلقاهم به أقطاب الفكر من أهل الغرب

والحق أن الأديب المصري غاية في الحرص على التسلح بالجدية في الحياة الأدبية، وقد يكون جهاده في الأدب أقوى من جهاد نظرائه في الأمم الأوربية والأمريكية، بدليل ما نشاهد من سيطرته الروحية في الشرق، مع أنه لا يعتمد على أي سناد، ومع أن الأدب في مصر لم يصبح أداة من أدوات المجد، في حدود ما يستحق من التبجيل

فماذا نصنع لنكون منتجين لا مستهلكين بالنسبة لأهل الغرب؟

ماذا نصنع؟

هل نترجم لهم ما يصدر أدباء مصر من الروائع؟

هل نستجديهم الثناء على ما عندنا من الآداب والفنون؟

لا هذا ولا ذاك، وإنما الرأي أن نعتز بالذاتية العربية، وأن نحاول خلق جبهة أدبية من قراء العرب، وهم يزيدون على الثمانين من الملايين

إن صنعنا - وسنصنع - فسيلتفت الغرب إلى الشرق، وسيكون لنا في حياة الفكر والرأي تاريخ جديد

ص: 10

ما هذه الغطرسة التي يتمتع بها بعض أدباء الغرب؟

وما هذه الهالة التي يحيطهم بها بعض المترجمين؟

أنا أنتظر مساجلة دولية يشترك بها أدباء مصر مع أدباء الفرنسيس والإنجليز والأمريكان والألمان

أنا أنتظر هذه المساجلة في أقرب وقت، ليعرف العالم القديم والجديد مكانة مصر في فردوس الأحلام والعقول

مصر تجد، وأدباؤها يجدون، وهي تؤمن بأن مكانها في الفكر أعظم مكان، فإن كنتم في ريب من عظمتها الفكرية فتعالوا إلى السباق في ميدان الرأي والبيان

عند أوربا وأمريكا مدافع وطيارات وأساطيل، وتلك قوى أنعم الله بها على الأوربيين والأمريكان، والله يخص بالقوة من يشاء

ولكن مصر السلمية لا الحربية تقول إن مكانها في الأدب لا يدانيه مكان، وأنها مستعدة لأعظم سباق في ميادين الروح والوجدان

في مصر اليوم عشرون أديباً من العظماء، على أقل تقدير، فأين الأمة التي تقول إنها تملك من عظماء الأدب عشرين؟

مصر اليوم هي الفكر والرأي، وهي صلة الوصل بين الشرق والغرب، وإليها المرجع في الفصل بين الحقائق والأباطيل

أنا أنتظر مساجلة دولية تقول فيها مصر إنها مصر، ويقول فيها النيل إنه النيل

فتعالوا يا هؤلاء، إلى كلمة سواء!

عتاب!

هو عتاب الطبيب الذي يذكر عند المرضى وينسى عند العافية

هو عتاب الصديق الذي يذكر في البأساء وينسى في النعماء

هو عتاب النهر الذي يشتاق الأرض في الصيف وتنساه في الخريف

هو عتاب من لم يبق له منكم غير العتاب!

وكيف اعتب على من يستغني عن نور القمر بشعاع السراج جربوا حياة العقوق، جربوها، بعد أن جربتم حياة الوفاء لتعرفوا ما طعم الشهد وما طعم الصاب!

ص: 11

إن كان غركم الصفح فلا صفح، إن كان غركم الدمع فلا دمع، فقد صيغ قلبي من ضمائر الجبال

تلك أيام خلت، وأنا أضن عليها بأن تضاف إلى التواريخ، ولن أعترف بأنكم أسرتم روحي لحظة من زمان

فإن راعكم وفائي لدار الهوى بالمرور عليها في الغدو والرواح، فلا تعجبوا ولا تظنوا أني أستهديكم تحية يجاد بها على عابر الطريق، وإنما هي لفتة أريد بها أن تفهم الحجارة أني لم أكن في هواي من العابثين

إن دار الهوى لن تعرفكم بعد اليوم، ولن تراكم إلا أبدانا بلا أرواح، ولن تجود عليكم بالسعادة والصفاء، يا جيرة آدهم حفظ الجميل

سيصنع الدهر ما يصنع، وسيفعل الغدو ما يشاء، وستفترون علي بقدر ما عندكم من كيد وجحود، ثم يبقى وفائي لكم ولدار الهوى، يا جيرة أطغاهم الجمال فتاهوا في صحراوات الدلال

لن تضيعوا من يدي ولو فررتم إلى آفاق المريخ، فارجعوا طائعين قبل أن ترجعوا كارهين، فسرعة الظبي في الجري تنبهر حين يلمح وجه الأسد الصوال

زكي مبارك

ص: 12

‌القلب الشاعر

للأستاذ دريني خشبة

جميع هذا العالم الأثيري الذي لا نهاية له، بكل ما يطن فيه من سدم وأنجم وأفلاك، وكل ما يروح في كواكبه ويجئ من خلائق وكل ما يسبح في أجوائه من ملائك، ويصدح ملئها من طير. . . كل ذاك، كل ذاك قطرة من بحرك الزاخر أيها القلب الشاعر!

أنت أكرم خلق الله على الله. . . لأنك تتسع لكل ما لا يتسع له غيرك مما صنعت يداه

تتسع لما تضيق به العقول الضالة التي تتعالى فتنكره، لأنها تحصي عليه كل ما عمى عليها فتجعله في منطقها تضارباً. . . وما دام هنالك تضارب فثمة جحود ونكران

تتسع لهذا كله لأنك لا تعرف الحدود، وهي مقيدة بالحدود. . . أنت حر طليق، وهي ذليلة مستعبدة ترسف في الأصفاد والقيود. . .

أنت أكرم خلق الله على الله، لأنك تلجم هذه العقول دائماً حينما تطلق عليها عواطفك فتلسعها كما يلسع النحل، ثم تسائلها ساخرة: ما الحياة وما الجمال وما الحب؟! وما وراءك أيتها العقول؟ منذ الذي يمسكك فلا تكوني هراء وجنوناً؟

منذ الذي يمسك الأرض والسموات أن تزولا؟ وما سر هذا الجمال الذي يبهرك ويورث منطقك البكم، والذي يملأ الأرض والسموات؟ ما سر هذه الألوان التي تذهب الشفق، وتفضض السحب، وتموه صفحة اليم، وأديم السماء بأصباغ البنفسج، وتزخرف بالدمام ثغور الزهر، وتغازل بالسحر خدود العذارى، وتملأ بالفتنة عيون الحسان، وتنضد بالجسمان ثنايا الغيد، وتطبع بخاتم الحسن ثدي الكواعب؟!

ما سر هذه الألوان يا عقول؟

وما سر الجاذبية التي تربط الدنا بالدنا، والعوالم بالعوالم؟! الجاذبية التي هي سر الحياة وبقاؤها، واستمرار الوجود وقيامه؟! الجاذبية التي تشد بين العيون والعيون، وتعاطف بين القلوب والقلوب، وتربط الأرواح بالأرواح؟!

ما سر تلك الجاذبية التي تسيطر على سكان المدينة وسكان الخميلة وما تعج به الغابة، وما يأوي إلى الكهف، وما يخفق بجناحيه في الهواء، وما يتخذ سبيله سرباً تحت الماء؟

وإلى أن تجيبي فاعزبي، ودعي القلب الشاعر يغني!

ص: 13

أي القلوب يحب كما تحب يا مستودع الشعر، وأيها يرحم كما ترحم، وأيها يضطرب كالعاصفة كما تضطرب حين يحز بك أمر، أو حين تتحرق أسى على الإنسانية الضالة؟

أي القلوب يفيض بالخير والنبل كما تفيض، وأيها يبتسم لما يصيب الناس من سعة كما تبتسم، وأيها يعبس وينقبض لما يؤودهم من شدة كما تعبس وتنقبض؟

إنك تود حينئذ لو استطعت فسحرت لهم الجبال ذهباً، والتراب فضة. . . أو سخرت لهم الريح فأمطرتهم دنانير ودراهم، أو أمرت البحر فحار ماؤه لبناً وعسلاً مصفى!

إلا أنك تعجز أيها القلب النبيل. . . يا أكرم المخلوقات. فيذهب بك صاحبك ليجلس فوق ربوة، أو في منعزل من الناس، لتخفق له، وتغني له؛ وتنظم له ألحانك كي يهديها بعد إلى الناس. إلى الجائعين الظامئين الذين أضرت بهم المسغبة وأذاب أبدانهم الطوى، وأضرت بهم تلك الريح العاصفة التي تلفح الإنسانية الضاوية وتتلقفها بالموت في كل مكان

بيد أنك تعود أدراجك لتبكي يا أكرم المخلوقات، لأن ألحانك لا تخفف من ألم الجوع، ولا تروي من حر الظمأ، ولا تستطيع أن تنسج نفسها ثوباً يرد عادية البرد، أو يصد لفح الشمس؛ ولا تستطيع الأم الفقيرة المعذبة أن تشتري بمعظم قصائدك قدحاً من اللبن لطفلتها الباكية التي يصهر الجوع أمعاءها؛ ولا أن تبتاع بالباقي أرغفة من نخالة هذا العصر الأسود تملأ بها معدات أطفالها الآخرين

طالما يضحك العلماء من أحلامك، والأغنياء من فقرك، وطالما يستهزئ الخبراء في الأرقام بعواطفك التي لا عدد لها، لأنها عداد كل شئ. . .

غير أنك تضحك منهم جميعاً، وتستهزئ بهم جميعاً؛ لأنك تعرف أنهم يعيشون اليوم ثم يموتون غداً، فلا يذكرهم أحد. . . فهم ينتهون كما انتهى ألف مرة الطعام الذي طعموا، والشراب الذي شربوا، والملابس الزاهية التي طالما تاهوا بها ودلوا. . . وكما انتهت الأرقام الضخام التي طالما زحموا بها السجلات

أما أنت فتعيش اليوم، وتعيش غداً، ولسوف تعيش إلى الأبد. تعيش اليوم في أفئدة المعجبين بك، أولئك الذين تواسيهم دائماً بأناشيدك، وترأب جرحهم بأغاريدك، وجفف دموعهم بألحانك، وتبدل جحيم الحياة من حولهم جنات تجري تحتها أنهار - حنانك، وتتفجر فيها أمواه عطفك، وتصدح في أفنانها بلابل شدوك، ويحمل إليهم نسيمها عذب

ص: 14

غنائك فترد إليهم السعادة، وتحيي في نفوسهم الرجاء، وتنعش في قلوبهم خامد الأمل، وتصلهم بعد القنوط بحبل من الله، فتستنير بصائرهم، وتهدأ أعصابهم، وتفيق أرواحهم الخافتة من سكرات الجوع والظمأ والعرى بذكر الله. . .

وأنت تعيش غداً بمثل هذا، ولسوف تعيش إلى الأبد بمثل هذا. ستعيش في قلوب القافلة التي يجد بها السير. القافلة التي ركبها المئون، فيتصل به المئون والمئون حتى يجئ أمر الله. . . ستعيش كما يعيش الصديقون والشهداء وقادة الإنسانية. قادتها إلى الطوبى التي طالما غازلت خيالك، وعمرت أحلامك، ورفت كما ترف الجنة تحت شباة قلمك وفي صميم سويدائك

ألا ما أسفه الذين ضحكوا منك، واستهزءوا بك عند ذاك!

لقد فرغت الدنيا منهم، بقدر ما امتلأت بك، وهبطوا إلى التراب وسموت إلى عليين!

يمشي صاحبك أيها القلب الشاعر كما يمشي الناس في الحدائق والطرقات، ويقف كما يقفون عند شاطئ النهر، وحفافي الغدير، ويرى كما يرون بعينين، ويتكلم بلسان وشفتين، ويسمع بأذنين، وله يد كما لهم أيد تمتد إلى طعام والى شراب والى. . . كتاب

إلا أن صاحبك حينما يمشي في الحديقة يكلم الورد، ويكلمه الورد بلغة قد لا يعرفها الناس وقد لا يسيغونها؛ لأنها لغة صامتة تتفاهم بها الأرواح التي من قبيل روح الوردة وروح الشاعر. . .

ثم هو يكلم كل ما هو في الحديقة، ويفهم عنه ما لا يفهم الناس

إن الحديقة أغنيته الكبرى الخالدة، التي يتنفس فيها كل شئ، ليجاوب نبضاتك، ويرقص على خفقاتك، وليتحد بك

فإذا مشى صاحبك في الطرقات، وثبت إلى عينيه أيها القلب، يا أكرم المخلوقات، وكما تثب إلى مسمعيه، كي تنطبع على شغافك آلام القافلة المتعبة، وتستقر في جوانبك أدعيتها، فتطب لها بما ترقرق من غناء وحداء

أما إذا وقفت عند شاطئ النهر أو حفافي الغدير، فإنك تسبح لله وتثني عليه، فتقبل قطرات الماء لتصلي معك، وتنشد إنشادك، وتتمنى لو تقبل قدميك، أو تقبل فمك، لتمتزج بروحك العلوية التي هي بضعة من الروح الأكبر، وقبس من نور الخلود، ونفس من أنفاس

ص: 15

الرحمن. . .

وإنما تتمنى قطرات الماء أن تصنع ذلك لأنها تحس كأنما تنبع من أعماقك، وتنسكب من نفسك، كما نبعت من السحاب الذي باركته يد الله. . . وانسكبت من القمة الشامخة التي يداعبها البرد ويغسلها الثلج. . .

ألست المرآة الصافية التي تجلو جمال هذا الكون للناس، والعندليب المجلجل الذي يفتح آذانهم على ألوان من مباهجه لم يكونوا يفقهونها لولاك؟!

ألست الناي الخالد الذي يسكب في أسماع الزمان ألحانه فينشط الركب، وتتجدد عزمات القافلة، وتغني السنون، وترقص الأيام!

ألست الطبيب النطاسي الذي يأسو جراحات الحزانى، ويعالج لواعج المحبين. . .

وقد تظمأ مع ذاك يا أكرم خلق الله، فإن اشتد بك حر الظمأ فاشرب ما شئت من سلافة العيون. . . العيون الخضر الرمادية، والعيون الزرق اللازوردية، والعسلية الصافية التي فيها من مغناطيس الكهرمان. . . واشرب ما شئت من العيون السود التي فيها ذاك المزيج العجيب من الدعج والحور والوطف ما تسكر به وتسحر وتأمر. . . العيون الجميلة النجل التي تغمزك في هوادة ورقة ورفق مرة، وفي عنف وقسوة مرات. . . وهي في الحالتين أمواه حياتك، وحدائق أحلامك، ومشارق خيالك، ومهابط وحيك، ومراتع فتونك، وملاعب هواك

العيون الموسيقية التي لا يتسع غيرها لملكوتك الرحب الذي لا يعرف الحدود!

إشرب منها ما شئت، ثم تصدق بما تنبته تلك المدامة في جناتك ذوات الجنا من موسيقى وألحان. . .

تصدق بهما على المدنفين والمكلومين والمحرومين

تصدق بألحانك على العيون المشهدة، والجوانح المشبوبة، والحدق الباكية، والأنفاس المحترقة، والفم الظامئ، والمهجة الغرثى، والروح الصادية. . . على كل حمامة تنتظر، وعلى كل ظبي غاب عنه أليفه. . . فألحانك غذاء هذه الأرواح جميعاً، وهي عصارة العيون التي شربت، والخدود التي رعيت، والأنفاس الطاهرة التي اختلطت بأنفاسك، وشاعت حمياها في أعطافك

ص: 16

أيها القلب الشاعر! يا أكرم المخلوقات وأنبلها! لن أفرغ اليوم منك، لن أفرغ منك غداً ولا بعد غد، فإلى صلاة قريبة، وإلى لقاء قريب!

دريني خشبة

ص: 17

‌من أدب التراجم

الخليل بن أحمد

للأستاذ طه الراوي

إذا افتخرت الأمم بالأفذاذ من رجالها الذين رفعوا مشعل العلم عالياً فأناروا للعقول مناهجها، وضاعفوا لذاتها ومباهجها؛ حق للعرب أن يكونوا المجلين في هذه الحلبة؛ ولهم من تأريخ المعارف الإنسانية شواهد خوالد تسطع أنوارها وتتجدد على الزمن آثارها. فتأريخ النتاج العقلي يفيض بما للعقل العربي من خصب في الإنتاج، وبراعة في الاختراع، ودقة في الإبداع، وسعة في التحقيق، وإنعام في التدقيق مع صدق في القول وأمانة متناهية في النقل

ومن بين أولئك الأفذاذ الذين أقاموا للعلم مناره ورفعوا لواءه في سماء الرافدين الخليل بن أحمد البصري. وقد رأيت أن أترجم له بمقال مسهب أرسل به إلى مجلة الرسالة الغراء؛ وبعد أن تم المقال رأيت من الأصلح اختصاره رغبة في دفع الملل عن القارئ لأني أعلم أن الكثير من قراء المجلات في هذه الأيام العصيبة يرغبون عن المطولات ويملون المسهبات

نسب الخليل

من أشهر قبائل اليمن قبيلة الأزد التي منها غسان، والأوس والخزرج اللتان عرفتا بعد الإسلام بالأنصار؛ ومن بطون هذه القبيلة الفراهيد، وكان الكثير من أفخاذها يقطن عمان والبصرة. وقد أنجبت عدداً كبيراً من المشاهير كان في الطليعة منهم المترجم وهو: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم البصري الفراهيدي اليحمدي، وبعضهم يقول الفراهيدي، قال الأصمعي: سألت الخليل بن أحمد ممن هو؟ فقال: من أدعمان من فراهيد. قلت: وما فراهيد؟ قال: جرو الأسد بلغة عمان. أهـ

مولده ونشأته

ولد الخليل في البصرة حوالي سنة 100هـ ونشأ بها، وترعرع فيها وهي يومئذ مهد العربية ومطلع أقمارها، فياض بالمعارف ولا سيما الأدبية منها، فشب بين مربدها الذي أصبح عكاظ العرب بعد الإسلام، وحلقات أدبائها الذين كانوا مصابيح الدجى ونجوم الهدى،

ص: 18

فاقتطف من أزاهير المعارف ما شاء أن يقتطف، واجتنى من يانع ثمارها ما راق منظره وطاب مخبره، وبرز على أقرانه أيما تبريز. ومن أشهر مشايخه في الأدب أبو عمرو بن العلاء. ولما آنس من نفسه الكفاية رأى أن أخذ العربية عن الحضريين من العلماء والمترددين إلى الحواضر من الأعراب الذين لانت سلائقهم وضعفت طباعهم لا يوصل إلى اليقين ولا يهدى إلى مهيع الصواب، وعلم أن التبحر في هذا الشأن لا يتيسر إلا بمشافهة الأعراب الخلص الذين توقحت سلائقهم، وصفت عربيتهم، ومعايشتهم في ديارهم، فشد الرحال، وضرب في كبد الجزيرة، وطفق يفلي ناصية الفلاة ويتنقل في الأحياء التي حلت في سرة البادية ولم يكدر صفاء لغتها مخالطة حمراء الأمم وصفرائها كقيس وتميم وأسد وغيرهم ممن خلصت عربيتهم، فكان يلتقط ما يعثر عليه من درر كلامهم وفرائد خطبهم ونوادر أخبارهم وعيون أشعارهم وجليل آثارهم، فما عاد إلى وكره حتى وعى في حافظته أدباً وعلماً جماً، كما أوقر راحلته رقاقاً وطروساً ومهارق حشد فيها شوارد النثر وفرائد النظم فكانت تلك المنقولات عدته في استخراج المسائل وبناء القواعد، وتبويب اللغة، وتصحيح القياس والإكثار من الشواهد والتوسع في إبداء البراهين.

عقله

كان الخليل آية من الآيات في الذكاء ودقة التصور، وتوقد الفطنة، وصدق الحدس، وسعة الحافظة، وقوة الذاكرة، ورجاحة العقل، حتى كانوا يقولون:(لا يجوز على الصراط أحد بعد الأنبياء أدق ذهناً من الخليل) ولا حاجة بنا إلى برهان أنصع من هذه المبتكرات التي أخرجها للناس كما سيمر بك بعد. وقد نقل أهل العالم عنه حكايات من هذا الشأن تتجاوز حد التصديق لولا ثقة رواتها وتكاثر نقلتها. من ذلك أنه جاءته رسالة عربية مكتوبة بالحرف السرياني فقرأها وهو لا يعرف شيئاً عن الحرف السرياني ولكنه استعان بما عرف أنها تصدر عادة بالبسملة والحمدلة ونحوهما

قال الرواة: اجتمع الخليل وعبد الله بن القفع ليلة يتحدثان إلى الغداة فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلاً عقلة أكثر من علمه

وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني:

ص: 19

(إن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل. ليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذ، ولا على مثال تقدمه احتذاء. فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيس بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام. م

مبتكراته

لقد أبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها، واخترع علوماً أعجزت المتقدمين كما بهرت المتأخرين، فلا عجب إذا سميناه (شيخ المبتكرين من العرب)

(علم العروض): لو لم يكن للخليل من المبدعات إلا هذا العلم لكفاه منقبة، فإنه - لعمري - أبدع في تنسيق قواعده، وضبط أبوابه، كما بهر الألباب باختراعه. فقد حصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً على كيفية أدهشت الفطن، وحيرت الأفئدة. ونحن نعلم أن كل مبتكر يعتريه في بادئ الأمر الاضطراب، ويحف بالنواقص، فلا تستقيم قناته ويلبس الحلة التي تليق به إلا بعد أن تختلف العقول على صقله وتثقيف أوده حيناً من الدهر؛ سنة الله في خلقه. ولكنا رأينا علم الخليل بلغ الرشد يوم ولادته، فلم يستدرك عليه من جاء بعده باباً أهمله، أو قاعدة أخل بها، أو فصلاً ذهل عنه، أو اصطلاحاً غيره خير منه - إلا ما كان من أمر البحر الذي زاده تلميذه الأخفش وسماه (الخبب)، ولا يعسر رد هذا البحر إلى واحد من بحور الخليل

(الشكل): كان الخط في صدر الإسلام خلواً من الشكل والإعجام؛ فوضع أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ علامات للحركات الثلاث، فجعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة تحته، والضمة بين يديه، وجعل التنوين نقطتين، كل ذلك بمداد يخالف مداد الحرف. فلما وضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر من الحجاج نقط الإعجام اضطرب الأمر واشتبه الإعجام بالشكل فتصدى الخليل لإزالة هذا اللبس فوضع الشكل على الطريقة المعروفة اليوم، وبنى ذلك على مقاييس مضبوطة وعلل دقيقة بأن جعل للفتحة ألفاً صغيرة مضطجعة فوق الحرف، وللكسرة رأس ياء صغيرة تحته، وللضمة واواً

ص: 20

صغيرة فوقه؛ فإذا كان الحرف المحرك منوناً كرر الحرف الصغير فكتب مرتين فوق الحرف أو تحته. ذلك لأن الفتحة جزء من الألف، والكسرة جزء من الياء، والضمة جزء من الواو؛ ووضع للتشديد رأس شين بغير نقط (ّ)، ووضع للسكون دائرة صغيرة وهي الصفر من الأرقام العربية القديمة؛ وذلك لأن الحرف الساكن خلو من الحركة، ووضع للهمزة رأس عين (ء) لقرب الهمزة من العين في المخرج. هكذا قالوا. والذي أراه أن هذه الشكلة إنما هي الميم المتوسطة في لفظ (همزة) لأنك إذا كتبت هذا اللفظ وحذفت الهاء من أوله والزاي والتاء من آخره ظهرت هذه الشكلة واضحة. ووضع لألف الوصل رأس صاد هكذا (ص)، توضع فوق ألف الوصل مهما كانت الحركة فيها؛ وللمد الواجب ميماً صغيرة مع جزء من الدال هكذا () فكان مجموع ما تم له وضعه ثماني علامات: الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدة والهمزة والصلة والمدة، كلها حروف صغيرة أو أبعاض حروف بينها وبين ما دلت عليه أجلى مناسبة وأوضح صلة، بخلاف علامات أبي الأسود وأتباعه فإنها مجرد اصطلاح لم يبين على مناسبة بين الدال والمدلول. وألف الخليل في هذا الموضوع كتاباً نفيساً فلم يزد أحد على طريقته هذه شيئاً ولا أصلح منها رأياً فكأنه ابتدأها وبه ختمت

(الموسيقى) لم يكن الخليل يعرف لغة أجنبية وليس فيه ميل إلى اللهو والقصف ولكنا رأيناه ألف كتاباً في الموسيقى جمع فيه أصناف النغم وحصر أنواع اللحون، وحدد ذلك كله ولخص وذكر مبالغ أقسامه ونهايات أعداده فصار الكتاب آية في بابه. ولما وضع اسحق بن إبراهيم الموصلي كتابه في النغم واللحون عرضه على إبراهيم بن المهدي فقال له: أحسنت!. . . فقال اسحق: بل أحسن الخليل لأنه جعل السبيل إلى الإحسان. فقال بعض أهل العلم: إن مهارة الخليل في علم الألحان هي التي أعانته على إبداع علم العروض.

(البقية في العدد القادم)

طه الراوي

ص: 21

‌أدباء عالميون

موريس ماترلنك

للأستاذ صلاح الدين المنجد

(تتمة)

إن درامة ماترلنك (بلياس وميليزاند) لتقطر سحراً وجمالاً. . . وفيها مشاهد مترعة متعة ولذة؛ تمثلهما وهما يتناجيان هذه النجوى:

- أنت لا تعلمين لم يجب علي أن أبتعد. . . أنا أحبك!

- وأنا أحبك أيضاً. . .!

- آه. . .! ماذا تقولين يا ميليزاند؟. . . لم أسمع، لم أسمع ما تفوهت به، كأنما حطم الجليد بالحديد المحمر. . . أأنت تقولين هذا بصوت كأنه آت من اللانهاية. . . لم أسمعك يا ميليزاند. أتحبينني. . .؟ تحبينني أيضاً. . .؟ منذ كم وأنت تحبينني يا ميليزاند. . .

- منذ بعيد. . . منذ رأيتك!

- آوه! أنت تقولين هذا. . . كأنما مر صوتك فوق البحر، في الربيع، كأن غيثاً هطل على قلبي. . . بصراحة تقولين هذا؟ أنا لا أصدق! ميليزاند لم تحبينني؟ ألا تخدعينني بقولك، ألا تكذبين لا سر؟

- لا، لا أكذب أبداً عليك، ولكن أكذب على أخيك. . .

- يا لصوتك، يا لصوتك! إنه ندى مبلل، أندى من الماء، كأن الماء يجري بين شفتيك

أفرأيت إلى هذه السذاجة الحلوة، وهذا الطهر الناعم، وهذا السحر الأخاذ. إنها نجوى واحدة من النجويات!

وأخرج ماترلنك بعد ذلك درامة المسماة وقد بلغت هذه الدرامة الصغيرة الكمال، فهو يصور لنا فيها حياة أسرة برجوازية تصاب بالمصائب، ويسلط عليها الرعب والخوف. . .

وقد تجد في هذه الدرامة من الطرفة ما لا تجده في غيرها. فأشخاصها خرس مجتمعون في غرفة تكاد تكون مظلمة، وهم أب وأم، وبنتان وطفل. (أما الأب فجالس إلى النار يشيعها بالحطب، وأما الأم فقد ارتفقت الطاولة، وأخذت تنظر من خلال النافذة ساهمة في حين

ص: 22

ارتدت البنتان ثوبين أبيضين، وجلستا تطرزان)

كل شئ يبعث في النفس الطمأنينة، ولكن لا. . . أنظر، فها هو ذا عجوز يدب في الحديقة، يتبعه جمهور من الناس يمشون بحزن ووجوم. إنهم يعلمون ما كان يجهله أولئك المطمئنون الهادئون.

أتدري ماذا وقع؟ لقد غرقت الأخت الثالثة في النهر. وهاهم أولاء يحملونها جثة هامدة. ليت شعري كيف يطلعون عليهم بهذا النبأ الفاجع وهم ينتظرون عودتها؟ ويمعن ماترلنك في تصوير أولئك الوادعين الذين كانوا يفعلون في هذه الليلة ما فعلوه ليلة أمس، ويظهر الفرق بين ما هم فيه، وما هم آتون عليه، بين الواقع الذي يجهلونه ولا يحسبون له الحساب، وبين ما هم مطمئنون إليه

ويتقدم الموكب، ويراه الجيران، وتثرثر جارتان:

- آوه. . يا لكثرتهم. . إنهم يسرعون

- سيأتون. . وأنا أراهم أيضاً، إنهم يقربون!

لقد كانت المصيبة تسعى. . . (فالقدر يمشي. . . لا يتعب ولا يمل. . .)

والحق أن هذا المنظر الفاجع ليبعث في الأنفس القلق. هذا مصيرنا نحن أيضاً. إننا نستسلم جميعاً للطمأنينة والراحة. وإننا لنفرح ونضحك. . . بل نعتقد أحياناً أننا سعداء، ولكن الموت والألم والمصائب، تسعى نحونا مسرعة لا يوقفها إنسان، ونحن غافلون مطمئنون

لقد كانت هذه الفكرة تهيمن على آثار ماترلنك حتى مطلع هذا القرن. . . ولقد حاول في روايته (أجلافين وسيليزيت أن يجعل الألم والموت يتراجعان أمام الحياة والفرح. ولكنه لم يدرك ما ابتغاه، ووجد نفسه مجبراً على أن يصور هذه المصائب التي تنغص عيش الإنسان في هذه الحياة الدنيا

هذه أشهر آثار ماترلنك في الحقبة الأولى من تفكيره الفلسفي. فلما طلع هذا القرن، كان لماترلنك وجهة أخرى سنعود إلى التكلم عليها بعد حين

(انتهى البحث - دمشق)

صلاح الدين المنجد

ص: 23

‌الأحلام

للفيلسوف الفرنسي هنري برجسون

بقلم الأستاذ ألبير نادر

السرعة التي تسرد بها بعض الأحلام تبدو لي كأنها نتيجة أخرى لنفس السبب: الحلم يمكنه أن يقدم لنا في بضعة ثوان مجموعة حوادث تتطلب أياماً عديدة لتتحقق في حالة اليقظة. كتب الفريد موري في هذا الصدد يقول: (كنت نائماً في حجرتي ووالدتي على قمة السرير. حلمت بالثورة وكنت أشاهد حوادث الذبح ثم مثلت أمام محكمة الثورة، ورأيت روبسبيير ومارا وفوكييه تنفيل. . . أخذت أجادلهم، ثم حكم علي بالإعدام وقادوني في عربة إلى ميدان الثورة - صعدت إلى المقصلة وربطني الجلاد على اللوح ثم دفعه والمقصلة هبطت علي؛ فشعرت بأن رأسي قد انفصل عن جسمي واستيقظت وأنا في حالة بأس شديد وشعرت بسهم السرير فوق عنقي، وكان هذا السهم قد انفصل من موضعه ووقع على فقرات عنقي مثل ما تقع مقصلة المشنقة على العنق - حصل هذا في الحال كما أثبتته لي والدتي. فأنا اتخذت هذا الإحساس الخارجي بداية لحلم تعاقبت فيه حوادث متعددة. أهـ (من كتاب موري: النوم والأحلام). ومهما يقل عن ملحوظة موري هذه في أيامنا الأخيرة فأنا أراها ممكنة التحقيق، لأني وجدت حوادث مماثلة لها في أدب الأحلام - وتوالي الصور السريع هذا ليس بأمر قريب، فإن صور الحلم تكون بنوع خاص صوراً بصرية. والمحادثات التي يظن الحالم أنه سمعها تنظم وتتم وتتضخم غالباً عند اليقظة. وربما لا تكون صور الحلم سوى فكرة المحادثة فقط أو معناها الكلي الذي صاحب الصور. فجمع كبير من الصور البصرية يمكنه أن يبدو دفعة واحدة على شكل منظر، وبذلك لا يحتاج إلا لبضع لحظات. فلا تدهش إذا جمع الحلم في بضع لحظات ما يتطلب عدة أيام أثناء اليقظة. إن الحلم يرى الشيء مصغراً فهو يعمل كما تعمل الذاكرة. في حالة اليقظة يلزم الذكر البصرية التي تعبر عن الإحساس البصري؛ ومن ذلك ينتج سرد الحوادث وهو يدوم بقدر الزمن الذي يدومه هذا الانطباق. وبالاختصار يدوم إدراك الحوادث الخارجية تماماً قدر ما تدوم هذه الحوادث. لكن في الحلم تكتسب الذكرى المعبرة عن الإحساس البصري حريتها، وعدم استقرار الإحساس البصري يجعل الذكرى لا تنطبق عليه. ووتيرة الذاكرة المعبرة لا

ص: 25

يعد لها أن تختار وتيرة الحقيقة. والصور يمكنها إذا شاءت أن تندفع بسرعة جنونية كما تتعاقب الصور السينمائية إلا إذا نظمنا تعاقبها. فلا التدفق ولا الغزارة يبرهنان عن قوة في محيط النفس، إلا أن الضبط والدقة في الانسجام يتطلبان مجهوداً. أما إذا تمردت الذاكرة المعبرة والتفتت إلى الحياة وخرجت عن حالة الحلم فالحوادث الخارجية تقسم حينئذ مجراها وتخفف وطأتها مثل رقاص الساعة يقسم أجزاء ويوزع على عدة أيام تمدد الزنبرك مع اللم بأن هذا التمدد يصير في الحال إذا ترك وشأنه

بقى لنا أن نبحث لماذا يختار الحلم هذه الذكرى أو تلك مفضلاً إياها على الذكريات الأخرى التي يمكنها أن تنطبق أيضاً على الإحساسات الحالية. لا يمكننا أن نعبر عن خاطر الحلم ولا يمكننا أن نعبر عن خاطر اليقظة، لكن يمكننا أن نشير إلى اتجاههما البين. ففي النوم الطبيعي تعيد لنا أحلامنا في الغالب الأفكار التي مرت بنا كالبرق، أو الأشياء التي أدركناها بدون أن نعيرها انتباهاً. وإذا حلمنا أثناء الليل بحوادث النهار فالحوادث التافهة لا الحوادث المهمة هي التي يكون لها حظ الظهور. وإني أؤيد نظريات دلاج وروبرت وفرود في هذا الصدد. أنا في الطريق أنتظر الترام ولا يمكنه أن يمسني لأني واقف على الرصيف؛ ولكن إذا طرأت علي فكرة خطر ممكن عندما يمشي الترام. لا بل أكثر من ذلك: إذا تراجع جسمي بدون انتباه وبدون أن أشعر بأي خطر فيمكن أن أحلم في الليلة السابقة أن الترام قد دهمني. أعود أثناء النهار مريضاً حالته تدعو إلى اليأس، ويكفي أن يمر شعاع أمل بسيط ولمدة لحظة وجيزة - شعاع أكاد أشعر به - حتى يظهر لي حلمي أثناء الليل أن المريض قد شفى، وعلى كل حال سأحلم بشفاء لا بمرض أو موت، بالاختصار ما لم نعن بمشاهدته له الأفضلية في الرجوع والعودة. ولا غرابة، فالشخصية التي تحلم هي شخصية ساه تتمدد. والذكريات التي تتفق أحسن اتفاق مع هذه الشخصية هي ذكريات السهو التي لا تحمل معها علامة المجهود

هذه هي الملاحظات التي أردت أن أقدمها لكم في موضوع الحلم. أنها غير وافية. فهي لا تبحث إلا في الأحلام التي نعرفها اليوم وفي الأحلام التي نتذكرها والتي ترجع إلى النوم الخفيف؛ ولكن إذا كان النوم عميقاً فربما تحلم أحلاماً من نوع آخر ولا يبقى منها شئ عند اليقظة

ص: 26

وأنا أميل إلى الاعتقاد وخصوصاً لأسباب نظرية ومحض اقتراح بأن رؤيانا حينئذ تكون أكثر تمدداً وأكثر إيضاحاً لماضينا. فعلى علم النفس أن يوجه مجهوده نحو هذا النوم العميق، لا ليدرس فيه فقط كيان الذاكرة الباطنية وعملها، بل ليفحص العوامل الخفية التي تتعلق بالبحث النفساني. أني لا أريد المغامرة في هذا المضمار ولكن لا يسعني إلا أن أهتم بالملاحظات المتجمعة بفضل مجهود (جمعية الأبحاث النفسية) الذي لا يعرف الكلل، فالتنقيب عن العقل الباطن والبحث عن أعماق النفس بواسطة طرق مخصوصة هو عمل علم النفس الأساسي في فجر هذا العصر. ولا أشك أن هناك اكتشافات بديعة تنتظره وأهميتها تضاهي أهمية العلوم الطبيعية في العصور الماضية، وهذا ما أتمناه لكم في ختام حديثي هذا.

(تم)

ألبير نادر

ص: 27

‌الساعة.

. .!

عزيزي الدكتور طه حسين بك

في المحاورات الممتعة الطريفة التي دارت بينك وبيني - في خريف السنة الماضية بالقدس - والتي استمع إليها جمهور من نخبة أدباء فلسطين كنت ثائر على الشعر العربي الحديث منكراً الإبداع الفني في الصورة وتهاويله، فاسمح لي اليوم أن أقدم إليك - على أسبوعين أو ثلاثة - طرائف من شعر أحمد الصافي النجفي لم تنشر بعد لأرى رأيك الجديد. .

القدس - عبد القادر جنيدي

يا ساعةً أتبعها النظام

عليك كل راحة حرام

تجرين لا يوقفك الزحام

مسرعة كأنك الحمام

هذي الليالي لك والأيام

تفنيها كأنها أخصام

النوم من أعمارنا انحسام

ألا تنامين كما ننام

أسقيك لو تسكرك المدام

فتسكر الشهود والأعوام

وتهجعون إن غفا الأنام

وترقد الخمر ويغفى الجام

والليل والنهار إن تناموا

هما لكم في نومكم أحلام

ونحن في أحلامكم أوهام

أحمد الصافي النجفي

ص: 28

‌من أدب الشاطئ

شكاة المغيب!

(إلى العروس النائية)

لشاعر الوجدان جان ريشبان

للأستاذ عبد العزيز العجيزي

أين مني الليالي الزُهر، والسنا النشوان! أين مني بهجة الدنيا وابتسامة الزمان! أين مني يا ليلاي أيامك الخوالي، ومغانيك الحسان! أين مني الهوى، والصبا، والمنى، وروضك الفينان؟

آه لقد كدر الفراق صفو المعاني، وأشقى البعد مهجة العاني! وبقيت وحيداً أعاني الشوق والأشجان، وأقاسي الهجر والحرمان!

أين الزمان الذي قد كنت ناعمة

مهلةً بدنوِّ منك يا سندي

هاج شوقي لو كر إلهامي وروض إنشادي، وزاد حنيني لمهد أحلامي وظل ودادي. وفررت من عيش كئيب تكتنفه أكدار وتمازجه آلام. . . وسرت بقلب يذوب جوى، ونفس تتأجج لوعةً، وكبد تتلظى كمداً. . . إلى أطلال حبي الغابر! فلاحقتني أطياف الأسى المتفجر، وأشباح الجوى المتسعر، وقد أهلكها ا ? نحيب وأزهقها الوجيب، من ضناها وتوجعها، وأساها وتفجعها!

طليحُ شوقً بنار الحب محترق

تقتاده زفرات إثر لوعات

واحسرتاه على شباب نضب معينه هو في غضارة الإهاب، وذوى زهره في ربيع الصبا! وا لهفي على أمسيات ساحرات ولت تشيعها أنين الحسرات وكمين العبرات! وا أسفاه على ضياء خبا سناه من تفجع الذكريات ثم ما لبث أن عاد النور إلى الظلمات! واشجني على نفس ترسف في أغلال همومها، ومهجة حرى تذوب من سعير خطبها، وروح صرعتها أهوال القضاء، وأنشبت فيها أظفار الشقاء!

فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى

وزدت على ما لم يكن بلغ الهجر

لقد أبلى السقام جسدي النحيل، وأضنى الهيام بدني العليل! فأين مني رحمتك وحنانك، وأين

ص: 29

مني سحرك ودلالك؟!. . .

لقد كنت يا ليلى أستشفي بوصالك وأستهدي بجمالك، فأنت شفاء العاني الموله، ورواء المحب المدله!

وما عبد العزيز طبيب قلبي

ولكن الطبيب هو الحبيب

فوا حزناه على معذب محروق أذابه لهيب الشجون، وأضنته أسقام المنون!

أواه ليلاي! لقد أدمى البعد فؤادي، وذهب الجوى برشادي، وقضيت أيامي حليف سهادي. . . ونأيت بنفسي بعيداً عن صخب الحياة ولغوب الناس حتى. . . . . . . . . . . .

أخلو بذكرك لا أريد محدثاً

وكفى بذكرك سامراً وسروراً

فلا يقع بصري على إنسان، وأكون بنجدة من همسات الحسان، وخلوة في ذكر، وحنان، وأمان!

واهاً لذكرى المجالي بين أفنان الجمال، تتابعني أشباحها أينما سرت، وتلاحقني أطيافها أنى حللت بين زفرات التأوه وحسرات التوجع!

أُرْدد سعادُ على حيران مكتئب

يمسي ويصبح في هم وتذكار

واهاً لمحب عربيد عربيد، ترك حبه صريع الجوى، شهيد الهوى، تنزف منه دماء قلبه المكاوم، ثم يفر هارباً كجبان رعديد دون أن يرحم جرحاً دامياً، أو يغيث قلباً عانياً!

لقد فررت بنفسي إلى جزيرة نائية كي أكون بمناجاة من سخر الرجال وأضاحيكهم، وبمأمن من رياء النساء وأكاذيبهن! فيطمئن القلب ويهدأ الجنان؛ في عالم قدسي موفور الأمان!

دلفت كابياً في سكينة هذه الجزيرة الوادعة، وأقمت فيها كاسفاً بين وحشة الصمت ورهبة الموت كبوم لفه البؤس والوجوم والوجوم في وادي الآلام والهموم!

واهاً لوحدتي، وسهدي، وانفرادي! ها قد جلست منعزلاً وللحياة معتزلاً. لا أرى إلا بحراً مضطرب الأمواج، ولا أسمع إلا إعصار ثبج يصارع الأنواء صراعاً رهيب الأصداء، واصطفاق لجج على ثنايا الشاطئ في إزباد وإرغاء!

ولا مُؤنس إلا شهيق وزفرة

ولا مسعدُ إلا دموع وأشجان

أطلق النسيم أنفاسه العذاب، وسرى يختال في أردية العباب، وسجن البحر، وترفق الموج ناثراً رذاذاً كحباب الصهباء وشدت قيثارة الريح ألحان الصفاء. ولكن، ما أسكرتني خمرة

ص: 30

الألحان، ولا أنعشتني لذة الوجدان، وما أطربني صداح الأغاني ولا هاجني لماح الأماني: إذ

كيف السرور وأنت نازحةُ

عنّي وكيف يسوغ لي الطرب

أجل. لا شئ في الحياة يسري عني هموم الوصب إلا ورقاء حزينة هي مسلاة غرامي ومتنفس آلامي، تؤنسني في وحدتي، وتسليني في عزلتي، وشدوها سلوان خاطري وألحانها عزاء شاعر

فكأنها صاغت على

شجوى شجا تلك اللحون

أواه! لقد جنت التأوهات من فرط جواها، وهامت اللهفات من فيض ضناها، ورفرفت أحلام الهوى العذري على الرمال الشقراء. فتغنى البحر بأنين الزفرات، وأنشد الموج على الصخر أناشيد العبرات. أخذت صخور الشاطئ تبكي وتنتحب رحمة بي وشفقة علي، وترقرقت القطرات على خدها كحبات لؤلؤ وضاح. فغاض الأسى بجفوني، وفاضت مدامعي عقيقاً وتهللت على الخدين والنحر. . .

علّ ماء الدموع يخمد ناراً

من جوىّ الحب أو يبل غليلاً

أجل إنه لسراب يخدع النظر، وعبث لا ينيل الوطر! حقاً إنه خداع كاذب ووهم باطل اعتراني في حمى قطيعة لا تجدي نفعاً إذ علام الحياة في خراب مقفر، وباب موحش، أمل امتلاك ناصية ضالة خادعة!؟

أسجناً وقيداً، واشتياقاً وغربة

ونأي حبيب إن ذا لعظيم

لكن! كيف المفر من ذكريات أضنت صباي وأضاعت مناي؟! كيف النجاة من طيفك يا قاسية؟ إنك قد نزلت من مهجتي في كل مكان؛ وغداً خيالك يتمثل لناظري ويسبح في خاطري، ويسطو على مشاعري ويهيج سرائري!

خيالك في عيني وذكرك في فمي

ومثواك في قلبي فأين تغيب

(شاطئ رأس البر)

عبد العزيز العجيزي

ص: 31

‌1 - (أعاصير مغرب) للعقاد

للأستاذ علي متولي صلاح

عندما شرعت القلم لأكتب عن ديوان العقاد الفذ (أعاصير مغرب) قرأت مقالاً للدكتور مندور في مجلة الثقافة عن (ترنيمة السرير) يقول في نهايتها: (لقد تصفحت (أعاصير مغرب) فعجبت لمن يجرؤون على تسميتها شعراً وهي نثرية في مادتها، نثرية في أسلوبها، نثرية في روحها. ونثريتها بعد مبتذلة سميكة، حتى الإحساس فيها شئ لا تطمئن إليه النفس، شئ ناب. الأدب الجيد لا بد أن يلونه الإحساس، وصاحب (أعاصير مغرب) من الكتاب الذي قد تبهرك مهارتك العقلية في التخريج، ولكني لا أذكر إلا في النادر الذي لا يذكر أنه قد استطاع يوماً أن يحرك في نفسي إحساساً فكيف له بقول الشعر؟ وكيف لنا أن نقارن شعراً كالأعاصير ونحوها بشعر المهجر الحي)

فعجبت بدوري من الدكتور مندور كيف يمسك سيفه بيده ويضرب في الهواء عن يمين فيحسب أنه قتل ألفاً، ويضرب في الهواء عن يسار فيحسب أنه قتل ألفاً! الدكتور مندور شاب نرجو منه الخير الكثير للأدب إن فارقته نزعة التعقب والرغبة في الهدم بلا استقصاء ولا روية، ولا تأن ولا دراسة شاملة لمن يتعقبهم ويحسبه قادراً على هدمهم! ذم أدباءنا وشعراءنا جميعاً: العقاد والزيات والحكيم ومن إليهم عنده طبول وأبواق؛ وعلي طه ومحمود حسن إسماعيل ومن إليهم خطباء منابر لا شعراء يصدحون! اللهم إلا شعراء المهجر؛ فهم عنده في القمة والذؤابة ومن خلاهم هباء!

وأعاصير مغرب ابعد هو - عندي - أعظم وأرق وأجمل دواوين العقاد جميعاً. قرأت كل ما قال العقاد من شعر فما اجتمع لديوان من دواوينه القديمة والحديثة ما اجتمع لهذا الديوان - في رأيي - من روعة ورونق وصدق عاطفة، وجمال أسلوب وإشراق ديباجة

ولم أفهم بعد لماذا سماه العقاد (أعاصير مغرب) ولو أنه شرح ذلك بعض الشرح في مقدمته إلا أنه لم يقنعني ولم أسترح إليه إلا في نصفه الأول (أعاصير) فالديوان في مجموعة أعاصير عاتية عارمة، نظمه العقاد إلا أقله وعالم الدنيا مضطرب بأعاصيره، وعالم النفس مضطرب بأعاصيره. بيد أنها ليست أعاصير (مغرب) إن كان العقاد التمس الغروب من (توماس هاردي) الذي ينظر إلى المرآة فيرى بشرته الذابلة تتقبض فيتوجه إلى الله مبتهلاً

ص: 32

يقول: (أسألك يا رب إلا ما جعلت لي قلباً يذبل مثل هذا الذبول، إنني لأحس برد القلوب من حولي فلا آلم ولا أحزن، وإنني لأظل في ارتقاب راحتي السرمدية بجأش ساكن، وسمت وقور. غير أن الزمن الذي يأبى لي إلا الأسى قد شاء أن يختلس فلا يختلس كل شئ، ويترك فلا يترك كل شئ. ولا يزال يرجف هذه البنية الهزيلة في مسائها بأقوى ما في الظهيرة من خلجة واضطراب). . . أو كان التمسه عند (بيرون) الذي نظم قصيدة (عيد ميلاد أخير) وهو في السادسة والثلاثين من عمره وقال: (آن لهذا القلب أن يسكن مذ عز عليه أن يحرك سواه؛ ولكني وقد حرمت من يهوى إلي، حسبي نصيباً من الحب أن أهوى. إن أيامي لمكتوبة على الورقة الذابلة الذاوية. إن زهرات الحب وثماره ذهبت إلى غير رجعى، إنما السوس والديدان وحسرة الأسى هي لي. . . لي وحدها تحيي. . . تلك القدرة على الهيام والهوى ليس لي منها حصة تبقى، فما لأغلالها في عنقي لا تنزع ولا تبلى؟. . .)

ما هاردي ولا بيرون بشبيهين للعقاد في هذا الذي يقولان. العقاد ذو قلب شاب فتى قوي متفتح للحياة، مقبل عليها، نهم بها، كلف بألوان الجمال وأنماط الحسن فيها، فأين يكون الغروب منه؟ العقاد يسير قلبه دائماً إلى الشباب حيث تسير قلوب الناس إلى الهرم والشيخوخة، ويصبو قلبه إلى الحياة حيث تزهد القلوب الفانية في متاعها. العقاد يصغر حيث يكبر الناس، والشاعر - بعد - طفل كبير!

لو أنه سماه (أعاصير قلب) لكان أدنى إلى الصدور وأقرب إلى الحق من اسمه الذي اختار اللهم إلا أن يكون استطراداً لفظياً مع دواوينه السابقة: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، ووحي الأربعين، التي يعبر بها عن الزمن والأيام والسنين لا عن القلب وما به من صبى وشباب أو كهولة وفناء، وهل غرب قلب الذي يقول:

هي قبلة ضمَّتْ عرى

عامّين فاتّصلا اتّصالا

ومُنى الخواطر في غد

عام كسابقه مآلا

لا تعجلنّ به فما

أقسى الحياة على العجالى

لا لا فهذا يومنا

وغد وبعد غد خفاء

أنا مغمض عيني

ومستمع إلى حادي الرجاء

ص: 33

فإذا سمعت حداءه

فدعيه يمضي حيث شاء!

والذي يقول:

أهلاً بعام ثالث

يتلوه عام رابع

بل خامس فيما عهد

ت وسادس أو سابع

ما ضاقت الدنيا وفي

جنبيْك قلب واسع!

أو الذي يقول:

سنةٌ كان لها نجم فريد

هات منها أيها النجم وهات

سنة ثانية بل سنوات

ولنا منك مزيد المستزيد. . .!

أو الذي يقول:

وفي كل يوم يولد المرء ذو الحجي

وفي كلَّ يوم ذو الجهالة يُلحد!

بل إني لألمح بين سطور الديوان غراماً حقيقياً وقع فيه العقاد! ولعله وقع أخيراً في (فخ) جعل هذا الشعر الغزلي الرائع ينساب من قلبه انسياباً

والعقاد إذ يكتب الشعر إنما يكتبه بعاطفته وبعقله معاً، وتلك ميزة تفرد بها العقاد، فهو يكتب مدفوعاً بعاطفة أصيلة صادقة دفاعة، فإذا بدأ يكتب جاء عقله من وراء الستار فصقل الفكرة وهذب الرأي، وأخرجه للناس في رواء بهيج من الفلسفة والشعور معاً، وما أحسب ذلك قد توفر لغير العقاد. خذ مثلاً شعره الغنائي في هذا الديوان، فهو جماع من اللفظ الصادح، والعقل الراجح، والقلب المحب الولهان، وإنك لواجد في هذا الديوان مجموعة طيبة جداً من شعر العقاد مثل قصيدة (عمر زهرة):

فريدة في روضها

أخيرة في الموسم

عيشي وأهدي غيرها

في كل عيد واسلمي

ألست أنت مثلها

علمَت أو لم تعلمي

هدية الخلاق لي

وقدرٌ أن تنسمي

زهرتك البيضاء هلا

تذكرين نشرها؟

ص: 34

حفظتها في خدرها

هل برحت مقرها؟

حفظتها حفظتها

فهل حفظت سرها؟

قصصتُ منها عقدة

لكي أطيل عمرها؟

ولا أدري ما الهمس الذي يقولون به إن لم يتوفر كله في هذه الأبيات، أو تلك القصيدة الأخرى (الطير المهاجر) التي غناها الفلسطينيون في محطتهم فكانت بحق درة الغناء عندهم:

علمتني مواسم الروض أن الطير

سر شتّى: مهاجر ومقيمُ

أتراني لا أسمع الطير إلا

في رياض معشعشاً لا يريم

رب شاد في هجرة يتغنى

وعليه السلام والتسليم

من جنوب إلى شمال وحيناً

من شمال إلى جنوب يحوم

فله حين يستقل وداع

وله حين يقبل التكريم

خذ من الطير كل يوم جديداً

فسواء جديده والقديم

كم مولٍ وصفوه لا يولي

ومقيم وصفوه لا يقيم!

وأنا - بعد - أسأل الأستاذ الدكتور محمد مندور أمثل هذه القصيدة نثرية في مادتها، نثرية في أسلوبها وروحها، ونثريتها مبتذلة سميكة؟؟

(المنصورة)

على متولي صلاح

ص: 35

‌البريد الأدبي

جبرائيل تقلا باشا

في ليل الأربعاء الماضي روعت الصحافة العربية بفقد رجلها وعميدها المأسوف عليه (جبرائيل تقلا باشا) صاحب (الأهرام). وقد أجمع الذين لابسوا هذا الرجل من قرب أو عاملوه من بعد أنه كان أصدق المثل الشريفة للعقلية اللبنانية العاملة المثابرة الثابتة، وأنه كان فضلاً عن ذلك موصوفاً بالتواضع الجم والحياء الكريم والسمت الحسن، وذلك بالطبع سر أبية في تكوينه، وأثر أمة في تربيته. وأسرة تقلا من الأسر اللبنانية القليلة التي غذت عروقها في التربة المصرية بالخلق الكريم والعمل الدائب. وإن في حياة الأهرام الطويلة الحافلة بالجد والصدق والعفة والشجاعة في بلد من أشد البلاد اضطراباً بالمنافع المختلفة والأهواء المتباينة لشاهداً على أن الفرد متى توفر له رأس المال الطبيعي من العمل والخلق والقدوة قام بما لم يقم به حزب، وقوى على ما لم تقو عليه أمة

وفي الحق أن الأهرام الخالصة بطبيعتها للجهاد الصحفي القومي هي من عمل الخلق المتشابه والغرض المتحد في تقلا وبركات والجميل. وذلك توفيق من الله نرجو أن يديمه على هذا العمل الجليل، ما دام على السبيل القصد والغرض النبيل.

إلى الأستاذ دريني خشبة

أخي الأستاذ دريني خشبة

أحييك الطف تحية. وبعد فأني قرأت ناشطاً ما سطرته بحذق في قصة المسرح الإفرنجي. وإني لأهنئك بهذه الوجهة فلا يكتب عندنا في ذلك الفن إلا الأقلون. وقد وقفتني أشياء فيما سطرت، وفيها شئ لم أر معدلاً عن الكتابة إليك في شأنه، وهو قولك في خاتمة المقال الثالث:(يتساءل هؤلاء النقاد. . . الرمزيين). فإني معرض عن الغرابة التي في ترتيب الأسماء لأسألك من أين استقيت (تساءل هؤلاء النقاد، ثم من هم؟) فإني والله ليدهشني أن يقحم (ساردو) على وجه التخصيص في الثبت الحافل العظيم من مؤلفي الدرامة الأوربية) وقد التصق في ترتيبك بالعظيم حقاً: موليير، واساه الله! وليدهشني بعد هذا أن يسل (ميترلنك) من الرمزيين. وأما بيرندللو فقد شرحت سنة 1938 في الرسالة كيف يدخل في الطور الثاني من الرمزية الباحثة عن حقائق النفس لا عن خفايا العالم. ثم إني ما عرفت

ص: 36

من هو (سارس)؟ هي هفوة من هفوات الطبع وقعت على غرار (شيكوف) بدلاً من (تشيكوف)

في هذه الأيام الفاترة المفترة أحببت أن أثاقفك، وأن أكاشفك بعد ذلك بتقديري وودي

بشر فارس

معنى قوله تعالى (يخرج الحي من الميت)

اطلعت على ما نشر في الرسالة الغراء عدد (521) وملاحظاتي على ذلك ما يلي:

1 -

الآية خاصة بالحب والنوى بدليل النص الصريح

2 -

لفظة يخرج تؤدي معنى استخلاص شئ من آخر ولو أراد الله تعالى غير ذلك لقال يخلق أو ينشئ أو أي معنى آخر يفيد الحدوث فقارن بين جلال المعنى في قوله تعالى: (إني خالق بشراً من طين) بما لو قال إني مخرج بشراً من طين

3 -

إذا أكل إنسان أو حيوان طعاماً أو امتص نبات مواد من الأرض فليس معنى هذا خلق حياة جديدة في هذه المواد الأولية التي يتحلل إليها الطعام في الجسم لتدخل في تركيب الخلايا في عملية النمو أو التعويض. ولو كان الأمر كذلك لأمكن. لهذه المواد التي تنشئ حياة إذا وضعت في درجة الحرارة المناسبة، مثال ذلك البيضة الغير ملحقة بذكر الدجاج

4 -

يحدث النمو والتجديد والتعويض في الأجسام بواسطة انقسام الخلايا الحية الوحدة إلى اثنتين ثم إلى أربعة، وهكذا تتضاعف، وفي الجنين تتضاعف إلى علقة ثم إلى مضغة الخ

5 -

الحياة شئ والمادة شئ آخر، فالمواد الأولية التي تنتج من تحليل الغذاء في الجسم تساعد على تكوين المادة بخلايا الجسم ولكنها لا تخلق فيها حياة

6 -

إفراز اللبن وكل الإفرازات الأخرى من الجسم كالدمع والعرق والبول والبراز والعصير الهضمي يمكن تطبيق الجزء الثاني من الآية عليها، إلا إن ذلك على سبيل التوسع في الشرح والمجاز في التعبير.

(أسيوط)

دكتور عباس محمد حسين

إلى الدكتور زكي مبارك

ص: 37

1 -

أخالفك كل المخالفة في قولك: إن (شاف) بمعنى (رأى) يستعمل في اللغة، بدليل (تشوف) بمعنى نظر، أن العرب في جميع الأقطار يقولون (شافه) بمعنى (رآه)، وقد (شفتهم) بعينك. وأقول: الحق أن العرب العرباء لم تستعمل شاف بمعنى أبصر لا في شعر ولا في نثر، ولو كان ذلك لنقل إلينا في معاجم اللغة؛ أما الذين سمعتهم يلفظون هذه اللفظة فهم عرب في النسبة لا في اللغة الصحيحة الفصيحة!

وفي قولك: إن علماء البلاغة منذ عشرة قرون أخطأوا في تخطئة المتنبي حين جمع بوق على بوقات في قوله:

فإن يك بعض الناس سيفاً لدولة

ففي الناس بوقاتٌ لها وطبول

وأنك تفردت برفع الظلم عن المتنبي، وجعلت البوقات جمع (بوقه) مصغر بوق، وهي لفظة اصطلاحية في موسيقى الجيش العربي، كما يؤخذ ذلك من نصوص في بعض كتب التاريخ. وأنا أقول: إن كتب التاريخ ليست متون لغة يعتمد عليها في إثبات الكلمات العربية. وأضيف إلى ذلك أن لفظة (بوقة) بمعنى مذكر (البوق) لم ترد في كلام العرب بهذا المعنى

بقي يا دكتور أنك سقت فائدة صرفية لم تر أحداً من الصرفيين نبه عليها في كتب الصرف. وهي (جعل التأنيث من صور التصغير. فالبوقة أصغر من البوق، والطبلة أصغر من الطبل، والبحرة أصغر من البحر، وقد بولغ في تصغيرها فصارت بحيرة. وما الربعة إلا مصغر الربع بلا جدال

ولكن ما قولك في أن الأمثلة التي سقتها لما فيه التأنيث غير صحيحة؟ فليس في لغة العرب (بوقة ولا طبلة ولا بحيرة ولا ربعة) بالمعنى التي تريدها، حتى يحتاج الصرفيون إلى التنبيه على أن التأنيث قد يكون من صور التصغير. أما لفظ (بحيرة) فهو من الكلمات التي لم تستعمل إلا مصغرة كقولهم: كميت للفرس، وكعيت وجميل لطائرين صغيرين

ثم قلت: وأنكر قوم جمع صناعة على صنائع، فحملوا وزارة المعارف على تغيير أسم مدرسة الصنائع، مع أن لهذا الجمع شواهد تفوق العد. والواقع يا دكتور أن صناعة لم تجمع في لسان العروبة على (صنائع) لا في منثور الكلام ولا في منظومة.

وليعلم أن (صنائع) في كلام العرب جمع صنيع أو صنيعة وفنه الحديث (صنائع المعروف

ص: 38

تقي مصارع السوء) على أن لفظ (صناعة) من مصادر الحرفة، وهي لا تجمع في اللغة على (فعائل). فكما لا يقال في تجارة (تجائر) لا يقال في صناعة (صنائع).

عبد الحميد عنتر

ص: 39