المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 54 - بتاريخ: 16 - 07 - 1934 - مجلة الرسالة - جـ ٥٤

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 54

- بتاريخ: 16 - 07 - 1934

ص: -1

‌أحمد زكي باشا

رحم الله زكي باشا ورضي عنه! لقد كان علَماً من أعلام هذا العصر، ورسولاً من رسل هذه النهضة! وأعلام هذا العصر ورسل هذه النهضة معلومون معدودون، لا تزيد فيهم المجاملة، ولا تنقص منهم المجافاة، ولكل واحد منهم ناحية من نواحي الإصلاح أشرقت فيها نفسه، وانتشر في جوانبها سناء. وهم يمتازون من النابغين والنابهين بأن لهم عقيدة فطرية قوامها الإيمان والعصبية، ورسالة روحية بلاغها الجهاد والتضحية. فمحمد عبده في الناحية الدينية، ومصطفى كامل في الناحية الوطنية، وقاسم أمين في الناحية الاجتماعية، وسعد زغلول في الناحية السياسية، وأحمد زكي في الناحية القومية؛ قد بلَّغوا جميعاً رسالات الفطرة على نحو ما بلغ المرسلون رسالات الوحي. نزلت على قلوبهم منذ الشباب الأول فجعلت عقولهم وميولهم ومواهبهم وقفاً عليها ودواعي إليها ووسائل لها؛ ثم لازمتهم في أطوار العمر، وحلت من نفوسهم محل الغرض من السعي والغاية من الحياة

فزكي باشا منذ بلغ سن التكليف تمثل لعينه مثَله، واستعلنت في ذهنه رسالته: رأى العروبة لفظاً تغير مدلوله في الناس، وجنساً تنكرت معالمه في الأجناس، ولساناً فشا فيه الدخيل، وديناً تقول عليه الباطلُ، وأثراً عبث به الجهل، وتاريخاً تطرق إليه النسيان، وحضارة غض منها التعصب، وحقاً تجهم له البغي، وإرثاً تخطفته الغزاة، ووحدة مزقتها العوادي. وكان أول ما عانى من وسائل العيش معالجة الترجمة في الديوان، ثم تعليمها في المدرسة؛ فصرف جهده في تنقيح التراكيب الديوانية، وتصحيح الأعلام العربية، وتصويب الأخطاء التاريخية، ونَقْل ما يعلن محامد الإسلام إلى اللغة الفرنسية، ثم لا يسمع بمكرمة تروى لأمة إلا التمس الأولية فيها للعرب. فالصحف الفرنسية تذكر أن وفود المهنئين دخلوا على الرئيس (بوانكاريه) يهنئونه بالرياسة فما شكر أحداً بما شكر به الآخر، فيكتب في تلك الصحف نفسها ان الوزير أبن زيدون قد سبقه إلى ذلك في موقف حرج من مواقف العزاء؛ وتتبجح أوربا باختراع الطيارة فيثبت لها أن أبن فرناس أسبق من طار في الجو وأول من مات في سبيل الطيران؛ وتشيد أمريكا بعبقرية (كولمب) فيقول لها إن العرب أول من فطن إلى وجدودها وسعى لكشفها

ثم اتسع أمامه أفق الجهاد فاستشرقت نفسه إلى إحياء ثقافة العرب ونشر حضارة الإسلام، فحج الأندلس وزار العواصم الأوربية، ينقب عن نوادر المخطوطات ونفائس المطبوعات

ص: 1

ينسخها أو يصورها أو يشتريها لا يدخر في سبيل ذلك جهداً ولا ثروة. ثم لابس المستشرقين دهراً مليَّا، يفيدهم ويفيد منهم حتى ثقف مناهج البحث، وحذق أصول التحقيق، ومهر طرائق النشر، وأصبح لهم مرجعاً وفيهم حجة

فلما اعتزل المنصب الحكومي تسايرت قواه وهواه إلى خدمة الأمة العربية، فوفد على ملوكها، وسفر بينهم بالصدق والألفة، حتى أذهب الموجدة، ومهد لتوحيد الكلمة

ثم جرد لاستقراء الدقائق واستجلاء الحقائق نشاط الصبي، وعزم الشاب، وصبر الرجولة، فشغل الصحف بالمقالات والمناظرات، وعمر الأندية بالخطب والمحاضرات، وأحيا المجالس بالملح والمحاورات، وفي كل يوم يعتكف الساعات الطوال في مكتبته الجامعة يحرر مسألة، أو يحضّر إجابة، أو يحّبر مقالة، أو يصحح تجربة، حتى إذا فرغ من ذلك كله رجع إلى بيته، فوجد ناديه قد حفل بزواره وسماره من رجالات العرب والمسلمين الطارئين على مصر، فينشر عليه الأنس، ويفيض فيه الكرم، ويبث خلاله المعرفة، فكانت حضرته كحضرة الصاحب بن عباد، مصدر العوارف والمعارف، ومثابة القصد من كل قطر وطبقة

ثم أسلم وجه إلى الله في عهده الأخير، فجعل همه وعزمه حبساً على إنشاء مسجده وبناء قبره. فكنت تراه لا يفكر إلا في هذا المسجد، ولا يعمل إلا له، ولا يتحدث إلا عنه، ولا ينفق إلا عليه، ولا يُبرد البُرُد ويرسل الرسل إلا في شأنه. فلو لم يعجله الموت عنه لتركه قطعة خالدة من الفن العربي

ثقافة زكي باشا ثقافة الأديب، فهو محيط بكل شيء، ولكنه غير راسخ في شيء؛ وذوقه ذوق الفنان، فهو أنيق في ملبسه، أنيق في مأكله، أنيق في مسكنه، أنيق في نشر مقالة، أنيق في طبع كتابه؛ وخلقه خلق العالم، فهو متطامن النفس، عذب الروح، حلو الفكاهة، سليم الصدر، يذهب في السذاجة إلى حد العُجب، ويخرج من تقرير مجهوده في العلم إلى التفاخر به

وكان تصوره وتصويره عربيين خالصين على رغم تضلعه من الفرنسية، وإلمامه بالآداب الأوربية: فتفكيره استطرادي لا يعني بالوحدة، ولا يحفل كثيراً بالتناسق، وأسلوبه أندلسي يتصيد السجع، ويلتمس ألوان البديع، ومرجع ذلك إلى اعتقاده بعربيته، واعتداده بشرقيته،

ص: 2

واعتماده في تكوين نفسه على أدب أمته

إن رسالة الفقيد الكريم كانت ضرورة من ضرورات الإصلاح في عصر قضى الله أن يبعث فيه مجد العرب ليحيا من حيّ عن بينة، فان نهوض الأمة على تاريخ طامس، وأثر دارس، ولغة معجمة، وهيكل منحل، يكون أشبه بنهوض الكسيح لا يقوم إلا ليقع

وقد لخص الفقيد رسالته أجمل تلخيص في ثلاثة أبيات من الشعر أنشأها ثم جعلها زخرف داره، وصورة شعاره، ومرجع حديثه. وهي:

وقفت على أحياء قومي يراعتي

وقلبي وهل إلا اليراعة والقلب

ولي كل يوم موقف ومقالة

أنادي ليوث العرب ويحكموا هبوا

فإما حياة تبعث الشرق ناهضاً

وإما فناء وهو ما يرقب الغرب

رحمه الله رحمة واسعة. وعوض العروبة والعربية والإسلام من فقده خير العرض.

احمد حسن الزيات

ص: 3

‌ما فعلت الأيام

للأستاذ أحمد أمين

عرفته بالإسكندرية منذ عشرين عاما، شاباً رقيق البدن، ضئيل الجسم، مسنون الوجه، شاحب اللون، أظهر مميزاته الرقة والتواضع والتدين. حيي الطبع، شديد الخجل، إن جلس في قوم اعتقل لسانه، وأطرق رأسه. وأرخى عينيه؛ وإن صدرت منه هفوة أو شيء ظنه هفوة، تمنى لو ساخت به الأرض، وظل يحاسب نفسه ويطيل تأنيبها، فآثر الانفراد وأخلد إلى الوحدة، واستأنس بالوحشة، فقلّت معرفته بالناس، وقلّت معرفة الناس به، لا يعرف من العالم إلا مدرسته التي يدرس فيها، وبيته الذي يأوي إليه، ومسجده الذي يتعبد فيه؛ فأما الحياة وشؤونها، وجدها وهزلها، وملاهيها وألاعيبها، فلا يدري منها شيئاً. لا يجلس في مقهى لأنه يخلُّ بمروءته، ولا يذهب إلى تمثيل أو سينما لأنهما لا يخلوان من امرأة سافرة، ولا يشتري شيئاً من بقال عنده لحم خنزير خوفاً من أن تكون سكينته التي يقطع بها الجبن والحلوى قد مست الخنزير، فلا يطهرها مسح، إنما يطهرها عسل سبع مرات إحداهن بالتراب؛ ويغض طرفه إذا سار حذر أن تقع عينه على امرأة.

أعز شيء عليه في الوجود دينه، حياته كلها دين، ومثله الأعلى رجل ظهارته دين، وبطانته دين، تفتير عينيه في خشوع دليل على أنه قضى شطر ليله في عبادة ومناجاة، أسبل عليه الدين نوعاً لطيفاً من الرضى بالقضاء والقدر، فلا يأسى على فائت، ولا يجزع على ميت، ولا يستخفه الفرح لخير، ولا يغلو في الحزن على شر، راض بما كان وما يكون، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيْس، كل أحكامه صادرة عن دين، فالرجل الطيب من تدين، ورجل السوء من لم يتدين، ويستحيل على رجل أن يكون طيباً إذا شرب كأساً من خمر، أو لعب لعبة ميسر، أو ترك صلاة أو زكاة - يوفق دائماً بين أعماله في الحياة وأوامر الدين، إذا أراد الرياضة ذهب إلى سيدي بشر لزيارته، أو لسيدي جابر لصلاة الجمعة فيه، أو أخذ جزءاً من (الأحياء) وذهب إلى (طابية قايتباي) يخلو فيها بنفسه ودينه وكتاب الأحياء. وإن أراد أن يحفظ شيئاً من الأدب حفظ في نهج البلاغة لأنه يجمع بين البلاغة والدين، وإن عرضت فرصة في دراسته للغة العربية خرج من اللغة إلى الدين، وانقلب واعظاً لتلاميذه، حتى استطاع أن يكوّن منهم فرقة دينية تلتزم الصلاة

ص: 4

والصوم وشعائر الدين.

عرفته اتفاقاً، ولست أدري الآن سبب المعرفة وكيف كانت، وكل ما أذكره أني عرفته، وفي لمحة تحولت المعرفة إلى صداقة فحب، فكان من خاصة إخواني وأقربهم مودة إلى قلبي، يأنس بي وآنس به، ويفضي إلى بدخيلة نفسه وكامن أسراره، وكان حبي له مشوباً بعطف عليه ورحمة له، عطفي عليه ظرف فيه، وأرأفني به رقة حواشيه، وملأ نفسي رحمة عليه قسوته على نفسه وأخذه لها في كل شيء بالأشد الأحزم، قد ملك الدين عليه نفسه، فروّعه من كل نعيم خشية السؤال، وهوّل عليه كل لذة خوف العقاب، وغلبت عليه في كل تصرفٍ فكرة الموت مخافة ما بعده، إن قال له قائل (ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم).

على كل حال نعمنا بالصداقة حيناً تساهمنا فيه الوفاء، وتقاسمنا الصفاء، أسافر إلى الإسكندرية فأرى أول واجب علىّ أن أزوره، ويحضر إلى القاهرة فيرى أول واجب عليه أن يزورني، وأكتب اليه، ويكتب إلىّ، ثم عفَّى الزمان على الصداقة ففترت حرارتها، وخمدت جذوتها، لا لسبب إلا أن الصداقة ككل حيّ إذا لمُ تغذ دائماً بالمقابلة والمكاتبة أسرع إليها الذبول فالفناء.

ثم دارت الأيام دورتها، وتعرفت في الإسكندرية بإنسان جديد، فإذاهو صديقي القديم، هو في هذه المرة بدين بطين، مطهم الوجه، ريان السواعد؛ كنت في أيامي الأولى أقرأ في أرنبة أنفه وصفاء جبهته آيات السذاجة والإخلاص، وكنت أرى في وجهه وجلسته عزوفاً عن الدنيا، وزاهداً في الاستكثار منها، ورضى بميسورها؛ وكنت ألمح في فتور عينه حياء العذراء وخجل المخدرات؛ وكنت أرى في نبرات صوته وحركات جفونه ونظرات عينه ديناً وورعاً، فإذاكل ذلك قد استحال كما يستحيل الماء إلى ثلج، علمت أنه قد ورث من أبيه فأثرى، وسمحت لي الظروف بمخالطته فأدهشني ما رأيت من تغير وانقلاب - رأيته وقد أماط عن وجهه قناع الحياء، وخلع ربقة الحشمة، يداخل الناس ويمازجهم، حسن الصحبة، جميل العشرة، يضرب بسهم وافر في المفاكهة والتنادر، جيد القصص، حسن الحديث، لا يأنف من حديث فاجر إذا كانت فيه نكتة حلوة، كثرت أصحابه على اختلاف منازعهم وطبقاتهم، وهو عند كل جماعة منهم قطب الرحى، يمتزج بأرواحهم ويتصل بقلوبهم، خبير

ص: 5

كل الخبرة بأندية اللهو وما إليها، يعرف جد المعرفة برامج السينما في كل أسبوع، وما يمثل من روايات في كل فصل من الفصول، وعنده الخبر اليقين عن كل مغن ومغنية، وفنان وفنانة أتت من مصر إلى الإسكندرية تغني أو تمثل، ذهب عنه خفر عينيه وأصبح يتعشق الجمال ويتتبعه، ويحملق فيه ويشتهيه، حلت المسائل المالية جزءا كبيراً من عقله فهو كثير التفكير فيها، له ديون وعليه ديون، وله قضايا وعليه قضايا، وله دفاتر حساب دقيقة، وله آمال مالية واسعة

حادثته مرة، وكان أشد ما أريد استطلاعه منه أن أعرف حال دينه الذي كان يملك عليه قلبه وعقله، والذي كان يغمر حياته ويسيطر على كل خطوة من خطواته، فإذاعقله حر شديد الحرية في تفكيره، قد تحرر من كل قيد، يعجب بالمدنية الحديثة ويستلهمها الرأي ويستوحيها االنظر، ويتخذ عماد منطقه ومصدر حكمه على الأشياء ما يفعله الأوربيون وما لا يفعلون. قد يعارض ما يراه من ضروب المدنية مبدأ من مبادئ دينه فيظهر عليه نوع من الارتباك والحيرة، ويجمجم في القول ويتبين في قوله الاضطراب بين دين خالط لحمه ودمه شطراً من حياته، وبين عقل نزع إلى الحرية في آخر أيامه، ويشعر بثقل الموقف على نفسه فيجتهد في تحوير الحديث، وتغيير مجرى القول إلى حيث يسترد كامل رأيه، ومنتهى حريته - هذا عقله، وأما قلبه فدينه في رف من رفوفه، لم يملأه ولم يخل منه، لذلك حرت أن أسميه مؤمناً أو كافراً، ماشيته مرة على البحر فرآه جميلاً جليلاً، ورأى القمر يسطع عليه بنوره الساحر، فصاح هذا موضع سجود، فصلى على الرمل، ودعاني مرة إلى ملهى فكان فيه كمن لا يؤمن بحساب ولا عقاب، وهكذا تذبذبت حياته بين نزعة قديمة، ونزعة جديدة، ودين نشأ عليه، ولا دين مال حديثاً إليه، حينا يتحرك دينه الذي في الرف وينتعش حتى يعم قلبه، وحينا ينكمش وينكمش حتى لا يكاد يرى أو يحس

حننت إليه لما بيننا من حب قديم، ولكن لست أدري لم لم تتأكد بيننا الصداقة في هذه المرة كما تأكدت من قبل أكان يعطفني عليه دينه وقد رق؟ أم كان يحني عليه ما فيه من ضعف - مظهره الحياء والخجل، وقد قوي فلا حياء ولا خجل، أم كانت تؤلف بيننا وحدة فتعددت، وأسلوب واحد في الحياة فتفرقت بنا السبل، لعله شيء من ذلك، ولعله كل ذلك، ولعله شيء غير ذلك، على كل حال تركته وبيننا ودّ دخله العقل فخف، وصداقة جال في

ص: 6

نواحيها الفكر ففترت

لقد خليته، وأنا أفكر في شأنه، لقد عاش شيخاً وهو شاب، وعاش شاباً وهو شيخ - عصى هواه صغيراً وأطاعه كبيراً، فليته ولد كبيراً ثم عاد صغيراً، وليت شعري هو في أي حاليه أسعد، أيوم فر من العالم إلى دينه، أم يوم فر من دينه إلى العالم؟ - انه ليمثل في حياته العالم خير تمثيل، موجة دين تتبعها موجة الحاد، وموجة روحانية تتلوها موجة مادية، وهكذا دواليك، وما أدرى أيقف صديقنا في تطوره عند هذا الحد، أم يعود سيرته الأولى، أم يختط مسلكاً جديداً لا هو هذا ولا هو ذاك؟ الله أعلم.

أحمد أمين

ص: 7

‌سمُوُّ الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

- 1 -

كان النبي صلى الله عليه وسلم على ما يصف التاريخ من الفقر والقلة، ولكنه كان بطبيعته فوق الاستغناء، فهو فقير لا يجوز أن يوصف بالفقر ولا تناله المعاني النفسية التي تعلو بعَرَضٍ من الدنيا وتنزل بعرض، فما كانت به خَلّة تحدث هدما في الحياة فيرممها المال، ولا كان يتحرك في سعى ينفق فيه من نفسه الكبيرة ليجمع من الدنيا، ولا كان يتقلب بين البعيد والقريب من طمع أدرك أو طمع أخفق، ولا نظر لنفسه في الحسبة والتدبير لتدرّ معيشته فيحتلها ذهباً أو فضة، ولا استقر في قلبه العظيم ما يجعل للدينار معنى الدينار ولا للدرهم معنى الدرهم؛ فان المعنى الحيّ لهذا المال هو إظهار النفس رابية متجسمة في صورة تكبر على قدر من السعة والغنى؛ والمعنى الحي للفقر من المال هو إبراز النفس ضئيلة منزوية في صورة تصغر على قدر من الضيق والعُسرة.

إن فقرهُ صلى الله عليه وسلم كان من أنه يتَّسع في الكون لا في المال، فهو فقر يعد من معجزاته الكبرى التي لم يتنبه إليها أحد إلى الآن، وهو خاص به، ومن أين تدبّرته رأيته في حقيقته معجزة تواضعت وغيّرت اسمها. معجرة فيها الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى، وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرناً، وهي اليوم تثبت بالبرهان معنى قوله صلى الله وسلم في صفة نفسه (إنما أنا رحمةٌ مُهْدَاة)

نحن في عصر تكاد الفضيلة الإنسانية فيه تلحق بالألفاظ التاريخية التي تدل على ما كان قديما. . بل عادت كلمة من كلمات الشعر تراد لتحريك النسيم اللغوي الراكد في الخيال، كما تقول: السحاب الأزرق، والفجر الأبيض، والشفق الأحمر، والتَّطاريف الوردية على ذيل الشمس؛ وأصبح الناس ينظر أكثرهم إلى أكثرهم بأعين فيها معنى وحشيّ لو لمس لضرب أو طعن أو ذبح؛ وعملت المدنية أعمالها فلم تزد على أن أخرجت الشكل الشعري لإنسانها الغني ترفا ونعمة وافتناناً بين ذلك، من أيسر الحلال إلى الفظيع المتفاحش في الاباحة، فكأنما وضعت المدنية عقلاً في وحش، فزاغت فيه الطبيعة من ناحيتين؛ ثم قابلته بالشكل الوحشي لإنسانها الفقير، فكأنما نزعت عقلاً من إنسان، فضلت فيه الطبيعة من

ص: 8

ناحيتين؛ وكان الأول سَرَف الهوى، وكان مع الثاني سَرَف الحماقة.

وقد أصبح من تهكم الحياة بأهلها أن يكون الفقير فقيراً وهو يعلم أن صناعته في المدنية هي عَمَلُ الغِني للأغنياء. . . وأن يكون الغنيُّ غنياً وهو يعلم أن عمله في المدنية هو صنعة الفقر لضميره.

وخرجت من هذا وذاك مسائل جديدة في فلسفة المعايشة الإنسانية التي يسمونها (الاجتماع)، فسؤال اسمه الاشتراكية يسأل القوة أن تجعل صاحب المال من ماله كالمرأة المطلقة من رجلها. . وسؤال اسمه الشيوعية يطلب من القوة أن تسلط على كل حيّ ما يجعله في قواه كصاحب الدار سلط عليه الطغيان فانقلبت داره سجنه، فهو يتألم من معنى نعمته بمعنى شقائه، ويكون أغيظ له أن روح السجن ليست شيئاً غير روح البيت؛ وسؤال اسمه العَدَمِيّة يأمر القوة أن تجعل الإنسان كالحيوان المُسْتَوْلِغ فيما يجده من طيب وخبيث لا يبالي ذماً ولا عاراً، وليس إلا أنه يعيش ليموت أكلاً ونوماً. . .

هذا إلى أسئلة كثيرة لو ذهبنا نعدها ونصنفها لطال بنا القول وكلها عاملة على نزع الشعور العقلي من الحياة لتظهر أسخف مما هي، وأقبح مما كانت؛ حتى أصبحت الشمس تمحو ليلاً عن المادة وتلقى ليلاً على النفس، في حين أن الدين والإنسانية لا يعملان غير بث هذا النور العقلي في الأشياء والمعاني لتظهر الحياة مضيئة ملتمعة فتصبح أوضح مما هي في نفسها، وأجمل مما هي في الطبيعة.

في مثل هذه النزعات المتقاتلة التي صعدت بالفلسفة ونزلت، وجعلت من العلم في صدر الإنسانية ملء سماء من الغيوم بسوادها ورعدها وصواعقها، وتركت العالم يضج ضجيجه المزعج في قلب كل حي حتى لتذاع الهموم إلى قلوب الناس إذاعة الأصوات إلى أسماعهم في (الراديو). . . في مثل هذا البلاء الماحق تتلفت الإنسانية إلى التاريخ تسأله درساً من الكمال الإنساني القديم تطِبّ منه لهذه الحماقات الجديدة، ولو علمت أن درس هذا العصر في علاج مشاكله الإنسانية هو (محمد) صلى الله عليه وسلم الذي لن يبلغ أحد في وصفه الاجتماعي ما بلغ هو في قوله (إنما أنا رحمة مهداة)

هذا المصلح الاجتماعي الأعظم يلقي فقره درساً على الدنيا العلمية الفلسفية، لا من كتاب ولا فكر، ولكن بأخلاقه وعمله وسيرته؛ إذ ليس المصلح من فكّر وكتب، ووعظ وخطب،

ص: 9

ولكنه الحيّ العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة لتحيا فيه وتجعل له عمراً ذهنياً يكونُ مصَرَّفا على حكمها، فيكون تاريخه ووصفه هو وصف هذه الفكرة وتاريخها. وما كان محمد صلى الله عليه وسلم إلا عمراً ذهنياً محضاً تمر فيه المعاني الإلهية لتظهر للناس إلهية مفسرة. وكل حياته صلى الله عليه وسلم دروس مفنّنة مختلفة المعاني، ولكنها في جملتها تخاطب الإنسان على الدهر بهذه الجملة: أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك. أي إذا كانت الحياة في الحقيقة فلا تكن أنت في الكذب، وإذا كانت الحياة في الرجولة البصيرة فلا تكن أنت في الطفولة النزقة؛ فان الرجل يعرف ويدرك فهو بذلك وراء الحقيقيّ، ولكن الطفل يجهل ولا يعرف الدنيا إلا بعينيه فهو وراء الوهم، ومن ثم طيشه ونزقه، وإيثاره كل عاجل وإن قلّ، وعمله أن تكون حياته النفسية الضئيلة في مثل توثب أعضاء جسمه، حتى كأنه أبداً يلعب بظاهره وباطنه معاً. .

أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك. أي الحياة في ذاتك الداخلية وقانون كمالها، فإذااستطعت أن تُخْرج للأرض معنى سماوياً من ذاتك فهذا هو الجديد دائماً في الإنسانية وأنت بذلك عائش في القريب القريب من الروح، وأنت به شيء إلهي، وإذا لم تستطع وعشت في دمك وأعصابك فهذا هو القديم دائماً في الحيوانية، وأنت بذلك عائش في البعيد البعيد من النفس وأنت به شيء أرضي كالحجر والتراب.

هنا، أي في الإرادة التي فيك وحدك، لا هناك، أي في الخيال الذي هو في كل شيء. وهنا، في أخلاقك وفضائلك التي لا تدفعك إلى طريق من طرق الحياة إلا إذا كان هو بعينه طريقاً من طرق الهداية والحكمة؛ وليس هناك، في أموالك ومعايشك التي تجعلك كاللص مندفعاً إلى كل طريق متى كان هو بعينه طريقاً إلى نَهْبة أو سرقة. هنا، في الروح إذ تشعر الروح أنها موجودة ثم تعمل لتثبت أنها شاعرة بوجودها، ماضية إلى مصيرها، منتهية بجسدها إلى الموت الإنساني على سنة النفس الخالدة؛ وليس هناك في الحس إذ يتعلق الحس بما يتقلب على الجسم فهو مهتاج لشعوره يوشك فنائه فلا يحدث إلا الألم إن نال أو لم ينلْ، هو منتهٍ بجسمه إلى الموت الحيواني بين آكل ومأكول على سنة الطبيعة الفانية.

أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك

إن الحكيم الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيتعرف أسرارها لا تكون له حياة الذي يتعلق

ص: 10

بظاهرها ولا أخلاقه ولا نظرته، هذا الأخير هو في نفسه شئ من الأشياء له مظهر المادة وخداعها عن الحقيقة، وذلك الأول هو نفسه سر من الأسرار له روعة السر وكشفُه عن الحقيقة. ولهذا كان في حياة الأنبياء والحكماء ما لا يطيقه الناس ولا يضبِطونه إذا تكلفوه، بل ينخرق عليهم فيكون منه العجز، وينشأ من العجز الغلط، ويحدث من الغلط الزلل.

ونظرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوجود نظرة شاملة مدركة لحقيقة اللانهاية، فيرى بداية كل شيء ماديّ هي نهايته في التوّ واللحظة، فلا وجود له إلا عارضاً ماراً، فهو في اعتباره موجود غير موجود، مبتدئ منتهٍ معاً. وبذلك تبطل عنده الأشياء المادية وتأثيرها، فلا تتصل بنفسه العالية إلا من أضعف جهاتها، ويجد لها الناس في حياتهم الشجرة والفرع والثمرة، وما لها عنده هو جذر ولا فرعِ. وبهذا لم يفْتِنه شيء ولم يتعلق بشيء، وكانت الدنيا تطول الناس وتتقاصر عنه، وكانت منقطعة النماء وهو ذاهب في نموه الروحي، وكأنما هو صورة أخرى من آدم عليه السلام، فكلاهما لمس بنفسه الحياة جديدةً خالية مما جمع فيها الزمن وأهله من طمع وشَرَه، وجاء آدم ليعطي الأرض ناسها من صلبه، وجاء محمد ليعطي الناس قوانينهم من فضائله، فآدم بشخصه هو دنيا بُعثت لتتسع، ومحمد بشخصه هو دنيا بعثت لتنتظم.

وماذاُ يفهم من الفلسفة الأخلاقية النبوية العظيمة؟ يفهم منها أن الشهوات خلقت مع الإنسان تتحكم فيه لينقلب بها إنساناً يتحكم فيها، وأن الإنسان الصحيح الذي لمُ تزَوِّره الدنيا يجب أن يكون ذا روح يمتد فيفيض عن غايات جسمه إلى ما هو أعلى فأعلى حتى يصبح في حكم النور وانطلاقه وحريته، ولا ينكمش فيحصره جسمه في غاياته وضروراته فيرتدّ إلى ما هو أسفلَ أسفلَ حتى يعود في حكم التراب وأسره وعبوديته. فالفقر وما إليه، والزهد هو بسبيل منه، والانصراف عن الشهوات والرذائل - كل ذلك أن هو إلا تراجع النفس العالية إلى ذاتها النورانية حالاً بعد حال، وشيئاً بعد شيء، لتضئ على المادة فتكشف حقائقها الصريحة فلا تباليها ولا تقيم لها وزنا. فبينما الناس يرون الأموال والشهوات مادة حياة وعمل وشعور، تراها هي مادة بحث ومعرفة واعتبار ليس غير، وبهذا تكون النفس العظيمة في الدنيا كأستاذ المعمل، تدخل المادة إلى معمله وهي مادة وفكرة، وتخرج منه وهي حقيقة ومعرفة، وعلى أي أحوالها فهي إنما تُحس في ذلك المعمل بأصابع علمية دقيقة

ص: 11

ليس فيها الجمع ولا الحرص، ولكن فيها الذهن والفكر، وليس لها طبيعة الرغبة والغفلة، ولكن طبيعة الانتباه والتحرّز، وليست في أسر المادة، ولكن المادة في أسرها ما شاءت.

ولا يسمى فقرة صلى الله عليه وسلم زهداً كما يظن الضعفاء ممن يتعلقون على ظاهر التاريخ، ولا يحققون أصوله النفسية، وأكثرهم يقرأ التاريخ النبوي بأرواح مظلمةٌ تريهم ما ترِي العينُ إذا ما اختلط الظلام ولبس الأشياء فتراءت مجملة لا تفصيل لها، مُفْرغة لا تبين فيها، وما بها من ذلك شيء، غير أنها تتراءى في بقية من البصر لا تغمرها.

وهل الزهد إلا أن تطرد الجسم عنك وهو معك، وتنصرف عنه وهو بك متعلق؟ فتلك سخرية ومُثْلةَ، وهي في رأيي تشويه للجسم بروحه، وقد تنعكس فتكون من تشويه الروح بجسمها فليس يعلم إلا الله وحده: أذاك تفسير لإنسانية الزاهد بالنور، أم هو تفسير بالتراب. . .

ولقد كان صلى الله عليه وسلم يملك المال ويجده، وكان أجوَدَ به من الريح المرَسلة، ولكنه لا يدعه يتناسل عنده، ولا يتركه ينبت في عمله، وإنما كان عمله ترجمة لإحساسه الروحي، فهو رسول تعليمي، قلبه العظيم في القوانين الكثيرة من واجباته، وهو يريد إثبات وحدة الإنسانية، وأن هذا الإنسان مع المادة الصامتة العمياء مادةٌ مفكرةٌ مميزة، وأن الدين قوة روحية يلقىَ بها المؤمن أحوال الحياة فلا يثبت بازائها شيء على شيئيّته، إذ الروح خلود وبقاء، والمادة فناء وتحوُّل، ومن ثم تخضع الحوادث للروح المؤمنة وتتغير معها، فان لم تخضَع لم تُخْضِعْها، وإن لم تتغير لا تتغير الروح بها، وأساس الإيمان أن ما ينتهي لا ينبغي أن يتصرف بما لا ينتهي.

وما قيمة العقيدة إلا بصدقها في الحياة، وأكثر ما يصنع هذا المال: إما الكذب الصُّراح في الحياة، وإما شبهة الكذب، ولهذا تنزَّه النبي صلى الله عليه وسلم عن التعلق به، وزاده بعداً منه أنه نبيّ الإنسانية ومثلُها الأعلى، فحياته الشريفة ليست كما نرى في الناس إيجاداً لحلّ مسائل الفرد وتعقيداً لمسائل غيره، ولا توّسعا من ناحية وتضييقا من الناحية الأخرى، ولا جمعا من هنا ومنعا من هناك، بل كانت حياته بعد الرسالة منصرفة إلى إقرار التوازن في الإنسانية، وتعليم الجميع على تفاوتهم واختلاف مراتبهم كيف يكون لهم عقل واحد من الكون. وبهذا العقل الكوني السليم ترى المؤمن إذا عرض له الشيء من الدنيا يفتنه أو

ص: 12

يصرفه عن واجبه الإنساني - أبت نفسه العظيمة إلا أن ترتفع بطبيعتها، فإذاهو في قانون السمو، وإذا المادة في قانون الثقل، فيرتفع وتتهاوى، ويصبح الذهب - وإنه ذهب - وليس فيه عند المؤمن إلا روح التراب.

مصطفى صادق الرافعي

ص: 13

‌مجهولو الأبطال

عيسى العوام

للأستاذ محمد فريد أبو حديد

وقفت إلى جانب الطريح المسكين وقد فقد المحيطون به الأمل في حياته، وكان رجلاً نيف على الستين، ظل يجاهد في عمله حتى وقع وهو يدفع عربته وعليها حملها الثقيل فكان في وقعته أجله، وهو من أهل الصعيد الأعلى كما تنم عليه عمامته وسحنته، إذ كان ثوبه المهلهل لا يكاد يتماسك في رأي العين ليكون آية دالة على منبت لابسه، فكان موته في جوار البحر الملح موت المهاجر الشهيد، لا تحيط به عناية أهل، ولا ترفه عنه شفقة البنين. ومن يدري ماذا كان يعاني ذلك المسكين قبيل ضجعته من آلام تحملها صامتاً، وجاهد في سبيله وهي تخزه وتطعنه؟ ومن يدري على أية حال من الضعف كان يدفع بحمله في سبيل القوت، وسوط الجوع من ورائه يلهب ظهره؟

ووقف حوله معي من أهل الساحل بقوامهم السمهري ولونهم الخمري، فكانوا يؤدون له تحية الوداع على غير معرفة، والشفقة بادية في محياهم، ولم يكن أحدهم خيراً منه بزة ولا مظهرا، ولكنهم كانوا جميعاً يعرفون كنه ما في هذه الحال من عظمة لأنهم يجاهدون مثله، ولعلهم هاجروا مثله من بلاد قصايا في التماس الخبز وما يبلله من رقيق الآدام. (أولئك قومي بارك الله فيهمو)

وانصرفت وفي عيني دمعة كما كان في عين سواى من الوقوف إشفاقا على ذلك المسكين، وجعلت أفكر فيما تدين به الحياة لهؤلاء. فهم عدة السلم، وهم سواعد العمل، وهم جنود النضال. وأذكرني ذلك التفكير ببطل من هؤلاء الدهماء ذكر التاريخ اسمه، وأقام له تمثالاً هو رمز لمجهولي الأبطال، فلسنا نعرف أهله ولا منبته. ولا شيئاً مما يمسه غير اسمه، وهو (عيسى العوام)

كان ذلك الرجل يعيش في عكاء ثغر الشام منذ نيف وثمانمائة عام. في أيام النضال الكبير بين الشرق والغرب - أيام الحروب الصليبية - وكان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في ذلك الوقت في صراع الحياة أو الموت مع ملوك الفرنج قد بلغ به الجد أن كان يتمثل بقول عبد الله بن الزبير وهو يصارع الأشتر النخمي في موقعة الجمل مصارعة من

ص: 14

لا يريد هوادة، إذ قال:

اقتلوني ومالكا

واقتلوا مالكا معي

وكان الفرنج قد جمعوا جموعهم وحشدوا أمام عكاء، وجعلوا التغلب عليها مقصد همهم. فكان هناك ملوك ثلاثة هم أكبر ملوك أوربا وزعماء فرسانها. وحاصروا المسلمين في ذلك الثغر من قبل البر ومن قبل البحر، وأتى صلاح الدين من خارج المدينة يحاول رفع الحصار عن إخوانه وجنوده.

واستمات جنود الجانبين في القتال، وبذل كل قصاراه في النضال، وعض على النواجذ من الأضراس. واستطالت بهم الحرب نيفاً وسنتين، حتى اشتد الأمر بالمحصورين، وعجز صلاح الدين عن أن يرفع عنهم نطاق الأعداء، فأخذ ذلك النطاق يتضامن ويشتد، حتى بلغت الشدة بالمحصورين مبلغاً عظيماً، وتراخت همة الدفاع من طول الجهد وشدة القتال.

فذهب جماعة من صيادي عكاء ممن درجوا على أمواج البحر ونشأوا على أمواهه، فعرفوا مداخله ومخارجه، وبرعوا في اقتحام تياراته وخوض غمراته، وعرضوا على قادة المسلمين ما في طاقتهم من المساعدة في ذلك المأزق. وتساءل القادة ماذا عسى هؤلاء يصنعون في قتال العدو؟ وماذا تراهم يستطيعون أن يرزأوا فيه؟ فأقبل عليهم الصيادون يعرضون أن يحملوا الأخبار إلى إخوانهم المحصورين، وأن يحملوا المال إليهم إذ استحال على السلطان الاتصال بهم، وقالوا انهم يستطيعون أن يستتروا بجنح الليل فيسلكوا سبيلهم بين سفن الأعداء سباحة، فإذاما تعذر ذلك سلكوا بينها غاطسين في الماء كما تسلك الأسماك وتسبح الحيتان. وكان صلاح الدين في أشد الحاجة إلى الاتصال بالجنود والقواد الذين يدافعون عن المدينة، فقبل ما عرض هؤلاء الأبطال، وكانوا منذ ذلك الوقت لا ينقطع وافدهم من المدينة إلى عسكر المسلمين، أو من عسكر المسلمين إلى المدينة. وكانوا لا يطلبون في سبيل ذلك جزاء، إن هو إلا قربان يقدمونه احتساباً، وواجب يؤدونه عن رضا وسخاء.

وظهر من بنهم (عيسى العوام) فكان أسرعهم سبحا وأجرأهم على الليل والنهار، وأكثرهم إقداما على الأخطار. فصار يهتف باسمه، ويدعى إذا ما اشتد الخطر وادلهم الخطب. وكان هو لا يخيب ظناً ولا يخيم عند دعوة. وكانت بسالته تزداد كلما ضاقت حلقة الحصار.

ص: 15

والتأمت فروجه واتصلت سلسلته. فكان أقر لعينه وأثلج لصدره أن يغوص في شبر بين سفن الفرنج، أو يسبح على مرمى سهم من نبالهم. وبقي على أداء واجبه مدة حتى طلع يوم، وانتظر أهل عكاء طلوع عيسى عليهم من ثنايا الموج كعادته، فلم يتحقق لهم ذلك. وطال وقوفهم وامتدت أعناقهم نحو البحر، كلما برق لهم شيء سابح، أو لمع لهم جسم طاف، أشاروا إليه إشارة الملهوف، وتوقعوا أن يكون هو عيسى، ثم تبين لهم أنه حباب الماء أو رشاش الموج، فعادوا إلى ناحية أخرى، فشدوا إليها أبصارهم ثم لم يلبثوا أن يجدوا خيبة لظنونهم وتكذيباً لأوهامهم. ولما طال بهم الوقوف وملوا الانتظار انصرفوا وفي قلوبهم هلع وتوقع للمحذور، ولم تخل صدورهم من شكوك ساورتها في أمانة عيسى وديانته. وقديماً كان في الناس الطمع وأعماهم الجشع، وقديماً فتنهم حب المال وأغواهم شيطان الغرور. أيكون عيسى كبعض من خان وافتتن؟ أيكون عيسى ممن خذلتهم نفوسهم عندما استطال بها النضال، وانخلع فؤادهم عندما اكفهر الجو وأظلم؟ لم يرد الله أن يدع تلك الشكوك تساور ذكرى عيسى، ورحم ذلك الرجل أن يهمس هامس عند ذكرى اسمه بما ثار في صدره من شك، فتسود بين الناس صحيفة بيضاء عند الله. فأرسل الموج حاملاً جسمه نحو الشاطئ، ولا تزال حولها أكياس الذهب التي كان بعث بها صلاح الدين معه إلى المدينة. فرأى الناس عند ذلك جثة شهيد قضي وهو يؤدي الأمانة، وجاد بالنفس وهو في سبيل الخير والمجد.

رحم الله (عيسى العوام)! وكم في الناس من مثل عيسى؟ غير أن التاريخ لا يذكر منهم أحداً إلا فلتة ليشير إلى أن بين المجهولين آلاف الألوف من أفذاذ الأبطال.

محمد فريد أبو حديد

ص: 16

‌2 - من رائع عصر الأحياء

حياة بنفونوتو تشلليني مكتوبة بقلمه

مثل أعلى للترجمة الشخصية

للأستاذ محمد عبد الله عنان

لم ينعم بنفونوتو تشلليني بالسكينة طويلاً بعد الحوادث العاصفة التي خاضها، وبعد أن فقد عطف البابا وحمايته. وفي ذات يوم وقعت مشادة بينه وبين صديق قديم من مواطنيه كان برومة وكان يدينه بشيء من المال، وسبه ذلك الصديق بألفاظ جارحة، فغلب عليه عنفه المعهود وضربه في رأسه بحجر فسقط مغشياً عليه. وأبلغ الحادث إلى البابا، فأمر بالقبض على تشلليني وشنقه في مكان الجريمة. ولكن تشلليني شعر بالخطر الذي يهدده، واستطاع أن يفر من رومة في الوقت المناسب. وقصد إلى نابولي، وأقام بها حيناً، واتصل بدوقها وحظي بعطفه ورعايته؛ والتقى هناك بحبيبته انجليكا الصقلية. ثم وصله خطاب من الكردينال دي مديتشي حاميه القديم يأمره فيه بالعودة سريعاً إلى رومة؛ فسافر إليها في الحال ومعه انجليكا؛ واستقبله الكردنيال بترحاب وطمأنه على نفسه وحريته؛ وبعد أيام قلائل استطاع أن يزور البابا كلمنضوس، وأن يقدم إليه (مدالية) بديعة من صنعه، ثم سأله الصفح والرعاية بكلمات رقيقة؛ فأعجب البابا بهذه التحفة، وأمره أن يصنع له تحفاً أخرى تمثل بعض مناظر التاريخ المقدس، ووعده بالعفو والرعاية. ولكن البابا لم يعش طويلاً ليحقق وعده، ومرض وتوفي بعد أيام قلائل؛ وحدث على أثر موته ذلك الاضطراب الذي يحدث عادة قبيل انتخاب البابا الجديد؛ ولبث بنفونوتو يرقب الفرص؛ ولكنه ارتكب في تلك الأثناء جرماً جديداً، وقتل رجلاً آخر من رجال البطانة يدعى بومبيو تحرش به ذات يوم بكنيسة القديس بطرس، فسار إليه ولقيه على مقربة من منزله وطعنه بخنجره بين أصدقائه وأعوانه فألقاه صريعا. ويقص علينا تشلليتي هذا الحادث الدموي وأمثاله في عبارات صريحة هادئة، كأنها حوادث عادية لا خطورة فيها، ويصور لنا بذلك مبلغ اضطرام نفسه، ومبلغ استهتاره بالحياة البشرية

وانتخب الكردينال فارنيسي لكرسي البابوية باسم بولس الثالث، وعهد إلى تشلليني بصنع

ص: 17

نماذج نقوده، وأعطاه عهداً بالأمان. ولكن جماعة من خصومه وأصدقاء بومبيو القتيل لبثوا يدسون له لدى السينور بير لويجي ولد البابا حتى اعتزم القبض عليه، ولكن بنفونوتو علم بهذه المؤامرة في الوقت المناسب ففر إلى فلورنس، وأقام بها حيناً يخدم أميرها الدوق الساندرو دي مديتشي. وهنالك أصابه حمى شديدة كادت تقضي عليه؛ فلما برئ من مرضه، عاد إلى رومة بعد أن استيقن أنه لم يبق ثمة ما يخشاه من كيد خصومه. وكان البابا يستعد في ذلك الحين لاستقبال الإمبراطور شارلكان، فعهد إلى تشلليني بعمل صليب بديع من الذهب المرصع بالجواهر ليهدى إلى الامبراطور، وتحلية كتاب للصلاة ليهدى إلى الإمبراطورة. ويصف لنا تشلليني هذه الزيارة التاريخية، وكيف شهد استقبال البابا لإمبراطور، وقدم إليه الكتاب المرصع وخاطب جلالته بفصاحة وجنان ثابت، وكيف عكف بعد زيارة الإمبراطور على صقل جوهرة بديعة أهداها الإمبراطور للبابا وتركيبها في خاتم بديع الصنع. وكان تشلليني دائماً هائم الذهن والخيال، يهوي التنقل والمخاطرة، فما كاد ينتهي من صنع التحف البابوية حتى اعتزم تنفيذ مشروع قديم عنده، هو السفر إلى فرنسا

وسرعان ما نفذ عزمه، وسافر إلى فرنسا بطريق سويسرا وألمانيا، مع خادم فتي يدعى اسكانيو. ولما وصل إلى باريس سعى لرؤية فرنسوا الأول ملك فرنسا، فاستقبله بترحاب في فونتنبلو؛ وسافر بنفوتوتو في ركبه إلى ليون؛ وهنالك مرض ولزم فراشه، وأصابت الحمى فتاة اسكانيو؛ فكره المقام في فرنسا، وعول على الرجوع إلى رومة، وغادر فرنسا في أول فرصة، فوصل إلى رومة بعد رحلة شاقة؛ وافتتح له حانوتاً كبيراً فخما، واستأنف عمله، واتسعت موارده؛ ولكنه لم يكن يتمتع بذلك العطف البابوي القديم الذي كان يستظل برعايته وحمايته؛ وكان القدر من جهة أخرى يهيئ له أروع مفاجأة عرفها في حياته. ذلك أنه كان يستخدم عاملاً من بروجيا، وكان يدينه ببعض المال؛ ففر الرجل من حانوته ولم يؤد ما عليه، فطالبه بنفونوتو بواسطة القضاء وحصل على حكم بحبسه؛ فاستشاط الرجل غيظاً واتصل ببعض أتباع السينور بير لويجي ولد البابا وكان يعرف عندئذ بالدوق كاسترو، وأفضى إليه أن تشلليني يملك ثروة طائلة من الجواهر، وأن هذه الجواهر إنما هي من جواهر الكنيسة، سرقها تشلليني وقت الحصار حينما كان في حصن سانت انجيلو؛ وإنه يجب القبض عليه قبل أن يفر مرة أخرى. فأثمرت هذه السعاية ثمرها؛ وفي ذات

ص: 18

صباح جاء ضابط الشرطة مع سرية من الجند إلى حانوت تشلليني، ونبأه الضابط بأنه أضحى سجين البابا، وأنه مكلف بأخذه إلى حصن سانت انجليو حيث يعتقل الأكابر والرجال الممتازون؛ ثم أحاط به عدة من الجند، وجردوه من سلاحه، ثم اقتادوه إلى الحصن، وهنالك ألقي إلى غرفة في البرج الأعلى؛ وكانت هذه أول مرة يذوق فيها مرارة السجن، وكان يومئذ في السابعة والثلاثين

كان حصن سانت انجيلو في ذلك العصر أمنع معاقل رومة؛ ولا يزال الحصن الشهير قائماً على مقربة من قصر الفاتيكان وميدان القديس بطرس، على ضفة نهر تفيري؛ يشهد بطرازه العجيب ومناعته الخارقة بما انتهت إليه هندسة القلاع في العصور الوسطى من الأحكام والتقدم. ولقد أتيح لكاتب هذه السطور أن يزور حصن سانت انجيلو مراراً وأن يتجول في أقبيته ومخادعه المظلمة، وأن يرقى إلى أبراجه الشاهقة، وأن يتأمل طويلاً في جنبات ذلك الأثر المدهش، وهو اليوم يستعمل متحفاً حربياً تعرض في طابقه الأول أسلحة العصور المختلفة، ولكن طبقاته العليا لا زالت خالية تعرض لنا بعض الآثار الغربية، وأخصها الجناح الذي كان يسكنه البابوات كلما التجئوا إلى الحصن، وغرفة نوم البابا بولس الثالث وسريره وكرسيه. على أن أروع ما في الحصن مخادعه المنيعة الواقعة في الجهة الخلفية، وهاوياته السحيقة التي تنساب إلى أعماق مظلمة لا يدرك غورها. وهنالك مخادع معينة، اشتهرت على كر العصور بمن زج إليها من العظماء والسادة؛ فهذا مخدع تقول الرواية إنه هو الذي سجن فيه بنفونوتو تشلليني؛ وهذا مخدع تقول انه هو الذي زج إليه جاليليو، وآخر زج إليه جوردانو برونو وهكذا؛ ولقد لبث هذا الحصن المروع عصورا سجنا لمحاكم التحقيق (التفتيش)، وكان مقبرة لكثير من العلماء والأحبار الذين قضوا نحبهم فيه ضحية المطاردة الدينية؛ ولا يزال السائح المتفرج يشعر فيه برهبة تلك العصور وروعتها

زج بنفونوتو تشلليني إلى مخدع في البرج الأعلى، لا تزال تعينه لنا الرواية حتى اليوم؛ ولبث ثمانية أيام منسياً لا يفاتحه أحد بشيء، وفي اليوم التاسع قدمت إلى السجن لجنة من ثلاثة على رأسها حاكم رومة، ووجهت إلى تشلليني تهمة اختلاس مقدار من الحلي الرسولية وقت أن كان يعمل أيام الحصار بمدفعية الحصن، وأسر إليه البابا كليمنضوس أن

ص: 19

ينتزع الحلي الرسولية من اطاراتها؛ وأن قيمة هذه الحلي قدرت بمبلغ ثمانين ألف جنيه (كرونا)، وأن عليه أن يردها أو يرد قيمتها، وإلا فانه يترك ليرسف في سجنه. وعبثاً حاول تشلليني أن يقنع اللجنة ببراءته، وأن الحلي الرسولية مرصودة في دفاترها فلتراجع فيها، وأن دفاتره رهن تصرف اللجنة لترى أنها في منتهى الدقة، وأنه قد خدم الكرسي الرسولي بفنه وإخلاصه مدى أعوام طويلة، فلا يحق أن يجزي ذلك القصاص. ولما نقل دفاعه إلى البابا أمر بمراجعة الحلي على قوائمها فوجدت تامة لا ينقصها شيء. ومع ذلك ترك تشلليني يرسف في سجنه؛ وكان البابا يحمله سعي بطانته، قد أصبح يرى في تشلليني رجلاً شريراً يجب التنكيل به؛ وزاد حنقه عليه أن رسولا جاء إلى رومة من قبل فرانسوا الأول ملك فرنسا يسعى في إطلاق سراح تشلليني، ورد على السفير بأن تشلليني رجل شرير، لا يستحق اهتمام جلالته. وكان محافظ الحصن رجلا طيب القلب فلورنسياً من مواطني تشلليني، فعمل على تخفيف وطأة سجنه، وتركه في الحصن حراً طليقاً يتجول فيه كيفما شاء مكتفياً بعهده ألا يحاول الفرار؛ وكان تشلليني ينفق وقته في التجوال بالحصن وصنع بعض الحلي التي يأتيه بها فتاه المخلص اسكانيو، وكان يسمح له بزيارته وبأن يحمل إليه ما شاء. ويقول لنا تشلليني أنه لم يشأ أن يفكر في الفرار لولا أن حادثاً وقع في السجن وحمل تبعته، وهو أن قساً زميلاً له سرق منه قطعة من الشمع الذي يتخذ منه نماذج للحلي، وطبع عليها مفتاح غرفته ليحاول صنعه ثم الفرار فيما بعد، ولكنه ضبط واعتقد المحافظ أن تشلليني شريك في هذا العمل، فأمر باعتقاله في غرفته وألا يبرحها بعد، وشدد عليه الخناق، ولم يحله من هذه القيود إلا بعد أن أقنعه تشلليني ببراءته؛ وهنا أدرك تشلليني خطورة موقفه، وأيقن أنه سيبقى عرضة لهذه المفاجآت الخطرة؛ إذا قضي عليه بالبقاء في هذا الأسر؛ ونمى إليه أيضاً أن البابا يصر على اعتقاله، وأن مساعي الملك فرانسوا في سبيله لم تثمر شيئاً، فأخذ يفكر في مصيره ويرى ألا نجاة له من تلك المحنة إلا بالفرار

وزاده عزماً على الفرار حادث جديد وقع بينه وبين المحافظ. ذلك أن المحافظ كانت تنتابه في بعض الأحيان أعراض جنون غريب فيتصور أنه ضفدعة أو وطواط، أو يتصور أنه ميت يجب أن يدفن، ففي ذات يوم من أيام جنونه سأل بنفونوتو هل بفر ويطير إذا استطاع، فأجابه بنفونوتو، إنه إذا أطلقت له الحرية، فانه يصنع لنفسه أجنحة يطير بها؛

ص: 20

وعندئذ أقسم المحافظ أنه سيعتقله كرة أخرى ويشدد عليه الحراسة؛ وفي الحال نفذ وعيده، وزج بنفونوتو إلى غرفته، ووضع تحت الرقابة الصارمة. ومن تلك الساعة أخذ بنفونوتو يدبر وسائل الفرار، وكان خادمه اسكانيو قد حمل إليه أغطية جديدة لفراشه، فمزقها شرائح وجعل منها حبلا طويلا، وكان لديه أيضاً خنجر، ومقبض حديدي كبير سرقه من نجار الحصن، فخبأ هذه الأشياء في مرتبته؛ وبدأ يعمل لانتزاع المسامير الغليظة التي تثبت بها مفاصل الباب، ويغطي مكانها بشمع قاتم حتى لا يكتشف أمره؛ وأنفق في هذا العمل جهداً كبير حتى انتهى منه. وفي ذات ليلة اشتدت فيها النوية على محافظ الحصن واجتمع حوله معظم الحرس، اعتزم أمره. ويصف لنا تشلليني فراره في عدة صحف ساحرة رائعة كنا نحب أن ننقلها بنصها لولا ضيق المقام. وقد بدأ بأن دعا الله بحرارة أن يرعاه وينقذه. ثم رفع مفاصل الباب وعالجه حتى استطاع الخروج، وثبت الحبل المصنوع من شرائح الأغطية بنتوء في سور البرج وأدلاه، وعاد فرفع بصره إلى السماء قائلا:(رباه، إنك تعلم عدالة قضيتي، فاشملني برعايتك)؛ ثم أمسك بحبله وتدلى حتى وصل إلى الأرض من ذلك العلو الشاهق؛ وظن أنه غداً حراً طليقا، ولكنه كان في الساحة الداخلية يفصله عن الخارج سوران كبيرا. بيد أنه لم ييأس، ورفع قطعة كبيرة من الخشب كانت ملقاة هنالك على السور الأول وتسلقها حتى القمة، ثم تدلى بحبل صغير كان معه إلى الساحة الأخرى؛ وهنالك رأى أحد الحراس على مقربة منه فاعتزم أن يسحقه، وقصده شاهرا خنجره، ولكن الحارس ولاه ظهره؛ ثم تسلق السور الآخر؛ وهنا خانته قواه قبل أن يصل إلى الأرض فسقط من ارتفاع، واصطدمت رأسه بالأرض وأغمي عليه، ولكنه كان عندئذ خارج الحصن.

يقول تشلليني (وقد كان النهار يسفر، فهب على الهواء الصبوح الذي يسبق بزوغ الشمس، ورد إلى حواسي؛ ولكن صوابي لم يعد تماماً، وخيل لي أن رأسي قد فصل، وأنني انحدرت إلى عالم العدم، ثم عادت إلى قواي شيئاً فشيئا، وأيقنت أني غدوت خارج الحصن، وتذكرت في الحال كل ما وقع، وشعرت بجرح رأسي قبل أن أشعر بكسر رجلي، وذلك حينما مسستها، ورأيت يدي قد خضبتا بالدماء، بيد أني رأيت بعد فحصها أن الجرح لم يكن خطيرا. ثم أردت النهوض، وعندئذ رأيت ساقي قد كسرت مما يلي الركبة؛ ولكني لم

ص: 21

أيأس، واستخرجت خنجري من غمده وألقيت الغمد، لأنه كان ينتهي بكرة كبيرة، وهي التي اصطدمت بساقي وكسرتها، وقطعت بخنجري قطعة من القماش وضمدت ساقي؛ وأمسكت خنجري بيدي وزحفت على أربع نحو باب المدينة؛ وكان الباب مغلقاً، ولكني رأيت تحته حجراً، فأزحته فتحرك، فدفعته ونفذت من الخرق إلى داخل المدينة. وكان بين الحصن والمدينة نحو خمسمائة خطوة؛ ولما دخلت المدينة هجم علي عدة من الكلاب، وأخذت تلاحقني وتعضني عضاً أليما، فسحبت خنجري وطعنت أحدها طعنة نجلاء جعلته يصيح محتضرا، فالتف باقي الكلاب حوله؛ وأسرعت زاحفاً على اليدين والركبتين نحو طريق (القديس بطرس)(الكنيسة)؛ وكان النهار قد أسفر، وشعرت بالخطر الذي يهددني. وهنا قابلت سقاء وراء حماره المحمل بالقرب؛ فناديته، ورجوته أن يحملني إلى شرفة سلم القديس بطرس، وقلت له إنني شاب فررت من نافذة صاحبتي، فكسرت ساقي؛ ولما كان المنزل الذي اقتحمته منزل أسرة كبيرة، فإني في خطر القتل؛ ووعدته بأن أعطيه ديناراً من الذهب وأريته كيسي المنتفخ؛ فحملني في الحال على ظهره وسار بي إلى ميدان القديس بطرس ووضعني عند الشرفة، وعاد مسرعاً إلى حماره)

واستمر تشلليني في زحفه قاصداً إلى منزل قريب لأميرة يعرف أنه يستطيع الالتجاء إلى حمايتها هي زوجة الدوق الساندرو مديتشي؛ ولكن رآه عندئذ أحد حشم الكردينال كرنارو الذي يقع قصره في ذلك المكان وعرفه، فهرول إلى الكردينال ونبأه، فأمره بحمله. فلما رآه هدأ روعه وطمأنه، واستدعى الطبيب لعلاجه. وذاع نبأ الحادث في روما، فاهتز الشعب الروماني دهشة وإعجاباً لهذه الجرأة. وذهب الكردينال كرنارو مع بعض زملائه إلى البابا وسألوه الصفح عن ذلك الرجل الموهوب، فأجاب بالعفو ووعد الإثابة. ولكنه طلب إلى كرنارو فيما بعد أن يسلمه تشلليني ليقيم عنده في أحد الغرف السرية، فاضطر كرنارو إلى تحقيق رغبته لكي يحقق له بعض مصالحه، وكانت نيات البابا نحو تشلليني غامضة؛ وحمل تشلليني إلى القصر البابوي، واعتقل هنالك عدة أيام؛ وفي ذات مساء قدمت إلى غرفته سرية من الجند وحملته إلى حصن سانت انجلو، وألقته في مخدع صغير يطل على إحدى الساحات الداخلية؛ وبذا رد إلى سجنه المروع كرة أخرى، وغاضت كل آماله في الخلاص، وغلبت عليه الروعة والاستكانة. يقول تشلليني: (وكان قبس ضئيل من النور

ص: 22

ينفذ إلى غرفتي التعسة من ثقب صغير مدى ساعة ونصف في كل يوم، فلا أستطيع القراءة إلا في هذه الفترة؛ أما باقي النهار والليل فكنت أمكث صابراً في الظلام، لا يفارقني التفكير في الله وفي ضعفنا الإنساني. وكنت على يقين من أنه لن تمضي أيام قلائل حتى أقضي نحبي في هذا المكان وفي هذه الظروف. بيد أنني كنت أروح عن نفسي ما استطعت ذاكرا أن الموت بضربة من سيف الجلاد أشنع من ذلك وأفظع، هذا بينما أستطيع الموت هنا هادئاً كأنني في غفوة النوم. وشعرت شيئاً فشيئاً أن لهب حياتي يخبو، حتى اعتاد جسمي البديع على ذلك الانحلال، وحتى شعرت أنه اطمأن إلى تلك الظروف التعسة؛ واعتزمت أن أحتمل آلامي المروعة في سكينة وجلد ما بقي لي شيء من قوة الاحتمال). وكان ذلك لعام ونصف من اعتقاله الأول، أعني في منتصف سنة 1539.

(الخاتمة تأتي)

محمد عبد الله عنان المحامي

ص: 23

‌الامتيازات الأجنبية والضرائب

للأستاذ زكي دياب المحامي

عبثت الامتيازات ولا زالت تعبث بمرافق الدولة العامة، ووقفت في سبيل نموها عقبة ليس من اليسير تذليلها إلا على الأيام. وأثرت فيما أثرت على التشريع المالي تأثيراً بالغا، وددتُ لخطورة شأنه أن أفرد له هذا الفصل.

إن المبدأ العام الذي يحكم تشريع الضرائب في البلاد المتمدينة هو وجوب قيام كل فرد يقطن الإقليم بقسطه في الضريبة التي تفرض، بغض النظر عن تباين الجنسيات. تلك هي القاعدة العامة التي يأخذ بها الشارع والتي تقتضيها حكمة التشريع. وهي تستند على فكرتين أوليتين: محلية الضرائب، وعمومية الضرائب.

والأولى بدورها تعتمد على الحقيقة المعروفة القائلة بأن سيادة الدولة محدودة في نطاق إقليمها. وعماد الفكرة الثانية ضرورة تحمل كل فرد نصيبه من التكاليف العامة، حتى تقوى الدولة على إنجاز المشروعات الكبار التي تضطلع بها.

والآن وقد أوردنا المبدأ العام متعجلين، نقول في أسف شديد بان مصر أكرهت تحت عبء الامتيازات على عدم التمشي مع ذلك المبدأ الذي أخذ به العالم كله؛ فالأجانب معفون أصلاً من الضرائب إلا إذا وافقت دولهم سلفا. وقد استطاعت مصر أن تحصل على هذه الموافقة بعد جهود كبيرة بالنسبة لأربعة أنواع من الضرائب يسوي في جبايتها بين الوطني والأجنبي وهي:

أولاً: الرسوم الجمركية، والضرائب التجارية المفروضة طبقاً للمعاهدات التجارية. فللحكومة أن تفرض من هذه الضرائب ما تراه لازماً كضريبة الكحول.

ثانياً: ضريبة الأراضي طبقاً للفرمان العثماني الصادر بتاريخ 7 صفر سنة 1284، وهو الذي خول لهم بمقتضاه حق تملك العقار.

ثالثاً: عوائد المباني طبقاً لاتفاق لندن سنة 1885، وللدكريتو الخديوي الصادر في 13 مارس سنة 1884.

رابعاً: عوائد مجلس بلدي إسكندرية طبقاً للمادة 31 من الدكريتو الخديوي المؤرخ 5 يناير سنة 1890.

ص: 24

فإذا ما حصلت الحكومة من أحد الأجانب رسوماً أو ضرائب في غير نطاق ما ذكرناه، كان له الحق في طلب استردادها أمام المحاكم المختلطة، التي تحكم طبقاً للمادة 11 من لائحة ترتيبها فيما يمس حقوق الأجانب المكتسبة بالمعاهدات.

وفي الطريق الذي استطاعت به مصر أن تحصل على موافقة الدول على تلك الأنواع المذكورة من الضرائب تفصيل رأيت أن أبسط شيئاً منه:

وافقت الدول الأجنبية على سريان قوانين الضرائب على رعاياها فيما يتعلق بالضريبة العقارية على الأراضي الزراعية، والضريبة العقارية على أراضي البناء، وهما نوعان من الضرائب المباشرة.

أما عن الضريبة العقارية على الأراضي الزراعية فلم يكن يسمح قبل القرن التاسع عشر لأجنبي ما أن يتملك عقاراً في الدولة العلية. ولم يعف الأجانب من هذا الحظر إلا عندما حل عام 1867 إثر مفاوضات طويلة. على أنه بالرغم من ذلك المنع السابق، اعتاد الأجانب أن يسلكوا طرقاً ملتوية للحصول على تلك الملكية المحرمة، فكان الواحد منهم يبتاع الأرض باسم شخص متجنس بالجنسية التركية. وإزاء ذلك رأت الدولة العلية أن تضع حداً لتلك الحال، فأباحت تحت تأثير هذا العامل الملكية العقارية لكل فرد، بغض النظر عن تباين الجنسيات. ولقد تعرض الحظر الهمايوني الصادر سنة 1856 لهذا الموضوع، فنص صراحة على إباحة الملكية العقارية للأجانب في أراضي الدولة وولايتها، على أن يذعن هؤلاء الملاك لما يفرض على الجميع من التكاليف المالية، فاستووا بذلك مع الأهالي.

ولكن حركة الإصلاح لم تنجح، إذ تأجل نفاذ النصوص الصريحة؛ فحاول الباب العالي بعد ذلك مرة أخرى أن يخضع هؤلاء الأجانب للوائح والقوانين التي تسري على الملكية العقارية، وطلب ذلك مُلحّاً، فأجابته الدول إلى ما طلب بقانون صدر بتاريخ 10 يونيه سنة 1867 الموافق 7 صفر سنة 1284، وسمح للأجانب أن يكونوا ملاكاً عقاريين للأراضي الزراعية في الدولة العثمانية، وألزموا بالقيام بكافة الفرائض المالية على الأراضي الزراعية - أسوة بالوطنيين - في أي صورة تتشكل بها تلك الفرائض

ولقد خول الأجانب في مصر حق تملك الأراضي وكلفوا في الواقع بضرائبها قبل أن يُسن

ص: 25

قانون 7 صفر ومن قبل أن يسمح لهم بالملكية في تركيا. ذلك أن الأجانب الذين حازوا في مصر ملكية عقارية لم يفكروا في منازعة الحكومة المصرية في حق كانوا يرون من الطبيعي الخضوع له، فكانوا يعتبرون الضريبة ديناً على الأرض نفسها لا على مالكها (دو روزاس ص465)، ومن أجل ذلك كان غير صحيح القول - كما يرى دو روزاس - بأن فرمان 7 صفر هو الذي قرر الضريبة العقارية على الأجانب في مصر.

تلك هي الأدوار التي مر بها تشريع الضرائب العقارية على الأراضي الزراعية وخضوع الأجانب لها.

أما الضرائب العقارية على أراضي البناء فقد قبل الأجانب سداد الضرائب العقارية عن الأراضي الزراعية بعد اقتناع وتسليم بوجاهة الطلب. ولكنهم رفضوا جميعاً الوفاء بضريبة أراضي البناء حتى بعد صدور فرمان 7 صفر الذي صادقت عليه الدول، والذي تقضي مادته الثانية بإلزام الأجانب بالضرائب على الأراضي الزراعية والأراضي المبنية. وفي إنكار هذا الحق وعدم النزول على إرادة القانون تحميل ثقيل للنص الصريح.

ولا عجب فلقد ذهبت المحاكم المختلطة مذهبهم وعززت وجهة نظرهم في أحكامها، فقررت أنه برغم إطلاق النص في قانون 7 صفر وشموله الضرائب العقارية عن الأراضي بنوعيها، فان العرف قد أكسب الأجانب حق إعفائهم من الضرائب على أراضي البناء. ونحن لا يكفينا إزاء الدور الذي تلعبه المحاكم المختلطة في موضوعنا هذا أن نمر سراعاً على حكم لها، بل سنبين فيما بعد أكثر أحكامها معلقين على بعضها عندما نرى ضرورة لذلك.

وأخيراً وبعد لأي وافقت الدول على تطبيق دكريتو سنة 1884 المتعلق بالضريبة على الأراضي المبنية على رعاياها، وكانت تلك الموافقة سنة 1885.

هاتان الضريبتان المباشرتان يخضع لهما الأجانب حالاً في مصر بعد الجهود المضنية التي بذلت للموافقة عليهما وبخاصة للموافقة على ضريبة المباني، فمن إنكار تام لمشروعيتها، إلى عبث بالنص صريح، إلى أحكام منتقدة تصدر من المحاكم المختلطة، ولا أرْجعُ أنا هذه المحاورات والتمحل من الطرف الأجنبي إلا إلى رغبة كمينة في النفس الأجنبية تدفعها دائماً إلى أن تجعل في يدها جماع الحقوق وأكثر المنافع.

ص: 26

ولسنا في حاجة إلى أن نبين كيف وافقت الدول على النوعين الآخرين من الضرائب، فلقد حَمَّل دكريتو 5 يناير سنة 1890 في المادة 31 منه الأجانب عبء عوائد مجلس بلدي الإسكندرية، شأنهم في ذلك شأن الأهالي، لما لبلدية إسكندرية من شخصية معنوية ممتازة، ونظراً لتمثيل الأجانب فيها تمثيلا صحيحاً. أضف إلى ذلك كثرتهم في الثغر، فلو تخلصوا من عبء الضرائب فقدت بذلك البلدية مورداً هاماً.

وللحكومة المصرية بما تبرمه من معاهدات تجارية مع الدول الأجنبية أن تفرض الضرائب التجارية والرسوم الجمركية.

أما المحاكم المختلطة فلقد لعبت دوراً خطيراً في الموضوع، فكلما همت الحكومة راغبة في فرض ضريبة جديدة حال بينهما وبين ما تبغي عدم اعتراف المحاكم المذكورة بحق الحكومة في فرض ضرائب جديدة تُحَمّل بها الأجانب فلا تستطيع إزاء ذلك شيئاً. فلابد من موافقة الدول سلفاً، ويجب أن توافق هي مقدماً على كل ضريبة مستحدثة. وكل إجراء مالي سن به قانون أو شرع في سنه وكان يلقى على عاتق الأجانب عبء ضريبة أو فريضة مالية أيا كان نوعها.

ووقف قرار الجمعية العمومية بالمحكمة في سبيل فرض ضريبة السيارات التي شرعت الحكومة في سنها أخيراً ورأت أن الحكومة تريد بذلك أن تفرض نوعاً مستتراً من الضرائب العقارية على الأجانب لأن تلك الضريبة كما تراها هي رسوم لاستعمال الطريق العام.

وأخيراً وبعد جهود عادت فأقرتها. وقضت تلك المحاكم في القضية التي رفعها الفيكونت روفونتارس سنة 1912 بأن الضرائب التي تفرضها مجالس المديريات للصرف منها على المنافع العامة ليست خاضعة لشروط موافقة الجمعية العمومية المقررة في مادة 24 من القانون الصادر في أول مايو سنة 1883.

وقضت كذلك في عدة قضايا، منها قضية شركة سكة حديد القاهرة الكهربائية، وقضية أوجست قساجيه ضد مديرية البحيرة.

وترى المحاكم المختلطة أيضاً فيما يتعلق بالأشخاص المعنوية أنها إن كانت مؤلفة من الأجانب تخضع للضرائب المباشرة التي تقررها الحكومة المصرية على الأشخاص

ص: 27

الطبيعيين المصريين.

وخلاصة القول أن المحاكم المختلطة انتهت إلى التفريق بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، فهذه الأخيرة يجوز فرضها، أما الأولى فيجب لفرضها موافقة الدول، على أن ذلك القيد قديم نشأ نتيجة لعرف فاسد منتقد لا نتيجة نص صريح.

ومما يستنبط من ذلك أيضاً ومن مجموعة الأحكام التي لم نشأ أن نورد كل ما لدينا منها أن للحكومة أن تفرض ضريبة مباشرة أو غير مباشرة على رعايا الدول غير المتمتعة بالامتيازات، وعلى الشركات المساهمة المؤسسة في مصر وقد حكم بأن جنسيتها مصرية ولو كان أعضاؤها أجانب، وان كانت تشملها في حالة تقاضيها نظرية الصالح المختلط. ولكن ذلك لا يزيل مالها من صفة مصرية يظهر أثرها فيما يتعلق بالضرائب.

(بقية البحث في العدد القادم)

زكي دياب

ص: 28

‌نقابة للأدباء الشبان

لأديب كبير

أخرج اليوم من معتزلي إذ سمعت ضجة حسبتها ضجة معركة حربية، وتحركت نفسي لمرأى ميدان تلك الضجة، فعز علىَّ أن أرى الصرعى يئنون من الألم وجراحهم تجري بالدماء، وأن أرى العماليق تزأر، وترغي وتزبد، وسيوفها تقطر من دماء ضحاياها؛ وعولت على أن أنزل إلى الميدان لألقى فيه نصيبي من الأذى إذا لم يتح لي أن أنصر ضعيفاً أو أنتصر لمظلوم.

وقد يحسب قارئ أني أهزل في قولي - ولا بأس عليه إذا هو ظن ذلك - فإني لا يضيرني أن يحسب قارئ أني أهزل، ما دام لا يظن فيّ أني أسخر منه أو من سواه، فأني لا أحب أن يظن أحد في أنني اسخر منه، فان السخرية مُرة الطعم، وقد ذقتها فوجدت قبحها فوق كل قبح.

ولكني مع ذلك أرجع إلى نفسي فأقول: إنني لا أخشى من أن يظن أحد فيّ أنني أسخر، فقد طالما سخر كبار الأدباء من قرائهم، ولا يزيد قراؤهم مع ذلك إلا إعجاباً بهم؛ بل إن بعض شيوخ الأدب قد زاد وبرز في ذلك الباب إلى أن قال لقرائه في صراحة عجيبة إنه يسخر منهم، وإنه عالم بأن القراء لا يعجبون بالكاتب الأديب أشد الإعجاب، إلا إذا تفنن في السخرية بهم. فلا بأس عليّ إذن إذا حسب أحد القراء أنني ساخر، فإنني قد أصل بذلك إلى إعجابه وإكباره.

وإني هنا قاصد إلى الأدباء أدعوهم إلى اتباعي والأخذ برأيي، بعد أن شهدت صرعاهم في النضال الأخير مع مشيخة الأدب وكباره. وقد يقول قائل وكيف تجعل نفسك بين الشبان وقد بلغت من السن فوق مبلغ الشبان؟ ولكن ذلك القول لن يثنيني، فأني لا أردع بمثل هذا العنف، وإني لا تزال فيّ بقية من الشباب تكفي لان تبرر مدخلي فيهم وانخراطي في سلكهم. على أن الأديب لا يعد شابا إذا كانت سنه من الشباب، فان الشباب والشيخوخة في الأدب لهما اصطلاح خاص واعتبار موضوع. فالأديب الشاب هو الذي لم يبلغ من الشهرة مبلغاً مذكورا ولو كان قد نيف على الخمسين؛ والأديب الشيخ هو من ضرب اسمه في الخافقين ولو لم يكن ممن بلغوا سن الثلاثين أو الأربعين. وعلى هذا فأنا شاب في عرف

ص: 29

الأدباء، لأنني بحمد الله قليل الحظ من ذيوع الاسم، بل أكاد لا أسمع اسمي يذكره ذاكر إلا في أمر من أمور هذه الدنيا البعيدة عن عالم الأدب، ولقد حبب إليّ الخمول والبعد عن الشهرة منذ اقترن ذلك الخمول باسم الشباب، فأني كنت دائماً أحب الشباب واسم الشباب ولو كان مقترناً بالذم؛ وقد كان لي صديق - عفا الله عنه - عرف فيّ ذلك الطبع، وكان يحلو له أن يشتمني؛ ولكنه مع ذلك كان حريصاً على مودتي، فدفعه خبثه إلى أن يجعل سبابه لي مقترناً باسم الشباب، فكان إذا رآني بدرني بقوله:(ما هذا الذي فيك من طيش الشباب؟) وقوله: (إنك تظهر في عملك هذا ضروباً من جهل الشباب) وقوله: (إنك والله ملئ بنزق الشباب). فكنت أقبل الشتم ما دام دفيناً في وصف الشباب المعسول، وبذلك توصل صديقي إلى ما شاء من سبابي، ولم يخش أن يخسر شيئاً من مودتي. ولم أفطن إلى حيلته الخبيثة إلا بعد لأي، ولكنني مع ذلك لم أعاتبه ولم أغضب عليه، بل بقيت راضياً بما ينالني من شتمه لأحظى بوصف الشباب من ورائه. وعلى هذا فلست إلا حفياً بدخولي في زمرة الشبان الأدباء، قانعاً بوجودي بينهم. ومادمت كذلك فإني لابد مذمرهم على الشيوخ، ومعصبهم ومحرضهم. وأول آيات ذلك التعصب أنني أدعوهم اليوم إلى تأليف نقابة لهم، لتكون جامعة لكلمتهم، ورابطة لهم عند الملمات إذا ما فكر الشيوخ مرة أخرى في أن يصبغوا لهم العيون بلون الدماء.

وأي شيء يستنكر في دعوتي هذه إلى تأليف نقابة للأدباء الشبان؟ وهل في ذلك بدعة أو ضلالة؟ إن الأديب الشاب شبيه بالعامل الفقير الذي لم يدخر بعدُ مالاً، ولم يتأثل شيئاً من حطام الدنيا، والشيوخ الأدباء هم الذين ادخروا وتأثلوا. ألسنا نراهم اليوم يقولون للشبان إنكم مدينون لنا بكل شيء؟ أليسوا قد أعلنوا للملأ أنهم الأوصياء على إنتاج الأدب وتوزيعه؟ ومادام هذا هكذا - كما يقول شيخ منهم - فان الأمر لا بدعة فيه ولا ضلالة؛ فقديماً اجتمع ضعفاء العمال لكي يحموا أنفسهم من وقعة أصحاب (رءوس الأموال) بهم، فلما أن فعلوا أظهروا للعالم أن العمل شيء واجب أن يرعى فيه الحق، وأن يتخذ في معاملته العدل. فهلموا إلى العمل أيها الأدباء الشبان.

وإني منذ اليوم أجعل نفسي رداءاً لمن يدخل منكم نقابة الأدباء الناشئين أدفع عنهم عادية الشيوخ، وأوقف دونهم إذا ما سمع أحدهم يزأر أو يزمجر، أو إذا ما رؤى بعضهم يرغي

ص: 30

أو يزبد، ولست أقف هذا الموقف لأني آنس في نفسي قوة فوق قوة الشاب أو قدرة على الدفاع لم يؤتها سواي منكم معشر مساكين الأدباء، بل أقف موقفي هذا متدرعا بدرع قلدت فيه بعض شيوخ الأدباء، فقد رأيت أحدهم عفا الله عنه، وزاده بسطة في الأدب، وأمتع به بابي الجد والفكاهة في الكتابة، وحفظ عليه دهاءه وبهاءه - ولا مؤاخذة إذا لم يسعفني الخاطر الكليل بسجعة خير من تلك - أقول رأيت ذلك الصديق القديم قد لجأ إلى حيلة خلقها له عقله القوي، وهي أن يبدأ نزاله وطعانه بأن يتبرأ من كل ما كتب في الماضي وما يكتب في الحال والاستقبال من نثر ونظم، ومن جد وفكاهة. فإذاما وثق من أن الناس انخدعوا بذلك واعتقدوه، أقبل على المسكين أو المساكين الذين اختارهم لطعانه فما زال يخزهم ويضحك، ثم يطعنهم ويضحك وهو يتسلى بما يراه من عنف حركات مساكينه وعلو صراخهم. فإذاما دفع الألم أحدهم إلى الدفاع أو الانتقام وسدد طعنته إلى عضو من أعضائه قال له ثابتاً غير منزعج (ومن أدراك ان هذا العضو يهمني أمره؟ ومن قال لك أني أعبأ بطعنتك لي في هذا الموضع أو ذاك؟) فيصدقه المسكين وتنفجر عيناه بدموع الحنق والعجز ظناً منه أن هذا المنازل متحصن فيما لا مطمع فيه، ثم يرمي بحربته أو سهمه، ويعدل عن انتقامه، وتلك حيلة فطنت لها دون سواي من الأدباء، وستكون لي عدة في نزال الدفاع عن أفراد النقابة إذا ما التأم أمرهم، وتم اجتماعهم، فإذاهم جعلوني نقيبهم جعلت نفسي فداءهم، ولن يصيبني بفضل حيلة صديقي الشيخ أذى ولا ألم، وسأجعل همي أيها الأدباء الشبان إذا ما وفقكم الله إلى اختياري زعيماً لكم أن أقوم فيكم بدعوة أو (دعاية) كما يقول بعضهم تكون لكم فيها بركة إن شاء الله، وذلك أن أنصح لكم أن تقللوا من الاهتمام لما ينالكم من وراء ما تؤلفونه، وأن تقفوا من مؤلفاتكم موقف الناظر (المتفرج) لتروا ما يقول الناس فيها، ولكم الحق في أن تضحكوا ملء أفواهكم من سواكم سخرية إذا رأيتم أنه لم يوفق إلى فهم ما في مؤلفاتكم من جمال أو حقيقة وبذلك تكونون قد وقفتم من ناقدكم على سواة - فإذا لم تستطيعوا ذلك، ورأيتم أن الناقد قد أخذ عليكم مسامع الناس فأساء عندهم ذكركم، فأني أنصح لكم أن تروضوا أنفسكم على فلسفة الأستاذ الذي وصفت لكم حيلته حتى تصلوا بعد حين من رياضتها على تلك الفلسفة إلى مرتبة القدرة على أن تنظروا إلى مؤلفاتكم في شيء من الاحتقار، أليست مؤلفاتكم من صنعكم؟ وإذا لم تكن معجبة ولا باهرة، أليس في

ص: 31

طاقتكم أن تخلقوا سواها؟ فإذاكانت باهرة ولكنها قد ظلمها النقاد، أليس في استمراركم على التأليف وإتيانكم بعد الآية الآية الأخرى، وإتحافكم الناس بمؤلف في أثر مؤلف أقوى دليل على حسن استعدادكم، وعلو كعبكم؟

وبعد، فهذه نصيحة أخرى، وهي أن يؤلف من يؤلف منكم لأنه مندفع إلى ذلك بميل في نفسه لا لكي يطلع الناس منه على ما يمدحونه به، فلأديب الصحيح من ألف لنفسه أولاً، ولا تظنوا أنني سأجتزئ من واجبات النقابة بالنصح لكم، بل سأتجه بكم نحو نضال يجعل المشايخ يطلبون عفو الشبان وهم جاثون خاضعون مذعنون، وليس في خطتي شيء عجيب، فإني لن افعل شيئا اكثر مما يفعله نقباء سائر النقابات، فإني إذا ما حزبكم أمر سأدعوكم إلى الاعتصاب والإضراب عن التأليف والكتابة إضرابا تاماً، فيعدل عند ذلك عن الاقتراب من الأقلام كل من يكتب منكم في مجلة أو صحيفة، أو من يؤلف الكتب سواء أكان ممن يكتبون في الجد أم في الفكاهة؛ وإذا ما رأى بعضكم أن ذلك غير ممكن لتغلب شهوة الكتابة عليه مهدنا له السبيل بأن نجعل في دار النقابة مطبعة ونجعل لها صحيفة ونقصر قراءتها على أفراد النقابة أو أعضائها كما يقولون أحياناً، وعند ذلك يجد شيوخ الأدب أنفسهم عدداً ضئيلاً، كما حدث لأشراف رومة من قبلهم منذ قرون، فلا يستطيعون أن يخرجوا جريدة ولا مجلة، ولا يجدون شيئاً ينتقدونه ويظهرون بنقده سيادتهم فتقف دواليب أعمالهم ويعضون البنان أسفاً على إحراجكم واغضابكم، ويلجئهم الحرص على مصلحتهم إلى طلب الصفح وإلى معاملتكم بالعدل والحق. حقاً قد يستريح الجمهور بضعة أيام من القراءة، غير انه قد يستجم في أثناء هذه الأيام قدرته على الاستقلال في التفكير فيكون أقدر على أن يزن أقوال مشايخ الأدباء فيكم وحكمهم عليكم، وعند ذلك لا أتشدد في مطالبي، بل سأقتصر على طلب واحد إلى مشايخ الأدباء، وذلك أنهم إذا شاءوا نقد مؤلف أحدكم فهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يذكروا محاسنه ومساويه كما قال أحد قدماء مشايخ الأدب، وأن يعدلوا في الحكم ماداموا يجعلون عنوان كتابهم (نقد كذا) وإما أن يجعلوا عنوان كتابتهم (محاسن كذا) ويكتفوا بذكر محاسنه أو (مساوئ كذا) ويكتفوا بذكر مساوئه، فإذاهم قبلوا ذلك الشرط أبحت لكم العودة إلى معاونتهم ومشاركتهم، وإن هم أبوه مضينا في الإضراب حتى تلجئهم ضرورة الحياة إلى النزول عند العدل.

ص: 32

فهل من مجيب أيها الأدباء الشبان؟

(أديب)

ص: 33

‌وفاء الطائر

للآنسة أسماء فهمي

درجة شرف في الآداب

امتقع وجه الشمس، وخبَت أشعتها، وعلاها اصفرار، وأصابتها رعشة، وغشي الأفق حمرة الوجد في ساعة الغروب، ثم وجمت الطبيعة، واطمأن الجدول في سيره، ورق النسيم واستولى على الكائنات شعور منقبض حزين. . .

ثم حالت نضرة الحقول في الأصيل؛ ونظر الناس إلى الشمس الغاربة فآثروا الرواح، وتململت الماشية، وقلق الصغار، فسارع القرويون إلى جمع شتات أدواتهم من فؤوس وسلاّت، وامتطوا دوابهم فصارت تعدو بهم يدفعها الحنين والشوق إلى الدار بعد نصب النهار؛ وسرعان ما ازدحمت بالعائدين الطرق والمسالك الموصلة إلى القرية. وكلهم مفتون بروعة المساء، الإنسان والحيوان في ذلك سواء. . .

وأمام الدور في القرية تجمهرت النساء والأطفال، وسرت الحياة في الأرجاء، وتطاولت الأعناق لإجتلاء طلعة القادمين كما لو أن أمد الشوق والفراق قد طال. . .

والطير لمحت بدورها احتضار الشمس من بين الأغصان، فتبادلت النظرات، وتجاوبت بالأغاريد كأنها تذكرت أمراً ذا بال، وسرعان ما جمعت جموعها وغادرت أسرّة الأغصان، وحلقت في الفضاء أسراباً تندفع اندفاعاً نحو العش بقوة الحنين وعزم الجناح. . والحق ليس هناك أروع من منظر الطير، يدفعها الحنان نحو العش فلا تعود تأبه بتدليل الغصن ولا بجمال الزهر ولا بوفرة الحَب، ولا بالمرح والتغريد. . .

ولكن طائراً جميلاً يمتاز بقوة تغريده وشدة جرأته، وتدفق مرحه وحيويته، أغرته أكوام القمح الذهبية فترك أفنان الشجر وكاد يقع في شراك الفلاح لولا أن أنقذته سرعة قفزه، فنجا بأعجوبة بعد أن أصابه خدش في الجناح. ولم يدر الطائر لشدة فرحه بالنجاة حقيقة ما أصابه إلاّ عندما حان ميعاد الرحيل للعش، وناداه الرفاق فرفرف بجناحيه وفاضت نفسه بنشوة الحنين، ودفع جناحيه محاولاً أن يأخذ مكانه في مقدمة السرب، ويكون كعادته أول من تضمه أحضان الوكر. . . وصاح صيحة الطرب، واندفع إلى الأمام كالسهم، ولكن لم يلبث أن أخذ منه الجهد، إذ اتسعت شقة الجرح. فترنح في سيره، وأخذ يدور حول نفسه ثم

ص: 34

استسلم لجاذبية الأرض. . وسرعان ما استحال طيرانه إلى قفز. . ونظر أمامه فوجد السرب قد توغل في الفضاء فداخله الهم، ولكن بقي لديه شيء من الأمل الذي كانت تحمله إليه بقايا أسلاك الشمس الغاربة، فصار يتعلق بها كما بتعلق الغريق بالأعشاب الطافية على وجه اليم. . على أن شعاع الأمل سرعان ما انطفأ مع أشعة الشمس، وانتشر الظلام في الأرجاء، وتسربل الكون بحلة سوداء. . والطائر المسكين لا يزال بعيداً عن العش، بينما الطيور الأخرى كانت في تلك الآونة تنعم بدفء الوكر وحنان الأهل، وتستقبل الظلام في هدوء واطمئنان؛ والناس والماشية بلغوا مستقرهم، والليل يهمس حولها: نعم عقبى الدار. . .

أخذ الطائر الشريد يسير على غير هدى في دياجير الظلام واليأس - يرتطم بالحوائط والجدران والأشجار، ويتعسر في الوحل والشوك، وقد كان في وسعه لو أراد أن ينزوي في ركن من الأركان، أو يقضي الليل فوق غصن من الأغصان، ولكنه لم يشأ أن يتخذ عن عشه بديلاً، بل آثر الجهد والنصب آملاً أن تسوقه الأقدار بعد طول السهاد إلى العش الوثير المحبوب. . . واستحالت في نظره حرية الفضاء إلى سجن قاتم، وجمال الشجر إلى قبح دميم، ونفح النسيم إلى شواظ من نار، وأنسى الطائر فقد العش كل ما كان ينعم به من لذة ومتعة وشدو، طليقاً في سماء الصفاء والجمال. . .

وبقي على تلك الحال من القلق والاضطراب إلى أن قاده الحظ العاثر إلى كوخ فلاح ينبعث منه نور ضئيل، فاندفع إليه في ساعة يأسه وحيرته دون تفكير. وهاجت الأطفال وماجت عند ما رأت وسطها الطائر الجميل، واجتهدت في حصاره وإلقاء القبض عليه، فاشتد هلع الطائر وقاوم مقاومة الأبطال، ولكن آلام جرحه اشتدت، وازداد تخبطه وتكرر سقوطه، وأخيراً وقع في الميدان صريعاً، فهجمت عليه الأعداء، ولكن سرعان ما تراجعت ووقفت مبهوتة صامتة مأخوذة برهبة الموت. . .

ولم يعلم الأطفال والكبار شيئاً عن سر دخول الطائر في ظلام الليل، ولو علموا سبب حيرته واضطرابه، وأنه قاوم القدر وأبى أن يهجع في غير العش الرؤوم إخلاصاً منه وولاء، لنثرت عليه الزهور والرياحين، ولشغل مكاناً من القلب أسمى من المكان الذي يشغله آلاف الناس - الذين لا يتعصبون في الحياة لأمر، ولا يتطرفون في الغرام بشيء،

ص: 35

ولا يفضلون داراً على دار. . بل قد لا يعبأون أن تضحّي سعادة أوطان بأكملها. . . بينما يموت طائر صغير شهيد الوفاء للعش. . .

أسماء فهمي

ص: 36

‌من الشعر المنثور

المدينة الهاجعة

للأستاذ خليل هنداوي

مهداة إلى مدينتي الصغيرة الراقدة رقاداً عميقاً على الشاطئ الأزرق. . . . . صيداء.

خليل

خاطر أزعج نفسي

يا له من خاطر!

ما له من أول

ما له من آخر

دعوا مدينة البحر تنم هادئة، فقد أرقتها يقظة الشاطئ،

لا توقظوها إذا جاء الفجر. . . أنها نائمة.

نامت عن الأرزاء والشجون.

واستسلمت للأحلام الجميلة وأطبقت عليها الجفون

من فاته في اليقظة الهناء

فليطلب النوم، ففيه شفاء

وليفر أحلامه بألوان الضياء

فتصبح الروح بها ناعمة

ألا لا توقظوها. . . إنها حالمة

نامت في غابر الزمن على الشاطئ الأزرق نوماً عميقاً،

وفي النوم تتبدل الخاطرات، وتتغير الأرواح،

إذ لا سكون في عالم الحركة، ولا وقوف في عالم الضوضاء.

تبدلت مدينتي وهي راقدة، وهبت فلم تر من آثار أخواتها إلا أطلالاً بالية، ورسوماً عافية.

فمشت بين مدائن غريبة حائرة ذاهلة، مشية أهل الكهف بعد يقظتهم!

رجعت إلى شاطئها الأزرق كما قفل أولئك إلى كهفهم،

لأن الحياة تنكرت لها ولهم

فنامت. . . ولا تزال نائمة

ص: 37

لا توقظوها. . . إنها حالمة.

يهوي على قلبي أسى مبهم

أكتمه قسراً فلا يكتم

ألا أيها الأسى في أية جانحة تجثم؟

لا خمر تقوى على أمرك!

ولا غادة تقوى على قتلك. . .

أي أسى في روحي السائمة؟

تذوقت أيها الغريب جمال الصحراء الذي لا تنتهي حدوده كما لا تنتهي لها حدود،

وفنيت مع طيوبها، وامتزجت مع ألوانها

وجريت مع (فراتها) الصامت، ورتلت مع أطيارها،

فمالك لم يشبعك جمال، ولم تذهلك هذه الأشكال؟

فيك وحشة من كل شيء، لا يغلب عليها شيء،

ولا تنير آفاقك المظلمة شمس، ولا ينفذ إليها قمر

لأن في روحك وحشة من كل شيء. . .

لا الطبيعة تشبع نفسك، ولا عبيرها يسكر روحك.

لأن مدينتك الصغيرة بعيدة عنك. . .

وإن لم يكن لك في مدينتك - أيها الغبي - إلا الصخور والأمواج، فإنها ستدعوك إليها.

لا حبيب في زواياها يناديك.

ولا صديق يناجيك.

الرمال التي تحسبها جامدة ميتة. . . الرمال التي كنت تعبث بها طفلاً تناديك.

تناديك لتحتضنك. . . هي مبعث وحشتك، وموئل ذكرياتك.

للصخور الصلدة روح، وللأمواج المتقلبة روح

تحيا كلها في حنايا روحك

هي نائمة كمدينتك النائمة. . .

لا توقظوها. . . إنها نائمة

ص: 38

ترقد مدينتي الصغيرة في كل شيء أراه، حتى في ذرات الرمال وقزعات السحاب.

ويرن صوتها في كل مبعث صوت، حتى في وقع الأمطار.

فأين أفر من وجهها، وكيف أصم أذني عن صوتها؟

وكل الأشياء التي نحيا فيها تحيا فينا.

هي حية في نفسي. . . مدينتي الصغيرة

هي مبعث وحشتي في هذه الحياة الغريبة.

هي التي تجذبني إليها وتخيم فوق رأسي في غربتي كالسحابة السوداء،

هي مجمع ذكرياتي التي تصطف للقائي في كل زاوية من زواياها،

وفي كل ثنية من ثناياها

سأحاول أن أنسى. . . وسيساعدني الزمان على النسيان،

وأية ذكرى وأية خطرة تستطيع أن تثبت أمام سلطان الأزمان؟

لكن شاطئك الأزرق الجميل. . شاطئك الذي امتزج دمه بدمي،

وخفق قلبه في قلبي، أنّى لي أن أنساه؟

هو كالقطرة التي تنعكس فيها كل السموات والنجوم. . .

ألا هنيئاً للجالس على شاطئك الأزرق فانه مالك كل شيء.

صيداء

خليل هنداوي

ص: 39

‌دنيا الأدب

بقلم محمد قدري لطفي

ليسانسييه في الآداب

ليست هي دنيانا، فما ينبغي أن يكون هذا الأدب منها، وليست هي عالمنا، فما لهذا الأدب أن يدخل فيه، وإنما هي طبيعة الأدب تأبى أن يكون من دنيانا في شيء، فان أكثر دنيانا قبيح، وأكثر الأدب جميل، وعماد دنيانا الحقيقة وعماد دنيا الأدب الخيال، والعقل في دنيانا عنصرها الأكبر، والعاطفة في دنيا الأدب عنصرها الأول، والمرء في دنياه يرى بعيني رأسه، ويرى في دنيا الأدب بعين قلبه، وهو في الدنيا مادي، قد يمسك بالزهرة فيقطعها في غير رحمة التماس عبيرها، فيظلّ به حتى ينفذ، ثم يلقيها كأن لم تبهره لحظة بجمالها، ولم تنعشه برهة بأريجها، وهو في دنيا الأدب روحي، إذا أمسك بالزهرة فإنما يمسها في رفق، وإذا التمس شذاها فإنما يفعل في حذر واحتياط، حتى إذا أعجبه عبيرها لم يقتطفها ولم يلقها، وإنما تراه يستخلص من عبيرها الطيب بيتاً ينظمه، أو قصيدة ينشئها، أو سطوراً يكتبها، وتراه يغوص في قرار المعاني ويصعد إلى عنان اللغة ليسجل للخالق حسن الصنعة ودقة الخلق وجمال التكوين، وتراه يوفي الزهرة حقها من الإعجاب والإطراء، ويبادلها حسنا بحسن ومتعة بمتعة. والمرء في دنياه يتكلم فيما يشاء بما يشاء، وهو في دنيا أدبه لا يتكلم إلا فيما حرك شعوره وهز عاطفته، فإذافعل فباللفظ المختار وبالمعنى المنتقى، والمرء في دنياه حين يتكلم لا يكاد يقع قوله إلا من نفوس قليلة مهما تكثر فلن تخرج عن الحصر، ولن تفوق العد، وهو في دنيا الأدب يتكلم فيلتقي بعواطف الجموع ويضرب على أوتار القلوب، وقد ينتقل قوله من لغة إلى لغة وينتشر حديثه من لسان إلى لسان، فيفنى هو وما قال باق على الدهر خالد على الأيام، وقد يظل المرء في دنياه من غير صاحب، وقوله في دنيا الأدب يلقى الصحاب في كل مكان، ويتخذ سميراً في الجماعات أو خليلاً في الوحشة، أو مؤنساً في الوحدة، يصادف من كل قلب مبتغاه، ويلقي عند كل امرئ قبولاً، ويقع من كل نفس موقع البرء من السقام

ودنيانا محدودة وان ترامت حدودها، مقيدة وان اتسعت قيودها، ودنيا الأدب لا تعرف الحد ولا تعرف القيد، فالأدب يعيش في كل مكان ويحيا في كل زمان، يتناول كل شيء، وقد

ص: 40

يتخذ لنفسه موضوعا من لاشيء، وليس توخي الجمال فيه ولا التزام أوجه الحسن في فنونه قيداً له ولا عيباً في دنياه، وإنما هو الجمال طبيعته وعنصره، ما أن يفقده حتى يخرج من دائرة الأدب إلى دائرة الكلام البحت والحديث الصرف. فالشعر إن فقد الجمال كان نظما فحسب، لا هو بالشعر ولا هو بالنثر، قد وقف بين الصناعتين لا يدري أهو من هذه أم هو من تلك، والنثر إن فقد طلاء البلاغة لم يكن من الفن في شيء، وكما تغلو الأشياء في دنيانا وترخص، يغلو الأدب في دنياه، وتنحط قيمته تبعا لمقدار الجمال فيه، وأكثر موازين دنيانا الكم، وميزان دنيا الأدب الكيف.

على أن دنيا الأدب وان كانت جمالاً كلها فليست نعيما كلها، وان كانت إعجابا كلها فليست تخلو من العجب، فقد أقام البؤس فيها إلى جانب الجمال، وسكنت الفاقة فيها إلى جانب الحسن، وكثيراً ما تحالفا على غير فكاك، وتوافقا على غير خلاف، شأن دنيا الأدب في ذلك شأن دنيانا، فانك لتجد فيها الوجه الجميل في المسكن الذليل، وغالباً ما يلقاك الشرف الرفيع في الكوخ الحقير، وكثيراً ما تحل السعادة حيث ترق الحال، ويقيم الهناء حيث يحل الفقر.

ودنيا الأدب لا آخره بعدها، ولا إمهال فيها، وإنما يلقي صاحب الأدب فيها حسابه سريعاً فيجزى به أو يعاقب عليه، فما هو إلا أن يظهر أهل دنياه على ما أتى من عمل فني حتى يتولاه النقاد من قومه بالحساب، يحاسبونه حسابا فيه يسر حيناً، وكله عسر أحياناً، وحساب أهل الأدب على عسره ليس يخلو من عجب، فلا الخير فيه خير بالاجماع، ولا الشر فيه بالإجماع، وإنما الخير عند زيد شرٌّ لدى عمرو، والشر يراه هذا خيراً، والخير في عرف ذاك شر، قد تفاوتت الموازين، وتباينت المكاييل، وليت شعري متى يشاء ملائكة النقد أن يكون لدنيا الأدب ميزان يزن به الجميع، وكيل يكيل به الجميع. فقد خلق الناقدون وكل معه ميزانه، وكل في يده كيله، فاختلفت أحكامهم على العمل الفني الواحد، وتعددت أقوالهم في إنتاج الأديب الواحد، ولعل دنيا الأدب لم تظلم صاحب الأدب حين أباح له حرية الدفاع عن آثاره الأدبية والرد على محاسبيه، والتماس الحق لجانبه. ومن غريب دنيا الأدب أنها تبيح حساب المرء حياً وميتاً، فيتناول النقاد سيرته بالتحليل ويتولون حياته بالتمحيص، ويظهرون الناس على أقواله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وانك لتجد الشاعر أو الناثر قد

ص: 41

فارق دنياه منذ قرون، وأسدلت السنون عليه وعلى قومه حجابا من النسيان، ومع ذلك فهو في دنيا الأدب حي مذكور لا يزال النقاد يحاسبونه على شعر قرضه، أو نثر كتبه، أو قصة حاك أطرافها، ولا يكتفون من ذلك بالمئات من المرات.

ومما يحاسب المرء عليه في دنيا الأدب عدا الإجادة في الفن أو التقصير فيه ما قد يرتكبه من سرقة لثمار العقول أو نتاج العواطف فينتحل لنفسه ما ليس له. غير أن الحساب على هذا الذنب ليس كما ينبغي له من العسر والشدة، وليس كما يتفق مع خطره من القسوة والقوة، وإنما هو مباح أو كالمباح حتى خشيت دنيانا هذه الإباحة من دنيا الأدب، وخافت على أهلها من دعاة الأدب أن يبيحوا فيها ما ليس إلى إباحته من سبيل، فأفسحت صدرها لمن يلجأ إليها من دنيا الأدب، شاكياً ما استحله الغير من ثمرات قريحته ووحي خاطره فحمته بتشريعها، وأحاطته بسياج من قانونها.

وفي دنيا الأدب من المفارقات العجيبة والسير الطريفة ما لا تتسع له الصحائف، فكيف يقوى كاتب على دنيا بأكملها يحصى ما بها ويعدد ما فيها.

محمد قدري لطفي

ص: 42

‌8 - أعيان القرن الرابع عشر

للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور

الشيخ مصطفى السفطي

مصطفى السفطي بن مصطفى الفاكهاني السفطي بن علي السفطي أبن احمد شلبي، نسبة إلى سفط القطايا، ولد بمصر القاهرة حوالي سنة 1250، وأرسل إلى المكتب في السابعة من سنيه، ثم تنقل من مكتب لآخر حتى حفظ القرآن الكريم، واشتغل بتجويده في الأزهر، ثم شرع في طلب العلم على شيوخ عصره، فقرأ الكفراوي على أحد العلماء المبتدئين في التدريس، فكان يحفظ العبارات ولا يفقه لها معنى، ولما أعيي عليه أمره، وتعذّر عليه إعراب أمثلة من غير هذا الكتاب أعاد قراءته، ولكنه لم يستفد شيئاً. وكان بجوار داره دار السيد احمد البقلي أحد المدرسين بالمدارس، وله ولد أراد أن يقرأ القرآن مع المترجم، فشكا المترجم له من تعسر النحو عليه، فأشار عليه بشراء متن الآجرومية وأمره بحفظه، ثم شرع في إعرابه له على الطريقة الأزهرية، فلم يستفد شيئاً أيضا؛ وشكا من ذلك للشيخ محمد الدمنهوري، فأمره بترك طلب النحو كلية حتى ينسى ما علق بذهنه، ففعل واقتصر على الفقه، فحضر أبن قاسم على الشيخ البيجوري، وكان يتفهمه بخلاف النحو، فمالت نفسه إليه فحضره مرة ثانية على الشيخ فتّوح البيجرمي، ثم مرة ثالثة على الشيخ عبد الرحمن القباني أحد تلاميذ الشيخ فتوح المذكور، وكان يطالعه لإخوانه المبتدئين.

ثم قرأ الكتب المتداولة بالأزهر، ولم تفتر نفسه عن طلب النحو على ما لاقاه فيه من الصعوبة، فصار يتردد على الشيخ محمد الدمنهوري ومعه متن الآجرومية فقط، وصار الشيخ يقول له اقرأ هذه الجملة ثم تفّهم معناها بنفسك ولا تنظر لأقوال الشراح، فيفعل، فتارة كان يخطئ وتارة يصيب، وسهل عليه فهم هذا العلم بهذه الطريقة؛ وكان أحد أصحابه مبتلى بمثل ما ابتلى به، وأخبره أن عند علي العروسي شرحاً للرملي على الآجرومية، فاستعاره منه وقراه معاً، فكانا بفهمان ما فيه فهماً جيداً. ثم اجتمع المترجم بانسان كفيف البصر اسمه الشيخ علي الفيومي، له باع في العربية، فقرأ عليه مع صاحبه كتاب الشيخ خالد والأزهرية، والقطر، وأبن عقيل؛ ثم أعاد المترجم القطر علي الشيخ الشبيني بالأزهر، وقرأ التحرير والمنهج على الشيخ مصطفى المبلّط، وهو آخر حضوره في الفقه. ثم قرأ

ص: 43

علوم البلاغة بالأزهر، والعروض مع إعادة البيان بالمطالعة مع بعض تلاميذ رفاعة بك: كقدري باشا وإبراهيم بك مرزوق. وبعد ذلك انتخب مدرساً بالمدرسة التجهيزية سنة 1290 في أول نظارة رياض باشا على المعارف، وكانوا إذ ذاك يقرأون بها الأنموذج للزمخشري في النحو؛ ثم كُلف بتأليف رسالة في الصرف ففعل، وقرأها للتلاميذ نحو ثلاث سنوات، ثم اتفق مع بعض المدرسين على تأليف رسائل في البلاغة والصرف بتوسُّع أبسط من الرسالة الأولى، وقرأ بها سنوات، ثم أُمر بقراءة العروض والقوافي في المدارس، فاستحسن رسالة أبي الجيش وأقرأها، ثم وضع رسالة في العروض والقوافي أتم بها ما أراده أبو الجيش، ولكن وقع ما منعه من تقديمها للمدارس، ثم كلف بوضع رسالة في علم الرسم، فوضع رسالته (عنوان النجابة في قواعد الكتابة) وقرئت بالمدارس.

ونقل بعد ذلك للمدرسة الابتدائية المسماة (بالمبتديان)، وكان ذلك سنة 1306، فألف بها رسالة بالاشتراك مع غيره في المترادفات، ثم نقل إلى المدرسة السنية الخاصة بتعليم البنات، فبقي بها سنتين ألف فيها رسالته (محاسن الأعمال)، ولما عرضت على المجلس العالي بنظارة المعارف استحسنها أعضاؤه جداً وقالوا: الأولى أن تكون بيد المعلمات لا بيد المتعلمات. ثم أخذت قوته في الوهن، وبصره في الضعف لكبر السن، فعرض استقالته على النظارة مبيناً السبب. فأحيل على الكشف الطبي، ثم أحيل على المعاش. وله من التأليف غير ما تقدم رسالة في الصرف اسمها (قرّة الطرف) أوسع من المتقدمة، وأخرى في النحو وهي (منحة الوهاب في قواعد الإعراب)، وهي نظم. ومن شعره:

الحمد الله لا فقر يضرّ ولا

غنى يغرّ فلا حزن ولا فرح

وليس لي مطمع في الناس يلجئني

للذم والمدح إن ضنوا وإن سمحوا

وأسأل الله حاجاتي فيمنحني

من فضله فوق ما أهوى وأقترح

وله:

قد يسر الله أسباب المعاش لنا

بالعقل والرزق موقوف على القسم

ليعلم العبد أن الله يرزق من

يشاء بالفضل لا بالسعي والهمم

فيطلب الرزق بالأسباب معتمداً

على الذي أوجد الأشياء من عدم

ولا يخاف ولا يرجو سواه ولا

يحيد عن منهج الأحكام والحكم

ص: 44

وكان رحمه الله طيب الخلق، حسن المعاشرة، اعتكف في داره بعد فصله من المدارس على الاشتغال بالعبادة ومذاكرة العلم مع بعض من يسمر معهم من إخوانه وأخلائه، أو استقلالاً بنفسه، وكان في مبتدأ أمره مولعاً بالسماع، وتشبث بتعلم الموسيقى، فلازم الشيخ محمداً شهاب الدين الشاعر المشهور، وكان متقناً لها، فأخذها عنه وأتقنها، ولكثرة مطالعته لكتب الأدب صارت له ملكة أدبية، ومعرفة بجيد الشعر ونقده. ثم ما زال على هذه الحالة المحمودة حتى أرهقه الكَبر وضعف عن المشي، فلزم داره لا يخرج منها إلاّ لصلاة الجمعة في أقرب مسجد اليه، ومع ذلك فلا يبلغه إلا بمشقة زائدة. وتوفاه الله إلى رحمته في يوم الثلاثاء 21 رمضان سنة 1327.

الشيخ احمد أبو خطوة الحنفي

أحمد بن أحمد بن محمد بن حسب الله بن علي بن محمد بن علي أبن مدكور بن أبي خطوة المدفون في مطوبس أبن مدكور بن شكر بن هاشم بن محمد وهو أول من نزل بكفر ربيع منهم ودفن به، أبن سالم المدفون بالحدّين بالبحيرة، أبن موسى بن حسن بن احمد أبن علي بن شكر بن إبراهيم بن أحمد بن شاكر بن حسن بن علي أبن محمد بن علي أبن السيد عبد الرحيم القنائي صاحب الضريح المشهور بقنا أبن هريدي بن جعفر بن حمّاد بن سعادة بن عبد اللطيف القاسم بن عبد الله بن عبد اللطيف بن هاشم بن عبد الجواد أبن محمد بن عليالرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن آلاما الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب. هكذا أملى عليّ نسبه من لفظه. . ولد في 20 ذي القعدة سنة 1268 ببلدة كفر ربيع التابعة لتلا من أعمال المنوفية ونشأ بها، فحفظ القرآن وبعض المتون، ثم سافر للقاهرة لطلب العلم بالأزهر في 16 شوال 1281 واشتغل فيه بالطلب وقراءة الفقه على مذهب الإمام الأعظم. ومن شيوخه الشيخ محمد البسيوني البيبانيّ، والشيخ أحمد الرفاعيّ الفيوميّ، والشيخ عبد الرحمن البحراويّ، والشيخ عبد الله الدرستاويّ، والشيخ حسن الطويل

وكان أكثر اشتغاله في المعقول على الشيخ حسن الطويل ولازم صحبته وتخلّق بأخلاقه، وقرأ عليه بداره العلوم الحكميّة والرياضّية فتلقى عنه شرح الهداية للميبدي، والطوالع، وأكثر المقاصد والمواقف، وإشارات أبن سينا بالشروح لنصير الدين الطوسيّ والإمام

ص: 45

الرازيّ، والمحاكمات، وبعض كتاب النجاة لأبن سينا، وأشكال التأسيس بشروحها في الهندسة، وتحرير أقليدس، وفي الهيئة شرح الجغميني، وتذكرة نصير الدين الطوسيّ، وفي الحساب خلاصة بهاء الدين العامليّ بشرح البورصاوي، والمعولة وشرح أبن الهائم وغيرها، وفي المنطق القطب بحواشيه والمطالع والخبيصيّ وايساغوجي وغير ذلك من هذه العلوم.

وامتحن للعالمية والتدريس في 18 صفر سنة 1293 وكان مجلس الامتحان مكوّناً من الشيخ عبد الرحمن البحراويّ والشيخ عبد القادر الرافعيّ الحنفّيين، والشيخ أحمد شرف الدين الموصفيّ والشيخ زين المرصفيّ الشافعّيين، والشيخ احمد الرفاعي والشيخ أحمد الجيزاوي المالكيّين، برئاسة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد المهدي العباسي، فلما امتحنوه أعجبوا به اعجاباً شديداً لجودة تحصيله وشدّة ذكائه فأجازوه، إلاّ أنه اخر التدريس لسبب اشتغاله بتتميم ما كان يقرؤه على شيخه الطويل

ثم ابتدأ في القراءة بالأزهر سنة 1296 فقرأ به الكتب المتداولة به وغيرها، وتخرّج عليه من الأفاضل منهم السيد محمد شاكر، والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ محمد بخاتي، والشيخ سعيد الموجي، والشيخ محمد الغريني، والشيخ مصطفى سلطان وغيرهم.

ثم جعل مفتياً لديوان الأوقاف فكانت له اليد الطولى في إصلاحه وعاون من به على تحسين أموره بجودة عقله وحسن رأيه، وحسبك انه دخله وإيراده مائة وعشرون ألف دينار وخرج منه وإيراده يربو على المائتين. ثم نقل عضواً في المحكمة الشرعية الكبرى بالقاهرة ورأس المجلس العلمي للنظر والفصل في القضايا الكبرى، ثم انتدب للمحكمة العليا بعد ذلك فكانت له اليد الطولى في إصلاحها ومنع شهادات الزور وإصلاح حال المحامين، وكانت وفاته في شوال سنة 1324.

حسن أفندي عبد الباسط الحُوَيّ

كان خِلَاسيّ اللون يشبه الحبش، وبوجهه أثر جدريّ، وكان أديباً شاعراً هجّاء، خبيث اللسان مجيداً، إلا أنه مقلّ، استخدم بالإسكندرية فكان رئيس قلم في الضبطية حوالي سنة 1285، وبقي بها إلى سنة 1290، وكان بها إذ ذاك مصطفى صبحي باشا الشاعر المشهور، فكان يجتمع به من بها من الأدباء والشعراء، فيسمرون معاً ويحيون الليالي

ص: 46

بالمذاكرة وإنشاد الشعر، واتفقوا على تسمية مجلسهم بالمربد، وألا يقبلوا به أحدا إلا إذا ارتضوا به جميعاً، فكان المترجم ممن رضوا به أن يكون من شعراء المربد، وكانت تمر عليهم ليال يقترحون فيها ارتجال الشعر، ويعيّنون عدد الأبيات والوقت الذي يجب نظمها فيه، فكان أحدهم إذا تعذرت عليه قافية وأعجله الوقت ارتجل كلمة لا معنى لها، أو لها معنى لا يوافق السياق وتمم بها البيت، فاجتمعت لهم من ذلك ألفاظ غريبة مضحكة سموها بالألفاظ المربدية.

ثم تنقلت الحال بالمترجم فاستخدم معاوناً بمديرية الشرقية، ثم فصل فضاق به العيش وفتح حانوتاً بالزقازيقً للصيدلة القديمة، المسماة في العرف الآن بالعطارة؛ وكان أمره بها عجباً، فانه اقتنى كتباً من مفردات الطب وقانون أبن سينا، وصار إذا طلب منه أحدهم بيع عقّار من العقاقير، سأله عن سبب حاجته إليه وقام إلى تلك الكتب فاستخرج له منها مزاياه وما يداوي به من العلل، وبقي مدة على ذلك حتى توفاه الله بعد سنة 1300.

ومن شعره يمدح محمداً فتح الباب أفندي كبير كتّاب ديوان البحر:

رأيت العلا ترتاد بعلاً لنفسه

وقد خطبتها قبل ذاك الأوائل

فقمنا سراعاً قاصدين لخدرها

عساها بنا ترضى ويُجلى التواصل

فلما رأتنا واقفين ببابها

أشارت لفتح الباب منها الأنامل

وكان رحمه الله على خبث لسانه طرفة من الطرف، وأعجوبة من العجائب: في حسن المنادمة وحضور الذهن وسرعة الجواب؛ رآه مرة يعضهم وهو مسافرَ إلى الزقازيق في القطار ومعه جراب يحمله بيده، فقال له مداعباً: أظن هذا جراب الحاوي، أي المشعبذ. فقال لا يا سيدي، هذا جراب الُحَويّ!

إبراهيم بيك مرزوق الشاعر

تلقى العلم بمدرسة الألسن، وتخرّج على ناظرها رفاعة بك رافع الشهير، فقرأ بهذه المدرسة النحو والصرف وباقي علومها، وبرع في الفرنسية. وكان لرفاعة عناية خاصة في تلقين تلاميذه العربية والعلوم الأدبية، وتدريبهم على نظم الشعر، فكان للمترجم حظ من هذه الصناعة، فنظم الشعر الجيد من المقطّعات والقصائد، اعتنى بجمعها بعده محمد سعيد بك أبن جعفر مظهر باشا سنة 1287 في ديوان سماه (الدرّ البهيّ المنسوق، بديوان إبراهيم بك

ص: 47

مرزوق) وطبع بمصر.

ولما أتم المترجم علومه بالمدرسة استخدم ديوان كان يقال له (ديوان الهرجلات) وهو خاص ببيع الخيل والماشية التابعة للحكومة، ثم نقل منه للقلم الإفرنجي بالضبطية، وفصل منه مدة عبده باشا ضابط مصر، ثم عاد إليه بعد نحو ثلاث سنوات، وكان مدة توليه لهذا القلم كثير المعاكسة للإفرنج إذا وقع أحدهم في سجن الضبطية، أو كانت له دعوى بها، قلما كان يسلم من أذاته، حتى ضج منه وكلاء الدول وأكثروا من الشكوى، فلم يكن يثبت عليه شيء عند التحقيق، والسبب في ذلك أنه كان يعتمد على إخوانه ومرءوسه بالضبطية على إيصال الأذى اليهم سراً، نكاية بهم لطغيانهم على الرعية، وتدرّعهم بدروع الحمايات.

وفي مدة وكالة إسماعيل باشا الخديو نقل المترجم معاوناً بمجلس الأحكام، ثم لما تولى هذا الخديو على مصر أرسله ناظراً للقلم الإفرنجي بالخرطوم قاعدة بلاد السودان، فبقى إلى أن توفي بها سنة 1283. وكان مربوع القامة، أبيض اللون، قد وخطه الشيب، ومات بعد ما تجاوز الستين، رحمه الله تعالى.

الشيخ مصطفى سلامة النجّاري

توفي والده وهو صغير، فتكفل به زوج أمه ورباه، فلما ترعرع مال للأدب، وقرض الشعر، فاتصل بالشيخ على الدرويش، وتخرّج عليه في النظم، واتصل بعد ذلك بأسرة المويلحي، ففتحوا له حانوتاً بالتربيعة لبيع الحرير فلم يصادفه النجاح، ثم جعل منشئاً بالوقائع المصرية، ولم يزل يكافح زمنه حتى اتصل بوالي مصر سعيد باشا، وصار شاعره وتقرب إليه ونال جوائزه، فحسنت حاله، واجتمع بأكابر الدولة ومدحهم وداخلهم فنال وجاهة وصار له شأن يذكر، وجمع ما نظمه في مدح سعيد باشا في ديوان خاص، وهو الذي جمع ديوان أستاذه الدرويش وسماه الأشعار بحميد الأشعار.

ص: 48

‌الكندي

(هو من الاثني عشر عبقرياً الذين ظهروا في العالم)

كاردانو

للأستاذ قدري حافظ طوقان

مقدمة:

ليس أصعب على الباحث من الكتابة عن حياة عالم لمُ يعطه التاريخ حقه من البحث والاستقصاء، ويزيد في الصعوبة التشويه الذي نجده في حياة كثيرين من علماء العرب والمسلمين. فكم من حقائق لم تذكر، وكم من حوادث أخذت على غير حقيقتها فسيئ فهمها، وكم من اختراع للعرب نُسب لغيرهم، وكم من تلاعب طرأ على التراث الإسلامي فجعل كثيرين من شبابنا يشكون في مجد أمتهم ومدنيتها وقابليتها على الإنتاج. ومن الغريب أن تجد بعض علماء الفرنجة (لبقين) في الكتابة عن نوابغ العرب، فهناك شخصيات عربية وإسلامية لمعت في نواح عديدة من المعرفة، ومن الطبيعي أن يختلف اللمعان، فبينما تراه شديداً في فروع، تراه في الأخرى وفي الوقت نفسه غير شديد. ويأخذ بعض الإفرنج النواحي الشديدة اللمعان ويذكرونها ويهملون النواحي الأحرى إهمالاً كلياً لا يعيرونها أي اهتمام ولا يأتون على ذكرها. ولا شك أن في هذا إجحافاً لا يستسيغه عقل ولا يقبله منطق، وعلينا أن نعمل جهدنا لنظهر هذه ونعطيها حقها من التنقيب والبحث. خذ أبن سينا (مثلاً) فقد اشتهر في الطب والفلسفة، وقليلون جداً الذين يعرفون أنه كان رياضياً وطبيعياً، وأن له في كل هذه جولات وآراء سديدة قيمة، فلقد أفاد الفيزياء ببحوثه المبتكرة فيها، كما أنه استطاع أن يقدم خدمات جليلة لبعض الفروع من العلوم الرياضية. وإذا اطلعت على ترجمة حياة أبن يونس في دائرة المعارف الإسلامية تجد أن كاتب الترجمة قد وفي حق أبن يونس في نواح ولم يوفها في نواح أخرى فلقد جهل أو نسى أو تناسى (لا أدري) أن يذكر أن الرقاص (بندول الساعة) هو من مخترعات أبن يونس وناهيك بالرقاص والفوائد التي جنتها المدنية منه. ولا أكون مبالعاً إذا قلت إنه يندر أن تجد واحداً يعرف أن عمر الخيام كان من كبار رياضي زمانه ومن فحول فلكي عصره، فلقد قدم خدمات حقيقة

ص: 49

للرياضيات والفلك لا تقل عن خدماته للشعر والفلسفة، وما يقال عن هؤلاء يُقال عن غيرهم.

منشؤه:

والآن. . . نعود إلى الكندي فنقول: قل من يجهل أن يعقوب الكندي من أشهر فلاسفة الإسلام، ولكن قل من يعرف أيضاً أن له فضلاً على العلوم الرياضية والفلكية إذ كان من الذين امتازت مواهبهم في نواحيها العديدة، ومن أوائل الذين اشتغلوا وألفوا في العلوم الدخيلة. يقول كتاب التمدن الإسلامي (. . . فبعد أن كان العرب في صدر الإسلام يستنكفون من الاشتغال حتى في العلوم الإسلامية. . أصبحوا لا يستنكفون من الاشتغال حتى في العلوم الفلسفية الدخيلة، وأول من اشتغل فيها أبناء ملوكهم. .) كان الكندي عالماً بالطب والفلسفة والحساب والهندسة والمنطق وعلم النجوم، وتأليف اللحون، وطبائع الأعداد. وهو يمت بالنسب إلى أحد الملوك العرب، وكان أبوه أميراً على الكوفة (محل ولادته). وقد وُلد في بداية القرن التاسع للميلاد ولم نتمكن أن نعثر بالضبط على تاريخ ولادته. أما تاريخ وفاته فيرجح أنه في أواخر القرن التاسع.

درس الكندي في بادئ أمره في البصرة ثم أتم تحصيله على أشهر العلماء، هذه الفرص التي لم تكن تسنح لغيره، واستعداده الفطري واستغلاله لكل ذلك أوجد له مكاناً ذا حرمة واعتبار عند خلفاء بني العباس حتى أن الخليفة المأمون انتخبه ليكون أحد الذين يُعهد إليهم ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من حكماء اليونان. ولم يخل الكندي من أناس يناصبونه العداء إما حسداً وإما غير ذلك كالقاضي صاعد بن أحمد القرطبي، وأبي معشر جعفر بن محمد البلخي ويُقال إن هذا الأخير كثيراً ما كان يشاغب عليه ويشنع بحجة أخذه بعلوم الفلاسفة، وقد تمكن الكندي مرة بثاقب نظره أن يتخلص منه، وذلك بأن بعث مَنْ حسّن له النظر في الرياضيات وفعلاً اشتغل أبو معشر بها زمناً، ولكنه لم يوفق، فعدل عنها إلى علم النجوم، وقد وجد فيه لذة فعكف عليه وأحب من يشتغل فيه وأصبح من أصحاب الكندي ومن المعجبين بعلمه ونبوغه

آثاره:

ص: 50

والكندي أول من احتذى حذو ارسطوطاليس، كان ملماً بحكمة الهنود، فسر كثيراً من كتب الفلسفة ووضع بعض النظريات الفلسفية في قالب مفهوم حتى إن كتبه في المنطق وغيره لقيت إقبالاً عظيماً، (وله رسائل ومؤلفات في علوم شتى نفقت عند الناس نفاقاً عجيباً، وأقبلوا عليها إقبالا مدهشاً)

هذا وغيره أوجد له في قلوب معاصريه حسداً فنقموا عليه وحاولوا مراراً النيل منه، وأن يوقعوا بينه وبين الخليفة فنجحوا في ذلك، ولكن إلى زمن لم يطل أمده.

كان الكندي مهندساً قديراً كما كان طبيباً حاذقاً وفيلسوفاً عظيماً ومنجما ماهراً، وقد ترك آثاراً كباراً حليلة جعلت العالم الإيطالي (كاردانو) يعده من بين الاثني عشرا عبقرياً الذين هم من أهل الطراز الأول في الذكاء، وجعلت أيضاً (باكون) الشهير يقول (إن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس) ويقول كتاب (آثار باقية)(إن الكندي أول من حاز لقب فيلسوف الإسلام.) وكان يرجع إلى مؤلفاته ونظرياته عند القيام بأعمال بنائية كما حدث عند حفر الأقنية بين دجلة والفرات. وعلى ذكر الأقنية يقال إنه كان في بلاط المتوكل أخوان اشتهرا بالهندسة والأعمال التطبيقية، وهما محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر، وكان يعز عليهما أن يظهر غيرهما بمظهر الماهر المتفوق، وبذلك لم يتركا فرصة للنيل من كل من عرف بالمعرفة والتفوق في علم من العلوم، ومن الطبيعي أنه لم يكن يروق لهما أن يسمعا عن الكندي وفضله، سيما وأنه ذو مركز عظيم في البلاط فسعيا في الوشاية عليه، وكان لهما ما أرادا في بادئ الأمر، واستطاعا أن يجعلا الخليفة يأمر بمصادرة مؤلفاته وكتبه. وكان يقال إن مراد ابني موسى من المصادرة هو أن يستفيدا من مراجعة الكتب في حفر القناة الجعفرية، ولكنهما فشلا في إنشائها فاستدعيا المهندس الشهير سند أبن علي لحل بعض المعضلات التي وجداها عند حفر القناة، فوعد بحلها وبمساعدتهما على شريطة أن يرجعا للكندي كل كتبه، وأن يسعيا لدى وليّ الأمر في العفو عنه وفي إزالة ما أوجداه من فتور وسوء تفاهم.

وقال الكندي بأحكام النجوم، وكان يرجع بعض الظاهرات والحوادث إلى أسباب فلكية فيستمد من أوضاع النجوم وحركاتها بعض التنبؤات. فيقال إنه نهى عن الاشتغال بالكيمياء للحصول على الذهب، وقال إن في ذلك تضييعاً للوقت والمال، وقد ألف في هذا الموضوع

ص: 51

رسالة سماها (رسالة في بطلان دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة وخدعهم). وقد أفادت رسالته هذه بعض معاصريه والذين أتوا بعده، إذ لا يخفى أن كثيراً من علماء القرون الوسطى أضاعوا معظم أوقاتهم في الكيمياء للحصول على الذهب، وله مؤلفات في المرئيات والبصريات وقد وضع كثيراً من نظرياتهما في قالب رياضي، وكان لبحوثه هذه تأثير كبير على دراسات باكون وواتيل، وكتب في الموسيقى وأعطى طرقاً لإيجاد التردد.

مؤلفاته:

وللكندي مآثر جمة تظهر في أكثر العلوم بل تكاد تسجلها كلها فقد ألف في الفلسفة وعلم السياسة والمنطق والحساب والكريات والموسيقى والنجوميات والهندسة والفلك والطب والاحكاميات والجدليات والنفسيات والإحداثيات والأبعاديات والتقدميات، كل هذه وغيرها مذكورة في كتاب الفهرست لابن النديم، وتبو على 230 كتاباً، وله فوق ذلك رسائل في علم المعادن وأنواع الجواهر والأشباه وفي أنواع الحديد والسيوف وجيدها ووضع انتسابها. أما تأليفه في الرياضيات والفلك فأهمها رسالة في المدخل إلى الارثماطيقي خمس مقالات، كتاب في استعمال الهندي أربع مقالات، رسالة في تأليف الأعداد، رسالة في تسطيح الكرة، رسالة في علل الأوضاع النجومية، كتاب في أغراض كتاب أقليدس، كتاب في تقريب قول ارشميدس في قدر قطر الدائرة من محيطها، رسالة في تقسيم المثلث والمربع وعملهما، كتاب في كيفية عمل دائرة مساوية لسطح اسطوانة مفروضة، رسالة في قسمة الدائرة ثلاثة أقسام، رسالة في صنعة الإسطرلاب بالهندسة، رسالة في ظاهريات الفلك، رسالة في استخراج بعد مركز القمر من الأرض، رسالة في استخراج آلة وعملها يستخرج بها أبعاد الأجرام، رسالة في الحيل العددية وعلم إضمارها، وو. . . الخ

تلاميذه:

وقد أخذ عن الكندي طلاب كثيرون منهم أبو العباس أبن محمد بن مروان السرخسي، وكان متفنناً في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب، قرأ على الكندي وعنه أخذ، اشتهر في الفلسفة والطب وكان موضع سر المعتضد، وكذلك أبو زيد أحمد أبن سهل البلخي فقد أخذ عن الكندي، وكان له مقام رفيع، ودعي جاحظ خراسان. ومن تلاميذه أيضاً حسونيه

ص: 52

ونفطويه وسلمويه وغيرهم كثيرون.

نابلس

قدري حافظ طوقان

ص: 53

‌من طرائف الشعر

فرحة الألم

لشاعر الشباب السوري أنور العطار

لَقَدْ صَاغَنيِ اللهُ جَمَّ الشُّجُونِ

وَيَأْبَى فُؤَادِيَ إِلاَّ المَرَحْ

يُبَدِّدُ أَحْزَانَ قَلْبيِ الرَّجَاءُ

وَيَمْحُو صَفَائَي طُول التَّرَحْ

أُهَدْهِدُ أَوْجَاعِيَ الصَّارِخَاتِ

وَأُرْقِدُهَا بالمُنَى وَالمُلَحْ

سكِرتُ مِنَ الدهْرِ حَتَّى انْتَشَيْت

فَلَسْتُ أُبَاليِ بِخَمْرِ الْقَدَحْ

كَأَنّي أَخُو سَفَرٍ لا غِبٍ

تَهالَكَ مِنْ جَهْدِهِ وَارْتَنَحْ

فَطُوبَى لِجُرْحِىَ إِمَّا اسْتَفَاضَ=وَطُوبَى لِقْلبَي إِمَّا انْجَرَحْ

تَعَلَّمْتُ بالنَّوْحِ سِرَّ النَّعِيمِ

وَأَدْرَكتُ بالشَّجْوِ مَعْنَى الْفَرَحْ

سَجَتْ لَيْلَتِي وَترَامى الظَّلَامُ

وَمَالِيَ عَنْ خَوْضِهِ مُنْتَدَحْ

وَقَدْ رَوَّحَ الْغُيَّبُ النَّازِحُونَ

وَأَلْقَى المُساَفِرُ عِبْثاً فَدَحْ

وَفَضَّ الكَرَى سَامِرَ العَاشِقِينَ

وَلَمْ يَبْقَ في اْلأَرْضِ إِلاَّ شَبَحْ

يَحْومْ عَلَى عَالَمٍ نَائمٍ

رَمَى بَمَتاعِبِهِ وَاطَّرَحْ

يْطَوّفْ في الَّليْلِ مَا يَأْ تَلِي

يُنَاجِي وَيَرْعَى حَبِيباً نَزَحْ

وَقدْ سَكَنَ الغَابُ إِلاَّ صَدىً

تَوَلَّهَ مِنْ وَجْدِهِ وَافْتَضَحْ

كأنّيَ أُصْغِي إلى بُلْبُلٍ

يُثيرُ المَفاَرِحَ إِمَّا صَدَحْ

فأحْسَسْتُ دُنْيا مِنَ النُّعْمَياتِ

وَأُفْقاً جَدِيدَ الأمَاني انْفَسَحْ

وأُذْني إلى هَمْسَةٍ في الدُّجَى

وَعَيْنِي إلى بَارِقٍ قَدْ لَمَحْ

وأَقْبَلَ طَيْفُكِ جَمَّ الَجْلَالِ

تَدَثَّرَ بالنُّورِ حَتَّى اتَّشَحْ

مَدَدْتُ يَدَيَّ وَعَانَقْتُهُ

فَغَمغَمَ قَلْبِي وَدَمْعِي شَرَحْ

وَضاعَ اللَّجَاجُ وَغاَبَ الْعِتَابُ

كَأَنَّ الزَّمَانَ صَفَا أو سَنَحْ

قَرأتُ بِعَيْنَيهِ فَرْطَ الَحْنِينِ

وَشَجْوًا يُذيِبُ إذا مَا قَدَحْ

وَعَايَنَ بِي غَمَرَاتِ الرَّدِى

تَرِفُّ عَلَى هَيْكَلٍ قَدْ جَنَحْ

فَأَطْرَقَ مُسْتَعْبرِاً نَادِمًا

وَبَانَ عَلَيْهِ الأَسى وَاتَّضَحْ

ص: 54

فَقُلْتُ لَهُ خَلِّ عَنْكَ الْبُكاَء

وَلَا تَجْزَعَنْ إِنَّ قَلْبِي صَفَحْ

إِذَا مَنْ أُحِبُّ جَزَانِي الصُّدُودَ

هَتَفْتُ عَفَا اللهُ عَمَّا اجْتَرَحْ

صحوْتُ فَلَا الطَّيْفُ يَحْنُو عَلَيَّ

وَلَا نِعَمٌ تُشْتَهَي أو مِنَحْ

وَعُدْتُ إلى وَحْدَتِي رَاضِياً

أَرَى في الأسَى غَايَةَ الُمقْتَرَحْ

أنور العطار

ص: 55

‌يقظة الهوى

تعالى قد سجا الليلُ

ونام الدوح والطيرُ

تعالى قد حلا الوصل

وطاب السهد والسمر

تعالى ضاحكي البدرا

تعالى نافحي الزهرا

تعألى طارحي الجدولْ

نشيد الأعصر الداوي

تعالى نرشف السلسل

ونروي روحنا الذاوي

شجتني رنة العودِ

وصوت الناي أغري بي

تعالي أنتِ معبودي

وهذا الروض محرابي

تعالي فجرّي قلبي

ينابيعَ من الحب

تعالي عطّري النرجسْ

بعطر الورد والشوقِ

تعالي نوّري الحندس

بنور الحب والعشق

أيا ليل ألا أمهلْ

معنْى فيك ذا مأربْ

وقل للصبح لا يقبل

وقل للنجم لا يغرب

هلمي نفحة الوردِ

هلمي ملكة الخلد

هلمي قبل أن يجفو

ويمضي الليل والبدرُ

هلمي فالهوى يغفو

إذا ما استيقظ الفجر

البصرة

فتى شط العرب

ص: 56

‌جائزة الأدب الكبرى

هنري دو منترلان

بقلم علي كامل

لمحة عن أدبه وفنه

منحت الأكاديمية الفرنسية جائزة الأدب الكبرى للكاتب الشاب هنري دو منترلان، فارتفع بذلك اسمه إلى مصاف أكبر الكتاب الفرنسيين المعاصرين، وتنبهت الأذهان إلى الطابع المخصوص الذي يمتاز به أدبه كفن من فنون القصة الفرنسية الحديثة:

وهنري دو منترلان كاتب من كتاب الشباب الذين تفتحت عيونهم على ضوء هذا القرن العشرين. ولد عام 1896، ودخل مدرسة سانت كروا دو نوبيي. ولما شبت الحرب الكبرى خرج من المدرسة ليشترك فيها وجرح جروحا بليغة. وكان طبيعياً أن يعود منترلان وقد ملأت نفسه نزعة التشاؤم والثورة، فقد هجر مدرسته ليخوض غمار المجزرة البشرية الكبرى وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فعانى فيها أشهرا من الحرمان والتضحية لم يجد لهما مبرراً أمام عقله الذي يفكر وقلبه الذي يحس، كما يفكر ويحس كل أديب فنان ينزع نحو مثل عليا في الحب والرحمة والأخاء

عاد منترلان من الحرب ضائع العزم محطم الآمال. وكان استعداده الأدبي قد ابتدأ يتفتح على ضوء تجاربه ومحنه السابقة، فانصبت آلامه وثورته في أدبه تلمسها من بين خفايا السطور، وكانت إنسانيته الحزينة تدفعه - كغيره من كتاب الشباب الذين خاضوا غمار الحرب - لوصف أهوالها وما جرته وراءها من التدهور الأخلاقي والفكري. كذلك فان (أنانية الفنان) التي تغمره كانت تأبى عليه أن يضحي بشيء دون أن ينال على تضحيته جزاء يبررها ويلتمس منه العزاء. لذا لم يغفر منترلان لأمته وللمجتمع تضحيته الكبيرة حين جرفته العاطفة الوطنية كغيره دون وعي إلى ميدان القتال ليتعذب شر عذاب وبعود جريحاً بين الحياة والموت فاقد الأمل في إتمام حياته المدرسية.

ولقد كان هذا الشباب المعذب دافعاً لهنري دو منترلان إلى أن يهيم بتلك السن التي ضحى وتألم فيها، فأصبح يمجد سن الشباب (تلك السن - كما يقول - التي لا تعترف بجميل. سن

ص: 57

القلب والنفس. نجم الحياة المتألق). ولقد تدرج منترلان من ذلك إلى الغرام بالألعاب الرياضية لأنها المظهر الذي تتمثل فيه حيوية الشباب وجبروته، ولأنها الوسيلة لإطالة عهد الشباب إلى أبعد مدى مستطاع

و (أدب الألعاب الرياضية) فن حديث جداً في الأدب الفرنسي. وترستان برنار هو صاحب الفضل الأول في تغذية القصة الفرنسية بالأفكار الرياضية ومعالجة شئونها ووصف أبطالها، وكان يحب الكتابة عن ألعاب الملاكمة وأبطالها كما في قصته على أن هذه الحركة ظلت بطيئة الخطر، ولم يتعد نشاط قادتها القليلين الكتابة في الصحف والمجلات، وإخراج عدد قليل من الأعمال الأدبية التي لم تكن ذات قيمة تذكر. . إلى أن كانت الألعاب الأولمبية عام 1924 فنشط أنصار (أدب الألعاب الرياضية) وأرادوا أن يدخلوا الفنون الرياضية في القصة الطويلة والقصيرة وفي الشعر أيضاً، وكثر عددهم واتسعت مدرستهم وأصبح كل منهم متخصصاً في الكتابة عن فن من فنون الالعاب الرياضية، فمنهم من هام بالسيارات مثل هنري كستماكرز في قصته وميشل كورداي في قصته ' واكتاف ميربو في قصته الشهيرة 628 - التي تعتبر في نظر النقاد أروع قصة في (أدب السيارات)

ومنهم من ولع بألعاب كرة القدم مثل جان برنييه في قصته ولوي هنري دستل في قصته وتعتبر قصة ، لمارسيل برجيه خير ما كتب في (أدب كرة القدم)

وهناك غير هؤلاء الكتاب عدد كبير من أنصار هذه المدرسة جعلوا من شخصيات قصصهم أبطالاً لفنون رياضية أخرى مثل سباق الخيل والطيران وغيرهما.

وهنري دومنترلان يعتبر اليوم زعيم الأدباء الشبان على الإطلاق، وأدب الألعاب الرياضية على الخصوص. وقد برع في الكتابة عن المصارعة. وسافر خصيصاً إلى أسبانيا وتعلم طريقة مصارعة الثيران ودروس نفسية أبطالها وأخلاقهم ثم عالج ذلك في قصته

كان أول أعمال منرلان كتابه كتبه عام 1916 وظهر عام 1920 وهو قطع من الشعر المنثور يصف فيها ذكرياته عن الحرب والمدرسة التي كان يتعلم فيها. وفي عام 1922 ظهرت قصته وفيها يمجد الألعاب الرياضية والصداقة التي بين الأبطال الرياضيين. تلك الصداقة التي يضعها (البان) بطل القصة فوق الحب. وفكرة (البان) عن الحب هي فكرة

ص: 58

الكثرة العظمى من أبطال الرياضة الذين يقعون فريسة النزاع الدائم بين نداءين: نداء القلب ونداء الواجب الرياضي الذي يطالبهم بالابتعاد عن النساء كيما يحتفظوا بعناصر القوة فيهم. وينتهي بهم الأمر إلى انتصار النزعة الرياضية وعبادة القوة والمجد فيتضاءل مركز المرأة في نظرهم. وهو لذلك لا يؤمنون بالحب العاطفي. فالحب في نظرهم ميل جسدي إذا ما تحقق مات ما يسميه الناس بالحب، ولذا نرى (البان) يرفض حب القلب بقسوة

ولألبان هذا رأي غريب إلى حد ما. فهو يقول إن العالم خاضع لفلسفتين: فلسفة النساء وفلسفة الرجال. فالأولى تتمسك بالديمقراطية، أما الثانية - وهي التي يؤمن بها بعناد - فهي تتشبث بالماضي المجيد وبالقومية.

وفي قصة ، (1924) نرى منترلان يبرر اهتمامه بالألعاب الرياضية إذ يعتبرها مرحلة من مراحل تحقيق الشخصية، على أن فكرته في علاقة الرياضة بتكوين الشخصية تتكرر بشكل أقوى بروزاً في قصة (مصارعي الوحوش)(1926). إذ يعرض لنا منترلان نوعاً من أنواع المخاطرة الجريئة، تلك التي يستهدف لها مصارعو الثيران بعرضها مصاغة في قالب بارع يدفعنا لاحترام أولئك المصارعين البواسل الذين يغامرون بحياتهم حباً في السيطرة وإظهاراً للقوة وامتحاناً لشخصياتهم التي لا تعتبر كاملة في نظرهم إذا عرفت للوجل معنى!

وقد كتب منترلان في هذه الفترة القصيرة من حياته الأدبية عدداً كبيراً من القصص أهمها عدا ما ذكرنا قصة (1927)(1928)(1929). وكانت آخر قصصه قصة (العزاب)

والآن قد يتساءل القارئ. كيف يبشر منترلان بقيمة الألعاب الرياضية ويخصص أدبه لخدمتها والدعوة لنشرها وهو الناقم على مظاهر العنف، الثائر على نظام الجندية والحرب، الداعي إلى الأخاء والمحبة والتعاون؟ ومنترلان نفسه يحس بالتناقض الظاهر بين طبيعته الثائرة المتمردة وبين نظام الألعاب الرياضية الذي يدعو إليه وما فيه من معاني الترف البرجوازي. على أنه يقبل ذلك كارهاً غير مرتاح الضمير. يقبله كوسيلة لتحقيق فلسفته التي ترى في الألعاب الرياضية - كما ذكرنا - وسيلة لإبراز الشخصية والسمو بها على سائر الشخصيات التي تحيط بها. والواقع أن منترلان قد أجاد تصوير فكرته بطريقة غاية

ص: 59

في الإبداع. فأنت تلمح من خلال شخصيات قصصه كيف تتفتح الشخصية وتسود حين يصبح صاحبها بطلاً من أبطال الرياضة. وكيف يغمر صاحبها النشاط والحيوية وعبادة البطولة التي تدفعه للاستهداف للموت راضي النفس مرتاح الضمير

وأدب منترلان اقرب إلى الرومانتيكية منه إلى الواقعية وهو في ذلك يقول (إن الواقع والحقيقة تقع عندي في المرتبة الثانية) وإذا كان كل كاتب لابد أن يتأثر بروح بعض من سلفه من الكتاب، فان بلزاك وشاتو بريان يطبعان أدب منترلان بطابع لا يمكن إنكاره وتناسيه

ويمتاز هنري دو منترلان بأسلوبه الرائع، فثروة الألفاظ وحسن اختيارها وأدائها، والموسيقى السامية التي تلبس عباراته فتعبر عنا يدوي بين أرجاء نفسه من النزعات والعواطف هي أظهر ما يميز فنه وشخصيته بين الكتاب الفرنسيين المعاصرين.

على كامل

ص: 60

‌العلوم

مدام كوري وقصة الراديوم 1867 - 1934

للأستاذ مصطفى محمود حافظ

مسيو ومدام كوري:

توفيت مدام كوري في صباح الرابع من شهر يوليو الحالي بعد أن نالت من النجاح في حياتها العلمية والعملية ما لم تنله أخرى من قبل، فانطفأ ذلك السراج المنير الذي أضاء سبيل بعض علماء العصر الحديث في الوصول إلى أخطر انقلاب علمي حديث، وهو النظرية الحديثة في تركيب المادة

ولدت ماري سكلود وفسكا في فارسوفيا عاصمة بولونيا في 7 نوفمبر سنة 1867، ولكنها نزحت عن وطنها الأول إلى وطنها الثاني فرنسا لأسباب سياسية. فذهبت تطلب العلم في السوربون، وقد اضطرها الفقر إلى الخدمة في معامل المعهد، فكانت تغسل الزجاجات وأنابيب الاختبار لتنال من ذلك ما يساعدها على تسديد نفقات التعليم

تعرفت بالمسيو (بير كوري) الذي كان يعمل في السوربون هو الآخر، وقامت تساعده في أبحاثه التي كان يقوم بها في ذلك الوقت في الكهربائية وخواص الأجسام المغناطيسية في درجات الحرارة المختلفة. وقد انتهى بها هذا الارتباط الذي ابتدأ في المعمل إلى الزواج به سنة 1895. وقد ظلا يعملان معاً أحد عشرا عاماً توصلا فيها إلى الكشف عن عدة عناصر أهمها (البولونيوم) و (الراديوم). وقد كشف الأستاذ الفرنسي (بيمون) عن وجود عنصر الراديوم مستقلاً عنهما، ولكن اسمه لا يكاد يقرن باسميهما عند الكلام عن الراديوم إلا في القليل النادر

قصة الراديوم:

لم يكن الكشف عن الراديوم من هذه الاكتشافات التي أتت عفواً وكاد مكتشفها يتعثر فيها أثناء سيره في عمله، كما حدث للأستاذ الألماني (رُنْتجن) عند كشفه عن الأشعة التي تعرف باسمه؛ ولا من تلك الاكتشافات والاختراعات التي كأنه قد أوحي بها إلى أصحابها، كما حدث للأستاذ (ويلسون) عند تفكيره في صنع (الغرفة القائمة)، وهي الجهاز الذي

ص: 61

يمكننا من رؤية مسار الدقائق المتحركة التي لا يمكن رؤيتها بالعين ولا بأقوى ميكروسكوب. بل كان من هذه الاكتشافات التي عمل لها أصحابها وكانوا يتوقعونها نتيجة لأبحاثهم الرياضية أو الطبيعية، كما حدث عند البحث عن السيار (نبتون) فقد رآه (لفرييه) بالرياضة قبل أن يراه (جال) بتلسكوبه

إذن لابد أن يكون قد سبق الكشف عن الراديوم دراسة بعض الظواهر التي مهدت السبيل لظهور هذا العنصر، وهذا ما أود أن أسرده الآن مرتباً ترتيباً تاريخياً

في سنة 1895، وهي السنة التي ارتبط فيها (الكوريان) بالزواج، كان الأستاذ (رنتجن) يمرر التيار الكهربائي في الأنابيب المفرغة تقريباً من الهواء، وهي المعروفة بأنابيب (كروكس)، وذلك للكشف عن أشعة غير مرئية للعين. فلاحظ أن لوحاً مغطى بطبقة مومضة - وقد وضع عفواً بجوار الأنبوبة - قد تألق وأومض وهو في الظلام. فإذاانقطع التيار انقطع الوميض. هذا الوميض يحدث لمواد معينة إذا سقطت عليها أشعة الشمس، وبالأخص ما كان منها بعد البنفسجي، وامتصت جزءاً من الطاقة الضوئية، ثم آخذت إلى الظلام. فالطاقة الممتصة تنطلق ببطء، وتومض المادة حتى تزول الطاقة المخزونة. يحدث هذا إذا عرضت هذه الأجسام إلى أشعة الشمس، ولكن لوح (رنتجن) لم يتعرض تعرضاً مباشراً لأشعة الشمس ولا للأشعة الخارجة من أنبوبة (كروكس) لأنها كانت مغطاة بورق أسود يمنع نفاذ كل الأشعة التي كانت معروفة في ذلك الوقت، ولكن ما دام اللوح قد أومض فيجب أن يكون (رنتجن) قد توصل إلى أشعة غير معروفة من قبل ويمكنها النفاذ من الأجسام المعتمة، وقد سماها رنتجن (أشعة اكس) أو (الأشعة السينية) أو (الأشعة المجهولة). ولكن عدم معرفته لكُنه هذه الأشعة لم يمنعه وغيره من دراسة خواصها، فعرف أنها تخترق الصفائح الرقيقة المعدنية، وأن مقدار نفاذها من هذه الصفائح يختلف باختلاف المعادن نفسها، وأنها تؤثر على الألواح الفوتوغرافية وتلقي عليها ظلالا للأجسام المعتمة التي توضع بين مصدر الأشعة واللوح الفوتوغرافي، وأنها تجعل الغازات موصلة للكهرباء، وأنها تضيع شحنة الأجسام المكهربة

هذه هي نتائج التجارب الأولى التي أجريت على (أشعة رنتجن) في أواخر سنة 1895، وفي السنة التالية فكر أحد علماء فرنسا وهو الأستاذ (هنري بيكرل) في شيء آخر وهو:

ص: 62

إذا سقطت (أشعة رنتجن) على جسم مومض فانه يومض ويتألق، فهل العكس صحيح؟ هل المادة بعد تعرضها لأشعة الشمس ثم تركها تومض في الظلام، تخرج (أشعة اكس) أو أشعة نفاذة مثلها؟ للاجابة على ذلكالسؤال اشتغل (بيكرل) بأملاح الأورانيوم المومضة، فتركها في الشمس مدة ثم لفها في ورق أسود ووضعها في الظلام بجوار لوح فوتوغرافي، فوجد بعد مدة أن اللوح قد تأثر. إذن هناك أشعة خرجت من ملح الأورانيوم المومض ونفذت من الورق الأسود، فهي كأشعة رنتجن في ذلك، وقد وجد لها أيضاً بقية الخواص المعروفة لهذه الأشعة. ولكن استمرار البحث بّين له أن هذه الأشعة الخارجة ليس لها علاقة البتة بالوميض كما كان يعتقد. فالوميض يضعف عادة مع الوقت، ولكن هذه الأشعة النفاذة لم يكن ليعتريها الضعف بمقدار محسوس. أذاب الأملاح المومضة وبلْوَرها في الظلام دون تعريضها لأشعة الشمس فوجدها تخرج نفس الأشعة. أخذ أملاح الأورانيوم غير المومضة فوجدها تخرج نفس الإشعاع النفاذ.

جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة التي كان من نتيجتها الكشف عن (المواد المشِعّة) أو المواد الراديومية

انقسم العلماء بعد تجارب (بيكرل) إلى فريقين: الأول ذهب يبحث عن ماهية الأشعة التي تصدر من أملاح الأورانيوم، والثاني يبحث عن مواد أخرى لها نفس خواص أملاح الأورانيوم، وقد تزعم هذا الفريق (مدام كوري) وزوجها، بعد أن أبدت رأيها في مبحث الفريق الأول من العلماء بأن قالت: إن (الفعل الإشعاعي) لأملاح الأورانيوم راجع إلى خاصية في المادة لم تعرف بعد ولا تشبه في ذلك أشعة رنتجن.

وأول ما وصلت إليه (مدام كوري) في بحثها أن إشعاع أملاح الأورانيوم (خاصية ذرية). أي أن مقدار الإشعاع يتوقف على مقدار الأورانيوم أو عدد ذرات العنصر الموجودة في المادة المختبرة، وليس له أية علاقة بالمواد الأخرى الداخلة في تركيب الملح. وإلى ذلك يعزى سر نجاحها في الكشف عن مادتين مشعتين أخريين

وجدت بقياس الفعل الإشعاعي لبعض المواد التي تحتوي الأورانيوم أن قوة إشعاعها تفوق ما ينتظر أن يكون، على حساب أن الموجود في المادة أورانيوم فقط. فلو كان الفعل الإشعاعي (خاصية ذرية) كما وجدت هي فلا بد أن توجد مادة أخرى أقوى في فعلها

ص: 63

الإشعاعي من مادة الأورانيوم نفسها. وعلى هذا الأساس بدأت (مدام كوري) تعمل لكي تفصل هذه المادة الجديدة. وقد شجعتها حكومة النمسا على المضي في بحثها بأن أهدت إليها طناً من المعادن المحتوية على أملاح الأورانيوم المستخرجة من (بوهيميا) الموجود في الخامات، ولكنها وجدت أن الباقي كان أشد فعلاً وإشعاعاً من مقدار الأورانيوم المستخرج بأربع أو خمس مرات. فاستخرجت ملح البزموث الموجود في الخامات فوجدته متحداً مع مادة فعالة مشعة سمتها (بولونيوم) نسبة إلى وطنها الأصلي (بولونيا). ثم استخرجت ملح الباريوم الموجود فيما تبقى من الخامات فوجدته متحداً مع مادة مشعة أخرى سمتها (راديوم) أو (المشِع)، وهي تسمية موفقة، لأن هذه المادة الجديدة تفوق في إشعاعها (الأورانيوم) بمقدار مليوني مرة إذا قورنت به وزناً بوزن. وقد أعلنت (مدام كوري) عن هذا الاكتشاف العظيم في رسالة قرأتها أمام (أكاديمية العلوم) في باريس سنة 1898

وقد أثارت رسالتها الرغبة في نفوس كثير من العلماء للبحث عن ماهية الأشعة المنطلقة ذاتيا من المواد المشعة، وقد كان من قادة هذا البحث سير (جوزيف تومسون) وسير (إرنست رثر فورد)(وهو الآن لورد رثر فورد). فام تأت سنة 1900 حتى كان من المعروف أن هناك ثلاثة أنواع من الإشعاع تصدر عن المواد الراديومية.

الأول - أشعة لا تقدر على النفاذ من ورقة رقيقة، وقد سميت (الأشعة الألِفية). وقد درسها (رثر فورد) في المدة الواقعة بين سنة 1903، 1909 فعرف أنها ليست أشعة بل دقائق متحركة بسرعة كبيرة، وأنها مشحونة بشحنة كهربائية موجبة، وأنها عبارة عن ذرات غاز الهليوم الذي تملأ به المناطيد الحديثة. وقد استخدم (رثر فورد) هذه الدقائق كقذائف يرمي بها الذرات فيحطمها، وكان من نتيجة بحوثه في ذلك أن وضع النظرية الذرية الحديثة، القائلة بأن الذرة عبارة عن نواة متركزة في الوسط موجبة التكهرب، يدور حولها الكترونات سالبة.

الثاني - أشعة يمكنها النفاذ من ألواح من الألومنيوم سمكها بضعة مليمترات، فهي أكثر نفاذا من الأشعة الألفية وقد سميت (الأشعة البائية). وفي سنة 1899 تمكن (بيكرل) و (جيزل) و (كوري) من معرفة أن هذه الأشعة تنحرف بتأثير المجال المغناطيسي، فهي

ص: 64

لبست أشعة بل دقائق كهربائية سالبة.

الثالث - أشعة أشد نفاذا من سابقتها كشفها (فيّار) في سنة 1900، وسميت (الأشعة الجيمية) ويمكنها النفاذ من 15 بوصة من الصلب أو 6 بوصات من الرصاص. وهي من نوع أشعة رنتجن.

وفاة بير كوري:

انهالت على (الكوريين) التهاني والأسئلة بعد كشفهما عن الراديوم. وفي سنة 1903 منحتهما الجمعية الملكية بلندن مدالية (دافي). وفي نفس السنة قسمت جائزة نويل للعلوم الطبيعية بينهما وبين (هنري بيكرل). وقد عين (كوري) أستاذاً للطبيعة في السوربون، واختير في سنة 1905 عضوا في (أكاديمية العلوم) بباريس. وبعد ذلك بعام واحد، بينما كان خارجا من الجامعة، صدمته عربة ومرت عليه فقتلته لساعته. وقد أثر ذلك في زوجته حتى خيف أن تترك الاشتغال بالعلوم بعد تلك الفاجعة، ولكنها تشجعت واستعانت بذلك الصبر الذي لازمها في أبحاثها العلمية الشاقة. وقد عينت أستاذة للطبيعة في السوربون مكان زوجها.

وقد تمكنت (مدام كوري) من فصل عنصر الراديوم من أملاحه، وهي عملية شاقة لأنه سريع التحول إلى الإيدروكسيد، وعينت وزنه الذري فوجدته 225، ولكنها تمكنت بعد ذلك من تصحيحه إلى 226 ، 2، ثم وجده (ثورب)227. وقد نالت من أجل ذلك جائزة نوبل في العلوم الكيماوية، وبذلك تكون قد نالت جائزة نوبل مرتين وهو ما لم يظفر به عالم من قبل.

تأثير الراديوم في خلايا الجسم:

استخدم الراديوم في بحوث نظرية وعملية. ومن النظرية الكشف عن كيفية تركيب المادة وتحطيم الذرة. كذلك تقدير عمر الكرة الأرضية بالاستعانة بما يوجد من الراديوم بين الصخور فانه يتحول ذاتيا إلى مواد أخرى تنتهي بالرصاص بنسب معينة في أزمنة معينة. ومن البحوث العملية التي يستخدم فيها الراديوم معالجة بعض الأورام الخبيثة مثل (السرطان). وأول من عرف تأثير الإشعاع الخارج من المواد المشعة على جلد الإنسان

ص: 65

وخلاياه هو (بيكرل) في سنة 1901. ولكنه دفع ثمناً لذلك التهاب جلد صدره زمناً طويلا. فقد كان يحفظ أنبوبة صغيرة بها مواد مشعة في جيب صديريته، فأصيب في مدة أربعة عشر يوما بالتهاب جلدي حاد تحت موضع الانبوبة، سمي (حرق بيكرل) ومنذ ذلك الوقت بدأت البحوث تتري في تأثير الراديوم على الخلايا المريضة في الجسم، فافتتح في سنة 1906 في باريس (المعمل البيولوجي للراديوم). وفي سنة 1909 افتتح مركز يماثله في لندن ولكن لا يزال النجاح غير كامل في استخدامه للعلاج، وان كان موثوقا به في الأضرار بالخلايا السليمة إذا أسيء تعريضها إليه.

وفاة مدام كوري

ظلت (مدام كوري) تحاضر في السوربون، وتجري بحوثها العلمية حتى هذا العام. فأصيب بفقر في الدم وانتقلت إلى مصح حيث ماتت في الساعة الرابعة من صباح 4 يوليو سنة 1934 بعد أن خلدت اسمها في صحائف المجد.

وقد خلفت (مدام كوري) وراءها ابنتها مدام (جوليو) زوجة العالم الفرنسي الأستاذ (جوليو). وهي كوالدها شغوفة بالبحوث العلمية، وهي تسلك نفس الدرب الذي شقه والداها من قبل. فقد أجرت مع زوجها في سنة 1931 بعض تجارب في إطلاق (الدقائق الألفية) على عنصر (البريليوم) مما كان من نتيجته الوصول إلى معرفة أحد الأحجار البنائية في الكون وهو (النترون). فان لازمهما التوفيق فسيكون للعلم (مسيو ومدان كوري) آخران.

مصطفى محمود حافظ

مدرس بمدرسة المعلمين بامبابه

ص: 66

‌القصص

من الواقع

طارق الليل

للأستاذ أديب عباسي

كان ذلك في ليلة من ليالي الحرب الكبرى وفي شطرها الأخير، وكنا يومئذ لا نعلم من أهوال ذلك الصراع العنيف إلاّ ما يستطيعالصغار - وما رُكّب في رءوسهم من عقول محدودة - أن يعلموا. فلم تكن الحرب عندنا إذ ذاك إلا تلك القترة وذلك الوجوم يعلوان وجوه الكبار، وإلا ذلك القلق المقيم في اللحاظ، وتلك الهمسات يتبادلونها فيما بينهم، ولا ينُون في التلطف حيناً والمخاشنة حيناً آخر، ليصرفونا عن الاستماع والإصغاء إليها. ولكنها كانت محاولات فاشلة، إذ ليس شيء أعلق بنفوس الصغار وأخلب للبّهم وألصق بخيالهم وأدعى لفضولهم من حديث يتسارُّ به الكبار فيما بينهم، ثم يُراد لهم ألا يُلمُّوا منه بشيء. فكنا - لنرضيهم ونأمن مناكدتهم - ننأى ونصد عنهم لاعبين ظاهراً، وننكفئ عليهم بالسمع نرهفه لنلتقط ما يتسارُّون به ويتهامسون. فلم يكن يفوتنا شيء من أحاديثهم عن الحرب، وما يقدرونه لها من استطالة، وما يترقبون من مفاجآت، وما يخشون من عواقب، وما يتوجهون به من عطف، وتمنى الانتصار لهذه الدولة أو لتلك.

على أن أظهر ما كان يبدو من آثار الحرب هو ما كنا نلمحه من مظاهر الفاقة والحاجة إلى الغذاء؛ وهو أثر ليس للتجمل والابتسام المقسور عليه حيلة. فالحزن والغضب، والحب والفرح، والبغض والعطف، والكره والحقد والخوف، جميعهاً يستطيع المرء بالمران والممارسة أن يروض نفسه على إخفائها، بل والظهور معها في عكس مظاهرها الصحيحة. ولكن الجوع إذا أزمن لا يستطيع وجه أن يخفيه مهما رُزق صاحبه من قدرة على الإخفاء وحيلة في التمويه.

أقول: كان هذا أكثر مظاهر الحرب بُدُوّاً عندنا وأشدها بروزا: وماذا ينتظر ممن كان في سننا وفي مثل خبرتنا غير هذا؟ وهل كان بوسعنا أن نستشرف من حوادث ذلك النضال غير هذا الأثر الذي لم يستجد علينا مع الحرب غيره؟ في الحق أننا لم نكن نعي من معاني

ص: 67

تلك الحرب في ذلك الحين سوى أنها شدة تقاسي فيها المعدة وتوابعها أشد ما يقاسي، وهي نظرة لم تكن من الضحولة وقرب الغور على قدر ما حسبنا لها فيما بعد، حينما بدأنا نقرأ عن الحرب في بطون الكتب وفي ثنايا الخطب! وهذا في الحق مما يُحسب للطفولة من بداهة مسدَّدة وإلهام صادق. ومن منا يشك بأن أقسى ما قاساه الناس عموماً في الحرب هو الجوع، حتى بين الجنود الذين كانت تشويهم نيران المدافع وتجزّئهم قذائفها!

أوينا إلى فراشنا ليلتئذ على هدهدة قبضة من الأخبار المتناقضة عن الحرب مما ترشَّح إلى البلدة النائية. وكنا نتلقى هذه الأخبار في كثير من الاستمتاع واللذة. وما هو إلا أن أغمضنا أجفاننا حتى نُقلنا من عالم الواقع المنغص إلى عالم الأحلام والرؤى اللذيذة: من عالم الحرمان إلى عالمالرغائب المحققة والمتع الدانية. فكان لنا من شهي الحلوى التي حرمتنا الحرب ما نشتهي، ومن طريف اللعب التي غابت مع الحرب ما نختار. على أنها كانت لعباً من نوع آخر غير الذي ألفنا. فهي لعب صورها مشتقة ومؤلفة من الأوصاف التي كانت توصف بها أدوات الحرب يومئذ: طيارات تئز في الفضاء، وسيارات تنهب الأرض وتتخطف الأميال، ودبابات تجوز الوهاد وتتخطى العقبات، وأمور أخرى شتى. وكنا في يومنا يشنُّ بعضنا الغارات على بعض، وسلاحنا هذه الأدوات التي أعارها لنا الخيال، فلم يكن يكلفنا اقتناؤها جهداً ولا نقدا، إلا أنها متع لم تدم، وأحلام رُوّعت؛ فقد هببنا مذعورين بعد موهنٍ من الليل على طرق يُوالي دراكاً على باب أحد الجيران. وأصخت بملء جوارحي أتبين ضوضاء السيارات وقعقعة المدافع، ورغاء الطيارات، فيتصل ما بين يقظتنا والمنام: وهي الصورة التي تبادرت حالاً إلى الذهن بعد ذلك الليل الحالم وبعد تلك الانكسارات والانتصارات التي عالجناها نياماً.

وأطللت فيمن أطلَّ من خصاص الباب نتبين الأمر ونجتلي الواقع، وكلٌّ في ذهنه - على ما أقدّر - صورة تباين ما في ذهن الآخر تبعاً لأول بوادر الخيال المروَّع والبداهة المجفلة. ولم نلق صعوبة في تبين الطارق؛ فقد كانت ليلة قمراء فائضة النور كشفت لنا عن شخص في بقية أثواب لا ينفكُّ يقرع الباب بجُمع يده قرعاً فيه عنف وفيه شدة، يصيح بين الفينة والفينة في نبرات شديدة يطلب فيها فتح الباب ممن كان وقتها وراء الباب

أما صاحبنا الذي كان الطارق يقصده بالطرق، وبهذه الصيغة الآمرة بفتح الباب، فقد ذهب

ص: 68

به الخيال مذهباً آخر. وهل يتجه في مثل هذا الحال إلى غير اللصوص خيالُ من امتلأت صناديقه بالذهب وفاضت بالأصفر الرنان؟ إن صاحبنا كان على ثروة لا بأس بها في مثل ذلك العهد. فقد كان صاحب مطحنتين، وكان لا يتخلّى عن صاع القمح بأقل من خمسة مجيديات، ليس من طمع أو جمود عاطفة كما كان يقول، بل لأنه حلف حلفة لا يبيع الصاع بأقل من هذا المقدار!! فكانت تجيئه المرأة وبيدها الخمسة مجيديات تنقص بضعة قروش تروم بها دفع أجور الطحين في مطحنته، فيبادرها بهز الرأس مشيراً في أسف إلى يمينه التي أقسم والتي ستجرُّه إن هو حنث بها إلى الجحيم!

أيقن صاحبنا إذن أن لصاً شديداً جاء يقتحم عليه الدار عنوة، وإذن فليتحصن ما تيسر له أن يتحصن، وليتخذ من العدَّة كل ما يستطيع من عدة، وليضع من الصناديق وراء الباب ما يضع، وليأخذ بيده مسدسه محشوا، وليوسط بينه وبين الباب أمه العجوز يتترَّس بها، ففي جسمها الدسم الغني بالشحم واللحم، وفي قامتها العريضة المديدة وقاء له إذا هم هذا الواغل بشيء من خلف الباب، وتشجع صاحبنا المحاصَر ونادى يصوت كالحشرجة: مَن الطارق؟! من الطارق؟! فجاءه الجواب زيادة في الطرق ولجاجة في النداء والطلب. وتكرر السؤال الذي جعله الرعب على وتيرة واحدة، وتكرر الجواب الذي جعله الاصرار على وتيرة واحدة أيضاً.

وقال كبيرنا: ليس هو باللص الذي يخشى. وعهدنا باللصوص لا يقتحمون المنازل على السكان، بل هم يتسلّلون إليها في غفوة من الناس وغفلة من الحراس. وهو كذلك ليس بالسائل والعهد بالمتسولين يقرعون الأبواب قرعاً خفيفاً في أبصار غضيضة، ورؤوس منكسة، وأصوات خفيضة لا تكاد تبين، إلا الأغرار منهم الذين لم يجربوا ولم يعرفوا من طباع البشر ما يعرف المتسولون المجربون.

ولم نشأ أن نطيل الحدس والتخمين، فتوجه كبيرنا إلى الطارق وسأله في جفاء ماذا يريد في ذلك الهزيع من الليل، ولم ذلك القرع العنيف والنداء الصاخب؛ فأجاب في نظر شارد وفي غير أناة:

لقد مضى علي ثلاثة أيام لم أطعم طعاماً، فأوشكت أن أهلك وقد طرقت فيمن طرقت حياً من أحياء الأعراب المخيمين في ضاحية البلد الجنوبية على بعد غلوتين أو ثلاث، فوصفوا

ص: 69

لي هذه الدار من البلدة، وقالوا انك واجد هناك قوتاً ومأوى ليلتك هذه، وعساي لم أخطئ الاستهداء.

وهم كبيرنا ليدخله بعد الذي عرف من أمره دون أن يزيد في سؤاله، فينال بعض الطعام ويبيت ليلته. غير انه حدث في هذه اللحظة ما راعانا جميعاً: ذلك أن صاحبنا المحاصر، بعد أن أنس إلى أصواتنا ولهجة الحديث الذي دار بيننا، وأيقن أن الأمر من الخطورة على غير ما توهم وجسم له الخيال الزائغ. ففتح الباب بعنف ظاهر، والمسدس يلمع في قبضة يده والعصا في قبضة يده الأخرى، ولم يتريث لنوضح له جلية الأمر، بل أقبل على المسكين بهراوته الثقيلة وانهال يكيل له بلا حساب حتى كاد يقضي عليه بين أيدينا، لولا أن لطف المولى وتداركه برحمته فسقط مما ناله بين أيدينا التي جعلنا منها شبه حاجز بين عنف الرجل المهاجم وضعف هذا الطارق. ولم يستطع صاحبنا معها أن يستعمل العصا فاندفع يكيل له بقبضة يده حيثما وجد سبيلاً إلى ذلك من بين أيدينا. وأدرك كبيرنا أي شيء يصير إليه الرجل إذا لم يحل حيلولة تامة بينه وبين مهاجمه المحنق، ولم تسعفه سنه من أول الأمر في تخليص الرجل، فلجأ أخيراً إلى أسلوب فيه شيء من القسوة، ولكنه الأسلوب الذي لم يكن بالإمكان ارتجال ما يفضله في هذا الظرف الحرج. فقد أمسك بتلابيب الرجل وجره إلى حيث استطاع أن يوقيه من لكمات مهاجمه الذي أراد أن يثبت لنا بعد ذلك الموقف من الجبن أنه على شيء كثير من البأس والأقدام

وبعد أن هدأ روع الرجل وتناول بعض الطعام أقبلنا نلومه مشفقين، وسألناه ما شأنه ولِمَ لم يختر له غير ذلك الأسلوب الغريب للاستجداء واستدرار العطف. فأجاب عن أسئلتنا جميعاً بقوله:

إنني جندي من فلول الجيش التركي في فلسطين، طوح بي السير إلى هذه البلاد بعد أن نال مني الجوع والتعب أقصى ما ينالاه من حي. فقد كنت لقلة خبرتي بالطرق أسير من البلد الواحد أبغي بلداً آخر فانتهى غالباً حيث أبتدئ، وأبتدئ حيث أنتهي. وكنت حيناً أصيب طعاماً أو شيئاً شبيهاً بالطعام وأحياناً أمضي ساغباً أياماً لا يخالط الماء في جوفي شيء من الزاد، وآخر عهدي بالطعام - كما أخبرتكم - كان منذ ثلاثة أيام. فقد استجديت واستجديت، مصطنعاً كل أساليب الخشوع وأنواع الضراعة، ولكن في غير طائل. وأخيراً

ص: 70

وصلت ذلك الفريق من الأعراب فوصفوا لي هذه الدار، فآليت لا أصبر زيادة عما صبرت فإما شبع يرد إلي الحياة، أو موت أرتاح معه من ذلة السؤال وآلام الجوع. وعوّلت على أمر. قلت أبادر أصحاب الدار بالعنف والصياح: فان كانت فيهم بقية من رحمة وآثار من إنسانية لم يمنعهم صياحي إذا ما شاهدوا ما أنا فيه، من الرثاء لحالي والجود على بشيء. وان كانت الأخرى وكانوا كبقية الناس نالني منهم ما أرجو معه أن أضع حداً لهذه الحياة المثقلة. وحياة الجندي - كما قد تعلمون - لا تساوي في هذه الأيام شيئاً، ولا تعسر على أحد، ولولاكم - جزيتم خيراً على كل حال - لكانت هذه آخر ليالي من الشقاء.

ولحظت عند هذا الحد من حديث الرجل الدمع يجول في عينيه بين متحير ومتحدر، يهبط به الحزن لحظة، وتكفكفه الرجولة أخرى. وكأنه آنس مني عطفاً صادقا عليه وإشفاقا على ما صار إليه، فأقبل علي يحدثني ويبثني شكواه. وأغلب اليقين أنه لم يكن يعتقد أنني مدرك إلى أي الأغوار والأعماق النفسية تنحدر آلامه وأشجانه. إلا أن ذلك لم يكن يمانعه قط عن الحديث. والمرء إذا زخرت نفسه بالألم وأترعها الحزن تحدث إلى كل شيء، تحدث إلى نفسه، تحدث إلى سواه، تحدث إلى الأطفال، تحدث إلى الحيوان، تحدث إلى الجماد، تحدث إلى لا شيء، فكأن المرء في ذلك الإناء يمتلئ فيفيض بالزائد على ما حوله.

كشف الجندي عن صدره وأراني أثر جرحين أو ثلاثة، وكشف عن ساقه وأراني مثل وشرع يقول: أترى يا ولدي؟ هذا بعض نصيبنا من هذه الحرب. هذا بعض ما أصابني. ولكنني كنت كلما أصبت أتغلب على آلامي وأتحامل على نفسي فألوذ بربوة أو اهبط حفرة تقيني زيادة الأذى إلى أن ينصرف العدو أو يزول الخطر، فأقوم إذا كنت قادراً، أو أحمل إلى حيث أعالج، لأعود إلى القتال أمضي عزيمة وأشد بأساً. ولكن الزمن - يا بني - والجوع والخذلان، قد ذهبت بالكثير من قوانا وصبرنا، فعدنا لا يهمنا أكنا في الطليعة أم في المؤخرة. وأخيراً رأيتني على غير إرادة مني أتخلف عن الجيش وأهيم على وجهي في غير قصد أو اتجاه، إلى أن انتهى بي المطاف إلى هذا البلد ثم هذه الدار، فنالني ما نالني على يدي ذلك العلج الذي كاد يميتني بهراوته. . . أهذا يا ولدي جزاء هذه الجراح؟ أهذه خاتمة الجندي الذي يدفع عنكم عدوان الأعداء بدمه وحياته؟! إنني من غدي مسلم نفسي إلى أقرب سلطة عسكرية تفعل بي ما تشاء. ذلك خير لي وأبقى.

ص: 71

والتفت إليه عند هذا الحد من حديثه وخاطبته متحمساً:

نعم! ذلك أفضل يا عماه. لو كنت محلك ما فعلت غير هذا. انك هناك لا تضرب بالعصى على ما أعتقد ولا تجر على الأرض:

ونظر ألي المسكين نظرة ذاهلة حزينة وقال:

نعم يا بني، سوف لا يضربونني بالعصي، لأن العصي ليست جزاء من يتخلف عن واجبه في الجندية! إنما هي قطع من الرصاص صغيرة يدفنونها في أحشائنا أو يولجونها في رؤوسنا، فنضحي وكأن لم نكن. ولكن يميناً غموساً لن يحول هذا دون ما أنا عازم عليه من غدي!

وخُيل إلى كأنني أدركت معنى هذا الكلام الغريب فراعني من الرجل هذا العزم، ونظرت إليه في رعب ظاهر وذعر متوسل، وبعد لحظة من الصمت خيل ألي فيها أن الرجل يتذكر أموراً ويستعيد صوراً رفع عينيه وقال:

كلا يا ولدي الصغير! كلاّ! سأجاهد إذا في سبيل الحياة، سأحاول أن أعيش. إن لي صغيراً في سنك. لقد نسيته حينما أقسمت، ولكنني الآن أذكره. انه ينتظرني الآن: ينتظر أن يطوقني بيديه الصغيرتين. سأعيش، سأعيش

وانحدر الدمع المعلق في مقلتيه منذ حين، وذهب يسير في أخاديد وجهه المجعد. وكان بعضه يقع على الأرض وبعضه الآخر تتلقاه كفه وفيها قِدّة من القماش أخذها من بقية قميص على صدره

وعدت إلى فراشي وليس أقر مني عيناً، وليس أدمي مني قلباً كذلك.

أديب عباسي

ص: 72

‌المغفل المخدوع

(إذا أصيب الرجل بداء الغفلة فقد الثقة من نفسه، وعاد لا ينظر بعينه، ولا يسمع بأذنه، ولا يفكر بعقله)

أولع ملك من الملوك بالجديد من الثياب، فكان يتأنق في لباسه التأنق كله، وأصبح لا يرى اللذة إلا في الأغراب فيه، وكثرة الإنفاق عليه، وما كان يعبأ بعد ذلك بأمر أمته، فترك الجند هملاً، وهم حصن الأمة وسلسلتها الفقرية، واحتقر علماء الدنيا والدين، وهم مصابيح الكون يضيئون الحياة؛ ويبصرون الناس بسبلها المعوجة وطرائقها العجيبة؛ وكان لا يذهب إلى التمثيل حباً فيه، وإنما ليعرض على الناس زخرف ملبسه وجميل هندامه، وكان لا يخرج للنزهة ترفيهاً لأعصابه واستمتاعاً بجمال الطبيعة، وإنما ليدهش من يقابل، ويثير فيه عاطفتين: العجب من تأنقه، والإعجاب بذوقه.

مرت الأيام هادئة في حاضرة الملك الواسعة، وأخذ يأتيها الناس من كل فج عميق. وفي ذات يوم قدم إلى الملك لصان متشردان، ضربا في فنون الاحتيال السهم، وذهبا في صنوف الخداع كل مذهب، وتظاهرا أنهما أستاذان مبرزان في النسج والحياكة؛ فأقبل عليهما الملك بسمعه وبصره. ثم قالا له:(أيها الملك المعظم، إنا نريد أن نقدم لك خدمة جليلة، إذ أنت بها خليق، وهي بك أنسب، إنا نستطيع أن نعد لك ثوباً شفيفاً جميلاً لا يراه عليك ألا من كان مخلصاً لك، معجباً بك، أو كفؤاً في عمله، قديراً عليه).

فتهلل الملك واستبشر وقال: (لله دركما يا صديقي، ما أكرمكما وما أجمل صنيعكما، إنني ولا شك أصبح بما تنسجان وتحوكان بصيراً بأحوال الخلق جميعاً، فأعرف من كان لا يحسن عمله، ولا يصلح للقيام بما وكل إليه، وأعرف كذلك المخلص من المخادع المداهن، فأبدأ من الساعة بهذا العمل الخطير، وأنا أعرف كيف أجزل لكما العطاء).

ثم أمر الملك أن يعطيا مبلغاً كبيراً من المال، وأُخلي لهما قصر رحيب على مقربة من قصر الملك، ثم انتشر الجند حوله يحرسونهما من اعتداء المعتدين (من غير المخلصين وغير الأكفاء!)

جلس اللصان المحتالان في القصر الجديد، ونصبا المناسج والأنوال، وتظاهرا بالجد في العمل، والمثابرة التي لا تعرف الملل، وطلبا من الحرير أرقه وأنعمه، ومن الخيوط الذهبية أدقها وأنقاها، فجئ لهما بما أرادا؛ ولما انفردا في المكان وضعا الحرير والخيوط وما أخذاه

ص: 73

من المال في حقيبتيهما، وجلسا إلى مناسجهما القائمة يديرانها على لا شيء، لا خيط عليها ولا قطعة حرير، يديرانها بهمة غير محدودة الليل كله، والملك في قصره ساهر يسمع أزير المناسج والأنوال، وهي لا تضعف ولا تخمد. وأخذ النعاس يغالب جلالته حتى غلبه وأخضعه لسلطانه، ولم بنزح عنه حتى تنفس الصبح، وجلا الليل جلاء تاماً، فقام الملك مسرعاً إلى نافذته، تواقا إلى معرفة ما قد تم، وأخذ يقلب وجوه الآراء فيمن يبعث، فقر رأيه على رئيس وزارئه، وما كان أخلص منه ولا أكفأ في نظر الملك.

كلف الوزير الأكبر بهذه المهمة الشاقة، فانطلق في سبيله واثقاً من نفسه، ودخل على الدجالين الكاذبين فوجدهما يتصببان عرقاً، ويديران المناسج الفارغة بالقوة والعزم اللذين يميزان عمل المخلصين المصممين على النجاح، فدهش الوزير الجليل وقال في نفسه:(ماذا أرى؟ أيمكن أن أكون غير مخلص للملك أو غير جدير بمكانتي الاجتماعية العالية؟ أيمكنأني لا أرى ولو قطعة صغيرة من الخيط أو الحرير على هذه المناسج القائمة الدائرة. لله ما أشقاني!) ثم صدر من اللصين سؤال قطع عليه تفكيره الصامت، إذ طلبا منه أن يقترب قليلاً من المناسج ويخبرهما برأيه في اتساق الألوان، ودقة التطريز وجمال الأشكال، ثم أشارا في الوقت نفسه إلى مناسجهما الفارغة.

اقترب الوزير الخطير ووضع منظاره على عينيه ليري ما لم تبصره عينه المجردة. نظر فلم ير شيئاً. ثم رجع البصر كرتين فعاد البصر إليه خاسئاً وهو حسير. اتهم الرجل نفسه وكفايته ودب الحزن في قلبه. وقال في نفسه: لا لا! لا يمكن أن يعرف الناس عني أنني غير مخلص أو غير كفء، ولن أعترف أبداً أني ما رأيت النسيج الشفاف.

لم يكد السيد الرئيس يفرغ من خاطرته المشجية المضحكة حتى فاجأه أحد المحتالين بقوله: (سيدي، يظهر أنك لا تبصر محاسن ما قد صنعنا.) فأجابه الوزير: (لا أبصره!! ومن ذا الذي يستطيع الإبصار اذن؟ ما أبدع ما أرى وما أدقه، بنفسي تلك الألوان المتسقة. وهذه التصاوير الرائعة. و. . و. . . نعم سأخبر الملك سريعاً بهذا البدع وهذا التفنن) فشكره اللصان شكراً جزيلاً على حكمته وكفايته. وأخذا يشرحان له الأشكال المختلفة الموهومة. ويذكران أسماء الألوان. ويبينان مواضع الحسن في ذلك القماش الخيالي. والوزير يصغي إليهما ويهز رأسه لبعض ما يسمع حتى يسرده على الملك عند عودته حرفا بحرف

ص: 74

رجع الوزير والهم حليفه إلى الملك، وأخذ يصف ذلك الجمال الذي سمعه بأذنه. وعجز عن رؤيته بعينه. والملك يترنح عجباً وسروراً. وفي اليوم التالي بعث الملك ضابطاً من ضباطه الذين سمعوا وصف الوزير وإعجابه بما شهد. فذهب الرسول ولم ير من المناسج إلا خشبا قائما لا شئ فيه. ولكنه اتهم عينيه واتهم كفايته وأخذ يفكر تفكيراً هو الحريق الداخلي ويقول لنفسه:(لا شك أني غير كفء لمكانتي ذات الأجر الكبير. أف ما أتعسني! كيف أعجز عن إبصار ما رآه السيد الرئيس وافتتن به؟ لا يجوز أن يعلم أحد عني ما أعلمه الآن من نفسي.) ثم ارتفع صوته فجأة بالإعجاب والمديح، وعاد إلى الملك يبالغ في الثناء. فازداد الوزير (وكان حاضراً) اتهاماً لنفسه وكفاءته. وسر من كذبه الصالح. ثم عزم الملك على زيارة تلك المناسج العجيبة. فقام مع حاشيته ورئيس الوزراء والضابط الممتاز وذهبوا إلى اللصين جميعاً

دخلوا حجرة اللصين فصاح الوزير الأكبر صيحة العجب والإعجاب: (ما أجمل ذلك الزخرف. وما أدق هذه الصنعة! وما أبدع تلك الألوان المتداخلة. وتلك الأشكال المتماثلة.) ثم صاح الضابط: (يا الله! ما كنت أحسب قبل اليوم أن في طاقة الإنسان أن يعمل كل هذا البدع: ثوب شفيف مطرز. وبالأشكال الجميلة مزخرف. وهو مع ذلك لا تراه إلا عيون المخلصين والأكفاء، ولا تلمسه الأيدي ولا تدركه الظنون.)

فوجم الملك وقال في نفسه: (ما هذا؟ ألا أرى شيئاً؟ إنها لمصيبة كبرى؟ هل يمكن أن أكون معتوهاً أو غير خليق بالملك؟ لا. لابد أن أسدل على الأمر ستار الخفاء.) ثم صاح (حقاً ما أجمل ذلك القماش! إني راض عنه الرضى كله) ثم ابتسم وحدق في المناسج الفارغة. ولكن هيهات لنفسه الضعيفة أن تنكر وجود شيء أقره رجلان من كبار رجاله!! وانطلق رجال الحاشية يحدقون كذلك ويصيحون: بديع! مدهش! فخم! عجيب! رائع! تلك كانت الصفات التي أخذت ترن في أنحاء المكان الواسع. ثم عطف الملك على الحائكين وأجزل لهما العطاء ورفعهما إلى الدرجات العالية، وقرر الملك أن يلبس تلك الحلة الرائعة ويسير في موكب فخم في أنحاء المدينة يعرضها على الأنظار. .

جاء يوم الاحتفال - ذلك اليوم المشهود - فخرج الناس من منازلهم، وساروا زرافات في الطرق، حتى فاضت بهم السبل، وكأن الأرض صفحة كتاب، سطورها الشيوخ والشباب.

ص: 75

أما الملك فقد جرده اللصان من ملابسه إلا قميصه وسرواله، ثم أوقفاه أمام المرآة، وأخذا يروحان ويجيئان، ويرفعان أيديهما ويضعانها، ويديران الملك أمام المرآة ليرى الحلة الجديدة، وأفراد الحاشية وقوف بين متعجب ومسرور، ثم صاح اللصان أن قد تم كل شيء فتقدم الخدم إلى رفع الذيل الموهوم لتلك الحلة الخيالية، وسار الملك في طليعة السائرين، والوزراء والأعيان حوله ووراءه، والنساء مطلات من المنافذ والشرفات، والناس منهومون بالنظرات. وما وقعت عيونهم عليه حتى علا الصياح يشق جوف الفضاء:(ما أجمل الثوب، وما أبدع الذيل)!!. . .

وهكذا ظل كل إنسان يخدع نفسه ويكذب عينيه، ظناً منه أنه وحده قد عجز عن رؤية الثوب، وأن الباقين يرونه كما يرى بعضهم بعضاً. واستمر الحال كذلك برهة والناس جميعاً خادعون ومخدوعون، ثم صاح طفل ساذج:(ليس على الملك ثوب جديد! الملك عريان!) فبهت الجميع. . . ثم صاح شيخ كهل:

(اسمعوا صوت الحق، اسمعوا صوت الطبيعة التي لا تعرف الملق والنفاق). فاغتم الملك غماً شديداً إذ علم أن ما قاله الطفل حق صراح، يبصره هو ويشعر به، ثم عاد أدراجه بين سخر الساخرين، واستهزاء الضاحكين.

م. ك

ص: 76

‌سيوة

تقع واحة سيوة في صحراء مصر الغربية على الحدود ما بين مصر وطرابلس على مسافة مائتي ميل جنوبي السلوم وأربعمائة ميل غربي وادي النيل.

ويمكن القول أنها الواحة الشمالية من سلسة واحات تتبع إحداها الأخرى من الجنوب إلى الشمال في صحراء (ليبيا) وكان الأقدمون يسمون هذه الواحات (بالأراضي المقدسة) لأنهم كانوا يعتقدون أن الآلهة منحت هذه البقاع ماء وسط تلك الصحراوات القاحلة، ولأن هذه الواحات قد حمتها الطبيعة بأن أحاطت كل واحة منها بسلسة من جبال كلسية تمنع عنها الرمال الدقيقة التي تحملها معها الرياح، إذ لولا هذه الجبال لغطتها كثبان الرمال وجعلتها في عالم النسيان، كذلك عيون الماء المتفجرة في هذه الواحات سببت الحياة والرخاء وسط ذلك المحيط القاحل غرب وادي النيل.

تتكون سيوة من عدة واحات صغيرة متجاورة تقع في منخفض من الأرض يبلغ طوله حوالي ثلاثين ميلا وعرضه ستة أميال تقريبا، وينخفض عن سطح البحر حوالي عشرين متراً تكتنفها صحراء جرداء محرقة لا تسقط فيها الأمطار

ولقد زارها الاسكندر الأكبر حينما غزا مصر وتبرك بزيارة معبد (جوبيتر آمون) إرضاء للكهنة المصريين ورغبة منه في إظهار احترامه لدينهم

يبلغ عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة، وهم سلالة أقوام قديمة من البرابرة، ولا يشبهون أعراب الصحراء في شيء. ولهم لغة خاصة بلهجة ولكنة غريبتين، ولعلها لغة أجدادهم البرابرة القدماء، والغريب في أمرهم أنهم يتكلمون بتلك اللغة، ولكنهم لا يتكاتبون بها، بل إنهم يتكاتبون باللغة العربية، ولا شك في أن بقاء هذه اللغة البربرية راجع إلى بعد الواحة عن العمران، وصعوبة المواصلات بينهما وبين الأجزاء الأخرى من القطر فقل اختلاط السكان بالمصريين والأعراب، بل إن أهالي سيوة لهم عادات خاصة، وطباع تخالف في جوهرها طباع وسكان وادي النيل

ليس لهذه الواحة تاريخ معروف، بل إن ماضيها مظلم، وليس من سبيل لإلقاء أشعة من النور لمعرفته إلا إذا قامت بعثات علمية بالحفر في جبالها وآثارها والتنقيب في معابدها وخرائبها حتى يمكن أن يرفع ذلك الستار الكثيف عن تلك المدنية البائدة الغربية

والطريق الأكثر استعمالا للوصول إلى سيوة هو من مرسى مطروح والسلوم، ويمكن

ص: 77

للسيارات الصغيرة الخفيفة أن تقطع ما بين مرسى ومطروح وسيوة في ثماني ساعات. أما السيارات الثقيلة المعدة للتحميل فتقطع المسافة في يومين، وتقطعها الجمال في سبعة أيام، ويقطع كثير من أعراب الصحراء المسافة من شاطئ البحر الأبيض إلى سيوة مشيا على الأقدام وهي مسافة لا يستهان بها إذا أضيف إليها ندرة الماء في الطريق.

وكل ما يعيش عليه الأعرابي في الطريق، قليل من التمر ولبن الناقة وقطرات من الماء، وبهذه المناسبة أقول إن السيارات لم تبدأ بالسير بين مرسى مطروح وسيوة إلا منذ سنة 1926 أما قبل ذلك فالمواصلات بين البلدين كانت بالجمال، غير أنه حدث أن زار الخديو السابق عباس باشا سيوة سنة 1905 مع بعض الألمان الذين كانوا ينقبون عن الآثار في مدينة (سانت ميناس) القديمة التي تقع في الجنوب الغربي من الإسكندرية وكان بصحبته الهر إيوارت فولز وقد قطع المسافة لسيوة على عربة مكشوفة (فيتون) تجرها جياد تستبدل بغيرها كلما أصابها الكلال والتعب. وهذه هي المرة الأولى التي سارت فيها عربات ركوب في الصحراء في تاريخ سيوة الحديث، وتألفت حملة الخديو السابق في هذه الزيارة من أربعة علماء من الألمان وعشرين جنديا واثنين وستين حصانا و288 جملا لحمل الأمتعة. هذا عدا خدم الخديو الخصوصيين.

وتهتم مصلحة الحدود الآن بإصلاح الطريق ما بين مرسى مطروح وسيوة. فهي تزيل الصخور من الطريق وتضع مخلوطاً من خرسانة الأسمنت في المواضع التي يغطيها مطر الشتاء، ثم إنها أصلحت بعض المستودعات القديمة الرومانية التي تجمع فيها الأمطار وسقفتها بأسقف من خرسانة الأسمنت وعملت فيها فتحات حتى يتمكن المارة من أن يحصلوا على الماء بإلقاء دلو مربوط في حبل كي يأخذوا ما يشاءون من الماء، وحتى لا يضيع أي قدر من ماء الأمطار، وازدادت تلك العناية عقب زيارة حضرة صاحب الجلالة الملك الأخيرة سنة 1928 إذ أن مصلحة الحدود تعمل على إيجاد أكبر عدد من مستودعات ماء المطر في طريق الصحراء بين مرسى مطروح وسيوة لدرجة أن العربي الذي يقطع المسافة سائراً على قدميه يمكنه أن يجد في طريقه كل يوم مستودعاً فيأخذ منه ما يحتاجه من ماء يكفيه طول اليوم، ومن أكبر هذه المستودعات أو الآبار هو بئر جلالة الملك فؤاد الأول عند البويب وهي منتصف المسافة تقريباً بين مرسى مطروح وسيوة، وتوجد آبار

ص: 78

أخرى في الطريق أذكر منها بئر الكنائس والحجفا وغيرها.

يقطع المسافر من مرسى مطروح الصحراء الغربية في رقعة من الأرض متشابهة الأشكال والمنظر لا تتغير فيها، فهي رمال صفراء تغطيها قطع صغيرة من الأحجار المتناثرة هنا وهناك، ويمر في طريقه ببعض التلول الصخرية القاتمة اللون، ولا يرى إلا سراب الصحراء على امتداد البصر، ولقد رسمت السيارات دروباً واضحة في الصحراء بحيث أصبح السائقون على إلمام بها بحيث لا يضلون الطريق كأنما هم يسيرون في شوارع البلاد الآهلة بالسكان، وقبل الوصول إلى سيوة بما يقرب من عشرين كيلو متراً تبدأ العربات بالانحدار في طرق متعرجة وسط الصخور التي تحيط الواحة، ولا يزال هذه الطرق تنحدر في ميلها تدريجياً حتى تتمكن السيارات في نهايتها من الوصول إلى الواحة نفسها، وذلك الانحدار طبيعي لأن هضبة الصحراء ترتفع عن سطح البحر، بينما الواحة نفسها منخفضة عن سطح البحر حوالي عشرين متراً، وما أن ينتهي ذلك الانحدار حتى ترى أشجار النخيل وقد مالت كل منها على الأخرى وكأنما هي عرائس وضعت على رؤوسها أكاليل من أوراق الربيع الخضراء، وتراها وهي في وسط الواحة الهادئة الساكنة كأنما تسر كل منها للأخرى أسرار الكون وأسرار وجود الحياة وسط تلك الصخور الصامتة الخرساء. ولا شك في أن القادم على سيوة حينما يقع بصره على أشجار الزيتون والنخيل يشعر بالفرق الشاسع بين تلك الصحراء المملة برمالها ودروبها، وبين تلك الواحة باخضرارها ووجود الحياة البالغة فيها، ثم يستمر السير وسط حقول الواحة وقد أحيط كل حقل بسياج من جريد النخل الذي لفحته حرارة الشمس فتحول لونه من أخضر زاه إلى أصفر ذهبي، وبعد مسير بضع دقائق تصل وسط البلدة مركز سيوة.

(يتبع)

كابتن

ص: 79

‌الكتب

رسائل سائر من بلاد العرب إلى بلاد اليونان

بقلم صاحب الفضيلة الشيخ محمد سليمان

من الأمور اليسيرة العسيرة، السهلة الممتنعة، التي تستعصي إجادتها إلا على ذوي الأفهام النادرة، والأقلام القادرة، وإن خدعت ظواهرها، وخيل لأوساط الكتاب أنها هنة هينة، تستطيع أرباع الأقلام وأنصافها أن تجول فيها وتبرز، هي تصوير الشعوب تصويراً صادقاً ناطقاً قوياً رائعاً. . يروى عن سائح فرنسي زار انجلترا، أنه لم يكد يقيم بها أسبوعا حتى حمل القلم وهم بالكتابة عنها، فلم يقطر قلمه إلا كلمات متقطعة وأسطر ركيكة فلم يشأ أن يرد ذلك إلى قصوره وعجزه، وزعم لنفسه أنها سبعة الأيام لا تجمع في الذهن محصولاً من الصور يكفي لإجادة التصوير، وعول على الإقامة شهراً كاملاً، فانقضى الشهر واهتز القلم، وانغمس في الدواة مراراً وجف مراراً، دون أن يهبط عليه الوحي الذي يرجو، ولكنه ليس عاجزاً ولا مقصراً، إنما هو الشهر لا ينفع ولا يجدي كاتباً يريد أن يجيد، فصبر حتى الفلك دورة كاملة، وانسلخ العام بشهوره الاثنى عشر، والذهن على ركوده والقلم على جموده، فأيقن بعجزه عن الوصف وارتحل

فليست الكتابة عن الأقطار والشعوب هينة لينة كما يبدو، إنما هي مرتبة عالية، تحتاج إلى قلب كبير حساس، يعي ما يرى من الصور وعياً تاماً ويحسها إحساسا قوياً، حتى لكأنه نشأ بينها ودرج في أحضانها، وإلى عقل راجح لا يميل به الهوى، فيزن القول وزناً دقيقاً عادلاً، وإلى قلم قدير ينطق بما يحسه القلب ويحكم به العقل. وقد اجتمعت هذه الأدوات الثلاث لدى الأستاذ الجليل الشيخ محمد سليمان، الذي طوف في أرجاء فلسطين وسوريا وزار بلاد اليونان، فلم يعوزه ذلك القلب اللاقط الحساس، ولا غربة فهو أبو التلاميذ جميعاً، الذي وسعت رحمة قلبه ألوف الأبناء، ولم ينقصه العقل الراجح المتزن العادل، فقد عرفته منصات القضاء أعواماً وأعواماً، فإذاما أحس قلبه وإذا ما حكم عقله، ألفيا قلماً بليغاً ينطقانه في بيان ساحر خلاب.

طوف الأستاذ في تلك الأنحاء، فأحس كثيراً وعلم كثيراً، فأملى على القلم إحساسه وعلمه، فصدع القلم ودبج فصولاً لست أعرف خيراً منها، أستغفر الله بل ما يدنو منها فيما كتبه

ص: 80

الرحالة المتجولون حديثاً، وأخذ ينشر تلك الفصول تباعاً في صحيفة سيارة، ثم نظمها اليوم في كتاب، حتى يطالعه الأخلاف كما قرأه المعاصرون، فكان هذا الكتاب القيم: رسائل سائر

قرأت الكتاب فراعتني منه جوانب ثلاثة: التصوير الدقيق، والملاحظة الصحيحة، واستخلاص العبرة، ولو أردت أن أسوق إليك الأمثلة لنقلت إليك الكتاب الذي أدعوك لقراءته من السطر الأول إلى السطر الأخير

على أن في الكتاب هنات يسيرة، كنا نرجو أن يبرأ منها كالتطويل القليل الفائدة في بعض المواطن، وقلة عدد الصور، وهذا القليل لم ينل حقه من الإجادة تصويراً وطبعاً، وكالإطناب في خالد بن الوليد، ومن رأينا أن ما يمكن تحصيله وأنت هادئ ساكن في مكتبك، ليس مما يحسن ذكره في كتب الرحالة، وبوقوع بعض الأخطاء اللغوية، أو التي نحسب أنها كذلك، ففي صفحة 7 يقول (ظاهرة حقة) ونظن أن الصفة هنا لا تؤنث كقولك رجل عدل وامرأة عدل. وفي صفحة 35 ذكر الريح مذكراً وأظنها أو يحسن على الأقل - أن تكون مؤنثة. وفي صفحة 38 ذكر (باقة زهر) والباقة لا تكون إلا للبقل، أما حزمة الزهر فيقال لها طاقة الزهر.

وإنما نذكر هذه المآخذ لضرورة ذكرها في مجال عرض الكتاب، على إنها لا تشوه من جمال الكتاب في شيء؟

زكي نجيب محمود

ص: 81