المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 540 - بتاريخ: 08 - 11 - 1943 - مجلة الرسالة - جـ ٥٤٠

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 540

- بتاريخ: 08 - 11 - 1943

ص: -1

‌2 - في المسجد الأقصى

للدكتور عبد الوهاب عزام

وقفت على شاطئ هذا السيل البشري حيناً ثم رجعت أدراجي إلى صاحبي الكريم في مصلاه، ودخلنا الحجرة التي تواعدنا اللقاء بها فرأيت على بعد خطيب المسجد الأقصى يمر إلى حجرته وهو في حلة خضراء وعمامة صلاحية، وهو زي يتوارثه خطباء المسجد الأقصى من عهد صلاح الدين؛ وهم من بني جماعة الكنانيين توارثوا هذا المنصب منذ القرن السادس إلى يومنا هذا، وإنه لشرف عظيم. كانت خطابة الجوامع الكبيرة منصباً مشرفاً في تاريخ المسلمين. وكثير من علمائنا يلقبون بالخطيب. وكانت هذه المناصب متوارثة يخلف فيها الأبناء الآباء وتحرص الأسر على شرفها، كما كانت في تاريخنا بيوت تعرف بالقضاء وأخرى بالفقه وهكذا. ذهبت إلى حجرة الخطيب فزرته وشرفت بمجالسته قليلاً ثم رجعت إلى حجرة الموعد ووافانا في موعدنا من الزمان والمكان الأستاذ المخلص فسرنا نطوف في أرجاء الحرم. بدأنا بقبة الصخرة ننظر ما كستها الصناعة والتاريخ من حلى أحدثها الرخام المجزع الذي فرغ منه المهندسون المصريون منذ سنوات قليلة. ولست أستطيع أن أحدث عن تاريخ هذه القبة العظيمة منذ شادها عبد الملك بن مروان إلى عصرنا هذا ولا أن أصف هندستها وجمالها وحلاها وأبهتها فقد ضمنت هذا كتب وصور كثيرة. وحسبي أن المقدسي يقول فيها بعد وصفها:(فإذا بزغت عليها الشمس أشرقت القبة وتلألأت ورئيت شيئاً عجيباً. وعلى الجملة لم أرى في الإسلام ولا سمعت أن في الشرك مثل هذه القبة) وكذلك أقول ما رأيت فيما رأيت من عجائب الأبنية في البلاد الإسلامية أجمل من قبة الصخرة. ويستطيع القارئ أن يرى مثالاً صغيراً ضئيلاً منها في القبة التي على ضريح السلطان قلاوون في القاهرة. ومن عجيب ما رأيت على جدران القبة من الخارج حجة وقف للسلطان برسباي وقف فيها بعض القرى على عمارة بعض الأبنية في الحرم. ولقد سجل وقفه في أطهر الصحف وأبقاها

وبجانب القبة قبة صغيرة ثمينة على مثالها غير أنها لا يحوط أعمدتها جدار. وقد قيل إن عبد الملك طلب أن يبني مثال للقبة قبل أن يشرع في هذا البناء الرائع العظيم النفقة، فبنى له هذا المثال فأعجبه، وبنيت القبة الكبرى على صورته. وقيل بل بنيت القبة الصغيرة من

ص: 1

بعد

وهذه القبة الصغيرة مصلى رأيت النساء يصلين فيه يوم الجمعة. وعلى صحن الصخرة وهو الدكة العالية الواسعة التي تتوسط ساحة الحرم الفسيحة قبة أخرى صغيرة جميلة تحتها قبة صغيرة تسمى قبة المعراج. وهناك حجرات أخرى متفرقة في أطراف الصحن

هبطنا إلى الساحة المحيطة بصحن القبة على أحد السلالم المحيطة به. ولهذه الدكة تسع سلالم ذوات درج طويل على كل منها عمد تنتظمه عقود فوقه، ومشينا ذات اليمين نساير السور الغربي من أسوار الحرم وقد توالت بجانبه أبنية تنميها عصور مختلفة، وتخلد عليها ذكرى كثير من سلاطين المسلمين. وحول أسوار الحرم من الداخل والخارج أبنية كثيرة كانت مدارس عمرت بالأستاذين والطلاب زمناً طويلاً، ودرت على المعلمين والمتعلمين بها خيرات كثيرة. وما أحراها اليوم أن تكون مأوى لعلماء من المسلمين يؤمونها من أقطار الأرض فيتداولون الإقامة بها والتدريس بالحرم حيناً! وما أجدر هذا التاريخ بأن يحفظ، وما أخلق هذه الذكريات بأن توعى! وكم اتصلت بهذه المدارس من تواريخ العلماء والأدباء

رأينا فيما رأينا هناك المدرسة الأشرفية التي شادها السلطان الصالح المعمر الذي تشهد له اليوم آثاره في بيت المقدس ومكة والمدينة ومواضع كثيرة في القاهرة - ذلكم السلطان أبو النصر قايتباي رحمه الله. وقد عجبت إذ قرأت فيما قرأت من ألقاب السلطان المنقوشة على البناء لقب (الإمام الأعظم) وما عرفته قبل اليوم لأحد من السلاطين

وقد صعدنا منارة المدرسة على قدمها ونيل الإعصار منها فأشرفنا على مرأى جليل من الجبال والأبنية القديمة والحديثة كأنما أشرفنا على عصور من التاريخ. وعلى مقربة من المدرسة سبيل جميل للأشراف برسباي من سلاطين المماليك. وقد جدده السلطان قايتباي سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، ثم السلطان عبد الحميد العثماني وقد سمي في الكتابة التي على السبيل بالخليفة الأعظم. وفي ساحة الحرم كثير من السبل والآبار الجميلة

وانتهى بنا السير مع هذه الآثار والذكر إلى التكية البخارية وهي التي اتخذت متحفاً إسلامياً، بعد أن ضم إليها قسم من مسجد النساء الذي يأتي ذكره. صفت في مدخل المتحف، وبداخل التكية، رءوس من العمد القديم التي كانت بالمسجد الأقصى ونقوش وحلى وكتابة من آثار العصور الماضية. وفي البهو الواسع الذي اقتطع من المسجد آثار قليلة جليلة

ص: 2

صغيرة في العين كبيرة في القلب، هي كسلاح البطل المجاهد؛ عدة قليلة تحدث أخبار طويلة، وسيوف ورماح وهي عنوان لتاريخ من الكفاح. رأينا فيما رأينا المصحف الذي كتبه بخطه السلطان عبد الحق من سلاطين بني مرين بالمغرب. وقد كتب هذا السلطان التقي بيده ثلاثة مصاحف أهداها إلى المساجد الثلاثة في مكة والمدينة وبيت المقدس.

ورأينا في المتحف سيف الشيخ شامل المجاهد الذي أبلى أحسن البلاء في الدفاع عن البلاد الإسلامية في القوقاز. كما رأينا على الجدار عباءة بها خروق. فأما العباءة فعباءة البطل المقدام، والعربي الحر الأبي سلطان باشا الأطرش. وأما الخروق فآثار الرصاص من دبابة فرنسية هجم عليها هذا الأسد في إحدى ثوراته. فليت شعري أي خلة أشرف من هذه العباءة، وأي وسام أجل من هذه الثقوب. لقد أحسن الذي حفظوا سيف شامل وعباءة الأطرش في المتحف الإسلامي من المسجد الأقصى، وإنها لعبرة. ورأينا بعد مصابيح من الآثار الأيوبيين، وقدوراً عظيمة من آثار العثمانيين، ونفائس أخرى لا يتسع لذكرها هذا المقال

ثم اطلعنا على دفتر الزيارة فرأينا توقيعات كثير من الزوار بينها خط الملك فيصل رحمه الله، وقد كتب هذه الآية الكريمة (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله). وقد رأينا الآية نفسها على باب السكينة من آثار السلطان قايتباي.

(للكلام صلة)

عبد الوهاب عزام

ص: 3

‌من ليالي الفردوس

للدكتور زكي مبارك

لم يكن أول حب، فما مرت ساعة من نهار أو من ليل بلا وجد يعصف بقلبي فيزلزل وجودي، وإنما كان أخطر حب، لأن صادف قلبين كتب عليهما الشقاء بالهوى لأول لقاء

ولم يكن لهذا الحب مقدمات، على نحو ما تصنع الطبيعة في إرسال البشير بالغيث، أو النذير بالويل، وإنما صب علينا نعيمه وشقاؤه بلا وعد ولا وعيد، فأصاب قلبينا برجفة عاتية ستبقى لها ندوب، وإن قدر من بلواها الخلاص، ولا خلاص!

كنت أعرف أنها ملك يميني أصرفها كما أريد، فأنقلها من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، وكانت تعرف أنها ملأت قلبي فلا خوف من تعرضه لهوى جديد، ولو ساقته المقادير على يد جنية من جنيات باريس أو بغداد أو بيروت وطاب لنا في بداية الهوى أن نتكاتم، فقد كنا شببنا عن الطوق، وقد كانت لنا تجاريب تجعل البوح من أخلاق الأطفال. وكيف تأمن جانبي وقد (وصلتها أخبار) تشهد بأني لا أقيم على عهد، وأني أتخذ الحب وسيلة لدرس خلائق الملاح؟ وكان أمري في الهوى كما قدرت تلك البغوم، فما نظرت نظرة جارحة إلا لأقبس من أنوار الخدود شعاعاً ألون به مداد قلمي ولا تعرضت لمكاره الغواية إلا لآخذ من جحيم الفتك جمرة أذكي بها بياني

ثم كان حالي حال رائض الحيات في مدينة الأقصر، فما تاريخ ذلك الرائض؟

هو رائض تطايرت أخباره إلى (لورد كرومر) فأحب ذلك اللورد أن (يختبر) تلك الأخبار ليكون من أمرها على يقين، فقاده (الحاوي) إلى حية كان حبسها تحت حجر من الأحجار في رحاب (وادي الملوك)، وكانت تلك الحية تفهم عن (الحاوي) ما يريد، فتصحو أو تنام وفقاً لما علمها من الإشارات

ورفع الحاوي الحجر فثارت من تحته حية لم يرها من قبل، حية لم تتلقى عليه درساً من الدروس، ولا تفهم أنه في صحبة رجل كلفته الدولة البريطانية حراسة منافعها في مصر مفتاح الشرق!

وخاف الحاوي على حياته فلاذ بالفرار، ثم عظمت دهشته حين رأى لورد كرومر أقدر منه على الجري في طلب النجاة، مع أن في منطقته مسدسين، ومع أنه يمثل دولة لها في البر

ص: 4

جيوش وفي البحر أساطيل!

كان حالي حال ذلك الرائض، كنت ألهو وألعب بالملاح كما كان يلهو ويلعب بالحيات، فكيف صار وكيف صرت؟

لقد هرب فنجا، أما أنا فثبت في مكاني لأصرع الحية أو تصرعني، وهل كانت حياتي إلا حومة نضال وصيال وقتال؟

وفهمت الحية وفهمت أننا لم نكن إلا أرقمين يتساوران، ثم كانت الحرب بيننا سجالاً فلم أنج منها ولم تنج مني

هي اطمأنت إلى أنها سيطرت على القلب الذي استطاب العبث بقلوب الملاح

وأنا رضيت بأن تكون تلك الحية من مرضاي، وهل من القليل أن تخضع الحية لحبك، الحية النضناض التي تقتل من تشاء بأيسر نظرة وأهون فحيح؟

كانت أنياب تلك الحية أشهى إلى فمي من (فرط الرمان) كما يعبر أهل سنتريس، وكنا نرضى ونغضب بلا اقتصاد ولا احتراس، فكان لنا في كل لحظة شأن أو شؤون، وكان وجهها يربد في وجهي من وقت إلى وقت، كما تصنع السماء مع المحيط، كانت ترضى فأظنها صارت ملكي إلى الأبد، وكانت تغضب فأتوهمها ضاعت من يدي إلى آخر الزمان

ولكن الشقية في جميع أحوالها جميلة فتانة إلى أبعد حدود الجمال والفتون، وكانت تعرف أن هواها أقسى وأعنف من القدر المكتوب، وكانت فوق هذا وذاك تفهم أني أول وآخر من يعرف خفايا الأسرار لحسنها المكنون، وكانت تفهم أني أدرك من أخطارها ما لا يدرك المصريون من أخطار قناة السويس، وكان يروعها أن تراني مبهوتاً أمام جسمها الفينان يبهت عابد الشمس وقد تجلت بطلعتها البهية عند الشروق

هل كان جمال هذه الشقية وهماً خلقه القلب الذي يطيب له التغريد فوق أفنان الجمال؟

وكيف وقد زاحمني إلى قلبها المتمرد مئات الفحول، فكنت بحمد الهوى أول سابق لا أول مسبوق، ومن زعم أن له ذراعين أقوى من ذراعي فقد أعتصم بحبل الزور والبهتان

كانت نخلة لا يميلها غير العواصف التي تثور عن وجداني. كانت امرأة وقوراً لا يستخفها غير الغزل الذي يصدر عن بياني

كانت في رزانة الجبال إلى أن رأيتها فعرفتني، وكنت قطعة من ثلوج الشمال إلى يوم

ص: 5

البلوى بروحها المقبوس من عذاب السعير، فكيف صار الحب جدا من أعنف ضروب الجد، وكان مزاحاً من ألطف فنون المزاح؟

أنت يا شقية سبب شقائي، وأنت السر في بلواي بالدنيا وبالوجود

ولكنك مع ذلك أشبه الأشياء بنكت المداد الذي يتساقط حين أخلو إلى قلمي، فمن قطرات المداد الأسود دونت أدبي، ومن زفرات روحك الأهوج صغت روحي، وبين الأدب والروح نسب وثيق

أنا القمر وأنت السحابة في ليلة من ليالي دمياط، والنصر للنور ولو بعد حين

مالي ولهذا الحديث؟ أنا أريد وصف ليلة من ليالي الفردوس مع تلك الحورية السمراء، فكيف كانت تلك الليلة الفردوسية؟

يجب أولاً أن أقول كلمة وجيزة أبين بها بعض خصائص المرأة الجميلة حين تصبح على جانب من التهذيب والتثقيف، وحين يصبح في مقدورها أن تخوض بلباقة وبراعة في شجون من الأحاديث، فهذه المرأة تخلع على موضوع الحديث عطراً رقيقاً يسري أريجه إلى عقل المحدث فيزيده حيوية إلى حيوية، وهي تضيف إلى الحديث ألواناً لطيفة من الدعابة والدلال، وإن كانت لا تقصد إلى الدعابة والدلال، فالمرأة رقيقة بالفطرة والطبع، وقد تبلغ نهاية الرقة حين تساجل رجلاً تميل إليه بالقلب والوجدان

وهنالك ظاهرة نفسية تستحق التسجيل، فالمرأة تحاول الظهور باسم العقل، ويسرها أن تجد من يقول بأن النساء أعقل من الرجال

وهل قلنا بغير ذلك، يا ناس؟

المرأة أعقل من الرجال، بلا جدال، فلتطلب من المناصب ما تريد!

وصاحبة الليلة الفردوسية من هذا الصنف، فهي لا تكف عن المطالبة بمساواة النساء للرجال في جميع الميادين

ولكني أعارض. أعارض لأسمع صوتها البغوم وهي تجادل وتناضل. وأعارض لأرى كيف يتلون وجهها الجميل حين تنفعل وحين تصرخ؛ ولا غنى للمرأة عن الانفعال والصراخ

ما أجمل هذه الشقية حين تثور مطالبة بحقوق النساء!

ص: 6

إنها ترفع ذراعها، وتلوي وجهها، ثم تحدق في لأقتنع!

وهل أقتنع إلا بعد أن أتمتع بهذه المجادلات ساعات وساعات؟

لن أقتنع أبداً، فلتحبسني في دارها لأسمع تلك الخطب اللطاف، إلى أن أمل من النعيم فأقتنع، ولن أمل ولن أقتنع!

إن كان من الخيانة للحق أن نساعد النساء على الطغيان، فأنا بإذن الهوى أول الخائنين!

ومن حسن الحظ أن خيانتي هينة الخطب، لأن المرأة بعيدة عن عملي، ولو تعرضت لي في عملي لدستها بقدمي، فللرجولة وثبات تزلزل الجبال

إذا جد الجد فلن أخضع لهذه الجنية ولو كانت من جنيات الأورمان

وما الجد وما الحق بجانب سحر الجمال؟

آمنت بك يا ربي وآمنت ثم آمنت، فلولا لطفك لردتني هذه الجنية إلى أهواء يعجز عن تصورها الخيال

أنا أحبها لأنها أصدق مني. . . تعرضت للموت في حبها فتعرضت للفضيحة في حبي، والفضيحة أفظع من الموت

ما أجملها حين تثور في المطالبة بمساواة النساء للرجال!

لو كان الأمر للهوى لمنحتها ما تريد، ولكن العقل يساجلني من وقت إلى وقت، فأثور على مطالب النساء

ما أنت أيها العقل؟ ومتى أنجو من شرك؟

مالي ولهذا الحديث؟ ألم أقل إني أريد وصف الليلة الفردوسية؟ طال الجدال حول حقوق المرأة فاقتنعت لأني شبعت من مجادلة الجنية السمراء، ولأني رغبت في تلوين الأحاديث، فدعوتها للمهادنة إلى حين

عند ذلك وقفت وقد احتضنت الكمنجة لتداعبها بأناملها اللطاف، وهي أجمل ما تكون حين تقف، لأن جمالها يرتكز في قامتها السمهرية:

أنا واللهِ هالك

آيسٌ من سلامتي

أو أرى القامة التي

قد أقامت قيامتي

- ماذا تحب أن تسمع؟

ص: 7

- أنا أحب أن أرى!

- أنت تعرف أني أبغض المزاح الثقيل

- وأنت تعرفين أني أبغض الجد اللطيف

- يظهر أننا أطفال

- نحن أطفال كبار، والطفل الكبير هو الطفل اللوذعي، لأن مطالبه مطالب رجال، لا مطالب أطفال

- وماذا تطلب أيها الطفل اللوذعي؟

- أطلب تغريدة تعبر بها الكمنجة عما أريد

ولكن الشقية رمت الكمنجة، ومدت يدها إلى المكتبة فأخرجت كتاب (ليلى المريضة في العراق)

- تصفح الكتاب، ثم اقرأ ما طوق بعلامة الخطر، وهي التأشيرة الحمراء

- اقرئي أنت

- أنا أحب أن أسمع صوت المؤلف، لأتفوق على من يتباهون بأنهم رأوا المؤلف

- كتاب ليلى لا يقرأ، وإنما يرتل، وصوتك أندى في الترتيل

- أنا أحب أن أسمع صوتك في مواقف الصبوات

عند ذلك تمثل ماضي الجميل، ماضي في ضيافة ليلى وظمياء، ماضي الذي لم يظفر بمثله أي عاشق في أي زمان

وعند ذلك تمثل شقائي في بغداد، وأي شقاء؟

كنت أرجع من دروسي بدار المعلمين العالية أو محاضراتي بكلية الحقوق فأرى العربات محملة بأقوام يمضون إلى سهرات المساء ضاحكين حالمين، وأراني أمضي إلى داري لأقضي الليل بين الورق والمداد

هل أنسى أني استهديت أحد أصدقائي عشاء في داره لأقول أني ذقت طعاماً في أحد بيوت العراق؟

البيوت العراقية مفتحة الأبواب لكل زائر، ولكني لم أهتد إلى هذه الحقيقة إلا بعد أن طال عذابي بالوحشة والانفراد في ليالي بغداد

ص: 8

وفي تلك الأزمات القاسية سطرت كتاب ليلى المريضة في العراق.

تمثلت هذه المتاعب لخاطري وأنا أرتل كتابي، فانقلب الترتيل إلى نشيج، ثم رفعت بصري فرأيت دموعاً تجاوب دموعي، وهي الدموع الأبية العصية، دموع الخريدة التي قهرها الحب على البكاء، بعد طول التأبي والعصيان

- من صاحبة هذا الوحي إليك؟

- هي ليلى

- غريمتي في العراق؟

- عند القلب علم الغيب

- وماذا يقول قلبك؟

- يقول: (قلبي مات، قلبي مات)

- ولقلبك قلب؟

- ولدموعي دموع!

- وما نصيبي عندك؟

- هو أعظم نصيب، وهو أخطر من أن ينصب له ميزان، فذخائر الوجود لا تساري قطرة واحدة من دموعك الغالية

- يفتنك بكائي؟

- الدموع فوق الخدود أجمل من الأنداء فوق الورود

- ستنشر هذا الحديث في مجلة الرسالة؟

- وفي جميع المجلات

- وماذا يقول الناس؟

- وأين الناس؟

- أنت تخاطر بمركزك بالمجتمع

- وأين المجتمع يا طفلتي الغالية؟ لقد حاربت ألوفاً من الخلائق فحاربوني، فهل هزموني؟ أنا لا أخاف غير الله، وهو خوف منبعث عن الأدب، وليس له أية صلة بالخوف الذي يفهمه عامة الناس، ولو شئت لقلت إني آمن جانب الله فلا أتخوف منه أي عقاب

ص: 9

- هات السند من الكتب الدينية

- حياتي هي السند، فقد تفردت بين أهل زماني بالثورة على الناس، ثم بقيت سيداً لا يمن عليه مخلوق

- ولكنك فقير، بالقياس إلى المرائين

- كيف أكون فقيراً وأنت في حيازتي، أيتها الجنية السمراء؟

- هل تبيعني لتغتني؟

- وأين أجد المشتري؟

- أنت تكايدني!

- المكايدة لغة جنية الأورمان، عليها غضبة الحب إلى آخر الزمان!

- ومن تلك الجنية؟

- هي روح لطيف، وإن لم أتمتع برؤية وجهها الجميل

- أتكون أجمل مني؟

- جمالها في الصوت، وبصوتها في الهتاف نقلت قلبي من مكان إلى مكان

- هي إذا غريمة جديدة؟

- إن آذتك الغيرة فلن تظفري مني بأي نصيب، لأن الغيرة تفسد ما بين المرأة والرجل فساداً لا يرجى له صلاح

- كنت أحسب أن الغيرة دليل على قوة الحب، وأنها منة نطوق بها قلب الحبيب

- غيرة المرأة أثرة وأنانية وتحكم وطغيان

- وغيرة الرجل؟

- غيرة الرجل رفق وحراسة ومروءة وإيمان

- أوضح ثم أوضح، لأن هذا الكلام يحتاج إلى إيضاح وإيضاح

- اسمعي يا طفلتي الغالية، إن الرجل يستطيع أن يصاهر من يشاء، ولو شهد ماضيه بأنه كان من أهل العبث والمجون. ولا كذلك المرأة، فإنها لا تجد خاطباً إلا إن شهد ماضيها وحاضرها بأنها من أهل التصون والعفاف

- هذا هو الظلم المبين

ص: 10

- هو ظلم يا طفلتي الغالية، ولكنه ظلم لمن يرفع عن المرأة في أي زمان

- الفجور الصريح لا يؤذيكم، فكيف تؤذينا كواذب الشبهات؟

- كان الأمر كذلك، وسيكون لأننا أقوياء، وحق الأقوى هو الأفضل، ألم تقرئي قول لافونتين:

- وأنت أقوى منا؟

- الجواب حاضر، فبيني وبينك في السن عشرون سنة، وأنت مع هذا تعجزين عن مصارعتي، وأنا أشتهي أن تصارعيني

- ذوق هذا العصر لا يعترف بالقوة الجسدية

- القوة الجسدية هي الأساس في جميع العصور

- وهل حصنتكم القوة الجسدية من الضعف؟

- أي ضعف؟

- الضعف أمام رقة المرأة

- هذا الضعف من شواهد قوة الرجل، كما أن ضعف المرأة أمام فحولة الرجل من شواهد قوة المرأة

- أنت إذاً أضعف مني، لأن خضوعك لي أقل من خضوعي لك

- خضوع الرجل للمرأة خدعة من خدع الحرب، وأنا منتصر، والمنتصر لا يحتاج إلى الخداع

- والنتيجة؟

- النتيجة معروفة، وهي أن النساء لا يصلحن لمساواة الرجال

- أنت تعرف أني لا أرى هذا الرأي

- وأنت تعرفين أني أنكر على المرأة جميع الحقوق

- جميع الحقوق؟

- حتى حق الحب!

- إذن نفترق

ص: 11

- إن طاب لك الافتراق

- ولا نتلاقى أبداً؟

- أبداً أبداً

- ولكني أرى هذه المعضلات تحتاج إلى حلول، فهل نلتقي في الأسبوع المقبل، على شرط أن نظل متخاصمين في الرأي؟

ثم انصرفت وأنا من تلك العيون على ميعاد، للمجادلة والاختلاف، وسنجادل ونختلف، ونجادل ونختلف، لأرى كيف ترفع ذراعها وتلوي وجهها، ثم تحدق في لأقتنع

آمنت بالحب والجمال، آمنت آمنت، فزدني اللهم إيماناً إلى إيمان.

زكي مبارك

ص: 12

‌6 - حكاية الوفد الكسروي

لأستاذ جليل

يقول عامر بن الطفيل: (وبالحري إن أدالت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمور لها أعلام. قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر. . .)

فمن يعني منشئ (المقامة) بما سطر؟ ومن ذا الذي ستلف الأحياء عليه، وتنقاد له؟

أغلب الظن أنه أومأ إلي ما أعلنه سطيح الذئبي وشق الأنماري وسيف بن ذي يزن. وإن قصد الصائغ عامر بن الطفيل استناداً إلى الروايات من نوع خبرة رويت فقد أبعد في ضلاله. وهذه نبذ مما زخرفوه لعامر تملى طرفا وأفاكيه:

(كان أبو علي عامر بن الطفيل من أشهر فرسان العرب بأساً ونجدة وأبعدها اسما حتى بلغ أن قيصر ملك الروم كان إذا قدم عليه قادم من العرب قال: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ فإن ذكر نسبا عظم عنده، حتى وفد عليه علقمة بن علاثة، فانتسب له، فقال: أنت ابن عم عامر بن الطفيل؟ فغضب علقمة وقال: ألا أراني أعرف إلا بعامر؟ فكان ذلك مما أوغر صدره عليه وهيجه إلى أن دعاه إلى المنافرة. . .)

(قدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي. أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش. . .)

(قدم عامر بن الطفيل على النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم معه أربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة العامري الشاعر لأمه، فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. فقال: دعه، فإن يرد الله به خيراً يهده. فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد، مالي إن أسلمت؟

قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم

قال: تجعل لي الأمر بعدك

قال: لا، ليس ذاك إلي، إنما ذلك إلى الله (تعالى) يجعله حيث يشاء

قال: فتجعلني على الوبر، وأنت على المدر

ص: 13

قال: لا

قال: فماذا تجعل لي؟

قال صلى الله عليه وسلم: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها

قال: أو ليس ذلك إلى اليوم؟ وكان أوصى إلى أربد بن قيس: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف. فجعل عامر يخاصم رسول الله ويراجعه، فدار أربد خلف النبي ليضربه، فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله (تعالى) فلم يقدر على سله. وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: اللهم، اكفنيها بما شئت. فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هارباً، وقال: يا محمد: دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جرداً وفتيانا مرداً. فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وابنا قيله، يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر ببيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه، وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إلى محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي. فلما رأى الله تعالى ذلك منه أرسل ملكا فلطمه بجناحه فأذراه في التراب، وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية؟ ثم مات على ظهر فرسه. . .

ذلك مما زخرفوه لعامر. ولقد كبر الرواة ابن الطفيل كثيراً، وأقعدوه فوق مرتبة عالية، وتنوقوا في صبغه وتلوينه ولكن الحق ينزله، التحقيق يزيل عن وجهه كل صبغ وتزويق، فقد أخبروا أن سبب المنافرة إنما هو مهاترة كانت بين عامر وعلقمة لا أن قيصر قال ما قال. ولما ذهبا إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري ليقضي بينهما؛ قال هرم لعامر:(أتفاخر رجلاً لا تفخر أنت ولا قومك إلا بآبائه؟ فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: ناشدتك الله والرحم ألا تفضل علي علقمة، فوالله إن فعلت لا أفلح بعدها. هذه ناصيتي جزها واحتكم في مالي، فإن كنت ولابد فاعلاً فسو بيني وبينه)

وعلقمة إنما ذهب إلى الروم ودخل على ملكهم - إن صح الخبر - في زمن عمر (وقد كان شرب الخمر فضربه (رضى الله عنه) الحد، فلحق بالروم فارتد، ثم رجع فأسلم)، وعامر هلك في أيام النبي (صلوات الله وسلامه عليه)

وكان عامر فاجراً جائراً، وسماه مسهر بن زيد الحارثي (مبير قومه) وأراد يوم (فيف

ص: 14

الريح) قتله، وأراحتهم منه، فوجأه بالرمح في وجهه، ففلق الوجنة، وانشقت عين عامر ففقأها، وترك مسهر الرمح في عينه. وقيل: إن عامراً وثب عن فرسه، ونجا على رجليه، وأخذ مسهر رمح عامر. وفي رائية عامر - وهي مفضلية -:

لعمري وما عمري عليَّ بهيّن

لقد شان حرَّ الوجه طعنة مسهر

ولمسهر شعر في طعنته هذه رواه (العقد) في (يوم فيف الريح) وقد قال مسهر فيه: إنهم أخذوا امرأة عامر بن طفيل

(وقد كان بنو عامر أخذوا امرأة من بني عبس، فما لبثت عندهم إلا يوماً واحداً حتى استنقذها قومها، وفخر عامر بن الطفيل بذلك، وذكر أخذه إياها)

أبمثل هذه (البطولة) يفخر الفاخر، وهل لعامر أن يقول يقظان أو وسنان:(والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش) كما قص ابن إسحاق ونقل ابن هشام وابن جرير تقول (السيرة) لأبن هشام:

(. . . بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين. إلى أهل نجد فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم - فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله،. . . واستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عصية ورعل وذكوان. . . فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قبلوا من عند آخرهم يرحمهم الله. . .)

فإذا صح ما نقل ابن هشام فكيف تجاسر عامر بن الطفيل أن يفد على رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه) كافراً، لم يسلم، سافكاً دماء من سفك دماءهم من المسلمين، وقد دانت العرب للنبي، وقد ملك (الجزيرة) ثم يريد أن يقدم هو وأربد على ما نوياه، وحول رسول الله من هم حوله من أبطال الإسلام، ثم يطمع ذاك المطمع، ويغضب ويهدد، ثم يرجع وصاحبه في ذلك اليوم سالمين

لقد بالغ الصواغون في تزويق عامر وتلوينه وتشكيله وتكبيره، والتلوين حائل، والباطل زائل

ص: 15

5 -

بعث منشئ المقامة الحارث بن عباد من مرقده، وأصحبه الوفد، وقد درج الرجل قبل أن يؤمر النعمان قومه ويعمله سلطانه بخمسة عشر حولاً كما تحقق ذلك المحققون، فلم يقل الحارث لكسرى:(العرب تعلم أني أبعث الحرب قدما. . . حتى إذا جاشت نارها. . . جعلت مقادها رمحي وبرقها سيفي ورعدها زئيري، فأستمطرها دماً وأترك حماتها (جزر السيوف وكل نسر قشعم)) وجزر السيوف الخ مقتبس من الطويلة المنسوبة إلى عنترة بن شداد وقد استبدلت (السيوف) في (المقامة) بالسباع. وكانت وفاة الحارث المقتبس قبل وفاة عنترة بثلاثين سنة. وإن كانت تلك الطويلة الميمية إسلامية حمادية فبين الوفاتين دهر طويل. . .

(ن)

ص: 16

‌3 - الشعر المرسل وشعراؤنا الذين حاولوه

للأستاذ دريني خشبة

بين يدي الآن وأنا أكتب هذه الكلمة بواكير من الشعر المرسل لا بأس بها للشعراء الأساتذة: محمد فريد أبى حديد علي أحمد باكثير وأحمد زكي أبي شادي وعبد الرحمن شكري وخليل شيبوب والمرحوم جميل صدقي الزهاوي، ثم قطعة للآنسة سهير القلماوي (السيدة الدكتورة الآن)

ولما كانت القطع التي نظمها الأستاذ عبد الرحمن شكري والمرحوم جميل صدقي الزهاوي، ثم القطعة التي نظمتها الآنسة سهير متشابه من حيث القصر، ومن حيث كونها أقرب إلى القصائد منها إلى ما وضع الشعر المرسل من أجل (النظم المسرحي ونظم الملاحم والقصص الكبيرة) فنحن مضطرون إلى صرف النظر عنها الآن، على أن نعود إليها في فرصة أخرى، ونرجو أن نوفق إلى ذلك بعد الفراغ من استعراض آثار الشعراء الأفاضل الباقين، لأنها أهم ما في الأدب العربي الحديث من الشعر المرسل. أما قطعة الأستاذ شيبوب فقد جمع فيها بين ستة أبحر وربما تناولناها في حينها

فللأستاذ أبي حديد:

1 -

مقتل سيدنا عثمان (درامة كاملة)

2 -

خسرو وشيرين

3 -

ميسون الغجرية (أوبريت كاملة)

4 -

زهراب ورستم (ملحمة نقلها بهذا الشعر عن الشاعر الإنجليزي ماثيو أرلوند)

5 -

بعض المشاهد عن درامات مختلفة لشكسبير

وللأستاذ باكثير

1 -

السماء أو إخناتون ونفرتيتي (درامة كاملة)

2 -

إبراهيم باشا

3 -

روميو وجولييت (ترجمة عن شكسبير)

وللأستاذ الدكتور أبي شادي:

1 -

ممنون (اقصوصة منقولة عن فولتير)

ص: 17

2 -

ترنيمة أتون (منقولة بالشعر الحر عن العلامة برستد الذي ترجمها عن الهيروغليفية إلى الإنجليزية)

3 -

مملكتي إبليس (شبه ملحمة للدكتور الفاضل)

4 -

كثير من القطع القصيرة الأخرى

الرائد الأول:

لست أدري أي الرائدين فكر لأول مرة في موضوع الشعر المرسل في مصر خاصة وفي العلم العربي عامة، أهو الأستاذ الشاعر عبد الرحمن شكري، أم هو الأستاذ الشاعر محمد فريد أبو حديد؟ ليكن أيهما شئت، فالذي يهمني وأفرح به وأتعصب له هو أنهم أحرزا لمصر قصب السبق في هذا الميدان الجديد من ميادين النظم؛ ولن يمنعني تعصبي للشعراء المصريين من أن أكون أول المصفقين لشعراء الشعوب العربية العزيزة حينما يظهر من بينهم هذا الشاعر الأصيل المجلي الذي يبرز في الميدان ويأتي في موضوع الشعر المرسل بطرائف وغرر تبذ طرائف وغرر شعرائنا، ما دام هدفنا هو تجديد الأدب العرب، وتجديد الشعر العربي بوصف كونه فرعاً من فروع هذا الأدب، وإخراجه من حدوده الشكلية والموضوعية الضيقة التي وقفت عند النهضة الأندلسية الكبرى

على أنني لا أشك مطلقاً في أن الأستاذ أبا حديد هو الشاعر الثائر الأول الذي فكر في نظم درامة كاملة بالشعر المرسل الذي لا يخضع لسلطان القافية، فقد نظم درامة (مقتل سيدنا عثمان) سنة 1918 أي منذ خمس وعشرون سنة، عندما تخرج من مدرسة المعلمين العليا، وعندما وضعت الحرب الكبرى الأولى أوزارها

وقد نظمها الأستاذ أبو الحديد لنفسه كما يقول في المقدمة. . . أو على حد تعبيره هو: (. . . لقد كان أبعد شيء من تصوري أن تتلك الرواية سوف تقع عليها عين سواي، فإني ما كتبتها إلا لكي ألهو بكتابتها، أو إن شئت قلت أني لم أكتبها إلا للذة النفسية التي كنت أجدها في تأليفها، فلما أن أتممتها كما رسمت وضعتها في درج مكتبي، وكنت لا أعيرها بعد ذلك ألتفاتاً. . .)

وقد بقيت الرواية في هذا الدرج المظلم المكدس بالمسودات عشر سنوات تباعاً. . . ولم ترى الضوء إلا سنة 1927 حينما كان الأستاذ مدرساً بمدرسة الأمير فاروق الثانوية،

ص: 18

فطبعتها المدرسة لحسابها الخاص ومثلتها فرقة التمثيل بها

ونحن يسرنا أن نسجل هذا كله لفائدة تاريخ الأدب العربي الحديث، وتاريخ الأدب المصري بنوع خاص

وقبل أن نتناول الدرامة بشيء من التلخيص أو التحليل أو النقد نثبت النادرة، أو الفكاهة الأدبية التاريخية التالية:

عندما فرغ الأستاذ أبو حديد من نظم روايته، أو كتابتها كما يقول هو، حملها معه، وانطلق بها كأنه وقع على لقية، أو اهتدى إلى الأكسير الذي أضنى كيمائيي العرب، حتى إذا بلغ جريدة الأهرام، دخل على الأستاذ الأديب المغفور له صادق عنبر فحدثه حديثها، الذي هو حديث الشعر المرسل، ثم استأذن الأستاذ في أن يتلو عليه بعض مناظرها. . . ثم انطلق في هذه التلاوة، وعنبر عليه رحمة الله مصغ له. منصت إليه. . . وقد خيل إلى الأستاذ أبي حديد أن الأديب الكبير غفر الله له ما تقدم من ذنبه - وما تأخر أيضاً - قد أخذ فعلاً بجمال هذا اللون الغريب من ألوان الشعر، واستولى على نفسه سحره؛ فلما فرغ الشاعر الشاب من تلاوته، التفت إليه الأديب العتيد وتبسم قائلاً أتدري يا أبا حديد؟ إن مصر لم تكسب من هذه الحرب الكبرى غير شيئين. . . الشعر المرسل. . . والحمى الإسبانيولية! وكانت الحمى الإسبانية قد تفشت عقب تلك الحرب في مصر حتى أذاقت أهلها الأمرين!

ولست أدري لماذا نجوت أنا من براثن تلك الحمى التي أشفيت بسببها على الهلاك إذ ذاك، ولماذا عشت إلى سنة 1943، لأدعو من جديد إلى الشعر المرسل، توأم الحمى الإسبانيولية وصونها في نظر المغفور له الأستاذ صادق عنبر؟!

ترى. . . ماذا كان وقع هذا اللقاء في نفس الأستاذ أبي حديد؟ ولكن لماذا نسأل؟. . . لقد مضى ينظم من الشعر المرسل الذي يتخلله بعض الشعر المقفى تلك الأوبريت الجميلة الرائعة (ميسون الغجرية) والتي طبعها على حسابه هو، لا على حساب مدرسة كذا أو معهد كذا أو لجنة كذا من لجان التأليف. . . ثم مضى يترجم ثم ينظم ملحمة زهراب ورستم التي استأذن القراء فأقول إني أكاد أحفظ أصلها الإنجليزي عن ظهر قلب لروعة أسلوبها وجمال تسلسلها وبهاء شعرها المرسل المنظوم بقلم ماثيو أرنولد الشاعر الناقد العظيم! وقد فرغ أبو حديد من نظمها شعراً مرسلاً سوف أعرض نماذج منه في حينه

ص: 19

ونقف بعد ذلك لحظة. . . لقد ذكرت في الثبت الذي وضعته بين أيدي القراء في صدر هذا المقال للأستاذ أبي حديد، درامة خسرو وشيرين، ولست أدي لماذا صنعت هذا دون أستأذن الأستاذ في ذلك، إذ أنه نظم الدرامة وأعدها للطبع. . . ثم طبعها بالفعل. . . وأصدرها دون أن تحمل اسم مؤلفها!. . . إذن لماذا أذيع أنا هذا الاسم دون استئذان؟ هل صنعت ذلك دون وعي، أو أنا إنما صنعته خدمة لتاريخ الأدب المصري الحديث؟

ثم نتساءل بعد هذا لماذا لم يثبت الأستاذ أبو حديد اسمه على روايته؟ قد تجد من ذلك الذي نقتطفه من المقدمة جواب هذا السؤال: (. . . وأما إذا أنت صبرت أيها القارئ، فقرأت سطران أو سطرين أو ثلاثة من هذا المطبوع ثم قذفت به حيث أردت لم تكن في ذلك بالمعذور، بل كنت متفضلاً مضحياً من أجل مجاملتي، مع أنك لا تعرف من أنا، وفي هذا أدب عظيم وكرم مطبوع. وأما إذا كنت قد بلغت من قوة ضبط النفس ورياضتها على المكارة بحيث استطعت أن تثبت على القراءة حتى أتيت إلى آخر كلمة، ثم تركت لنفسك العنان بعد طول كبحها وحبسها فانطلقت تصخب وتشتم وتنادي بالويل والثبور - إذا فعلت ذلك كنت في نظري بطلاً من أبطال العزيمة وقوة الاحتمال. على أنك لو فعلت ذلك لم يمسسني منك أذى، وإن بلغت في ثورتك مبلغاً مخيفاً لأن قد توقعت مثل ذلك فأخفيت نفسي حتى لا تتحرج فيما تفعل. . . . . . فأفعل ما بدا لك أيها القارئ ولا تتورع فإن أحجارك أو سهامك لن تصل إلي!)

ولا بد لنا من أن نقتطف القطعة التالية أيضاً

(وأما إذا كنت يا أخي - ولا مؤاخذة - ممن في ذوقهم شذوذ عن المألوف مثلي فاستحليت من هذا القول ما يمر في الأذواق أو أعجبك منه ما يقبح في الأنظار فلك رثائي وعطفي، فالمريض يعطف على مثله! ومن آية رثائي لك وعطفي عليك أنني أنصحك نصيحة أرجو أن تقبلها. . . فقد تعرضت قبلك من جزاء شذوذي عما ألفه الناس لكثير من الألم والفشل؛ فأحذرك من إظهار رأيك - (أي في استحسان الشعر المرسل! - أمام أحد من الناس ولو كان من أعز أصدقائك، فالصداقة قد لا تقوى على الثبوت مع الشذوذ في الرأي والذوق. . .))

لماذا يا ترى يتحرج صاحب مذكرات جحا! - (وهذه غلطة عظيمة أخرى نغلطها من دون

ص: 20

وعي) - كل هذا التحرج ويتأثم كل ذلك التأثم؟! هل يتحرج كل هذا التحرج، ويتأثم كل ذلك التأثم، لأنه كما يقول شذ عن مألوف الناس في نظم الشعر، وثار بقوافي العروض العربي، فتعرض لكثير من الألم والفشل؟. . . ولكنا نسائل أنفسنا عن هذا الألم وذاك الفشل أين هما؟ وإن كان أبو حديد قد تعرض للكثير منهما فما باله لم ينصرف عن هذا الشعر المرسل الثقيل الغث الذي يعرض ناظمه - أو كاتبه - لألوان مرة من الألم، وصنوف كثيرة من الفشل؟ ما باله لم ينصرف عن هذا البلاء الذي يؤمن بأن قراءة سطر أو سطرين منه كافية لأن تضع الحصى في يد القارئ فيحصب به الناظم أو الكاتب لو رآه؟ ما باله يطول جنينه إلى هذا النظم السمج النابي على الأذواق فيكتب به كل تلك الروايات وينظم منه هذه الملاحم التي يعترف بأن قراءة سطر أو سطرين منها تضحية من القارئ وأدب عظيم وكرم مطبوع السخاء نفس وتفضل. . . وإن القارئ إذا خرج بعد قراءة هذا وسطر أو هذين السطرين عن طوره فقذف بما نظم أبو حديد من حالق أو قذف به في نار جهنم أو نار المدفأة أو مزقه أو ألقى به من النافذة أو دفعه إلى الأطفال يعبثون به، فهو معذور لا تثريب عليه، لأن أبا حديد زعم له بأنه صاحب نظم جديد وصاحب رسالة جديدة - صاحب نظم جديد هو هذا النظم المرسل الذي لم يعرفه الذوق العربي فضلاً عن أن يألفه، وصاحب رسالة جديدة هي توسيع مودة الأغراض التي يجب أن يتسع لها أفق الشعر العربي والأدب العربي جميعاً فتكون لنا درامة عربية وتكون لنا درامة عربية منظومة، وتكون لنا درامة عربية منظومة كما ينظم الشعراء العباقرة في أوربا. . . إذا لم يكن من ذلك بد، فلا بد أن نقحم الشعر المرسل على الشعر العربي إقحام، ولا بد أن نصعر خدودنا للناس وأن نلح عليهم في قبول هذا الشعر المرسل حتى يعرفوه وحتى يألفوه وحتى يغرموا به كما عرفه الأوربيون وألفوه وأغرموا به من القرن السادس عشر إلى اليوم. . . لا بد أن نقحم الشعر المرسل على الشعر إقحاماً، ويجب أن نصعر خدودنا معشر الشعراء للناس، ويجب أن نتحمل أذاهم مهما يكن مبلغ هذا الأذى. فما حصوات نرجم بهن مرة أو مرتين، وما كلمات من سباب لن يمتلئ بهن الهواء قط توجه إلينا هنا أو هناك؟ سنلح عليهم كما ألح أبو حديد، فإذا بلغ سخطهم علينا حد القتل، لا قدر الله، فلنمكر بهم كما مكر، ولنمضي في سبيلنا من حيث كتابة الدرامات والملاحم المنظومة بالشعر المرسل ولنطبعها لهم

ص: 21

ولنوزعها عليهم بالمجان. . . فلنحصيهم بها كما حصبونا بالحجارة ولا داعي مطلقاً لكتابة أسمائنا - نحن معشر الناظمين أو الكاتبين - عليها. ولتكن تضحيتنا في ذلك خالصة لوجه الوطن والأمم العربية ولوجه اللغة والأدب. الأدب العربي والأدب المصري على السواء. . . ولن نعدم كاتباً كصاحب هذا المقال يفاجئ الناس بالحق، ويذكر لهم أننا أصحاب هذه الدرامة والملاحم الضائعة. . . ومن يدري؟ فقد يأتي يوم يستسمح الناس فيه رجعتهم وتمسكهم بالقديم الرث. وقد يزيدون فينزعون عنهم ما نسج لهم المهلهل وذو الرمة وعلقمة النحل ليرتدوا أفوافاً من نسجنا نحن. . . وحينئذ لا نجد داعياً لهذا التخفي، بل ربما أصابنا طائف من الزهو والخيلاء فآثرنا ركوب الجمال ليرانا الناس جميعاً ويشار إلينا بكل بنان! وهل في ركوب الجمال شذوذ كشذوذ الشعر المرسل؟ وهل ركوبهن خروج على مألوف الناس كخروج الشعر المرسل على المألوف المعروف من قوافي الشعر العربي؟ ولماذا نعد ركوب الجمال شذوذاً وخروجاً على مألوف الناس مع أن المهلهل كان يركب الجمال، والمهلهل هو الذي هلهل الشعر فيما يهذمي مؤرخو الأدب العربي، وهو الذي جعل للشعر تلك القوافي المطردة إلى ما زال الناس في جميع العالم يستحلونها ولا يرون الفكاك من أغلالها، فلماذ لا نركب الجمال العالية كما كان يصنع المهلهل. . .

وندع المهلهل الذي لم يفرض على الناس شعره وقوافيه، ونعود إلى أبي حديد نسائله عن هذا الشعر المرسل، وعن طول حنينه إليه، وما باله يذكر النضال عن هذا الشعر عند ما تصدر مجلة الرسالة فينشر في سنتها الأولى استفتاء عاماً يجعل موضوعه ترجمة نثرية لخطبة أنطوني في درامة يوليوس قيصر لشكسبير - والترجمة بقلم الأستاذ الجليل محمد حمدي بك - ثم ترجمة للخطبة نفسها بالشعر المرسل بقلمه هو. . . فيما كان هذا الاستفتاء إذن؟ وفيم كانت محاولة إغراء الناس أو مغازلة أذواقهم بموضوع هذا الشعر؟ لقد كانت نتيجة الاستفتاء نصراً شبه كامل لشعر أبي حديد، فما الذي ثناه عنه يا ترى؟ وما الذي أقعده عن المضي فيه؟ ولماذا حرم أبو حديد أدبنا المصري الحديث من طرفه الرائعة، ومن روحه الدرامية الناضجة، ومن فكاهته العذبة السائغة، ومن فنه المسرحي المتفتح؟ لماذا تصدر درامته - (خسرو وشيرين) - دون أن تتشرف بحمل اسم صاحبها؟ صاحبها الثائر الأول الذي ينبغي أن يحفظ له تاريخ الأدب المصري هذا الجميل الخالد، وتلك اليد النقية

ص: 22

المباركة،. . . والى متى تظل ملحمة (زهراب ورستم) حبراً على ورق؟ وكيف ينتصر ترسينو في إيطاليا سنة 1551 وينهزم أبو حديد وشعراء النظم المرسل في مصر في القرن العشرين؟

ولكن ما هو هذا الشعر العربي المرسل الذي من أجله عقد هذا الفصل؟

ذلك ما لا يتسع له مجال القول الآن.

دريني خشبة

ص: 23

‌أوزان الشعر

1 -

الشعر الأوربي

للدكتور محمد مندور

يخيل إلي أننا قد وصلنا الآن إلى مرحلة من نمو ثقافتنا يجب عندها أن نأخذ أنفسنا بالصرامة فيما نكتب، فلا نتحدث إلا عن بينة تامة وتحقيق لما نقول، بعد أن نكون قد عمقنا الفهم، وإلا فسنظل ندهم ونتوهم أننا نعرف شيئاً نافعاً، ونحن في الواقع نضرب شرقا بغرب ضالين مضللين.

وهناك مسائل لا يكفي للحديث عنها أن نقرأها في كتاب إنجليزي أو فرنسي ثم ننقلها إلى قرائنا حسبما نظن أننا قد فهمناها. هذا لا ينبغي. ونأخذ اليوم لتلك المسائل مثلاً من (أوزان الشعر)، كما تحدث عنها الأستاذ دريني خشبة فيما يحشد من أحاديث.

يريد الأستاذ أن يميز بين العروض الإنجليزي وغيره من الأعاريض الأوربية وبين العروض العربي، فيقول:(وبحسبنا هنا أن نذكر أن العروض الإنجليزي، بل كل أنواع العروض في اللغات الأوربية، إنما أساسها التفعيلة وليس أساسها الأبحر كما في العروض العربي). وهذا قول لا معنى له إطلاقا، لأن جميع أنواع الشعر الشرقي والغربي على السواء تتكون من تفاعيل يجتمع بعضها إلى بعض، فتكون الأبحر والشعر العربي في هذا كغيره من الأشعار. وإنما التبس الأمر على الأستاذ لأنه رأى الأبحر في الإنجليزية تسمى باسم التفعيلة المكونة لها، فيقولون. . الخ. وأما في العربية فقد وضعوا لها أسماء أخرى كالطويل والبسيط وغيرها. وإذا كانت في الشعر العربي أبحراً متجاوبة التفاعيل كالطويل أو البسيط مثلا حيث نجد التفعيل الأول يساوي الثالث والثاني يساوي الرابع، فإن هناك أيضاً أبحر متساوية التفاعيل كالمتدارك والرجز والهزج والكامل وغيرها. وهذه وتلك كان من الممكن أن تسمى بأسماء تفاعيلها فالمسألة مسألة مواضعة. وإذا كانت في الشعر العربي زحافات وعلل فإن الشعر الأوربي أيضاً فيه ما يسمونه بالإحلال فتراهم يضعون مقطعاً سبوثدياً محل مقطع داكتبلي أو مقطع إيامبي، وفي الشعر العربي والشعر الأوربي معاً لا يغير هذا الإحلال من اسم التفعيل الأصلي. وإذن فكل الأشعار من هذه الناحية لا تختلف في شيء.

ص: 24

وإنما تتميز الأشعار ببينة التفاعيل، وهنا نلاحظ أن الأستاذ خشبة لم يدرك بأذنه حقيقة الشعر الإنجليزي، وكان السبب في ذلك اعتماده فيما أرجح على قواميس اللغة الإنجليزية، فقد قرأ في أحد كتب العروض الإنجليزي أن هناك شعراً تتكون تفاعيله في الأيامب، وشعراً تتكون تفاعيله من الداكتيل. . . الخ. مما يجده القارئ في هامش مقاله، وبحث في القاموس فوجد أن الأيامب عبارة عن وحدة من مقطعين، أولهما قصير والثاني طويل وهكذا. وفاته أن هذه التعاريف لا تنطبق على الشعر الإنجليزي بسهولة، وإنما هي خاصة بالأشعار اليونانية واللاتينية، ففي هاتين اللغتين تتميز المقاطع بعضها عن بعض بالطول والقصر، وأما اللغة الإنجليزية واللغة الألمانية فتتميز مقاطعها قبل كل شيء بالارتكاز الصوتي فهناك مقاطع تنطق بضغط وأخرى بغير ضغط، وعلى هذا يكون الأيامب وحدة من مقطع لا يحمل ارتكازاً وآخر يحمله. ومن ثم لا يكون الشعر الإنجليزي (شعراً كمياً بل (شعر ارتكاز وهذا هو الرأي المعتمد.

وفي موضع آخر يقول الأستاذ: (ويفضل بعض الشعراء البحر الإسكندري نسبة إلى الإسكندر الأكبر القصائد التي نظمت فيه من هذا البحر. ويؤثر شعراء المأساة الفرنسيون النظم من هذا البحر إطلاقاً وهو يتكون من اثني عشر مقطعاً (ست تفعيلات إيامبية مقطعين). (وهذا القول أيضاً يدل على أنواع من عدم الدقة بل ومن الخطأ البين. فعدم الدقة نجدها في شرح سبب تسمية هذا البحر فهو ليس نسبة إلى الإسكندر الأكبر بل نسبة إلى رواية بالذات كتبت في القرن الثاني عشر بفرنسا (عن الإسكندر الأكبر) ' ومنها لأول مرة استعمل هذا البحر بدلاً من الأبحر الأقصر منه التي كانت مستعملة في القرون الوسطى. وأما الخطأ ففي ظن الأستاذ أن البحر الإسكندري في الشعر الفرنسي يتكون من ست تفعيلات إيامبية مقطعين، فهذا لا وجود له في الشعر الفرنسي ومن المعلوم أن اللغة الفرنسية قد فقدت منذ قرون:(1) الكم فلم تعد هناك مقاطع طويلة ومقاطع قصيرة إلا في حالات نادرة في أواخر الكلمات مثل ومن المسلم به عند الفرنسيين وعند جميع من كتبوا عن الشعر الفرنسي إن هذا الشعر لا علاقة له بكم المقاطع (2) الارتكاز فألفاظ اللغة الفرنسية لم تعد تحمل ارتكازاً وإنما يوجد ارتكاز في أواخر الجمل، فكل جملة فرنسية أو شبه جملة تنتهي بارتكاز نجس أنه ارتكاز شدة ارتفاع معاً إلا في حالة الوقف فإن يعتبر

ص: 25

ارتكاز شدة فحسب. فمثلاً جملة لا نجد منهما غير ارتكازين اثنين أولهما على والآخر على والارتكاز الأول ارتكاز شدة وارتفاع في الصوت، وأما الثاني فشدة فقط لأن الارتفاع يسقط للوقف. وإذن الشعر الفرنسي ليس شعراً كمياً ولا شعراً ارتكازياً لسبب واضح هو أن مقاطع تلك اللغة لا تتميز بكم ولا ارتكاز. الشعر الفرنسي يسمونه بكل بساطة (شعر مقطعي)

من هذه الملاحظات يتبين لنا أن هناك ثلاثة أنواع من الشعر كما نحب من الأستاذ خشبة ما دام قد أراد أن يبصرنا بحقائق الأوزان أن يميز بينها لنحاول بعد ذلك أن نرى أين يقع منها الشعر العربي، وبذلك قد نستطيع أن نساعد على ظهور أنواع جديدة من الشعر العربي تمكن شعراءنا الكبار الذي يعجب بهم الأستاذ من إجادة فنهم حقاً. وعندئذ سنرى المسرحيات تكتب شعراً كما كانت تكتب منذ ثلاث قرون، ونكون بعملنا هذا قد أثبتنا للعالم المتحضر أنهم مخطئون في عدم استمرارهم على استخدام الشعر في المسرحيات

هذه الأنواع الثلاثة هي: (1) الشعر الكمي (2) الشعر الارتكازي (3) الشعر المقطعي

أما النوع الأول فهو الشعر اليوناني واللاتيني القديم، وأما النوع الثاني فهو الشعر الإنجليزي والألماني، وأما الثالث فهو الشعر الفرنسي

الشعر الكمي:

لنأخذ لذلك مثلاً بيت فرجيليوس في الإلياذة:

نجده مكوناً من ستة تفاعيل، وكل تفعيل مكون من مقطعين طويلين (سبونديه)، أو مقطع طويل ومقطعين قصيرين (داكتيل)، ما عدا التفعيل الأخير فمقطعه الأخير قد يكون قصيراً ويكتفي به لأن الوقف يعوض المقطع الآخر القصير الذي حذف. وإليك التقطيع مع رمزنا للمقطع الطويل بالعلامة - والمقطع القصير بالعلامة =

-=-== -=-

-

وأما الأساس الذي يعتبر به المقطع طويلاً أو قصيراً فيرجع إلى الحرف الصامت فإذ كان طويلاً بطبيعته كما هو الحال في بعض الحروف اليونانية، أو كان حرفاً مزدوجاً أو كان

ص: 26

ناتجاً عن إضغام حرفين صامتين، أو كان متلواً في نفس المقطع بحرف صامت اعتبر المقطع طويلاً وإلا فهو قصير. وفي القواميس الجيدة نجد دائماً كم الحروف الملتبسة

ونحن لا نريد أن نطيل في تحليل موسيقى هذا النوع من الشعر. فهي لا شك لا تقف عند التفاعيل والمقاطع بل لا بد لها من إيقاع ينتج عن وجود ارتكاز شعري يسمى وهو يقع على مقطع طويل في كل تفعيل. كما أن هناك وقفاً هاماً في كل بيت يشبه الوقف على الشطر في البيت العربي. وهو في البيت السابق يقع بعد المقطع السابع كما وضحنا بالعلامة=والواقع أن أوزان الأشعار اليونانية واللاتينية معقدة صعبة حتى بالنسبة لمن يتقنون تلك اللغات وذلك لأن نطقها غير معروف على وجه دقيق، ومن باب أولى عناصرها الموسيقية. ولهذا نكتفي بما ذكرنا معتذرين عن اضطرارنا إليه تكملة للعرض

(للكلام صلة)

محمد مندور

ص: 27

‌المشكلات

10 -

اللغة العربية

للأستاذ محمد عرفة

لماذا أخفقنا في تعليمها؟ - كيف نعلمها؟

لقد كان يكفيني ما قدمته من الأدلة على فساد الطريقة الرسمية في تعليم اللغة العربية، وعلى صحة الطريقة التي بينتها وأفضت الكلام فيها، ولكني أعلم أن المألوف شديد انتزاعه، وأن النفوس تكره العدول عما وجدت عليه الآباء والأجداد إلى شيء لم يكونوا عليه، وربما خيل إليها أن السلف الماضين لم يؤثروا هذه الطريقة على ما عداها إلا لفضلها وكفايتها، وأن العدول عنها إلى غيرها عدول عن الحق النافع إلى الباطل الضار، ولو كان في هذا الجديد خير لسبق إليه الأولون

وإني أريد أن أبين أن الطريقة التي ندعو إليها هي طريقة العصور الزاهرة لسلفنا الماضين، وأنها لم تتغير إلى الطريقة التي نشكو منها إلا في عصور الضعف والتأخر العلمي، وأريد أن أذكر من أقوال السلف ما يشهد بتفضيل هذه الطريقة على طريقة القواعد والقوانين لأونس القلوب بأن ما أدعو إليه ليس شيئاً أنا ابتدعته وإنما هو شيء كان يعلمه رجال العلم والتربية من آبائنا السابقين

وأريد بعد ذلك أن أذكر بعض أقوال رجال التربية من علماء الغرب في هذا الموضوع لأبين أن العقل والدليل ورجال العلم في القديم، ورجال التربية في الحديث وعلماء الشرق والغرب على أن اللغات إنما تكتسب بالتكرار والحفظ والتعهد والدربة وأن القواعد والقوانين لا تكسب ملكة اللغة أول كتاب وضع في نحو اللغة العربية وعكفت عليه الأجيال هو الكتاب لسيبوية، وهو كتاب مليء بالشواهد من كلام العرب، شعرها ونثرها، وكلام الله وكلام الرسول، وأبياته تزيد على الألف، وكان الدارس له يحفظ أبياته وشواهده ويدرس قواعده، فيكتسب ملكة اللغة بما يحفظ من المنظوم والمنثور، ويعلم قوانينها بما فيه من القواعد، ولم يكن النحوي هو من عرف القواعد فحسب، بل كان النحوي هو من عرف القواعد، وحفظ أشعار العرب، وعلم تخريجها، وحفظ أيامهم وخطبهم وحكمهم ومساجلاتهم؛

ص: 28

ولذلك كان اسم النحوي مرادفا لاسم الأديب، وألف العلماء كتباً في تراجم النحويين سميت باسم طبقات الأدباء، كما فعل ابن الأنباري في كتابه نزهة الألباء في طبقات الأدباء - وإذا قرأنا ترجمة من تراجم أساتذة النحو في عصوره الأولى كالمبرد والكسائي والفراء وابن جني بهرنا ما نرى من حفظهم وإتقانهم واطلاعهم على شعر العرب والمحدثين واستيعابهم لغة العرب، والملكة التي جاءتهم من مزاولة هذه اللغة؛ فما من غريب إلا وهم به محيطون، وما من شاهد أو مثل إلا وهم به عالمون، وما من أسلوب إلا وهم عارفون بمعناه قادرون على تخريجه

ولم يكن الأمر كذلك في النحو فقط بل كان أيضاً في البلاغة، فأول كتاب ألف في البيان العربي وصل إلينا هو البيان والتبيين لأبي عمر وعثمان بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 255 هـ وهو كتاب حوى من الأشعار والخطب والأحاديث والأمثال والمساجلات ما هو كفيل بتربية ملكة البيان، والكتب التي وضعت بعده كالبديع لابن المعتز، ونقد الشعر لأبي الفرج قدامة ابن جعفر، والصناعتين لأبي الهلال العسكري، كلها كتب ملئت بالشواهد والأمثلة، ومتنوع الأساليب، وقد عنوا بذلك ولزموه وحافظوا عليه ثقة منهم بأن كسب ملكة البيان إنما تكون بحفظ الأساليب التي استكملت شروط البلاغة، وابن الأثير في كتابه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر حذر دارس كتابه أن يقتصر على القواعد التي في الكتاب، وأوجب عليه أن يكتسب الذوق الأدبي بالاطلاع على بيان العرب من منظوم ومنثور والإكثار من حفظه وممارسته ممارسة أساليبه؛ قال في مقدمة كتابه: ومع هذا فإني أتيت بظاهر هذا العلم دون خافية، وحمت حول حماه ولم أقع فيه، إذ الغرض إنما هو الحصول على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصع، وتخلب العقول فتخدع، وذلك شيء تحيل عليه الخواطر، لا تنطق به الدفاتر. واعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذاً، وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا، فإن الدربة والإدمان أجدى عليك نفعاً، وأهدى بصراً وسمعاً، وهما يريانك الخبر عياناً، ويجعلان عسرك من القول إمكاناً، وكل جارحة منك قلباً ولساناً، فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك، واستنبط بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهدته لك من هذه الطريقة إلا كمن طبع سيفاً ووضعه في يمينك لتقاتل به وليس

ص: 29

عليه أن يخلق لك قلباً؛ فإن حمل النصال، غير مباشرة القتال

وإنما يبلغ الإنسان غايته

ما كل ماشية بالرحل شملال

وكان كلما أفرط في درس القواعد والتعمق فيها ظهرت آراء تدعو إلى القصد في درسها والاقتصار منها على ما أقام الألسن. قال ابن السكيت: خذ من الأدب ما يعلق بالقلوب، وتشتهيه الآذان، وخذ من النحو ما تقيم به الكلام، ودع الغوامض، وخذ من الشعر ما يشتمل على لطيف المعاني، واستكثر من أخبار الناس وأقاويلهم وأحاديثهم ولا تولعن بالغث منها

وقال الجاحظ في رسائله: (فصل في رياضة الصبي، وأما النحو فلا تشغل قلبه منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أرد عليه منه، ومن رواية المثل للشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع. وإنما يرغب في بلوغ غايته، ومجاوزة الاقتصاد فيه، من لا يحتاج إلى تعرف جسيمات الأمور، والاستنباط لغوامض التدبير لمصالح العباد والبلاد، والعلم بالقطب الذي تدور عليه الرحى، ومن ليس له حظ غيره، ولا معاش سواه. وعويص النحو لا يجدي في المعاملات، ولا يضطر إليه شيء)

وقد وجد شعور منذ زمن طويل بتفضيل تعلم اللغة بالملكة على تعلمها بالقواعد، عيب على عمار الكلبي بيت من شعره فامتعض وأنشد أبياتاً منها.

كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم

وبين قوم على إعراضهم طبعوا

فهذا الشاعر قد فاضل بين الطريقتين، وفضل الطريقة العملية على الطريقة العلمية التقريرية

وكان الناس يأخذون ألسنتهم بالإعراب ويلتزمون العربية في كلامهم. وكانوا يعيبون من يلحن ويحفظونه عليه ويتحدثون به. وما زال الأمر كذلك في النحو والبلاغة حتى نبتت في العصور المظلمة تلك الحماقة التي تقدس القواعد وتجعلها كل شيء في تعليم اللغة وتربية ملكتها؛ وأعطتها قوة العصا السحرية، فما هو إلا أن يضرب المرء بها حتى يستحوذ على لغة العرب فيكتب بها ويخطب ويساجل وينظم الشعر، فأكثروا من القواعد وأقلوا من عرض المثل والشواهد والأساليب، وورثنا نحن عنهم هذه الطريقة وسرنا عليها حتى الآن

ص: 30

ورجال التربية في القديم والحديث والشرق والغرب طالما دعوا إلى تعليم اللغات بالحفظ والتكرار والمرانة والدربة، وبينوا أن القواعد والقوانين لا تعلم اللغة ولا تكون ملكتها، وطالما نددوا بهذه الطريقة التقليدية، وبهذا الأسلوب العقيم في تعليم اللغة؛ فابن خلدون الفيلسوف الاجتماعي م 808هـ بين في مقدمته أن اللغة ملكة، وأن الملكات لا تكتسب بالقواعد؛ إنما تكتسب بالحفظ والتكرار. قال في فصل عنوانه (أن اللغة ملكة صناعية) اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة؛ إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني. . . (والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة، أي صفة راسخة)، ثم بين أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم، وكان حرياً بأهل القرن الثامن وما تلاه من قرون أن ينتفعوا بآرائه وبما بسطه هذا العالم المجدد ودعا إليه من آراء في التربية، ولكن ابن خلدون رجل سبق عصره فلم تنتفع به أمم الشرق، ومن المؤلم أننا في عصرنا الحديث لم نفك قيود التقليد، وننفض عنا غبار الكسل، ونحرر أنفسنا من هذه الطريقة التي تلاحقنا نتائجها إخفاقا بعد إخفاق، وخيبة أثر خيبة

هذا حديث الشرق وحديث الغرب أعجب، فما من كاتب كتب في التربية إلا وأنحى على طريقة القواعد، ورأى أن اللغة لا تعلم إلا بالحفظ والمحادثة؛ فروسو رجل الفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر نبه في صراحة على أن اللغات يجب أن تعلم بواسطة المحادثات لا بواسطة الصرف والنحو. والدكتور غوستاف لوبون المفكر الفرنسي ذكر في كتابه روح التربية أن الأمم الراقية لا تأخذ التلاميذ في تعليم اللغات بكتب النحو وإنما تأخذهم بالكلام المألوف. ثم قال وهذه الطريقة لا تحرم التلاميذ درس النحو. فهو يدرس النحو أحسن درس بهذه الطريقة اللاشعورية التي تحول النحو إلى ملكة راسخة لا إلى تكلف وتعمل. . .

ودعا سبنسر الفيلسوف الإنجليزي في كتاب التربية إلى تعليم اللغات بأسلوب أشبه بسنن الطبيعة التي يتعلم بها الطفل لغته الأصلية بلا معين ولا مرشد فيضمحل التعليم بواسطة القواعد ويعتاض عن ذلك بطرق ناجعة، وذلك ما أفضى إلى تأجيل تعليم علوم النحو والصرف والبلاغة للطلاب. واستأنس في ذلك برأي المسيو مارسيل الذي ذهب فيه إلى أن

ص: 31

علوم النحو والصرف والبلاغة ليست مما يبتدأ به في تعليم الأطفال، ولكنها متممات ومكملات. ثم قال سبنسر: وقصارى القول أنه لما كانت علوم النحو والصرف والبلاغة إنما نشأت بعد تكون اللغة كان من الواجب أن يتلقاها التلميذ بعد تكون اللغة، وسوى هؤلاء كثير من رجال التربية في العصر الحديث

إن أساليب التعليم والتربية التي تسير عليها أمة من الأمم هي خير مقياس لعقليتها وثقافتها ومقدار نضوجها، فإن كانت تجري على قوانين العقل والوجود وتساير الرقي الإنساني العام، وتلائم روح طبائع الأشياء، استدللت بذلك على ثقافتها ورقيها؛ وإن كانت تخالف ذلك أمكنك أن تحكم على الأمة بالتأخر في مضمار الحياة. وبالضعف في شتى مناحيها العقلية والاجتماعية والسياسية، وإن الأمم الرابضة حولنا، والمتطلعة إلينا، والتي تخالطنا وتجاورنا لتحكم علينا بما نصطنعه من أساليب في التربية والتعليم؛ فلنأخذ بالأسلوب المطابق لطبائع الأشياء وقوانين الوجود في تعليم اللغة العربية، إن لم يكن لإتقان اللغة والتوفيق في تعليمها، فالاتقاء حكم الأمم علينا بالتأخر في مضمار الحياة.

محمد عرفة

ص: 32

‌2 - جامع أحمد ابن طولون

(حديث ألقي في نادي النجادة في ليلة القدر)

للأستاذ أحمد رمزي بك

قنصل مصر في سوريا ولبنان

إنه لمن غير المستصعب والمستغرب أن يقيم رجل العصبية دولة بين أهله وعشيرته، ولكن أن يخرج رجل وحيد ينحدر من سلالة في أواسط آسيا، فيؤسس ملكا عريضاً يضم مصر والشام والثغور والعواصم، ويسيطر بذكائه وفطنته فيقود، وينتصر، وتخضع له الخاصة والعامة، وتدين له الرقاب ويقارع أكبر سلطة شرعية، ذلك أمر لا يتم إلا لرجل قد امتاز عن كافة الناس وخصته العناية بصفات من الأخلاق والمزايا النفسية لا تتوفر في غيره

ويذكرني ذلك بما كتبه أحد مفكري الغرب عن عظماء الرجال في القرن العشرين إذ قال: إن هناك قوات جامحة من قوى الطبيعة تسبح في فضاء هذا الكون، فتصيب الرجل العظيم الذي هيأته العناية لدور فاصل في تاريخ الإنسانية، فتراه قد استيقظ إذ لمسته وأفاق فقبض على هذه القوى بكلتا يديه، فدانت له الجماعات وخضعت لمشيئته، فإذا هو على رأسها يسخر هذه القوى ويدفعها إلى الأمام فيغير مجرى الحوادث ويكتب التاريخ كما يشاء، ذلكم هو أبو العباس أحمد بن طولون، رجل من عظماء التاريخ العربي ملك مصر وقاد وانتصر

ولسنا في موضوع الحديث عنه ولا عن أعماله لنؤرخ له، وإنما نحن في مقام التعريف لذلك الرجل الذي عاش في القرن الثالث الهجري، وإذا كان لي أن أختم هذه الكلمة وما أصعب على النفس ختمها فما لي سوى ترديد قول شوقي في شعره الخالد عن الزعيم مصطفى كمال إذ ينطبق على أميرنا ابن طولون:

هو ركن مملكة وحائط دولة

وقريع شهباء وكبش نطاح

وأنتقل الآن إلى الجزء الثاني من هذه المؤانسة فأحدثكم عن زيارتي لجامع ابن طولون

كان ذلك في خريف العام الماضي، حينما حللت بالقاهرة المعزية، وكان وقت الأصيل حينما توجهت إلى جامع ابن طولون وارتقبت ذلك لأرى أثر أشعة الشمس وقت غروبها،

ص: 33

وما تلقيه من روعة، على منظر القاهرة، فإن رؤية مآذنها العالية وقباب مساجدها التي تعد بالمئات مما يدخل في قلبي رهبةً وإحساساً فائضاً وحنيناً إلى الماضي وعوداً إليه

ولما صعدت إلى قمة المنارة ونظرت إلى أطراف المدينة من مشهد السيدة نفيسة والإمام الشافعي، إلى القلعة فالسلطان حسن والرفاعي، ثم إلى جامع الجاولي حيث أعجبني هذا التناسق البديع الفائق الحد الذي يبدو بالنظر إلى القبتين المتجاورتين إذ هما قطعتان من قطع الفن العربي الخالد

ولا أحدثك عن الذكريات التي غمرتني ساعتئذ وإنما تساءلت كيف حفظت العاصمة كل هذا التراث العربي العظيم؟ وكيف خرج من كل أدوار التاريخ خالداً، وهو يدافع المحن ويسمو على طوفان الحوادث

ولا بأس من إيراد حديث دار مع سيدة من كبريات سيدات الغرب، وقت أن نزلت من المنارة واتجهت إلى صحن الجامع، فقد كانت جالسة على كرسي فحيتني أحسن تحية، ثم قالت لي كالمعاتبة لغيري:

(متى بلغ اهتمامكم بآثاركم العربية هذا الحد حتى أتيت من بيروت لتقضي إجازتك السنوية، ووقت راحتك في منادمة أطلال الماضي وما درس من آثاره؟)

قلت: بلى أحن إلى هذه الجدران، وأعرف نقوشها، وهذه المئذنة والمحاريب وهذا المنبر الذي وضعه حسام الدين لاشين، وما شعرت يوماً بأني غريب عنها، بل هي عندي صورة من صور الماضي الباقي الذي يفيض حياة، ويلازم فكري، واستمد منه قوة على قوة، وأسير في هداه، وأستعير منه الحجة لأقرع بها الحجة. . .

ولما تركتها متجهاً إلى الأروقة قلت يا لله! إن المساجد له، وهي مع ذلك تعلو علواً كبيراً، ليغمرها العز والسؤدد والمجد ثم تهبط إلى التدهور والتفكك والنسيان حتى يقيض الله لها من ينتشلها من وهدتها. فالنتعرف إلى بعض الشيء من عظمة هذه الجدران. . .

لقد حمل هذا الثرى الذي أسير عليه ابن طولون وملكه، وطالما ازدحم هذا الصحن بالأمراء والجند والعامة، ولو نطقت هذه الجدران لحدثتنا حديث رجال الفقه والتفسير والحديث الذين اجتمعوا هنا لسنين خلت. ولأعادت علينا آيات الكتاب الكريم التي رتلت أصوات المؤذنين والشيوخ والقراء التي ذهبت في أعماق الماضي البعيد. أين صناديق

ص: 34

المصاحف الطولونية والشمعدانات التي وضعها الحاكم بأمر الله؟

أين القناديل المعلقة بالسلاسل التي وصفها المؤرخون؟

أين الأبسطة والفرش من عبدانية وسامانية التي أمر بها ابن طولون وخص بها المساجد؟

أين جماهير المصلين وحلقات الدرس والتلاوة؟

ووقفت أمام المحراب الكبير، وقلت هنا صلى بالناس، عندما كمل الجامع، القاضي بكار بن قتيبة إماماً، وهو مفخرة من مفاخر القضاء المصري في القرن الثالث، وهدية البصرة لمدينة مصر

وعلى منبر في مكان هذا قام أبو يعقوب البلخي يوم الافتتاح خطيباً؛ ثم جاء الربيع بن سليمان، وهو من تلامذة الشافعي رضي الله عنه، بل من أحبهم إلى قلبه، فافتتح دروسه في إملاء الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام

(من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة).

ففي أي ركن من هذه الأركان كان هذا الدرس؟

وأين اللوحة التذكارية لهذا اليوم؟

لابد أن يكون مكان هذا الدرس على مقربة من المحراب الكبير، فلنتمهل ولنترحم على صاحب الدرس وعلى شيخه وأستاذه.

(للحديث صلة)

أحمد رمزي

ص: 35

‌البريد الأدبي

مسابقة الأدب العربي

سأثور على الكسل وأشرح الكتب المقررة لمسابقة الأدب العربي في هذه السنة، على نحو ما صنعت في السنوات الماضية، مع الثناء على من أثاروني يوم تجمهروا حولي من جمعية الشبان المسلمين، ومع الثناء على الخطاب الوارد من دمياط

والغاية واضحة، وهي أن أساعد فريقاً من الطلبة على انتهاب جوائز وزارة المعارف، وسينتهبونها بأيسر مجهود بعد إدراك ما أقدم إليهم من التوجيهات. والله هو الموفق

سأبدأ في الأسبوع المقبل بنقد كتاب (قادة الفكر) للدكتور طه حسين بك، ثم أمضي إلى نقد سائر الكتب المقررة في الحدود التي يسمح بها الوقت، وسيسمح الوقت لأن الامتحانات التحريرية ستقع في الرابع والعشرين من فبراير المقبل، ثم تقع الامتحانات الشفوية بعد ذلك بأيام أو أسابيع.

وسأسكت عن كتاب (المختار) للمرحوم الشيخ عبد العزيز البشري، لأني تكلمت عنه بإسهاب في العام الأسبق ويستطيع المتسابقون أن يرجعوا إلى حديثي عنه بمجموعة الرسالة في مكتبات المدارس الأميرية

ولا يفوتني أن أنص على أن الذين يختارون كتب المسابقة للأدب العربي - وهم رجال فضلاء - لم ينسوا في أي عام كتب الدكتور طه حسين، وكتب الأستاذ أحمد أمين، ولم يفتهم النظر إلى الكتب المودعة بمخازن لجنة النشر والترجمة والتأليف؟

أنا لا أعترض، وإنما أسجل ظاهرة أدبية، ولا حرج على من يصدق في تدوين التاريخ.

زكي مبارك

إلى الأستاذ محمد عرفة

أخي العزيز

قرأت فصولك في اللغة العربية بإمعان. وكلما تم فصل منها أترقب غيره بشغف حتى بلغت تلك الفصول التسعة عدداً. وهنا أشفقت ألا تطلع علينا بجديد منها فبادرت إليك لأبدي لك شعوري نحو هذا الإصلاح المنشود. وهو إحياء اللغة الفصحى وجعلها ملكة يلهج بها

ص: 36

اللسان دون تكلف. . . إني أخاطبك الآن كأخ لأخيه أو بالحرى كانسان لنفسه.

أخي العزيز. . .

إن لغتنا هي من أبدع اللغات وأغناها؛ ولكنها كالكنز الدفين الذي لا يتمتع به أصحابه. إذا أشقينا النفوس بدراستها السنين تلو السنين فلن نفوز منها بطائل يشفي تلك النفوس وينعشها ويحررها من ذلك النقص الذي تشعر به أبداً وقد أورثها تلك الأدواء التي يصفها لنا علم النفس الحديث

إن لغتنا الفصحى سهلة؛ بل سهلة جداً؛ ولكن الصعب فيها كما بينت يا أخي في فصولك التسعة في الرسالة الغراء - أنها لم تصبح بعد ملكة عندنا. . . ولكن. . .

ألا ترى يا أخي أن الفصحى إذا تناولها الجمهور أفسدها. إن ما بين أيدينا اليوم من كتب وصحف ومجلات. أكثرها فصيح الأسلوب، ولكن هذا الفصيح كتب عليه الفشل. إنه لا يقوى على النهوض إذا خاطب عيون القراء. . . لماذا. . . لأن الخط الحاضر (الكتابة) هو الذي أفسد اللغة

فلو كان الخط أميناً لصور لنا الكلام بأمانة مطلقة تصويراً كاملاً واضحاً لا لغز فيه ولا إبهام. ثم لو كان الخط أميناً. . . لكانت الفصحى منتشرة على كل لسان

وكيف نكتب الفصحى بالمران والتكرار عن طريق القراءة التي لا نهاية لها لو ظلت هذه تقدم لنا صباح مساء بخط مبهم العلامات والضوابط. .؟

أتريد أن تنشر الفصحى يا أخي، قبل أن تحررها من سجن الخط الحاضر. إن الفصحى كادت تموت بين جدران الخط العربي الحاضر المبهم الذي لا ضابط له ولا شكل.

أراني وقد أطلت عليك الحديث مرغماً بعد العذر أن أرجو ملحاً ألا توصد ذلك الباب قبل أن تكمل فصولك الممتعة في هذه المجلة موجهاً عنايتك توجيهاً مخلصاً إلى حل مشكلة الخط أو الكتابة الحاضرة ولك مني وللرسالة - الغراء - ألف شكر

ا. . عكاوي

المهرجان الأدبي بالسودان

يسرني أن أزف إلى الناطقين بالضاد في كل قطر ومصر، والى أبناء العروبة أجمعين،

ص: 37

والى المتحرقين شوقاً لمعرفة سير موكب النهضة الأدبية في السودان، أن المهرجان الأدبي الخامس قد تم بمعونة الله إخراجه للناس بنادي الخريجين بالخرطوم في ثاني وثالث أيام عيد الفطر المبارك في حلة زاهية قشيبة وبطريقة مبتكرة جذبت إليه الجمهور المثقف أمام تلك الدار الزاهرة. في ذلك اليوم المشهود خلق كثير أتوا من كافة أنحاء السودان لشهود هذا العيد الثقافي المجيد الذي أصبح الناس هنا يعدونه عيداً قومياً له دلالته ومعناه. والحقيقة أنه جدير بهذه العناية وهذا الاهتمام

أجل أقيمت تلك السوق الأدبية الحافلة فألقيت البحوث الأدبية والتاريخية والعلمية، وأنشدت القصائد، وعرضت اللوحات الفنية، وترنم المغنون بأغانيهم الشجية، كما أنشد نشيد المهرجان. ولا يفوتنا أن نذكر أن موسيقى الجيش المصري كانت تشنف الأسماع بحلو الأنغام وعذب الألحان فقوبلت تلك المساهمة من رجال الجيش المصري البواسل بالتقدير والحمد وهناك ملاحظة جديرة بالذكر وهي أن أدباء مصر لم يساهموا في هذا المهرجان ولم يبعثوا بأي إنتاج فكري كما اشتركوا في المهرجان الماضي؛ ولم نسمع صوتاً لباقي أبناء البلاد العربية. فعسى أن نسمع أصوات هؤلاء جميعاً في المهرجان المقبل بإذن الله

ولقد كان المهرجان الأدبي حدث المحافل والمجتمعات في أيام العيد، بل حديث القطر بأجمعه، لأنه حدث أدبي جليل الشأن في النهضة الحديثة في السودان؛ فللأدب الآن دولة بالسودان لها رعية وأنصار

ويلذ لي أن أذكر أن المهرجانات الأدبية تقام عندنا هنا في كل عيد فطر. ولقد أقيم المهرجان الأدبي الأول بمدينة واد مدني عاصمة مديرية الجزيرة، ثم انتقل المشعل إلى أم درمان العاصمة الوطنية، ولم يتم إخراج المهرجان الثاني لأسباب قهرية، ولكن المهرجان الثالث قد أقيم في نفس المدينة أي أم درمان، ثم سلمت المشعل إلى نادي الخريجين بالخرطوم في العام الماضي فدأب أشبال النادي يعملون لإخراج المهرجان الرابع؛ لكن الأمنية لم تتحقق لأسباب طارئة. وفي هذا العام تمكن النادي عينه من إخراج المهرجان الخامس الذي نحن بصدد الحديث عنه

ولعل من المفيد أن أذكر نادي الخريجين بواد مدني هو الذي أخرج المهرجان الأول وهو صاحب الفكرة نفسها، ونادي الخريجين بأم درمان هو الذي أقام المهرجان الثالث، كما أرى

ص: 38

من الإنصاف أن أقول إن الخريجين في كل مدينة في السودان هم مصدر الحركة والنشاط والنهضة

أما المهرجان الأدبي السادس الذي يجب أن يقام في عيد الفطر المقبل فلم يعين بعد اسم النادي الذي سيتولى هذه المهمة السامية فنسأل الله التوفيق

(الخرطوم - السودان)

حيدر موسى

ص: 39