الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 555
- بتاريخ: 21 - 02 - 1944
في معرض الآراء
للأستاذ عباس محمود العقاد
مرت بنا في هذه الأيام آراء كثيرة حول الكتابة والكتاب وحول التأليف والمؤلفين، منه ما يفيد للمناقشة فيه والرد عليه، ومنه ما يفيد للدلالة على بعض الإفهام والأذواق. وفيما يلي طائفة من هذه الآراء، على سبيل التمثيل لا على سبيل الحضر والاستقصاء
من ذلك قول الأديب الحجازي الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إنني أستدل على حماقة بثينة بحديثها مع عبد الملك بن مروان حين قال لها: ما الذي رأى فيك جميل؟ فقالت الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك!
ويقول الأديب: (والذي يلوح لي أن إجابة بثينة لا تنبئ عن حمق، بل هي تشف عن حصافة رأى ورجاحة عقل. . . فعبد الملك إنما سألها بما سأل مبكتاً غاضاً من جمالها وقادحاً في جميل. . . إلى آخر ما قال
وخطأ الأديب في هذه الملاحظة راجع إلى نسيانه أول الحديث الذي تناقلته كتب الأدب ونقلناه فقلنا: إنها دخلت على عبد الملك بن مروان (فرأى امرأة خلقاء - أي حمقاء - مولية)
فقولنا إنها لم تخل من حماقة منظور فيه إلى هذه الرواية المتناقلة لا إلى السؤال أو الجواب بينها وبين عبد الملك، وقد يكون في جوابها قصاص سريع من عبد الملك، ولكن الأجوبة المسكتة كثيراً ما صدرت من الحمق والمجانين
قم قال الأديب عبد القدوس يشير إلى كلامنا في رسالة جميل بثينة: (يقرر الأستاذ خطأ مدرسة الاستحسان التي تقرر بأن من وصف محبوبه بأنه كالشمس أغزل ممن شبهه بالبر أو كوكب من الكواكب. . . بيد أنه خرج من ذلك في الصفحة 78 إلى أن قول جميل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى
…
وفي الغر من أنيابها بالقوادح
ينأى به عن اتباع المذهب الاستحساني في تغزله. والذي يبدو لي في هذا القول أنه ليس فيه ما يجافي جميلاً عن المذهب المذكور)
وخطأ الأديب في هذه الملاحظة راجع أيضاً إلى نسيانه المدرسة الغزلية الأخرى التي تكلمنا عنها وهي مدرسة الرقة في خطاب المحبوب أو في التحدث عنه. وقد نسي أيضاً أن
الذي يتمنى التشويه لمحبوبته لا يرضى مذهب الاستحسان بهذا التمني. وقد قلنا معترضين: (إن جميلاً - مثلا - أبطل المبطلين في عشقه وغزله عند مدرسة الاستحسان أو مدرسة الرقة. . . لأنه سأل الله تشويه ما هو حسن في عيني حبيبته وثغرها وهما أجمل ما يتمنى له الجمال في وجه محبوب)
وعلى أية حال لا مساس في هذا ولا ذاك بالحقيقة التي نقررها وهي أن الاستحسان غير العشق وغزل العشاق، لأن الإنسان قد يستحسن ولا يحب، بل قد يجمع الكره والاستحسان، وقد يتمنى تشويه محبوبه ليتركه له الناس كما ضربنا المثل بأمنية جميل وأمنية كثير، وهنا موضع الإشارة في كلامنا إلى مدرسة الرقة ومدرسة الاستحسان
وننتقل من هذا الكلام إلى يحسبه كله كلاماً فارغاً ويحسبنا نحن الكتاب أو النقاد رجعيين جامدين لأننا نحفل في هذا العصر بشعر عمر بن أبي ربيعة أو شعر جميل، ومن جاراهما من الشعراء
فقد حمل إلى البريد مجلة أسبوعية على موضع منها علامة حمراء تومئ إلى حديث دار بين المجلة وبين آنسة من الطالبات أو (الأديبات) السوريات سئلت فيه عن رأيها في أدباء مصر فقالت: (مما يؤسف له أشد الأسف أن معظمهم رجعيون. . . أفكارهم. . . كتبهم. . . مؤلفاتهم. . . مقالاتهم. . . كلها تدل على أنهم من أنصار الرجعية. ثم أطلقت الآنسة ضحكة رشيقة وقالت: أنظر. . . نحن الآن في عصر الطيارات والراديو والمخترعات الحديثة، ولكن الأدباء ما يزالون يتحدثون عن عصر ابن أبي ربيعة!. . .)
وبودنا نحن أن نعرف ما هي العلاقة بين الطيارات وإلغاء شعر ابن أبي ربيعة أو شعر غيره من أدباء العصور الأولى
هل كان ابن أبي ربيعة صانع دراجات أو مركبات خيل فبارت صناعته باختراع الطيارات؟
هل حلت الطيارات محل النساء اللاتي كان ابن أبي ربيعة مشغولاً بهن فوجب أن يشتغل بمغازلة الطيارات عن مغازلة النساء؟
هل أصبح الناس بغير قلوب وبغير ألسنة لأنهم يركبون الطيارة أو يستمعون إلى المذياع؟
هل ألغي الأوربيون مخترعو الطيارة شعر هوميروس وهو سابق لعصر عمر من أجل هذا
الاختراع؟
لا وحق المحروسة الغالية التي تعلم كتاب مصر وأدباءها ماذا يكتبون وماذا يدرسون
فالأوربيون الذين اخترعوا الطيارات على أنواعها، والذين شغلتهم الطيارة في كل ميدان من ميادين القتال أو ميادين السلام، والذين يبتدعون الأزياء للعقول والجسوم، لم يتركوا أدباءهم الأقدمين أو المحدثين ليستبدلوا بهم مصنوعات المعامل من آخر طراز، ولم يحسبوا أن هؤلاء الأدباء مرجوعات تباع في سوق (الخردة) كلما ظهر طراز جديد من المصنوعات
وإلى يساري الساعة رفوف عليها أكثر من خمسين مجموعة شعرية ظهرت في إبان الحرب الحاضرة بين ضرب القذائف من الطيارات وإطلاق الأسراب بعد الأسراب من الطيارات، وقيام الرؤساء وقعودهم بالحديث عن الطيارات والغارات بالعشرات بعد العشرات
بل في هذه المجموعات نفسها قصائد من نظم الطيارين الذين يعيشون على الطيارة ويموتون معها ثم يعودون إلى شعرهم القديم ويذكرون أساطير اليونان الني تحدثت عن الطيران قبل الأوان
فلا علاقة إذن بين الطيارة وإلغاء عصر ابن أبي ربيعة. وإن كان هناك شيء قد صنعه عصر الطيارة على التحقيق فهو أنه لا يقبل الآن ما كان يقبله عهد القرون الوسطى من ثرثرة الكبيرات أو الصغيرات من بنات حواء، لأنهن بنات حواء
فإذا كانت المحروسة الغالية تفهم هذا فلا تستغرب أن تلقي بعض جزائها على الخوض فيما تجهل وعلى التعرض بذلك الأسلوب لأناس لهم على كل إنسان مهذب حق الرعاية والتبجيل
ونستأذن عصر الطيارات مرة أخرى لنرجع إلى موضوع (رجعي) عتيق وهو موضوع اللغة ثم موضوع التاريخ القديم، وكلاهما قد يحرم على المخلوق الناطق في عصر الدوي والأزيز؛ فقد أجبنا الأستاذ الفاضل محمود أبا رية بما نراه في استعمال كلمة الفشل بمعنى الإخفاق، فقلنا: (إن هذه الكلمة من الاستعمال الحديث الذي شاع حتى غطى على معنى الكلمة القديم، مع تقارب المعنيين، حتى ليجوز أن يحمل أحدهما قصد الآخر، لأن التراخي
والضعف والخواء قريبة كلها من الحبوط والإخفاق)
فعقب على هذا عالم فاضل من رجال اللغة عندنا قائلاً في العدد الماضي من الرسالة: (وأنا أقول إن الإخفاق لا يلازم الضعف والتراخي حتما. . . فالضعف شيء والإخفاق شيء آخر، ولو صح هذا التقارب بين المعنيين، حتى ليجوز أن يحمل أحدهما قصد الآخر لجاز أن يطلق الإخفاق ويراد به الضعف أو ما يلابسه من المعاني)
ونحن كما يرى حضرات القراء لم نقل أن الإخفاق والضعف شيء واحد، ولكننا قلنا إنهما متقاربان قد يحل أحدهما محل الآخر، فكل ضعيف مخفق في حالة ضعفه وقوة خصمه عليه، وكل مخفق ضعيف في حالة إخفاقه ونجاح خصمه. ولنا أن نقول إن فلاناً مخفق الرأي ونعني به الضعف الذي يحول بينه وبين النجاح، وليس التحرج في هذا بأنفع من التسهل، وما كان العرب يجهلون إطلاق الكلمة على المعنى لمناسبة قريبة بل بعيدة في أحايين كثيرة. وحسبنا أن الأستاذ نفسه قد تردد بين التسهل والتشدد في هذا الموضوع لنعلم أن التسهل فيه لا يخلو من حجة يحسب لها حساب
وقد وردت علينا آراء أخرى لا نحب أن نعرض الآن لجانب اللغة منها، لأننا نود أولاً أن نحيل صاحب تلك الآراء على المراجع الكبرى ليهتدي إلى صوابه قبل أن نهديه إليه
ولكننا نتناول ناحية التفكير من آرائه لأن المجال فيها متسع لشيء من التنبيه والتذكير
فقد كتب الفهرسي المجتهد الأستاذ بشر فارس في مجلة المقتطف مقالاً استغرق نحو سبع صفحات منها عن كتابنا (الصديقة بنت الصديق) زعم فيه زعماً لا يقبل الشكر كما قال (إن المؤلف ما أراد أن يولج كتابه في جانب العلم الصرف)
وهذا الزعم الذي لا يقبل الشكر هو الزعم الذي لا يحسب من العلم الصرف في شيء
لأن الحق الذي توخيناه هو أننا أردنا متابعة العلم في كل حقيقة من الحقائق التي بسطناها، ولكننا لم نولج كتابنا على حد تعبيره - في باب الفهرسيات وما إليها، لأنها صناعة تليق بمساعد في مكتبة علمية، ولا تليق بعالم أن يفرغ لها أو يجعلها كل قسطه من العلم والكتابة
ففي كل (دفتر خانة) من دواوين الحكومة كاتب صغير أو ساع يعرف الكتابة والقراءة ويعرف من الرفوف والأرقام ومراجع المواليد والوفيات والمزارع والبيوت والأسناد والعقود ما يستنفد السنوات من حفاظ الفهارس والعناوين
ولكنني أؤكد التوكيد الذي لا شكر فيه أنهم لا يحسبون من العلماء والأدباء، ولا فرق بينهم على الإطلاق وبين من يحفظون الفهارس والجزازات ويستخرجونها (عند الطلب) من مواضعها على الرفوف
وفي الأمر ما هو أكثر من ذلك وأدعى إلى الحذر والانتباه؛ فإن هذه المحفوظات الفهرسية خطر على التفكير وإصالة البحث قد يعطل الأفكار ويعوق الفهم عن درك حقائق الأمور، لأنه يعود الفارغين لها أن يعرفوا الأشياء بأسمائهم وعناوينها ويغفلوا عن مسمياتها وحقائقها. ولا خير في ألف عنوان لألف مذهب أو كتاب إذا كانت هي قصارى المعرفة عند جماعة الفهرسيين
ومن عوارض ذلك في كلام ناقد المقتطف أنه يذكر مثلاً كلمة النقد الداخلي ويسوقها إلينا كأنها شيء غريب لم يخطر لنا ولا لأحد على بال، لأنه عرف الشيء بعنوانه ولم يعرفه بحقيقته ولبابه. ولو أنه عرف ما هو النقد الداخلي على الحقيقة واللباب لفهمه في عشرة كتب على الأقل كتبناها عن شخوص مختلفين، وكلها دائرة على النقد الداخلي لطبائع أولئك الرجال. وليس بفاهم ما هو هذا النقد الداخلي من لم يفهم أنه هو النقد الذي توخيناه ونحن نكتب عن محمد وعمر والصديق وعلي وعائشة وجيتي وابن الرومي وأبي العلاء والمتنبي وسعد زغلول وعشرات آخرين
كذلك يقول مثلاً: (كيف تكون عائشة جارية صغيرة على نحو ما وصفتها بريرة - تنام عن عجينها - وهي ابنة ستة عشرة أو فوق ذلك؟)
فلولا الفهرسيات لاستطاع ناقد المقتطف أن يفهم ذلك حق فهمه، لأننا كتبنا ثلاثة فصول نقرر فيها أن السيدة عائشة قد نشأت مدللة بحكم ولادتها في الحضر، وبحكم ولادتها في قبيلة بني تميم خاصة، وبحكم ولادتها في بيت الصديق على الأخص، وبحكم الحظوة التي لقيتها في بيت زوجها العظيم. فإذا كانت فتاة في السادسة عشرة لا تنام عن عجينها في هذه الحال فماذا يسميها الناقد الفهيم؟ أيقال إنها امرأة نصف؟ أيقال إنها عجوز شمطاء؟
إنما الآفة آفة الفهارس كما قلنا، وإنما كان صاحبنا يفهم ما ذكرناه لو أنه ظفر بجزازة فهرسية قيدت عليها كلمة العجين وقيل فيها - مثلاً - (ومن العجين ما تنام عنه الفتاة وهي في السادسة عشرة، كما جاء في ترجمة عائشة - راجع كذا وكذا وكذلك وكذاك. . .)
ويومئذ يكون هذا هو العلم الصرف وهذا هو التحقيق العجيب. . .
وإذا كان لهذا الكاتب عذر من قلة الفهم فقد كان ينبغي أن يتجنب قلة الذوق لئلا يجمع بين الفقرين السيئين، وفي واحد منهما كفاية
فلا يحسب علينا أن نطيل القول في حديث الإفك دفاعاً وتصحيحاً وهو يطيل القول فيه للتوهين والتشكيك
(فنحن نقول (على الذي يقبل وشاية كتلك الوشاية الواهية أن يروض عقله على تصديق أمور كثيرة لا موجب لتصديقها. . . عليه أن يصدق أن صفوان بن المعطل كان رجلاً لا يؤمن بالنبي ولا بأحكام الإسلام، وأن يصدق أن السيدة عائشة كانت وهي زوج النبي لا تؤمن به ولا تعمل بدينه)
فإذا بالناقد الفهيم يعقب على ذلك فيقول: (والذي أراه أن هذا الاستدلال مجتلب بل محض ذاتي، وذلك لأننا نعلم من طريق المشاهدة والملاحظة أن البشر يتفق لهم أن يزلوا وإن كانوا من أهل التصديق والإيمان)
وهذا كلام فيه سوء فهم وسوء ذوق مجتمعان!
سوء فهم، لأن المسألة هنا ليست مسألة الزلل وكفى، ولكنها مسألة الشك في اتصال النبي بعالم الغيب وقدرته على كشف الحقيقة مع إنكار المنكرين. وليس في المشاهدة والملاحظة التي يتشدق بها هذا الكاتب الفهرسي أن امرأة نبي تفعل ذلك وهي مؤمنة به، وتفعله بغير إغراء يستطير الألباب من الرءوس
أما سوء لذوق فكفى أن نشير إليه ولا نطيل فيه، وكفى الآن من هذا الموضوع إلى حين.
عباس محمود العقاد
محمد أحمد جاد المولى
للدكتور زكي مبارك
في الساعة الثامنة من صباح اليوم حدثني الأستاذ عبد الله الصفتي تليفونياً بنبرات حزينة لم يتحدث بمثلها من قبل وهو يقول: عظم الله أجرك في جاد المولى بك!
فقلت: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وكررتها نحو عشر مرات وأنا مأخوذ بصدمة لم تكن تخطر في البال، فقد كان جاد المولى بك في صحة وعافية، وكانت ملامح وجهه تنبئ بأنه لن يموت قبل التسعين أو الثمانين
وأحدق الحزن بقلبي من كل جانب، فقد تصورت ماضيه وماضي في رعاية صداقة غالية كانت مضرب الأمثال، بحيث اعتقد كثير من الناس أنه لم يصادق غيري وأني لم أصادق سواه، فما وقع بيننا ما يوجب الملام في محضر أو مغيب، ولا سمع عني أو سمعت عنه ما يستوجب العتاب
كذلك تصورت، وكذلك توهمت أنني فجعت فيه وحدي، ثم كانت النتيجة أن يتبدد ما تصورت وما توهمت، فقد رأيت جميع من في وزارة المعارف يترحمون عليه، ورأيت فيهم من بكاه بالدمع وهو الدكتور رياض
زلزلت وزارة المعارف لموت هذا الرجل، وعدت فجيعتها فيه من الفواجع الفوادح، وتمثل الجميع ما كان عليه من سجاحة النفس ودماثة الأخلاق
وأدى رجال المعارف واجبهم نحو فقيدهم الغالي فبلغوا نعيه إلى مدارس القاهرة ليشترك جميع المدرسين في تشييع جثمانه إلى المقر الأخير
وأردت أن أشترك في توديعه، ولكني لم أستطع فقد عز علي أن أرى جاد المولي بك محمولاً على نعش، وكان بالأمس ملء العيون والقلوب
لم يبق إلا أن أودع هذا الرجل بكلمة تقرب صورته إلى من جهلوه، وما أكثر من جهلوه، والحكيم يعيش في زمانه عيشة الغرباء
بداية جميلة
كان جاد المولى بك في طليعة إخوانه بدار العلوم، فأوفدته وزارة المعارف إلى إنجلترا في بعثة علمية، وحين عاد أعجب به المغفور له حسن باشا عبد الرزاق فاقترح على عظمة
السلطان حسين كامل منحه رتبة البكوية، وكانت تلك الرتبة لا تمنح للشبان، فكان أول من نالها بفضل تفوقه وهو في عنفوان الشباب.
ثم رأى أن يتعرف إلى الجمهور فألقى محاضرتين علنيتين عن الغزالي وابن خلدون، فكان غاية في الفهم لابتكارات هذين الفيلسوفين العظيمين
وفي سنة 1924 أرسلت إدارة الجامعة المصرية خطاباً إلى وزارة المعارف تدعوها فيه إلى تكليف أحد رجالها الاشتراك في لجنة امتحان الدكتوراه في الفلسفة بجانب الأستاذ عبده بك خير الدين، وكان وكيل المعارف حينذاك عاطف باشا بركات، فاختار جاد المولى بك، ولهذا الاختيار قيمة نفيسة، فقد كان عاطف باشا من أعرف الناس بأقدار الرجال
كنت أنا الطالب الذي يؤدي امتحان الدكتوراه في الفلسفة وكنت أنا الذي جهل أن وزارة المعارف رمتني منه بداهية، فقد وجه إلى أسئلة أثارت الجمهور وحملت الشيخ عبد المجيد اللبان والشيخ محمد الأبياري على أن يغضبا غضبة إسلامية، ولولا تلطف الدكتور منصور بك فهمي لانقلب ميدان الامتحان إلى قتال
كان من رأي جاد المولى بك حين خلت اللجنة للمداولة أنها غير مسئولة عن آرائي في كتاب الأخلاق عند الغزالي، ولكن الدكتور منصور بك فهمي أقنعه بأن لجنة امتحان الدكتوراه لا تعرف غير شيء واحد هو قدرة الطالب على تأييد آرائه ولو انتهت إلى الضلال!
الذكي المتغابي
كان جاد المولى بك غاية في الذكاء، وكان غاية في التغابي
ما أذكر أن مشكلة غاب عنه فهمها على الوجه الصحيح، ولا أذكر أنه أخطأ الفهم لشأن من الشؤون
كان يثق بي فيحدثني عن آرائه في المجتمع، فأرى له مذاهب من الفكر تغيب عن أكثر الرجال
شهيد الواجب
بلغ جاد المولى بك سن التقاعد قبل شهور، ولكن معالي الهلالي باشا رأى أن يقترح على
مجلس الوزراء مد خدمته سنتين، للانتفاع بخبرته التعليمية، فبالغ جاد المولى بك في نشاطه ليؤيد حقه في ثقة ذلك الوزير الجليل
وفي أحد أيام الأسبوع الأخير من شهر أغسطس الماضي كنت بحضرة الهلالي باشا في مكتبه بالإسكندرية، لأحدثه في شؤون تستوجب لقاءه هناك
وفي أثناء الحديث صلصل تليفون المعارف بالقاهرة ليقول الوزير للوكيل ما نصه بالحرف:
(يجب أن تنتهي حركة التنقلات قبل اليوم العاشر من سبتمبر، ليعرف المدرسون إلى أين يتوجهون. . . شغل جاد المولى بك)
وعند رجوعي إلى القاهرة رأيت من الأمانة أن أبلغ جاد المولى بك ما سمعت، فطلب جميع معاونيه من إجازاتهم بالبرقيات لينجز حركة التنقلات بأسرع ما يستطاع
والذي يعرف أن متاعب مدرسي اللغة العربية ليس لها حدود يعرف كيف يعاني من يحاول راحتهم من شديد العناء
ضغط الدم قتل جاد المولى بك، وهو مرض لا يصاول غير شهداء الواجب. . . فعلى روح هذا الشهيد ألف تحية وألف سلام
كانت لهذا الرجل مغاضبات في أعوامه الأخيرة، ولكنه لم يغاضبني في أي يوم. كانت عبارته حين يلقاني: أهلاً بدكتورنا فسلام عليك يا أكرم أستاذ وأشرف صديق
لو أنشأنا مليون مدرسة لما استطعنا أن ننشئ فتى في مثل أدبك وذوقك. ولو أنشأنا مليون قصيدة في الرثاء لعجزنا عن كلمة الصدق فيك، يا أصدق الأوفياء
أكرمك الله وأعزك، وجعلك من أهل الفردوس
رفق ولطف
كان جاد المولى بك رفيقاً جداً بمعاونيه من المفتشين فلا يصدر رأياً إلا بعد الاستئناس بما عندهم من آراء، وكانت صلاته بالمراقبين صلات أخوة صافية، وقد بلغ به التواضع أبعد مبلغ فاتهم بالضعف ظلماً وعدواناً، وجرت القالة بأنه يعجز عن درء الشر إن وجه إليه، وهذه القالة وتلك التهمة مهدومتان من الأساس، فجاد المولى بك لم يكن يحب الخصام ولا القتال، حتى نطالبه بالمقدرة على اللدد والعنف، وإنما كانت فطرته تهدية دائماً إلى إيثار
الرفق والمسالمة مع جميع الناس
وما الموجب لأن تكون حياتنا كلها قتالاً في قتال، بحيث لا نتصور الشجاعة إلا بصورة واحدة هي المصاولة والفتك والإيذاء؟
وما الذي يمنع من أن نرى في ضبط النفس شجاعة تفوق كل شجاعة؟
إن المظاهرة بالعداء أخف وأسهل من المجاهرة بالصفاء، لأن العداء العنيف هو البقية مما ورثناه عن عهود الوحشية، ولا كذلك التلطف والترفق، فهما من مظاهر الرقي في الشمائل الإنسانية
والحق أن أخلاق جاد المولى بك كانت فوق ما نطيق، ولهذا كان يحب ناس أن يزيفوها، ليستروا عجزهم عنها، فقد كانت من المعجزات
أين من يصدق أن كبير مفتشي اللغة العربية لم يكن يقدر على توجيه كلمة فيها صورة الأمر للساعي الذي يحفظ ودائع مكتب التفتيش؟
لو كان تلطفه مع الرؤساء ناشئاً عن ضعف لوجب أن يكو أسداً في معاملة الضعفاء
وهذا بحث إن أطلناه طال، والمقام يضيق عن الإطناب
مؤلفات جاد المولى بك
أشهر مؤلفاته كتاب (محمد المثل الكامل) وقد طبع غير مرة، وانتفع به كثير من المسلمين، ثم ترجمه أحد الأفاضل إلى اللغة الفارسية باسم (عظمت محمد)، وبهذا وصل نفعه إلى أبعد آفاق الشرق الإسلامي
ومن خير مؤلفاته (كتاب الأخلاق) وهو كتاب فصل به المذاهب الأخلاقية أجمل تفصيل
ثم ماذا؟
ثم يكون الرد المفحم على ما اتهم به جاد المولى بك، فقد قيل وقيل إنه وضع اسمه على مؤلفات كثيرة بوصف أنه اشترك في التأليف مع أنه لم ينشئ بقلمه فصلاً من فصول تلك المؤلفات
ولهذه التهمة أصل من الصحة، ولكن المتهمين تناسوا جوهر القضية؛ فقد كان الرجل أستاذاً كبيراً، والأستاذ يوجه أكثر مما يؤلف، وبالتوجيه السديد أنشأ جيلاً من المؤلفين النوابغ، وهم تلاميذه الأوفياء، وبإرشاده وبجهودهم زودت المدارس بأطايب المؤلفات الأدبية
الدينية. وهذا فضل لا يجحده إلا أهل العقوق
تحية وسلام
أما بعد، فإني أسارع إلى رثاء هذا الرجل الكريم، لأني أخشى أن لا يجد من يرثيه، فما كانت له عصبية دنيوية، ولا كان يحب أن يكون له اسم طنان، ولا كان يعلن معروفه ليقال إنه طوق جيد فلان أو فلان
كانت أعماله لوجه الله ولوجه الوطن في صمت وسكون
لم أستطع المشي في جنازتك يا أستاذي وصديقي وزميلي؛ فقد هدني الحزن الذي رأيته على وجوه رجال المعارف يوم موتك، وهو حزن صادق من رجال صادقين
أفي الحق أني لن أراك بعد اليوم؟
أفي الحق أن إخوانك بوزارة المعارف لن يجدوك إن افتقدوك؟
عندي خبر أبلغه إليك، وهو أننا تلقينا اليوم خطاباً باسمك أرسلته الرابطة العربية تدعوك فيه إلى موافاتنا بعيادة الدكتور محجوب ثابت لتنظيم الاحتفال بتأبين الأستاذ محمود بك بسيوني، رحمه الله ورحمك
فما رأيك في أسبوع أفقد فيه صديقين كريمين؟
أتكون الدنيا غادرة إلى هذا الحد المزعج؟
ما أسعد الذين شيعوه وشيعوك إلى مثواه ومثواك
عند الله أحتسب فجيعتي في صديقين قد لا يجود بمثلهما الزمان، ومن الله أستمد العواء، فليس من العدل أن أشقى لفراق صديقين يشغلان عني بما أعد الله من النعيم لأهل الصدق والوفاء.
زكي مبارك
في مجموع رسائل الجاحظ
لأستاذ جليل
في هذا الكتاب الذي أفضل على الأدب العربي في هذا الوقت بنشره الدكتور باول كراوس، والأستاذ محمد طه الحاجري، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر - وجدت حروفاً أذكر بعضها اليوم:
1 -
في ص 45:
. . . فيفشو من هذه الجهات أكثر مما تفشيه ألسن المذاييع المبذر، وجاء في الحشية: كذا في الأصل ولعله المبذرين أو البياذير
قلت: هي البذر مثل الصبور والصبر والغيور والغير والفخور والفخر، والبذور والبذير هو الذي يذيع السر ولا يكتمه، ومثل البذر في المعنى المذاييع جمع المذياع وهو بناء مبالغة من أذاع السر إذا أفشاه
وفي حديث: ليسوا بالمساييح البذر. وفي حديث على: ليسوا بالمذاييع البذر
2 -
في ص 104:
. . . وفي مثل آخر: لن تعدم الحسناء ذامًّا
قلت: هو لا تعدم الحسناء ذاماً. والذام والذيم: العيب، وذامه - كذمه - عابه. ومثله العاب والعيب في الوزن. وقد ذكرت كتب الأمثال قصة هذا المثل
3 -
في ص 120:
واستمسكت بحبلك، واستذرأت في ظلك
قلت: استذريت في ظلك، واستذري بفلان أي التجأ إليه وصار في كنفه، وفلان في ذرى فلان أي في ظله
4 -
في ص 102:
. . . وقد قيل: كل مجرٍ في الخلاء يسبق
قلت: المثل المشهور هو كل مجر في الخلاء يسر. وقد يقال: كل مجر بخلاء سابق، وكل مجر بخلاء مجيد
5 -
في ص 71:
وسواء - جعلت فداك - ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدحس والدس
وجاء في الحاشية: ولعل الصواب (أي صواب الدحس) الدعس
قلت: العس الوطء. وأغلب الظن أنها الرس، ورس بين القوم: أفسد
6 -
في ص 40:
وقام مقام الإخبار عن غير تشاور ولا تواطئ مقام العيان قلت: رسم التواطؤ هو بهمزة فوق واو. ومثل ذلك التجرؤ والتبرؤ اللتان يكتبونهما كثيراً بهذه الصورة: (التجري والتبري) وجاءت (خطئ) في ص 21 بهذه الصورة: (خطأي) وأرى رسمها كما خططتها. وقد وردت التواطؤ في ص 24 مضبوطة
7 -
في ص 22:
ومنهم من تريده للمهنة
قلت: ضبطت المهنة بكسر الميم، وقد أنكر الأصمعي الكسر. ونقده الزمخشري في (الفائق) ووردت اللفظة في كتب اللغة بفتح الميم وكسرها، وفتح الميم والهاء، وفتح الميم وكسر الهاء. فخير أن تضبط بالفتح والكسر، أو بالذي هو أفصح - كما قالوا - وهو الفتح. ومثل الاقتصار على كسر الميم في المهنة ضبط الضن في ص 7 و 26 و 27 بالكسر، وهي بالفتح والكسر
8 -
في ص 63:
ولابد أيضاً من حزم يحذرك مصارع البغي، ويخوفك من ناصر المظلوم.
قلت أرى أن تضبط (مصارع) بفتح الميم كما قصد صاحب القول.
9 -
في ص 64:
والهوى يتصور في صورة امرأة، فلا يبصر مساقط العيب، ومواقع الشرف
قلت: السرف، والجمل التي بعدها تدل على ذلك، ولم ينبه على اللفظة في جريدة (التصحيحات)
10 -
في ص 18:
والإفراط في المضرة مبعثة على حربك، والإفراط في جر المنفعة غنا لمن أفرطت في نفعه عنك
قلت: إذا كسرت عين (غنى) قصرت، وإذا فتحتها مددت فقلت غناء كما قال ابن سيده في (المخصص) والغنى والعناء: الاستغناء
11 -
في ص 30:
فتحرز من دخلاء السوء
قلت: السوء - بفتح السين - وهو الفساد
12 -
في ص 103:
فلما لم ير أحداً بحضرته يدب عن كتابي قال. . .
قلت: يذب بالذال، وذب عنه دافع عنه. وهذا تطبيع لم يذكر في جريدة (التصحيحات)
13 -
في ص 110:
لاسيما إن كان مع استبطان الحسد
قلت: جاءت (ولاسيما) في هذا الموضع وفي غيره مجردة من ذينك الحرفين. وأستبعد كثيراً هذا التجريد في كلام المحدثين الأولين؛ وإن أجاز ذلك نحاة من المولدين المتأخرين، وقد وردت اللفظة ومعها صاحباها في ص 24 و 68
14 -
في ص 43:
ألم تر أن وُشاة الرجا
…
ل لا يدعون أديما صحيحا
فلا تفش سرك إلا إلي
…
ك فإن لكل نصيح نصيحا
قلت: (ل) في أول الشطر الثاني في البيت الأول هي في مكانها في هذا البحر. وفي المتقارب تجتمع العروض الصحيحة والمحذوفة. و (ك) في أول الشطر الثاني في البيت الثاني مكانها في الشطر الأول مع جارها، والقبض في هذا البحر في كل موضع حسن. فترتيب هذا البيت هو بهذه الصورة:
فلا تفش سرك إلا إليك
…
فإن لكل نصيح نصيحا
وإذا كانت (الكاف) في العجز اختل وزنه
15 -
في ص 104
فإن أبناء النعم وأولاد الأسد محسودون
قلت: هل الأصل وأولاد الأسر - بالراء - محسودون، ونحن هنا في حسد الأناسية لا في
حسد السباع الضارية
16 -
في ص 117
وإذا اكتسى ثوباً نسيسا لم أقل
…
يا ليت أن علىَّ حسن ردائه
قلت: ثوباً نفيساً. والنسيس بقية الروح الذي به الحياة، والجهد وأقصى كل شيء، والجوع الشديد
17 -
وفي هذه الصفحة المتقدمة:
وإذا تخرق في غناه وقرته
…
وإذا تصعلك كنت من قرنائه
قلت: وفرته بالفاء، وهذا البيت والذي قبله هما من مقطوعة رويت في (رسالة فصل ما بين العداوة والحسد) ورواها أبو تمام في حماسته، وهذه هي رواية حبيب:
إني وإن كان ابن عمي غائباً
…
لمقاذف من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرءا
…
متزحزحاً في أرضه وسمائه
ومتى أجئه في الشدائد مرملاً
…
ألقي الذي في مزودي لوعائه
وإذا تتبعت الجلائف مالنا
…
خُلطت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا اكتسي ثوباً جميلاً لم أقل
…
يا ليت أن علىّ حسن ردائه
وفي رسالة الجاحظ:
وكان عبد الله بن مروان إذا أنشد (إني وإن كان ابن عمي الأبيات) قال: هذا والله من شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم والانتقام عند الإمكان والمسألة عند الحاجة
ناقد
المرأة.
. .!
للأستاذ عمر الدسوقي
مناجاة:
ويحك أيها اليراع! مالك تتململ ولا تحير جواباً؟ ما يحبسك عن خوض هذه المعركة المحتدمة؟ إنها الفتنة تكاد تتمخض عن شر مبين، وسيطرة لا تنازع لتلك الأقلام التي تنكرت لما تحب وتؤمن أنه الحق! وإذا كتب لها الفلج فهيهات أن تجد سميعاً أو مجيباً أو مؤازراً بل ستخمد إلى الأبد مطموراً مع تلك الفضائل الحبيبة التي عصفت بها أعاصير الفتنة الجامحة!
استيقظ - ويحك - من هذا السبات الطويل؛ فإن الصمت اليوم جريمة! ألا ترى كيف يناضل دعاة الفتنة، ويصدرون عن ذهنية واحدة، ويضربون في هدف واحد، ويسيرون قد ما بخطى ثابتة يريدون أن يجتثوا ما بقى في قلوبنا من عقيدة وفي نفوسنا من حياء، ويمسخوا تقاليدنا الطيبة مسخاً زرياً؟!
هل تخشى أيها اليراع ذياك التيار الجارف العنيف الذي يهدر بالمجانة والعبث والرذيلة، ويكتسح أمامه النفوس الضعيفة المستخذية المنحلة ويقوض دعائم الحق والإيمان والفضيلة؟ هل يردعك ألا تجد في الميدان لداتك من دعاة الحق إلا نفراً قليلاً؟. . .
لا ترع أيها القلم! فإن هناك نفوساً كثيرة خيرة لا تزال صامدة صابرة تقاوم سيل الأباطيل المتدفق الذي يزلزل الأرض تحت أقدامها، وإن كان يخشى عليها الزلل إن لم يتقدم من يشد أزرها، وينافح عن مبادئها السامية، ويزيل من طريقها ما أثارته تلك الأعاصير حتى يتكشف لها الحق ويتضح الخير فيسكن بلبالها وتطمئن أفئدتها وتذهب شكوكها
لا ترع أيها القلم! فإن دعاة الخير كثيرون، وإن كانوا في صمت رهيب كما كنت، وسوف يدوي صوتهم كما كان بالأمس وسوف يغص بهم الميدان ثانية، فلن تكون في قلة، إن (الرسالة) في ماضيها المجيد قد كشفت عن أقلام جريئة قوية صادقة. فأين هي تلك الأقلام يا ترى؟ لعلها تستجيب لندائك فتلبي سراعاً، فتكافح في سبيل المدنية والخير والفضيلة!
من يوميات فتاة عصرية
فتاة مسلمة من أصل جركسي ولا يفوتني أن أشكر المؤلف إذ لم يدع أنها من سلالة عربية - تقطن القاهرة مدينة المعز، ومثابة الدين لا ترى حرجاً، وقد تشربت نفسها روح الحضارة الأوربية، وخلب لبها زيفها - أن تسجل في مذكراتها ما يأباه الدين والكرامة، فهي تسمح لعلي شقيق صديقتها بأن يقبلها لأنها (تستلطفه)، ثم تغازل أحمد في سيارة عامة لأن عينيه جذابتان، وتدع منديلها يسقط على مرأى منه كي يعدو وراءها ويناديها فتعرف: هل صوته جميل كعينيه؟ وتراه يدخل حانوت وراق فتلجه خلفه وتتمسح به، فإذا خرج كانت معه لدى الباب كما أرادت فيدعوها للخيالة فتلبي رغبته، وهي لا ترى بأساً من الكذب على والديها، وتذهب معه لأحياء ليلة رأس السنة في ملهى من ملاهي القاهرة وتعود بعد منتصف الليل ولا ترى ضيراً من إحياء عيد ميلادها هي بشرب قدحين من (البورتو)، وقد كادا يكونان من (الويسكي) في مقهى بالجيزة. . . الخ ما هنالك مما أستحي أن أسطره
هذا بعض ما جاء في آخر ما صدر من سلسلة (أقرأ)، ولست أدري وأيم الحق ما غرض مؤلفه منه!
أيريد أن يعرض علينا صورة بشعة مما عليه تعض الفتيات اللاوائي نبذن الفضيلة والخلق الرضي وراءهن ظهرياً، وقلدن الفتاة الغربية في مثالبها ونقائصها فيثير فينا الحمية، حتى ننأى ببناتنا عن مزالق الفتنة؟
أم يريد أن يؤنبنا على تفريطنا في أمر الفتاة، وأنا تركنا لها الحبل على القارب، فكان هذا شأنها؟ أم يريد أن يقول: إن هذه هي الفتاة العصرية، فيآيها الفتيات اللائي لا يزلن متمسكات بالفضيلة والحياء، إنكن جامدات رجعيات، وإن التمدين لن يكون إلا على هذا النمط، فقلدن (سميحة) حتى تتشرفن بأن يخلع عليكن لقب (العصريات)؟
ربما لم يقصد المؤلف شيئاً من كل هذا، وإنما يرمى لهدف لا أدريه، أو أنه يقصد (الفن للفن)، وإن كان عقلي الكليل لم يجد فيما كتب فناً
لا أنكر وجود هذا الصنف من الفتيات اللائي ينتسبن إلى بيئات تدعى أنها (أرستوقراطية)، ولعل الكاتب قد تلطف كثيراً فلم يعرض إلا نموذجاً (معتدلاً) منهن. ولكن أما آن لنا أن نكف عن عرض هذه المغريات التي تهوى بمجتمعنا إلى الحضيض؟
لقد ظهرت (سميحة) بأنها فتاة تعبث ولكنها لا تزل؛ وهذه خدعة من الكاتب، إذا لو هوت وزلت لارتدعت فتيات كثيرات ممن سيقرأن هذا الكتاب حفاظاً على شرفهن. وهب أن فتاة ما نجت بفضل مهارتها وإرادتها، أو بفضل ظروفها إذ لم تقع بين يدي ذئب مستهتر من ذئاب البشرية، فهل هناك ما يكفل لكل فتاة تنهج هذا النهج ذياك المصير؟
إننا لا نكتب لمصر فحسب، بل نكتب للشرق العربي كله، وليس هذا النوع - ونحن في فجر نهضتنا السياسية والاجتماعية - مما يجدر بنا أن نذيعه، فضلاً عن أنه يصور بيئتنا بصورة غير حقيقية لا تمثل إلا شرذمة انفلتت من تقاليدنا الإسلامية، ومسخت مسخاً غريباً فتنكرت لنا، وتنكرنا لها
كم نسبة المتعلمات في مصر - على فرض أنهن جميعاً من هذا الطراز لا قدر الله -؟ شئ ضئيل لا يكاد يذكر مع مجموع سكانها. فهل من الإنصاف أن نتحدث عن الفتاة المصرية بمثل هذا؟
لست ممن يحاربون تعليم الفتاة، لأني أومن بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأن الأم المتعلمة خير من الجاهلة؛ ولكني أريد تعليماً نغرس الفضائل في النفوس الغضة، تعليماً يجعل منها زوجاً صالحة، وأما تنشئ جيلاً قوياً فتياً معداً لمستقبلنا الذي يفرض علية تبعات كبيرة
إني أومن كذلك برسالة مصر الأدبية، ولكن إذا كان في مجتمعنا ما يزري، فهلا سترناه عملاً بالحكمة المشهورة:(إذا بليتم فاستتروا)! إني أعلم أن مصر قدوة تحتذي في البلاد العربية، فلم لا تكون القدوة حسنة تجاري الطبيعة العربية والفضائل الدينية؟!
حزب النسائي
أما سمعت بأن النساء يؤلفن حزباً في مصر - إذ لا ينقصنا غيره - وأن من أعراض هذا الحزب المطالبة بما يسمونه حقوق المرأة في الانتخاب، وأن بعضهن يطلب تغيير الشريعة الإسلامية في الطلاق، إذ لم يحسن الرجل استعماله فلتجرب المرأة، وفي الميراث، فتتساوى النساء والرجال. . . إلى آخر ما هنالك مما أذاعته بعض المجلات عندنا
ليست هذه الأمور مما يجمل بنا التقاضي عنها وإهمال مناقشتها، فإن كانت فاسدة وجب محاربتها، وإلا تركناها تأخذ مجراها الطبيعي. أما المطالبة بما يسمونه حق المرأة في
الانتخاب فليس هذا أوانه أبداً، لأن تسعة أعشار النساء في مصر يرسفن في أغلال الجهل والفاقة والأمية والخرافات، وليس من الطبيعي أن نكلف هذه الأكثرية العظمى فوق طاقتها بأن تفكر في الانتخابات وتعنى بالشئون العامة، وهي لم تنل بعد من الضروريات ما يجعلها تعيش كانسان، وإذا كانت جمهرة المنتخبين من الرجال في مصر لا يحسنون استعمال هذا الحق بعد فكيف يكون حال النساء؟ أليس عملكن هذا كمن يرى بائساً جائعاً يموت من الطوى، وعرياناً تقف أعضاؤه وتيبس من البرد فيعرض عليه نزهة في سيارة؟! إن المرأة الأوربية التي تحاكينها لم تنل هذا الحق إلا بعد أن صار التعليم في ديارها أكثر من تسعين في المائة؛ ففي إنجلترا مثلاً لم تنله إلا في هذا القرن، ومنذ سنين معدودات. وأولى بنا ألا نفكر في هذا إلا بعد أن نبلغ هذا القدر من التعليم
إني أتمنى كل الخير للمرأة المصرية فهي نصف الأمة أو تزيد، وأرجو أن تخلص الحركة النسائية في مصر لقضية المرأة فلا تهتم بالزخارف وتغفل الجوهر، وتقلد المرأة الغربية تقليداً أعمى في آخر ما وصلت إلية. إن الخطوات الطبيعة للنهوض بالمرأة المصرية أن يحشد المتعلمات جهودهن لإزالة الفقر والجهل ومحو الأمية وتنوير عقول الجمهرة من نسائنا، حتى لا يخلدن إلى الخرافات والخزعبلات والرقي والتعاويذ
أما الشطط الذي يلج فيه بعض المتعلمات حين يطالبن بتغيير الشريعة الإسلامية في الطلاق والميراث فيتم عن عدم تبصرة بمبادئ الإسلام، وما نتضمنه من خير عميم للمرأة المسلمة تحسدها عليه كل امرأة أخرى في العالم. ولست هنا في صدد بيان هذه المبادئ والإفاضة في شرحها، بيد أني أقول: إذا كان بعض الرجال قد حاد عن نهج الدين وأساء استعمال هذا الحق ولم يستمع لقول نبي الإسلام عليه السلام (أبغض الحلال عند الله الطلاق)، فلن يكون عمل هذا النفر دليلاً ما على أن الشريعة الإسلامية لم تتوخ العدالة ولم تعرف أي الجنسين أولى بأن يمسك عقدة الطلاق. فالمرأة مرهفة الحس رقيقة العاطفة، سريعة التأثر، وزوجها مكلف شرعا بالإنفاق عليها وعلى بنيها، فهو يقدر التبعة حق قدرها ويأخذ حقه الطبيعي. إن مآسي الطلاق في أوربا تفوق الحصر، ويضطر أولو الأمر في لندن لإنشاء محكمة للطلاق كل عام حتى تناهض عدد القضايا الكثيرة، فخير لنا أن نحترم شريعتنا وأن نبث تعاليم الدين الصحيح بين أفراد الشعب، وألا نغالي في ظلامات النساء.
أما حق المرأة في الميراث، فالمفروض أنها ستكون زوجاً؛ لأن هذه هي وظيفتها التي هيأتها لها الطبيعة، فإذا أخذت نصف أختها في الميراث ستأوي إلى من يتكفل بعيشها والنفقة عليها، فيكون نصيبها ونصيب زوجها مساوياً لنصيب أخيها وامرأته، وهذه هي العدالة بعينها. فلا بد من تفهم الإسلام قبل أن نجهر بهذه الآراء الفجة التي تدل على تسرع المرأة وانفعالها وسرعة تأثرها وعدم إصغائها لنداء العقل بل لصرت العاطفة.
عمر الدسوقي
مدرس بمعهد التربية العالي
جولة في الفردوس
مع الشاعر ميخائيل نعيمة
للأستاذ رديني خشبة
(إلى روح أبي العلاء، بمناسبة أسبوعه في لبنان الصديقة)
استطاع شاعر لبنان المبدع ميخائيل نعيمة أن ينقلنا معه على أجنحته الأثيرية إلى جنته الوارفة الظلال، التي غرسها خياله الواسع الشاسع العلوي العجيب.
صحبناه فيها ساعة، بل ساعات، في مجموعته الشعرية الرقيقة (همس الجفون) التي جمعت طائفة من أشعاره الباهرة الممتعة من نظمه بين سنتي 1917 و 1930، بعضها بالعربية وبعضها بالإنجليزية، مترجماً إلى العربية بالشعر المنثور، فما راعنا إلا أن نرى شبحين، أو طيفين يلازماننا في رحلتنا إلى هذه الجنة العجيبة غدواً ورواحا. . . أحدهما عن يميننا، وكان عابساً متجهماً، منقبض القلب. . . كاسف البال، منطوياً على نفسه، غائر العينين مظلمهما. . . وقد وقف عند الباب فلم يدخل معنا. . . ولم ندعه نحن للدخول، لأننا لم نكن قد دعوناه لاصطحابنا في هذه الرحلة البعيدة المدى، بل لم نلق بالنا إلى عروجه معنا. أما ثانيهما فكان يدلف عن شمالنا، وكان هاشاً باشاً، ضحوكا طروباً. . . تشيع في أعطافه نشوة تشبه الخمار، فهو يتثنى ويتمطى. . . ونحن ننظر إليه، ولا نستطيع أن نفهم عنه هذا التخلج ولا ذاك الاضطراب. . . فلما انفتح باب الجنة كان أسبقنا إليها دخولا، واعرفنا بها مسالك ودروباً. ثم ابتعد عنا وغاب بين الأشجار عن أنظارنا، وسمعني شاعر لبنان أردد من شعره، وقد سمعت نغما ينبعث من أقدام ذاك الطيف:
من ذلك، بين الأشجار
…
يمشي كخيال من نار
هو يضرب عوداً والأشجا
…
ر تئن لشكوى الأوتار
الزهر يُنكّس تيجانه
…
والحور يُلَمْلِم أغصانه
والريح تمر على أوتار
…
العود فتخنق ألحانه!
فتبسم وقال: هذا النيسابوري عمر الخيام. فقلت: ليته رأى شيئاً كهذا في حياته، إذن لكان آمن وكفى نفسه شر هذا الشك الذي باعد بينه وبين هذا الفردوس! إني لأسمعه الآن وهو
ينشد:
عدم آخر الوجود، فصاحي
…
هاتِ راحاً أغدو بها غير صاح
وأدرها ريحانة الأرواح
لست شيئاً بعد الممات فهبني
…
لست شيئاً قُبيله، واصطحبني
نقتل الوقت لذةً وانشراحا
…
وثمولاً ونشوةً وانطرابا
فأرثى له، لأنه نفى أن يكون شيئاً بعد الموت، وهاهو ذا يسعى بروحه بين أيديكم يا معشر الشعراء إلى حيث تذهبون من هذه الجنات التي تغرسونها اليوم. . . له الله!. . أين ولي؟. . . فقال صاحبي اللبناني: لقد ذهب يلتمس ريحانة الأرواح في ظل تلك الكرمة النائية، فهلم نذهب إليه، فقلت: عجبا لك يا صاحبي! ألا تزال مشوقاً إليه مشغوفاً به، وأنت من أنت في هذه الجنة الفيحاء؟ أليس بحسبك ما ترسمت خطاه، حين قلت في همس جفونك، من أوراق الخريف:
عودي إلى حضن الثرى
…
وجددي العهود
وانسي جمالاً قد ذوى
…
ما كان لن يعود
كم أزهرت سوسانةُ
…
وكم ذَوَتْ ورود
فلا تخافي ما جرى
…
ولا تلومي القدرا
فمن أضاع جوهراً
…
يلقاه في اللحودْ
عودي إلى حضن الثرى!
وأردت أن أردد من أشعاره ما ردد فيها من معاني النيسابوري عمر الخيام، لولا أن تجهم قليلاً، وقال مقاطعاً لكنك تبدل بعض الكلمات في شعري ولا ترويه كما نظمته. . فاعتذرت إليه بأني إنما أروى الذي علق بالذاكرة، وقد لا تؤتمر الذاكرة في غالب أمرها
ثم انطلقنا إلى حيث جلس الخيام في ظل كرمة، وقد وقف أمامه مخلوق عجيب يحاسبه ويشتط عليه في الحساب. . . فلما سألت صاحبي اللبناني عن هذا المخلوق الأديب المتمكن، ذكر لي أنه زهير بن نمير، شيطان ابن شهيد، الذي ألهمه رسالته (الزوابع والتوابع). فقلت له: وما زهير بن نمير في هذه الجنة، وهو شيطان!؟ فتبسم صاحبي ثم قال: لعله ما أوى إلى هذه الجنة إلا ليحاسبني أنا، لا ليحاسب الخيام. . . فامض بنا،
وليكفني الله شره! فقلت له: وماذا أخشى منه؟ إن لأراك تفرق أشد الفرق! فقال: أخشى منه تحذلقه وتشبثه السخيف بالعربية الصحيحة الفصحى؟ فقلت: أتعد التشبث بصحة اللغة وفصاحتها سخفاً؟! والله لنشر كنه في هذا الأمر إذن! يا زهير. . . يا زهير. . . يا زهير بن نمير. . . ولم أزل أهتف به حتى شغلته عن الخيام ويمم نحونا. ولم يحيي ولم يبني، بل عبس عبوسة مظلمة قاتمة ثم قال: ويحك أيها اللبناني! أتدع أستاذك وابن جلدتك وفخر بلادك. . . درة المعرة أبا العلاء العظيم، بباب هذه الجنة، فلا تدعوه ولا تكلمه، وتترك تلميذه هذا الخراساني، ينفتل إليها ويعيث فيها، ويبحث أول ما يبحث عن أم عنب فينبطح في ظلها؟ من علمكم غرس الفراديس والتقلب في أفياء الجنان غير أي العلاء؟ وأنت مع ذاك تقول لصاحبك إنك تخشاني وتفرق من محاسبتي لتشبثي الذي تنعته بالسخف، بالعربية الصحيحة الفصحى؟ ولكن، لا والله. . . فلن يكون قاضيك إلا ذاك الذي تركته عند باب جنتك دون أن تدعوه إليها. . . فعد أدراجك إليه ثم كفر له عن ذنبك، ويشرفني أن أكون في إثرك مشاركاً في الدعوة عسى أن يغفر لك الشيخ!
ورأيت جبين صاحبي يقطب تقطيباً شديداً؛ وما كاد يخطو خطوة إلى وراء حتى انطوت أرض الفردوس تحت قدميه، وتحت قدمي، فكنا عند الباب من قدمنا، وإذا سيدنا أبو العلاء ينظر إلينا بكلتا عينيه الغائرتين، وقد رد إليهما الله القدير نورهما ثم يبتسم. . . وكنت أسبق إليه من صاحبي بالتحية التي حيانا بأحسن منها. وإذا كان أمر زهير بن نمير عجيباً، حين عرف ما تحدث به صاحبي ولم يكن معنا ولا قريباً منا. . . فقد كان أمر أبي العلاء العظيم أعجب. . . لقد هون على الشاعر اللبناني المبدع ما قال زهير، وما عنف عليه به، ثم أخذ يعاتبه هذا العتب الظريف اللطيف الحلو، دون أن يدخل الجنة:
ماذا يا حفيد الأحفاد، وسليل العرب النجب الأمجاد! فيم ضربك في بيداء الشك وأنت أكبر آية على الحق الذي تبكى من أجله دون أن تهتدي إليه؟ لماذا تعيش كما عشت من قبلك موزعاً بين الفلسفات والوساوس، مقسماً بين الظلام والنور، قلقاً بين الرجاء واليأس، مضطرباً بين الضلال والإيمان؟ لشد ما رثيت لك حينما انتهى إليَّ قولك:
فإذا ما راح فكري عبثاً
…
في صحاري الشك يستجلي البقاء
مر منهوكاً بقلبي فجثا
…
تائباً يمتص من قلبي الرجاء
وإذا ما أملي يوماً مشى
…
تائهاً في مهمه العيش السحيق
عاد لما كاد يقضى عطشا
…
يحتسي الإيمان من قلبي الرقيق
وإذا الإيمان ولي والرجا أضحي ضرير
…
فلينم قلبي إلى أن يُنفخ البوق الأخير!
لقد قلت عني مرة: (وهذا الرجل عينه، من بعد ألف سنة مرت على انعتاقه من حياته المرة، يفتح لي، وللكثير سواي باب منزلة على مصراعيه قائلاً: (تفضلوا وادخلوا) وهذا هو الذي يؤلمني ويقض مضجعي في ظلمات قبري يا صديقي العزيز. . . فلشد ما يضاعف آلامي أن أكون سبباً في هذه البلبلة التي تملأ خيالك وتجعله شروداً هائماً، كما تملأ خيال غيرك من الشعراء الذين تأثروا بي ومشوا على دربي وانتهجوا نهجي. لقد كنت أفكر بآلامي، وكانت الظلمات التي تملأ عيني تتدجى في فؤادي. وكانت زيارتي للاذقية، ولبثي بديرها، فتنة لي وعاصفة في إيماني. . . ولكن ما بالكم أنتم يا شعراء القرن العشرين، ومفكري عصور النور والمدنية، الضاربين بين العالمين القديم والجديد. . . ما بالكم تنظرون إلى الدنيا بأعيننا، وتفكرون فيها بأداة تفكيرنا؟ لقد تكشفت لكم عن مئات من الأسرار التي كنا نجهلها، ونقف منها موقف الحدس، بل موقف التخمين والترجيم. . . فلماذا لا تؤمنون؟ لماذا لا تملأونها نوراً على نور وبهجة على بهجة؟ ثم ما هذا الذي أسمعك تتغنى به:
كحل اللهم عيني
…
بشعاع من ضياك كي تراك
في جميع الخلق، في دود القبور
…
في نسور الجو، في موج البحار
في صهاريج البراري، في الزهور
…
في الكلا، في التبر، في رمل القفار
في قروح البرحي، في وجه السليم
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما هذا الكلام يا أخي. . . ما دود القبور، وما هذا الدود الكثير الذي تملأ به أشعارك، وما صهاريج البراري، وما قروح البرحي؟ أهذا من جملة ما علمتك يا ميخائيل؟ هل فتحت لك بابي لتملأ أشعارك بدود القبور وصهاريج البراري وثروح البرحى! أعوذ بالله يا صاحبي. . . أعوذ بالله!
وهل هذه هي بدائع خلق الله التي تراه في مفاتنها؟ ثم ما هذا التفريط في سلامة العربية يا حفيد الرب الأمجاد؟. . . وكيف تكسو عرائس أشعارك هذه المزق وتلك الأسمال؟ أنظر
إليهن كنف يمشين في استحياء مما أضفيت عليهن. . .
وهنا هز زهير بن نمير أعطافه تيهاً وعجباً، ثم دس في الحديث أنفه وقال: حاسبه يا فخر العرب، وذخيرة اللغة والأدب، على هذه الهنات: يشمخ أنفه وردانا الخزى والعار والرعد يدوي ونجع القتيل ولا يكف الضرب والأحلام والشك والآلام والأيام أطلوا وكل هذا في ربع الديوان الأول، بدل يشمخ بأنفه، وأردانا، ويدوي بالتشديد، ونجيع، ولا يكف عن، وأطلت. فقال أبو العلاء صه يا نمير صه. . . إن من المصريين من يعيبون على الناقد ما يأخذ على الشاعر أو الأديب ما يقع فيه من اللحن، كأن اللغة صارت من الهوان بحيث لا يقام لها وزن. . . على أنني أجلك يا ميخائيل عن مراتب اللحانين بقدر إجلالي لك عن التردي في مهاوي الشك. ورجائي ألا تضيق بي، وأستودعك الله وأدعو لك. والسلام عليك ورحمة الله. عشت للعرب وأغنية الأدب
ولا أدري والله كيف عدنا إلى هذه الأرض، ولا كيف وقع لي هذا الحديث. والذي أذكره أن زهير بن نمير أراد أن يخوض في حديث صاحبه فصرفه أبو العلاء، ولعل لذلك عودة
دريني خشبة
القضايا الكبرى في الإسلام
قتل الحلاج
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
الحلاج هو الحسين بن منصور من أهل البيضاه، وهي بلدة بفارس، وقد نشأ بواسط من مدن العراق، وصحب أبا القاسم الجنيد وغيره من أكابر المتصوفة. ولم تكن أسرته قديمة عهد بالإسلام، بل كان جده مجوسياً، ومن شأن من يكون حديث عهد بدين أن يأخذ فيه طريق التشدد، فرأى الحلاج أن يأخذ في إسلامه طريق التصوف والزهد، وأن يبالغ فيهما إلى أقصى حد. وقد سار من العراق إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر، لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفاً. وكان يصوم الدهر، فإذا جاء العشاء أحضر له القوام كوز ماء وقرصاً، فيشرب الماء، ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانبه فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئاً آخر إلى الغد آخر النهار. وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربي، فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاج فلم يجد في الحجر، وقيل له قد صعد إلى جبل أبي قبيس، فصعد إليه فرآه على صخرة حافياً مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه، وقال: هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله، سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدره
ثم عاد الحلاج إلى بغداد فيضي في إظهار الزهد والتصوف وجعل يظهر الكرامات للناس، فيخرج لهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم قد كتب عليها - قل هو الله أحد - ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، واختلف الناس في أمره اختلافاً كبيراً فمنهم من قال: إنه حل فيه جزء إلهي، وادعى فيه الربوبية ومنهم من قال: إنه ولي من أولياء الله تعالى، والذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومنهم من قال: إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن، والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها
وكان ذلك في عهد المقتدر بالله العباسي ووزيره حامد بن العباس، وقد تتولى له الوزارة بعد أبي الحسن بن الفرات، وكان قبلها يقوم بأعمال واسط، فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه
وكثرة أتباعه، وأن له أربعمائة مملوك يحملون السلاح، فأمره بالحضور من واسط فحضر وقبض على ابن الفرات، وقد أقام حامد في دار الخلافة ثلاثة أيام، فكان يتحدث مع الناس ويضاحكهم ويقوم لهم، فبان للخدم ولأبي القاسم بن الحواري وحاشية الدار قلة معرفته بالوزارة، وقال له حاجبه: يا مولانا، الوزير يحتاج إلى لبسة وجلسة وعبسة. فقال له: تعني أن نلبس ونقعد فلا تقوم لأحد، ولا نضحك في وجه أحد، ولا نحدث أحداً؟ قال: نعم. فقال له: إن الله أعطاني وجهاً طلقاً وخلقاً حسناً، وما كنت بالذي أعبس وجهي وأقبح خلقي لأجل الوزارة. فعابوه عند المقتدر، ونسبوه إلى الجهل بأمور الوزارة، فأمر المقتدر بإطلاق علي بن عيسى من محبسه، وكان وزيراً للمقتدر قبل ابن الفرات، وجعله يتولى الدواوين كتائب عن حامد، فكان يراجعه في أمور الدولة، ويصدر عن رأيه فيها، ثم استبد بالأمر دونه ولم يبق له من الوزارة إلا اسمها، حتى قيل فيهما:
هذا وزير بلا سَوادٍ
…
وذا سواد بلا وزير
وكان هذا سبباً في اضطراب الأمور ببغداد، فضعفت هيبة السلطنة، وطمع اللصوص والعيارون، وكثرت الفتي، وكبست دور التجارة، وأخذت بنات الناس في الطريق المنقطعة، وكثر المفسدون في الأرض
وقد نقل إلى حامد - وهذا شأنه - عن الحلاج ما يفعله في بغداد، وأنه أحيا جماعة من الناس بعد موتهم، وأن الجن يخدمونه ويحضرون عنده ما يشتهي، وأن الناس قد فتنوا به وقدموه على جماعة من حواشي الخليفة، وأن نصرا الحاجب وغيره من الحاشية قد مال إليه، فاهتم حامد بأمره، وطلب من المقتدر أن يسلم إليه الحلاج وأصحابه، فدفع عنه نصر الحاجب عند المقتدر، ولكن الوزير ألح على المقتدر حتى سلمه إليه
ومن هنا تبدأ قضية الحلاج التي اختلف الناس في أمرها اختلافاً كبيراً، وسندلي برأينا فيها بعد أن نفصل أمرها من أولها إلى آخرها، وقد أخذ حامد الوزير في التحقيق مع الحلاج قبل أن يقدمه إلى القضاء، ليعين التهمة التي ينسبها إليه، ويطلب من القضاء أن يحاكمه على أساسها، فأحضر شخصاً يعرف بالشمري وغيره ممن قيل إنهم يعتقدون في الحلاج الألوهية، وقد قررهم فاعترفوا بأنه قد صح عندهم أنه إله، وأنه يحيى الموتى. ما في الجبة إلا الله. ولكن الحلاج أنكر ما نسبوه إليه، وقال: أعوذ بالله إن أدعي الربوبية أو النبوة،
وإنما أنا رجل أعبد الله عز وجل
فلم يقبل منه حامد هذا الإنكار، وأحضر القاضي أبا عمر محمد بن يوسف والقاضي أبا جعفر بن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم فيما أقر به الشمري وغيره من نسبة الألوهية إلى الحلاج، فقالوا: لا يفتى في أمره بشيء إلا أن يصح عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول من يدعي عليه ما ادعاه إلا ببينة أو إقرار
فاجتهد حامد في أن يأخذ إقراراً من الحجاج بما نسبه إليه الشمري، وكان يخرجه كل يوم إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه ما يخالف الدين، وقد طال الأمر على ذلك وحامد مجد في أمره، وكان يحاول أن يجد ما يستحل به دمه، وجرى له في ذلك قصص يطول شرحها. ثم عثر أخيراً على كتاب للحلاج وجد فيه بغيته، لأن الحلاج ذكر فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيماً، ويعمل أجود طعام يمكنه، ويطعمهم في ذلك البيت ويخدمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمن حج
فأحضر حامد القاضي أبا عمر، فلما قرئ عليه ما ذكره الحلاج في ذلك الكتاب قال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. فقال له: كذبت يا حلال الدم، قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا. فلما قال له يا حلال الدم وسمعها الوزير قال له: اكتب بهذا. فدافعه القاضي؛ فألزمه الوزير، فكتب بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس.
ولما سمع الحلاج ذلك قال: ما يحل لكم دمي، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، ولي فيها كاب موجودة، فالله الله في دمي
ثم كتب الوزير إلى المقتدر يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوي إليه، فكتب إليه المقتدر: إذا كان القضاة قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم إليه فيضربه ألف سوط، فإن مات من الضرب وإلا ضربه ألف سوط أخرى ثم يضرب عنقه. فسلمه الوزير إلى الشرطي، وقال له ما رسم به المقتدر، وأوصاه إن خدعه وقال له أنا أجري الفرات ودجلة ذهباً وفضة ألا يسمع منه، ولا يرفع العقوبة عنه، فتسلمه الشرطي ليلا، وأصبح يوم الثلاثاء لسبع وقيل لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلثمائة، فأخرجه عند باب الطاق،
واجتمع من العامة خلق كثير لا يحصى عددهم، ثم ضربه الجلاد ألف سوط فلم يتأوه، بل قال للشرطي لما بلغ ستمائة: أدع بي إليك، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية. فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وأكثر منه، وليس إلى أن أرفع الضرب عنك سبيل
فلما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة، ثم حز رأسه وأحرق جثته، ولما صارت رماداً ألقاها في دجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر، وانتهت بذلك مأساة هذه القضية
وقد اختلف العلماء في هذا الحكم اختلافا كبيراً، ففريق يرى أنه حكم صحيح، لأن الحلاج قد ارتد عن الإسلام بدعوى الألوهية، وهذا رأي باطل، لأن الحلاج قد تبرأ من اعتقاد بعض أتباعه فيه أنه إله، ولا يصح أن يؤخذ شخص باعتقاد فاسد يراه فيه غيره
وفريق على رأسه الإمام الغزالي يبالغ في تعظيم الحلاج، ويعتذر عن الألفاظ التي تفوه بها مثل قوله: أنا الحق، فحملها في كتابه مشكاة الأنوار على محامل حسنة، وذكر أن هذا من فرط المحبة وشدة الوجد. وقد تفوه كثير من الصوفية بأمثال هذه الأقوال، فقبلها منهم أهل عصرهم، ولم يحكموا بكفرهم كما حكم أولئك القوم بكفر الحلاج، وهذا مثل قول بعضهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
…
نحن رُوحان حللنا بَدَنا
فإذا أبصرتني أبصرتَهُ
…
وإذا أبصرتًهُ أْبصَرْتَنا
وهذا اعتذار غير مقبول، لأن أولئك المتصوفة يذهبون في تلك الأقوال مذاهب معروفة قال بها بعض الفلاسفة قبل الإسلام وبعده، وليسوا أول من قالها حتى تؤول ذلك التأويل لهم؛ على أن الحلاج قد تبرأ من تلك الأقوال، فلا معنى لذلك الاعتذار عنه
وفريق يرى أن الحلاج قد تفوه بتلك الألفاظ كالفريق الثاني، ولكنه يرى أنه لا يعذر فيها كما يعذر غيره من المتصوفة أنه قالها في حال صحوه، ولم يقلها في حال غيبوبته مثلهم، وبهذا استحق حكم القتل الذي حكم عليه به
وكل هذا كما ترى بعيد عما يرويه التاريخ في تحقيق تلك القضية، فهو لم يحكم عليه فيها بتلك الألفاظ التي تبرأ منها، وإنما حكم عليه بما جاء في بعض كتبه عمن أراد الحج ولم يمكنه. وإني أرى أن هذا الحكم باطل شكلاً وموضوعاً، فأما بطلانه شكلاً فلأن القاضي أبا عمر حصل منه أثناء التحقيق ما كان يجب أن يرد به عن الحكم، وهو قوله للحلاج - كذبت يا حلال الدم - وكان ذلك فلتة لسانية لم يدركها إلا بعد وقوعها. فلما قال له الوزير
أكتب بهذا دافعه، فألزمه فكتب بإباحة دمه. ولا شك أن هذا صريح في أن القاضي لم يكن يرى أنه يستحق الحكم بإباحة الدم، ولكنه ألزم بهذا الحكم إلزاماً، وقد أمضاه وهو يرى ما يحيط به من الظلم والفساد، فلم يأمن على نفسه نقمة الوزير إن امتنع عنه، ولهذا كله كان ذلك الحكم باطلاً شكلاً
وأما بطلانه موضوعاً، فلأن ما ذهب إليه الحلاج فيمن أراد الحج ولم يمكنه لا يستحق الحكم بالقتل، وما هو إلا بدعة من البدع الفاسدة التي ابتدعت في الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ابتدع في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد عليه. فقضى على المبتدع بأن يرد عليه ما ابتدع، ولم يقض بكفره ولا بإهدار دمه، وما بدعة الحلاج في الحج إلا كبدعة غيره في إسقاط الصلاة وغيرها من البدع التي ظهرت في الدين، ولم يحكم على أصحابها بكفر ولا بقتل
والحق أن الحلاج كان مشعبذاً اتخذ التصوف ستاراً له، وأن التحقيق في قضيته كان يجب أن يتناول تلك الشعبذات التي كان يظهرها للناس على أنها كرامات، ليظهر لهم فسادها، ويتبين لهم أمر الحلاج على حقيقته، والحكم الذي كان يستحقه على ذلك هو التعزيز بالحبس أو غيره، ولكنهم أرادوا أن يبالغوا في الحكم زجراً لأصحابه فجاء بعكس مقصودهم، لأن أصحابه بعد قتله جعلوا يعدون نفوسهم برجوعه بعد أربعين يوماً، واتفق أن دجلة زادت في تلك السنة زيادة وافرة فادعوا أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها، وقد ادعى بعضهم أنه لم يقتل وإنما ألقى شبهه على عدو له.
عبد المتعال الصعيدي
نقل الأديب
للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
515 -
وليتك تسلم. . .
في (تاريخ بغداد): قال الإمام أحمد بن حنبل للإمام حاتم الأصم: أخبرني (يا حاتم) فيم التخلص من الناس؟
قال: يا أحمد، في ثلاث خصال
قال: وما هي؟
قال: أن تعطيهم ما لك ولا تأخذ من مالهم شيئاً؛ وتقضي حقوقهم ولا تستقضى أحداً منهم حقاً لك؛ وتحتمل مكروههم ولا تكره أحداً على شيء
فأطرق أحمد ينكت بإصبعه على الأرض، ثم رفع رأسه ثم قال: يا حاتم، إنها لشديدة!
فقال له حاتم: وليتك تسلم، ليتك تسلم، ليتك تسلم. . .
516 -
إن الفناء زاد الراكب
خرج عمر للحج فسمع غناء راكب يغنى - وهو محرم - فقيل: يا أمير المؤمنين، ألا تنهاه عن الغناء وهو محرم؟
فقال: دعوه فإن الغناء زاد الراكب
* قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟
فقال: نعم العون الغناء على طاعة الله؛ يصل الرجل به رحمه، ويؤاسي صديقه
* دخل الشعبي وليمة فأقبل على أهلها فقال: مالكم كأنكم جمعتم على جنازة؟! أين الغناء والدف
* ابن جريح: سألت عطاء عن القراءة على ألحان الغناء والحداء، فقال لي: لا بأس بذلك
* في (الرسائل إخوان الصفاء): الموسيقار إذا كان حاذقاً بصنعته حرك النفوس نحو الفضائل، ونفي عنها الرذائل
* في (من غاب عنه المطرب) للثعالبي: كان بعض المتكلمين يقول: قد اختلف الناس في السماع فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين فأقول بوجوبه لكثرة منافعه
ومرافقه، وحاجة النفوس إليه، وحسن أثر استمتاعها به
517 -
رأس لا يتكلم خير منه دبة
في (معجم البلدان) لياقوت: أبو اسحق الكراني أحد كتاب الإنشاء في ديوان عضد الدولة نيابة عن أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف. وله قصة مع عضد الدولة ظريفة، وذلك أنه أنشد عضد الدولة في بعض الأيام قصيدة مدحه بها، وقال فيها وقد تأخر عنه جاريه:
أمن الرعاية يا ابن كل مُملَّكِ
…
رُفعت له في المكرمات منار
أن يُقطعَ الجاري اليسير عن أمرئ
…
ردفت كتابتَه لك الأشعار؟
يا صاحبيَ، دنا الرحيل فذللا
…
قُلُصَ الركاب تحثها السُّفَّار
الأرض واسعة الفضاء بسيطة
…
والرزق مكتَفِلٌ به الجبار
فالتفت عضد الدولة إلى أبي القاسم المطهر بن عبد الله وزيره، وقد غاظه ما سمعه، وقال به: أنت عرضتني لهذا القول. أطلق جاريه، ووفه ما فاته منه. فلما خرج أبو القاسم المظهر من بين يدي عضد الدولة قال للكراني: أظنك قد كرهت رأسك! فقال له: أيها الأستاذ، رأس لا يتكلم خير منه دبة
محمد إسعاف النشاشيبي
البريد الأدبي
والعاديات ضبحا
يقول العالم الدكتور زكي مبارك في مقاله (إلى أصدقائي في لبنان) في هذا الأسبوع في (المصري) الغراء:
(مجد مصر اليوم هو مجد أقلامها، وهو المجد الجدير بالخلود، وقد أقسم الله بالقلم ولم يقسم بالسيف)
قلنا: إن من حفظ كتاب الله معنا قدسها باله عن قوله تعالى: (والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا - إن الإنسان لربه لكنود)
والقسم بالخيل هو مثل القسم بالسيف. والخيل من العدد التي أمرنا الله في (الكتاب) بإعدادها للدفاع وللجهاد بقوله:
(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)
قال شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله ورضى عنه) في تفسير تلكم الآيات الكريمات في (سورة العاديات):
(أقسم بالخيل متصفة بصفاتها التي ذكرها، آتية بالأعمال التي سردها، ليتوه بشأنها، ويعلي من قدوها، في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد. . . وكان في هذه الآيات القارعات وفي تخصيص الخيل بالذكر في قوله: وأعدوا لهم الآية. . . وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصى - ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل. . . أفليس من أعجب العجب أن ترى أمماً، هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزؤ والسخرية. . .؟
أليس من أغرب ما يستغرب أن أناساً يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولية، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان عندما كنت أكلمه في منافع بعض العلوم وفوائدها في علم الدين - أن قال (إذا كان كل ما يفيد في الدين نعلمه لطلبة العلم كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل) يقول ذلك ليفحمني، وتقوم له الحجة علي، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق، ولا ينبغي لطلبة العلم. . .)
وبعد فقول الزميل الجليل: مجد مصر اليوم هو مجد أقلامها) قول حق. وإنها لظافرة - وهناك تلك العزائم والهمم - بالمجدين عظيمين. و (العلم مذ كان - محتاج إلى العلم) كما قال عمارة اليمني في الميمية العبقرية، وقد كان مجد وإنه ليعود، ومن ساد في القديم ورام العلاء فلابد أن يسود وألف سنة في العز والسلطان لن يذهب سدى. وكتال الله نتلوه كل يوم، وفيه تحريض، وفيه تذكير، وفيه تبشير، وفيه الضياء، وفيه الهدى (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون)
(القاهرة)
أزهري
تميمة الأسلوب
قضيت ما قضيت من زماني وأنا نهبة للنمائم، ولم يبق من البلية إلا أن ينم عليَّ أسلوبي. وكنت أظنه يحفظ أسراري، عفا الله عنك يا أسلوب المبارك!
أقول هذا وقد حاول ناس أن يقلدوا أسلوبي ليؤذوني، كالذي يصنع الكاتب المجهول، والكاتب المعروف، والدكتور بديع الزمان، والسيد فلان، والفتى الأزهري، والأستاذ الجامعي، وهي أسماء رجال من تلاميذي، فلله الحمد وعليه الثناء
وأنا لن أخذل تلاميذي، ولن أنهاهم عن تقليد أسلوبي، لأني دعوتهم إلى أن يكونوا صورة من روحي وعقلي وبياني
ولكن من هذا الكاتب الذي يتبهنس في العدد السالف من مجلة الرسالة فيحمل الدكتور زكي مبارك جرائر الكاتب المجهول؟
من هذا الكاتب وهو لا يمضغ إلا كلاماً حاورني به منذ عشرين سنة في بيت القاياتي؟
إنه يتمسح بالدين لينتصر عليَّ، وليس هناك، فالإسلام لا يعرف أمثاله، لأنه دين حقائق لا دين أباطيل
ولو كان مسلماً صحيح الإيمان لستر أخطائي إن كنت من المخطئين، ولكنه مسلم بالصورة لا بالحقيقة، ولن يقام لتحديه ميزان، لأنه أضعف من أن يقام لتحديه ميزان.
زكي مبارك
1 -
الشيخ الشنقيطي
في صباح الخميس الثامن من صفر سنة 1363 توفى العالم الغزير العلم والرجل القوي العزم الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي عن 68 سنة. ولد رضى الله عنه في بيت علم ورياسة بشنقيط، وتلقى أكثر العلوم على كبار مشايخ القطر الشنقيطي من أقاربه وغيرهم، ثم هاجر إلى مراكش فعلم به السلطان مولاي عبد الحفيظ فاصطفاه أخذ العلم عنه، ثم استأذنه وهاجر إلى المدينة المنورة فجاور هناك، وبعد الحرب العامة الماضية سافر إلى دمشق فصحب شيخ القراءة فيها وأجازه بالقراءات، ثم هبط مصر فندبته مشيخة الأزهر لتأليف كتاب يضم ما اتفق على تخريجه البخاري ومسلم، فعكف على ذلك عشر سنوات ونيفاً؛ وقد تم طبعه بأخرة في ستة أجزاء. واختارته مشيخة الأزهر كذلك مدرساً بتخصص كلية أصول الدين، وعضواً في بعض اللجان العلمية، ورجاه بعضهم أن يلقي محاضرة في جمعية الشبان المسلمين، فلما علا المنبر اقترحوا عليه أن تكون المحاضرة في التاريخ فاقترحها من صدره، فعجبوا منه. وعرف مكانته كثير من أهل العلم والفضل بمصر فزاروه وحفلوا به، رأيت منهم في داره بعض جماعة كبار العلماء ومشايخ كليات الأزهر وغيرهم. وترك في شنقيط والحجاز ومصر من التلاميذ والتآليف المطبوعة والمخطوطة ما يدون اسمه في سجل الخالدين. ودفن بجوار العالم الصالح الشيخ محمد الجنبيهي بمقابر الإمام الشافعي. أفاض الله على قبره رحمة ونوراً وعوض الإسلام منه خيراً.
أديب الأندلس ابن زيدون
في (أهرام) غرة فبراير عالم 1944 كلمة في الدعوة إلى إحياء ذكرى الأديبين العظيمين الحسن بن رشيق وأبي الوليد ابن زيدون، قال كاتبها إن وفاة ابن زيدون كانت سنة 663 وأنه مضى عليها سبعة قرون. والصواب أن وفاته كانت سنة 463 وهي السنة التي توفى فيها ابن رشيق المذكور، على ما في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد)، ودائرة معارف البساتي وغيرهما.
عدنان. . .