المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 572 - بتاريخ: 19 - 06 - 1944 - مجلة الرسالة - جـ ٥٧٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 572

- بتاريخ: 19 - 06 - 1944

ص: -1

‌وسائل الوحدة العربية ومقاصدها

للدكتور عبد الوهاب عزام

للعرب موطن واحد أو مواطن متصلة، مترامية بين هضب إيران وبحر الظلمات. وسعة هذا الموطن لم توهن الصلات بين أرجائه المتنائية، فكانت متعاونة متواصلة، على حين لم يكن للناس من وسائل الاتصال وطرق التعارف ما كشفت لهم الحضارة الحديثة، وقد خضعت هذه البلاد كلها حيناً، ومعظم البلاد الإسلامية الأخرى لدولة واحدة الكلمة العليا فيها لرجل واحد، يشرف على هذه الأقطار الواسعة ويدبر أمورها العليا. وكأنما زويت للعرب جوانب الأرض فتدانت أطرافها أو كأنها كانت مصورة على خريطة، كما قلت في الخليفة الوليد:

دانت لسطوته البلدان واجتمعت

في همة العرب أقطار وأمصار

كأن ما بين شيخون وقرطبة

على الخريطة للرائين أشبار

فكيف وقد قرب العلم والصناعة ما بين أقطار العالم كله، وصار ما بين مشرق الأرض ومغربها أيسر على المسافر وأقرب مما كان قديماً بين أرجاء القطر الواحد. كيف وقد صار الإنسان وفق الأستاذ روحي كل التوفيق في تخليصه هذه البحوث الجيدة التي أكسبها أسلوبه الطريف طلاوة وحلاوة. والكتيب هو الحلقة الثانية من سلسلة (اليقظة) السورية التي تنسج على منوال (اقرأ) المصرية، والتي نتمنى لها الرواج الذي تستحقه

3 -

عرفت ثلاثة آلاف مجنون

هذا كتاب مؤلم في حياة المجانين وأحوالهم، ألفه الدكتور آر. سمول، وعربه الدكتور فائق شاكر، والأديب حافظ جميل (مطبعة التفيض - بغداد) وهو يحوي ثمانية عشر فصلاً في أخبار المجانين وأسباب الجنون، وطرق ترويضهم ونوادرهم المشجية، في قصص شائق وتحليل سيكولوجي فريد. والكتاب لا يستغني عنه الطبيب ولا المربي ولا المراهق، ولا كاتب القصص ولا المشتغل بالتحليل النفسي. ولا عيب في الكتاب إلا فوضى الأخطاء المطبعية التي يجب تداركها في الطبعة الثانية

4 -

رسالة الغفران بالإنجليزية

ص: 1

لا ندري لماذا آثر الأستاذ ج. براكنبري أن يقدم رسالة الغفران لبني وطنه - أو بني لغته - الإنجليز على هذا النحو الذي لم يألفوه في أدبهم. . . لقد كنا نفضل أن ينقل خلاصة لها طويلة على نسق الخلاصة التي كتبها المرحوم الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي مثلاً، والموجودة في بعض أجزاء النظرات. لأن المقصود من نقل الروائع الأدبية هو إعطاء صورة من روحها وموضوعها، لا من شكلها، ولا سيما إن تعرضت تلك الروائع للمشكلات اللغوية ومعضلات النحو والصرف، مما لا يهم إلا أصحاب اللغة نفسها. وما دام الأستاذ المترجم قد نقل الرسالة عن النسخة المحررة التي وضعها الأستاذ كامل كيلاني، فلم تكن مندوحة عن اتباع طريقة الأستاذ المنفلوطي، ولكن على صورة أوسع، ولم تكن ثمة ضرورة في ترجمة الأشعار العربية تدعو إلى الارتباط باللفظ، بل كان يكفي أن يعطي المترجم صورة متماسكة من روح البيت أو القصيدة، مع تقريب المعاني إلى الذوق الإنجليزي بما يناسب طبيعة هذا الذوق نفسه، وهذا ما نفضله نحن في ترجمة الشعر الأجنبي إلى اللغة العربية. وما دام الكتاب مقصوداً به أن يقدم للقراء الإنجليز، فلم يكن ثمة داع إلى إثبات هذا القدر الكبير من الشعر العربي - باللغة العربية - في صلب الرسالة. إلا إن كان غرض المترجم هو إضفاء ثوب علمي على عمله. أو أن ينتفع المستشرقون مثلاً بجهده المشكور، فإن كان قد قصد إلى شئ من ذلك، فنحسب أن عامة القراء الإنجليز لا يزالون في حاجة إلى شئ آخر من رسالة الغفران، لم تقدمه لهم بعد

وفي الترجمة أخطاء يسيرة في نقل معاني الشعر العربي لا يتسع المجال لاستعراضها هنا

5 -

مباحث في فلسفة الأخلاق

كتاب صغير، إلا أنه جم الفائدة، ألفه الأستاذ الفاضل محمد يوسف موسى المدرس بكلية أصول الدين، فاستطاع أن يضغط فيه فصولاً قيمة في الخلق وتكوينه، والسلوك، والضمير والمثل الأعلى، والقياس والمقاييس الخلقية. . . الخ في عبارة جيدة، وعرض جميل. . . ولولا مغالاة الأستاذ المؤلف في ضغط هذه البحوث حتى أصبحت بالبحوث المدرسية أشبه منها بالبحوث الحرة لكان الكتاب خيراً مما هو. ولعل هذه الإشارة تحفز الأستاذ إلى إطرافنا بتوسيع كتابه ليخلص لنا منه سفر قيم. والأستاذ محمد يوسف موسى من المؤلفين

ص: 2

المعروفين بحسن اطلاعهم على الفلسفة الإسلامية خاصة، وكتابه: فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية، هو من أمتع الكتب في موضوعه، وهو آية على اجتهاد الأستاذ وحسن فهمه لما يكتب. وكتابه الثالث: تاريخ الأخلاق آية ثالثة على مقدار ما ساهم به في التأليف الفلسفي في نهضتنا الفكرية الحديثة

(دخ)

يسمع الإنسان يتكلم في أقصى الأرض، ويعرف الأحداث التي تقع في أبعد الممالك أسرع مما كان القدماء يعرفون أحداث المدينة الواحدة

لقد طويت المسافات والأوقات، وتدانت الأبعاد والآماد. فما سعة الوطن العربي بحائلة دون اتصال أقطاره وتعارفها وتعاونها وتآخيها.

ولهذا الموطن الشاسع لغة وأدب وتاريخ وثقافة، كانت وما تزال على تطاول العصور، وتنائي الديار، واحدة أو كالواحدة. فأما اللغة فقد بقيت لغة القرآن شائعة في هذه الأقطار مسيطرة عليها، فنشأ ما نشأ من اللغات المحلية أو العامية، ودامت اللغة العربية ملتقى عقولهم وعواطفهم، وترجمان آمالهم وآلامهم، ووسيلة تفاهمهم وتعارفهم. فما يلتقي عربي بعربي مهما تباعدت ديارهما إلا ارتفعا قليلاً عن لغتيهما المحليتين إلى العربية الجامعة الواسعة فتحدثا بها، وتعارفا بما علمتهما العربية من قبل من تاريخ وأدب وما طبعتهما عليه من عواطف وآداب، وكأنهما أخوان فرقت بينهما الحادثات حيناً ثم اجتمعا.

وإذا تحدثا في التاريخ رجعا إلى أواصر جامعة، ومفاخر مشتركة فإذا ذكرا خليفة أو ملكا أو أديباً أو شاعراً أو كاتباً أو متكلما أو محدثاً أو مفسراً أو فقيهاً أو فيلسوفاً ذكرا رجالا ليس أحدهما أولى بهم من الآخر، وسمع كل من أخيه ما يعرفه أو ما يسره أن يعرفه من تاريخه، وإذا تحدثا في الحاضر فبينهما على العلات عواطف مولفة، وثقافة مقربة، اجتمع على تأليفها الماضي والحاضر. وكثيراً ما لقينا العرب من غير ديارنا في أوطان عربية وغير عربية فما تناكرت الوجوه، ولا تقاطعت الألسن، ولا تباعدت العواطف، ولا اختلفت المعارف إلا بمقدار ما تختلف معارف رجل عن أخيه في المملكة الواحدة والبلد الواحد

هذا ولم يعمل العرب اليوم لنشر ثقافتهم بينهم، وإشاعة أدبهم فيهم، والتقريب بين عقولهم وقلوبهم، وإنما هو ميراث التاريخ الذي لم تقو الخطوب على تفريقه، ورباط الماضي الذي

ص: 3

لم تجرؤ العصور على تمزيقه. فكيف إذا مهدت السبل واتخذت الوسائل لتعريف العرب بثقافتهم الموروثة وإمدادهم بثقافة جديدة مشتقة من تاريخهم وأوطانهم، مستمدة من كل ما أخرجته عقول البشر في الشرق والغرب. كيف إذا اجتمع علماء العرب على نشر ثقافتهم القديمة مهذبة مرتبة موضحة ميسرة، واتفقوا على إشاعة ثقافة حديثة ملائمة بيئاتهم وأحوالهم، ثم اتخذوا في نشر هذه وتلك وسائل النشر الحديثة. إن الكتاب ليؤلف اليوم في القاهرة أو دمشق فيقرأ في بغداد بعد قليل ويقرأ في الغرب بعد حين على كثرة ما وضع من الفواصل التي أريد بها قطع المغرب عن سائر بلاد العرب. فكيف إذا نظمت الحكومات والجماعات وسائل التعليم والنشر، ورفعت العوائق وأزالت العقبات، وتوسلت بما يعرف العالم اليوم من وسائل. إن العالم العربي ليصير إذن بلداً واحداً في ثقافته وتربيته إلا ما تقضى به البيئة من اختلاف بين الأقطار وبين أرجاء القطر الواحد غير مضر بالأواصر ولا مخل بالثقافة المشتركة

والحق أننا حين نتحدث في التقريب بين بلاد العرب أو التأليف بينها لا نحاول أن نخلق أو نضع أواصر وروابط ولا أن نحتال بالأوهام إلى مقاصدنا ولكنها الحقائق الماثلة، والأواصر القائمة التي غفلنا عنها حيناً فما وهنت، وحاول الزمان إنكارها فما خفيت، وعالجتها الحادثات لتزيلها فيما قدرت. إنها خلق الله ومن يغير على الله خلقه، وإنها سنة الله ومن يبدل على الله سنته. وإنها الحق الذي لا يملك الباطل له تحويلاً، والتاريخ الذي لا تستطيع الخدع فيه تأويلاً

بين البلاد العربية من الروابط والأواصر والعواطف ما بين كل أمة موحدة قوية، وفيها من الآمال والمقاصد ما لكل أمة عزيزة طامحة، ولكن ينقصها التهذيب والتدبير والتنظيم والتوضيح. ولهذه كلها وسائلها وهي يسيرة إن صحت عقولنا ونشطت أيدينا

لقد دعا العرب منذ سنوات إلى الاحتفال بذكرى أبي الطيب المتنبي. فاجتمع أدباء من الأقطار العربية في دمشق، وتجاوبت البلاد العربية كلها بهذه الدعوة، واحتفلت بهذه الذكرى، فلم يخل قطر بين دجلة والمحيط الأطلسي من احتفال بالمتنبي وكتابة عنه، وإعراب عن عواطف العرب بشعره. هذا لم تكن الوسائل الكافية قد اتخذت للاحتفال بالشاعر الكبير، ولكنها كانت دعوة صادفت نفوساً متعارفة، وقلوباً متآلفة قد غذاها أدب

ص: 4

واحد وأيدها تاريخ واحد، والبلاد العربية تدعو اليوم إلى الاحتفال بأبي العلاء المعري هذا العام. وكل أدباء العرب سواء في الاهتمام به، والدعوة إلى إعظامه. وسيكون احتفال المعري، مرآة لوحدة الثقافة في البلاد العربية

هذه الأواصر والوشائج الطبيعية والتاريخية التي تربط بين بلاد العرب لا تعمل عملها إلا إذا عنينا بها فأحكمناها، وأزلنا العوائق من طرقها، ووجهناها إلى الغاية المرجوة وأحسنا الانتفاع بها. وإلا بقيت كقوانين الطبيعية التي لا يهتدي إليها أو المعادن الغنية التي لا يستخرج ما فيها، أو الأشجار العظيمة التي لا تجني ثمراتها، أو الأنهار الزاخرة التي لا يستقى ماؤها. إن النيل ودجلة والفرات وبردى وأنهاراً أخرى صغيرة تجري في بلاد العرب ولكنها لا تسقيها حتى يسيطر الإنسان على مجاريها ويحوز مياهها ويسوقها إلى الأرض بالسدود والقنوات. وكذلكم هذه الأفكار التي في عقولنا والعواطف التي في قلوبنا والآمال التي في نفوسنا، والقوى التي في أيدينا، وكل ما عندنا وما نستحدث من علم وأدب وخلق كلها تحتاج إلى العناية والرعاية والتوجيه والاستثمار. فنحن في حاجة إلى مؤتمرات للائتمار بيننا في التعليم والتربية والاقتصاد وشؤون كثيرة، ثم اتخاذ الوسائل التي تؤدي بنا إلى ما نؤمل من اتفاق وتعاون على بناء حضارتنا على قواعد وطيدة، والسير إلى مقاصدنا على خطط سديدة. على أن نأخذ للأمور أهبتها، ونعد لها عدتها، ونعرف المقاصد وتخط الوسائل على بينة من أمرنا، وبصر بحاجاتنا، واعتداد بأنفسنا فنخلق من بيئتنا وتاريخنا وأحوالنا وأخلاقنا حضارة فيها من تاريخنا سمات، وعليها من أيدينا ملامات، فليس كرامة أن تقلد ولا تبتدع، وليس حياة أن تستعير من غيرك لباسه، وتستجديه طعامه، وتأخذ منه حليتك وزينتك ثم تزعم أنك نظيره، ولكن الحياة فكر ونصب وعمل ودأب وخلق واختراع واعتداد بالنفس واعتزاز بها، أن تشيد بناءك بيدك لنفسك ثم للناس. إنما الحياة أن يكون للأمة على الأرض آثارها، وسماتها وخصائصها. ولا حرج من بعد أن تأخذ من الأمم وتعطي، ثم تعاون البشر كافة على حضارة إنسانية جامعة

وبعد فعلى الذين يهيمنون على شؤون العرب من رؤساء وزعماء وعلماء وأدباء أن يخطوا للأخلاق خططها كما يخطون للمعارف والصناعات وغيرها. فما يرتفع لأمة بناء على غير قواعد من أخلاق قوية صحيحة فاضلة. ولا يستقيم لها في الحياة منهاج إلا على هدى

ص: 5

الفضائل. والمكارم. إننا وقد أخذتنا الفتن والمحن، وألقت علينا الحوادث أعباء باهظة لا نستطيع أن نثبت ونجد إلا بعدد من الأخلاق وأسلحة من الفضائل. ويخشى أن نفتن عن أنفسنا فنضل طريقنا، ونفقد سجايانا ثم لا يردنا إليها الجهاد الطويل، والجد الدائم والندم الضائع وقديماً قال شاعرنا العربي:

ما تنسج الأيدي يبيد وإنما

يبقى لنا ما تنسج الأخلاق

وحديثاً قال شاعرنا شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فليحسن سادتنا وقادتنا القيام على أخلاق هذه الأمة، وليحسن الشعراء والكتاب تربيتها وتغذيتها وليجنبونا كل فكرة سقيمة، وكل معنى عليل، ليجنبونا الألفاظ الرخوة والمعاني الدنيئة، فلا يهبطوا بشبابنا إلى الدرك الأسفل حيث تموت الهمم، وتخمد العزائم، وليسموا بهم إلى المعالي التي تطمح إليها النفوس الأبية القوية الطماحة

أمامنا تجاربنا وتجارب الأمم، فلنعتبر ونتعظ، فالسعيد من وعظته الحوادث وأخذ من الأيام العبر، واهتدى بهدى التاريخ، واستمع لنصائح الزمان. إن الزمان يسرع، والحوادث تتوالى، والأعمار تمضي، والتاريخ يسجل والأجيال تقرأ، فليسرع بنا التفكير والتدبير ولتحكم الأقوال والأفعال، لنساير الزمان بكفتيه من الأهبة، ونلقى التاريخ بملئه من العمل الصالح، والمجد الباقي

وبعد فالعرب اليوم، على علاتهم، فيهم من العقول والأخلاق وبينهم من الروابط والعواطف، ولهم من التاريخ والمكانة ما يؤلف أمة قوية رشيدة عزيزة كريمة فاضلة. وليس لمسير القافلة إلا أن يبين الطريق وتصلصل الأجراس

وليست دعوة العرب إلا إلى الكرامة والعزة وإلى الخير والحق والوئام والسلام. وليست نيتهم إلا الخير للناس جميعاً. لا يريدون إلا أن يتخذوا مكانهم بين الأمم، ويؤدوا نصيبهم في الحضارة الإنسانية، ويوفوا دينهم للتاريخ. ولن يكونوا إلا كما كانوا من قبل أنصار حق ودعاة أخوة وبناة مدينة وأئمة يهدون إلى الحق وبه يعدلون. ليست دعوة العرب عدواناً على أحد ولا عداء لأحد، وإنما هي دعوة الأمة الكريمة العزيزة العادلة التي تعرف ما يجب عليها لنفسها وللناس، وتحرص على أن تحمل ما هي أهل له من الأعباء، وتشيد ما هي

ص: 6

جديرة به من المكارم، وتأخذ حقوقها وتؤدي واجباتها على سنن بين من العدل والإحسان، وخطة قويمة من الهدى والرشد. والله المسؤول أن يهيئ لها من كل أمر رشدا

عبد الوهاب عزام

ص: 7

‌بعث القديم

للدكتور محمد مندور

ليس من شك في أن ثقافتنا الحديثة تقوم كما قلنا في المقال السابق على أساسين: بعث التراث العربي القديم والأخذ عن أوربا، ولقد كان للحملة الفرنسية في ذلك أبلغ الأثر وذلك لأمرين: نقل الطباعة إلى مصر وفتح منافذ بلادنا على العالم الغربي. ولا ريب في أن عودة الفرنسيين إلى بلادهم حاملين آلات الطباعة التي كانوا قد أتوا بها إلى مصر قد أخر نهضتنا الثقافية ما يقرب من جيل، وذلك لأننا لم نستطيع أن نستخدم الطباعة بعد ذلك إلا في سنة 1822 أي بعد الحملة الفرنسية بعشرين عاماً، وإذا ذكرنا أن حركة البعث العلمي في أوربا لم تصب ما أصابت من نجاح في القرن السادس عشر بعد الميلاد إلا بفضل تلك الطباعة، أدركنا أن نهضتنا الثقافية الواسعة لم تبدأ في حقيقة الأمر إلا منذ استخدامنا لآلات الطباعة على نحو مطرد أي منذ سنة 1822 كما قلنا، وإنه وإن تكن الجمعيات العلمية التي ألفت لنشر الكتب لم تتكون في حقيقة الأمر إلا بعد ذلك بكثير؛ فجمعية المعارف التي أسسها محمد عارف باشا لا ترجع إلى أبعد من سنة 1860 وهي تشبه في تكوينها إلى حد بعيد لجنة التأليف القائمة الآن وشركة طبع الكتب العربية التي كان من أعضائها حسن باشا عاصم وأحمد بك تيمور لم تتأسس إلا سنة 1898؛ إلا أن حركة البعث أقدم من ذلك بكثير فهي لم تنتظر تكوين الجمعيات لتبدأ، ولعل انتشار الأفكار الأوربية بفضل أعضاء البعثات كان من أهم الدوافع لذلك البعث، فرجل كرفاعة الطهطاوي قد فطن بلا ريب أثناء إقامته بفرنسا إلى أن النهضة الأوربية التي رآها قد ابتدأت بحركة بعث قوية للآداب القديمة لاتينية ويونانية، ولهذا كان يؤمن بأن نهضة بلادنا لا يمكن أن تعتمد على النقل عن أوربا فحسب، بل يجب أن تعنى إلى جانب ذلك ببعث القديم العربي

ولقد ظهرت آثار هذا البعث في الشعر قبل ظهورها في النثر، وأكبر شخصية تمثل بعث الشعر هي بلا شك شخصية محمود سامي البارودي، وتلك ظاهرة من اليسير فهمها، فالنثر الذي كان شائعاً عندئذ لم يعد أن يكون: إما نثراً تعبيرياً يستخدم في التأليف العلمي أو في الصحافة، وإما نثراً شخصياً كالذي نجده في الرسائل، والنوع الأول لم يكن يخلو من عجمة في الصحف ومن نزعة للجدل والتعقيد في التأليف. والنثر الشخصي ظل نثراً مسجوعاً

ص: 8

لفظياً متكلفاً حتى عند أولئك الكتاب الذين نمت ثقافتهم حتى امتلكوا أفكاراً يغنيهم جمالها أو عمقها عن تزويق اللفظ كالأستاذ الإمام الذي ظل يكتب بالأسلوبين معاً، أسلوب التأليف وأسلوب الرسائل

وفي الحق إننا لا نعرف أسلوباً يتميز به الأدب الحديث بأضيق معانيه غير أسلوب القصة، فهي أكبر مظهر من مظاهر الأدب الحديث، وليس بخاف أن القصة حديثة العهد ببلادنا وهي بمجرد ظهورها أخذت تغذي السجع بمادة الفكر وتنقله من التفاهة إلى الجد، وهذا واضح في حديث عيسى بن هشام؛ فأسلوب المويلحي رغم حرصه على أوجه العبارة البلاغية لا يخلو من فكر وإحساس صادقين، وذلك لأن القصة بطبيعتها تقدم للكاتب مادة، وكل مادة تحتاج إلى العبارة عنها، فيأتي الأسلوب محملاً بتلك المادة

ومنذ أن خطا أسلوب النثر تلك الخطوة أخذ يشيع في غير القصص حتى امتد إلى المقالة أو الموضوع القصير على نحو ما نجد عند السيد توفيق البكري الذي جمع في أسلوبه بين الصنعة اللفظية وجمال الصور الخيالية وصدق الإحساس أو أصالة الرأي. ولكننا رغم كل ذلك لا نستطيع أن نقول إن النثر قد وصل عندئذ إلى ما لم يكن بد من أن يصل إليه ليجاري النثر الأوروبي فيصبح تعبيراً مباشراً عن فكر غني أو إحساس صادق ثم يتسم رغم مباشرته بصفات الأدب كعمل فني، وتلك مرحلة لم نصل إليها إلا في القرن العشرين. وليس من شك في أن السيد مصطفى لطفي المنفلوطي هو الذي خطا بنثرنا إلى تلك المرحلة الأخيرة، ومنذ ظهور هذا الكاتب العظيم لم يلبث النثر أن استحصد حتى سبق الشعر

واليوم ننظر في نثرنا فنرى تيارين كبيرين ينطوي في أثناء أحدهما المويلحي والبكري ومصطفى صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات على اختلاف في الأمزجة وعمق التفكير أو الأحساس، ولكنهم يجتمعون معاً في خاصية واحدة، هي أنهم وإن يكونوا أبعد من أن يمثلوا في شئ اللفظية التي سادت في عصور مصر الإسلامية المتأخرة، إلا أنهم رغم ذلك يحرصون على تجويد العبارة تجويداً فنياً، ويخضعون الفكر أو الإحساس لطرق الأداء حتى ليأخذك في أدبهم جمال الصياغة قبل أصالة الموضوع، أو تحس بأن تلك الأصالة قد اضطرتهم إليها أصول الأسلوب التي ينتهجونها

ص: 9

والتيار الثاني يبتدئ كما قلنا بالمنفلوطي، ذلك الرجل المرهف الإحساس العذب الأسلوب. ذلك الكاتب الذي غذى أجيال الشباب الناهضة أجمل الغذاء، وبلغ من التأثير في نفوسهم ما لم يكد يبلغه كاتب آخر. ولقد كان لعدم معرفة هذا الكاتب باللغات الأجنبية معرفة تعمق وإحساس، ما احتفظ لأسلوبه بالسلاسة العربية الصافية. وأما غيره من كتاب هذا التيار فلن تعدم أن تجد في أسلوبهم آثاراً واضحة للتأثر باللغات الأجنبية، وما نظننا في حاجة إلى أن ندل على ما في أسلوب كاتب كبير كطه حسين من تأثر واضح بطرق الأداء الفرنسية

وأما الشعر فقد سبق النثر - كما قلنا - إلى التحلل من سخافات الصنعة اللفظية وتفاهة المادة، وسر هذا التحرر يرجع إلى بعث الشعر العربي القديم من جهة، وإلى طبيعة هذا النوع من الأدب من جهة أخرى، فنحن نلاحظ أن البارودي قد سلك إلى تكوين مذهبه الشعري نفس المسلك الذي سلكه من قبل أبو تمام، فالشاعر العباسي قد كان دائم القراءة للشعر القديم والاختيار منه، حتى قالوا إنه قد ألف ثمانية أنواع من المختارات، ولا يزال بين أيدينا ديوان الحماسة شاهداً بأن هذا الشاعر كان أحسن اختياراً وتذوقاً للشعر منه خلقا له. وكذلك فعل البارودي، فمختاراته تضم جانباً كبيراً من خير ما خلف العرب. وشعر البارودي نفسه شديد الشبه بشعر المتنبي، كما أن شعر صبري باشا يكاد يحكي شعر البحتري، وفي هذه الحقائق ما لا يدع مجالاً للشك في أن نهضة الشعر الحديث عندنا إنما قامت على بعث القديم ومحاكاته

وموضع التساؤل هو: كيف يستطيع شعر يقوم على محاكاة القديم أن يعبر عن حياة جديدة؟

هذه المشكلة سبق أن واجهها الأدب العربي واقتتل حولها النقاد والشعراء، ففي العصر العباسي سخر أبو نواس من الدمن والأطلال وبكاء دعد وإسعاد الرفيق وإلف الناقة، وظنه تجديداً أن يخرج على تلك الأوضاع ليغازل الخمر ويداعب الغلمان ويصف القصور والحدائق. وهذه النظرية وإن تكن لها وجاهة الظاهر، إلا أنها في الحقيقة لا تعدو أن تكون وجاهة سطحية، فالفن ليس بهياكله، وإنما هو بروحه وصياغته، ولا أدل على ذلك من أننا لا نزال إلى اليوم نؤمن بأن خير ما خلف العرب من شعر هو لا ريب الحنين إلى الديار، وذلك لأن هذا الحنين وإن لم يمت إلى تجاربنا الحاضرة بسبب من واقع الحياة، إلا أنه يرمز في حقيقة الأمر إلى مشاعر إنسانية عامة، لا تزال ولن تزال من أجمل ما نحمل من

ص: 10

مشاعر، فهو يثير في النفس شعور الإلف والحنين إلى الماضي، والتعليق بالأمكنة التي لا ريب لها أرواح تعلق بأرواحنا فتحملها على المحبة. والإحساس بالأمكنة وما تحوى من ذكريات ومسرات والآم من أخصب منابع الأدب. ونحن بعد لا نحتاج إلى أن نمارس بالفعل كل التجارب التي نتحدث عنها في أدبنا، وإلا كنا فقراء الخيال. ومن يستطيع أن يزعم أن كاتباً أو شاعراً ما قد بلا بنفسه كل ما يتحدث عنه؟ وهل ننسى أن جانباً كبيراً من آداب العالم أجمع لا يمثل ما عاشه كتابه بالفعل، بل ما ودوا أن لو عاشوه؟ والواقع والخيال يرجعان بعد في الأدب الصادق إلى منبع واحد، هو القلب البشري. وأساس النجاح هو أن يستثير الكاتب فينا إحساساً حقيقياً، سواء أكان ذلك الإحساس التفاته إلى ماض عرفناه، أو تلهفاً إلى مستقبل نود أن نعرفه، أو مزيجاً منهما وإذن فعندما نسمع الشاعر الذي يقول:

ألا أيها الوادي الذي ضم سيله

إلينا نوى ظمياء، حبيت واديا!

لا نملك إلا أن نهتز، ولو لم نر في حياتنا سيلا ولا وادياً ولا عرفنا ظمياء

والشعر القديم أمس قرباً بالروح الشعرية بحكم موضوعه وصياغته، فالطلل والناقة أحب إلى النفس من القصر والسيارة. الطلل يستثير معنى الغناء، ونحن البشر لا يحركنا معنى أكثر مما يحركنا هذا المعنى. وإن كان من نعم الله أننا ننساه أغلب الوقت، وربما كان في هذه الحقيقة ما يزيده قوة حينما يثار. والناقة حيوان أليف صبور ودود، ولا كذلك الآلة الصماء، وصياغة الشعر القديم كموضوعاته ألصق ما تكون بحقيقة الفن. الشعر الجاهلي يجمع على نحو رائع شاعرية الروح وواقعية العبارة، حتى ترى صورة مادية قريبة مأخوذة من واقع الحياة وقد خلت من كل تكلف فاسد

لقد ابتدأ البعث الشعري في بلادنا إذن بإحياء القديم، ولكن هذا الإحياء لسوء الحظ جنح إلى العصر العباسي، حتى إننا لا نزال إلى اليوم أكثر معرفة ودراسة لأدب ذلك العصر منا للأدب الجاهلي والأموي، وذلك فيما يبدو لسهولة الأدب العباسي ومشقة الأدب القديم، ثم لأننا فيما أعتقد لم نصل بعد من النضوج الفني إلى حيث نؤمن بتلك الحقيقة الكبيرة التي قال بها من قبل الرجل الصادق الذوق السيد المرصفي من أن خير الأدب العربي الجاهلي والأموي.

ص: 11

ونحن نعتقد أن الإمعان في دراسة ذلك الأدب الجاهلي وتذوقه هو الوسيلة الوحيدة للخطو بشعرنا التقليدي خطوة جديدة أو على الأقل لصيانته من أن ينقرض أمام تيار الشعر الحديث المستمد من الأدب الغربي

هذه هي مظاهر البعث الأدبي في مصر المعاصرة أجملناها، وبقى أن ننظر في النقل عن أوربا، وكيف أثر هذا النقل فيما بعثنا من تراث، وكيف تفاعل معه ليخلق نوعا جديداً من الحياة الثقافية نخشى أن يكون جانب كبير منها مفتعلا، ولكننا نرجئ تفصيل ذلك إلى المقال الآتي

محمد مندور

ص: 12

‌3 - رسائل التعليقات للرصافي

وحدة الوجود في الفلسفة اليونانية

للأستاذ دريني خشبة

ذهب الأستاذ الرصافى في تعليقاته إلى أن (وحدة الوجود) هي شئ لم تعرفه الدنيا قبل الإسلام، وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو أول من عرفها، وأنه لم يذكر منها شيئاً لأصحابه إلا ما لمح به منها لأبي بكر، وإن يكن قد أشار إليها في القرآن، ثم ظلت مجهولة حتى القرن الثاني من الهجرة حينما جهر بها المتصوفة الذين يعدهم الأستاذ وحدهم فلاسفة المسلمين (ص 13 - 14)

وقبل أن نخوض في هذا الحديث الذي لم نكن نؤثر أن نعرض له لو لم يدع الأستاذ الرصافي جميع المسلمين إلى الأخذ به، عائباً عليهم أخذهم بظاهر ما أتاهم الرسول به، وعدم فهم ما قال (محمد) في القرآن على أصله، مستشهداً على غفلة المسلمين بكلام لمستشرق إيطالي جاهل يقول:(إن المسلمين تمسكوا بمتن الإسلام لا بروحه، فأغمضوا عيونهم على شكل الأحكام التي أثبتها محمد، وبقوا جامدين عليها، فلذا بقيت على ما هي عليه من ركود وجمود، أي بقيت ديناً ابتدائياً لا يتمشى مع كل زمان؛ وليس ذلك من عمل محمد، بل هو من عمل المسلمين. . .) ص 203، داعياً لهذا المستشرق بالا يفض الله فاه لقوله هذا الكلام. . . فض الله فاه وأفواه الزنادقة أجمعين!

لولا هذا اللغو الذي يدعونا الرصافي إليه، ولولا أنه طبعه في كتاب وزعه وأهدى منه، لما آثرنا أن نخوض في إفك نهانا رسول الله عن الخوض فيه حتى لا نهلك. . . ولكن ما الحيلة ونحن نرمي بالجمود والدعوة إلى الحجر على حرية الفكر إذا دعونا إلى محاربة هذا البهتان الذي شاع في الدولة العباسية؛ فكان في شيوعه القضاء على أمجاد المسلمين الفكرية والسياسية

قبل أن نخوض في هذا الحديث إذن نحب أن نعود بالأستاذ الرصافي، هداه الله، إلى ما قبل الإسلام بقرون عشرة أو نحوها. . . لنستعرض ما كان يراه فلاسفة اليونان في هذا الوجود، وذلك منذ أن بدأت الإنسانية تتفلسف تلك الفلسفة التي نمقتها، وإن تكن هي التي هدتنا إلى الله خالق كل شئ. . . المحيط بكل شئ، الهادي إلى سواء السبيل. وسنجتهد ألا

ص: 13

نلتوي بالقراء في مهامه تلك الفلسفة اليونانية التي تصور لنا أخصب نضال فكري في التاريخ للاهتداء إلى الحق. ومع ذلك فلم يفز الحق منها بشيء: وسنرى أن اليونان فكروا في وحدة الوجود، وأن مشكلات هذه الوحدة كانت تتعقد في رؤوس فلاسفتهم تعقداً يقف عند أصول مضحكة، لأنها مزيج من خيبة الرجاء، ومن الخبط في ظلمات لم يحن الحين للتفكير الإنساني أن يستجلى أسرارها. ومع أنه من الجرأة أن نلخص هذه الأفكار المتضاربة في عمود أو عمودين من أعمدة هذه المجلة، إلا أننا مضطرون إلى ذلك، لنضحك آخر الأمر على وحدة الوجود التي تملأ أدمغة متصوفينا، كما ضحكنا أياماً ونحن نكب على الفلسفة اليونانية نتأملها ونتدارسها عسى أن تهدينا إلى شئ نفرح به

1 -

فكر طاليس في نشأة الموجودات، حية وجامدة، فزعم أنها نشأت من الرطوبة ولكن كيف نشأت؟ هذا ما لم يستطع طاليس أن يفسره

2 -

ثم زعم تلميذه أنجزماندر أنها خلقت من مادة غير معينة ولا محدودة، وذلك بالانفصال عنها، ثم قضى الله عليها بالفناء في تلك المادة ثانية للأنانية التي أبدتها في أن تكون لها حياتها المستقلة!

3 -

ثم زعم أنجز مينس أنها البخار - وأن الأشياء قد خلقت منه، إما بالتكاثف (السحاب والماء والتراب) أو بالتخلخل (النار والشموس)!

4 -

ثم جاء فيثاغورس وأتباعه الذين اقتدوا بأورفيوس الموسيقي في تقشفه وزهده واتخذوا البياض شعاراً لهم وسعوا إلى تطهير النفس من أدران المادة بالتفكير الفلسفي فزعموا أن الأشياء قد خلقت من العدد (!!) وملئوا فلسفتهم بالألغاز التي لا يفهمها من ليس من طائفتهم

5 -

ثم كان أجزنوفانس المنشد الذي ثار بأساطير هومر الإلهية ودعا الناس إلى عبادة الله الواحد الذي ليس كمثله شئ والذي تنزه عن الأعضاء، فهو سميع كله سمع، وبصير كله بصر وعاقل كله عقل. . موجود في كل الوجود إلا أنه كان يؤمن بأن الله (حال) في العالم، وأنه ليس شيئاً غيره، وهو لذلك أول قائل بوحدة الوجود

6 -

ثم جاء بارمنيدس فأنكر كل ما تدركه الحواس ولم يؤمن إلا بما يدركه العقل، وذهب إلى أن كل شئ غير الوجود - الكينونة! - خداع ووهم، لأن المحسات كلها فانية والوجود

ص: 14

وحده هو الأزلي الخالد، إلا أنه عاد فاعترف بكرّية الوجود وأنه يشغل مكاناً وفي ذلك اعتراف ضمني بمادية الوجود. . .!

7 -

ويؤيد الفيلسوف زينو ما ذهب إليه بارمنيدس، وينكر الحسيات والتعدد والحركة (وسبحان واهب العقول!) فكأنما العالم عند هؤلاء عالمان، عالم الوجود المعنوي، وعالم الوهم (اللاوجود) الحسي - أما ما هي العلاقة بين العالمين فلم يحاولوا تبيانها

8 -

ويجئ هرقليطس فينقض آراء من تقدموه، ويعترف بالتقاء عالمي الوجود واللاوجود، بل باتقاء المتناقضات كلها، محتجاً بأن التناقض هو في نظرنا فحسب، ثم يرتأي أن العالم كله مخلوق من النار، وأنه دائم التحول لا يثبت على حال واحدة لحظة واحدة، وأن العقل الإنساني والحياة الإنسانية هما قبضة من تلك النار تشتعل بالحواس والتنفس - ودوام التحول هو دوام الاشتعال إلى أعلى وإلى أسفل الخ

9 -

ثم يأتي إميذوكلس فيرد المخلوقات إلى أربعة جذور (عناصر!): التراب والماء والهواء والنار، ويزعم أنها لا تتغير في طبيعتها وأن الذي يقوم بالاتصال بينها هو الحب (الجاذبية) وأن الذي يقوم بالانفصال بينها هو البغض (التنافر). ويتناوب الحب والبغض تجميع العناصر وتفريقها إلى الأبد، فمرة ينتصر الحب فيصير الكون مزيجاً (وحدة) وأخرى ينتصر البغض فتتفرق العناصر

10 -

وتأتي نوبة الذريين، فيقول ديمقريطس إن العالم يتركب من ذرات يدفع بعضها بعضاً، خبط عشواء (!!) فيناقضه أناجزا جوراس الذي يقول بتعدد العناصر وبوجود قوة عاقلة مدبرة حكيمة هي (العقل) أو ما يسميه هو ? تتولى تحريك تلك العناصر وتوجهها وجهة غائية صالحة تضمن جمال الكون ونظامه، إلا أنه يعتقد قدم العقل والعناصر على السواء وأن أحدهما لم يخلق الآخر، وإن حرك العقل العناصر وألف معها (وحدة الوجود!) - ومع ذاك فقد ظل اثنينياً آخر الأمر

11 -

ويأتي (دور) السوفسطائيين الذين يعنون بالحياة العملية، ويهملون الفلسفة النظرية، وزهدوا في المناقشة حول الآلهة. . . ويقول أحدهم (بروتاجوراس):(إنني لا أستطيع أن أقرر إن كانوا موجودين أو غير موجودين، كما لا أستطيع أن أستبين صورهم، وإن حياتنا القصيرة لا تساعدنا على معرفتهم معرفة صحيحة لشدة الغموض الذي يكتنفهم!) وبهذا

ص: 15

أثاروا الشكوك وزعزعوا العقائد، وإن خدموا الثقافة خدمة جليلة.

12 -

ويصلح سقراط ما أفسده السفسطائيون، وينشئ نظرية المعرفة القائمة على الإدراكات العقلية والمعاني الكلية، والتي جعلها أساساً للفضيلة كما جعل الجهل أساساً لكل الشرور، وتجاهل عواطف المرء وشهواته؛ فكانت نقطة الضعف في فلسفته التي ردت إلى الناس إيمانهم بالحقائق الخارجية على أساس ثابت غير الأساس القديم الساذج الذي هدمه السوفسطائيون. وقد انقسم أتباع سقراط بعد موته إلى طوائف ثلاث، فانصرف الكلبيون عن زخرفة الحياة وآثروا التقشف، وزهدوا في العلوم والفنون. بل دعوا إلى الجهل مكتفين بالفضيلة التي تكفل لهم السعادة! أما القورينيون فقد خالفوا الكلبيين في طريق الوصول إلى الفضيلة ولم يروا السعادة في الزهد والتقشف، بل رأوها في اللذة والاستمتاع بكل ما تصبو إليه النفس في حدود الاعتدال حتى لا تكون النتيجة شراً، وكلما كانت اللذة حسية كانت في نظرهم أضمن جلباً للسعادة من اللذة الذهنية، ولهم في شرح الملذات كلام طويل عجيب - أما الميجاريون فقد نشدوا السعادة - أعني الفضيلة - في حياة التأمل والمعرفة - في التعمق الفلسفي، واستكناه حقيقة هذا الوجود

13 -

ثم كانت نظرية المثل التي قال بها أفلاطون، وأن لكل شئ مثالاً من الكمال مجرداً من الحس يسعى إليه، فهو يجعل المثل ذوات مستقلة عن الأشياء لها وجود قائم بنفسه، وجعل مثال الخير أساس جميع المثل: ومع أن أفلاطون يعترف بوجود إله خلق العالم ويمسكه ويدبر أموره فهو يتردد بين الوحدانية والتعدد، ولا يحدد العلاقة بين الله ومثال الخير؛ والعالم عند أفلاطون عالمان. عالم الحقيقة وهو عالم المثل، وعالم الظواهر وهو هذا العالم المحس، وهو صورة لعالم المثل. ثم هو يؤمن بالتناسخ، فتعود النفس السعيدة إلى عالم المثل وتبقى فيه حقبة ثم تعود فتحل في إنسان آخر؛ فإن كانت شقية عذبت قليلاً ثم حلت في جسم مخلوق وضيع، والسعادة عند أفلاطون هي الإحاطة بعالم المثل، وفهم العلاقة بين المثل والمحسوسات والتمتع بالمتع البريئة، ثم تحصيل أكبر قدر من الثقافات، ونرانا من أفلاطون أمام ثالوث عجيب: المادة، والمثل، والله، وكلها قديم. وهذا هو الضلال

14 -

وقد نقد أرسطو نظرية المثل وهدمها من أساسها لما خلق أفلاطون من هذا العالم الخيالي الذي يوازي هذا العالم المدرك، ولأنه لم يستطيع تعليل كليهما ولا تعليل الحركة

ص: 16

في العالم الثاني. وقد رأى أرسطو أن سبب هذه البلبلة في أفكار الفلاسفة هو عدم وجود قواعد ثابتة تضبط أفكارهم وكلامهم فاخترع المنطق لهذا الغرض. وقد عرض لمسألة الله وخلق العالم فنفي الزمنية بينهما، بل جعلهما مقترنين، اقتران المقدمة بالنتيجة، فلم يكن الله أولاً ثم كان العالم. وبهذا كان العالم قديماً عند آرسطو. . . والله عنده هو الكمال المطلق والعلة الصورية الغائية التي تحرك هذا العالم بجذبه إليه. وهذا هو الترقي، اقتراب العالم من الكمال المطلق. . . وما دام العالم قديماً فهو لا أول له. . . وكذلك لا نهاية له. . . واضطرب أرسطو في تصور ذات الله، هل له وجود مستقل مشخص، أم ليس له هذا الوجود المشخص للمستقل؟ فقول آرسطو مرة إن الله يحيا في سعادة أبدية، وأنه هو الوجود المطلق يدل على التشخيص والوجود المستقل؛ ولكن تعبيره عنه مرة أخرى بأنه هو الصورة المجردة يعني أنه من مادة لا وجود لها. . . وعلى هذا فلا وجود له إلا هذا الوجود المعنوي. وليس بعد هذا اضطراب في فلسفة المعلم الأول الإلهية. أما فلسفته الطبيعية فسليمة لا غبار عليها، إذ تتبع هذه الفلسفة نشوء العالم من الهيولي إلى الصورة، وإن فضله دروين في هذا الباب

وبعد، فكيف بعد هذا العرض السريع لهذه الناحية من نواحي الفلسفة اليونانية يزعم الأستاذ الرصافي أن وحدة الوجود هي شئ إسلامي بحت لم يعرفه إلا محمد، ثم فلاسفة المتصوفة المسلمين بعد محمد بقرن أو قرنين من الزمان؟!

ثم ماذا أصاب الفلاسفة اليونانيين من الهلكة والتخبط، من لدن طاليس أول فلاسفتهم إلى آرسطو أعظم مفكريهم، بسبب القول باندماج الله في العالم أو العالم في الله. . . إلا من هدى الله!

أما الرد على الأراجيف التي تنشأ عن هذا الإفك، فليس هذا أوانه

دريني خشبة

ص: 17

‌2 - التناقض

في كتاب النثر الفني

للأستاذ محمد أحمد الغمراوي

إن الأمثلة التي ضربناها لنناقض صاحب الكتاب لا تمثل كل مظاهر فساد التفكير الفاشي في الكتاب، وليست هي كل أمثلة التناقض فيه على الرغم من أن أكثر الكتاب تراجم ونصوص في كثير منها طول، وهذه وتلك تقي بطبيعتها صاحب الكتاب أن يظهر عيوب تفكيره اللهم إلا إذا تطوع بالتعليق

فمن أمثلة وقوعه في التناقض حين يأخذ في التعليق وهو يترجم لرجال القرن الرابع ما وقع في كلامه على ابن شهيد؛ فقد روى لابن شهيد رأياً يناقض صريح رأي زكي مبارك في الأسلوب، وأقره على ذلك الرأي فهدم بذلك رأي نفسه وتناقض من حيث لا يدري. روى له في صفحة 51 من الجزء الثاني قوله:(إن للحروف أنساباً وقرابات تبدو في الكلام، فإذا جاور النسيب النسيب، ومازج القريب القريب، طابت الألفة وحسنت الصحبة، وإذا ركبت صور الكلام من تلك حسنت المناظر وطابت المخابر) إلى آخر ما روى له. ثم علق عليه بقوله: (وهذا كلام جيد، وأجوده ما نص فيه على أن للحروف أنساباً وقرابات تبدو في الكلام؛ فإذا جاور النسيب النسيب ومازج القريب القريب طابت الألفة وحسنت الصحبة) وليس لتعليقه هذا معنى إلا أنه يقر للأسلوب بما أنكره مراراً من قبل. فإن تناسب الحروف من صميم الأسلوب أو هو الأسلوب صرفاً، لأنه يتعلق باللفظ والصيغة دون المعنى. فهذا نص لا يستطيع صاحب الكتاب تمحلاً ولا تأويلاً له، يضاف إلى ما ناقض به نفسه سابقاً في أمر الأسلوب، وينقض عرضاً كل ما كتب عن أسلوب القرآن، لأن القران الكريم هو المثل الأعلى لهذه الظاهرة البلاغية التي نبه إليها ابن شهيد، وأقرها واستجادها زكي مبارك في غفلة من ذاكرته وهواه. على أن هناك نصوصاً أخرى له غير التي سبق ذكرها ينقض بها مذهب نفسه في الأسلوب وإنكار مكانته قد تأتي لبعضها مناسبة فنذكره

ومما جاء فيه صاحب الكتاب بقول مختلف استقامة ألسنة الأعراب. فهو يقول في صفحة 55 من الجزء الأول: (وأرى من المضحك أن يظن أن العرب لم ينتبهوا إلى وقوع اللحن في لغتهم إلا بعد الإسلام، وأن اتصال العرب بالأعاجم هو الذي رماهم باللحن، كأن لغة

ص: 18

العرب بدع من اللغات لا يلحقها تغير ولا تبدل، وذلك رأي واضح البطلان) وهو هنا يخلط بين اللحن وبين التغير الطبيعي الذي يطرأ على اللغة بالتدريج في الدهر الطويل والذي نشأت وتنشأ عنه اللهجات، والذي لا يمكن أن يعد من اللحن بحال. لكن لا علينا، فنحن هنا لا ننظر في صحة نتائجه، ولكن في اتساق تفكيره؛ إذ النتائج قد يرجع بطلانها إلى فساد المقدمات مع اتساق التفكير أو إلى فساد التفكير مع صحة المقدمات، كما قد يرجع طبعاً إلى فسادهما معاً. فلتكن مقدمات صاحب الكتاب ما تكون أفهو متسق التفكير؟

لقد أشار إلى هذه النقطة في موضعين آخرين على الأقل. أشار إليها عرضاً في صفحة 58 من الجزء الأول حين أراد توكيد تأثر نثر الصدر الأول بالمدنيات الأجنبية. قال: (ولا عبرة بما عرف عن فريق من العرب من الحرص على تربية أبنائهم تربية عربية صرفة، فإن هذا لم يكن يراد به صرف الشباب العربي عن فهم المدنيات الأجنبية، وإنما كان يراد به حمايته من العجمة التي كانت تعيب الأرستقراطية العربية، وتجعل صاحبها موضع السخرية بين معاصريه) وهو بهذا يشير طبعاً إلى ما هو معروف عن العصر الأموي من إرسال بعض الأمراء والخلفاء أبناءهم إلى البادية لينشئوا فيها على استقامة اللسان والسلامة من اللحن. لكن اقرأ الآن له من صفحة 21 من الجزء الثاني: (فإننا نرتاب في سلامة الأعراب من اللحن والغلط، ونرى أنهم قد يلحنون كما يلحن المولدون)! إذن ففيم كان إرسال الأبناء إلى البادية حماية لهم من العجمة التي كانت تعيب الأرستقراطية العربية؟ لقد كان ذلك عبثاً إن صح رأي صاحب الكتاب في أن الأعراب قد يلحنون كما يلحن المولدون. ولو وقف قول صاحب الكتاب عند هذا لكان الخلف خفياً بين طرفي أقواله الثلاثة وبين أوسطها، ولجاز أن يلتمس له شئ من عذر، لكنه - وهذا موضع العجب - علق على قوله الثالث في الهامش بما يأتي:

(ويجب أن نذكر أن الشعر الجاهلي والأموي كان يجري على قواعد من النحو لم تأخذ صيغة نهائية في التحديد والترتيب، كما اتفق ذلك في العصر العباسي؛ فأغلاط الجاهليين والأمويين ليست أغلاطاً بالقياس إلى لغتهم هم، وإنما هي أغلاط بالإضافة إلى اللغة التي حدد قواعدها النحويون)! إذن فلم رميهم باللحن حين لا لحن ما داموا كانوا ينطقون طبق لغتهم هم، وافقت نحو العصر العباسي أو خالفته؟ إن هذا الرجل لا يدري أنه بقوله هذا قد

ص: 19

نفى تطرق اللحن والعجمة إلى الأمويين في الوقت الذي ينسب فيه الجاهليين إلى اللحن في صلب كتابه، ولا يدري أنه بجعله الشعر الجاهلي والأموي يجري على نحو رجراج كالذي يدعى ويتوهم يصطدم بالسبب الذي من أجله زعم أن نشأة علم النحو قديمة في الجاهلية، ألا هو جرى القرآن (على نمط واحد في أوضاعه النحوية لا يختلف في ذلك إلا باختلاف رواته من القبائل المختلفة) إذ كيف يمكن أن يجري القرآن على نحو واحد ولا يجري الشعر؟ وإذا كان القرآن لا يختلف نحوه إلا باختلاف القبائل فلم لا يكون الشعر أيضاً كذلك؟ إن الرجل يعترف من حيث لا يدري باطراد النحو في لغة كل قبيلة ما دام اختلافه من اختلاف القبائل، ويعترف بأن اللغة في جملتها تجري على نحو واحد ما دامت لا تختلف إلا في المواطن اليسيرة التي تختلف فيها الرواية في القرآن حسب اختلاف القبائل عند هذا الرجل، وإذن فلا معنى لترجرج نحو اللغة في العصر الأموي وانعقاده في العصر العباسي إلا أن هذا الرجل أراد أن يأتي بجديد يخالف به علماء العربية فوقع في خلف بعد خلف في النقطة الواحدة وفي العبارة الواحدة، سنة الله في الباطل وأهله

على أنه لا حد فيما يظهر لباطل هذا الرجل، ولا نهاية لتخبطه؛ فقد تعرض للقرآن مرة أخرى حين ترجم لابن فارس وحاول نقد آرائه، لكنه ترقى في هذه المرة فاقترح أن يفرد للقرآن نحو خاص! إي والله! واقرأ له إن شئت من هامش صفحة 42 من الجزء الثاني:(والقرآن يجب أن يفرد له نحو خاص، وكذلك الأدب الجاهلي والأموي، ولغات العالم كله تعترف بما يسمى (النحو التاريخي) ونحن في حاجة إلى ذلك النحو لتوجيه بعض ما يبدو شاذاً من تعابير القرآن)! أفكان علماء العربية ينتظرون صاحب النثر الفني حتى يجئ بذلك النحو الخاص لتوجيه (بعض ما يبدو شاذاً من تعابير القرآن)؟ وفيم كانت علوم العربية كلها إن لم تكن لفهم القرآن وتبيان ما يبدو لهذا الرجل شذوذاً في القرآن؟ وشذوذاً عما ذا؟ عن نحو لغة قريش وهو معترف بأن القرآن يجري على نمط واحد في أوضاعه النحوية إلا إذا كان الراوي من قبيلة غير قريش؟ أم عن نحو لغات القبائل الأخرى وهو يعترف أن لغة القرآن إنما هي لغة قريش؟ فما الحاجة إلى نحو جديد إذا كان القرآن يجري - وكان الأدب الجاهلي والأموي يجري - إما على نحو لغة قريش أو على نحو لغة قبيلة أخرى في المواطن القليلة التي تختلف فيها القبائل عن لغة قريش؟ أمن أجل وجود نحو تاريخي

ص: 20

للغات العالم، يريد أن يوجد نحواً تاريخياً للقرآن؟ إنه إذن لا يفهم ما النحو التاريخي ولا لماذا وجد في لغات العالم الحاضرة تغيرت بالتدريج عما كانت عليه ولو من قرون قليلة، فلغة شاكسبير مثلاً غير لغة ماكولي وولز، ولا أحسب لغة بوالو وراسين عين لغة هوجو وأناتول فرانس. والنحو التاريخي للإنجليزية أو الفرنسية يبين الاختلاف الذي طرأ فيما بين ذلك على الإنجليزية أو الفرنسية، فأي شبه بين عربية القرآن والأدب الجاهلي والأموي وبين الإنجليزية أو الفرنسية من هذه الناحية؟ لو كان هذا الرجل يكتب عن فهم لا عن تقليد ببغائي، لأدرك أن النحو التاريخي للغة القرآن هو نحو نشأة العدنانية عن أصلها في ماضي العربية السحيق، وهذا لو أمكن الوصول إليه لا يفسر ما يبدو لهذا الرجل شذوذاً في القرآن، لأنه لا شذوذ هناك إلا إذا كان نحو الجاهلي الأولى هو الأصل وإذن يكون أكثر نحو العربية المعروف شذوذاً، كما إن أكثر نحو الإنجليزية أو الفرنسية الحاضرة شذوذ بالإضافة إلى نحوهما في الماضي السحيق. فصاحب النثر الفني يكتب من غير علم ولا ترو ولا تفكير سديد، أو هو رجل راكب في البحث هواه (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى الله)

محمد أحمد الغمراوي

ص: 21

‌كل يوم لنا عتاب جديد

للدكتور زكي مبارك

قرأت كلمة الأخ الكريم الأستاذ دريني خشبة فرأيته يصرح بأني خاصمت الرسالة وخاصمت الأستاذ الزيات، لأنهما أطلقا العنان لحرية النشر وحرية الفكر وحرية المجادلة، فهل يكون معنى هذا أني أحارب تلك الحريات، وأني أبغض من يتعرضون لنقد ما يصدر عن قلمي؟

لا شئ من ذلك، فهذا الأخ يعرف مبلغ حبي لحرية الرأي، وإنما أراد أن يتلطف فيدعوني إلى الصلح بذلك الأسلوب الرقيق، ولعله لو انتظر أياماً لرأى كيف يسعى الأستاذ الزيات إلى أو أسعى إليه، فبيننا أواصر أخوية لا يزلزلها خصام ولا قتال، ونحن أعقل من أن نختصم بصورة لا ينفع معها صلح، فالعقل الذي يوحي بمجاملة الأعداء رغبة في تحويلهم إلى أصدقاء، لا يقبل أبداً محاربة الأصدقاء ليحولهم إلى أعداء

والدنيا لا تسمح في كل يوم بخلق صداقة كالصداقة التي بيني وبين الأستاذ الزيات، ولعلها لن تسمح أبداً، فقد تبدلت الدنيا من حال إلى أحوال، حتى كادت تصير الصداقة الصحيحة من ضروب المحال

وما بيني وبين الأستاذ الزيات من الوداد تعرض لمكاره كثيرة، فقد كان لنا في كل يوم عتاب جديد، وكان حين يتعب مني يقول: كيف أستطيع أن أصلح ما بينك وبين الناس ولا أستطيع أن أصلح ما بينك وبيني!

والخصومة الأخيرة لم تكن مما يحب، لأنها وقعت بعد صلح شهده أبنائي قبل أسبوعين اثنين، ولهذا قال وهو يعاتب: ما الذي سيقول أبناؤك؟

وكان الجواب حاضراً، ولكني لم أجب، ولو أني أجبت لقلت: إن أبنائي تعجبوا من أن يسمح الأستاذ الزيات بنشر كلام يزعم كاتبه أني أحارب القرآن، وأحارب الدين، مع أنهم يرون في كل يوم أني أدعوهم إلى المحافظة على الصلوات

وكنت أستطيع أن أقول للأستاذ الزيات: وما الذي تقول أنت إن عاتبك ضميرك وأنت تعرف أني أديت للإسلام خدمات لن يؤدي بعضها من يتهمونني في إسلامي؟

ولكني لم أقل شيئاً، وتركت الأستاذ الزيات ينشر سلسلة من المقالات لرجل حاقد شوى قلبه

ص: 22

الحقد عشرين عاماً أو تزيد، وقد قدمت للأستاذ الزيات ردين فطواهما عن عمد، لأنه رآني أحاسبه ولا أحاسب ذلك الحقود، فكيف رغب الأستاذ الزيات في أن ينجو من حسابي، وهو حساب يحمل أنفاس العتاب؟

وما الذي يقع إن طوى الأستاذ الزيات هذا الرد أيضاً ليصورني أمام قرائه بصورة من يأبى الصلح؟

لن يقع شئ، فقد كتبت عشرين رداً، ثم مزقتها جميعاً، رعاية للمودة الغالية التي تفيأنا ظلالها عدداً من السنين. . . وللأستاذ الزيات أن ينسى أني عرفته أو عرفني، فأنا نفسي تناسيت فنسيت، ولم يعد بيني وبين الرسالة من صلة غير متابعة ما ينشر فيها من الأبحاث الجياد

كان رأيي أن معاونة الرسالة فريضة على كل مصري، لأنها صوت مصر في الشرق، ولم يقع ما يغير هذا الرأي، فالرسالة باقية بإذن الله، وسأعاونها ما حييت، وسأتذكر في كل وقت أنها كانت لقلمي أجمل ميدان، وأرحب ميدان

والله عز شأنه هو الذي أراد أن يقع ما وقع، فما كان يخطر في بالي أن لقراء الرسالة نحو كتابها عواطف تصل إلى حد العشق، ولا كنت أتوهم أنني سأتلقى في كل يوم خطابات من قرائي في مصر والشام والعراق، خطابات كلها أسف على ما قيل من أني خاصمت مجلة الرسالة وخاصمت الأستاذ الزيات

وأنا لا أستكثر أن ينزعج قرائي لفراقي، فما كذبت عليهم في حرف، ولا صارحتهم بغير الحق، ولا تخوفت من تمردهم على الصراحة، ولا دعوتهم إلى مصانعة الباطل في سبيل المنافع الفانية

والأستاذ الزيات يعرف كيف جنى قلمي على حياتي، وكيف خلق لي ألوفاً من الأعداء، وكيف قضى بأن أعيش في وطني عيش الغريب

وهل ينسى حزنه لحزني يوم نجح بعض الحاقدين في محاربة الحوار الذي أدرته على لسان آدم ولسان حواء؟

وهل ينسى العلقم الذي اجترعناه معاً ونحن نعاني ثورة الجهّال على القلم البليغ؟

مضى ما مضى، وأصبح ودادي للأستاذ الزيات طيفاً من أطياف التاريخ؛ فلم يبق إلا أن

ص: 23

أنص على ظاهرة خطيرة، ظاهرة مؤذية تزلزل المجتمع الإسلامي من حين إلى حين، وهي تتمثل في غرام الجاهلين بالغض من عقائد المثقفين، ليقولوا إنهم وحدهم أهل الإيمان، وليعزوا أنفسهم عن جهلهم البغيض، وتلك تعزية كانت تنفع في الأيام الخوالي، ولكنها اليوم أضيع من الضياع

كنا نجد في عبارات المؤرخين عند التعرض لأحد المفكرين أمثال العبارة الآتية:

(وكان غفر الله له يُتَهم بالنظر في العلوم العقلية)

فهل تبقى هذه العبارة وأمثالها على ألسنة بعض الخلق في هذا العهد؟

وأنا أوجه الأسئلة الآتية إلى من يدعون التفرد بالغيرة على الدين الحنيف:

إذا عجز الإسلام عن غزو قلوب المثقفين فإلى من يصوب سهامه الروحية؟

وإذا صح أن الإيمان الحق هو إيمان العجائز فما هو مصير أهل الشباب والعافية؟

وإذا كان الجهل بشيراً بصحة العقيدة، فما الموجب لإنشاء المعاهد العالية؟

أتريدون الحق؟

الحق أني لن أيأس من أن يظفر المثقفون بمكانتهم في المجتمع الإسلامي، فقد نزعنا راية الإسلام من أيدي الجهلة، وصار إلى أقلامنا المرجع في شرح أصول الدين، والمسلمون كلهم يشهدون بأن أقلامنا هي التي تبصرهم بجمال الشريعة الإسلامية، وجمال اللغة العربية، والله يؤتى الحكمة من يشاء

أقلامنا هي التي تشرح دقائق الأدب العربي، وسرائر الدين الإسلامي، ولن نترك هذه الميادين للجاهلين، ولن نرحم أعمارهم التي تضيع في اتهامنا ظلماً بالزيغ والإلحاد

وإذا ألحدنا فمن يؤمن؟

أيومن الجاهلون وقد حجبهم الجهل عن الإيمان؟

على أنفسهم فليبكوا، إن كانوا صادقين، فما فوق غفلتهم غفلة، ولا فوق جهلهم جهل، وهم حطب جهنم، ولكنهم لا يشعرون

الإسلام دين العقل، لا دين الجهل، ونحن بفضل الله ومشيئته ورعايته أنصار هذا الدين، ولن يتلقى المسلمون مبادئه إلا عن أقلامنا، فليرحم نفسه فلان الفلاني، وليطمئن إلى أن متاعبه في محاربتي لن تنال مني إلا بقدر ما تنال النمال في نسف الجبال

ص: 24

لقد سمحت مجلة الرسالة لفلان الفلاني أن يشطح وينطح في نقد كتاب النثر الفني، فماذا صنع؟

انبهرت أنفاسه وانقطعت بعد خمس مقالات هي من الهزال بمكان!

هل كان الأستاذ الزيات ينتظر هذه العاقبة لذلك الفلان؟ اسمع كلامي يا صديقي الزيات، اسمع كلامي ثم اسمع، فما كنت نبياً حتى تزعم القدرة على بعث الأموات، ولا كنت سينمائياً ينطق الصور الهوامد من وراء حجاب

قد أثق بقدرتك على المستحيل يا صديقي الزيات، ولكني أستبعد كل الاستبعاد أن تقدر على خلق ذلك الفلان

ولك أن تجرب حظك إن أردت، لك أن تحاول مغاضبة الله فتحي من أراد الله أن يموتوا، لأنهم جاهلون، وإن زعموا أنهم علماء وأحياء

جرب حظك يا صديقي، فنحن في أزمان التجاريب، وقد تصل إلى أشياء لا تخطر في البال

وأسارع فأقرر أن نجاحك في تجاريبك لن يصل إلى الزعم بأن إيمان الضفادع أشرف من إلحاد الرجال

لقد فرح فلان الفلاني حين رآني أعترف بصحة ما رواه من كتاب النثر الفني، وأنا أرجو الأستاذ الزيات أن يخبرني أنه رأى كتاباً في الأدب العربي أعظم وأعمق من كتاب النثر الفني

أن الأستاذ الزيات يؤرخ الأدب، فليحدثني عن كتاب هو أعظم من كتابي، أن كان يستطيع، ولن يستطيع

أن ذلك الناقد الحاقد لكتاب النثر الفني وقف عند مسألة شائكة، وهي المسألة الخاصة بآرائي في إعجاز القرآن، ولم يقف عند هذه المسألة إلا لأنه يعرف أن الظروف لا تسمح بأن أجازيه عدواناً بعدوان، ولو أني وثقت بأن كلامي ينشر في الرد عليه لوضعت وجهه في الحضيض، لأني في نظره ملحد، ولأنه في نظري جهول، وقد عشنا حتى نرى التهمة بالإلحاد أخف من التهمة بالجهل!

ثم ماذا؟ ثم يبقى ما حدثنا به الأستاذ دريني خشبة عن الكتاب الذي أصدره الأستاذ معروف

ص: 25

الرصافي نقداً لكتاب النثر الفني وكتاب التصوف الإسلامي

ومعنى هذا أني وجدت فرصة تشغلني بالأستاذ معروف الرصافي عن ذلك الفلان، فليحمد الله ذلك الفلان، وليثق بأنه في أمان

سأرى ما يقول الأستاذ الرصافي، وسأرد عليه حرفاً بحرف، لأنه من أكابر المفكرين بالعراق، ولأنه شغل نفسه بمؤلفاتي شغلاً يستوجب الثناء.

زكي مبارك

ص: 26

‌رسالة الفن

في معرض الفن

للأديب نصري عطا الله سوس

عناصر العمل الفني هي إحساس الفنان ومخيلته، وشخصيته الخالقة التي تحيل مشاعره وتأثراته إلى مادة جديدة لها طابعها الخاص، والرغبة الملحة في الإنتاج، والقدرة على الأداء، ثم التوفيق في الإخراج

وتقاس قوة العمل الفني بقوة هذه العناصر مجتمعة، كما يتسرب الخلل إليه بقدر ما يتطرق الضعف إلى أحد هذه العناصر أو بعضها

كما يجب أن تكون هذه العناصر في حالة توازن، فلن تجدي قوة الأداء شيئاً إذا كانت العاطفة ضعيفة أو فجة. والفنان الكبير حين تعوزه الرغبة في الإنتاج ويقسر نفسه عليه قسراً، يأتي عمله الفني مشوشاً مضطرباً تنقصه الطواعية: ذلك الإحساس الذي يتملك الفنان حين مؤاتاة الملكة فيشعر أنه في يد قوة أكبر منه تسوقه وتلهمه وتختار له الألفاظ الدالة أو الألوان المعبرة. . .

هذه مبادئ أولية - أو أظنها كذلك - ولا أدري كيف غابت عن عقول أعضاء اللجنة التي اختارت هذه المجموعة من اللوحات وجعلت منها معرضاً للفن، إذ مستوى المعرض في مجموعه أقل من المتوسط بكثير ونسبة المجيدين فيه قليلة جداً. وأنت إذ تلقى نظرة عابرة على ما في المعرض من لوحات يفدحك الإحساس بأن بعض هؤلاء المصورين قد قضوا أعمارهم في غرف مغلقة فلم يروا من محاسن الطبيعة أو جمال الكون شيئاً، وإلا فلما اختاروا هذه الأشكال العثة الرثة للتعبير عن عواطفهم واحساساتهم!؟

وفيما يلي بعض أرقام قد تلقى بعض الضوء - أو تهيئ بعض العذر للذين يحكمون على هذا المعرض حكماً قاسياً كما فعل ناقد في إحدى الجرائد الأجنبية المحلية فقال إن صور هذا المعرض قد طبخت طبخاً وأنه معرض كئيب!

بلغ عدد العارضين 116 بينهم 27 آنسة وسيدة

وبلغ عدد الصور 358 منها 85 للسيدات

وبلغ عدد التماثيل 28 تمثالاً

ص: 27

وبلغ عدد الذين ينتمون إلى الرسم بحكم المهنة - من مدرسين وطلبة بمعاهد الفنون - 37 رساماً ومثالا، عرضوا 118 صورة وتمثالاً

ونحن لا ننكر على بعض هؤلاء الموهبة الفنية، ولكن امتلاكهم ناصية الأداء بحكم المهنة يغري البعض الأخر باقتحام قدس الفني وليس في مكنتهم إلا الإساءة إليه وانتهاك حرمته، كما يفعل كثير من طلبة الأزهر ودار العلوم حين يتوهمون أنهم شعراء لأنهم درسوا اللغة العربية والعروض!

أبرز صور هذا المعرض من صنع الأساتذة لبيب تادرس وحسن محمد البناني وحسين بيكار ونظير خليل، والآنسات مرجريت يزبك وإحسان خليل وج. كوهين

والذي يتأمل صور المرحوم لبيب تادرس يحس أن الفن قد خسر خسارة كبيرة بوفاة هذا الفنان الناضج الذي كان بينه وبين الطبيعة صلة روحية عميقة تنعكس على صوره في جلاه ووضوح وتضفي عليها سر الفن، ذلك السر الذي يحاول الرائي استكناهه فيفشل

أما حسني محمد البناني فهو فنان لا شك في مقدرته، خصوصاً في (ظل التكعيبة) و (منظر ريفي) و (مراكب) تلك الصور الرائعة التي تحاول سبر غورها فلا تستطيع، لأن فيها قلب فنان، وقلب الفنان أعمق من أن يسبر غوره.

وللأستاذ حسين بيكار ثلاث لوحات تنبض حياة وقوة: منها (حديقة الحب بتطوان) التي تتمثل فيها فرحة الألوان، وتحس إذ تنظر إليها فرحة الفنان نفسه والفرشاة في يده يودع لوحته ما أودعته الطبيعة قلبه. ومنها (حرم الدكتور أبو ذكرى) تلك الآية الرائعة التي تتمثل في تقاطيعها الأنوثة الشرقية المحضة والجمال المصري الصميم، تطل من ورائه روح عذبة وادعة تمكن من إبرازها فنان متوفر الشعور والإحساس

أما (زوريان أشود)، فقد وفق تماماً في قطعته الحية (زنجية)، وهي تمثل امرأة عارية، وهي ليست امرأة عارية حقاً بل (شكل) مجرد شكل اتخذه الفنان رمزاً لعاطفة، وأداة لإبراز نبضات قلب. وهي نبضات غامضة مستسرة توحيها الحياة الداخلية الغامضة المستسرة، فتبرز العاطفة من وراء الشكل، وتنسى المرأة وتذكر القلب الحي المودع في التقاسيم والأوضاع

كما أن (السيدة ا. ب) وهي من رسمه أيضاً صورة ناضجة حية، ونحن إذ نطلق كلمة

ص: 28

(حية) على صورة شخصية نعني أن الصورة لا تمثل وجهاً من الوجوه، إنما تمثل روحاً كما تتمثل في مرآة روح أخرى هي روح الفنان

واسترعتني صور (نظير خليل وهبه) لم فيها من عمق الإحساس وقوة الأداء والفهم التام لمعنى الفن، فلا إسفاف هناك أو اضطراب أو خلل في كل ما رسم

أما صور (تيتا) - الآنسة مرجريت يزبك - فيتمثل فيها الجلال الفني الذي ينبع من تقديس وإكبار الفنانة لفنها، ومن هنا تبدو صورها كصلوات في محراب الفن، صلوات للجمال الأبدي والحقائق الخالدة التي تكمن وراء الأشكال والتقاسيم والأوضاع، وصورها الثلاث تدل على دراية ونضوج وعاطفة قوية، ولكنها مستقرة لا تعرف الطفرات أو سورات الإلهام، ومن هنا ألوانها الهادئة الرزينة

وقد وقفت وقفة طويلة أمام صور الآنسة إحسان خليل: إن هذه الفتاة فنانة حتى أطراف أناملها، والذي يتأمل المناظر الطبيعية التي رسمتها يحس أنها تتناول الفرشاة بقلبها الرقيق لا بأصابع يديها، ومن حسن حظ (إحسان) أن صور الآنسة عايشة عبد العال قد وضعت إلى جانب صورها، فأظهرت تماماً مميزات (إحسان) وتفوقها!

والآنسة ج. كوهين متأثرة بالفنان (رودان) بعض الشئ، ولكنها فنانة مجيدة ناضجة تمام النضج، وقد عرضت الآنسة ا. شمليان لوحتين تعتبر إحداهما من خير ما في المعرض من صور الطبيعة الصامتة، والثانية لا بأس بها

وأحب أن أقول كلمة عن محمود سعيد بك فقد عرض ثلاث لوحات، وكلنا يعرف مكانة هذا الفنان الكبير الذي سبق أن أيدينا إعجابنا به. ولكن إذا كانت هذه اللوحات تعبر عن الفنان محمود سعيد في طوره الحالي، فلا شك أن فنه قد أصيب بالخرس. وقد خلا فن محمود سعيد في السنوات الأخيرة من التنويع والتجديد، وليس في صوره التي رأيناها في هذا المعرض تلك العذوبة أو القوة التي كانت تطالعنا بها صوره السابقة

كما أن الآنسة مرجريت نخلة قد ظلمت نفسها بعرضها ثلاث لوحات لا تمثل فنها كل التمثيل، وقد رأينا لها مجموعة قوية من الصور في معرض الفن النسائي الذي أقيم في نادي سيدات القاهرة منذ شهرين أو ثلاثة، ولذا أوثر عدم الحديث عنها

وقد عرض الأستاذ الحسين فوزي 14 لوحة، وإذا كان قد نجح في واحدة أو اثنتين على

ص: 29

الأكثر، فلا شك أنه نجاح الصدفة لا نجاح القدرة. ومن الغريب حقاً أن تعثر على صورة للأستاذ الشيتي عنوانها (الأمومة)، ويبدو على وجه الأم وله العاشقة الحيرى، وعلى وجه الطفل الرضيع مشاغل وأعباء ونستون تشرشل، ونحن نعترف للأستاذ الشيتي بالقدرة في الرسم والتلوين فقط. . . أما الروح الفنية فلا

وقد اختارت الآنسة (أندريه ساسون) موضوعات يسهل ظهور الفشل فيها، فظهر واضحاً جلياً إلا في صورة واحدة وهي (فاطمة)، ففيها شئ من البراعة. وإذا لم يكن في صور الأستاذ يوسف كامل ما يصدم العين أو الإحساس فليس فيها ما يثير الانتباه أو يحرك النشوة الفنية

أما صور الأستاذ سند بسطا فالفن منها براء، فهي لا تدل إلا على عاطفة قلقة باهتة شاحبة، ولا تنبئ إلا عن الاجتهاد الذي يصطدم بحدود الموهبة وحدود القدرة على الأداء فيفشل!

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فيجب أن نذكر أن الإمعان في الصقل يذهب برواء الفن ويطمس معالم العاطفة فيه كما حدث في صور محمود سعيد والسيدة فتحية ذهني

ومن بين الذين نجحوا في الصور الشخصية الأستاذ محمد حسن، فليس هناك من ينكر مقدرته، والسيدة اعتماد الطرابلسي في (رأس الأميرة فريال) والأستاذ بدوي اسكندر في (ابتسامة) التي تفيض شباباً وبشراً وحياة، والأستاذ حسين محمد بدوي في (الجدة) وصلاح الدين طاهر في (توفيق الحكيم) والسيدة رايس مولى في (صورة لمارتن) والأستاذ أحمد صبري في قطعتين من ثلاث، وسمسونيان سيمون في (رأس طفل)، وإجادة الأخير لصور الطبيعة الصامتة خير بكثير من إجادته للمناظر الطبيعية أو الصور الشخصية؛ وقد عرض جورج ميخائيل لوحتين إحداهما لفتاة والأخرى لفلاح، وكلاهما فياض بالمعاني

وخير من رسموا مناظر الطبيعة هم: الآنسة إحسان خليل في لوحاتها الثلاث، والأستاذ نجيب أسعد، وله قطعة واحدة جيدة، هي (في الحديقة)، أما بقية مجموعته فهي دون المتوسط بكثير. وسعيد حامد الصدر في (شجر) و (في الحديقة)، والأستاذ نعيم جاب الله في (منظر ريفي). كما يجب ذكر زهور الأستاذ شفيق رزق فهي خير ما عرض من نوعه في المعرض

وهناك مجموعة أخرى من الرسامين نلمح فيهم الروح الفنية، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى

ص: 30

المستوى الذي نرجوه لهم، ونأمل أن نرى لهم صوراً أحسن في المعارض المقبلة، وهم الأساتذة صدقي الجباخنجي، وكامل مصطفى محمد، ومصطفى المهدي، وسمسونيان سيمون، والآنسات مفيدة شعبان وزينب محمد علي

أما فن النحت فأعتقد أن تماثيل الأستاذ جمال سجيني هي خير ما في المعرض، ويأتي بعده الأستاذ فتحي محمود

وآمل أن أستطيع قريباً الكتابة في توسع وإفاضة عن بعض الفنانين الذين أبدينا إعجابنا بهم، اعترافا بفضلهم ومقدرتهم

نصري عطا الله سوس

ص: 31

‌نقل الأديب

للأستاذ محمد إسعاف الشاشيبي

565 -

لكنه أسد

(إخبار العلماء بأخبار الحكما) للقفطي: تفاخر ابرخس الشاعر اليوناني وأوميرس، ففخر على أوميرس بكثرة الشعر وسرعة عمله وعيره ببطاء عمله وقلة شعره. فقال أوميروس: بلغنا أن خنزيرة بإنطاكية عيرت لبوة بطول زمن الحمل وقلة الولد وافتخرت عليها بضد ذلك. فقالت اللبوة: لقد صدقت؛ إني ألد الولد بعد الولد لكنه أسد. . .

566 -

واستمرض الله يمرضك

في العقد:

قال الأعمش: أتاني عبد الله بن سعيد بن أبي بكر فقال لي: ألا تعجب، جاءني رجل فقال: دلني على شئ إذا أكلته أمرضني، فقد استبطأت العلة، وأحببت أن أعتل فأوجر

فقلت له: سل الله العافية، واستدم النعمة؛ فإن من شكر على النعمة كمن صبر على البلية، فألح على، فقلت له: كل السمك واشرب نبيذ الزبيب، ونم في الشمس، واستمرض الله يمرضك إن شاء الله

567 -

لرخص فيه حفنة حفنة

في (تاريخ بغداد) عبد الله بن هلال البزاز: أكل أشعب مع سالم بن الجعد تمراً، فجعل يأكل زوجاً زوجاً، فقال سالم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن القران في التمر

فقال: اسكت، والله لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم رداءة هذا التمر لرخص فيه حفنة، حفنة. . .

568 -

وأنت أنت وطنبورك طنبورك

في (مسالك الأبصار) للعمري: قال جحظة البرمكي: كنت بحضرة إسماعيل بن بلبل (الوزير) بواسط فلما انصرفت رافقني البحتري، وكان قد زاره، فلما وصلنا إلى (دير قُنَّى) قال لي: ويحك يا جحظة! هذا دير قنى، وهو من الحسن والطيب على ما ترى، وأنت وأنت، وطنبورك طنبورك، فهل لك أن تقيم به اليوم فنشرب ونطرب وننعم ونلعب؟ فقلت:

ص: 32

نعم، ولم يكن معنا نبيذ، فسألنا عمن يقرب منا من العمال (الولاة)، فكتب إليه البحتري:

يا ابن عيسى بن فرّخان وللفرس بعيسى بن فرّخان افتخار قد حللنا بدير قنى وما نبغي قرى غير أن يكون عقار

فاسق من حيث كان يشرب كسرى

عصبة كلُّهم ظماء حرار

من كُميت تولت الشمس منها

ما تولته من سواها النار

فوجه إليه عشرين دنّا شراباً، ومائة دجاجة، وعشرين حملا، وفاكهة. وعملت في الأبيات لحناً، فلم نزل نشرب عليه يومنا وليلتنا

569 -

استنباط

قال السبكي (صاحب الطبقات) استنبط كمال الدين القليوبي شارح (التنبيه) من قوله تعالى: (يا أيها النبي، قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: يدنين عليهن من جلابيبهنَّ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) - أن ما يفعله علماء هذا الزمان في ملابسهم من سعة الأكمام، وكبر العمامة، ولبس الطيالس حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزاً لهم يعرفون به، ويلتفت إلى فتاويهم وأقوالهم

ص: 33

‌البخلاء.

. .

للأستاذ علي الجندي

الناسُ فيِ اُّللؤمْ أنواعٌ، وشرُّهُمو

عندي البخيلُ. ألاسُحْقاً لمن بَخِلَا

يا ليته حين لا تَنْدّى أَنامِلَهُ

بالنّائلِ النَّزْر يندَى وجهُه خجلا

أُعْجُوبةٌ في الوَرى أَنَّ البخيلَ - على

فَقْدِ الرُّجُولة - يُدْعَى بينهم رجُلا

يَا بُؤْسَ لِلْحُرِّ أَعمَتْه مَطاِمعُه

فصاغَ من ماله غُلاَّ - له - قَمِلَا

هذا الجنونُ! وكم في الناس ذُو خَبَل

تُخْفى ظَواهرُهُ عن عَينكَ الخَبَلَا

السل والبخل: ذا داءٌ يُطَبُّ له

وذَا عياءٌ، وشر الداء ما قتَلا

يشقى البخيل على الدنيا وفي يده

أَسْبابُ نِعْمته لو أنه عَقَلا

جَرى له (الُمشْتري) سعداً، فعاجَلهُ

بِطبعِه النَّحس رَدَّه (ذُحَلَا)

يُمْسِي ويُصْبح مجهوداً، وليس له

ممَّا جَنته يَدَاه غَيرُ ما أَكلَا

ويَجْرع الصَّابَ مُختاراً، وثروتُهُ

يجرى ينابيعُها من تحته عَسَلَا

لَاقى العقوبة في الدنيا مُعجَّلةً

كذلك الشر يأتي أهله عجلا

ماذا على الموت لو أخنى بِكلْكلهِ

على اللئام، فنشفى منهمُ الغُللا

ما نَفع زِعِنفةٍ بالمال قد فُتِنوا

لا يحسنون - سوى تحصيله - عملا

لو كان لله ما للمال عِنْدَهُمو

من الجَلال، لصاروا في التُّقَى مثلا

ماتوا من الفقر خوفاً قبل موتهمو

والخوف موت وَحِيٌّ يسبق الأجلا

ص: 34

‌من أغاني الشاعر الحائر

(أغنية روح)

للأديب إبراهيم محمد نجا

هات قيثاري، ففي قلبي غناءْ

وبعينيَّ دموع الفرحِ

واستمع مني أغاريد الصفاءْ

وأناشيد الهوى والمرحِ

مرت الأيام، أيام الشقاءْ

وأتى عهد الطلا والقدح

واستفاق القلب من أحزانهِ

واستراح الروح من أسر الشجونْ

وهفا قلبي إلى أفنانهِ

بلبلاً يصدح باللحن الحنونْ

ذهب الليل بأحزان الظلامْ

وأتى الفجر بأفراح الضياءْ

وتغنى بأغانيِّ الغرامْ

كل قلب بات محزون المساءْ

فإذا روحي المشوق المستهامْ

سابح ما بين أطياف الفضاءْ

وإذا الدنيا كما كنت أراها

في رؤى الحب وأحلام الكرى

فكأن الفن بالحسن كساها

أو براها الله خلقاً آخَرا

هاهي الأزهار تندى بالجمالْ

وهْي نشوى بالضياء الغامرِ

كعذارى راقصات في الخيالْ

أو كأحلام بقلب الشاعرِ

زفها النور، وزفتها الظلال

للفراش المستهام الطائر

ونسيم الفجر من لهفته. . .

يحتسى الأنداء من ثغر الزهور

والغدير الطلق من نشوته. . .

يتثنى بين أسراب الطيور

صور تفتنني كل صباحْ

وتوافيني بفن باهرِ

وأنا الشاعر كم غنَّى وناحْ

للجمال العبقري الساحر

فتولت بأغانيه الرياحْ

في فضاء ما له من آخر

أين منها صورة الماضي الدفينْ

في قلوب موجعات داميه؟!

صورة ينسجها الليل الحزينْ

من خيوط الذكريات الباكية!

إيه يا قلبيَ دع ما قد مضى

من ليالي اليأس والحزن الوجيع

الشتاء الجهم ولَّى وانقضى

والربيع الطلق غنى في الربوع

ص: 35

آه لو عدت فؤاداً نابضاً

بالهوى العذري من بعد الهجوع

رب غصن قد تعرَّى فاكتسى

فلمَ اليأس؟ وما هذا الشحوب؟

إن تكن يا قلب قد ذقت الأسى

فلكم ذاقته من قبل قلوب

لا تلمني إذ أغنى في الصباحْ

بعدما قد كنت أبكى في المساءْ

فأنا الشاعر أيامي جراحْ

ولياليَّ سهاد وبكاءْ

فلماذا أترك الصفو المتاحْ

بينما أغرق نفسي في الشقاء؟!

إنها لحظة صفو أجتليها

في حياة غُشِّيت بالكدر!

إنها زهرة أنس أجتنيها

بين أشواك الأسى والضجر!

يا ليالي الحب في الماضي البعيد

هل تعودين؟ فقد عاد الأمل

وكأني اليوم أحيا من جديدْ

للأماني. . . للأغاني. . . للغزل

ولقد حطَّمت هاتيك القيود

وتهيأت لأغلال المقلْ

فتعالى. . . كل أيامي تهونْ

غير أيام الغرام الأول

إنها - والعمر شجو وأنين -

فرحةُ الزهر، وشدوُ البلبل

يا حبيبي ها أنا بين يديكْ

لهفة كبرى، وشوقاً، وهياما

وفؤادي ما هفا إلا إليك

أوشكا - إلا لعينيك - الغراما

فإذا ما جاء واستلقى لديك

فاحتضنه يا حبيبي. . . ثم ناما

وإذا جاء الصباح الباسمُ

فاحبُه صفو الحنان الطاهر

إنه قلب رقيق حالم

إنه قلبيَ. . . قلب الشاعر:

ص: 36

‌البريد الأدبي

إلى الأستاذ عبد المتعال الصعيدي

السلام عليكم ورحمة الله، وبعد فقد قرأت مقالكم الشائق في قضية نسب زياد في مجلة (الرسالة)؛ ولقد كنت أرجو وأنا ألمس في أبحاثكم نفوذ النظر وثاقب الفكر أن لا تفوتكم في هذه القضية نقطة وجيهة وذات خطورة، وهي احتمال التلفيق وأثر الحزازات السياسية والحزبية

فمعلوم أن ما وصل إلينا من الروايات في هذه الموضوع وغيره قد دون في عهد الدولة العباسية؛ ومعلوم أن كثيراً مما دون في هذا العهد، مما يتصل خاصة بالدولة الأموية وكبار رجالاتها، قد تأثر إلى حد كبير بتلك الحزازات، وأن الذي ينعم النظر يلمس تعمد التشويه والتسوئ والمبالغة والإعظام قوياً بارزاً

وزياد من كبار رجالات هذه الدولة وموطديها، وقد كان في ولايته للعراق في عهدها صارماً شديداً؛ ثم خلفه ابنه فيها فسار من جهته على غرار أبيه، ووقعت من جهة أخرى في عهده حادثة كربلاء الأليمة التي جلبت عليه نقمة الناس، وانتشرت عنه بسببها أسوأ الأحاديث

فهذا من وجه عام من شأنه أن يدعو الباحثين إلى التحفظ والتوقف والارتياب في رواية نسب زياد واستلحاقه لأن لحمة هذه الرواية وسداها مطعن وغمز وتشويه وتسوئ

ومن العجيب أننا نجد الروايات تغمز نسب عمرو بن العاص بما غمزت به نسب زياد بشكل ما؛ وهو من أعاظم رجال الدولة الأموية وموطديها، ونجدها كذلك تسخف في وصف ظروف ولادة الحجاج وحلقه ورضاعه سخفاً مضحكا، وهو صنو الرجلين العظيمين الأولين في هذه الدولة إلا غمزته في أمانته أو عرضه أو دينه أو خلقه؛ وإنه لمن الحق أن يحمل هذا بوجه عام الباحثين في قضية من القضايا المتصلة بالدولة الأموية وكبار شخصياتها إلى التحفظ والتوقف والارتياب، وأن لا تجعله يكتفي بتوجيه وتخريج الروايات والبحث في نطاقها كأنها قضايا مسلمة

يضاف إلى هذا أنه إذا أنعم النظر في عناصر رواية نسب زياد خاصة ظهر فيها ثغرات عديدة تؤكد قوة احتمال التلفيق وضلع الحزازات السياسية والحزبية كما أشرنا إلى ذلك

ص: 37

آنفاً. ففي عناصر الرواية:

1 -

أن زياداً كان يعرف بزياد بن عبيد، وأنه كان له أخوة من أمه ومن أبيه هذا؛ فهذا قد ينقض نقطة كون سمية من البغايا العامة؛ فإذا كان أبو سفيان قد اتصل بها سفاحاً فيكون قد اتصل بها وهي تحت زوج. فكيف يستقيم هذا مع رواية توكيد أبي سفيان أن زياداً من نطفته؛ وكيف يمكن لأبي سفيان أن يؤكد ذلك من حيث الأصل. على أنه مما يصلح أن يكون موضع تساؤل وارتياب معاً وثغرة كبيرة في الرواية هذا التفصيل الدقيق المروي عن اتصال أبي سفيان بسمية في الطائف في زمن الجاهلية، وتداول هذا التفصيل ومعرفة شاهده العياني أبي مريم الخمار وأدائه الشهادة عنه بعد البعثة النبوية بنحو خمسة وخمسين عاماً ورواية تلك الصورة البذيئة عن سمية بعد اتصال أبي سفيان بها. . .

2 -

أن أبا سفيان قد اتصل بسمية في الجاهلية وأن زياداً قد ولد أيضاً فيها. ولقد كان استلحاق أولاد السفاح في هذا العهد سائغاً جارياً لا غضاضة فيه ولا مطعن: وقد زعمت رواية نسب عمرو بن العاص أنه ولد سفاح وأن أباه قد استلحقه؛ والعاص بن وائل السهمي والد عمرو من كبار شخصيات وبيوتات قريش؛ فالقول بأن أبا سفيان قد أنف من استلحاق زياد لا يستقيم مع السائغ الجاري

3 -

لم تصرح الرواية أن أبا سفيان قال للإمام علي إن زياداً ابنه حينما أعجب الإمام بموقفه الخطابي في خلافة عمر؛ وكل ما ذكرته قوله إنه يعرف أباه؛ فكيف عرف أنه عني نفسه حتى أنذره بضرب الخليفة؟ ثم إذا كان الإمام قد عرف ذلك - لأن هناك رواية فيها إيماه أوضح - وكان في اجتهاده أن تصريح أبي سفيان موجب لحده؛ فهل كان يسكت عنه وهو المشهور بالشدة في مثل هذه الأمور. هذا مع أن في رواية تهديد الإمام ثغرة أخرى، لأن اتصال أبي سفيان بسمية وولادة زياد مما كان في الجاهلية والإمام أجل من أن يجهل أنه لا حد ولا بأس على أبي سفيان، لأن إسلامه قد جب ما قبله. ثم أليس هنا موضع تساؤل وعجب عن ذيوع حديث جرى بين الإمام وأبي سفيان خاطفاً عابراً وغدوه من الروايات المتداولة على ألسنة الرواة؟

4 -

إذا فرضنا أن أبا سفيان قد أنف من استلحاق زياد عند ولادته مع تأكده أنه ابنه وأنه أعجب به فيما بعد فإنه لم يكن هناك مانع من جهة مطعن من جهة أخرى في استلحاقه لأن

ص: 38

الحادث مما يتصل أصلاً في الجاهلية، وقد أقر الإسلام أنساب الجاهلية على علاتها

5 -

لقد كان زياد والياً من ولاة الإمام، فهل يعقل عاقل منصف يعرف طبيعة ورع الإمام وتحفظه وتشدده، ويعرف ما كان ناشباً بينه وبين معاوية بن أبي سفيان أن يستخدم شخصاً يعرف أنه ابن سفاح أولاً ويعرف أنه ابن أبي سفيان وأخو معاوية ثانياً

6 -

ويخيل إلي بالإضافة إلى هذا كله أن زياداً المعروف في شدته وقوة شخصيته والذي كان نابغة عبقرياً منذ خلافة عمر، ثم كان والياً من ولاة الإمام علي ليأنف أن يعلن على رؤوس الأشهاد وفي مجلس شرعي أنه ابن زنا وأن أمه بغي، ولو كان ذلك بسبيل التحاقه بنسب أبي سفيان، وأن معاوية الملك العربي المسلم العظيم ليأنف أن تسوأ سمعة أبيه واسمه في هذه المناسبة مهما كان الباعث السياسي، كما أنه ليس من ضرورة إلى ذلك، وزياد هو ما هو من عبقرية والنبوغ وقوة الشخصية، ومعاوية هو ما هو من الدهاء والعقل والحلم إلى تلك الفضيحة الخالدة على الدهر للاثنين معاً لتكون وسيلة تضامن وتناصر بينهما

هذا ما عن لي أن أعلق به عساكم تتفضلون ببيان رأيكم توفية للموضوع الطريف الذي طرقتموه ولكم الشكر والاحترام

محمد عزة

في القافية

جاء في قصيدة الأستاذ محمد الخفيف (جمال وشوك) بالعدد 570 من الرسالة يصف شجرة الصبار:

وحشية ما اتخذت من حُلى

إلا التي تنسبها للُعلَى

يا رب حُسنٍ إذ يرى عاطلاً

أصالة السحر به أبرزت

جماله فهو يرى أجملا

وفي قافية الشطر الثالث خطأ يسمونه (سناد التأسيس) لأن ألف (عاطلاً) تأسيس - والتأسيس ألف في كلمة الروي بينها وبينه حرف متحرك - ومتى أسست قافية في قصيدة وجب تأسيس سائر القوافي

ص: 39

ولو أنصف الشاعر لقال

(يارب حسن حينما عُطِّلا)

أو نحو ذلك.

(بني سويف)

محمد محمود رضوان

ص: 40