الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 604
- بتاريخ: 29 - 01 - 1945
أبو العلاء المعري
للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
كان النبي محمد، وكان هذا القرآن، هذا الكتاب المعجز، فكانت تلك الدنيا العجيبة العربية، وكان مع الهدى والخير ذلك العلم وذلك الأدب وتلك الفنون، وكان أولئك الأئمة وأولئك النابغون وأولئك العبقريون، وكانت تلك المؤلفات الفائقات المحققات، وكان أولئك المؤلفون الراسخون في العلم المستبحرون. وكان هذا العبقري أبو العلاء المعري (أحمد بن عبد الله سليمان) رب هذا المهرجان.
كانت الحضارة العربية، وكانت هذه المدينة الغربية، ولن يقدر أن يكفر إفضال المفضلين كافرون. فمحمد والقرآن هما شائداً هذا المجد، وهما القائدان، وهما الهاديان، وهما الشمسان الباهرتان، ذواتا الضياء السرمدي في العالمين. .
(كما أرسلنا فيكم رسولاً يتلو عليكم آياتنا، ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون - فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون).
(دمشق عروس الشام الموموقة، وواسطة عقدها المرموقة).
في دمشق هذه التي قلت فيها - يا أبا العلاء - قولك هذا في رسالتك إلى (أبى منصور محمد) قد مهرج العربيون لك اليوم هذا المهرجان بعد ألف سنة من سعادتك بكونك وسعادة العربية بك، وإن أمة أقامت من بعدك هذا الدهر الأطول تصارع الكروب والخطوب، وتقارع تلك الهمجيات الشرقية والوحشيات الغربية ثم لم تبد بل لم تهن ولم تستكن، إن أمة وقاها كتابها ووقت لغتها ولسان كتابها؛ وعرفت قدرها في الأقدار، وفضلها من قبل، ومسعاها اليوم، وأرادت ألا تزول وأن تكون فكانت، إن هذه الأمة لقوية وعزيزة وسائدة وخالدة في الخالدين.
بلاد الشام جلها، ولا أقول كلها، (وإن مع اليوم غدا يا مسعدة) لا تردد كثيراً في الوقت قول الشيخ:
ألفنا بلاد الشام إلف ولادة
…
نلاقي بها سود الخطوب وحمرها
فطورا نداري من سبيعة ليثها
…
وحينا نصادي من ربيعة نمرها
فالحال اليوم - يا أبا العلاء - متهادن، والدهر مهادن. وفي الدار من قبلك صالحون
وصادقون ومخلصون و (ما الخلاص إلا في الإخلاص) كما يقول أبو المنصور الثعالبي ورئيس القوم ملآن من الفضائل الإسلامية ومن العربية والوطنية، وهو كما أردت وكما أحببت وكما قلت:
إذا ما تبينا الأمور تكشف
…
لنا وأمير القوم للقوم خادم
لا يتركنّ قليل الخير يفعله
…
من نال في الأرض تأييداً وتمكينا
وقد أتى بكثير الخير وأكثره. ومهرجانك هذا هو حسنة من حسنة من حسناته.
كونت العربية في اللغات تكوين الألماس والراديوم في المعدنيات.
(صنع الله الذي أتقن كل شيء)
ولله أن يفضل لساناً على لسان، وأن يحظى إنساناً على إنسان
(ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات)
والشيخ يقول في (الفصول والغايات): (وربك خص بالفضيلة من أختار) وإذا قال العبقري ابن جني: (إنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك على جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر) فما غالي بما قال ولا بالغ بل كان من المقتصدين. وهذا شيخ العربانيين العلامة الكبير (نلينو) الذي حذق لغات متقدمين ومتأخرين من الغربيين والشرقيين يعالن في خطبة غير متسمح في الكلام ولا مصاد بأن (العربية تفوق سائر اللغات رونقاً وغنى، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها).
(ولو أبصروا ليلى أقروا بحسنها
…
وقالوا بأني في الثناء مقصر)
فـ (لغة العرب افصح اللغات، وبلاغتها أتم البلاغات)
ولو تمثلت لغة غادة لأنشد المنشدون:
فدقت وجلت واسبكرَّت فأكملَت
…
فلو جُن إنسان من الحسن جننتِ
فتنت هذه العربية (أبا العلاء) فتوناً، وسحرته فنونها، فأقبل رجلاً مسحوراً. شغف بكتابها (قرآنها) ذاك الشغف، وكلف بقريضها أي كلف، وهام بألفاظها هيامه بأقوالها.
(أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد كتاب بهر بالإعجاز.
ما حذي على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال. . جاء كالشمس اللائحة. . لو فهمه الهضب
الراكد لتصدع (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) وأن الآية منه أو بعض الآية ليعترض أفصح كلام يقدر عليه المخلوقون فيكونون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق (فتبارك الله أحسن الخالقين).
(أجدني ركيكاً في الدين ركاكة أشعار المولدين).
ومن علق بأقوال العرب الأقدمين من الجاهلين أو المخضرمين أو الإسلاميين استنزل كلام المحدثين، وقضى قضاء أبى العلاء. وللكلام العربي القديم سلطان قاهر إذا استمكن من نفس خليطه سحره عما سواه، فلا يتقبل إلا إياه. ولولا أن عبقرية أبى تمام وعبقرية المتنبي جهرتا الشيخ وبهرتاه ما كان فخم حبيبا في (رسالة الغفران) ذاك التفخيم مشيراً إلى مقصدات له فائقات ثم قال:(إني لأضمن بتلك الأوصال، أن يظل جسدها وهو بالموقدة صال؛ لأنه كان صاحب طريقة مبتدعة، ومعان كاللؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحار، ويفض عنها المستغلق من المحار) وما كان افتتن بأبي الطيب تلك الفتنة. وسبك حبيب - وأن كان محدثاً - عجيب. ولغته قد ضارعت أو قاربت في القوة قديمة مطبوعة.
ذكر صاحب (الغيث المسجم في شرح لامية العجم) جماعة من (الذين رزقوا السعادة في أشياء لم يأت بعدهم من نالها) فلما جاء إلى الشيخ قال: (أبو العلاء المعري في الاطلاع على اللغة).
يقول الأمام الشافعي في (رسالته في أصول الفقه):
(لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي).
ولو أحاط إنسان غير نبي بجميع هذا العلم لكان الشيخ أبا العلاء، وإن لم يحط به كله فقد أحاط - كما يخال - بجله. وتلميذه أبو زكريا التبريزي يقول كما ذكر أبن العديم في كتابه (الأنصاف والتحري):(ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة لم يعرفها المعري).
من حياة دمشق:
نحن والتجار.
. .
للأستاذ علي الطنطاوي
أكتب هذه الكلمة والمطر يهطل منذ ثلاث ليال، ما أنقطع خيطه، ولا سكت صوته، أقبل بعد سنة مضت، شحت فيها السماء، وضنت السحب، فرح به الناس واستبشروا، وانتظروا عاماً خيراً مباركاً، يغاث فيه الناس، ويأتيهم الفرج بعد الشدة؛ غير أن الخير إن زاد عن حده، كاد ينقلب إلى ضده، وكذلك المطر لما استمر صار الناس يسألون، الله الجفاف، ويتمنون لو تطلع الشمس، والشمس ما تطلع، والمطر ما ينقطع. . .
ووكفت السقوف، ونزت الجدران، واساقطت غرف، وسالت طرق الجبل أودية، فامتلأت بالحصى والحجارة، وغدت أباطح، ووقف سيلها الدفاع السيارات وحافلات الترام، واختبأ الناس في البيوت، وما تكاد البيوت تمنع برداً ولا بللاً، ونال حي المهاجرين (على سفح جبل قاسيون) ما لم ينل مثله حياً في دمشق، وحي المهاجرين نصفه قصور من الصخر شامخات، ذات طبقات كثر وشرفات، ونصفه دور لمساكين، هي أكواخ من اللبن والطين، وما في بلدنا مكان يلتقي فيه الفقر المدقع المتجمل الصابر، والغني السفيه الوقح المبذر، كما يلتقيان وجهاً لوجه في المهاجرين. أما بيوت الأغنياء فما أحست المطر ولا درت به، ونام من فيها على الفخم الأسرة ووثير الفرش، لا يعنيهم من خبر السماء وخبر الأرض إلا أن تشبع بطونهم، وتمتلئ صناديقهم، ويسلم لهم أولادهم وأهلوهم، وأما أكواخ الفقراء، فقد صبرت على المطر صبر الكريم، واحتملت ليلة وليلتين. فلما جاوز الحمل الطاقة، خرت في المعركة، كما يخر البطل الشهيد، وخرج من بقي من ساكنيها فراراً منها حين لم تعد دوراً وإنما صارت بركاً ومستنقعات. . .
سقوف بيوتي صرن أرضاً أدوسها
…
وحيطان داري ركع وسجود
وسمعت في الليل هزة، اهتزت أهل الدور، ورجفت منها القلوب، فقمت أستقرئ الخبر، فإذا دار جيراننا قد هوت. . .
. . . ومضت ساعة، وأهل الحمية من الناس يعملون في الوحل والمطر والبرد، ليواسوا أسرة نزل بها القضاء، وينقذوا ما يستطيعون إنقاذه، من فرشها ومواعينها، وذلك القصر ينظر إلينا ثم يعرض عنا، قد شغلته حفلة أقامها تلك الليلة لا أدري فيم أقامها، ولا تزال
أنواره ساطعة في عيوننا، ونساؤه الكاشفات يتراءين لنا من وراء الزجاج في الحرير والذهب، وأصوات الغناء والمرح في آذاننا، تهزأ بالفقر وأهله، وتضحك وقحة في مآتمهم، وترقص فاجرة في مقابرهم، والسيارات تقف في بابه تنزل منها باقات الزهر، وثمن كل باقة يحيي الأسرة من الأسر أياما، والهدايا التي تذهب بالمال ولا تأتي بالنفع لوحات مصورة، وكؤوس منقوشة مذهبة، وتماثيل للناس وللبهائم، لو وزعت أثمانها على فقراء الحي لم تدع فيه فقراء، والفضيلة قد توارت خجلاً في زاوية الطريق، وإبليس واقف يضحك مسرورا بأن سلب نفراً من أمة محمد فضائل دينها، ومروءتها، وأن ثأر من آدم فجرد بعض بنيه من بشرتهم، وأحالهم شياطين في أجسام بشر، أو ذئابا قد استخفت في الثياب. . . ولم أقل كلابا لئلا أشتم الكلاب!
ونعجب بعد هذا من إبراهيم بن أدهم لما أخرجوه ليستقي لهم، وقالوا له استبطأنا المطر، فأدع الله لنا، فقال: تستبطئون المطر؟ أنا والله استبطئ الحجارة. . .
(ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى)
وما هذا القصر لملك ولا أمير، ولكنه لتاجر من هؤلاء التجار الذين يحيون في أيام الحروب التي يموت فيها الناس، ويغنون حين يفتقرون، وينسون أن لهذا الكون ألهاً قادراً عادلاً جباراً، ما استقال ولا أحيل على المعاش، ولا يزال لهم بالمرصاد، وينسون أن الموت آت لا مفر لهم منه، وأن قبل الموت المصائب والرزايا؛ الفقر والثكل والمرض؛ وأن بعد الموت الحساب، وبعد الحساب جهنم أو الجنة، أفبلغ بالتجار أن يعلنوا الحرب على الله؟
أننا نعيش بحمد الله في منجاة من القتال وأهواله، والحرب وبلاياها، ومالنا عدو يحاربنا، وما عدونا إلا هؤلاء المحتكرون أعداء الله وأعداء البشر، الذين حبسوا أقواتنا، وأخفوا أرزاقنا، وارتضوا لنا أن نجوع ونعرى، ليكنزوا الذهب والفضة ويطيفوا بها إطافة الوثني بصنمه، وليربقوا فيض مالهم على أرجل بنات إبليس: الأرتستات الراقصات، وفي معابد الشهوة الملهبات ونوادي القمار، وفي كؤوس الحميم التي اسمها الشمبانيا والويسكي، يحارون ماذا يشترون بمالهم من اللذات المحرمة، وفي أي مطرح من مطارح التبذير
يلقونه، والموظفون والعمال لا يكادون يجدون ثمن الغذاء والكساء، إلا موظفا خان أو عاملا سرق، فما حال الأرملة المفردة، واليتيم الضائع، والشيخ الذي لا سند له من مال أو ولد، وعندنا في دمشق من الأرزاق والبضائع ما لو أخرج لكفانا الحاجة سنين أخرى، بل إن عندنا كما أكد لي من يوثق به، بضائع لا تزال في مخازنها منذ الحرب الماضية، والناس يحتاجون إليها والتجار يخفونها يرتقبون بها يوما أشد، وضائقة أحكم، لا يدرون أن كل من أخفى بضاعة أو سبها ينتظر بها ارتفاع الأسعار، وحرمها من هو في حاجة إليها فهو محتكر قل ما حسبه أو كثر، وهو عدو مؤذ، ولص سارق، وليس بتاجر، لأن التجارة كما يفهمها عقلي القاصر إنما تكون بنقل البضاعة من بلد تكثر فيه إلى بلد هي فيه قليلة، أو يجمعها في موسمها لبيعها في غير موسمها، أو بشرائها جملة وبيعها أفراداً، ويأخذ التاجر الربح المعقول على ما بذل في ذلك من ماله ومن عمله، أما ما نراه اليوم من اجتماع النفر من التجار حول مائدة من الرخام في (قهوة الكمال) مثلا، وفي أيديهم أقلامهم وفي أفواههم دخائنهم أو أنابيب نراجيلهم، ببيع أحدهم (بالة الخام) أو (كيس السكر) عشرين مرة بأسعار مختلفة، ويشتريها، وما باع على التحقيق ولا اشترى، ولا قام من مكانه ولا أخذ ولا أعطى. ثم ينفض الاجتماع ويلقي الستار على من ربح منهم عشرة آلاف ليرة، أو من خسر مثلها. . . أما هذا وأشباهه - وما أكثر أشباهه - فما هو لعمر الحق إلا القمار بعينه وأنفه وذنبه. . .
وإذا كان حقا ما أعتمده (رينان)، من أن الدولة تقوم على (الإرادة المشتركة)، لا على الأرض وحدها ولا اللغة منفردة، إلى آخر ما في (نظريته) المعروفة، فليس التجار منا ولا نحن من التجار، لأنهم يريدون غير ما نريد، ولا إرادة مشتركة بيننا وبينهم، فنحن نرجو الرخص وهم يتمنون الغلاء، ونحن نحب أن تنتهي الحرب وهم يحبون أن تدوم، ونحن نطلب من الحكومة أن تسعر وتراقب، وهم يطلبون لأنفسهم حرية إجاعتنا وتعريتنا، ونحن لا نجد مالا نشتري به لوازمنا، وهم لا يجدون لذة جديدة يتصرفون فيها أموالهم، فأي جامعة بيننا وبينهم؟
وإذا كانت الرسالة قد جردت قبل الحرب قلمها البليغ لنصرة أكرم مبدأ، مبدأ الإحسان، والدفاع عن الفقراء والمحتاجين، وإنارة الحمية في نفوس الأغنياء القادرين، ذلك والدنيا في
رخاء، والحياة سهلة، والسلام قائم، فأولى أن تستل هذا القلم العضب اليوم، حين اشتد الخطب، واتسعت بين الفريقين الشقة، وازداد الأغنياء غنى، والفقراء فقراً، ونشأت هذه الطبقة المحدثة النعمة، التي شبعت من المال ولا تزال في جوع إلى الرفاهية والبلهنية واللذائذ: طبقة (أغنياء الحرب)
إن أهل القصر لا يزالون في لهوهم وقصفهم وأهل الكوخ لا يزالون في كدهم وجدهم، والمطر دائب ما ينقطع، والبرد قارس ما يخف، والليل موحش مخيف، فمن لهؤلاء المساكين، إن تجرد لنصرتهم الأقلام من أغمادها، وتشرع حتى تصدع على هؤلاء الأغنياء حجارة القصر الذي اعتصموا فيه، ليروا ما الناس ويسمعوا ما خطب المساكين، من إخوانهم في الوطن واللغة والدين. إنهم في سكرة الذهب، فاصرخوا فيهم حتى يصحوا منها، قبل أن يذهب السكر ويأتي (الأمر)، فيروا أن أمر الله إذا جاء لا يرد. أفهموهم - وكيف السبيل إلى إفهامهم - أننا رأينا رأى العين، ما قرأنا في الكتب، ولا سمعنا من الناس، من غنى الحرب الماضية أكثر مما غنوا، وبذر أضعاف ما بذروا، ثم ذهب المال والأهل، وغدا يسأل الناس على أبواب المساجد، ولولا أنه يحرم التصريح بعد التلميح، لصرحت بأسماء أقوام عرفناهم، وإن جهلهم من قصرت سنه عن أسناننا.
على أنني ما أعمم القول، ولا أطلقه إطلاقاً، وإن في الموسرين لمحسنين، وفي التجار لمنصفين، وما تخلو طبقة من خير ولا من شر ولكن في الموسرين من يريد الإحسان ولا يعرف المستحق له، ومن المستحقين من لا يعرف المحسنين، ومنهم من يعرف ولا يسأل، أولئك الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. وإن من أوجب ما يجب علينا في هذه الحرب أن ننشئ جمعيات موثوق برجالها، بأمانتهم ودينهم، تكون في كل حي كالوسيط بين الغني المحسن والفقير المحتاج، تأخذ من الأول وتعطي (بعد التحقق من حاجته) الثاني، ومن عرفت أنه أتخذ السؤال حرفة - على مقدرة منه على العمل، أو على مال له قد خبأه، فعل أكثر هؤلاء المكدين - رفعت أمره إلى الحكومة لتعاقبه عقاب المتشردين. ويا ليت هذه الجمعيات الإسلامية الكثيرة في مصر والشام والعراق: الإخوان والشبان والهداية والتمدن وأمثالها، تجعل ذلك المطلب من بعض مطالبها
ثم إن من أهم ما ينبغي لهذه الجمعيات أن تصنعه هو أن تختار للإحسان أسلوباً يهون به
العطاء على المعطى، وتجزل به المنفعة للآخذ. ولقد وجدت أنا واحدا من مائة أسلوب تخطر على البال، حين كنت (من نحو ثلاث سنوات) قاضياً في القلمون، وضاقت الأقوات وقل الخبز، فدعوت إلى ما سميته (مشروع الرغيف)، وأعانني عليه القائم بأمر المنطقة يومئذ ففرضنا على أهل كل بيت من القادرين رغيفا واحدا في اليوم وكلنا من يجمعه، ووزعنا ما جمعناه على المحتاجين، وتركنا من هم بين ذلك فلم نأخذ منهم ولم نعطهم، وهذا الرغيف الذي لا يصعب إعطاؤه على أحد، ولا تشعر به الأسرة، أحيا الله به أهل القلمون - وهم أكثر من سبعين ألفاً - في سنة القحط والضيق، وما ذكرت ذلك لأفخر به، ولا لأنه الأسلوب البديع الذي لا نظير له، بل لأمثل به على ما أريد، والعبرة بالأعمال لا بالأقوال
نسأل الله أن يوفقنا حتى نعمل، ويرزقنا الإخلاص في عملنا حتى يقبل، وألا يجعل هذه المقالة كالصرخة في البيداء.
(دمشق)
علي الطنطاوي
حول فلسفة نيتشه
سبيل مطروق.
. .!
للأستاذ زكريا إبراهيم
أعتقد نيتشه أنه رائد الإنسانية الأول، وظن أن أحدا قبله لم يطرق السبيل الذي طرقه؛ ولكن الرواد قبله كانوا كثيرين، وهذا السبيل الذي ضرب فيه مطروق مطروق!. فهذا الإيمان الشديد بالأرستقراطية وعبادة الذات، قد سبقه إليه لاروشيفوكو وهلفتيوس ورينان وتين وبرودون وفلوبير وغيرهم. وذلك الاعتقاد الراسخ باستحالة المساواة بين الناس قد ذهب إليه من قبل (جوبينو) الذي أعجب به نيتشه أشد الإعجاب. وتلك الكراهية الشديدة للمذاهب الاشتراكية والفوضوية، قد ترددت من قبل على لسان (هارتمان) الذي أزرى به نيتشه كل الإزراء. وهذه الثورة العنيفة على الأخلاق السائدة والقيم الجارية، قد لقيت من قبل في (جوبو) أحسن معبر لها. وتلك الدعوى الجريئة إلى (اللاأخلاقية) قد سبقه إليها أحد معاصريه وهو (شترنر) - فليست رسالة زرادشت إذن جديدة كل الجدة على الإنسانية، وإنما هي رسالة رددها على مسمع منها كثير من مفكري العصر الحديث. وإذا كان في هذه الرسالة شيء من الطرافة، فذلك لأنها تعبر عن شخصية صاحبها التي استطاعت أن تؤلف بين كل هذه الأفكار المختلفة. ومعنى هذا أن ما يروعنا ويستهوينا في نيتشه، هو أولا وبالذات، شخصيته، لا آثاره. فهذه الشخصية الرائعة تنطوي في أعماقها على نفس فنانة، وقلب شاعر؛ وفي أبعد أغوارها يكمن (الإنسان العظيم) الذي طالما تحدث عنه نيتشه نفسه!
بيد أننا مع ذلك مضطرون إلى أن نضرب صفحا عن تلك الشخصية، لكي نقصر النظر على آثارها. وقد أراد نيتشه أن تحكم عليه الإنسانية بما خلف من آثار، فلم يبق إلا أن نحاسبه على هذا الأساس. وما دام هو قد تنكر للماضي، وثار على تراث الإنسانية كله، فلا بأس من أن تحكم على آثاره محاولين أن نتلمس ما فيها من جدة مطلقة. - ولكن لابد لنا من أن نقرر قبل ذلك أن نيتشه قد أستثنى بعض المتقدمين، فأعترف بالفضل لطائفة من الكتاب والمفكرين، ممن أنجبتهم الحضارة الفرنسية (التي هو مدين لها). وقد حرص نيتشه على أن يذكر بصفة خاصة ستندال، فإن هذا المفكر الفرنسي - فيما يزعم نيتشه - قد استلبه أجمل فكاهة الحادية يمكن أن تخطر بالبال، وهي قوله: (إن العذر الوحيد الذي يشفع
لله هو أنه غير موجود!). ومهما يكن من شيء، فأننا إذا استثنينا الإعجاب الذي أبداه نيتشه ببعض المفكرين الفرنسيين، مثل: بول بورجيه، وبيير لوتي، وأناتول فرانس، وجي دي موباسان؛ وبعض الشعراء الألمان مثل هينرش هيني؛ فإننا نجد أنه كان يعتبر دائما أن أحدا لم يسبقه إلى تلك الأفكار الرائعة التي أعلنها، وتلك الآراء الصائبة التي أبدأها!
ولكننا نلاحظ - بالرغم من هذا الادعاء - أن جوبينو قد سبق نيتشه إلى كثير من هذه الآراء: فقد نادى جوبينو بانعدام التساوي بين الأجناس البشرية، واعتبر الجنس الأوربي أرقى الأجناس، وجعل على رأس هذه الأجناس جميعا الجنس الجرماني (الأشقر). وفضلا عن هذا، فقد ذهب أيضاً إلى أن من حق الجنس الأوروبي - باعتباره أرقى الأجناس - أن تتحكم في الأجناس الأخرى - باعتبارها أجناسا سفلى - وارتأى جوبينو أيضاً أن من الواجب تكوين صفوة أرستقراطية مختارة، تكون من تلك الجنسيات التي تنتسب إلى أرقى الأجناس - وقد انتشرت هذه الآراء التي نادى بها جوبينو في ألمانيا كلها، فأنشئت في أواخر القرن التاسع عشر، جماعة تحمل اسم جوبينو، وتعرف في ألمانيا باسم: وترددت آراء جوبينو على لسان نيتشه، فقال فيلسوفا بأرستقراطية الأجناس، وإمكان قيام جنس أعلى، أو نوع راق، يكون جديرا بأن يطلق عليه اسم الجنس (الأعلى) أو (فوق الإنساني)
وليس جوبينو وحده هو الذي سبق نيتشه إلى بعض الآراء التي ادعاها نيتشه لنفسه، بل لقد سبقه إلى ذلك أيضاً فيلسوف آخر ألماني، هو ماكس شترنر الذي نادى بمذهب (اللاأخلاقية) والفردية المطلقة. وسواء أكان نيتشه قد عرف شترنر أم لم يعرفه، فإن هذا الفيلسوف (الذي عاش من سنة 1806 إلى سنة 1856) كان سلفاً مباشراً لنيتشه في المناداة بالمذهب اللاأخلاقي. ويمكن أن تخلص فلسفة شترنر في عبارة واحدة هي (تقديس الذات)، أو (عبادة الأنا). فالذات هي مركز العالم، والعالم - بما فيه من أشياء وأفكار وأفراد - إنما هو ملك للذات. وكل ما في الكون ليس له حدود حقيقي بالقياس إلى الذات، التي هي الشيء الحقيقي الوحيد و (الإنسان) المجرد أو الإنسان باعتباره معني كليا (وهو ما يريد فويرباخ أن يجعله موضع تقديسنا) ليس له أي وجود حقيقي، (وإنما هو خيال لا يكون له وجود حقيقي إلا في ذاتي وبذاتي). ولما كانت الحقيقة الوحيدة هي حقيقة (الذات)
أو (الأنا) فإن في استطاعتنا أن نتخذ لنا من هذه (الذات) مبدأ نسميه باسم (الواحد) أو (الفرد) ?. وما دامت الذات هي المبدأ الوحيد الذي يجب أن نأخذ به، فإن علينا أن نستعبد كل سلطة خارجية، سواء أكانت سلطة (الله) أم (الإنسانية) أم (الأخلاق اللاهوتية)، أم (الآمر المطلق). . . إلى آخر تلك السلطات التي يراد فرض سيطرتها على الذات وأذن فان علينا أن نهدم الأخلاق، لأن الأخلاق تقوم على (فكرة متسلطة) هي فكرة (الواجب) أو (الآمر المطلق). وهنا نجد أن نيتشه يتفق مع شترنر، فإن زرادشت سينادي بهدم الأخلاق، والثورة المسيحية التي تضع للحياة قيما فاسدة منحلة. . . أما القول بعبادة الذات أو تقديس (الأنا) فهذا أيضاً مما يتفق فيه نيتشه مع شترنر، فإن نيتشه هو الذي يقول:(إن وراء أفكارك وعواطفك (يا أخي) يكمن سيد قوي، بل حكيم مجهول، هو ذاتك نفسها وهو في بدنك يقيم، بل هو بدنك نفسه)!
ولا تقف أوجه الشبه بين نيتشه وشترنر عند هذا الحد، بل إنهما ليتفقان أيضاً في شيء أعمق من هذا، وهو القول بإرادة القوة فقد جعل شترنر لإرادة التوسع في القوة والامتداد بالذات، أهمية كبيرة في فلسفته، حتى إن هذه الإرادة لتبدو عنده باعتبارها (القوة الأساسية للكائن البشري)؛ وهذه الفكرة هي التي ستصبح على لسان زرادشت الأغنية المحببة التي يرددها نيتشه في كل حين. فنحن نرى من هذا كله أن شترنر قد سبق نيتشه في الثورة على الأخلاق، والانتفاض على المسيحية، والدعوة إلى عبادة الذات. فلم يكن نيتشه إذن أول من ضرب بقدمه في هذا السبيل، بل كان شترنر هو الرائد الأول الذي سار في الدرب الذي طرقه السابقون، حتى نهايته. وكل ما فعله نيتشه هو أنه جدد أفكار شترنر، وردد آراءه - دون أن يكون قد وقف عليها - كما ررد أيضاً آراء السوفسطائيين والكابيين وبعض المحدثين مثل لاروشيفوكو وهلفلتيوس وهولبلخ وفريدريك شليجل وستندال - مع وقوفه عليها -.
ونستطيع أن نضيف إلى هؤلاء الفلاسفة الذين أثروا في نيتشه أو الذين سبقوه إلى الآراء التي نادى بها، فيلسوفا آخر يتفق مع نيتشه في أنه شاعر مثله، ويختلف عنه أنه ليس منحرف الطبيعة مثله. إما هذا الفيلسوف الشاعر فهو جويو صاحب كتاب (صورة مجملة لأخلاق بلا تكليف ولا جزاء) وقد ذهب هذا المفكر الفرنسي في مؤلفه مذاهب شتى،
بعضها يتفق مع ما ذهب إليه نيتشه اتفاقاً كبيراً حتى إنه ليصعب علينا أن نتصور أن يكون نيتشه لم يطلع على ما جاء فيها. ومما يتفق فيه الفيلسوفان.
أولا: القول بأن (الحياة هي الكل) بمعنى أنه ليس في وسعنا أن نتصور شيئا ما على أنه موجود حقيقة إلا إذا كان هذا الشيء حيا.
وثانيا: القول بأن الأخلاق التي تنادي بفكرة الواجب والآمر المطلق، أخلاق فاسدة يجب القضاء عليها، لأن الإلزام أو التكليف يرجع إلى الحياة نفسها، إذ الحياة هي التي توفر للفرد الشعور بالقدرة على العمل، وليس هناك قوة سحرية غريبة (كالآمر المطلق) المزعوم.
وثالثاً: القول بأن التشاؤم يدعو إلى الانحلال والفناء في حين أن التفاؤل يكسب خصباً وامتلاء، فكل من جويو ونيتشه يعتبر التشاؤم مظهراً للانحلال والهبوط والفناء. . .
رابعاً: القول بأن الفن هو المعنى الباطن للحياة بمعنى أنه ليس مجرد متعة أو ألهية، بل هو أمر جدي له قيمته في الشعور بالحياة الحافلة الخصبة المليئة، فكل من جويو ونيتشه ينظر إلى الفن نظرة حيوية ولا يعده عديم الغاية بل يذهب إلى أن الفن للحياة وبالحياة. ومعنى هذا أن الفن عندهما ليس للفن - كما يقال عادة - بل هو غائي، وغايته ليست تقويم الأخلاق أو إصلاح الناس، بل تقوية الشعور بالحياة.
وأما النواحي التي يختلف فيها جويو مع نيتشه فهي تلك التي تمس مشكلة (الفردية)؛ وذلك لأن جويو يعتقد أن الرجل القوي ليس هو الرجل المتوحد (كما يزعم نيتشه) بل هو الرجل الذي تجمعه بغيره من الناس، وشائج العقل والقلب. فعلى الرغم من أن جويو يتفق مع نيتشه في القول بالحياة الخصبة المليئة، إلا أنه يتصور هذه الحياة على أنها أولاً وبالذات، حياة اجتماعية تنعدم فيها الأنانية، لأن الأنانية سلب للحياة نفسها، وإنكار لكل خصب أو امتلاء. . ولعل خير ما يوضح لنا الفارق بين نيتشه وجويو، هو أن الأول يدعونا إلى اتباع الطبيعة (كما دعا إلى ذلك الأقدمون) في حين أن الثاني يدعونا إلى تعميق الطبيعة. فنيتشه يقول:(أتبع الطبيعة) وأما جويو فأنه يقول: (عمق الطبيعة) ومهما يكن من شيء فإن جويو هو بلا ريب واحد من أولئك الرواد الذين سبقوا نيتشه في الطريق الذي سلكه. وقد رأينا أن هؤلاء الرواد كثيرون فهل علينا من حرج بعد هذا إذا قلنا إن السبيل
الذي سلكه نيتشه سبيل مطروق؟
(السويس)
زكريا إبراهيم
مدرس بمدرسة السويس الثانوية
-
إشهار الرؤوس المقطوعة
في أيام العباسيين
للأستاذ ميخائيل عواد
تمهيد:
في مقال سابق لنا، ذكرنا أخبار (خزانة الرؤوس) في دار الخلافة العباسية ببغداد، وما ضمته رفوفها من رؤوس لعب أصحابها أدواراً خطيرة في ميادين السياسة والإدارة والفكر.
وها نحن أولاً ننتقل إلى بحث آخر ذي صلة بهذا الموضوع، (وهو إشهار الرؤوس المقطوعة في أيام العباسيين) وذلك في مختلف البلدان الإسلامية فنقول:
أولاً - نصب الرؤوس في سامراء
1 -
رأس الخليفة المستعين بالله:
تنكر الأتراك للمستعين لما قتل بعض أعيانهم مثل: وصيف وبغا، ونفي باغر التركي الذي فتك بالمتوكل، ولم يكن له مع رصيف وبغا أمر حتى قيل في ذلك:
خليفة في قفص
…
بين وصيف وبُغَا
يقول ما قالا له
…
كما تقول الببغا.
وانحل أمره بعد وقعات كثيرة، فخلع نفسه وأحدر إلى واسط فأقام بها تسعة أشهر محبوساً، ثم رد إلى سامراء ولم يبلغها حتى حز رأسه، فقال المسعودي:(ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة، وهي سنة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، بعث المعتز بالله سعيد بن صالح الحاجب ليلقي المستعين، وقد كان في جملة من حمله من واسط؛ فلقيه سعيد وقد قرب من سامراء فقتله واحتز رأسه وحمله إلى المعتز بالله، وترك جثته ملقاة على الطريق،. . . . وذكر شاهك الخادم، قال: كنت عديلاً للمستعين عند إشخاص المعتز له إلى سامراء ونحن في عمارية، فلما وصل إلى القاطول تلقاء جيش كثير، فقال يا شاهك أنظر من رئيس القوم؟ فإن كان سعيد الحاجب فقد هلكت. فلما عاينته قلت هو والله سعيد، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهبت والله نفسي وجعل يبكي. فلما قرب سعيد منه جعل يقنعه بالسوط ثم أضجعه وقعد على صدره واحتز رأسه وحمله. . .).
قال أبن الأثير: (وحمل رأسه (أي رأس المستعين) إلى المعتز وهو يلعب بالشطرنج، فقيل هذا راس المخلوع. فقال ضعوه حتى افرغ من الدست. . .).
وفي كتاب (الديارات) للشابشتي وصف مؤثر لهذا المشهد المحزن الذي حل برأس المستعين. قال: (وذكر أحمد ابن حمدون قال: بنى المعتز في الجوسق في الصحن الكامل بيتاً قدرته له أمه ومثلت حيطانه وسقوفه، فكان أحسن بيت رئي. قال: فدعانا المعتز إليه فكنا في أحسن يوم رئي سروراً. وخلف الستارة مغنية تغني أحسن غناء ليس لي بها عهد. قال: فنحن في ذاك، إذ دخل علينا خادم في يده طبق عليه مكبة، فوضعه في وسط البيت، وكان في يد المعتز قدح فنشربه وشربنا، ثم قال للخادم: أرفع المكبة فرفعها فإذا رأس المستعين في الطبق، فلما رأيته شهقت وبكيت.) فقال لي المعتز: يا ابن الفاعلة ما هذا؟ كأنك داخلتك له رقة. فثاب إلى عقلي وتماسكت وقلت: ما كان لرقة ولكني ذكرت الموت. فأمر الغلام برد المكبة ورفع الطبق، فرفعه. وكان المعتز داخلته فترة، وكذلك جميع من حضر وافترقنا عن الحال التي كنا عليها من السرور. قال: فنحن كذلك إذ سمعنا وراء الستر ضجة أفزعتنا، فإذا امرأة تصيح، وامرأة أخرى تشتم الصائحة، والصائحة تقول: يا قوم أخذتموني غضباً ثم تجيئوني برأس مولاي فتضعونه بين يدي! فسمعنا صوت العود قد ضرب به رأسها. قال: وكان الشاتم لها والضارب قبيحة، وكانت الجارية من جواري المستعين. قال: فانصرفنا عن المجلس أقبح انصراف وقد تنغص علينا ما كنا فيه، ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى وثب الأتراك على المعتز فقتلوه. ثم دعي بنا لننظر إليه فدخلنا عليه في ذلك البيت، فإذا هو ممدود في وسطه ميتاً).
2 -
رأس صالح بن وصيف
روى قصته الطبري في حوادث سنة 256 هـ، ودونك بعض ما قاله في رواية مقتله: (. . . وقيل إنه حمل على برذون صنابي والعامة تعدو خلفه وخمسة من الخاصة يمنعون منه، حتى انتهوا به إلى دار موسى بن بغا،. . . لما صاروا به إلى حد المنارة ضربة رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقذه منها، ثم احترزوا رأسه وتركوا جيفته هناك، وصاروا به إلى دار المهتدي، فوافوا به قبيل المغرب وهو في بركة قباء رجل من غلمان مفلح بقطر دماً، فوصلوا به إليه وقد قام لصلاة المغرب فلم يره، فأخرجوه
ليصلح، فلما قضى المهتدي صلاته وخبروه أنهم قتلوه صالحاً وجاءوا برأسه؛ لم يزدهم على أن قال واروه، وأخذ في تسبيحه. . . فلما كان يوم الاثنين لسبع يقين من صفر حمل رأس صالح بن وصيف على قناة وطيف به ونودي عليه: هذا جزاء من قتل مولاه. ونصب بيان العامة ساعة، ثم نحى وفعل به ذلك ثلاثة أيام تتابعاً. وأخرج رأس بغا الصغير في وقت صلب رأس صالح، يوم الاثنين؛ فدفع إلى أهله ليدفنوه. . . فقال السلولي لموسى إذ قتل صالح بن وصيف:
وصيفُ بالكرخ ممثولٌ به وبُغاً
…
بالجسر محترق بالجمر والشرر
وصالح بن وصيفٍ بعد منعفرٌ
…
في الحَيْر جيفته والروح في سقر
ثانياً - رؤوس جماعة من بني أمية
بين يدينا أخبار رؤوس لقوم من بني أمية، قطعت قبيل ظهور دولة بني العباس؛ أو إبان ظهورها، ثم نقل بعض هذه الرؤوس إلى العراق، وكان من أشهرها:
1 -
رأس عبيد الله بن زياد
الوقعة التي قتل فيها ابن زياد مشهورة في التاريخ. قال ابن عبد ربه: (. . . ولما التقى عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن الأشتر بالزاب. قال: من هذا الذي يقاتلني؟ قيل له: إبراهيم بن الأشتر. قال: لقد تركته أمس صبياً يلعب بالحمام. قال: ولما قتل ابن زياد بعث المختار برأسه إلى علي بن الحسين بالمدينة. قال الرسول: فقدمت به عليه انتصاف النهار وهو يتغذى. قال: فلما رآه قال سبحان الله ما اغتر بالدنيا إلا من ليس لله في عنقه نعمة، لقد ادخل رأس أبى عبد الله على ابن زياد وهو يتغذى. وقال يزيد ابن معن:
أن الذي عاش ختَّاراً بذمته
…
ومات عبداً قتيل الله بالزاب
2 -
رأس مروان الحمار:
وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفاء بني أمية. وبقتله طويت صفحة بني أمية من ديار المشرق. قال ابن الأثير في رواية مصرعه: (وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه، وصاح صائح: صرع أمير المؤمنين فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهله الكوفة كان يبيع الرمان فأحز رأسه فأخذه عامر فبعث به إلى أبى عون، وبعثه أبو
العون إلى صالح، فلما وصل إليه أمر أن يقص لسانه؛ فأنقطع لسانه فأخذته هر. فقال صالح: ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر، هذا لسان مروان قد أخذته هر. وقال الشاعر:
قد فتح الله مصر عنوةً لكم
…
وأهلك الفاجرَ الجَعْديَّ إذ ظلما
فلا مقولة هرٌّ يجرره
…
وكان ربُّك مِن ذي الكفر منتقماً
وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح. وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة، ورجع صالح إلى الشام. . .، ولما وصل الرأس إلى السفاح وكان بالكوفة؛ فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك، ولم يبق ثاري قبلك. . .)
3 -
رأس مصعب بن الزبير
قال ابن عبد ربه في رواية مقتل مصعب بن الزبير: (. . . فجاءه عبيد الله بن ظبيان وكان مع مصعب، فقال: أين الناس أيها الأمير. فقال: غدرتم يا أهل العراق. فرفع عبيد السيف ليضرب مصعباً. فبدره مصعب فضربه بالسيف على البيضة، فنشب السيف في البيضة، فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعباً بالسيف فقتله. ثم جاء عبيد برأسه إلى عبد الملك بن مروان وهو يقول:
نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا
…
وليس علينا قتلهم بمحرم
قال: فلما نظر عبد الملك إلى رأس مصعب خر ساجداً، فقال عبيد الله بن ظبيان وكان من فتاك العرب: ما ندمت على شيء قط ندمي على عبد الملك بن مروان إذ أتيته براس مصعب فخر ساجداً؛ أن لا أكون ضربت عنقه فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد. .، الرياشي عن الأصمعي، قال: لما أتي عبد الملك برأس مصعب بن الزبير، نظر إليه ملياً ثم قال: متى تلد قريش مثلك. . .)
(البقية في العدد القادم)
ميخائيل عواد
معرض الفن البريطاني الحديث
للأستاذ نصري عطا الله سوس
الفن لا زمان له ولا مكان، بل هو تراث الإنسانية الخالد على مر الأمان. وحين تتيح لنا أمة من الأمم فرصة مشاهدة آثارها الفنية تمهد لنا السبيل إلى مشاركة فنانيها ورجال الفكر فيها، أسمى أحلامهم وأمانيهم وأنبل عواطفهم واحساساتهم.
ففي الفن وحده يتسامى الإنسان عن المطامع والدنايا والمشاغل الدنيوية ويفسح الطريق لعواطفه ومشاعره التي تؤكد المعنى الإنساني فيه، المعنى الإنساني الذي لا يعرف الحدود الجغرافية أو المطامع السياسية وما تثيره من أحقاد وضغائن وفرقة، والفن وحده هو النبراس الهادئ الذي يذكرنا دائماً أن البشر عائلة واحدة مهما احتدم بينهم الخلاف والبغضاء. وتبادل التراث الثقافي هو خير ما يعزز هذا الإحساس في الإنسان. ومعرض الفن البريطاني المعاصر الذي أقيم في القاهرة خلال هذا الشهر مجهود طيب من مجهودات (المجلس البريطاني) في سبيل تعزيز الألفة الثقافية والفكرية بين مصر وإنجلترا.
وقد قسم المعرض إلى أقسام ثلاثة: قسم الصور الزيتية والمائية، وقسم الحفر والنقش، وقسم الأطفال. ويحتوي القسم الأول على ما يقرب من مائة لوحة لأقطاب الفن الحديث في إنجلترا، وهي تعطينا فكرة صادقة عن هذا الفن خلال الأربعين سنة الأخيرة. ولاشك عندنا في أن المجهود الذي بذل في انتقاء هذه المجموعة من بين آلاف اللوحات كان مجهوداً كبيراً صاحبه التوفيق إلى أبعد الحدود في اختيار خير العناصر التي تمثل مختلف المدارس الفنية المعاصرة في بلاد الإنجليز
والفن الإنجليزي المعاصر لا يتميز بطابع إقليمي قومي، ذلك لأن غالبية أقطابه تلقوا دراساتهم في البلدان الأوربية الأخرى وبخاصة باريس؛ كما أن سهولة المواصلات وسرعة تبادل الإنتاج الفكري ساعد الفنانين الإنجليز على سرعة استيعاب المذاهب الفنية الأوربية والتأثر بها.
ولطالما نعى النقاد - حتى الإنجليز منهم - على الفن كالبريطاني خلوه من الروح الفنية الصحيحة وضعف (معنوية الشكل) فيه، ولكن المجموعة المعروضة الآن تثبت أن الفنانين البريطانيين قد تحرروا إلى حد بعيد من ذلك الجمود الذي يرين على مجهود الكثيرين منهم.
وفي هذا المعرض مجال طيب لدراسة الفن البريطاني المعاصر، كما أنه مجال خصب للتأملات الحرة التي تتصل بجوهر الفن عامة دون تقييد بعصر من العصور أو أمة من الأمم.
وجولة سريعة في هذا المعرض تقنع المشاهد أن الفنان الإنجليزي يبلغ أوجه عندما يرسم مناظر الطبيعة الريفية في بلاده، فالصورة رقم 7 (سنودنيا - لرايموند كوكن) تتميز بقوة التصميم والتعبير وحرارة اللون ودقته وحيوية العاطفة. والصورة رقم 83 (منظر طبيعي في وادي ستور - لرولاند سدبي) تمتاز بالتعبير الشعري وحسن اختيار اللون والشكل. والصورة رقم 27 (كنيسة - بريشة د. أبز) والصورة رقم 57 (تلال - لفيفيان بشفورت) تمتاز بالألوان الحية المعبرة.
والصورة رقم 73 (براري في دورست - لستانلي سبنسر) ليست إلا صلاة للطبيعة بالشكل والألوان وهي تتسم بنضوج العاطفة وحرارتها وقوة الأداء، وتستطيع أن تشعر صادقاً وأنت تتأمل هذه الصورة بذلك الشعور الصوفي الذي يستولي على الفنان عندما ينساق إلى الرسم انسياقاً استجابة لقوة أكبر منه. . .
وللرسام ولسن ستير (1860 - 1942) أربع لوحات وستير من أقطاب المدرسة التأثرية، واحد مؤسسي نادي الفن الإنجليزي الحديث الذي كان له أكبر الأثر في اتجاه الفن المعاصر بإنجلترا. تعلم في باريس، ورسومه الأولى متأثرة كل التأثير بمانيه، وديجا، ومونيه، ورينوار، ولكنه استطاع فيما بعد أن يتخلص إلى أحد ما من طابع التأثريين ويسير في طريق كبار الرسامين الإنجليز مثل ترنو وكونستايل وجيتر بورو. وصورة الأخيرة تجمع بين الطابعين الإنجليزي والفرنسي. وهو يجيد كل الإجادة عندما يرسم الأراضي المغطاة بالغابات والمساحات الشاسعة التي تغمرها الظلال والأضواء. وهو خير من بين لنا أي تأثير كبير يستطيع أن يحدثه الفنان الكبير في نفوسنا مع بساطة الأداء وسذاجته.
وأنا حين أضفي هذه الصفات السخية على هذه الأعمال الفنية التي ذكرتها لا أعني أن كل هذه الأعمال توضع جنباً إلى جنب مع روائع التراث الفني العالمي، ونحن لا نستطيع أبدا وليس من حقنا أن نطالب الفنان بما ليس في طوقه، إنما نستطيع أن نلزمه بالصدق والإخلاص لعاطفته والمحافظة على كيان شخصيته وطابعها، وهو إذا التزم هذه الحدود
يستطيع أن ينتج شيئاً ونستطيع نحن أن نجد فيه مجالاً للمتعة الذوقية برغم ما يعتوره من ضعف، وكل ما يجب أن يتخلص منه الفنان والناقد والجمهور هو: الانخداع. فعلي الفنان أن يعرف حدود طاقته ولا يتعداها، وعلينا أن نقدره التقدير الصحيح ونضعه في موضعه اللائق - وقد قال (جيته) مرة: ما أسعد الرجل الذي يكتشف سريعاً الهوة بين رغباته وبين مقدرته - وطابع الإخلاص ظاهر جداً في الصور التي تحدثت عنها وهو يكسبها حلاوة وجمالاً برغم بساطتها ويسرها. ونطالع طابع البساطة أيضاً في بعض مناظر الطبيعة الصامتة: فالصورة رقم 38 (منضدة جانب الفراش لادوارد لبا) تعبر عن عاطفة لا تتكلم بل تغني وتغني بحرارة تتمثل في فرحة الألوان الزاهية. والصورة رقم 9 (زاوية غرفة المكتب لدى بليسس) تقول كل ما تقوله بالألوان فقط وهي تقول شيئاً ما برغم بساطة التصميم وفجاجته.
ويعتبر دنكن جرانت من أقطاب الفن البريطاني الذين يمتازون بالحساسية الشعرية وقوة اللون وحسن اختيار الشكل وبراعة الأداء، وكل هذا يبدو جلياً في لوحتيه رقم 18 (أقحوان) ورقم 19 (صورة شخصية)؛ وكأن صفاء نفس صاحبة هذه الصورة الأخيرة سرى إلى نفس الفنان فاختار اللون واللباس والجلسة التي تساعد على إبراز المعاني النفسية الوادعة البادية على وجه السيدة صاحبة الرسم.
وفي المعرض مجموعة لا بأس بها من صور الأشخاص، من أهمها الصورة رقم 31 لجوين جون، وهي صورة جانبية لفتاة صغيرة وهي من فرائد هذا المعرض في قوة الشكل وحيوية التعبير
وهناك صورة لأوجستس جون بريشته، وهي تمثل تمثيلاً قوياً الفنان اللاهي دائماً عن عالمنا، الشارد الذهن دائماً وراء عرائس الإلهام. وجون فنان بوهيمي غذى الفن الإنجليزي بدماء جديدة بدت غريبة أول الأمر وحدت من شهرته ولكنه تطور مع الزمن. ويمتاز فنه إبان نضوجه بالميل إلى تبسيط ووضوح الألوان وصفائها. وصور الأشخاص التي يرسمها تمتاز بقوة التعبير وصدق الدلالة على نفسية الشخص المرسوم
ومن الأعلام الممثلين في هذا المعرض السير وليم أوربن الذي لفت الأنظار إليه منذ صدر شبابه لبراعته وقدرته وتمكنه من مختلف نواحي الفن، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً وأوبرن
يرسم صور الأشخاص وصور الطبيعة الحية والطبيعة الصامتة في يسر وسهولة وتوفيق في التعبير والأداء، ومنهم أيضاً رتشارد سكوت (1860 - 1942) وهو من أصل ألماني، وقد قيل عنه إنه رسام أدبي، أي أنه يعني بما تقصه الصورة أكثر عناية بالشكل. وقد تتلمذ على ويسلر، ولكن غلب عليه طابع التأثر بين خاصة ديجا - وصوره تغلب عليها الألوان القاتمة والظلال، وكان يفضل الرسم في الأيام الغائمة، وأكثر رسومه لردهات داخلية قليلة الحظ من الضوء.
وأود أن أشير هنا إشارة خاصة إلى الصورة رقم 88 (منظر لإثيل ووكر) وهي من أنفس ما في المعرض، والذي يتأمل هذه الصورة تأملاً صادقاً ينسى ما تحكيه - أي البحر والأمواج - ويذكر العاطفة الحية المتوثبة. الغامضة، الشادية، التي تستولي على نفوسنا أحياناً، فتجعلنا نحس أن الكون لحن كبير قوي، وإننا بعض هذا اللحن نحس موسيقاه في قلوبنا، وتهزنا هذه الموسيقى هزاً منغماً كما يهتز القارب الصغير على صفحة الأمواج اهتزازا قوياً متداركاً
قلنا إن الفنان الذي يلتزم حدود ذاته يستطيع أن ينتج شيئاً ما، ونقول أيضاً إن التفرد والشذوذ مع القوة، والإيمان بسداد هذا التفرد والشذوذ مع القوة، والإيمان بسداد هذا التفرد والشذوذ عبقرية وأصالة لاشك فيهما
ويتمثل التفرد والشذوذ في أعمال الفنانين المحدثين، ويمثلهم في معارضنا - تمثيلاً روعي فيه الجودة والتعقل - هنري مور وسذرلند، وآخر ينسج على منوال هذا الأخير اسمه ادوارد أرديدون (صاحب الصورتين رقم 1، 2) وأعمالهم لا تخلو من صدق في العاطفة والأداء
وهنري مور سام ونحات، وهو كصاحبه سذرلند مجدد يتسم بالجرأة والخروج على الأشكال المألوفة، وبرغم ذلك - أو ذلك - لا يستطيع الناقد إلا أن يسلم بأنه فنان بل فنان كبير أحياناً وسذرلند لا يتقيد بالطبيعة إلا فيما ندر، وإذا تقيد بها اختار ما لم تألفه العين من الأشكال والألوان فيوفق أحياناً ويخونه التوفيق أحياناً، وعلى كل أعتقد أنه خير من استطاع أن ينزع من الطبيعة نفسها مادة للتعبير المجرد المعبر
والجزء الأكبر من إنتاج هؤلاء الفنانين المحدثين لم تقرر قيمته الفنية بعد، ومن العسف أن
يحكم الناقد ذوقه الفردي في ظاهرة فنية عالمية كالتي نحن بصددها. وإن كنا نرى أن النظريات الفنية الحديثة في حد ذاتها معقولة ومقنعة، ولكن الإنتاج الفني نفسه تعوزه القوة والعاطفة والخيال والطواعية أي ينقصه كل عناصر الفن!
وهذا الفن الحديث فيما أرى لا يمثل التحرر من القديم، بل يمثل عنف الثورة والتمرد على القديم - والثورة والتمرد عنصران سلبيان، والدافع إليه في الغالب اقتناع ذهني لا تسنده عاطفة أو خيال، وكل ما يستطيع أن يقوله الناقد المعتدل إن هذا الفن قد ينضج مع الزمن
وقد راعى منظمو هذا المعرض ذلك، فهنالك صورة واحدة تمثل مذهب السريالزم، وأخرى تمثل المذهب التكعيبي، وثالثة تمثل ما يسمى النيوريالزم، ورابعة تمثل الفن التجريدي، والأخيرة (رسم رقم 85 لجون تنارد) قطعة فذة في نوعها تمتاز باللون والتصميم وموسيقية التعبير، وهي تبين زلنا أن الفنان الصادق الإحساس ينجح دائماً مهما اتسم (الزي) الذي يختاره لعاطفته بالغرابة والبعد عن المألوف
وما دمنا بصدد الحديث عن النزعات الفنية الحديثة يمكننا أن نقول الفنان الإنجليزي عامة أخذ يحس ويبرز في لوحاته المعاني اللونية الباطنة للأشكال الطبيعية، ولعل هذا أكبر حسنات النظريات الفنية الحديثة.
نصري عطا الله سوس
المسلمون في بولندا
للأستاذ مصطفى كمال عبد العليم
هناك صفحة ليست معروفة تماماً في التاريخ البولندي تتعلق بتاريخ القبيلة التترية الإسلامية التي استوطنت المنطقة الشمالية الشرقية من بولندا. فكما استقرت الشعوب الإسلامية في أوربا كغزاة - إذا استثنينا مسلمي يوغوسلافيا الذين هم من أصل صربي أسلموا عن طريق الغزو العثماني - كذلك استوطن تتار بولندا إقليما لم يطأ غاز من قبل. ومن المعروف أنهم بدءوا يستقرون في بولندا منذ منتصف القرن الرابع عشر.
وليس هناك من شك في أصلهم الجنسي، فهم من الجنس التركي المغولي انحدروا من إمبراطورية جوشي بن جنكزخان وعرفوا باسم (لرعيل الذهبي) في غربي القبشاق. ولكي نعرف متى وكيف استقروا في بولندا يجب أن نعرف أسباب تكوين تلك البقعة الإسلامية الصغيرة وظروف ذلك التكوين، ثم كيف استطاعت هذه الفئة المسلمة وهي محاطة من كل جانب بشعوب مسيحية - أن تحتفظ بدينها خلال كل تلك القرون، وبخاصة من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر، تلك القرون التي تميزت بالنضال العنيف بين المسيحية والإسلام.
هناك حقيقتان ثابتتان أولاهما: أنهم بدءوا في الاستقرار قبل سنة 1392 وذلك من وثيقة ترجع إلى ذلك التاريخ تتعلق بمنح قطعة أرض لأسرة تترية. والأخرى: من وثائق ترجع إلى سنة 1475 أمكن معرفة استقرار مركزهم الاجتماعي والقانوني إذ ذاك، فهم يمتلكون إقطاعيات منحها لهم السلطات المركزية مقابل تعهدهم بالخدمة العسكرية وقت الحرب. فما هي الأسباب التي دعت السلطات إلى أن تسمح بإيواء عنصر غريب الجنس والدين في أراضيها؟ حقيقة أن هناك خدمة إجبارية وقت الحرب مقابل هذا الإيواء، ولكن حتى هذا الإلزام دليل واضح على ثقة السلطات بهؤلاء التتار فما علة ذلك؟
أخذ أسلاف التتار في ضواحي مدينة فيلنو البولندية التي كانت تابعة لدوقية لتوانيا في القرن الرابع عشر. وكانت لتوانيا إذ ذاك دولة مستقلة متسعة ممتدة من نهر تيمن إلى نهر أوكا، ومن البحر البلطي إلى البحر إلاسود، وكانت مهددة بغارات الفرسان التيوتون في الغرب، وإمارة موسكو الناشئة في الشرق التي بدأت تسود الإمارات الروسية الأخرى
بفضل مساعدة (الرعيل الذهبي) التابعين لموسكو. وكان سكان لتوانيا يبلغون بضعة آلاف، فكان يخشى أن تنفصل الإمارات الروسية التابعة للتوانيا لتنضم إلى موسكو بحكم اللغة ووحدة الدين. فكان على لتوانيا أن تحارب في اتجاهين متضادين، وكان على أدواقها تجنب الاشتباك مع الرعيل الذهبي القوي، وكسب تحالفه إن استطاعوا. وهذا ما حدث فعلا سنة 1319. فكان هذا التحالف موجها أولا سنة 1370 ضد الفرسان التيوتون، ثم ضد موسكو ثانيا سنة 1380. هذا هو مبدأ الاتصال بين التتار المسلمين وبين لتوانيا وبولندا. وقد يتصور البعض أنه من الصعب تحالف شعبين أحدهما مسلم والآخر مسيحي في ذلك الوقت الذي يفور بالعصبية العمياء، ولكن إذا عرفنا أن اللتوانيين كانوا وثنيين أمكن تصور حدوث مثل هذا التحالف
ثم كان أن اتحدت لتوانيا مع بولندا سنة 1386 واعتنق اللتوانيون الكثلكة، ولم يؤثر ذلك في سياسة لتوانيا نحو الرعيل الذهبي. بل العكس ازداد انتظام العلاقات الودية بين التتار المسلمين وبين المملكة اللتوانية البولندية المتحدة الكاثوليكية.
لم تعد لتوانيا تقنع بأضعاف موسكو، بل تريد القضاء عليها، فتدخلت في شؤون الرعيل الذهبي الذي بدأ يتفكك فأخذت تناصر الخانات الأقوياء لتفيد منهم في القضاء على إمارة موسكو، كما شجعت هجرة التتار إلى اراضيها، ومن ثم سمحت لهم بالاستقرار حول فيلنو كما وجد التتار المطرودون من القبشاق ملجأ رحباً في لتوانيا. والواقع أن لتوانب قد جربت إخلاصهم وشدة مراسهم في الحروب ضد الفرسان التيوتون وضد أمارة موسكو.
وقد عاش التتار في هذا الإقليم ستمائة سنة، إلا أنهم كونوا جماعة متميزة بتقاليدها وعاداتها من العنصر الذي عاشوا بين ظهرانيه. وبرغم أنهم تزوجوا بمسيحيات نظرا لقلة النساء المسلمات اللائى هاجرن معهم، فإنهم احتفظوا بدينهم وتمسكوا به كما ضل طابعهم التركي التتري متميزا ظاهريا.
وقد تأثر التتار بالبيئة الجديدة التي استقروا بها. فبعضهم لم ترضه حياة الدعة والاستقرار، فعادوا إلى مراكزهم الأولى في القبشاق، والبعض الأخر بقي، وهؤلاء كانوا قد تأقلموا في القرن الخامس عشر ونسوا لغتهم حوالي منصف القرن السادس عشر. ويرجع ذلك إلى اضطرارهم إلى الزواج بنساء بولنديات، فشب الأبناء على لغة أمهاتهم، إذ أن الأباء كثيرا
ما كانوا يتغيبون في الحروب، وفي هذا تفسير جزئي لاتخاذ المسلمين أسماء بولندية. ولكن برغم كل ذلك لم يضعف تمسكهم بدينهم - كما قلنا - كما أنهم حرصوا على الاتصال الدائم بالعالم الإسلامي وان كان هذا الاتصال يتأثر بطبيعة الحال بالظروف السياسية. فمن وثيقة ترجع إلى القرن السادس عشر نعرف أنهم حجوا إلى مكة، كما كانوا في ذلك الوقت يتداولون فيما بينهم بنقود عربية لابد وأنهم جلبوها معهم بعد عودتهم من الحج. وكان من الطبيعي أن تفيد منهم الحكومة البولندية بأن تجعل منهم سفراءها لدى الدول الإسلامية، وهذا مشاهد من إرسال مترجمين ومبعوثين سياسيين من بين التتار المسلمين خلال النصف الثاني من القرن الخامس عشر وطوال القرن السادس عشر. ثم من ناحية أخرى كان التتار يستعينون بأئمة وعلماء دينيين من تركيا والقرم ليشعلوا بهم وظائفهم الدينية. ومن الطريف أن نذكر أنهم كانوا يستخدمون الحروف العربية في مؤلفاتهم الدينية والعلمية المؤلفة باللغة الروسية أو البولندية.
وقد بلغ التتار البولنديون القمة في تطورهم في منتصف القرن السادس عشر الذي كان عصراً ذهبياً كذلك للتاريخ البولندي. ويمكن أن نقدر عددهم إذ ذاك بنحو مائة ألف. وكان في كل قرية يقطنها المسلمون مسجدها الخاص، وفي بعض المدن هناك شوارع تترية إسلامية صرف. بل وأحياء بأكملها خاصة بهم.
وهناك مرسوم ملكي مؤرخ بتاريخ 20 يونية سنة 1568 بين مركزهم بالنسبة للعناصر الأخرى، وهذا المرسوم يعين حقوق نبلاء المسلمين وامتيازاتهم ومساواتها بحقوق المسيحيين وامتيازاتهم. والواقع أنهم كانوا أقل في بعض الحقوق من المسيحيين، فليس لهم حق الانتخاب للمجمع البولندي، وليس لهم أن يكونوا أعضاء فيه أو في مجالس الولايات. وظلوا محرومين من هذا الحق حتى ظهور دوقية وارسو على يد نابليون سنة 1807. ولكن من ناحية أخرى يشتركون مع النبلاء المسيحيين في الصفة المميزة لنبلاء العصور الوسطى، وهي ملكية اقطاعات من الأرض كان بقطعها لهم الملك، فكانوا يسمون أحيانا (تتار الملك) وهم إلى حد ما أتباع مباشرون له، فهم لا يستطيعون توارث أرضهم دون موافقة الملك، إلا أن هذا الحق في التوارث صار نهائيا فيما بعد. أما من الوجهة الاجتماعية فهم مقسمون إلى طبقات ثلاث: الطبقة الأولى كبار الملاك ذوي الإقطاعيات الواسعة، وهم
ملزمون بالخدمة العسكرية وبتقديم جماعات من الفرسان كاملي العدة وقت الحرب، وتضم هذه الطبقة الأمراء والأشراف. والطبقة الثانية الجند العاديون، ولهم أراض تقل في مساحتها عن أراضي الطبقة الأولي، وهم على العموم يزرعون أراضهم بأنفسهم. أما الطبقة الثالثة فلا يمتلك أفرادها نصابا معينا من الأرض، يشتغلون بالزراعة وأعمال النقل والبريد، إلا أن في إمكانهم الوصول إلى مركز محترم عن طريق الخدمة العسكرية. وكانت الطبقتان الأولي والثانية معفاتين من الضرائب، ولكن بمضي الوقت أخذت الفوارق تتلاشى بين الطبقات.
(البقية في العدد القادم)
مصطفى كمال عبد العليم
العصبية المفرقة
للأستاذ محمود الشرقاوي
أبرزت الانتخابات البرلمانية التي جرت في الأسبوع الماضي ظاهرة جزع لها رجال السياسة كما جزع لها المفكرون على السواء
هذه الظاهرة هي تحريك العنصرية الطائفية واستغلالها في الصراع الانتخابي بين المرشحين والناخبين.
ورجال السياسة والمفكرون من حقهم أن يجزعوا لبروز هذه الظاهرة التي من شأنها - لو أنها لم تتدارك - أن تضعف التماسك الشعبي بين أبناء الأمة وأن تعطل إلى حد كبير إلى أهدافها الوطنية ووصولها بعد ذلك إلى هذه الاهداف، وأن تقلل من تقدير الأمم ذوات السيادة للوطن المصري وللوطنية المصرية ولقيمة الشعب ومكانته من الحضارة والثقافة وما يستتبعه ذلك من اعتراف هذه الدول لمصر بحقها في الحياة الحرة وتمكينها مما تتطلبه من مركز حسن بين مجموعة الأمم المتحضرة ومكان ممتاز بين مجموعة الشعوب العربية بوجه خاص
ومن المقاييس الصادقة التي تقاس بها حضارة الأمم وثقافتها وحظ طبقاتها من التهذيب مقياس التسامح الديني والطائفي. فكلما كانت الأمة أعرق حضارة وأعمق ثقافة وأرقى تهذيبا، كانت أبعد بطبقاتها وأفرادها عن التعصب الديني والعنصري، ومما يتصل بأي نوع من أنواع التعصب للإقليم أو المهنة أو التعليم أو الثقافة. وكلما كانت الأمة أقرب إلى البدائية في حضارتها وثقافتها وتهذيب شعبها احتد بين طبقاتها وأفرادها التعصب وتعددت ألوانه ومظاهره.
وكذلك الأفراد يمكن أن تقاس تهذيبهم رفعةً وخفضاً ورقة وغلظة، وأن تقاس ثقافتهم تعمقاً وسطحية وجوهراً ومظهراً، بمقياس بعدهم أو قربهم من التعصب لدينهم أو ذاتهم أو إقليمهم أو معهدهم التعليمي أو نوع ثقافتهم.
وهذه كلها بدائه أعتقد أن جمهوراً ممتاز الثقافة والفهم مثل قراء (الرسالة) لابد أن يعرفها ويسلم بها
وكما أبرزت الانتخابات البرلمانية الأخيرة هذه الظاهرة المؤسفة من مظاهر التعصب
الطائفي عند فريق من الناس فتداركها رجال السياسة والعقلاء من المفكرين، أبرزت حوادث أخرى مثل إنصاف الطبقات والمتخرجين في الجامعات والمدارس ظاهرة أخرى لنوع آخر من التعصب للمهنة أو الوظيفة أو المعهد أو الثقافة، وكلها ألوان من التعصب هي كما قلنا تمس إلى حد كبير وحدة الأمة وتماسكها، ويستطيع بعض الناس أن يجعل منها مقياسا لحضارتها وثقافة مجموعها وفهمه لمقومات الأمم وتهذيب الأفراد.
وقد كان هذا المظهر الأخير من مظاهر التعصب أكثر وضوحا للمشتغلين بالصحافة والذين لهم وعي وحسن أدراك للتيارات الذهنية والتموجات النفسية والفكرية للمجتمع المصري.
كما كان أبز وأوضح لمن تولوا شؤون هذا الأنصاف للطبقات والخريجين والحاصلين على مختلف الإجازات العلمية والشهادات المدرسية وكم سمعنا وقرأنا لهؤلاء الذين تولوا هذه الشؤون فأدركنا أن أمر جد، أنه مما يستحق أن يشتغل به المفكرون والذين لهم غيرة على وحدة الأمة الثقافية أو تماسكها الثقافي على الأقل.
وقد كان مما يهون - إلى حد ما - من شأن التعصب العنصري والطائفي أن فشوه قاصر على السواد وأبناء الشعب وأن الساسة والمفكرين يقضون على سمومه عند أول نهزة.
ولكن هذا اللون الجديد من التعصب الثقافي ليس فاشياً بين السواد ولا بين أبناء الشعب، ولكنه قائم محتدم بين الخاصة والمثقفين منه، وان أحدا لم يدرك خطره ولا شره فيعمل على خلاص هؤلاء المثقفين والخاصة منه، ويعمل على أن يعود بهذه الشيع من المتخاصمين المتنابذين إلى ما يجب أن يكونوا عليه جميعاً من رفعة التهذيب، ومن تعمق وسعة الصدر والإدراك
وقد يكون للسواد والجهلة شيء من العذر في أن يتعصبوا وأن يفترقوا وأن يخاصم بعضهم بعضا فيما لا يجب أن يكون بينهم فيه خصام، أو فيما يجب ألا يكون بينه خصام، وأن يميز بعضهم بعضا أو يفاضل بعضهم بينه وبين بعض آخر فيما يجب ألا يكون بينهم فيه تفاضل ولا تمايز. ولكنه عذر للمثقفين - إذا أرادوا أن يكون لهم من هذا الوصف نصيب - في أن يتنابذوا ولا يتعصب كل منهم وينحاز إلى جانب يراه أرفع شأنا وأميز ثقافة وأقوم في حياة الأمة وفي نفعها، ليس لأنه كذلك في واقع الامر، ولكن لأنه هو من هذا الطريق.
محمود الشرقاوي
من كتاب الحياة
شريد. . .
للدكتور عزيز فهمي
مرَّ بي كالخيالِ في أَسْمالِه
…
واهياً كالخيالِ عندَ زَوالِه
حائرَ الطَّرْفِ والخُطى كطريدٍ
…
ذاهلاً عن يَمينه وشمالِه
راعشاً والسماءُ تُمْطَر سَيْلاً
…
يُنْذِرُ الرعْدُ صاخباً بانهيالِه
يَهْرَأ البَرْدُ ما يُواريه بُرْدُ
…
وصريرُ الرياحِ دونَ سُعالِه
أيها العابِرُ المُجِدُّ تَمَهَّلْ
…
وأنْتَ أَحْرَى بأنْ تَرِقَّ لحالِه!
صِحْتُ: يا طِفْلُ! لمْ يَكَدْ يَنْتَبِه لي
…
فتَبْعِتُ الشريدَ والقلبُ والِه
حَيْثُ أَثْوى بَمْسِجٍد غير ناءِ
…
مُطرقاً من حَيائه وسُؤالِه
والمُصَلُّونَ مَنْ يُسَبحُ منهم
…
عازفٌ عن فضوله وابتذالِه
حَرَماً يا أخي ويا صاحِ جَمْعاً. . .
…
أينَ مِنْ وقعِهَا ذليل مَقالِه؟
لم يجدْ راحماً ولا مُسْتجيباً
…
بعْدَ ما بُحَّ صوتهُ من كلالِه
فانثنى عائداً بِخُفى حُنَيْنٍ
…
كاسفَ البالِ مُشفقاً من مآلِه
ثُم ولى إلى الكنيسةِ وجْهاً
…
واسْتَجارَ الفتى بِعيسى وآلِه
رَدَّهُ سادِنُ الكنيسةِ رَكْلاً
…
لَيْتَ من رَدَّهُ استحى من جلالِه!
ما على الدَّيْرَ لو أَقامَ نهاراً
…
أو أطالَ الوقوفَ فوقَ احتمالِه؟
فمضى هائماً على غَيْرِ وجْهٍ
…
ليس يَلْوي على هُدًى في ضلالِه
وإذا بي أرى فَتًى أرْيَحياً
…
هَزَّهُ النَّبْلُ لا يَضِنُّ بمالِه
يَتْركُ الحانَ والنَّدامى ويعدو
…
كالذي فَرَّ نَاشِطاً من عِقالِه
صاحَ بالطفلِ يا بُنَيَّ انتظرني
…
لحظة: فالطريق في أوحالِه
وانْتَضَى ثَوْبه وقال تَدَثَّرْ. . .
…
وأضافَ الجْوادُ بعضَ نوالِه
فتأملْتُ ما رأيتُ مَلياً
…
ذلكَ الدرسُ فاعتبرْ بمثالِه
أيهم عندَ ربه مُتَّقِيه
…
ليتَ شعري وأيهم غيرُ آلِه؟
ليتهم إذ صَغَوْا بِخَدٍ ومالوا
…
عَنْه أَصْغَوا إليه عندَ ابْتهِالِه
مَنْ لهذا الشريدِ إنْ جَنّهُ الَّليْ
…
لُ وَأَرْخى عليهِ منْ أَسْدالِه؟
قابعٌ عندَ دَمْنةٍ تَحْتَ جُبٍ
…
يَحْسَبُ الغولَ زاحفاً لاغْتيالِه
قد تَعَرَّى إلى الثرى غيرَ فَضْلٍ
…
منْ قَميصٍ مُهَلْهَلٍ كَرمالِه
مَنْ لهذا اليتيِم أمسى وحيداً
…
مُشْفِقاً من غولِ الدُّجى وخيالِه
بَيْنَ فَكَّيْنِ مِنْ طَوىً وعَراء
…
يَدْفَعُ الموتَ وَهْوَ بينَ نِصالِه
عالِقٌ بالحياةِ يبغي خَلاصاً
…
وَيُدبُّ الفَناءُ في أوصالِه
يَتَلوَّى كما تَلَوتْ قَطاةٌ
…
عَزَّها الفخَّ وهْيِ بينَ حبالِه
أيُّها المانعونَ عنه زكاةً
…
فَرَضَ الله بَذْلَها لعيالِه
لا تصوموا ولا تقيموا صلاةً
…
إنْ ضنَنْتُم بها على أَمْثالِه
يعلم اللهُ ما غَنِمْتُم جزاَء
…
أيها المُمْعِنونَ في إذْلالِه
أحسنوا البِرَّ إن أردْتم ثواباً
…
وتواصَوا بِعْتِقه وانْتشِالِه
عزيز فهمي
القصص
الجارم البريء
للأستاذ حبيب الزحلاوي
توهمت أني الشرقي المتأمرك الوحيد بين ركب الباخرة التي بعث بها رئيس روزفلت إلى الشرق لتعود بالأمريكيين إلى ولاياتهم المتحدة قبل أن تقطع الطريق عليهم الحرب الوشيكة الوقوع بين أمريكا واليابان وحليفتها. توهمت ذلك، لأني لم أر ساعة رفعت الباخرة مراسيها وأخذت تبتعد عن الميناء مودعاً واحداً يلوح بمنديل، ولا بصراً واحداً رنا لراكب واحد من ركاب هذه الباخرة التي ستشق طريقها بين عجاجات الجحيم المستعرة بين أنصار الحرية وأشياع الفردية.
ألقيت بالنظرة الأخيرة على ميناء بيروت، ولما اختلطت الرؤى، وصرت لا أميز بالعين المجردة إلا أشباح جبال لبنان الضاربة قممها فوق الغيوم دون أشجار الصنوبر الخالدة، طفقت أرود الباخرة أتطلع إلى ركابها الأمريكيين.
إن روح الجماعية أصيلة في خلق الأمريكان، تستمليهم المغريات كالفرنسيين، ويدفع بهم حب الاطلاع إلى معرفة ما خفي من الأمور، وما استتر من الأشياء وخفايا الناس أيضا، وهم لا يتورعون عن المراهنة على كل حدث أو خاطرة، فهذه الخاصة هي التي حفزت أكثر الركب، وقد تعارفوا وتآلفوا، إلى معرفة طوية رجل متأمرك آخر سواي، نفور جالس فوق كرسي مستطيل من كراسي الباخرة لا يجيب عن سؤال راغب، ولا يلتفت إلى طلب أي طالب، سيدة كانت أم رجلاً. وقد استعان هؤلاء الطلعات بي، وكانت رغبتهم في معرفة ازورار مواطني الشرقي تكاد تنقلب شهوة ملحاحاً أكثر لجاجة من حبه الرهان.
قالت لي فتاة رفافة البشرة: (أحسب صاحبك عاشقاً، لأن الحزن يجلل نفسه بوشاح من اليأس!! وقالت سيدة فقدت حيلتها في مغالطة نفسها لأقدار الزمن: (صاحبك هذا أقوى الغرام وهذه حالة تنتاب الكهول حين يشعرون بالهرم) وقال شيخ: (قد يكون سبب حزنه عدم إتمامه بناء القصر الذي بناه في قريته فتركه يعشش في الخفافيش والبوم وعاد إلى أمريكا يجمع الدولارات ليتم بناءه) ولكمني في بطني (وهو يضحك) لكمة لولا تعود بطون الأمريكان تحملها لأفرغت ما فيها من كل منفذ. وقال آخر يتعمد الرصانة: (الجنسية
الأمريكية للبنانيين حصانة تقي أطماعهم من طغيان إخوانهم الأقوياء)، فقالت الفتاة الصبية مخاطبة هذا المعترض، كنت دائماً يا عمي العزيز تكبر في اللبنانيين مقدرتهم في شق طريقهم للحياة، برغم تحاملك عليهم. قلت وقد قطعت على هؤلاء النقاد حبل استرسالهم:(هذا بحث في خصال قومي سأحاسبكم عليه في ظرف مناسب، أما الآن وغايتكم معرفة صدوف مواطني عنكم، فأني أتكفل بإشباع رغبتكم وإرضاء فضولكم).
البحر والوحدة أنجح دواء للشفاء من لوعة الحزن، بل لا حرج على القائل:(إذا أنطلق لساني المحزون بالشكوى فقد زال نصف دائه، وإذا لقيت شكواه قلباً واعياً انتقلت إليه) لقد استطعت بوسائلي الخاصة حل عقدة لسان هذا الحزين وهو من مدينة في لبنان اشتهر سكانها بالفطانة والذكاء، وعرفوا بالصلابة والعناد والأريحية والشمم لتأصل صفات الحرية فيهم فقال لي:
أتعرف حي البرازيلي في زحلة؟
قلت: أعرف الأبنية الجميلة المزخرفة القائمة على ضفاف البردوني!
قال: يوجد في عاصمة البرازيل حي يشبه في هندسة البناء يدعى الحي الزحلي.
قلت: ما علاقة هذا بذاك؟
قال: لست أبالغ إذا قلت لك إن جل طلاب الكلية الشرقية في تلك المدينة كانوا يتوجهون وجهة الهجرة إلى البرازيل، ولم يكن يجول في خواطرهم إلا نيل شهادة الدراسة والرحيل إلى البرازيل واللحاق بإخوان سبقوهم إليها، وهمهم العمل والكسب يبنون بناية جديدة في الحي الزحلي في البرازيل ثم العودة إلى زحلة يشيدون قصراً فخماً في الحي البرازيلي الفخم.
قلت: أعرف روح المغامرة في الزحليين دون سواهم من المهاجرين من لبنان.
قال: ما كدت أفوز بالشهادة المدرسية حتى رغبت إلى والدي أن يأذن لي بالسفر إلى البرازيل وقد وافقا مكرهين.
كانت الباخرة التي أقلتني آنذاك تعج بمئات من المهاجرين أمثالي، وكانت مناديل المودعين ترفرف كأجنحة الحمام، والعيون ترنو بين ساهمة ودامعة، والقلوب تخفق حنان وحب ورجاء.
كنت مشرد اللب ساعتذاك، أنظر إلى أمي وأبي بعين الولد البار، وأنظر إلى فتاة كانت بجانبهما بعين قلبي، لم تكن الفتاة غريبة عني، بل كانت من أقاربي الأبعدين، وقد جاءت من (كفر شيسما) خصيصاً لوداعي، كانت معرفتي بها بسيطة، ومحدودة، أما في ذلك الموقف، موقف الوداع، فقد انفتحت لها جوارحي فأحسست فجأة بأن كل ذرة من كياني الذاتي تدعوني إليها، وأنها هي هي المتممة لتكامل وجودي في الحياة، فوثبت على غير وعي وثبة قلب محفوز، وأخذت أدفع الناس حتى شققت طريقي إلى سلم الباخرة، فهرولت نحو والدي، فأخذت يد الفتاة بيدي اليمنى ويد أمي اليسرى، وقلت لوالدي هاك (أنيسة) خطيبتي بل زوجتي بالروح، احتفظا يا والدي بها. لن يطول غيابي. سأقتحم البحر، وأشق المنجم حتى أصل إلى الذهب أقتلعه من أصوله أقدمه عربوناً للزواج من حبيبتي (أنيسة) هذه. وقبلت جبينها قبلة خاطفة فيها كل الدوافع والبواعث والحوافز.
كان يتخلل حديثنا فترات ينقطع فيها الحديث لإشعاله لفافة أو مسح جبين للاستذكار، أو مشاهدة دارعة كقلعة تترنح، أو غواصة تطفو وتغوص، أو أسراب من طائرات تهبط وترتفع واحدة منها للاستكشاف.
قال محدثي: غمر البحر معالم الأرض، ولم تعد العين ترى ألا قبة مكورة فوق وجه الماء، وكنت أرى بعين البصيرة وجه (أنيسة) الصبوح، وعينيها الصافيتين الناعستين تدفعاني دفعاً إلى الأرض الجديدة التي سأنبش تربته كالخلد وأقضم خيراتها كالجراد
بدت منابت الأمل في نفسي تمتد سوقها، وتبرز براعمها، وتورق وتزهر، واخذ خيال السعادة يحوطني بشملة من فرح تريني وجه المستقبل نظراً بساماً، فوددت لو أستحث الباخرة أن تثب فوق اليم فتجتاز المحيط ساخرة من أنوائه وعواصفه فأصل طفرة إلى حلبة الجهاد والعمل. ثم صمت هنيهة وقال:
لقني مواطني في البرازيل بضع كلمات من لغة البلاد، وبعد أيام معدودات ملأت أكياسي بأنواع من جوارب ومناديل وأدوات زينة أعطانيها تاجر سوري، أطوف بها شوارع عاصمة البرازيل أقرع أبواب المنازل أعرض على رباتها بضاعتي. كنت أحس الشفقة بي والضحك من رطانتي واغتفار جرأتي وفضولي.
كان تقبل البرازيليين إياي على هذا النحو يحز في كبريائي فانتقلت إلى الضاحية. جبت
الريف وتوغلت في القرى النائية أسعى على إقدامي، وكلما نقصت بضاعتي كنت أرسل في طلب سواها من عميلي الذي استأمنني ولا ضامن لي عنده سوى أني مواطنه!؟
لله در الأمريكاني يا صديقي من عطوف شفوق! ولكنه طلعة مغامر مراهن تستضيفه فيطعمك ويؤويك، لا عن كرم ولا بدوات خاطر، بل عن فضول حافز ملح إلى الاستطلاع والمعرفة.
(البقية في العدد القادم)
حبيب الزحلاوي