المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 605 - بتاريخ: 05 - 02 - 1945 - مجلة الرسالة - جـ ٦٠٥

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 605

- بتاريخ: 05 - 02 - 1945

ص: -1

‌الشجاعة الأدبية

للأستاذ عباس محمود العقاد

كتبت مقالي السابق بالرسالة أحي ذلك الروح الإنساني الكبير الذي رحل عن الدنيا برحيل رومان رولان

وقد كان للأدباء على ذلك المقال تعقيب يشبه الإجماع، ويتفق كله على تحية ذلك الكاتب العظيم. إلا رسالة واحدة ينزع صاحبها منزعاً، يخالف ما سمعت، وما تلقيت من الآراء في رومان رولان، وفيما كتبت عنه. وخلاصتها أن الأوربيين في حاجة إلى أمثال رومان رولان لقدرتهم على العدوان وإيغالهم فيه، ولكننا نحن الشرقيين أحوج ما نكون إلى التربية الحربية التي نعالج بها الضعيف المقيم، ونحمي بها لحوزة المهددة، وإننا ينبغي أن نتعلم كل ما يحرصنا على منازلة الأعداء ومقاومة المعتدين، ونترك تلك الرسالة التي يبشر بها رومان رولان وأمثاله، حتى يحين موعد الحاجة إليها بيننا نحن الشرقيين

رأى فيه شبهة من الصواب، ولكنها شبهة من الصواب وليست بالصواب في اللباب

لأن الأديب المعترض قد التبس عليه الآمر بين المذهب رومان رولان، ومذهب أولئك القعديين الذين عرفوا في أوربا باسم (الضميريين) من قولهم (إن ضميري يأبى على حمل السلاح ولو دفاعاً عن الأوطان)

فليس رومان رولان من هؤلاء ولا هو ممن ينكرون الحرب حين يفرضها الحق الواجب على المدافعين، ولكنه ينكر البغضاء في سبيل الزهو والطمع، ويرى أن السلاح الآخر ما يعمد إليه الإنسان لعلاج أزمات السياسة، بعد أن تنفذ وسائل الحسنى وحيل السلام

وما دام في الدنيا حرب بغى فالحرب الشريفة مفروضة على الناس لجزاء ذلك البغي ومنعه أن يبلغ مقصده من الغلبة على الآمنين والمودعين. فمن ينكر حرب الإغارة والسطوة لا ينكر حرب المقاومة والدفاع

والفرق عظيم بين من يقول يمنع الحروب وتغليب وسائل السلام، وبين من يرى الحرب الباغية وينكص عن دفعها، لأنه لا يميز بين الاعتداء ورد الاعتداء

بل الفرق عظيم بين أولئك (الضميريين) وبين من يحاربون العنف بالحسنى، لعلهم يخجلون صاحبه، وينهمون فيه تبكيت الضمير، ومن هؤلاء غاندي وتولستوي وطائفة من

ص: 1

المصلحين الشرقيين والأوربيين هنا وهناك. وإنهم ليقولوا بالحسنى، ولكنهم لا يتخذون الحسنى عدة في الحروب حين لا مناص من الحروب

ومهما يكن من رأى رومان رولان في ذلك، فليس كاتب هذه السطور بالذي يحمد (الدروشة) الضميرية في هذا المقام، وأقرب الشواهد على ذلك إنني كنت من دعاة المشاركة في الحروب وإن كانت لا توجبها علينا معاهدة من المعاهدات، لأن كفاح الطغيان واجب غنى عن الوثائق والعهود

إلا إن العجيب في كلام الأديب المعترض قوله: إن دعوة رومان رولان وأمثاله قد يحتاج إليها الأوربيون ولا نحتاج إليها نحن الشرقيين

لأن دعوة رومان رولان قائمة على الشجاعة الأدبية وهي الزم ما يحتاج إليه الضعفاء بعد عصور الجهل والظلم والفساد

وإن دعوة الضعفاء الذين طال عليهم مراس تلك العصور لأحوج إلى الشجاعة الأدبية منهم إلى حمل السلاح. لأن الشجاعة الأدبية تشفى أمراض الفساد. كلها وتبدل بها الصحة والسلامة والقوة والكرامة، وليس شيء من ذلك بمكفول من حمل السلاح في أمة تخاف الجهر بالحق ولا تجتري على الباطل، بل لعل السلاح يصيبها قبل أن يصيب أعدائها، كما رأينا في كثير من الدويلات الأوربية والأمريكية والشرقية، حيث يحمل السلاح ولا تعرف الآراء ولا الشجاعة في الآراء

قال أبو الطيب:

والعار مضاض وليس بخائف

من حتفه من خاف مما قيلا

يريد أن الرجل قد يقدم على الموت ولا يقدم على العار، ويحسب أن العار كله فيما يقوله الناس

فأهون الشجاعات عنده هي الشجاعة على الموت، ثم يجعل الخوف من العار أكرم من الإقدام على الحمام

لكن الحقيقة أن الشجاعة العقيدة ارفع من الشجاعتين بلا مراء، وإن شجاع العقيدة اكرم من الشجاع على الموت، ومن الشجاع الذي يموت لأنه يتقي العار، ويفهم أن العار هو ما يقول الناس إنه عيب ذميم، وأن الشرف هو ما يقوله الناس إنه فضل حميد

ص: 2

أكرم من هذا وذاك من لا يبالي بالموت ولا يبالي بما يقوله الناس إذا اعتقد انهم مخطئون فيه

ولا شجاعة في الجري مع القطيع حين يثور ويعدو في الطريق الذي تدفعه إليه الغرائز الهوجاء، ولكن الشجاعة أن يقف الرجل أمام ذلك القطيع ثم يتخلى عن مكانه حتى يصد القطيع أو يغلب على أمره غير مختار عن مكانه ولا ملوم

وهذه الشجاعة الأدبية التي تعلو درجات على شجاعة الموت وشجاعة العار هي الشجاعة التي نتمثلها في رومان رولان الذي يقول: (إن الأيمان - وليس النجاح - هو غاية الحياة)

وهي هي التي نحتاج إليها نحن الشرقيين قبل كل حاجة، ونتحلى بها قبل كل حلية، ونجترئ بها إذا كان لابد من الاجتزاء بفضيلة واحدة من الفضائل تغنى عن سائرها؛ لأن الأمة التي تحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد، أو يكون مجرد اقتدارها على تلك الفضيلة دليلاً لا دليل بعده على امتناع أسباب الفساد

ومن الخطأ البين أن يقال إن التربية الحربية أو التربية العسكرية تخاف الشجاعة حيث لم تخلق في طباع الأمم جيلاً بعد جيل

وأبين ما يكون ذلك الخطأ إذا قيل أن الضعفاء يتعلمون الشجاعة بتلك التربية الحربية في العصر الحديث على التخصيص

ولا نبدأ بالتعليل قبل أن نمهد له بالإشارة إلى الواقع الذي لا جدال فيه

فهذا مثال الفاشية في إيطاليا غنى عن الإفاضة في مراجعة المثلات وضرب الأمثال؛ لأن الفاشية زعمت إنها تبعت النخوة بعثاً جديداً في بقايا الأمة الرومانية القديمة، وزعم أناس من الشرقيين مثل هذا الزعم فظنوا أن التربية الحربية منذ الصبا الباكر صنعت في الأمة الإيطالية الأعاجيب، وهي خليقة أن تصنع مثل تلك الأعاجيب في النهوض بعزائم الشرقيين، وراح بعض الدعاة يحاكونها محاكاة لا ترجع إلى فهم ولا اختبار، وكل ما كانت ترجع إليه تخيل كاذب ومظهر خلاب

والحق أن التربية الحربية أو العسكرية - كما كانوا يسمونها هناك - كانت أولى بالفلاح في التجربة الإيطالية لو إنها كتبت لها أن تفلح في بلد من البلدان

لأنهم كانوا ينشئون الأطفال عليها من الخامسة، ويتعهدون بها إلى ما بعد العشرين. ومضى

ص: 3

على التجربة منذ بدايتها نيف وعشرون سنة بدأت قبل الزحف الفاشي على روما وانتهت قبل الزحف عليها بجيوش الخلفاء الديمقراطيين

فماذا أفاد كل ذاك؟

لقد كان أولئك الجنود الفاشيون اسبق المقاتلين إلى الفرار في ميدان الصحراء وفي ميدان اليونان، وكانت هذه التربية مجبنة لهم ولم تكن سبيلاً إلى الشجاعة ونهوض العزيمة، لأن العزيمة والجفجعة قلما تجتمعان

ثم ذهب موسيلني - إمام الفاشية - بين عشية وضحاها فلم يسرع إلى نجدته أحد من جنوده في طول البلاد وعرضها سواء ما وقع منها في قبضة الحلفاء الديمقراطيين، وما بقي منها في قبضة الألمان النازلين، وجاءه المدد حين جاءه من هؤلاء ولم يجئه من أبطاله الذين دربهم على نظامه سنوات بعد سنوات

وتعليل ذلك غير بعيد على من يكلف نفسه مؤونة النظر وراء المواكب والصيحات، أن لشجاعة خلق من الأخلاق، وليست نظاماً من النظم المدروسة، وكل خلق من الأخلاق فلابد له من الشعور بالتبعة ومن الحرية التي يقتضيها الشعور بالتبعة، لأنك لا تحمل الإنسان تبعة خلقية وأنت توثق مشيئته بوثاق الطاعة العمياء، ولا تعود خلقاً قط، وهو ملقى التبعة على السواء

وأظهر من هذه العلة البديهية علة الإحجام عن معونة الدولة المدبرة ومن حولها أولئك الأنصار الناشئون على يديها

فإن جنود الفاشية قد نبتوا في حمايتها وقاموا على يديها، فهي التي تحميهم وهي القوية وهم العاجزون أن يحموها يوم تزول عنها القوة. ومن قام على يد فهو يضرب بها ولا يضرب دونها، ويسقط معها ولا يقيمها بعد سقوطها

وهكذا صنع الجنود الفاشيون بالدولة الفاشية، وهكذا يصنع أمثالهم بأمثالها في كل زمن وبين كل قبيل

فالتربية على الشعور بالتبعة - أو على الشجاعة الأدبية بعبارة أخرى - هي حاجتنا اليوم نحن المصريين أو نحن الشرقيين على التعميم، وأمثولة رومان رولان ألزم لنا من أمثولة العسكرية المزعومة التي رأينا قصارى جهدها في تاريخ قريب لا تزال نشهده، ولا حاجة

ص: 4

بنا إلى التاريخ البعيد.

عباس محمود العقاد

ص: 5

‌أبو العلاء المعري

للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

- 2 -

عبقرية عربية نثرت فبهرت، ونظمت فعجبت، وفكرت فحيرت، أبدعت وتفننت إذ قالت وألفت فأدهشت. وعلمها في كل فن من فنون اللغة علم إحاطة، علم ألحفي المحيط لا العالم النتفة. وإذا لم نر (الأيك والغصون) - وهو نحو من مائة جزء - وغير الأيك والغصون، ومؤلفات الشيخ كثير فقد رأينا المطبوعات المعروفات، واستدللنا بما حضر على ما غاب، ولم نستبعد ما روى ابن القارح في رسالته:(الشيخ بالنحو اعلم من سيبويه، وباللغة والعروض من الخليل) ووجدنا أبن القارح هذا من المقتصدين حين يقول:

(. . . لقد سمعت من رسائله غقائل لفظ، إن نعتها فقد عبتها، وإن وصفتها فما أنصفتها. وأطربتني (يشهد الله) إطراب السماع، وبالله لو صدرت عن صدر من خزانته وكتبه حوله يقلب طرفه في هذا، ويرجع إلى هذا. . . لكان عجيبًا صعباً شديداً. ووالله لقد رأيت علماء، منهم ابن خاوية، إذا قرأت عليهم الكتب ولاسيما الكبار رجعوا إلى أصولهم كالمقابلين يتحفظون من سهو وتصحيف وغلط. والعجب العجيب والنادر الغريب حفظه لأسماء الرجال والمنثور كحفظ غيره من الأذكياء المبرزين المنظوم. وهذا سهل بالقول، صعب بالفعل، من سمعه طمع فيه، ومن رامه امتنعت عليه معانيه ومبانيه)

وإني لأقول: إنه لمن النادر الغريب أن يختار الأديب عبقرية نثرية، وعبقرية شعرية، كما احتاز هذا الشيخ: وإذا كانت الإجادة لا تتفق في فني المنظوم والمنثور معاً إلا لأقل - كما قال ابن خلدون - فكيف حال العبقرية؟ وهذان الشاعران العبقريان أبو يمام والمتنبي لم ترو لنا كتب الأدب والسير من نثرهما إلا رسالة قصيرة للأول سطرها البديعي في (هبة الأيام)، ورسالة أقصر منها للثاني أوردها ابن خلكان في (وفيات الأعيان). وأما البحتري المسكين. فكان لا يستطيع أن يخط في النثر سطراً، وإذا خاطب أحداً في شأن وجه إليه شعراً. قال الشيخ في إحدى رسائله:(روى أن البحتري كان لا يقدر على كتب رقعة، فيجعل المنظوم عوضاً عن المنثور)

وآلية محلوفة بالقرآن وإعجازه، لو أن هؤلاء الشعراء الثلاثة، وهم عند ابن الأثير وغير

ص: 6

ابن الأثير أشعر العرب (هؤلاء لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته) مشوا في عرض (العروض) المتشعبة، ومناحي (النحو) المتفرقة المتصعبة، كما مشى الشيخ، ونقبوا مثلما نقب، واستظهروا من مقالات الفلاسفة والمتكلمين ومصنفات الفقهاء، أهل النحل بعض ما استظهر - لأجبلوا إجبالاً أو غث كلامهم أو جاؤا في القريض قرازيم. لكن عبقرية الشيخ قوية جنية قد تسيطرت على كل فن، ولم يسيطر عليها فن، ولم ينزل نضيمها ونثيرها من عليائهما في وقت، ولم تتبدل لهما ديباجة أو بهجة.

إذا قال أبو الطيب:

ما به قتل أعاديه ولكن

يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب

فنط وشط وبدت (فأعلن) في العروض (فأعلاتن)

في حين أن المتنبي - كما قال الشيخ -: (كان شديداً التفقد لما ينطق به من الكلام؛ يغير الكلمة بعد أن تروى عنه، ويفر من الضرورة وإن جذبه إليها الوزن).

وإذا قال (الوليد) البحتري:

وكأن الأيام أوثر بالحسن عليها يوم المهرجان الكبير فكسر وجاء نقص من الزيادة.

وإذا قال حبيب بن أوس:

بالقائم الثامن المستخلف اتطأدت

قواعد الملك ممتداً لها الطول

فتهور البيت في اللغة بـ (اتطأدت) ولم يتطد.

إذا جازف في اللغة المجازفون، وطفف المطففون (ويل للمطففين) فعند الشيخ الموازين القسط، عنده القسطاس المستقيم، وميزان الصيدلاني الحكيم.

(موازين صدق، كلها غير عائل)

نثر أبو العلاء مترسلاً ومسجعاً، فبذ الناثرين في وقته ومن بعده كلهم أجمعين، وشعر فتبدى في سماء القريض شمساً علائية لا تأفل ما كان القرآن، وكان هذا اللسان المبين.

ولقد أصاب الشيخ وأطاب حين حاش في رسائله ودواوينه وكتبه الكلمات الغريبات، فجمع نادات شاردات لم نر الكثير منهن في معجم من المعجمات. وإن عربيات قديمات نشأن في (الجزيرة) مع أخوات لهن - لحربات أن يظهرن وأن يعرفن. وقد برع أبو العلاء إذ نص

ص: 7

تلك الغرائب في حلل عدنيات من العبارات كأنهن عرائس قعدن فوق منصات. ولأن تجتاف لفظة غريبة جملة أو بيتاً خير من أن توحد. ولكل لغوي في التصنيف نمط. وإذا أحسن المعري فقد أجاد ابن سيده، وأجاد الجوهري وابن دريد.

لم يكن الشيخ من العبقريين الملهمين، بل كان من العبقريين الدارين المدركين، تعلم واستعلم فعلم، وسأل واستفهم ففهم. وللقائل الملهم حال، وللمدارس حال، ولذاك وحي، ولهذا مقال. والوحي لا يحصل، ولا يؤازيه مؤاز.

وقد استهام الشيخ بلغة العرب، وكان متمناه في دنياه أو مرجاه الأسمى أو مثله الأعلى أن ينبغ فيها وفي علوها فنبغ، وبلغ حيث بلغ. فهويه هو هذه اللغة، وفنون زمانه التي شاء عرفانها هن للمهوى تبع.

وإذا تمادى الشيخ في إعجابه بالعرب الأقدمين، وتطربه سجع محدثين مسجعين فقلد، فقد افتن في تقليده واجتهد، فعد في الشعراء والكتابين من المبدعين. وتذرع أبو العلاء بالله وتحاميده وتماجيده فنظم (اللزوميات) وصاغ أو حاك (الفصول والغايات) والمقاصد لغوية لا ألهانية لا دينية، وأن اشتعلت على أشياء منوعات، ملونات، مهولات قد بدت مثل (صندوق العجب. .) وما كان يغرب حين يغرب حتى يعمي مقالة، ولكن ليعلن قدرة وبراعة. وكيف يكفر معنى قصده وقد اصحبه شرح الغريب من ألفاظه؟

ومؤلفات الشيخ العبقرية هن بنات القصد والنكلف وبنات الأثرية.

(. . . وقد تكلفت في هذا التأليف - يعني الشيخ اللزوميات - ثلاث كلف، الأولى أن ينتظم حروف المعجم عن آخرها. والثانية أن يجيء رويه بالحركات الثلاث وبالسكون بعد ذلك والثالثة انه لزم مع كل روى فيه شيء لا يلزم من ياء أو ثاء أو غير ذلك من الحروف.

ولو لم يجب الشيخ داعي أثريته، ويحقق قوله في لاميته، ويقصد ويتكلف ما كانت أمثال (اللزوميات والفصول والغايات والأيك والغصون) مما عرفناه وحرمناه إياه جهل الجاهلين، وضلال الصلييبن، وتتربة التتر، وحوادث الأيام، وما كانت العربية ازدادت ثروة بباهرات عبقريات تباعت بها، وباعت غيرها من اللغات. وإذا هجن في العلم والأدب تكلف الضعفاء العاجزين حين يتكلفون، فتكلف العباقرة القادرين يجل عن كل تعقيب أو تهجين

ص: 8

حرث أبو العلاء القرآن حرثاً عجباً، وسيط هواه بلحمه ودمه، واستهداه فهداه، وذهن أو أدرك من إلهية (الكتاب) وسماويته ومن عربيته الناصعة الصافية ذات الإعجاز، وبلاغته الخارقة العادة ما أدركه الفصحاء البلغاء من العرب في عهد النبي أو كاد يدرك ذلك. ولا تستقلن هذه الكيدودة. ومصنف الشيخ (تظمين الآي)(وهو إن لم نره فقد سمعنا خبره) يبين أنه بلغ في علم (الكتاب) المبالغ - كما يقول الزمخشري - ولا يضمن مثل ذلك التضمين الفائق البديع إلا من خرجه (القرآن) هذا التخريج العظيم البليغ.

(ومن يهد الله فهو المهتدي)

بصر الكتاب الإلهي المحمدي (أحمد بن عبد الله بن سليمان) بعجائبه وآياته فأستيقن واستبصر، وارتوى الشيخ من كوثر البلاغة القرآنية فأزهر الكلام العلائي ونور

نور القرآن قولاً فعلاً وسما صاحبه في القائلين

إنما القرآن هدى الناطقين، إنما القرآن نور العالمين

غث قول لم يهذبه (الكتاب)

والقرآن، القرآن ذلكم الكتاب العجيب المبين، إنه يراه نابغة الأوربيين الأديب العبقري العظيم (جان ولفغنغ غوت) قد أعطي فيه كل مقام حقه، وأخذ كل معنى من مقاصده لفظه، كما يراه قوياً، عظيماً، سامياً، متعالياً، رائعاً، مهيباً قد خرق العادة، فلا غرو أن يبلغ أثره في العالم - كما قال - حيث بلغ.

ألا إن القرآن في الكلام، مثل محمد في الأنام. فإن وجدت لمحمد خطيراً، ألفيت للقرآن نضيراً

(قل: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)

دعاكم إلى خير الأمور محمد

وليس العوالي في القنا كالسوافل

حداكم على تعظيم من خلق الضحى

وشهب الدجى من طالعات وآفل

وألزمكم ما ليس يعجز حمله

أخا الضعف من فرض له ونوافل

وحث على تطهير جسم وملبس

وعاقب في قذف النساء الغوافل

وحرم خمراً خلت ألباب شربها

من الطيش ألباب النعام الجوافل

ص: 9

فصلة عليه الله ما ذر شارق

وما فت مسكاذ كره في المحافل

أبو العلاء (هو جوهرة جاءت إلى الدنيا وذهبت).

ص: 10

‌علل المجتمع المصري

للدكتور محمد صبري

لكل مجتمع علله وآفاته، ولكننا إذا استعرضنا علل المجتمع الأوربي كانت هذه العلل خاصة بمجتمع قد تهيأت له جميع المشخصات القومية، وتجلت مظاهر الضعف فيه. أما المجتمع المصري، فهو مجتمع في طور الانتقال. وقد بدأت مرحلة الانتقال هذه منذ بداية القرن التاسع عشر، ولم تنته إلى اليوم، في حين أن شعباً كالشعب الياباني قطع فترة الانتقال في سنوات.

فما لاشك فيه، مثلاً، أن اللغة قد قطعت شوطاً في طريق التقدم والدقة والمرونة، فتركنا السجع والإطناب وما إليهما، ونحت الكتاب ألفاظاً جديدة ردت إلى اللغة شبابها وبهاءها، ولكن اللغة لا تزال بعيدة من غاياتها، ولا تزال في حالة انتقالية ظاهرة، كما لا يزال تعليمنا العالي في الأزهر والجامعة، وكذلك محاكمنا وقوانيننا مزيجاً من تعاليم القرون الوسطى والعلم الحديث، كما أن حركتنا النسائية بتجاذبها عامل الرجعية والعزلة والجمود من ناحية، وعامل الطفرة والمطالبة بإلغاء نون النسوة من ناحية أخرى.

ومعلوم أن كل حركة تتجاذبها عوامل متضادة، ولا تجد قادة يدفعونها بقوة في طريق الانتقال والتجديد، لابد أن تضطرب في سيرها، وأن تتعثر وتتباطأ ويختل نظامها.

وهذا الاضطراب، أو التردد، يعتور جميع حركاتنا الاجتماعية، لأن قادة الرأي مختلفو الأمزجة ووجهات النظر، ولم نسمع مرة إن مفكرينا وضعوا أساساً ثابتًا لإقامة أي إصلاح؛ بل يغتبط كل منا مطبوع على الأنانية وحب التفرد والظهور بأنه صاحب المشروع الفلاني، فيجب أن يسجل التاريخ باسمه - فرداً كان أو حزباً - ذلك المشروع. إما كيف يدرس المشروع، وكيف ينفذ، وهل ينفذ دفعة واحدة، أو على مراحل، وهل يراعي في تنفيذه الحال والمستقبل، وارتكازه على قواعد من البيئة والظروف، فهذا كله في المحل الثاني وهانحن أولاء قد أنشأنا جامعة فؤاد في القاهرة، ثم أنشأنا جامعة فاروق في الإسكندرية، ونفكر في إنشاء جامعة ثالثة في أسيوط دون أن نتأكد من أن أولاها بلغت الكمال كله أو بعضه، وحققت أغراضها في خدمة العلم الصحيح. وقد أنشأنا في إحداها صالة احتفالات بلغت تكاليفها، فيما يقال، مائة وأربعين ألفاً من الجنيهات، بينما يشقى

ص: 11

بعض علمائنا وأدبائنا الأعلام في الجري وراء القوت اليومي، ولا يجد عض طلبة العلم ما يسدون به رمقهم في بعثة علمية منزهة عن المحسوبية وما إليها.

والواقع أن عللنا وآفاتنا كثيرة نشأ معظمها من الاستعباد وطول عهوده، وقد أصبحنا وفينا مركب الشعور بالنقص ? وهذا واضح جلى في (معاملات) المصريين والأجانب، وما بقيت هذه العلة بغير علاج حاسم فستظل (الامتيازات) في نفوسنا وأخلاقنا وإن تكن قد محيت في الورق والمعاهدات

وقد أصبحت هذه الحالة مدعاة لليأس والتشاؤم؛ ففريق من المصريين يقول: إنه لا أمل في إصلاح هذا الشعب. وفريق من الأجانب، وعلى رأسهم المؤرخ الكبير جبرائيل هانوتو، يقولون: إن مصر لا غنى لها عن الأجانب، وإن مركزها الجغرافي إلى جانب ذلك يفرض عليها قبول سيطرة الدولة التي تهيمن على البحر الأبيض، أي قبول الاستعباد في شكل من أشكاله

وقد أخطأ الفريقان في نظرهم وتشاؤمهم، ويرجع ذلك الخطأ إلى انهما قد أصدرا حكماً على الشعب المصري باعتباره قد استكمل أداته للكفاح، وأخذ أهبته وجرب وكبر واستقر، وبعبارة أخرى قد قطع مرحلة الانتقال وظهرت ملامح شخصيته الثابتة من حسنات وعلل وعورات

ولو أنهما انتبها إلى أن حالة مصر اليوم لا تزال حالة انتقالية، وأن بعض العلل التي نراها ليست من العلل (المزمنة)، وقد تكون غريبة عن جوهر الخلق المصري الصحيح، وإنها إذا عولجت انتفت عنه، وزالت كما يزول كل عرض، أقول لو انهما انتبها إلى ذلك لفهما أن تشاؤمهما أكبر خط يتهدد الفكرة الإصلاحية بل وكل فكرة تطمح إلى المثل العليا، والسير بالبلاد إلى ابعد الغايات.

محمد صبري

ص: 12

‌الرقص الكلاسيكي

للدكتور محمد مندور

بدا لي أن أكتب عن الرقص، وذلك أملا مني في تقويم الأخلاق، وقد يلوح هذا غريباً، فكيف نقوم الأخلاق بالحديث عن الرقص، ومع ذلك فهذا حق، فالرقص ونقصد به الإيقاعي والتعبيري، لا الرقص الشرقي طبعاً، يورث من يزاوله من رجال ونساء قوة في الجسم تحرر النفس من آفاتها

وقديماً حرص سقراط الشيخ على أن يتعلمه ليقلل من قيح جسمه المنبعج، ويقوي من ضعفه، فقال لأصدقائه وتلاميذه وقد اجتمعوا يوماً بمنزل أحدهم غلام يعلم الرقص:(أتضحكون مني لأني أريد برياضة جسمي أن أتعهد صحتي فأمتنع بأكل هنئ ونوم سليم؟! أتضحكون لأنكم تعتقدون أن شيخاً مثلي لن يصاحب مدرباً رياضياً إلى الخلاء فيعري جسمه أمام الجماهير، بل يقنع بغرفة طعام كهذه التي يكتفي بها هذا الغلام؟! أتضحكون لأني سأتدرب في الشتاء تحت السقف وفي الصيف تحت الظلال إذا اشتدت حرارة الشمس؟! أم تضحكون لأنني رحت ببطن كبير إلى حد ما فأردت أن أرده إلى الحجم معقول!؟)

وفي هذا يقول شاعر الإغريق أنا كريون. (عندما يرقص الشيخ لا ترى فيه عجوزاً غير شعره، وأما روحه فلا تزال فتية)

والرقص كما هو رياضة للجسم رياضة للروح، وذلك لأنه يغذيها بشعورين لهما أثر عظيم في الحياة، وهما الشعور بالمرح ثم الشعور بالجمال. وليس من شك في إن هذين الشعورين من أضعف المشاعر عند الشرقيين، حتى لأحسب أن جانباً كبيراً من ضعف النفوس الذي نشكو منه يرجع إلى الحزن الذي ينزل الخراب بالقلوب، كما أن الإحساس بمعنى الجمال ومعاييره الصادقة يكاد يكون منعدماً. والنفس الحزينة لا تعرف الثقة والتفاؤل. والحس الذي لا يدرك الجمال لا يحجم عن الخسيس من الأمور.

ولو أنك قارنت بين الرقص الشرقي والرقص الغربي لأدركت الفارق بين المشاعر التي يثيرها كل منهما، فالرقص الشرقي رقص تمرد جسمي، حركاته زوايا لا منحنيات، وهو إثارة للغريزة الجنسية فحسب، وإما الرقص الغربي فإيقاع وتعبير، وهو في أصح أوضاعه

ص: 13

يستمد إيقاعه من الموسيقى الشائعة في الطبيعة، ففيه عنصر التموج والاستمرار. وليس بخاف أن الحياة كلها تموجات موقعة، فالصوت والضوء والموج والريح والشجر وأوراقه، كلها تموجات أو تهتز موقعة في موجات. والحركة دائرة مستمرة حتى في الجماد حيث ترقص الذرات الكهربائية. والراقص أو الراقصة في أوروبا لا يخترع حركات وإنما يكتشف حركات، يكتشف ما هو كامن في نظام الحياة والوجود، وإن كان لا يقف عند الإحساس إلى الدرس، ويروض نفسه على تشرب موسيقاها بالتدريب الطويل المتصل حتى يجيد فهمهما فتصبح الحركة تعبيراً عن معاني النفس.

لقد أخذنا نعني في الشرق بتثقيف العقول، ولست ادعي أننا قد نجحنا كل النجاح في هذا التثقيف ولكنني أحسبه شيئاً يذكر إذا قارناه في بتثقيف الإحساس. ولقد فطن الناس إلى أن الشيء الرائع في تربية الإغريق القدماء كان عنايتهم بتنمية حاسة الجمال في النفوس عن طريق رياضة الجسم ورياضة الروح، فأفلاطون نفسه قد قصر منهج التربية في جمهوريته على العلوم الرياضية والموسيقى والرياضة البدنية، وبذلك يجمع بين تقويم العقل والإحساس والجسم، ويقيم بين ثلاثتها توازناً هو عماد النفس القوية. ولقد كان الرقص جزءاً هاماً من رياضتهم، وذلك سواء أكان حربياً أم فنياً، ولقد كان المقاتلون لا يسيرون إلى القتال إلا بعد أن يثيروا في نفوسهم الحماسة والنشوة بالرقص الموقع توقيعاً قوياً، حتى لقد قال أفلاطون بلسان سقراط: إن أكثر الناس تبجيلاً للآلهة في حلقات الرقص هم أشجعهم ضراوة على القتال في الميادين)

والإنسانية منذ أقدم عصورها لم تعرف الرقص منفصلاً عن غيره من الفنون. فمنذ الأزل والناس يجمعون بينه وبين الموسيقى والشعر في ثالوث فني يستهوي أفئدتهم. وربما كان الرقص أقدم هذه العناصر وأكثرها انتشاراً، فالحركة لا ريب قد سبقت اللفظ في التعبير. وفي الجسم إيقاع عضوي يتحرك لنغمات الطبيعة، على غير وعي منا، وعند الإغريق القدماء لم يكن الرقص والغناء والموسيقى مجتمعة مقصورة على مواكب النصر أو ولائم المرح، بل كانت تكون العناصر الأساسية في التمثيل المسرحي أيضاً. وهم لم يعرفوا تمثيلاً يقوم على الحوار والحركة لمسرحة فحسب، فكل مسرحياتهم يتخللها الرقص والموسيقى. وإلى جوار الممثلين تجد دائماً فرقة المغنين وعلى رأسهم عازف الناي. ومن

ص: 14

كبار مؤلفيهم كسوفوكليس من كان يجيد الرقص والعزف ويشترك فيهما اشتراكاً فعلياً. ولقد كان ذلك من مواضع فخارهم، فتلك فنون كانت تشارك فيها آلهتهم ذاتها، ولكم من مرة رأس الإله هرميس أو الإله أبوللون بأعلى الأولمب وفي محضر كبير الآلهة زوس جوقات تعزف وترقص لتطرب الآلهة. ولقد جعلوا للرقص ربة ترعاهم كما جعلوا للموسيقى والشعر ربات. وليس من شك في أن إقبال الإغريق على الحياة ومحبتهم لها وإمعانهم فيها قد فجر في نفوسهم ينابيع الابتكار والخلق. وليس من شك كذلك في أن عبادتهم للجمال وحرصهم على التناغم والانسجام قد أحيا في نفوسهم معاني البطولة ومثل الأخلاق ومن البين أن أهم صفات العمل الأخلاقي هو جماله المشرق. .

ولقد رأيت العصور الحديثة نهضة رائعة في فن الرقص بفضل (الباليه) الروسية والسويدية، وكان الفنان الكبير جاك دالكروز فضل إثراء فن الإيقاع وتحميله أنواعاً من التعبير الإنساني العميق. وكم طرب الأوربيون لرقص نيجنسكي وكار سافينا وإيزادورا دونكان ولوي فولر وبافلوفا وأرجنتينا. واستهوى الرقص ألباب كبار رجال الفن والأدب. ولقد كانت إيزادورا دونكان تلتهب حماسة لفن النحات الكبير رودان، وكيف كان رودان يعجب برشاقة الحركة وجمالها عند تلك الراقصة الروحية الكبيرة.

ومنذ سنين قليلة كتب الشاعر الفرنسي الشهير بول فاليري حواراً رائعاً عن الرقص، وفيه يقيم توازناً متصلاً بين الحركات الراقص وحركات المفكر الذهنية، ولفهم هذه العلاقة دعنا ننصت إلى فقرة رائعة من مذكرات دونكان:(لقد أنفقت أياماً وليالي كاملة في (الأتيليه) لأبحث عن رقص يستطيع بحركات الجسم أن يعبر عن الروح تعبيراً إلهياً. ولساعات طويلة كنت أقف ساكنة جامعة يدي إلى صدري ووالدتي ذاهلة من موقفي هذا، ولكنني أنهيت بأن اكتشفت الدافع الأساسي لكل حركة، والبؤرة القوية التي تنفذ منها وحدة الأوضاع.

ومدرسة الرقص التقليدية تلقن تلاميذها أن المركز الأساسي للحركة قائم وسط الظهر عند نهاية العمود الفقري من أسفل، ومن هذا المركز تنطلق حركات الأذرع والأرجل والجذع حرة، ولكنها عندئذ لن تكون غير حرية عرائس من الخشب، ولن ينتج عن رقص كهذا غير حركات آلية مصطنعة غير جديرة بالروح، والذي كنت أبحث عنه لم يكن مصدرها

ص: 15

هذا النوع من الحركات، بل مصدرها حركات النفس التي تشيع في الجسد وقد امتلأ ضوءاً فتعكس فيه رؤية مشرقة. وبعد أشهر طويلة من الجهد المتصل ركزت فيها اهتمامي في هذه البؤرة الموحدة لاحظت أنني عندما أنصت إلى الموسيقى تنساب إلى أشعة وموجات. تجري في فيض متلاحق نحو منبع الضياء في نفسي حيث تنعكس الرؤية المشرقة. ولم يكن هذا المنبع مرآة نفسي بل مرآة روحي وبفضل إشراق تلك الرؤية كنت أستطيع أن اعبر عن الموجات الموسيقية بحركات راقصة). ولا غرابة في ذلك فقد ولدت ايزادورا الأمريكية الأصل على شواطئ البحار فاعترفت بأن فكرة الرقص لم تأتيها إلا من مشاهدة أمواج البحر، وكان أول رقص لها على إيقاع ذلك الموج. وما من شك في أن للنفوس البشرية إيقاعاً يناغم إيقاع الطبيعة. ولقد قالت تلك الأديبة البارعة (أن الرقص كان موجوداً في نفسها ولكنه نائم فأيقظته)

وما أريد أن أختم هذا المقال دون أن أذكر أحد أساتذتي الفرنسيين وهو لويس سيشان، وقد كان رجلاً جاداً على رقة نفسه، رجلاً حي القلب حي الضمير، وقد تعلقت تعاليمه فبحث عن مؤلفاته، وإذا من بينها كتاب قيم عن الرقص عند الإغريق القدماء، فدهشت لأستاذ في الجامعة يكتب عن الرقص، وكنت لا أزال حديث عهد بالشرق وأحكامه، ولكنني لم أكد أتناول الكتاب حتى وجدته قد صدره في أول صفحة بثلاث كلمات لأفلاطون قالها الفيلسوف عن الشعر، وأبي أستاذنا إلا أن يطلقها على الرقص، وهي قوله (شئ خفيف مجنح مقدس)

محمد مندور

المحامي

-

ص: 16

‌على هامش النقد

قصص وأساطير

1 -

أساطير الحب والجمال. . . . . دريني خشبة

2 -

عشاق العرب. . . . . . . . . كامل عجلان

للأستاذ سيد قطب

- 1 -

ليس هذا الكتاب (ترجمة) بالمعنى الكامل وليس (تأليفاً) كذلك، فهو استعراض لهذه الأساطير عند الإغريق مطلق من التقليد النصوص. . . ولست أدري أكان من الخير أن يسلك المؤلف هذا الطريق، أم أن يسلك طريق الترجمة الدقيقة لأصل من أصول هذه الأساطير أو لبحث حولها أو لتفسير. ولكن وجودها في المكتبة العربية - على وضع من الأوضاع - هو بدون شك كسب لهذه المكتبة كبير. وقد تلقيتها بفرح، وعشت معها أسبوعين؛ كانا فرصة لأن أعاود قراءة ترجمة الإلياذة الإغريقية، والشاهنامة الفارسية، والرامايانا الهندية، وبعض الأساطير المصرية، لأعيش فترة من الزمن في هذا الجو الأسطوري الجميل، ولأصحاب الطفولة البشرية العذبة. بعض الوقت، ولتكون لدي الفرصة - على قدر الإمكان - لملاحظة الخصائص القومية في الأساطير والملاحم. وهي أصدق المعايير. لأنها من عمل الشعوب في الحقيقة لا من عمل الأفراد.

وقد أثار وجود هذه المجموعة في اللغة العربية، شوقي لأن يوجد لها نظير عن (الأساطير المصرية)، ومجموعة عن (الأساطير الهندية). وإن كنت قد سمعت - ولم أقرأ - عن مجموعة صدرت للأساطير الشرقية

أن مصر القديمة. مصر العريقة، مصر الضاربة في مجاهل الأبد، النابتة في جذور التاريخ. إن لمصر هذه أساطير راقية وحياة روحية رفيعة. وقد ثبت بما لاشك فيه أن الإغريق قد تناقلوا كثيراً من هذه الأساطير، وتسلفوا الكثيرين من الآلهة من هنا من مصر! وثقفوا ثقافة مصر الروحية والعلمية والاجتماعية والقانونية، ثم أقاموا عليها حضاراتهم بعد

ص: 17

ألف عام.

ولكننا نفتن عن هذا كله، فلا نلتفت إلى هذه الذخيرة الضخمة التي لا تزال العالم الحي يقبس منها. ففي عصرنا الحاضر يوجد في أوربا من النحاتين من يقيمون مذاهبهم على أساس الفن المصري القديم، ويوجد من رجال الآثار ومن رجال الأدب من يتعمق دراسة الآثار الروحية والدينية لمصر القديمة، ومن يحيل هذا الزاد طعاماً حاضراً شهياً، يزيد به ألوان المائدة العالمية

أما في مصر فلا شيء من هذا كله. إنما يكتب المفتونون منا بالحضارة الإغريقية، فيصورونها حضارة هبطت من سماء الأولمب، ولم تستق مرة واحدة من نبع النيل، اللهم إلا رجلاً عظيماً - عظيماً جداً لأنه نجا من هذه الفتنة - هو المرحوم عبد القادر حمزة باشا، ذلك الذي حاول في كتابه الخالد (على هامش التاريخ القديم) أن يكتشف لقراء العربية عن هذا الدين القديم!

وللشرق على وجه العموم - ولاسيما الهند - ثقافاته العريقة، ثقافاته الروحية والفكرية. ولكن المكتبة العربية منها خواء. وعندما عثرت على ترجمة مختصرة لرامايانا (مجازفات راما) من (مطبوعات مجلة النفير) أحسست أنني عثرت على شئ نادر! ليس من مثله إلا القليل. شيء نادر لأنه شرقي. ونحن المفتونين عن مصر وعن الشرق. لا نحفل من هذه الذخائر ما تحفله الأمم الحية في الغرب، التي تستنقذ كل ما خلفت البشرية من ثقافات فتحيله غذاء شهياً على مائدتها الحافلة بالشهي اللذيذ!

أفلم يئن لنا أن نعرف أنفسنا كما عرفها العالم المتحضر؟

إنني لأشعر بفيض من السعادة يوم أجد المكتبة العربية حافلة بالمترجمات من كل الثقافات العالم. على ألا يبقى ركن الثقافة المصرية وركن الثقافة الشرقية كما هما اليوم يعشش فيهما العنكبوت!!!

يحس القارئ للأساطير الإغريقية أن الحياة المتنزية الوثابة هي الحكم في هذا الكون العريض، بينما يحس في الأساطير المصرية أن العدل والخير والمبادئ الخلقية هي القانون أما الأساطير الهندية فتخيل إليه أن التضحية والصبر والتسامح هي محور الوجود. فإذا اجتازها إلى الأساطير الفارسية أحس أن القوة والمراسم والنظام هي دعائم الحياة (وذلك

ص: 18

على تقارب الهند وفارس في الأصل الآري القديم).

وأوضح الأمثلة على هذه الملاحظات أساطير هرقل، وأوزريس، وراما، ورستم.

فمجازفات هرقل كلها تنفيذ لقضاء أعمى مبعثه نزوة شخصية لبعض الآلهة. ومأساة أوزريس هي تغليب للعدل والخير على الظلم والشر، وقد وقفت قوى الآلهة في صفه تحقيقاً لهذه المثل العالية.

ومجازفات راما كلها تنفيذ لعهد واجب الوفاء مهما يكن في سبيله من تضحيات فوق الطاقة البشرية المحدودة، ووقائع رستم كلها تمجيد للقوة الخارقة التي تخضع مع هذا النظام وتعترف بمراسيم السلطان!

تجمع آلهة الإغريق إلى قدرة الآلهة حماقات البشر. قانونها شهواتها. تحبط كيفما قادتها البدوات والنزوات. ويقع الخير في أعمالها كما يقع الشر كأنما هو اندفاع من اندفاعات الحيوية النابضة في الوجود. أما آلهة المصريين فتهدف في تصرفاتها إلى تحقيق مبادئ خلقية وإنسانية قوامها الخير والعدل والفضيلة. . .

ألا ما أحوجنا إلى أن تكون أساطير العالم كله بين أيدينا لنعرف حقائق الشعوب! إن غاندي وصبره وسماحته مثلاً، لا يفهم كما لا يفهم تاجور إلا بمدد من الأساطير الهندية تشرح عناصر النفس الهندية وتفسرها خير تفسير.

وشيء آخر يحسه القارئ الأساطير الإغريقية. يحس بالعبادة للطبيعة، والفتنة بالجمال، والنشوة بالحركة. الحركة العنيفة. التي لا تقرا ولا تهدا في اللذة والألم. وفي السعادة والشقاء. والحب والبغضاء، ويعيش في ذلك الجو المرفرف الطليق الذي هو مزاج من العرائس والجنيات؛ ومن المفاتن والشهوات، ومن المكائد والمجازفات. ومن الطبيعة الساحرة الفاتنة الحية الفائضة بالحياة المتجاوبة مع كل شيء في هذا الكون الكبير! إنها حياة تشوق وتعجب وتثير الحس والوجدان.

ويجب أن أقول: إن الأستاذ دريني خشبة قد افلح في نقل هذا الجو الحي الفائض بالحيوية، وان أسلوبه قد اضطلع بتصوير الحركة التي لا تهدأ في هذه الأساطير. وإن هذا وحده لشيء رائع في حد ذاته.

ولكن! - ووددت ألا أجد مكاناً فيما أقول.!

ص: 19

لقد قادته رغبة التجويد في التعبير، والتفخيم في الأسلوب إلى أشياء أود لو تنبه لها كل مؤلف. ومترجم على وجه خاص:

إن المطلوب في الترجمة - خاصة - ليس هو نقل المعاني والأفكار فحسب، ولكن نقل الجو الذي تعيش فيه هذه المعاني والأفكار. هذا الجو رهن بطريقة الأداء وبألفاظ الأداء. وفي كل لغة بعض الاصطلاحات وبعض الألفاظ. تعد بضاعة محلية. لا سبيل إلى نقلها من بيئتها إلى أية بيئة أخرى. ذلك أنها تشع جواً إقليمياً أو قومياً خاصاً يتمثله الخيال بمجرد نطقها في أي مجال.

هذه الألفاظ وهذه التعبيرات موجودة في اللغة العربية.

وهي تصور جوها بمجرد ورودها. - وهي لحسن الحظ قليلة نسبياً بالقياس إلى معجم اللغة اللغوي والفني - وهي لا تصلح للاستخدام في الترجمة على وجه خاص، لأنها تعارض الجو الذي يجب نقله؛ وتعترض الخيال المستغرق في جو خاص بقطعة من الجو العربي البحث الذي لا انسجام بينه وبين ذلك الجو الخاص

إن للألفاظ والتراكيب أرواحاً كما لأفراد الإنسان. وكثيراً ما خيل إلي وأنا أقرأ بعض المترجمات، أن المترجم يقذف برجل بدوي في زيه الخاص على المسرح بين جماعة من الأوربيين، فيخيل بكل انسجام!

وفي أساطير الحب والجمال شيء من هذا: يتمثل في بعضه استعباد النصوص للمؤلف، كما تتمثل في بعضه الفتنة بالأغراب. ولا يتسع المجال لاستعراض جميع هذه المواضع فنكتفي ببعض الأمثال:

1 -

من الأمثلة على استعباد النصوص، أن يرد في أسطورة إغريقية وثنية قول أبوللو لابنه:(فسر دربها تصل إن شاء الله) فطريف هنا ذكر (إن شاء الله) من إلهي إغريقي ودع عنك (سر على دربها) وما تمثله من بيئة صحراوية. وأن يرد كذلك في كلام هذا الإله نفسه: (ولا تنس السماء التي تجري فوقي لمستقر لها) وما فيه من جو قرآني ينقل القارئ من أساطير الإغريق إلى القرآن الكريم. ومثله وصف شارون حارس الجحيم كما وصفها القرآن: (لا تبقي ولا تذر، وإنها أبداً ترمى بشرر كالقصر)

وكثير من هذه النصوص القرآنية ومن مأثورات الشعر العربي والتعبيرات الإسلامية

ص: 20

البحتة يتعارض في بعض الأحيان لا مع الجو الأسطوري فحسب ولكن مع الحقائق الموضوعية كذلك أو مع المشاهدات الواقعية. فلست أحسب أن (المنافقين في الدرك الأسفل من النار) تمت بصلة إلى أوضاع الجحيم الإغريقي! ولست أحسب أن الكبش حين يذبح (يتل للجبين) كما تل إبراهيم ولده للجبين في القرآن. فالكبش يتل للجنب، لأنه لا يذبح على طريقة ذبح الإنسان!. . . ولست أحسب أن عرائس الماء كانت تقول كما قالت نساء امرأة العزيز في القرآن:(ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم) أو أن عجوزاً أسطورية تقول لفتى إغريقي: (ألم تسمع من يقول: (وكم لظلام الليل عندي من يد) وتلك شطرة شعر عربي لم تكن قيلت بعد حتى يسمعها الفتى المسكين!. . . وهكذا وهكذا من هذه الأمثلة لاستعباد النصوص للمؤلف، واضطراب الجو الأسطوري الإغريقي بما يلقي فيه من ظلال عربية أو إسلامية خاصة لا تتفق مع هذا الجو بحال.

2 -

وأما الفتنة بالأغراب فقد ظهرت كذلك في مواضع كثيرة: فلست ادري لم تنبذ كلمة المرآة ليوضع مكانها (السنجنجل) ولا كلمة نعش ليوضع مكانها (إران) ولا كلمة الظمأ ليوضع مكانها (الجواد) ولا كلمة المساند لتوضع مكانها (الحسبانات). كما لا أفهم أن تكون الفتاة الإغريقية (خدلجة)! ولا جماعة الفتيات (ربربا)

ولي من عاداتي أن أقف للأخطاء اللغوية البحتة ولكنني أنبه هنا إلى غلطات قليلة لعل معظمها من أخطاء المطبعة.

ولكم وددت أن يخلص كتاب الأستاذ دريني من هذا كله ليتم المتاع به في جوه الإغريقي الأصيل!

- 2 -

و (عشاق العرب) إنه هو الآخر ليس (ترجمة) وليس (تأليفاً)! ولكنه في هذه المرة مزاج بينهما عن أقاصيص الحب العربي. فلقد عمد الأستاذ (كامل عجلان) إلى بعض أخبار المحبين المبعثرة في المراجع العربية، التي لا يتيسر العثور عليها لشبان الجيل، أن معداتهم الرقيقة لا تستطيع هضم هذه المراجع الجافة. فصاغ منها قصصاً بأسلوب الحوار. وجعل من الخبر أو من مجموعة الأخبار رواية حب في فصل أو فصول. فكانت من ذلك روايات: حبابة مع يزيد بن عبد الملك. وزينب مع ابن سلام ومع يزيد ن معاوية. ولبنى

ص: 21

مع قيس ثم غادة الهردج مع الآمر بأحكام الله ومع الشاعر ابن مياح (في أربعة فصول)

وأنا اعد هذا العمل خليطاً من الترجمة والتأليف فالواقع أننا حين نعرض بعض النصوص القديمة في أسلوبنا الحديث إنما نقوم بعملية ترجمة من معجم جيل إلى معجم جيل. ومن طريقة عرض قديمة إلى طريقة عرض جديدة. وقد كان هذا القسم من عمل الأستاذ كامل عجلان موفقاً ونافعاً. وهو طريقة من طرق الإحياء لتراث المكتبة العربية.

وأما القسم الثاني فلم يستكمل مداه. ذلك انه افرط في التقيد بالنصوص التاريخية، فلم يتسع أمامه المجال للخلق الفني. وإن يكن حين وسع على نفسه بعض الشيء قد رسم خطوطاً موفقة في ملامح بعض الشخصيات كشخصية (برغش) المهرج في غادة الهودج. وقد نص هو في المقدمة على أن قصده كان مجرد الإحياء والإمتاع بهذا القديم المهجور

فإذا كان معتزماً إخراج مجموعة أخرى كما قال في نهاية الكتاب فوصيتنا إليه أن يخطو خطوة أخرى فيعنى بتصوير الشخصيات الروائية، وتسجيل الانفعالات النفسية، وألا يكتفي بعرض الحادثة التاريخية، بطريقة حوارية. ولعله حين يفعل هذا يستغني عن كثير من الإشارات المسرحية التي كثرت في كتابه لتهيئة الجو للقارئ. فالحوار يجب أن يستقل برسم هذا الجو بطبيعة ألفاظه الموحية لا بالإشارات المسرحية الخارجية.

وبعد فقد استمتعت بهذه القصص. أنا الذي تستطيع معدتي الخشنة أن تهضم أصولها القديمة فما اجدر شبابنا الرقيق اللطيف أن يستمتع بها إذ لا مورد له سواها!

سيد قطب

ص: 22

‌إشهار الرؤوس المقطوعة

في أيام العباسيين

(بقية المنشور في العدد الماضي)

للأستاذ ميخائيل عواد

ثالثاً - رؤوس متفرقة

1 -

الرؤوس في مصر

قال المقريزي في كلامه على دار الوزارة الكبرى: (. . . . . وأخبرني شيخ معمر يعرف الشيخ على السعودي، ولد في سنة سبع وسبعمائة، قال: رأيت مرة وقد سقط من ظهر الرباط المجاور لخانقاه بييرس من جملة ما بقي من سور دار الوزارة جانب ظهرت منه علبة فيها رأس إنسان كبير، وعندي أن هذا الرأس من جملة رؤوس الأمراء البرقية الذين قتلهم ضرغام في أيام وزارته للعاضد بعد شاور؛ فأنه كان عمل الحيلة عليهم بدار الوزارة، وصار يستدعي واحداً بعد واحد إلى خزانة الدار ويوهم أنه يخلع عليهم، فإذا صار واحد منهم في الخزانة قتل وقطع رأسه وذلك في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وكانت دار الوزارة في الدولة الفاطمية تشتمل على عدة قاعات ومساكن. .)

ومما حفلت به سنة 410هـ من الأحداث أن (جرد صاحب مصر جيشاً لقتال صالح بن مرداس صاحب حلب، وبعث الجيش مع نوشتكين التزبري، فكانت الواقعة عند شاطئ نهر الأردن، فاستظهر التزبري وقتل صالحاً وابنه، وأنفذ رأسيهما إلى مصر. . . .)

2 -

الرؤوس في قندهار:

قندهار من بلاد السند. قد وقفنا في بعض أخبار سنة 304هـ على أنه (ورد الكتاب من خراسان يذكر فيه انه وجد بالقندهار في أبراج سورها برج متصل بها، فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش، ومن الرؤوس تسعة وعشرون رأسا، في أذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط ابر يسم باسم كل رجل منهم. والأسماء: شريح بن حيان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمي، الحارث بن عبد الله، طلق بن معاذ السلمي، حاتم بن

ص: 23

حسنة، هانيء بن عروة، عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب ابن الزبير، فرقد بن الزبير السعدي، عبد الله بن سليمان بن عمارة، سليمان بن عمارة، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل، ابن لهيل بن عمرو، عمرو بن حيان، سعيد بن عتاب الكندي، حبيب بن أنس، هرون بن عروة، غيلان بن العلاء، جبريل بن عبادة، عبد الله البجلي، مطرف بن صبح، ختن عثمان بن عفان (رض) - وجدوا على حالهم إلا أنهم قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغير، وفي الرقاع من سنة 70 من الهجرة).

رابعا: الطواف بالرؤوس في الآفاق:

هذا لون آخر من ألوان عرض الرؤوس، فقد كانت تنصب ببغداد أياما فوق الأماكن البارزة ثم تحط، فمنها ما يستقر في خزانة الرؤوس، ومنها ما يرسل به إلى البلدان فيعرض في كل بلد وكورة، فيكون عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن تسول له نفسه الخروج عن طاعة أمير المؤمنين. وكانت من هذه الرؤوس:

1 -

رأس محمد بن عبد الله:

روي الطبري في حوادث سنة 145 هـ: (حدثني عيسى (بن عبد الله) قال: حدثنا ابن أبى الكرام. قال: بعثني عيسى برأس محمد وبعث معي مائة من الجند. قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النجف كبرنا. قال: وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصر هرون بن سعد العجلي. فقال أبو جعفر للربيع: ويحك ما هذا التكبير؟ قال: هذا ابن أبى الكرم جاء يرأس محمد بن عبد الله قال: أؤذن له ولعشرة ممن معه. قال: فأذن لي، فوضعت الرأس بين يديه في ترس. . . .، حدثني علي بن صالح ابن ميثم. قال: لما قدم برأس محمد علي أبى جعفر وهو بالكوفة أمر به فطيف به في طبق أبيض، فرأيته آدم أرقط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق).

2 -

رأس بابك الخزمي

كان ظهور بابك الخزمي في أيام المعتصم، وقد أشتهر أمره وذاع صيته وكثر أتباعه، فهابته أمراء النواحي والأطراف، وبالغ في الظلم والعيث والفساد، وكان المعتصم يوم ذاك مشتغلاً في بناء سامراء، العاصمة الجديدة لبني العباس، فصبر له، حتى إذا فرغ من هذا

ص: 24

الأمر، سير إليه الجيوش وعليها الأفشين، فاتصلت الحرب بين الطرفين مدة، حتى ضاق الأمر على بابك ثم دارت الدائرة عليه فوقع أسيراً هو وأخوه وجماعة من أصحابه، فجئ به مقيداً مشهراً. قال المسعودي يصف مشهد قتل بابك، (ووجدت في كتاب أخبار بغداد أنه لما وقف بابك بين يدي المعتصم لم يكلمه ملياً، ثم قال له: أنت بابك؟ قال: نعم أنا عبدك وغلامك؛ وكان أسم بابك الحسن، واسم أخيه عبد الله. قال: جردوه؛ فسلبه الخدام ما كان عليه من الزينة، فقطعت يمينه فضرب يمينه فضرب بها وجهه، وفعل مثل ذلك بيساره، وثلث برجليه، وهو يتمرغ في النطع في دمه؛ وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله، فلم يلتفت إلى قوله وأقبل يضرب بما بقي من زنديه وجهه. وأمر المعتصم السياف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه اسفل من القلب ليكون أطول لعذابه ففعل، ثم أمر بجز رأسه وضم أطرافه إلى جسده، فصلب ثم حمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر، وحمل بعد ذلك إلى خراسان فطيف به كل مدينة من مدنها وكورها؛ لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره وعظيم شأنه وكثرة جنوده وإشرافه على إزالة ملك وقلب ملة وتبديلها. وحمل أخوه عبد الله ما فعل بأخيه بابك بسامراء. وصلب جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي سامراء، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بكنيسة بابك. . .)

3 -

راس الحلاج:

للحسين بن منصور الحلاج أخبار غريبة أسهب الكتبة فيها، حتى إنهم صنفوا كتباً شرحوا فيها دعوته وأعماله وأقواله ويهمنا في هذا المقام خبر رأسه. فقد روى ابن الجوزي في ترجمته للحلاج، قائلاً:(. . . . فلما أصبح يوم الثلاثاء لست بيقين من ذي القعدة (سنة 309 للهجرة) أخرج ليقتل. . .، وضرب ألف صوت، ثم قطعت يده ثم رجله وجز رأسه أحرقت جثته، وألقى رماده في دجلة. . .).

ثم أشار أبو الفرج إلى مصير الحلاج في حوادث سنة 310هـ، فقال:(وفي يوم الاثنين سلخ ذي القعدة، أخرج رأس الحسين بن منصور الحلاج من دار السلطان ليحمل إلى خراسان).

وعلى هذا فإن رأس الحلاج مكث سنة كاملة ضيفاً على خزانة الرؤوس.

ص: 25

ميخائيل عواد

ص: 26

‌هذا العالم المتغير

للأستاذ فوزي الشتوي

معجزة الأبحاث الروسية

12 رجلاً يعودون إلى الحياة

أذاعت جريدة برافدا الروسية أن الطب تمكن من إعادة الحياة إلى 12 جندياً من 51 بعد وفاتهم. وأبرق المراسل الحربي لإحدى الجرائد الأمريكية بتفاصيل الخبر، فأيده وتمت هذه العمليات في خطوط القتال الأمامية، وتحت وابل من قنابل المدافع. فأن الأطباء الروسيين يستغلون الحرب الحالية وكثرة ضحاياها ليجروا من التجارب ما يستحيل التفكير فيه في زمن السلم

ويشرف على هذه التجارب الدكتور نيجوفسكي من معهد الاتحاد السوفيتي للطب التجريبي، فبعد ما ظهر على المصابين جميع علامات الوفاة أجريت معهم تجربة جديدة للتنفس وتغذية أجسامهم بالدم. فدفع الهواء إلى الرئتين مباشرة كما غذى الجسم بالدم عن طريق وريد يؤدي إلى القلب، لا عن طريق شريان

وتقول جريدة برافدا أن التجربة تمت على أساس النظرية القائلة إن الإنسان في الدقائق الأولى لوفاته يكون قريباً من الحياة، فيتاح إيقاف الموت أن اتخذت الخطوات الموفقة لإعادة القلب والرئتين إلى عملهما. وبذلك يستعيد الضغط الدموي بناءه، ويمتنع انحلال الجهاز العصبي.

ويقول الأطباء الذين أجروا هذه التجارب أن خطواتها يجب أن تتم بأقصى سرعة لأن الجهاز العصبي يتعرض لعدة تغيرات يتعذر تصحيحها أن حدثت في الدقائق الخمس أو الست بعد الوفاة. ولهذا كان من الضروري أن يكون الطبيب سريع التقدير كثير النشاط في التنفيذ

ولم تكن هذه التجربة الأولى من نوعها، بل سبقتها عدة تجارب بلغ عددها 250 تجربة على الكلاب. وتقرر في نهايتها أن إعادة الحياة ممكنة في بعض الحالات بواسطة منفاخ يدفع الهواء مباشرة إلى الرئتين، وبنقل الدم في وريد متصل بالقلب حتى يستطيع الدم تنبيه

ص: 27

عضلاته.

وقال الأطباء إن نقل الدم بالطرق العادية ومثله عملية التنفس الصناعي كانتا عديمتي القيمة في حالة حدوث الوفاة. وقد اثبت هؤلاء الأطباء صحة أقوالهم بعدة محاولات لم تسفر عن أية نتيجة.

وذكرت جريدة برافدا حالة الجندي الروسي الكسندر نوزوف. فأنه أحضر إلى مستشفى الميدان بعدما أطارت قنبلة إحدى ساقيه. وظل في حالة نزع مدة 14 ساعة، كان تنفسه أثنائها غير عميق، وقال الأطباء أن النبض كان ضعيفاً جداً يتعذر الإحساس به. استمر الأطباء في علاجه مدة 12 ساعة، فنقلوا إليه الدم، وحقنوه بالكافور والكافيين بدون جدوى. وأخيراً فقدوا كل أمل في إنقاذه وخصوصاً عندما بدأت أعراض الموت تظهر عليه

وعندئذ تسلمه الدكتور نيجوفسكي ومساعدوه وأجروا عليه تجاربهم. واستعملوا الطريقة الحديثة بنقل الدم إلى الوريد بدلاً من الشريان فأستعاد القلب تأديته لوظيفته. وفي الوقت نفسه أجريت عملية التنفس الصناعي بدفع الهواء إلى الرئتين مباشرة فتحسنت صحة المريض كثيراً، فأتيح لأحد الجراحين إجراء عملية الساق بدون صعوبة. وبعد يومين استعاد المصاب من القوة ما يكفي لنقله إلى مستشفى في مؤخرة الميدان

لقاح للسل

أوشكت مشكلة الإصابة بمرض السل أن تصل إلى علاج ناجح بعد تقرير قدمه الدكتوران والاس بروك وروبرت داي من مستشفى هوبكنس أنهما توصلا إلى العثور على اللقاح المضاد للسل. فأنهما اكتشفا عدداً من الأحياء الميكروسكوبية في فأر الحقل البريطاني. وهذه الأحياء من نفس عائلة الميكروبات التي تسبب السل للماشية والطيور وللإنسان

وبتطبيق الطريقة القديم الناجحة التي أدت إلى الوقاية من الجدري الخبيث باستعمال لقاح جدري الأبقار يتوقع العلماء أن يقوا الإنسان مرض السل باستعمال قريبه الذي يوجد في الفيران كمادة لقاح

وأجريت عدة تجارب على حلوف جويانا لاختبار أثر هذه اللقاح الجديد، فلوحظ أن عدوى السل تأخرت مدة طويلة كما لوحظ عند ظهور أعراضه أنه لم يكن قاسياً. وتقدمت التجارب مرحلة أخرى لتطبيقها على الإنسان فأعلن في التقارير الطبية أن حقن اللقاح

ص: 28

تحت الجلد أو في الأوعية الدموية في الإنسان يؤد إلى زيادة وطأة المرض

وتقول التقارير الأخيرة إن نتائج تجربة استعمال لقاح الفيران للوقاية من السل البشري نجحت تجاربها في حالات قليلة عرضت فيها القردة للعدوى فلم تصب بالمرض مما شجع الباحثين على الاستمرار في تجاربهما

من الطباق الرديء

يتجه العلم الآن إلى الاستفادة من كل حاصلات الأرض على أحسن وجه. ويهتم بهذه الناحية علم جديد يطلقون عليه اسم هندسة الكيمياء. فالمواد التي نلقيها، وخصوصاً النباتية من لحاء الأشجار وغيرها، تحلل إلى عناصرها الأولية، وتصنع منها مواد جديدة جيدة لفائدة الإنسان في الناحيتين الصناعية والغذائية.

ويتنبأ علماء هذا العلم بأن أنواع الطباق الرديئة لن تستعمل لأغراض التدخين، بل ينتظرها مستقبل احسن وأخطر، فيستخرجون منها الشمع والأصباغ وزيوت لمعمل الصابون، ويستخرجون من البذور زيوت الطباق والمنيكوتين، أما الألياف فتصنع منها لوحات للحوائط

طماطم بدون بذر

توصل أحد الأخصائيين في الزراعة من جامعة كاليفورنيا من استنبات طماطم بدون بذور داخلها. والمهم في هذا الاستنبات انه ينتظر أن يؤدي إلى نتائج كبيرة القيمة في توليد نباتات أخرى تكون ذات قيمة أكبر ومحصول أوفر وأقل نفقة

ويقول مستنبت هذه الطماطم إنها كانت تمتاز عن مثيلاتها من ذوات البذور بقوتها وكبر حجمها وخصوصاً في آخر فصل الحصاد

وفي سنة 1943 تيسر الحصول على ثلاثة مستنبتات مختلفة من الطماطم الخالية من البذور، والتي ينتظر عندما تقدم للأسواق أن تكون غالية الثمن

في 10 دقائق يجدد الإطار

من المشاكل التي يواجهها العالم في الفترة الحالية الحاجة إلى إطارات المطاط للسيارات، فإن نشوب الحرب في الشرق الأقصى حرم العالم من الموارد الطبيعية لهذه المادة

ص: 29

الضرورية لأدوات النقل حتى أسرعت الدول إلى صقل صناعة المطاط الصناعي، وكان إصلاح إطارات السيارات من المسائل المعقدة، يحتاج ترميمها وإصلاحها إلى وقت طويل

ووصل أخيراً أحد مهندسي مصلحة الحرب البريطانية إلى استنباط وسيلة يتاح بها إصلاح الإطارات في مدة 10 دقائق، فتمتد حياتها إلى 100. 000 ميل أخرى. وذلك باستعمال الإليكترونات الكهربائية في ترقيع الأجزاء البالية من الإطارات فتعيدها جديدة إلى حالتها الأولى. وتضيف هذه الآلة المقدار اللازم من المطاط بطريقة آلية بصرف النضر عن كبر الجزء البالي أو صغره.

فوزي الشتوي

ص: 30

‌القصص

2 -

الجارم البريء

للأستاذ حبيب الزحلاوي

ركنت إلى الريف أبيع سلعي لا أنفق إلا نادراً في شراء سيجارة أو كوبة شراب أو إرضاء رغبة متواضعة، وإن هبطت المدينة فإنما أهبطها لأدفع ما علي من دين لعميلي أو أودع في المصرف ما يتبقى معي من مال

أخذت أرقام ريالاتي تزداد أسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر، فصرت أسخو بتحويل عشرات منها لوالدي ولأنيسة

لم يكن شيء في الوجود يعادل فرحي حينما كنت أقرأ كتاباً وارداً من والدي يقول أبي في خاتمه، (أما خادمتك أنيسة فتهديك السلام وتقبل يدك).

كنت اغتفر لوالدي تمسكه بعادات أصيلة واعتبارات تقليدية في كينونة المرأة، وكنت أطلق أعنة خيالي تجول في عوالم الرؤى أتصور نفسي ملقى عند أقدام (خادمتي) أنيسة أقبل يديها.

اجل يا صاحبي كنت ابعث بكتاب فيه تحويل مالي وألحف في طلب وصل بالاستلام لأقرأ تحيات بريئة ساذجة ولازمة مستحبة لا يحيد والدي عن تسيطرها بالنص الواحد في كل كتاب: (خادمتك أنيسة تهديك السلام وتقبل يدك).

اتقدت نيران الحرب العالمية عام 1914 وامتدت ألسنتها المحرقة إلى جميع أرجاء العالم القديم، أما العالم الجديد، ة برغم اشتراكه فيها في الساعة الأخيرة، فقد راجت أسواقه التجارية وعم الرخاء كل الناس. كنت أن أعجب من شيء فعجبي من أخبار كانت تنشرها صحفنا العربية في أمريكا عن بؤس الناس في لبنان وموت بعضهم جوعاً، ولم يكن يخامرني شك في أن أنيسة المحبوبة ووالدي العزيزين ابعد من أن ينالهم ما ينال الناس الذين تكلمت الصحف وأطالت في وصف حالهم!. انقطعت أسباب الاتصال بيني وبين أهلي، ولكني كنت أغالط نفسي، أتعمد المغالطة، فأرسل الرسائل والتحاويل المالية كالعادة إليهم بدون انقطاع، واتهم إدارات البريد بالتقصير في القيام بالواجب، وكنت أطمئن إلى المغالطة المستحبة لتحيد بي عن مجابهة الحقيقة. وما كادت أجراس الهدنة تدق معلنة

ص: 31

رجوع الإنسان إلى وعيه وانعتاقه من وحشيته التي لابسته طوال أربعة أعوام، حتى عقدت العزم على العودة إلى الشرق. عند سفري إلى أمريكا كان الأمل يحدوني، وقد افتر لي ثغره وابتسم، فصار حين عودتي منها إلى وطني يحدوني الشوق والفرح، فهل ينضحاني يا ترى بأنداء السعادة؟ كنت في الذهاب استحث الباخرة لتصل بي إلى ميدان الجهاد والعمل، وقد توسلت إليها في الإياب أن تسرع السير لأصل إلى مقام الحبيبة، مقر الوالدين، فهل يلازمني الحظ في هذه المرة أيضاً؟ كان دنو الباخرة من الشرق ينسل خيوطاً من غشاوات غالطت نفسي في تبين ما وراءها، ويلقيني في غبش صبح يتنفس الريب والشكوك، وكثيراً ما كنت أستيقظ من أحلامي، وانفض صور الذعر واطرد الخيالات المرعبة، ولكنني كنت أتجلد وأبتسم!. كل شيء في ميناء الوطن باق على ما كان عليه، إلا مظاهر مجلوبة، ورطانة مقتبسة، يممت المدينة، لم ألتفت إلى همة ناشطة في حركة البناء والتعمير، بل شقت سيارتي طريقها إلى الجبل. صدمتني مشاهد بيوت خربة وقرى مهجورة، أما قريتنا (كفر شيما) مسكن الحبيبة أنيسة فقد كانت مثالاً بارزاً للأطلال الدارسة. أين أبي وأمي؟ أين أنيسة؟ أسأل الجار ولا جار، وسألت الناس وإذا بهم غير الناس. جبت الدساكر المتناثرة حول القرية. لجأت إلى دير (القرقفة) إلى القساوسة، استعنت بالعجائز على التعرف على أهلي وأقربائي ففزت منهم بفيض من الأخبار المرتجلة والأكاذيب المفتعلة، والحيرة الكبرى!؟ ذهبت إلى مدينة (زحلة) أسال عن أمي وأبي فقيل لي: إنهما رحلا عن المدينة منذ سافرت! قد يكون الموت اخترم والدي الشيخين، ولكن أنيسة، الريانة الشباب، الغريضة الصبا، هل يقوي الموت اللعين على أن يمد لها يداً؟ هذا محال بل المحال هو هذا! نهض من مكانه يتمشى بخطوات واسعة، ولما عاد إلى مجلسه كنت أتخيل إمارات الهلع ترتسم على محياه فتحل عقدة صبره، وإذا بجبينه تعلوه مسحة من أمل. فقال بصوت حازم: لا يستنيم الأمل في نفسي ولا يهجع. سأترصد الرجاء وأقاوم شبهات اليأس، وأجد أنيسة. سأجدها لأني أرى بصيصاً من روحها يشع في أعماق نفسي، وأصغي إلى هاتف روحها يدعوني، إذن سأجدها. استعادتني أشغالي المتعطلة إلى أمريكا. . . استغرقتني الأعمال أو كادت تنحرف بي عن اتجاه بصيص أمل كنت أتطلع إليه. كان خيال (أنيسة) يلازمني دائماً، في الفراغ وفي العمل، ولم اكن أذكر والدي

ص: 32

المسكينين إلا قليلاً، أستنزل عليهما الرحمة أو أكلف قسيساً إقامة الصلاة على روحيهما. لم يكن نداء أنيسة آتياً من وراء المجهول، بل كنت أسمعها وأراها وأحس بها تتقلب على اذرع الوجود! هل تزوجت؟ أشقية هي؟! وفي يوم من أيام ربيع عام 1937 لج بي لاعج خفي فنازعتني نفسي ودفعت بي - على الرغم مني - إلى العودة إلى الوطن أعيد الكرة في الاستقصاء والاستخبار. لم أمهل عقلي ليهديني إلى الممكنات ويريني المستحيلات، بل لبيت الهاتف الخفي وعدت إلى لبنان. وفي صبيحة يوم بينما كنت أصعد الجبل إلى كروم العنب والتين، إذا بي ألقى فتاة تحمل سلة على كتفيها مغطاة بورق الدوالي. نظرت إليها فإذا بها وضاحة المحيا، ساجية الطرف، مليحة المعارف. استوقفتها فأجفلت. لمحت في عينيها نور نفس أنيسة. صرخت على الرغم مني: أنيسة، أنت أنيسة.؟!

وقفت الفتاة مبهوتة تجيل نظرة حيري من عينين عقيقيتين مغرورقتين بدموع وقالت: لست أنيسة يا سيدي، بل اسمي أنا يمنى، أسمي يمنى.

يمنى! يمنى من! أين أمك ومن هو أبوك؟

ألقيت أسئلتي بنبرات سريعة جافة كادت تربك الفتاة، ولكني استدركت الأمر بتهدئة اضطرابي فتعمدت الابتسام لأدخل الطمأنينة على نفسها، فقلت هل لك أن تحدثيني عن والدتك وأين هي الآن؟ قالت بصوت مختنق: تعيش أنت يا سيدي! لقد ماتت أمي ومات أبي من زمن بعيد. قلت: أتذكرين صورة أمك وما وصفها؟ قالت مات والدي قبل اكتمال وعيي، وكل ما أعرفه عن أمي أنها ماتت نفساء وأنها تدعى أنيسة الخشناوي، أما أبي فارمني لا يحسن أحد نطق اسمه. واستطردت كأنها أحست تشوقي إلى الاستطلاع فقالت: إن عائلة بطرس بك قد ضمتني إليها، وقد نشأت واستيقظت نفسي بين أولاده وخدامه.

كادت عبارتها في وصف يقظة نفسها تشغلني من غرضي وقد أحسست بعاملين قويين وثبا علي وأغارا على مشاعري: عامل الأمل، وقد تحقق بلقيا هذه الفتاة التي لاشك أنها ابنة أنيسة، وعامل نفساني يماثل يقظة الحب التي استيقظت حين رأيت أمها إلى جانب والدتي ساعة الوداع في الهجرة الأولى. رافقتها إلى بيت مخدومها، وإذ كنا في الطريق كنت ألمح فيها الطمأنينة الطفل إلى جوار أمه، وكانت الأفكار، والصور، والتخيلات، ومرائي الماضي والحاضر والمستقبل تتعاقب على ذهني فتزدحم فيه وتكتظ. طلبت من بطرس بك

ص: 33

يد خادمته (يمنى) فلم يمانع في الطلب بل علقه على الرضا زوجته التي كان يعز عليها فقد خادمتها اليتيمة التي لا تليق بمقامي المرموق. لم ادع (يمنى) تشعر طوال أيام الخطوبة أنى كنت أعرف أمها، وقد غام أو كادت تمحي من ذهني صور الماضي التي تقمعت وانبثقت متجسدة في شخص (يمنى). أخذت أوقظ نفسها وأشعرها، رويداً رويداً، بوجدانها الذاتي كإنسان له كامل الحق في وجوده وحريته في الحياة. كانت تصغي إلى أقوالي بوعي وتتلقفها بعينيها، صرنا نقرأ الكتب فاندمجت روحها بروحي، وما عتمت أن تحولت من تلميذة نجيبة إلى فتاة تدرك وتدري وتتذوق وتتمرد. كم تمنيت مطاولة الزمن لأيسر لها مجال الروح في حلبة الحياة بدراية وفرح، وكنت أنسى فوارق العمر وقد ناهزت الخمسين، وهي تشرف على العشرين. لذلك أسرعت إلى عقد إكليلي وقد تطوع بطرس بك وزوجته أن يكونا (إشبينينا) في الزوج، وقد أصرت زوجة بطرس بك على إلباس عروسي (فروة) المشيخة إجلالاً لفتاة يتيمة انتقلت إلى مصاف الطبقة العليا.

صمت محدثي قليلاً وقد علت وجهه سحابة غبراء، ولكن ما لبث حتى أشرق جبينه وقال: جعلت أن أنا الرجل الكهل فاتحة غرام لزوجتي الصبية وقلت: أترى تكون بنيتي هذه خاتمة غرامي كما كانت مقدمة كتاب حياتي؟ كان مجرد هذا الخاطر وقد داهم ذهني ليلة الزفاف، كافياً لأن يبعث في حيوية بكراً، ويدفعني إلى أن آلي على نفسي وقف وجودي وما أملك على زوجتي ابنة حبيبتي. كم تمنيت في ساعات الغبطة والهناءة التي كانت تقضيها زوجتي على أن تطبق بأصابعها أجفاني فأنام اسعد نومة أبدية، ولكن سرعان ما كنت أنتفض مذعوراً إذ أتخيل استجابة أمنيتي فاقبض بذراعي القويتين على جسم زوجتي البض اللدن أتشبث به كالطفل، أتمتم بكلمات متقطعات أغمغمها بلا وعي استحياء منها ومن نفسي الملتاعة. لا تعجب يا صاحبي إذا قلت لك أني أحيا بشخصيتين، وأعيش بماضيين، وقد كنت أقوى على صهر زوجتي في بوتقة لا دخل فيها ولا زيف، وعرفت السعادة معرفة حسية، واستبدلت أنواعاً منها عامة شائعة بنوع لدنى روحي بحت. أذكر يا صاحبي فوارق العمر، تنوع الاختبارات، ولا تنس فواصل العقل ونزعات المشاعر، ولك أن تقدر بعد هذا اضطرابي وخلجات نفسي ووساوسي ليست سوى مجرد أوزان قلقة لرجل شارف الخمسين من عمره ليعيش في جنون العشرين. ضحكت طويلاً من الزمن وانتقمت

ص: 34

كثيراً منه! وسخرت من تقديرات أناس يعيشون في الضباب ويقدرون علة في زهرة لم تتفتح أوراقها في الربيع، حاسبين وجوب انطباق علم النبات على علم الإنسان، جاهلين النفس وعجائب الغريزة وأسرار الروح، وقد تفتحت أكمام روحي في غبر فصل الربيع. سنحت التفاتة مني فلقيت رفاق الباخرة، الأمريكان الطلعة مشرئبين كان أعناقهم تمتد إلينا لتسمع آذانهم حديثنا، وكانت هذه الالتفاتة سبباً لانتشال محدثي من أعماق نفسه. أشعل لفافة وأخذ ينظر إلى حلقات دخانها تغني في الهواء. لم أكن أجرؤ على مطالبته بإتمام حديثه. أطفأ سيجارته ثم التفت، فلمحت ابتسامة باكية ترتسم على فمه وقال: انقضى الصيف والخريف، ثم الشتاء والربيع، وأنا قابع في داري ارتع بنعم تفيضها علي زوجتي المحبوبة، مشمولاً بعناية خاصة منها، وكانت كلما طمأنت نفسي بالغبطة تهيئها بغريزتها لغبطة جديدة، وهكذا كنت أرى الأوضاع مقلوبة كأني أنا ولست هي الطفل الخليق بالتدليل! لم اكن زوجاً بل أباً، ولم تكن لي سوى أبنه معبودة وكان هذا الإحساس المختلط يحفزني إلى إشعارها بأني زوج قبل كل شيء، وكان الحياء يصدني تارة، وتارة أخرى يدفعني إلى إثبات رجولتي وكان من جنوني كلما داهمني إحساس تخاذل أو فتور، إنما الشعور بالتخاذل في مثل هذا الحال يخلق الحركة العنيفة دون وعي، أطلقت السيادة للجسد، وجعلت العقل خادمه المهمل، أسمع يا صاحبي لا شيء يجعلنا ننحرف عن سبيل هدى الطبيعة سوى عنعنات العقل، أليس كذلك؟ واستطرد. كدت أغرق عند شاطئ الغريزة غير حاسب إنها أوسع وعياً من إدراك الحكيم! أقول لك يا صاحبي إن الغريزة امرأة، والمرأة إرادة والإرادة تحايل على البقاء والخلود، ولكل هؤلاء غاية واحدة هي (حفظ النسل) وقد تجمعت هذه الادعاءات وانسجمت متوحدة في ذهني حين همست زوجتي في أذني، (إنا سنصبح أبوين) سوف أصبح أباً؟ يا لجنون السرور، بل يا للسرور المجنون! أحقاً يكون لي ولد له لطف الملائكة ولغتهم وصفاء السماء وتفتح الزهرة؟ إذن سأسميه باسم المرحوم والدي سيبقى اسم عائلتنا بعدي إلى الأبد، ولكن أتراني أعيش حتى أراه رجلاً يستعجله الطمع في الاستيلاء على أموالي؟ سيان عندي. . . سأعود للعمل وأضاعف ثروتي لا لتكون حجاباً بين ولدي الفاقة، بل سلماً يتوقل عليه ليبلغ قمة المجد الزمني. هذا ما جال في خاطري ساعة وافتني البشرى السعيدة. غدوت يا صاحبي في فردوس من الغبطة والسعادة يرف على خمائلها

ص: 35

خيالي الفياض، وتبدع في زخرفتها وتنميقها تصوراتي. لم اكن ذلك الراعي وقد صدمت هراوته جرة السمن فاندلقت أحلامه، وتلاشت آماله وأمانيه، بل كنت ذلك المحارب الهمجي الظافر لم يصده التهم عن الأسلاب والسبايا ولم ينتقص الحرص والحيلة من ادخاره استعداداً لحرب مقبلة. عادت إلي أطماعي طافرة وتنبهت هواجسي وظنوني، خلت الأيدي التي تعمل في إدارة أعمالي تنهب خيراتي، وصور لي شيطان الحرص أن عمالي الأمناء ائتمروا بوالدي ليحرموه ما كسبته طوال أعوام الشباب بعرق الجين وادخرتها له وحده!

(البقية في العدد القادم)

حبيب الزحلاوي

ص: 36