المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 611 - بتاريخ: 19 - 03 - 1945 - مجلة الرسالة - جـ ٦١١

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 611

- بتاريخ: 19 - 03 - 1945

ص: -1

‌سؤالان وجوابان

للأستاذ عباس محمود العقاد

كتب إلى الأديب (علي الشوكاني) في البصرة يقول:

(كنت أقرأ المقدمة الممتعة التي صدر بها المستر هـ. ج ولز كتاب المستر فرانك سونرتن فوقفت أمام قوله: إنه باعتباره كاتباً ينتمي إلى مدرسة، وباعتباره قارئاً ينتمي إلى مدرسة أخرى، كما يتفق أن يشتغل الإنسان بالآلات البصرية ثم يعني بجمع الآنية الصينية القديمة. . . وهو قول يحتمل التأييد والتفنيد على السواء، ولا ينحصر الاعتراف به في الكاتب الإنجليزي الأشهر وحده بل يتعداه إلى أدباء كثيرين. ولكن هل تختلف عند الكاتب الواحد بوجه عام أهداف الكتابة وأهداف القراءة؟ وهل يصح مثلا أن يحيا عقله في دنيا تخالف كل المخالفة أو بعضها تلك التي يحيا فيها بقلمه؟ وهل ثمة تعليل مقبول لهذا التباين الواضح بين دنيا العقل ودنيا القلم؟. . .

هذا ما أرجو أن تتفضلوا بشرحه على صفحات الرسالة الغراء أحد ميادين الأدب الخالد، وإني الشاكر الحامد. . .)

والذي نعتقده أن هذه الحالة معقولة لا غرابة فيها، وليس من وجه لاستغرابها إلا أن ترى أن الإنسان لن يقرأ إلا ليكتب ولن يشتغل بموضوع إلا الذي يشتغل به قراؤه، وكلاهما مخالف للواقع المشاهد في كل مطلب وكل بيئة.

فمن الناس كثيرون يقرأون ولا يكتبون، وليس الكاتب ببدع بين القراء في مطالعته. فيجوز إذن أن يقرأ في موضوعات لا ينوي الكتابة فيها ولا يهمه أن يعقد التفاهم عليها بينه وبين قرائه.

كذلك يصح أن يشتغل الكاتب بشؤون كثيرة لا يشتغل بها قراؤه ومريدوه. فربما كان من هؤلاء القراء من يتلقى عنه تجاربه الخاصة التي يشرح فيها ما جرى له ولا يشرح فيها مطالعاته ومعارض درسه، وربما كان منهم من يقرأه لأنه حلقة بينه وبين جيل مضى من المؤلفين والكتاب، فيكون الكاتب حينئذ كالقنطرة الثقافية بين شاطئ وشاطئ مفترقين.

ومن المعهود بيننا أن الشاعر لا يقرأ الشعر دون غيره، وأن الفيلسوف لا يقرأ الفلسفة دون غيرها، وأن المصور قد يقرأ الروايات والروائي قد يجمع الصور ويدرس التصوير.

ص: 1

ومن تجاربي التي أعلمها في الكتابة والقراءة أنني أقرأ كثيراً في موضوعات لا أطرقها ولا أنوي أن أطرقها إذا كتبت للتأليف أو للصحافة ومن هذه الموضوعات طبائع الأحياء وعجائب النبات ورحلات الأقدمين والمحدثين، وما من خليقة إنسانية أعرفها إلا أحببت أن أقابل بينها وبين نظائرها في عالم الحيوان أو عالم النبات ولكني لا أفعل ذلك تمهيداً للكتابة عنها وإن جاءت الكتابة عرضاً في بعض المناسبات.

وما زالت المطالعة ملجأ نفسياً للمطالع يأوي إليه ويحب أن يخرج إليه من شواغل دنياه. فالرجل المشغول بالمسائل الطبية أو الاجتماعية أو السياسية يروقه أن يخلو ساعة من الساعات بالشعر أو بالقصة أو بكتاب من كتب الإيمان والعقيدة، وهو إذا قرأ في كتب الإيمان والعقيدة لا ينوي من ثم أن يبشر بالدين أو يؤم الناس في الصلاة، ولكنه يستريح من حال إلى حال، ويدع الدنيا هنيهة لينفرد بضميره أو بتفكيره في مناجاة لا علاقة بينها وبين الناس.

فالاختلاف بين العالم الخاص والعالم العام في كثير من الأوقات معقول لا غرابة فيه، ومن قبيل هذا الاختلاف أن يختلف ما نقرأ وما نكتب، وأن يختلف ما يعنينا وما يعني قراءنا، فهم يقرأوننا نحن ونحن لا نقرأ أنفسنا، بل نقرأ غيرنا ولا يلزم أن يكونوا معنا طرازاً واحداً لا تنوع فيه.

لكن ينبغي أن نفرق بين هذا وبين القول بأن الكاتب يعيش في عالم غير الذي يقرأه ضرورة لا محيص عنها.

فإذا وجد من يقرأ أبا العلاء ويكتب في القانون فلا مانع ولا شذوذ، ولكنه لا يحرم عليه أن يقرأ أبا العلاء ويكتب في الزهد والأخلاق أو العقائد والديانات.

ومن البصرة أيضاً جاءتني رسالة ختمها كاتبها الأديب (الفريد سمعان) من طلبة المدرسة الثانوية بسؤال يقول فيه:

(. . . هل يكتفي الأديب أو الذي يريد أن يصبح أديباً بمطالعة الكتب التي تصدر في العصر الحاضر دون الرجوع إلى الكتب القديمة والاعتماد على المخطوطات السالفة؟)

وهذا سؤال مفيد.

وجوابه أن الاكتفاء بأدب العصر الحاضر مستطاع ولكنه ليس بأفضل الحالات.

ص: 2

وتقاس حاجات النفس على الجسد بغير اختلاف يذكر في هذا المقام.

فالرجل الذي يكتفي بمحصول أرض واحدة يعيش ويأخذ بنصيبه من الحياة، ولكنه ليس بأوفى نصيب وليست عيشته الجسدية كعيشة الرجل الذي يغتذي بمحصولات البلاد على تنوعها ويأخذ من كل محصول خير ما يعطيه.

وقد يوجد في الأدباء من يكتب أو ينظم وليس له اطلاع واسع على أدب عصره ولا على آداب العصور الأخرى.

وكذلك يوجد في أقوياء الأجسام من يأكل الطعام الغث ويستفيد منه لجودة هضمه وانتظام وظائف جسده.

ولكننا عندما نضع قواعد الصحة وأصول التغذية لا نقول للناس كلوا الطعام الغث واعتمدوا عليه في تقوية الأبدان وتنظيم وظائف الأعضاء.

وعلى هذا القياس نفسه لا نقول للناس عندما نضع قواعد القراءة وأصول التثقيف والتهذيب إن الاطلاع وترك الاطلاع يستويان.

فالانتفاع بالطعام الغث شذوذ لا يقاس عليه. ومثله في الشذوذ أولئك الذين ينظمون أو يكتبون ما يحسن أن يقرأه القارئ دون أن يرجعوا إلى أدب العصر أو آداب العصور.

ومما لأمراء فيه أن الرجل الذي ينتفع بالطعام الغث يزداد انتفاعه بالطعام الجزل كلما وصل إليه، وأن الرجل الذي ينظم أو يكتب بغير اطلاع يترقى في منازل الأدب كلما استوفى حظه من المطالعة والدرس والمراجعة.

فالاكتفاء بالقليل من الأدب جائز كالاكتفاء بالقليل من كل شيء، ولكنه القليل في الحالتين ولن يكون شأنه كشأن الكثير.

ومن الحسن جداً في هذا الباب أن نذكر أن الأديب قيمة حيوية أو قيمة إنسانية قبل أن يكون قيمة لغوية أو قيمة فنية أو تاريخية.

ويغنينا تذكر هذه الحقيقة عن الجدل أو عن اللبس في كثير من الأمور.

فالذين يقولون إن الطبيعة هو وحي الشاعر الأول الذي لا يحتاج بعده إلى وحي الصناعة:

أو الذين يقولون إن البلبل يوحي إلى الشاعر بتغريده. وإن الوردة توحي إليه بنضرتها، وإن الشفق يوحي إليه بألوانه وظلاله وخفقات الهواء فيه. . .

ص: 3

كل أولئك خلقاء أن يذكروا أن القريحة التي تستفيد من تعبير عصفورة أو تعبير زهرة تستفيد ولا شك أضعاف تلك الفائدة من تعبير أبي الطيب وهوميروس وابن الرومي وبيرون وعمر الخيام، لأن قصائد هؤلاء تعبير عن الطبيعة الحية وليس قصاراها أنها لفظ يقال أو أنها فن يصاغ.

فالاطلاع على ثمرات القرائح اطلاع على ثمرات الحياة، وكلما اتسع النطاق اتسع التعبير وتنوعت الثمرات، لأنك لا تعرف الحياة الإنسانية بالإطلاع على أبناء زمانك الذين يشبهونك ويتلقون معك الشعور من مصدر واحد، ولكنك تعرف الحياة الإنسانية حق عرفانها إذا عرفت الصلة التي بين العصور المختلفة والأقطار المتباعدة، وعرفت الواشجة التي تجمع بينها على تعدد المصادر وتفاوت المؤثرات.

وليس هذا بميسور لشعراء العصر الواحد، وكيفما كان نصيب هؤلاء فهو ولا جدال دون النصيب الذي يظفر به قراء جميع العصور.

عباس محمود العقاد

-

ص: 4

‌من مئذنة القصبة

لأمير الأمراء السيد حسن حسني عبد الوهاب

وزير القلم بتونس

من كوة هذه المئذنة الحفصية العتيقة - مئذنة جامع القصبة القائم في قلب مدينة تونس - يرسل المتأمل بصره فتتجلى له (الخضراء) كأنها برنس أبيض مفروش على شاطئ.

وأول ما يشخص أمام بصره هذه المآذن السامقة الضاربة في الجو التي تزين أفق تونس، وتقوم أدلة شاهدة على هذه العهود التي مضت، عهود الأغالبة والفواطم والحفصيين والأتراك الذين كانوا يفتنون افتناناً في إقامة هذه المآذن الرائعة يدعو عليها الداعي إلى عبادة الله، في مختلف مواقيت الصلاة.

ويا لله ما أجمل هذه القباب البيض الناصعة البياض، والخضراء الشديدة الخضرة، والصفراء الفاقعة الصفرة! كم تبعث في النفوس البهجة والغبطة! وكم توحي إلى النفس معاني من الجلال والتقديس! وكم تمتّع العين بمجال من الجمال الرائق، هذا الجمال الذي يزيده شعاع الشمس روعة وفتنة.

إن هذه المآذن والقباب لرائعة في إشراق الشمس وبزوغ القمر. إنها لسحر في الليل والنهار. إنها آية من الفن تمتع الناظر بمختلف المعارض والمناظر.

من كوة هذه المئذنة يشرف المطالع على تونس إشرافاً محيطاً فلا ينفلت من العين من معالمها، ولا يند عنها مظهر من مظاهرها.

يرى تونس العربية في شكلها الشرقي البديع، وينعم النظر فتبدو له المدينة الأوربية الحديثة بعماراتها الشاهقة وقصورها العالية.

هاهي ذي سطوح الدور العربية بيضاء مشرقة. وهاهي ذي سقوف الأسواق المقوسة تبدو كأنها مسايل من ماء منسابة. وهاهي ذي القصبة تظهر عامرة بهذه الدواوين الحكومية التي أقيمت على أشكال بعضها شرقي والآخر غربي. وهاهي ذي بحيرة تونس تلوح من بعيد وقد انعكست عليها أشعة الشمس وأرست فيها البواخر، وطار في جوها هذا الطائر الرائع النُحام (البشروش) ذو الأجنة الوردية والطيران النشوان. وهاهو ذا خليج تونس يشق الأرض شقاً والرتل الكهربي يبدو كأنه أرقم جد في هربه، ينساب في هذا البرزخ الممدود

ص: 5

بين العاصمة والمصطاف التونسي البديع (حلق الوادي) الفضي الأسحار، الذهبي الأصائل. وهاهو ذا جبل (الزلاَّج) المترامي الأطراف تتوج هامته تلك القبة الخضراء القائمة في ذروته كأنها قلعة حربية، وما هي في الحقيقة إلا زاوية الشيخ أبي الحسن الشاذلي دفين عيذاب من صحراء مصر.

ومنه تنتقل العين إلى ذلك الجبل الأشم الشامخ المرهوب جبل (أبي قرنين) المطل على مربع (حمَّام الأنف) وعلى قمة هذا الجبل كان القرطاجنيون أقاموا معبداً لبعل ذي القرنين كبير آلهة الفينيقيين وما يزال التونسيون إلى اليوم يسمونه بجبل أبي القرنين.

وما تزال العين تقع من هذا الموقع الكاشف على بدائع الخضراء حتى يبدو لها من بعيد ذلك الجبل الآخر السامق الذراء (جبل زغوان) مسبح الصلحاء وخلوة العباد والزهاد، ومنبع العين الدفاقة التي تفيض بخيرات مائها النمير على العاصمة التونسية وضواحيها.

حقاً، ٍ إن تونس من هذا المكان تخلب اللب وتأسر الفؤاد. وإنك لتود ألا تبارح هذه المناظر الصباح والمباهج اللطاف، وهذا المزاج من الجلال والجمال والماضي والحاضر، والذوق الشرقي والغربي الذي عمل في تكوين تونس، في هندامها الأنيق، وتخطيطها الدقيق، وحسن موقعها، وإحاطة الجبال والهضاب بها إحاطة الهلال؛ اللهم إلا ما يصل بين البر والبحر.

إن موقع تونس الجغرافي لبديع غاية الإبداع، هي بحرية كأنها جزيرة، وهي برية كأنها صحراء. فهي تجمع بين الضب والنون كما يقول الجاحظ في مدينة البصرة.

أما ترى البحر كيف يهاجم بأمواجه هذا المرفأ، فهي تصطفق وتموج وتصخب، حتى إذا ما اصطدمت بهذه الحواجز القائمة على الساحل انثنت مبددة متناثرة، وما هي إلا لمحة حتى تتجمع موجة أخرى هاجمة تريد أن تشفي صدرها من صدمة هذه الحواجز، ولكنها تنهزم مع صاحبتها الأخرى، فلا الموج يكف عن الهجوم ولا الساحل يلقي سلاح المقاومة. . .

أما ترى هذه الهضاب المحدقة بتونس، كأنها جيوش جرارة نصبت لحراسة الخضراء، أعلامها أشجارها، وعدتها صخورها، وهيبتها شموخها، وخيلاؤها ارتفاع رأسها في الجو.

بحر إن شئت حدثك عن الأساطيل القرطاجنية، والأغلبية والفاطمية، وكيف شقت صفحته هذه الأساطيل الغازية لتونس، الحارسة لسواحل البحر الأبيض المتوسط، فكأنها اسود

ص: 6

البحر، لكنها تدفع الشر وتجلب الخير.

وجبال إن شئت نبأتك عن مدنية قرطاجنة وعن حضارة الأغالبة والفواطم والحفصيين والأتراك، وحدثتك أحاديث القرون الغابرة، والأجيال العابرة، التي مرت بهذا القطر على سواحل البحر الأبيض المتوسط وضفاف أودية الصحارى الأفريقية، جبال تصور لك الشمس وهي مائلة إلى الغروب، مرسلة شعاعها العسجدي العليل على مآذن تونس، والمؤذن ينتظر ليدعو الناس إلى الشكر والحمد. وتريك ضوء الفجر ينشر في الآفاق رواءه والمؤذن أيضاً يجهز بدعائه: الصلاة خير من النوم!

حسن حسني عبد الوهاب الصمادحي

ص: 7

‌على قبر المعري

للدكتور عبد الوهاب عزام

عميد كلية الآداب

ما أجدر هذه الأبيات أن تنقش عند ضريح الشاعر، وأي كلام أولى بقبر أبي العلاء من أبياته في صفة قبره؟ طال وقوفنا وتأملنا واعتبارنا إلى هذا الحدث، قارئين فيه فلسفة أبي العلاء القائل.

لو نُخِل الناس لما حصْلت

شيئاً سوى الموت يد الناخل

والفكر يحلق في أرجاء العالم، ويعبر صحف الحياة ثم يقف على هذا القبر كما يقع الطائر بعد طول تحليق وتدويم.

فيالك قبراً على قربه

تظل العقول به في سفر

ويالك قبراً كعين البصير

يحوي العوالم فيها صِغرَ

وتكلم على القبر الدكتور طه حسين والدكتور مهدي البصير وأنشدت قصيدة معروف الرصافي، ولكن كان سكون هذا الجندل أبلغ. كان هذا السكوت أغلب على السمع والقلب من كل قول. إن هذا السطر المسمّى الضريح بيتُ المقطع من شعر الفيلسوف الحزين. إن هذه الصفيحة الجاثمة على قبره وقد ألحَّ عليه البلى ألف عام لكلمة في فلسفة المعري جامعة. لا أدرى أأقول إنها عنوان وراءه كل ما قال الشاعر في الحياة والموت، أم أقول إنها توقيع الزمان مصدقا كل ما أنشد الشاعر في البلى والفناء والزوال.

ثم دخلنا إلى الحجرات التي شيدت وراء القبر لتتخذ خزائن لمكتبة المعري. وانصرف الزائرون يسلكون الشارع الكبير إلى دار مضيّفنا. وسلكت في صحبة سعادة الأستاذ كرد على دربا عتيقا ضيقا إلى هذه الدار، الدار التي أكرمت وفادتنا قبل أربعة عشر عاما، دار حكمت بك الحراكي. وهي من دور الشام القديمة ظاهرها قلعة وباطنها روضة. وكانت الدور الكبيرة في تاريخنا تبنى ليسكن إليها أهلها وينعموا فيها ويستكنوا، وكانت حرما لأهلها، ومنتدى للصَحب والجيرة. فلما قُلبت معيشتنا، قلبت الدور فصار باطنها ظاهرَها، وزالت حُرمتها وحصانتها وهجرها أهلها إلى النوادي العامة.

اجتمع الضيوف في قاعات الدار وفي حديقتها حول الأحواض والنافورات وقد صفت

ص: 8

قلوبهم ونضرت وجوههم، وتحدثوا في ماضيهم وحاضرهم. ثم اجتمعوا على المائدة فكهين فرحين يذكرون المعري ويذكرون الأدب العربي والأمة العربية كلها. ورب الدار وأولاده وأقاربه قائمون يتنافسون في خدمة الضيفان مبالغة في الاحتفاء والإكرام.

وقدّمت الفواكه فيها تين المعرة وهو أخضر كبير حلو. قلنا لهذا رغب أبو العلاء في التين وجعله حلاوته قال:

يُقنعني بُلسُن يمارس لي

فأن تكن حلاوة فبَلَس

والبلس التين.

وقال ياقوت في معجم البلدان عن أهل المعرة: (ماؤهم من الآبار وعندهم الزيتون الكثير والتين).

خرجنا بعد هزيع من الليل والقمر يترقرق نوره على بلدة أبي العلاء الحبيبة - كانت - إليه، وفيها يقول وهو ببغداد:

فيا برق ليس الكرخ داري وإنما

رماني إليه الدهر منذ ليال

فهل فيك من ماء المعرة قطرة

تغيث بها ضمآن ليس بسال

فيا وطني إن فاتني بك سابق

من العيش فلينعم لساكنك البال

فان أستطع في الحشر آتِك زائراً

وهيهات لي يوم القيامة أشغال

وضربنا صوب الشمال نقصد حلب.

كلما رحبت بنا الروض قلنا

حلب قصدنا وأنت السبيل

والسيارات تجدّ في سكون الليل لا يُسمع إلا دويها ولا يرى معها إلا ظلالها. ورحم الله أبا العلاء كأنه عناها حين قال:

ولما لم يسابقُهنَّ شيْ

من الحيوان سابقن الظلالا

وكان حديثنا أفانين في تاريخنا وحاضرنا وذكرى أبي العلاء وبعض الشعراء لا سيما أبو الطيب المتنبي، وتأبى مكانة أبي الطيب إلا أن تصله بكل حديث عن الأدب أو جدال فيه. وصدق الأستاذ النشاشيبي حين يقول: ما تلكم اثنان في الأدب إلا دخل معهما المتنبي خصما ثالثاً. وكم أنشدنا من شعر أبي الطيب في مسيرنا هذا وردّدنا الحديث بينه وبين المعري المعجَب به. وكيف لا نذكر المتنبي ونحن على مقربة من حلب التي ما برحت

ص: 9

تدوّي بشعره منذ أنشده فيها.

طاب لنا أن نقيس فلسفة الشاعر الحزين اليائس رهن المحبسين بفلسفة الشاعر الساخط المتكبر الآمل الرّحال الجوال، صفحتان في الأدب خالدتان، وسيرتان في الحياة مختلفتان، وهما في الحق متقاربتان، على عكس ما قال أبو الطيب:

وقد يتقارب الوصفان جدا

وموصوفاهما متباعدان

وأقبلت حلب بِذكَرها، وأشرفنا عليها في حشد من التاريخ نكاد نسمع البحتري والمتنبي والصنوبري، ونبصر ازدحام الوفود على أبواب سيف الدولة، والجيوش ذاهبة لحرب الروم وآبية والخطوب في مدها وجزرها، والزمان في نعيمه وبؤسه.

ودخلنا المدينة وكاد الليل ينتصف، والقمر يجلو محاسنها، ويجمل ذكرياتها وعلى ألسنتنا قول الصنوبري،

حلب بدر دجى

أنجمها الزهر قراها

أي حسن ما حوته

حلب أو ما حواها

حلب أكرم مأوى

وكريمٌ من آواها

بسط الغيث عليها

بُسط نَور ما طواها

وكساها حُللا

أبدع فيها إذ كساها

ولم ننس أبيات كشاجم، وكيف ينسى زائر حلب هذا الشاعر المبدع.

أرتك يدا الغيث آثارها

وأخرجت الأرض أزهارها

وما أمتعت جارها بلدة

كما أمتعت حلب جارها

هي الخلدُ يجمع ما يُشتهى

فزُرها فطوبى لمن زارها

وأوينا إلى فندق بارون حيث لقينا وجوها معروفة تبالغ في الحفاوة بنا، من حكام حلب وعلمائها وأدبائها، وبينهم شباب نجباء كانوا تلاميذ لنا في جامعة القاهرة.

وأصبحنا نجول في أرجاء المدينة نشهد آثارها وما شاده العمران الحديث فيها، ونمشي في أسواقها المعمورة التي عرفتها العصور القديمة والحديثة. رأيت القلعة العجيبة وكنت دخلتها مرات من قبل وذكرتها في رحلاتي فلا أعود إلى وصفها ولكن أكتفي بكلمة لياقوت لم أنقلها في الرحلات:

ص: 10

(وأما قلعتها فيها يضرب المثل في الحسن والحصانة. لأن مدينة حلب في وطاء من الأرض. وفي وسط ذلك الوطاء جبل عال مدور صحيح التدوير مهندَم بتراب صح به تدويره. والقلعة مبنية في رأسه ولها خندق عظيم وصل بحفره إلى الماء، وفي وسط هذه القلعة مصانع تصل إلى الماء المعين، وفيها جامع وميدان وبساتين ودور كثيرة)

وقد أخبرت أن آثاراً لسيف الدولة عثر عليها في القلعة أخيراً، إلى ما رأينا فيها من آثار الأيوبيين والمماليك وغيرهم.

وكانت جولتنا في الأسواق قصيرة ممتعة جامعة. سرّنا ما رأينا من عظم الأسواق والخانات، وأعجبتنا بدائع الصناعات الحلبية. وحلب منذ العصور القديمة معروفة بتجارتها وصناعتها ولأهلها بصر بالتجارة وعناية بها، وأسفار في سبيلها.

وقد حدثني أحد تجار حلب بهذه الفكاهة:

قال رجل لآخر: لا يخلو قطر في الأرض من حلبي. فما رآه الرجل في هذا وقال: إني ذاهب إلى الهند وما أحسبني أجد فيها حلبياً، وسأنظر. فلما جال الرجل في أرجاء الهند وجد قبرا كتب عليه:(هذا قبر فلان الحلبي الأعرج)

وقال ياقوت:

(وما زال فيها على قديم الزمان وحديثه أدباء وشعراء ولأهلها عناية بإصلاح أنفسهم وتثمير أموالهم، فقل أن ترى من نشئها من لم يتقبل أخلاق آبائه في مثل ذلك. فلذلك فيها بيوتات قديمة معروفة بالثروة، يتوارثونها ويحافظون على حفظ قديمهم بخلاف سائر البلدان).

وأنا أرجو أن يدوم أهل حلب على هذه السيرة الطيبة النافعة إن شاء الله.

(للكلام صلة)

عبد الوهاب عزام

ص: 11

‌سهام ماضية

للدكتور محمد مندور

هناك ثلاث رذائل كبيرة تنخر في أخلاق الكثير من المصريين على نحو لم أر له شبيها في بلد من بلاد العالم على كثرة ما رأيت من بلاد وقابلت من بشر، ولا بد من أن نفضحها لعلها تخفي عن نواظرنا شبحها المرذول فقد سئمت لقياها في كل سبيل وبمنحني كل نفس.

أما أولاها فهي محاولة كل إنسان أن يوهمك أنه أكبر وأفضل وأعلم مما هو. ولقد كان من عادتي الصبر فكنت أتلقى هذه الدعاوي بصدر رحب، ولكنني لم أكن ألبث أن أحس بنوع من اختلاس الثقة يحاوله من يتخطى حدود نفسه. وليس أمر على النفس ولا أهيج للحفيظة من خيبة الأمل. وإنه لمن اليسير على من أوتى شيئاً من الفراسة وسداد الرأي أن يحكم على الناس وينزلهم منازلهم الحقة؛ وإنه لمن الخير لنا جميعاً أن نحاول دائما احتلال المكان الذي نستحقه في النفوس دون تطاول أو انحطاط، وأما الإقحام فما نظنه يعقب أثراً باقيا حتى ولا بنفوس البله. ولست في الحق بواثق من أن أمثال هؤلاء الناس الذين نشكو منهم الآن مر الشكوى يعون ما يفعلون، أم هم في غفلة الغرور. ولكنني لاحظت في الغالب الأعم أنهم مشربون بحقارتهم، وأنهم يبذلون مجهوداً إراديا لتغطية تلك الحقارة بالإيهام. وذلك لما نلاحظه من هياج في الحركات وضغط على مخارج الحروف وتصنع للانفعال وارتفاع في الصوت وهلهلة في ملامح الوجه وتنطع في السكون والحركة.

وثانيتهما غيرة مسرفة وحقد عجيب. ولكم ساءلت نفسي لماذا يشغل الناس أنفسهم بغيرهم إلى هذا الحد المدمر، وتلك مشاعر خليقة بأن تنزل بالنفس الخراب. والذي عهدته في النفوس القوية هو نزوعها المستمر إلى التسامي بذواتها. فهي تسعى لأن تكون في يومها خيرا من أمسها، وأن تعمل في غدها ما يبذ عملها في حاضرها.

فإذا عز التسامي كان الاستجمام في الثقة وتوثب. وأما أن يفنى المرء بياض يومه وسواد لياليه في التفكير فيما وصل إليه هذا الشخص أو ذاك، أو الخوف من أن يسبقك زيد أو بكر فهذا شعور صغير لا تعرفه إلا نفس صغيرة، وهو دليل عدم الثقة بالنفس كما هو دليل على انهيار الشخصية، وإن كان هناك شعور قبيح من مشاعر البشر فأجدر به أن يكون هذا الشعور.

ص: 12

وثالثها فساد عميق في تربية الناس الاجتماعية. فقد تلاقي صنوفا من الأفراد بعضهم صغير وبعضهم كبير، ولقد تتلطف مع الصغير بدافع إنساني برئ ظانا أنك بعملك هذا تدخل السرور على نفس بشرية، فإذا بك وقد سقطت هيبتك من قلبه، وإذا به يتطاول إلى المساس بك في غير ذوق ولا حياء. ولقد تفسح في صدرك، ثم يأتي يوم يتحرك دمك فإذا بك ترد في عنف، وإذا بالمسكين يصحو بعد غفلة، وإذا به يشكو دون أن يفهم شيئاً أو يدرك له محنة. وإذا كان كبيرا ولكنه صغير النفس وعاملته في رفق وتأدب ظن معاملتك ضعفا، أو خيل إليه وهمه ذلك، فإذا جاء يوم وصفعته صفع الأقوياء لأنك رجل عزيز النفس حامي الدماء أسقط في يده وأخذه إما عناد الحمقى وإما انهيار الأذلاء. ولست أدري لذلك من سبب غير فساد التربية الاجتماعية، فسادها في المنزل وفي المدرسة وفي الوظيفة وفي الشارع وفي الدكان وفي المصرف وفي كل مكان، حتى لكأنك تسير في بلد كله أرقاء، سيان في ذلك سيدهم ومسودهم، رئيسهم ومرؤوسهم، بلاد منكودة وأخلاق مسفة! أي عذاب نفسي في أن تراك مضطرا إلى تقدير كل لفظ تقول وكل حركة أو ابتسامة أو تقطيب جبين! أناس لا فهم لهم ولا تقدير، لا يعرفون حداً يبدأون منه ولا حداً ينتهون إليه أنعام سائمة! ترى أباستطاعتك أن تخلق لنفسك عقلية جديدة وذوقا جديدا وتربية جديدة تماشي بها الناس، أم تأخذك العزة فتثبت كما أنت محاولا أن تنقل العقول وتحول الأذواق وتسدد التربية لتستطيع أن تتفاهم مع الناس أو أن تقبلهم أو تطيق عليهم صبرا. هذه أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها غير الله فإليه نفوض الأمر.

محمد مندور

ص: 13

‌يوحنا الدمشقي

للدكتور جواد على

- 2 -

ذكرنا أن يوحنا جادل المسلمين في طبيعة المسيح، وأنه وضع خطة للمسيحيين وجادة ثابتة للبحث والمناظرة استهلها بهذه الكلمة:(إذا سألك العربي ما تقول في المسيح؟ فقل له إنه كلمة الله، ثم ليسأل النصراني المسلم بعد ذلك بم سُمَّي المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم فإنه سيضطر إلى أن يقول: (كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه)، فإن أجاب بذلك، فاسأله: هل كلمة الله وروحه مخلوقة أو غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة فليرد عليه بأن الله إذاً كان ولم تكن له كلمة ولا روح. فإن قلت ذلك فسيفحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين).

قال المستشرقون: أثار يوحنا بهذا السؤال وبأمثاله مشاكل خطيرة في الإسلام كمشكلة (خلق الأفعال) ومشكلة (خلق القرآن) ومشكلة (صفات الله) وإضرابها. لأنه استدرجهم على رأيهم بهذه الأسئلة والأجوبة إلى أمور لم يكن المسلمون يخوضون فيها. وهو رأي لا يسمح لنا الموقف بالتعرض له لأننا في موضع ترجمة شخص لا في موضع مناقشة آراء.

على أن في كتب الأخبار والفرق والتواريخ ما يتعارض مع كثير من عقائد مذهب المستشرقين. وما بالنا نذهب بعيداً وفي عبارة يوحنا نفسها ما يفند هذا الرأي ويدحض هذا الزعم؟ جاء على لسانه: (فسيفحم هذا العربي لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين)، ومعنى هذا أن جماعة من المسلمين كانت تتباحث في صفات الله أهي قديمة أزلية أم حادثة ومن جملة ذلك كلام الله. والمعروف أن جعد بن درهم الذي ذبحه خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحية، والذي كان أستاذ مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية كان من القائلين بخلق القرآن.

وأما (القدر) والقدرية فقد وردت في القرآن الكريم آيات تدل على أن الإنسان مخير قادر على أفعاله. كما وردت آيات تدل على عكس ذلك، وقد ورد مثل ذلك في الحديث.

ص: 14

ويستشهد (المعتزلة) ومن يذهب مذهبهم على صحة دعواهم بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث من أقوال الرسول. وقد ورد على لسان الصحابة ما يدل على أن بعض أصحاب رسول الله كانوا يذهبون هذا المذهب. خذ ما جاء في كتاب (نهج البلاغة) لما سئل الإمام علي بن أبي طالب (أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر)، وقد أجاب الإمام (بكلام طويل هذا مُختاره).

(ويحك لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حاتماً. ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. إن الله سبحانه أمر العباد تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يطع مُكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار).

وروي عن على كل ما يخالف هذا الكلام، يرويه أصحاب نظرية (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه). وروي عن نافع أن رجلا جاء إلى ابن عمر، فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام. فقال ابن عمر: أنه بلغني أنه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن كان قد أحدث فلا تقرأ مني عليه السلام.

وذكر ابن العبري أن معاوية بن يزيد الأول كان قدرياً (من المؤمنين بالاستطاعة)، وأن عمراً المقصوص كان قد علمه ذلك فدان به وتحققه، ولم يزل به حتى أفسد رأيه فلم يقبل بالخلافة، فوثب بنو أُمية على عمرو المقصوص وقالوا أنت أفسدته وعلمته، فطمروه ودفنهو حيَّا.

إلى آخر ما هنالك من أخبار تدل على أن (القدرية) أو (قدرة الإنسان على خلق أفعاله) كانت قد انتشرت لدى المسلمين قبل أن ينشأ يوحنا بل وقبل جداله مع المسلمين. وأن هذه الفكرة كانت قد اتخذت شكلا اجتماعياً سياسياً خطيراً. روي (أن رجلا قال لابن عمر: ظهر في زمامنا رجال يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله ثم يحتجون علينا ويقولون: كان ذلك في علم الله: فغضب ابن عمر وقال: سبحان الله، كان ذلك في علم الله، ولم يكن علمه يحملهم على المعاصي).

ص: 15

وكان بنو أمية باستثناء نفر منهم يكرهون القدرية ومن كان يقول بها، وقد نكلوا بالقدريين كل التنكيل، ولذلك لم يكن المعتزلة وهم خلفاء القدريين يعطفون على الأمويين.

(وبنو أمية كانوا يكرهون القول بحرية الإرادة، لا ديناً فقط، ولكن سياسياً كذلك، لأن الجبر يخدم سياستهم. فالنتيجة للجبر أن الله الذي يسير الأمور قد فرض على الناس بني أمية كما فرض كل شيء ودولتهم بقضاء الله وقدره. فيجب الخضوع للقضاء والقدر).

كذلك أتى عطاء بن يسار ومعبد الجهني الحسن البصري وقالا: يا أبا سعيد، هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجري على قدر الله تعالى.

فلأحداث السياسية التي حدثت بعد وفاة الرسول، والأوضاع الاجتماعية هي التي أثارت تلك المشكلة التي وردت في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول مع غيرها من المشاكل التي كان الصحابة يحجمون عن الخوض فيها وأعني بها مشكلة المتشابهات.

روى العلماء أنه (في عهد الفاروق رضي الله عنه، أخذ رجل يقال له صبيغ بن عسل يسأل عن المتشابه ويتكلم فيما لا يعنيه مما قد يحدث فتناً بين العامة، فطلبه عمر وقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، وقال عمر: أنا عبد الله عمر. فأخذ يضربه بعراجين النخل حتى دمي رأسه. فقال صبيغ: حسبك يا أمير المؤمنين، قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي، ثم نفاه إلى البصرة حتى صلح حاله.

وعلى كل فقد حدثت هذه المشكلة، مشكلة القدر والاستطاعة قبل أن يخلق يوحنا بزمن، فلا يصح إذاً أن يقال بأن يوحنا كان هو مثير هذه المشكلة في الإسلام، وأن نظرية (القدر) دخلت عن طريق النصرانية وحدها إلى الإسلام بدليل ظهور هذه المشكلة في الشام، والشام ملتقى النصرانية في الجزيرة العربية، وبظهور هذه المشكلة في العراق على يد نصراني يقال له سوسن، كان نصرانياً فأسلم، وكان أول من نطق في القدر، وعنه أخذ معبد الجهني، وعن معبد هذا أخذ غيلان الدمشقي. فقد رأينا على أن القول بالقدر كان قديماً وعلى أنها لم تقتصر على الشام والعراق، بل ظهرت في الحجاز كذلك بنفس الوقت الذي ظهرت فيه الفتن السياسية، إن لم يكن قبل ذلك. وفي رواية ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك ما فيه الكفاية والتسليم. ولا عبرة أيضاً بإسناد كتب الفرق هذه الفكرة إلى نصراني معين أو مجهول فقد عودتنا هذه الكتب نسبة الفرق المخالفة إلى اليهودية أو المجوسية أو

ص: 16

الوثنية والديصانية، وهي عادة كانت متبعة لدى جميع أهل الأديان.

(يتبع)

جواد علي

ص: 17

‌على هامش النقد

التناسق الفني في تصوير القرآن

للأستاذ سعيد قطب

قلنا: إن القرآن يرسم صوراً ويعرض مشاهد، فينبغي أن نقول: إن هذه المشاهد وتلك الصور، يتوافر لها أدق مظاهر التناسق الفني في ماء الصورة، وجو المشهد، وتقسيم الأجزاء، وتوزيعها في الرقعة المعروضة.

والذي نعنيه هو:

أولاً: ما يسمى (بوحدة الرسم). وحتى المبتدئون في القواعد يعرفون شيئاً عن هذه الوحدة، فلسنا في حاجة إلى شرحها. ويكفي أن نقول القواعد الأولية للرسم تحتم أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة، فلا تتنافر جزيئاتها.

وثانياً: توزيع أجزاء الصورة - بعد تناسبها - على الرقعة بنسب معينة حتى لا يزدحم بعضها بعضا، ولا تفقد تناسقها في مجموعها.

وثالثاً: اللون الذي ترسم به، والتدرج في الظلال، بما يحقق الجو العام المتسق مع الفكرة والموضوع.

والتصوير بالألوان يلاحظ هذا الانسجام، ويقع شيء منه في بعض المشاهد المسرحية والسينمائية المبدعة. والتصوير في القرآن يلاحظ هذا كله، وإن كانت وسيلته الوحيدة هي الألفاظ. وبذلك يسمو الإعجاز فيه على تلك المحاولات.

1 -

خذ سورة من السور الصغيرة التي ربما يجسب البعض أنها شبيهة بسجع الكهان أو حكمة السجاع. خذ سورة (الفلق).

فما الجو المراد إطلاقه فيها، إنه جو التعويذة، بما فيه من خفاء وغموض وإبهام، فاسمع:

(قُلْ: أَعوذُ بربِّ الفَلَقْ. من شرِّ ما خَلَق. ومن شرِّ غَاسِق إذا وَقَب. من شرِّ النفّاثات في العُقدَ. ومن شر حاسد إذا حسد).

فما الفلق الذي يستعيذ بربه؟ نختار من معانية الكثيرة معنى الفجر، لأنه أنسب في الاستعاذة به من ظلام ما سيأتي: مما خلق ومن الغاسق، ومن النفاثات، ومن الحاسد، ولأن فيه إبهاما خاصاً سنعلم حكمته بعد قليل.

ص: 18

يعوذ برب الفجر (من شر ما خلق) هكذا بالتنكير وبما الموصولة الشاملة. وفي هذا التنكير والشمول يتحقق الغموض والظلام المعنوي في العموم. (ومن شر غاسق إذا وقب) الليل حين يدخل ظلامه إلى كل شيء، ويمسى مرهوباً مخوفاً. (ومن شر النفاثات في العقد) وجو النفث في العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام، بل هن لا ينفثن غالباً إلا في الظلام. (ومن شر حاسد إذا حسد) والحسد انفعال باطني مطمور في ظلام النفس، غامض مرهوب كذلك.

الجو كله ظلام ورهبة، وخفاء وغموض. وهو يستعيد من هذا الظلام بالله، والله رب كل شيء. فلم خصصه هنا (برب الفلق)؟. . . لينسجم مع جو الصورة كلها، ويشترك فيه. ولقد كان المتبادر إلى الذهن أن يعوذ من الظلام برب النور، ولكن الذهن هنا ليس المحكم، إنما المحكم هنا هو حاسة التصوير الدقيقة، فالنور يكشف الغموض المرهوب، ولا يتسق مع جو الغسق والنفث في العقد، ولا مع جو الحسد. . . و (الفلق) يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية، وهو مرحلة قبل سطوع النور تجمع بين النور والظلمة، ولها جوها الغامض المسحور.

ثم ما هي أجزاء الصورة هنا أو محتويات المشهد؟

هي من ناحية: (الفلق، والغاسق) مشهدان من مشاهد الطبيعة ومن ناحية (النفاثات في العقد، وحاسد إذا حسد) مخلوقان آدميان.

وهي من ناحية: (الفلق) و (الغاسق) مشهدان متقابلان في الزمان. ومن ناحية: (النفاثات) و (الحاسد) جنسان متقابلان في الإنسان.

وهذه الأجزاء موزعة على الرقعة توزيعاً متناسقاً. متقابلة في اللوحة ذلك التقابل الدقيق. وكلها ذات لون واحد، فهي أشياء غامضة مرهوبة، يلفها الغموض والظلام. والجو العام قائم على أساس هذه الوحدة في الأجزاء والألوان.

ليس في هذا البيان شيء من التمحل، وليست هذه الدقة كلها بلا هدف. وليس هذا الهدف حلية عابرة. فالمسألة ليست مسألة ألفاظ أو تقابلات ذهنية. إنما هي مسألة لوحة وجو وتنسيق وتقابلات تصويرية تعد فناً رفيعاً في التصوير، يلفت النظر إذا أداه مجرد التعبير.

2 -

عبر القرآن عن الأرض قبل نزول المطر، وقبل تفتحها بالنبات، مرة بأنها (هامدة)

ص: 19

ومرة بأنها (خاشعة) وقد يفهم البعض أن هذا مجرد تنويع في التعبير. فالنظر كيف وردت هاتان الصورتان:

لقد وردتا في سياقين مختلفين على هذا النحو:

(1)

وردت (هامدة) في هذا السياق (يأيها الناس: إن كنتم في ريب من البعث، فأنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، فم من علقة، ثم من مُضْغة مُخلّقة وغير مخلقة؛ لنبيَّين لكم، ونُقِرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذل العُمر، لكي لا يعلمَ مِنْ بعد علمِ شيئاً، وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج).

(ب) ووردت (خاشعة) في هذا السياق: (ومن آياته الليلُ والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن، إن كنتم إياه تعبدون، فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون. ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)

وعند التأمل السريع في هذين السياقين، يتبين وجه التناسق في (هامدة) و (خاشعة). إن الجو في السياق الأول جو بعث وإحياء وإخراج؛ فما يتسق معه تصوير الأرض بأنها (هامدة) ثم تهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج.

وإن الجو في السياق الثاني هو جو عبادة وخشوع وسجود، فما يتسق معه تصوير الأرض بأنها (خاشعة) فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت.

ثم لا يزيد على الاهتزاز والإرباء هنا، الإنبات والإخراج كما زاد هناك، لأنه لا محل لهما في جو العبادة والسجود. ولم تجيء (اهتزت وربت) هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك. إنهما هنا تخَّيلان حركة للأرض بعد خشوعها، وهذه الحركة هي المقصودة هنا، لأن كل ما في المشهد يتحرك حركة العبادة، فلن يكن من المناسب أن تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة. فاهتزت لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم، ولكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكنا وكل الأجزاء تتحرك من حوله. وهذا لون من الدقة في تناسق الحركة المتخيلة، يسمو على كل تقدير.

ويحسن أن نلاحظ أن الهمود والخشوع يتحدان في المعنى العام، ويستدل بهما في الآيتين

ص: 20

على قدرة الخالق على البعث، فما هما إلا سكون أو خمود، تعقبه الحركة والحياة، فلو كان المقصود هو مجرد أداء المعنى الذهني، لما كانت هناك ضرورة لهذا التنويع. ولكن التعبير القرآني لا يرمي إلى مجرد أداء المعنى الذهني، إنما يريد الصورة كذلك، والصورة تقتضي هذا التنويع، ليتم التناسق مع الأجزاء الأخرى في اللوحة، أو في المشهد المعروض

ودلالة هذا التنويع حاسمة في أن (التصوير) مقصود قصدا في أسلوب القرآن؛ وأن التعبير لا يقصد إلى أداء المعنى الذهني مجردا، إنما يعمد إلى رسم صور للمعاني، تختلف هذه الاختلافات الدقيقة اللطيفة حسب اختلاف الأجزاء والألوان

ثم لننظر الآن إلى (وحدة الرسم) في كل من الصورتين وفي أجزاء الصورة كذلك.

وحدة الصورة الأولى هي: مخلوقات حية تخرج من الموت أو مشاهد حياة، والأجزاء هي: نطفة تدرج في مراحلها المعروفة ونبتة تصير زوجا بهيجاً. وهي تراب ميت تخرج منه هذه النطفة، وأرض هامدة تخرج منها هذه النبتة والجو العام هو جو الإحياء المرتسم من هذه الأجزاء

ووحدة الصورة الثانية هي: مخلوقات طبيعية عابدة، أو مشاهد طبيعية. والأجزاء هي: الليل والنهار، والشمس والقمر، والأرض خاشعة لله. تموج فيها وتتصل بها جماعتان من الأحياء مختلفتا النوع متحدتا المظهر: جماعة من الناس تستكبر على العبادة، وجماعة من الملائكة تعبد بالليل والنهار. والجو العام هو جو العبادة المرتسم من هذه الأجزاء.

وهكذا تتناسق الجزئيات مع الجو العام، وتتحد جزئيات الصورة الواحدة تحقيقاً لوحدة الرسم وتوزع الأجزاء في الرقعة بهذا النظام العجيب.

3 -

عرض القرآن في مواضع مختلفة كثيراً من صور النعمة التي أفاءها الله على الإنسان، وفي كل موضع كان يعرض مجموعة من النعم، متسقة (الوحدة) على هذا النحو الذي نعرضه في موضعين للتمثيل:

(ا)(والله جعل لكم من بيوتكم سكناً، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها أثاث ومتاعا إلى حين).

(والله جعل لكم مما خلق ظلالا، وجعل لكم من الجبال أكناناً، وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرَّ وسرابيل تقيكم بأسكم. كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)

ص: 21

(ب) (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها - من بين فَرثِ ودم - لبناً خالصاً سائغاً للشاربين.

(ومن ثمرات النخيل والأعناب، تتخذون منه سكَراً ورزقاً حسنا. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.

(وأوحى ربك إلى النحل: أن أتخذى من الجبال بيوتاً، ومن الشجر، ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذُلُلاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)

يلاحظ في هذين السياقين أن الأنعام مذكورة فيهما على السواء، فلننظر من أي الجوانب عرضت في كل سياق، ولماذا عرض هذا الجانب، وذلك الجانب هناك.

(ا) السياق الأول يرسم صورة أو مشهداً للبيوت، والأكنان والظلال، والسرابيل، وكلها مما يلاذ به، أو يستتر، أو يستظل أو يحتمى. ولأن هذا هو (وحدة الرسم) عرض من (الأنعام) الجانب الذي يتفق مع هذه الوحدة. عرض الجلود التي تتخذ بيوتاً تستخف يوم الظعن، والأصواف والأوبار والأشعار التي تتخذ أردية وأثاثاً.

(ب) والسياق الثاني يرسم صورة أو مشهداً لاستخراج. الأشربة: السكر الذي يستخرج من الثمار، والعسل الذي يخرج من النحل. ولأن هذه هي (وحدة الصورة) عرض من الأنعام الجانب الذي يناسب الأشربة. عرض اللبن السائغ للشاربين.

ولم تقف دقة التنسيق عند وحدة المنظر العامة، بل تمشت إلى دقائق الجزئيات: فهذا السكر يستخلص من الثمرات المخالفة في هيئتها وطبيعتها للعسل، وهذا اللبن يستخرج من بين فرْثٍ ودم المخالفين في هيئتهما وطبيعتهما للبن؛ فهي كلها تستحيل من أشياء أخرى. ثم المنظر كله منظر زراعي حيواني.

ألا أنه الإبداع في دقة التصوير، وفي تناسق الإخراج. ومثل هذه اللمسات الدقيقة التي تستوعب دقائق الجزئيات كثير في القرآن، نكتفي منه بهذه الأمثلة، ونضيف إليها المثال التالي لماله من دلالة خاصة!

4 -

(إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما).

ص: 22

فالصورة صورة مبايعة بالأيدي، ولتنسيق الجو كله، جعل (يد الله فوق أيديهم) واستخدم هذا التجسيم في موضع التجريد المطلق، والتنزيه الخالص.

وعلماء البلاغة يسمون مثل هذا: (مراعاة النظير) ويعنون منه الجانب اللفظي، لأنهم لم يحاولوا أن يلحظوا جانب التصوير، ونحن نأخذ تعبيرهم نفسه (مراعاة النظير) ونعني به جانب التناسق الفني في الصورة، للمحافظة على (وحدة الرسم) وعلى جو المشهد وعلى الانسجام العام.

ولكن القرآن لا يستخدم في التصوير هذه (اللمسات الدقيقة) وحدها، إنما يستخدم كذلك (اللمسات العريضة)(ونحن نعبر بلغة التصوير لأننا في الواقع أمام تصوير قبل التعبير) هذه اللمسات العريضة قد تجمع بين السماء والأرض في نظام، وبين مشاهد الطبيعة ومشاهد الحياة في سياق. حيث تتسع رقعة الصورة لهذا كله على أساس من (الوحدة الكبيرة) بدل (الوحدة الصغيرة)

1 -

من ذلك: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت؟)

فهذه ريشة تجمع بين السماء والأرض والجبال والجمال، في مشهد واحد، حدوده تلك الآفاق الوسيعة من الحياة والطبيعة، والملحوظ هنا هو (الضخامة) وما تلقيه في الحس من استهوال، والأجزاء موزعة بين الاتجاه الأفقي في السماء المرفوعة والأرض المبسوطة، والاتجاه الرأسي بينهما في الجبال المنصوبة، والإبل الصاعدة السنام. وهذه دقة تأخذها عين المصور الدقيقة في الأشكال والأحجام.

ومما يلاحظ هنا بعين المصور كذلك أن لوحة طبيعية تشمل السماء والأرض والجبال، لا يبرز فيها من الأحياء إلا الجمال، أو ما هو في حجم الجمال! والجمل هو الحيوان المناسب، لأنه أليف الصحراء الفسيحة التي تحدها السماء والجبال!

2 -

ومن هذا النحو - مع تغيير في مواضع اللمسات:

(ولقد جعلنا في السماء بروجاً، وزيناها للناظرين، وحفظناها من كل شيطان رجيم، إلا من اسْتَرَق السَّمَْع فأْتبعهُ شهاب مبين. والأرض مددناها. وألقينا فيها رواسيَ، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش، ومن لستم له برازقين).

ص: 23

ففي السماء بروج ضخمة، وشهب تنقض على المردة. وفي الأرض الممدودة رواسٍ راسخة، ونبت (موزون)(لا (بهيج) لطيف!) وفي الأرض كذلك (معايش) بهذا الجمع والتكثير، وفيها من لا يرزقه الناس بهذا التهويل والتنكير. . . وهذه مشاهد وحدتها الضخامة الحسية والمعنوية.

3 -

وقد تتسع الرقعة ويتطاول المدى وتعرض اللمسات، ولكنها تدق في النهاية حتى تتناول الجزئيات:

مثال ذلك: (إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت. إن الله عليم خبير).

فهذه رقعة فسيحة في الزمان والمكان، وفي الحاضر الواقع، والمستقبل والمنظور، والغيب السحيق، وفي خواطر النفس ووثبات الخيال، ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الأرحام الخافي بلفظه وحقيقته عن العيان، والرزق في الغد وهو قريب في الزمان مغّيب في المجهول، وموضع الدفن وهو مبعد في الظنون.

إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء، ولكن اللمسات العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها، تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول، وتقف بها جميعاً أمام كوة صغيرة مغلقة، لو انفتح منها سَمّ الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد ولا نكشف القاصي منها والدَّان.

ذلك أفق واحد من آفاق التناسق الفني في تصوير القرآن ووراءه آفاق أخرى وآفاق!

سيد قطب

ص: 24

‌نقل الأديب

للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

632 -

فافطن لأمرك. . .

قال أبو حيان التوحيدي: جرى بيني وبين أبي على مسكويه شيء: قال لي مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا - وهو يعني ابن العميد - في إعطائه فلاناً ألف دينار ضربة واحدة: لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق.

فقلت - بعد ما أطال الحديث وتقطع بالأسف -: أيها الشيخ! أسألك عن شيء واحد فاصدق فإنه لا مدبَّ للكذب بيني وبينك، لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه أكنت تتخيله في نفسك مخطئا ومبذراً ومفسداً أو جاهلاً بحق المال، أو كنت تقول: ما أحسن ما فعل، ويا ليته أربى عليه. فان كان الذي نسمع على حقيقته فاعلم أن الذي يرد ورد مقالك إنما هو الحسد أو شيء آخر من جنسه، وأنت تدعي الحكمة وتتكلف في الأخلاق، وتزيف الزائف، وتختار المختار؛ فافطن لأمرك.

633 -

وأكره أن يكون على دين

خطب أعرابي إلى قوم فقالوا: ما تبذل من الصداق؟ وارتفع السَّجْف فرأى شيئاً كرهه؛ فقال والله ما عندي نقد، وإني لأكره أن يكون علىْ دين. . .

634 -

نحن إلى إمام فعال أحوج منا إلى إمام قوال

في (محاضرات الراغب):

كان أبو بكر بن قريعة (قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد) من عجائب الدنيا في سرعة البديهة بالأجوبة عن جميع ما يسأل عنه في أفصح لفظ، وأملح سجع. وكان رؤساء ذلك العصر والعلماء يداعبونه ويكتبون له المسائل الغريبة المضحكة فيكتب الأجوبة من غير توقف ولا يكتب إلا مطابقاً لما سألوه. فمن ذلك ما كتب به بعض الفضلاء: ما يقول القاضي (أيده الله تعالى) في رجل سمّى ولده مداماً، وكنّاه أبا الندامى، وسمى ابنته الراح، وكناها أم الأفراح، وسمى عبده الشراب، وكناه أبا الإطراب، وسمى وليدته القهوة، وكناها أم النشوة، أينهى عن بطالته، أم يؤدب على خلاعته؟

ص: 25

فكتب تحت السؤال: لو نُعت هذا لأبي حنيفة، لأقعده خليفة، وعقد له رأيه، وقاتل تحتها من خالف رأيه. ولو علمنا مكانه، لقلبنا أركانه. فان أتبع هذه الأسماء أفعالا، وهذه الكنى استعمالا، علمنا أنه أحيا دولة المجون، وأقام لواء ابنه الزرجون، فبايعناه وشايعناه. وإن تكن أسماء سماها ماله بها من سلطان خلعنا طاعته، وفرقنا جماعته؛ فنحن إلى إمام فعال، أحوج منا إلى إمام قوال.

635 -

يمشي في جنازته

في (معجم البلدان) لياقوت:

مسعر بن مهلهل في رحلته: بلغنا أن نصر بن أحمد السعيد الساماني (صاحب خراسان وما وراء النهر) عمل قبره قبل وفاته بعشرين سنة، وذلك أنه حدّ له في يوم مولده مبلغ عمره، وأن موته يكون بالسل، وعرف اليوم الذي يموت فيه، فخرج يوم موته إلى خارج بخارا، وقد أعلم الناس أنه ميت في يومه ذلك، وأمرهم أن يتجهزوا له بجهاز التعزية والمصيبة، فسار بين يديه ألوف من الغلمان وقد ظاهروا اللباس بالسواد، ثم تبعهم نحو ألف جارية، ثم جاء عامة الجيش والأولياء حاثين التراب على رؤوسهم، واتصلت بهم الرعية والتجار في بكاء شديد. وشهر هو نفسه بضرب من اللباس، ثم جاء أولاده يمشون بين يديه حفاة وبين أيديهم وجوه كتابه وخدمه وقواده، ثم أقبل القضاة والعلماء يسايرونه في غم وكآبة، وأحضر سجلا كبيراً ملفوفاً فأمر القضاة والكتاب بختمه، وأمر نوحاً ابنه أن يعمل بما فيه. واستدعى شيئاً من حساء في زبدية من الصيني ثم تناول منه شيئاً ثم تغرغرت عيناه بالدموع وتشهد، وقال: هذا آخر زاد نصر من دنياكم، وسار إلى قبره ودخله وقرأ عشراً فيه، واستقر به مجلسه، ومات. . .!!!

636 -

يحب البلاء لماش كريم

أبو سعيد المخزومي:

إذا كنت في بلدة نازلا

وحل الشتاء حلول المقيم

فلا تبرزن إلى أن ترى

من الصحو يوماً صحيح الأديم

فكم زلقة في حواش الطريق

ترد الثياب بخزي عظيم

ص: 26

وكم من لئيم غدا راكباً

يحب البلاء لماش كريم

637 -

لولا المشقة

قال ابن خلكان: بلغني أن ابن مطروح كتب - قبل ارتفاع درجته - رقعة تتضمن شفاعةً في قضاء لبعض أصحابه أرسلها إلى أحد الرؤساء، فكتب إليه ذلك الرئيس في جوابه: هذا الأمر علي فيه مشقة.

فكتب أبن مطروح جوابه ثانياً: (لولا المشقة)

فلما وقف عليها ذلك الرئيس قضى شغلَه وفهم ما قصده وهو قول المتنبي:

لولا المشقةُ ساد الناسُ كلُّهُمُ

الجودُ يُفقرُ، والإقدام قتّالُ

638 -

لا جرم أن اثر الحسد فيك. . .

قال إسحق الموصلي: أنشدت الأصمعي شعراً لي، على أنه لشاعر قديم:

هل إلى نظرة إليك سبيلُ

يروَ منها الصدى ويشف الغليل

إن ما قل منك يكثر عندي

وكثير من الحبيب القليل

قال لي: هذا - والله - الديباج الخُسرواني.

فقلت له: لا جرم أن أثر الحسد فيك. . .

639 -

أشم نسيم قرطبة

قال ابن بشكوال: دخل الشيخ أبو بكر بن سعادة مدينة طليطلة مع أخيه على الشيخ الأستاذ أبي بكر المخزومي فسألنا:

من أين؟

فقلنا: من قرطبة!

فقال: متى عهدكما بها؟

فقلنا: الآن وصلنا منها!

فقال: اقربا إلى أشم نسيم قرطبة. فقربنا منه فشم رأسي وقبله وقال في اكتب:

أقرطبة الغراء هل لي أوبة

إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد

سقى الجانب الغربي منك غمامة

وقعقع في ساحات روضتك الرعد

ص: 27

لياليك أسحار وأرضك روضة

وتربك في استنشاقها عنبر ورد

640 -

سكارى. . .

السري الرفاء:

وفتية زَهر الآداب بينهم

أبهى وأنضر من زهر الرياحين

مشوا إلى الراح مشىَ الرُّخ وانصرفوا

والراح تمشي بهم مشي الفرازين

غدوا إليها كأمثال السهام مضت

عن القسيّ وراحوا كالعراجين

وكان شربهم في صدر مجلسهم

شرب الملوك وناموا كالمساكين

ص: 28

‌في الأدب العربي

للأستاذ عبد اللطيف محمد ثابت

في عدد مضى من الثقافة كلمة للأستاذ الكبير أحمد بك أمين يعيب فيها على كثير من الأدباء ميلهم إلى قصر الأدب على الشعر والنثر الفني المصنوع، ويحثنا أن نعيد النظر في هذا الوضع من ناحية الأدب القديم والحديث؛ فمن ناحية القديم يجب أن نتوسع في فهم معنى الأدب، فندخل فيه الشعر الصوفي والنثر الصوفي، والأساليب المتبعة في شرح النظريات الاجتماعية والاقتصادية إذا كانت أدبية، وكذلك الأساليب المتبعة في كتب التاريخ والرحلات والفلسفة والقصص من نوع ألف ليلة وليلة. ومن ناحية الحديث يجب أن يتجه أدباؤنا إلى الموضوع أكثر من الشكل، وحمد الله إذ رأى هذا الاتجاه واضحاً جلياً من أدباء العصر الحديث، وضرب لذلك الأمثلة، ثم قال:(ففهمنا للأدب على أنه شعر أو نثر يشبه الشعر أو القصة بديعة، أو نحو ذلك، فهم قاصر، والأدب أوسع من ذلك وأشمل)، وقال:(وأرى أن هذه الفكرة عن الأدب غير صحيحة، وأنها ضارة بالناشئين والمتعلمين؛ إذ تجعلهم يتصورون الأدب على أنه حلية لفظية شكلية، فإذا عمق الكاتب وفكر تفكيراً دقيقاً، خرج عن الأدب ولم يسم أديباً، وضرر هذا واضح، وهو اتجاه الأدب العربي إلى السطحية، والعناية فيه بالشكل أكثر من الموضوع)

هذا مجمل ما قاله أستاذنا الكبير، ولا أدري إلى أي شيء يرمي. إنه عاب على الأدباء قصرهم الأدب على الشعر والنثر المشبه الشعر والقصة البديعة ونحو هذا، لأنه أوسع من ذلك وأشمل، فماذا بقي بعد هذا مما يصح أن يكون في متناول أوسع وأشمل؛ حتى ندخله في الأدب؟

إن الشعر هو الكلام ذو الوزن والقافية المشتمل على التصوير البديع المؤثر لأنواع الإحساس، سواء أكان إحساساً صوفياً أم فلسفياً أم خيالاً من واد آخر غيرهما. والنثر المشبه للشعر هو ذلك النثر الفني المصنوع، ويراد بالصنعة ما يرتفع بالنثر إلى ما يحقق معنى الفصاحة والبلاغة على ما اتفق عليه الأقدمون، ولم يعارض فيه المحدثون سواء أتناول النثر شرحاً لنظريات اجتماعية أم اقتصادية، أم تناول التاريخ والرحلات، أم تناول الفلسفة، أم كان قصصاً، بل يمكن أن يدخل في متناول النثر الفني المصنوع بهذا المراد من

ص: 29

الفن والصنعة طوائف العلوم الأخرى، فكلها نثر فيه فن وفيه صنعة بحسبه، فماذا بقي بعد ذلك حتى يكون فهمنا للأدب على أنه الشعر أو النثر المشبه للشعر أو القصة البديعة أو نحو ذلك فهماً قاصراً؟

لم يبق يا سيدي ألبك إلا الكلام الذي أتضع ولم تتحقق فيه شروط الفصاحة والبلاغة، فصار بحكم ما فقد من شروط الأدب غير أدب، وصار الكاتب له غير أديب.

فهل تريد أن يدخل مثل هذا على أنه أمثلة تحتذي في مباحث الأدب؟ فماذا يكون الأدب إذن؟

إن الأدب فن رفيع كالموسيقى وما يشبهها؛ فلنتصور أننا توسعنا في متناول الموسيقى حتى جعلناها تشمل كل ما يمكن أن يكون صوتاً، فهل يكون ذلك مقبولا؟

كذلك الأدب لا يمكن أن يكون أدباً إذا توسعنا فيه فجعلناه يشمل كل ما يمكن أن يقال أو يكتب، فإن ذلك تضييع لقيمة المثل العليا من الكلام، وتضييع للمبرزين من الكتاب من القدماء والمحدثين، مع ملاحظة أنه لا يعقل أن يكون كلام مكتوب لا موضوع له إلا ما يصدر من المجانين؛ فأولئك الكتاب الذين يجلسون بجانب كل محكمة، ويسمون بالكتاب العموميين، لهم موضوعاتهم التي يتناولونها فيما يكتبون، وليس من المعقول أن تكون رسائلهم من مباحث الأدب. ولست أعلم أن أحداً من المتقدمين منع أن يكون الشعر الصوفي والنثر الصوفي، والكتب التي تشرح النظريات الاجتماعية والاقتصادية والتي تتناول التاريخ والرحلات والقصص من نوع ألف ليلة وليلة والفلسفة - منع أن تكون هذه مما يتضمنه معنى الأدب حتى ينبهنا الأستاذ الكبير إلى أن نعيد النظر في هذا الوضع من ناحية الأدب القديم فندخل فيه هذه الموضوعات.

ويقول الأستاذ إن هذه الفكرة عن الأدب أنه مقصور على الشعر والنثر الفني المصنوع ضارة بالناشئين والمتعلمين، ويقصد من غير شك الناشئين والمتعلمين في هذا العصر، فهو يخشى عليهم أن يتجهوا في أدبهم إلى السطحية والعناية فيه بالشكل أكثر من عنايتهم بالموضوع، ثم يحمد الله أن يرى أدباءنا يتجهون اتجاهاً واضحاً إلى الموضوع أكثر من الشكل.

فهل كان أدباؤنا من غير الناشئين المتعلمين في هذا العصر؟ فمن الذي أرشدهم ألا يتجهوا

ص: 30

في أدبهم إلى السطحية وأخذ يحثهم على العناية بالموضوع دون الشكل، وهم إنما درسوا الأدب قاصراً على الشعر والنثر الفني المصنوع، وهو الذي يعيبه الأستاذ احمد أمين على الأدباء.

إنني لا أنكر أنه قد أتى على الأدب حين من الدهر مال فيه الكتاب إلى العناية بالأسلوب أكثر من عنايتهم بالموضوع، بل أسرفوا في ذلك حتى عيب عليهم، ولكن هذا النوع من الكتاب أقلية إذا قيسوا بغيرهم من أدباء اللغة العربية، وقد أخذ عليهم إسرافهم في العناية بالألفاظ وتنميقها أكثر من عنايتهم بالأفكار وتوليدها والموضوع ودراسته؛ فلم يكن لما عيب عليهم أثر إلا بمقدار ما تظهر بدعة غير مستحسنة في عصر من العصور، ثم لا تلبث أن تهمل لما يشق فيها على الناس، على أنه كان لأدب هؤلاء موضوعه الذي يحله محله من مباحث الأدب العام.

ولم يحل وجود هؤلاء الكتاب الشكليين في عصور الأدب أن نفهم الأدب على حقيقته في الشعر والنثر المشبه الشعر في عصورنا هذه فيظهر فينا الكتاب الذين يعتمدون على الموضوع في أسلوب، لا على الأسلوب له صورة موضوع.

عبد اللطيف محمد ثابت

ص: 31

‌رسالة الفن

3 -

الفن

للكاتب الفرنسي بول جيزيل

بقلم الدكتور محمد بهجت

يرى الفنان كل ما في الطبيعة جميلا

يوجد بمرسم رودان الكبير بمَيْدوُن تمثال صغير على جانب كبير من الدعامة المروعة، استقى مثالنا العظيم موضوعه من قصيدة فيلون كانت الحظية تشع يوماً ما شبابا وجمالا، أما الآن فهي عجوز شمطاء متهدمة تنبو عنها العيون. كانت مختالة فخورة بحسنها وروائها فإذا بها اليوم تُغص بالخجل من بشاعتها.

وهذه ترجمة بعض الأبيات التي ساقها فيلون على لسان الحظية البائسة.

(آه أيها الهِرم المتعاظم الخوَّان، لم أذللتني هكذا سريعاً، ولم أمسكتني هكذا حتى لا أستطيع أن أضرب، فكنت أقضي بضربة واحدة على آلامي).

هنا تبع المثالُ الشاعرَ خُطوة فخُطوة. فتلك العجوز الشمطاء التي تكرش جلدها حتى صار أكثر تكرشا من المومياء تحزن على بلي جسدها. تراها جالسة مقوسة تنظر في يأس وألم إلى ثدييها الذين ضمرا ضموراً يثير الشجن، وإلى جسدها الذي تجعد وتقبض تقبضاً بشعاً، والى ذراعيها وساقيها التي أصبحت عقداء كأصول الكرم أو هي أعقد. وثمت بضعة أبيات أخرى ساقها الشاعر على لسان الحظية أيضاً.

(عندما أفكر بذهن كليل فيما كنت عليه بالأمس، وفيما أنا عليه اليوم، عندما أرى كيف استحلت هكذا: مسكينة بائسة مقددة نحيفة، يتملكني الأسى. أين جبيني الناصع وشعري الذهبي وكتفاي الجميلتان - وكل ما كان فيَّ وقد خلق للحب؟ هذه هي نهاية الجمال الإنساني! وتلكما الذراعان النحيلتان، واليدان المعروقتان، تلكما الكتفان الحدباوان، ذلكما الثديان والعجزان وتلكما الساقان، خفتا وأصبحتا منقوطتين كأنهما المصير المحشو).

وهنا لا نرى المثال يقل إدراكا للواقعية عن الشاعر، بل نرى على النقيض من ذلك أن البشاعة التي يثيرها بهذا التمثال أوقع في النفس من أبيات فيلونِ الجافية. نرى جلدها

ص: 32

يتدلى على الهيكل العظمي في ضعف واسترخاء، والأضالع تبرز من تحت الصفاق أو الرِّق الذي يغطيها، ويبدو الجسم كله كأنه يرتعد أو ينكمش ويتضاءل. ومع ذلك نرى ألماً عميقاً ينبعث من ذلك الجسد البالي المشوَه المؤلم، وذلك لأن ما نشاهد منه هو الألم البالغ لنفس شغفها حب الشباب والجمال الخالد فأصبحت تنظر بيأس إلى الوعاء القبيح الدميم الذي يحويها. إنه التناقض البين بين الكائن الروحي الذي يتطلب اللذة الخالدة وبين الجسد الذي يبلى وينحل ويؤول إلى الفناء. تهلك المادة ويموت اللحم، أما الأحلام والآمال فخالدة. وهذا ما أراد رودان أن نفهمه. هذا وإني لا أعتقد أن فناناً آخر صور لنا الهرِمَ بمثل هذه الفظاعة الفجة، اللهم إلا واحداً. فانك لترى على مذبح كنيسة بفلورنسا تمثالا عجيبا من صنع دونا تللو. ترى عجوزا عارية أو هي متشحة بشعرها الطويل الرفيع الذي يتشبث بجسدها المتهدم الفاني. إنها القديسة مجدولين في الصحراء وقد قوست السنون ظهرها، تنذر إلى الله الرهبوت الصارم الذي ستأخذ به جسدها جزاء وفاقا لما أسبغته عليه من رعاية في الماضي. ولقد بلغت الصراحة الفطرية بهذا الفنان الفلورنتي مبلغا عظيما بحيث لا يتسنى لأحد أن يدانيه فيها، حتى ولا رودان نفسه. ولكنا نرى إلى جانب ذلك أن الشعور في العملين مختلف كل الاختلاف، فبينا نرى القديسة مجدولين تبدو في توبتها أكثر إشراقا كلما أحست أنها تزداد دمامة، نرى من الناحية الأخرى الحظية الشمطاء تهلع عندما ترى نفسها أشبه شيء بالجثة الهامدة. وعلى ذلك فالنحت الحديث أعظم وقعاً وأفجع في تأثيره من النحت القديم.

وفي أحد الأيام درست تمثال رودان هذا لحظة ثم قلت له في هدوء: (أيها المعلم! لا أظن أحداً يعجب بهذا التمثال المدهش إعجابي به. ولكن أرجو ألا يتملكك الامتعاض إذا ما أطلعتك على الأثر الذي تُحدثه مشاهدته في زائري متحف اللوكسمبورج، وفي السيدات خاصة).

(أكون شاكراً لو تفعل ذلك).

(حسن. إن النظارة لتفر منه قائلة: آه، ما أبشعه! وكثيراً ما شاهدت بعض السيدات يتقينه بأيديهن حتى لا يرونه) فضحك رودان ملء شدقيه وقال:

(لابد أن يكون عملي من الوضوح والصراحة بحيث يحدث مثل هذا الأثر البين. ولا ريب

ص: 33

أن هؤلاء الناس ممن يرهبون الحقائق الفلسفية المرة. غير أن كل ما يعنيني من الأمر ويهمني هو أن أقف على آراء أولئك الذين وهبوا الذوق الحسن. ولقد سرني أن أظفر بمدحهم لحظيتي العجوز. إن مثلي كمثل ذلك المغني الروماني الذي أجاب على صخب الجماهير: إني أغني للنبلاء فقط، أو بمعنى آخر للهواة الذين يفهمون ويتذوقون).

يتبادر إلى ذهن السوقة أن ما يرونه قبيحاً في الحياة لا يليق أن يكون موضوعا للفنان. يودون لو يمنعوننا من إظهار ما يسوؤهم من الطبيعة أو يقذى أعينهم؛ وهذه غلطة شنيعة يغلطونها. إن ما قد يسمى عادة في الطبيعة يمكن أن يكون لدى الفن عامرا بالجمال. وفي الواقع نسمي قبيحاً كل ما كان مشوها أو مريضا أو يشعر بمرض، أو ما كان ضعيفاً أو مبتلى، أو ما كان منافيا للمألوف الذي هو إمارة وشرط من شروط الصحة والقوة. فالأحدب قبيح، والأعرج قبيح، والفقر في الأسمال البالية قبيح. وقبيح أيضاً روح الرجل الفاجر وسلوكه، والرجل الخبيث المجرم، والرجل الشاذ الذي يكون بلية على المجتمع، وقبيح أيضاً روح الذي يفتك بوالديه، وروح الخائن، وروح كل دنئ المطامع. ومن الصواب تسمية الناس أو الأشياء التي لا تتوقع منها سوى الشر بتلك المسميات الكريهة. ولكن دع فنانا مبرزا أو كاتباً نابها يتولى بفنه قبحا واحداً أو أكثر مما ذكر فسرعان ما يتحول في يديه؛ إذ ينقلب بلمسة من عصاه السحرية إلى جمال رائع. إن هذا إلا كيمياء، إنه السحر المبين!!

دع فيلا سكويز يصور سيباستيان، قزم فيليب الرابع، ملك إسبانيا، تراه يحبوه بتلك النظرة المؤثرة التي نقرأ فيها على الفور ما تنطوي عليه نفس هذا المخلوق التعس من الأسرار المؤلمة، ذلك المخلوق الذي ألجأته حاجته للعيش إلى أن ينزل عن كرامته الإنسانية فيصبح ألعوبة أو سخرة من المساخر الحية. وكلما زادت لذعة الألم في نفس المخلوق البائس زاد جمال عمل الفنان.

وليصور فرنسوا ميليه فلاحاً يتكئ على فعال فأسه ليستريح لحظة، رجلا بائساً أضناه التعب ولفحته الشمس، غبياً كالحيوان الأعجم الذي أذهلته الضربات فيلدم. وما هو إلا أن يظهر في تعبير هذا الشقي البائس ذلك الاستسلام السامي للألم الذي فرضه علينا القدر حتى يجعلنا نرى فيه الرمز العظيم للإنسانية كلها.

ص: 34

ثم ليصف لنا بودلير جثة مقرَّحة، قذرة متلزجة ينخر فيها الدود، ثم دعه يتخيل خليلته المحبوبة في هذه الحالة المخيفة الممضة؛ فلا يمكن والله أن يداني شيء في الروعة والفخامة صورته التي يضع فيها جنباً إلى جنب هذا الجمال الذي نرجو له الخلود، وذاك الفناء المروع الذي ينتظره. وهاك أشعار بودلير

(ومع لذلك فستصبحين مثل هذا يوماً ما، مثل هذه الوخامة التي تتقزز منها النفس، أنت يا نجم عيني، أنت يا شمس طبيعتي. آه يا ملاكي ويا غرامي!

(نعم يا ملكة الحسن، ستكونين هكذا بعد القداس، عندما تلحدين تحت الحشائش والأزهار حيث تبلين بين العظام. وعندئذ يا حبيبتي خبري الديدان التي تلتهمك بالقبل أنني - على الرغم منها ومن كل شيء - قد احتفظت بهيكل حي المقدس وروحه الذي فني وباد).

ومثل هذا ما كان من شكسبير عند ما وصف أو رتشارد الثالث. وعندما صور نيرو ونرجس كذلك يمكن أن ينقلب القبيح الخلقي موضوعا رائع الجمال إذا ما فسرته عقول صافية راجحة نفاذة.

وفي الواقع نرى أن الجميل في الفن هو ماله شخصية. فالشخصية هي العنصر الضروري لكل شيء طبيعي، جميلا كان أو قبيحًا، أو هي الحقيقة المزدوجة كما يجب أن نسميها. هي الحقيقة الداخلية تفصح عنها الحقيقة الخارجية، هي الروح والشعور والأفكار تعبر عنها قسمات وجه أو أفعال الإنسان وإشاراته أو ألوان السماء أو خطوط الأفق. . .

يرى الفنان العظيم أن لكل شيء في الطبيعة شخصية لأن نظرته الفاحصة الصائبة تستجلي ما غَمضَ وخفي من معاني الأشياء جميعها. ولربما كان لما نحسبه بشعا دميما من الشخصية أكثر من ذلك الذي نراه بسيما وسيما. وذلك لأن الحقيقة الداخلية قد تسطع في أسارير سحنة مريضة، أو في نواحي وجه خبيث، أو في كل ما هو مشوه أو عفن، سطوعا جلياً أكثر مما في القسمات الصحيحة العادية.

وطالما كانت قوة الشخصية وحدها هي التي تظهر الجمال في الفن، فكثيراً ما يحدث أنه كلما قبح الشيء في الطبيعة زاد جماله في الفن. فلا يوجد في الفن قبيح اللهم إلا ما خلا من الشخصية، أي ذلك الذي تجدد من الحقيقة الداخلية أو الخارجية.

والقبيح في الفن هو كل زائف غير طبيعي، كل ما عني بحسن المظهر دون التعبير، كل ما

ص: 35

كان هوائياً متقلباً ومتصنعاً، كل ما أبتسم من غير باعث على الابتسام، أو تثنى من غير ما سبب، كل ما كان بغير روح أو حقيقة. أو كل ما كان مظهراً للحسن والجمال فقط، وبالجملة هو كل ما كان كاذباً.

وعندما يحاول الفنان أن يحسن الطبيعة فيضيف اللون الأخضر إلى الربيع، والوردي إلى الشمس، والقرمزي إلى الشفاه الصغيرة، يخلق بعمله هذا القبح لأنه يكذب، وكذلك عندما يخفف من حدة الألم أو يلطف من تهدم الشيخوخة أو من بشاعة التحريف أو التصحيف، وعندما يحاول تنسيق الطبيعة فيقنعها وينكرها ويلطفها كيما تسر السوقة الجهلة، فهو يخلق القبح لأنه يخشى الحق.

كل ما في الطبيعة جميل في عيني أي فنان خليق بهذا الاسم، لأن عينيه اللتين تقبلان الحقائق الخارجية في شجاعة، تقرآن الحقائق الداخلية كما لو كانتا تقرآن في كتاب مفتوح. وما عليه إلا أن ينظر في وجه إنسان ما فيقرأ أغوار نفسه بحيث لا يمكن أن تخدعه قسمة من قسماته. والإخلاص كالتصنع كلاهما شفاف لا يستر ما تحته، فخط في الجبين، أو رفعة خفيفة من الحاجب، أو لمحة من العين، كل هذه تكشف له عن كل أسرار القلوب وتطلعه على خفاياها كذلك يستطيع الفنان أن يدرس ذهنية الحيوان الخبيثة، ويقرأ في عينيه وحركاته وسكناته مزيجاً من الشعور والأفكار والذكاء الأبكم والأحاسيس البدائية.

وهو فضلا عن ذلك صفى الطبيعة وأمينها؛ فتكلمه الأشجار والنباتات كما لو كان صديقها، وتحدثه أشجار البلوط القديمة العقداء عن حدبها على الإنسان الذي تظله تحت أفرعها الوارفة الظلال. وتخاطبه الأزهار باهتزاز سوقها الرشيقة، وبغناء ألوانها الشجي. إن كل زهرة وسط الخضرة لكلمة طيبة تخاطبه الطبيعة بها. والحياة عنده متاع مقيم، وسرور مستديم، ونشوة جنونية. ولكنه لا يرى كل شيء في الحياة مستطابا لأن الآلام التي تنتابه وتعتور أصدقاءه تتعارض مع تفاؤله وأمانيه تعارضاً مؤلماً، ومع ذلك فكل شيء عنده جميل لأنه يمشي دائماً في ضوء الحق النفساني.

نعم! إن الفنان العظيم، وأقصد به الشاعر والمصور والمثال ليجد، حتى في الآلام وموت الأحباب، وفي خيانة الأصدقاء بعض ما يغمره بفيض عجيب من السرور ولو شابته مرارة بشعة. وقد تمر به فترات يكون قلبه أثناءها فريسة للآلام ومع ذلك نرى اللذة المريرة التي

ص: 36

يكابدها من تفهم وتفسير تلك الآلام أقوى من الآلام نفسها وأرجح. وهو يقدس أغراض القضاء في كل كائن حي، ويلقي على آلامه وجراحه الدامية نظرة ملؤها التقدير والاهتمام، نظرة الرجل الذي قرأ أحكام القدر. حتى إذا ما خانه حبيب ترنح تحت الضربة، ولكنه سرعان ما يثبت على قدميه ويستقر، ثم يرى ذلك الخائن مثلا طيباً للوضاعة والحقارة، ثم إنه يرحب بالعقوق لأنه يجد فيه ما يصقل نفسه.

وكثيراً ما يكون وجده وهيامه جامحاً مخيفاً، ولكن في ذلك السعادة على كل حال، لأن فيه التقدير العميق الثابت للحق والصدق. فعندما يشاهد الناس يقتل بعضهم بعضاً في كل مكان، وعندما يرى الشباب الغض يذبل ويذوى، وكل القوى العاملة تضمحل، وكل النبوغ يخبو، وعندما يواجه الإرادة العليا التي تملي تلك القوانين الصارمة وتفرضها على الكائنات، نراه اكثر ما يكون اغتباطا بمعرفته، سعيداً أيما سعادة إذ يستولي عليه حبه للصدق من جديد.

ص: 37

‌في طريق الحياة.

.

للأستاذ عبد القادر القط

في طريقٍ مِن لَقي الأنضاء والصرعى صُواهْ

وفضاءِ لم تعانق أرضَه يوماً سَماه.

مُقَرعاً ترتجع الأبصارُ حسرَى عن مَداه.

أضرب الأرضَ طليحاً تحت أعباء الحياة

وشبابٍ لم يمتَّع بالشباب.

اغتدى في زحمة الأطماع مشدوه الرّجاءْ.

وأَرودُ الودَّ في دنيا من الود خلاء.

مفردَ القلب وللقلب حنينٌ واشتهَاء.

ظامئ الروح وللنبع بأسماعي غناء.

من وراء الغيب من خلف الحجاب.

اغتدى في مهمه الدنيا ومالي من رفيق.

غيرَ روح سادر النجوى وقلبٍ لا يفيق.

كلما أوغلتُ في القفر تراءت لي بروق.

وامضاتٌ بأمانيَّ كأطياف الشروق.

بعد ليلٍ مدلهْمٍ وضباب.

طالما أدركتُ أن البرق خلاّبٌ جَهام.

ورأيتُ القطرَ محبوساً بأطباق الغمام.

غير أني كلما راودَ أجفاني المنام.

قذفت بي ظامئاتٌ من رِغابي للأمام.

ولقد ينجي من اليأس السراب.

أتخطَّى الصخر لا عزماً ولكني أسير.

وعلى السائر أن يمضي وإن شقَّ العبور.

لم أعد أسأل ما الجدوّى ولا أين المصير.

ص: 38

ما سؤالي؟ وفؤادُ القفر مسلوبُ الضمير.

ليس يصغي لسؤلٍ أو جواب.

في طريقي كم تراءت لي جنانٌ وادعات.

مثقَلاتُ الدَّوح بالأثمار شتى ناضجات.

يرفُل الظلُّ بها في مسرحٍ جَمِّ الشيات.

ويميس النهرُ في أعطافها رحبَ الجهات.

بين أفوافٍ وألفافٍ وغاب.

كم رأت عيني وكم قد حَنَّ للروضات قلبي.

فتركتُ الدربَ مهجوراً وخلتُ الروضَ دربي.

وهفتْ للعشب أقدامي وقال الجهدُ: حَسْبي.

ورفعتُ الكفَّ لله أقضْي حقَّ ربي.

من ثناء وصلاة ومتاب.

وإذا بالروض قد حفَّتْ به جندٌ عُتاه.

لم يبالوا حرمة الحمد ولا قدسَ الصلاه.

صاح منهم صائحٌ: ردُوّا عن الروض الجناه.

أَغريبٌ مِلكُنا المحبوبُ من بعض مُناه؟!

أشهروا البيض وهزوا للحراب!

فهوتْ من حضرةِ الَّربّ إلى الأرض يدايْ.

وتلاشَى حَمْدِيَ المبتورُ وانجابتْ رؤُاي.

قلتُ: هذي الحربُ يا قوم أُعدَّتْ لسواي.

أنا منكم. طال في البيد ثوائي وسُراي.

كيف تلقون أخاكم كالذئاب!

قد صحبت الليلَ والليلُ على البيد رهيب.

ونهاراً للحصى من قيظه العاتي وجيب.

منحتني البيد بَلواها وأخفَتْ ما يطيب.

ص: 39

من روُاء الفجر في الشرق ومن سحر الغروب.

لم أَنَلْ منها سوى قبض التراب.

يا صحابي روضكُم ريانُ ممتدُّ الظلال.

لن تضيقَ اليومَ بي سرحاتُه الفيح الطوال.

فدعوني يلتئِمْ جرحي ولي بَعْدُ ارتحال.

لن أقيم الدهرَ فيه وبجنبيَّ ملال.

يخزُ القلبَ إلى هذي الشعاب.

يا صحابي! أيها الواغل لسنا من صحابك.

اسْعَ في قفرك ما شئتَ وهوِّمْ في شعابك.

نحن من أصلاب مجدٍ، امض لسنا من ترابك.

وإذا ما مسَّك الضرُّ فكفكِفْ من رغابك.

واترك الدنيا لأرباب الرغاب.

قلتُ يا أقداميَ الحسرىَ إلى درَبك عودي.

وتأسّيْ يا لهاتي من خيالي بالوعود.

واصبري للظمأ القاتل يغتال نشيدي.

فغداً في روضتي العذراء يحلو لي ورودي.

وأرويِّكِ من الشُّهد المذاب.

روضتي العذارء في الربوة لم يُطمَث ثراها.

خلف هذي القفرة الجرداء قد طاب جَناها.

ضلَّ عنها الناسُ واستخفى عن الناس شذاها.

قلبي العامُر بالإيمان يوماً سيراها.

وسيلقاها وإن طالَ الغيابْ.

عبد القادر القط

ص: 40

‌هيفاء الحفل

للشاعر الأستاذ محمد الأسمر

باتَ بعد السلوِّ صبا مُعَنى

خافقاً قلبهُ، وكان اطمأنا

شاعرٌ هام بالجمالِ قديماً

ثم عاداهُ، ثم عاد فجُنّا

لا تلوموه إن ترَّنمَ عشقاً

بلبلٌ أبصرَ الرياضَ فغنَّى

كان عوداً معطلاً ثم مرَّتْ

فوق أوتاره اليدان فرنَّا

من تكون الهيفاءُ تخطرُ غصناً

لورآها غصنُ الربى ما تتسنّى

تتهادى في الحفل أشبهَ بالطا

ووس يمشي من الدلال الهوينى

هي فيه كمثل زنبقةِ الرو

ض استطالت على الأزاهير حسنا

حبذا القامةُ التي شغلتنا

عن سواها، ونعم ما شغلتنا

أي قدٍ، بل أي رمح عجيبٍ

ما نظرنا إليه حتى طُعنّا

من تكون الهيفاءُ، أبدعُ ما أب

صر راءٍ عيناً وجيداً ومتنا

ذكرتنا بما مضى يوم كُنَّا

في صبانا، أيام كُنَّا، وكنا

وأعادتْ شرخَ الشباب إلينا

بعد ما صوَّحَ الشبابُ وشبنا

عربيٌّ لسانها أعجميٌّ

نغماتٌ تشدو بها بين بيَنا

لست أدري لمصر أم لسواها

ما علينا من أرضها، ما علينا

حَسْبُها أنها عشيَّةَ لاحت

أصبحتْ دارها الجوانح منّا

يا حبيباً لكل قلب وعينٍ

أنتَ نُعمى بها الزمانُ يُهنَّا

أنت والله يا جميلُ منانا

أنت والله فوقَ ما نتمنَّى

يا رشيق القوام يا مفرد الحسن

تعطفْ واجعل مع الحسن حسنى

نظرةٌ منك نحونا تكفينا

كم نظرنا شوقاً لها وانتظرنا

ما حباكَ الجمال ربي إلا

راضياً عنكَ! فارضَ بالله عنّا

ص: 41

‌أشتاق للمجهول!

للأديب عبد العليم عيسى

أحيا على الدنيا بقلب زاخرٍ

بالهوْل والآلام والأشجان!

حيران. . لا أدري لأية غاية

أمشي على الأيام نهبَ هواني

البحر يزبد والعواصف لا تَنى

والريح معْوِلَةٌ بكل مكان

والمْرفأ المجهول لا أدري متى

يبدو لعين المجهد الحيران

حجبَتْه أردية الضباب فما أرى

غير الدجى والهول والحرمان!

النار في قلبي وبين جوانحي

تمتص أفراحي بألفِ لسان!

أنا في الحياة شكاية مفجوعة

لا تنتهي أبداً مدى الأزمان!

أشتاق للمجهول إني ظامئ

لأعيش في المجهول والنسيان

أشدو بموسيقى الحياة وأرتوي

من سحرها المترقرق الفتان

مستقبلاً هتفاتِها ونداءها

مستوحيا من نورها ألحاني

وأطل من فوق الذُّرا متأملاً

في فسحة الآفاق والأكوان

وأعانق الكون الكبير كأن بي

روح الحقيقة مشرقاً بكياني

أُصغي لأحلامي وهمس مشاعري

ورسيس قلب دائم الخفقان

وأذيب روحي في غنائي والهاً

كالبلبل المتفجَّر الولهان

أنا ذلك الوتر المجَّرح شدوه

طالت عليه مرارة الأحزان

ضيعت عمري في الحياة خرافةً

وحييت كالطلل الشجي العاني

ضاقت بي الدنيا فهمتُ بغيرها

بعدت. . . فلم تحلم بها عينان

دنيا من النور المصَفَّى كلها

فرحٌ وأحلام وعذابُ أغاني

ص: 42

‌هذا العالم المتغير

للأستاذ فوزي الشتوي

خطوات العلم في سنة 1944

لخص وطسن دافيس مدير معهد الخدمات العلمية الخطوات العشر الموفقة التي خطاها العلم في سنة 1944.

1 -

تطبيق عملية الدفع الغازي على الطائرات. وهذه العملية عبارة عن اندفاع غازات مضغوطة من مؤخرة الصواريخ تؤدي إلى دفعها إلى الأمام.

2 -

استعمال القنابل الآلية والصواريخ الذاتية الاندفاع بنطاق واسع في هذه الحرب.

3 -

نجاح استعمال المركب الكيماوي المعروف باسم وانتشاره كقاتل للميكروبات وخصوصاً لمقاومة ناقلات حمى الملاريا والتيفوس.

4 -

استعمال العفن الكيمياوي مثل البنسلين كعلاج ناجع لمجموعة كبيرة من الأمراض المختلفة.

5 -

صقل الأخشاب وتحويلها إلى أخشاب أفضل بالوسائل الكيماوية.

6 -

استعمال السليكون بأنواعه في عزل المواد المختلفة وكمادة لا ينفذ منها الماء.

7 -

تقسيم الدم الإنساني إلى سبعة أجزاء واستعمالها في كثير من الأغراض الطبية.

8 -

صنع آلة ضخمة لتيسير العمليات الحسابية المطلوبة لشؤون الحرب والأبحاث العلمية.

9 -

استعمال الأشعة فوق البنفسجية وغيرها لتقليل انتشار المكروبات في الهواء.

10 -

استعمال القلاع الطائرة المعروفة باسم ب - 29 في الحرب.

بماذا نستعيض عن اللحم؟

هل اللحم مادة ضرورية لتغذية الإنسان؟ وهل نقص كمياته يسبب للإنسان ضرراً؟

يقول القلم نعم. فالأغذية الحيوانية سواء من اللحوم أو البيض أو اللبن ضرورية للإنسان لأنها تحتوي على مواد زلالية ذات قيمة حيوية كبيرة لاحتوائها على أنواع من الأحماض الأمينية التي لا يستطيع الجسم بناءها. فان قلت هذه الأحماض في جسم الإنسان سببت له

ص: 43

أمراضاً مختلفة

وتقل نسب هذه الأحماض في المواد النباتية، ولا يستطيع الجسم تعويض نقصها إلا بتناول مقادير كبيرة من الأغذية النباتية إن اقتصر غذاؤه عليها.

ولعله من حسن حظ الفقير وطفله أن يجدا في بلادنا مادة نباتية رخيصة الثمن سهلة التناول وتعوض عليه نقص المواد الحيوانية وهي الفول السوداني. وهما يتناولانها دون أن يشعرا أنهما يأكلان مادة ضرورية لنمو جسميهما، فهما يأكلانها لمجرد التسلية فتعطيهما ما حرمهما منه المال وارتفاع مستوى المعيشة.

وقد اتجه نظر العلماء في العصر الحاضر إلى دراسة المواد الزلالية النباتية التي تستطيع أن تحل محل المواد الحيوانية في الطعام، فجرب جماعة من العلماء الأميركيين الفول السوداني وبذرة القطن وفول الصويا على الحيوانات. وقارنوا نتيجة تغذية الحيوانات بهذه المواد بمثيلتها من دقيق القمح أو اللبن فكانت النتيجة كما يبين الجدول الآتي: -

الزيادة في الوزن

الغذاء

دقيق قمح صافي

19 جرام

= قمح وردته

36 =

= فول سوداني

75 =

= بذرة القطن

85 =

= فول الصويا

87 =

= مخلوط سوداني وقطن وصويا

84 =

ص: 44

اللبن

100 =

والإنسان لا يعيش على نوع واحد من الأطعمة بل يتناول ألوناً مختلفة، فجربوا خلط هذه المواد 5 % و10 % و15 % إلى دقيق القمح، فكانت النتيجة باهرة النجاح إذ عوض خلط دقيق القمح بـ15 % من دقيق الفول السوداني ما يتيحه لنا خلطه باللبن المجفف بنسبة 5 %، وهو ما يعز على كثير من الناس في العصر الحالي. ويبين الجدول التالي نسب الخلط والزيادة في الوزن بالجرام تحت كل من المواد المكملة لباقي النسبة لتكون 100 %

لبن

صويا

قطن

سوداني

قمح

49 %

39 %

29 %

29 %

95 %

77 %

75 %

41 %

44 %

90 %

85 %

93 %

ص: 45

45 %

48 %

85 %

ومن هذا الجدول يتبين أن أكثر المواد نفعاً لجسم الإنسان هو فول الصويا الذي تتجاوز فائدة الجسم منه مثيلها من المواد الحيوانية مثل اللبن، فعندما خلط كل منها بنسبة 15 % إلى القمح زاد وزن الحيوان في الأول 93 جراماُ ولم يزد إلا 85 جراماً مع اللبن. ويليهما في المرتبة الفول السوداني.

على أن هذه النتيجة حلت معضلة الأميركيين لكثرة فول الصويا عندهم ومن ثم أقبلوا على استعماله بكثرة.

ولم تفت هذه النتيجة الهامة علماءنا المصريين وهم يعرفون أن الشعب المصري يتخذ الرغيف غذاءه الأساسي فأجروا عدداً من التجارب نرجو أن نطلع القارئ عليها فيما بعد

الطيور تكره الحبوب المصبوغة

تجري مصلحة الأسماك والحيوانات المشردة أبحاثاً عن استجابة الطيور والحيوانات للألوان. وقد وجدت أن بعض الطيور لا تقرب حبوب القمح إذا صبغت باللون الأصفر الفاقع أو البرتقالي أو الأخضر كما أظهرت بعضها عداء للون الأحمر.

والمعروف أن الطيور شديدة الحساسية للألوان وتشك في الغريبة منها. وربما أدى هذا الأساس إلى نجاح الفلاحين في مقاومة جرذان الحقول والكلاب الضالة وغيرها من الحيوانات الضارة وذلك بصبغ أغذية مسممة بألوان تعافها الطيور المنزلية وتقبلها هذه الحيوانات التي لا تتأثر بالألوان فتصاب بالتسمم وتموت

سلاح سري باللاسلكي

عثر الحلفاء أثناء زحف قواتهم على أحد الأسلحة الألمانية السرية. وهو عبارة عن طائرة من قاذفات القنابل الضخمة من طراز جنكرز 88. وهي تملأ بالديناميت، وتمتطيها طائرة أخرى صغيرة يقودها طيار وتحلق الطائرتان معاً، فان اقتربتا من الهدف انفصلت الطائرة الكبيرة عن الصغيرة ووجهتها الأخيرة باللاسلكي إلى منطقة الهدف.

ص: 46

زميل للبنسلين من الثوم

توصل بعض الكيماويين من عزل عقار من نبات الثوم اسمه اليسين وهو يشابه البنسلين في كثير من خواصه. وهذا العقار سام عندما يحقن في الجسم وأقل أثراً من البنسلين في مقاومة بعض ميكروبات لا يهاجمها البنسلين.

وقد صنع أحد الصيادلة منه حبوباً تطهر مياه الشرب من الأحياء التي تسبب الدوزنتاريا وغيرها من الأمراض.

تحليق الطائرات بالصواريخ

تزود بعض الطائرات الضخمة بالصواريخ لتساعدها على التحليق في الجو من بقعة أرض ضيقة المساحة. ويسهل على الطائرات التخلص من هذه الصواريخ بعد تحليقها في الجو وكانت عقبة استعمال الصواريخ في تعذر السيطرة عليها من جهة، وفي إيجاد مادة تتحمل الحرارة الشديدة التي يولدها اندفاع الغاز الأبيض من جهة أخرى وقد تيسر تذليل الصعوبتين.

منفاخ للطيران العالي

كان الحد الأقصى الذي يستطيع الطيارون الارتفاع إليه 42 ألف قدم. ولا يستطيعون المكث في هذا الارتفاع أكثر من دقائق، وقد أتيح اختراع منفاخ ينفخ الرئتين مثل البالون فيستطيع الطيار بواسطته الارتفاع إلى 50 ألف قدم لدقائق قليلة بينما يستطيع الطيران على ارتفاع 45 ألف قدم لمدة نصف ساعة.

فوزي الشتوي

ص: 47

‌البريد الأدبي

الأستاذ النشاشيبي

كادت القاهرة في هذا الشتاء أن تكون حاضرة العالم كله. وفد إليها الملوك والرؤساء والوزراء وأقطاب السياسة وأعيان الأدب وأعلام الصحافة، فأشرقت بهم إشراق الفجر المسفر عن صبح يوم سعيد، ثم غادروها بعد أن وضعوا في تاريخ الشرق العربي عنوان فصل جديد. وكان آخر من تركها إمام العربية وخاتمة محققيها الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي رائد الوحدة الوحدة العربية بما حاضر وخطب، ورسول الجامعة الإسلامية بما ألف وكتب. والأستاذ النشاشيبي شخصية قوية تميزت بجملة من الفضائل والمواهب قلما تجتمع لأحد. وقف نفسه ووقته وجهده على دراسة الإسلام الصحيح في مصادره الأولى، وتحصيل اللغة وعلومها وآدابها من منابعها الصافية، وأعانه على ذلك قريحة سمحة وبصيرة نيرة وذاكرة قوية وذوق سليم، فكان آية من آيات الله في سعة الاطلاع وكثرة الحفظ وتقصي الأطراف وتمحيص الحقائق. ومن يقرأ ما ألف من الكتب، ويتتبع ما نشر من المقالات، يجد الدليل الناهض على كل ذلك.

كان مجلسه في (الكنتنتال) ندوة علم وأدب وفكاهة؛ لا تُذكر مسألة إلا كان له عنها جواب، ولا تثار مشكلة إلا أشرق له فيها رأي، ولا تروي حادثة إلا ورد له عليها مثَل، ولا يحضر ندوته أديب مطلع إلا جلس فيها جلسة المستفيد. حفظ الله الأستاذ الكبير في حله وترحاله، وحفظ العربية والعروبة بنبوغ أمثاله.

الدكتور عبد الوهاب عزام

أقيل الدكتور حسن إبراهيم حسن من عمادة كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول. وفي يوم الأربعاء الماضي اجتمع مجلس الكلية لانتخاب العميد الجديد، فانتخب صديقنا الدكتور عبد الوهاب عزام بما يشبه الإجماع. وفي هذا الانتخاب الموفق رفعٌ لهذا المنصب إلى المستوى الذي كان له حين شغله الأستاذان الجليلان طه حسين وأحمد أمين؛ فإن للدكتور عزام من سعة العلم وسمو الخلق ورفيع المكانة ما يرد إلى عمادة الآداب اعتبارها، ويحقق للكلية ما ترجوه من حسن الثقة وسداد التوجيه واطراد التقدم.

ذكرى الأستاذ أمين الريحاني

ص: 48

في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم السبت الماضي احتفلت بيروت بذكرى الكاتب الفيلسوف الأستاذ أمين الريحاني بمناسبة قرار الحكومة اللبنانية (رفع رسمه في دار الكتب الكبرى، وإطلاق اسمه على أحد الشوارع المعروفة)، فافتتح الحفلة وزير التربية الوطنية والفنون الجميلة، وخطب صاحب الدولة رئيس الوزارة السورية، فمندوب المملكة السعودية، ثم أنشدت قصيدة للأستاذ خليل مطران بك عن مصر؛ ثم تتابع على المنبر الأساتذة: خليل تقي الدين، وخليل السكاكيني، وسامي الكيالي، وعمر الفاخوري، وفؤاد باشا الخطيب، فوفوا صاحب الذكرى حقه من الإشادة بفضله والاعتراف بجميله.

ومصر الأدبية تشاطر المحتفلين الأفاضل هذه العاطفة الكريمة وتسأل الله أن يتغمد فقيد العربية بالرضوان والرحمة.

محمد رمزي بك مؤرخ البلدان المصرية

يلاحظ الذين يقرئون في كتاب (النجوم الزاهرة) لابن تغري بردى تعليقات ثمينة على الأماكن الأثرية والمدن والقرى المصرية.

وتكاد هوامش هذا الكتاب القيم تزدحم بهذه التحقيقات التي تدل على بسطة في العلم وسعة في الاطلاع، حتى ليخيل إلى القارئ أن صاحبها لم يدع أثراً من آثار مصر ولا خطة من خططها إلا تعرف إليه معرفة الخبير.

ذلك العالم الذي فجع العلم بوفاته في الأسبوع الماضي هو المرحوم محمد رمزي المفتش بالمالية سابقاً ومؤرخ المواقع المصرية ومحقق تاريخ الآثار والديار وصفتها وتحديد أماكنها القديمة إذا كانت ضاعت معالمها

كان محمد بك رمزي دليلا حافلا من دلائل الآثار المصرية وخاصة الإسلامية منها. وقد عرفت له الهيئات العلمية والدوائر الرسمية هذا الفضل فكانت تأنس إلى رأيه وتطمئن إلى تحقيقه ولطالما تهافتت عليه الهيئات وألحت عليه فصرفته عن التأليف المستقل إلى الكتابة هنا وهناك وهو في ذلك لا يشفق على سنه العالية؛ كأنه كان يزيد على الهرم مضاء وفتاءً.

ويشهد بهذا الفتاء الجزء التاسع من (النجوم الزاهرة) الذي خرج إلى سوق الأدب من عهد غير بعيد فإذا به يفيض بتحقيقات عجيبة لا يتسع لها صدر رجل جاوز السبعين. فهو

ص: 49

يحقق في هامش صفحة 96 موضع (جامع بين السورين) ويناقش المقريزي مناقشة العالم.

ويعلق في ص 144 على (خانقاه سرياقوس) وتاريخ إنشائها فيصوب ما ذكره المقريزي ويخطئ رواية ابن تغري بردى في (النجوم الزاهرة).

وهكذا تجد للرجل - في هامش كل صفحة تقريبا - تعليقاُ وتحقيقاً وتصويباً وتخطيئاً. وهو في ذلك كله الحجة الثبت. وهو الذي عرف الدكتور عزيز سوريال عطية الأستاذ بجامعة فاروق الأول إلى المغفور له الأمير عمر طوسون فكلفه إخراج كتاب (قوانين الدواوين) لابن مماتي إخراجا علمياً. فقام الدكتور بالعمل؛ وراجع محمد رمزي بك الباب الثالث من الكتاب وهو الخاص بتقويم البلدان، وأقام ما فيه من تحريف وتصحيف فاستحق بذلك شكر الأمير وتقديره في مقدمته للكتاب

ولقد عرفت الفقيد معرف عين وحديث من ثلاثة أعوام. قدمني إليه محمود نصير بك فرأيت منه فضل التشجيع وحسن التقدير؛ ورأيت منه فوق ذلك تواضعاً أكبره في عيني؛ ورأيت تحت إبطه خريطة منتفحة لا يحمل فيها مالا ولا ذهباً؛ ولكن يحمل علماً وأدباً. . .

وحدثته بعد ذلك في (المسرة) حديثاً علمياً تاريخياً. وكان ذلك منذ عام. وما كنت أدري أنه حديث لغير لقاء. أجمل الله للعلم فيه العزاء.

محمد عبد الغني حسن

تصويب اسم كتاب

ذكر الأستاذ الفاضل منصور جاب الله في العدد (610) من مجلة الرسالة الغراء أن أسم كتاب صاحب العالي الدكتور هيكل باشا (الفاروق عمر) خطأ لأن علماء النحو من بصريين وكوفيين نصوا على أن الاسم يتقدم على اللقب في جميع الأحوال، فيقال:(عمر الفاروق) ولا يقال (الفاروق عمر)

وقد فات الأستاذ أولا أن اللقب إنما يجب تأخيره عن الاسم إذا لم يكن اجتماعهما على سبيل إسناد أحدهما إلى الآخر، فإذا كان اجتماعهما على هذا السبيل أخر منهما ما قصد المتكلم الحكم به. ويمكن أن يكون اسم هذا الكتاب (الفاروق عمر) على سبيل الإسناد. فهو جملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر. وقد ورد عن العرب العلم المركب من جملة فعلية مثل تأبط

ص: 50

شرا، وشاب قرناها، ولم يرد عن العرب المركب من مبتدأ وخبر، ولكنه جائز بمقتضى القياس كما ذكره الأشموني.

وفاته ثانياً أن تقديم اللقب على الاسم في غير الإسناد جاء نادراً في مثل قول أخت عمرو ذي الكلب:

أبلغ هُذَيْلاً وأبلغ من يُبَلَّغهُا

عني حديثاً وبعض القول تكذيبُ

بأن ذا الكلب عَمْراً خيرهم حسباً

ببطن شِرْيَاِنَ يغوى حوله الذَّيبُ

وكذلك ورد في قول أوس بن الصامت:

أنا ابن مُزيْقِيَا عمرٍو وجَدَّي

أبوه منذرٌ ماء السمَاءِ

ولا شك أن ورود هذا، وإن كان نادراً، مما يكفي في تصويب اسم هذا الكتاب (الفاروق عمر)، والحكم بأنه خطأ مع هذا تعنت لا يقبل في عصرنا.

عبد المتعال الصعيدي

وقد زاد الأديب أحمد إبراهيم الغرباوي على ذلك بقوله:

وقد نقل العلامة (يس) في حاشيته على كتاب التصريح قول الزرقاني: (قد نص ابن الأنباري على أن اللقب إذا كان أشهر من الاسم يبدأ به قبل الاسم، كما في قوله تعالى: إنما المسيح عيسى بن مريم، فإن المسيح لا يقع على غيره بخلاف عيسى فإنه يقع على عدد كثير. ولذلك تقدم ألقاب الخلفاء لأنها أشهر من أسمائهم).

قال السيوطي: (ففي هذا تخصيص لإطلاق وجوب تأخير اللقب).

ص: 51

‌الكتب

1 -

فصول في الأدب والنقد

للدكتور طه حسين بك

2 -

الفاروق عمر

للدكتور هيكل باشا

- 1 -

لعل في الكشف عن بيان الفرق بين الأدب النقدي؛ والنقد الأدبي تصويراً لمذهب الدكتور فيما يعرض له من الدراسات الأدبية والنقد الفني؛ فالأدب النقدي نستطيع تعريفه بأن قوامه الفن الأدبي ثم يتخلص الحين بعد الحين ليوجه النظر إلى ما يستثير الإعجاب أو ينبه في رفق ولين إلى ما لا يجمل أن يكون؛ فالقارئ في صحبته مستغرق فيما يفيضه الأدب من صور جذابة وإن استوقفه كلما أطرد بهما السير ليمعنا الفكر فيما تنطوي عليه تلك الآيات. أما النقد الأدبي فلا تعدو دائرة الصواب إذا قلت إن عماده الدرس والتحليل والتشريح؛ وإن كان أريج الفن ينشر شذاه ملطفا هذا الجو الذي هو أقرب ما يكون إلى الجو العلمي الثقيل الصارم؛ ولكنك مع الدكتور أبعد ما تكون عن هذا الجو الذي يبث السأم في النفس؛ ويسلط العناء على الذهن؛ ويجعلك تتشوق دائما إلى الخلاص من هذا الجهد المضني الذي يثقل عليك إذا طال بك العهد في جواره فهو يجيد كيف يسري عن القارئ؛ ويذود عنه أشباح الملل؛ ويذله عن نفسه بما يسوق بين يديه من الصور الهادئة الطبيعية الجميلة؛ فأنت معه - في الأدب الجاهلي - لست في صحراء موحشة ما تكاد تلم بها حتى تتلفت متطلعاً إلى الفرار منها: ولست محتاجا إلى تسليط إرادتك على عواطفك حتى يتسنى لك قطعها؛ وإطراح أثقالها وأنت متبرم بها ساخط عليها، بل أنت معها في مكان موفق أشبه ما يكون بأحد الملاعب؛ أو دور الصور المتحركة تجلس هادئاً مستريحا جذلانا؛ ثم تأخذ الصور تتهادى أمام ناظرك وكلها متعة؛ وكلها ترويح؛ فكل ما تصبو إليه أن تطول هذه الأوقات لتأخذ من هذا المتاع الروحي بحظ وافر؛ فلا تكاد تتقدم معه في القراءة حتى تشعر بالحاجة إلى المعاودة لاستبقاء اللذة واطراد المتاع؛ لأنه تمكن من النجاح في الاستئثار بالحواس

ص: 52

وتقديم النظريات العلمية مغلفة وموشاة بأزاهير البيان فلا ينفر منها الحس، ولا تنبوا عنها، المشاعر، بل تنساب في هذه النواحي سهلة لينة، هذا هو سر الكلف بأدب الدكتور وتعلق القلوب به، حتى ذهب بعض النقاد إلى القول بأن أبحاث الدكتور الأدبية ستخلد ببيانها وعرضها وأسلوبها كما تخلد بنظرياتها وأنت في حل من أن تماري فيما يضم هذا الكتاب أو ذاك من آراء لا تطمئن إليها أو تذهب إزاءها مذهبا آخر؛ ولكن الذي ليس فيه مراء أنك مع هذه الأبحاث في جو فني بديع؛ على هذا الأسلوب يتناول الدكتور أبحاثه ودراساته الأدبية، فقد يذهب بك إلى (المتنبي) أو (أبي العلاء) أو (الأدباء المعاصرين) فتجد خير من يؤنس ويقدم ويدير الحديث؛ ويرفع الحجب بينك وبينهم؛ ويضع يدك في لباقة على مواضع ضعفهم؛ وجوانب مآخذهم؛ ولم يلبث أن يصوب اتجاهك إلى مبعث خلودهم؛ ومصادر عبقرياتهم؛ كل ذلك بهذه الطلاة وهذا الجمال وهذه الأريحية؛ وكل هذه الخصائص نجدها بارزة واضحة في هذه الفصول التي نشرها الدكتور حديثا في الأدب والنقد؛ وهي إن امتازت بشيء فهي تمتاز بأنها لم تقدم لنا شخصيات من العصر الجاهلي؛ أو الأموي؛ أو العباسي؛ مما يفصل بيننا وبينهم كثير من العادات والأذواق والنظرة إلى الحياة، بل تقدم إلى الشباب الذي يأخذ نفسه بالدراسات الأدبية شيوخه في الأدب؛ ومن هم في الطليعة ومن يحملون المشاعل لهدايته. ومن ذا الذي لا يحتاج من الشباب إلى أن يكون علمه عن شيوخه أتم وبصره بمذاهب تفكيرهم وشيات إنتاجهم أوفى؛ حتى يستطيع أن يتمثل كل ما يصدر عنهم تمثيلا صحيحاًً لأنه يتركز على دعائم من الدراسة التي تبرز طبائع كل منهم؛ ففي هذه الفصول تستطيع أن تقف على كثير مما كان يستتر عن فهمك مما يتعلق بهؤلاء الشيوخ. فأنت ستعرف كثيرا عن أمثال الأستاذ - أحمد أمين بك - وأدبه في رأي الدكتور، وستعرف عن الأستاذ - العقاد - والأستاذ - أبي حديد - وغيرهم ممن يكيفون النهضة الأدبية في الشرق؛ وتقف على اتجاهاتهم الفكرية وخصائص أقلامهم، كل هذا تظفر به من غير أن يشعرك الدكتور أنه سيعرض عليك شيئاً من هذا بل هو يجعل من - فيض الخاطر - مثلا - لأحمد أمين بك - سبباً للكتابة يعرج بك من هذا الجانب مرة؛ وذاك أخرى؛ ويرسم لك هذه الصورة ويدع لك هذا اللون وإذا بشخصية لا يند منها شيء ولا يخفى عليك منها خافية؛ ويسير على هذا النهج مع كل من عرض لهم في هذه الأحاديث؛

ص: 53

والكتاب ممتع في أسلوبه؛ شيق في عرضه؛ خليق بالقراءة والدرس لأنه يقرب بعد الشقة التي تفصل شباب الأدب وشيوخه وتعطي لك صورة عن مذاهبهم الفنية؛ وإن حمدنا شيئاً فأنما نحمد رجوع الدكتور إلى ميدانه بعد أن طالت غيبته؛ وتشوفت القلوب إلى طلعته.

- 2 -

العصور الإسلامية أحوج ما تكون إلى البعث والصقل والربط بين أجزائها وترتيب المقدمات الصحيحة التي أفضت إلى هذه النتائج؛ لأن هذه العصور لا تزال مطموسة المعالم؛ حائلة الصورة؛ مفككة الأجزاء؛ ينقصها رفع الأغشية عن اطرادها المنطقي لسير حوادثها؛ وحركات تطورها؛ فتاريخنا لم ينل من العناية والدقة ما يحفظ عليه ملامحه؛ ويحدد كينونته؛ وتأخذه العين كائناً؛ حياً؛ له خصائصه وشياته؛ بل تجده أجزاء متفرقة؛ لا ينظمها تسلسل منطقي؛ ولا تربطها وحدة؛ وما أشبه تاريخنا بحومة وغى؛ انكشف تلاحمها عن أشلاء قد كدس واختلط بعضها ببعض، فعلى من يريد أن يرد إلى كل جسم بقاياه؛ أن يعمد إلى متناثره من هنا وهناك؛ حتى يستطيع أن يسوي منه مخلوقا؛ هكذا انتثرت مهايا العصور الإسلامية ومهايا رجالها في هذا الحشد المزدحم من هذه الأخبار المتضاربة أحياناً التي ينقصها في كثير من المواضع طابع الاتزان؛ نجد في هذا المكان لمحة عن هذه الشخصية أو العصر ربما أتت عرضاً؛ وفي ذاك صورة يمكن بعد نفض الغبار عنها أن تكون مادة قوية في رسم لوحة من لوحات هذا العصر أو ذاك؛ فرسالة المؤرخ لهذه الحقب أن يطيل النظر كثيراً مع استعانته بكل ما من شأنه أن يعينه على جمع الأشباه إلى الأشباه؛ والنظائر إلى النظائر؛ وإقامة حياة من ذلك الشتيت المتناثر؛ ثم يعمد إلى سد الفجوات في هذا البناء؛ وتنسيق الحوادث تنسيقاً منطقياً؛ حتى يبدو عليه وقار الحياة؛ وجلال الدرس القيم؛ ثم يلقي الأضواء دائماً على الجوانب التي يكتنفها شيء من الظلام؛ ويجلو الآفاق التي يخيم على تألقها الضباب؛ هنا يصبح التاريخ وهو قطعة حية من صميم الحياة المطردة والوجود المتماسك؛ والدكتور هيكل باشا أول من حاول هذه المحاولة في كتابة التاريخ الإسلامي على هذا الأسلوب العلمي الدقيق؛ فقد كان صاحب اليد في تجلية العصر النبوي؛ وإماطة اللثام عن كثير من جوانبه؛ وتوجيه الأنظار إلى مشرق النور؛ ومصدر السمو البشري؛ ومنزل الوحي؛ وتقديمها لأول مرة في هذا الثوب الجديد؛ وقد استطاع أن

ص: 54

يعطينا صورة من هذه الفترة التي لونت حياة العالم الإنساني إلى حد العلمية في البحث والتحليل؛ والجمال الفني في العرض؛ والتصوير؛ وهاهو ذا اليوم يهدي إلى الأدب؛ والعلم؛ والتاريخ؛ شخصية من أضخم الشخصيات العالمية؛ وهي شخصية - الفاروق عمر - والعالم كله يجتاز هذه المرحلة وهو أشد ما يكون احتياجا إلى الأخلاق؛ والشجاعة؛ والعدل؛ والعطف؛ والمساواة؛ والأخذ على يدي الطاغي مهما كانت مظاهر سطوته؛ التي سنها عمر في سياسته وضربها مثلا في معاملته؛ وهذا الكتاب الجديد يحمل طابع المؤلف في كتابيه السابقين - حياة محمد - والصديق أبو بكر - من حيث الدأب في الحصول على كل ما يتعلق بهذه الفترة؛ وتلك الشخصية في كل ما تفرق من المصادر العربية؛ وما يتصل بها من البحوث الغربية التي قام بها المستشرقون - وإعمال الفكر؛ ودراستها دراسة تحليلية؛ ومناقشة كل ما يستحق المناقشة على الطريقة العلمية؛ ثم يترك قلمه يصوغها صياغة فنية خلابة؛ فكتابة الدكتور - هيكل باشا - تحمل دقة المنطق؛ وطلاوة الأدب؛ ومن هنا كانت قيمتها لأنها تشوق القارئ إلى اقتحام فيافي التاريخ الشاقة؛ وتعين الباحث المختص على تقديم مادة قوية في هذا المجال ويرسم النهج الذي يجب أن يحتذيه من ينهض بعبء هذه الرسالة، ولا ريب أننا تعوزنا هذه الأبحاث؛ وهذه الدراسات في تاريخنا الإسلامي وتقديمه للشباب في هذه الأساليب العلمية والهالات الفنية؛ حتى يتهيأ لنا أن نوقد الرغبة في قلوب الشباب ونثير الشوق إلى هذا التاريخ حتى يتسنى له أن يأخذ حظه من العناية والدرس بين الحضارات الأخرى؛ ومن هنا كان أهمية هذا المؤلف القيم عن هذه العبقرية الخالدة. . .

والذي نأمله ألا يلبث القارئ طويلا حتى يظفر بين يديه بشخصية جديدة من شخصيات هذا التاريخ.

محمد عبد الحليم أبو زيد

ص: 55