الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 627
- بتاريخ: 09 - 07 - 1945
السلفية والمستقبلية
للأستاذ عباس محمود العقاد
عني الأديب الفاضل الأستاذ الحوفي بالرد على اللغط الذي يلوكه باسم التجديد ذلك الكاتب الذي يكتب ليحقد، ويحقد ليكتب، ويدين بالمذاهب ليربح منها ولا يتكلف لها كلفة في العمل أو في المال.
فهو يشتري الأرض، ويتجر بتربية الخنازير، ويسخر العمال ويتكلم عن الاشتراكية التي تحرم الملك وتحارب سلطان رأس المال
وهو يعيش من التقتير عيشة القرون الوسطى في الأحياء العتيقة ويتكلم عن التجديد والمعيشة العصرية.
وهو ينعى الحضارة الأسيوية وإنه لفي طواياه يذكرنا بخلائق البدو المغول في البراري السيبيرية.
ومن لغطه بالتجديد ذلك الغط الذي لا يفهمه، قوله الذي ردَّ للأستاذ الحوفي وهو:(التفت إلى عبارة قالها الأستاذ العقاد بشأن الاشتراكيين في مصر لها مناسبة هنا. إذ هم يدعون على غير ما يجب إلى اللغة العامية؛ وقد حسب عليهم هذه الدعوة في فاتحة رذائلهم، لأنه هو يعتز بفضيلة اللغة الفصحى؛ ويؤلف عن خالد بن الوليد أو حسان بن ثابت، ولكنه غفل عن التفسير لهذه الاجتماعية وهي أن الاشتراكيين شعبيون يمتازون بالروح الشعبي ويعملون لتكوينه، وهم لهذا السبب أيضاً مستقبليون وليسوا سلفيين. . . في حين أنه هو سلفي الذهن في لغته وأسلوبه وتفكيره وسلوكه. . .)
وهذا كلام عن السلفية والمستقبلية ببغاوي العبارة لا يعقل قائله ما يقول:
لأن الكتابة في الموضوعات التاريخية ليست هي مقياس السلفية أو المستقبلية وإلا كان المؤرخون كلهم سلفيين لأنهم ما كتبوا ولن يكتبوا في غير العصور السالفة وفي غير الماضي البعيد أو القريب، وإنما المقياس الصحيح هو طريقة الكتابة في الموضوعات التاريخية والأبطال التاريخيين، وبهذا المقياس يحسب الإنسان سلفيا رجعياً ولو كتب عن المستقبل الذي يأتي بعد مئات السنين، إذ هو قد يكتب عنه بروح الجهل القديم والعصبية الرجعية، وهي العصبية التي عششت في دماغ ذلك الكاتب الببغاوي فلا ينساها في
موضوع قديم ولا حديث.
ومن أصدق المقاييس للمستقبلية الإيمان بالحرية الفردية والتبعة الشخصية.
فليس في التاريخ الإنساني كله مقياس أصدق ولا أوضح ولا أكثر اطراداً في جميع الأحوال من مقياس حرية الفرد بين أمة وأمة، وبين زمان وزمان، وبين خليقة وخليقة، وبين تفكير وتفكير.
فإذا قابلت بين عصرين اثنين فأرقاهما ولا ريب هو العصر الذي يعظم فيه نصيب الفرد من الحرية والتبعة الشخصية.
وإذا قابلت بين أمتين في عصر واحد ولا ريب هي التي تدين بالنظم القائمة على تقرير حرية الفرد وتحميله التبعة في الساسة والأخلاق.
وهذا الفارق الحاسم هو أيضاً مقياس الفارق بين العالم والجاهل والرفيع والوضيع والرجل والطفل والرئيس والمرؤوس وكل فاضل وكل مفضول.
ولهذا كنا نحن مستقبليين لأننا ندين بمذاهب الحرية الفردية ولا ندين بمذاهب الفاشية والشيوعية، ولا نرى في واحدة منها خيراً لبني الإنسان. وقد حاربنا الفاشية والنازية في الوقت الذي كان فيه الببغاوات من أمثال ذلك الكاتب يطبلون لها ويزمرون، ويسجدون لأبطالها ويركعون، وعشنا وعاش الناس حتى رأوا ورأينا مصداق ما أنذرنا به وأكدنا وقررناه. وسنرى عن قريب مصداق ما أنذرنا به وأكدناه وقررناه في أمر الشيوعية الماركسية على الخصوص، لأنها هي المذهب الذي نحن على يقين من سوء مصيره وسوء وقعه وسوء فهمه بين أدعيائه، ليس هو الاشتراكية في صورتها الحرة المهذبة كما يغالط ذلك الكاتب الببغاوي في التسمية وهو يتعمد أو لا يتعمد التغليظ والتخليط
وقد بدرت البوادر التي لا خفاء بها فعلم الشرقيون والغربيون أن سياسة بطرس الأكبر - لا سياسة المستقبل - هي التي يترنم بها الببغاوات في هذا البلد وفي غيره من البلدان، وسيرون المزيد والمزيد من دلائل الرجوع إلى القديم في كل مسألة من مسائل الخلاف بين السلفيين والمستقبليين.
وفي مقاييس المستقبل التي لا تخطئ ولا تكذب في الدلالة على الوجهة التاريخية العامة مقياس التعاون بين الدول، أو التعاون بين الطبقات، أو التعاون بين الأفراد، فإن هذا
التعاون ملحوظ الخطوات في السياسة الدولية من الزمن القديم إلى الزمن الحديث، وهو كذلك ملحوظ الخطوات في المعاملات التي تشيع بين أبناء الوطن الواحد، وسيكون له الشأن الأكبر في علاج مشكلات الاجتماع والاقتصاد على توالي السنين
وبهذا المقياس - بعد مقياس الحرية الفردية - تعتبر الشيوعية من المذاهب الرجعية التي ترجع بنا إلى سيادة الطبقة الواحدة وإن كانت تزعم أنها طبقة وحيدة وأنها هي طبقة الصناع والأجراء. فسيادة الطبقة الواحدة أقدم الصور الاجتماعية التي عرفها الناس، والشيوعية لا تغير في الأمر غير عنوان الطبقة. . . إن صح ما تدعيه.
واسخف السخف قول ذلك الكاتب الببغاوي إن الشيوعيين (يفضلون اللغة العامية لنهم شعبيون مستقبليون).
ومصيبة الدنيا أن تحشو هذه الببغاوات أفواهها بما تسميه تفسير الظواهر الاجتماعية وهي لا تفسر تحت آفاتها ما تسمعه بالآذان وتبصر بالعيون
فاللغة العامية لغة الجهل والجهلاء وليست بلغة الشعبين ولا من يحبون الخير للشعوب.
لأن الغني الجاهل يتكلم اللغة العامية ولا يقرأ اللغة الفصحى ولا يمتاز بفهمها على الفقراء.
ولأن الفقير المتعلم يفهم الفصحى ويكتبها، كما يفهمها سائر المتعلمين من العلية أو السواد.
فأعداء الشعب حقاً هم أولئك الذين يفرضون عليه الجهل ضربة لازب ولا يحسبونه في يوم من الأيام صاعداً من حضيض الجهل إلى طبقة المعرفة والثقافة.
وأصدقاء الشعب حقاً هم الذين يفتحون له أبواب المزايا العالية ويسوون بينه وبين القادرين على التعلم والمتكلمين بلغة المتعلمين.
والمسألة هنا - أيتها الببغاوات التي تفسر الظواهر الاجتماعية - ليست مسألة شعبيين وطبقات وأجور رؤوس أموال كما يهذي كارل ماركمس وأتباعه المفتونون.
وإنما هي مسألة الفارق السرمدي بين المعيشة اليومية وبين الحياة الإنسانية الباقية على اختلاف الأمم وتعاقب العصور.
فكل ما هو من باب القيم الإنسانية الباقية فلا مناص له من تعبير غير تعبير السوق والبيت وكلمات التسلية والاستلقاء، ولو أجبرنا الناس جميعاً في هذه الساعة على الكلام بالعامية دون غيرها لما استطاعوا أن يتجنبوا اللغة الخاصة.
والمصطلحات الخاصة والتراكيب الخاصة سنة واحدة حين يكتبون في الطب أو الرياضة العليا أو الكيمياء أو القانون، ولكان عسيراً عليهم أشد العسر أن يكتبوا بالعامية مذهباً كمذهب كانت أو مذهب لمبروزو أو قصيدة كقصائد المتنبي وبيرون وشكسبير.
فإذا كانت اللغة الخاصة لازمة للمتعلم على كل حال لاستيفاء علم الطب أو علوم الرياضة أو علوم القانون فلماذا تحرم عليه لاستيفاء علوم الأدب والقدرة على التعبير الذي لا يتجاوز حدود اليوم ويصاحب الأمم الإنسانية عدة أجيال؟ ومن قال إن الإنسان يستخدم لغة واحدة حين يساوم على بطيخة أو حين يغسل القدور ويخرط الملوخية، وحين يتكلم عن غبطة النفس بالربيع وسمو الأمل بالحب ونبل الفداء في سبيل العليا؟
ما هذا الولع بالتسفل وهذا الإنكار لكل ارتفاع؟ ما هذا التمرغ في كل وضيع وهذا وضيع وهذا الحرَد الذي لا يطاق على كل شريف رفيع؟
فاللغات الفصحى لم تحفظ حتى يوم لأن الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال يتكلمونها في البيت والسوق، ولم تحفظ حتى اليوم لأنها مزية طبقة من الطبقات الاجتماعية أو مزية الأغنياء القادرين على التعليم، فإن أغنى الأغنياء كثيراً ما كانوا من أضعف المعبرين، وأفصح الفصحاء كثيراً ما كانوا من الفقراء والمعدمين. وإنما اختلفتُ اللهجتان على مدى الزمن بضرورة الاختلاف بين حياة البيت والسوق وحياة المعرفة والتهذيب التي تتجاوز حاجة اليوم إلى حاجة الأجيال
وليس إلا الحقد على كل شريف رفيع يسول للببغاوات أن يحاربوا اللغة الفصحى باسم الشعبية والشعبية منهم براء.
والمرجع بعد إلى الذوق والشعور وخصب الخيال، وهي ملكات حرمتها الشيوعية وذووها من كارل ماركس إلى أذنابه الذين لا يفقهون ما يقول، ولو فقهوه لما عظم شأنهم بين شئون النفوس والعقول.
عباس محمود العقاد
في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
لأستاذ محمد إسعاف النشاشي
- 7 -
ج 10 ص 237: وعن النضر بن شميل قال: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو فقال: أنشدني أقنع بيت للعرب فأنشده قول الحكم بن عبدل:
إني أمرؤ لم أزل وذاك من الله أدي
…
باً أُعَلِّمُ الأُدبا
لا أحتوي خُلَّةَ الصديق لا
…
أتبع نفسي شيئاً إذا ذهبا
وجاء في الشرح: (أديباً في الأغاني قديماً (لا أحتوي) من الاحتواء وهو كونها له وتحت أمره (خلة الخ) يريد زوجة صديقه
قلت: شميل جاءت بكسر الياء وتشديدها وهي - كما قال ابن خلكان -: بضم الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام. . .
(قديماً) كما روى الأغاني خير من (أديبا)
(أعِّلم الأُدبا) هي أُعِّلم الأَدبا)
وهو يعني أدب النفس، ومن هذا الأدب ومن القناعة ألاّ يقول: أعلِّم الأدباء.
(لا أحتوي) هي (لا أجتوي) أي لا أكره وأمل.
و (الخلة) هنا هي الصداقة لا زوجة صديقة. والخلة بالكسر: المصادقة والموادة والإخاء. والبيتان تليهما في الكتاب أبيات.
* ج 12 ص 277: وله (علي بن ثَوْران الكندي):
هتك ادمع بصوب الهتَنِ
…
كلَّ ما أضمرت من سر خفيّ
يا إخلائي علي الخَيف، أما
…
تتقون الله في حثّ المطيّ!
قلت: لا تشدد الياء في (خفي والمطي) حتى لا يختل الوزن:
و (بصوب الهتن) هما (بصوبٍ هتِنٍ) وهتن بكسر التاء. وهذه اللفظة (هتن) لم تجئ في شعر قديم وصل إلينا، ولم يذكرها معجم نعرفه. وقد استعملها المتنبئ في هذا البيت في إحدى قصائده:
العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن
…
العارض الهتن ابن العارض الهتن
جاء في (ديوان أبي الطيب المتنبئ) النسخة التي صححها وجمع تعليقاتها (الدكتور عبد الوهاب عزام) وطبعتها (لجنة الترجمة والتأليف والنشر).
قال ابن القطاع: هذا البيت الذي أفسد المتنبئ فيه اللغة، وغلط فيه، وكرر غلطته أربع مرات؛ وذلك أن العلماء مجمعون على أن يقال: هتن المطر والدمع يهتن هتناً وهتوناً، واسم الفاعل منه هاتن، وكذلك يقال: هتل المطر والدمع يهتل هتلاً وهتولاً باللام، وأسم الفاعل هاتل. ولم يقل أحد من العلماء ولا جاء عن أحد من العرب: هتِنَ يهتَن على فعِل يفعَل فيكون اسم الفاعل منه هتِن على فعِل. ولم يذكره أحد من جميع الرواة ولا اهتدي إليه إلى هذه الغاية حتى نبهت عليه.
جاء في (نزهة الألباء في طبقات الأدباء) للأنباري:
لما أنشد (المتنبي) سيف الدولة قولة في مطلع بعض قصائده: (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه) كان هناك ابن خالويه فقال: يا أبا الطيب إنما يقال: شجاه - توهمه فعلاً ماضياً - فقال أبو الطيب: أسكت، فما وصل الأمر إليك قصد أبو الطيب أشجاه أكثره شجي لا الفعل الماضي. . .
قلت: فهل يقول أبو الطيب لأبن القطاع - وقد أسمعه ما أسمعه -: اسكت، فما وصل الأمر إليك، قد سمعتها من الأعراب، وجدتها في شعر الأعشى أو قلتها ولى - وقد (بلغت في علم اللغة المبالغ) - أن أقولها. وهل نتقبل نحن (الهتن) - هذه قصتها - في هذا الزمن بقبول حسن. . .؟
* ج 8 ص 129 - : قال العماد (الأصفهاني): أقام ملك النحاة (الحسن بن الصافي) في رعاية نور الدين محمود بن زنكي، وكان مطبوعاً متناسب الأحوال والأفعال، يحكم على أهل التمييز بحكم ملك فيُقيل ولا يُستقال، وكان يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي، ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي.
وجاء في الشرح: وكانت (يستقال) في الأصل (ولا يستثقل) وفي البغية: يستقال.
غاشيتي: المراد بالغاشية أنه يكون من أتباعه وخدمه.
قلت: (فيقيل ولا يستقال) هما (فيَقتال ولا يُقتال) أي يحكم على غيره ولا يحكم غيره عليه. في اللسان والتاج: اقتالَ عليهم احتكم. قال أبو عبيد: سمعت الهيثم بن عدي يقول: سمعت
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز يقول في رقية النملة: العروس تحتفل، وتقتال وتكتحل، وكل شئ تفتعل، غير ألاَّ تعصي لرجل. قال: تقتال: تحتكم على زوجها.
و (الغاشية) هنا غاشية السرج وهي غطاؤه.
* ج 16 ص 11:
أبيت الليل مرتقباً كئيباً
…
لهمّ في الضلوع، له أُوار
وجاء في الشرح: كانت هذه الكلمة (مرتقباً) في الأصل (مرتفقاً).
قلت: الأصل صحيح. في الأساس: وبت مرتفقاً متكئاً على مرفقي، وفي اللسان: وبات مرتفقاً أي متكئاُ على مرفق يده، وأنشد ابن بري لأعشى باهلة:
فبت مرتفقاً والعين ساهرة
…
كأن نومي عليّ الليلَ مَحجور
وفي (الكامل) و (جمهرة أشعار العرب) لأعشى باهلة هذا في قصيدته التي يرثي بها المنتشر:
فبت مرتفقاً للنجم أرقبه
…
حيران ذا حذر لو ينفع الحذر
وروى ياقوت لأبن بكير المحاربي:
فبت مرتفقاً أرعى النجوم إلى
…
أن جاوب الديك فينا سحرة ديكا
* ج 17 ص 32: حبس عيسى بن سليمان الهاشمي كيسان. وكان أبو عبيدة يعبث به كثيراً، فشفع فيه أبو عبيدة إلى الأمير، فأمر بإخراجه. فقال للجلاوزة: من أخرجني؟ قالوا: تكلم فيك شيخ مخضوب. فقال: أُمه. . . إن برَّح من الحبس، إحْبيس ظلم، وطليق ذل، لا يكون هذا أبداً.
وجاء في الشرح: إحبيس بمعنى محبوس
قلت: (برح) غير مضعف، وليس هناك برح بالتشديد، وفي مستدرك التاج: تَبرّح كبرح وأبرحه هو، قال مليح الهذلي:
مَكَثْنَ علي حاجاتهن وقد مضى
…
شباب الضحى والعيس ما تتبرح
و (إحبيس ظلم الخ) هي أُحبيس ظلم وطليق ذل؟! وليس في العربية إحبيس.
* ج 17 ص 217: وله (لمحمد بن أحمد بن سهل المعروف بابن بُشْران):
لا تغترر بهوى الملاح فربما
…
ظهرت خلائقْ للملاح قباحُ
وكذا السيوف يَرَوْنَ حسن صِقالها
…
وبحدها تُتَخطَّف الأرواح
قلت: وكذا السيوف يروقُ حسنُ صقالها.
* ج 15 ص 267: وكان عَلْقمةُ والياً على حُوران.
قلت: وردت حوران بضم وهي بالفتح كما ضبط ياقوت في (معجم البلدان)
* ج 15 ص 101: قرأت بخط أبي سعد: سمعت علي بن نصر النيسابوري مذاكرة بمرو يقول: كنت ببغداد فرأيت أهلها تستحسن هذه الأبيات التي لأبي إسماعيل المنشئ:
ذكرتكم عند الزلال على الظما
…
فلم أنتفع من بردهُ بِبَلالِ
فأنشدت قصيدة في نقيب النقباء أبي القاسم علي بن طرّاد الزينبي على هذا الروي أولها:
خليلي، زُمت للرحيل جمالي
…
فقد ضاق في أرض العراق مجالي
وَقُوداً عتاقاً كالأهلة، إنما=ديار الندى والمكرمات حوالي
وما أوجبت بغداد حقي وغادرت
…
بلابل بعد الظاعنين ببالي
وجاء في الشرح: قوداً جمع قوداء: النوق وفي البيت قصر، يقول فيه: إن ديار الندى والكرم حوالي بغداد لا فيها:
قلت (خليليّ، زُمّا للرحيل جمالي) و (قودا) أمر لصاحبيه: قاد، قد، قوداً. و (حوالي) هي (خوالي) بالخاء لا بالحاء.
* ج 17 ص 244: سئل الأديب الأبيوردي عن أحاديث الصفات، فقال: نُقرّ ونُمِرّ.
وجاء في الشرح: نقر ونمر أي نعترف به ونجيزه.
قلت: نقر ونَمُرَ: نسكت ولا نخوض في صفات الله عز وجل مع الخائضْين، لا نجئ معتزلين نافين ولا مشبهين مجسمين، نقر ونمر. . .
2 - بقية حديث في فرنسا
للأستاذ عبد المنعم محمد خلاف
المقال الثاني
مما لم ينشر في سنة 1940 مضافا إليه بعض ما يتصل به
حديثاً
يذكر الذين شهدوا معرض باريس العالمي الأخير سنة 1937 شبه أقفاص أنهم رأوا في أقسام المستعمرات الفرنسية تضم أفراداً من الإنسان الأفريقي والإنسان الأسيوي الذين قضى على أممهم سوء الطالع أن تقع في براثن الاستعمار الفرنسي. وقد عرضوا على أعين الناس أشباه عرايا كأنهم أنواع من (الغورلا) أو (الشمبانزي) أو الوحوش. . . وزيادة في الإزراء بهم وكلوا حراستهم لجماعة من النساء العجائز.
هكذا سمعنا ممن شهدوا هذا المعرض، ولعلني رأيت صوراً لذلك في بعض المجلات المصرية او في دور السينما فيما أظن.
هذه واحدة لفرنسا حامية حقوق الإنسان! التي أوقعت في روع البسطاء أنها اتخذت من ثالوث الحرية والإرخاء والمساواة إلهاً سياسياً بشرت به معها أذنابها في بقاع الأرض.
لقد يغفر الله لفرنسا آثامها في نفسها وفساد حياتها وانحلال روابط الأخلاق فيها وما إلى ذلك من موابقات ومدمرات العمران. . . أما أن يغفر لها امتهانها كرامات الإنسان على هذا النحو وعلى رؤوس الأشهاد بعرضه هكذا، فذلك ما لا أظن الله مقدس الروح الإنساني ولو كان في جسمِ مِسْخٍ، وخالق الناس ألواناً وأجناساً شتى، قد تجاوز عنه لفرنسا!
ما أسعد العجزة والبُله والممسوخين وناقصي الخلقة في الشرق الإسلامي وخاصة في مصر! إنهم يعاونُون وتفاض عليهم ألوان الكرامة من القادرين الكاملين إلى درجة الاعتقاد بأنهم أولياء الله يتبرك بهم ويسعى إليهم ويعطف عليهم؛ لأن وراء النظرة إليهم إدراكاً من الناظرين أن الذي خلقنا كاملين هو خلقهم ناقصين، فهم غير مسئولين.
خلقتُ على ما فيّ غيرَ مخيَّر
…
هواي ولو خُيَّرتُ كنت المهذبا
ولأن الناس يعتقدون أن الذي خلقهم هكذا ضعفاء وسط معترك الحياة لاشك سيتولى الدفاع
عنهم والحماية لهم وامتهان من يمتهنهم.
ولكن الفرنسيين ينظرون إليهم كأنهم حيوانات بشرية في أفق أسفل. ونحن لا نريد أن ننظر إلى هؤلاء الناقصين نظرة الازدراء والإهدار، ولا نظرة التقديس والإكبار، فإن في كلتا النظريتين خروجاً على الصواب، ولكننا نريد أن نوازن بين حظ الروح الإنساني من التقديس في الشرق والهوان في فرنسا التي تزعم ويزعم لها أذنابها أنها حامية حقوق الإنسان. . . ونريد أيضاً أن نقول للذين يدافعون عن روح فرنسا: إنهم لو قضى عليهم سوء الطالع فوقعوا تحت نير الاستعمار الفرنسي ما كان يستعبد أن تحشر فرنسا أقاربهم من الفلاحين المحرومين من العلم والتهذيب والمدنية في أقفاص لتُفَكِّه بهم رواد معارضها تفريجاً عن قلوبهم - إن كان في هذا فرجة قلب - وزيادة في جلب وسائل إحاطتهم بالمعلومات. . .
وإن في القرى المصرية من ناقصي الخلقة الملونين بتغير اللون الأبيض أمثال من في بلاد شمال أفريقية والهند الصينية وجزر مدغشقر الذين عرضت منهم فرنسا نماذج.
يكاد يكون الإعجاب بفرنسا عند جمهور المدافعين عنها المحزونين على سقوطها يدور على محاور ثلاثة:
1 -
مبادئ ثورتها التي زعموا أنها أول ثورة أعلنت حقوق الإنسان واتخذت من ثالوث الحرية والإخاء والمساواة إلهاً سياسياً.
2 -
دنياها الفكرية والأدبية التي ينمو فيها كل رأي بدون حرج ولو كان فيه حتف الدولة والدين. . .
3 -
دنيا باريس (ذات المائة درجة والمائة دركة) بما فيها من حقائق وأباطيل، وضلال وهدى، ورشد وسَفَه.
أما الثورة الفرنسية فلم أر ثورة حبطت في أرضها وضاع أكثر ما بذل من الدماء هباء منثوراً مثل حبوطها وضياع جهودها. . . ومع ذلك فقد ظفرت في الشرق الإسلامي وخاصة مصر بدعاية فتنت الشباب فتنة العمى، وأنستهم أن في مواريثهم الفكرية ولسياسية مبادئ أكمل وأكرم من مبادئها قد رآها التاريخ وسجلتها صحائفه قبل أن تثور فرنسا بألف ومائتي سنة. فلا ينبغي لهم أن يذكروها إلا بترتيبها التاريخي كصدى بعيد جداً للثورة
الإسلامية الكبرى. ولكنا نحن العرب لسنا أمة فيها طفولة تحب الإعلان والطنطنة الجوفاء. . .
وللشباب معاذير من قصور البرامج الدراسية للتاريخ الإسلامي قصوراً معيباً. ووزر ذلك على الذين مسخوه ولم يكلوا دراسته للمؤمنين به الواقفين على أسراره، ومعاذيره من الدعاية العريضة التي تنفق عليها فرنسا (العلمانية) والكاثوليكية وتحشد لها الذين أفئدتهم هواء وأعينهم وشهواتهم ثقيلة، فانطلقوا يحرقون البخور ويفرشون الأزهار ويعطرون الأجواء لفرنسا والثقافة اللاتينية، ويقيمون من فرنسا تمثالاً أمام أعين الشباب للحرية والقوة والعلم والجمال حتى جهل الشباب الإسلامي والعربي أنهم أعرق في الحرية والمساواة وأعرف بهما، ولكن أممهم لا تحسن الإعلان.
ولقد مهد هؤلاء الدعاة للثقافة الفرنسية في نفوس المصريين، وطبعوا النفس المصرية بالطابع الفرنسي في المدرسة والبيت والذوق العام. . . وكان من الأنسب لنا إذا كان لابد من شيوع روح أجنبية فينا أن تشيع فينا الروح العالمية التي في أمريكا أو الروح بنوعيها: الإنكليزية والجرمانية، فأنها روح قائمة على الخلق والعلم والعمل وفن الحياة بالجسم والروح. ولكننا على الرغم من وجود الحكم الإنجليزي السياسي بيننا نيفاً وستين سنة لم ننتفع بأساليب الحياة الإنجليزية ولم تتأثر بها كما تأثرنا بالروح الفرنسية، ولو كنا تأثرنا بتلك التربية لكان لرجالنا من السياسة الإنجليزية موقف آخر عملي غير موقفهم الهستيري الكلامي الحزبي الفردي الطليق من أكثر القيود الوطنية المقدسة. والذي يماثل موقف رجال فرنسا في ديارها أشبه من الغراب بالغراب!
ولو كانت الثقافة الفرنسية مرضياً عنها عند الاجتماعيين والمفكرين الفرنسيين أنفسهم لكان لنا وجه من العذر في اقتفائها ولكن هؤلاء الاجتماعيين كثيرو الانتقاد والسخط عليها دائمو الإهابة بأمتهم للأخذ بثقافة أمم الشمال لأنها ثقافة عملية منتجة معتدلة خاضعة لأصول الأخلاق، وهي التي غيرت وجه الأرض وسيطرت على العالم.
قد يعذر الأوربي إذا وجد في الثورة الفرنسية بعض دواعي الإعجاب بجهاد قادتها ومؤرثي نارها في سبيل تحرير الفرنسيين من استبداد الملوك وجمود الكنيسة وطغيان أمراء الإقطاع، لأنه قد يجد فيها أمراً جديداً عظيماً غيّر الحياة الأوربية فيما مضى. . ولكن لا
عذر لعربي عرف أبسط مبادئ الإسلام في العدالة والحرية والأخوة والمساواة، وقرأ تاريخ الثورة الإسلامية الكبرى التي غيرت وجه التاريخ وأعلنت ووطدت حقوق الإنسان وجسدتها في أشخاص أقاموا دولا مستقرة عمرت عمراً طويلاً.
هذا إذا تغاضى الأوربي عن الوحشية التي طبقت بها هذه الثورة فكشف عن قسوة النفس الفرنسية وإسرافها في سفك الدماء، وإذا تغاضى عن تقلبات تلك الثورة وسيرها على غير هدى وعقمها عن إنتاج النتائج المستمرة التي أثيرت من أجلها كما سارت ثورات الأمم العاقلة المعتدلة وأنتجت واطردت خطوات الأمة بعدها ولم ترتد على عقبيها كارتداد فرنسا بعد تلك الثورة الكبرى.
(فليس الفرنسيون شعب التطور التاريخي البطيء ولكن شعب التغيرات الثورية الفجائية. شعب قوى الاندفاع بلا (فرامل). وخط تطوره كثير التعرج والالتواءات؛ ففي آخر القرن الثامن عشر قلبت الأمة الفرنسية الحكومة الملكية باسم الديموقراطية والحرية، ومع ذلك لم تمض سنوات حتى عادت فرنسا إمبراطورية مطلقة ثم ارتدت فصارت ملكية محافظة! ثم تحولت إلى ملكية محافظة! ثم تحولت إلى ملكية برجوازية حرة؛ ثم كانت ثورة أخرى ردت الجمهورية الثانية. ثم انقلاب حكومي أعاد للسلطة إمبراطورا. فلا توجد على هذا أمة كفرنسا في اندفاعها وتحولها وانقلابها.)
وفي العهد الأخير قبل الحرب الحالية وصلت فرنسا إلى عهد من الانحلال السياسي، والاجتماعي جعلها تتهالك لأول صدمة مع عدوها التقليدي، وتتخلى عن حلفائها وتنال من نفسها بأقلام قادتها وتدبير رجالها. وقد صدق هرست - وهو من أشهر رجال الصحافة الأمريكية - حين قال. في صحفه عقب سقوط فرنسا بتاريخ 24 - 7 - 1940 (لم تكن فرنسا ديموقراطية ولا حليفة كبيرة ولا أهلا للنهوض بأعباء الديموقراطية، ولم تكن لها سياسة مقررة خاصة، بل كانت متقلبة في إخلاصها وحليفة لا يمكن الاعتماد عليها لبريطانيا التي تحمل المبدأ الديموقراطي الحقيقي في قرارة نفسها، ولما أقبلت الأزمة قصرت فرنسا ثم سقطت).
أما المحوران الثاني والثالث يقوم عليهما أيضاً الإعجاب بفرنسا، فقد كفاني مهمة تناولهما بالنقد الأستاذ المفكر الجليل ساطع الحصري بك الذي نشرت له الرسالة ذلك التحليل القيم
(حول انهيار فرنسا) في الأعداد الثلاثة الماضية. بل إن التصريحات الحديثة المتكررة لمفكري فرنسا كمسيو هريو وغيره، التي يعلنون فيها تألمهم من انحطاط معنويات الروح الفرنسية وانطلاقها وراء الشهوات والمنافع الشخصية وكراهيتها للقيود المقدسة وارتدادها عن مبادئ ثورتها، وعدم فهمها لوحي الساعة ومقتضيات الظروف العالمية الحاضرة، مما تطالعنا به الصحف منذ سقوط فرنسا للآن لأكبر شاهد على أن فرنسا لا تصلح أن يكون لنا فيها أسوة ولثقافتها فينا تقليد وتأثير.
وإني لأوقن أن السر في بلبلة أخلاقنا نحن المصريين واضطراب مزاجنا بين الروح الشرقية الكريمة التي كانت لنا ولا تزال باقية في الريف، وبين ذلك الانسلاخ الشائن والتحلل البالغ في المدن إنما هو أثر من جوارنا للثقافة اللاتينية وخصوصاً الفرنسية وتأثرها بها.
وعلى ذكر مسيو (هريو) أود أن أجلو جانباً من عداوته هو الآخر للعرب وسعيه لعدم إنصافهم، وقد علمت بذلك الجانب حين كنت عضواً في (الجمعية الإسلامية الأسبانية) التي تأسست في مصر سنة 1934 برياسة الأستاذ عبد الرحمن بك وكان من أعضائها ذلك الرجل العظيم المغفور له فؤاد باشا سليم الحجازي. ومسيو (بونسو) أحد الأسبان بمصر. وكانت أغراضها تنمية العلاقات العربية الأسبانية وتوطيد الصداقة بينها تمشياً مع تلك الحركة المشكورة التي بدأها الجنرال فرانكو لإنصاف مغاربة المنطقة التي تحت النفوذ الأسباني من مراكش والتي كان من نتائجها الشروع في تأسيس جامعة عربية في مدريد تسمى (البيت العربي) لخدمة التراث العربي في أسبانيا ويكون فيها كراسي أستاذية بأسماء ملوك العرب الذين يساهمون في معاونتها. ودعت لذلك فعلا العلامة المرحوم الشيخ الخالدي الفلسطيني والعلامة المجاهد الأمير شكيب أرسلان للبحث والمشاورة، ووعد الملك فيصل الأول ملك العراق الراحل رحمه الله بالإنفاق على كرسي فيها، وابتدأت الحركة تسير خطوات نحو النجاح. فما كان فرنسا إلا أن أوفدت مسيو (هريو) إلى حكومة أسبانيا ليحبط هذا المشروع الجليل والمسعى الكريم محذراً أسبانيا من عواقب سياسة التسامح مع المراكشيين ومبدياً مخاوف فرنسا من تسرب (عدوى) هذه الحركة إلى مراكش الفرنسية والجزائر وتونس. . . وكان لفرنسا ما أرادت ووقف المشروع.
ويزور مسيو (هريو) مصر لتوطيد حياة المعاهد الفرنسية بها قبل الحرب فيبالغون في الاحتفال به ولا تلقي في أذنه كلمة عتاب. . . ويزورها أخيراً في طريقه من موسكو إلى فرنسا أثناء الاعتداء الفرنسي الأخير على الشقيقة سوريا فيحتفل به كذلك. . . ولا يقولون له ما كان يجب أن يقال في مثل هذا الظرف. كأن منادح البيان قد ضاقت عن أن تتسع للترحيب والعتاب في آن واحد!
عبد المنعم خلاف
إلى الأحزاب المصرية
عدلوا برامجكم أو انسحبوا قبل فوات الأوان!
للأستاذ سيد قطب
أمهر اللاعبين هو الذي يعرف بالضبط متى يجب عليه أن ينسحب قبل فوات الأوان
ولكن يبدو أن أحزابنا المصرية لا تؤمن بهذه الحكمة، أولا تعرف كيف تطبقها في الوقت المناسب
قامت هذه الأحزاب جميعاً لغرض واحد، هو الجهاد السياسي لتحقيق الاستقلال. ويقتضينا الإنصاف أن نثبت لها جميعاً أنها قد نجحت - إلى حد ما - في مهمتها، وذلك على الرغم من الأخطاء التي عرضت لها في الطريق، ولكن هذه كلها هنات لا تذكر إلى جانب المهمة الضخمة التي نهضوا لها. . . مهمة الاستقلال
ولقد استغرقت تلك المهمة الضخمة كل نشاط الأحزاب الساسة - ومن حقها أن تستغرقه - فلم يتهيأ لها أن تمد ببصرها إلى أبعد من الغاية السياسية، حتى لقد أهملت في بعض الأحيان الالتفات إلى الجانب الاقتصادي في هذه المهمة السياسية، في وقت تصطرع فيه القوى الاقتصادية في العالم، وتؤثر تأثيراً حاسماً في كل اتجاه سياسي!
وفي خلال هذه الفترة الطويلة، وهي تتجاوز ربع قرن جدت في العالم أمور وأمور، وتغيرت النزعات والاتجاهات، لا بل ولد عالم جديد. . . ولكن أحزابنا المصرية - فيما يبدو لا تكاد تشعر بهذا كله. فهي في عام 1945 لا تزال تحصر نشاطها الحزبي كله في دائرة الخصومات الحزبية، بل الشخصية، ولا تزال تنظر إلى المجتمع المصري كأنه المجتمع المرغوب فيه، فإذا فكرت في الإصلاح فيه أجزاء وتفاريق على طريقة الترقيع والتجوير!
ومما لاشك فيه أن هذه العقلية ليست هي التي تستطيع مواجهة العالم الجديد
نحن في حاجة إلى:
1 -
برامج جديدة
2 -
وعقليات جديدة
3 -
وأحزاب جديدة
نحن في حاجة إلى برامج جديدة غير البرنامج السياسي الذي استغرق جميع جهودنا في ربع قرن من الزمان. برامج اجتماعية كاملة تؤثر في النشاط الاقتصادي والثقافي والتشريعي، وترسم له طريقاً واضحاً وهدفاً مقصوداً.
ولا يشك أحد في أن العدالة الاجتماعية مفقودة في مصر، وقد ترددت هذه الجملة كثيراً حتى أصبحت حقيقة بديهية، ومتى ثبت هذا فإن له مستلزمات: أولها أن توجد برامج حزبية معينة لتحقيق هذه العدالة، فإنه خير لمصر أن يقوم الصراع الاجتماعي فيها داخل البرلمان على يد الأحزاب - كما هو الحال في إنجلترا - بدلا من أن يقوم هذا الصراع في الشارع بلا ضابط ولا نظام!
والصراع داخل البرلمان قائم بالفعل - وإن لم يأخذ صبغة الصراع الحزبي - فالذي يراجع مضابط البرلمان في جميع العهود تبرز أمامه حقيقة معنية. فما من مرة عرض مشروع يمس رؤوس الأموال، أو ينصف بعض الطوائف الفقيرة، إلا وتغير التنظيم الحزبي السياسي أو انهار. ووقف ممثلو رؤوس الأموال من جميع الأحزاب جبهة واحدة ناسين خصوماتهم الحزبية، ووقف كذلك أنصار الطوائف الفقيرة جبهة واحدة.
فالنضال الاجتماعي موجود الآن ومنذ نشأة البرلمان المصري. فلماذا لا ننظمه في الصورة الحزبية المعروفة في برلمانات العالم الراقية، وهي الصورة المأمونة العواقب، التي تحيل هذا النضال أفكاراً وقوانين ومشروعات عملية، بدل أن يتحول حركات هدامة غير إنشائية؟
ونحن في حاجة إلى عقليات جديدة تدرك المسألة على هذا الوجه، تكون على استعداد لخلق برامج إنشائية كاملة وتنفيذها بالجرأة والحماسة الواجبتين في هذا الظرف الذي تولد به عوالم جديدة.
وأنا شديد الشك في صلاحية عقليات الأحزاب الحاضرة ورجالاتها لمواجهة مثل هذه البرامج الكاملة، فقصارى ما يفكر فيه هؤلاء الرجال هو مشروعات جزئية لا تناسق فيها ولا انسجام، ولا تربطها وحدة تفكيرية معينة.
وثمة عقبة أخرى تحول بين الهيئات الحزبية الحاضرة والاتجاه الجديد، فهذه الهيئات أجهزة قديمة صدئة لا تستطيع أن تتحرك حرة من أثقال الماضي. ومعظم رجالها في سن
الكهولة والشيخوخة ومن العسير على الكهل أو الشيخ أن ينهج في تفكيره وفي حياته نهجاً جديداً، ويدع مألوفة في خمسين عاماً أو ستين. وقليل من أفذاذ الرجال هم الذين يحتفظون برصيد من قواهم لمواجهة التجديد الكامل. ومن هنا يخالجني الشك المطلق في صلاحية رجال الجيل الماضي لمواجهة مطالب الجيل الجديد.
خذ مثلا لذلك الديوان الحكومي - وهو أقل مؤنه من الاتجاه - فالكل مجمعون على أنه جهاز بطئ الحركة، قليل الإنتاج، فاسد النظام (باعتراف ديوان المحاسبة)، فهل بين رجال الجيل الماضي من يصلح للقضاء على النظام الديواني القائم كله، وإنشائه على أسس جديدة في دفعة واحدة؟
كلهم يشفقون من هذه الخطوة الجريئة، ويخشون أن يقف دولاب العمل، وكلهم يميلون إلى السياسة الترقيع بدل سياسة الإنشاء، لأن رصيدهم من القوى العصبية لا يكفي لهذا الابتكار الكامل، ولا يصلح لمواجهة نظام مبتكر لم يألفوه في الأربعين أو الثلاثين سنة التي عاشوها في ظل النظام الديواني العتيق!
وهناك أمثلة كثيرة. . . ولكننا لا نمضي في سردها لأنها ليست علة بذاتها، وإنما هي أعراض لعلة أصيلة؛ هي عدم وجود سياسة إنشائية مرسومة، قائمة على تحقيق العدالة الاجتماعية وتجديد المجتمع المصري تجديداً كاملا في شتى الاتجاهات
وهذا التجديد الكامل في حاجة إلى عقلية لا ماضي لها! في حاجة إلى عقلية إنشائية مبتكرة، تنفر من أنصاف الحلول، وتشمئز من منظر الترقيع في الثوب البالي القديم!!
ونحن - إذن - في حاجة إلى أحزاب جديدة ذات عقلية إنشائية إلى المجتمع المصري على أنه وحدة كاملة، وترسم لإنشائه وتجديده سياسة جريئة حازمة متناسقة، موحدة الروح في شتى الوزارات والدواوين والإدارات، وتتفاضل فيما بينها بالبرامج الاجتماعية الشاملة التي تعالج بها المجتمع المصري المريض
وإذا قلت البرامج الاجتماعية الشاملة، فإنما أعني الاقتصاد والثقافة والتشريع بوجه خاص.
فمن الناحية الاقتصادية نحن مجمعون على سوء توزيع الثروة العامة وعلى ضآلة الثروة القومية. أما الوسائل لمعالجة هذين النقصين فقابلة للاختلاف بين الأحزاب.
والبرنامج الاجتماعي الذي يعالج هذه الظاهرة لا بد أن يكون ذا أثر الاتجاهات الثقافية،
فيحرص على إتاحة الفرص لكل فرد إتاحة حقيقية بريئة من التهريج الحزبي، ولن يتحقق هذا إلا بأن يجد كل راغب في التعليم الصالح له مكاناً في المدرسة المصرية لا يصده عنه عجزه عن النفقات التعليمية، ولا حاجة أهله إليه ليعمل في سبيل القوت قبل أن يتجاوز سن التعليم
ولا يكفي أن يتاح له التعليم على هذا الوجه، بل لابد أن يكون هذا التعليم موجهاً اجتماعياً معيناً يقرر مبدأ العدالة الاجتماعية في أذهان النشء، حتى يصبح إحدى العقائد التي تبثها المدرسة في نفوسهم بتعاليمها ونظمها وتوجيهاتها النظرية كذلك
وعندئذ يكون للتعليم المصري طابع ويكون للمدرسة هدف اجتماعي بجانب الهدف التعليمي الذي تسير إليه الآن على غير قصد ولا انتباه!
والتشريع هو أحد الأدوات لتحقيق البرامج الاجتماعية الشاملة، فيجب أن يكون للتشريع عقلية موحدة ترمي إلى أهداف موحدة، وتتفق مع البرامج الاجتماعية بوجه عام.
والكلمة الآن للأحزاب المصرية القائمة، ولكنها في الأغلب لمجموعات الشباب التي لم تتقيد بماض ثقيل يشلها عن الحركة الحرة في الاتجاه والتنفيذ على السواء
أما الأحزاب القائمة، فقد أدت دورها، ومن الواجب أن تنسحب من المسرح قبل فوات الأوان، ذلك إلا أن نستطيع التجدد والتحور لنواجه الحاضر والمستقبل، وهذا ما لا أحسبها تطيقه، وليس في تاريخها حتى اليوم ما يدل على أنها تراه.
سيد قطب
البلاغة العصرية واللغة العربية
تأليف الأستاذ سلامة موسى
للأستاذ أحمد محمد الحوفي
- 3 -
دعوته إلى العامية - دعوته إلى الحروف اللاتينية - دعوته
إلى إلغاء الأعراب. . . . . . . . .
- 1 -
(يجب ألا يكون للمجتمع لغتان إحداهما كلامية أي عامية، والأخرى مكتوبة أي فصحى كما هي حالنا الآن في مصر وسائر الأقطار العربية؛ لأن نتيجة هذه الحال أن اللغة المكتوبة تنفصل من المجتمع فتصبح كأنها لغة الكهان التي لا تتلى إلا في المعابد؛ وينقطع الاتصال الفسيولوجي بينها وبين المجتمع فلا تتطور، ولهذا يجب أن تكون غايتنا توحيد لغتي الكلام والكتابة، فنأخذ من العامية للكتابة أكثر ما نستطيع، ونأخذ من الفصحى للكلام أكثر ما نستطيع حتى نصل إلى توحيدها) ص 47.
لم يقنع المؤلف بالدعوة إلى استعمال الكلمات الأعجمية، فعاد يحمل لهدم بنيان اللغة العربية الشامخ معولا قد حمله غيره من قبل فتثلم، وضاعت الدعوة السابقة سدى، وستذهب دعوته هذه أباديد لا رجع لها ولا صدى، وأية دعوة أخطر على اللغة من اطراح الكلمات العربية واتخاذ العامية لغة فنية للشعر والكتابة والخطابة؟ وما دامت العامية محرفة عن الفصحى فلم نفضل الدخيل على الأصيل؟
ولم لا تكون الفصحى أحق بالاستعمال ما دام القراء يفهمونها؟
ونحن نرى في عصرنا هذا أن كثيرين جداً من الأميين يسمعون الصحف ويفهمونها، ويصيخون إلى الخطب السياسية والدينية ويستوعبونها، وينصتون إلى الأغاني الفصيحة ويحفظونها، حتى أن الغلمان الذين لم يجلسوا إلى معلم يرددون في هذا العصر جملا مما حفظوا وهم لها فاهمون، وليست اللغة الفصحى ي نظري هي المحشوة بالغريب، ولا
العويصة التراكيب، ولا الخفية المجلز، وإنما هي التعبير الصحيح الجاري على قواعد اللغة وإن كانت مفرداتها في متناول الجميع.
فلن تنفصل الفصحى إذن من المجتمع، ولن تصير كلغة الكهان التي لا تتلى إلا في المعابد، فان الشعب كله يفهمها، ورقي الشعب بقربها إليه ويقربه منها.
ليس عندنا مبرر إذن لتطعيم لغتنا الفصحى بأكثر ما نستطيع من العامية، ولا أحد يزعم أن العامية كالفصحى ثراء وسعة ومرونة وموسيقية، فالعامية فقيرة، وليست بصالحة لتصوير المعاني الراقية أو خلجات النفوس، فمن أراد التنفيس عما يجيش بين جوانحه من عواطف استمد من معين الفصحى الثر الذي لا يغيض، وإذا اهتاج جرت على لسانه كلمات من الفصحى لم يزورها أو يتكلفها.
على أن العامية باختلاف الأصقاع والأقاليم، فعامية الصعيد تغاير بعض المغايرة عامية الشمال، وعامية مصر تخالف عامية الشام وهكذا، فإذا أضفنا إلى لغة الأدب أكثر ما نستطيع من العامية انفصم الرباط الوثيق الذي ينتظم الأمة العربية، ووأدنا الوحدة التي ننشدها وهي ما زالت في المهد.
وبم تسمى اللغة الجديدة؟ وما خصائصها المميزة لها وهي أخلاط وأمشاج من فصحى، وعامية منها، ومن تركية، ومن أوربية محرفة، ومن أوربية غير محرفة دعا الأستاذ إلى اصطناعها في المقال السابق؟ ولسنا وحدنا بدعا في أن لغة الكتابة عندنا تغاير لغة الخطاب، فهذه المغايرة عامة في اللغات كلها، بيد أن الفرق عندنا أوضح وأبرز؛ لطول العهد بالجهل، والاستبداد، ومحاربة اللغة القومية بالتركية آناً، وبالإنجليزية والفرنسية آناً، ولذا تقاربت اللغتان في ربع القرن الحاضر لما ذاعت الثقافة، وتنسمنا الحرية واعتززنا بالقومية.
ولنفرض جدلا أن الأستاذ على حق في رأيه، ولنتخذ لغة الأدب خليطاً من العربية والعامية، ثم نتقرب قرناً واحدا، فإذا عامية جديدة تشق من اللغة الجديدة؛ لأن الشأن في لغة الخطاب الميل التيسير والتسهيل وعدم التحرز من الأخطاء، فماذا نفعل آنئذ؟ أنؤمن بأن لغة الكتابة لا بد أن تتميز من لغة الحديث المعتاد؟ أم ننشئ لغة للكتابة ملفقة من تلك اللغة التي اعتسفناها من الفصحى والعامية ومن هذه اللغة العامية الناشئة؟
وما مصير تراثنا العظيم من قرآن وحديث وشعر ونثر؟
سيصير أحاجي وألغازاً ولغة أثرية دراسة لا يفقهها إلا قلة ممن يشغفون بدراسة الآثار القديمة شأن اللغة اليونانية واللاتينية، فهما أصل اللغات الأوربية الحديثة ولكن لا يعرفها إلا الأقلون. ربما رأي المؤلف أن الأوربيين يترجمون روائع اليونان والرومان إلى لغاتهم الحديثة فلنصنع صنيعهم فنترجم حينئذ القرآن والحديث وروائع الشعر والنثر القديم إلى لغتنا الحديثة، وأعتقد أن هذه فكرة من الهوان بحيث لا يتجادل فيها قلمان.
- 2 -
(وعندي أن بعض المميزات لما يقترحه عبد العزيز فهمي باشا من اتخاذ بعض الحروف اللاتينية في كتابتنا يعود إلى أن هذه الحروف تضمنا إلى مجموعة الأمم المتمدنة، وتكسبنا عقلية المتمدنين) ص 117.
(والواقع أن اقتراح الخط اللاتيني هو وثبة إلى المستقبل، لو أننا عملنا به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى مقام تركيا التي أغلق عليها هذا الخط أبواب ماضيها وفتح لها أبواب مستقبلها) ص 138
أما اصطناع الحروف اللاتينية في الخط العربي فإنه اقتراح صرعه النقد، فلا حاجة بي إلى ذكر مساوئ الموتى.
ولا أذكر أن في مصر مؤيداً آخر لهذا الاقتراح غير الأستاذ سلامة موسى. والجديد في تأييده أن اصطناعنا الحروف اللاتينية يضمنا إلى مجموعة الأمم المتمدنة، ويكسبنا عقليتها، ويغلق علينا أبواب ما ضينا، ويفتح أبواب مستقبلنا كما حدث في تركيا.
ولو أن التمدن وكسب العقلية رهينان باستعمال خط الأمم الراقية لسهل التمدن على كل أمة متخلفة عن ركب المدنية، فما عليها إلا أن يستعير حروف أمة أرقى منها لتبلغ شأوها، وتفكر على غرارها، حتى وإن اتفقت الحروف واختلفت اللغة وتباين النطق والمعنى!
ومعنى هذا أن جميع من يلبسون الملابس الإفرنجية قد تمدنوا، وأنهم يفكرون كما يفكر الإفرنج. وما الغرابة في هذا القياس، والزي ألصق بالمرء وأعظم تأثيراً في شخصيته من الحروف التي يكتب بها بين الحين والحين؟
لقد تحضرت الأمة العربية ولم تصطنع حروف أمة أرقى منها، وانفلتت أوربا من عقالها
مسترشدة بأعلام العرب وصواهم وإشعاعهم ومع ذلك لم تتخذ حروفهم، ووثبنا نحن منذ عصر إسماعيل وثبات بدون حاجة إلى حروف اللاتين لتحفزنا إلى الوثوب، أو تجذبنا نحو الهدف المنصوب. وها هي ذي اليابان أتت بالأعاجيب في نهضتها على حداثة نشأتها ولم تتسلف من أمة أرقى منها حروف كتابتها.
ولو أن الحروف تصنع العقلية لتساوت عقلية الأمم التي تكتب بالحروف اللاتينية، فليس المعول إذن على الحروف ولكن على الروح الذي يستعمل الحروف.
ولم تنهض تركيا لأنها استبدلت بحروفها العربية حروفاً لاتينية، فقد حدث هذا الاستبدال بعد النهوض والاستقرار، على أنها أبدلت مستعاراً بمستعار.
- 3 -
(وليس على التلميذ من حرج أن يقرأ فيرفع المفعول وينصب الفاعل ما دام يفهم ما يقرأ، أما في المدارس الثانوية فنشرع في تعليم أقل ما يستطاع من قواعد النحو، ولا نبالي الإعراب الذي أثبت الاختبار أنه لا فائدة منه بتاتاً، والوقف في أواخر الكلمات أي إسكانها هو الخطة السديدة التي يجب أن تتبع)
(وقد قال هربرت سبنسر إنه لم يتعلم النحو قط، وإنه درس وألف في هذه اللغة دون أن يحتاج إلى دراسة النحو، ولا يمكن عربياً أن يقول مثل هذا القول عن لغته) ص 123.
(واقترح عبد العزيز فهمي باشا يحتاج أولا إلى العمل بإلغاء الإعراب) ص 138
وهذا تجديد آخر، أي هدم آخر لهذه اللغة التي قاومت الأعاصير أكثر من ألف عام، وهي كالصخرة يرتطم بها الموج فينحسر، وتنهال عليها معاول الهدم فتفل وتنكسر.
التجديد المخلص للغة العربية أن يلغي الإعراب منها فيرفع المفعول وينصب الفاعل ما دام القارئ يفهم ما يقول! ثم تبلبل الأستاذ فقال إن إسكان أواخر الكلمات هو الخطة السديدة التي يحب أن تتبع، والإسكان شئ والفوضى في الشكل شئ آخر.
ونحن نسأل الأستاذ: كيف يفهم القارئ ما قرأ وقد نصب الفاعل ورفع المفعول؟ وروح اللغة التي يقرؤها لا تطاوعه على هذا الفهم، وذوق القارئ نفسه ما دام قد فهم معنى ما قرأ لا يطاوعه على هذا الخلط، بدليل أن العرب - قبل أن تستنبط القواعد من لغتهم - كانوا يرفعون الفاعل وينصبون المفعول بالسليقة، لأن هذه الحركات في أواخر الكلمات ذات
دلالات معنوية على المواد؛ وهذه سليقة فيهم توارثوها وتناقلوها كما يأخذ أبناؤنا في هذا العهد عنا أوضاع لغتنا العامية.
ولذلك يقول عبد القاهر الجرجاني في الرد على منكري ضرورة النحو: (وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، أو إصغارهم أمره وتهاونهم به فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم وأشبه بأن يكون صداً عن كتاب الله وعن معرفة معانيه؛ ذاك لأنهم لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه، إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه هو المعيار الذي لا يتبين نقصانه كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط في الحقائق نفسه).
ثم يقول مبيناً أن النحو نبراس لفهم المعنى بدقة: (وإذا نظرتم في الصفة مثلا فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها قولك: جاءني رجل ظريف، ومررت بزيد الظريف، هل ظننتم أن وراء ذلك علماً؟ وأن ها هنا صفة تخصص وصفة توضح وتبين؟ وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح، كما أن فائدة الشياع غير فائدة الإبهام؟ وأن من الصفة صفة لا يكون فيها تخصيص ولا توضيح، ولكن يؤتى بها مؤكدة كقولهم (أمس الدابر)، وكقوله تعالى:(فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)، وصفة يراد بها المدح والثناء، كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جده؟ وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر وبين كل واحد منها وبين الحال؟ وهل عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء ثم تختلف في كيفية ذلك الثبوت؟)
فالنحو في رأي الجرجاني ليس لصحة الشكل فقط، بل وللتعبير الدقيق عن المعاني، وللفهم الدقيق لهذه المعاني، فهو إذن من صميم اللغة وجوهرها.
وأما الزعم بأنه لا يستطيع عربي أن يجيد لغته بدون تعلم النحو فيدحضه أن العرب - إلى أن خالطوا العجم في الإسلام - كانوا يجيدون لغتهم غير مفتقرين إلى تعلم النحو، وأن البارودي في هذا العصر أجاد اللغة فهما، وأجاد الشعر نظما، ولم يتعلم النحو، وذلك بكثرة القراءة والحفظ لأنهما أجدى على المتعلم من قواعد النحو التي لا يصحبها تطبيق متكرر.
استمع إلى ما يقوله الشيخ حسين المرصفي في الوسيلة الأدبية عن البارودي وهو من أعرف الناس به: (محمود سامي البارودي لم يقرأ كتاباً في فن من فنون العربية، غير أنه لما بلغ سن التعقل وجد من طبعه ميلاً إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع بعض من له دراسة وهو يقرأ بعض الدواوين، أو يقرأ وهو بحضرته حتى تصور في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية يقرأ ولا يكاد يلحن. . . ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها، ناقداً شريفها من خسيسها، ثم جاء من الصنعة الشعر اللائق بالأمراء).
وقد فطن ابن خلدون قبل ذلك إلى أن الطريقة المثلى في تعليم اللغة المرانة وكثرة الحفظ والقراءة، لينطبع لسان المتعلم وفكره على اللغة، وقرر أن سكان الأمصار أشد إغراقا في اللحن من سكان البوادي؛ لأنهم لقنوا أول الأمر لغة ملحونة فاعوجت ألسنتهم واختلطت لغتهم فالنحو وحده لا يكفي بل لابد من مخالطة الأعراب والتدرب على محادثتهم لأن اللغة ملكة والملكات لا تكتسب إلا بالتكرار والارتياض والمران، فقد كان العربي يحاكي أهله في نطقهم وتعبيرهم كما يحاكي الطفل أهله في النطق بالمفردات والتراكيب، وفي ذلك يقول ابن خلدون:(وهذا هو معنى ما تقوله من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم، ولم يأخذونها عن غيرهم).
ولهذا راى (فترينو) زعيم التربية الأدبية في إيطاليا أن أنجع حيلة لتعليم اللغة اللاتينية للأطفال أن يجعلها لغة المحادثة منذ الصغر يتفاهمون بها، ويتحدثون مع أستاذهم، على أنه عنى بتجويد نطقهم، وجودة إلقائهم، وتمثيلهم للمعاني.
ولهذا أيضاً كانت عادة العرب ولاسيما الخلفاء أن يرسلوا أولادهم إلى البادية لتنشئتهم على الفصاحة فيما ينشئون عليه.
فليس بدعا إذن أن يتعلم سبنسر اللغة الإنجليزية بدون قواعد.
وليس مستحيلاً ولا عسيراً في كثير أو قليل أن يتعلم أحد اللغة العربية أيضاً بدون قواعد، فقد كان هذا يحدث فعلا، وقد دعا إلى انتهاجه بعض المربين كابن خلدون. ليس الصواب إذن في إلغاء النحو، إنما الصواب في تبسيطه وتيسيره، وأن نتوخى سلامة التعبير فيما يسمعه التلميذ ويقرؤه، وأن نكثر من تمرينه وتدريبه.
وبعد فالمدارس المصرية تعلم من النحو نتفاً ضرورية لا غنى عنها في استقامة الأسلوب وفهم المعاني، وشتان بين عهد درس فيه الأستاذ بعض النحو دراسة نظرية جافة مملة وبين تدريس النحو في هذا العهد تدريساً نظرياً عملياً مشفوعاً بالتطبيقات.
ثم لماذا يحرص الفرنسيون مثلا على أن يعلموا الدارسين للغتهم من أبنائهم ومن غيرهم قواعد لغتهم، وهي أحياناً أكثر تشعباً من قواعد اللغة العربية مع رغبتهم في نشرها وسيادتها وتيسير تعلمها على الراغبين؟
وإذا كان الأعراب قد كاد يكون خصيصة للغة العربية وحدها بعد أن قل في الألمانية فإن الوسيلة الوحيدة لتيسيره ليست إلغاءه بالتسكين، ولا الفوضى في نطق الحركات كيفما جرى بها اللسان وإنما بكثرة القراءة والمران، والتدريب على القواعد الموضوعة لهذا اللسان.
(يتبع)
أحمد محمد الحوفي
المدرس بالسعيدية الثانوية
لغة السياسة
للدكتور عبد العزيز برهام
للسياسة لغة تختلف كل الاختلاف عما تواضع عليه الناس. إذ من المهارة السياسية أن تصل إلى أغراضك ولو من طريق ملتو. وقديماً قيل: الغاية تبرر الوسيلة. وأنه ما دام للمائدة آداب وللحفلات آداب، وللزيارات آداب. . . فلماذا لا يكون للسياسة آداب كذلك؟ ومن مظاهر السياسة أن تكون لغتها من الرقة والسمو بمكان، بحيث لا تشعر المتحدث إليه بالرغبة في السيطرة عليه أو استغلاله. فلغة (الأمر) قد تسمى بلغة (النصح). وبداهة أن النصيحة لا تقيد المنصوح له برأي الناصح ولا تلزمه الأخذ به؛ فله كامل الحرية إن شاء أخذ وإن شاء يذر؛ ولكن لها عند بعض الساسة معنى آخر. فإذا تفضل عليك ناصح بالا يطرح مشروع كذا ي مناقصة ورأيت أنت أن الخير لك ولوطنك في غير عتب عليك في عدم الأخذ بمشورته عتاباً قد يكون مراً، وقد يبلغ درجة اللوم والإحراج والتوعد، وإذا نصحك بكذا وكيت لهوى قد يكون في نفسه ولم تتابعه في رأيه تململ واستاء، لأن (النصح) على لسانه نصح من (نوع خاص).
ولقد يتطوع لزيارتك زائر كريم، ويتحدث إليك في أمور يكثر الجدل فيها، وتتناقلها الألسن، ثم يبدى لك في أدب جم بأن (من رأيه) أو (من رأي حكومته) أن تحل العقدة بكذا وكذا، ثم يتركك وقد فهم كل منكما ما انطوت عليه سريرة الآخر، وهو في سعيه مشكور شكر الناصح المخلص. وإذا المشروع يطوي، والجو يصفو، والنفوس تهدأ، ويعود الأمر كما بدأ، وتصفق الأيدي للحل السعيد.
وقد يكفي مجرد (إظهار الضجر وعدم الرضا) لإيقاف المتحرك وتحريك الساكن. فإذا لم يُظهر بعض الدوائر المالية ارتياحا إلى أن تكون اللغة العربية هي لغة وطنها؛ وإذا ارتأت دور الخيالة في استخدام هذه اللغة فيما تعرض من أشرطة حرجا عليها فمعناه بلغة السياسة: قنوعاً بما رضي الدخيل بمنحك إياه، وشكراً له على تفضله.
(والمركز الممتاز) في عرف الساسة الطالبين له هو صنيع يؤدي إلى من يطلب منه منحه: وكيف لا والدافع إليه شدة الحدب على المهيض الجناح، والحرص على المحافظة عليه؛ فالجيش الدخيل الذي يحتل أرضه ليس له من مأرب إلا رد المعتدين عنه، والثقافة التي
تفرض عليه إنما يراد بها رفع مستواه العلمي والخلقي، ومدارس التبشير ليست إلا لهدايته سواء السبيل. . . ولكنه في الواقع والحقيقة انتقاص شائن من حرية من يسلم به، واعتداء على كرامته واستقلاله، واعتراف منه بأنه ليس لهذا الاستقلال أهلا.
ومن غرائب الصدف أن لغة السياسة من نصائح مسداة، وآراء مبذولة، وامتيازات مطلوبة، لا تتخذ هذا المعنى (الرفيع) الخاص إلا إذا جرت على لسان قوي وتحدث بها إلى ضعيف أو إلى من يظن فيه الضعف. فالدول الكبرى في مؤتمر (سان فرنسيسكو) تنصح عملياً للدول الصغرى بأن تقلل من شطحاتها وبأن تتعلم الطاعة وتستسلم صاغرة لما يراد بها، ولكن إذا ما جد خلاف بين بعضها هي وبين بعض كانت لغة التوفيق ذات معان أخر وذات أسلوب آخر.
والسياسي الماهر هو الذي يقف من خصمه موقف مفسر الأحلام الذي استدعاه أحد الملوك ليفسر له حلماً أفزعه. وعلم المفسر أن قد سبقه في هذا المضمار آخرون قربت المقصلة آخرتهم؛ لأنهم أخبروا الملك أن جميع أفراد أسرته سيموتون قبله وسيموت هو بعد ذلك. فلما أحضره الملك بين يديه وسأله عن تعبير رؤياه أجابه: ستكون أطول أفراد أسرتك عمراً.
و (الدبلوماسي) البارع هو الذي لا يضع السيف في موضع الندى، والذي يصل بمعسول ألفاظه إلى ما لم تصل إليه القنابل الطائرة.
لما أخفت الحملة الفرنسية على (مصر) وخشي (نابليون) أن يكون في رحيل جنوده عن (وادي النيل) ما يذهب بالأثر الثقافي والعلمي الذي تركته بحث عن رجل يمثل (فرنسا) في (مصر) وتكون رسالته (أن يحافظ على النفوذ الفرنسي رغم الهزيمة، وأن يؤسس بالطرق (الدبلوماسية) ما عجزت الأسلحة عن تشييده) فوقع اختياره على (متيو دليسبس) وكانت وصية (تلليران) له وهو يودعه: (أتخذ لنفسك صديقاً: رجلاً من بين خصومنا، وسيكون في صداقتك له ما يجعل منه واحداً منا) - وكلنا يذكر ما كان لصداقة هذا (الدبلوماسي) لمحمد علي بنيه من الأثر الكبير في نجاح مشروع فتح (قناة السويس).
ولقد أدخل القرن العشرين في معجم السياسة كثيرا ًمن الألفاظ التي غيرت من مدلولها، وأضاف مؤتمر (سان فرنسيسكو) إليه مصطلحات جديدة. فبعد أن كنا لا نسمع إلا ألفاظ
الاستعمار والانتداب والحماية. . . أصبحنا نسمع كذلك ألفاظ الوصاية الفردية والوصاية الدولية. . . ومن يدري فربما أضيفت إليه في المستقبل صفحات.
والحق أن الغاية من كل هذا واحدة: إخضاع الضعيف لسلطان القوي، شأنه في ذلك شأن الذئب والحمل الذي قيل إنه كان يعكر عليه الماء. وسواء لدى القوى أطلب منه ضعف الوصاية عليه أم لم يطلبها، فهو من الحالين أهل لهذه الوصاية. ومن حق القوى أن يأخذ بيده حتى يصل به إلى درجة البلوغ الإنساني ليستحق بذلك أن يكون عضواً في جماعة الإنسانية.
ولو أنك سألت (عصبة الأمم) لماذا قررت (وضع سورية ولبنان) تحت الانتداب الفرنسي، لأجابتك في كثير من البساطة، لتساعدهما على النهوض والاستقلال بأنفسهما، ولتصل بهما إلى درجة من الرقي والحضارة تجعلهما أهلا لعضوية هذه العصبة. ولكنك لو سألت اليوم (فرنسا) لماذا لا تترك هذه البلاد بعد أن أدت فيها رسالتها (ما دامت الرسالة لم تكن الغاية منها إلا مصلحة الشعب المغلوب على أمره) أجابتك، وعلى شفتيها ابتسامة: والمنشئات الحربية والمواقع (الاستراتيجية) والمدارس والمستشفيات والكنائس التي أسسناها. . .؟ أتريدنا على أن نترك كل هذا دون عوض وأن ننصرف كما قدمنا؟ ولماذا إذن كانت كل هذه الجهود التي بذلنا قراب عشرين عاما؟ وكيف يجرؤ الشعب الذي امتصصنا دمه وأذقناه الذل والهوان، وحاولنا وضع بذور التفرقة بين وحداته على إنكار ما أسدينا إليه من صنيع؟
قلت ما أحكم قول شاعر المعرة:
وأرضٍ بِت أقرى الوحش زادي
…
بها ليثوب لي منهن زادُ
فأطعمها؛ لأجعلها طعامي
…
ورب قطيعة جلب الودادُ
عبد العزيز برهام
تسوية المنازعات الدولية
للأستاذ نقولا الحداد
قرأنا بالأمس النص الرسمي لميثاق السلم والأمن فلم نر فيه الضمانة التامة للسلم والأمن، على الرغم من بذل كل مجهود في سان فرنسيسكو.
في هذا الميثاق هيئتان كبريان للحرص على الأمن الدولي: الأولى الجمعية العمومية المؤلفة من جميع الأمم المتحدة التي كانت ممثلة في مؤتمر سان فرنسيسكو. والأخرى مجلس الأمن وهو مؤلف من أحد عشر عضواً، خمسة منهم ذوو كراسي دائمة في المجلس وهم بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وفرنسا والستة الباقون تنتخبهم الجمعية العمومية من سائر الأمم المتحدة الأخرى لمدة سنتين ثم ينتخب غيرهم.
على أن حبل الأمن والسلم في يد هذا المجلس وهو أهم ما قرره المؤتمر ونص عليه في هذا الميثاق. ولذلك نتساءل الآن هل يصون هذا المجلس سلام العالم؟
كان العيب الأكبر في جمعية الأمم السابقة التي تمخضت بها شروط الصلح بعد الحرب الماضية أنها لم تكن مسلحة لكي يمكنها أن تنفذ قراراتها. ولم يُبح من وسائِل التنفيذ سوى وسيلة واحدة وهي التوصية بمقاطعة الدول المعتدية. ومع ذلك كانت هذه الوسيلة أضعف من الضعف لأن العمدة فيها كانت مروءة الدول أعضاء الجمعية. وليس للدول كما نعلم مروءات ولا ضمائر توجب عليها تنفيذ العهود.
وقد امتُحنَت جمعية الأمم وضمائرُ الدول في بعض المواقف فخابت. وكان آخر امتحان لها في قضية اعتداء إيطاليا على الحبشة فحكمت الجمعية بمقاطعة إيطاليا. فما من دولة نفذت هذه المقاطعة اللَّهم إلاَّ إنجلترا لأنها كانت في الحقيقة هي لا جمعية الأمم، خصم إيطاليا، بل كانت هي وحدها جمعية وبقية الأمم الأخرى ذيولاً لها. وأما فرنسا فعكست حكم المقاطعة بأن أقرضت إيطاليا حينئذ عشرين مليون جنيه بدل أن تمتنع عن مساعدتها.
هذا كان أمر جمعية الأمم المرحومة، فما كانت إلا قصبة مرضوضة لا حول لها ولا طول، فما صانت سلاماً ولا حفظت أمناً ولا منعت حرباً. فهل مجلس الأمن الذي وُلِد بالأمس أكثر طاقةً وأفعل صولةً منها في حفظ السلام؟ كان عيب جمعية الأمم المغفور لها أنها كانت عزلاء من السلاح. فهل مجلس الأمن الجديد مولود مسلحاً؟
يستفاد من الفصل السادس، فصل تسوية المنازعات، من مادة 36 إلى مادة 55 أن مجلس الأمن يبذل كل مجهود لفض النزاع بين الدولتين المختصمتين بالطرق السلمية. وما عهدنا نزاعاً أنفض الطرق السلمية إلا نادراً جداً بين دولتين متعادلتين قوة سلاحاً. وأما إذا كانت إحداهما أضعف من الأخرى فلا يجدي إظهار الحق ولا محكمة العدل جدوى في التسوية بينهما سلمياً. فإما أن تستسلم الضعيفة مغلوبة على أمرها مغبونة، أو أنها تدافع عن حقها مستنصرة بدولة أخرى ذات مصلحة.
فهل لمجلس الأمن قوة حربية توقف الدولة المعتدية عن حدودها وتردها عن عدوانها؟
المادة 46 تخول مجلس الأمن أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والبريدية والبرقية واللاسلكية الخ؛ وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول المعتدية.
وهب أن بعض الأمم المتحدة امتنعت عن أن تلبي هذا الطلب (كما حدث في مسالة الحبشة إذ لم تقاطع أي دولة إيطاليا) فما الذي يرغمهما على تلبية الطلب، أتوقيعها على الميثاق؟ فما كان توقيع المواثيق يوماً من الأيام مقدساً محترماً. ما كان إلا قصاصة ورق.
ولمجلس الأمن أن يقرر استخدام القوة وأن يطلب من الأمم المتحدة تقديم القوات المسلحة وفاءً بالالتزامات في مادتي 47 و48. فإذا نكصت بعض الدول عن تقديم المساعدة الحربية فمن يلزمها أن يقوم بتعهداتها؟ وهب أن الدول (أعضاء مجلس الأمن)
اختلفت فيما بينها بشأن تنفيذ خطة المجلس أو قراره ثم تحولت الخصومة الصغرى إلى خصومة كبرى بين جانبي الدول فمن يحسم هذا الخلاف؟
لنفرض مثلا أن رفعت الدولة السورية (وحينما نقول السورية نعني اللبنانية أيضاً) شكوى من فرنسا المعتدية، ورأى مجلس الأمن أن لابد من استعمال القوة ضد فرنسا لأنها لم تذعن. وهب أيضاً أن بعض الدول تحيزت لفرنسا وأصرَّت على هذا التحيز ولم يعد ممكناً صدور قرار من مجلس الأمن، أوانه صدر قرار يستوجب طلب قوات حربية من الدول لإكراه فرنسا على الإذعان ولم تلب بعض الدول الطلب، أفلا يمكن أن يتحول هذا الخلاف في المجلس إلى خلاف كبير بين الدول ويعرضها لحرب هائلة؟
قد تقول هذا فرض بعيد الحدوث لأن الدول تعهدت وهي الآن في ظروف وأحوال تدعها
تستحي من نكث عهودها. ولكن بعد سنين أو عشرات السنين يسقط برقع الحياءِ ولا تعود تحترم عهودها. فإذن الفصل السادس من الميثاق لا يضمن السلام (على طول)، أولا يضمنه غداً.
لو كانت نية جميع الدول حسنة وقد خنت من المطامع والمخاوف لكان في إمكانها أن تجعل مجلس الأمن قوة حاسمة لكل خلاف بين الأمم صغيرة وكبيرة.
قد تقول: وكيف ذلك؟
لو قررت الدول المؤتمرة في سان فرنسيسكو أن تضع كل دولة كبيرة وصغيرة على الفور تحت يد مجلس العدل قوات حربية جوية وبرية وبحرية الخ بحيث يفوق مجموع هذه القوات قوة أعظم دولة - كل دولة تقدم بنسبة طاقتها -. ومجلس الأمن يجعل قواد هذه القوات وضباطها من غير جنسها تفادياً للتمرد، وأن يفرق هذه القوات مختلطة في مراكز رئيسية بحيث تكون مستعدة للعمل بسرعة عند الطلب - لو قرر المؤتمر تسليح مجلس الأمن على هذا النحو ونفذ قراره في الحال، إذ يكون أعضاء المؤتمر في حماستهم وإبان شوقهم إلى السلام، لكان مجلس الأمن هذا مجلساً دولياً مسلحاً حقيقة، وكان في إمكانه أن ينفذ قرارات الأكثرية بلا تردد ولا خوف من الشقاق.
ومتى تم للمجلس هذا التسليح العظيم أمكنه أن ينزع سلاح جميع الدول ولا يبقى لها إلا ما هو ضروري لحفظ الأمن الداخلي
على هذا النحو يكون المجلس الدولي مجلس أمن حقيقة، وبه يصان السلام. ولكن ظهر من الميثاق الرسمي للسلم والأمن أن الدول دخلت قاعة المؤتمر وليس في قلوبها صفاء، ولا في ضمائرها نيات طيبة إلى النهاية
لست أتشاءم من مجلس الأمن، هذا الذي تمخض به المؤتمر فهو خطوة أخرى أفضل جداً من جمعية الأمم المرحومة. وإن شبت حرب ثالثة عظمى لا سمح الله بعد عجز مجلس الأمن عن تداركها - وإن بقي يعدها مدنية - فسيكون مجلس الأمن القادم بعدها كما وصفته آنفاً.
وإلى الملتقى.
نقولا حداد
التعليم ووحدة الأمة
للأستاذ عبد الحميد فهمي مطر
- 6 -
أخيرا استجابت والحمد لله وزارة المعارف لما سبق أن وجهناه إليها في أوقات مختلفة من نداءات متكررة هاتفة بضرورة توحيد المرحلة الأولى من التعليم العام في سبيل إيجاد أساس موحد للثقافة بين أبناء البلد الواحد وفي سبيل محو الفروق بينهم في هذه المرحلة البدائية الضرورية لكل ناشئ. فلقد جاء في الحديث المستفيض الذي أدلى به عن التعليم معالي وزير المعارف لمراسل الأهرام بتاريخ 5 يونيه سنة 1945 بعد الكلام عن المشاكل التعليمية الوقتية وبصدد الكلام عن المشاكل الأصيلة ما يأتي: أن في مقدمتها (أي المشاكل الأصيلة) مشكلة التعليم الإلزامي، ففي مصر ما يقرب من ثلاثة ملايين من الأطفال في سن التعليم الإلزامي لا يتلقى التعليم منهم الآن فعلاً إلا أقل من مليون طفل. وهذا فضلاً عن أن التعليم الذي يتلقونه في المدارس الإلزامية تعليم يجمع الرأي على أنه فاشل. لذلك كان واجبنا الأول العمل على تعميم المرحلة الأولى من التعليم بأسرع ما يمكن. وليس هناك أي مبرر لتعدد أنواع التعليم في تلك المرحلة من إلزامي وأول وابتدائي فهذا نظام عتيق مناف للديمقراطية عدلت عنه جميع الأمم الأخرى الراقية وانتهت إلى توحيد المرحلة الأولى لجميع الأطفال. وبعد كلام آخر عن المجانية في التعليم الابتدائي اختتم معاليه في هذا الموضوع بالذات بقوله:(لذلك تتجه سياستي إلى العمل على توحيد التعليم الإلزامي والأولى والابتدائي في مدرسة واحدة مشتركة تأتي بعدها المراحل الدراسية الراقية لكل طفل يظهر استعداداً لها. ويلي ذلك مرحلة تدعى مرحلة التعليم الثانوي. وكل هذه المراحل لا تتجاوز ثلاث عشرة سنة).
وإنه لاتجاه جميل جداً بل اتجاه ديموقراطي مستقيم أن تتوحد المرحلة الأولى في التعليم الإلزامي والأولى والابتدائي وتنضم جميعها في مدرسة واحدة لتتكون منها المرحلة الابتدائية في التعليم؛ غير أنا نرجو أن تتوحد هذه المرحلة توحيداً لا يمس ثقافة الناشئ ولا ينتقص منها شيئاً عن الطريق إقلال مدة التعليم فيها. إذ أن التنظيم الجديد يستدعي إيجاد مرحلة وسطى بين التعليميين الابتدائي والثانوي الحاليين ويستدعي جعل مدة التعليم في
المرحلة الأولى الجديدة أربع سنوات فقط، مع أن مدة هذه المرحلة كانت عندنا سبع سنوات في رياض الأطفال مع التعليم الابتدائي الحالي وست سنوات في التعليم الإلزامي الحالي الذي نشكو قلة فائدته ونسيان التلاميذ لما يتعلمونه فيه بعد الانتهاء منه، أو بقول أعم نشكو فشله كما جاء في تصريح معالي الوزير آنفاً. لذا فأنا نرى أن الناشئ على النظام المقترح لا يمكن أن يستفيد فائدة معقولة من المرحلة الأولى الجديدة إلا إذا تابع دراسته في المرحلة الثانية كلها وليس عندنا ما يلزمه بذلك. وفي هذا ما فيه من فشل المرحلة الأولى إذا اقتصر الطفل عليها فقط. وكثير جداً أولئك الأطفال على ما نعتقد الذين ستضطر الظروف أهليهم إلى الاقتصار على هذه المرحلة فقط دون السير في المرحلة الوسطى.
إن هذا النظام المقترح لم ينفذ في إنجلترا إلا حديثاً بعد تطورات كثيرة في نظم التعليم وبعد أن محيت منها الأمية وبعد أن استعدت له البلاد بالمعلمين اللازمين وبالأبنية الضرورية للمدارس، وبعد نقاش وجدل واخذ ورد كثير في لجان مختلفة، من لجنة هادو إلى لجنة أسين إلى لجان أخرى. وكانت بعض المدارس قبل تنفيذ هذا النظام في إنجلترا تجمع بين الأطفال والمراهقين وتحتم على الطفل أم يتابع التعليم فيها من الطفولة إلى المراهقة. لذا فأن الكثيرين من رجال التعليم عندنا يرون أن الأخذ بهذا النظام اليوم يعد طفرة غير ملائمة، وربما كان ضرره بالتعليم أكثر من نفعه خصوصاً أنه يتطلب الآن زيادة كبيرة في أمكنة المدارس وفي عدد المعلمين اللازمين بنا لا يقل عن الثلث، لأن فيه زيادة مرحلة بين مرحلتين وهي زيادة ضخمة لا نطيقها الآن خصوصاً بعد التجربة التي قاستها البلاد على حساب الثقافة العامة في تنفيذ مجانية العام المنصرم، وقد لمس ذلك معالي الوزير بنفسه وصدر به تصريحاته عن المشاكل الوقتية في التعليم فقال حفظه الله:(إن معظمها ناشئ من الخطة التي سارت عليها الوزارة في السنوات الأخيرة من إرغام المدارس على قبول عدد من التلاميذ يزيد كثيراً على ما تتسع له ونستطيع تعليمه والإشراف عليه إشرافاً مثمراً من غير عناية بأعداد المباني والكتب والمعدات اللازمة لمواجهة الزيادة في التلاميذ وإعداد المعلمين الصالحين لها. .) ثم ذكر معاليه في سياق حديثه عن مجانية التعليم الابتدائي ما يأتي: (وقد شملت الفوضى امتحانات القبول بالمدارس الابتدائية وإنشاء الفصول إنشاء مرتجلا من غير إعداد المباني ولا الأدوات اللازمة. واكتظاظ المدارس والفصول اكتظاظاً
لا يقل عنه بالمدارس الثانوية، ونقص المدرسين في المدارس عن العدد اللازم، واستمرار حركة التنقلات شهوراً بعد بدء الدراسة لمحاولة سد ذلك النقص.) ولذلك فأنا ندعو الله لمعالي الوزير الجليل بالتوفيق ونعيذه من أن ينال مشروعه من النقد منا غيره؛ لأن التنفيذ السريع لهذا المشروع الضخم الكبير ربما يجرنا إلى ورطة أكبر من ورطة مجانية التعليم الابتدائي. من أجل ذلك نرجو التريث في الأمر وعرضه على بساط البحث بين رجال التعليم على اختلاف طبقاتهم لتمحيصه والاقتناع به حتى يخلصوا في تنفيذه إذا جد الجد، كما نأمل أيضاً في معالي الوزير الديمقراطي أن يعرض الأمر على المجلس الأعلى للمعارف الذي نرجو أن يجتمع قريباً وأن يكون في تشكيله مجلساً قومياً ممثلاً لجميع الأحزاب حتى يتكون في صف المشروع رأي عام قوي لا تزعزعه العواصف ولا يفكر في إلغائه يوماً فيكون نظام التعليم عرضة لانقلابات تنزل به هزات وضربات قد تؤخره لا قدر الله وترجعه أعواماً إلى الوراء.
ثم إنا نرجو بعد إن اقتنع معالي الوزير بفكرة توحيد التعليم في مرحلته الأولى أن نضع تحت نظر معاليه مشروعاً آخر نرى أنه أكثر ملاءمة لحالتنا الراهنة إذ ليس فيه للأوضاع القائمة ونأمل أن يدرس بجانب المشروع الحالي:
ذلك أن يوحد التعليم في المدارس الأولية والإلزامية والابتدائية الحالية على أساس جعل مدة الدراسة فيها ست سنوات كاملة تنتهي في سن الثانية عشرة على أن يكون المنهج خالياً من اللغات الأجنبية التي تبدأ دراستها في مرحلة التعليم الثانوي لمن يستأنف دراسته فيها بعد ذلك، وأن يخصص نصف وقت الدراسة أو أكثر في جميع مدارس المرحلة الأولى للثقافة العامة المشتركة التي يجب أن تجوى مقداراً معيناً من أسس الثقافة كاللغة والدين والحساب الخ، ويترك باقي الوقت لدراسة المنطقة المحلية ليكون تحت تصرف الهيئة التعليمية المشرفة على المنطقة تتولى هي وضع المنهج المحلي اللازم له باتفاق المدرسيين والنظار والمفتشين. ثم يتفرغ التعليم بعد ذلك في المرحلة الثانية إلى فروعه المختلفة بين ثانوي وزراعي وصناعي وتجاري الخ؛ وأعتقد أن الشطر الأول من هذا المشروع كان قد تقدم باقتراحه أو باقتراح قريب منه على الوزارة بعد دراسته دراسة فنية معهد التربية في سنة 1934عند النظر في تنقيح خطط التعليم ومناهجه.
وإني أسأل الله أن يوفق العاملين إلى ما فيه وحدة الأمة والنهوض بثقافتها ورفع مكانها بين الأمم الأرض جميعاً.
عبد الحميد فهمي مطر
يا فرنسا.
. .
(ادعت فرنسا أنها حامية سوريا ولبنان)
للأستاذ حسن أحمد با كثير
يا فرنسا! يا بلاداً حاربت حيناً فَتُلَّتْ للجبين
صمدت للغزو أسبوعين ثم استسلمت للمعتدين!
يا بلاداً حررتها قوة الأحلاف من رقٍ مهين؟
اسمعي ثم اسمعي سخرية الأقدار مما تصنعين
إنها تضحك نكراء الصدى والجرس جشاء الرنين
إنها تضحك ملء الكون والأزمان مما تدعين
أدعي أنك تبغين لنا خيراً بقتل الآمنين!
أدعي أنك تحمين حمانا ببنيك الظافرين!
أدعي ما شئت زوراً واذكري إذ سمت خسفاً منذ حين
واذكري إذ عجزت كفاك عن أن تدفعا عنك المنون
واذكري ما ذقت من عسف ومن خسف من ذل وهون
أتظنين شعوب الضاد كالسنغال قوماً صاغرين؟
تستبدّين بهم مثل ضحايا الرق في خالي القرون
من ستحمين من العدوان؟ هل تحمين آساد العرين؟
ثم مِمَّن؟ أمن الأحلاف؟ والأحلاف ليسوا ظالمين
أم من الأعداء؟ والأعداء قد نالوا جزاء المجرمين
نحن لا نبغي حماة فاذهبي واحمي بنيك الباسلين
يا فرنسا! يا بلاداً حاربت حيناً فُتلَّت للجبين!
يا بلاداً حررتها قوة الأحلاف من رقّ مهين!
أحذري أن تستفزّي أمة قد أقسمت ألاَّ تهون
أمة أمجادها تزداد إشراقاً على مرّ السنين
أمة مقدامة ترنو إلى مستقبل ضاحي الجبين
أمة تحمي حماها بالدم القاني وبالعزم المكين
حسن أحمد باكثير
عرائس محطة الأمل
للأستاذ ادوار حنا سعد
هل طافت أبكارُ الجنه
…
بكؤوس السحر وبالفتنه
أو تلك عرائس أمواج
…
من بحر قد سئمت سجنه؟
حسن الأملاك ووسوسة ال
…
خناس وإغواء الجِنه
أضداد باتت تعجبني
…
بالرمل وأعجب منهنه
قد خطرت بالشعر الداجي
…
وجدائل صفر الأمواج
وغدائر فرع رفاف
…
فضيٍّ كالماء الساجي
ومزاج منها مختلف
…
درجات. . . أحبب بمزاج
قد عقصت تاجاً أو تركت
…
تهفو بالعطف الرجراج
من كل طروب في خجل
…
أو كل شرود في جذل
الشرق مع الغرب. . . التقيا
…
في غالي الحسن ومبتذل
وجمال ساج من نَصَف
…
وشباب زاكٍ مكتمل
تاه العشاق بمن صحبوا
…
وبقيت بنسكي المفتعل
موسيقى الخطوة رقراقه
…
أغرت بفؤادي أشواقه
وثياب الفتنة قد لمعت
…
غيداء الذيل وخفاقه
ألوان الطيف وأعطار
…
كالزهر تؤلفه باقه
الجسم بها كأسٍ عارٍ
…
يُذْكرك التين وأوراقه
غامت عيناي من الطرب
…
كفَراش يرقص للهب
مرت ناعمة ما التفتت
…
ورنت فاتنة لم تجب
وأجابت عينا ساحرةٍ
…
قد خف سواك إلى أربي
وهفت لندائي (غانية)
…
فذممت سُراي ومنقلبي
الروح الحيرى ما هدأت
…
والبيض الخردّ ما فتأتْ. . .
تغري الأحلام وقد سكنت
…
وقلوب الشيب وقد صدأت
سبحانك ربي. . . كم أبدت
…
عظة الأجساد وكم خبأت
من طين صلصالٍ خلقت
…
وإليك تعود كما بدأت
الأسكندرية
أدوار حنا سعد
البريد الأدبي
من معالي مصطفى عبد الرزاق باشا إلى الدكتور عثمان أمين
صديقي الأستاذ الدكتور عثمان أمين
أول من ترجم للشيخ محمد عبده، وعني بنشر آثاره هو السيد محمد رشيد رضا صاحب (المنار). والسيد رشيد رضا هو أول من لقب الشيخ محمد عبده بالأستاذ الإمام. وهذا اللقب نفسه ينبئ بالصورة التي يرسمها السيد رشيد لشيخه فيما كتب عنه، وينبئ بالفكرة السائدة في وجهة نظر التلميذ إلى أستاذه.
الشيخ محمد عبده عند السيد رشيد رضا إمام من أئمة الإسلام، له في الدين مذهب يقوم أصحابه على روايته وتدوينه كما قام أصحاب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما على ما لأولئك الأئمة من مذاهب.
وإذا كان الشيخ عبده إماماً في الدين، فالسيد رشيد رضا لا شك صاحبه ومفسر مذهبه ومكمله. وقد بذل منشئ (المنار) رحمه الله عليه - مجهوداً في هذه الناحية ضخماً حافلا بالمباحث الدينية والمناقشات الفقهية. وكان لهذا المجهود العظيم أثر غير ضئيل في طلاب العلوم الدينية ومن إليهم، وفي توجيه الدراسات الشرعية في الإسلام المختلفة.
ثم نهض بعض الكتاب والباحثين لدراسات تتصل بالشيخ محمد عبده وآثاره من غير الناحية التي كان السيد رشيد يقصر نظره عليها، وشارك في ذلك طائفة من المستشرقين، لكن هذه الدراسات لم تعدُ في جملتها أن تكون محاولات متفرقة وأن يكون حظ الأدب فيها أكبر من حظ التعمق في البحث، والاستقصاء في المراجع الآخذة في الازدياد.
ولقد رأيتك تتخذ من الأستاذ الإمام موضوع دراسة تحفز لها كل همتك، وتقبل عليها بكل قلبك، وشهدت بعض عنائك في تتبع المراجع وتمحيص النصوص، واستقراء الآثار، وحسن الانتفاع بذلك كله في الاستنتاج والحكم.
ثم قرأت رسالتك لما أتمتها، وكنت حاضر مناقشتها حين تقدمت بها لنيل الدكتوراه. فكنت من أشد الناس سروراً بك وإعجاباً بمصنفك الممتاز الذي يبرز صورة للشيخ عبده صادقة ناطقة، ويحيط بكل الجواب من نشاطه الإصلاحي المترامي الأطراف، ويعرض أنظاره الفلسفية في اتساق ووضوح وحسن طريقة. وإن كتابك ليسد ثغرة في الدراسات المتصلة
بالشيخ عبده، وفي الدراسات المتصلة بتاريخ نهضتنا الفكرية والاجتماعية الحديثة من ناحية أثر الشيخ عبده فيها.
مضى أربعون عاماً إلا قليلاً على وفاة الأستاذ الإمام فكتابك الطيب تحية الجيل الجديد من العلماء لمعلم الجيل القديم.
وهي تحية كريمة تتأرج بالحب والوفاء. وأي شئ في الدنيا أكرم من الحب والوفاء.
شكر الله لك وحياك.
مصطفى عبد الرزاق
1 -
رفقاً بنا أيها التجار
بعد انهيار الميدان الأوربي أخذ التجار يفتنون في الإعلان عن بضاعتهم ورخص أثمانها، ولكنا وجدنا أنفسنا معهم كما قيل عن (أبي معشر):(تقرأ فتفرح وتجرّب فتحزن):
قسا تُجّارُنا حتى حسبنا
…
قُلوبهمو حديداً أو حجاره!
إذا قلنا لهم: عطفاً علينا
…
فإنا إخوة، لعنوا التجارة!
وصاحوا: الحرب! ويح الحرب إنَّا
…
جنينا دونكم منها الخسارة!
وما صدقوا، فإن الحرب فاءت
…
عليهم بالنُّضّار وبالنَّضاره
عَذيري منهمو شبعوا وجعنا
…
وبعض الُحلو يُدرك بالمرارة
إذا حل الوباء بأرض قوم
…
فزف إلى الحنوطيِّ البشاره
سلوا الصابون كيف غدا لديهم
…
يباع كأنه مسك العطارة؟!
عباد الله خافوا الله فينا
…
أنشكوَ العرى أم نشكو القذارة
2 -
المبرد
ساق العلامة المحقق (النشاشيبي) في العدد 623 من الرسالة الغراء البيتين الآتيين في ثنايا احتجاجه لفتح راء (المبرد).
ومليح إذا النحاة رأوه
…
فضلوه على (بديع الزمان)
يرضاب عن (المبرد) يروي
…
ونهود تروي عن (الرماني)
وقد قال: إنهما لشاعر لا يتذكر الآن اسمه.
والبيتان (لأبن الوردي) كما جاء في كتاب تزيين الأسواق للشيخ داود الأنطاكي.
ومما ينتظم في سلك ما أتحفنا به الأستاذ الكبير من الطرائف عن هذا الاسم قول أبى الحسين الجزار:
حمتْ خدَّها والثغر عن هائم شج
…
له أمل في مَورد، ومُورَّد
وكم هام قلبي لارتشاف رُضابها
…
فأعرض عن تفصيل نحو المبرّد
وقال آخر:
ثغر، وخذ، فجلٌّ ربٌّ
…
بمبدع الحسن قد تفرّدْ
فذا عن (الواقدي) يروي
…
وذاك يروي عن (المبرد)
علي الجندي
1 -
أهل السنة وأهل الحديث
تعليقاً على ما جاء في هذا الموضوع في عدد (الرسالة) 626 أنقل كلمة من كتاب (كشف الكربة لابن رجب): قال الأوزاعي في قوله صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ). أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى منهم في البلد الواحد إلا رجل واحد. وكان الحسن يقول لأصحابه: يأهل السنة ترفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس. وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء.
ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة طريقة النبي صلى عليه وسلم التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات. ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال. . .
ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة. انتهى ما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي.
2 -
قبرس
ورد في عدد (الرسالة) 631 (قبرص) بالصاد، والصواب (قبرس) بالسين على ما في
القاموس المحيط، ومعجم البلدان وغيرهما، وما كنت لأنبه عليها لو كانت في غير مقال العلامة النشاشيبي، ولعلها من خطأ الطبع.
محمد تحسين الحسيني
في مقالي عن أحمد محرم
وقع خطأ مطبعي وسهو في كلمتي عن المرحوم الشاعر أحمد محرم ونورد هنا صحتهما رجاء التنبه للخطأ المقابل لهما:
(في يوم الأربعاء 13 يونيو 1945م بمدينة دمنهور توفي الشاعر) وبعد ذلك بسبعة سطور:
(وانتقل به والداه وهما من أصل شركسي إلى حوش عيسى وهي إحدى القرى الكبيرة التابعة لمركز أبي المطأمير).
هذا وقد وردت إليَّ بعض الرسائل من أفاضل تفيض ألماً للفقيد وتسألني مزيداً من التفاصيل عن حياة الشاعر. وعن مدى البؤس والإهمال الذي لقيه في حياته. وإني أشكر لهم ذلك الإحساس النبيل، وارجوا أن أكون عند رغبة أصدقاء الشاعر قريباً بنشري دراسة كاملة عنه.
كما قد علمت أن بعض أصدقاء الشاعر في دمنهور - وما أقلهم في ذلك البلد - يفكرون في إقامة حفلة تأبين له وإني إذ أحيي فيهم ذلك الوفاء أرجو أن لا يقف الأمر عند الرثاء. . .
(دمنهور)
عبد الحفيظ نصار
حفلة تأبين
ستقام حفلة تأبين للمغفور له الأستاذ الشاعر أحمد محرم بدار سينما بلدية دمنهور من الساعة الرابعة إلى السادسة من مساء يوم الثلاثاء الموافق 24 يوليه سنة 1945.
فعلى حضرات الذين يودون إلقاء كلمات في هذه الحفلة الاتصال بمندوب اللجنة حضرة عبد الجواد أفندي غزال بمدرسة التعاون الإنساني بدمنهور.
القصص
أقصوصتان لتشيكوف
1 -
ابتهاج
بقلم الأستاذ مصطفى جميل مرسي
ما كادت الساعة تشرف على الثانية عشر مساء، حتى دلف ميتيا كلدروف إلى داره، أشعث الشعر، منفعل الوجه، مضطرب النفس. فهرع إليه والداه وكانا على وشك النوم، وكذلك شقيقته وكانت قد أتت على الصفحة الأخيرة من إحدى القصص. أما اخوته التلاميذ فأغرقوا في النوم.
وصاح والداه في دهش:
- من أين أقبلت! ماذا دهاك؟!
- لا تسألاني. . . لم أكن أتوقعها. . . أنها المستحيل بغير شك. . .!
وعجزت ساقاه عن حمله - لما غمره من السعادة - فتهالك على أحد المقاعد ضاحكاً مردداً:
- أنها المستحيل!. . . انظروا، فأنتم لا تتصورون مبلغ ذلك! فخفت إليه أخته - وقد أحاطت نفسها بدثار - واستيقظ الأطفال على صدى هذه الضجة.
- ما الذي حدث؟ إنك تبدو في غير طبيعتك!
- ذلك لأني لا أكاد أتمالك نفسي من الابتهاج، ألا تعلمين أن روسيا بأجمعها تعرفني الآن؟ تعرف ذلك الكاتب المسجل دمتري كلدروف؟
وعاد ميتيا يهرول في غرف المنزل من جديد، ثم لم يلبث أن أدركه الكلل والعناء فتهالك على المقعد ثانية، وشك الجميع في أنه قد أصيب بلوثة في عقله، فصاح ميتيا في سخرية:
- أنتم تعيشون هنا كالوحوش، لا تدركون ما يدور حولكم لأنكم لا تعيرون اهتماماً ما ينشر في الصحف من الأخبار الهامة، إن الصحف تذيع ما يطرأ من الحوادث الخطيرة، فلا تبقى خافية على الناس. . . يا إلهي، كم أنا سعيد. . . ألا تدرون؟ لقد نشرت الصحف أسمي كما تنشر أسماء العظماء المشهورين!
فهرع الأخوة نحو أخيهم وقال الوالد وقد علا وجهه شئ من الشحوب:
- ماذا تعني؟ أين ذلك؟
-ماذا أعني لقد نُشر أسمي في الصحف وعرفتني الآن روسيا بأجمعها. . . انظروا. . .
وجذب ميتيا من جيبه نسخة من إحدى الصحف وناولها والده وأومأ إلى فقرة علامة زرقاء واضحة
- هلا قرتها؟
فثبت الأب نظارته أمام عينيه، أما الأم ففغرت فمها وقد ارتسم عليه شئ من البله، وراحت تتمتم في صوت خفيض، وارتفع بعد هنيهة صوت الوالد وهو يتلو الفقرة:
(في الساعة الحادية عشرة من مساء يوم 29 ديسمبر، بينما كان كاتب مسجل يدعى ديمتري كلدروف. . .)
فقاطع ميتيا والده قائلاُ:
- أسمعتم؟ استمر
(. . بينما كان كاتب مسجل يدعى ديمتري كلدروف يغادر إحدى حانات الخمر في حي (كوزهين) بمقاطعة (بورونيا) وهو في حالة سكر).
- أنه أنا يا والدي، وكان معي سيمون بتروفلش، أنهم يصفون الحادث أروع وصف. . . أنصتوا. . . استمر
(في حالة سكر، تعثر وهوى تحت حصان عربة للثلج، يقودها رجل ريفي يدعى (إيفان دروتوف) من قرية (دريكينو) بإقليم (يونفسكي) فهاج الحصان ووطئ كلدروف، ومرت العربة فوقه وانقلبت بالقرب من تاجر موسكو يعرف (بستيبان لكوف)، فتحطم ما كان بها من الثلج على قارعة الطريق، واستطاع نفر من الناس أن يقبضوا على زمام الحصان الجامح، وحمل كلدروف في غيبوبته إلى مركز الشرطة حيث فحصه الطبيب وكانت الإصابة التي أصابته في مؤخرة رأسه. . .)
وعاد ميتيا يقاطع والده:
- لقد كانت من نوتأ في العربة. . . أتمم الباقي. . .
(. . . التي أصابته في مؤخرة رأسه لم تكن بالخطيرة، وقد كتب تقرير عن الحادث وأسعف الجريح بالمساعدة الطبية اللازمة)
وأخبروني إنه يجب موضع الإصابة بالماء البارد. . . أصدقتم الآن؟ إن روسيا جلها تعرفني أنا ديمتري كلدروف ناولنيها يا أبتاه!
والتقط ميتيا الصحيفة من والده وطواها، ودسها في جيبه،
وراح يقول:
- سأنطلق الآن إلى أصحابي ومعارفي لأنبئهم بأن ديمتري كلدروف قد ذاع صيته في روسيا. . . نعم سأريهم الصحيفة. وداعاً
وارتدى ديمتري قبعته الحمراء. . . وهرول إلى الطريق وملء جوانحه الزهو والابتهاج. . .
مصطفى جميل مرسي
2 - في المقبرة.
. .
بقلم الأديب فيصل عبد الله
(الريح شرعت تهب، والكون قد غشيه الظلام، أفما آن أن نعود إلى بيوتنا؟)
لقد هبت الريح تعصف بأوراق الشجر الصفراء، وانثال علينا من السماء هاطل من البرد، فأنزلق قدم أحدنا وكاد أن يهوى على الأرض الموحلة لولا أن تدارك نفسه فأهوى بيده على صليب أغبر كبير كي يتقي به السقوط، ثم راح بعد ذلك يقرأ ما كتب عليه:
(إيغورغريازنوروكوف المشاور الخاص والفارس). . إنني لأعرف هذا الرجل، كأن كلفاً بزوجه ويتقلد وسام ستانسلاف ولا يزعج نفسه بقراءة شئ، أما ذوقه فكان جميلاً، إنها لحياة لا يأسى امرؤ على أنه حييها، ولطالما جال في خاطر الناس أن لم تكن بمثل هذا حاجة إلى أن يموت. ولكن للأسف، فإن حادثاً أليماً كان في انتظاره، فلقد خر المسكين صريع حبه للمعرفة، إذ بينا كان ذات يوم يختلس النظر من خصاص باب إذ صدم الباب رأسه بعنف فأفقده الوعي ثم. . . مات تحت هذا الصليب يرقد إنسان أبغض الشعر منذ المهد، وكأنهم يسخرون منه إذ ملأوا النصب كله بالشعر. . . ها قد أقبل بعض الناس!)
أقبل نحونا رجل بمعطف بال ووجه شاحب حليق، يتأبط قنينة من الفودكا، وقد برزت من جيبه رزمة من شرائح لحم مقدد، ثم سألنا بصوت أجش (أين موشكين الممثل؟!) فقدناه إليه، وكان موشكين هذا قد مات منذ عامين، ثم سألناه:(أأنت موظف حكومي؟) فأجابنا: (كلا إنما أنا ممثل، إن المرء لا يستطيع في هذه الأيام أن يميز ممثلاً من موظف حكومي، ولعلكم لاحظتم ذلك. إنه لشيء عجيب وإن لم يكن فيه ثمة حط من قدر الموظفين).
لقد كان عسيراً أن يجد المرء قبر موشكين، فلقد علته أعشاب فتبدي مما كسبه أبعد ما يكون عن المقابر. كان عليه صليب رخيص صغير ومائل، نمى عليه الطحلب وعلق به الثلج، فلاح قاتماً عتيقاً كتب عليه (الصديق المنسي موشكين)، ولقد أزال الزمن حرفين من النصب وأصلح ضجعة الرجل. ولقد تنهد المثل وجثا حتى مست ركبتاه الأرض الموحلة، ثم قال:(لقد أكتتب الممثلون والصحفيون بما لم ليقيموا به نصباً له، ثم شربوه، يالهم من صبية أبرار!)
- وماذا تقصد بقولك (شربوه)؟
- ذلك جد بسيط، لقد جمعوا المال، وخطوا الورق القوائم، ثم شربوا المال، أنني لا أقول ذلك لألحوهم على ما فعلوا ولكنه الواقع نخب صحتكم يا سادتي، نخب صحتكم ونخب ذكراها الخالدة. ليس ثمة صحة تنال من الإفراط في الخمر، والذاكرة الحافظة الدائمة أمر مؤلم. . . ألا فلنرجو من الله ذاكرة لا تعيش فيها الأحداث والرؤى، أما الذاكرة الواعية. . .
- حسناً. . . إن هذا لهو الحق، لقد كان موشكين رجلاً يعرفه الكل، ولكنه الآن منسي، نسيه أولئك الذين أحبوه، ويذكره أولئك الذين مسهم منه الضر والأذى وبخسهم أقدارهم أما أنا فلن أنساه، كلا، لن أنساه، فلم يصبني منه غير الضر والخسران، ولست أحبه.
ثم زفر الممثل فسألناه: وأي أذى نالك منه؟ فبان على وجهه ما كان يكابد من جراح في قلبه وقال: (إنه لأذى بليغ، لقد كان خبيثاً وسارقاً، ألا فلتسكن روحه ولتهدأ. . . لقد صرت ممثلاً بالإصغاء إليه، صرت ممثلاً بالنظر إليه. لقد أغواني بفنه وأغراني بكبريائه فزين لي أن أهجر الأهل. لقد وعدني بكل شئ ولكنه لم يهبني غير الدموع والأشجان، غير مصير الممثل ونهايته لقد خسرت كل شئ. . . الشباب. . . الوقار. . . محبة الله. . . ولم أعد أملك فلساً واحداً أعز النفس به. لقد رث حذائي وبلى وتهرأت ثيابي وانتشرت عليها الرقع، وبدا وجهي كما أن كلاباً قد تولته نهشاً وتمزيقاً، وامتلأ رأسي بالبالي الرخيص من الفكر. . . لقد سلبني إيماني ذلك السارق! على أن ذلك كله ما كان ليبلغ مني مبلغاً هذا لو كان لدي شبه ذكاء أتعزى به، قد خسرت كل شئ، للاشيء. إن الجو لقارس أيها السادة أفتأذنون بقطرة فإن لدي ما يكفينا، فلنشرب، ولتهدأ روحه إنني لا أحبه، إنه الآن ميت، ولكنه برغم ذلك كان الوحيد الذي كان لي على وجه الأرض، لقد كان لي كأصابع اليد، وهذه آخر مرة أراه فيها، فلقد أخبرني الأطباء بأنني سأموت قريباً لأدماني الخمر، ولذلك جئته اليوم لأودعه، فان علينا أن نصفح عن أعدائنا!
ولقد تركناه يناجي موشكين، وسرنا خارجين من المقبرة ثم انهال علينا رذاذ بارد ناعم من السماء، وعلى منحني الطريق الرئيسي لقينا جنازة يحملها أربعة رجال عليهم أنطقة بيض من القطن، وقد اتسخت نعالهم وناءت بحمل من ورق الشجر علق بها، كانوا يحملون كفناً رمادياً، وكان الظلام قد هم بالكون يغشيه بسدول منه سوداء رهيبة، فكانوا يسرعون بعبئهم
يتعثرون ويتأرجحون. . . لم تمض علينا غير ساعتين مذ شرعنا نجول هنا وهذه ثالث جنازة يأتون بها، ألا فلنعد إلى بيوتنا. . .
القدس
فيصل عبد الله
الكتب
شعر الطبيعة في الأدب العربي
(كتاب للدكتور سيد نوفل)
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
أظهرت مكتبة الحانجي بمصر كتاب شعر الطبيعة في الأدب العربي للدكتور الفاضل والعالم الأديب سيد نوفل، وهو الرسالة التي نال بها درجة الدكتوراه برتبة جيد جداً من جامعة فؤاد الأول سنة 1944م.
وقد كان الأدب العربي في حاجة إلى هذا الكتاب الذي عني بتاريخ شعر الطبيعة منذ ظهوره في شعر امرئ القيس كفن قائم بذاته من فنون الشعر، متأثراً بالبيئة التي ظهر فيها امرؤ القيس، معبراً في وصفه لها شعور صادق بأثرها في نفس الشاعر، وحب لها يصل إلى درجة التدله والفناء فيها، ويجعل ذلك النوع من الشعر هو الغرض الأهم من القصيد، وماعداه من الأغراض كالنسيب يؤخذ على انه وسيلة له، وكان مظهره في الوقوف على الأطلال ووصفها والبكاء عليها، ووصف مشاهد الصحراء العربية من نوق وأفراس وجبال ورياح وسحب ورعود وبروق وما إلى ذلك من مشاهدها، وهذا هو الدور الأول لشعر الطبيعة في الأدب العربي.
ويأتي بعده الدور الثاني، وهو دور التقليد في شعر المرقش ومن سلك طريقته، وفي شعر أوس بن حجر ومن سلك طريقته، وفي شعر طرفة ومن إليه من بعض الشعراء الذين تحرروا من قيود التقليد بعض التحرر، وفي هذا الدور حذا أولئك الشعراء في وصف الطبيعة في شعرهم حذو امرئ القيس، ولكنهم جعلوه وسيلة لغيره من الأغراض، لأن وصف الطبيعة لم يكن يعنيهم في الشعر كامرئ القيس، وإنما كان يعينهم غرض المدح وما إليه من الأغراض التي دعاهم إليها التكسب بالشعر.
ثم يأتي بعد ذلك الدور الثالث، وهو دور الجمود في صدر الإسلام، وعهد الخلفاء الراشدين، وعهد بني أمية، لأن شعراء هذه العهود جمدوا فيها التراث الجاهلي في وصف الأطلال وما إليها من المشاهد البدوية، ولم يؤثر ذلك الانقلاب العظيم الذي أحدثه الإسلام في
تاريخهم، ونقلوا به من أمة بدوية إلى أمة حضرية، وشاهدوا فيه من آثار المماليك المفتوحة ما لم يشاهدوه في باديتهم، وقد وجههم الإسلام إلى النظر في الطبيعة فلم يتوجهوا، ولم يجددوا في الشعر ما يلائم ذلك التجديد الديني، وقد قامت في ذلك الدور حركة للأحياء في رجز العجاج وغيره من الرجاز، وفي قصيد الراعي وتلميذه الرمة.
ثم يأتي بعد ذلك الدور الرابع، وهو دور الانتقال في شعر أبي نواس وأبي الرومي والبحتري وابن المعتز وقد امتاز هذا الدور بالمنازعات التي قامت فيه بين القديم والجديد، وثورة أبي نواس على الجمود في الشعر على وصف الطلول، والوقوف على الدمن، وما إلى ذلك مما لا يتأثر به الشاعر في حاضره، ولا يحيط به بيئته، وكان لذلك أثره فيما أخذ به هو وغيره من وصف مشاهد الحضارة العباسية، في قصورها ومجالس لهوها، وما إلى ذلك مما جد فيها، ولكن الشعراء كانوا يترددون في ذلك بين القديم والجديد، ولم يمكنهم أن يتخلصوا فيه كل التخلص من التأثر بالقدماء.
ويأتي بعد ذلك الدور الخامس، وهو دور النهضة، وقد انتهى القرن الثالث الهجري بغلبة الجديد، فنهض شعر الطبيعة إلى أقصى ما وصل إليه الأدب العربي، وصار له في كل إقليم طابع يمتاز به، وكان أرقى ما وصل إليه في بلاد الأندلس في شعر ابن خفاجة وغيره.
وقد آثرنا أن نلم التقسيم الذي يدل على مبلغ دقة المؤلف وتمكنه من موضوعه، لندل به على طريقة دراسته في كتاب تبلغ صفحاته سبع عشرة وثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط، فهي دراسة دقيقة جامعة لهذا الشعر في عهوده المختلفة، وعرض حسن لنماذجه فيها، وتحليل وشرح يدل على قوة إدراك، وحسن فهم، وموازنات بين الشعراء في هذا الباب تدل على مبلغ تفاوتهم فيه، وتضع كل واحد منهم في درجته اللائقة به، ونقد بصير بمواضع النقد، وتوجيه حسن لمن يأخذ من الشعراء في هذا الباب.
ثم ماذا بعد هذا كله في ذلك الكتاب النفيس؟ هناك دراسة أيضاً لشعر الطبيعة عند الغربيين، وموازنات بينه وبين شعر الطبيعة في الأدب العربي وحسن توجيه أيضاً إلى ما وصل إليه شعراء الغربيين في هذا الباب، لأنهم لم يقتصروا فيه على وصف مظاهر الطبيعة كما اقتصر شعراؤنا، بل اتسع الأفق عندهم في نظرتهم إلى الطبيعة، واتخاذها
موضوعاً فكرياً عالياً، ينتهي بهم إلى أفكار وتصورات سامية، وفلسفات روحية تدل على كمال تفانيهم فيها، ولذلك نماذج أيضاً تؤيده، فجاء الكتاب بكل هذا جامعاً في بابه، لا يستغني عنه أديب في مكتبته.
عبد المتعال الصعيدي
ديوان الشوق العائد
(للأستاذ علي محمود طه)
للآنسة فدوى عبد الفتاح طوقان
في كتاب العمدة لابن رشيق: (قال بعض الحذاق: إنه ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هو يقع في النفس عند المميز: كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه).
هذا قول كله صدق وكله حق، فنحن مهما اجتهدنا في تعريف غيرنا بنواحي الجودة في الشعر الجيد فلن نستطيع أن يأتي بصورة صادقة تامة لما نحسه في نفوسنا من جودة ذلك الشعر.
وهذه حالي مع شعر الشاعر علي محمود طه، فإنني لأقرأه فإذا هو يوافق نفسي، وإذا هو يقع منها موقعاً قلما يكون لغيره من شعر العصر. ولست أدري مبعث ذلك على وجه التحقيق، أهي روعة الشعر أم تجاوب الذوق أم كلاهما معاً.
وهاهو ديوانه الأخير (الشوق العائد) بين عينيّ فيا لها من عوالم حافلة بالتهاويل زاخرة بالصور الحية تبتدعها لطافة شعور الشاعر، وصفاء فكره، ورفيع ذوقه وبراعة فنه؛ ولله هذه الصفحات الرائعات من حياة ذلك القلب الذي لا يقر له قرار، فهو لا يكاد ينسى أمسه بآماله وآلامه حتى يعوده عيد من الشوق جديد: الله لقلوب الشعراء! وهل كانت يوماً إلا هكذا؟ وهل تملك إلا أن تلتفت إلى أمسها رضينا أم لم نرض؟. ولقد ترقرقت في عينيّ دمعة حين قرأت قوله:
فقالت: ما حياتك؟ قلت حلم
…
من الأشواق أُثر أن أطيله
ما أروعها حياة! ولكن يا رحمة للنفس الشاعرة إذا هي لم تجد لطيوف أحلامها الأفقَ الرحيب لتنطلق فيه خفيفة الأجنحة، فما تكاد تلك الطيوف تصفق بأجنحتها وقد همت بالتحليق حتى تصدمها قيود وسدود تعترض الأفق من هنا وهما فإذا الأجنحة تتكسر؛ وإذا الطيوف تختنق من الضيق فتتهاوى صريعة مهيضة، وتستيقظ النفس الشاعرة الحالة لتواجه الحقيقة، الحقيقة التي ترمي فتصيب، وتصيب فتقتل. وما هي حياة الشعراء إذا حيل بينهم وبين أحلامهم وأطيافهم؟.
ونظرة في قصيدة (يوم الملتقى) وهي من غرره الاجتماعية تعيد إلى أذهاننا ما تنبأ به
المرحوم (الزهاوي) لشاعرنا من أنه سيحمل بعد شوقي لواء الشعر العربي. حقاً ما كان أزكن الزهاوي رحمه الله؛ أولا فما هذا الشعر الرصين وما هذه الديباجة لمشرقة، وما هذه العصا السحرية التي تمس القلوب إذا خاطب الشرق في اجتماع زعمائه لتأليف الجامعة العربية:
فَقْدُ شراعك لا تسلم أزمته
…
لغير كفك، إن الريح هوجاء
يا شرق مجدك إن لم ترس صخرته
…
يداك أنت فقد أخلته أهواء
يا شرق حقك إن لم تحم حوزته
…
صدور قومك لم تنقذه آراء
والكون ملحمة كبرى جوانبها
…
دم ونار وإعصار وظلماء
بلى، ولئن لم ينزل الشرق هذه الملحمة، ملحمة الكون الكبرى مزوداً بعدته ليهلكن.
ويا لتلك الريشة التي تضرب على أشد أوتارنا حساسية حين تستصرخ العصبة بشأن فلسطين فتهزنا هزاً:
أحلها ذهب الشاري وحرمها
…
عصر به حرر القوم الأذلاء
حربان أثخنتاها أدمعاً ودماً
…
تنزو بها منهجة كلمي وأحشاء
تطلعت لكم ولهى، أليس لها
…
على يديكم من العلات إبراء
الله فيك يا فلسطين الشهيدة.
ولست هنا بسبيل أن آتي على كل قصيدة في ديوان الشوق العائد، وليس ما ذكرت هو خير ما في الديوان، كلا، فإن قصائد الشاعر تمتاز كلها بالجمال روحاً وجسماً، فالمعنى الرائع في اللفظ المنتخب. وإن الملاح التائه ليصور لنا بحرارة وصدق ما تهتز له خوالجه، وإن شعره لينبض حياة بما فيه العناصر الإنسانية التي تشيع في كل ما ينتجه لنا من روائع، ومن هنا يتغافل شعره في نفوسنا ومن هنا يخبأ شعره في قلوبنا.
تحيتي إليك يأ أيها الشاعر الخالد وإعجابي الذي لا ينتهي.
(نابلس)
فدوى عبد الفتاح طوقان
أصداء بعيدة
(للأستاذ العوضي الوكيل)
للأستاذ ثروت أباظة
صدر في الأيام القريبة الماضية ديوان (أصداءٌ بعيدة) للشاعر العوضي الوكيل، وصاحب الديوان غني عن التعريف وليس غريباً عن قراء الرسالة، وديوانه هذا الأخير يغري بالقراءة فقد قرأته عدة مرات، كنت أفتح الديوان عفواً فما أزال أقرأ وأقرأ حتى أجدني قد انتهيت من الديوان، ولعل هذه القراءة الكثيرة جعلتني ألحظ على الديوان شيئاً كنت أتمنى ألا ألحظه. فالشاعر العوضي شاعر له قصائد كثيرة تعطيك الفكرة الصحيحة الصادقة عن فن الشاعر الصادق. وبجانب هذه القصائد نجد مقطوعات لا تقل كثرة عن تلك، كان بودي أن ننسب لغير الشاعر الذي عرفناه فأنت حين تقرأ قصائد الديوان كأنك تقرأ لشعراء كثيرين متباينين قوة وضعفاً. فقصيدة الربيع مثلا التي يستهلها الشاعر بقوله
عدت يا صاحب الربيع وعدنا
…
فامض في الكون كيف شئت وأنا
وكذلك قصيدتا الريف الفائية والرائية من أحسن ما يمكن أن يكتب عن الربيع وعن الريف، ولكن تعال معي مثلا إلى قصيدة الهجرة. . . . . .
رحلة لليقين والإيمان
…
ونجاة الهوى من الطغيان
فتح القفر روحه للصديقين
…
فأمسى بادية كالبستان
أيما ذرة من الرمل غنت
…
ولكادت تهم بالطيران
حدثت أختها وفيها دبيب
…
وهي نشوى بمقدم النسوان
بون شاسع بين هذا الشعر وما قدمت من نماذجه الجياد، ومن طراز هذا الشعر الأخير قصيدته في صلاح الدين ومقطوعته التي بعنوان (ونشيده العسكري وغير ذلك مما لا أرضاه للشاعر. أنا لا أنكر أن كل شاعر يسف ويحلق ولكن ليس بهذه الكثرة في الإسفاف. ولعل هذا راجع إلى أن الأستاذ العوضي سريع في نظمه كل السرعة، وسرعته هذه لا تعطيه الفرصة الكافية لكي يعرض القصيدة على ذوقه الأدبي مجرداً من كل عاطفة، فهو ينظم القصيدة ثم ينظر إليها نظرة المعجب المزهو لا المنتقد المفند، والوضع الصحيح أن ينتقد هو ليعجب به غيره. لعله يستمع لهذا الكلام في هدوء وطمأنينة فيحاول أن يتدارك
هذا المأخذ. . . إذا لأصبح العوضي في مكانه اللائق به.
ثروت أباظة
1 -
زوبعة الدهور: تأليف مارون عبود
فصول عن (دار المكشوف) بقلم خفيف سريع الحكم يعتصر حكمه على المعري من عاطفته ويستدل بشعر المعري بتنزعه من قصائده ويمهد لخواطره عن الشاعر
يدور الكتاب حول حياة المعري أو المعضلة العلائية ويمضي الكاتب يصف عصر المعري بعصر الأسرار ويفيض عن مدرسة أبي العلاء وصلته بالحاكم ويستطيل به القلم حتى يصل به القول إلى أن العصر ظفر منه بشاعر العقل الفاطمي.
وعند الكاتب أن المعري لم يضرب عن الزواج لأنه لا يريد الجناية على أحد ولكنه أضرب لأنه يؤثر الصفة ويحدد النسل عند الإضرار ولا يسمح بتعدد الزوجات ويثور للعرض المهصور ثورته للدم المهدور.
وقد أسرف الأستاذ المؤلف وزاد وأطال كي يثبت أن المعري شيخ الفاطمية الأعظم. وإليك ما انتهى إليه (في مذهب أبي العلاء)(من طالع سيرة المعز والعزيز والحاكم الفاطميين رأى أبا العلاء لا يخرج في حدود تعاليمه عن تخوم آراء هؤلاء الثلاثة، ومن أسعده الحظ وقرأ رسالة النساء الكبيرة في كتب الدروز يرى أن النبع واحد كل يريد أن يقصي المرأة وينحيها خوفاً من الفتنة).
والمؤلف جرئ كثير التحامل والشطط من ذلك حكمه بأن أدب العميان جميعاً فيه رائحة عفنة لا تعجبه. وهو قد يكون على شئ، ولكن في أدب العميان مثل بشار سحر لا يشاب بعضه ولكنه يمزح بالسخر والصدق والصرامة؛ وفي نظرات المعري نفسه صدق ومضاء غاب عن المؤلف؛ والمرارة شئ والتعفن شئ آخر.
والكتاب جمعية من الخواطر الأدبية في ثوب باحث وأسلوب يشوق القارئ بحديثه لولا الإطالة والإطناب حول المعري والدعوة الفاطمية التي استولت على المؤلف وأضاعت عليه وقتاً كان في حاجة إليه في جوانب أخرى عن المعري. . .
7 -
مرايا الناس: تأليف السيدة وداد سكاكيني
رأيي في الأدب النسوي لا يسر المرأة ولا يروق ربات البنان المخضب، ولكني أعترف كما يعترف غيري أننا قرأنا من نتاج الأدبيات في مصر ما طربنا به شيئاً، وإن كنت أجد فيه إلى جوار نأمل المرأة أصابع الرجل تنقيه مرة وتشجعه مرة أخرى وقد تقومه أو توجهه. والذي يؤلم أن أدب الأنوثة كنار الهشيم تعلو سريعاً ثم تهبط وإلا فأين (صوت سهير القلماوي) وأين نفخات الأنوثة في (قلم ابنة الشاطئ) وأين طرائف المبدعات من (وداد صادق عنبر) وبيانها المنزل من موروث والدها. أين؟ وأين؟ أظن (البيت) هو الذي طغى على رسالة القلم عند هؤلُيَّائكنَّ. ولا حرج فالطبيعة تقضي.
غير أني اليوم أطالع مرايا الناس للسيدة وداد سكاكيني الكاتبة الشرقية فأعجب كف أن الطبيعة لم تغلبها، وحرفة الأمومة لم تنهنه من حماسها الأدبي ولم تبلبل تيارها العارم؛ أعجب ولا يدفعني هذا إلى أن أقول كما قال الناقد القديم. (تلك التي غلبت الفحول) لا أقول ذلك وإنما أدعو القارئ إلى أن يرد مراياها ويقف على شخصيتها ويتملى من أسلوبها ليعجب بقصصها الإنساني الذي أتخذ من صلاته بالمرأة درساً وتحليلاً ثم جاء تعبيراً سامياً في إطار يشوق وإخراج يروق. وحتى لا أحرم القارئ أو يرميني بمجاملة الضيفة الصديقة أضع أمامه قطعة من (شقيقة نفسي) تكتشف عن جمال في العبير وإبداع في التصوير ورفعة في الأسلوب الذي تحسد عليه المرأة وتغبط السيدة وداد.
(في صيداء مدينة الزهر والعطر، الحالمة بمجدها على شاطئ الأبيض الجاثم بوداعة وفطنة ليداعب بمده وجزره تلك الرمال النقية فإذا وليت وجهك شطر البيوت تركت البحر يواجه بأمواجه القلعة العتيقة السادرة في ذكرياتها، ثم أقبلت بالنظر على جنات ألفاف، وأفواف خلف أفواف، وحدائق وراء بساتين رفافة النسيم سمراء الأديم قد شاعت فيها أنفاس الفردوس، وليكن هذا في الربيع حين يعبق في هواء صيداء عطور النارنج والليمون).
وأخشى أن أطيل وأمضي بك في كثير من القطع الفنية التي صاغتها ريشة تغني بعواطف المرأة وتجارب الأنثى وتأملاتها في الحياة والمجتمع وصلات الناس.
نعم قد تمر على بعض القصص فلا تفجأ بالحادثة، وقد تمر بك الخطرات والنظرات وأنت تقرأ كأنها النسيم يمضي رخاء دون أن يلفحك أو يعصر قلبك لأن السيدة وداد رفيقة
الأنفاس هادئة اليراعة تنظر بمرآة صافية لن تلعب بها الأعاصير ولم تتمايل بها الرياح إنما هي امرأة فنانة متمكنة من قياد القلم تحمل قلباً إنسانياً ونظرة نشف وتنم عن الرحمة واليقظة وهكذا جاءت مراياها من القصص المحلل المتأمل يشهد للمرأة ويحملنا على الاعتراف بأدبها.
وقصص (هاجر العانس) و (الضرتان) و (حظها المكتوب) و (العروس) لون من نتاج المرأة الذي يضع الكاتبة في مصاف القصاصين المبدعين.
ويكفي الأدبية أن تقبل إعجابنا بنتاجها الموفق وإلى أثر أدبي آخر يردنا إلى الإعجاب بفن الأنوثة الشرقية.
كامل محمد عجلان