الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 63
- بتاريخ: 17 - 09 - 1934
على ذكر إعانة الكبتن كرسويل
تشجيع التأليف
أذاعت الصحف نبأ هذه الهبات السخية التي أغدقتها وزارتا المعارف والأوقاف على الكبتن كرسويل المحاضر المنتدب بالجامعة المصرية في الآثار الإسلامية، وقد بلغ مجموع هذه الهبات بضعة آلاف جنيه، دفعت إليه معاونة له على إخراج مؤلف يضعه بالإنكليزية عن العمارة الإسلامية في مختلف العصور؛ وقد أخرج منه إلى الآن الجزء الأول من أربعة أجزاء، ويتعهد الأستاذ كرسويل مقابل هذا السخاء الحاتمي الذي شملته به الحكومة المصرية أن يسمح لوزارة المعارف بترجمة مؤلفه إلى العربية، وأن (يهدى إليها) خمسين نسخة من كتابه.
وتشجيع المباحث العلمية والتاريخية على هذا النحو أمر مستحب لذاته. ولنترك البحث فيما إذا كانت جهود الأستاذ كرسويل ومباحثه جديرة بمثل هذا التشجيع. ذلك أننا نحمد المبدأ لذاته ونؤيده بكل قوانا؛ بيد أنا نود أن نلاحظ أنه لم يسبق لوزارة المعارف أو وزارة الأوقاف أن أبدت مثل هذا العطف أو أسبغت مثل هذه الرعاية على أحد من المصريين الذين يشتغلون بهذه المباحث أو غيرها، مما يجدر تقديره وتشجيعه؛ ولم تضع وزارة المعارف أو الجامعة المصرية وغيرهما من الهيئات العلمية الرسمية لنفسها أي تقاليد في هذا الشأن بالنسبة للعلماء المصريين وإن كان من تقاليدها أن تشجع العلماء الأجانب لأي مناسبة.
ربما قيل في ذلك إن المباحث العلمية والتاريخية لم تبلغ في مصر مستواها المنشود من التقدم والنضوج، وأن جهود العلماء المصريين لم تظهر بعد بمظهر يجدر بالتقدير والتشجيع. ولكنا نبادر فنقول إن هذا الاعتراض لم يبق له محل بعد، وإنه يرجع إلى نوع من التحامل القديم الذي نألفه دائماً في حكومات يطبعها الأجنبي بوحيه وتأثيره، والذي يتخذ مظهره في انتقاص الجهود القومية والاغضاء عن تقديرها وتشجيعها حتى لا تنمو وتزدهر وتكون قوة معنوية في الأمة. ومن التحامل أن ننكر أنه يوجد بين العلماء والباحثين المصريين عدة ممن ينافسون الكبتن كرسويل ومن هم في مستواه من العلماء الأجانب، على الأقل في ميدان المباحث الإسلامية؛ وإنه إذا كانت جهودهم مغمورة غير ظاهرة، فذلك لأنهم يعملون في جو من العزلة واليأس، ولا يأنسون لدى حكومتنا أو لدى هيئاتنا العلمية أي عطف أو تشجيع. وإذا سلمنا جدلاً بأن علماءنا وباحثينا لم يبلغوا بعد من
العلم والكفاية ما يبلغه أمثال صاحب كتاب العمارة الإسلامية، فانه ليس من الحكمة أو العدل أن يتركوا حيث هم؛ وأن تضن عليهم حكومتهم بالعطف والتشجيع؛ وإنما السبيل إلى شحذ هممهم ومواهبهم وإبراز جهودهم في المستوى اللائق، هو أن تشملهم حكومتهم بشيء من ذينك العطف والبذل اللذين تغدقهما على العلماء الأجانب. خذ مثلا مسألة المباحث الأثرية التي كانت إلى ما قبل أعوام فقط وقفاً على العلماء الأجانب. فقد لبث المصريون نحو قرن محرومين من التنقيب عن آثارهم في نفس بلادهم وأرضهم؛ وكانت البعثات الأجنبية والعلماء الأجانب. يستأثرون بهذه المباحث في أرضنا بفكرة أنهم دون غيرهم يستطيعون إجراءها. ومع أن معظم آثارنا الفرعونية قد تسربت إلى الخارج، وغصت بها المتاحف الأجنبية في مختلف أنحاء العالم، فأن حكومتنا لم تكن تضن عليهم بكل صنوف التشجيع المادي والمعنوي. فلما أن قررت الجامعة المصرية إجراء بعض الحفريات على يد بعض أساتذتها من المصريين، ولما بذل للمصريين ما كان يبذل لزملائهم الأجانب من العون والتشجيع، ظهرت كفاية المصريين ناصعة في الكشف عن آثار بلادهم واستقرائها، وظهر خطأ النظرية القديمة الجائرة التي كانت تنكر على المصريين كل كفاية لتقصيهم عما هو من صميم حقوقهم وميادينهم لكي يتسع المجال للأجانب.
لقد ظهرت في العهد الأخير طائفة قيمة من التآليف والمباحث الإسلامية، والآثار الأدبية الرفيعة، ولقيت كثيراً من التقدير بين العلماء الأجانب؛ فماذا كان نصيبها من التشجيع الرسمي في مصر؟ كل ما يطمح إليه المؤلف الذي أنفق كل ذكائه ووقته وماله على إخراج مؤلفه، هو أن تتفضل عليه وزارة المعارف بتقرير كتابه لمكتبات مدارسها وشراء بضع عشرات نسخ منه، وذلك بعد أن تفحصه لجنة فنية تقره وتوصي به، وهذا كل ما يعرفه المؤلفون المصريون من تشجيع وزارة المعارف، ولا يحظى بهذه المؤازرة الضئيلة سوى القليلين منهم. أما أن تشمل وزارة المعارف برعايتها مجهودا علميا أو أدبيا معينا قبل أن يتم إخراجه، وتبذل لصاحبه شيئا من العون المادي على نحو ما فعلت مع الكبتن كرسويل، الذي استطاع بمجرد الطلب أن يحمل ولاة الأمر على بذل هذه الآلاف المؤلفة له قبل أن يتم مؤلفه أو يخرج منه سوى الجزء الأول فقط، - فهذا أمر لم نسمع به قط، ولا نعتقد أنه تقرر بعد بالنسبة للمصريين في تقاليد وزارة المعارف.
على أننا نرجو أن يكون في الضجة التي أحدثها تصرف وزارة المعارف ووزارة الأوقاف في هذه المسألة، والأثر المؤلم الذي تركته في أذهان المصريين جميعا، ما يلفت نظر ولاة الأمر في وزارة المعارف وفي غيرها من الهيئات الحكومية المتصلة بالشئون العلمية والأدبية، إلى التفرقة الجائرة بين المصريين والأجانب في نفس الميدان الواحد، وإيثار الأجانب على المصريين بالعطف والتشجيع.
لا بأس أن تشجعوا العلماء الأجانب بأموال المصريين، وإن كان هذا التشجيع لا يصادف أهله في معظم الأحيان، ولكن الحكمة والعدالة وحسن الذوق تقضي كلها بأن يبذل للعلماء والكتاب المصريين من أموال المصريين أضعاف ما يبذل لزملائهم الأجانب حتى لا تبقى جهودهم ضحية الانتقاص والنسيان والنكران.
(ع)
س. ا. ع
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
هؤلاء ثلاثة من الأدباء تجمعهم صفة العزوبة، ويحبون المرأة حباً خائفا يقدِّم رجلاً ويؤخر أخرى؛ فلا يُقْبل إلا أدبر، ولا يعزم إلا انحل عزمه. بلغوا الرجولة وكأن ليست فيهم؛ وتمر بهم الحياة مرورها بالتماثيل المنصوبة، لا هذه قد وُلد لها ولا أولئك؛ وما برحوا يجاهدون ليحتملوا معاني وجودهم، لا ليطلبوا سعادة وجودهم، ويُمَخْرِقون في شعوذة الحياة بالنهار على الليل وبالليل على النهار، يحاولون أن يجدوا كالناس أياماً وليالي، إذ لا يعرفون لأنفسهم من العزوبة إلا نهاراً واحداً نصفه أسود مقفر مظلم.
فأما (س) فرجل (كشيخ المسجد) يكاد يرى حصير المسجد حيث وطئت قدماه من الأرض. . . . ذو دين وتقوى ما يزال بهما ينقبض وينكمش ويتزايل حتى يرجع طفلاً في الثلاثين من عمره. . . . وهو حائر بائر لا يتجه لشيء من أمر المرأة وقد فقد منها ما يحل وما يحرم، ولا جرأة لنفسه عليه فلا جرأة له على الموبقات، ولا يزين له الشيطان ورطة منها إلا أملس منه، فان له ثلاثة أبواب مفتوحة للهرب؛ إذ يخشى الله، ويتوقى على نفسه، ويستحي من ضميره.
وأما (أ) فرجل معزابة، ولكنه كالإسفنجة امتلأت حتى ليس فيها خلاء لقطرة، ثم عُصرت حتى ليس فيها بلال من قطرة؛ وقد بلغ ما في نفسه وقضى نهمته حتى اشتفى مما أراد؛ ثم قلب الثوب. . . فإذا له داخلة ناعمة من الخز والديباج، وإذا هو (الرجل الصالح) العفيف الدخلة ما تنطلق له نفس إلى مأتم، ولا يعرف الشيطان كيف يتسبب لصلحه ومراجعته الود. . .
وأما (ع) فهو كالأعرج؛ إذا مشى إلى الخير أو الشر مشى بطيئا برجل واحدة، ولكنه يمشي. . . وهو (ملك الشوارع) لا يزال فيها مقبلاً مدبراً طرفا من النهار وزُلفا من الليل؛ فإذا لم يكن في الشارع نساء ظن الشارع قد هرب من المدينة وخرج من طاعته. ولهذه الشوارع أسماء عنده غير أسمائها التي يتعارفها الناس ويستدلون بها. فقد يكون اسم الشارع مثلاً (على الحكيم) ويسميه هو (شارع ماري). . . ويكون اسم الآخر (شارع كتشنر) فيسميه (شارع الطويلة). . . ودرب اسمه (درب الملاح) واسمه عنده (درب المليحة). . .
وهلم جراً ومسخاً. وإذا أراد صاحبنا هذا أن يسخر من الشيطان دخل المسجد فصلى، وإذا أراد الشيطان أن يسخر منه دحرجه في الشوارع. . .
وافيت هؤلاء الثلاثة مجتمعين يتدارسون مقالة (تربية لؤلؤية) يناقشونها بثلاثة عقول، ويفتشونها بست عيون؛ فأجمعوا على أن المرأة السافرة التي نبذت (حجاب طبيعتها) على ما بينته في تلك المقالة - إن هي إلا امرأة مجهولة عند طالبي الزواج بقدر ما بالغت أن تكون معروفة، وأنها ابتعدت من حقيقتها الصحيحة قدر ما اقتربت من خيالها الفاسد، وأتقنت الغلط ليصدقها فيه الرجل فلم يكذبها فيه إلا الرجل، وجعلت أحسن معانيها ما ظهرت به فارغة من أحسن معانيها. . . . .
وأردت أن أعرف كيف تنتصف الطبيعة من الرجل العزب للمرأة التي أهملها أو تركها مهملة. . . . وأين تبلغ ضرباتها في عيشه، وكيف يكون أثرها في نفسه، وكيف تكون المرأة في خائنة الأعين؛ فتسرحت مع أصحابنا في الكلام فنا بعد فن، وأزلت حذارهم الذي يحذرون حتى أفضوا إليّ بفلسفة عقولهم وصدورهم في هذه المعاني.
قال (س): حسبي والله من الآلام وآلام معها - شعوري بحرماني المرأة؛ فهو بلاء منعني القرار، وسلبني السكينة؛ وكأنه شعور بمثل الوحدة التي يعاقب السجين بها مصروفا عن الحياة مصروفة عنه الحياة؛ تجعله جدران سجنه يتمنى لو كان حجرا فيها فينجو من عذاب إنسانيته الذليلة المجرمة المخلى بينها وبينه توسعه مما يكره؛ شعور بالوحدة والعزلة حتى مع الناس وبين الأهل، فما فيّ إلا عواطف خُرس لا تستجيب لأحد ولا يجاوبها أحد في (ذلك المعنى).
وتمام الذلة أن يجد العزب نفسه أبداً مكرهاً على الحديث عن آلامه بكل من يخالطه أو يجلس إليه، كأنه يحمل مصيبة لا ينفس منها إلا كلامه عنها. وهذا هو السر في أنك لا تجد عزباً إلا عرفته ثرثاراً لا تزال في لسانه مقالة عن معنى أو رجل أو امرأة، وأصبته كالذباب لا يطير عن موضع إلا ليقع على موضع.
ومع جهد الحرمان جهد شر منه في المقاومة وكف النفس، فذلك تعب يهلك به الآدمي إذ لا يدعه يتقار على حالة - من الضجر - فيما تنازعه الطبيعة إليه، وهو كالمزع في أعصابه يحسها تشد لتقطع، ودائما تشد لتقطع.
وقد رهقني من ذلك الضنى النسوي ما عيل به صبري وضعف له احتمالي؛ فما أراني يوماً على حمام من النفس، ولا ارتياح من الطبع؛ وكيف وفي القلب مادة همه، وفي النفس علة انقباضها، وفي الفكر أسباب مشغلته؟ وقد أوقدت سورة الشباب نارها على الدم، تلتعج في الأحشاء؛ وتطير في الرأس، وتصبغ الدنيا بلون دخانها، وفي كل يوم يتخلف منها رماد هو هذا السواد الذي ران على قلبي.
وما حال رجل عذابه أنه رجل، وذله أنه رجل؟ يلبس ثيابه الإنسانية على مثل الوحش في سلاسله وأغلاله، ويحمل عقلاً تسبه الغريزة كل يوم، وتراه من العقول الزيوف لا أثر للفضيلة فيه؛ إذ هو مجنون بالمرأة جنون الفكرة الثابتة، فما يخلو إلى نفسه ساعة أو بعض ساعة إلا أخذته الغريزة مجترحاً جريمة فكر. . .
وفي دون هذا ينكر المرء عقله؛ وأي عقل تراه في رجل عزب يقع في خياله أنه متزوج، وأنه يأوي إلى (فلانة) وأنها قائمة على إصلاح شأنه ونظام بيته، وأنه من أجلها كان عزوفاً عن الفحشاء بعيداً من المنكر، وفاءً لها، وحفظاً لعهد الله فيها وقد دلهته بفنونها التي يبتدعها فكره؛ وهي ساعة تؤاكله على الخوان، وساعة تضاحكه، ومرةً تعابثه، وتارة تجافيه، وفي كل ذلك هو ناعم بها، يحدثها في نفسه، ويسمر معها، ويتصنع لها وتتصنع له؛ ويعاتبها أحياناً في رقة، وأحياناً في جفاء وغلظة؛ وقد ضربها ذات مرة. .؟
ألا إن المرأة عندي هي هذا الجنون الذي يرجع بي إلى عشرة آلاف سنة من تاريخ الدنيا، فيرمي بي في كهف أو غابة رجلاً عارياً متوحشاً متأبداً ليس من الحيوان ولا من الإنس، أحجار وأشجار، وهو حجر له نمو الشجر.
لقد توزعت المرأة عقلي فهو متفرق عليها وهي متفرقة فيه، لا أستطيع والله أن أتصورها كاملة، بل هي في خيالي أجزاء لا يجمعها كل؛ هي ابتسامة، هي نظرة، هي ضحكة، هي أغنية، هي جسم، هي شيء هي هي هي. أكل تلك المعاني هي المرأة التي يعرفها الناس، أم أنا لي امرأة وحدي؟
وإني على ذلك لأتخوف الزواج وأتحاماه؛ إذ أرى الشارع قد فضح النساء وكشفهن؛ فما يريني منهن إلا امرأة تزهي بثيابها وصنعة جمالها، أو امرأة كالهاربة من فضائلها؛ والبيت إنما يطلب الزوجة الفاضلة الصناع، تخيط ثوبها بيدها فتباهي بصنعته قبل أن تباهي
بلبسه، وتزهى بأثر وجهها في، لا بأثر المساحيق في وجهها. وإن مكابدة العفة، ومصارعة الشيطان، وتوهج القلب بناره الحامية، وإلمام الطيرة الجنونية بالعقل - كل ذلك ومثله معه أهون من مكابدة زوجة فاسدة العلم أو فاسدة الجهل، أُبتلى منها في صديق العمر بعدو العمر.
إن أثر الشارع في المرأة هو سوء الظن بها، فهي تحسب نفسها معلنة فيه أنوثتها وجمالها وزينتها، ونحن نراها معلنة فيه سوء أدب وفساد خلق وانحطاط غريزة. ومن كان فاسقاً أساء الظن بكل الفتيات، ووجد السبيل من واحدة إلى قول يقوله في الأخرى؛ ومن كان عفيفاً سمع من الفاسق فوجد من ذلك متعلقاً يتعلق به، وقياساً يقيس عليه؛ والفتنة لا تصيب اللذين ظلموا خاصة.
آه لو استطعت أن أوقظ امرأة من نساء أحلامي. .!
وقال (أ): لقد كانت معاني المرأة في ذهني صوراً بديعة من الشعر تستخفني إليها العاطفة، ولا يزال منها في قلبي لكل يوم نازية تنزو. وكانت المرأة بذلك حديث أحلامي ونجي وساوسي، وكنت عفيف البنطلون؛ ولكن النساء أيقظنني من الحلم، وفجعنني فيه بالحقيقة، ووضعن يدي على ما تحت ملمس الحية. ولو حدثتك بجملة أخبارهن، وما مارست منهن لتكرهت وتسخطت، ولأيقنت أن كلمة تحرير المرأة إنما كانت خطأ مطبعياً، وصوابها: تجرير المرأة. . فهؤلاء النساء أو كثرتهن - لم يذلن الحجاب إلا لتخرج واحدة مما تجهل إلى ما تريد أن تعرف، وتخرج الأخرى مما تعرف إلى أكثر مما تعرفه، وتخرج بعضهن من إنسانة إلى بهيمة.
لقد عرفت فيمن عرفت منهن الخفيفة الطياشة، والحمقاء المتساقطة، والفاحشة ذات الريبة؛ وكل أولئك كان تحريرهن أي تجريرهن - تقليداً للمرأة الأوربية؛ تهالكن على رذائلها دون فضائلها، واشتد حرصهن على خيالها الروائي دون حقيقتها العلمية، ومن مصائبنا نحن الشرقيين أننا لا نأخذ الرذائل كما هي، بل نزيد عليها ضعفنا فإذا هي رذائل مضاعفة.
كان الحلم الجميل في الحجاب وحده، وهو كان يسعر أنفاسي ويستطير قلبي، ويرغمني مع ذلك على الاعتقاد أن ههنا علامة التكرم ورمز الأدب وشارة العفة، وأن هذه المحصنة المخدرة عذراء أو امرأة لم تلق الحجاب عليها إلا إيذاناً بأنها في قانون عاطفة الأمومة لا
غيرها؛ فهي تحت الحجاب لأنه رمز الأمانة لمستقبلها، ورمز الفصل بين ما يحسن وما لا يحسن، ولأن وراءه صفاء روحها الذي تخشى أن يكدر، وثبات كيانها الذي تخشى أن يزعزع.
قال حكيم لأولئك الذين يستميلون النساء بأنواع الحلي وصنوف الزينة والكسوة الحسنة: (ياهؤلاء، إنكم إنما تعلمونهن محبة الأغنياء لا محبة الأزواج) وأحكم من هذا قول ذلك الرجل الإلهي الصارم عمر بن الخطاب: (اضربوهن بالعرى.) فقد عرف من ألف وثلثمائة سنة أن تحرير المرأة هو تجريرها، وإنها لا تخرج لمصلحة أكثر مما تخرج لإظهار زينتها. فلو منعت الثياب الجميلة حبستها طبيعتها في بيتها. فماذا تقول الشوارع لو نطقت؟ إنها تقول: يا هؤلاء، إنما تعلمونهن معرفة الكثير لا معرفة الواحد. . .!
لقد والله أنكرت أكثر ماقرأت، وسمعت من محاسنهن وفضائلهن وحيائهن. ولقد كان الحجاب معنى لصعوبة المرأة واعتزازها، فصار الشارع معنى لسهولتها ورخصها؛ وكان مع تحقق الصعوبة أو توهمها أخلاق وطباع في الرجل، فصار مع توهم السهولة أو تحققها أخلاق وطباع أخرى على العكس من تلك مازالت تنمى وتتحول حتى ألجأت القانون أخيراً أن يترقى بمن لمس المرأة في الطريق من (الجنحة) إلى (الجناية). وتخنث الشبان والرجال ضروباً من التخنث بهذا الاختلاط وهذا الابتذال، وتحللت فيهم طباع الغيرة، فكان هذا سريعاً في تغيير نظرتهم إلى النساء، وسريعاً في إفساد اعتقادهم، وفي نقض احترامهم، فأقبلوا بالجسم على المرأة وأعرضوا عنها بالقلب، وأخذوها بمعنى الأنوثة وتركوها بمعنى الأمومة؛ ومن هذا قل طلاب الزواج، وكثر رواد الخنا.
ولقد جاءت إلى مصر كاتبة إنكليزية وأقامت أشهراً تخالط النساء المتحجبات وتدرس معاني الحجاب، فلما رجعت إلى بلادها كتبت مقالاً عنوانه (سؤال أحمله من الشرق إلى المرأة الغربية) قالت في آخره: (إذا كانت هذه الحرية التي كسبناها أخيراً، وهذا التنافس الجنسي، وتجريد الجنسين من الحجب المشوقة الباعثة التي أقامتها الطبيعة بينهما - إذا كان هذا سيصبح كل أثره أن يتولى الرجال عن النساء، وأن يزول من القلوب كل ما يحرك فيها أوتار الحب الزوجي فما الذي نكون قد ربحناه؟ لقد والله تضطرنا هذه الحال إلى تغيير خططنا، بل قد نستقر طوعا وراء الحجاب الشرقي، لنتعلم من جديد فن الحب
الحقيقي.).
وقال (ع): لست فيلسوفا، ولكن في يدي حقائق من علم الحياة لا تأتي الفلسفة بمثلها، وكتابي الذي أقرأ فيه هو الشارع. فأعلم أن العزاب من الرجال يتعلم بعضهم من بعض، وهم كاللصوص لا يجتمع هؤلاء ولا هؤلاء إلا على رذيلة أو جريمة. وحياة اللص معناها وجود السرقة، وحياة العزب معناها وجود البغاء والفسق.
ومن حكم الطبيعة على الجنسين أن الفاسق يباهي باظهار فسقه قدر ما تخاف الفاسقة من ظهور أمرها؛ وهذه إشارة من الطبيعة إلى أن المرأة مسكينة مظلومة. فما ابتذال الحجاب، ولا استهتاك النساء إلا جواب على انتشار العزوبة في الرجال، وكيف يتحول الماء ثلجاً لولا الضغط نازلاً فنازلاً إلى مادون الصفر؟ فهذا الثلج ماء يعتذر من تحوله وانقلابه بعذر طبيعي قاهر له قوة الضرورة الملجئة، وكذلك المرأة المذالة أو الطامحة أو المتبذلة أو المتهتكة - ما صفاتهن إلا توكيد لأعذارهن. وكان على الحكومة أن تضرب العزوبة ضربة قانون صارم، فالعزب وإن كان رجلاً حراً في نفسه، ولكن رجولته تفرض للأنوثة حقها فيه، فمتى جحد هذا الحق واستكبر عليه رجع حاله مع المرأة إلى مثل شأن الغريم مع غريمه؛ ليس للفصل فيه إلا الدولة وأحكامها وقوتها التنفيذية.
وإذا أطلقت الحرية فصاروا كلهم أو أكثرهم أعزاباً فماذا يكون إلا أن تمحي الدولة، وتسقط الأمة، وتتلاشى الفضائل؟ فالعزوبة من هذا جريمة بنفسها، ولا ينبغي أن تتربص بها الحكومة حتى تعم، بل يجب اعتبارها باعتبار الجرائم من حيث هي، ويجب تفسير كلمة (العزب) في اللغة بمثل هذا المعنى: إنها شخصية مذكرة ساخطة متمردة على حقوق مختلفة للمرأة والنسل والأمة والوطن.
وما ساء رأى العزاب في النساء والفتيات إلا من كونهم بطبيعة حياتهم المضطربة لا يعرفون المرأة إلا في أسوإ أحوالها وأقبح صفاتها، وهم وحدهم جعلوها كذلك.
إن لهم وجودا محزنا يستمتعون فيه ولكنهم يَهلكون ويُهلكون به. هم والله أساتذة الدروس السافلة في كل أمة، وهم والله بغاة من الرجال في حكم البغايا من النساء، يجرون جميعا مجرى واحدا. ومن هي البغي في الأكثر إلا امرأة فاجرة لا زوج لها؟ ومن هو العزب في الأكثر إلا رجل فاسق لا زوجة له؟ على أن مع المرأة عذر ضعفها أو حاجتها. ولكن ما
عذر الرجل؟
ماذا تفيد الدولة أو الأمة من هذا العزب الذي اعتاد فوضى الحياة، وسيرها على غير نظامها، وتحققها على أسخف ما فيها من الخيال والحقيقة؛ وأي عزب يجد الاستقرار أو تجتمع له أسباب الحياة الفاضلة، وهو فقد تلك الروح التي تتمم روحه وتنقحها وتمسكها في دائرتها الاجتماعية على واجباتها وحقوقها، وتجيئه بالأرواح الصغيرة التي تشعره التبعة والسيادة معاً، وتمتد به ويمتد بها في تاريخ الوطن.
كيف يعتبر مثل هذا موجوداً اجتماعياً صحيحاً وهو حي مختل في وجود مستعار، يقضي الليل هارباً من حياة النهار، ويقضي النهار نافراً من حياة الليل؛ فيقضي عمره كله هارباً من الحياة، وكأنه لا يعيش بروحه كاملة، بل ببعضها، بل بالممكن من بعضها. .!
أية أسرة شريفة تقبل أن يساكنها رجل عزب، وأية خادم عفيفة تطمئن أن تخدم رجلاً عزباً؟ هذه هي لعنة الشرف والعفة لهؤلاء الأعزاب من الرجال!
قال الراوي: وهنا إنتفض (س) و (أ) وحاولا أن يقبضا على هذه اللعنة ويرداها إلى حلق (ع). ثم سألني ثلاثتهم أن أسقطها من المقال، بيد أني رأيت أن خيراً من حذفها أن تكون اللعنة لأعزاب الرجال إلا (س) و (أ) و (ع). . .
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
أعظم حادث في حياة روسو:
2 -
روسو ومدام دي فرنس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
والحقيقة أن مدام دي فرنس نفثت في جان جاك ضرباً غريباً من السحر والجوى، لا هو بالحب الجنسي الخالص، ولا هو بالحب البنوي الخالص، ولا هو بالصداقة الحميمة، بل كان مزيجاً من ذلك كله، يقترن بنوع من عبادة الجمال والسحر، وعاطفة عميقة من العرفان وشكر الصنيعة. وسنرى أن له إلى جانب هذه الناحية الأفلاطونية ناحية أخرى. وعلى أي حال فقد كان لهذا السحر الذي بثته مدام دي فرنس في جان جاك أعظم أثر في تكوين عواطفه وفلسفته في الجمال والحب والمرأة، وكان مستقى خياله ومشاعره في بضعة الأعوام التالية التي اكتمل فيها شبابه، وتفتحت أمامه عوالم الحياة. وفي ظلال هذه السعادة أقام جان جاك معززاً مكرماً يقضي أوقات فراغه في القراءة ودرس الموسيقى والأحلام اللذيذة، والسمر مع مدام دي فرنس. وكان يشعر أن السعادة قد بلغت ذروتها، وأنها لذلك لن تدوم، ويرتجف فرقا كلما تصور يوم البعاد وانقضاء هذا العهد الأمثل.
وأقام روسو على هذا النحو زهاء عام وبعضه، ثم رأت مدام دي فرنس أن ترسله إلى ليون لقضاء بعض المهام، فسافر إليها، ولم يغب سوى أيام قلائل. ولكنه لما عاد إلى أنسى لم يجد (أمه) وموئل سعادته، ولم يستطع أن يعلم شيئاً عن غيابها سوى أنها سافرت إلى باريس مع خادمها كلود آنيه، فلم ير سبيلا سوى الانتظار، وأقام وحده بالمنزل يتنسم أخبارها وموعد عودها، وهو يدرس الموسيقى ويؤلف الأناشيد. وهنا يقص علينا روسو عدة حوادث غرامية تافهة وقعت له خلال هذه الفترة. وكانت معرفته بالموسيقى سبباً في اتصاله ببعض الهواة. ولما طالت غيبة مدام دي فرنس، سافر إلى جنيف، ثم إلى نيوشاتل، وهناك استقر حيناً يكسب عيشه بتدريس الموسيقى، ولكن شبح مدام دي فرنس كان يساوره أبداً، وكان العود إليها أبداً أعز أمانيه، فلم تمض عليه بضعة أشهر في هذا التجوال حتى عاد إلى سافوا وكانت مدام دي فرنس، قد غادرت يومئذ أنسى إلى شامبرى واستقرت هناك. فسافر إليها وتحققت أمنيته بالمقام إلى جانبها كرة أخرى، واستطاع بنفوذها أن يحصل على وظيفة في ديوان مسح الأراضي في تلك الناحية نفسها، فكانت سعادة
مزدوجة، وكان الهدوء والسكينة والاستقرار، وكان ذلك سنة 1732.
وهنا فقط يكتشف روسو حقيقة مرة غابت عنه طيلة هذه الأعوام الثلاثة؛ تلك هي علاقة مدام دي فرنس بخادمها وأمينها كلود آنيه؛ فقد عرف روسو فجأة أن الخادم ينعم بحب سيدته؛ وعرف ذلك من مدام دي فرنس ذاتها، ففي ذات يوم ثارت بين السيدة وخادمها مناقشة عاصفة وجهت إليه خلالها بعض الألفاظ الجارحة؛ فهرول كلود آنيه خفية إلى زجاجة من (اللادونوم) فابتلع ما فيها لكي يزهق نفسه، ثم أوى إلى غرفته ينتظر حشرجة الموت؛ ورأت سيدته وخليلته الزجاجة الفارغة فأدركت الأمر، وهرولت صارخة إلى غرفته، ونادت روسو واعترفت له بكل شيء ورجت منه العون؛ فعاونها على إسعافه، ونجا الخادم المحبوب. ودهش روسو لغبائه إذ خفيت عليه هذه الحقيقة من قبل. ولكنه لم يشعر نحو كلود آنيه بشيء من الحقد، برغم أنه يسلبه معبودة قلبه، لأنه يحرص على سعادتها وهنائها. .
ولبث روسو مدى الأعوام التالية إلى جانب مدام دي فرنس، ولم يفارقها إلا في فترات قليلة ولأسباب طارئة. كانت شامبرى موطنه ومستقره، وكانت مدام دي فرنس أمه وأسرته وكل شيء في الوجود بالنسبة إليه. وكانت الحياة عندئذ هادئة منظمة، وقد أخذ روسو يشعر بشيء من الثقة بنفسه وبمستقبله؛ وكان يوزع وقته بين عمله، ودرس الموسيقى، ومدام دي فرنس. وكانت ثمة سعادة أخرى لم يكن يتوقعها روسو، ترفرف عليه في ذلك المقام الرغد، بل كان ثمة حادث لعله أعظم مفاجأة في حياة روسو. ذلك أن علاقته الساذجة الأفلاطونية مع مدام دي فرنس تحولت فجأة إلى علاقة حب عملي. ولذلك التحول قصة غريبة يرويها لنا روسو في عدة صفحات ساحرة مؤثرة. فقد كان روسو يعطي دروساً في الموسيقى لبعض أكابر السيدات في شامبرى، وكانت علائقه النسوية تزداد يوما عن يوم؛ وكان بين أولئك السيدات، سيدة تدعى الكونتة دي منتون كان روسو يعلم ابنتها الغناء؛ وكانت سيدة مضطرمة الأهواء تحب الدسائس الغرامية، وبينها وبين مدام دي فرنس صلة ومنافسات نسوية. فلما اتصلت بجان جاك وقدرت ذكاءه ومقدرته على الكتابة الساخرة ونظم الأناشيد والأغاني، فكرت في استهوائه والانتفاع بمقدرته، واستقبلته بعطف وإكرام، وشعرت مدام دي فرنس بذلك، ففكرت في إنقاذ روسو من شراكها وشراك غيرها من النسوة اللائي
يحطن به. والتمست لذلك أغرب وسيلة يمكن تصورها. فاختلت بروسو ذات يوم، وأفهمته أنها لم تر وسيلة لانقاذه من أخطار الشباب سوى أن تقدم نفسها إليه، وأن تفتدي بجسمها كل ما يهدده من الأخطار، وأنها تمهله ثمانية أيام للتفكير والعزم. ويقول لنا روسو إنه دهش لهذه المفاجأة أيما دهشة، وإنه لم يكن يتوقع قط هذا المصير لعلائقه مع المحسنة اليه؛ بيد أنه يقول لنا إن ذهنه لم يكن بعيداً عن تصور هذه السعادة؛ فقد كان يضطرم جوى نحو النساء؛ ولم يكن قد لامس إحداهن بعد؛ وإن مدام دي فرنس وإن كانت تكبره بنحو عشر سنين، كانت ما تزال فتية فتانة وافرة الأنوثة والسحر، ولم يثره أنها كانت خليلة غيره، وأنها بذلك توزع متاعها على أكثر من رجل، فقد كانت هذه الشركة مؤلمة حقا، ولكنها لم تغير ذرة من عواطفه نحوها.
ويحاول روسو أن يحلل عواطفه نحو مدام دي فرنس مرة أخرى. لقد كان يحبها حقاً، بل كان يهيم بها حباً؛ ولكن ذلك الهيام كان أقوى من أن يحمله على الرغبة في وصالها. وقد أنفق هذه الأيام الثمانية في اضطراب ذهني لا يمكن تصوره، وكأنها كانت قروناً ثمانية، ولكنه كان يبغى المزيد منها. ثم جاء اليوم المروع أخيراً؛ فهرول روسو إليها، وصرح بالقبول والأذعان؛ وبر في الحال بوعده. ويصف لنا روسو ذلك اللقاء المدهش في تلك العبارات القوية المؤثرة:(لقد توج قلبي كل نذوري دون أن أرغب في المكافأة. بيد أني حصلت عليها، وألفيت نفسي لأول مرة، بين ذراعي إمراة - وامرأة أعبدها. فهل كنت سعيداً؟ كلا! ولقد تذوقت السرور، ولكن شعوراً قاهراً من الحزن كان يسمم سحره؛ وكنت أشعر أني أرتكب عشرة محرم؛ ولقد بللت صدرها بدموعي مرتين أو ثلاث مرات، بينما كنت أضمها إليّ في شغف وهيام. أما هي فلم تكن حزينة ولا مضطرمة، ولكنها كانت ناعمة هادئة. ولم تكن تحدوها الشهوة، ولم تكن ترجو المتاع، ولهذا لم تشعر بمتعة، ولم يؤنبها الضمير قط).
وهنا يفيض روسو في تحليل عواطف مدام دي فرنس وميولها الغرامية، ويحاول أن يعتذر عن أخطائها وزلاتها؛ فقد نشأت نشأة حسنة، ذات فضيلة واستقامة، وذوق رفيع، وخلال بديعة، ولكنها كانت تصغي إلى العقل والفلسفة دون القلب؛ وقد عنى معلمها وأول عشاقها، مسيو دي تاقل، بأن يغرس في ذهنها جميع المبادئ التي تسهل له إغواءها؛ فعلمها أن
الاخلاص الزوجي سخف، وأن الاجتماع الجنسي أمر تافه، وأن الفضيلة والعفة والحشمة أمور ظاهرية فقط. فغزتها هذه المبادئ وطغت عليها حتى أصبحت تعتقد دائماً أنه لا يصفد الإنسان بحب امرأة قدر الوصل. وفي تلك الصحف التي يصف لنا فيها روسو ذلك التحول في علائقه مع مدام دي فرنس، يبلغ روسو ذروة البلاغة والافتنان، ولعلها أبدع قطعة في (الاعترافات).
وهكذا تحولت القصة البنوية الأموية إلى قصة غرامية، وغدا روسو خليل المرأة التي لبث بضعة أعوام يقدسها كأم رؤوم. واستمرت هذه العلاقة ما بقى إلى جانبها، واستمر الخادم كلود آنيه شريكه في الوصل مدى حين، ولكنه لم أن توفى. ثم انتقلت مدام دي فرنس وروسو إلى منزل خلوي في ضيعة (لاشارميت)، وهنالك قضى روسو، في ذلك المقام المنعزل أياماً سعيدة في الدرس، مستأثرا بصحبة (أمه) وحبيبته. ثم اعتلت صحته، واشتد به الهزال والضعف، وفكر في السفر لينتجع العافية، وأشير عليه أن يسافر إلى مونبلييه حتى يجد من الأطباء من يستطيع معالجته، ولم تمانع مدام دي فرنس في تنفيذ ذلك العزم، فسافر إلى مونبلييه، ووقعت له أثناء رحلته بعض حوادث غرامية بثت في ذهنه إضطرابا وجوى. وبعد أشهر عاد إلى (أمه) وكانت تلك العاطفة المضطرمة التي لبثت مدى أعوام تدفعه إلى جانب مدام دي فرنس قد خبت نوعاً، واستحالت إلى نوع من الصداقة الهادئة، والظاهر أيضاً أن مدام دي فرنس كانت تبحث عن صداقة جديدة وغذاء جديد لعواطفها الهائمة، فلما عاد روسو ألفى إلى جانبها في المنزل رجلاً آخر يدعى فنتز نريد، ولم يلبث روسو أن أدرك من تصرفاته ولهجته أنه غدا صاحبا لمدام دي فرنس، وأنه قد حل مكانه، فحزن روسو لذلك ولم يطق البقاء حيثما هدمت سعادته، فسافر إلى ليون، ولم تبد (أمه) كبير أسف لسفره. وبعد أن أقام بها حيناً عاد إلى مدام دي فرنس كرة أخرى، وأقام بالمنزل حينأ في عزلة عنها لا يكاد يراها إلا وقت الطعام، وكانت آخر زياراته لها. وكان يومئذ قد أشرف على الثلاثين من عمره، ونضجت دراساته ومواهبه وآنس في نفسه طموحاً إلى غزو ميدان الحياة الواسع، فاتجه ببصره إلى باريس، فودع (أمه) الوداع الأخير، سافر إليها تحدوه مختلف العواطف والآمال. .
وكان ذلك ختام قصة روسو ومدام دي فرنس، فلم يرها بعد ذلك ولم يحاول رؤيتها، وألقى
به القدر في باريس إلى غمار حياة جديدة عاصفة، ولكنه لم ينس ذكرى المحسنة إليه قط، ولما توفيت بعد ذلك بنحو عشرين عاماً - سنة 1764 - اشتد حزنه لفقدها، وهو يعرب لنا عن ذلك الحزن في نفثة مؤثرة في (الأعترافات).
محمد عبد الله عنان المحامي
ماذا يعني؟
سيدي الأستاذ البليغ صاحب الرسالة
إني قرأت في رسالتكم الواحدة والستين كلمة ندت من الأستاذ كرم ملحم كرم، وهو يتحدث عن (أدب اليوم) صغيرة في ذاتها، ولكن فيها طبيعة كطبيعة (الديناميت) لا يمس شيئاً إلا جعله يباباً، فأكبرتها، وأعددت فصلا طويلا في الرد عليها، ثم بدا لي فقلت: لعل الأستاذ كرم، لا يعني هذا الذي يفهم من كلمته، ولعله إذا نبه إليها نظر فيها ثم رجع عنها، فكفى الله المؤمنين القتال، وعهدنا بالأستاذ أنه ذكي متأن، وكاتب مفكر، فطويت فصلي وبعثت بهذه الكلمة إليكم راجياً منكم أن تنشروها وتسألوه الجواب عنها:
ماذا يعني الأستاذ كرم بقوله، وهو يتحدث عن روايات فولتير وروسو ولامارتين وهوغو:(والدين نفسه يقوم على الروايات، فما هو كتاب التوراة، وما هو الانجيل، وما هو القرآن؟ أليس للرواية من هذه الكتب أكبر نصيب؟) اهـ.
هل يعني دين التوراة والإنجيل فقط، فلا ننازعه ولا يكون لنا أن ننازعه وهو صاحب الدار وأدرى بما فيها، أم يعنى دين القرآن؟
وهل يعني أن القرآن رواية كروايات روسو ولا مارتين؟ وان ما فيه من عبرة التاريخ الصحيح، هو ملهاة الرواية الباطلة؟
هذا ما أرجو أن تتفضلوا بسؤال الأستاذ عنه، وأن يتفضل بأيضاًحه.
علي الطنطاوي
عضو (جمعية الهداية الإسلامية) بدمشق
2 - الشخصية
للأستاذ محمد عطية الأبراشي
المدرس بكلية الآداب بالجامعة المصرية
العناصر الرئيسية التي تكون منها الشخصية القوية:
إن العناصر الجوهرية التي تكون منها الشخصية القوية كثيرة منها:
(1)
الجاذبية: وهي قوة طبيعية إن وجدت في الشخص استطاع أن يجتذب قلوب غيره ممن يتصلون به بدون أن يتكلف أو يتصنع: وهذا العنصر يعد أقوى العناصر التي تتكون منها الشخصية إن لم نقل أقواها، ولكن بماذا يجتذب الإنسان غيره من الناس؟ والجواب أنه يستطيع أن يجتذبهم ويسيطر عليهم بأدبه وعلمه، وضبط نفسه، وسداد رأيه، وسرعة خاطره، وحسن حديثه، وكرم خلقه، ومراعاة شعورهم ومشاركتهم في وجدانهم. وهذه الصفات بعضها وراثي، وبعضها يمكن أن يكتسب بالتربية والتعلم، في البيت والمدرسة والملعب والمجتمع،
(2)
النشاط العقلي أو الذكاء: العنصر الثاني من العناصر المكونة للشخصية القوية هو النشاط العقلي أو الذكاء، وبعبارة أخرى حضور الذهن. وسرعة الخاطر، وصفاء القريحة. فقد يكون الرجل مثقفاً، واضح التفكير، غزير المادة، واسع الاطلاع، ولكنه قد لا يكون متقد العقل، وضاء الفكر، حاضر البديهة، فلا يستطيع أن يدرك ما يرمي إليه محدثه، ولا أن يشاركه في رأيه؛ وقد تكون المرأة وسيمة الوجه، حسنة المنظر، جميلة الملبس، ولكنها قد تكون فاقدة ذلك النشاط الفكري والاتقاد العقلي، فتعجز عن التأثير في غيرها أو اجتذابه والسيطرة عليه. فهي كصورة جميلة المنظر، ولكنها فاقدة الروح الفنية، تلك الروح التي تؤثر في الصورة فتعطيها قوة وتأثيراً وحياة معنوية.
فللنشاط العقلي تأثير حسن في شخصية الإنسان، وفي ارتفاع منزلته بين إخوانه وذويه، وللغباوة وقلة الفطنة والكسل العقلي أثر سيئ في خمول الشخص وتأخره، وعجزه وارتكابه الجرائم أحياناً، ولا عجب إذا قلنا إن معظم المجرمين من الأغبياء وضعاف العقول، وتبدو شخصية الأذكياء في أعمالهم وأقوالهم كما تبدو في منطقهم وتفكيرهم المنظم، وآرائهم
المرتبة، وحججهم القوية، وقدرتهم على التخلص بسهولة من المشكلات التي تعترضهم بما أوتوا من نشاط عقل وحدة ذهن وصدق حس.
ومن كان لذكائهم أثر في نجاحهم في حياتهم (ابراهام لنكولن)، أحد رؤساء الولايات المتحدة الذين تدين لهم تلك الولايات اليوم بما فيها من تقدم ورقي وإصلاح. ولد في 12 من فبراير سنة 1809، وكان أبوه بحاراً، نجاراً عادياً. توفيت والدته ولما يبلغ من العمر عشر سنين، تعلم مبادئ القراءة والكتابة وهو طفل، وكانت أمه قبل وفاتها تعني به العناية كلها، اختارت له من الكتب الكتاب المقدس وكتاباً عن حياة (جورج واشنطون) قرأهما وأعاد قراءتهما مراراً حتى كاد يحفظهما. وكان في بعض الأحيان يسير أميالاً ليستعير كتاباً يقرؤه. كان في حياته الأولى عاملاً، ثم ثقف نفسه بالقراءة في أوقات الفراغ، وكان في الليل يوقد قطعاً من الخشب، يتدفأ بنارها ويقرأ على نورها، ولولا ضيق المقام، والخوف من الخروج عن الموضوع لكتبنا عنه الكثير فارجع إلى تاريخ حياته أن شئت، وكل ما نريد أن نذكره هو أنه درس القانون أخيراً، ثم كان محامياً مدرهاً يشار إليه بالبنان، حاضر الذهن متقد الفكر، قوي الشخصية، ثم كان عضواً بمجلس النواب، فسياسياً، فرئيساً للولايات المتحدة بأمريكا. فضلته زوجته - وكان فقيراً - على منافس آخر من الأغنياء، وقد اختارته زوجاً لذكائه وإخلاصه وشخصيته. تنبأت أنه سيكون عظيماً، وقد كان مثلاً للعظمة؛ ولئن قام واشنطون بتحرير الولايات المتحدة، فقد قضى لنكولن على ما كان فيها من الاضطراب، وقام بكثير من الإصلاحات، وقد ترك لنكولن اسماً خالداً محبوباً لا من الأمريكيين فحسب، بل من أبناء الإنسانية في جميع الشعوب، فقد كان يعمل للإنسانية ويفكر كثيراً في الإنسانية وينسب إليه كثير من الحكايات التي تقرب من الخيالات والروايات.
وممن كان لحدة ذهنهم وشخصيتهم أثر كبير في نجاحهم أيضاً (اللورد ماكولي) الاسكتلندي، فقد كان كاتباً وشاعراً، وكان مؤرخاً وقانونياً، وكان خطيباً وسياسياً، ولد في 25 من أكتوبر سنة 1800 م وتوفى في 28 من ديسمبر سنة 1859 م.
أظهر حباً للقراءة وتعطشاً للعلم منذ نعومة أظفاره، توسم فيه أبوه كثيراً من علامات الذكاء والمقدرة العقلية منذ طفولته؛ فقد قلد (السير وولتر سكوت) في كتابته وعمره لم يزد على سبع سنين، فكتب ثلاث قصائد، ومختصراً تاريخياً عاماً، وهو طفل. كان قوي الذاكرة،
محباً للعمل مولعاً بالأدب وبخاصة الروايات. وكثيراً ما لامه أبوه على قراءتها، التحق في أكتوبر سنة 1818 بجامعة (كمبردج). وحصل على أربع جوائز منها. وكنا نود أن نكتب عنه كثيراً لولا الخوف من التطويل. وكل ما يمكننا أن نقوله هو أنه اشتغل بالقضاء، ثم اتخذ الأدب مهنة، ثم انتسب إلى أحد الأحزاب السياسية، ونجح في حياته النيابية نجاحاً باهراً لنشاطه العقلي، وتأثيره الخطابي، وإخلاصه في قوله. وكان ينضم لآرائه كثيرون حتى المعارضون لحزبه. وله خطبة هي آيات بينات يدافع فيها عن تعميم التعليم المجاني، تدل على غيرته، وحضور بديهته. ولم يفخر الشعبان: الإنكليزي والاسكتلندي إلى اليوم بأحد من رجال السياسة والأدب فخرهما بماكولي: ومن كتابته تكاد تلمس قوة حجته، وروح خطابته، ووضوح لغته، وصفاء ذهنه، وسلامة ذوقه في كتابته، وجمال تعبيره، وحسن أسلوبه، ووفاءه لبلاده وأقاربه وأصدقائه، تكاد تلمس نقده المر البريء الذي ينبئ عن الإخلاص والإيمان بما يقول. .
وممن كان يشهد لهم بالذكاء وحضور البديهة كثير من رجال العرب ونسائهم نذكر لك منهم: معن بن زائدة؛ فقد دخل على أبي جعفر المنصور، فقارب خطوه، فقال المنصور:(لقد كبرت سنك؛ قال في طاعتك. قال وإنك لجلد؛ قال على اعدائك. قال: وأرى فيك بقية؛ قال: هي لك.) فانظر إلى أجوبة معن تجد أنها تدل على سرعة الخاطر وحسن الجواب.
فالنشاط العقلي يساعد على النجاح في الحياة، وينقذ الإنسان من أدق المراكز، ويحفظ شخصيته في أشد المواقف، ويسهل الصعب، ويقرب البعيد وله أثر كبير في حسن الخلق والسلوك. وبالإحصاء وجد أن أكرم حكام أوربه خلقا في القرون الثلاثة الأخيرة الماضية كانوا على قسط كبير من الذكاء. .
(3)
المشاركة الوجدانية:
العنصر الثالث من العناصر التي تكون منها الشخصية يدعى المشاركة الوجدانية؛ فاذا لم نشعر بشعور الناس ونشاركهم في مسراتهم وأحزانهم، ونتأثر بآرائهم وأفكارهم، فهذا دليل على أننا في حاجة إلى أن نضع أنفسنا موضعهم، مهما كانت علاقتهم على شرط أن يكون لدينا استعداد للفهم والتفكير والشعور، مهما كانت مراكزنا بالنسبة إليهم، من غير نظر إلى رئيس أو مرءوس، غني أو فقير، عظيم أو حقير، رفيع أو وضيع، وألا تكون مناصبنا
العالية حجر عثرة في سبيل فهمنا لغيرنا، وتقدير ظروفه المحيطة به؛ بل تكون معينا على أن نشاركه في حالاته، فنسر لسروره، ونتألم لآلامه، وبذلك نمتلك قلبه.
أما صاحب المزاج البارد الذي يتمثل فيه الجود والقسوة والغلظة فلا يتأثر لما ينتاب غيره من نكبات، ولا يحب أن يتفاهم مع أحد؛ فهو ينفر من الناس، والناس ينفرون منه. وهو يؤثر في غيره بالإيذاء، كما يؤثر الهواء البارد في النبات الغض الشديد الاحساس، فيتجمد قبل أن ينمو أو يترعرع.
ومن أكبر عيوب نابليون التي كان يتخلق بها شدة قسوته على النوع الإنساني، وعدم مشاركته له في شعوره، ومن ثم كانت شخصيته غير كاملة. وإننا في الوقت الذي نطالب فيه بالعدالة نطالب أيضاً بالرحمة.
ومن الحكمة إذا كنت رئيساً أن تصل بالمشاركة الوجدانية إلى تنفيذ جميع رغباتك من غير التجاء لإظهار سلطتك، وأن تفوز بطاعة مرءوسيك من غير احتماء بالقانون. ومن المهارة أن تبين لمرءوسيك أخطاءهم، ونقط ضعفهم، وتسيرهم كيف تشاء، بدون أن تحط من كرامتهم، وبدون أن تظهر لهم أنك أعلى أو أرقى منهم، ومن غير اضطرار إلى اتخاذ شدة أو عنف. إذا أمكنك الوصول إلى كل هذا كانت شخصيتك قوية، وكان تأثيرك كبيراً.
وإن قوة التأثير لا تستدعي قسوة أو غلظة، ولكنها تستدعي أن تشارك الناس في شعورهم ووجدانهم، وتتألم لما يدهمهم من حوادث الدهر، وتواسيهم فيما يلم بهم من نوائبه، وتنظر إلى حسناتهم قبل سيئاتهم، وفي صوابهم قبل خطئهم، وتقدر حسناتهم إذا أحسنوا، وتفكر في البواعث التي اضطرتهم إلى الخطأ إذا أخطأوا، وتعدل في أحكامك إذا حكمت، لا تنزع إلى جانب الظلم، ولا تميل إلى ناحية التهاون، وبهذه الوسيلة تكون قوياً، ليناً في غير ضعف، متواضعاً في غير ذلة، موفقاً في عملك محبوباً عند غيرك.
أما هؤلاء الذين يلجأون إلى الشدة والقسوة دائماً فهم ضعفاء، يشعرون بالضعف فيلجأون إلى الغلظة، ظانين أنهم بتلك الطريقة يسترون ذلك الضعف، ويكملون ذلك النقص. مثلهم مثل الكلاب، تنبح في الطرق لا في ضوء النهار، بل في ظلام الليل، كي تبحث عن فريسة تفترسها، أو خيانة تخونها، أو طعام تسرقه، هم كالكلاب تسرهم عيوب غيرهم، ويفرحون لهفوات سواهم. وأمثال هؤلاء لا شخصية لهم، فأشخاصهم مكروهة، وأسماؤهم
منبوذة، وأفعالهم مذمومة مشئومة.
فالمشاركة الوجدانية من أهم عناصر الشخصية تجعل القلب متقداً يشعر بشعور غيره، ويقيس نفسه بمقياس سواه من الناس. يقول (السير وولتر سكوت) الكاتب الاسكتلندي الكبير:(إن المشاركة الوجدانية هي الحلقة الفضية أو الرباط الحريري الذي يصل القلب بالقلب، ويربط العقل بالعقل، والجسم والروح) فإذا كانت الشخصية هي القوة التي بها يجتذب الغير فالمشاركة الوجدانية من أهم الأشياء التي بها نتصل بقلوب غيرنا وأرواحهم. .
وإذا قدرنا غيرنا، وفكرنا فيه، وسررنا لسروره، وتألمنا لألمه، فإننا ننتظر منه أن يقابل المثل بالمثل، فيقدرنا ويفكر فينا، ويشاركنا في سعادتنا وشقائنا بوجدانه وقلبه، أما إذا لم نقدر أحداً، ولم نفكر في أحد، فإننا لا نترقب أن يقدرنا أو يفكر فينا أحد.
ومن المشاركة الوجدانية أن يخلص الأستاذ في نصح طلبته وإرشادهم، والتفكير في عملهم وظروفهم ومستقبلهم، فيقابل الطلبة ذلك بالوفاء والطاعة والتقدير. فالشخصية تستدعي أن نتأثر للغير، ويتأثر الغير لنا، ونشعر بشعورهم، ويشعروا بشعورنا. ولا أثر للتربية والتعليم إذا لم يصحبا بمحبة غيرنا، والتفكير فيهم بقلوبنا، فالمشاركة الوجدانية يجب أن تتحقق في القادة، قادة الفكر وقادة العمل، حتى تكون لهم شخصية جذابة. غير أنه ينبغي ألا يتدخل الوجدان والعاطفة في أقوالنا وأفعالنا وحركاتنا وسكناتنا تدخلاً كبيراً، حتى نستطيع أن نزن الشيء بميزان العدالة لا بميزان العاطفة. ويجب ألا ننظر إلى الأمور من ناحية واحدة وهي الناحية الوجدانية، لئلا يختل التوازن، ويصبح العقل عبداً خاضعاً للتأثيرات الوجدانية العاطفية التي تعمينا عن حقائق الأشياء وعلاقاتها بغيرها.
ونظراً لطول الموضوع وتشعبه أرجئ البقية إلى بعض الأعداد التالية من الرسالة.
محمد عطية الأبراشي
الصقور البحرية في البحر الأحمر
للدكتور كرسلاند
مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة
تقل الطيور البحرية في شمال البحر الأحمر حيث محطة الأحياء البحرية التابعة للجامعة المصرية. وأكثرها الصقر البحري وبدهي أن تندر الطيور البرية في أرض مجدبة لم تجدها الأمطار منذ أثني عشر عاماً. أما الغربان فكثيرة الانتشار وتعتمد في غذائها على جماعات الإنسان، ولكني لم أعثر للآن على النسر البحري المصري الذي كان يوجد بكثرة عند المحطة التي كنت أديرها على شاطئ السودان.
أما في فصلي الربيع والخريف فيمر بالمحطة عدد كبير من الطيور من كل نوع، كنوعين من البط وبعضها كالخطاف وأبي فصاده ينساب طوال الفصل. أما الصفير (العصفور) فيمر فرادى.
وصقر البحر يختلف في نوع فريسته وطرق صيده عن الطيور البحرية الأخرى. إذ لم يتأقلم تماماً للحياة البحرية، فبرغم تشوك أصابعه واندثار الريش الطويل من أرجله ما زال يشبه الطيور الأخرى من فصيلته. ولا يمكنه أن ينقض على جماعات الأسماك التي تعوم بسرعة قريباً من سطح الماء كما تفعل النورزة والخطاف البحري بل يفترس عادة الأسماك البطيئة كأبي صندوق ، والحجم والدرمة والمشط وهذه الأخيرة سمكة زرقاء اللون تزينها بقعة صفراء فاقعة، وتكثر حول الشعاب المرجانية. وكثيراً ما نرى عظام هذه الأسماك وجلودها بكميات كبيرة حول أعشاش الصقر. وإنه وإن بدت هذه الأسماك محصنة من الأسماك المفترسة بكيفية لا نعرفها إلا أن ذلك لا يقيها شرين: حربة الصياد، ومخالب الصقر.
وقد التجأ الصيادون هنا إلى استعمال الحراب لانتشار الشعاب المرجانية مما أدى تحديد صلاحية الشباك للصيد. وقد لا يجدي الصيد بالشص كثيراً إذ تتحصن الأسماك المصيدة بالشعاب فيفقد السمك والشص معاً، لذلك انتشر استعمال الحراب. وتتكون الحربة من قضيب من الحديد يبلغ سمكه سنتيمتراً أو سنتيمترين، ويصل طوله إلى ثلاثة أمتار، أحد طرفيه مدبب وبالآخر ثقب صغير يثبت به الخيط. ويشتغل الصيادون مثنى في كل هوري
(قارب منحوت من الأشجار) ينظر أحدهما في منظار الماء بينما يجدف الآخر ببطء، ويبحثان عن صدف اللؤلؤ، ولكن إذا ما تراءت لهما سمكة أمسك أحدهما الحربة من منتصفها وصوبها ثم قذف بها بمهارة لا تفلت منها الأسماك الصغيرة. وأكثر ما يصاد عادة بهذه الطريقة الأسماك البطيئة الحركة. وقد تقتنص الأسماك السريعة كأنواع البياض وأميز هذا الجنس ما يسميه الأوربيون خطأ فأنه يتلون بألوان براقة جميلة حينما يحتضر خارج الماء.
وقد صادفت مرة جماعة من صيادي اللؤلؤ وقد أمسكوا درمة (جنس من السمك) فسألتهم (كيف أمسكتم هذه السمكة وليس معكم حربة واحدة؟) فأجاب أحدهم (أمسكتها بيدي).
والدرمة سمكة معروفة بأنها سامة، ولكنها تأكل كثيراً بالبحر الأحمر، ويقال إن لحمها جيد وإن كان قليلاً.
وعلى شاطئ البحر الأحمر لا توجد جروف ولا أشجار يبني في وقايتها الصقر عشه. فيلجأ إلى أفرع نباتات الأرض الملحة على الشاطئ المنبسط مثل الشمرة البحرية والحزيس والساليكورنيا وغيرها من النباتات التي تنمو على الأرض المنخفضة بجانب البحر بل وعلى رمل الشاطئ نفسه، وكذلك على الأعشاب البحرية وجلد الأسماك وعظامها والأجسام الطافية على سطح الماء من أي نوع. والصقر لا يغير عشه بل يضيف إليه كل عام حتى يصبح ربوة عالية - وعلى مقربة من المحطة عش يربو ارتفاعه على المترين. ورأيت آخر على شاطئ السودان كان يسكنه صقر مدة خمسة عشر عاماً ولست أدري كم أقام به الصقر قبل ذهابي إلى السودان.
وبيض هذا الصقر كبير الحجم وعليه نقط سمراء داكنة، أما الصغار فسمر الألوان، وإذا أزعجت خرجت من عشها وجثمت بين الأعشاب المجاورة.
ومما يساعد على وقاية هذه الطيور عزلتها في الصحراء ورغبة (البشاريين) عن أكل الطيور وبيضها. ولكن انتشار السيارات في الصحراء قد سلبها عزلتها. وكم نشفق الآن على بعض هذه الطيور التي ما زالت تأوي عشاً لا يبعد إلا قليلاً من الأمتار عن الطريق الموصل بين آبار البترول ومحطة الأحياء البحرية! أما الجزر فما زالت ولن تزال حصناً منيعاً لها.
وقد أقمت عدة علامات لتحدد الشعب المرجانية، وسرعان ما انتفع بها الصقر للاستراحة والتهام فريسته، ولا شك أن هذه العلامات توسع نطاق صيدها. إذ أن الصقر طير بري، ولا بد له من الرجوع إلى الشاطئ لأكل فريسته، ولكنه الآن لا يحتاج إلى ذلك كثيراً بفضل انتشار العلامات على بضعة أميال من الشاطئ. وكثيراً ما يرى الصقر ممسكاً بفريسته بين مخالبه باحثاً عن مكان يلتهمها فيه؛ وهو يمسك فريسته موازية لجسمه، بخلاف الطيور الأخرى التي تمسكها في اتجاه مستعرض.
كرلس كربلاند
الامتيازات والديك.
.
للأستاذ محمد محمود جلال
منذ عشر سنوات كنت أعالج (ضرساً) لدى طبيب إنجليزي يقيم في مصر من زمان طويل بل لعله ولد بها. والعجيب من أمره أنه خالف سنة قومه فأكثر من معاشرة المصريين وأتقن الكلام بالعربية، واندمج في مختلف بيئاتهم، وهو على خفة في روحه وظرف في طبعه حلو النكتة حتى لتحسبه (ابن بلد).
ففي يوم من أيام العلاج، وقد أخذ يعد دواءً، أراد أن يروح عني من شدة الألم ومرارة الانتظار بنادرة مما حفظ فقال: إن أحد الشيوخ مر ذات يوم بشارع ضيق من شوارع القاهرة، وبينما هو في سيره إذ قفز من أحد المنازل ديك على عمامته فأتلفها وهوى بها، فاستاء الشيخ وبحث عن صاحب المنزل ثم رفع أمره للقضاء. ولم يشك المدعي يوم الجلسة في صدور حكم لصالحه، فحقه في التعويض واضح، زكته اعترافات المدعى عليه في أول إجابته.
بيد أنه ذهل إذ سمع المدعى عليه يدفع بعدم الاختصاص!! والخصمان مصريان والمحكمة مصرية، وصرخ عجباً!! قال المدعى عليه (كل ذلك حق) ولكن الديك (رومي) فقضت المحكمة بعدم اختصاصها!!!.
إحدى الخراقات الفكاهية التي لا يعدو أثرها حين تطلق في مجلس أن تنتزع ضحكة، ولا نفيد منها إلا نصيباً من الترويح، لكنها من خير ما يصور الأثر الذي تركه ذلك النظام في بلادنا، والطابع الذي أقامه في روح الحياة بعد أن نال من مصالحنا وكرامتنا وآدابنا.
فكم تعطلت إجراءات عادلة بدعوى أفاق، حتى إذا فصل في أمره كان الزمن قد ذهب بالمصلحة والغرض، وكم من عاث تعب في أمره رجال الأمن وهو كل يوم يظهر بحيلة جديدة، وكم من حقوق مصرية بحتة أخرجت من دائرتها الطبيعية ودفعت لمجرد شبهة في صالح أجنبي، إلى محاكم استثنائية.
يعيش بيننا كثيرون يسيئون إلى سمعة دولهم أكبر الإساءة. فهم يؤجرون للتعرض في التنفيذ ويتخذون ذلك مهنة لهم، وإني لأذكر واحداً تعرض مرة في تنفيذ حجز على محصول لقاء مبلغ الإيجار - وكان المتعرض شخصاً معروفاً للناس تأنف منه الجالية التي
ينتسب إليها ولا يملك شيئاً إلا هذه المهنة - ومع ذلك فقد ادعى بأنه اشترى المحصول، وكان هذا وحده إشكالاً رجع معه المحضر ليتلافى الأمر من طريق الإجراءات - فلما أخذنا المتعرض بشيء من الحزم اعترف وأخرج من جيبه (جنيهاً واحداً). قبضه أجراً لتعرضه.
هذا وغيره كثير الوقوع وقد أصبح حديثاً مردداً. ولكن اليوم تشاء سخرية القدر أن يقع ما هو شر من الخرافة.
قضت أعمالي أن أغيب عن مصيفي ببور سعيد في أوائل أغسطس الماضي، فلما عدت أخبرت أن ضابطاً مصرياً جاء إلى المنزل بأمر الحكمدار الإنجليزي، وأبلغ الخادم أن (ديكاً) يزعج الجار الأوربي، فهو يأمر بنفيه إلى (السطوح) أو ذبحه!!
ليس بالمنزل سلم (للسطح)، ومكان الطيور بالحديقة بناه المالك ولا يد لنا بتغييره، لأننا نشغل المنزل لموسم الصيف، وإذن نفذ الأمر، وذبح (الديك) مأسوفا عليه من الدجاج مسطراً بدمه صحيفة عن آثار الامتيازات والعبث بالكرامة!! ضابط خلق لمهمات عالية من صيانة أرواح وأموال وأعراض، يحمله الرئيس الإنكليزي رسالة حقيرة في أمر حقير!!
عندما يحس الجار إقلاقا لراحته يكفي في دفعه عادة كلمة طيبة لجاره، وتقفه رسالة من خادم لخادم. هكذا نفعل، ولكن الاعتزاز بالامتيازات والاحتلال بدل الجوار الحسن تفرقة وتحكما.
ولست أشك في أن المناحة التي أقامتها الدجاج حزناً كانت قوية مؤثرة تضاعفت معها حركة الأقلاق، مما جعل الجار يندم على شكواه والحكمدار يرفه عنه، ولعلهما نسيا بهذه الصيحات المزعجة صوت الديك (الفقيد).
وأمام ما تخيلت ثقة بوفاء هذه الطيور تساءلت: (ألم يتجدد الأمر بذبح البقية المقلقة؟) فلما أجبت بالنفي قلت: لعل الآمرين قد أُخذا بروعة الوفاء وصعقة الحزن فنسيا الجريمة!! أو لعل في ذلك إشارة إلى قرب الخلاص!! والله سميع مجيب.
على أن في بيت الجار التالي (دجاجاً) سمعت صوتها وصياحها ولكن الشاكي لا يتحرك!! والحكمدار الإنجليزي لا يهتم! والضباط المصريون لا يسخرون! لأن الجار يتمتع بالامتيازات، وما في كنفه تابع له، ولو أن الديك (بلدي).
ولقد هممت أن أكتب إلى الحكمدار - واحدة بواحدة - ولكني خشيت أن أكون سبباً في نكبة تحل بواحد أصله (مصري) وأنا الذي أفدي الوطن وما ينسب إليه بكل غال.
أنظر إلى ما حدث على تفاهته - انه سيصبح حديثاً يتناقله خادم طارئ عن خادم مقيم! وينشره الأول والثاني - ثم يصبح موضوعاً يتنادر به أكثر من جماعة في مقهى أو شارع أو مجلس، ثم تبني عليه نوادر وخرافات أصلها حقيقي عن أمر صدر من رئيس كبير وبلغه مرءوس كبير، ثم قل بعد ذلك ما شئت في التسلسل الطبيعي وأثره في البيئة وما ينشأ عنه من إكبار النفوس البسيطة للنفوذ الأجنبي - وما يتبع ذلك من صبغها بنوع من الخنوع أو نوع من الوجل.
ولكن الله سبحانه وتعالى يتدارك الشعب بأبنائه النابهين وما أظن نافذاً بإذنه إلا مشيئة البلاد.
ولقد راجعت نفسي وواجبي فكتبت إلى الحكمدار منبها إلى كرامة الضباط وغرابة الحادث، ودخول البيوت بغير إذن، وهم العاملون المكلفون بطبيعة وظائفهم بالسهر على الحقوق.
وبعد: أليس في الخرافة الأولى حق وعظة؟
محمد محمود جلال المحامي
الرياضيات في الشعر
للأستاذ قدري حافظ طوقان
يقولون إن عداء مستحكما موجود بين الرياضيات والأدب بما فيه الشعر، ولكن الحقيقة تنقي وجود هذا العداء، والواقع لايؤيده، إذ ليس في أحدهما ما يناقض الآخر، وكثيراً ما استعان العلماء بأحدهما على الثاني. وإذا كان هناك عداء موضوع أو خصام موهوم، فهو في الحقيقة والواقع بين الرياضيين من جهة، والأدباء من جهة أخرى؛ وما علمت لهذا سبباً، وما قدرت أن أجد الدافع لذلك. فالأديب أو الشاعر يغيظه أن تذكر أمامه كلمة رياضيات، ويزيد في حنقه أن تجري أمامه بحوث في الأرقام والمعادلات والأشكال والخطوط، يتملص من جلسات الرياضيين ويشمئز حين الاجتماع بهم. وليس هذا خاصاً بالأدباء، فكذلك الذين يعنون بالعلوم الرياضية هم أشد حنقا على الأدباء من الأدباء عليهم، لا يتركون فرصة دون ذكر النوادر عن الأدباء والشعراء، وقد يتمادى بعضهم فيستهزئ بلغة العواطف والنسيم والطلول وهند وليلى ومجنونها. وتراهم (أو على الأقل يتظاهرون) بأنهم لا يفهمون معنى لأبيات يتخللها وصف بديع أو مجاز بليغ. هذا صراع موجود لا يمكننا إنكاره. وقلّ أن تجد أديبا أو شاعراً يعنى بالأرقام، كما أنه قل أن تجد رياضياً يعنى بالأدب أو الشعر. وأصبح الجمع بين الرياضيات والأدب والشعر في شخص واحد من الخوارق، بل من ضروب الشذوذ التي تثير الدهشة والاستغراب. فإذا قيل هذا أديب أو شاعر، فمعنى ذلك ضمناً أنه يمج الرياضيات ويكره كل شئ يحتوي على الأرقام والمعادلات. وإذا قيل هذا رياضي فمعنى ذلك ضمناً أنه يكره الأدب والشعر، ولا يفهم إلا الملموس المحسوس، ولا يتكلم إلا بلغة الأرقام. ولكن برغم ذلك فإننا نجد أشخاصاً برعوا وبرزوا في الناحيتين، وكان لهم فيهما جولات موفقات، فهناك رياضيون اعتنوا بالأدب ووجدوا فيه تسلية، وسحرهم الشعر وفنونه، ووجدوا فيه ملهاة، ولم تمنعهم الرياضيات من النظم أو من الغوص على كنوز الأدب، بل قد بلغ في بعضهم حب الجهتين أن استعمل الشعر في التعبير عن القوانين والمعادلات الرياضية. وإذا اطلعت على كتاب (مخطوط) للبيروني:(التفهيم لأوائل صناعة التنجيم) رأيت أدباً عالياً، ودقة في التعابير بالغة الدرجة العليا من الإجادة. وهناك شعراء عكفوا على دراسة الرياضيات والفلك، وشعروا بلذة في
دراستهما، وبلغوا فيهما ذروة عالية يحسدهم عليها الكثيرون.
لا أعرف شاعراً أو شاعرة قبل زرقاء اليمامة نظم شعراً وضمنه مسألة حسابية. ومما لاشك فيه أنها لم تكن تقصد وضع معضلة رياضية في قالب شعري، إنما جل ما في الأمر أنها كانت حادة البصر، وقد رأت سربا من الطيور، فرغبت في وضع عدده شعراً. وأرجح أن إيجاد العدد يحتاج إلى عملية حسابية يعجز عنها الكثيرون من فحول الشعراء وكبار الأدباء، أما الأبيات فهي:
ليت الحمام ليه
…
ونصفه قديه
إلى حمامتيه
…
صار الحمام ميه
والمعنى المقصود من هذين البيتين أنه إذا أضيف إلى هذا السرب نصفه وحمامة واحدة لكان حاصل الجمع مئة، فإذا أخذت الحمامة كان الباقي تسعاً وتسعين، وهذا العدد يعدل عدد الحمام ونصفه، أي أن عدد الحمام ست وستون. وقد علق النابغة الذبياني على هذه الأبيات، ويظهر منها أنه يعرف عدد الطيور مع أنه لم يذكر ذلك صراحة. قال النابغة:
أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت
…
إلى حمام شراع وارد الثمد
يحفه جانباً نيق وتتبعه
…
مثل الزجاجة لم تكمل من الزمد
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا
…
إلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما زعمت
…
تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مائة فيها حمامتها
…
وأسرعت حسبة في ذلك العدد
وإذا اطلعت على ديوان أبي نؤاس وقد غمره الحب والخمر واستوليا عليه ودخلا في كل أعماله الصغيرة والكبيرة، أقول إذا اطلعت على ديوانه العجيب الغريب وجدت فيه بعض أبيات أشار فيها إلى تقسيم قلبه بين جنان حبيبته والساقي والعشاق تقسيماً حسابياً غريباً في بابه تقسيمات أبي نؤاس:
جنان حصلت قلبي
…
فما إن فيه من باق
لها الثلثان من قلبي
…
وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى
…
وثلث الثلث للساقي
فتبقى أسهم ست
…
تجزأ بين عشاق
ولقد وجد في الغرب من استطاع أن يضع كثيراً من الطرق والقوانين التي تتعلق بالأرقام والأعمال الأربعة شعراً. واعتنى بعض علماء الرياضة بالشعر والأدب، ورغب غير واحد منهم في وضع الجبر شعراً، فابن الياسمين وضع أرجوزة في علم الجبر وقد شرحها كثيرون. وفي هذه الأرجوزة نجد خلاصة كثير من القوانين والمعادلات الجبرية التي يجدها القارئ في كتب الجبر الحديثة. وتدل الأرجوزة على تضلع الناظم في الجبر وبعد غوره فيه، على أن ثروته الأدبية لا يستهان بها، وتدل أيضاً على أن لديه شاعرية قوية قد لا نجدها في كثيرين من شعراء زمانه، وإني أعتقد أنه لولا إحاطته بالجبر والشعر إحاطة كلية لما استطاع أن يضعهما في قالب سلس جذاب. ولدينا نسختان من أرجوزة ابن الياسمين، أخذنا الأولى عن مخطوطة قديمة موجودة في المكتبة الخالدية في القدس وهي (شرح الياسمينية للمارديني)، والثانية أرسلها إلينا الصديق الأديب عبد الله كنون من شباب طنجة بالمغرب ومن نجومها اللامعة في سماء الشعر والتاريخ.
ولنرجع إلى الشعر الموجود في أرجوزة أبن الياسمين فنجد أنه يبدأ بذكر خواص القواعد الأربع الأصلية وشرح طرق حلها للأعداد الصحيحة والكسرية، وبعد ذلك ينتقل إلى علم الجبر فيقول:
على ثلاثة يدور علم الجبر
…
المال والأعداد ثم الجذر
ثم يفسر كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة يقوله:
فالمال كل عدد مربع
…
والجذر واحد تلك الأضلع
والعدد المطلق ما لم ينسب
…
للمال أو للجذر فافهم تصب
من هنا يفهم أن المال هو كل عدد مربع، والجذر أحد ضلعيه، والعدد المطلق هو الذي لم ينسب إلى جذر ولا إلى مال ولا إلى غيرهما، فالاثنان (مثلاً) عدد.
والجذر والشيء بمعنى واحد
…
كالقول في لفظ أب ووالد
أي أن الجذر والشيء مترادفان، وبعبارة أخرى يمكن أن يقال إن الجذر هو العدد المجهول ويعبر عنه بالحرف (س) في علم الجبر وعلى ذلك يكون المال (س2). ثم يبحث ابن الياسمين في المعادلات وأقسامها وأنواعها وطرق حلها ويأتي بعد ذلك على شرح طريقة إكمال المربع لحل المعادلة ذات الدرجة الثانية، وإذا تتبعت خطواتها بالدقة تجدها هي
بنفسها الخطوات المتبعة في الكتب الجبرية الحديثة.
فربع النصف من الأشياء
…
واحمل على الأعداد باعتناء
وخد من الذي تناهى جذره
…
ثم انقص التنصيف تفهم سره
فما بقى فذاك جذر المال
…
وهذه رابعة الأحوال
ولم يستطع العرب أن يدركوا القيم السالبة، أي أنهم لم يعتبروا من جذور المعادلة إلا الموجب. ثم يشرح طريقة استخراج المجهول في المعادلة التي يكون فيها معامل (س2) غير الواحد، وهي نفس الطريقة التي تجدها في كتب الجبر للمدارس الثانوية. وأعطى طرقاً لكيفية حل بعض المعادلات التي تكون في أوضاع مخصوصة مثاله:
فاجمع إلى أعدادك التربيعا
…
واستخرجن جدرها جميعا
واحمل على التنصيف ما أخدتا
…
فذلك الجدر الذي أردتا
ولم يقف ابن الياسمين عند هذا الحد، بل نجده يشرح بعض النظريات التي تتعلق بالقوى والأسس وطرق ضربها في بعضها وقسمتها على بعضها. ولم ينس أيضاً أن يذكر معنى كلمتي (جبر) و (مقابلة) فقال:
وكل ما استثنيت في المسائل
…
صيره إيجاباً مع المعادل
وبعد ما يجبر فليقابل
…
بطرح ما نظيره يماثل
ولولا الخوف من الملل الذي قد يتسرب إلى القراء ولا سيما الأدباء منهم لأتينا على شرح هذين البيتين تفصيلاً. ولقد سبق أن شرحت معنى الكلمتين (جبر) و (مقابلة) في مقالي في المقتطف.
وتنتهي الأرجوزة بالصلاة والسلام على النبي.
ويوجد شعر كثير حوى مسائل حسابية وهندسية ومعضلات فلكية من الصعب فهمها وقد يكون حلها أيضاً.
وفوق ذلك أخذ الشعراء بعض الاصطلاحات والأسماء والآلات الفلكية والرياضية واستعملوها في شعرهم فقد كتب أبو إسحاق الصابي في يوم مهرجان مع إسطرلاب أهداه إلى عضد الدولة ما يلي:
أهدي إليك بنو الآمال واحتفلوا
…
في مهرجان جديد أنت مبليه
لكن عبدك إبراهيم حين رأى
…
علو قدرك عن شيء يدانيه
لم يرض بالأرض مهداة إليك فقد
…
أهدى لك الفلك العالي بما فيه
وكتب أيضاً مع زيج أهداه - والزيج هو كتاب يتضمن جداول وحسابات فلكية: -
أهديت محتفلا زيجا جداوله
…
مثل المكاييل يستوفى بها العُمر
فقس به الفلك الدوار واجر كما
…
يجري بلا أجل يخشى وينتظر
ومما كتب إليه في يوم نيروز مع رسالة هندسية من استخراجه:
رأيت ذوي الآمال أهدوا لك الذي
…
تروق العيون الناظرات محاسنه
وحولك خزان يحوزونه وما
…
له منك إلا لحظ طرف يعاينه
ولكنني أهديت علماً مهذباً
…
يروق العقول الباحثات بواطنه
وخير هدايانا الذي إن قبلته
…
فليس سوى تامور قلبك خازنه
وأخذ بعضهم من الأفلاك والكواكب ومن الظواهر الطبيعية والفلكية ميداناً لنظم الشعر ومسرحاً للخيال، قال أحدهم، ولا يحضرني اسمه الآن:
أما ترى الزهرة قد لاحت لنا
…
تحت هلال لونه يحكي اللهب
ككرة من فضة مجلوة
…
أو في عليها صولجان من ذهب
وقال التهامي في البقع السوداء التي تظهر على سطح القمر:
فبات يجلو لنا من وجهها قمراً
…
من البراقع لولا كلفة القمر
وقال ابن المعتز في وصف الهلال:
أنظر إليه كزورق من فضة
…
قد أثقلته حمولة من عنبر
وجاء في سقط الزند للمعري وصف للسماء وما فيها من أجرام وقد صورت أحسن تصوير في قالب شعري جميل:
كأن سهاها في مطالع أفقه
…
مفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأن بني نعش ونعشاً مطافل
…
بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا
كأن سهاها عاشق بين عود
…
فآونةً يبدو وآونةً يخفي
كأن قدامي النسر والنسر واقع
…
قصصن فلم تسمُ الخوافي له ضعفا
وجاء أيضاً:
سقتها الذراع الضيغمية جهدها
…
فما أغفلت من بطنها قيد أصبعِ
بها ركز الرمح السماك وقطعت
…
عُرى الفرع في مبكى الثريا بأدمع
ويستبطأ المريخ وهو كأنه
…
إلى الغور نار القابس المتسرع
وتبتسم الأشراط فجرا كأنها
…
ثلاث حمامات سدكن بموضع
وتعرض ذات العرش باسطةً لها
…
إلى الغرب في تغويرها يد أقطع
وجمع الشيخ اليازجي أسماء البروج في ثلاثة أبيات فقال:
من البروج في السماء الحملُ
…
تنزل فيه الشمس إذ تعتدل
والثور والجوزاء نعم المنزلة
…
وسرطان أسد وسنبله
كذلك الميزان ثم العقرب
…
قوس وجدي دلو حوت يشرب
وقال أبو العباس ابن الخليفة المعتز بالله في مخاطبة القمر:
يا ساقي الأنوار من شمس الضحى
…
يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي
أما ضياء الشمس فيك فناقص
…
وأرى حرارة نارها لم تنقص
لم يظفر التشبيه منك بطائل
…
متسلخ بهقا كلون الأبرص
ولا يمكننا في هذه العجالة الإتيان على أكثر ما قاله الشعراء وعلماء الفلك والرياضة في مبادئ العلوم الرياضية والفلكية فهو أجل من أن يحاط به في مقالة أو مقالتين آملين العودة إلى البحث فيه بصورة أوسع وأوفى للمرام.
(نابلس)
قدري حافظ طوقان
فصول مدرسية في الأدب الدرامي
6 -
الرواية المسرحية في التاريخ والفن
بقلم أحمد حسن الزيات
المأساة في خلال القرون
لعلك تذكر أنني أشرت عند الكلام عن منشأ الرواية إلى أن أصل المأساة هو تلك الأناشيد التي كان يغنيها القيان (الخورس) إجلالا لباكوس إله الخمر يوم عيده. وكلمة (تراجيدي) اليونانية لا تزال تحمل دليل هذا الأصل. فمعناها غناء الجدي، وهي مركبة من كلمتين:(تراجوس جدي، و (أودي غناء. وذلك لأن الجدي كان مخصصا للقربان في ذلك اليوم، ولأن القيان كن ينشدن تلك الأناشيد أثناء ذبحه. وقلت إن (إبيجين) وضع الحجر الأول في بناء المأساة، ولكن اسحيلوس (525 - 456 ق م) هو الذي صورها وسواها بخلقه الحوار؛ ثم أبقى على القيان، وبث في المأساة الرعب على الأخص، وجعل تصريف الأشخاص بيد القدر. وجاء سوفو كليس (495 - 405 ق م) فقلل من عمل القيان، وأضعف من شأن القدر، وعزا جزءاً من العمل إلى أهواء الإنسان وحريته، وأحكم العقدة الروائية. وأشهر مآسيه أنتيجون، وإلكتر، وأوديب الملك، وفيلو كتيت. ثم كان أوريبيذس (480 - 420ق م) فكاد يلغي القيان، وأخفى أثر القدر من رواياته، وجعل الأمر كله لتصارع الأهواء، وبث فيها الرحمة على الأخص. وأطلق عليه أرسططاليس اسم أمير المأساة. ولكنهم أخذوا عليه الإغراق في تعقيد العمل، والالتجاء إلى معونة الآلهة في الحل، وحشوه القطعة بالحكم الفلسفية. وأشهر مآسيه ألسست وهيكوب وإيفجيني وأوليس. ثم نضبت قرائح اليونان من المأساة بعد أوربيذس فلم ينبغ فيها منهم أحد.
أما الرومان فميلهم الغريزي إلى المشاهد الوحشية الدموية كمصارعة الوحوش والثيران أزهق فيهم روح الفن الروائي، وشغلهم عن إجادة المأساة. وما نسبوه من المآسي إلى سنيكا (61 - 30ق م) ليس إلا تطبيقات مدرسية صيغت في أسلوب روائي. ثم درست معالم المأساة، وانقضى أمرها في العصور الوسطى، فلم تعد ثانية إلى الظهور إلا مع النهضة العامة في القرن السادس عشر. ظهرت في فرنسا واستمدت موضوعاتها من الأساطير
اليونانية واللاتينية، واقتبست قواعدها من الأدب القديم، حتى جاء اسكندر هاردي فاستقاها من موارد الاسبان والطليان أيضاً. وظلت المأساة على هذا النحو من التقليد والفوضى حتى أدركها كرنيي زعيم المسرح الفرنسي، وخالق المأساة الحديثة، فزاد على غرضيها الأوليين وهما الرعب والرحمة، غرضاً ثالثاً وهو الإعجاب، وحصر أسباب هذه الأغراض الثلاثة في قلب الرجل وهواه، ووصف الناس كما ينبغي أن يكونوا، وجعل الخلق الغالب على أشخاصه النبل والبطولة، وضحى بالهوى على مذهب الواجب، وأضعف أثر الحب في رواياته ماعدا (السيد). ثم أعقبه راسين فحرك الرحمة في النفوس على ضحايا الأهواء، ولا سيما ضحايا الحب والغيرة، وأرخى عقدة الرواية إيثاراً لجاذبية التصوير الخلقي على جاذبية التعقيد الروائي، وجعل للحب المحل الأول في رواياته، ووصف الرجل كما هو لا كما ينبغي أن يكون كما فعل كورنيي. ثم يأتي فولتير في حسن الأثر وعظم الفضل ثالثاً لكورنيي وراسين، ولكنه دونهما في البراعة والإجادة. فقد أنكر النقاد عليه مزجه الحكاية بالفلسفة، وقصوره عن تصوير أخلاق أشخاصه، غير انهم يذكرون له حسن صنيعه في تقويته حركة العمل الروائي، وحرصه على حفظ اللون المحلي في المسرح.
ثم جاء القرن التاسع عشر، وظهر المذهب الابتداعي فهاجم المأساة وطاردها في المسارح حتى قضى عليها، واستبدل بها المأساة العصرية أو الدرامة، ولم يبق من أنصارها المؤلفين فيها والمناضلين عنها إلا تلما المتوفي سنة 1826، وراشيل المتوفي سنة 1858، ودلافني المتوفي سنة 1868 مؤلف لويس الحادي عشر وأطفال إدوار. ثم بنسار المتوفى سنة 1867 مؤلف لُكريس، وأنبيس دموراني، وشرلوت كردي. وقد ظل هذا الكاتب حينا من الدهر زعيم المعارضة لفكتور هوجو عميد المذهب الابتداعي.
أما أمر المأساة في غير فرنسا فقد كان ساقط الشأن قليل الجداء، اللهم إلا في إنجلترا فقد ألف شكسبير جملة من المآسي الخالدة كروميو وجوليت، وعطيل، والملك لير، ومكبث، وهملت، ويوليوس قيصر، وانطوان وكليوبطرة، وكريولان. وكلها ماعدا الثلاث الأخيرة مقتبسة من التاريخ الحديث.
تحليل موجز لأشهر الماسي
نريد بتحليل ما اخترناه من المآسي الرائعة الكشف عن هيكلها العظمي ليتبين القارئ فيها
كيف يتوزع العمل في الفصول وتتدرج الجاذبية في الحادث، وتراعي الوحدة في الموضوع، وتسير الرواية على حكم ما قرأ من القواعد. وسنختار ما نحلله مما خلد على الدهر وعلق بالقلول من روائع كورنيي وراسين وفولتير وشكسبير عسى أن يكون في اختصارها له حادياً لقراءتها ودراستها.
مآسي كورني: (السيد
وقعت حوادث هذه المأساة في أشبيلية أواخر القرن الحادي عشر في ساحة من ساحات المدينة، ثم في دار كُنت جرماس، ثم في قصر الملك. وأهم أشخاصها: الدون ديبيج أبو رُدريج، والدون جوميز كنت جرماس أبو شيمين، وردريج حبيب شيمين، وشيمين خطيبة ردريج، والدون فردناند الأول ملك قشتاله، والدون سانش منافس ردريج في حب شيمين. وموضوعها زواج ردريج من شيمين، والحيلولة دونه بلطمة الكنت للدون ديبيج، وانتقام ردريج لأبيه من والد خطيبته.
ففي الفصل الأول:
بينما كانت أسرتا الأميرين (دون ديبيج) ودون جوميز على وشك الاتصال بالصاهرة أسند الملك إمارة (الانفانت) إلى الدون ديبيج، وكان الدون جوميز يرى نفسه أحق بها وأهلها. فيتمارى الأميران وهما خارجان من مجلس الملك وتتسعر بينهما نار الجدل حتى يلطم الدون جوميز صاحبه لطمة يريد أن يدفع عارها عنه بالسيف فيخونه عزمه ويظهر عليه خصمه. فليجأ إلى ولده ردريج يطلب منه أن ينتقم له. فيتردد ردريج هنيهة، ثم يقول: هما خطتا خسف لا معدى لي عن واحدة منهما: أما سمة الإهانة إلى الأبد، وإما الانتقام من أبي الحبيبة. ثم لا يلبث أن يغلب واجبه على هواه فيقبل.
الفصل الثاني:
يأبى الكنت أن يعتذر عن فعلته للدون ديبيج على الرغم من إلحاح الملك. ويدخل في أثناء ذلك ردريح فيدعوه إلى المبارزة ويقتله. ويعلم الملك فردناند بغزو العرب وقتل الكنت في وقت معاً، وينعى الناعي لشيمين أباها فترفض الزواج من ردريج القاتل وتطلب إلى الملك عقابه، ويتولى الدفاع عن ولده الدون ديبيج.
شيمين (للملك): أنا أطلب العدل.
دون ديبيج: اسمعي دفاعي.
شيمين: لقد كسر أيها الملك عضادة صولجانك، وهدم ركناً من أركانك. إنه قتل أبي.
دون ديبيج: انه انتقم لأبيه!
شيمين: إن من واجب الملك أن يحقن دماء رعيته.
فيسمع الملك لها وله، ثم يحيل الفصل في القضية إلى مجلسه.
الفصل الثالث:
وفي أثناء انتظار الحكم يدخل ردريج على شيمين يسألها أن تقتله هي بيدها، فتقف موقف الحيرة ملياً بين الحقد والحب، ثم يفوز الشرف فتصرفه من وجهها وهي مصرة على القصاص. ويلقى الدون ديبيج ولده فيهنئه بفوزه، ويمدحه على شهامته، ويرسله إلى قتال العرب وقد أوشكوا أن يفتحوا أشبيلية، عسى أن يكون بلاؤه الحسن في جهاد العدو وسيلة إلى عفو الملك وصفح شيمين.
الفصل الرابع:
يهزم ردريج العرب تحت أسوار أشبيلية ويعود مظفراً بالأسرى وقد لقبوه بالسيد - وهي كلمة السيد بالعربية محرفة - فيقص على الملك أنباء مجده ونصره، وتأبى شيمين مع ذلك إلا القصاص. فيجيها الملك ويأمر بالمبارزة القضائية، وهي أن تختار من تشاء ليبارز السيد على أن تكون زوجة الغالب، فاختارت الدون سانش.
الفصل الخامس:
يلقى السيد شيمين فيصرح لها أنه لن يدافع عن نفسه، وانه لم يجئ إلا ليودعها الوداع الأخير فتحاول صده عن عزمه، ويأبى هو إلا إنفاذه، فتقول له:(دافع عن نفسك وأنقذني من دون سانش، وإذا خرجت من المعركة فائزاً كنت لك).
فيخرج من عندها قويا بهذا الوعد وينقض على خصمه فيجرده من سيفه، ويحكم الملك عليه أن يحمل سيف السيد لشيمين، فينالها الجزع الشديد ظناً منها أنه قتل، ولكن الملك يطمئنها على حياته، ويعلنها أنها تستطيع أن تتزوجه متى كفكف من دموعها الزمن.
(هوراس
وقعت حوادثها في روما في غرفة من بيت هوارس عام 668 قبل الميلاد. وموضوعها انتصار روما على (ألب) في موقعة شعواء دامية نشبت بين بني هوراس وبني كرياس، ومغزاها إيثار محبة الوطن على محبة الأسرة، وأهم أشخاصها ملك روما، والشيخ هوراس فارس روماني، وهوراس ولده، وكرياس أحد أشراف ألب وحبيب كاميل، وفالير فارس روماني وعاشق كاميل، وسابين زوجة هوراس وأخت كرياس، وكاميل حبيبة كرياس وأخت هوارس، وجوليا نجية سابين وكاميل.
الفصل الأول:
أزف يوم المعركة الحاسمة بين الرومانيين والألبيين، فتجد سابين جالسة تشكو إلى نجيتها صرامة القدر الذي جذم الحبل بين ألب مسقط رأسها، وبين روما بلد زوجها، وتألم لحظها المنكود وهمها المتقسم. وتبثها كاميل إشارة من الآلهة، ولكنها ترى رؤيا تقلق بالها وتقلب حالها. ويقدم خطيبها كرياس فينبئها أن المعركة لن تكون، وأن قوميهما رأوا حقناً للدماء أن يقصروا المعركة على ثلاثة أبطال من كلا الفريقين، ويكون فوز الثلاثة فوزاً لقومهم.
الفصل الثاني:
يجتمع مجلس الشيوخ الروماني فيختار للمعركة أبناء هوراس الثلاثة. ويقبل كرياس خطيب كاميل فيهنئ صهره بما أحرز من ثقة وشرف. ويأتيه النبأ بعد قليل بان مدينة ألب اختارت عنها أبناء كرياس الثلاثة. يتأهب الأبطال للذهاب إلى المعركة، ولكن خطيب كاميل يكره أن يقاتل إخوة حبيبته، بينما زوج سابين لا يرى في أصهاره إلا أعداء لروما وأخصاماً للوطن. وتجهد كاميل وسابين في تخذيل الأبطال عن القتال، ولكن الشيخ هوراس يقبل فيشجعهم على الحرب ويبعث بهم إلى الميدان.
الفصل الثالث:
تدخل جوليا فتنبئ سابين وكاميل بأن الأقران برز بعضهم لبعض، وأن الجيشين أدركتهما الشفقة فعارضا في تقاتل الاخوة، وطلبا إما المعركة بين الجيشين، وإما الاختيار من غير هاتين الأسرتين. ولكن الشيخ هوراس يقبل وعلى لسانه الخبر المشئوم بأن الملك استشار
الآلهة في هذا الاختيار فأقروه، وأن المبارزة بين الاخوة قد بدأت. وتطالع جوليا القتال عن بعد فترى اثنين من بني هوراس يسقطان مجندلين، والثالث يلوذ بالفرار، فتبادر القوم بإعلان هزيمة روما. ويتحدم الشيخ هوراس حنقاً وغضباً من جبن ولده. فتقول جوليا: وماذا يصنع واحد أمام ثلاثة؟ فيجيبها الأب في شدة وحدة: يموت! ثم يقسم الشيخ جهد اليمين ليغسلن عار الرومان بدم هذا الابن الجبان.
الفصل الرابع:
ولكن فالير وقد شهد نهاية المعركة يعود ويقول: استغفروا الآلهة فقد ظلمتم بطل روما! انه لما بقى وحده أمام بني كورياس الثلاثة، وهم مجروحون وهو سليم، رأى أنه أضعف منهم مجتمعين، وأقوى عليهم منفردين، فعمد إلى الخديعة وأوهمهم أنه يفر فطلبوه. حتى إذا انفرد كل عن الآخر كر عليهم واحداً بعد واحد فقتلهم، وبذلك انكسرت ألب! فتنساغ غصة الشيخ، ولكن كاميل تجزع على حبيبها جزعاً شديداً يفقدها الرشد فتنحى باللعنة والسخط على أخيها ووطنها. ويدخل حينئذ أخوها المنتصر فيسمعها، فينزو في رأسه الغضب. فيلطخ انتصاره بدم أخته.
الفصل الخامس:
يجعل هوراس حياته في يد أبيه تكفيراً عن الجريمة التي ارتكبها، ويجئ الملك مهنئاً هوراس بفوزه. فيتقدم إليه فالير متهماً الأخ بالقتل طالباً موته، ويستسلم القاتل لعدل الملك. ولكن الشيخ هوراس يتولى الدفاع عن أبنه فيقول:(معشر الرومانيين!! أترضون أن تقتلوا رجلا لولاه ما كانت روما اليوم؟ قل لنا يا فالير وأنت تريد قتل هوراس: في أي مكان يقتل؟ أبين هذه الجدران، ولا تزال آلاف الأصوات ترن في جنباتها بأعماله العظيمة؟ أم في وسط هذه الساحات ودماء بني كرياس لا تزال تدخن فيها؟ أم بين قبورهم الثلاثة في ميدان الوغى وكلها شواهد على شرف روما وشهامة هوراس؟. . . .) ثم تكون نتيجة هذا الدفاع البليغ البراءة.
ومما أخذه النقاد على كورنيي في هذه القطعة الخالدة أنه لم يراع وحدة العمل. فجعل فيها عملين مختلفين، الأول حرب روما مع ألب، وينتهي بالمنظر الثاني من الفصل الرابع.
والثاني قتل كاميل ومحاكمة هوراس وينتهي بالرواية.
يتبع
(الزيات)
شخصية ابن خلدون في كتاب الأستاذ محمد عبد الله
عنان
للأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي
هيأت لي فرصة حسنة قراءة كتاب الأستاذ عنان الأخير عن ابن خلدون وتصفح مقالات بعض كتابنا المصريين في التعليق عليه، وبخاصة مقال الدكتور هيكل والأستاذ العقاد. وقد لفت نظري في مقال هذا الأخير ملاحظة تتضمن أن عنانا لم يتناول شخصية ابن خلدون في كتابه! ولعل الذين درسوا الكتاب يذكرون أن كل فصل من فصوله حوى مادة غريزة عن هذه الشخصية، وإن لم تجمع هذه المادة في فصل مستقل.
فلقد أفاض المؤلف كثيراً في ذكر صفات ابن خلدون الخلقية والعقلية أي في العناصر المهمة التي تقوم عليها كل شخصية. ولعل كتابه وعى من هذه الصفات أكثر مما وعى عن تراثه الفكري الذي لازال الكثير منه مبثوثا في طي مجهول.
أبرز الأستاذ عنان صورة تقارب الحقيقة من صفات ابن خلدون المنيرة والمظلمة أبرزها كما هي بين النور والظلمة، كما يفعل النابهون في كتابة التراجم. ووقف من شخصيته موقفاً نزيهاً.
فلم يقف منه موقف المحامي الذي يدافع عن الحقيقة حيناً، ويستخدم فصاحته في الظفر أحياناً، بل وقف موقف القاضي النزيه الفطن الذي لا هم له إلا الوصول إلى الحقيقة، والحقيقة دون سواها. وهذا هو موقف المؤرخ العلمي.
فها نحن أولاء نراه لا يقطع برأي في خلال ابن خلدون حتى يرجع إلى الثقات الأذكياء من المؤرخين، ويتخذ مقاييسه في الحكم من أعماله وتصرفاته. ونراه أيضاً يربأ بضميره أن يطاوع بعض الكتاب في الزراية بابن خلدون ونسبة القبيح إليه، لئلا يكونوا قد اندفعوا في هذا السبيل جريا وراء الانفعال الأعمى أو العاطفة الهوجاء. وبخاصة إذا علمنا أن لابن خلدون اعداء حداداً أسرفوا في ذمه، وتدفقت أقلامهم في الطعن عليه غيره منه وحقداً.
وقد حفل الكتاب بذكر صفات ابن خلدون الخلقية والعقلية إلا أنه مَرَّ مَرَّ الكرام على صفاته الجثمانية ومظهره الخارجي. فقد نقل إلينا المؤلف عن السخاوي أن ابن خلدون كان فصيحاً مفوهاً جميل الصورة، ونقل عن ابن حجر أنه كان يتمسك بزيه المغربي، ولم نعثر في
الكتاب على شيء من ملامح وجهه وسمات جسمه، ولا أعلم ما إذا كانت هناك مادة في هذه الناحية تعمد المؤلف إغفالها لأن بحثها ليس من عمله، بل من عمل الفنان والأديب، أو أنه لم يجد هذه المادة في كتب القدماء كما هي مع الأسف عادتهم في إغفال صفات الجسم، ولعل هذا هو الأرجح.
ومن حسن الحظ أن المؤلف أمدنا بمادة وافرة عن خلال ابن خلدون وخلقه، فنقل إلينا طائفة من أقوال الكتاب الأذكياء أمثال المقريزي والسخاوي وابن تغري بردى، والجمال البشبيشي، والعنتابي، وابن الخطيب، وابن حجر. فذكر أن المقريزي وكان تلميذاً له وسمه بسمات حميدة وذكره بالخير، ولسان الدين بن الخطيب، وكان من معاصريه، نعته بحسن الخلق والطموح وعلو الهمة، وأبو المحاسن بن تغري بردى أشاد بمقدرته ونزاهته في ولاية القضاء بقوله:(إنه باشر القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحمدت سيرته) وأبو المحاسن من ثقات المؤرخين المصريين.
إلى جانب هذه الصورة النبيلة لابن خلدون نجد أقلاما ضئيلة مسمومة تشوه صورته وتبهت عليه، وتزري بخلقه، وترميه بالتهمة المؤذية الجارحة. فالعنتابي مثلاً ذكر أن ابن خلدون كان يتهم بأمور قبيحة (ص94) - والجمال البشبيشي اجترأ بقوله إن ابن خلدون كان في أعوامه الأخيرة يشغف بسماع المطربات ومباشرة الأحداث، وأنه تزوج امرأة لها أخ أمرد ينسب للتخليط! (ص94).
جمع الأستاذ عنان هذه الأقوال وعلق عليها بقوله: (إنها أقوال تنم عن خصومة مضطرمة، ومبالغة في الانتقاص تنحدر إلى معترك السباب والقذف) وقد يكون الأستاذ محقاً في هذا التعليق لأن نسبة أمثال هذه التهم إلى هذا العبقري بلا سند، مما لا يقبله الضمير النزيه، وقد تكون هذه التهم أراجيف أذاعها الكاشحون عن قصد وتعمد ولا ظل للحقيقة فيها، فليس على الأستاذ المؤلف من غبار إذا حكم حكمه الحاسم، واحتقر هذه التهم كي لا يجري الوهم إلى تصديقها، وتصير في الأذهان اعتقاداً وهي مجرد إرجاف ومراء.
ومع هذا فقد أورد المؤلف كثيراً من صفات ابن خلدون غير المحمودة، واعتمد في إيرادها على أقوال ابن خلدون نفسه وأعماله، فلقد نعى عليه خلتين: أولاهما تلونه ووصوليته، وثانيتهما كبرياؤه وصلفه. أبرز هاتين الخلتين إبرازاً جلياً، فانه ليقول في القسم الأول من
كتابه أن ابن خلدون كان من عباد الحوادث، وكان ينتهز الفرص ويسعى لها بأي الوسائل (ص 28) مهما نافت الوفاء والولاء والعرفان (ص 48) وجلا هذه الخلة في مكان آخر من الكتاب قال:(وكان ابن خلدون يصدر في خططه وأعماله عن احتقار عميق للعاطفة والأخلاق المرعية، وكان يسيره مثل ذلك الروح القوي الذي أعجب به مكيافللي فيما بعد.) وأشار في كثير من المواضع إلى خلته الثانية من خلاله البارزة وهي خلة الكبرياء، وهذه الخلة قد تدل على عزة النفس وعظمتها فتكون خلة محمودة، وقد تكون متغالية فتصير كريهة مذمومة، ولقد أيد المؤلف تخلق ابن خلدون بها في بعض الأوقات وأنها كانت سبباً من الأسباب التي جعلت كثيراً من المصريين يناصبون الرجل العداء.
ومن دلائل هذه الخلة ما يقوله البشبيشي من أن ابن خلدون كان يكثر الازدراء بالناس (ص 95) وما يقوله ابن حجر في كتابه رفع الأصر من أن ابن خلدون كان معروفاً بخلق الكبر والازدراء بمقام غيره، وروي أن القضاة دخلوا للسلام عليه حين تولى منصب القضاء فلم يقم لأحد منهم، واعتذر لمن عاتبه على ذلك.
وأورد المؤلف غير هاتين الخلتين البارزتين خلالاً أخرى عول في إيرادها على طائفة من الكتاب أثنت على ابن خلدون وأخذت عليه بعض المآخذ، فمن هؤلاء نذكر ابن تغري بردي وما قاله في المنهل الصافي من أن ابن خلدون كان محباً للمنصب، وما قاله ابن الخطيب الذي وسمه بالفضائل الجمة يأخذ عليه الخفة فيقول:(إنه كان بعيداً عن التأني)، وعلل تحامل رجال الدولة عليه إلى هذه الخلة. وابن حجر نقم عليه سوء الأدب أيام كان قاضياً فقال:(كان فظاً جافي الطبع، وكان يعزر الخصوم بالصفع).
ولم يقتصر المؤلف في سوق هذه الحقائق على أقوال الكتاب السالفين، ولكنه اعتمد في ذكرها على أقوال ابن خلدون نفسه في كتاب - التعريف - وهذا الكتاب هو ترجمة ابن خلدون لنفسه. وهذا التعريف الذي يتركه لنا ابن خلدون عن نفسه وحوادث حياته قطعة فريدة في الأدب العربي، فهو صورة حقيقية ممتعة لتلك الشخصية الممتازة الجريئة، رسمت في كثير من الحرية والصراحة، حتى إنها لتفصح في كثير من المواطن عن خلال صاحبها، وليست هذه الخلال دائماً مما يحمد أو مما تقر الأخلاق الفاضلة، فهناك الكبرياء والزهو والأثرة، وهنالك الطمع وحب التقلب وشغف الدس، وانتهاز الفرص بأي الوسائل،
ثم هنالك الجحود ونكران الصنيعة، هذه الخلال كلها أو بعضها نلمحها من آن لآخر ماثلة في أعمال المؤرخ ومواقفه حسبما يقصها علينا بنفسه (ص 140).
وبعد هذا الدرس الطويل الحر لخلق ابن خلدون كشف الأستاذ عنان في الجزء الثاني من كتابه ركناً من أركان شخصية ابن خلدون المضيئة، وهذا الجزء يلقي ضوءاً قوياً على عبقرية ابن خلدون، تلك العبقرية التي صيرته موضع إجلال السلاطين والملوك وذوي النفوذ والجاه، فهاهم سلاطين المغرب والأندلس يخطبون وده، وهاهم بنو عريف يكرمون مثواه وينزلونه ضيفاً عزيزاً مع أسرته بأحد قصورهم أربع سنين، وها هو شعاع العبقرية يسبقه إلى مصر المتحضرة، فيلقاه أهلها بالحفاوة والتعظيم، ويولونه الدرس في الأزهر النابه في ذاك الحين، ثم يتولى بعد ذلك قضاء المالكية عدة مرات، وهاهم الكتاب يجمعون على قوة عقله وحدة ذكائه وعلو تفكيره، حتى أنصفه الحاقدون عليه، فجمال الدين البشبيشي وهو من ألد خصومه اعترف له بالفصاحة والتفوه، وابن حجر الذي زرى عليه خلقه، يظهرنا على ناحية من نواحي عقله يقول:(كان لسناً فصيحاً حسن الترسل وسط النظم، وكان جيد النقد للشعر، وإن لم يكن بارعاً فيه)(ص93).
ولقد كشف لنا الأستاذ عنان عن عبقرية هذا الرجل الفذ وعن شاعريته أيضاً، وأتى بقليل من قصائده، وأبان أن هذه القصائد كان يطبعها طابع المرح الصوفي، وهذه الأبيات تجري بين دفتي الكتاب كالنهر العذب في الأرض المثمرة، ولقد أضاف المؤلف في القسم الثاني من كتابه أراء كتاب الإفرنج في عبقرية ابن خلدون وتراثه الفكري فذكر ما قاله جمبلوفتش من أن ابن خلدون درس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن، وأنه أتى في هذا الموضوع بآراء عميقة (ص152) وذكر أيضاً ما قاله فون كريمر من أن ابن خلدون نثر بيدين نديتين ثمرات تأملاته الناضجة عن سير التاريخ البشري.
وأظن بعد هذا البيان يمكن للقارئ أن يخرج بصورة صحيحة عن شخصية ابن خلدون، صورة لا تشيع فيها ولا تحيز، ظهرت فيها الظلال كما ظهرت فيها الأنوار. وهذا المنحى الذي نحاه الأستاذ عنان في درس هذه الشخصية جدير بالتفات كتابنا المصريين المغرمين بتراجم العظماء، ولعل الذين وقع في وهمهم أن كتاب عنان لم يتناول شخصيته، يصححون رأيهم بعد هذا البيان الموجز.
وأحب قبل أن أختم هذه الكلمة أن أدعو القراء إلى قراءة هذا الكتاب القيم ليتذوقوا فيه حرية البحث ونزاهة الحكم، ودقة الأسلوب وثباته وإيجازه ورزانته.
وأسمح لنفسي بعد هذا أن أهنئ الأستاذ المؤلف على كتابه، فلقد أعجبت به وبخاصة بالفصل الذي عقده عن (ابن خلدون والتفكير المصري) الذي أبان لنا فيه خلق ابن خلدون وأوقفنا على تفكير المؤرخين المصريين في القرن التاسع الهجري. وأعجبت كذلك بالفصل الذي عقده عن (ابن خلدون والنقد الحديث لأعلام الغرب). والذي كشف به عن تفكير ابن خلدون الدقيق الذكي.
وأرجو الله أن يزيد المؤلف قوة ليتم ما أخذ به نفسه من التنقيب عن التاريخ الإسلامي، وحياة أعلام مصر النابهين.
(ميت غمر)
مصطفى عبد اللطيف السحرتي المحامي
2 - مشهد ومكة
للأستاذ أمين الخولي
المدرس بكلية الآداب بالجامعة المصرية
أصبح من الواجب أن أعود إلى الحديث عن مشهد ومكة، إذ عاد الأخ الأستاذ عبد الوهاب عزام إلى الموضوع، ففتح أبواباً كثيرة للكلام، وإنها لحقيقة من حقها علينا أن تنجلي وتتكشف.
ويأذن لي القارئ أن أرسل أول الأمر تحية خالصة إلى الأخ في حله ورحيله، ودعوات صالحة بأن يوفقه الله دائماً، وسلاماً إليه. . . ثم سلاماً على عبارات مهتاجة وردت في كلمته التي رد بها كل ما في الأمر: 1 - أن الأستاذ قال ما لفظه: (وأفظع من هذا - أي الخطأ كله؛ قوله - الرحالة - عن إخواننا شيعة إيران أنهم يفضلون مشهدا على مكة). فقلت له: (لا خطأ ولا فظاعة، لأن فلاناً العالم الشيعي قال في كتاب كذا صفحة كذا نقلاً عن كتاب البحار الذي يعد من أمهات كتب الشيعة: (إن كربلاء أفضل من مكة، فلا خطأ). قضايا محدودة، قصيرة، وجيزة، واضحة، متقابلة الأطراف؛ لا أجد فيها محلاً للمخالفة. . . وليس يقال مع هذا التحديد إني مجازف في الاستشهاد بكتب الشيعة قبل الاطلاع عليها، لأني قرأت بلا شك ما نقلت، وقلت بقدر ما قرأت وفهمت. قرأت في كتاب شيعي عن كتاب شيعي من أكبر إن لم يكن أكبر ما يرجع إليه في بيان عقائد الشيعة ومذاهبهم، كتاب عن كتاب، فهناك على الأقل جمع منطقي أيسره اثنان. . . . ثم ماذا قرأت؟ قرأت أخباراً تنعتها كتب الشيعة بأنها متواترة أي رواية جمع عن جمع، كما تنعتها بالكثرة، ويدل مرجعي على مكانها من أجزاء الكتاب الكبير الذي يعزو إليه. . . فدليلي واف بدعواي؛ وليس من الموضوع في شئ أني فرحت بالكتاب أو لم أفرح؛ وليس يجب في شئ أن يكون لي بالشيخ مؤلف الكتاب صداقة قوية أو صلة شخصية.
2 -
مع هذا كله يقول الأستاذ عزام في رده علي: (فقد ادعى أن كتب الشيعة تقرر هذا التفضيل، ثم لم يرجع إلى كتب الشيعة؛ ولم يتحر أقوال أئمتهم، ولكنه اكتفى برواية في كتاب فرد لمؤلف. . . الخ) فهل لم أرجع إلى كتب الشيعة!!. وهل اكتفيت برواية في كتاب؟! وهل هو كتاب فرد؟!. على أن الأستاذ بعد هذا بقيراط من الورق ذكر (كتب
الشيعة) وما فيها مرتين، فتتوقع من صاحب الملاحظة السابقة أن يحتج من (كتب الشيعة) بأقل الجمع ولو عند المناطقة وهو اثنان، ولكنك لا تراه يذكر إلا كتاباً فرداً هو (وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة) على حين يكرر الحديث عن قراءاته وخلاصة قراءاته في كتب الثقات، ويتحدث عن قراءاته في كتب الثقات وهو ذاكر أني اكتفيت بكتاب فرد، وأنه لا يرى ذلك، فكيف يجئ هذا؟!.
3 -
لما أراد الأخ الأستاذ نقد خبر الرحالة (تفضيل الشيعة مشهداً على مكة) استنتج استنتجاً وقال: (وكيف يعقل أن أمة مسلمة. . . الخ) فسلمت له اختصاراً واقتصاراً أن هذا غير معقول، وقلت عرضاً إن مالا يعقل قد يعتقد، وان العقل ومنطقه شئ، والاعتقاد وسلطانه شئ آخر. فقال أعزه الله: إن هذه فلسفة لم يتهيأ هو لفهمها. فيسمح لي إذن أن أقول في غير فلسفة:
أ - إن من المعقول أن يكون الحج إلى مكة فرضاً وأن تفضل الشيعة مع ذلك مشهداً على مكة! فالأخ يعرف أن الوقوف بعرفة ركن في فريضة الحج، ويعرف أن زيارة الرسول عليه السلام ليست ركناً في تلك الفريضة ولا واجباً؛ ويعرف في الوقت نفسه أن المسلمين جميعاً يفضلون زيارة الرسول عليه السلام ويتطوعون بهذه الزيارة في غير موسم الحج من أيام السنة؛ ويشدون الرحال لها، ويتمنون المجاورة بالمدينة المنورة، ويؤثرون الموت فيها. ولا أعرف واحداً منهم جاور بعرفة أو حرص على زيارتها. فتفضيل مشهد على مكة يتفق تعقله مع كون الحج إلى مكة فرضاً. هذا هو القدر المعقول في المقام، والذي يتصل بفرضية الحج إلى مكة وتفضيل مشهد عليها.
ب - لكن الأستاذ عزاما لا يقول هكذا، بل يقول:(وكيف يعقل أن أمة مسلمة شديدة الغيرة على دينها تعتقد أن الحج إلى مكة فرض، وقاعدة من قواعد الإسلام، كيف يعقل أن هذه الأمة ترى زيارة مشهد أفضل من الحج إلى مكة). ولنا هنا مواقف: إن الرحالة ناقل يخبر، ولا يرد الخبر بهذا الاستنتاج العقلي؛ فأثم التناقض على المفضلين لا على المخبر. ولا يقال لناقل الخبر إنك خاطئ، بل يقال إنه كاذب أو غافل أو غير متحر أو ما إلى ذلك. على أنا لو جاوزنا هذا نرى التناقض المعقود غير ما نحن فيه. فخبر الرحالة أو دعواه - ان شئنا - أن الشيعة تفضل مشهداً على مكة؛ وكذلك تقول عبارة الأستاذ عزام في نقده،
وتفضيل مشهد على مكة تفضيل زيارة مشهد على الحج إلى مكة، كما لم يلزم من تفضيل مسجد الرسول عليه السلام على عرفات تفضيل زيارته على الوقوف بعرفة؛ ولن ننسى أن الرحالة - في نقل الأستاذ عزام - يخبر بتفضيلهم مشهداً - لا زيارتها - على مكة - لا على الحج إليها -.
ج - والعجب أن الأخ الأستاذ يقحمني أيضاً في مسألة الزيارة والحج ويضع في رده خطاً تحت قوله (زيارة مشهد أفضل من الحج) وكأني كنت فيما كتبت مشتغلاً بنقد استنتاجه لا بتصحيح خبر الرحالة من كتاب شيعي غير عامي؛ والأستاذ بذلك يقول عني إني أدعي (على بعض المسلمين أنهم يفضلون زيارة كربلاء على الحج وهو قاعدة من قواعد الإسلام) وأنه فاتني التثبت في ذلك الادعاء. . الخ. ومن الفكه أن لفظتي (حج) و (زيارة) لم تردا في كلمتي مطلقاً، بل لم تقعا كذلك فيما استشهدت به من كلام العالم الشيعي المحدث مطلقا؛ ولم تردا إلا في الفقرة المنقودة التي نقلتها من كلام الأخ عزام، فكيف حملني عبء هذا الادعاء؟ لا أدري! ولعله هو يدري.
وأخيراً، نقل الحالة ثابت تفضيل الشيعة مشهداً مكة متفق مع ما ينقله عالم شيعي عن عالم شيعي ويعد انه متواتراً، وليس يتنافى هذا التفضيل مع فرضية الحج إلى مكة، وليس يلزم من هذا التفضيل زيارة مشهد على الحج المفروض، وهذا التفضيل لمشهد على مكة شئ آخر مغاير لتفضيل زيارة مشهد على الحج إلى مكة؛ وأسأل الله لي ولأخي الثبات والتثبت دائماً.
أمين الخولي
في تاريخ الأدب المصري
أيدمر المحيوي
تتمة للأستاذ أحمد أحمد بدوي
أما الوصف في شعر شاعرنا فهو وإن كان غير مقصود له بالذات يحدثنا كذلك عن بعض نواحي الحياة المصرية، وبعض الجمال فيها، يحدثك عن الطبيعة المصرية في زمن الربيع، فيصفها وصفا دقيقا، ويحدثك عن الاحتفال بوفاء النيل، فيصفه كأنك تراه، ويصف لك الأبنية التي بناها الملك الصالح فيجعلك تشعر بالعظمة والأبهة اللتين تمتعت بهما تلك الأبنية. ويصف لك الجيش المصري فتحس بالمجد المصري والقوة المصرية والشجاعة المصرية التي لا تنثني عن قصد ولا تهزم أمام حصن مهما كان عظيما. قال يصف الجيش المصري الذي فتح دمشق:
جيشا تغص به الأرض الفضاء كما
…
تراكم الغيم يوم الدجن ذا زجل
من الكماة التي تطوى ضلوعهم
…
على العزيمة والاقدام، لا الفشل
من كل أمضى من الهندي في يده
…
عزما، وأنفذ إقداما من الأسل
يكون أثبت يوم الروع من جبل
…
راس، وأجول في الصفين من مثل
ولننصت إليه حين يصف لنا الاحتفال بوفاء النيل، وكأنه يصف لنا الاحتفال الذي لا نزال نراه بأعيننا في كل عام، قال:
يوم تجلى الدهر منه بزينة
…
لما غدا المقياس وهو مخلق
هو ثالث العيدين إلا أنه
…
للهو، ليس على العبادة يطلق
جمعت لمشهده خلائق غادرت
…
فيه رحيب البر، وهو مضيق
وعلى عباب البحر من سباحه
…
أمم يغص بها الفضاء، ويشرق
كادت تبين لهم على صفحاته
…
طرق، ولكن يفتقون ويرتق
ثم مضى يصف الأنوار، ويصف المليك تحف به حاشيته إلى آخر ما وصف به ذلك اليوم، فإذا أنت ذهبت تستمع إليه، وهو يحدثك حديث إبداع عن طبيعة مصر في الربيع سمعته يقول:
الروض مقتبل الشبيبة مونق
…
خضل يكاد غضارة يتدفق
نثر الندى فيه لآلئ عقده
…
فالزهر منه متوج، ومنطق
وارتاع من مر النسيم به ضحا
…
فغدت كمائم زهره تتفتق
وسرى شعاع الشمس فيه، فالتقى
…
منها ومنه سنا شموس تشرق
والغصن مياس القوام كأنه
…
نشوان يصبح بالنعيم ويغبق
والطير ينطق معربا عن شجوه
…
فيكاد يفهم عنه ذاك المنطق
غردا يغني للغصون فينثني
…
طربا جيوب الظل منه تشقق
والنهر لما راح وهو مسلسل
…
لا يستطيع الرقص ظل يصفق
فتمل أيام الربيع، فإنها=ريحانة الزمن التي تستنشق
فهو قد رسم لك بشعره ذلك صورة جميلة للرياض والزهر المتفتح الذي ارتاع من مر النسيم في الضحا فتفتحت أكمامه، وقد كان الندى عليه كحبات العقد فأضحى عليها كالتاج أو النطاق، ثم هذه الغصون المياسة كأنها سكرى والطير يغني على تلك الغصون فتهتز لهذا الغناء طربا، والنهر يصفق فرحا، والشمس تلقى أشعتها على هذا الجمال كله، فيبدو للمرء منظره وأبدع ما في الطبيعة من مناظر الجمال.
4
لشاعرنا المحيوي موشحات عارض بها سواه، وهي تعد بحق من أجمل الموشحات وأبدعها، وأنت تحس في بعض موشحاته بآثار الصنعة اللفظية ظاهرة جلية، وهو حين يعارض سواه في موشحاته يضمن موشحه أول بيت من الموشح الذي عارضه، ولذلك يضطره الحال إلى أن يدع المدح وينتقل منه إلى الغزل على عكس السنة المعروفة لدى الشعراء.
ولقد كان شاعرنا فخوراً بشعره الفخر كله، مملوءا به تيهاً، يعتقد أن شعره يفوق شعر غيره ويسمو عليه حتى قال:
إن القري - وإن تكاثرساكنو
…
أفيائه - للعبد فيه الأوحد
وكان أحياناً لا ينشد الممدح قصيدته إلا بعد أن ينشده سواه ليتمكن الممدوح من أن يرى الفرق بين شعره وشعر غيره، غير أنه في بعض الأحيان كان لا يجد مركزه وما يواتيه به الدهر متناسبا مع جودة شعره وبلاغة قوله فيشكو ويلح في الشكوى، ويتألم أشد الألم، ولقد كان شعره فضلا عن عذوبته التي تحس بها جاريا على قوانين النحو والصرف إذا استثنينا
بعض أخطاء لا تكاد تذكر، غير أنه قد أخطأ حقا حين قال يهنئ بالعيد:
لا أهنئ مولاي بالعيد إلا
…
خوف تعطيل سنة تعتاد
فمن الجهل أن يهنأ بعيد
…
من به الدهر كله أعياد
فمع صحة المعنى لا نشك مطلقا أنه ليس من أدب الخطاب أن يقال لأحد لا أهنيك بالعيد في مفتتح الكلام، ولكن شاعرنا لم يعن إلا بالمعنى وصحته بدون نظر إلى جمال الافتتاح وهو ليس أول من هفا تلك الهفوة بل سبقه بها سواه من الشعراء والشعراء المبرزين.
نظم شاعرنا قصيدة طويلة سماها الوسيلة المشفعة في مناقب الخلفاء الأربعة، وهي قصيدة طويلة تبلغ تسعة وسبعين ومائة بيت، عدد فيها مآثر الخلفاء وذكر فضائلهم، وبدأها برأيه فيهم كلهم وهو:
كل من الخلفاء غير محلأ
…
عن مورد الشرف الذي لايورد
ولهم سوابق أنزلت كل امرىء
…
حيث اقتضاه له التقي والسؤدد
وأقر بعضهم لبعض بالذي
…
يسمو به من فضله ويمجد
فمضوا، ولم يتدافعوا حسناتهم
…
كل لصاحبه يقر ويشهد
ثم مضى يعدد فضائل كل مبتدئا بأبي بكر، ذاكرا مآثره في الإسلام: فهو أول من آمن بالنبي، ولما مرض النبي أنابه عنه في الصلاة، فكان ذلك من النبي تقليدا له بالخلافة، ولذا كان أولى الناس بها، ولقد جمع أبو بكر أمر المسلمين بعد أن كادوا يتفرقون يوم السقيفة، وحارب أهل الردة حربا موفقا أعاد للإسلام بهجته، ثم حارب الروم والفرس، وكانت خاتمة حسناته أنه ولي الأمر عمر من بعده، وعمر هذا طالما نزل القرآن موافقا لرأيه وما بدا له، كما أن النبي كان يطلب من الله أن يعز الإسلام بدخوله فيه، حتى إذا دخل فرح المسلمون، وجهروا بدينهم بعد أن كانوا يخفونه، لما كان له من المكان له من المكان العظيم بين قومه وعشيرته، حتى إذا ولي أمر المسلمين بعد أبي بكر سهر على الرعية ومصالحها بعين لاتغفل، ففتحت الدنيا في عهده، ودرت الخير الوفير على المسلمين، فإذا أنهى عمر وتحدث عن عثمان ذكر له إعانته للمسلمين، بماله، وصومه وصلاته، وزواجه من بنتي النبي وفضله يوم جيش العسرة، ويوم بيعة الرضوان، ثم رد على من ينتقصه بقوله:
نطق الكتاب بفضله فمن الذي
…
يرتاب فيه جهالة أو يجحد
إلا كفور للهدى متنكب
…
أو جاهل في غيه متردد
ولكبر ما نقموا عليه ضلة
…
قربى تبر، وهفوة تتعمد
ثم انتهى إلى علي فحدثنا عن قربه من النبي، وتربية النبي له، وزواجه من ابنته، وإسلامه صبيا فلم يدنس الكفر نفسه، ولم يسجد لصنم طوال حياته، ثم وصف عدله، وعلمه، وتواضعه، وعبادته وورعه وزهده وشجاعته وبلاغته، وكل هذا الحديث عن الخلفاء الراشدين ينطق أن شاعرنا سني يفضل الخلفاء كلهم لا شيعي يقدم علياً على سواه بل هو يرتبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، غير أنه مما يلاحظ أنه أثنى على أبي بكر وعمر بأعمالهما بعد الخلافة ثناءً مستفيضاً، حتى إذا جاء إلى علي وعثمان أثنى عليهما بفضائلهما الشخصية أكثر مما أثنى عليهما بأعمالهما بعد الخلافة، ربما يكون منشأ ذلك أن أبا بكر وعمر كانت أعمالهما بعد الخلافة في تثبيت دعائم الإسلام ونشر دعوته أكثر من زميليهما، ومن أجل هذا كان الثناء المستفيض.
قبل أن نختم حديثنا عن صاحبنا المحيوي نريد أن نشير إلى أنه كان ناثرا مثلما كان شاعرا، غير أن نثره لم أعثر عليه، ولعلي أوفق يوما ما إلى الاطلاع عليه ودراسته، ولقد ألف كذلك كتابا أهداه إلى ولي نعمته محي الدين محمد بن سعيد لا نعلم اسمه وإن كنا نستطيع أن نفهم موضوعه حين نقرأ قوله واصفا إياه.
العبد أيدمر تطلب تحفة
…
تكسي القبول لسيد الأصحاب
فرأى أجل هدية تهدى له
…
ذوب النهى، ونتائج الألباب
فأجال في روض القرائح فكره
…
ثم انتقى منه لباب لباب:
من طيب نادرة، ولطف فكاهة
…
وبديع بادرة، وحسن خطاب
وسوائر الأمثال قد وشحتها
…
فيه بمعجز سنة وكتاب
والجد موصولاً بهزل ينشط ال
…
قارئ، ويطرب أيما إطراب
ونوادر الحكماء والبلغاء، وال
…
خطباء، والشعراء، والكتاب
وجمعت فيه إلى سلامة رقة ال
…
حضر اللطيف جزالة الأعراب
فأتاك كالحسناء قد لبست على الإ
…
ثراء ثوب نضارة وشباب
والروضة الغناء أهدت نشرها
…
ريح الشمال ضحى غداة سحاب
فهو مجموعة فيها النوادر والفكاهات، وفيها الأمثال والحكم، وفيها طرف من نثر الخطباء والكتاب، وبعض من شعر الشعراء، فأنت تنتقل فيه من جد إلى هزل ومن هزل إلى جد، فتطرب ولا تسأم القراءة، وتلك طريقة معروفة لدى مؤلفي اللغة العربية فهم من قديم قد استنوا تلك السنة وساروا عليها في مؤلفاتهم.
6
لم نهتد إلى تعيين عام وفاته كما ضن علينا التاريخ بمعرفة عام ولادته، غير أنه مما يروى عنه أنه كان لطيف المحضر فاضلا مهذبا، أحضر ديوان شعره إلى ابن العديم وكان قد حضر رسولا عن السلطان الملك الناصر فتصفحه وأعجبه، وكتب على الديوان:
وكنت أظن الترك تختص أعين
…
لهم إن رنت بالسحر فيها وأجفان
إلى أن أتاني من بديع قريضهم
…
قواف هي السحر الحلال وديوان
فأيقنت أن السحر أجمعه لهم
…
يقر لهم هاروت فيه وسحبان
وعسى أن يواتينا الزمن يوما بكل شعره ونثره، وتاريخ حياته مفصلا فندرسه دراسة مستفيضة تليق ببلاغته.
أحمد أحمد بدوي المدرس المنتدب بثانوية نابلس
من طرائف الشعر
بين الليل والصبح
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
انظر إلى الكواكبِ
…
يسبحن في الغياهبِ
من ذاهب في شوطه
…
ولاحقٍ بالذاهب
إلى الطوالع الوضا
…
ء الزُهر والغوارب
إلى الجمال آخذاً
…
إلى الشعاع السائب
والليل ساجٍ قد خلا
…
من العَصوف الصاخب
يعبرن عُرضَ بحره
…
من جانبٍ لجانب
غَرقى إلى الجيد، إلى
…
الثدى، إلى الترائب
أرسلن شَعراً من أش
…
عةٍ على المناكب
وقد خللن ما على الر
…
ؤُوس من عصائب
ما إن رأت عين امرئ
…
أبهى من الكواكب
يلمعن مثل الماس أو
…
كَوَمضة الحُباحب
يمشين أسراباً كأتر_ابٍ من الكواعب
يذهبن من مشارق ال
…
أرض إلى المغارب
والليلُ ضاربٌ روا
…
قه على الجوانب
كلّ الجمال في النجو
…
م اللُمّع الثواقب
العاريات للخلا
…
عات من الجلابب
الغامزات بالعيو
…
ن النُجل والحواجب
ما إن لهن غير نش
…
ر النور من مآرب
يضحكن من شيبي
…
ومن آماليَ الكواذب
أشدو بما لهنَّ من
…
حسنٍ ومن مناقب
كأنهن الحور يُط
…
لِلْنَ من المَراقب
أمن بنات الليل هُنّ
…
أم من الربائب؟
أم من طيور الخُلد ير
…
ففنَ على المشارب
عصائب يقعنَ أس
…
رابا على عصائب
والماء في المَجَرَّة ال
…
بيضاء غير ناضب
وربما اختلفن في ال
…
ميول والمذاهب
خاطبتهن لو سمع
…
نَ القولَ من مُخاطِب
يا لهفتي على ضيا
…
ع للشهاب الثاقب
قد خر من عين الدجى
…
ليلا كدمعٍ ساكب
وخيم الليل ونا
…
م القطبُ في المضارب
ماذا الذي قد خلّف ال
…
قطبَ عن الصواحب
ما أجهل الليل، وقد
…
خيّم، بالعواقب
فليس يدري ما يلا
…
قيه من المصائب
لقد رماه الفجر في الص
…
در بسهم صائب
وكان لمّا ناله
…
بالسهم غير كاذب
وكشر الليلُ عن ال
…
أنياب كالمغاضب
وجرد الصبح علي
…
هـ السيفَ كالمحارب
وظلّ يفري جلدَه
…
فَرْىَ حَنيقٍ غاضب
جرّ الغَرورُ الليلَ مخ
…
ذولا إلى المعاطب
ملاقياً جزاءه
…
من ثائرٍ معُاقِب
والليل لا يقوى على
…
ردّ الصباح الواثب
يفر كالمغلوب من
…
وجه القويّ الغالب
وهو جريح، دمهُ
…
يجري على الجوانب
ما أنتصر الليلُ بما
…
جَمَّعَ من كتائب
بل إنه اختفى عن ال
…
عين كلمحٍ ذائب
إِن عبس الليلُ فلي
…
س الذنب للكواكب
فهنّ يبتسمنَ حت
…
ى للعدوّ الناصب
هو الذي جنى فَكُن
…
نَ عرضة النوائب
وظلت الشعرى تنا
…
جي الصبحَ كالمعاتب
بين الصباح مُسفِرا
…
والليل ذي الغياهب
ثأرٌ سيبقى فتقَهُ
…
دهرَاً بغير رائب
غمَّ النجومَ ما تقا
…
سيه من المصائب
والصبحُ لما راعها
…
ما كان بالمداعب
كأنه بازٌ جرى
…
يسطو على أرانب
أو قَسْوَرٌ حُمارِسٌ
…
سطا على ثعالب
يريد أن يفترس ال
…
أنجمَ بالمخالب
فغرنَ جمعاء من ال
…
خشية في المذانب
إني لأقرأ الأسى
…
في الأوجه الشواحب
أجفلن لا يحملنَ غي
…
ر الخوف في الحقائب
تؤذي العذارى فيالحيا
…
ة قِلّةُ التجارب
تا لله ما هذى الوجو
…
هـ الغرُّ للنوائب
والعندليب هبّ يَشْ
…
دو بانتصار الغالب
والديك صاح يْعلن
…
السرورَ للصواحب
كأنما قد فرحا
…
بنكبة الكواكب
يا كوكب الصبح لك الص
…
بح من الأقارب
ما كان ينبغي له
…
صفعُك كالمعاقِب
لا تيأسَنَّ وأنتظر
…
ليلَ الغد المقُارِب
تكن كما قد كنتَ في ال
…
عين من الرغائب
يا أيها الصبح الجمي
…
ل يا ملاذَ الراعب
لقد قسوتَ حين أخ
…
نيتَ على الكواكب
رميتَ شملهنّ بالت
…
شتيت والمصاعب
ما ضرّ لو حميتهنّ
…
مثل أمٍّ حادب
كنّ ينبنَ عنك في الْ
…
لَيل الطويل اللازب
وكن زينةَ السما
…
ء في عيون الراقب
ما أجمل الشمسَ بدت
…
مُرخيةَ الذوائب
قد طلعت في موكب
…
من أفخم المواكب
تنثر من ضيائها
…
تبراً على الجوانب
على البحار والجبال
…
الشُمّ والسباسب
يا شمس أنت للورى
…
من أكبر المواهب
حبيبةٌ أنتِ إلى
…
الشبان والأشايب
أكْبِرْ بما تُهدِينَ من
…
نورِ ومن كهارب!
بغداد
جميل صدقي الزهاوي
بسمة
للأستاذ محمد خورشيد
هاتها مِن فم القَدَرْ
…
بَسمةً تَفتِنُ البشرْ
تُفسحُ الصدرَ للرَّجَا
…
ء وتَفنى قوى الكدرْ
إنَّما الحظُّ خِلسةٌ
…
فاغتنِمْ منهُ ما بَدَر
إجعلِ الهنا
…
كعبةَ المُنَى
يضحكِ العُمُرْ
أهمِلِ الدَّهرَ ما طَغَى
…
لا تَخَفْ منهُ إِن بَغَى
وأدَّرِعْ بابتسامةٍ
…
تُحرِزِ النصرَ في الوغى
لم يُجندلْهُ غيرُ مَن
…
لاذ بالهُزء والسَّخَرْ
عِشْ لِحْربِهِ
…
لا تَثِقْ بهِ
طَالَما غَدَرْ
أمسِ، كالحُلمِ أَدْلَجَا
…
عَوُدُه ليسَ يُرتَجَى
وغَدٌ، مِن ضميرِهِ
…
لمْ يَرَ الغيبُ مَخرَجاً
فابتغِ (اليومَ) كلَّ ما
…
يشتهي السمعُ والبصَرْ
روِّ بالأمَلْ
…
فُسحَةَ الأَجَلْ
تصرِفِ الغِيَرْ
دَغدغِ النايَ واعزِفِ
…
لحنَ هَيمانَ مُترَفِ
واسقِني قبلَ صحوتي
…
ريقَ عذراء قَرقَفِِ
فندامايَ أكوٌّسٌ
…
راحُهَا يخطفُ البصَرْ
رحمةُ الصَّمَدْ
…
صَاحِ لا تُحَد
كمْ وكم غَفَرْ!
القدس
محمد خورشيد
النفس الضائعة
للأديب سيد قطب
أثِني أنا؟ أم ذاك رمزٌ لغابر؟
…
لأنكرتُ من نفسي أخصَّ شعائري!
لأنكرتُ إحساسي، وأنكرتُ منزعي
…
وأنكرت آمالي، وشَتَّى خواطري
وأنكرتُ شِعري، وهو نفسي بريئةً
…
ممحضةً من كل خِلطٍ مخامر
ويفصلني عما مضَى من مشاعري
…
عهودٌ وآباد طوال الدياجر
وأجبها ذكرى، ولكنَّ بُعدَها
…
يخيَّل لي أن لم تمر بخاطري!
أنقَّب عن ماضيَّ بين سرائري
…
فألمحه كالوهم أو طيف عابر
أعيش بلا ماضٍ كأنيَ نبتةٌ
…
على السطح تطفو في مهب الأعاصر
وما غابرُ الإنسان إلا جذوره
…
فهل تمَّ نبت دون جذر مؤازر
أنقب عن نفسي التي قد فقدتُها
…
بنفسي التي أعيا بها غير شاعر
وأطليها في الروض إذ كان همها
…
تأمله، يُفضي بتلك الأزاهر
وفي الليل إذ يغشى وكانت إذا غفا
…
تيقظ فيها كل غاف وسادر
وفي الليلة القمراء إذ تهمس الرؤى
…
وتومئ للأرواح إيماء ساحر
وفي الفجر، والأنداء يقطرن، والشذى
…
يفوح، ويشجي سمعه لحن طائر
وفي الحب إذ كانت شواظا وحرقة
…
ومهبط آمال ومطمح ثائر
وفي النكباء، والغبطة التي
…
تجود بها الأقدار جود المحاذر
ولكنني أيئستُ أن ألتقي بها
…
وتاهت بوادٍ غامر التيه غائر
سأحيا إذن كالطيف، ليست تحسهُّ
…
يدان، ولا يجلوه ضوء لناظر
سيد قطب
من وحي المرض.
إلى صورتها الحبيبة. . .
بقلم مختار الوكيل
يا صورةً قد عبدتُ فيها
…
صورةَ مَنْ أَبدعَ الوجودْ
أنتِ التي قد ضمنتِ خلدي
…
بوحيك الباسم السعيد
أعيش في عَالم الدنايا
…
سأمان من حِصَّة العبيدِ
الداءُ! يا ويلتا، غزاني
…
بجيشه الساغب المبيدِ
والصحب! أواه من صحابي
…
لم يرأفوا بالفتى العميدِ
يا ليتهم حين أهملوني
…
لم يطلقوا الهجوَ كالرعودِ!
يا طلعة قد لمحتُ فيها
…
تهلُّلَ الوردِ في الخدودِ
وبسمةً قد قَبَسْتُ منها
…
بشائرَ العالم الجديدِ
أموت والنورُ منكِ ضافٍ
…
على دُجَى قلبيَ الشريدِ!
يا ما أُحَيْلَي الممات، لولا
…
مرارة الَحبْسِ في اللحود!
كم هاجس ضجَّ في خيالي
…
وَثارَ في خاطري البليدِ
وأنت يا فِتْنتي أمامي
…
وبين كفّيَّ كالوليدِ!
غَفَرْتُ كلَّ الذي دهاني
…
في عالَمِ الظُلم والكنودْ
ببسمةٍ منكِ لا تُرَائي
…
ونظرةٍ تضمن الخلودْ!
مختار الوكيل
الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر
للأستاذ بشير الشريقي
اطلعت في عدد الرسالة التاسع والخمسين على كلمة موجزة للأستاذ محمود الخفيف في نقد كتاب (الأدب الإنجليزي الحديث) الذي قدمه الأستاذ سلامه موسى للجمهور مؤخراً، وقد ظهر لي من هذه الكلمة.
أولا - إن الأستاذ مصنف الكتاب أو مؤلفه قد نعت العصر الفيكتوري ما بين 1830 - 1900 بأنه عصر خمول في الأخلاق والأدب، بينما يرى الأستاذ محمود الخفيف هذا العصر من أرقى عصور الأدب الإنجليزي وأحفلها بالحركات والاتجاهات الأدبية الجديدة.
ثانيا - إن الأستاذ سلامه يشير في كتابه إلى تجديد في الأدب الإنجليزي ظهر عام 1900 فيوافقه الأستاذ محمود على ظهور هذا التجديد ويذكر أنه ثمرة من ثمار العصر الفيكتوري الناهض.
وأنا بدوري أود أن أقول كلمة في الموضوع أختلف فيها مع الأستاذين الفاضلين في مسائل، وأتفق معهما في أخرى، فأرجو أن توسع مجلة الرسالة الغراء صدرها لهذه الكلمة:
1 -
إن مؤرخي الأدب الإنجليزي الحديث لا يوافقون الأستاذ سلامه موسى على قوله: (إن الأدب الإنجليزي قد اتجه طول مدة القرن التاسع عشر نحو الصياغة اللفظية دون التفكير والاقتحام) ويرونه قد حاد كثيراً حين رمى الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر بالضعف والقبح والفساد لأن هذا العصر الذي يمتد من عام 1798 إلى عام 1892 من أزهى عصور الأدب عندهم اشتهر بمذاهبه الأدبية الجديدة وبتنوع شعرائه وكتابه الذين خرجوا فيما ينظمون ويكتبون عن أساليب القدماء. وإلى القارئ ما يذكره المؤلفان الإنجليزيان (وايت و (كلي عن الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر في كتابهما (الأدب الإنجليزي الحديث. ص1 - 3:
إذا كان من أن نقع على تاريخ يحدد لنا نهاية عصر من عصور الأدب أو بدايته، وكان من النادر أن يتفق مثل ذلك التاريخ مع فسحة الزمان إلى قرون أو عصور أو أجيال، فان القرن التاسع عشر قد أمتاز بأنه كان ممثلاً أحسن تمثيل لدور انتقال بين في الأدب الإنجليزي. نشر (وردثورث) و (كوليردج)(قصائدهما الغنائية) قبل بزوغ فجر القرن
التاسع عشر بعامين فقط في عام 1798، فكان ذلك النشر خدمة عظيمة للفن والأدب وعاملاً من أهم العوامل التي قلبت المذاهب الشعرية الأولى وهدمت النظريات الأدبية القديمة، وكأني بتلك القصائد قد أعلنت نهاية الطريقة الاتباعية في الشعر بإحياء الطريقة الابتداعية
إن الروح الرومانتيكية لم تكن حتى أيام (ورد ثورث) و (كوليردج) قد استيقظت والأساليب الشعرية القديمة لم تكن قد نسخت.
هذا ما يذكره المؤلفان العالمان عن أهمية عام 1798 بالنسبة لتاريخ الأدب الإنجليزي، فلنصغ إلى حديثهما عن وحدة الأدب في القرن التاسع عشر:
(فعام 1798 إذن يكاد ينفرد في إنه يعين بوضوح ابتداء عصر جديد للأدب، عصر إصلاح وتجديد أطلق الشعر فيه من قيود (الاتباعيين) والقرن التاسع عشر يبدو لنا ذا وحدة تامة كما كان عصر الياصابات 1660 - 1798 فلم يفقد فيه الشعر الروح الابتداعية. التي أمده بها (ورد ثورث) ومعاصروه، وقد ظلت رواياته النثرية في تقدم مطرد. إن أدب العلم والتاريخ والفلسفة قد امتاز في هذا العصر بطريقته الجديدة التي أدنت مسائله وأوضحتها، والتي اختلفت عن طريقة القرن الثامن عشر اختلاف (دارون) عن (لوك)
قد ترى الأجيال المقبلة في مذاهب (ماثيو أرنولد) الاتباعية أو في الطريقة (الابتداعية) الجديدة التي دعا إليها (روسيتي) و (موريس) ما لم نره نحن من خطورة وأهمية، غير أن ما يمكننا قوله الآن هو أنه لم يقم حتى العهد الذي ظهر فيه (ورد ثورث) و (كوليردج) ثورة تهدم الطرق القديمة وتكون جديرة بأن تعتبر فاتحة عصر جديد.
لا ينبغي أن نطنب - طبعا - في وحدة أدب القرن التاسع عشر أو بالفروق التي كانت بينه وبين أدب القرن الثامن عشر، إن كل ما ننوي التحدث عنه هنا هو أن نظهر أن الوحدة الأدبية كانت فيه تامة، وأن الفارق الذي يدعونا إلى درس أدبه كأدب عصر خاص كان ظاهراً جلياً. ولقد تظهر فوارق الشعر أكثر وضوحاً في هذا العصر، يرجع ذلك إلى النزاع العنيف الذي قام بين شعراء المدرسة القديمة في القرن الثامن عشر وبين شعراء الطريقة الابتداعية في فجر القرن التاسع عشر؛ أما الروايات النثرية فمن المؤكد أنه لم يدخلها تبدل ظاهر، لأن روائي القرن التاسع عشر كان يرضيهم بوجه عام ان ينشروا فن
أساتذتهم فحسب - أساتذة القرن الثامن عشر.
ولو تتبعنا حقل النقد الأدبي الآن لأمكننا أن نقع على تغير واضح في طرقه وأساليبه وقواعده، وهذا التغير يظهر بارزا جليا منذ اليوم الذي تفتحت فيه عبقرية (كارليل) ودفعت بالنقد في طريق جديدة. كان النقد في الربع الأول من هذا القرن يتفق في أصوله وأساليبه مع نقد القرن الثامن عشر، وكان الناقد هو من يحسن وضع الخلاصات، ويجيد المديح والهجاء، حتى إذا جاء (كارليل) كان أول مبشر بطريقة النقد الحديثة الصحيحة، التي يهمها الشرح والتفسير والإيضاح الأصولي للمبادئ الجديدة.)
دور 1798 - 1832. وخطره.
ويقول المؤلفان الفاضلان:
مات (اسكوت، وكريب، وبنتام) عام 1832 وعاش من بعدهم (ورد ثورث) ثمانية عشر عاماً أيضاً، و (كوليردج ولامب) عامين، و (مور) عشرين، و (سواسي) أحد عشر، و (كامبيل) اثنى عشر، لقد أدى كل واحد من هؤلاء الأعلام رسالته قبل عام 1832، أما (كارليل) و (ماكولي)، و (تنسون) و (هود) و (بالوير) و (ليتون) والسيدة (براوننك) من مشاهير الكتاب فلم يكونوا قد نشروا حتى عام 1832 سوى خواطر صباهم. وفي عام 1798 كان عمر كيتس وشيلي وبيرون يتراوح بين الثالثة والعاشرة، ثم لم يأت عام 1832 حتى كان قد مضى على وفاة الثلاثة ثماني سنوات أو أكثر، وهكذا تظهر لنا أهمية الخمسة والثلاثين عاما التي بين 1798، 1832 من الناحية الفنية الشعرية.
وفي الحق أنه ما من عصر من عصور الأدب الإنجليزي حتى عصر الملكة الياصابات يستطيع مناظرة هذا الدور 1798 - 1832 في سمو التصوير وسرعة الانتاج، فقد بذ ببدائعه الفنية الرائعة عصر الملكة الزاهر.
إن في مجرد تعداد كتاب الطبقة الأولى والثانية شيئا من الغرابة والقوة والتأثير، يكفي أن نذكر من الشعراء (ورد ثورث) و (كوليردج) و (بيرون) و (شيلي) و (كيتس) و (لاندور) و (مور) و (ساوس)، ومن الكتاب (اسكوت) و (اوستن) و (هازت) و (ويلسن)، حتى نجعلك تؤمن بعظمة هذا الدور، ثم إليك نتاج عام واحد: في عام 1806 ظهرت رواية (ايما) لجان أوستن، و (تشايلد هارولد)، (وحصار كورنث) و (سجين تشيلون) لبيرون، و
(الفناء القديم) لاسكوت، (وحاجتنا إلى الجحود) لشيلي، وكثير من المؤلفات القيمة.
بعد كل ما تقدم ما أحسب أن القارئ يشايع الأستاذ واضح كتاب (التجديد في الأدب الإنجليزي الحديث) في قوله: (إن الأدب الإنجليزي قد اتجه طول مدة القرن التاسع عشر نحو الصياغة اللفظية دون التفكير والاقتحام)، وفي قوله:(ان العصر الفيكتوري ما بين 1830 و1900 كان عصر خمول في الأخلاق والأدب. . الخ) بل أعتقد أنه يرى الصواب والحكمة في معارضة الأستاذ محمود الخفيف له في رأيه هذا.
أما هذا التجديد الذي أشار الأستاذ سلامة موسى إلى ظهوره في الأدب الإنجليزي عام 1900 ووافقه عليه الأستاذ محمود فانه في رأي (وايت) و (كلي) لم يوجد حقيقة، وان الشعر في هذا العام وما أعقبه من أعوام (من عام 1892 - 1919) قد سرى إليه الضعف، وجهل أربابه (روبرت بريدج، بلانت، وليام ونسون، ارثر سيمون، حنا دافيد سون، كبلنج، هاردي) الغرض منه، فمالوا إلى زخرف القول وتدبيج اللفظ بأنواع البديع وأوغلوا في ذلك حتى قبحت مبانيهم وسمجت معانيهم. وإلى القارئ ما يذكرانه في كتابهما المشار إليه ص211 - 212.
(يرينا الشعر في هذا الدور 1892 - 1919 ضعفا بينا؛ ليس في صور التعبير وآداب النظم، بل في النجابة واتساع أفق التفكير؛ لقد تجنب فيه معظم الشعراء السجايا النفسية وعواطف الحب وفتنة الجمال، فاكتفوا بمغازلة الوداد العائلي، وقراءة أفكار الرجل من غير أن يتعرضوا لخوالج نفسه؛ كانوا أطفالا في تفكيرهم ونظراتهم، قل أن يخوضوا في البحث والجدل والتفسير، بل كان مجرد (التبليغ) هو كل ما تصبو إليه نفوسهم؛ يطربهم الجمال الطبيعي (الفيزيكي) أو أن يكتشفوا في صورة اصطلح الناس على تقبيحها شيئا يدعونه جمالا حقا؛ تقيدوا بأوزان العروض وعانوا طول الدرس ليتمكنوا من تحسين عباراتهم وتطبيقها على ما يتخيلون من التشابيه والاستعارات؛ هم تلامذة (لورد ثورث) نبذوا مثله الأسلوب الشعري ونظموا معظم منظوماتهم غنائية، إنما كانوا يوقعونها على أوتار خرساء، نعم على أوتار خرساء لأنها تقف بمعزل عن الحياة ومسائلها، ولا تدعونا إلى التفكير في سر الوجود والعدم تفكيراً يجعلنا نرى بعين عقلنا العالم أكثر وضوحا. .).
هذا ما رأيت أن أثبته تعقيبا على كلمة الأستاذ محمود الخفيف التي انتقد فيها كتاب (التجديد
في الأدب الإنجليزي) تأليف الأستاذ سلامة موسى.
شرق الأردن
بشير الشريقي
العلوم
2 -
التلفزة في عهدها الأول
للأستاذ محمود مختاربكلية العلوم
جهاز الاستقبال
تحدثت في رسالة سابقة عن جهاز الإرسال للتلفزة. والخطوات التي مرت بها صورة الجسم المتلفز من بدء تحليلها إلى مساحات صغيرة بواسطة القرص المثقب أو حلزون المرايا، ثم إسقاط الأشعة الضوئية المنعكسة من هذه المساحات الصغيرة على التعاقب على خلية كهرضوئية حيث تحولت إلى دفعات كهربائية، ثم تكبيرها فإذاعتها في الأثير.
والآن نحن عند جهاز الاستقبال حيث تصل إلينا هذه الدفعات الكهربائية بعد أن التقطها الهوائي وأرسلها إلى الكاشف اللاسلكي
وتأخذ عملية استقبال هذه الأمواج حتى إخراج الصورة النهائية ثلاث خطوات أيضاً هي بعينها ما يناظر خطوات الإرسال مأخوذة في ترتيب عكسي. فتبدأ أولى الخطوات بكشف هذه الأمواج وفصلها عن باقي الأمواج اللاسلكية المنتشرة في الأثير وتكبيرها. ثم تليها الخطوة الثانية وهي تحويلها من دفعات كهربائية إلى أخرى ضوئية. ثم تأتي الخطوة الثالثة وهي إعادة تركيب هذه الدفعات الضوئية بجوار بعضها لتخرج صورة الجسم المطلوبة.
أما خطوة الكشف والتكبير فهي كنظيرتها في جهاز الإرسال - خطوة التكبير والإذاعة - في المقام الثاني من الأهمية لباحث التلفزة. ويكفي لنا الآن أن نعلم أنها تتم بواسطة دائرة من الصمامات هي بنفسها دائرة أجهزة السمع العادية - ولا داعي للخوض في تركيبها وعملها في مثل هذه العجالة - وكما تؤخذ تلك الأمواج الكهربائية المكبرة في جهاز السمع إلى البوق لتحويلها إلى دفعات صوتية تؤخذ هذه بعد تكبيرها أيضاً إلى المصباح الغازي أو إلى خلية كر لتحويلها إلى دفعات ضوئية، وهذه ثانية خطوات الاستقبال.
والمصباح الغازي ولو أن لفظه ليس مطروقا إلا أنه كثيرا ما تقع عليه أبصارنا على واجهات المحلات التجارية الكبيرة في شكل أنابيب ضوئية كهربائية للإعلانات تأخذ ألوانا مختلفة أحمر أو بنفسجيا أو أزرق أو غيرها. هذه الأنابيب الضوئية ما هي إلا شكل تحور
من المصابيح الغازية المستعملة في التلفزة لتحويل الطاقة الكهربائية إلى أخرى ضوئية. وهي عبارة عن انتفاخ زجاجي في حجم الصمام الكهربائي العادي يحوي بداخله غاز النيون أو الآرجون أو بخار الزئبق تحت ضغوط صغيرة جدا تقرب من بضعة مليمترات. وبه قطبان أحدهما الكاثود، ويكون القطب السالب للمصباح وهو عادة على شكل صفيحة رقيقة من النيكل. والثاني الأنود، ويكون القطب الموجب، ويكون عادة على شكل سلك حلزوني أو قضيب قصير يواجه صفيحة الكاثود. وعندما يوصل الأنود بالطرف الموجب لجهد كهربائي عال - حوالي 150 إلى 300 فولت - ويوصل الكاثود بالطرف السالب لهذا الجهد يتوهج المصباح بأحد هذه الألوان التي نراها في أنابيب الإعلانات تبعا لنوع الغاز الموجود به. وأفضل هذه الغازات هو بخار الزئبق إذ يعطي لوناً بنفسجياً فاتحاً. والسبب في هذا التوهج في المصباح هو انبعاث إلكترونات الكاثود - تحت تأثير فرق جهده عن الأنود - وسيرها بسرعة نحو الأنود، ومصادمتها في طريقها بذرات الغاز المنتشرة في المصباح التي تتذبذب سريعا تحت تأثير الصدمة فتتوهج. وربما عن لسائل أن يقول إننا كان يمكننا أن نحول الطاقة الكهربائية إلى أخرى ضوئية بطريقة المصباح المتوهج البسيط المستعمل في الاضاءة، فما هو إلا جهاز لتحويل طاقة كهربائية إلى أخرى ضوئية. والجواب على ذلك: إن عملية تحويل الطاقات في هذا المصباح نشأت من مرور تيار كهربائي في سلك المصباح ذي المقاومة الكبيرة الذي ترتفع درجة حرارته كلما اشتد التيار عليه حتى يحمى فيتوهج. وبمقارنة هذه النظرية في التوهج بنظرية المصباح الغازي السالفة الذكر نرى أنهما يختلفان تمام الاختلاف. ولكن لم فضلنا هذه على تلك؟ ذلك لأن المصباح الغازي يفوق المصباح المتوهج بحساسيته الشديدة للتغيرات الكهربائية، فلو أمر في كليهما تيار سريع التغير لظهرت إضاءة الأول متذبذبة تبعا لذبذبة التيار، على حين تظهر إضاءة الثاني منتظمة مستمرة، لا يلاحظ فيها أي ذبذبة أو تغير، وهذه طبعا ميزة لاستعمال المصباح المتوهج للإضاءة العادية. ولكنها ليست المطلوبة في التلفزة، بل المطلوب هو المصباح الأكثر حساسية للتغيرات حتى يمكنه أن يترجم ترجمة حرفية ما يصله من دفعات كهربائية سريعة التغير خارجة من جهاز الكشف والتكبير. ويوجد سبب آخر لتفضيل المصابيح الغازية، وهو أن الطاقة الضوئية المنبعثة منها تتناسب تناسبا
طردياً مع الطاقة الكهربائية الداخلة إليها.
وقد يستعاض عن مصباح الغاز بخلية كر، وهذه فكرة حديثة صائبة، يتوقف عملها على خاصية سائل النيتروبنزين في استقطاب الضوء إذا ما وقع تحت تأثير مجال كهربائي. وربما عدت لشرح هذه النظرية في فرصة أخرى.
والآن بعد أن حصلنا على دفعات ضوئية متعاقبة تختلف شدة وضعفا باختلاف الدفعات الكهربائية المستقبلة من الأثير والتي كان اختلافها يتبع اختلاف نقط الجسم المتلفز نفسه في ضوئها وظلامها، لم يبق علينا إلا أن نعود فنركبها بنفس الطريقة التي حللناها بها، وذلك بوضع كل نقطة في مكان يناظر المكان الذي انبعثت منه على الجسم المتلفز، وهذه هي خطوة تكوين الصور النهائية.
وتتم هذه الخطوة بنفس الجهاز الذي حللها، وهو كما تقدم: إما القرص المثقب أو طبلة المرايا، أو حلزون المرايا. ولأقصر الكلام على القرص المثقب وحده إذ علمنا أن الطبلة أو الحلزون يمكن أن يستبدلا بدون أي تغيير.
فيوضع مصباح الغاز أمام القرص تجاه ثقوبه، ويوضع حاجز في الجهة المقابلة له من القرص ليتلقى الصورة ويدار القرص بنفس السرعة التي يدار بها نظيره في جهاز الإرسال - 12 ، 5 دورة في الثانية - ويكون دائما في خطوة واحدة معه، ويخرج المصباح الغازي دفعاته الضوئية المتتابعة، والتي تتم كل دفعة منها عن خواص نقطة واحدة من نقط الجسم المتلفز في لحظة من لحظاته. فتقع على القرص الذي هو صورة مضبوطة لقرص الإرسال في حجمه وشكله وعدد ثقوبه وسعتها وسرعته وخطوته، فيعمل هذا على وضع كل نقطة في مكان على الحاجز يناظر تماما مكانها الذي انبعثت منه على الجسم المتلفز، وبذلك تظهر الصورة.
غير أن العملية لا تتم بمثل هذه السهولة، غير أن العملية لا تتم بمثل هذه السهولة، فنقطة الصعوبة فيها هي إمكان ضبط سرعة دوران القرص بحيث تساوي تماما سرعة دوران قرص جهاز الإذاعة. وظاهر تماما انه لو اختلفت السرعتان ولو اختلافا بسيطا لحصلنا على خيال لا يدل إلا على سحب غير مفهومة من الضوء والظلام. والطريقة الوحيدة لضبط السرعتين هي إرسال دفعات كهربائية ثابتة التردد من مصدر منفصل آخر لا علاقة
لها بالجسم المتلفز أو توزيع الضوء أو غيره. بل تتوقف ذبذبتها على سرعة دوران قرص جهاز الإرسال فحسب. وهذه تستقبل عند جهاز الاستقبال بجهاز منفصل أيضاً حيث يكشفها ويكبرها ويسلطها على محرك القرص لتضبط سرعته تبعا لسرعة قرص الإرسال. وهذه طريقة فضلا عن أنها تستلزم جهازي استقبال منفصلين فهي تزيد الإذاعة والاستقبال تعقيدا على تعقيد.
فكر (بيرد) في أن يرسل من نفس جهاز الإذاعة بإشارة يكون ترددها لا يتوقف إلا على سرعة دوران القرص، وذلك بأن جعل شعاع الضوء الخارج من ثقب القرص في جهاز الإرسال عند ما ينتهي من رسم خطه الرأسي من الضوء على الجسم المتلفز لا يبدأ شعاع الثقب التالي له إلا بعد وقت قصير، وهكذا بين كل ثقب وآخر يمضي مثل هذا الوقت الذي يسبب دفعة ضوئية مظلمة في الخلية الكهرضوئية ترددها ثابت ويتوقف على سرعة القرص، أي يساوي 30 12. 5=375 ذبذبة في الثانية، لأن بالقرص ثلاثين ثقبا وسرعته 12. 5 دورة في الثانية. هذه الإشارة ترسل وتستقبل مع باقي دفعات الجسم كأنها واحدة منها، ولكن يمكن فصلها بسهولة عنها، لأن ترددها صغير جدا بالنسبة لتردد دفعات الجسم. وعلى ذلك تفصل عند جهاز الكشف الأول وتأخذ طريقا آخر حيث تكبر ثم تسلط على محرك قرص الاستقبال لتنظم سرعته.
وقد تتساوى سرعة القرصين تماماً، ولكنا نرى الصورة النهائية مشطورة إلى نصفين وينشأ هذا من اختلاف الخطوة. ومن أمثلة اتحاد السرعة واختلاف الخطوة ما نشاهده إذا لاحظنا صمامي عجلتين متشابهتين في دراجة مثلا أثناء سيرها. كلتا العجلتين تسيران بنفس السرعة، ولكن ذلك لا يستلزم أن يأخذ صماماهما موضعين متشابهين تماما. فهما في هذه الحالة متحدتان في السرعة ومختلفتان في الخطوة. واختلاف الخطوة هذا هو ما يسبب شطر الصورة وأظن ذلك واضحا بقليل من التفكير.
وبالرغم من كل هذه المجهودات الجبارة مازال جهاز التفلزة للاستقبال محروما من دخول المنازل. وبالرغم من نجاح التجارب التي عملت عليه حتى الآن نجاحا كافيا، فان الأجهزة مازالت على شئ من التعقيد وصعوبة التداول لشخص عادي. والعالم بطبيعته يرغب في البساطة بقدر الإمكان كما يتمنى أن يتخلص - في منزله على الأقل - من الأجهزة ذات
المحركات الميكانيكية. فهو يأمل في جهاز للتلفزة له سهولة جهاز السمع في استعماله. فهل يقف العلم دون ذلك؟؟. . . .
قريبا سوف يتحقق له ما يريد. فمذبذب أشعة الكاثود على الأبواب والجميع ينتظره. وآمل أن آتى على ما وصل العلم فيه في رسالة قادمة.
وقبل أن أختتم هذه اللمحة عن التلفزة أريد أن أنوه ببعض نواح مختلفة تخرج عن مجرد إرسال صور أو أشخاص.
أولا: التليتوكي وهي تلفزة أفلام سينمائية ناطقة كما تذاع الاسطوانات الموسيقية. ولنقدر من الآن ما سيهدد دور السينما بانتشار هذه التلفزة.
ثانيا: التلفزة في الظلام أو وذلك باستعمال الأشعة تحت الحمراء بدل الضوء العادي. وستكون هذه ساعد البحار الأعظم لخوض البحار المجهولة في ظلام حالك، وكأنه في وضح النهار. كذلك في الحروب سوف تمكن هذه من رؤية حركات العدو وسكناته وهو في ظلام حالك بدون أن يشعر.
ثالثا: التلفزة بالألوان الطبيعية، وذلك باستخدام قرص ذي ثلاث لفات من الثقوب مغطاة بثلاث زجاجات شفافة ملونة بالألوان الأحمر والأزرق والأصفر. واستعمال ثلاث خلايا كهرضوئية وثلاثة مصابيح غازية كل منها يعطي أحد الألوان السابقة.
رابعا: التلفزة المجسمة أو عرض الصور مجسمة بدل أن تكون في مستوى واحد.
خامسا: حاكي التلفزة - وكما يدل عليه أسمه هو جمع ما بين الحاكي) الجرامفون) والمتلفز. وهو إشراك الصور وحركات الأشخاص مع حديثهم وموسيقاهم على اسطوانة واحدة من اسطوانات الحاكي. بحيث برى وتسمع في آن واحد.
محمود مختار معيد بكلية العلوم
القصص
من صور الحياة - قصة واقعية
ظمأ الروح
(مهداة إلى:
للأستاذ عبد الحليم عباسي
كان فتى خيالي النزعة، أغرته هذه الأفكار السوداوية، فاندفع فيها، لا يرى أن الحياة تتسع لغير هذا الشقاء يعلق بها من مفتتحها إلى حيث الحد بين الدنيا والآخرة، ومضى تعبث الكآبة بناضر شبابه، إلى أن غدا وهو في ميعة العمر. ناحل القد، حائل اللون، رطب الجفن كأنما علق به أثر من أدمع البارحة. . وإذا ما أصغيت إليه وهو يتحدث أسرتك هذه الغنة في صوته، وهذا العمق في أفكاره، ورحت تعجب كيف يستطيع هذا الظل حمل كل هذه الشجون؟.
عرفته في بلدة الجمال - الشام - فقامت بيننا صداقة موثقة العقد، متينة الأواصر، يشوبها الإجلال من جانبي، والرثاء من جانبه، فقد كنت في نظره واحداً من هذه الملايين التي تتعثر بآمالها، وتتمرمر بأمانيها، وغبرنا على هذا زمناً إلى أن فرقت بيننا دواعي الحياة، وبقي خالداً في فكري، خالداً في روحي، ومضت سنون لم نتلاق فيها، إلى أن جاءتني منه هذه الرسالة أثبتها للقارئ، ففيها قصة طريفة:
يا صديقي:
ما كنت أظن أن كلامك يكون جداً وأنت تهزل، فلقد اعترضتني هذه - الجنية - التي شد ما حدثتني عنها، واستطاعت أن تلامس حياتي بعصا سحرها، فتغير منها. . ثم تمر بأناملها الجميلة على أجفاني فأغدو أبصر وأرى أن هذا الوجود ينطوي على أشياء كثيرة جميلة.
. . . وتفصيل الخبر أني هبطت هذا البلد، وشدتني إليه ضرورات لا أستطيع الإفلات منها، ومرت الأيام والشهور متشاكلة متشابهة، وقد كنت لا أزال أسدر في كآبتي، وأتخبط في مآتي أشجاني، حتى كان يوم اللقيا بهذه الساحرة، فكأنما بعثت خلقاً جديداً، واستطاعت
أن تنقي حياتي من كل هذه الأفكار الشائكة. . . فلقد كانت تكبرني بأعوام، وكانت تكبرني بهذه الأفكار نقتها التجارب وأخلصتها من كل خطل، وشاء الدهر الساخر أن يكون بين أبي وزوجها علاقة. . . وزوجها هذا - غفر الله له - ليس له ميزة من علم أو جاه.
غير هذا الجاه الرخيص الذي تبعثه المادة، وهو يجمع بعد إلى قبح الجهل، دمامة الشكل، وسمح لي أن أتردد إلى بيته، وراقه أن يجد أن زياراتي تبعث في زوجه روح الغبطة والسرور، فينضر فرعها الذابل، وتدب الحياة في روحها الرازح تحت هذا الألم الحبيس الذي يعج في صدرها. . . وكأنه كان يشعر أن بينه وبينها عدا فارق العمر، تبايناً في الروح والفكر. .
وكنت أشعر وأنا أتردد إليها أني أقاد إلى الهاوية، فهذا الصوت الهادئ المتزن، يعيد إليك ذكرى لذة غابرة، وهذه العين غرقى في صفائها تغازل النور، محال أن يقوى على ندائها روح يتعشق الجمال. . . ولقد كنت قادراً على أن أكتمها حبي، وما حاجتي إلى الإفضاء به، وأنا لا أطلب أكثر من أن أجلس إليها ساعات ترفه عن روحي، وتغذي مشاعري، غير أنا في إحدى جلساتنا، وقد تشعب بنا الحديث، وأخذت علينا الغبطة يقظات الإرادة، سمعت صرخات روحي في داخل البدن. . . أنني في حاجة إلى الامتزاج بها، إلى الفناء في ذاتها، وكأنها أحست بما أحسست به فالتحمنا بالنظر. وقالت عينها، لا حاجة إلى الثورة - إني أحبك - فأجابت روحي من عيني - وأنا أحبك - ولكن عينها عادت فقالت إني احتقر ملذات البدن، فلا تطمع بها، فقلت وأنا أحتقرها، لقد مللتها، إن روحي هي الصادية.
وفي تلك الجلسة أعلنت لها حبي، وباحت لي بمثله. . . . .
ومن ذلك الحين، أصبحت لا أقوى على فراقها، ولا أطيق الابتعاد عنها دقيقة، ولقد تعاظم أو تضاءل الوجود - لا أدري - فأصبحت هي كل شئ فيه، واستقر حبها في أعماقي ناراً، فغدوت بجانبها أحترق.
ومرت الأيام مفعمة بالهناءة، فكنا نلتقي كل يوم، لا أرتوي من هذه الكلمات تند عن هذه الشفاه الجميلة، ولاأشبع من النظر إلى هذا المحيا الذي يبعث إليك في كل لمحة فكرة تحمل معاني الرضى عن الحياة. . .
وأشهد أن جمالها أدناني كثيراً من حمى الله. . وارتفع بنفسي إلى عالم أندى من عالمنا
هذا، يرى منه الإنسان مبلغ ما تتردى فيه الخلائق من سخافات، ومبلغ ما تنطوي عليه البشرية من حماقة.
وكنا نتخير من الأمكنة أهدأها، ونهرب بسعادتنا بعيدين عن الضوضاء والصخب، وكأنها وهي ترقى القمم، أو تنساب معي إلى الوادي دنيا من الفتنة تتحرك. . على أن هذه التشابيه والصور كانت تجيش بنفسي ولا أجرؤ على إسماعها إياها. . . فهي لا تسمح لي أن أصور تموجات النسائم على غدائرها، ولا كيف تفتضح الموسيقى والشعر، قبالة ضحكتها وبسمتها، ولقد سألتها مرة عن سر هذا الامتعاض، فقالت: ذلك أن الجمال ليس في الشكل، وإنما هو فيما وراءه. . على أن في كلامك غلواً، قلت: نعم ولا، الجمال في ما وراء الأشباح، وليس في كلامي غلواً، وكذا أنت ترين أن جمالك أمثل من أن نتطاول إلى وصفه، فصمتت ثم قالت: دع هذا وخذ في غيره.
قلت: فليكن فقد يجر إلى ما أخذنا على أنفسنا العهد بالابتعاد عنه. . . ثم تأخذ الحديث بلباقة وتديره على الوجه الذي تريد، مبتعدة فيه عن كل ما من شأنه أن يستثير فيك هذا الذي يطمع فيه عباد البدن. وهي إذ تحدثك لا تجهد في إقناعك، بل تلقي الفكرة موجزة واضحة، ثم تتركك تتخيل، وتقيس وتقارن، ولك أن توافقها أو تخالفها فهذا ليس بالشيء المهم، وإنما المهم أن تفكر!.
شارف العام أن ينتهي، وأنا لا أزال في غمرة حبها أضوي جسماً، وأنمو فكراً وإحساساً، أصبحت شغلي الشاغل، لقد لهوت عن العالم، ونسيت أن به خلائق يعز عليها أن ترى آلافاً تمتزج بالمحبة، وتلتحم بالروح، حتى كان اليوم الذي سحق فيه قلبي، وتحطمت كأس سعادتي، فقد جئتها في عصاراه كالعادة، لنذهب إلى نزهة اتفقنا عليها، فجلست إليها ريثما تنهي عملها، وتصلح من شأنها، ولكني أوجست خيفة، وأنا ألاحظ عليها أثر اضطراب تحاول إخفاءه، ثم رأيتها تتحفز للكلام، وبعد لأى استطاعت أن تجمع شتيت إرادتها فقالت:
أصغ إلي. . . . . . . قلت: كلي آذان. . . . .
قالت: أو لم تسمع؟. . . لقد أكلتنا الألسنة!.
قلت: لا أدري ما تقصدين؟ قالت: ستدري. إن هذه البشرية المتمرغة بالخسة، المتهفتة على الساقط من اللذة، لا ترى من الممكن أن تقوم علاقة بين متحابين، لا تمت إلى هذه الأسباب
الدنيا، ولا تنبع من هذه المنابع الآسنة التي منها يستقون علاقاتهم.
قلت، وقد قام بنفسي أن أداري ألم الصدمة: ليكن هذا فخلهم وصغائرهم، فما تصاحبنا لبذل في الخلق.
فوجمت قليلاً، ثم قالت: ليس عن غباوة تتكلم، وعاجلتها دموعها، وقد والله يا صاح رأيت أنواعاً من الدمع، فما رأيت أشجى ولا أبعث للأسى من دموع هذه الحسناء البريئة المظلومة، إنها بهذه القطرات تحاول أن تستنطق العناصر وتستشهدها على طهرها وظلم الإنسان.
قلت: هوني عليك أو بلغ الأمر إلى هذا الحد؟!. . .
قالت: أجل! ومن حين وأنا أكتمك إياه، وزوجي وأقرباؤه لقد طلبوا مني أن اقطع معك هذه العلاقات، انهم يرونها خطرا على كرامة الأسرة، وغدا يسافر بي إلى بلد ناء كتم عني أسمه وإخاله لن يعود إلا متى رحلت!!. . . . .
ودارت بي الأرض الفضاء وصرخت كالمذعور:
محال هذا، إنهم يملكون منك الجسد، أما الروح فهو وقف على محبتي، لن أدعهم - وأنا قادر - يحطمون كأس حياتي. .
كيف يفصلونك عني؟! أيفرق الروح عن الجسد دون أن يتقوض؟. . . .
ثم كانت ساعة افتضح فيها جلدي، فطفقت أبكي، لقد بكيت كثيراً، وما صحوت إلا وهي تضمني، وتبللني بمدمعها، ثم طبعت على فمي قبلة، طبعت على فمها مثلها، هي أنل وآخر قبلة، هي أثمن ما أمتلك من ذكرى. .
ومالي أشق عليك، لقد انتزعوها مني كما ينتزع الطفل عن ثدي أمه، لقد ذهبوا بأجمل حياتي، وموئل ذكرياتي.
لقد كانوا قساة، فلم يرحموا غرباء جاءوا دنياهم على عجل، ويمضون كما جاءوا.
لقد ذهب معها الصبر، فأصبحت هذه الدنيا في نظري كشراك الطائر ضيقة قفراء من كل ما يلهم العزاء.
وأنى لي أن أحمل كل هذه الدنيا من الأوصاب، فسقطت مريضاً خائر القوى، ولي هاهنا - بالمستشفى - شهران لا أبل إلا لأنتكس. .
وقد جاءتني بالأمس منها كلمة هي: (إلى الملتقى. .) إذن فهي تعرف أني بالمستشفى، بدليل أنها كتبت العنوان ورقم الغرفة، فخبرني أين تكون لقيا المرضى. . وأكبر ظني أنها مثلي مريضة.
إن الدنيا أضيق من أن تتسع للقيا القلوب الطاهرة.
إلى الملتقى. . حيث يتبع الحسن دون رقيب، وحيث تروى القلوب الظامئة إلى الجمال. . . إلى الملتقى. . . إلى الملتقى. . .
شرق الأردن
عبد الحليم عباسي
الكتب
القيثارة السارية
لطاهر محمد أبو فاشا
قرأت ديوان هذا الشاعر الشاب فأعجبني منه تنوع موضوعاته وراقني هذا النشاط الذي يبدو في قصائده، وهذه الحركة التي تنتقل به من الوصف إلى نقد بعض مظاهر الاجتماع.
بيد أني أصارح شاعرنا بأنه قليل العناية بتهذيب شعره وإحكام قوافيه، فإن في قصائده بعض العيوب اللفظية وبعض المجازات والأخيلة التي لا يستسيغها الذوق، كما أني ألاحظ على الشاعر الفاضل أنه شغوف بالتلاعب بالألفاظ، يتدفق في غير روية، وعهدي به سليم الذوق سريع إلى معرفة مواضع الجمال فيما يقرأ من الآثار الأدبية، وليت شعري كيف تنسب مثل هذه الأبيات إلى من كانت هذه صفاته إلا أن يكون أساس ذلك الإهمال. أنظر إليه يقول:
وأني قد دعوت وبح صوتي
…
وأنك لا ترق ولا تجيب
وانظر إلى قوله:
اهدمي مهجتي بصبرك هدما
…
واسألي الحب في الفؤاد المهدم
وإلى قوله:
أنا بين هاتيك الحمام حمامة
…
تصف الشعور بشعرها الرنان
المرء يقتله الشعور وربما
…
هز الشعور الميت في الأكفان
وانظر إلى قصيدته في ملكة الجمال عند سفح أبي الهول:
يكاد أبو الهول لولا الجلال
…
يعربد مما رأى حوله
وكم سبع قد من صخرة
…
يحب الجمال ويصبو له
وأوهمها أنه كالجماد - لتأمنه فتطيل الوقوف
ولولا مخافته أن تخاف
…
لقام يدق لها بالدفوف
إلى غير ذلك من الأخيلة التي نحب أن يخلص منها شعر طاهر إن شاء الله.
الخفيف
همام
قصة تمثيلية شعرية لعلي أحمد باكثير
ناظم هذه الأقصوصة أديب حضرمي تعجبك فيه براعة نظمه وعربية ديباجته، ويحمل بين جنبيه قلباً يخفق للعروبة التي خالطت دماءه كما يتبين لك ذلك من مقدمته النثرية التي يقول فيها (والشعب الحضرمي شعب عربي صميم تجري في عروقه دماء قريش وهمدان وحمير وكندة ومذحج) وتدور القصة حول محور واحد، ألا وهو حفلات الزواج في عاصمة الأحقاف. . . والناظم ممن يتشيعون لتعليم البنت فيقول على لسان همام (ص5)
صار فرضاً عليك أن تنشري هـ
…
ذا الهدى في جماعة النسوان
فهدى الشعب من هدى أمهات
…
الشعب في كل موطن وزمان
ويقول في موضع آخر في هذا الموضوع نفسه على لسان فتاة:
فيم غادرتم البنات علىجَهْـ - ل وقمتم تعلمونّ البنينا
كيف نستطيع بالجهالة يوماً
…
أن نؤدي أمانة الله فينا
والناظم يجيد الوصف ويحسن التصوير مما يدل على ذوق محمود، ومقدرة قوية في رسم ما تقع عليه عيناه، فيقول مصوراً الشاي في الكأس:
لولا انتصاف الكأس خيل أنها
…
في كف ساقيها تقوم بذاتها
ويسوؤه أن يرى الألاعيب والمهازل تمثل في وطنه تحت ستار الدين وهو برىء من تلك الأفاضيح الساقطة، ويهزأ برجال الدين الذين يدعون أنهم يذودون عن حياضه، ويدافعون عن بيضته وهم أبعد الناس عنه، فيسخر بهم قائلاً:
ولي الله ذو الحب
…
وة والأردية الخضر
وذو المسواك في العمة
…
قد أربى على الشبر
ورب المسبحة الغارق
…
في التسبيح والذكر
بها يذكر في الناس
…
ولا يذكر في السر
والأقصوصة على هذا المثال البديع من النظم التقليدي، وهي في أسلوبها وفنها أروع منها في روحها ومعناها، وهناك هفوات كنا نود أن يترفع عنها الناظم كما في قوله:
يوه ما أجملها من فتاة
…
يوه ما أصلحها لهمام؟
صلوات الله تغمر طه
…
وحماها الله من عين رام
ومثل المبالغة الممجوجة في قوله يصور الحب:
ولقد لقيت به دواهي لو
…
رُعْنَ الجبال تركنها تربا
ومن حسن الحظ أن مثل هذه الأبيات قليل، ولا يشين أقصوصته مثل هذا المغمز، وإنا لنهنئه على ذلك خاصة وهو ما زال في غضارة الصبا وميعة العمر.
م
تربية الطفل
للدكتور شخاشيري
وهذا الكتاب أيضاً من الكتب التي نتناولها في غبطة وإعجاب، فما أحوجنا في حياتنا الاجتماعية إلى مثل هاتيك الكتب القيمة التي تبحث في الصحة وعلى الأخص ما يتعلق منها بالطفل.
والكتاب الذي أحدثك عنه قد سار على نهج فريد، فهو سلسلة أحاديث موضوعة على طريق الحوار بين طبيب وإحدى الأمهات، ويتناول كل حديث ناحية من نواحي حياة الطفل كتغذيته ونظافته وخصائص الأطعمة الصالحة له، وما يطرأ عليه من الأمراض. . . . . الخ مما جعل الكتاب سهل المأخذ بعيد المرمى، خفيف المحمل، هذا إلى علم واسع وتفاصيل دقيقة ما أجدر الأمهات والآباء أن يستوعبوها لخير أطفالهم، ولقد أضاف الدكتور الفاضل إلى الكتاب نص محاضرته التي ألقاها في دار جمعية الحشرات الملكية في مؤتمر المجمع المصري للثقافة العلمية وموضوعها التأمين على صحة الطفل، كما أختتم الكتاب ببعض الآراء القيمة في موضوع الطفولة لثلاث من فضليات المربيات، وإنا لنشكر للدكتور الفاضل عمله الإنساني وإخلاصه الذي يتجلى في كتابه للطفل ووالديه.
الخفيف
أدولف هتلر
زعيم الاشتراكية الوطنية مع بيان المسألة اليهودية
تأليف أحمد محمود الساداتي بدار الكتب
كتاب يقع في نحو مائة وستين صفحة من القطع المتوسط جيد الطبع، متين الورق، وضعه مؤلفه الفاضل ليشرح به حركة من أهم الحركات التي تشغل بال العالم الآن، وإنه ليسرنا أن يكون بين إنتاجنا الأدبي ما يشهد باهتمامنا بتلك الحركات الشعبية التي تخرج عنها المطابع في الغرب مئات الكتب، وإن هذا الكتاب الذي أحدثك عنه ليزيد في اغتباطنا أنه بحث منظم واف بالغرض تقرؤه فتقف على الأحوال السائدة في ألمانيا اليوم وموقف حركتها الوطنية من العالم، ولقد أحسن المؤلف جدا بما أورده من مقدمات تاريخية عن ألمانيا منذ عهد تأسيس الإمبراطورية إلى الحرب العالمية، ثم بما قام به من شرح المسألة اليهودية، وشرح النازية وبرنامجها وروحها والشيوعية في ألمانيا وموقف النازية منها إلى غير ذلك من الأبحاث الوافية، وليس ثمة ما يؤخذ على المؤلف الأديب سوى تحمسه لهتلر تحمساً ظاهراً، كاد أن يفقده في بعض المواضع اتزان المؤرخ وإنصافه، وفيما عدا ذلك فالكتاب يشهد بمجهود محمود، وهمة مشكورة. .
محمود
ديوان صالح جودت
أتممت قراءة هذا الديوان لشاعرنا الشاب، فأحسست بروح لطيفة ونبرات ساحرة هادئة تظن في أذني، وأشهد لقد أعجبتني موسيقاه وصفاء ديباجته، ولكني عدت فنظرت في بعض القصائد نظرة تمحيص وتعقيب فوقعت عيني على بعض الأخطاء اللغوية وصدمتني بعض القوافي، ولو أن شاعرنا قد عني بنظمه أكثر من ذلك لكان لقصائده شأن غير هذا الشأن، ففيها روح وفيها شاعرية لا يمكنك أن تنكرهما عليه، بل إن شاعريته لتستميلك حتى ولو لم تكن ممن يقبلون على الشعر، هذا وإني لأنكر عليه وأعاتبه في شدة على تلك النزعة الطائشة التي جعلته وهو ذلك العصفور الغريد الوديع يضطرب في أجواء خانقة ويتعثر في أشواك موبقة، ما كان أغناه عنها، فإنه في الحقيقة لم يرجع بطائل ولم يفد شيئاً، ولعله كان في نزعته تلك متأثراً بقراءته أو مقلداً لغيره، فانك لا تجد في تلك القصائد التي جرته إليها المغالاة، تلك الروح العذبة الرقيقة، ولا تلك النغمة الهادئة الساحرة، التي تجدها في باقي قصائده. والخلاصة أن شعر صالح جودت كالذهب، ولكنه (خام) لابد أن يستخلص مما يعلق به من الأوشاب.
الخفيف
المرافعات والتوثيقات الشرعية
عني فضيلة الأستاذ الشيخ علي قراعة رئيس محكمة الزقازيق الابتدائية الشرعية بوضع (كتاب الأصول القضائية في المرافعات الشرعية - وكتاب مذكرة التوثيقات الشرعية) استوعب في الأول طرق القضاء وقواعد المرافعات الشرعية، وفي الثاني كل ما يلزم الموثق والموثقين في كتابة الإشهادات المنوعة وصور الدعاوي الشرعية، والوثائق المختلفة، مما لا يستغني عنه موظفو المحاكم الشرعية، وطلاب الحقوق، وأقسام التخصص في القضاء الشرعي، ويكون مرجعاً للقضاة والمحامين ومدرسي القانون والشريعة، ويطلبان من المكاتب الشهيرة.