الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 633
- بتاريخ: 20 - 08 - 1945
الحرية والقنبلة الذرية
للأستاذ عباس محمود العقاد
ختمت الحرب بالقنبلة الذرية
فعسى أن يبدأ عهد سلم موفور الأمن، مكفول الحرية
ولست ضعيف الأمل في بلوغ الغاية من هذه الطريق المرهوبة، لأن الاستعمار والاستغلال هما آفة هذا العصر في علاقات الدول وعلاقات الأفراد. ولابد أن يتأثر الاستعمار والاستغلال معاً بعد انطلاق قوة المادة من خزائنها التي كانت محبوسة فيها. فنرجو أن يكون التغير المنظور للتحسين لا للتسوئة، فإن التسوئة لا تنفع أحداً من المستعمرين ولا المستغلين، وفيها ضير محقق عليهم أجمعين.
ينشأ الاستعمار من الحاجة إلى الخامات والوقود والأسواق، ومن أجل هذه المطالب تسيطر الدول الكبرى على سبل المواصلات وتحتل المسائح البعيدة وتجور على سيادة الأمم الضعيفة بما تشاء من المعاذير والتعلات
وينشأ الاستغلال من احتكار أصحاب الأموال الوافرة الموارد الصناعة والوقود، وقدرتهم على تسخير الأيدي العاملة في صنع أدوات المعيشة بأرخص الأجور
فإذا استغنت الدول عن النفط والفحم وسائر أنواع الوقود، أو خفت حاجتها إليها، وإذا أمكن تحويل العناصر بالطاقة الهائلة التي تنطلق من خزائن الذرات على اختلافها، وإذا تيسر استبدال بعض المزروعات ببعض المصنوعات، أو تيسر الحصول على المزروعات بجهد قليل ونفقة أهون من نفقتها اليوم، وإذا صحب هذا الانقلاب ما سيصحبه حتما من تغير العلاقات بين الأمم، فهل نغلو في الرجاء إذا قلنا أن الأقوياء يستغنون يومئذ عن التحكم في الضعفاء، وإن الاستعمار ينقضي شيئاً فشيئاً، لأنه عدوان لا تدعو إليه الضرورة ولا يساوي ما فيه من عنت وما يدور حوله من نزاع؟
كذلك نرجو أن يبطل الاستغلال إذا أمكنت إدارة المصانع بغير الحاجة إلى رؤوس الأموال الكبيرة، أو بغير الاعتماد على شركات الاحتكار والاغتصاب. فلا حاجة إذن إلى إرهاق العمال في استخراج الثمرات والمصنوعات، ولا حاجة بالعمال أنفسهم إلى العناء الشديد لاستحقاق الأجور الكافية لتحصيل أسباب المعيشة الرخية، فقد تتيسر الأشياء لطالبيها
بأرخص الأثمان وأيسر الوسائل، لأن الطاقة الذرية كفيلة بتيسيرها من غير إرهاق في العمل ولا إغلاء للتكاليف
نعم، أن فلق الذرة لا يزال وديعة مكتومة بين أيدي فئة قليلة من رجال الدولتين الأمريكية والبريطانية، ولكنه سر الحكومات والعلماء وليس بسر المحتكرين وأصحاب الأموال، ولا مصلحة لحكومة من حكومات هذا العهد في تسليم هذا السر إلى شركات الاحتكار لاستخدامه في تسخير الملايين من الصناع والأجراء، وإذا تسرب السر إلى الصناعات السلمية، فلا موجب لانحصاره في أيدي أصحاب الأموال وأنصار الاستغلال، لأنه قد يتاح لأصحاب الأموال القليلة كما يتاح لأصحاب الأموال الكثيرة، وقد ينتفع به الأفراد كما ينتفع به كبار المساهمين في الشركات. ولا شك أن تكاليف العدد والأجهزة التي تستخدم في شق الذرة ستنقص مع الزمن وتدخل في متناول العدد الأكثر فالأكثر من المنتفعين بها، وبخاصة إذا تعدى الأمر معدن الأورانيوم إلى غيره من المعادن التي قد تجدي في توليد الطاقة وإن لم تبلغ في قوتها مبلغ هذا المعدن المنزور
ونود أن نتفاءل ولا نود أن نتشاءم، لأن التشاؤم هنا عبث ضائع على كل حال، فمتى وقعت الطامة الكبرى التي لا طامة مثلها ولا طامة بعدها، فإن غناء الباكيات قليل كما قال الشاعر القديم
وللقنبلة الذرية علاقة أخرى بقضية الحرية غير هذه العلاقة، وهي توكيد العقم الذي تصاب به العقول المنتجة في بلاد الاستبداد، أو في غير البلاد الديمقراطية على الإجمال
فليس أكثر من معامل التجربة في ألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا الشيوعية، وبعض الحكومات التي تخضع للحكومة الإجماعية
وليس في العالم دولة تهتم باختراع الأسلحة الجائحة كما تهتم بها دول المحور ولا سيما الألمان واليابان
كل جهود هذه الدولة منصرفة إلى استكمال العدة بكل وسيلة من وسائل الغلبة وكل حيلة من حيل العلم والصناعة
والعلم الإنساني بين أيديها كما هو بين أيدي الأمم الديمقراطية في الولايات المتحدة أو في بلاد الإنكليز
وربما استطاعوا أن يحيطوه بالأسرار ويهيئوا له جو البحث في أمان من عيون التجسس والاستطلاع، ولم يتيسر ذلك بمثل هذه السهولة في بلاد البحث الحر والصحافة المطلقة والمناقشات التي لا تنقطع في الأندية العامة والمجالس النيابية
وكان قلق الذرة عند الألمان واليابان مسألة حياة أو موت، لأنهم لا ينتصرون بغيره كما ظهر من وقائع الحرب التي يشهدوها قبل أن نشهدها، ولم يكن فلق الذرة مسألة حياة أو موت عند الديمقراطيين، لأنهم قد انتصروا بغيره أو انتصروا قبل القنبلة الذرية وتلقوا عروض الصلح من اليابان قبل استخدام القنبلة الأولى ببضعة أسابيع
ومع هذه الضرورة الملحة، وهذه العناية البالغة، وهذه اللهفة العاجلة، حضرت العقول في بلاد الاستبداد فلم تصنع شيئاً في هذا الباب ولا قريبا من شيء، وعمل الديمقراطيون للحرب بعدهم بسنوات، فإذا بهم يستعدون لها بهذا السلاح ويشهرونه على أعدائهم وهو عندهم فضول وعند أولئك الأعداء طريق النصر - بل طريق النجاة الوحيد.
لم خابت عقول المخترعين في بلاد الاستبداد وأقحلت في بلاد الحرية؟ الاختلاف في طبائع العقول؟ أهناك تفاوت في مواهب الأجناس؟
كلا، لأن العلماء الذين عملوا لفلق الذرة منهم ألمانيون وروسيون وإيطاليون ودنمركيون، ومنهم من بدأ البحث ومن تقدم به إلى ختامه الموفق ومن كان له فضل الاقتراح الناجح منذ سنوات.
فليس المرجع في هذا إلى اختلاف في طبائع العقول، أو تفاوت في مواهب الأجناس، ولكنما المرجع فيه إلى سبب واحد جامع شامل وهو جناية الاستبداد على العقل البشري بجوه الخانق وسيطرته الغاشمة وسوء التوفيق بينه وبين الكرامة الفكرية التي يشعر بها المخترع ولا غنى له عنها في معرض ن معارض التفكير.
ولم يكن هذا المخترع فلتة أو مصادفة بين المخترعات الأخرى حربية كانت أو سلمية، ولازمة كانت في موعدها المطلوب أو غير لازمة. . . لأن القاعدة مطردة بغير استثناء يذكر في مخترع واحد من مخترعات هذا الزمن الحديث. وحسبنا أن نلحظ الفارق بين الطائرات الألمانية أو الإيطالية وبين الطائرات الأمريكية والإنجليزية مع استغناء الإنجليز والأمريكيين بالأساطيل البحرية واعتماد الألمان على الطائرة والغواصة لمقاومة المدرعات
والسفن الكبيرة. فإن الديمقراطيين دخلوا ميدان الاستعداد متأخرين فبلغوا بالطائرات على اختلافها أقصى حدود الإتقان في وقتنا هذا، وأصبحت قاذفاتهم ومقاتلاتهم وحارساتهم وناقلاتهم راجحة في مجال العمل على أمثالها عند المحوريين كل الرجحان.
وما من شيء سمعناه عن أخبار الأمم التي لا تدين بالديمقراطية يدل على كساد العقول في ظل الاستبداد كما تدل عليه تلك الأخبار التي ينشرونها عن ملايين الكتب والتصانيف التي تطبع بالملايين وتوزع كما يقولون بين الملايين. فإن تلك البلاد كانت تنجب النوابغ النابهين في العلوم والآداب ولم يكن يطبع فيها عشر معشار هذا المقدار. فإذا توافر الغذاء وساءت (الصحة العقلية) فالجو إذن هو المسؤول عن هذا الهزال، وعليه اللوم وحده وليس اللوم على القرائح والعقول.
على أن القنبلة الذرية ستخدم الحرية الديمقراطية من طريق غير هذه الطرق التي قدمناها. لأنها ستحطم مذهب (كارل ماركس) كما تحطم الحصون والمعاقل التي تنقض عليها، وهو أخطر المذاهب التي تناضل الديمقراطية في عهدها الأخير.
ولسنا نعني بذلك أن الديمقراطيين يحاربون الماركسيين، وإنما نعني به أن ظهور هذا العامل الجديد في أطوار الصناعة يقطع السلسلة التي صاغ كارل ماركس حلقاتها وجعل الحلقة الأخيرة منها اجتماع الثروة كلها في أيدي ملوك الصناعة واصطلاح الفاقة كلها على العمال.
قال: ومتى صار العمال إلى هذا المأزق الضنك فلا مناص لهم من الموت جوعا أو الثورة الدموية على ملوك الفحم والحديد وأشباه الفحم والحديد.
فأقل ما تصنعه القنبلة الذرية أنها تقطع هذه السلسلة قبل حلقاتها الأخيرة، لأنه توهن قبضة المحتكرين على عناصر الصناعة الكبرى وتخلق لهذه الصناعة عنصراً غير الفحم والحديد وغير العناصر التي يقوى على احتكارها أولئك المستغلون.
فما أضخمها من قنبلة تلك القنبلة التي نجمت من أصغر الأشياء في هذه الدنيا.
أنها قنبلة ناسفة عاصفة ولكنها في عالم الأفكار والآراء أفعل ما تكون؛ لأنها إذا فعلت فعلها في آراء الناس وأخلاقهم لم يقف لها عائق ولم يكن تعويقها من المفيد، ولكنها إذا أرادت أن تفعل فعلها في عالم الأجساد وقف الناس لها أجمعون أو وجب عليهم أن يقفوا لها هناك. .
وإلا فهي القيامة لا مراء.
عباس محمود العقاد
الفلسفة الإسلامية المتأخرة
للدكتور جواد علي
- 2 -
وكتاب الأسفار من الكتب الفلسفية المهمة، وقد أكسب مؤلفه شهرة عظيمة جعلته في عداد كبار فلاسفة الإسلام. فإنك إذا ما قرأت الكتاب شعرت بأهمية المؤلف وبالمسائل العويصة المدونة فيه. وبالأفكار والنظريات الفلسفية العويصة المسطرة في صحائف السفر العظيم. تذكرك بكتب ابن سينا أو محي الدين بن العربي أو الطوسي وبأمثالهم من فلاسفة المسلمين. وقد غلط المستشرق كوبينو في ترجمة عنوان الكتاب إذ توهم فظن أن المقصود من (الأسفار) السياحات ولذلك اختار كلمة والحال أن مقصود المؤلف من كلمة (أسفار) جمع (سفر) ومعناها الكتاب. ومقصود المؤلف من (الأسفار الأربعة) الكتب الأربعة لا السياحات الأربعة كما ظن ذلك هذا المستشرق المذكور.
راجت كتب الملا صدرا رواجاً عظيما وشرحت عدة شروح وظلت آراؤه فيما وراء الطبيعة تحتل مكاناً بارزاً في عالم الفكر الإسلامي حتى اليوم. ولا زالت كتبه تستعمل في الجادة القديمة لمن تقدم في موضوع الفلسفة كما تستعمل كتب ابن سينا أو ابن رشد. وقد أثرت آراؤه هذه على الأخص في الهند وإيران والأفغان فأوجدت بعض المذاهب الإسلامية التي لم تلبث أن أصبحت مذاهب دينية ذات مناهج مستقلة مثل مذهب (الشيخية) المنسوب إلى الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي المتوفى سنة 1243 للهجرة ولسنة 1817 - 1828 للميلاد.
تأثر الشيخ أحمد الإحسائي بآراء الملأ صدرا كثيراً فشرح بعض كتبه مثل كتاب (الحكمة العرشية) وكتاب (المشاعر) وهو عيال على الملأ صدرا على الأخص في موضوع ما وراء الطبيعة. وبالنظر إلى ما كان يظهره من غلو في بعض الآراء نفر الناس منه والتمس الشيخ حاميا له ومعيناً، وكان ذلك الحامي هو الأمير محمد علي ابن فتخلعي شاه حاكم مدينة (كرمانشاه). ولما توفي هذا الحاكم اضطر إلى مغادرة إيران والالتجاء إلى (الحائر) المقدس في العراق حيث ألف كثيراً من كتبه وشرح ما راقه من كتب الملأ صدرا المهمة وبعض الكتب الأخرى. وقد عرف اتباع الشيخ أحمد باسم (الشيخية) وهم جماعة خاصة ظهرت
في جماعات الشيعة في إيران. تزعمهم تلميذ الإحسائي ومنظم صفوف الشيخية (السيد كاظم الرشتي) ابرز تلاميذ الإحسائي على الإطلاق. (توفي سنة 1844م). وكان هذا السيد من أردبيل ملجأ الشيخ صفي الدين الأردبيلي المتصوف المشهور وجد الأسرة الصفوية والذي ينسبه الكتاب إلى الإمام موسى الكاظم الإمام السابع على ترتيب الشيعة الأثني عشرية من آل البيت.
يروى عن الشيخية أن الإمام تجلى للسيد كاظم الرشتى في ليلة من الليالي وكان عمره إذ ذاك اثني عشر عاما وأشار عليه بوجوب الذهاب إلى مدينة (يزد) إحدى مدن إيران والالتحاق بحاشية الشيخ أحمد الإحسائي الذي كان يعظ ويدرس في تلك المدينة. وقد اتبع السيد أمر الإمام وذهب إلى المدينة وأصبح من تلاميذ الشيخ وأصحابه ومن أقرب الناس إليه. ولما غادر الإحسائي إيران ثم ترك العتبات المقدسة في العراق لأداء فريضة الحج توفي في الحجاز ودفن بالمدينة في جوار قبور الأئمة بالبقيع سنة 1243 للهجرة. وأصبح السيد كاظم الرشتى خليفة الإحسائي والنائب منا به في الأمور. فنظم شؤون (الشيخية) وألف في الدفاع عن عقيدة أستاذه وفي توضيح قواعد المذهب الجديد إلى أن توفي بمرض أصابه ببغداد دون أن يتمكن من النص على تعيين شخص. يكون خليفته من بعده وزعيم الشيخية الديني المطاع بالنص والتعيين.
فانصرفت جماعة منهم إلى الميرزا علي محمد الشيرازي (ولد سنة 1820م - قتل سنة 1885م) الذي جاء بتعاليم جديدة تلتقي في الفكرة التي استقى منها الملأ صدرا تعاليمه والشيخ أحمد الإحسائي والبابية عيال على الشيخية في آرائها وفي أفكارها المغالية ولا سيما في نظرتها إلى الإمام المهدي وعلاقة الإمامة بالإنسان
ومن أقوال الإحسائي في الحشر والمعاد قوله (إن هذا البدن المحسوس المركب من العناصر الأربعة يفنى ويزول ولا يعود والمحشور في القيامة هو البدن النومي الذي تراه في منامك. كما يقول إذا دخلت في النوم خلعت الجسد العنصري وبقيت في الجسد الهور قليائي وجميع أجسام الجنة والنار من قبيل الصور النومية وقد أنكر معراج النبي بالبدن العنصري البشري المحسوس (مستدلا بأن الصعود بهذا البدن يلزم منه الخرق والالتئام تبعا لفلاسفة) وفسر المعراج تفسيرا يختلف عن التفاسير المألوفة التي تحاول التوفيق بين العقل
والنقل.
وينسب إليه الغلو في الأئمة حتى أنه أشركهم مع الله في الخلق وفي القدرة وفي مسائل أخرى هي من صفات الألوهية والربوبية؛ لذلك حكمت عليه طبقة العلماء بالكفر والخروج عن الدين وكتبت بذلك وثيقة وضعتها في كربلاء إحدى المدن المقدسة في العراق.
ولم يكتب الرواج للمذهب (الشيخي) على عكس (البابية) التي نشأت في أحضان (الشيخية) ونمت بتربتها. والظاهر أن للتنظيم وقدرة زعماء البابية على إحكام أساليب الدعاية وتوجيه أنظارهم نحو العالم الخارجي المتعطش لكل فكرة غريبة هي التي دعت إلى رواج هذا المذهب الغريب. أما المذهب (الشيخي) فلم يظهر في وسطه زعيم قوى بعد وفاة خليفة (الإحسائي) السيد كاظم الرشتي يستطيع الاستمرار عل دعامة ذلك المذهب على الرغم من الجهود التي بذلها بعض علمائهم من أمثال الحاج محمد كريم خان الكرماني والملا محمد الماقاني ? ? ومع ذلك فلا زالت هنا لك جماعة صغيرة مشتتة بين العراق وإيران وسواحل الخليج تنتمي إلى مذهب الإحسائي ولكنها لا تتظاهر بذلك ولا تجهر به.
وأكثر الكتب المؤلفة في عقائد (الشيخية) هي من تأليف الشيخ أحمد الإحسائي نفسه الذي كان مؤلفا وكاتباً نشطا في التأليف، ومن تأليف تلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتى والكرماني والماقاني ومن ظهر من رجالهم. وقد طبع بعضها ولا سيما كتب الشيخ أحمد الإحسائي في إيران والهند. ولدى الأستاذ المؤرخ المحامي عباس العزاوي وهو عالم ومن الهواة في جمع الكتب مجموعة مهمة من كتب الشيخية منها ما هو بخط الإحسائي نفسه، ومنها ما هو بخط السيد كاظم الرشتى أو بخط الزعماء الشيخيين.
حاول الملا صدرا كما حاول جماعة إخوان الصفا وبقية الفلاسفة الإسلاميين وقبلهم الفلاسفة المسيحيون التوفيق بين الفلسفة والدين، وبين العقل والنقل، وبين فلسفة اليونان وبين دين الإسلام. والملا صدرا ميال إلى آراء اليونانيين بل هو يؤمن بها إيمانا كليا ولكنه مسلم من جهة أخرى، وفي محيط إسلامي كانت الصوفية في ذلك الوقت تتحكم فيه. هو صوفي في التفكير والحياة والميول. ويذهب مذهب محي الدين بن العربي في آرائه ولا سيما في فكرة (وحدة الوجود).
ولعل وحدة المزاجين مزاج ابن العربي ومزاج الملا صدرا هي التي جمعت بين الملا
صدرا وبين المتصوف الشهير على تباعد الوقت واختلاف العقيدتين - وهي التي جمعت بين الملا صدرا وبين بقية المتصوفة عموما. والظاهر أن الملا صدرا كان يؤمن بعقائد ابن العربي وبآرائه إيمان المقلد المعجب تراه يقتبس كلمات ابن العربي وأمثاله وأفكاره ويبثها في كتبه كما لو كان يقتبس من كتاب من الكتب المقدسة السماوية. ويدل ذلك في الوقت نفسه على اطلاعه الواسع على كتب ابن العربي ومؤلفاته على غموض العبارة وصعوبة الأفكار والأسلوب. وابن العربي من مبدعي مذهب (وحدة الوجود) في الإسلام والملا صدرا ممن يعتنق هذا المذهب ويدين به. يروى عن ابن العربي أنه كان يقول (كفر النصارى ليس بقولهم أن المسيح هو الله بل كفرهم لقولهم أنه ابن الله). وقال صدر الدين في أول رسالته سريان الوجود (ثم اعلم أن ذلك الارتباط كما مر ليس بالحالية ولا بالمحلية بل هي نسبة خاصة وتعلق مخصوص شبه نسبة المعروض إلى العارض بوجه من الوجوه وليس هي بعينه كما توهم. والحق أن حقيقة تلك النسبة والارتباط وكيفيتها مجهولة لا تعرف). وقال (الأٌقرب في تقريب تلك النسبة أعنى إحاطته ومعيته بالموجودات ما قال بعضهم من أن من عرف معية الروح وإحاطتها بالبدن مع تجردها وتنزهها عن الدخول فيه والخروج عنه واتصالها به وانفصالها عنه عرف بوجه ما كيفية إحاطته على ومعيته بالموجودات من غير حلول واتحاد ولا دخول واتصال ولا خروج وانفصال وإن كان التفاوت في ذلك كثيراً بل لا يتناهى ولهذا قال من عرف نفسه فقد عرف ربه).
وما الناس في التمثال إلا كثلجة
…
وأنت لها الماء الذي هو فيه
فالملا صدرا على جادة ابن عربي في (وحدة الوجود) ويشاركه في آرائه الصوفية الأخرى. ولكنه كان من جهة أخرى حذراً جدا في كلامه لبقا في أساليب التعبير. وكان إذا أراد البحث في قضية من القضايا الحساسة تعمد التعقيد والإبهام والإجمال خوفا من الاصطدام بطبقة (المجتهدين) الذين ناهضوا التصوف والفلسفة والمتفلسفين واستحوذوا على الشاه وعلى بطانة الشاه.
استحوذ رجال الدين و (أصحاب الاجتهاد) على الرأي العام وتدخلوا في شؤون الحكومة حتى أصبحت الحكومة لهم والحكم في القضايا المدنية إليهم. وتغلبوا شيئاً فشيئاً على أصحاب الذوق وعلى رجال التصوف الذين استأثروا بالحكم في بادئ الأمر حين تشكلت
الدولة الصفوية، تلك الدولة التي نشأت على أسس صوفية وعلى دعوة منظمة سياسية تسترت باسم التصوف والدروشة وذكر الله العظيم. ولكنها كانت تبث الدعوة وتوجه الأنظار سراً إلى عمل سياسي منظم قام به أنجال صفي الدين الأردبيلي الصوفي والزاهد المشهور واحد السلاطين الصفويين.
ومما ساعد تفوق رجال الدين على طبقات المتصوفة الفوضى الأخلاقية التي انتشرت في نوادي المتصوفة وأوكارها من (تكايا) و (خانقاه) وفي صفوف (القلندرية) و (الدراويش) إذ تحول (الذكر) الديني إلى رقص إيقاعي خليع، وتحول (الغزل الإلهي) إلى غزل شهواني مبتذل حتى اضطر المتصوفة أنفسهم إلى مكافحة هذه الطرق فيها كما فعل الملا صدرا نفسه وهو في عداد المتصوفة في رسالته (كسر أصنام الجاهلية).
وصبغ متصوفة إيران ممن سبقوا الملا صدرا أو ممن جاءوا من بعده ابن العربي وإخوانه المتصوفة بصبغة شيعية فجعلوه من كبار المجاهدين في خدمة التشيع وآل البيت وأحاطوه مع أمثاله كما أحاطه متصوفة السنة بهالة من التبجيل والتقديس. وكان الأحرى بهؤلاء أن يعدوه مع إخوانه في قائمة خاصة لا هي سنية ولا هي شيعية؛ قائمة يسجل فيها مع أهل الباطن وأهل الآراء الخاصة
على أن أهل الفقه من رجال الدين ممن اشتركوا في محاربة التصوف ورجاله لم يرضوا عن ابن العربي ولا عن زملاء ابن العربي ولم يخفوا حنقهم عليه. وقد حار المترجمون فيما بعد واضطروا إلى نقل الرأيين المدح والذم على الجمع بين الضدين في مكان واحد.
(يتبع)
جواد علي
القضاء في الإسلام
قطعة من محاضرة ألقيت في دمشق سنة 1942 ولم تنشر
للأستاذ علي الطنطاوي
(مهداة إلى الرجل الذي أرادنا في شخصه صفحة حية من
أمجاد قضاتنا الأولين، وفاخر به عصرنا العصور السالفات. .
. عارف الكندي)
يا سادتي! أحب أن أكون هذه العشية مؤرخاً لا شاعراً، وأن أعرض عليكم حقائق ثابتة بأسلوب هادئ، فلا أفخر ولا أبالغ، ولا أملأ الأذان إغراقاً وتهويلا، فإذا سمعتم مبالغة فاعلموا أن الواقع هو الذي يبالغ، وما هو ذنبي إذا كان قضاتنا الأولون قد نظموا بأعمالهم قصائد دونها في الفخر معلقة ابن كلثوم، وجعلوا من مناقبهم مفخرة خالدة لكل من قال (أنا عربي)، أو قال (أنا مسلم). . . كانوا أعلام الهدى في طريق العدالة، وكانوا الدراري في سماء القضاء، قد بذوا كل سابق وفاتوا كل لاحق، وما كان مثلهم، ولا أحسبه يكون!
أني والله أخذ تاريخهم فاختصره وألخصه واعرضه عليكم، وربما أشرت إشارة عابرة إلى القصة لو سمعتموها على اصلها ما دريتم لفرط ما يخالطكم من السمو والزهو وهزة الطرب وأخذة العجب! أفي أرض انتم أم في سماء. . . لا تعجبوا، ففي تاريخنا من الأمجاد ما لو أفيض على أفراد البشر لجعلهم كلهم عظماء!
وبعد، يا سادتي، فإن القضاء أعلى درجة استطاع البشر الارتقاء إليها. ارفعوا القضاء من تاريخ الإنسان يهبط إلى درك البهائم، ويأكل القوى من بني آدم الضعيف، وإن معنى الإنسانية وحقيقتها في الحياة المجتمعة الهادئة الآمنة، التي لا يطغى فيها أحد على أحد، والتي تصان فيها الحوادث والحريات، وتحفظ الدماء والأعراض، ويتحقق فيها التعاون على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولا يكون ذلك كله إلا بالقضاء.
والقضاء - عند المسلمين - أقوى الفرائض بعد الإيمان، وهو عبادة من أشرف العبادات، لأنه إظهار للعدل، وبالعدل قامت السموات والأرض. وصف الله به نفسه إذ قال (فالله يحكم بينهم) و (أن ربك يقضي بينهم)، وأمر به نبيه فقال (وإن احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع
أهواءهم)، وجعل أنبياءه قضاة بين خلقه (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون)، وبه اثبت الله اسم الخلافة لداود حين قال له (يا داود، أنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى).
والقضاء أول ما تعقد عليه أمة خناصرها، إذا عددت أمجادها ومفاخرها. وإذا استدل بفرد على سلائق جيل، كان القاضي العالم العادل اظهر دليل على مكارم شعبه ونبل أمته. وإذا كان بين الشعوب اليوم من يفخر باستقلال قضائه، وعزته ومضائه، ففاخروه يا شبابنا بقضائكم بكن لكم الفخار، وتعقد على جباهكم تيجان (الغار)، ولكن لا تناموا على هذا المجد التليد، بل انهضوا فصلوه بمجد لكم جديد!
يا أيها السامعون! أني لا ألقي خطابيات، ولكن اسرد حقائق: هذا قضاؤنا، فمن عرف قضاء اشد منه استقلالا؟ هل نال قاض في أمة من الحرية مثل ما كان لقضائنا؟ لم يكن القاضي مقيدا بمذهب بعينه لابد له في مخالفته، ولا مربوطا بقانون بذاته لا يملك الخروج من رقبته، وليس الخليفة عليه في حكمه سلطان، ولا لأمير معه في قضائه كلام، تبدلت على المسلمين دول، واختلفت حكومات، وقام قاسطون ومقسطون، وخيرون وشريرون، والقضاء في حصن حصين، لا تبلغه يد عادل ولا ظالم، ولا يمسه خليفة حق ولا سلطان جائر. . . القاضي واجتهاده، مرجعه كتاب الله وسنة نبيه، ورقيبه ضميره ودينه، ووازعه أيمانه ويقينه. وسيأتي الكلام في صفات القاضي، وإن الأصل فيه أن يكون من أهل الاجتهاد لا من المقلدين. ولقد رأيت في تراجم بعض القضاة أنهم كانوا يرجعون إلى الخلفاء يسألونهم ويستفتونهم، وإن من الخلفاء من كان يذيع من (البلاغات) ما ظاهره إلزام القاضي بقول أو مذهب. وتحرير الكلام في هذه المسألة أن من أعمال الخلفاء الاجتهاد والفتوى والقضاة وقيادة الجيوش وسد الثغور، ومن شرائطهم العلم، فإذا رجع القضاة إلى الخلفاء، فإنما يرجعون إليهم لعلمهم وفقههم لا لسلطانهم ومنصبهم، وأكثر ما رأيت من السؤال إنما هو لعمر بن عبد العزيز وأمثاله. ولقد كانوا يقولون:(العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة). . . ولم يكن القضاة ملزمين بالعمل بجواب الخليفة أو بلاغه. ولقد رد القاضي المصري بكار بن قتيبة بلاغ الموفق العباسي، لما ثبت عنده أنه مخالف للحكم، ومناهض للدليل واسقط العمل به
ولعمر الحق ما فرط قضاتنا بهذه الأمانة ولا أضاعوها، بل كانوا أمناء عليها، قائمين بحق الله فيها، لا يعرفون في الحق كبيرا ولا صغيراً، يقيمونه على الملوك قبل السوقة، ويأخذون للضعيف الواني من القوى العاتي، لم تكن تنال منهم رغبة ولو جئتهم بكنوز الأرض، ولا تبلغ رهبة ولو لوحت لهم بالموت منشورا، بل كانوا في الحق كالجبال هيبة وثباتا، وفي إنفاذه كالصواعق مضاء وانقضاضاً، وسيأتيكم محمد بن عمران قاضي مكة، الذي ادعي لديه جمال على أمير المؤمنين، العظيم المخيف، أبي جعفر المنصور، فبعث إليه (مذكرة حلب)، فجاء به في خف وطيلسان ما عليه من شارات الإمارة شيء، حتى وقفه بين يديه مع الجمال. وشريك قاضي الكوفة حين ادعت لديه امرأة مجهولة على الأمير الخطير ابن عم الخليفة وثاني رجل في الدولة بعده عيسى بن موسى، فحكم عليه حكما غيابيا، فامتنع الأمير من إنفاذه وتوسل إليه بكاتبه، فحبس القاضي الكاتب لأنه مشى في حاجة لظالم، فاستعان عليه بجماعة من وجوه العراقيين من إخوان القاضي، فساقهم جميعاً إلى الحبس، فغب الأمير وبعث من أخرجهم. عند ذلك - أيها السادة - عصفت نخوة الشرع في رأس القاضي، وأخذته عزة الإيمان فقال:(والله ما طلبنا هذا الأمر (يعني المنصب)، ولكنهم أكرهونا عليه، وضمنوا لنا فيه الإعزاز إذ تقلدناه لهم). ثم ختم قمطره، وجمع سجلاته، واحتمل بأهله، فتوجه نحو بغداد، ووقعت الرجفة في الكوفة حين مشى فيها خبر خروج القاضي، حتى خاف الأمير على سلطانه، فلحق بالقاضي يناشده الله أن يرجع، فقال القاضي:(لا والله حتى يرد أولئك إلى الحبس، فما كنت لأحبس أنا وتطلق أنت)؛ فبعث الأمير من يرجعهم إلى الحبس، والقاضي واقف ينتظر حتى جاءه الخبر بأنهم قد أرجعوا، فقال القاضي لغلامه: خذ بلجام دابة الأمير وسقه أمامي إلى مجلس الحكم، إلى المسجد، أيها السادة، وهناك أجلسه بين يديه مع المرأة، فلما انتهت المحاكمة وحكم لها عليه، نهض إليه فسلم عليه بالأمارة وقال له: هل تأمر بشيء؟ فضحك الأمير وقال: بماذا أمر؟ وأي شيء بقي؟ قال له شريك: أيها الأمير، ذاك حق الشرع، وهذا حق الأدب. فقام الأمير وهو يقول: من عظم أمر الله، أذل الله له عظماء خلقه!
هذا قضاؤنا، فهل سمعتم عن قضاء أنه بلغ في التسوية بين الخصوم مبلغه؟ لقد سووا بينهم في المجلس والخطاب والبشر، واللفتة العارضة، والبسمة البارقة، بله الحكم. وقد بلغ
التدقيق في تحقيق هذه التسوية مبلغا لا غاية وراءه، فاقترن في هذه المسألة العلم بالعمل، وحقق القضاة ما دون الفقهاء، فافتحوا اقرب كتاب فقه إليكم تروا ماذا دونوا. . .
وقف بين يدي المأمون وهو في مجلس المظالم رجل يتظلم منه نفسه، فترادا الكلام ساعة فما اتفقا، قال المأمون: فمن يحكم بيننا؟ قال: الحاكم الذي أقمته لرعيتك يحيى بن أكثم، فدعا به المأمون فقال له: أقض بيننا؛ قال: في حكم وقضية (أي في دعوى)؟ قال: نعم؛ قال القاضي: لا أفعل. فعجب المأمون وقال: لماذا؟ قال يحيى: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضاء، فإن كنت له دعوى فليأت مجلس الحكم (أي المحكمة)؛ قال المأمون: قد جعلت داري مجلسا للقضاء. قال: إذن فأني أبدأً بالعامة ليصح مجلس القضاء (وتكون المحاكمة علنية)؛ قال المأمون: افعل؛ ففتح الباب، وقعد في ناحية من الدار، وإذن للعامة، ونادى المحضر، وأخذت الرقاع (أوراق الدعوة والإعلان)، ودعي الخصوم على ترتيبهم حتى جاءت النوبة إلى المتظلم من المأمون، فقال له القاضي: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون. فنادى المحضر: (عبد الله المأمون)! فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى، ويحيى جالس، فقال للمأمون: اجلس! فطرح الغلام المصلى ليقعد عليه، فمنعه القاضي حتى جاء بمصلى مثله، فبسط للخصم وجلس عليه، والقصة طويلة عجيبة، تتمتها أعجب من فاتحتها، فاقرؤوها في (المحاسن والمساوئ) للبيهقي، الجزء الثاني الصفحة 151، وأنكم لتحارون بعد مم تعجبون: من جرأة الرجل، أو من صلابة القاضي، أو من أخلاق المأمون!
ومن قبله غضب علي - كما قيل - حين كانت له دعوى مع اليهودي، لأن القاضي ناداه: يا أبا الحسن، ودعا اليهودي باسمه، فرأى في ذلك تعظيما له وإخلالا بالمساواة بين الخصوم، والله اعلم بصحة ما قيل. ونزل ضيف يخبر بن نعيم قاضي مصر فأطعمه وأكرمه، ثم علم أن له خصومة لديه، فتركه في الدار، وذهب يفتش عن خصمه حتى جاء به فأجلسه معه على المائدة. وقد حدثني عمي القاضي النزيه صلاح الدين الخطيب عن عمه قاضي يافا في زمانه العالم الجريء المشهور صاحب النوادر الشيخ أبي النصر الخطيب بمثل هذه القصة. . . وما كان الخير لينقطع في أمة محمد إلى يوم القيامة!
هذا قضاؤنا، فهل أسمعتم أن قضاء أسرع في إحقاق الحق منه، وابعد عن التعقيد والالتواء
والتسويف والتأجيل؟ أن الحق اليوم لا يكاد يصل إليه صاحبه حتى تتقطع دونه الأعمار، وما أجدى حق يأتي من دونه المدى الأطول؟ لقد كانت بيننا وبين آل الصلاحي في دمشق دعوى على أرض لبثت في المحاكم ثلاثا وثمانين وخمسة أشهر. . . أقامها على جدهم جدي الذي قدم من (طنطا)، وانقرض منا ومنهم بطنان والدعوة قائمة، وقد خسرناها أخيراً. وصدقوني إذا قلت لكم أني لم ادر إلى الآن مع من منا الحق، ولم أفهمها. وكيف ادرس ملفا فيه من الأوراق المكتوبة بالعربية والتركية والفرنسية أكثر مما في تاريخ بن جرير الطبري؟ أما قضاؤنا، فكان يبت في القضية مهما عظمت في جلسة أو جلستين، لا يعرف هذا التطويل وهذا التأجيل. ولقد حكم قاضي مصر محمد بن أبي الليث في دعوى بني عبد الحكم المشهورة بمبلغ مليون وأربعمائة وأربعة آلاف دينار ذهبي في جلسة واحدة يوم السبت 8 جمادى الأولى سنة 237هـ، ورضى بحكمه الفريقان. روى ذلك الكندي.
وهل مثل قضاتنا في التنزه عن كل ما يقدح بحشمة القاضي ووقاره، وفي التحرز من أدنى التهم، وأضعف الميل؟ وهل للقضاة في أمة اليوم مثل ما كان لقضاتنا من رفيع الشان وعظيم القدر؟
يا أيها السادة! اذهبوا إلى سوق الكتب فاطلبوا كتاب (الخراج) الذي ألفه القاضي الإمام أبو يوسف للرشيد واقرؤوا مقدمته، واذكروا عظمة الرشيد وكبر نفسه وجلال ملكه، ثم انبشوا تواريخ الأمم الماضية وأخبار الأمم الحاضرة، وانظروا. . . هل تجدون قاضيا، أو عالما، يقول لملك دون الرشيد بمائة مرة مثل هذا الكلام أو قريبا منه:(الله الله، أن البقاء قليل، والخطب خطير، والدنيا هالكة وهالك من فيها، والآخرة هي دار القرار، فلا تلق الله غدا وأنت سالك سبيل المعتدين، فإن ديان يوم الدين إنما يدين العباد بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم، وقد حذرك الله فأحذر، فانك لم تخلق عبثا، ولن تترك سدى، وإن الله سائلك عما أنت فيه، وعما عملت به، فأعدو يا أمير المؤمنين للمسألة جوابها، فإن ما عملت قد أثبت فهو عليك غدا يقرأ، فاذكر كشف قناعك فيما بينك وبين الله في مجمع الأشهاد)
أيها السادة، هذا بعض ما خاطب به أبو يوسف القاضي هارون الرشيد أمير المؤمنين والحاكم المطلق في ست عشرة حكومة من حكومات هذه الأيام!
علي الطنطاوي
العلية الاجتماعية
التاريخ. . . ما هو؟
(إذا أراد العالم أن يكون مؤرخاً، فعليه أن يكون رجل
اجتماع. . .)
للأستاذ فؤاد عوض واصف
التاريخ. . . ما هو؟ عنوان سبقنا إليه العلامة الألماني لامبرشت؛ فلعله كان من بين الذين أثارهم ذلك التضارب المثير والاختلاف الكبير بين اتجاهات التاريخ المختلفة، حتى لقد احتار طلاب العلم ولم يدروا، أهو أنف كليوباترا الدقيق الذي غير مجرى التاريخ المصري القديم، أم هل عوامل طبيعية وجغرافية لم يكن لسحر كليوباترا وجمالها دخل فيه، أم هو الشعب أقام التاريخ المصري القديم كما أقام كليوباترا وأقعده كما أقعدها؟
التاريخ. . . ما هو؟ هل هو الإنسان بما ركب فيه من ميول ونزعات تنمو تارة فيزدهر التاريخ، وتضمحل أخرى فتضيع أصداؤه؟ أم هي الطبيعة بجبالها وأنهارها بغاباتها وأشجارها، ينمو التاريخ في أحضانها مزوداً بأعاصيرها ورياحها بثورتها وهدوئها، أم هو المجتمع يتمخض عنه التاريخ (كما يتمخض الناتج الكيميائي عن مزيج من العناصر)، دون أن يكون للفرد فيه أو للعوامل الطبيعية غير دور ثانوية؟. . .
التاريخ. . . ما هو؟
كان التاريخ في عهوده الأولى عبارة عن مقطوعات نثرية لا تقرر الواقع، وكانت أغلب القصص التي تروى في ذلك الحين مختلفة، وكانت المعابد مكانا تسجل فيه بعض الأحداث ومعجزات الآلهة. أما في روما، فكان أكثر ما يشغل الشعب الأخبار السياسية، ولذلك كانت تدون على جدران المعابد
وجاء المؤرخون الأول من بلاد أيونا، واشتهروا بأسفارهم ورحلاتهم العديدة التي كانت عمادهم في جمع الأخبار وتسجيلها. ومن هؤلاء هيرودوت أبو التاريخ الذي طاف بعدة بلاد، وزار مصر حيث تعرف إلى كهنتها، فكانوا له أكبر العون، وأمدوه بالقصص المختلفة وأخبار الآلهة ووقائع الحروب. وجاء بعد هيرودوت توكيديدس واكزنوفان وغيرهما،
ومجموع ما خلفه لنا هؤلاء وإن يكن يحوي الكثير من الحقائق، فإن الطابع الأدبي والشعري غالب عليه
وفي القرون المسيحية الأولى كان التاريخ مقصورا على مجرد ذكر الوقائع والأخبار المسيحية المختلفة، وحتى القرن الثالث عشر الميلادي كان التاريخ في معظمه وقائع وأخبارا دينية، وكان غرض المدرسين أن يبينوا كيف أن الأحداث التاريخية تتابع في نظام إلهي؛ فالحياة الإنسانية سلسلة عجائب ومعجزات إلهية، هي تجليات لله في خيرها، وتجليات للشيطان في شرها.
والنهضة الأدبية التي ظهرت في القرن الثالث عشر قادت إلى الكشف عن كثير من النصوص المفقودة، وأمدت التاريخ بعناصر جديدة، فظهرت لأول مرة مؤلفات تاريخية منظمة مثل مؤلفات مكيافيلي
وفي القرن السادس عشر أصبح المؤرخ بعد حركة الاكتشافات الكبيرة، على علم ببلاد جديدة وشعوب جديدة؛ فاتسعت بذلك معلوماته واتجه إلى البحث في فروع جديدة من أفرع التاريخ كاللغة والديانات وغيرها. . .
وبعد الثورة الفرنسية ظهرت القوميات فكانت دافعا كبيرا للبحث عن منابع التاريخ القومي لرغبة الناس في التغني بماضي أوطانهم وتفوق عناصرهم، فظهرت الكتب التاريخية حافلة بالوقائع الحربية وتراجم مشاهير الرجال. ولا يزال التاريخ يتقدم حتى بلغ المرحلة التجريبية؛ وظهرت الخطوط الأولى لهذا التقدم الهائل في مؤلفات بارتسولدنييور الذي يعد واضع منهج التاريخ العلمي، ومن عهده أصبح التاريخ يستند إلى مناهج شبيهة بمناهج العلوم الطبيعية، وأصبح المؤرخ يتخذ من نفسه موقف الباحث العلمي الذي يبحث عن الوقائع مجرداً عن كل غاية، وانحصر عمل المؤرخين في هذا الدور على جمع الوقائع والأخبار وتحديدها تحديداً علمياً وتنسيقها في مجموعات منظمة؛ ولم يكن المؤرخ يرمي إلى تفسير الوقائع أو بيان الرابطة العلية التي ترتبط بها الأحداث التاريخية لرغبته في الابتعاد كل البعد عن النزعة الذاتية
ولكن هل من الممكن أن تكون هذه المجموعة الكبيرة من الوقائع المحددة تحديداً علمياً دقيقاً، هي كل عمل المؤرخ ينتهي عندها نشاطه؟ لابد للمؤرخ من أن يخطو خطوة أخرى
حتى يجعل من الوقائع حقائق يقبلها العقل، ذلك لأن الواقعة التي تريد أن تؤكد نفسها من غير تفسير أو علة، لا يمكن أن تكون حقيقة مقبولة، لأنها وهي تقرر وجودها تنكر شرطاً أساسياً للوجود الحقيقي. أن الوقائع المنفصلة - كما يقول كروتشه - جافة وثقيلة، ولابد للفكر من أن يغمرها بقبسه حتى تكتسب الصفة العقلية:(أن الوثائق والآثار تعود إلينا برجالها، فنتمثلهم أحياء عاملين منفعلين، نتمثلهم بأصواتهم وهيئاتهم وعاداتهم، وكأنهم عابروا سبيل التقينا بهم منذ فترة قصيرة. . . ولكن تبقى خطوة ثانية، هي البحث عن الرجل الخفي وراء الرجل الظاهر، البحث عن المركز ومجموعة الأعضاء والعوامل الداخلية التي كانت علة حدوث الوقائع. . . تلك هي الدراما الداخلية، شيء يختلف عن جمع الأخبار). والقاعدة الأساسية لتي يعرفها المؤرخ الآن (اجمع الأخبار ثم اربطها علمياً وفسرها)
الخطوة الأولى إذا في العمل التاريخي هي جمع الأخبار وتحديدها تحديداً علمياً دقيقاً. والخطوة الثانية، وهي التاريخ بمعناه الحقيقي تتجه إلى تفسير الوقائع والكشف عن الروابط العلية التي ترتبط بها الأحداث التاريخية
ولما كانت عملية التفسير التاريخي عملية ذاتية تعددت النظريات واختلفت الاتجاهات، ومن هنا جاءت كتب التاريخ مصبوبة في قوالب مختلفة وفي كثير من الأحايين متناقضة
والذي نبغيه من هذا البحث العلمي هو تحديد هذه الاتجاهات المختلفة، وبيان أوجه النقد فيها، ثم نحاول أن نكشف عن هذا الاتجاه الجديد الذي يمكن رد الأبحاث التاريخية فتسلم من وجوه النقد. وسنرى أن هذا الاتجاه هو علم الاجتماع الحديث، فموضوع التاريخ وعلم الاجتماع واحد، وهو الإنسان في نشاطه الاجتماعي.
والاتجاهات المختلفة في التفسير التاريخي يمكن أن تنقسم إلى قسمين:
1 -
نظريات ميتافيريقية أو ميتافيزيقية مقنعة بحجاب علمي
2 -
نظريات علمية
أولاً: النظريات الميتافيزيقية
1 -
النظرية الدينية: تتلخص في القول بوجود علة متعالية هي رائدة الأحداث التاريخية تحددها وتقودها نحو غاية يعلمها الله. وهذا التفسير لا يزال له أنصار معاصرون مثل
لورنت البلجيكي وروخول الألماني وفتلت الإنكليزي؛ فعند هؤلاء علة الوقائع التاريخية هي إرادة الله، والتاريخ سلسلة من معجزات الله.
2 -
النظرية العقلية: تتجه هذه النظرية في تفسيرها لعلل الوقائع التاريخية اتجاهاً يرمي إلى القول بأن هذه الوقائع تتم تبعاً لنظام عقلي مرسوم، وكل واقعة تاريخية لها غرض وجودي، ومن شأنها أن تحدث تقدماً في المجتمع
ولإثبات خطا هذه النظرية يكفي أن نقول أن الأبحاث التاريخية العديدة تثبت لنا أن الوقائع التاريخية تتم في أغلب الأحايين أن لم يكن في كلها بعكس ما تزعمه هذه النظرية. فليست الصفة العقلية بملازمة للوقائع التاريخية، فالمؤسسات وغيرها لا تقوم في الغالب إلا لإشباع رغبة منشئيها وأصحابها، وإن الحصر ليقصر عن تعداد الأحداث التاريخية التي كانت سبباً في تأخر المجتمع لا في تقدمه تبعا للصفة العقلية التي تزعمها هذه النظرية
3 -
النظرية الهيجلية: وهي نظرية الأفكار التي تلاحظ من خلال الشعوب كرائدة وقائدة لها. وقد ظهرت هذه النظرية في ألمانيا بشكل (الرسالة) توكل إلى الشعوب والأفراد فيكون الزمام بأيديهم فتحقق الأحداث التاريخية تبعاً لمشيئتهم وتوجيههم
وهذه النظرية شبيهة بالنظرية السابقة، لأنها تفترض أن الأحداث التاريخية تتحقق بطريقة عقلية ومن شأنها تقدم المجتمع، فما قيل في نقد النظرية السابقة يمكن أن يقال في نقد هذه النظرية
4 -
نظرية التقدم المستمر والضروري للإنسانية، وقد اعتنقت هذه النظرية من بعض الوضعيين وترد إلى العلامة سبنسر. فسبنسر في كتابه (مبادئ علم الاجتماع) يزعم أنه بدراسته للأحداث التاريخية قد استنبط قوانين عامة تتحكم فيها وتعمل باستمرار على تقدم الإنسانية ورقيها. وفي نظره أن الإنسانية تتقدم من البسيط إلى المركب، ومن المتجانس إلى اللامتجانس، وأنها تتطور أيضاً من الحالة الأنانية إلى الحالة الغيرية
ولكن البحوث الحديثة قد أثبتت خطا نظريات اسبنسر كلها، فالأنانية موجودة في عصرنا الحالي، وفي كثير من الأحايين لا تختلف عن أحط أنواع الأنانية الموجودة في الشعوب البدائية؛ وحسبنا ما هو مشاهد في استراليا من قيام بعض الجماعات الأوربية بصيد الزنوج في عطلة الآحاد كأنهم يتصيدون حيوانات لا حق لهم في الحياة. فالأنانية والغيرية موجود
في الشعوب البدائية والحديثة بدرجة تكاد تتشابه في كثير من المواطن
5 -
النظرية الحيوية: هذه النظرية استعارت تفسيرها من عالم الكائنات الحية، فقد أراد أصحابها أن يدرسوا فروع التاريخ المختلفة من لغة وقوانين وعادات. . . الخ. كما لو كانت كائنات عضوية حية تملك قوة وراثية كامنة فيها هي علة النشوء والتطور فيها. ونضرب مثلا لنظرية التطور الحيوي بأبحاث برونتيير في تاريخ الأدب، وهي أبحاث شهيرة استعارت تفسيراتها من عالم الكائنات الحية
وسينوموس يرد على هذه النظرية بالقاعدة الآتية: (إذا أردت أن تبحث عن علل حادث تاريخي فأبدا بتفسيرها تجريبياً، وإذا أردت أن تستعمل تجريدات بعد ذلك فابتعد عن كل مجاز يظهر هذه العلل في صورة موجودات حية. . .)
هذه هي أهم النظريات الميتافيزيقية والشبه ميتافيزيقية التي تناولت تفسير الأحداث التاريخية والكشف عن عللها بوجهات نظرها المختلفة. وقد بينا وجوه النقص في هذه النظريات المختلفة وقصورها الواضح في بيان التفسيرات الصحيحة للأحداث التاريخية. . .
ثانياً: النظريات العلمية
1 -
النظرية الجغرافية والظروف الطبيعية المحيطة بالإنسان: ترتبط الوقائع التاريخية تبعا لهذه النظرية ارتباطا علميا يقوم على الظروف الإقليمية والاختلافات الجغرافية والطبيعية. فعند راتزك، الجبال والأنهار والبحار وغيرها من العوامل الجغرافية هي العلة المباشرة للوقائع التاريخية. فمثلا متشنيكوف يقول:(إذا تساءلنا عن العامل الذي كان سبباً لأن تصل المدنية إلى درجة النضوج فسيكون الجواب: أنه المكان الذي هيأ أكثر من غيره مجالا لتكاثف الناس)
والآنسة سميل تقول: (إن انتقال المخترعين الأول من الشرق إلى الغرب إنما كان للتخلص من كلاب جيرانهم ونباتحهم المزعج)
وهذه النظرية شائعة في الكتب التاريخية إلى حد كبير، وتحمس لها الكثيرون من أئمة التاريخ كمونتسكيو وابن خلدون. والواقع أنه إذا كان للظروف الجغرافية والطبيعية الأثر الذي لا ينكر، فإن الإنسان بما امتاز به من قوة فكرية يخضع في الطبيعة في أغلب
الأحايين ويسيطر عليها، وهذا ما جعل كلود برنارد يقول عن الإنسان:(أنه السيد الآخر للطبيعة)
2 -
النظرية المادية التاريخية: هذه النظرية تنظر إلى الحياة الاقتصادية كعلة للوقائع التاريخية. فالطاحونة التي كانت تدار بالهواء قد أوجدت مجتمعا (يتحكم فيه أمراء الإقطاع، وأما الطاحونة التي تدار بالبخار فقد أوجدت مجتمعا رأسماليا)؛ فالتحول الاجتماعي من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي يرجع إلى تحول الطاحونة التي تدار بالهواء إلى طاحونة تدار بالبخار. . .
وأهم من قال بهذه النظرية هو كارل ماكس. فكارل ماركس جعل الحياة الاقتصادية هي العامل المحرك للحياة الاجتماعية والأحداث التاريخية وموقف الإنسان ما زاد الحياة الاقتصادية موقفاً (سلبياً
وهذه النظرية برغم شهرتها حافلة بالأخطاء النظرية والعملية. فأتباع كارل ماركس أنفسهم في عصرنا الحالي في روسيا وإن اتفقوا مع أستاذهم في كون العامل الاقتصادي هو أهم العوامل الاجتماعية، فهم يخالفونه في نظرته إلى الإنسان باعتبار موقفه من الحياة الاقتصادية موقفا سلبيا؛ فالاشتراكية الحديثة تقرر أن الإنسان عامل إيجابي وإن الحياة الاقتصادية ترتد إليه، فهو الذي ينميها ويوجهها سواء السبيل.
وإن المقام ليضيق بنا إذا أردنا تعداد الأخطاء النظرية والعملية من النظرية المادية التاريخية التي سلبت الحياة والفكر من الإنسان الناطق وأعطته للمادة الصماء. . .
3 -
النظريات النفسية: أهم هذه النظريات بالنظريات بالنسبة للتاريخ نظريتان:
(ا) نظرية التقليد.
(ب) نظرية الدوافع.
(ا) نظرية التقليد: أول من قال بهذه النظرية جبرائيل تارد وتتلخص في أن ظهور فرد قوي أو قائد شجاع يكون عاملا على انبثاق حضارة جديدة. فنظرية تارد تنسب كل الأحداث التاريخية إلى أفراد وهم الرجال العظماء فتراهم يقولون (نابليون فهل كذا وكذا. . .). والعلة التي جعلت إنجلترا في عهد الملكة (آنا) تختلف عن إنجلترا في عهد الملكة اليزابيث، والتي جعلت جامعة هارفرد اليوم تختلف عنها منذ عشرات السنين إنما
ترجع إلى أفراد (أنه الفرد منبع الأفكار الجديدة، والاختراعات والقواعد القضائية وغيرها من عوامل الإصلاح. . .).
وظاهرة التقليد عند تارد تقوم على ثلاثة عناصر:
1 -
التكرار.
2 -
المعارضة.
3 -
القبول.
وتكون هذه العناصر الثلاثة حلقة دائرية، تبدأ محدودة ثم تأخذ في الاتساع بسرعة وبدون توقف. وعنصرا التكرار والقبول هما العنصران البارزان في هذه العملية، وعنصر المعارضة يهيأ، في هذه الحركة الدائرية لظهور عباقرة مخترعين. ويمكن أن نفهم العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة عندما تعتبر أن عنصر التكرار المستمر يعمل بنفسه على مضاعفة القبول وازدياده، وفي حالة المعارضة يعمل على ظهور وسائط أخرى من شأنها أن تحدث اتجاهات جديدة وتضاعفها بدورها. . .
ولعل نظرية التقليد هي أكثر النظريات العلمية شيوعاً في مناهج البحث التاريخي، مع أن التقليد كما يقول العلامة در كيم (هو توليد أتوماتيكي ناتج عن فعل بدون أن يتدخل في هذا الفعل أية عملية عقلية واضحة أو غير واضحة) فانتشار عادة من العادات في مجتمع ما لا ترد إلى تقليد الأفراد الذين بدءوا بممارسة هذه العادة تقليداً إرادياً كما يزعم تارد، وإنما يرجع انتشار العادة إلى الشعور الجمعي المتولد والذي كان هؤلاء الأفراد أول من استجاب له) فالتقليد هنا بمعنى آخر تماما غير هذا الذي يعنيه تارد.
(ب) نظرية الدوافع: يقول مبرفي ونيوكب في كتابهما (علم النفس الاجتماعي التجريبي)، أنه إذا كانت ظاهرة التقليد قد حظيت بالأنصار العديدين في أواخر القرن التاسع عشر وأواخر القرن العشرين، فانه لم يعرف حتى الآن انتصار لنظرية كذلك الذي حظت به نظرية الدوافع التي كان أول من قال بها ماكدوجل الأمريكي. فماكدوجل يقول (أن مظاهر الأفراد بعضهم مع بعض في المجتمعات، ترجع بعد تحليلها إلى الدوافع الفطرية)، وهذه الدوافع عند ماكدوجل أربعة عشر أهمها الجوع والعطش والغريزة الجنسية وغريزة الأمومة.
(البقية في العدد القادم)
فؤاد عوض واصف
الحديث المحمدي
لمحة من تاريخه
للأستاذ محمود أبو رية
(عن لنا أن نبحث عن تاريخ الحديث، وبعد درس طويل تهيأ
لنا من هذا التاريخ كتاب سنقدمه للطبع وهذه كلمة صغيرة
عنه)
(أبو رية)
لما أنشأت أدرس ديني درس العقل والفكر بعد أن أخذته للقيناً من نواحي العاطفة والتقليد رأيت أن أرجع إلى مصادره الأصلية ومراجعه الأولى، ولما وصلت من دراستي إلى كتب الحديث كنت أجد فيها بعض أحاديث لا تسكن نفسي إليها ولا يطمئن قلبي لصحتها، ذلك بأنها تحمل من المعاني ما لا يقبله عقل سليم أو يقربه علم ثابت أو يؤيده حس ظاهر أو كتاب متواتر، وكنت أجد مثل ذلك في كثير من الأحاديث التي شحنت بها كتب التفسير والتاريخ وغيرها.
وكان أكثر ما يثير عجبي أني إذا قرأت كلمة لأحد أجلاف العرب أهتز لبلاغتها وتعتريني أريحية من جزالتها، وإذا قرأت بعض ما ينسب إلى النبي من قول لا أجد له هذه الأريحية ولا ذلك الاهتزاز. وكنت أستبعد أن يصدر مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة عن نبي الذي كان أفصح من نطق بالضاد. وما كان عجبي هذا إلا لأني كنت أسمع من شيوخ الدين عفا الله عنهم: أن كل الأحاديث التي وردت في كتب السنة قد جاءت بألفاظها ومعانيها، وإن على المسلمين بكل ما حملت ولو كان فيها ما فيها.
ولما قرأت حديث (من كذب على معتمداً فليتبوأ مقعده من النار) غمرتني الدهشة لهذا القيد الذي يبعد أن يأتي من رسول جاء بالصدق وأمر به، على أن الكذب كما قال الحافظ بن حجر:(هو الأخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء أكان عمداً أم خطأ).
ظللت على ذلك زمناً طويلا إلى أن حفزني حب عرفان الحق إلى أن أنقب عن تاريخ
الحديث من مصادر الدين الصحيحة، والأسانيد التاريخية الوثيقة لعلي أقف على شيء يذهب بما في صدري من حرج ويصرف ما بنفسي من ضيق، وذلك لأن هذا الأمر الجليل لم يفرد من قبل بالتأليف المستقصى أو التدوين المستفيض.
ولبثت في البحث والتنقيب زمنا طويلا إلى أن انتهيت من أمر (الحديث المحمدي) إلى حقائق غريبة ونتائج خطيرة، ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها ما سموه صحاحاً وما سموه سنناً حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه، حتى لقد قال الإمام الشاطبي في الاعتصام:(أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله متواتر) ووجدت أن الصحيح منه على اصطلاحهم أن هو إلا معان مما فهمه الرواة من أقواله صلى الله عليه وسلم. وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة قد بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث ولكنك لا تجد ذلك إلا في الفلتة والندرة؛ ومن أجل ذلك جاءت أحاديث الرسول وليس فيها من نور منطقه، أو ضياء بلاغته إلا شعاع ضئيل.
كان أول ما انكشف لي من هذه الحقائق أن النبي (ص) لم يجعل لحديثه كتابا يكتبونه عندما كان ينطق به كما فعل ذلك بالقرآن، وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه من أذهان السامعين. ولم يدع الأمر على ذلك فحسب بل نهى عن كتابة غير القرآن أو تدوينه فقال:(لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن؛ فمن كتب عني غير القرآن فليمحه) رواه مسلم وغيره، ثم اتبع أصحابه طريقه وأطاعوا أمره فلم يكتبوا أقواله كما كتبوا القرآن. ولم يقف أمرهم عند ذلك بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون الناس عنها، وينتقد بعضهم بعضا فيما يأتي منها ويتشددون في قبول أخبارها حتى لقد كان عمر رضي الله عنه لا يقبل الخبر من أي صحابي إلا إذا جاء بشاهد يشهد أن النبي قاله.
رواية الحديث بالمعنى
ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا من أحاديث نبيهم ووجدوا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بأصل الحديث كما سمعوه على لفظه، كما نطق النبي الكريم به، وإن الذاكرة لها حكم يجب الإذعان له والنزول عليه أباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى. ثم سار على سبيلهم كل من جاء من الرواة بعدهم فيأخذ المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول بالمعنى ثم ينقله إلى غيره بما بقي في ذهنه من هذا المعنى. وهذا أمر معلوم بينهم حتى لقد قال وكيع كلمته
المشهورة: (إذا لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس) وهكذا ظلت المعاني تتوالد والألفاظ تختلف باختلاف الرواة، وفيهم الأعاجم وغير الأعاجم ممن ليسوا بعرب، ولا يخفى ما في ذلك من ضياع معالم المعنى الأصلي وزوال شيء كثير منه. ومن العجيب أن رواية الحديث بالمعنى قد سارت على هذا النهج قرونا إلى أن خرج الحديث في صورته الأخيرة التي حملتها كتب السنة وخرجت بها في القرن الثالث وما بعده. وقد قال البخاري المتوفى سنة 256هـ وكتابه كما يقولون أصح كتاب بعد كتاب الله:(رُبَّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له بكماله؟ فسكت).
ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى ولا جرم ضرر كبير سواء أكان من الناحية الدينية أم من الناحية اللغوية والبلاغية، وبعد أن أباحوا الرواية بالمعنى أستجازوا لأنفسهم أن يأخذوا بالحديث إذا أصابه اللحن أو اعتراه الخطأ أو اختلف نظم عقده بالتقديم أو التأخير؛ وكذلك قبلوا أن يأخذوا ببعض الحديث ويتركوا بعضاً.
الموضوعات
وإن أشد ما منى به الحديث ولا جرم إنما كان منها (الموضوعات) التي اختلطت به وتدسست إليه فكانت مصدر بلاء كبير للمسلمين في كل العصور، وقد تولى كبر هذه الموضوعات فريقان:
أحدهما: أحباء الإسلام من مختلف الفرق والمذاهب وأصحاب الأهواء حتى الصالحين وأهل العبادة، أولئك الذين قال فيهم يحيى بن سعيد القطان:(ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث) ولقد كانوا يسوغون افتراءهم بقولهم: (إنا نكذب له لا عليه) ولكي يشدوا عملهم هذا بما يؤيده وضعوا أحاديث على النبي تجيز لهم هذا (الوضع) مثل ما رووا (إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس).
ثانيهما: أعداء الإسلام من الزنادقة وغيرهم من دعاة اليهود والنصارى الذين أظهروا الإسلام وأضمروا دينهم، فاغتر الصحابة وتابعوهم بإسلامهم، واخذوا من غير بحث عنهم. ولقد كان ما وضعوه، تلك الأحاديث التي جاءت في فضل الشام الذي كان في عهد بني أمية قاعدة الحكم ومصدر السلطان، وكذلك وضعوا أحاديث في أن (الإبدال) المعروفين عند الصوفية سيظهرون في الشام!
ولئن كان قد كذب على النبي بعد وفاته فقد كذب عليه وهو حي، ولا غرو فإن الكذب عريق في الإنسانية لا يخلو منه زمان ولا مكان.
الإسرائيليات والمسيحيات
وقد عقدنا فصلا للإسرائيليات تحدثنا فيه عما صنعه كهان اليهود في حديث رسول الله وأثبتت في كتب السنة وفي التفاسير ومصادر التاريخ وغيرها أمثال: كعب الأخبار، ووهب ابن منبه وغيرهما. وبينا كيف استحوذ هؤلاء الكهان على عقول المسلمين حتى وثقوا بهم ورووا عنهم، وعرضنا لأمر مؤامرة قتل عمر التي اشترك فيها كعب الأحبار، وقصة الصخرة، وبينا كيدهم السياسي الذي قام به عبد الله بن سبأ وأردفنا هذا الفصل بفصل آخر عن المسيحيات وما صنعه مثل تميم الداري الذي كان مسيحياً وأسلم.
كثيرة الأحاديث المروية
ولما كان التدوين قد تأخر وما جاء عن الرسول من قول غير القرآن قد فاته الإحصاء والتقييد ولم يرتبط في زمن النبي وصحابته بالتدوين، فإن الرواية قد اتسعت واستفاضت، وكلما امتد الزمن زادت الرواية حتى صارت الأحاديث المنسوبة إلى النبي تعد بمئات الألوف. وقد نقلوا عن أحمد بن حنبل أنه قال: صح من الحديث 700 ألف حديث واكثر، وإن أبا ذرعة قد حفظ 700 ألف حديث.
ولما طلب إسحاق بن راهويه من تلاميذه وفيهم - البخاري - أن يجمعوا مختصراً لصحيح سنة رسول الله. ونهض البخاري لتحقيق رغبة أستاذه قال:
(إني أخرجت كتابي من زهاء ستمائة ألف حديث) ونقل عنه أنه قال: احفظ مائة ألف حديث صحيح ومئتي ألف حديث غير صحيح! على أنك لو نظرت إلى عدد ما اختاره في كتابه لوجدت أنه لا يزيد عن 2513 كما حرر ذلك الحافظ ابن حجر فأين ترى قد ذهبت هذه الثروة الهائلة من الأحاديث!
أبو هريرة
ولما كان أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول الله في حين أنه لم يصاحب النبي إلا ثلاث سنين فحسب، وكذلك كان أكثر من نقل عن هؤلاء اليهود فقد أفردنا له ترجمة خاصة
تحرينا فيها وجه الحق، وحق العلم، وأوردنا فيها ما له وما عليه بغير أن نخشى أحداً في إظهار الحق أو نتحرج من شيء في بيان العلم، وكيف يصدنا تحرج أو يمنعنا خوف وقد انتقده الصحابة أنفسهم وردوا كثيراً من رواياته، وكذبه عمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم، بل قد ضربه عمر بالدرة وحذره الرواية عن النبي أو ينفيه إلى بلاده حتى لقد كان بذلك أول رواية اتهم في الإسلام.
حديث من كذب علي
أما حديث من كذب علي (معتمداً) فقد عنيت بالبحث عن حقيقته عناية كبيرة حتى وصلت من بحثي إلى أن كلمة (معتمداً) هذه لم تأت في روايات كبار الصحابة ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين: عمر وعلي وعثمان، وإن الزبير بن العوام - وهو حواري رسول الله وابن عمته - قد قال عنها:(والله ما قال معتمداً) ولعلها قد تسللت إلى الحديث من سبيل الأدراج المعروف عند رجال الحديث ليتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الموهم، أو الغلط أو سوء الفهم حتى يدرءوا عن أنفسهم إثم الكذب ولا يكون عليهم حرج في الرواية لأن المخطئ غير مأثوم ومن أجل ذلك وضع الرواة قاعدتهم المشهورة: إنما الكذب على من تعمده؛ أو أن هذه الكلمة قد وضعت ليسوغ بها الذين يضعون الحديث خشبة عن غير عمد عملهم كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين، ويقولون: نحن نكذب له لا عليه، ومن العجيب أنهم قد جعلوا هذا الحديث من المتواتر بلفظه ومعناه في حين أنه قد ورد بصيغ كثيرة كل صيغة منها تخالف الأخرى.
تدوين الحديث
ومما كشف عنه الحديث أن تدوين الحديث لم يقع إلا في القرن الثاني أي بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى بأكثر من مائة سنة. ولم يكن ذلك بدافع من الرواة، وإنما كان بوازع من الولاة! وبدا أول ما بدا غير كامل، ثم تقلب في أدوار أربعة، فكان في أول أمره مشوبا بأقوال فقهاء الصحابة في التفسير وغيرها من مسائل دينية أو طرف أدبية أو أبيات شعرية أو ما إلى ذلك مما كانوا يعنون بجمعه وتدوينه من غير ترتيب ولا نظام إلى أن جاءت طبقة ابن جريح والربيع بن صبيح وحماد بن سلمة وغيرهم في منتصف القرن الثامن وما
بعده، فوضعوا كتباً في الحديث ولكنهم مزجوا أقوال الرسول بفتاوى الصحابة والتابعين كما تجد ذلك في موطأ مالك.
وبعد انقضاء مئتي سنة من الهجرة جرد العلماء ما كان ينسب في هذا العهد إلى النبي من أحاديث ودونوه في مسانيد بغير أن يخلطوا به شيئاً من فتاوى الصحابة والتابعين مثل مسند الإمام أحمد وغيره.
وفي منتصف القرن الثالث وأول القرن الرابع وما بعد ذلك ظهر التدوين في صورته الأخيرة، فاختار البخاري وغيره من الأحاديث التي كانت منتشرة في زمنهم وخرجوا منها كتبهم.
علماء الأمة أزاء الحديث
ولأن الحديث لم يبدأ تدوينه إلا في القرن الثاني وكتبه المعتمدة بلا خلاف بين المسلمين وهي: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي لم تظهر إلا في القرنين الثالث والرابع، وكانت روايته قد جاءت بالمعنى من طريق الآحاد التي لا تعطي إلا الظن - والظن لا يغني من الحق شيئاً، فإن علماء الأمة لم يتلقوه بمحض التسليم والإذعان كما تلقوا ما جاءهم من محكم القرآن ولا اعتبره من الأخبار المتواترة التي يجب الأخذ بها ولا يجوز لأحد أن يختلف في اتباعها وإنما اختلفوا طرائق قدماً فيه اختلافاً بينا لم يستطع أحد إلى اليوم تلافيه
المتكلمون وعملاء الأصول
أما المتكلمون وعلماء الأصول فانه لما كان (الخبر) عندهم ينقسم إلى - متواتر وآحاد؛ والمتواتر إنما يعطي العلم القيني، والآحاد لا يعطي إلا الظن، ولم يجدوا في كتب التاريخ خبراً متواتراً تكون دلالته يقينية بل أنه قد جاء من طريق الآحاد التي دلالته ظنية - والظن لا يغني من الحق شيئاً - فقد ردوا كل حديث لا يتفق مع ما يذهبون إليه من الأصول التي اتخذوها لهم. ومن القواعد التي اتفق عليها جميع النظار أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد.
الفقهاء
وأما الفقهاء فقد كبلهم التقليد فلم يغنوا بكتب الحديث ولم يعطوها حقها من البحث والدرس كما أعطوا كتب شيوخهم، ولم يجعلوها بعد كتاب الله من مصادرهم التي يأخذون منها أحكام دينهم، - وإنهم عفا الله عنهم لم يتفقوا على الأخذ بالراجح من الأدلة فترى كل فريق قد ذهب في طريق الآخر - وإذا وجد من الأحاديث حتى الواهية ما يتفق ومذهبه أخذ به - وقد يأخذ ببعض الحديث ويدع بعضه، أما ما يخالف مذهبه ولو كان مما رواه الجماعة فإنه يرفضه ولا يرتضيه وبهذا الصنيع كثر اختلافهم وتعددت مذاهبهم، ومن أجل ذلك وقف سير الفقه وسكنت حركته، ولقد أعانهم على عملهم هذا أن أحكامهم مبنية على ما غلب على الظن صدقه ولكل أحد أن يأخذ من الأدلة بما يطمئن به قلبه، وإن أئمتهم قد ماتوا قبل ظهور كتب الحديث المشهورة وأن هؤلاء الأئمة أنفسهم قد كانوا مختلفين في الأخذ بما جاء عن الرسول من أحاديث فما يأخذ به هذا يدعه ذاك وهلم جرا.
ولو أنت رجعت إلى كتب العلماء المحققين وبخاصة كتاب أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية لوجدت فيها أحاديث، كثيرة جداً لم يأخذ علماء الفقه بها ولم يخالفوا مذاهبهم من أجلها، وبذلك أصبحت كتب الحديث في ناحية الإهمال منهم، وإذا ما رجعوا إليها فإنما يكون ذلك للتبرك بها أو لدفع النوازل بأسرارها، ومن عجيب أمرهم أنهم وقد جعلوا حديث الرسول وراء ظهورهم لا يزالون يقولون بأنه الأصل الثاني من أصول دينهم.
علماء النحو
وأما أئمة النحو فلم يجعلوا الحديث من النصوص التي يستشهدون على قواعدهم بها لأنهم قد استيقنوا أن رواية نصوص الحديث الصحيحة قد انتثر عقد تركيبها ولم تأت عن النبي بحقيقة لفظها ولا يعلم أحد على التحقيق ما هي الصورة الصحيحة التي نطق بها وقاعدتهم التي اتفقوا عليها أنهم لا يستشهدون إلا باللفظ المتواتر والنص الصحيح، وعلى أنهم قد تركوا الاستشهاد بالحديث الذي جاءهم عن نبيهم فانهم يأخذون بكلام الأعراب الذين يبولون على أعقابهم.
ولما انكشف لي ذلك وغيره مما لم أذكره هنا وبدت لي حياة (الحديث المحمدي) واضحة جلية أصبحت على بينة من أمر ما جاء عن الرسول من أحاديث فآخذ منها ما آخذ وقلبي
مطمئن وأدع ما أدع ونفسي راضية. ولا على مما أدع شيء؛ وصرت متابعاً للأستاذ الإمام محمد عبده فيما يقول: (لا أومن بحديث تعرض لي شبهه في صحته) وللسيد رشيد رضا في قوله: لا أعتقد سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن وإن وثقوا رجاله؛ فرب راو يوثق للاغترار بظاهر حاله وهو سيئ الباطن). ولا يتوهمن أحد أن هذا بدع في الدين فانهم قد جعلوا من قواعدهم المشهورة: أن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو القواعد المقررة في الشريعة أو للبرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر اليقينيات.
ومن قواعدهم كذلك:
(ليس كل ما صح سنده يكون متنه صحيحاً ولا كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح)
(من بلغه حديث وثبت عنده وجب عليه العمل به ومن خالف بعض الأحاديث لعدم ثبوتها عنده أو لعدم العلم بها فهو معذور.
(وقال حجة الإسلام الغزالي: أن من يعمل بالمتفق عليه كان مسلما ناجياً).
(المنصورة)
محمود أبو رية
معاهد عربية سودانية
بين والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقلدرون
ملك السودان في سنة 31 هجرية - 652 ميلادية
للأستاذ المبارك إبراهيم
ما كاد العرب يدخلون أرض مصر فاتحين بقيادة السياسي العربي الداهية عمرو بن العاص، وما كاد يتسبب لهم الأمر فيها ويبسطون سلطانهم الديني عليها، وما كاد يدين لهم المصريون بالطاعة عام 20 للهجرة على أكثر الروايات شيوعاً. . . ما كاد يتم كل هذا حتى اتجه نظر ابن العاص رئيس الحكومة العربية المصرية الجديدة في فسطاط مصر صوب القطر السوداني ابتغاء فتحه وضمه إلى خريطة الإمبراطورية العربية الناشئة. وكان ذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ففي عام 21 للهجرة أعد والي مصر عمر بن العاص جيشاً مؤلفاً من عشرين ألف مقاتل، وسيره لفتح السودان تحت إمرة القائد العربي المشهور عبد الله بن سعد بن أبي سرح
على أن هذا الجيش الغازي لم يستطع التوغل في الأراضي السودانية، وذلك لوعورة المسالك، وللمقاومة الشديدة التي صادفها من جيش حكومة السودان التي كان مقرها يومئذ (دنقلة العجوز) أي القديمة
ويؤخذ من رواية ابن الأثير أن هذه الغزوة العربية الأولى للقطر السوداني لم تكن موفقة كل التوفيق، إذ لم يتعد الفتح العربي فيها بلاد الشلال التي تقع على التخوم. ثم إن عبد الله بن أبي سرح، ما لبث أن انسحب بجيشه عائداً أدراجه إلى مصر بناء على أمر تلقاء من ابن العاص، وكان ابن أبي سرح قد هادن أهل البلاد المفتوحة على دفع الجزية فكانوا يدفعونها
وقد روى ابن الأثير أن عدداً لا يستهان به من المحاربين العرب قد عادوا إلى مصر وهم مثخنون بالجراح فاقدو الإحداق لكثرة ما نالهم في أبصارهم من نبال الجيش السوداني. ولذلك كان المحاربون العرب يسمون المحاربين السودانيين برماة الحدق
ثم دارت عجلة التاريخ دورتها، فعزل ابن العاص عن ولاية مصر في عهد خلافة عثمان
رضي الله عنه، فآلت ولاية مصر إلى قائدنا عبد الله بن أبي سرح، وعبد الله هو من ذوي قرابة ابن عفان، بل ويعد أخاً له في الرضاعة
وفي عام 31 الهجري الموافق 652 للميلاد أعاد ابن أبي سرح الكرة وهو والي مصر، فسار في طليعة جيشه معتزماً فتح السودان مهما كلفه الأمر. وكان السودانيون حينذاك قد نقضوا عهد الهدنة، ورفضوا دفع الجزية وصاروا يشنون الغارة على سكان الحدود المصرية من العرب وأبناء الصعيد، ويوسعهم نهباً وتقتيلا منتهزين فرصة انشغال رجال الحكومة العربية في المسائل الداخلية التي تلت مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأقصت ابن العاص عن مصر، وغير ذلك من المشاكل الخاصة
هذا، وبعد حروب طاحنة بين جنود ابن أبي سرح وجنود قلدرون ملك دنقلة، تمكن الفاتح العربي من احتلال دنقلة - وكانت عاصمة السودان يومذاك - بعد أن حاصرها ورماها بالمنجنيق، ولم يكن استعماله معروفاً عند الجيش السوداني
وقد قال أحد الشعراء العرب الذين اشتركوا في معركة دنقلة الفاصلة راجزاً:
لم تر عيني مثل يوم دنقله
…
والخيل تعدو بالدروع مثقله!
أما المعاهدة العربية السودانية التي حررت دليلا على المهادنة والصلح بين الفريقين فأليك نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعظيم النوبة (السودان) ولجميع أهل مملكته من حد أرض أسوان إلى حد أرض (علوة): وهي على بعد 15 ميلا من الخرطوم
إن عبد الله بن سعد جعل لهم أماناً وصدقة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاوروهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من أهل الذمة
إنكم معاشر النوبة (السودان) آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلا نحاربكم ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم
على أن دخول بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم أو يطرفه من مسلم أو معاهد حتى يخرج عنكم، وإن عليكم رد كل ابق خرج إليكم من عبيد المسلمين حتى ترده إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا
تمنعوا منه، ولا تتعرضوا لمسلم قصده وجاوره إلى أن ينصرف عنه
وعليكم حفظ المسجد الذي أبناء المسلمون بفناء مدينتكم (دنقلة)، ولا تمنعوا منه مصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه
وعليكم في كل سنة ثلاثمائة رأس وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلدكم غير المعيب يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان
وليس على مسلم دفع عدو عرض لكم، ولا منعه عنكم من حد أرض علوة إلى أرض أسوان
فإن أنتم أويتم عبداً لمسلم، أو قتلتم مسلماً، أو معاهداً، أو تعرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد (برئت) منكم هذه الهدنة والأمان، وعدنا نحن وانتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين
بذلك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به، والله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك
هذا، وتحفظ لنا كتب التاريخ الشيء الكثير من الحوادث والأخبار عن العهد الذي عقب توقيع هذه المعاهدة العربية السودانية
(أم دزمان - سودان)
المبارك إبراهيم
ذرة لا تميزها العين
(كادت تجارب الذرة أن تجعل الأرض كرة ملتهبة من
الغازات)
للأستاذ فوزي الشتوي
لدمار العالم أم لعمرانة؟
قبل أن تنشب الحرب بفترة وجيزة وقف لفيف من العلماء أمام مدفع تحطيم الذرة في جامعة كولومبيا يستعدون لأخطر تجربة. ومن يدري بما سيحدث لو انطلقت آلاته؟
استولى الرعب على كثير من العلماء فقالوا: أنه دمار العالم. فلن تمضي دقائق أو ثوان حتى تكون الأرض كلها كرة غازية ملتهبة لا أثر فيها لإنسان ولا لحيوان ولا نبات ولا جماد. ولكن العلماء لا يريدون إلا تحطيم ذرة واحدة من معدن الأورانيوم. ولكنهم يخشون القوة المنطلقة من هذه الذرة فتفجر ما حولها من ذرات وهذه تفجر ما يليها من أجسام وهكذا دواليك في سلسلة تكتنف الكرة الأرضية كلها وتبيد كونها.
وتمت التجربة وسلمت الأرض؛ فإن سلسلة الانفجارات الذرية لم يحدث. وربما تكون قد حدثت ولكنها لم تستمر أكثر من واحد على مليون من الثانية. أما السبب فكان عدم الدقة في إجراء التجربة. ولو كانت دقيقة لأبيد العالم كله ولتفجرت كل ذرات قطعة الأورانيوم فانسابت قوتها تفتك بالعالم.
الذرة
فما هي الذرة وعلى آية قوة تسيطر؟
فما الذرة فهي وحدة الجزيء. وهو بدوره أصغر وحدة في المادة، وهي شيء نظري لا وجود له في الواقع الملموس وأصغر مادة تراها بعينك تتألف من ملايين الذرات. وهي في جميع المواد التي تلمسها مجموعة من الكهارب بعضها موجب وبعضها سالب. ويسمى الكهرب الموجب بروتون ومنه تتألف نواة الذرة. وحول هذه النواة كهارب سالبة تسمى إلكترون.
ويترتب على عدد هذه الكهارب خواص المعدن أن كان حديداً أم نحاساً أم ذهباً. فالكهارب
واحدة ولكن اختلاف عددها هو الذي يحدد نوع المعدن. ومن ثم نشأ الاعتقاد العلمي بإمكان تحويل الحديد أو القصدير إلى ذهب. وقد فشلت جميع التجارب في هذا السبيل لأن العلماء فشلوا حتى الآن في التغلغل في الذرة وزيادة كهاربها أو تقليلها.
والبروتونات أو الكهارب الموجبة التي تؤلف نواة الذرة أثقل من كهاربها السالبة وإن كانت أصغر منها في الحجم. ويساوى وزن بروتون واحد وزن 1845 إلكترون، وفي المنطقة الخارجية مجموعة من الكهارب السالبة الدائمة الحركة حول النواة. وإذا زاد عدد الكهارب السالبة أو الموجبة في الذرة فانه يسمى أيونا.
مائتا مليون فولت
وقدرت جامعة كولومبيا في أمريكا، وهي المعهد الذي تولى القيام بهذه التجربة، مقدار الطاقة الذرية التي نتجت عن تجربتها بمائتي مليون فولت أو ما يكفي لإضاءة مدينة كاملة جزء من الثانية، كما أن قطعة الأورانيوم وهو من أصلب المعادن المعروفة تفتتت إلى ثماني عشرة قطعة صغيرة.
والطريقة التي اتبعتها جامعة كولومبيا في تجربتها هي استخدام كهارب خاصة اسمها (النيوترون) تنطلق من مصادرها على مركز الذرة فتخترق تحصيناتها وتستقر في نواتها (الكهارب الموجبة) وعندئذ يبدأ الاضطراب في الذرة وتصيح مثل أنبوب من المطاط والينا ملئه بالهواء فوق طاقته فيجب أن يتخلص من بعض محتوياته أو ينفجر وهو ما يحدث في الذرة التي ترسل طاقتها.
وربما كانت سرعة الطاقة المنطلقة هي السبب الذي أنقذ الأرض من الدمار في هذه التجربة؛ فإن النيوترون الأصلي الذي يحطم الذرة يسير بسرعة أقل من السرعة التي ينطلق بها نيوترون الذرة المحطمة، ولهذا فإن الأخير يمر على الذرات الأخرى ولا يفجرها وهو في ذلك مثل حبة الحصى التي يريد الطفل أن يدخلها في الحفرة على الأرض. فإن قذفها بقوة مرت من فوق الحفرة حتى لو أجاد التصويب. ولكنه لو دحرجها بلطف فإنها تستقر فيها.
معادن جديدة؟
وأثبتت التجارب أن النيترونات مهما كانت ضعيفة فإنها تستطيع فخر أقوى الذرات وأثقلها لأن كهاربها الموجبة والسالبة متعادلة.
وفحص العلماء بقايا الأورانيوم التي فجرت في كل أتجاء فوجدوا أن وزنها الذري تغير مما يدل على أن عنصراً جديداً طرأ على ذراتها وأنها أصبحت معادن أخرى؛ فبعد أن كان وزنها الذري 238 (وزن الأورانيوم) أصبح وزن بعضها الذري 137 و 220
ولسنا نستطيع التكهن بما اكتشفه العلماء بعد ذلك من خطوات حتى توصلوا إلى القنبلة الذرية؛ ولكن الثابت أن تجربة جامعة كولومبيا وما وليها فتحت آفاقاً واسعة أمام العلم ومهدت لاكتشاف القنبلة الذرية التي نرى من المعقول جداً إلا يتجاوز حجمها حجم البيضة لتدمر بضعة أميال من سطح الأرض.
وإن كبرت القنبلة عن لك في مظهرها الخارجي فإنه في الغالب حجم الغلاف الذي يجب أن تتوفر فيه أدوات خاصة لإجادة التصويب ولمقاومة طبقات الهواء وتياراته وأداة فجر القنبلة نفسها. ومجرد فجر مجموعة من الذرات يحدث درجة حرارة بالغة الارتفاع تحدث ضغطاً جوياً عظيماً يدمر كل ما حوله، فضلا عن إشعاله للنيران في المواد القابلة للالتهاب ولو كانت خشباً.
وربما كان اكتشاف القوة التدميرية للذرة هو أبسط أسرارها. والمهم أن يعرف العلماء كيف يسيطرون على هذه الطاقة ويستخدمونها في أعمال منتجة. وقد قال أحد العلماء: إن مصنعاً واحداً لإنتاج الطاقة الذرية يكفي لتغذية بريطانيا بكل ما تحتاج إليه من وقود وقوى محركة.
ولقد فتح هذا الكشف آفاقاً بالغة السعة أمام العلم، وسنسمع في كل سنة اكتشافات متعددة تؤسس كلها على الذرة وأسرارها؛ فأمام العلماء شعب لا حد لها وأولاها السيطرة على الطاقة الذرية وتوجيهها، وثانياً خواص الذرة نفسها مما سيؤدي إلى تحويل معدن إلى معدن آخر. ومن يدري، فقد تستغل الكهارب الجوية في صنع المادة؛ فالعالم كله مجموعة من الذرات.
فوزي الشتوي
في ليلة من ليالي الربيع
للأستاذ سيد قطب
في الجو رائحةٌ توسوس في الحنايا والصدور
نشوانة خَدِرتْ يعاودها التوثب والفتور
فتهيم كالشوق المجنَّح في متاهات الضمير
وكأن رائحة الحياة تدب في عنق مثير
وأحس بالنغمات سارية ترَقرقُ في الدماء
كهتاف مشتاق تولَّه لا يكف عن الدعاء
الأرض تفتنه ويرنو في ابتهال للسماء!
والصمت يغمره وفي الأحياء وسوسة الغناء!
والحب والأشواق والظمأ تغلغل للحياه
وهواتف الدنيا إلى القبل المليحة في الشفاه
وترقرُقُ الحرقات في شغف يهيم إلى مداه
وتطلُّع الصوفيِّ في شوقٍ لي ذات الإله!
هو ذا الربيع وإنه لهو الهواتف والحنين
أبداً بهيج إلى عوالم تائهات لا تبين
ويهدهد الأحلام والذكريات شتى والفنون
فإذا الحياة هوًى يرف وفتنة وشجًى دفين
عزلة.
. .
للشاعر الإنكليزي بوب
سعيد من تكون أمنته وحرصه
قليلا من الأفدنة الموروثة عن الآباء، قانعاً بأن يستنشق هواء بلده على أرضه؛
يمده قطيعه باللبن ومزرعته بالخبز،
ويغزل من وبر أنعامه فيكتسي،
يتفيأ ظلال أشجاره في الصيف ويوقد منها مدفأته في الشتاء
ما أسعده. . . إنه يجد من غير عناء
أن الساعات والأيام والسنين تمر هادئة
وهو صحيح الجسم سليم العقل؛ يجد الهدوء بالنهار وينام ملء جفنيه بالليل. . . والتأمل
والهدوء
إذا ما اجتمعا ينتجان انتعاشاً حلو وبراءة. . . يسعدان دائماً بالتفكير العميق
ذلك. . . دعني أعش غير مرئي وغير معروف
ولأمت غير مأسوف علي. اختلس فرص الحياة وليس من حجر يحد أين أرقد؟!
سليمان بخيت
في المصيف
للأديب محمد طاهر الجبلاوي
أنا هنا في حوار البحر ظمآن
…
لا أرتوي ونسيم البحر ريان
أزاهرٌ من رياض الصيف يانعة
…
تهفو لها قلب ووجدان
من كل مفتونة بالبحر فاتنة
…
لها من الموج أكناف وأحضان
يضمها منه صدر جائش أبداً
…
كأنه مغرم بالحسن ولهان
تخفى وتظهر فوج الموج لاعبة
…
الموج يحبو إليها وهو جذلان
أعارها البحر من أخلاقه سمة
…
فلا يزال بها لين وطغيان
وهز عطفاً روياً من محاسنه
…
كأنه بنسيم البحر نشوان
يا فتنة في حمى نبتون أيقظها
…
موكل بقلوب الخلق يقظان
أو في على فراشه العاتي فصيره
…
ملاعباً بفنون الحب تزدان
والبحر خلق عظيم في تصوره
…
فكيف يركبه باللهو غزلان؟
سجا وأسلس في رفق وفي دعة
…
فليس يحفزه للشر عدوان
وافتر تحت جناح الشمس ناجذه
…
كأنه والد لاقاه ولدان
يا رفقة الصيف عيشوا في مراتعه
…
فإنكم لكريم البحر ضيفان
أبوكم البحر لا يألوكم مرحاً
…
وروضة بفنون اللهو فينان
نعم البديل إذا عهد الربيع مضى
…
عهد المصيف ودنيا الحسن ألوان
البريد الأدبي
ملاحظة وتصحيح:
جاء في (العدد 632) من (الرسالة) بالصفحة 858، ضمن مقالة (روسيا والشرق) كلمتا مندشوريا ومندشوكو. والملاحظ أنهما اسمان لمسمى واحد يسميه الروس بالأول واليابانيون بالثاني.
وورد في هامش (الصفحة 856) اسم إسكندر الثاني، عن سهو، بدلا من اسم نقولا الأول قيصر روسيا.
ولا بأس في هذه النهزة بزيادة بيان. ذلك أن نقولا الأول احتج بالنزاع الطويل بين اللاتينيين الكاثوليك واليونانيين الأرثوذكس في شأن الأماكن المقدسة وهو يحاول تحقيق طمعه ببلاد الدولة العثمانية؛ ولكن السلطان عبد المجيد في عام 1852 امتيازات فرنسا الخاصة بحماية الكاثوليك، وبكنيسة قبر المسيح وغيرها؛ فعرض نقولا الأول على إنجلترا، بعد ذلك بعام، أن يقتسما الإمبراطورية العثمانية من غير إشراك فرنسا في الغنيمة، وقال يومئذ كلمته المشهورة:(على سواعدنا رجل مريض، مريض في خطر، وإذا لم يكن بد من أن يفلت منا قبل أن تؤخذ العدة الضرورية كان ذلك بؤساً عظيماً). ورفضت إنجلترا فزحف جيش نقولا إلى الأراضي العثمانية في مايو عام 1853، وشنت حرب القرم في العالم التالي. ثم مات القيصر عام 1855، فخلفه إسكندر الثاني وعقد الصلح عام 1856.
محمد توحيد السلحدار
إلى الأستاذ العقاد:
قرأت (في بيتي) لأستاذنا الكبير فرأيت هذه الأبيات في الصحيفة الثانية:
النور سر الحياة
…
النور سر النجاة
ألمحه بالروح لا
…
لمح العيون الخواة
ما تبصر العيون من
…
معناه إلا أداة
وهذه الأبيات من البحر المجتث وقد أدركت بداءة أن صدري البيتين الثاني والثالث خارجان من البحر وأنهما لا يصحان على وجه من الوجوه ثم بحثت الأمر لأتأكد فظهر لي
ما أدركته أولا.
ولما كان الروى هو التاء المكسورة وكان الوقف لا يصح عليها لأن (القصر) لا يدخل البحر المجتث ظهر لي أن في البيت الثالث إقواء فكلمة أداه في البيت لا يصح جرها بحال.
(والعيون الخواه) في البيت الثاني الرأي فيها أنها الخاوية أو الخاويات.
محمد العزاوي
مدرس بمعهد قنا
حول ترجمة كتاب
تحت هذا العنوان كتب الأستاذ نجيب محفوظ في العدد 361 من مجلة الرسالة نقداً لترجمة كتاب (الوسائل والغايات) لمؤلفه أولدس هكسلي. وهو ليس نقداً لترجمة هذا الكتاب وحده، بل لكل الكتب التي تترجم على غراره، وعلى المبدأ الذي توخيناه ولم يرض عنه
يرى الناقد أن الترجمة إما أن تكون حرفية بنقل فيها المترجم الأصل عبارة عبارة وإلا باتت عديمة الفائدة؛ ولست أوافقه على هذا الرأي، فمن الكتب ما ينبغي أن تنقل حرفاً حرفاً، ومنها ما يغنى تلخيصها عن ترجمتها، وللناقل عند التلخيص حق التصرف في الإيجاز والإسهاب حسبما يرى، وليس بمخطئ في هذا ما دام لا يجد عن أصل الفكرة وروحها ولا يزعم أنه نقل الكتاب كلمة كلمة، والمفروض أن الناقد مشيع بروح الكتاب عالم بالمواطن المهلهلة التي يمكن اختصارها، وهو ناقل أمين ما دام يشير إلى خطته في الترجمة ولا يخفيها، وبخاصة إذا كان الاختصار مما تقتضيه الضرورة كتحديد الحيز الذي يصدر فيه الكتاب المترجم، أو عرض الفكرة على طائفة خاصة من القراء، وهذا ما فعلت عند ترجمة كتاب (الوسائل والغايات)، فقد كنت مضطراً لإخراجه فيما لا يزيد عن مائتي صفحة، فعرضت بعض فصول الكتاب عرضاً مسهباً، وأوجزت في بعضها الآخر، وأشرت إلى ذلك في مقدمة الكتاب
إننا إذا أخذنا برأي الأستاذ نجيب محفوظ ما أبحنا لأنفسنا أن نترجم فصلا من كتاب، أو جزءاً من مقال، فأما فصول الكتاب كلها ولمقال بأسره أولاً ترجمه على الإطلاق، ولست
أحسب أنه هو نفسه يوافق على ذلك. والمترجمون الإنكليز كثيراً ما يتبعون طرقاً مختلفة في النقل، فقد قرأت عيون الأدب اليوناني كلها ملخصة في مجلد واحد وأفدت منها الكثير، وقرأت كتباً أخرى اجتزئ في ترجمتها ببعض فصول الكتاب دون البعض الآخر، ووجدت فيها متعة وفائدة، فالتلخيص جائز في الترجمة معروف في اللغات الأخرى، ومن حقنا أن نستعمله في العربية إذا اقتضتنا الضرورة ذلك
محمود محمود
بين القصة والشعر
قرأت كتاب (في بيتي) للكاتب الكبير الأستاذ (العقاد) ولعله من أعمق ما كتب، غير أنه لفت نظري فيه الموازنة بين القصة والشعر. فالقصة عنده دون الشعر في المرتبة، وهي أهون عليه من أن يضيع فيها وقتاً يمكن أن يقرأ فيه ديواناً من الشعر، وله في هذه المفاضلة مقياسان يحدثنا عنهما في كتابه فيقول: (غير أني اعتمد في ترتيب الآداب على مقياسين يغنياني عن مقاييس أخرى، وهما الأداة بالقياس إلى المحصول، ثم الطبقة التي يشيع بينها كل فن من الفنون.
فكلما قلت الأداة وزاد لمحصول ارتفعت طبقة الفن والأدب، وكلما زادت الأداة وقل المحصول مال إلى النزول والإسفاف. وما أكثر الأداة وأقل المحصول في القصص والروايات؟ أن خمسين صفحة منن القصة لا تعطيك المحصول الذي يعطيكه بيت كهذا البيت:
وتلفتت عيني فمذ خفيت
…
عني الطلول تلفت القلب
أو هذا البيت:
كأن فؤادي في مخالب طائر
…
إذا ذكرت ليلى يشد به قبصا
أو هذا البيت:
ليس يدري أصنع إنس لجن
…
سكنوه أم صنع جن لإنس
أو هذا البيت:
أعيا الهوى كل ذي عقل فلست ترى
…
إلا صحيحاً له حالات مجنون
أو هذا البيت:
وقد تعرضت عن كل بمشبهه
…
فما وجدت لأيام الصبا عوضا
لأن الأداة هنا موجزة سريعة والمحصول مسهب باق، ولكنك لا تصل في القصة إلى مثل هذا المحصول إلا بعد مرحلة طويلة في التمهيد والتشعيب، وكأنها الخرنوب الذي قاله عنه التركي - فيما زعم الرواة - أنه قنطار خشب ودرهم حلاوة!
أما مقياس الطبقة التي يشيع بينها الفن فهو أقرب من هذا المقياس إلى أحكام الترتيب والتمييز. ولا خلاف في منزلة الطبقة التي تروج بينها لقصة دون غيرها من فنون الأدب، سواء نظرنا إلى منزلة الفكر أو منزلة الذوق أو منزلة السن أو منزلة الأخلاق. فليس أشيع من ذوق القصة ولا أندر من ذوق الشعر والطرائف البليغة. وليس أسهل من تحصيل ذوق القصة الشعري الرفيع حتى بين النخبة من المثقفين) وهذان المقياسان - كما يبدو - ليسا بالحكم الفصل في موضوع خطير كهذا.
فالمقياس الأول تحدث عنه علماء البلاغة والنقد، فكانوا يرون أن خير الكلام وأبلغه، ما جمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، وهذا المقياس، وإن صلح للمفاضلة بين عبارة وعبارة أو بين بيتين من الشعر، أو قطعتين من النثر، في موضوع واحد، فإنه لا يصلح للمفاضلة بين القصة والشعر، وذلك أن فائدة القصة ليست مقصورة على الغرض الأساسي الذي وضعت من أجله، ولم تكن خمسون صفحة في قصة ما ولو بلغت الطبقة الدنيا في القصص تمهيداً لفائدة تقال في سطر أو سطر، ولكن هناك التصوير الرائع والوصف الدقيق، لحركات الأحياء، ونوازع النفوس وهناك النقد اللاذع لأوضاع المجتمع، وهناك الحديث اللذ الرفيع عن المشاكل السياسية والاجتماعية في أسلوب قوى أخاذ، وحسبنا هو من كاتب عبقري، ففي كل سطر بل في كل عبارة لذة ومتعة ربما لا نجدهما في أبيات كثيرة من الشعر، وقيمة الأسلوب في الآثار الأدبية ليست بالقيمة الهينة التي لا يحسب لها حساب، وقد تكون متعة القارئ بالأسلوب وفائدته منه، ومن هذه الإشارات العارضة في ثنايا القصة أجل وأرفع من الفائدة الأساسية التي تهدف القصة للوصول إليها.
ولم أفهم قط المفاضلة بين بيت من الشعر وبين خمسين صفحة من قصة، فإنه إذا كان الأثران صادرين عن نابغتين، فلا شك أن خمسين صفحة من قصة تعطينا من الفوائد أبلغ
وأكثر مما يعطينا بيت أو أبيات كثيرة، وإن كانت القصة ضعيفة ركيكة فلا يصح وزنها ببيت عبقري، ولا وجه للمفاضلة حينئذ، على أنه إذا كان المرجع إلى الفوائد معدودة محسوبة، فإن الخمسين الصفحة قد تعطينا أكثر من البيت الواحد مهما بلغت من الضعف
أما المقياس الثاني، فأحسبه ليس كذلك فاصلا، فالطبقات الدنيا في الثقافة أو في الأخلاق لا تروج عندها إلا أنواع خاصة من القصص ليست هي التي يفاضل بينها الكاتب وبين الشعر، وكما يروج عندهم نوع من القصص رخيص، كذلك يروج عندهم أنواع من الشعر رخيصة، على أننا نجد أن ميل العامة ليس دائماً إلى القصص، فهناك من الأمم ما يميل عامتها وخاصتها إلى الشعر ويروج عندهم، وهناك أمم يميل عامتها وخاصتها إلى القصص؛ فميل الطبقات الدنيا ليس حكما في المفاضلة بين نوع من الآداب ونوع آخر، وإنما الحكم الفصل في طبيعة الآداب أنفسها، ولعلنا نظفر من الكاتب الكبير إلى بيان شاف في هذا الموضوع الخطير
علي العماري
المدرس بالأزهر
ملك من شعاع
ظاهرة طيبة، ولا ريب، بدأنا نلحظها أخيراً، إذ شرع الكتاب يولون وجوههم شطر مضر القديمة، ويمدون أبصارهم إلى تاريخها الغابر، ينهلون منه أدباً جميلاً وقصصاً بارعة، وأخذوا يستغلون هذا المنجم الذهبي البكر، ويفرغون كنوزهم في قوالب تتيح لأهل البلاد وجيرانهم أن يشاركوا الفراعين الأمجاد فيما خلفوه من تراث أبقى على الدهر من تراث الذهب والمال.
فأصدرت سمو الأميرة شيوه كار قصة مصرية عنوانها (نفررس أس)، وكتب الأستاذ عبد المنعم محمد عمر أمين دار الكتب مسرحية عنوانها (إيزيس وأوزريس)، وكتب الأستاذ عادل كامل قصة (ملك من شعاع)، وأخرج الأستاذ علي أحمد باكثير مسرحية (الفرعون الموعود) فضلاً عن (أحمس) للأستاذ عبد الحميد جودة السحار وو. . .
وكتاب (ملك من شعاع) الذي نحن بصدده، وصمه الأستاذ عادل كامل المحامي واتخذ
موضوعه سيرة حياة إخناتون، أسبق الناس إلى الاعتراف بوجود إله واحد ينبغي أن يعبده الجميع، وأول من بشر بأن الله الذي خلق الكون وأبعد صوغه لا تنظره العين البشرية المجردة، وإنما يدركه العقل ويؤمن به القلب. وكان إخناتون أول من جرؤ على هدم الأصنام والتماثيل وتحطيم معابدها، وجاهد ليحمل شعبه القصير النظر على اعتناق دينه والخروج من أفق الملموسات الضيق إلى عالم اللامرئيات الفسيح. كان إخناتون فرعون مصر عبقرياً يعيش في عصر لا يؤمن إلا بالحجر والشمس والنجوم، وكان عليه أن يكافح كفاح الأبطال ليقنع القوم بما يعسر على العقل القاصر إدراكه، ويعصي على العين رؤيته، فوفق في هذه المهمة أولا، ولكن الشعب سرعان ما تألب عليه بإيعاز من كهنة الأصنام وانقلب عليه يطلب دمه ويحكم عليه بالموت، وينعته بالخيانة وبيع الوطن، ولكن المنية عاجلت إخناتون فمات حتف أنفه مغضوباً عليه من شعبه الذي أحبه وأخلص في خدمته، مطعوناً في نزاهته من أصدقائه المقربين، وعلت شفتيه وهو مسجى في الفراش هامداً بسمة هادئة عذبة أن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن راحة قلبية واطمئنان إلى عدالة القضية التي نافح لنصرتها.
وقد أجاد الأستاذ عادل تحليل التطور الفكري لإخناتون، وبين الخطوات التي استطاع أن يصل بها إلى الحقيقة التي غابت عن أذهان معاصريه والسالفين له. وساق القصة، وهي مزيج نادر من الفلسفة والأدب والمنطق في أسلوب جميل أخاذ فضلا عن أن المؤلف ضمنها دروساً في السياسة والاجتماع فقال عن الحرب:(إنها العمى والعرج والبتر والكساح. إنها الأرملة فقدت زوجها والأم ثكلت ولدها والأخت تبكي أخاها والفتاة تندب حبيبها. . . أنها المناحة العظمى تعم أرجاء الوطن، والشقاء والحزن يخيمان على كل منزل. . . أنها المجاعة والذلة والمرض، حين تخلو الحقول من حارثيها والبيوت من عائليها، وتنتشر المقاذر والخبائث في كل مكان. . . فليست الحرب هي الشرف، بل هي الغدر والاغتيال والخديعة. أما الوطن فإن من أحبه حقاً كره الحرب. فمن يحب وطنه يسئه أن يسلب وطن غيره، كما أن من يجب زوجته لا يرنو إلى زوجة جاره).
أنه كتاب جليل، ولا غرو، فقد فاز بالجائزة الممتازة في مسابقة وزارة المعارف، وقد أحست لجنة النشر للجامعيين بنشر هذا الكتاب لأنه سد فراغاً طالما استشعرناه.
وديع فلسطين
القصص
جريزيلدا
للقصص الإيطالي بوكاشيو
بقلم الأستاذ فخري شهاب السعيدي
كانت عداوة المركيز جواليتري الشاب أمير مقاطعة سالوزو للنساء سافرة، يجاهر بها هو، ويعرفنها هن، لأنه ما كان مؤمناً يوماً بوجود امرأة وفية برة تصدق العهد وترعى الذمة والميثاق!!
وكان ذلك سبب ابتعاده عنهن وانصرافه إلى ضروب من اللهو بين وحوش الفلا وأزاهير الربى في عيش رقيق الحواشي ندى الظل، وغبطة تنسري في جوانحه وتشيع في محياه
وإذا كان هذا رأيه هو، فلم يكن هذا رأي شعبه، لأن الشعب لم يكن مجمعاً على خيانة المرأة، ولان الشعب يريد من يتولى الأمر بعد حاكمه. . . هذا إذا جرى قضاء الله عليه فدرج فمات!
لذلك هب أبناء شعبه يطالبونه بالزواج في إلحاح عليه شديد!
وتقدم إليه فريق من وجوه القوم بأسماء الحسان من بنات الأشراف ليقول كلمته في إحداهن، وألحفوا عليه في ذلك، فكان جوابه:
- أنه وحده صاحب الحق فيمن يختارها زوجاً لنفسه، وأماً لولي عهده، وإذا كان للشعب أن يطالب حاكمه بولي من بعده، فليس له أن يتحكم في التي يختارها لهذا الخلف أماً!
. . . ثم اتفق معهم على أن يكون أعز اختيار زوجه له، لاحق لأحد أن يعارضه أو يناقشه فيه، وهكذا كان.
فإن المركيز لخارج من قصره إلى قرية منه يختال على جواده، إذ بصر بقروية من بنات الرعاة تحمل الماء من بئر قريبة إلى دارها في وداعة أخاذة استوقفته قليلا، ثم اقترب منها يسألها عن عساها تكون؟!
- اسمي جريزيلدا يا سيدي!
ووقف المركيز الشاب أمام جريزيلدا هذه دهشاً قد علق قلبه، وذهل لبه، واشتغل خاطره،
وأراد أن يكاشفها بدخيلة أمره، وأنه يرغب في أن تكون زوجه، ولكنه ما استطاع ثم حمل نفسه على أن يصارحها برغبته فقال:
- أنني يا جريزيلدا أبحث عن زوج برة مخلصة لينة المقادة، قريبة الارتياد، خلقها دمث، وطاعتي عليها فرض تتقبله في سرور أفأجد فيك التي أنشد؟!
- يا سيدي، أرجو أن تكون قد وفقت إلى اختيار من تريد!
ثم تم الزواج - كما أراد المركيز أن يكون - في فخامة وبهاء، وجاءت الفتاة القروية إلى قصر الأمير لتبتدئ حياة أرستقراطية غريبة عنها وعن قريتها التي أسلمتها إلى هذا القصر المنيف. . .
كانت الفتاة وفية حقاً للمركيز: تتحرى رضاه فتعمل به، وتتوخى هواه فتقصد إليه، وتقضي حق النعمة عليها بشكر أياديه وفضله. . .
وكانت برة به كما أراد، مخلصة له كأفضل ما تمنى. . . تعمل على إسعاده، ولو كان في ذلك شقاؤها، وتتمنى له الخير، ولو كان فيه أذاها. . .!
وكانت قد وهبته قلبها: فهي أبداً حريصة على رضاه، حريصة على إسعاده، حريصة على أن يكون زوجها أسعد الناس حياة. . .!
وكان شعب (سالوزو) يبصر هذا من الفتاة الكريمة، فيعجب بما يرى، ويغتبط بما يجد أميره من إكرام وحب ووفاء من بنت القرية (جريزيلدا). . . وقد كان هذا الإعجاب الشديد سبب حب الفتاة في قلوب أهل (سالوزو) أجمعين!
وما لبثت جريزيلدا أن وضعت بنتاً. . .
فرقى الخبر إلى شعب سالوزو، وابتهج الشعب لهذا وفرح؛ وأعلن عما في نفسه من أسباب الفرح والحبور بالاحتفالات يقيمها، والمآدب يولمها، والتهاني يرفعها إلى أميره. . .
ولكن الأمير لم يثلج بالأمر صدره غبطة - كما توقع الشعب ذلك منه - بل كان في نفسه ما يحز فيها حزاً من سوء الظن الأثيم!. . . فإن الرجل قد خيل إليه أن من وراء هذا الذي تبديه له زوجه من الحب والوفاء - خيانة مستترة - لا يعلمها هو، ولكن وجدانه ينبئه. . . ولا يعرف عنها شيئاً، ولكن حسه يوقظه. . . وتتعاظم هذه الخواطر في نفسه فتطغى على كل شعور. . . وإذا ما كان في نفسه عن المرأة قد عاد إليه. . . وهل تكون (جريزيلدا)
هذه إلا امرأة؟!
وإذاً فليتغلغل إلى دخيلة نفسها ليعرف الحق، وليمتحنها ليطلع على ما عند المرأة من خيانة وفجور. . .
. . . وأرسل إليها يطلب منها ابنتها معلناً أن شعبه لا يرضى أن تكون ولية العهد بنتاً من أم وضيعة الأصل، حقيرة البيت، من أهل القرى. . .
وفهمت هذا الذي كان يدور بخلده - وما كان ذلك ليخفى عليها - وأدركت أنها مفارقة ابنتها البريئة، ثمرة إخلاصها ووفائها وتفانيها في الحب لمولاها وزوجها المركيز - فراقاً لا تعلم مداه. . . بل قد لا يكون له مدى يقدر، أو نهاية تعرف!
. . . وألم بالمسكينة الجزع في شكل الثكل، وملكتها غموم الوالدة تفقد وحيدها، فاشتملت عليها، وتشعبتها آلام الفجيعة في شكل مريع. . . ولما رأت أن الأمر قد تعقد وأعضل، ودعت ابنتها في لوعة مريرة ويأس. . . ثم تقدمت بها إلى الرسول
ومضت بعد ذلك أعوام طوال كانت (جريزيلدا) مع زوجها على سيرتها الأولى: من طاعة وحب ووفاء. . . وصبر ما تلقاه منه من مكروه! ثم قدر الله فوضعت ولداً. . .
وكان لهذا الوضع أثره في نفسها المحزونة، فقد أملت منه خيراً يأتيها به أبوه. . . وقالت في نفسها: أن الشفاعة من ولي العهد ولا شك، وكيف تشك وها قد وضعت ذكراً ينوب في حكم الشعب مناب أبيه؟ وكيف تشك وهذه أمنية المركيز التي يطلب، ومراده الذي يبتغي - هو ومن ورائه شعب (سالوزو) الكريم؟!
ولم يدعها المركيز (جوالتيري) تحلم. . . وتبتعد في حلمها عن الواقع المقدر لها ولابنها هذا. . . فقد بعث يطلبه كما بعث من قبل يطلب أخته!
وتكرر فصل (المأساة) ولكن في مظهر أروع، وأعيد الحزن إلى قلب المسكينة ولكن في شكل أقسى؛ وقدمت المسكينة طفلها هذا كما قدمت أخته من قبل إلى الرسول!
وإذا كان جرو السبع لا ينفعه رضاع الشاة. . . وإذ كان النبت لا يقوم اعوجاجه حين يشتد عوده ويستأسد، فإن المركيز لم يكن ينفعه تفاني المرأة في إخلاصها وإظهار طاعتها له. . . والطباع إذا كان فيها عوج متأصل، لا تفيدها كل أنواع المقومات!
. . . وكذلك صبرت (جريزيلدا) على الخسف ستة عشر عاماً طوالا، كانت خلالها مثال
العفة في الخدمة، والشرف في أداء حقوق الزوج، صابرة على ما تلقاه من هذا الذي يدعونه زوجها، وليس في قلبه من معاني الزوجية التي تعتمد على الشرف والإخلاص شيء!
وعلى أن الحزن الممض لا يقوى على احتماله بشر له قلب وشعور، فإن (جريزيلدا) كانت تحتمل ما تلقاه في جلد واحتمال عجيب، كأن ما تراه من عقوق، هو عين الحق الذي يجب أن تعامل به الوفيات أمثالها. . .
ولكن زوجها المركيز لم يرضه هذا. . . بل عمد إلى طردها من قصره إلى حيث كانت في كوخها الريفي الحقير. . .
وخرجت (جريزيلدا) في أطمار بالية من القصر كما دخلته من قبل؛ ورجعت إلى كوخها وليس معها من آثار النعمة التي كانت فيها غير. . . أسوأ الذكريات، وغير ما في قلبها المكلوم من حزوز. . .
ولكنها لا تكاد تستقر في ريفها حتى يأتيها رسول (المركيز) يأمرها بالرجوع إليه.
لتعد قصره الذي برحته لزواج جديد!! من حسناء من بنات الأشراف. . .
ونزل عليها الخبر كالمصيبة تنال بعد كثير من أمثالها؛ لا تكاد تستقر واحدة حتى تتلوها الأخرى اشد إيلاماً وأفجع!
. . . ورجعت إلى القصر وإن قلبها لجازع من هذا الذي يرى؛ ولكن ستاراً من الابتسامات العذاب كان ينسدل على ذلك القلب الكبير فيخفي ما به من أثار اللوعة والشقاء. . .
وتم إعداد القصر للزواج الجديد. . .
وتمت دعوة الأشراف والنبلاء إليه في ليلة الزفاف. . .
فكان القصر ليلتئذ بحسناواته ومظاهر المسرة فيه جذوة من اللهب تتقد في قلب (جريزيلدا) التي كانت تتغشى طمراً أبلاه الدهر وأخلقه. . . قابعة في زاوية من زوايا القصر، خانسة، فكأنها في ذلك القصر المائج بالغيد الفاتنات تمثال البؤس الذي يتحاشى المترفون النظر إليه. . . أن يشقيهم أو يكدر صفو حياتهم التي يحيون!!
ورفعت (جريزيلدا) عينيها إلى العروسين الداخلية فاحتارت مما رأت. . . لقد كانت، في يوم من الأيام، كهذه الحسناء التي تتيه بجمالها الفتان وتزهى. . . لقد كانت يوماً قبلة
الأعين تستجلي جمال وجهها الباهر السني في إعجاب شديد!
. . . وجاء (المركيز) إلى زوجه القديمة البائسة يسألها رأيها - على ملأ من الحاضرين - في عروسه الحسناء؟ فأجابت:
أن في منظرها - يا سيدي - لحسناً. . . وأرجو أن يكون لها مثل ذلك في مخبرها عند الامتحان. . . ثم توسلت إليه أن يكون منصفاً لهذه الفتاة يعاملها في رفق وإحسان. . . وأردفت ذلك بجميل الدعاء والتوفيق لهما. . . ولعلها ساعتئذ كانت أصدق ما تكون. . .
قال المركيز:
- (ولكن اغتفري لي يا (جريزيلدا) هذا الذي رأيته مني من جور وكفران. . . لم أكن معك يا فتاتي من المنصفين. . . لقد كنت أتهم وفاءك، خائفاً أن تكون وراءه خيانة أو ريبة. . . ولكنك الآن أمامي مجلوة مثل كرائم الأحجار. . .
(دعيني - يا زوجي البرة - اقدم إليك هذه التي تحسبينها عروسي كما يحسبها غيرك من الحاضرين - على أنها. . . ابنتك التي انتزعتها منك منذ أمد بعيد. . . وهذا يا جريزيلدا المحبوبة ولدنا العزيز الذي أرسلت إليك في طلبه مما أرسلت من قبل على أخته. . . ضميهما إليك. . . إلى صدرك. . . لتقري بذلك عيناً ولتكوني من الفرحات الناعمات. . . لقد حرمتهما حيناً من الدهر طويلا. . . فانعمي بعد ذاك الحرمان الطويل. . . أقبلي عليهما التمسي العزاء عندهما عما مضى وكوني - كما عهدتك - تصفحين عن الإساءة وتتقلبين مني كل شيء بالصدر الرحب، والغفران)
(بغداد)
فخري شهاب السعيدي