المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 647 - بتاريخ: 26 - 11 - 1945 - مجلة الرسالة - جـ ٦٤٧

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 647

- بتاريخ: 26 - 11 - 1945

ص: -1

‌في مصر فلسفة

للأستاذ عباس محمود العقاد

نعم في مصر فلسفة

ونحمد الله على ذلك كما حمد فردريك الكبير ربه على أن في برلين قضاء

ولكننا نحن أولى بالحمد من فردريك الكبير، لأن القضاء العادل ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية يتفقدها الناس إذا فقدوها، ويجدونها إذا طال تفقدها، وكان بهم صلاح لوجودها.

أما الفلسفة فلا يبحث عنها من يفقدها، لأن من يفقدها يجهلها ولا يحفل بها، وقد يسخر منها إذا سمع بذكرها، وقد يتفق أصدقاؤها وأعداؤها على أنها نافلة من النوافل وزيادة من الزيادات، وإن قال الأصدقاء أنها نافلة الكمال ولا غنى عن الكمال، وزيادة الفضل ولا تطيب للفاضلين حياة المفضولين

فإذا كان القضاء العادل ضرورة محسوسة فصناعة الفلسفة ليست بضرورة من ضرورات المعاش، أو هي على الأقل ليست من الضرورات المحسوسات: تلك ضرورة وطن وزمن، وهذه ضرورة لا يشعر بها الإنسان إلا إذا تجاوز نطاق الأوطان وأصبح نطاقه الكون كله، في كل زمان

أو هي العلم الكلي كما قال المعلم الثاني أبو نصر الفارابي:

(فان العلوم منها جزئية ومنها كلية، والعلوم الجزئية هي التي موضوعاتها بعض الموجودات أو بعض الموهومات. . . مثل علم الطبيعة فإنه ينظر في بعض الموجودات وهو الجسم من جهة ما يتحرك ويتغير ويسكن عن الحركة، ومن جهة ما له مبادئ ذلك ولواحقه. . . أما العلم الكلي فهو الذي ينظر في الشيء العام لجميع الموجودات مثل الوجود والوحدة، وفي أنواعه ولواحقه، وفي الأشياء التي لا تعرض بالتخصيص لشيء شيء من موضوعات العلوم الجزئية مثل التقدم والتأخر والقوة والفعل والتام والناقص وما يجري مجرى هذه، وفي المبدأ المشترك لجميع الموجودات، وهو الشيء الذي ينبغي أن يسمى باسم الله جل جلاله. . . لأن الله مبدأ للموجود المطلق لا لموجود دون موجود. فالقسم الذي يشتمل منه على إعطاء مبدأ الموجود ينبغي أن يكون هو العلم الإلهي، لأن هذه المعاني

ص: 1

ليست خاصة بالطبيعيات بل هي أعلى من الطبيعيات عموماً. فهذا العلم أعلى من علم الطبيعة، وواجب أن يسمى علم ما بعد الطبيعة. . .)

وكلام صاحبنا الفارابي على تركيته العربية أوعربيته التركية كلام صحيح في التعريف بفضل الفلسفة أو البحث في ما وراء المادة وما وراء الزمان والمكان، ولكننا بعد ما قدمناه في موقع الفلسفة من الضرورة نعود فنقول: إنها ليست من البعد عن حياتنا الفردية أو حياتنا الاجتماعية بحيث تخرج من عالم الطبيعة إلى ما وراءها، وإن الإنسان ما عيش وإن يعيش بغير فلسفة حياةٍ منذ بحث في العلاقة بينه وبين العالم المنظور والعلم المحجوب، ومرحلة الحياة كما قلنا في بعض كتبنا الحديثة: (كجميع المراحل التي نقطعها من مكان إلى مكان، لا تركب القطار حتى تحصل على التذكرة، ولا تحصل على التذكرة حتى تعرف الغاية التي تسير إليها. غاية ما هنالك من فرق بين راكبين أن أحدهما يقرأ التذكرة والثاني لا يقرأها، أو أن أحدهما يؤدي ثمنها من ماله والثاني يؤدي له الثمن من مال غيره.

والعجب أن بعض الفضلاء من طلاب الحقيقة لا ينظرون إلى الفلسفة هذه النظرة، ولا يحجمون عن نعتها باللغو الفارغ والهذر الذي ليس وراءه طائل، وكذلك فعل الكاتب النزيه الأستاذ نقولا حداد حين جرى البحث على صفحات (الرسالة) عن وحدة الوجود، فضرب المثل على سخف المذاهب الفلسفية القديمة بقول فيثاغورس أن العدد هو سر الوجود، وإن النسبة بين الأشياء هي نسبة بين أعداد

قال فيثاغورس ذلك قبل خمسة وعشرين قرناً، فكان فرضه هذا أقرب إلى الصدق من فروض علمية كثيرة فتن بها الناس إلى سنوات

وقاله فيثاغورس حين رأى أن الأوصاف كلها قد تفارق الموجودات من لون أو لمس أو صلابة أو ليونة أو وزن أو ما شابه هذه الأعراض الكثيرة إلا العدد؛ فانه ملازم لكل موجود، فرداً كان أو اكثر من فرد، وكاملا كان أو غير كامل، وأن الفروق بين الأشياء هي فروق بين تركيب وتركيب أو فروق بين نسب الأعداد، وأن الكون كله (دور موسيقى) هائل يدور على قياس منسجم كما يدير العازف الماهر الحان الغناء

وأنشد الكون ألحانه التي لا عداد لها، وتوالت الفترات التي بعدها نحن بالسنوات والقرون، وظهر اليوم للباحثين أن الأجسام نسب بين أعداد، وأن الفارق بينها فارق في هذه النسب

ص: 2

دون غيرها، وأن التناسق في هذه النسب اصدق من أجرام المادة الملموسة باليدين، وأن الأصح في تركيب الذرة أن يقال انه (عددي) لا أنه (مادي) ملموس

وإذا قال فيثاغورس هذه المقالة قبل خمسة وعشرين قرناً، فليس من حقه أن توصف مقالته بالفراغ وهي أملأ من فروض العلماء بعده في معنى الوجود وفوارق الأجسام، وهي على أضعف الأحوال أدق من قول بعض العلماء إن أصل المادة أثير

وكان الفلاسفة يبحثون في العقل والمادة من عهد الفراعنة إلى عهد اليونان إلى عهد العرب إلى عهد الأوربيين المحدثين

يسأل سائل: أهما محدثان أو قديمان؟

ويسأل آخر: وإذا كانوا محدثين فمن الذي أحدثهما؟

ويسأل غيرهما: وإذا كانا قديمين فكيف يتفق قديمان ليس لواحد منهما بداية ولا نهاية؟

ويعود هذا السائل أو ذاك فيقول: وإذا كان أحدهما سابقاً للآخر وموجوداً له فأيهما الأول وأيهما الثاني في ترتيب الوجود؟

ويفترق المجيبون فيقول فريق منهم: إن الحيوان ظهر بعد الجماد وإن الإنسان ظهر بعد الحيوان، فالمادة أذن اسبق إلى العقل من الترتيب

ويقول آخر: إن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن العقل أشرف من المادة، فهي لا تخلقه وهو أولى بأن يخلقها ويسبقها في الوجود على الأقل سبق العلة للمعلول

كلام فارغ هذا؟

أهو كلام لا يعنينا ولا يدخل في حسابنا؟

كلا. . . لأن التفسير المادي للتاريخ مذهب عمليٌّ في الحياة الاجتماعية قام على القول بأن المادة هي القديمة وأن العقل هو الحديث، وتوطدت عليه دعوة (كارل ماركس) التي فعلت بعد ذلك الأفاعيل في مجرى السياسة العالمية وفي مجرى العلاقة بين الطبقات، ولو استطاع فيلسوف أن يقنع الإمام وأتباعه بقدم العقل وحدوث المادة لتغير تاريخ الكرة الأرضية وتغيرت نظرات الملايين من الناس إلى الحياة

فهذه الصناعة التي تسمى بالفلسفة لا تغادر الطبيعة كل المغادرة ولا تنطلق منها إلى ما وراءها بغير رجعة إلينا في حياة الغذاء والكساء

ص: 3

وإهمال هذه الصناعة غير مأمون على مهمليها، لأن الفرق بين الفلسفة الصالحة والفلسفة الطالحة قد يكون فرقاً بين ثورة واستقرار، أو بين حرب وسلام، أو بين هداية وضلال

ونحن حين نذيع البشارة بقيام الفلسفة في مصر لا نذيع بشارة في سماوات الخيال، ولا ننسى الذين يعيشون ويعلمون أنهم يعيشون لأنهم يأكلون ويشربون ويلبسون، أو لأنهم لا يطلبون من هذا الوجود مطلباً غير المأكل والمشرب واللباس

نعم في مصر فلسفة

نعم وفيها عناية بالكتب الفلسفية

وآية ذلك أننا تلقينا في عام واحد نحو عشرين رسالة في المباحث الفلسفية وما إليها، وعلمنا أنها تقرأ في بيئة المتعلمين الذين يؤدون الامتحان المدرسي وتقرأ في بيئة المطلعين الذين يقنعون بالاطلاع

من هذه الرسائل القيمة رسالة للأستاذ الجليل مصطفى عبد الرزاق باشا عن فيلسوف العرب والمعلم الثاني والشاعر الحكيم وابن الهيثم وابن تيمية، فيها أو في تعريف ينال بمثل هذا الإيجاز

ومنها كتابا الأسرة والمجتمع والمسؤولية والجزاء للدكتور علي عبد الواحد وافي أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب، وقد نوهنا بالكتاب الأول في (الرسالة) وثانيهما في طبقة الأول من حيث الإفادة والتحقيق

ومنها كتب ثلاثة في (الفلسفة الرواقية) وسيرة الإمام محمد عبده، وشخصيات ومذاهب فلسفية للدكتور عثمان أمين، وأولها أوفى كتاب بالعربية في موضوعه، ويضارع خيرة الكتب الأوربية في هذا الموضوع، وقد أنصف الأستاذ الإمام في سيرته الوجيزة، وصحح أوهاماً شائعة في الشخصيات والمذاهب الفلسفية، وأغنى المتطلعين إلى هذه البحوث عن كثير من المراجعات

ومنها التعليم عند القابسي للدكتور الأهواني، وهو بيان لفن من الفنون كان المضنون أن العرب أهملوه، فألم الدكتور بتاريخه وشرح آراء القابسي فيه

ومنها كتاب التنبؤ بالغيب عند مفكري الإسلام، وكتاب الشعراني إمام التصوف في عصره، وكتاب الأحلام للدكتور توفيق الطويل مدرس الفلسفة بجامعة فاروق الأول، وكلها نمط

ص: 4

واحد في حسن التقسيم وتقرير المعلومات وفطانة التعقيب

وظهرت إلى جانب هذه الكتب القيمة والرسائل المسعفة مجلة مقصورة على علم النفس للأستاذين يوسف مراد ومصطفى زيور تعنى بأشراف البحوث المتخيرة في موضوعها، وتشغل مكاناً لم يكن بالجميل أن يفرغ بعد الآن باللغة العربية

ويجب أن نقرر هنا أننا أحصينا ما رأيناه، ولم نحص كل ما صدر للجمعية الفلسفية أو لغيرها من دراسات الفلسفة والتصوف وعلم النفس وما إليها

وبعض هذا يكفل للمباحث الفلسفية حيزاً موقراً في هذا البلد ويجيز لنا أن نقول: أن في مصر فلسفة، وإنها بشارة تذاع، لأنها بعض الأدلة على انتقال المصريين من عالم الضرورة إلى عالم الحرية والاختيار، ومن أسر الحاجة التي لا تخلو من عبودية إلى شرف الكماليات التي لا تخلو من عزة وارتفاع

وقد وودنا لو استطعنا أن نبسط القول في كل كتاب من هذه المجموعة النفسية، لولا أنها حرب خاطفة تقابل بإشارات خاطفة، وإذا بلغ بأصحاب الفلسفة أن يشكو الناس سرعتهم ونشاطهم، فتلك علامة خير وحجة على من يحسبون الفلسفة قرينة للدعة والركون إلى السكون

لكن نشاطهم هذا يغريني باقتراح عليهم أوحاه إلى حديث مع أستاذ الجيل وكاشف أرسطو للعرب في هذا الزمان العلامة الكبير أحمد لطفي السيد باشا مد الله في عمره وأدام به النفع والهداية

فالأستاذ قد ترجم لأرسطو كتاب الأخلاق وكتاب الكون والفساد وكتاب السياسة، وينوي أن يترجم له كتاب الروح أو كتاب ما بعد الطبيعة

وما ترجمة الأستاذ الجليل هو أصح ما نقل عن المعلم الأول إلى اللغة العربية، وقرين في الصحة والوضوح لأفضل الترجمات في اللغات الأوربية

ولكن لا يزال الغلط البالغ محيطاً بالمنقولات الأخرى عن أرسطو منذ تصدى له البساطرة والإسرائيليون الأندلسيون، لأن الجلة من أولئك المترجمين كانوا يجهلون معاني الفلسفة ويجهلون دقائق العربية، ولا ندري الآن مبلغ علمهم باليونانية، وليس أولى بتصحيح أغلاطهم من عصرنا هذا الذي تيسرت فيه مراجع الفلسفة اليونانية وتيسرت فيه العناية بها

ص: 5

والترجمة عنها

وقد قد خطر لي أن ترجمة أرسطو وأفلاطون عسيرة على الفرد إذا استقل بها، ميسرة للجماعة إذا تعاونت عليها، فماذا على شبابنا الفضلاء المتفرغين للفلسفة بأنواعها لو تقاسموا بينهم آثار الحكيمين جميعاً ففرغوا منها في عام واحد أو عامين؟

أن في أرسطو وأفلاطون لما يصلح العقول ويقوّم التفكير حتى في هذا الزمان، وما تباعد فيه الخلف بين آرائهما وآراء عصرنا حقيق بالدراسة كتلك الآراء الخالدة التي لم يطرأ عليها الخلف والتغيير، لأن دراسته دراسة لعقل الإنسان، وهو موضوع الدراسة في كل أوان

وعمل الجمعية الفلسفية ناقص إذا بقيت اللغة العربية بين لغات الحضارة خلواً من ترجمة صحيحة للحكيمين الخالدين، وظننا بها أنها قادرة على التمام

وطلب التمام على من يستطيعه فرض عين في لغة الحكماء، وهي هنا قريبة من لغة المتصوفة ولغة الفقهاء

عباس محمود العقاد

ص: 6

‌تطور التجارة نحو وحدة عالمية

(وهي محاضرة ألقاها معاليه بقاعة بورت التذكارية)

لصاحب المعالي محمد حافظ رمضان باشا

دعاني قسم الخدمة العامة إلى أن أفتتح موسمه الثقافي هذا العام عن تطور هذا الاتجاه نحو وحدة عالمية. وإني لأشكر للقائمين بالأمر فيه هذه الدعوة، وإني أتقبل بالسرور أن أساهم بنصيب في نشر الثقافة العامة في مصر. ومما يسعدني أن المعاهد العلمية والدوائر السياسية في هذه الأيام تبدي اهتماماً بدراسة مصير العالم من حيث ارتباط بعضه ببعض، فإن الله بعث أرواحنا في الحياة كشعلات مضيئة تنمو بالمعرفة وتزداد نوراً بالتضامن، وقد وضع في قلوبنا بذور السعادة فلا محل لأن ننتزعها بالحرمان والتفكك بل يجب أن ندعو دائما إلى الحقائق العلمية.

إن السلام العام لا يتم بترك الأمور تجري في طريقها، فحوادث العالم وتاريخها وطبيعتها كلها تحملنا على القول بأن نار الحروب لن تخمد، ولكن جهود التخريب يمكن مغالبتها بالعمل على تحويل وجهة الحوادث، وهذه المهمة تقع اليوم على عاتق الشعوب أكثر من غيرها، وهو أمر يتوقف على إرادتها الإجماعية. وهذه الإرادة لابد أن توجه مجر الحوادث إلى طريق وحدة عالمية للأمن والسلام

ولا ريب أن التطور الذي نشاهده اليوم نحو هذه الوحدة ليس وليد هذه الحرب بل قد بدأ منذ أواخر القرن الثامن عشر عندما اخترعت الآلات الصناعية وانتشرت في مناطق الفحم والحديد فتوجهت جهود الشعوب إلى ميدان الصناعة والاقتصاد وبدأ العالم يتجه نحو وحدة اقتصادية؛ وإذا كان أساطين السياسة قد جهلوا أو تجاهلوا هذا التطور منذ بدايته مدفوعين بأغراض سياسية فإنهم اليوم يجهرون به ويعملون لتنظيم العالم تبعا لمقتضياته.

وإذا كلن مفهوماً أَيها السادة فيما مضى مع تباعد الأمم وعزلتها أن يقوم للوطنية المبنية على وحدة الجنس واللغة وحدها قائمة فقد أصبحت حال شعوب العالم اليوم مرتبطا بعضها ببعض، وأصبح القول بغير ذلك ضربا من الأثرة يرضي به كبار الساسة خيلاءهم. ولا عجب فالعالم يتطور قطعا نحو وحدة عالمية. إذ قد ارتبطت أجزاؤه كلها برباط وثيق وأصبح ما يصيب أدناه يشعر به أقصاه شعوراً ليس مبناه العاطفة وحدها وإنما أساسه

ص: 7

المنفعة. فما أُحرى الناس أن يكونوا جميعاً في الإنسانية أخواناً يتميز الصالح بعلمه وعمله لا القوي ببطشه وجبروته؛ وهي كلمة قالها الله تعالى في كتابه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وهكذا قالها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً ولم يجعل للعرب فضلا على من عداهم من الأمم بل سوى بين الجميع وجعل الأفضلية للتقوى وللعمل الصالح المفيد

سادتي:

قبل أَن أتحدث إليكم عن أثر الواقع في تطور العالم اليوم نحو وحدة عالمية يجدر بي أن أضع أمام أنظاركم صورة من هذا التطور في القرن التاسع عشر فأروي لكم ما تحدث به مستر كارول رأيت الذي كان مديراً لمكتب العمل بالولايات المتحدة في أحد تقاريره من أنه كان يوجد صانع مسامير يدعى يوناتام في ولاية مسانشوسيت وقد رأى في منامه في ليلة من ليالي عام 1813 شبحاً يطلب إليه أن يرفع أجور عماله بما يوازي النصف وأن يخفض ثمن مبيعاته بما يوازي الثلث تقريباً، فشجب يوناتام قائلا إنه بهذا يسير نحو إفلاس محقق، ولكن الشبح أخبره أن أرباحه ستضاعف أضعافا مضاعفة. واستيقظ يوناتام من رؤياه منزعجاً وهو يعجب لهذا الأمر. ولم يمض وقت طويل حتى قدم إليه بعض المهندسين بآلة صناعية تدار بالبخار لعمل المسأمير؛ وما استخدمها يوناتام حتى تضاعف إنتاجه ونقصت أثمانه واتسعت تجارته وكثرت أرباحه وأصبح هو وأحفاده من أغنياء أمريكا.

يؤكد المستر كارول أيضاً أن هذه الرؤيا لم تكن خيالا وإنما كانت حقيقة واقعة، إذ أنه أجرى تحقيقاً دعمه بالأسانيد والأرقام فيما أنتجته الآلة البخارية التي استخدمها يوناتام من نتائج يستخلص منها أنه مع تضاعف أجور العمال قد تضاعفت الأرباح وتحقق للمستهلكين وفر كبير في أثمان المبيعات. وكذلك تحققت رؤيا يوناتام التي كانت في ظاهرها حلما من الأحلام.

أيها السادة:

إن اختراع الآلة الصناعية يدل على مبلغ التطور الذي حدث للعالم ويؤيد أن صاحب العمل والعامل والمستهلك جعلهم جميعاً يستفيدون وكانوا قبل أن توجد خصوماً لا ينتفع أحدهم إلا

ص: 8

على حساب الآخرين.

هذا هو حادث يوناتام عندما استعمل الآلة الصناعية، وتذكرون بجانبه ما كان من أمر الزعيم غاندي في الهند إذ دعا منذ سنوات إلى العودة لاستعمال مغزل القرون الوسطى فلم يصب طريقته النجاح في مزاحمة الآلة الصناعية، فاضطر الهنود بعدها إلى استخدام الآلات للغزل والنسج. وذلك لأن الحياة في هذا العصر غيرها في القرون الوسطى، ولان الآلات الصناعية حلت محل الأعمال اليدوية بسبب سرعة إنتاجها وقلة تكاليفها.

ويظهر من هذين الحادثين أن الآلة الصناعية جعلت من حلم يوناتام حقيقة ومن حقيقة غاندي حلماً لم يتحقق، والواقع أنه منذ اخترعت الآلة وسخرت لخدمة الإنسان أحدثت انقلابا كبيراً في حياة الشعوب والأمم اقتصادياً واجتماعياً بل وسياسياً. وإذا كان هذا الانقلاب لم يتخذ شكلا ظاهراً منذ قرن كما هو وأضح لنا الآن فما ذلك إلا لأن هذا التطور لم يحدث طفرة، ولأن ارتباط الشعوب اقتصادياً كان متمشياً مع انتشار الآلات وتحسينها تدريجياً وتخصص كل بلد بما اعتاد صناعته.

وإليكم ما حدث في إنجلترا مثلا عندما استخدم رجال الصناعة آلة المنزل التي اخترعها هارجريفز في منتصف القرن الثامن عشر فإنهم لم يفكروا أصلا في غير أرباحهم ولم يخطر ببالهم أنهم - سيحدثون انقلاباً عظيما في حياة الأفراد - وفي علاقات الدول إذ أن الواقع أن انتشار صناعة الأقمشة الصوفية والأجواخ في إنجلترا فتحت أمام نشاطها آفاقا جديدة فأوجدت لها أسواقا عالمية جعلت مقادير الصوف الخام - من الخراف الإنجليزية غير كافية لسد حاجات تلك الأسواق الكبيرة فولت الصناعة وجهها شطر أستراليا والأرجنتين وغيرهما لتستورد منها الأصواف فانتعشت بهذا تربية الأغنام في تلك البلاد النائية وأصبحت في إنجلترا قاصرة على تحسين النسل، وبهذا اختصت إنجلترا بالغزل والنسيج، واختصت أستراليا والأرجنتين بتربية المواشي حتى قيل إن أجر جز الصوف في أستراليا يوازي ثمنه، وأن قطعة القماش من الجوخ المصنوع في إنجلترا من صوف استراليا أقل ثمناً في سدني باستراليا من مثلها المصنوعة في أستراليا نفسها؛ ذلك لأن كلا البلدين أصبح مع مرور الزمن أخصائياً في عمله لا يستطيع الآخر أن يزاحمه فيه.

وكان الحال كذلك في الأقمشة الصوفية، فمنذ عرف أن المناخ الرطب في منشستر لغزل

ص: 9

ونسيج الموسلين ونحن نشهد إقامة الأنوال والمناسج في إنجلترا وأمريكا وغيرهما كما نشهد زراعة القطن في المساحات الواسعة في دلتا المسيسبي ودلتا النيل وغيرهما.

وكل ما قيل بصدد الصوف والقطن يقال بالنسبة لباقي المصنوعات من آلات حتى المواد الغذائية وغيرها.

هذا ولا ريب أن نقل المواد الأولية من الأقطار البعيدة إلى الأقطار الصناعية ثم توزيعها مصنوعة إلى البلاد الأخرى يقتضي تحسين طرق المواصلات البحرية والبرية، ولها نرى منذ منتصف القرن التاسع عشر بناء السفن التجارية فضلاً عن مد خطوط السكك الحديدية والخطوط التلغرافية كما ترون العمل على تحسين طرق المواصلات الجوية والوصول بها إلى أوجها - كل هذا جعل الكرة الأرضية معروفة اليوم بسكانها ومعادنها وحاصلاتها؛ فإذا بسطنا خريطة جغرافية رسمت قبل اختراع الآلات وجدنا مساحات واسعة مؤشرا عليها بما يدل على إنها مجهولة لنا كحوض الأمازون ووسط أفريقيا وأستراليا نفسها، أما اليوم فقد اكتشفت الأرض جميع ما تملك وعمل على استغلال كل ما بها بل أصبحت بلاد العالم مرتبطا بعضها ببعض وتأثر بعض الأمكنة بما يحدث في الأخرى

فإذا ما ظهرت دودة القطن في مصر، أو نزل الصقيع على محصول بأمريكا، أو حدث إضراب العمال في المصانع الإنجليزية هبطت أسهم شركات النسيج أو نقصت أثمان الصوف تبعاً لهذا.

كذلك إذا ما حدث اضطراب في وسائل النقل واضطربت حياة الشعوب والأمم، فقد رأينا كندا في الحرب الماضية تستخدم القمح كوقود لأفرانها بينما كانت شعوب أوربا لا تجد الخبز بغير البطاقات بشق الأنفس.

والخلاصة من هذا كله أن التطور الصناعي خلق أسواقا عالمية سواء لأجل استيراد المواد الأولية أو لتصريف المنتجات الصناعية وأن هذه الحالة تقتضي طبعا المزاحمة الأجنبية فلا يتسنى بسبب هذا الترابط الاقتصادي لأية أمة أن تستهلك وحدها كل محصولها أو كل منتجاتها فهي مضطرة أن تبحث عن أسواق للفائض عن حاجتها وتتخذ لهذا الغرض إجراءات داخلية تأخذ شكل الحواجز الجمركية، وإجراءات خارجية تأخذ شكل المعاهدات التجارية في صيغة (أولى الدول بالمراعاة) فإذا ما تصادمت مصلحة دولتين في كل هذه

ص: 10

الميادين قامت بينهما حرب تجر وراءها بسبب الترابط الاقتصادي العالمي حرباً عالمية.

ولقد شهدنا في مدى جيل واحد حربين عالميتين وعرفنا الفروق بين هذا النوع من الحرب والحروب الأخرى، ففي العهود السابقة كانت الحرب موضعية تقع بين بلدين أو أكثر ولكنها لم تكن لتتعدى الجيوش المحاربة، وكانت تبتدئ وتنتهي دون أن يشعر باقي الأهالي المدنيين الآمنين بأهوالها، بل كانت أشبه شيء بعملية جراحية تلتئم جروحها سريعاً في موضعها لتعود الحياة العادية كما كانت من قبل.

أما الحروب العالمية اليوم فهي حروب تجند من أجلها الشعوب فيرسل الشبان إلى ميادين القتال، والشيوخ إلى مصانع الأسلحة والعتاد، والنساء إلى المزارع والمستشفيات؛ كذلك تجمع من أجلها القوات الزراعية والصناعية والمعدنية والمالية؛ وفوق ذلك فان ويلاتها وأهوالها تمتد من ساحة الوغى إلى ما وراء خطوط القتال فتخرب المصانع وتهدم المساكن وتدمر الطرق والجسور وتغرق البواخر وتقطع المواصلات البرية والبحرية كما تزهق أرواح الأبرياء من النساء والأطفال ثم تعقبها بعد إنهاءها الثورات السياسية والأزمات الاقتصادية.

سادتي:

لقد احتمل العالم هذه الويلات زهاء أربع سنوات في حرب سنة 1914 وست سنوات في الحرب الأخيرة؛ فإذا كانت المدنية الحاضرة لم تندثر معالمها وإذا صح أن يكون ذلك دليلا على ما لتلك المدنية الصناعية من قوة المقاومة إزاء هذا التدمير والتخريب فقد صح كذلك وجود عيوب في نظام العالم الحاضر الذي لم يستطع أن يتفادى في مدى جيل واحد حربين عالميتين من هذا النوع في التدمير والتخريب الذي لا مثيل له في تاريخ الإنسانية.

وفي يقيننا أن هذه الحال لن تتغير وأن احتكاك الدول لن يتبدل ما لم يعمل على أن ندخل في نظام حياتنا العامة وعلاقاتنا الاقتصادية ما يضمن لنا الاستقرار والاطمئنان.

ولا ريب أن كل شيء في هذا الوجود يولد ثم ينمو ويشب ثم يكبر ويهرم فيموت؛ لذلك كان نظام الحكم وعلاقة الدول ببعضها من أكثر الأمور تطوراً لا في المظاهر الشكلية بل في جوهر الأمور وكيانها؛ فان الخمسة والعشرين قرناً الماضية من تاريخ الإنسانية تشهد بان نظام العالم قد انتقل من حكم أقوى العائلات إلى نظام الجمهوريات اليونانية القديمة،

ص: 11

إلى محاولة أيجاد الإمبراطوريات العالمية في عهد الاسكندر والدولة الرومانية، إلى نظام الإقطاع في القرون الوسطى، إلى نظام الملكية المطلقة إلى الديمقراطية الحاضرة.

إن هذا التطور الدائم في نظام الحكم جاء تبعاً لتطور الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك الأزمان الماضية.

كما لا ريب عندنا في أن العالم في وقتنا الحاضر وهو تحت تأثير الاكتشافات العلمية واختراع الآلات الصناعية وإتقان طرق المواصلات بين أجزاء العالم قد تطور تطوراً خطيراً من شأنه أن جعل جميع الشعوب والأمم التي وصلت إلى درجة ما من المدنية مرتبطة ببعضها ارتباطاً اقتصادياً فلا يسع شعباً من الشعوب أن يستكفي وحده بكافة حاجاته من المآكل والملبس وغيرهما بل هو في حاجة إلى تصدير الفائض، وبجانب هذا فان العلاقات بين الدول كانت تتطور حتى أخذت شكل القانون الدولي الذي كان يتطور هو كذلك تبعا لمقتضيات الظروف بعد كل نزاع.

(البقية في العدد القادم)

محمد حافظ رمضان

ص: 12

‌حول قضية فلسطين

أيها العرب. . .

استيقظوا واحذروا

للأستاذ سيد قطب

إن قضية العرب في فلسطين تتأخر ولا تتقدم!

ويسوءني أن أكون نذير سوء؛ ولكن لأن نواجه الحقائق الواقعة، خير من أن نستنيم للأحلام.

حينما صدر الكتاب الأبيض الإنجليزي أعلن كل عربي مخلص أنه لا يرضى عن هذا الكتاب، وأنه صدمة لآمال العرب بما نظمته من استمرار الهجرة الصهيونية فترة أخرى، وإن تكن موقوتة، تصبح بعدها الهجرة مرهونة بمشيئة العرب، إن شاءوا أمضوها، وان شاءوا لم يسمحوا من بعد بها.

واليوم يتمسك العرب بسياسة الكتاب الأبيض، ويدعون إنجلترا للمحافظة عليها، وهم يرون في تصريح (بيفن) الأخير نقصاً لها، واستمراراً في الهجرة إلى غير موعد!

إذن قضية العرب في فلسطين تتأخر ولا تتقدم!

تتأخر، فيصبح الكتاب الأبيض الذي كان بالأمس موضع شكوى العرب، وهو موضع رجائهم. وينقلب الحد الأدنى - أو ما هو دونه - حداً أعلى لآمال العرب أو الناطقين باسمهم في هذه الأيام.

ألا إنها المحنة التي يجب أن تتفتح عليها الأبصار!

فلننظر فيم كان هذا الانقلاب؟

صدر الكتاب الأبيض بالأمس ترضية للعرب الثائرين الساخطين، فرفضوه واستصغروه. فلما سرى البرد إلى دمائهم الباردة ودب الخدر إلى أعصابهم الثائرة، رضوا عن الكتاب الأبيض، ووقفوا ينتظرون. . .

والغي الكتاب الأبيض اليوم ترضية للصهيونيين الثائرين المعتدين، يرفضون إلغاءه ويستصغرون اقتراحات (بيفن) الأخيرة، لأن العرب لا يزالون في خدر لذيذ يستنيمون

ص: 13

إليه. . . ذلك أنهم يثقون بالضمير البريطاني!!!

ومن هنا نستطيع أن نعرف: متى يسترضينا الإنجليز، ومتى يسترضون الصهيونيين؟!

فلننظر إلام تؤدي اقترحات (بيفن) الأخيرة؟

ستفتح أبواب الهجرة الصهيونية بعد إغلاقها، وستؤلف لجنة تحقيق - لم تؤلف بعد - لتنظر في قضية فلسطين وقضية اليهود عامة. وما دامت هذه اللجنة لم تنته من تحقيقاتها الواسعة المدى فسيظل سيل الهجرة يتدفق على فلسطين!

أهي سنةٍ؟ أم سنتان؟ أم خمس سنوات؟ أم هي التعلة الدائمة لاستمرار الهجرة إلى غير ميعاد؟ فإن ضجر العرب يومذاك أو تبرموا كانوا قوماً عجلين، لا يريدون أن تعمل اللجنة في جو هادئ، ولا يمكنون للحقائق في الظهور!

ثم يوجد من العرب من يرى في مثل هذه الاقتراحات أساساً صالحاً لقضية فلسطين.

إلا إنها المحنة التي يجب أن تتفتح عليها الأبصار!

للإنجليز أن يهللوا لاقتراحات (بيفن) الأخيرة. فهي انتصار للسياسة الإنجليزية التقليدية. . . انتصار لها من شيء الوجوه:

1 -

الانتصار الأول جر أمريكا لاحتمال التبعات في فلسطين دون أن يكون لها شيء من المغانم! وتصوير هذا بأنه استماع لصوت أمريكا في حل القضية المعقدة التي استطاع الصهيونيون الأثرياء أن يحركوا لها (ترومان) وسواه. فإذا انتهوا إلى حل فلن تستطيع أمريكا رفضه وهي الشريكة فيه!

2 -

والانتصار الثاني تثبيت صفة الانتداب الإنجليز على فلسطين باسم جديد (الوصاية) باعتراف من الولايات المتحدة في هذه المرة. فلقد كان الانتداب من (عصبة الأمم) التي اعتزلتها الولايات المتحدة وكان المرجو هو استقلال فلسطين!

3 -

والانتصار الثالث هو (التأجيل) طابع السياسة الإنجليزي الأصيل. فالتأجيل وترك العقدة للزمن يحلها الحل المناسب هو الطابع الدائم للسياسة الإنجليزية، وبخاصة مع الأمم الصغيرة الثائرة لحقوقها المهضومة، - والزمن دائماً في صف الأقوياء لا الضعفاء - وهذه الاقتراحات الأخير تضمن للسياسة التقليدية أقصى مدى، لأنها في أيدي لجنة تحقيق لا يجوز أن يستعجلها أحد عن استجلاء الحقائق! وإلا كان متعنتاً لا يريد للحقائق الظهور!

ص: 14

4 -

والانتصار الرابع هو التوفيق بين سياسة الأحزاب الإنجليزي كلها في علاج قضية خارجية. والإنجليز يبتهجون لمثل هذا التوفيق لأنهم جميعاً إنجليز!

للإنجليز أن يهللوا لهذه التصريحات الأخير في صحفهم عامة، ولكن ليس للعرب أن يخدعوا بهذا التهليل، لأن لهم في القضية موقفا آخر يستدعي التفكير المستقل عند النظر في الأمور. وقضية فلسطين قضية عادلة لا يضيرنا فيها التحقيق؛ ولكن متى كانت عدالة القضايا الوطنية كافية لتقرير الحق في الأمور؟

والآن. . . ما هو طريقنا المأمون!

طريقنا ألا نثق بضمير أحد، فما لأحد في العالم الغربي ضمير! لقد برهنت هذه الحضارة الغربية على إفلاس في الضمير لا عهد للعالم به في جميع الحضارات السابقة.

وقبل أن نثق بالضمير الأوربي أو الأمريكي، يجب أن نتذكر لفرنسا حوادث سوريا ولبنان - وهي قريبة لم تغب عن العيان - ويجب أن نذكر لإنجلترا يوم 4 فبراير الشنيع؛ ثم موقفها في إندونيسيا - وهو حاضر الآن - ويجب أن نذكر لأمريكا نداء (ترومان) ونصرته للصهيونيين!

طريقنا ألا نثق بضمير أحد، وإلا نستنيم لدعوة مّا من دعوات الثقة بهذا الضمير.

وطريقنا ألا نستنيم لمخدرات التأجيل إلا إذا وقفت الهجرة وقفاً تاماً حتى يتم التحقيق. فلقد رأينا أن الزمن ليس في صالحنا. بضمته شاء أحد أن يستنيم فليتذكر متى صدر الكتاب الأبيض بوقف الهجرة الصهيونية في موعد محدد، ولماذا صدر هذا الكتاب. ثم ليتذكر متى ألغي الكتاب الأبيض وأبيحت الهجرة من جديد. ولماذا كان هذا الانقلاب؟

صدر الكتاب الأبرياء ترضية للعرب الساخطين الثائرين، وصدر تصريح بيفن الأخير ترضية لليهود المعتدين الإرهابيين!

وطريقنا أن يرد زعماء الأمة العربية ما بأيديهم من السلطة إلى هذه الأمة نفسها لترى رأيها في الموقف الجديد، فهي صاحبة الأمر قبل الزعماء أجمعين.

ولأطلقها صيحة صريحة قاسية:

أيتها الأمة العربية: احذري حتى رجال السياسة من أبنائك. لا لأنهم قد يخونوك أو يخدعونك، ولكن لأنهم هم قد يخانون ويخدعون! ولأن كراسي الحكم قد تكون في بعض

ص: 15

الأحيان وثيرة إلى حد تستنيم له الأعصاب الثائرة وتنحدر فيه الدماء الفائرة!

أيتها الأمة العربية: خذي الأمر في يديك من جديد، فأني أرى موقف يستدعي جهود الشعوب نفسها لا جهود الزعماء منفردين.

وما يخدعك أيتها الأمة - في كل قضاياك الوطنية لا في قضية فلسطين وحدها - إلا مخدوع يقصيك عن الأمر ويستنيم للوعود!!!

سيد قطب

ص: 16

‌من محاسن التشريع الإسلامي

للأستاذ حسن احمد الخطيب

- 6 -

اليسر ورفع الحرج

من أبين خصائص التشريع الإسلامي، وأبرز محاسنه ومزاياه يسر أحكامه، وبسهولة تكاليفه، ومسايرة أوامره ونواهيه للطبيعة البشرية، والفطرة الإنسانية، التي لم يمسسها دنس ولا رجس، ليس في ذلك شيء يعنتها، ولا حكم يشق عليها؛ ولا غرو، فهي شريعة الرحمن الرحيم، وتنزيل من الخبير العليم، ووحي وهداية من العزيز الحكيم، وتفصيل وبيان من رسوله الصادق الأمين، الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم.

والآيات القرآنية في ذلك المعنى مستفيضة: قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال: (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر)، ولما شرع الله - جلت حكمته - التيمم عند عدم وجود الماء أشار إلى حكمة ذلك التيسير والتخفيف في قوله في سورة المائدة:(وإن كنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم، لعلكم تشكرون)، كذلك قال الله - جل شانه - في سورة الحج:(وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم، وما جعل عليكم في الدين من حرج).

ومثل ذلك الأحاديث، فإنها جمة متضافرة على هذا المعنى، فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده:(أحب الدين إلى الله الحنفية)، وفي شمائله صلى الله عليه وسلم:(ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما).

وحسبك في ثبوت هذه المزية، ورعاية الإسلام لها، والبناء كثير من الأحكام عليها أن عدت أساساً من أسس التشريع الإسلامي، وقاعدة من قواعده، التي عول عليها فقهاء الإسلام، وعلماء النشر، والقائمون بالاجتهاد فيه، فراعوا اليسر، ورفع الحرج فيما استنبطوه من الأحكام، ووضعوا تلك القاعدة التشريعية التي جمعت بين وجازة اللفظ، وإصابة المعنى،

ص: 17

واستحصاد الرأي، وهي قولهم:(المشقة تجلب التيسير).

بتلك القاعدة شرعت أحكام كثيرة، روعيت فيها طبيعة الإنسان، وقوة احتماله، وما يناسب غرائزه وجبلته وقدرته: فلم تجب الزكاة إلا إذا بلغ المال نصابا، ولم يجب إلا جزء يسير منه كربع العشر، وكره أو حرم الطلاق والمرأة حائض، حتى لا تطول عليها العدة، ووجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، رفعا للحرج، وفرض الحج في العمر مرة: نقل العلامة أبو السعود عند تفسير قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) أن عليا رضي الله تعالى عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله كتب عليكم الحج، فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة بن محصن، وقيل هو سراقة بن مالك، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى إعادة مسألته ثلاث مرات، فقال رسول الله: ويحك! وما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم. . . فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه). وعلى هذه القاعدة انبنت جميع رخص الشرع وتخفيفاته. وللكثرة الكثيرة المتفرعة عليها من أحكام الفقه ومسائله قيل إنه يرجع إليها غالب أبواب الفقه.

وقد ذكر العلماء للتخفيف أسباباً، ومنها:

1 -

المرض، ومما يتعلق به جواز التيمم للمكلف عند الخوف على نفسه، والقعود في صلاة الفرض، والفطر في رمضان، والإنابة في الحج بشروطه، وإباحة محظورات الإحرام في الحج مع الفدية، وإباحة النظر إلى العورة للطبيب.

2 -

السفر، ومما يتعلق به قصر الصلاة الرباعية، والفطر في رمضان، وترك الجمعة والعيدين.

3 -

العسر وعموم البلوى: كوجوب الصوم شهراً في السنة، والحج في العمر مرة، ووجوب ربع العشر فقط في الزكاة تيسيراً - على ما سبق ذكره - وأكل الولي أو الوصي من مال اليتيم بقدر أجرة عمله، وإباحة النظر للمرأة عند الخطبة، ومن ذلك مشروعية الطلاق لما في البقاء على الزوجية المشقة والعنت عند تنافر الأخلاق، وتعذر المعاشرة بالمعروف، ومشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فاته من البر في حال

ص: 18

حياته، ونفذت في الثلث دون ما زاد عليه دفعاً لضرر الورثة، حتى إذا لم يكن هناك وارث نفذت ولو كانت بكل المال. ومن التيسير في عموم البلوى إسقاط إثم الخطأ عن المجتهدين، والاكتفاء منهم بالظن، إذ لو كلفوا الأخذ باليقين لشق عليهم الوصول إليه.

4 -

النقص، وهو نوع من المشقة، لأن النفس مجبولة على حب الكمال فناسب التخفيف في التكليف. ومما ترتب على ذلك عدم تكليف المجنون والصبي، وعدم تكليف المرأة بعض ما يجب على الرجل، كالجهاد إذا لم يكن النفير عاماً.

وفي معنى القاعدة المتقدمة قول الشافعي: (إن الأمر إذا ضاق اتسع)، وقول أئمة الحنفية: التسهيل يراعى في مواضع الضرورة والبلوى العامة.

هذا التيسير في التشريع، وهذه الرخص التي أتت بها الشريعة تخفيفاً على العباد في مواطن الحرج والمشقة - إحدى مزايا الإسلام وتشريعه مما يعد آية على أنه جاء رحمة للعالمين.

- 7 -

مراعاته مطالب الجسد والروح

كذلك من مزايا التشريع الإسلامي توفيته بمطالب الجسد والروح معاً في حدود الاعتدال، فهو وسط جامع لحقوق الجسد والروح، ومصالح الدنيا والآخرة، (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).

فالإسلام بتعاليمه، ووصاياه وتشريعاته - جعل المسلمين وسطا بين الذين تغلب عليهم الحظوظ الجسدية، والمنافع المادية، وبين الذين تغلب عليهم التعاليم الروحية، وتعذيب الجسد، وإذلال النفس، كما يتجلى ذلك مما أسلفنا ذكره وبيانه في المميزين الرابع والسادس، وتلك مزية أخرى من مزايا الإسلام وتشريعه، تشهد له بمراعاته الفطرة الإنسانية السليمة، وبتحقيقه مصالح العباد، وتهيئة أسباب السعادة لهم في الدنيا والآخرة.

(يتبع)

حسن أحمد الخطيب

ص: 19

‌رأي جديد في

حماد الرواية

للأستاذ السيد يعقوب بكر

الرواية في عصر حماد:

لن نتحدث هنا عن الرواية في عصر حماد من حيث هي رواية مستقلة لها مظاهرها الخاصة، وإنما سنتحدث عنها من حيث هي طور من أطوار الرواية العربية. ومعنى هذا أننا لن نفصل بينها وبين أطوار الرواية العربية قبلها، وإنما سنتحدث عنها وعن تلك الأطوار معاً. ونحن نقصد من هذا إلى أن نفهم هذه الرواية على وجهها، وان نتفهم المقدمات التي أدت إليها.

بدأ العرب يدونون شعرهم في أخريات القرن الأول للهجرة، وليس معنى هذا أنهم كانوا يجهلون الكتابة قبل هذا التاريخ، فقد كانت الكتابة معروفة لديهم قبل الإسلام بزمن طويل تدلنا على هذا تلك (المخربشات) التي تسمى خطأ بالنموذجية واللحيانية، وتلك (المخربشات) التي عثر عليها في الصفا بجوار دمشق؛ وهي كلها مكتوبة بخط ينتمي إلى الخط العربي الجنوبي. ثم هناك نقش النمارا بسوريا، الذي نجده على قبر امرئ القيس بن عمرو اللخمي، والذي هو مكتوب بالخط النبطي المشتق من الأرامي؛ وهو يرجع إلى سنة 328 م. تدلنا هذه الآثار كلها على أن الكتابة كانت معروفة لدى العرب قبل الإسلام. لكن هذه الكتابة لم تكن صالحة لأن تدون بها الأشعار؛ فقد كانت لا تعبر عن الحركات الممدودة، كما كانت خالية من الإعجام. إنما أدخل الاعجام على الكتابة في أيام الحجاج فانتقلت به الأبجدية من 15 حرفاً إلى 28 حرفا؛ كما أن نظام الحركات لم يستقم إلا بعد أيام الحجاج بزمن طويل.

قلنا إن الكتابة العربية لم تكن صالحة لأن تدون بها الأشعار. ولكننا نجد الأستاذ بروكلمان (تكملة الجزء الأول من كتابه صـ 131 - 132) يرى أن الخط النبطي الذي كتب به نقش النمارا ربما اصطنع في أمور الحياة الخاصة، وربما دونت به قصائد الشعراء النصارى بالحيرة؛ ويصل من هذا إلى أن مرجليوث وطه حسين قد حادا عن الصواب

ص: 20

حين أنكرا اصطناع الكتابة لدى عرب الشمال قبل العصر الإسلامي، وحين انتهيا إلى أن الشعر الجاهلي منتحل كله.

يرى بروكلمان أن بعض الشعر الجاهلي قد دون في الجاهلية، وأنه لا سبيل إذن إلى إنكار الشعر الجاهلي كله. ونحن لا نستطيع موافقته على هذا الرأي، أولا لما قدمناه من قصور الكتابة قبل الإسلام عن أن تدون بها الأشعار. وثانيا لأننا لا نعلم شيئا عن ذلك الشعر الذي دون في الجاهلية. ومهما يكن من شيء، فهو على حق حين يأخذ على مرجليوث وطه حسين إنكارهما اصطناع الكتابة قبل الإسلام؛ ولكنه يحيد عن الحق حين ينتهي إلى أن بعض الشعر الجاهلي صحيح، لأن اصطناع الكتابة ليس معناه تدوين الأشعار وحفظها من الخطأ.

على أن بروكلمان يعود فيقول إن تدوين الأشعار في الجاهلية لم يغلب على روايتها شفاها، وإنما كانت الرواية الشفهية هي الغالبة. وهو في هذا القول يقترب كثيرا من الرأي الذي نأخذ به، من أن الرواية الشفهية للأشعار كانت السائدة في الجاهلية. بل إننا نرى أن الرواية الشفهية ظلت سائدة حتى أخريات القرن الأول للهجرة، أي بعد كتابة القرآن بزمن طويل. ونحن نفسر هذا بأن للعادة سلطانها وغلبتها، وأن العرب ظلوا على روايتهم الشفهية للأشعار جرياً مع العادة ومسايرة لها. هذا إلى أن طبيعة اشعر العربي القديم، وهي طبيعة غنائية، من شأنها الترغيب في الإنشاد والرواية الشفهية، لا الترغيب في التدوين والنقل.

بدأ العرب يدونون شعرهم في أخريات القرن الأول للهجرة. ومعنى هذا ن الشعر الجاهلي لم يتئد إلينا إلا بالرواية الشفهية. فهل من الممكن أن يكون هذا الشعر قد تئدي إلينا هكذا سالما؟ وماذا يضمن لنا أنه ظل بعد تلك المدة الطويلة من الزمن على حاله التي صاغه فيها قائلوه؟ ليس من ريب في أن أبياتا كثيرة يقولها الشاعر في الافتخار بقبيلته وهجاء أعدائها، فيتناشدها قومه ويتناقلونها، قد بقيت ولم تحل صورتها. ليس من ريب في هذا، ولكن هناك قصائد طويلة كالمعلقات ما كانت لتبقى لو كان بقاؤها وقفاً على تناشدها وتناقلها. إنما هم الرواة الذين حفظوها لنا، ونقلوها إلينا، فقد كان لكل شاعر راويته الذي يصحبه، ويحفظ أشعاره، وينقلها إلى الناس. وكان كثير من الرواة شعراء، وكان كثير من الشعراء رواة. فامرؤ القيس راوية أبي دؤاد، وزهير راوية أوس بن حجر وطفيل الغنوي، والحطيئة

ص: 21

راوية زهير، وهدبة بن خشرم راوية الحطيئة، وجميل عذرة راوية هدبة، وكثير خزاعة راوية جميل. وكانت مهمة الرواية لا تقتصر على حفظ الأشعار؛ وإنما كانت تجمع إلى حفظ الأشعار شرح ما فيها من إشارة، وإيضاح ما فيها من انبهام، وحكاية ما أحاطها من ظروف.

كانت رواية الشعر في أثناء الجاهلية وفي خلال النصف الأول من القرن الأول هوية يقصد بها التلهي وتزجية الفراغ؛ ولكنها أخذت بعد ذلك تصطبغ بصبغة المهنة، وتلبس لبوس العمل الذي يرجى منه الكسب. وبعد أن كان كل راو مختصا بشاعر واحد في أغلب الأمر، يفرغ له ويعكف على شعره حفظا ورواية وشرحا؛ أخذ الرواة يكونون طبقة خاصة، تعنى بحفظ الكثير من الشعر القديم والمعارف المتنوعة. فلما بدأ تدوين الشعر في أخريات القرن الأول للهجرة، كان الكثير من أشعار الجاهلية وأخبارها دائراً على الألسنة والشفاه.

إذن فالرواة هم الذين حفظوا لنا الشعر القديم، ونقلوه إلينا؛ ولكن ليس معنى هذا أنهم قد أدوا إلينا كل هذا الشعر القديم. فقد امتدت يد العفاء إلى كثير من هذا الشعر. ذلك لأن كثيرا من الرواة قتلوا في الحروب، أو توفاهم الله، دون أن يخلفوا وراءهم من يصل روايتهم وينتهي بها إلى غايتها. هذا إلى أن قبائل كاملة، ومعها رواتها، قد انتشرت في البلاد البعيدة بداعي الغزو والفتح، فنسيت لغة صحرائها وأخبار جاهليتها وأشعار شعرائها الأقدمين. كذلك ليس معنى هذا أن ما وصلنا من الشعر القديم قد وصلنا سالماً صحيحا. ذلك لأنه قد زيد عليه أشياء، وسقطت منه أشياء، وأبدل فيه شيء من شيء؛ وهو ما يرجع السبب فيه إلى طبيعة الرواية الشهية وقصور الواعية الإنسانية.

قلنا إن رواية الشعر كانت في الجاهلية وصدر القرن الأول الهجري هَوِيّة يُقصد بها التلهّي وتزجية الفراغ، وإنها أصبحت بعد ذلك عملا يرجى من وراءه الكسب. ونقول الآن إن هذا التطور الذي لحق رواية الشعر ليس إلا صدى لتطور لحق الحياة والناس. ذلك لأن العصر الإسلامي الجديد لم يلبث طويلا. حتى أتى بوجوه من الحياة جديدة، وميول نفسية جديدة؛ وحتى صرف معظم المسلمين عن الشعر القديم، ذلك الشعر الذي أصبح يمثل روح الظلال والكفر، إلى ما يعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة، ألا وهو القرآن والحديث. وهكذا أخذت صناعة الشعر كما يفهمها القدماء في الاضمحلال والذبول وأخذت أشعار الجاهلية

ص: 22

وأخبارها في الاندثار والعفاء. لكن شيئاً حفظ على الرواية رونقها الذي كاد يبليه العصر الجديد، وحفظ على الرواة مكانتهم التي كانت تريد أن تزول؛ بل جعل من هؤلاء الرواة طبقة خاصة لا هم لها إلا الرواية، ولا شغل لها إلا ما أبقته الأيام من الشعر القديم والأخبار القديمة وتدوينها.

هذا الشيء هو مساس الحاجة إلى تفسير القرآن وشرح الحديث، ومن ثم إلى كتابة النحو وتدوين اللغة. ذلك لان العرب حين انتشروا في البلاد المفتوحة، وامتزجوا بأهلها من الأعاجم، وانتأوا عن الصحراء مهد لغتهم، أخذوا يفقدون فصاحتهم الأولى، وجعلوا ينسوْن بلاغتهم المأثورة. هنالك غمضت عليهم لغة القران والحديث، وخفيت عليهم أسرارها. وهنالك مست الحاجة إلى تفسير القرآن وشرح الحديث، ومن ثم إلى كتابة النحو وتدوين اللغة. وكان الشعر القديم هو أداة هذا كله. فكان الفقهاء والعلماء يلتمسون البيت أو البيتين أو الأبيات عند الرواة، ثم يثبتونها في كتبهم. وكلما كان البيت أوغل في القدم، كان أوثق عندهم في الاستشهاد.

كانت اللغة إذن تُدرس لا لذاتها، ولكن لخدمة الشرع؛ وكان الأدب يُدرس لا لذاته، ولكن ليكون أداة لشرح الذكر الحكيم. ولكن لم تلبث الحال طويلا حتى فطن العلماء إلى أن في الشعر القديم ما يصور نفوس الشعراء القدامى، وإلى أن هنالك أسباباً من اللذة والمتاع في الأخبار القديمة. حينئذ أصبحت الحال غير الحال، وأضحى الأمر غير الأمر؛ فإذا بدراسة لغة القرآن تؤدي إلى دراسة الأدب نفسه، وإذا بالدارسين يصبحون إنسانيين بعد أن كانوا متكلمين

حدث هذا التطور العظيم في أخريات عهد بني أمية، وفي عهد أبي العباس والمنصور والمهدي من خلفاء بني العباس. فكان أبو عمرو بن العلاء، وحماد الراوية، والمفضل الظبي، وخلف الأحمر، أهم القائمين بجمع الشعر القديم وتدوينه؛ وكان أبو عبيدة والأصمعي، ومحمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام الكلبي، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، والسكري، والطوسي، أهم القائمين بجمع الأخبار وتدوينها. وكان أعراب البادية يُدْعَوْن إلى الكوفة والبصرة، ويسألون عما يحفظون من شعر وأخبار. ثم أصبح من دأب العلماء فيما بعد أن ينزحوا إلى البادية، فينتقلوا بين قبائلها، ويستقوا من هذه القبائل الشعر

ص: 23

والأخبار.

تجمعت إذن لدى الرواة والعلماء طائفة عظيمة من الأشعار والأخبار، ضمنوها ما خلفوه لنا من آثار. وهي طائفة فيها الدلالة كل الدلالة على نوع الحياة التي كان يحياها الجاهليون، وعلى النزعات التي كانت تعمل في نفوسهم. وليس من همنا هنا أن نفصل القول في صحة نسبتها أو انتحالها؛ إنما نرجع القارئ إلى ما قدمناه من أن طبيعة الرواية الشفهية وقصور الواعية الإنسانية قد أديا إلى زيادة أشياء وسقوط أشياء وأبدل فيه شيء من شيء. أعان على هذا ما تمتاز به اللغة العربية من كثرة المترادفات، وهو ما قد يؤدي إلى إبدال كلمات من كلمات. وأعان على هذا أيضاً أن القصيدة الجاهلية مهلهلة النسج مقلقلة الوضع، وهو ما قد يؤدي إلى سقوط بيت أو جملة أبيات أو إلى وضعها في غير موضعها. كذلك قد نجد في قصيدة واحدة أبياتاً لشعراء مختلفين، لم يؤلف بينهم إلا اتفاق الوزن والقافية. هذه كلها وجوه لما لحق الشعر الجاهلي من زيادة وحذف وتغيير. ثم لا ننسى أن من الرواة من كان يعتمد الحذف والتغيير. ودليلنا على هذا قلة ما نلقاه فيما لدينا من الشعر من أسماء الآلهة الجاهلية؛ وهي آلهة كانت تشغل جانباً من حياة الجاهليين، وكان لها صدى ولا شك في أشعارهم. ثم هناك من الرواة من كان يُصلح ما يصل إليه من أشعار، ويزيد عليه مُكمِّلا. هذا إلى ما يقوله ابن سلام (ص 22) من أنه لما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعراءهم وما ذهب من ذكر وقائعهم؛ وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على السن شعراءهم. وأخيراً نصل إلى من كان يقصد الخداع من الرواة، فكان ينحل شعره الشعراء القدماء، ليشتهر بين الناس بكثرة الرواية؛ ويقول في هذا ابن سلام (ص 22 - 23)(. . . ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار. وليس يشكل على أهم العلم زيادة ذلك ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال). فهذه وجوه أخرى لما لحق الشعر الجاهلي من زيادة وحذف وتغيير وانتحال.

هذه صورة للرواية العربية قبل عصر حماد وفي أثناء عصره؛ جهدنا أن تكون واضحة الخطوط، بينة الملامح، صادقة التعبير. وهي صورة ستعيننا دون ريب على تفهم رواية

ص: 24

حماد الخاصة به، وعلى بحثها البحث الصحيح القائم على أسس صحيحة، وعلى الخروج من هذا بالنتائج الصحيحة التي إنما نكتب هذا البحث في سبيل بلوغها.

(للبحث بقية)

السيد يعقوب بكر

ص: 25

‌الوعود الثالثة في تاريخ فلسطين

وعد الله - وعد قورش - وعد بلفور

هل التاريخ يعيد نفسه؟

للأستاذ عيسى السفري

إذا وقع حدث تاريخي هام، ثم تكرر وقوع هذا الحدث، أو ما

يشبهه بعد مدة من الزمن قالوا: (إن التاريخ يعيد نفسه)

ومن يراجع التاريخ، قديمه وحديثه، يجد إن الوعود الثلاثة التي حصل عليها اليهود بالعودة إلى فلسطين كانت كلها متشابهة بأسبابها ونتائجها.

فهل كان ما حدث من قبيل الصدف؟. أم أن هناك عوامل غائبة جعلت التاريخ يعيد نفسه ثلاث مرات متوالية؟.

هذا ما تجد الجواب عليه في البحث التاريخي الآتي:

1 -

وعد الله

(1)

تمهيد: اليهود قبيلة سامية هاجرت (بزعامة إبراهيم) من أور الكلدانيين في العراق سنة 1921 ق. م بضغط من سكانه وتوطنت فلسطين أرض الكنعانيين، ولكن الكنعانيين قاوموهم وأجاعوهم فاضطروا للهجرة إلى مصر. واضطهدهم المصريون بدورهم وأذلوهم فأجبروهم على العودة إلى فلسطين يقودهم موسى النبي. وكان ذلك سنة 1191 ق. م

وتاه بهم موسى في بر سيناء أربعين سنة ليقضي على جرثومة الذل التي تأصلت في نفوسهم، ويجعلهم مستعدين لفتح فلسطين. وعبثاً كانت محاولته هذه، فقد تمردوا عليه وأبوا أن يدخلوا فلسطين، ذلك بان فيها قوماً جبارين (هم الفلسطينيون)

(يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فان يخرجوا فإنا داخلون. . .)

(قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك إنا ههنا قاعدون)

ص: 26

وهكذا اضطر موسى أن يذهب بهم إلى فلسطين عن طريق الجنوب الشرقي ليتحاشى بأس الفلسطينيين سكان الساحل. وصعد موسى إلى جبل تبو قبالة أريحا فأراه الرب أرض فلسطين وقال له:

(هذه هي الأرض التي اقسم لإبراهيم واسحق ويعقوب قائلا لنسلك أعطيها، قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لا تعبر)

2 -

وعد الله

ومات موسى، فتسلم يشوع بن نون القيادة من بعده. ونفذ (يهوه) وعده على يد يشوع. وفيما يلي نص هذا الوعد:

عبدي يشوع

قم الآن واعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل. كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى، من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات. تشدد وتشجع لأنك أنت تقيم لهذا الشعب الأرض التي لآبائهم أن أعطيهم

في الشهر الأول من السنة 2554 للخليقة (. . .)

فكان هذا أول وعد أعطى لليهود بالعودة إلى فلسطين.

وكانت أوامر يشوع لجيشه، عندما فتح أريحا، شديدة قاسية، فقد حرموا كل ما في المدينة من رجل وامراة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف. واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما فيها

وهذه القسوة الوحشية في الفتح جعلت الكنعانيين وغيرهم من السكان يحقدون على اليهود الغاصبين، ويتربصون الفرص للإيقاع بهم. ومن حسن حظ اليهود، لا بل من سوء حظ فلسطين، أن كان الكنعانيون في أواخر مجدهم وسلطانهم، فمكن ذلك اليهود من الاستقرار إلى حين في فلسطين.

على أن استقرار اليهود في فلسطين لم يزد على 645 سنة، كانوا خلالها عرضة لغزوات أهل البلاد، الكنعانيين في الداخل والفلسطينيين في الساحل. ثم دب الخلاف بينهم فانقسموا إلى فئتين: مملكة إسرائيل وقصبتها السامرة (نابلس)، ومملكة يهوذا وقصبتها أورشليم

ص: 27

(القدس) ولم تتعد حدودها هاتين المملكتين المنطقة الجبلية في فلسطين كلها. . .

ولم يفعل اليهود المستقيم عيني الرب، فتركوا عبادته وعبدوا تماثيل مسبوكة للبعليم وذبحوا لها. حتى أن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم، ونجسوا بيت الرب لذي قدسه في أورشليم، وكانوا يهزئون برسل الله، ورذلوا كلامه، وتهاونوا بأنبيائه، وأساءوا إلى الله الذي أحسن إليهم الإحسان كله!. . . وهو الذي أخرجهم من أرض مصر من بيت العبودية، وأنزل المن والسلوى، وجعلهم أمة من الأمم.

وكانت أعمال اليهود المنكرة مثاراً لغضب الله. فأظهر شمنآصر ملك أشور على مملكة إسرائيل سنة 721 ق. م فأبادها وسبى شعبها إلى مملكته. كما أظهر نبوخذ نصر ملك بابل (بعد ذلك) على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م فأبادها وقتل مختاري اليهود بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى أو عذراء، أو شيخ أو أشيب. وأحرق بيت الله وهدم سور أورشليم، وأحرق جميع قصورها بالنار، وأهلك جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل، فكانوا له ولبنيه عبيداً. . .

وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.

وهكذا كانت إرادة الله باليهود الذين اختارهم (كما تقول التوراة) من دون شعوب الأرض ليكونوا شعباً له مختاراً، وبإرادته هذه انتهى الفصل أقاول من رواية الوطن القومي اليهودي في فلسطين!

2 -

وعد قورش

دام السبي البابلي مدة 70 سنة. ثم ورث قورش ملك الفرس إمبراطورية الكلدانيين، فاخذ اليهود ينوحون ويبكون، يرجون ويستعطفون، ويطلبون العودة إلى فلسطين!.

ولسياسة موضوعة. . . سار قورش المجوسي من المؤمنين بإله إسرائيل!. . . فأطلق نداء في كل مملكته، في السنة الأولى لملكه، فقال:

(إن الرب اله السماء قد أعطاني ممالك الأرض، وهو أوصاني أن أبني له بيتا في أورشليم التي في يهوذا. من منكم من جميع شعبه الرب معه وليصعد

ومات قورش فخلفه أرتحشستا، وهذا ثبت وعد قورش كتابة بالتصريح الآتي وهذا نصه:

ص: 28

من أرتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة السماء قد صدر مني أمر أن كل من أراد في ملكي من شعب إسرائيل وكهنته واللاويين أن يرجع إلى أورشليم فليرجع، وأن يبني بيت الرب إله إسرائيل. وليعلم أن جميع الكهنة واللاويين والمغنين والنثينيم وخدام بيت الله هذا لا يؤذن أن يلقى عليهم جزية أو خراج أو خفارة

في السنة السابعة للملك (529 ق. م)

(التوقيع)

فكان هذا ثاني وعد أعطى لليهود بالعودة إلى فلسطين.

عاد اليهود إلى فلسطين، بحسب منطوق هذا الوعد متحدين إرادة الله وإرادة سكان البلاد. وبنوا الهيكل ورمموا أسوار المدينة (القدس) فكانوا باليد الواحدة يعملون العمل، وبالأخرى يمسكون السلاح.

وكتب زعماء البلاد، سنبلط الحوروني وطوبيا العبد العموني وجشم العربي، إلى الملك محتجين وقائلين:

(فتش في سفر أخبار آبائك فتجد في سفر الأخبار وتعلم أن هذه المدينة مدينة عاصية ومضرة للملوك والبلاد، وقد عملوا عصيانا في وسطها منذ الأيام القديمة، لذلك أخربت هذه المدينة. ونحن نعلم الملك انه إذا بنيت هذه المدينة وأكملت أسوارها لا يكون لك عند ذلك نصيب في عبر النهر. . .

وهكذا قام أصحاب البلاد بالواجب عليهم محذرين مملكة فارس من نتائج هذه السياسة!. . .

مرت سنون، تناوب الحكم في فلسطين اليونان والرومان وظلت المدينة عاصية، بالرغم مما عمله بيلاطس النبطي (عامل رومة على فلسطين) لليهود. فقد شيد بعض الحمامات في السامرة (نابلس) وجلب الماء الكافي إلى أورشليم (القدس) من الينابيع الموجودة جنوبي المدينة: وأنشا طريقين يؤديان إلى القدس من الشمال ومن الشرق، فنشطت حركة التجارة وحركة الحجاج، وهما مورد لا يستهان به لزيادة الدخل.

وأعمال كهذه يقوم بها بيلاطس لخدمة اليهود تستحق منهم أن ينصبوا له تمثالا!. . . وفوق هذا كله فان بيلاطس التعس لم يسمح له قيصر بان تنشب ثورات عنده، وهو في الوقت ذاته ممنوع من مكافحة التحريضات التي يقوم بها اليهود في الجليل

ص: 29

أما أشر المحرضين فلم يكونوا الكهنة ولا رجال الشرع أنفسهم، وإنما كان الشبان الكثيري الإدعاء، ممن يحضرون حطبهم ومحاضراتهم. هؤلاء هم الذين يبثون في الجمهور العادي روح التمرد والشغب إنهم يهددون رومة وفي الوقت نفسه يساومون!. . . وقد علقوا لوحات ونشرات كبيرة على أسوار (أنطونيا) كتبت عليها جمل تحريضية فيها تشهير ببيلاطس وقيصر

(5)

خراب ودمار: وتمادى اليهود في تمردهم وشغبهم حتى يئست حكومة رومة من إيجاد علاج لهذه الحالة. فأرسلت (تيطي) القائد الروماني سنة 71 ميلادية، فحاصر القدس ثم هدمها وهدم الهيكل إلى أساساته. فهلك من اليهود مليون ومائة ألف نفس بالجوع والنار والسيف، ونحو 97 ألفا بيعوا كعبيد، وما عدا جموعاً لا تحصى هلكت في أماكن أخرى في اليهودية، وتم بذلك قول المسيح عليه السلام:

(يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراحمة المرسلين إليها. كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً.

وهكذا كانت إرادة الله، وبإرادته هذه انتهى الفصل الثاني من رواية الوطن القومي اليهودي في فلسطين!. . .

3 -

وعد بلفور

ظل اليهود بعد ضربة تيطي مشتتين في بقاع الأرض، وحل الحكم العربي محل الحكم الروماني سنة 637 م. وقد فتحوا هذه لبلاد فتحاً إنسانياً عادلا. تدل عليه الوصية الخالدة التالية:

(ولا تخونوا ولا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا. ولا تقتلوا طفلا ولا شيخاً كبيراً، ولا تقعروا نخلا وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً. وسوف تمرون بأناس قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)

وهكذا كان الحكم العربي (الذي دام مدة 880 سنة) نعمة كبرى للناس وبخاصة اليهود قلدت به أعناقهم. ثم انتقل الحكم إلى الأتراك العثمانيين سنة 1517 ميلادية، وكان العرب شركاء لهم في الحكم مدة 400 سنة

وفي سنة 1917 احتل الإنكليز فلسطين وقلم اليهود بالتجربة القاسية للمرة الثالثة. ولسياسة

ص: 30

موضوعة. . . أصبح الإنكليز القيمين على راحة اليهود وطمأنينتهم، فأعطوهم وعداً بالهجرة إلى فلسطين هذا نصه:

عزيزي اللورد روتشلد

يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك بان حكومة جلالته تنظر بعين الرضى إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتبذل الجهود في سبيل ذلك. على أن لا يجرى شيء يضر بالحقوق الدينية والمدنية لغير اليهود في فلسطين، أو يضر بما لليهود من الحقوق والمقام السياسي في غيرها من البلدان الأخرى.

في 2 تشرين الثاني سنة 1917

اللورد بلفور

وزير الخارجية البريطانية

وهكذا اختلف الناطقون بهذا الوعد باختلاف المكان والزمان. فمن وعد ينطق به الله، إلى وعد ينطق به ملك، إلى وعد ينطق به وزير. . . وهو ثالث وعد أعطى لليهود بالعودة إلى فلسطين. .

وطمع اليهود بعد ذلك في الوطن القومي بفلسطين كلها. . . واحتج العرب أصحاب البلاد على ذلك، وأنذروا بريطانيا من عواقب هذه السياسة الخاطئة.

وازداد تمرد اليهود وتحديهم لسلطة لندن حتى اعتادوا على رجالالتها المسئولين بالقتل والإرهاب وأتلفوا الكثير من دوائر الحكومة وممتلكاتها، ونسفوا مراكز البوليس بالديناميت، وأتلفوا خطوط السكك الحديدية، وتحدوا القانون بتهريب مهاجريهم الغير شرعيين. . . واعتداءاتهم المتواصلة على رجال الأمن، دون أن يسمح لهم بأن يطلقوا النار على المعتدين حتى ولو قتل هؤلاء إخوانهم ووزعوا المنشورات التحضيرية المختلفة، فيها تشهير بحكومة فلسطين وسلطة لندن!

وكما تحدى اليهود الإنكليز وأساءوا إليهم، كذلك تحدوا العرب في عقر دارهم بالسلاح وأساءوا إليهم، وهم الذين أووهم في بلادهم وكانت إمبراطوريتهم الواسعة فيما مضى الملجأ الوحيد لهم من الاضطهاد اللاسامي الذي أثاره عليهم الغرب!. . .

ص: 31

والإنكليز هم الذين مكنوا اليهود في فلسطين، وألقوا مقاليدها التجارية والمالية والاقتصادية بين أيديهم. وهم الذين سهلوا لهم (بجميع الطرق) استملاك الأراضي في فلسطين لاستقرار مهاجريهم الشرعيين وغير الشرعيين فيها، ووقفت جميع أسلحتها لحمايتهم، وسخرت برلمانها لسماع أباطيلهم!. . .

وكان الواجب على اليهود أن يقبلوا اليد التي أحسنت إليهم لان أن يحاولوا قطعها، وأن يشكروا العرب جزيل الشكر على تمسكهم إلى الآن بأهداب الصبر الجميل!. . .

وما أشبه ثورة اليهود على الإنكليز اليوم بثورتهم على الرومان في الماضي. والعالم أجمع يتجه بأبصاره نحو فلسطين، ويرقب باهتمام نهاية الفصل الأخير من هذه الرواية المحزنة التي يلذ لرجال السياسة إعادة تمثيلها للمرة الثالثة!

والناس يتساءلون عن التاريخ هل يعيد نفسه؟. . . . وهل يؤدي وعد بلفور إلى نفس النتيجة التي أدى إليها وعد الله ووعد قورش؟. . .

أن النتيجة لا تزال في ضمير الزمن، والمستقبل القريب أو البعيد هو الذي سيقول، في الوطن القومي لليهودي، كلمته الفاصلة! وإرادة الله فوق الجميع!. . .

(يافا)

عيسى السفري

ص: 32

‌المرأة والسياسة

للأستاذ سعيد الأفغاني

(يطيب للصحف والمجلات في هذه الأيام، أن تغرق في

مجاملة المرأة الخارجة عن أنوثتها، الساخطة على الطبيعة

التي فيها لكل كائن عمل خاص. وكان حق المرأة على هؤلاء

أن يأخذوا بيدها إلى ما يسعدها من علم وخلق والى ما يعزها

في المجتمع سيدة بيت ومربية أجيال وكان من حقها أيضاً

على من يزعم نصرتها أن يمسكها عن أن يهوى بها الطيش

في مكان سحيق وتفقد ما لها من حرمة هي ملاك أمرها كله

في المجتمع.

وآخر ما قرأت دعوة متطرفة تذهب إلى وجوب تولية النساء الوزارات والإدارات، نصيبها من ذلك نصيب الرجال سواء بسواء. والفكرة ظاهرة التهافت، وقد سبق لأقلام بليغة في مجلتنا (الرسالة) أن أظهرت زيفها وبهرجتها فما بنا إلى معالجة من عودة، وإنما نذكر هنا نصيبها من ممارسة الشئون العامة في صدر تاريخنا فقي هذا النصيب لها مجد وأمن واعتدال.

الحكم في هذه القضية لسنة الله في المرأة، وما فطرها عليه من خصائص (فسيولوجية) وعاطفية وفكرية: خصائص قاهرة لا يد للإنسان في تحويرها إلا حين يستطيع تحويراً في تركيب الدماغ وبنية خلاياه، أو حين يبدل في وظائف الأعضاء.

إنها فوارق بين الرجل والمرأة أزلية أبدية، اقتضتها الحكمة العميقة الطبيعية التي تعنى بالتمييز الدقيق عناية تتطلبها عمارة هذا الكون القائمة على تقسيم الأعمال والوظائف، وتيسير كل من الكائنات إلى ما يلائمه وخلق له. وكل مجتمع يحاول بناته إلغاء تلك الفوارق الواضحة بين أعمال الجنسين وتجاهل السمات البينة، فمصيره إلى الاضطراب

ص: 33

والفساد: لأن في ذلك ثورة على الطبيعة، وما كان ثورة على طبائع الأشياء فمنه الضرر كل الضرر، ولا يرجى له دوام، وان خيل لبعض الأفراد والجماعات (سطحية في تفكيرهم أو تعصبا لمذهبهم) إمكان الاستمرار عليه.

والطبيعة في هذا حكمها واحد لا يختلف باختلاف الأمم ولا باختلاف الإعصار والأمصار، ولا بتفاوت (البيئات) رقيا وانحطاطا ولا بتغاير الأفراد تربية وثقافة.

المرأة ربة لسرة وسيدة بيت، فمهما احتلت لتخرجها عما خلقت له من رعاية أطفال وتسلية أزواج وتدبير منزل. . . فإنما تحاول خرقاً لقانون طبيعي، إن أنت وفقت إلى إطالة هذا الشذوذ أزماناً فلن يخرجه العهد الطويل ولا العرف المنحرف عن أن يكون شذوذاً يقذى العين ويصدم الفؤاد.

فمن البداهة إذاً أن تكون قيادة الجيوش وإدارة المصالح وتدبير الممالك وسياسة الناس. . . فمن الرجال الخاص، كما أن الأمومة وتدبير المنزل فن نسوي محض.

ولئن حفظ التاريخ شواهد كثيرة في قيام المرأة بشؤون السياسة والإدارة، أني لا أجد في هذه الشواهد كلها ما يمس هذه القاعدة؛ بل أقرر أنها كلها تؤيدها. ولأي مثقف كان أن يسرد ما في ذهنه من ملكات أو قائدات أو زعيمات أو مدبرات ممالك، أو نائبات في المجالس. . . الخ يستقري أحوالهن واحدة واحدة ويمعن بها حف بهن. . . فسيدرك أن أكثرهن كن مسيئات بتصرفهن، عدن على بلادهن بأسوأ العواقب.

(وإذا زعم بعضهم أن حكومات النساء في بعض مماليك أوروبا كانت أرقى من حكومات الرجال، فذلك لأن حكومات النساء أدارها الرجال من وراء حجاب، و (الأمر) على العكس في حكومات الرجال: كثرت فوضاها في بعض الأدوار لأن النساء كن يدرنها في غفلة عن الرجال. . . وكن إذا تدخلن أمور الدولة تميل إلى الانحطاط؛ ولذلك كان عقلاء الملوك يحظرون على نسائهم الاشتراك فيما لا شأن لهن فيه من أمور السياسة. . .)

(وبعد فلماذا لم يقل لنا المنادون بإعطاء المرأة حقوقاً (سياسية) على مثال الرجال: كيف تمسى حال البيوت بعد انقلابهم الذي يتوقعونه؟ لا جرم أن الشقاء سيخيم على كل أسرة يشتغل رباتها خارج بيوتهن، اللهم إلا إذا كان في النية أن يعمدوا إلى دفع أولادهم إلى الحكومات تربيهم تربية مشتركة كأنهم بعض اللقطاء من أولاد النغول: لا يذوقون في هذه

ص: 34

الملاجئ طعما لهناءة البيوت ولا يرون أثراً للروابط الروحية بين الأولاد والأبوين).

الحق أن الإدارة والسياسة تقتضيان بعداً في التفكير، وسداداً في المنطق، وحساباً دقيقاً للعواقب، وصبراً مضنياً وضبطاً للعواطف وكبحاً للأهواء. . . إلى صفات كثيرة كلها يعوز المرأة. فلا عجب أن كان اضطراب الأمور وتدخل المرأة في السياسة قرينين في التاريخ لا يفترقان إلا حين يدبر الأمور للمرأة وزراء حصيفون من وراء ستار. ومع هذا فقلما خلت امرأة - مهما حف بها من فحول محنكين - من طامع فيها مستغل لضعفها. وما اكثر ما حفظ التاريخ من عروش كان الغرام هو الحاكم في ممالكها.

وهناك كلمة متداولة منذ القديم، لا شك في أنها عصارة التجارب على الزمن، وهي قولهم:(المرأة ريحانة وليست بقهرمانة.)

ويعجبني في ذلك حكم أصدرته الكونتس أف أكسفورد:

(. . هل تستطيع أن ترى امرأة صائرة إلى منصب رئيس وزارة؟ أني لن أستطيع أن أتصور نكبة أعظم من وضع هذه (الجزر البريطانية تحت قيادة إحدى النساء في شارع داوننج رقم 10)

ولقد سارت أمم غربية راقية في أوربا وأمريكا خطوات فسيحة في إنالة النساء حقوقاً سياسية، فما أظفرها ذلك بطائل بل كانت نتيجة التجربة أن ضج عقلاؤهم من تلك الأوضاع الشاذة، الخارجة على الفطر السليمة.

وليس في تاريخ العرب ببدع في تواريخ الأمم، فالحكم واحد كما أسلفنا، فحيث رأيت انحطاطاً في إدارتنا أو تقهقراً في سياستنا ففتش عن المرأة.

وكتابنا هذا (عائشة والسياسة) فيه أكبر عبرة في هذا الموضوع، ولم ينجنا من العاقبة الوخيمة: عاقبة دس النساء في السياسة، أن كانت الزعيمة هنا متحلية بمزايا عبقرية قل أن يحوي مثلها رجال عديدون، ولم ينجنا كذلك رغبتها القوية في الإصلاح ولا انطواؤها على الخير للمسلمين.

والعرب يتداولون منذ فجر الإسلام حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام: (لن يفلح قوم اسندوا أمرهم إلى امرأة.)

إذا أنت جاوزت السياسة إلى الجهاد في الإسلام، رأيت المسألة تختلف بين يديك، إذ تجد

ص: 35

انه ليس لأحد أن يحرم المرأة شرف الجهاد، وأنها هي والرجل سواء في المطالبة به، كل بحسب استعداده واختصاصه: فالرجال للقتال والمرأة لتمريض الجرحى والعناية بشئون الجيش من نحو إسقاء وإطعام وغسل وخياطة. . .

ثم هي مع ذلك كله تحمس المقاتلين وتبصرهم العواقب السيئة التي تنتظرهم في أنفسهم وحرمهم إذا هم تهاونوا في الدفاع.

وللمرأة العربية في هذا الميدان الموقف المحمود الذي لا يجاري، كانت فيه مضرب الأمثال بشجاعتها وحسن بلائها وأخلاصها. وعلى هذا درجت في جاهليتها من قبل أيضاً فكان إليها في الحروب التمريض والعناية بالجرحى وسقى الماء وتحميس المحاربين.

جاء الإسلام ففتحت عينيها - لما أظلتها رايته - على رجال غير الرجال، ومجتمع غير المجتمع، ودين غير الدين، فكانها نشطت من عقال، فشمرت عن ساعدها، وأخذت من هذا الدين الجديد نصيبها الأوفى، وكان شكرها لله على نعمته هذه شكراً عملياً:

قاست في أوله ما قاسى الرجال من عذاب وهجرة واضطهاد وأذى، ثم انتظمت في صفوف المقاتلين إعلاء لكلمة الحق، وذوداً عن دين الله ورسوله، فقاسمت الرجل شرف الجهاد وآبت بثوابه وكرامته، وليس بعد بذل الروح غاية في الشكران.

صحب رسول صلى الله عليه وسلم النساء في مغازيه، وأبلين معه البلاء الحسن، فكن نعم المعينات للمحاربين: يداوين جرحاهم ويحملن الماء في القرب يسقينهم، ويتعهدن أطعمتهم وملابسهم وقربهم، وكن حين الحاجة يمارسن القتال.

ثم تتابعت المواقف المأثورة للمرأة من بعد الرسول، ولن ينسى أحد جهاد خولة بنت الأزور أخت ضرار في فتوح الشام وحسن بلائها في الروم، ولا موقف الخنساء في يوم القادسية وكانت واحدة من كثيرات:

ذكر الطبري أن أم كثير امرأة همام بنت الحارث النخعي قالت: (شهدنا القادسية مع سعد (بن أبي وقاص القائد العام) مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى: فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك ونصرفهم به).

وإذا كانت هذه الوقعة من الخطر بحيث أنها هي الفاصلة بين العرب والفرس، وأنها لها ما

ص: 36

بعدها، استعدت لها القبائل بكل ما تطيق، حتى إن التاريخ ليذكر لقبيلتين من القبائل فخراً خالداً إذا أخرجتا نساءهما معهما، فكان في قبيلة النخع - على ما يذكر الطبري - سبعمائة امرأة لا زوج لها، وفي قبيلة بجيلة ألف امرأة، تزوجن جميعاً في هذه الحرب، وكانت النخع تسمى:(أصهار المهاجرين).

لقد شرع الرسول لمن بعده الاستعانة بالنساء في الجهاد، وأثابهن عليه من الغنائم، ودرج خلفاؤه من بعده على سنته، حتى إذا انقضى عهد الراشدين، وخف علم الناس بالسنة، شك بعضهم في هذه الاستعانة، فكتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله:

(هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء، وهل كان يضرب لهن سهما؟)

فكتب إليه ابن عباس:

(كتبت إلي تسألني: هل كان رسول الله يغزو بالنساء؟ وقد كان يغز بهن فيداوين الجرحى ويحذين (يعطين) من الغنيمة)

كل ما تقدم من استحباب خروج النساء ليشاركن الرجال شرف الجهاد وهو في حال الفتح والهجوم، حين يكون الجهاد فرض كفاية على الرجال أنفسهم؛ فأما إذا انعكس الأمر وهاجم العدو بلاد المسلمين أو احتلها، فحينئذ يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ذكراً كان أم أنثى، لا يستثني من هذا الفرض صبي ولا امرأة ولا رجل.

ونصوص الفقهاء - إزاء هذه الحالة - متضافرة على أنه يجب المرأة أن تخرج للقتال بلا إذن زوجها

وبذلك يصبح التكليف والوجوب بدرجة واحدة على الرجال والنساء والصبيان والأحرار والعبيد (يوم كان العبيد بعض الناس) لا يستأذن أحد أحداً في تأدية هذا الواجب

من شأن السياسة المزالق الخفية والأخطار الكامنة، فهي على المرأة حرام صيانة للمجتمع من التخبط وسوء المنقلب؛ أما الجهاد فطريق لأحبة عواقبها مأمونة وفوائدها مضمونة، فللمرأة أن تنال من هذا الشرف نصيبها الأوفى

ليتنا في غمراتنا اليوم نسترشد بتجارب الماضي، ونسير غير متخبطين: نبصر مواطئ أقدامنا ونتقي المزالق ونجند كلا في ميدانه الذي لا يصلح لغيره. لقد تداعت علينا الأمم وطمع فينا حتى (الصهاينة) من شذاذ الآفاق، وغزينا في أخلاقنا وبلادنا وأموالنا. . .

ص: 37

وليس في جهودنا فضل ننفقه في رد العابثين عن عبثهم، فليتق الله حملة الأقلام، وليصونوا الشاردات عن القطيع وليرجعوا بهن عن طريق وضعن أقدامهن في أوله، وما آخره إلا مستقبل أسود حالك للأنثى أولا، ثم خراب البيوت وهدم الأسر وارتكاس المجتمع، وموت كل كرامة إنسانية!

(دمشق)

سعيد الأفغاني

ص: 38

‌سجون بغداد

زمن العباسيين

للأستاذ صلاح الدين المنجد

- 7 -

(تتمة)

- 5 -

ولعلي بن الجهم قصيدة أخرى قالها في الحبس، منها:

وتوكلنا على ربّ السماء

وسلمنا لأسباب القضاء

وَوَطَّنّا على غِير الليالي

نفوساً سامحت بعد الإباء

وأفنية الملوك محجّبات

وباب الله مبذول الفناء

هي الأيام تكلمنا وتأسو

وتأتي بالسعادة والشقاء

حلبنا الدهر أشطره ومدّت

بنا عقب الشدائد والرخاء

وجربنا وجرّب أوّلونا

فلا شيء أعز من الوفاء

ولم ندع الحياء لمس خيرٍ

وبعض الضرّ يذهب بالحياء

ولم نحزن على دنيا تولَّت

ولم نسبق إلى حزن العزاء

- 6 -

ومن أروع وأرق ما قيل في الحبس قول محمد بن صالح العلوي، وكان خرج على المتوكل فظفر به وسيره إلى سر من رأى فحبس.

طرب الفؤاد وعاد أحزانه،

وتشعّبت به شُعباً أشجانُه

وبدا له من بعد من اندمل الهوى

برق تتابع مَوْهناً لمعانُه

يبدو كحاشية الرداء ودونه

صعب الذرى متمنع أركانُه

فدنا لينظر أين لاح فلمُ يطق

نظراً إليه وردّه سجّانُه

فالوجد ما اشتملت عليه ضلوعه

والماء ما سحّت به أجفانُه

ص: 39

ثم استعاذ من القبيح وردّه

نحو العزاء عن الصبا إيقانُه

وبدا له أن الذي قد ناله

ما كان قدّره له ديّانُه

- 7 -

ولإبراهيم بن المدبر في حبسه أشعار حسان منها قوله في قصيدة أولها:

أدموعها أم لؤلؤ متناثر

يندى به ورد جنى ناضر

يقول:

لا تؤنسك من كريم نبوة

فالسيف ينبو وهو عضب باتر

هذا الزمان تسومني أيامه

خسفا وهاأنذا عليه صابر

إن طال ليلى في الإسار فطالما

أفنيت دهراً ليله متقاصر

والحبس يحجبني وفي أكفانه

مني على الضرّاء ليث خادر

عجب له كيف التقت أبوابه

والجودُ فيه والغمام الباكر

هلا تقطّع أو تصدّع أو وهى

فعذرته، لكنه بيَ فاخر

- 8 -

ولما غضب جعفر على ابن الزيات عذبه في التنور. وكان قد حبسه قبل تعذيبه في بيت. فوجد على الحائط قوله:

لعب البلى بمعالمي ورسومي،=ودُفنتُ حياً تحت ردم غموم

وشكوت غمي حين ضقت ومن شكا

كرباً يضيق به، فغير ملوم

لزم البلى جسمي وأوهن قوتي

إن البلى لموكل بلزومي

أبنيتي قلِّي بكاءك واصبري

فإذا سمعت بهالك مغموم

فانعي أباك إلى نساء واقعدي

في مأتم يبكي العيون وقومي

وقال في التنور الذي عذب فيه:

هيض عظمي الغداة إذ صرت فيه

إن عظمي قد كان غير مهيض

ولقد كنت أنطق الشعر دهراً

ثم حال الجريض دون القريض

- 9 -

ص: 40

وبعث الإفشين إلى المعتصم من الحبس: (إن مثلي ومثلك يا أمير المؤمنين كمثل رجل ربي عجلاً له حتى أسمنه، وكبر، وحسنت حاله. وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم. فاتفقوا جميعاً على أن قالوا له ذات يوم: ويحك، ألم تر هذا الأسد وقد كبر، والسبع إذا كبر رجع إلى جنسه، فقال لهم: هذا عجل. فقالوا هذا سبع، سل من شئت عنه. وقد تقدموا إلى جميع من يعرفه انه إن سألهم عنه قالوا: هو سبع. فأمر بالعجل فذبح، ولكني أنا ذلك العجل، كيف اقدر أن أكون أسداً؟ الله الله في أمري، فقد وجب حقي. وأنت سيدي ومولاي) فلم يلتفت المعتصم إليه

- 10 -

ومما نسب إلى ابن المعتز قوله:

تعلمت في السجن التكك

وكنت امرأ قبل حبسي ملك

وقيدت بعد ركوب الجياد

وما ذلك إلا بدور الفلك

ألم تبصر الطير في جوه

يكاد يلامس ذاك الحبك

إذا أبصرته خطوب الزما

ن أوقعْنَه في حبال الشرك

فها ذاك من حالق يُصاد

ومن قعر بحر يُصاد السمك

- 11 -

وعقد الثعالبي في اليتيمة لأبي اسحق الصابي فصلاً سماه (ما أخرج في شهره في الحبس) وأكثره في الحكمة والشكوى وذم الدنيا. فمن ذلك قوله:

يعيّرني بالحبس من لو يحله

حلولي لطالت واشمخرّت مراكبه

وربّ طليق أطلق الذل رقه

ومعتقل عانٍ وقد عزّ جانبه

وإني لقرن الدهر يوماً تنوبني

سطاه ويوماً تنجلي بي نوائبه

ومن مدّ نحو النجم كيما يناله

يداً كَيِدي لاقته أيدٍ تجاذبه

ولا بد للساعي إلى نيل غاية

من المجد من ساع تدب عقاربه

وما ضرّني أن غاض ما ملكت يدي وفي فضل جاهي أن تفيض مذاهبُه

ولي بين أقلامي ولّبي ومنطقي

غني قلَّما يشكوا الخصاصة صاحبه

ص: 41

صلاح الدين المنجد

-

ص: 42

‌هذا العالم المتغير

سمدوا الأرض تضاعفوا الإنتاج الحيواني

للأستاذ فوزي الشتوي

الحيوان وغذاؤه:

(لا تعلفوا الماشية بل تعلفوا الأرض). بهذا رد العلماء الأمريكيون والمهتمون بزيادة الإنتاج الحيواني من لحم ولبن وما يتفرع منهما. فلم تكن الثروة الحيوانية وتوفير أغذيتها من معضلات الشرق وحده بل امتدت إلى كل بلاد العالم. وظلت بضع سنوات مشكلة علماء الحيوان وموضوع بحثهم حتى حلت عن ايسر طريق فأزالت ما كان يهدد الصحة العامة من علل.

والفلاح عندما يدرك أن الحشيش والبرسيم وحدهما ليسا من الأغذية الكافية لبقرته فيلجأ إلى علفها بالفول برغم ارتفاع ثمنه. ومع ذلك فلدينا نقص ملحوظ، فكثير من الأبقار لا تلد ولا تنتج ذرية كالمعتاد.

ودرس العلماء ظواهر هذا الصنف وعزوه إلى سوء التغذية ومن ثم اقبلوه على أنواع الغذاء المختلفة، فجربوه كسب القطن والفول وشتى أنواع الأغذية الحيوانية، ولكن واحداً منها لم يوصلهم إلى هدفهم المنشود وزيادة وزن الحيوانات بما يتناسب وما تستهلك من طعام حتى تعادل النفقات الثمار.

الطبيعة أنسب:

وانتقلت التجارب إلى مرحلتها الكيماوية أيضاً فأضيفت مواد الحديد والمنجانيز والكالسيوم إلى أغذية الحيوانات فلم تؤد إلى نتيجة سارة. واحتفظت الماشية بنحافتها وسوء تغذيتها. واستمرت التجارب وقتاً طويلاً تقلب فيه العلماء بين شتى أنواع الأغذية الغالية والرخيصة فلاحظوا أن شهية الحيوان أقوى ما تكون إلى رعى الحشيش وليس إلى وسائلهم الصناعية. وأخيراً لجأ العلماء إلى تغذية قطعانهم بمركبات الفوسفور. والعظم كما تعرف من أغنى المواد بها فلوحظ تحسن ظاهر اكتسبت فيه الماشية لحما وتحسنا في إنتاجها وزيادة ذريتها.

وعندئذ عرف الباحثون انهم وضعوا أصابعهم على مفتاح حل معضلتهم وبقى عليهم أن

ص: 43

يجدوا الطريقة المثلى لتطبيقه فأي نسب الفسفور لجدى؟ وكيف يطعم بها الحيوان بأرخص ثمن؟

وأسفرت التجارب الطويلة عن اكتشاف الحل المرغوب وهو: (سمدوا الأرض بمواد فسفورية)، وانطلقت على أثره الصيحة التي صدرنا بها المقال وهي أن:(اعلفوا الأرض ولا تعلفوا الماشية).

تسميد الأرض بالفسفور:

أما كيف وصل العلماء إلى هذا المبدأ، فانهم قسموا ماشيتهم إلى خمسة قطعان يتراوح عددها بين 40 و 57 بقرة اقتصرت تغذية القطيع الأول منها على الغذاء العادي.

وترك القطيع الثاني ليرعى حقلا نثرت على حشيش مساحيق العظام والملح ليكون مقبول لطعام من الماشية. وأضيف أحد محاصيل الفسفور إلى المياه التي يشربها القطيع الثالث. فخلط طعامه من كسب بذرة القطن بالفسفور.

وكان القطيع الخامس هو بيت القصيد، فترك يرعى في حقل سمدت أرضه بالفسفور قبل زرع حشيش بمعدل 77 رطلا للفدان الواحد وكان ما يخص كل رأس من الماشية من أرض المرعى اقل من المعدل المعتاد.

ولوحظ عند بدء التجربة أن يكون وزن جميع القطعان متساويا بمتوسط 700 رطل للرأس الواحد. وبعد سنة من بدء التجربة ارتفع وزن كل بقرة من الماشية التي كانت ترعى الحشيش الذي سمدت أرضه إلى 1036 رطلا بزيادة 84 رطلا عن معدل الزيادة في الأبقار الأخرى.

وكانت أقل القطعان في تربية اللحم القطيع الذي عاش على وسائل التغذية العادية. وكان القطيع التالي هو الذي أضيف إلى غذاءه مساحيق العظم.

60 % زيادة

وثمنه حقيقة أثبتتها تجارب العلماء فان الأبقار التي تغذت بحشيش الأرض المسمدة ولدت من كل منها وتضاعف عددها ولم تمضي شهور حتى وجد أن كل مائة رطل زادت في هذا القطيع لمعدل 60 % ما بين لحم زاد في الماشية الأصلية وما بين مواليد جديدة أفادها

ص: 44

المرعى المسند بمحلول الفسفور.

وكانت كل أبقار هذا القطيع في صحة جيدة بخلاف مثيلاتها في القطعان الأخرى التي كانت عرضة لشتى أنواع الأمراض واقتصت من علماء الحيوان وأطباءه جهد العلاج ونفقات الدواء

والسماد الفسفوري معروف في كل مكان ورخيص القيمة بمعرفة كثير من علماءنا ولكنهم لا يجرؤن على تجربته لا لأنهم يجهلون بل لأن عقولهم جفت في الروتين الحكومي عن أي تفكير في أوقات الشدة. ومن واجبهم كاحصائيين أن يبحثوا لحل المشاكل ولكن هذا النجاح لن يأتي وهم جلوس إلى مكاتبهم.

إن العلم يتقدم بخطوات واسعة لحل جميع المعضلات الاقتصادية والتجارية وعن طريقه لم ينخفض مستوى التغذية ولم تتعقد الأمور في أسوا مراحل الحرب لأن علماءهم كانوا ساهرين على تعقب المشاكل وحلها.

فإن آثر علماؤنا البقاء في غرفهم المزركشة فلا يعلم إلا الله إلى أي مركز ينكمش موقفنا الاقتصادي والتجاري

التليفون الآلي للعالم كله:

تستطيع بعد سنوات قلائل أن تدعو صديقك في الإسكندرية أو أسوان إلى حديث تليفوني بغير تدخل السنترال بل بإدارة قرص التليفون كما تفعل حينما تتحدث إلى جارك.

والطريقة المتبعة الآن هي الاتصال بالمركز الرئيسي الذي يخلى لك الطريق ويوصلك بمن تريد في أي بلدة أخرى. ولا تستطيع الاتصال به بغير هذه الطريقة وذلك لسببين: أولهما قرص التلفزيون الذي يعجز عن احتمال الآلاف الأرقام لآلاف البلدان. والثانية عملية التحويلات الكهربائية وما فيها من تعقيد فني كبير.

وقد توصلت إحدى الشركات إلى استنباط طريقة تجعل بها هذا القرص الصغير يشمل ملايين الأرقام كما تيسر لها أيضاً اكتشاف وسيلة رخيصة أقل تعقيداً لنمر التحويلات الكهربائية وسهولة تنقلها بين الأرقام وفي المسافات المترامية، ويتنبأ مهندسوها بأنه لن يمضي زمن طويل حتى تصقل الطريقة فتستطيع أن تخابر نيويورك ولندن وربما طوكيو بمجرد إدارة القرص.

ص: 45

فوزي الشتوي

ص: 46

‌نور العروبة

للأستاذ إدورد حنا سعد

(مهداة إلى مجلس جامعة الدول العربية بمناسبة انعقاد دورته

الثانية بالقاهرة ابتداء من يوم الأربعاء 31 أكتوبر سنة

1945)

على الأفق مجد مشرق ونشيد

وفجر أمانٍ ما لهن حدود

بحث الرعاة الصِّيد نحو صيائه

خطاهم وتحدوا القافلات وفود

مطالعُ أمجادٍ وحلم تحققت

رؤاه، وسِفرٌ في الحياة جديد

فيا شمس، تيهي بالضياء، ففي الربى

دعاء، وفي أرض الكنانة عيد

تعودين من حيث ابتدأت منيرة

ويبزغ فينا مجدنا ويعود

مضى الأمس إن نحمده فهو قد انقضى

بعيدا وان ندممه فهو بعيد

مضى الأمس لم يورث ولا إرث في العلا

مِلاكُ المعالي عدة وعديد

بداية دنيا المرء إدراكه لها

وأول عزم المرء يوم يريد

فيا أيها الحشد الذي طافت المنى

عليه وأصغى في الخلود شهيد

رنا الشرق خفاق القلوب ورأرأت

حواضر ريا بالسرور وبيد

يراقبكم طلق الأسرة حامد

وينظركم شزر العيون حسود

مني قد غدت حقا فما أعذب المنى

يغرد محياها ويورق عود

مخايلها الغراء أضحت شمائلا

ترود بها الأنوار حيث ترود

وقد وحدتنا في الشجون وفي المنى

جراح حملناها معاً، وقيود

وكم ريش من سهم فأمسك جنبه

قريبٌ إليه واستُفِز بعيد

وإن مكان الجرح في الجسم واحد

فسيان صدر موجع ووريد

على كل أرضٍ قام حلف وعصبةٌ

تنافح عن شان لها وتذود

وقد كان مدحاً أن يقال وحيد

فأصبح ذماً أن يقال وحيد

وما حسنٌ أن يغفل الشرق أمره

ويصحو بنو الدنيا ونحن رقود

ص: 47

إذ نام راعى الضأن عنها تيقظت

ذئاب قيام في الربى وقعود

وفي الشرق من نور الاخوة شعلة

تذوب لهوليها ظُبى وحديد

فمن رام بغيا سار في الأرز راسخ

وغامت غيومٌ في الكنانة سود

وثار عُرام الرافدين وأطلقت

بنجد شبالٌ مرة وأسود

وباتت ورود الشرق جمراً مضرجاً

وجُنّتْ طباق الأرض وهي نميد

ومن رام سلما أطلع التيه واحة

وضاء له حال ورف نضيد

فلسطين منا حبة القلب لم تزل

نبادئها أطماعهم وتعود

أقول - لمن أعنيه - اختر فإننا

جحيم تلظى أو ندى وورود

تطامن موج البحر هو وأقبلت

رخاء رياح رفهة وسعود

رمينا لها صدر الشراع وقد دنا

إلى الركب شط بالوفاق سعيد

تضيء بفاروق دواجي سبيلنا

ويدنو قصي في المنى وفريد

ومن نعم الدنيا مليك ممجد

نماه إلى الدنيا عطارف صيد

أقالوا عثار الشرق قدما ووجهوا

إلى الهدى ركب العرب وهو شريد

وشادوا لنا أساً فأعلى جداره

وللمجد منهم مبدئ ومعيد

إدوار حنا سعد

ص: 48

‌نفس.

. .

للآنسة الفاضلة (دنانير)

وتساءلوا: ما بالُها عَقَلَتْ

ولطالما جُنّت بنا حبَّا

ولكم سقتنا من مودتِها

صِرفاً وعاطتنا الهوى عَذبا

إنَّا نرى من أمرها عجباً

مذ فارقنا نافراً غضبى

هلاَّ تعود لنا فنُعْتِبَها

ولها علينا الصدق في العتبى؟

أحبابنا. . . لا، لا، وحسبكم

تُرخون دون هناتكم حجبا

لا تطمعوا أن مس حبكم

قلبِي الغرير وخالط اللبا

لكن لي نفساً تندُّ إذا

مذَقَ الصديقُ الودَّ أو خبَّا

تأبى سوى عرفان عزّتها

ولقد تجور فتُنكر القلبا

وهبُوا فؤادي من غوايته

يرضى الرجوع فهذه تأبى

ما أبصرت عيناي قبلكم=قوماً غَلَوْا فاستقربوا الشهبا

(فلسطين)

(دنانير)

ص: 49

‌البريد الأدبي

على هامش الأدب الحجازي:

تفضل الأستاذ الفاضل حسن عبد الله القرشي فأثنى على كلماتي المتواضعة التي نشرتها غي مجلة الرسالة الغراء في موضوع (الأدب الحجازي)، فنعتها بعمق البحث وطلاوة العرض، وهو تفضل منه أعتده فخراً ولا ينهض بحقه شكري.

ولعل الأستاذ الكريم قد أدرك مما كتبت أنني معجب بنهضة الشعر الحجازي، فقد ذكرت في غير موضع أن نهضته توشك أن تكون طفرة، وان كثيرا من الشعراء قد استطاعوا أن يجمعوا بين المعنى السامي والأسلوب الرصين، وهي مرتبة لا تتهيأ للأمم في نهضاتها إلا بعد الزمن الطويل والدرس المستمر.

وقد كان في وسعى أن اقتصر على هذا القدر من التقريظ والثناء، لولا حرصي على تصوير حياة الشعر تصويراً يلم نواحيه ويبرز معالمه، ليتمثل لقراءة العربية واضحاً جلياً؛ فأشرت في موجز من القول إلى أن بعض الأشعار ينقصها جمال الأسلوب وحسن الرصف، مع ما فيها من براعة في المعنى وتصرف في الاغراض، واعتقد أن مثل هذا النقد الهين لا يغض من سمو الشعراء، ولا يضع من أقدارهم بعد الذي فصلته من براعتهم وبينته منفضلهم، وحسبهم أن أعلام الشعراء في كل عصر من عصور الأدب لم يسلموا من النقد والتجريح.

على أنني معترف مع هذا بأن الشعر الذي جادت به قرائحهم أبان الحرب الحاضرة لم يصلني منه إلا القليل، وأرجو أن يوفقوا قريبا لطبع أشعارهم في دواوين يستمتع بها إخوانهم العرب في سائر الأقطار، وعندئذ أسجل لهم معجباً فخوراً في كتابي (تاريخ الأدب الحجازي) ما بدا في أشعارهم من كمال وجمال - وأن كان هذا الإعجاب لم يفتني فيما كتبت إلى الآن

وأنا بعد هذا كله موقن - مع الأستاذ القرشي - بوثبة الشعر الحجازي، متفائل له بمستقبل مرموق بعد الذي عرفته من أن شباب الحجاز يمتازون بالذكاء النادر والخيال الخصب والأمل الفسيح.

وإلى أخي الأستاذ حسن عبد الله القرشي جزيل شكري وجميل تقديري.

ص: 50

أحمد أبو بكر إبراهيم

مكتبة الكيلاني للأطفال:

(رأى سمو سيف الإسلام الأمير الجليل: عبد الله نجل جلالة الإمام يحيى: ملك اليمن)

الحمد لله رب العالمين

حضرة الأديب الكبير العلامة الأستاذ كامل الكيلاني، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد، فقد اطلعنا على مؤلفاتكم القيمة النفيسة في تعليم الأطفال فإذا هي مكتبة برأسها تستحق التقدير

وأني اعتقد أن الاستفادة بها في كل بلد عربي، وكل قطر إسلامي، أمر نافع جداً، لسهولة أسلوبها، وإتقان وضعها، وفصاحتها التي يستفيد التلميذ منها بالتدرج الشيء الكثير في اللغة. وسنقتني منها كمية يستفيد بها الأولاد في البلد

بارك الله فيكم، وزادكم علماً، ونفع بكم

عبد الله ابن أمير المؤمنين

سيف الإسلام

الطهر الخائن لشكسبير من رواية (كما تهواه أنت)

طهارة بعض الناس حربٌ عليهمُ

وفضلهم خصم لهم وغريمُ

وأنت من الأطهار، والطُّهْرُ خائنٌ

ينمُّ كما نمَّتْ عليك خُصومْ

كامل الكيلاني

1 -

هو عبد الله بن عمر:

عبد الله الذي أراد أن ينزل في قبر أبي بكر، فقال له عمر: كفيت، ليس ابن أبي بكر كما قال هيكل، ولا ابن الزبير كما ظن السحار (وبريد العدد 645)، بل هو ابن عمركما في كتاب (أبو بكر الصديق) ص 266

وهذا الكتاب المطبوع في دمشق سنة 1353 وقد نفذت نسخه وأخوه (عمر بن الخطاب)

ص: 51

وهو في 800 صفحة بلغت مصادره 170، وما فيه فقرة إلا وقد عزيت إلى صفحتها من مصدرها، هما أوثق المراجع وأجمعها في سيرة العمرين، ولولا أن أمدح نفسي لقلت: إنه لم يؤلف في بابهما مثلهما، ولكن مطبوعاتنا في الشام لاحظ لها في مصر. . .

2 -

زناه فحده:

ذكرني ما قال أستاذنا النشاشيبي في العدد 645 بالمثل المشهور عند الفقهاء (زناه فحده)، وفيه شاهد للأستاذ في أنها زناه لا زاناه، وهو بعد مثل لمن يشرح كتاباً فيحرف الأصل، ويقول المؤلف ما لم يقل، ثم يعلق عليه التعليقات، ويشرح الشروح.

علي الطنطاوي

هل هي جرها شرك كما يراها الرافعي رحمه الله:

عرض إمام العربية الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي في تحقيقاته الفريدة لكتاب إرشاد الأريب إلى قول مجنون أبي عامر:

كأن القلب ليلة قيل يغدى

بليلى العامرية أو يراح

قطاة غرها شرك فباتت

تجاذبه وقد علق الجناح

فآثر حفظه الله رواية (عزها شرك) التي رويت في الكامل والحماسة والأغاني على رواية (غرها) وقد كنت جنحت للأخذ برواية الكامل وغيره منذ أربع عشرة سنة، ثم رأيت الاستئناس برأي الأديب الكبير مصطفى الرافعي رحمه الله فبعثت إليه بكتاب قلت فيه: إلا يصح أن نصحح غرها بعزها؟ فأجب طيب الله ثراه بقوله:

(. . . أما تصحيح غرها بعزها فلا قيمة له، لأن الشرك لا ينصب للقطاة إلا وهو يغليها، إذ لا ينصب إلا لصيدها! فليس هناك شرك لا يعزها. ويخيل لي أن صواب الكلمة جرها لأن الشاعر يقول: فأمست تجاذبه، ويقول قبل ذلك:

كأن القلب ليلة قيل يغدي

بليلى العامرية أو يراح

فكأن ذكر الرحيل يجر قلبه جرا فكيف بالرحيل نفسه؟ وجرها تجعل المعنى أقوى وأفخم.

وأكثر النساخ حين ينسخون يعطون الكتاب لمن يملى عليهم، ومن السهل جداً انخداع السمع في جرها فيسمعها الناسخ غرها؛ ومثل هذا يقع في التحريف كثيراً، ومنه الكلمة التي

ص: 52

انتقدتها على العقاد في ابن الرومي (فرأى رجل مضطرب العقل جاهلا) أملاها المملي (ذاهلا) فسمعها الناسخ جاهلا وكتبها كذلك. . .)

وإنا نعرض ما رآه الرافعي رضي الله عنه من الصواب لهذه الكلمة ليرى الأدباء فيه رأيهم.

ولحجة العربي النشاشيبي - بهذه المناسبة - تحيتنا الطيبة وتقديرنا العظيم لما يبذله من جهد في سبيل لغة العرب، وما يمدها به كل يوم من غزير أدبه، ومخزون تحصيله، وواسع اطلاعه.

محمود أبو رية

ذكرى الشاعرين:

نقرأ في المجلات بين الفينة والفينة مقطوعة لشاعر النيل حافظ إبراهيم ينشرها العاثر عليها على أنها من شعره الضائع، إذ ليست في ديوانه المطبوع.

وأخر ما رأينا من ذلك مقطوعة عن الهرم نشرت في الرسالة (العدد 639) عثر عليها ناشرها منقولة عن بعض الصحف القديمة.

فاستغربت أن يخلو منها الديوان مع أن مرتبه الذكر في جملة المصادر التي رجع إليها كتاب (ذكري الشاعرين) وهو مصدر قيم عن حافظ وشوقي فيه أشتات شعرهما الحديث وبحوث الأدباء ودراسات الكتاب عنهما ومراثي الشعراء فيهما. والمقطوعة المذكورة هي في الصفحة (290) من (ذكري الشاعرين).

ونحن إذ نلفت الأنظار إلى هذا المصدر القيم لا يسعنا إلا شكر تلك الجهود الكريمة التي بذلها الأستاذ المدقق أحمد عبيد في جمع المواد وتنسيقها وضبطها فجاء كتابه متقناً حافلا بالمتعة والفائدة فجزاه الله خيراً.

(دمشق)

(س)

ص: 53

‌القصص

نهاية الطريق

للكاتب الأمريكي: نيو بولد نوبز

بقلم السيد محمد العزاوي

هناك بين تلك الصخور التي تحث بحيرة (كومو) فتعقد حول مياهها الضاحكة سداً من ضباب، وعلى شغاف جبل يرتفع عن البحيرة بثلاثة آلاف قدم تجثم كنيسة صغيرة عبثت بها عوادي الزمن وهي تشرف على قريتي (كادنابيا) و (مناجيو). ويدور بكل ذاك محيط من جبال فارعة الذوائب سامقة القنن، تتناهى سفوحها إلى جبال الإلب العظيمة، ويبعد أقصى منازل القريتين عن الشعب الذي يطوق الجبل بميلين كاملين

وقد كان القوم يحجون في كل عام إلى الكنيسة مرة، يبتهلون فيها إلى الله أن يكلأهم بعنايته، فينزل عليهم الغيث حين الجفاف وفيما عدا ذلك فغباً ما كانت تزار

وقد كان (بلاجدن) يصعد في طريق لاحب متمعج قد امتد لامعاً في مجموعة من منازل ألبسها الماء ثياباً من زرقة صافية وكان الجو ساكناً، لا تخفق فيه نسمة من ريح، فتداعب أوراق الزيتون التي أكسبتها الشمس بريقاً فضياً بديعاً في الجبل، وكانت أشجار السرو تلقي على الهضاب ظلالها المستطيلة الوارفة، بينما كان (بلاجدن) يتقدم في طريقه صعداً شاعراً بكل ما يدور به من بدائع الحسن وآيات الجمال

وعندما بلغ الكنيسة وولج الباب وجد من بردها وظلامها حائلين يقومان من دونه، ولكنه تخطى الباب إلى الداخل ثم خطى بضع خطوات، فكان لوقع أقدامه رنين كئيب قوي يطوف كل ربوع المكان، وكان من العسير عليه، أن يتبين في تلك الكنيسة شيئاً بعد أن كانت الشمس في الخارج تغمر ما يرى، غير انه ألف الظلمة بعد قليل، وبصر في الركن البعيد بأربع شمعات موقدات، فاتجه نحوها بخطى وئيدة، بينما يقعقع تحت قدميه هذا البلاط الذي تأكله الزمان

وتجلى للناظر فوق الشموع الأربع صورة لمريم في إطار بسيط رخيص مذهب. وأدمن (بلاجدن) النظر في الصورة مأخوذاً. فقد كانت تحفة من يد صناع بارعة. إذ تجسم فيها

ص: 54

مثال رائع من جمال أنثوي رائع. ولعل العينين كانتا أبدع ما في الصورة: كان يشع منهما بريق الإيمان والتفكير والرحمة

وكان الرسم طبيعي الحجم والخلقة؛ يتجلى في لون دخاني أزرق يوحي بالفكر ويبعث التأمل، وقد أكسبها نور الشموع المتراقص تحتها وسحراً وروعة، وانجمدت على شفتيها بسمة تأمل، فبدا الرسم في بعض الأحيان حياً. ولكن ما هذا؟ لقد انصدع صدر العذراء صدعاً، وانشق عند القلب شقاً رفيعاً مستطيلا؛ ثبت بأسفله خنجر دقيق ذو نصل رهيف

وانثنى (بلاجدن) إلى الخنجر ينزعه مفكراً، ولكن انبعث من ورائه في الظلام صوت يقول:

- أيها السيد! ما أحب لهذا الخنجر أن يمس!

والتفت (بلاجدن) وراءه رجلا، فإذا بشيخ يرتدى مسوح الرهبان، وقد هزل جسمه، وذبل وجهه، وتهدل شعره الأشيب، ولم يبق من ذلك الراهب إلا ذماء قليل وعينان مضيئتان أثارتا طلعة (بلاجدن) بتوقدهما الغريب، وأما بقية وجهه فقد كان شبيهاً بوجوه الموتى

وسأله (بلاجدن)

- ولكن لماذا؟

فخطا الراهب إلى الأمام في ذلك النور الشاحب المتراقص، ثم رمق الشاب الواقف بإزائه برهة، وتفرس فيه بعينيه الثاقبتين الباحثتين. وكأنما وجد شيئاً في ملامح ذلك الوجه كان يبحث عنه، فانطلق لسانه في نبرات حنون عجب لها بلاجدن.

- سيدي! إن لذلك قصة. فهل لك في سماعها؟

فأومأ بلاجدن أن نعم. فسارا في الظلام حتى بلغا الصف الأول من مقاعد صغيرة واطئة، وقد استوى أمامهما رسم العذراء وتواثبت عليه أضواء الشموع الأربع وظلالها؛ وبدا الخنجر في أسفله يعلوه التراب.

وشرع الراهب يتحدث، وبلاجدن ينصت، وبصره قد انتظم الرسم البديع.

(كان ذلك من أمد بعيد، حين كانتا (روزا) تعيش مع أبويها في منزل صغير قائم في مناجيو. وكانت ترعى للشيوخ عنزاتهم، فتسبح كل يوم في أشعة الشمس ما سمحت لها دورة الفلك، وتغنى ما يطيب لها من فنون الغناء، فينساب صوتها في الجو كما تنساب مياه

ص: 55

ضاحكة - كساها الظل - في جوف غدير صغير!

(كانت تغنى دائماً وتطرب أبدا؛ فقد كانت فتاة لم تبخل عليها الشمس بالسناء البهيج، ولم ينقصها الله حظها من الجمال البديع.

(وهناك كان (جيوفانى)؛ فقد كان يغدو كل صباح على وكرها الجميل حيث تنمو الزهور الصفراء ذات القلوب الوردية؛ فكانت دائماً ترشقه بأوراقها وقلوبها من وراء النافذة الصغيرة؛ فيضنى الفتى في الجد نفسه، ويكلفها في العمل شططاً. ولكنه كان يفنى ويفنى. أو لم يكن كل ذلك من أجلها؟

(وكثيرا ما كانت عنزاتها تعدو على كرمه وقت دلوك الشمس، فيسوقها أمامها إلى المنزل وهما يضحكان وينشدان، وقد اخذ كلاهما بذراع صاحبه، والشمس قد أرسلت عليهما - من وراء الجبال - أشعتها الذهبية فانعكست على مياه البحيرة، أو يسيران معاً وقد تلطفت أشعة الشمس من بعد توهج فيهيئ لها تاجا من الزهر مفتن في تنسيقه، متأنقا في ترصيعه؛ فتتقبعه وهى تضحك ضحكات مرحة.

(كانا كطفلين رعتهما العناية يا سيدي وغفل عنهما الدهر: فكثيرا ما كانا ينفقان الليل سامرين جالسين إلى البحيرة؛ يناقلها أحلامه، ويفضي إليها بأمانيه؛ بينما تنثر ذوائب شعرها الجميل على خده الأسمر نسمات لطيفة وانية، والقمر قد أرسل إليهما قبلاته، وانتظمت أشعة البحيرة، فبدا الماء طريقا من لجين يصل بين الشاطئين.

(وكان الناس يرددون من أمرهما أن زواجهما يتم في موسم جني العنب. وقد كان كذلك يا سيدي، لولا أن بدت قوة جديدة في أفقهما: تلك هي الكنيسة!

(وأكبر الظن أن ليس بين الناس من يدري أني تتحكم هذه القوة الطاغية في قلب فتاة غضة الجسم، ريقة الشباب. لقد هتكت صدرها رغبة ملحة أن تنضوي تحت لواء الكنيسة وتدخل ذلك الدير القائم خلف البحيرة؛ تاركة دفيء الشمس وراءها وضياءها.

(لم تكن تريد أن تذهب! وكان هذا التناقض بديعاً أليماً في وقت معاً. هذه الفتاة الغضة الحسناء، تلوح كأنما هي جزء من ضوء الشمس، وعبير الزهر، وشدو الطيور؛ كان عليها أن تجعل من دون ذلك حجابا كثيفاً فتوصد عليها باب الدير العتيق!

(أما جيوفانى فقد جن جنونه، وطار عقله شعاعاً. لا بأس عليه في ذلك ولا جرم. فقد كان

ص: 56

من القسوة أن تنتزع من بين شفتيه كأس نسج حولها وشي الأماني، وحاك مطارف الأحلام. . . أخذ بين يديها الناعمتين ثم جثا على ركبتيه ضارعاً ملتاعاً، وقد غض بدمعه المتسايل على خده الأسمر. وبكت كذلك روزا. ولكنها ما استطاعت أن تجيبه إلى ما طلب. . . لعلها كانت تحب الفتى يا سيدي، ولكن شيئاً أعظم من حب فتاة، وأعتى من غرام فتى!

(واستمهله روزا ليلة أخرى، كيما تقرر فيها ما تفعل. وقد أزمعت أن تأتي هنا إلى هذه الكنيسة فتبتهل إلى مريم أن تنير لها الطريق وتدعوها أن تهديها سبيل الرشاد. وقبل الفتى شفتيها الباردتين ثم ذهبت. . . لقد كان طفلا حين ظن بأنها تؤثر ذراعيه القويتين!

(إلى هنا جاءت الفتاة لتجثو طوال الليل فوق هذا الصخر الجافي تبكي وتبتهل، فقد كانت: تحب الفتى حقا، ولكن العذراء رمت إليها من فوق الشموع الأربع واحتوتها بعينيها الحزينتين المفكرتين. وسريعاً ما امتزجت روح الفتاة بروحها. . . وما إن انبلج نور الفجر حتى عبرت البحيرة إلى الحيطان البيضاء دون أن ترى حبيبها مرة أخرى.

(ولعل الفتى - عندما انتهى الأمر - قد أصابه مس أو جنون. إذ خرج معلناً كرهه لله وللعالم. وانطلق في ذاك الطريق الأبيض الصغير إلى حيث نحن الآن جالسان.

(وهنا استل هذا الخنجر الذي ترى ثم طعن قلب العذراء وهو يتمتم بقسم خافت مبهم. . . ولهذا لن أدعك تلمسه.

وأومأ بلاجدن برأسه بينا صمت العجوز هنيهة ثم عاد يقول: (واختفى جيوفانا عن الناس يومين، ثم عاد فظهر دون أن تمحى سيماء الجنون عن وجهه. . . وهناك على شعب الحدور قابلته جنازة بيضاء. حقا لقد كانت جنازة فتاته. فأهطع إليها ولكنهم أوقفوه. لم يؤنبه أحد على ما أجترم؛ ولكن تنازع الناس حيال ذلك عاطفتان قويتان: خوف ورحمة.

(وكانت روزا قد ماتت في الدير جاثية على ركبتيها في نفس اللحظة التي طعن فيها جيوفانى صدر مريم. وقد أخبروه بعد مدة معدودة أن وجهها - حين ألفوها لدى الهيكل - كان يشبه وجه مريم إلى حد بعيد. ولم يكن لموتها من سبب معروف واضح، وإنما هو سر غاب عن أذهان البشر ودق عن إفهام الناس. ولقد أخبرته الراهبات أنها كانت إذ ذاك تبتهل إلى الله أن يمنحها من لدنه قوة.

(وتوقف الراهب عن الكلام، فبقى الرجلان صامتين برهة طويلة يصعدان النظر معاً في

ص: 57

وجه جميل يشرف عليهما من فوق شموع أربع. وخيم سكون قطعه بلاجدن بقوله:

- وماذا تظنه قد حدث بعد ذلك؟

- لا ادري!

واتصل السكون فوق رأسيهما، فعاد بلاجدن يقول وهو يمرس عينيه:

- وعلى أية حال فقد أدت الفتاة دين الله عند جيوفاني.

- فاجبه الراهب في هدوء:

- هكذا يخيل إلي يا سيدي. . . فإني أنا جيوفاني!. . .

السيد محمد العزاوي

ص: 58