المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 649 - بتاريخ: 10 - 12 - 1945 - مجلة الرسالة - جـ ٦٤٩

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 649

- بتاريخ: 10 - 12 - 1945

ص: -1

‌الفلسفة مأمونة

للأستاذ عباس محمود العقاد

(أثمن الله على الخطر؟. . . إن الفلسفة خطر على أصحابها وخطر على عقول العامة، لأنها ما زالت منذ كانت تثير الظنون وتعرض المشتغلين بها للقيل والقال. . .)

قرأت هذا في كتاب غفل من الإمضاء، فكان في ذلك بعض الدليل على أن اتهام الفلسفة بالخطر في زماننا هذا هو الخطر الذي يستتر منه الناس

وأبادر فأقول لصاحب الخطاب ومن على رأيه إن الكتب الفلسفية التي أشرت إليها في مقالي السابق بالرسالة ليست من الكتب التي يختلف فيها قولان، لأنها تتناول المباحث التي يتفق على دراستها رجال الدين ورجال العلم ولا يتحرج من قراءتها أصحاب رأي من الآراء.

ونحن مع هذا في زمان غير الزمان الذي كان يخشى فيه على الفلاسفة والمتفلسفين.

وبودي أن أقول بعد هذا وذاك إن الفلسفة مظلومة في تلك الأزمنة التي كانت تتخذ فيها ذريعة للتنكيل بمن أصابهم التنكيل من جرائها أو من جراء الانتساب إليها.

فقد ظلموها والله حين أصابوا باسمها من أصابوه، فإنما كانوا يحسدون الفيلسوف على مكانة مرعية أو ينغصونه لعلة ظاهرة أو خفية، فيظلمونه ويظلمون الفلسفة معه، ويجهل الأمر من يجهله فيقول إن هؤلاء الظالمين منصفون لأنهم عاقبوا من يستحق العقاب ولم يأخذوه بغير جريرة ولم يختلقوا عليه الذنوب!

ولو كانت الفلسفة هي العلة الصادقة لأصابت النكبات كل فيلسوف يبحث فيما وراء الطبيعة وبتصدي للكلام في أصل الوجود أو أصول الموجودات.

ولكنهم لم ينكبوا من الفلاسفة في الواقع إلا من كان ذا منزلة محسودة ومقام ملحوظ، وإلا من دخل معهم في مشكلات السياسة ومطامع الرئاسة، أو كانت لهم عنده ترة يتمحلون الأسباب لمجازاته عليها، فيرجعون بها إلى هذه الفلسفة المسكينة، وهي غنية بالعلل والأسباب!

وإلا فما بالهم لم ينكبوا الكندي والفارابي ونكبوا ابن سينا الوزير وابن رشد قاضي القضاة؟

فالكندي كان رجل ميسور الحال موفور المال ولكنه اعتزل الناس ولم يشترك معهم في

ص: 1

مطامع الرئاسة فتركوه يتفلسف كما يشاء، وكان قصارى ما أصابه من ألسنتهم أنهم تندروا ببخله وزيفوا الأحاديث عن عشقه وغرامه، وسلم له رأسه إلا مما سرى إليه - فما قيل - من وجع في الركبة قد استعصى على العلاج والفارابي نظر إلى محيط السماوات وأعرض عن الأرض ومن عليها وقال في رياضته الهندسية ورياضته الفلسفية:

وما نحن إلا خطوط وقع

ن على نقطة وقع مستوفز

محيط السموات أولى بنا

ففيم التزاحم في المركز!

فقال له: دونك وما تشتهي من محيط السموات، ودعنا وما نتزاحم عليه من هذه المراكز والنقاط!

أما ابن سينا فقد زج بنفسه بين المتنازعين من الأمراء والرؤساء فزجوه في السجن وألجئوه إلى النفي وضيقوا عليه المسالك وعلموه طلب السلامة في زوايا الإهمال.

قال تلميذه ومريده أبو عبيد الجوزجاني (ثم سألوه تقلد الوزارة فتقلدها. ثم اتفق تشويش العسكر عليه وإشفاقهم منه على أنفسهم، فكبسوا داره أخذوه إلى الحبس أغاروا على أسبابه وأخذوا ما كان يملكه وسألوا الأمير قتله فامتنع منه، وعدل إلى نفيه عن الدولة طلباً لمرضاتهم، فتوارى في دار الشيخ أبي سعد. . .) إلى أن عاد.

فالعلة في الأرض لا في السماء.

والمصيبة من (الطبيعة) لا مما وراء الطبيعة.

وآفة الرجل أنه أراد أن يكبح السلاح بالحكمة، ولو أستُطيع ذلك لاستطاعه أرسطو في سياسة الإسكندر. . وهيهات.

ثم مات الرجل في داره حينما زالت عنه رهبة السلطان ولم يمت في الحبس كما وهم بعضهم في قول بعض حاسديه:

رأيت ابن سينا يعادي الرجا

ل وبالحبس مات أخس الممات

فلم يشف ما ناله بالشفا

ولم ينج من موته بالنجاة

وإنما كان (الحبس) في اصطلاحهم بديلا من داء (الإمساك) في اصطلاح هذا الزمان!

وقد صدق هذا الحاسد الشامت حين رد البلية كلها إلى معاداة الرجال لا إلى معاداة الله أو معاداة رسل الله.

ص: 2

وابن رشد جمع على نفسه بين حسد الوجاهة والنباهة وبين سخط العظماء ونكاية ذوي السلطان.

شرح كتاب الحيوان لأرسطو وهذبه وقال فيه عند ذكره الزرافة (رأيتها عند ملك البربر). . . وكان إذا حضر مجلس المنصور وتكلم معه أو بحث عنده في شئ من العلوم يخاطب المنصور بأن يقول: تسمع يا أخي! ولا يخاطبه بألقاب الملوك والخلفاء.

فجزاه (ملك البربر) دقة بدقة ونكاية بنكاية، ورآه يستكثر عليه أن ينسب إلى العرب أو يسمى بخليفة المسلمين فقال له: بل أنت الدخيل على أمة العرب وملة الإسلام فيما صح لدينا من الأنساب التي لا تقبل الكلام!

وهكذا أصبحنا (خالصين)!. . .

وأصبح (محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد) يستر وراء هذه الأسماء سلسلة من أسماء بني إسرائيل، ونفوه إلى محلتهم في جوار قرطبة لأنه دسيسة على المسلمين من سلالة اليهود الذين يفتنون أتباع محمد بفلسفة اليونان!

ولولا تلك المقابلة في الإساءة والانتقام لجاز أن يلتصق هذا الظن بالرجل وإن لم يقم عليه دليل أو قام الدليل على نقيضه، لأن أعدى أعدائه الشامتين به في نكبته قد نفي هذه الدسيسة عن نسبه وشهد لجده بالتقوى والصلاح حيث قال:

لم تلزم الرشد يا ابن الرشد

لما علا في الزمان جدك

وكنت في الدين ذا رياءٍ

ما هكذا كان فيه جدك!

ومَن قائل هذه الشهادة في جده؟ هو الحاج أبو الحسين بن جبير الذي جعل من أهاجي ابن رشد أغنية يرتلها ويعيد ترتيلها على اختلاف القوافي والأوزان. فقال في تلك الأهاجي الكثيرة!

ألان قد أيقن ابن رشد

أن تواليفه توالف

وقال:

كأن ابن رشد في مدى غيه

قد وضع الدين بأوضاعه

وقال يحرض على قتله:

وقد كان للسيف اشتياق إليهمُ

ولكن مقام الخزي للنفس أقتل

ص: 3

ولو رجعنا إلى سر هذه البلية كلها لوجدنا أن (علا في الزمان جدك) هي تفسير هذه الأبيات أو تفسير تلك النكبات، وإن الزرافة التي عند (ملك البربر) هي التي أدخلت نسب الرجل في سلاله بني إسرائيل.

فالخطر يا صاحبي على الفلاسفة من الدنيا لا من الدين، ومن الخاصة الحاسدين لا من العامة الغافلين

وما خطب العامة والفلسفة وهي لا تصل إليهم وهو لا يصلون إليها ولا تنعقد بينهم وبينها علاقة نظر ولا علاقة سماع؟

فإذا تحرك العامة فابحث عن (الصلة) بينهم وبين القضية فلن تجدها في أكثر الأحوال إلا نكاية حاسد أو وشاية جاحد أو حجة ظالم يستر ظلمه للفلسفة بدعوى الإنصاف للدين، وإن الدين منه لبراء.

واعلم يا صاحبي أن العامة في كل زمان وحش محبوس لا ينال فريسته إلا بعد تحريش وانطلاق، وإن الذين يحرشونه ويطلقونه هم أصحاب الدنيا وعروضها وليسوا بأصحاب العقائد وفروضها. إلا في النادر الذي يحسب من الاستثناء.

وما أصدق المعري حين قال متسائلا: ما للناس ولي وقد تركت لهم دنياهم!

فانه لمس الداء في أصوله حين حسب أن ترك الدنيا يتركه في أمان، وقد تركه فعلا في أمان إلا من القيل والقال، وهو أهون ما يمر بالرجال.

تفلسف يا صاحبي كما تشاء ودع الناس يتفلسفون كما يشاءون فما دامت فلسفتك لا تصيب أحداً في دنياه ولا تفيد أحداً في دعواه، فأنت ظافر برضوانهم وظافر عندهم برضوان.

أما إذا أصبت دنياهم ونقضت دعواهم فيا ويلك إذاً من الأرض والسماء، ويا سوء ما تلقاه من العلية والدهماء، ولو زكاك النبيون وشهد لك الأولياء، ولزمت الصلاة والدعاء في كل صباح ومساء.

ومالك تذكر الخطر على الفلاسفة ولا تذكر الخطر على حماة الدين من الأنبياء والمرسلين؟ فهم الذين علموا الناس الأديان وهم الذين يثار الناس باسمهم حين يثارون على الفلاسفة ومن يزعمونهم من أهل النكران والجحود، ولو وزنت حظوظهم من البلاء والاستهزاء ووزنت معها حظوظ الفلاسفة والمتفلسفين، لما حارت (شركات التأمين) بين أصحاب

ص: 4

اليسار وأصحاب اليمين.

هي الدنيا يا صاحبي تظلم الدين كما تظلم الفلسفة بما تدعيه عليه وعليها، واحسبني قد باكرت هذا المعنى القديم حين قلت قبل نيف وثلاثين سنة:

لو كان ما وعدوا من الجنات في

هذى الحياة لسرهم من يكفر

فدع دنياهم وتفلسف على بركة الله، وأننت في أمان من الله ومن عباد الله.

عباس محمود العقاد

ص: 5

‌العرب

للدكتور جواد علي

للمؤرخين والرواة في تفسير كلمة (العرب) و (عرب) أقوال وروايات لا تخرج أكثرها عن دائرة التفسيرات اللغوية المألوفة في تفسير كل كلمة عويصة وكل أسم من الأسماء القديمة. وعلى أكثر هذه الأقوال طابع التكلف والوضع.

أنت إذا ما أردت نموذجاً من تلك التوضيحات والروايات فاقرأ ما دون عن هذه الكلمة في كتاب (التيجان في ملوك الحميرين) مثلا وهو رواية وهب بن منبه المتوفى بصنعاء حوالي سنة 728 للميلاد وهو إسرائيلي يماني يرجع في الأصل إلى نسب اليهود الفرس ثم أسلم. وإلى الروايات الأخرى المدونة في كتب التاريخ والأدب. ولا يهمنا نحن في هذا الباب البحث عن أسباب تلك التسمية ولا عن الدوافع التي دفعت القوم على وضع تلك القصص والحكايات، وكلها مدونة معروفة؛ وإنما الذي يهمنّا في هذا الفصل هو تاريخ هذه الكلمة والوقت الذي ظهرت فيه.

عرف المستشرقون في جملة ما عرفوه من النصوص القديمة نصاً آشورياً يعود عهده إلى الملك شملنصر الثالث 3.) تحدث فيه الملك عن معركة سميت باسم معركة (قرقر) وهي معركة هامة حدثت في حوالي سنة 853 قبل الميلاد بين الآشوريين وبين حلف من الإمارات والمشيخات التي كانت تكره الآشوريين. وقد ذكر النص في جملة ما ذكره من أسماء الذين انضمُّوا إلى هذا الحلف أسم إمارة عربية أسمها (عريبي) انضم أمير هذه الدويلة العربية إلى الحلفاء وأمدّهم بنحو ألف جمل وبعدد من رجاله الذين قاتلوا الجنود الآشوريين.

أما ذلك الأمير العربي الذي قاتل الآشوريين فكان (جندب)(جنديبو) ولا نعرف اسم أبيه إذ لم يتعرض النص لذلك. والظاهر أنه كان معروفاً عند الآشوريين فلم يجدوا ثمة حاجة تدعوهم إلى ذكر اسم أبيه. وهذا الملك هو أول ملك عربي ولا شك يذكر لأسمه في النصوص التاريخية المدونة في ملوك الشماليين.

وقد تغلب الآشوريين على ما يذكره النص الآشوري على رجال الحلف ونكلوا بهم تنكيلا شديداً ويظهر بصورة عامة من النصوص الآشورية أن العرب كانوا يعاكسون السياسة

ص: 6

الآشورية. ويهددون طرق مواصلات هذه الإمبراطورية في مختلف الأوقات والعهود.

وفي عهد الإمبراطورية تغلا تبليسر الثالث اضطر الملك إلى إرسال عدة حملات تأديبية لإخضاع القبائل العربية. والظاهر أنها لم تتمكن من النجاح في مهمتها نجاحاً تاماً حتى اضطرت أخيراً إلى اتباع سياسة استرضاء رؤساء القبائل وشراء قلوبهم بالمال. فانتخبت أحد الأمراء العرب من المعروفين بميلهم إلى الآشوريين ومن المؤيدين لهم وعينته حاكما عاماً وأميراً عليهم.

ولكن القبائل العربية على ما يظهر لم تغير من جفائها بالنسبة إلى الآشوريين ولم تبدل سياستها العدائية نحو هذه الإمبراطورية بدليل ما قام به الملوك الذين جاءوا من بعد هذا الإمبراطور بإرسال حملات على العرب بصورة متوالية.

وقد وردت لفظة (عرب) في هذه النصوص الآشورية بهذه الصور و (عَربُو) و (عُربي) و (عريبي) ولا تزال هذه الكلمة الأخيرة مستعملة في بعض جهات العراق كاسم علم يطلق على الأشخاص. وتطلق كلمة (أعربي) و (عُربي) في العراق على البدوي الذي لم يزل على درجة من البداوة.

وذهب بعض المستشرقين إلى أن المقصود من (عربي) الأعراب أي سكان البادية. وأما البادية التي هي موطن العرب فيطلق الآشوريون عليها (عريبي) وهي الصحراء الواسعة التي تفصل العراق عن الشام والتي تمتد حتى تصل حدود نجد

وهنالك اصطلاح آخر ورد في النصوص الآشورية وهو (ماتو عربتي) ومعنى (ماتو) أرض فيكون معنى ذلك (أرض العرب) وقد وردت هذه التسمية في نص يرجع عهده إلى القرن الثامن قبل المسيح وقد استعمل البابليون هذه الكلمة أيضاً على نحو ما كان يستعملها الآشوريون ثم دخلت الكلمة إلى اللغة الفارسية فاليونانية.

ومن الشعوب القديمة التي كانت على اتصال دائم بالعرب (العبرانيون) فقد كانت بين العرب وبين العبرانيين حدود مشتركة وصلات تجارية قديمة كما كانت بينهم أيام سلم وأيام حروب. لذلك تعرضت النصوص العبرانية لذكر العرب مراراً وتحدثوا عنهم في مناسبات عديدة. تدل لفظة في جميع فروع اللغة السامية على مدلول واحد تقريباً وهو (البداوة) وسكنى الصحراء - (فكانت كلمة عَرَبْ مستعملة في اللغة العبرية القديمة لتدل على أهل

ص: 7

العَرَبَةَ الصحراء أي لنوع خاص من قبائل الجزيرة العربية في حين كان لأهل المدن والعمران أسماء أخرى جاءت في كتب اليهود القديمة). وقد وردت هذه التسمية في عدة مواضع من العهد القديم جاءت تارة بمعنى (بداوة) وتارة أخرى بمعنى الفقر والجفاف والخراب والوحشة كالذي يفهم مثلا من الآية الثالثة عشرة من الإصحاح الحادي والعشرين من أشعيا وهي تقبل كلمتي والإنكليزيتين

وجاءت في التوراة فقرة هي وهي من عهود التوراة المتأخرة على رأي هاستنك المختص بأبحاث التوراة وقد فسرت في اللغة اليونانية القديمة بمعنى (بلاد العرب) وأصبحت ترجمة الآية بكاملها باللغة العربية بهذا الصورة (وحي من جهة بلاد العرب وفي الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الدادنيين) وقد خصصت هذه الكلمة في هذه الآية أما قبل ذلك فكانت تعني البداوة والإمعان في العيش في البادية).

وتدل لفظة (عرابة) التي وردت في العهد القديم بصورة التثنية على ما ذكرناه سابقا (عربة) غير أن (ها - عرابة) المسبوقة بأداة تعني الوادي العميق الممتد من جبل الشيخ إلى خليج العقبة وفيه الجولة وبحر الجليل وبحر الملح أو البحر الميت. وقد يختفي هذا الاسم بالغور بين البحر الميت والبحر الأحمر وقد يدل على الغور شمالي البحر الميت.

ولا يعرف على وجه التأكيد ما يقصد من كلمة الواردة في الآية 20 من الإصحاح الثالث من ارميا هل يراد من ذلك (أعرابي) أي أحد الأعراب من سكان البادية أو (عرب). وعلى كل فإنه إن قصد الأول اتجهت الفكرة رأساً إلى (بدوي) وإن قصد الثاني اتجه الفكر إلى عربي من أهل القرى والمدن والأراضي.

ومما يلاحظ أن صيغة هي صيغة آرامية أكثر من كونها صيغة عبرية وأما الجمع وهو ويرد في مواضع من التوراة؛ فأنه أقرب إلى العبرية منه إلى الآرامية. وأما الصورة التي وردت عليها هذه اللفظة في الآية الحادية عشرة من الإصحاح السابع عشر من أخبار الأيام الثاني فأنها غير أصلية على ما يظهر لأنها صيغة غير مألوفة (عربان)

إن أول من أستخدم كلمة (عراب) كاسم علم في العهد القديم على وجه التأكيد هو النبي ارميا وتقع نبوءته بين 626 - 586 قبل الميلاد إذ جاء ومعناها (وكل ملوك العرب) وأما العبارة - فأنها شرح صرف لما تقدم لأجل التوضيح ولا قيمة معنوية لها غير

ص: 8

ذلك؛ فمعنى كلمة إذاً (العرب) ولا شك من أن قصد النبي راميا من تعبيره (وكل ملوك العرب) أمراء ومشائخ العرب الذين كانوا يسكنون في البلاد العربية الشمالية وفي صحراء بادية الشام.

ويشك هاستنك في أن مقصود النبي من (العرب) قبيلة معينة أو جماعة معلومة تختلف عن القبائل والجماعات الأخرى من العرب بعض الاختلاف. والظاهر أن النبي ارميا لم يكن يحيط علماً بالقبائل البدوية وهي كثيرة وبالفروع التي تشعبت منها. وكيف يحيط النبي علماً بها ولم تكن لدى الإسرائيليين معلومات صحيحة واضحة حتى ذلك العهد عن العرب. وكل ما كانوا يعرفونه عن العرب لم يكن إلا من قبيل المعلومات الابتدائية الغامضة المبهمة.

والحق أن العبرانيين لم يتصلوا بالعرب اتصالا تاماً ولم يكونوا لهم فكرة واضحة عن القبائل العربية إلا بعد تدهور القبائل الإسماعيلية (اشماغيل) وإلا بعد ضعف المدنيين والعماليق (العمالقة). حينئذ اتصل العرب بالإسرائيليين اتصالا مباشراً وعندئذ احتك الإسرائيليون بالعرب احتكاكا شديداً في خلال أيام السلم وفي أثناء أيام الحروب.

ومهما يكن من شئ فان هنالك صعوبات كبيرة تاريخية في تعيين مدلول كلمة (عريب) الواردة في العهد القديم هل تعني (البداوة) أو تعني البلاد العربية كلها أو جزاً معينا من الأجزاء التي سكن فيها هذا الشعب؟ ولما ذكر النبي ارميا الأسماء التي ذكرت مع هذه الكلمة لم يرتب الأسماء ترتيباً جغرافيا منتظماً فبعد أن ذكر (عريب) و (كل اللفيف) قال: (وكل ملوك أرض عوص، وكل ملوك أرض فلسطين، واشقلوة وغزة وعقرون وبقية أشدود وادوم وموآب وبني عمون وكل ملوك صور وكل ملوك صيدون وملوك الجزائر التي في عبر البحر وردان ويتماء وبوز وكل مقصوصي الشعر مستديراً وكل ملوك العرب وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية).

ترى مما تقدم أن من الصعب تعيين المكان الذي سكنه العرب بالضبط. وقد ترجم مارتن لوثر (وكل ملوك العرب) بترجمة تختلف قليلاً في المعنى فقال (وكل ملوك الذين في البلاد العربية) فقصد البلاد العربية لا الشعب العربي كشعب (أعراب) ونجد هذا الالتباس في الترجمات الأوربية أو

ص: 9

ومنذ القرن الثالث قبل المسيح أصبحت كلمة (عرب) نوعا ما عامة تطلق على مختلف القبائل التي انتشرت في شبه الجزيرة فأطلقت على العرب الذين كانوا يجاورون (الكوشين) وهم (الأحباش) على أكثر الاحتمالات وذكرت قبيلة جشم أو في مجموعة القبائل العربية أشار إلى ذلك (نحميا) في ذكرياته. وهذه القبيلة هي من القبائل الشمالية.

ومما يجب التنويه عنه هو أن لفظ (عرب) مهما قيل فيه فإنه لا يعني ما يعنيه في الوقت الحاضر من شعب واحد كان يسكن شبه الجزيرة برمتها بل كان يشمل نوعاً خاصاً من القبائل وهي القبائل التي كانت تتنقل في البادية من مكان إلى مكان طلباً للكلا والماء ومنابت الأعشاب).

(وأما ما يقال في المعاجم العربية من أن هناك فرقاً بين كلمتي عربي وأعرابي وتخصيص الأولى بسكان المدن والثانية بسكان البادية فلم يحدث إلا في عصور قريبة من ظهور الإسلام. أما قبل ذلك فلم يكن هناك فرق مطلقاً، بل كان كل من الكلمتين يدل على سكان البادية فحسب: أما سكان المدن والأمصار فكانوا ينسبون إلى قبائلهم أو يعرفون بمناطقهم).

ويقال بأن (بني قديم) ' الواردة في العهد القديم والتي تعني (أبناء الشرق) أو (الشرقيين) يقصد منها القبائل العربية التي كانت تسكن شرق فلسطين أو حوالي البحر الميت. ولعلها القبائل التي كان يطلق عليها أسم (القبائل الإسماعيلية) ويقول أحد المستشرقين وهو إيوالد بأنه (قدموني) ترادف (بني قديم) ' وهي تسمية عامة تطلق على جميع القبائل التي انحدرت من نسل (قطورة) زوجة إبراهيم على حد تعبير نسّابي اليهودي

وأما الأراضي التي أقام فيها العرب وحلوا بها فقد أطلق عليها الآشوريون والبابليون (ماتوا أربائي) ومعناها (أرض العرب) وقد انتقلت هذه التسمية من البابليين إلى الفرس ومن الفرس إلى الكتبة اليونانيين.

وعرف هؤلاء الكتبة شيئاً من أحوال العرب دونت في كتبهم؛ وذكر في مثلا أسم عربي اشترك مع من اشترك في معركة (سلاميس) وذكر هيرودوتس شيئاً لا بأس به عن العرب وعن البلاد العربية وعلى الأخص العرب الذين كانوا في المنطقة الواقعة بين سوريا ومصر أي في صحراء سينا وفي المناطق المتصلة بهذه الصحراء والتي كانت لها روابط وصلات بالعبرانيين.

ص: 10

وأطلق اكسنوفان أسم على نفس المنطقة التي سمّاها داريوس ويعنون بها الصحراء التي تفصل أرض بابل عن منطقة وهي نفس المنطقة التي ظل الكتبة السريان المتأخرون يطلقون عليها أسم وقد استوطنت في هذه المنطقة قبائل عربية كثيرة.

وقسم كتبة اليونانيين البلاد العربية ومعناها (العربية) إلى أقسام مثل (العربية السعيدة) و (العربية الصخرية) و (العربية الصحراوية) وأقسام أخرى مثل

وعرف العرب بتسمية أخرى هي وهي تسمية شاعت بين الكتبة اليونانيين. ويستفاد مما كتبه بطليموس أن (السرسانيين) كانوا يقيمون في منطقة شبه جزيرة سيناء وأنهم كانوا من أتباع الإمبراطورية الرومانية وأنهم كانوا يتعرضون للقوافل التجارية ويأخذون المكوس الفاحشة من القوافل التي كانت تمر بأراضيهم.

وأطلق الآراميون على العرب أسم ونجد هذه اللفظة في المناظرة (الديالوك) التي كتبها أحد تلاميذ برديصان حوالي سنة 210 للميلاد. وقد شاعت هذه اللفظة وأصبحت تطلق على العرب عامة منذ هذا الوقت لدى السريانيين واليونانيين. ثم انتقلت إلى اليونانيين فبقية الشعوب الأوربية.

وأما لفظة فالظاهر أنها مأخوذة كلمة (طي) وهي أسم القبيلة المشهورة التي كانت تسكن شمال نجد ثم ارتحلت إلى البادية الشمالية وإلى مختلف أنحاء شبه الجزيرة. وقد اكتسبت هذه القبيلة شهرة واسعة وخافتها الشعوب المجاورة حتى أطلقوا على جميع القبائل العربية لفظة من باب إطلاق الجزء على الكل.

وهكذا شاعت هذه الكلمة وغطت ما دونها من كلمات. فأطلق الآراميون في العصور المسيحية لفظة على العرب ونقل الفرس هذه الكلمة بصورة محرفة تحريفاً يلائم لغتهم فقالوا (تاجك) أو وفي العهد الأخير

قد خافت الشعوب التي تاخمت قبيلة طي منها كثيراً والظاهر أنها كانت قوية شديدة المراس فقد أجمع الكتبة من يونان وسريان أنها كانت على جانب عظيم من الغلظة والخشونة وأنها كانت بدوية. ويقول يوحنا العمودي بأن أكثر قبيلة لا يعرفون الخبز.

أما النصوص القديمة التي عثر عليها في البلاد العربية الجنوبية فلم تذكر سوى كلمة (أعراب) ومعناها البدو والقبائل المتنقلة على نحو ما جاء في القرآن الكريم. وقد كان

ص: 11

السبأيون والحميريون يميزون بين الحضر من أهل المدينة وبين سكنة البادية وهم (الأعراب).

فكانوا يسمون الحضر بأسماء الأماكن التي يسكنونها أو بأسماء أجدادهم وقبائلهم فيقولون (بنو فلان). وأما سكنة البادية فكانوا يطلقون عليهم بصورة عامة (أعراب) وينسبونهم إلى المحل الذي يقيمون فيه فيقولون (أعراب تهامة) و (أعراب مأرب) وما شابه ذلك.

وبالنظر إلى عدم العثور على نصوص غربية قديمة كثيرة نستطيع بواسطتها معرفة آراء العرب أنفسهم في هذه التسميات فإننا لا نستطيع إبداء رأي حاسم فيما ذكرناه من تسميات أطلقها الأجانب على العرب. وعلى كل فإن هذه التسميات على ما يظهر كانت خاصة بعرب الشمال الذين كانا بطبيعة الحال على اتصال مباشر بتلك الشعوب الغربية. فهي علامات فارقة كانت تميز تلك القبائل عن القبائل السامية الأخرى.

إن القبائل البدوية والقبائل التي هي على شئ من حياة البداوة لا تعرف عادة من معاني القومية والجنسية إلا معنى القومية القبلية. فالقبيلة في نظر البدوي هي الحكومة وهي القومية وهي الجنس وهي كل شئ. والأرض التي تقيم فيها القبيلة هي الوطن يرتبط به ما دامت القبيلة فيه فإذا انتقلت القبيلة إلى أرض أخرى كانت الأرض الجديدة هي الوطن الجديد الذي يدافع عنه ويجود بنفسه في سبيله. ورابطة القبيلة هي الجنسية الوحيدة فيما بين القبائل وهي التابعية. وعلى قدر منزلة القبيلة تكون منزلة التابعية وقوة نفوذها في عالم القبائل السياسي.

وعلى الرغم من اشتباك القبائل في وحدة الجنس ووحدة الأصل فإنها لم تكن تشعر في معاملاتها الخاصة هذا الشعور. فكانت تنظر الواحدة إلى الأخرى نظرتها إلى شعب غريب فتتحارب وتتقاتل فيما بينها وترتبط مع الأجانب وتحارب معهم ضد قبيلة أخرى من أبناء جنسها. ولكن ضرورة التنقل من مكان إلى مكان أجبرت القبائل العربية على تكوين حلف فيما بينها وعلى الارتباط برباط العصبية. فصار هنالك حلف القبائل

وهذا الشعور هو الذي ألف بين القبائل وجعلها كتلة قوية تصد عادية المعتدين. فظهر امرؤ القيس بن عمرو الذي ورد ذكره في حجر نمارة النفيس في الجنوب الشرقي من دمشق والمؤرخ في عام 238 للميلاد الموافق ليوم 7 بكسلول من سنة 223.

ص: 12

إن نص النمارة هو أول نص عربي يشير إلى ملك (ملك العرب كلهم والذي حاز التاج وملك الأسدين ونزاراً وملوكهم وهزم مذحجاً وجاء إلى نزجي (أو بزجي) في جبح نجران مدينة شمر وملك معداً ونزل بنَّية الشعوب ووكله الفرس والروم فلم يبلغ ملك مبلغه.

يظهر من كل ما تقدم أن كلمة عرب و (العرب) لم تطلق في العصور التي تقدمت المسيح على العرب عامة وإنما كانت كلمات تدل على قبيلة معينة هي قبيلة شمالية. وأما عرب الجنوب فكانوا يسمون (معونيم) مثلا أي معنين أو سبئين ثم حميرين وقبائل أخرى. واستعملت (عريب) عند العبرانيين للدلالة على البداوة: وكذلك استعملت عند عرب الجنوب.

والظاهر أن كلمة (العرب) كجنسية تشمل جميع سكان شبه الجزيرة العربية لم تظهر إلا قبل الإسلام بزمن يظهر أنه لم يكن طويلا يمكن أن يعود إلى القرن الثالث أو الرابع للمسيح. ولم تطلق هذه الكلمة على سكان بلاد العرب الجنوبية الذين كانوا يختلفون في أنسابهم عن عرب الشمال ولذلك فرق النسابون بين الجماعتين.

جواد علي

ص: 13

‌في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

- 19 -

ج17 ص 30: ما أحسن قول العتابي وأحكمه!:

لوم يعيذك من سوء تقارفه

أبقى لعرضك من قول يداجيكا

وقد رمى بك في تيهاء مُهِلكة

من بات يكتمك العيب الذي فيكا

قلت: (مهلكة) بفتح الميم، ولامها مثلثة، وهي المفازة، والجمع مهالك. .

ج 13 ص 26: قد وهبناه منك وصفحنا عن ذنبك قلت: قد وهبناه لك. قال سيبويه ج 1 ص160: ولا تقول وهبتك لأنهم لم يعدوه ولكن وهبت لك.

في اللسان: حكى السيرافي عن أبي عمر وأنه سمع أعرابياً يقول لآخر: انطبق معي أهبك نبَلا.

وإن جاز قول الإعرابي فعنده نقف. والأعلى هو قول (الكتاب) المعجز: (رب، هب لي حكماً)(فوهب لي ربي حكماً).

والحكم: الحكمة، (وهو أعم منها - كما قال الراغب في مفرداته - فكل حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فان الحكم أن يقضى بشيء فيقول: هو كذا أو ليس بكذا).

ج 6 ص 275: قال الأمير أبو الفضل الميكالي: كتب عامل رقعة إلى الصاحب في التماس شغل، وفي الرقعة: إن رأى مولانا يأمر بإشغالي ببعض أشغاله فعل. فوقع الصاحب تحتها: من كتب لإشغالي لا يصلح لأشغالي

وجاء في الشرح: يريد أن كسر الهمزة خطأ، وكان يريد أن يقول شغلي، وفي القاموس يقول: إن أشغل لغة جيدة أو قليلة أو رديئة.

قلت: (من كتب إشغالي) كما روت اليتيمة ج 3 ص 38 ومزاد الصاحب أن المجرد من هذا الفعل هو الجيد، والمزيد رديء. في التاج (شغله كمنعه شغلا - بالفتح - ويضم وهذه عن سيبويه. وأشغله، واختلف فيها فقيل هي (لغة جيدة أو قليلة أو رديئة) قال ابن دريد: لا يقال: أشغلته، ومثله في شروح الفصيح وشرح الشفاء للشهاب والمفردات للراغب والأبنية لابن القطاع، ولا يعرف لأحد القول بجودتها عن إمام من الأئمة، وكتبة بعض عمال

ص: 14

الصاحب له في رقعة فوقع عليها: من يكتب إشغالي لا يصلح لأشغالي. قال شيخنا: فإذاً لا معنى لتردد المصنف فيها. قلت: ولعله استأنس بقول ابن فارس حيث قال في (المجمل) لا يكادون يقولون أشغلت، وهو جائز فتأمل ذلك)

ج 2 ص252: جحظة:

أنا خلو من المماليك والأملاك (م)

جلد على البلا وصبور

قلت: جلد على البلاء صبور

ج16 ص 320: وحق له التأسي على المفقود.

وجاء في الشرح: التأسي: الحزن

قلت: (وحق له الأسى على المفقود) والأسى هو الحزن، وأما التأسي فهو التعزي. في التاج: أساه بمصيبته تأسية فتأسي أي عزاه تعزية فتعزى، وذلك أن يقول له: مالك تحزن؟ وفلان أسوتك أي أصابه ما أصابك فصبر، فتأس به.

وفي ديوان الخنساء:

وما يبكين مثل أخي ولكن

أسلي النفس عنه بالتأسي

وقال البحتري في السينية العبقرية:

عمرت للسرور دهرا فصارت

للتعزي رباعهم والتأسي

ج4 ص 183: وكان محباً لإسداء العوارف والاصطناع، وجذب الباع.

قلت: (وجذب الأتباع) في الأساس: وهو له تبع وهم له تبع لأنه مصدر وهم أتباعه وتباعه

ج 19 ص 196:

وما لك غيرُ تقوى الله زاد

إذا جعلت إلى اللهوات ترقى

قلت (غيرَ) وهو إن لم يكن الأصح فهو المختار.

قال ابن يعيش في شرح المفصل ج 2 ص 79: وإنما لزم النصب في المستثنى إذا تقدم لأنه قبل تقدم المستثنى كان فيه وجهان البدل والنصب فالبدل هو الوجه المختار، والنصب جائز على أصل الباب فلما قدمته امتنع البدل فتعين النصب. وبيت المفصل:

ومالي إلا آل أحمد شيعة

ومالي إلا مشعب الحق مشعب

وبيت (الكتاب) وهو لكعب بن مالك (رضى الله عنه) يخاطب (النبي صلى الله عليه

ص: 15

وسلم):

الناس ألب علينا فيك ليس لنا

إلا السيوفَ وأطراف القنا وزر

ومثله قول الكميت الذي حرم الرواية الصحيحة في هذا الزمان وقد بينتها في الرسالة الغراء في هذه السنة:

وإن لم يكن إلا الأسنةَ مركبٌ

فلا رأى للمحمول إلا ركوبها

وفي (الكتاب): (وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون مالي إلا أبوك أحد) ولم يذكر شاهداً. قال ابن عقيل وأعربوا الثاني بدلا من الأول على القلب. في (همع الهوامع) ج1 ص 225: قال ابن عصفور: (ولا يقاس على هذه اللغة) وقد قاسه الكوفيون والبغداديون وابن مالك، ومن الوارد منه:

فانهم يرجون منه شفاعة

إذا لم يكن إلا النبيون شافع

قلت: (قال محمد هو ابن مالك):

وغير نصب سابق في النفي قد

يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد

ج16 ص 303

فان قلتمُ إناَ ظلمنا فلم نكن=بدأنا ولكنّا أسأنا التقاضيا

قلت (فلم نكن ظلمنا ولكنا أساأنا التقاضيا) والبيت في مقطوعة للشميد الحارثي من شعراء الحماسة ومطلعها.

بني عمنا لا تذكروا والشعر بعدما

دفنتّم بصحراء الفُحير القوافيا

ج19 ص 46: وتغير ذهنه بآخرهِ. وفي هذا الجزء ص 55: وانتقل بآخِر إلى غرناطة.

قلت: في الصحاح: جاء فلان بأخَرَة بفتح الخاء وما عرفته إلا بأخرة أي أخيراً. وفي النهاية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس كذا وكذا أي في آخر جلوسه ويجوز أن يكون في آخر عمره، وهي بفتح الهمزة والخاء

وجا في اللسان والتاج. (وجاء بآخرةٍ بالمد) وشكلت الخاء بالفتح ولم يضبطها التاج.

ج7 ص 109: حدث المبرد عن المازني قال: كنت أبي عند عبيدة فسأله رجل فقال له: كيف تقول: عُنيت بالأمر؟ قال كما قلت: عُنيت بالأمر. قال: فكيف آمر منه؟ قال (المازني) فغلط وقال: أعن بالأمر. فأومأت إلى الرجل ليس كما قال. فرآني أبو عبيدة

ص: 16

فأمهلني قليلا فقال: ما تصنع عندي؟ قلت: ما يصنع غيري. قال: لست كغيرك، لا تجلس إلي، قلت ولم؟ قال: لأني رأيتك مع إنسان خوزي سرق مني قطيفة. فانصرفت وتحملت عليه بإخوانه، فلما جئته قال لي: أدب نفسك أو لا ثم تعلم الأدب. قال المبرد: الأمر من هذا باللام، ولا يجوز غيره لأنك تأمر غير من بحضرتك كأنه ليفعل هذا.

قلت: (أعن بالأمر) بفتح النون لا ضمها. وما ذهب إليه أبو العباس هو الأكثر. في اللسان: قال البطليوسي: أجاز ابن الأعرابي عنيت بالشيء أعني به فأنا عان وأنشد:

عان بأخراها طويل الشغل

له جفيران وأي نبل

وفي التاج: عن فلان بحاجته بالضم أي مبنياً للمفعول عناية بالكسر، وهذه اللغة هي المشهورة التي اقتصر عليها ثعلب في فصيحه ووافقه الجوهري وغيره، ويقال أيضاً: عني بحاجتة كرضى وهو قليل، حكاه جماعة منهم ابن دستورية وغيره من شراح الفصيح والهروي في غريبيه قاله شيخنا.

قلت: قال شيخنا في المقامات العلائية (الفصول والغايات) عبقريته النثرية ص 30:

أعْننيِ رب، وأعني واعن بي حتى تغنني عن أمي وأبي).

وقد اقتضى التلاؤم أو الموسيقية - كما يسمى ذلك العلامة الأستاذ أمير النثر - أن يؤثر نابغة الأدب العري القليل في الاستعمال في هذا المقام على الكثير، والموسيقية هي في الفظة وفي الجملة. وأبو العلاء أدرى الناس بصحة الألفاظ واعتلاها.

في القسم - 17 - رويت قول حسان: (تسقي الضجيج ببارد بسام) كما نقلوا، وعندي أنها (تشفي) لا تسقي.

ص: 17

‌رأي جديد في:

حماد الراوية

للأستاذ السيد يعقوب بكر

- 5 -

يقول نولدكه إن حماد هو الذي اختار المعلقات، وهو في هذا يتابع ما قاله ابن النحاس في أوائل القرن الرابع الهجري، وليست بنا حاجة هنا إلى أن نعيد ما قلناه في صدد رأي ابن النحاس. وإنما نكتفي بنقد ما يستدل به نولدكه من أن حماداً أقحم قصيدة الحارث بن حلزة ممالأة منه لمواليه بني بكر، ودفعاً منه لقصيدة عمرو بن كلثوم في الافتخار بتغلب. فنولدكه يرى في هذا دليلاً على أن حماداً هو الذي اختار المعلقات. وهو دليل لعمري ضعيف. فقد كان يستطيع حماداً ألا يختار قصيدة عمرو، لو كان هو الذي اختار المعلقات. ولكنه لم يغفلها أو لم يسعه إغفالها، لأنه كان يجمع مشهورات القصائد، أي القصائد التي اختارتها العرب وفضلتها، وفيها قصيدة عمرو بن كل ثوم. وهكذا يكون دليل نولدكه دليلاً عليه لا له. وأما ما يقوله من أن الحارث بن حلزة لم يكن شاعراً مبرزاً، وأن حماداً أقحمه بين أصحاب المعلقات إقحاماً، فنحن نورد عليه اعتراضين: الأول أن ابن سلام الجمحي صاحب طبقات الشعراء يجعل عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وعنترة بن شداد في طبقة واحدة، هي الطبقة السادسة من طبقات الشعراء الجاهليين؛ والثاني أن الحارث بن حلزة كان زعيم قومه كما كان عمرو بن كلثوم زعيم قومه، وأن قصيدتيهما استفاضتا بين العرب له ذا السبب. وليس في الاعتراض الثاني مطعن في شعر الشاعرين، وإنما نريد به الدلالة على أن مكانة القائل تغني عن جودة القول في مجال الشهرة والذيوع.

فالحارث إذن من شعراء المعلقات أصلا. ويؤيد هذا ما يقو له نولدكه نفسه من أن ابن عبد ربه، وابن النحاس (فيما يقوله القدماء)، قد قبلا المعلقات السبع كما جاء بها حماد، ولم يبدلا فيها شيئا من شئ. ومعنى هذا أنهما لم يجدا مطعناً في جمع حمادٍ المعلقات، ولم يريا ما يراه نولدكه من أنه أقحم الحارث بن حلزة إقحاماً. وهما من رجال أوائل القرن الرابع الهجري، كما سبق ذكره؛ فهما إذن قريبا عهد بعصر حماد (المتوفى سنة 155 أو 156

ص: 18

هـ). وأما ما يذكره صاحب جمهرة أشعار العرب من أن المفضل قال: (القول عندما قاله أبو عبيدة في ترتيب طبقاتهم، وهو أن أول طبقاتهم أصحاب السبع معلقات، وهم امرؤ القيس وزهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمر بن كلثوم وطرفة بن العبد)، ومن أنه قال:(هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب بالسموط، ومن زعم غير ذلك فقد خالف الجمهور) أما ما يذكره صاحب جمهرة أشعار العرب من قول المفضل هذا، فلا يمكن الاعتماد عليه، لأنه ظهر - كما يقول نولدكه نفسه - أن صاحب الجمهرة غير ثقة، وأنه إنما انتحل اسم أبي زيد القرشي ليخدع الناس عن نفسه. فالمفضل وأبو عبيدة، وهما معاصران لحماد، لم يخالفاه إذن في شعراء المعلقات ولم يجعلا النابغة والأعشى مكان عنترة والحارث بن حلزة؛ أو لم يثبت أنهما خالفاه.

فقد استبان إذن زيف رأي نولدكه؛ واستقام لنا ما قلناه من أن العرب القدماء هم الذين اختاروا المعلقات وفضلوها على غيرها، وأن حماداً هو الذي جمعها بعضها إلى بعض وجعل منها جملة معروفة متداولة. وما قلناه في رأي نولدكه يمكن أن نقوله في آراء من شايعه من المستشرقين، وأمثال أرندنك (الموسوعة الإسلامية، مادة حماد الراوية) وبروكلمان (كتابه المشهور، ج1 ص 18، وتكملة ج1 ص 34) وغيرهما.

جمع حماد المعلقات إذن. بل إنه جمعها كما سمعها، فلم يصح عنه فيها انتحال.

كذلك روى حماد معظم شعر امرئ القيس. ففي المزهر (ج2 ص 205) أن الأصمعي قال: كل شئ في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية، وإلا شيئاً سمعناه من أبي عمرو ابن العلاء.

(ج) إشهاره بالانتحال

اشتهر حماد بالانتحال، وهو ما سنناقشه في الفصل الآتي من البحث. وإنما نكتفي هنا بحصر الأقوال والأخبار التي توردها كتب القدماء في صدد انتحاله، لتكون هذه الأقوال والأخبار موضع تمحيصنا فيما بعد.

أقوال العلماء فيه

1 -

في الأغاني (ج5 ص 172) ومعجم الأدباء (ص 140) وخزانة الأدب (ص 131)

ص: 19

أن المفضل الضبي قال: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسد فلا يصلح أبداً، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطي في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب؛ لا، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟

2 -

وفي الأغاني أيضا (ص 174) أن خلف الأحمر قال: كنت آخذ عن حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها.

3 -

وفي الأغاني أيضاً (ص 164) ومعجم الأدباء (ص 140) أن الأصمعي قال: كان حماد أعلم الناس إذا نصح (يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار).

4 -

ويقول ابن سلام في طبقات الشعراء (ص 23 - 24)، وينقل عنه السيوطي هذا في المزهر (ج1 ص 87)، أنه سمع يونس بن حبيب يقول: العجب لمن يأخذ عن حماد، كان يكذب ويلحن ويكسر.

5 -

وفي المزهر (ج2 ص 205) أن أبا حاتم قال: كان بالكوفة جماعة من رواة الشعر مثل حماد الراوية وغيره، وكانوا يصنعون الشعر ويقتنون المصنوع منه وينسبونه إلى غير أهله:

6 -

ويقول ابن سلام (ص23)، وينقله عن السيوطي في المزهر (ج1 ص87): وكان أول من جمع العرب وساق أحاديثها حماد الراوية؛ وكان غير موثوق به، كان ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار.

أخبار انتحاله

1 -

يذكر أبو الفرج (ص 172 - 173)، وينقل عنه البغدادي (128 - 129)، أن أمير المؤمنين المهدي دعا المفضل الصبي وقال له إني رأيت زهير بن أبي سلمى أفتتح قصيدته بأن قال:

* دع ذا وعدِّ القولَ في هرم *

ولم يتقدم قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت في هذا شيئاً، إلا أني توهمته كان في قولٍ يقوله أو يروّي في أن يقول شعراً قال: عد إلى مدح

ص: 20

هرم دع ذا، أو كان مفكراً في شئ من شأنه فتركه وقال: عد ذا أي دع ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول فيهرم؛ وأن المهدي دعا بعد ذلك حماداً وحده، فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل. فقال ليس هكذا قال زهير أمير المؤمنين، قال: كيف؟ فأنشده:

* لمن الديار بقنّة الحجر *

الأبيات الثلاثة.

* دع ذا وعدّ القول في هرم *

البيت؛ وأن المهدي أطرق ساعة، ثم أقبل على حماد، فاستحلفه على هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقرْ له حينئذ أنه قالها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمرهما وكشفه.

2 -

وفي الأغاني (ص174 - 175)، وخزانة الأدب (ص131 - 132) أيضاً أن الطرمّاح بن حكيم قال: أنشدت حماداً الراوية في مسجد الكوفة، وكان أذكى الناس وأحفظهم قولي:

* بان الخليط يسحُرة فتبدّدوا *

وهي ستون بيتاً، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد، ثم أقبل علي فقال: هذه لك؟ قلت نعم، قال: ليس الأمر كذلك، ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتاً زادها فيها في وقته.

3 -

وفي الأغاني كذلك (ص 173) أن حماداً قدم على بلال ابن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرمة، فأنشده حماد شعرا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال جيدا وليس له: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله؛ فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له؛ إن لي إليك حاجة، قال: هي مقضية، قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا، قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري، قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.

4 -

وفي طبقات الشعراء (ص23)، والأغاني (ج2 ص50 - 51، وج5 ص 172)، والمزهر نقلا عن ابن سلام (ج1 ص87)، أن يونس بن حبيب قال: قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، فقال: ما أطرفتني شيئاً؟ فعاد إليه، فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى، فقال: ويحك! يمدح الخطيئة أبا موسى ولا أعلم به وأنا أروي للحطيئة؟ ولكن دعها تذهب في الناس.

ص: 21

5 -

وفي المزهر (ج1 ص 87) أن عمرو بن سعيد الثقفي قال: كان حماد الراوية لي صديقا ملطفا، فقلت له يوما: أمل على قصيدة لأخوالي بني سعد بن مالك، فأملى علي لطرفة. . . وهي لأعشى همدان.

6 -

وفي المزهر أيضا (ج2 ص 205 - 206) أن سعيد ابن هُرَيمْ البرجمي قال: حدثني من أثق به أنه كان عند حماد حتى جاء أعرابي، فأنشده قصيدة لم تعرف ولم يُدرَْ لمن هي، قال حماد: اكتبوها. فلما كتبوها وقام الأعرابي قال: لمن ترون أن نجعلها؟ فقالوا أقوالا، فقال حماد: اجعلوها لطرفة.

فهذه أقوال ستة وأخبار ستة توردها كتب القدماء في صدد انتحال حماد، وهي كل ما وجدناه فيها. ونحن نضيف إليها هنا ما يقوله صاحب العقد الفريد (ج4 ص402 - 403ط المطبعة الأزهرية): (وكذلك كان يفعل حماد الراوية، يحقق الشعر القديم ويقول: ما من شاعر إلا قد حققت في شعره أبياتا فجازت عنه إلا الأعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت. . . قيل له: وما البيت الذي أدخلته في شعر الأعشى؟ فقال

أنكرتني وما كان الذي نكرت

منى الحوادث إلا الشيب والصلعا

(للبحث بقية أخيرة)

السيد يعقوب بكر

ص: 22

‌عالم ما بعد القنبلة

للأستاذ نقولا الحداد

بعد ساعة أو بضع ساعات من سقوط القنبلة الذرية على هيروشيما كان الجنس البشري كله مدهوشاً من هذا الحادث الهائل المفاجئ - أجل مفاجئ - من ألوف الطائرات ترمي ألوف الأطنان من المتفجرات فتدك أحياء المدن حياً حياً إلى طيارة واحدة ترمي قنبلة واحدة تزن رطلا واحداً، فتدك مدينة واحدة عظيمة في لحظة واحدة دكَّا فظيعاً - خبر لا يكاد يُصدَّق. ولكن العالم كله صدقه، لأن هوله لمع في جميع البلدان وأقام البرهان وحتَّم الإيمان وضعضع البهتان. والمرء يجزع من خوارق الحدثان التي تمثل في مخيلته قصص الجان.

بقيناً انتقل العالم من عناء مناوشة المتفجرات إلى تحت سلطان الذرة الحاسم؛ بكلمة واحدة من لسان الأورانيوم خرّت اليابان على ركبتيها ضارعة مستغيثة تلتمس الرحمة والرفق.

لو توقف مخترعو قنبلة الذرة منذ شرعوا في محاولة صنعها لخرت ألمانية ساجدة منذ سنة 1940 وحُقِنتَ دماء كثيرة.

أصبح البشر الآن خائفين على مدينتهم أن تبيد بتاتا، وعلى حسبهم أن ينقرض كما انقرض قبله الدينوسور وحيوانات أخرى.

صار الناس يحسبون حساب المستقبل الجديد - نعم سيكون المستقبل كله جديداً. وسيصبح حاضرنا كأنه ماضي ما قبل التاريخ كما كان العصري الحجري بالنسبة إلى عصرنا ما قبل التاريخ.

عصر مجد الكيمياء انقضى وجاء عصر سؤدد الذرة الكهربي. وأصبح اكتشاف الكهربائية درجة للصعود إلى عالم الذرة، كما صار عصر البخار كالحمار لدى عصر الطيار.

القنبلة الذرية لم تفتح فصلا جديداً في كتاب العلم بل فتحت دائرة معارف جديدة، وفتحت فصلا جديداً في الثقافة، سيضاف إلى مناهج الدراسة في الجامعة منهاج جديد للتخصص في (علم الذرة).

في عام أو بضعة أعوام سيرى طلبة الطبيعية والكيمياء لديهم كتاباً مطولا في علوم الذرة - بناؤها وتركيبها وتحليلها ووظائف أعضائها وقواها ومفاعيلها إلى غير ذلك. ولا بد من

ص: 23

دراستها، لأنها ستصبح السبيل الوحيد لفهم الألفية الكيمية والتيار الكهربائي ولتبسيط الكيمياء والكهرباء. وسيلقب الناجح في علم الذرة بكالوريوس الذرة، أو أستاذ الذرة، أو دكتور الذرة، وأخيراً فيلسوف الذرة.

مسكين طالب العلم في العصر الجديد، سيمتد عمر دراسته عاماً أو عامين أو أكثر. . . لا تجزعنَّ يا بنيَّ، لأن الحقائق التي وضحت سهلت الدراسة

لا يصح أن نسمي هذا العصر الجديد عصر الأورانيوم، لأن تحطيم الذرة لاستخراج الطاقة منها لن يقتصر على الأورانيوم وحده، بل سيتناول العناصر الأخرى الواحد بعد الآخر. اليوم تحطم الأورانيوم وبعده الرصاص، ثم الحديد، ثم الكربون، وربما تحطم ذرات الهيدروجين أخيراً.

ستتحطم ذرات القلم الذي في يدي، وذرات الورق الذي بين يديك، وذرات الكرسي الذي تقعد عليه ستكون كل ذرة في الكون قابلة التحطيم، كما أن ذرات عناصر الشمس متحطمة تباعاً ومنتشرة حطامها في الفضاء فوتونات أي ضوئيات. ولولا حطام ذرات الشمس المتناثرة في الفضاء لما رأينا نوراً ولا دفئنا بحرارة. لسوف تذوب الشمس حطام ذرات في الفضاء، كما يذوب الشمع أمام النار. وكذلك سيكون مصير جميع الأجرام تتناثر كلها فوتونات في الفضاء اللامتناهي. هي من الأثير وإلى الأثير تعود. وربما تجدد تكون الكون بعدئذ في دورة أخرى، والله أعلم.

سيصبح تحويل معدن إلى معدن أسهل من تحويل اللبن إلى كوتشوك، والقطران إلى روائح وألوان. ثم تكون القوة أطوع ليد الإنسان من الكلب الأمين أو الحصان الودود. قد يمكن الإنسان أن يطير حول الكرة الأرضية تحت شمس الظهر، ويبقى تحت شمس الظهر حتى يجد نفسه قد عاد إلى مطاره ولا يخزن معه من القوت إلا قدر الحمصة في علبة سيجارة. وكذلك يستطيع بزورقه أن يمخر البحار الخمسة بقوة هذه الحمصة، ويطوف جميع بقاع الأرض في سيارته بقوة هذه الحمصة

وسيرى حمصات الأوررانيوم أو الراديوم أو غيرها تدير معامل الصناعات على اختلاف أنواعها. نعم سيرى الإنسان نفسه سيد الطبيعة بالفعل - يهيج البحار ويسكتها، ويجري الأنهر ويحبسها، ويستنزل الأمطار ويكفها - يتصرف بالطبيعة كما يشاء.

ص: 24

ولكن وا أسفاه سيبقى هناك شئ لا يستطيعه الإنسان، يسيطر على الأورانيون ويتسلط على المعادن ويعتقل القوة العظمى. ولكن هناك شيئاً لا يستطيعه، لا يستطيع أن يملك عنان الطبع البشري! يستطيع أن يقهر قوات الطبيعة، ولكنه لا يستطيع أن يقهر شهوته. يستطيع أن يكبح جماح الحر والبرد الريح والبحر والعاصفة، ولكنه لا يستطيع أن يكبح جماح رذيلته وشروره.

يكون سيد المادة، ولكن شهوته تبقى سيدته!

يشمخ على عوامل الطبيعة، ولكن نزعاته تشمخ عليه!

يركب متن الطاقة الذرية، ولكن شيطان أهوائه يمتطيه!

يحطم الذرة، وأخيراً الذرة تحطمه!

أصبح الإنسان الحيواني عند مفرق طريقين: إما أن يعقل ويعتقل القوة الذرية فيستخدمها لمتعه. أو أنه ينتحر بها.

المدنية الآن في نشوة من خمر انتصارها على الطبيعة. فان استطاعت أن تصحوا من هذه النشوة قبل أن تهوي إلى هاوية الفناء، وأن تجعل النظم الاجتماعية والسياسية علما بقواعد وأصول لتسير عليها، كما جعلت السنن الطبيعية علوماً لها، نشطت مدينة جديدة في فردوس من السعادة لا يفرغ منها

نقولا الحداد

ص: 25

‌جمعية المعارف المصرية

لجنة لإحياء الكتب العربية في القرن التاسع عشر يرعاها ولى عهد

الخديو (محمد توفيق باشا)

للأستاذ محمود الشرقاوي

كنت أبحث عند بعض الوراقين الذين لم يعد يقصدهم أحد سوى القليلين من عشاق القديم الذين أصبحوا ندرة غريبة في مصر فعثرت عند كتبي يجاور الأزهر على جزأين قديمين من كتاب (أسْد الغابة في معرفة الصحابة) للإمام علي بن الأثير فاشتريتهما.

وعند المطالعة استوقف نظري ما كتب في ختام الجزء الرابع وهو: (بعون الله وتوفيقه تم الجزء الرابع من أسد الغابة في عاشر رمضان سنة 1286 يتلوه الجزء الخامس وبه إن شاء الله تعالى يتم الكتاب وأوله حرف النون المطبوع على ذمة جمعية المعارف المصرية البالغ أهلها الآن تسعمائة وثمانين).

فما هي جمعية المعارف المصرية هذه؟

لم أستطيع بوسائلي المحدودة سوى معرفة شئ قليل عن هذه الجمعية التي أعتقد أنها كانت لجنة خاصة لإحياء ونشر الكتب العربية القديمة وأنها كانت موجودة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. وكان لهذه اللجنة نظام خاص يجعل للمشتركين فيها أو (لأهلها) على حد تعبير الفقرة المذيل بها الجزء الرابع من أسد الغابة حقا في شراء مطبوعاتها بقيمة التكاليف فقط، وأن أعضاء هذه الجمعية بلغوا تسعمائة وثمانين في سنة 1286 هجرية وهي تقابل سنة 1869 ميلادية.

وكانت جمعية المعارف المصرية هذه تطبع أمهات الكتب العربية القديمة وتبيح لأعضائها شراء نسخة واحدة منها (بأصل المصروف) كما تبيح لهم شراء ما يشاءون من النسخ بثمن يزيد عن أصل المصروف ولكنه ينقص عن الثمن الذي يشتري به من ليس عضواً في الجمعية. وهي إلى جانب ذلك تبيع مطبوعات غيرها وتبيعها لأعضائها بثمن أقل مما تبيعها به لغيرهم. ويستطيع القارئ أن يقدر ما في ذلك من التنظيم والروح التعاوني الترغيب في عضوية الجماعة إلى جانب ما فيه من روح التسامح والرغبة في نشر المطبوعات ولو لم تقم هي بطبعها، وما فيه أيضاً من الروح التجاري السليم. هذا كله فوق

ص: 26

هدف الجمعية الأساسي وهو طبع أمهات الكتب العربية القديمة ونشرها. وقد نشرت الجمعية في ملحق خاص في الجزأين الرابع والخامس من أسد الغابة (بيان الكتب التي تم طبعها على ذمتها إلى الآن). ومنها ما هو خاص بعلوم اللغة والأدب مثل تاج العروس وألف باء، ووسائل بديع الزمان، وعنوان المرقص والمطرب. ومنها ما هو خاص بالتاريخ مثل الفتح الوهبي شرح تاريخ العتبي المشهور باليميني، وتتمة المختصر في أخبار البشر لابن الوردي. ومنها ما هو خاص بتراجم الصحابة مثل أسد الغابة. ومنها ما هو خاص بالشعر مثل التنوير شرح سقط الزند للمعري، وديوان ابن خفاجة الأندلسي وشرح خالد الأزهري على البردة. ومنها ما هو خاص بالفقه مثل حاشية أبو السعود علي منلا مسكين.

ومن مراجعة الملحق الذي نشرته الجمعية في ختام الجزء الخامس من أسد الغابة ومقارنة بعضه بالبعض الآخر يصل الباحث إلى حقائق جديرة بالذكر والتأمل. فهي تذكر أولا (أثمان الكتب التي تباع لمن يرغب من أهل الجمعية في أكثر من النسخة التي يأخذها بأصل المصروف) فتذكر أثمانها وتوقيتاً لهذا الأثمان يتصاعد معه الثمن كلما أبطأ المشتري في الشراء. فمثلاً رسائل بديع الزمان تباع لأهل الجمعية بخمسة عشر قرشاً لغاية ذي الحجة سنة 1286 ثم يزيد قرشين لمن يشترى في شهر محرم سنة 1287 وقرشين آخرين لم يشتري في شهر صفر الذي يليه ثم يزيد بعد ذلك إلى خمسة وعشرين قرشا لمن يتأخر في الشراء لغاية ربيع الأول. وهذا الكتاب نفسه يباع (لمن يرغب وهو خارج عن جمعية المعارف) بسبعة عشر قرشاً لغاية ذي الحجة المذكور ثم يزيد قرشين عن كل شهر من الشهرين التاليين له ثم يباع بثلاثين قرشاً لمن يتأخر بالشراء منهم لغاية ربيع الأول. وكتاب ألف باء يباع لأهل الجمعية في الشهر الأول بخمسين قرشاً ثم يزيد خمسة قروش عن كل شهر بعده لغاية صفر، ويباع للخارج عن جمعية المعارف بستين قرشاً في الشهر الأول ثم يزيد عشرة قروش من كل شهر بعده لغاية صفر وهكذا ثم يلي ذلك بيان (أثمان الكتب المطبوعة على ذمة أربابها وتباع لمن يرغب من أهل جمعية المعارف) وبيان آخر (بأثمان الكتب تعلق جمعية المعارف وتباع لمن يرغب وهو خارج عن جمعية المعارف) وبيان أخير (بأثمان الكتب المطبوعة على ذمة أربابها وتباع للخارج) وفي هذه البيانات كلها مراعاة أهل الجمعية والسابقين بالشراء. ونص على سعر خاص مخفض (لمن يكتب

ص: 27

ورقة بأنه التزم بأخذ نسخة أو أكثر ويدفع الثمن عند استلامها).

هذا شئ عن مطبوعات الجمعية ونظامها في البيع لأعضائها وغيرهم وقد بلغ عددهم كما ذكر في ختام طبعتها للجزء الرابع من أُسْد الغابة تسعمائة وثمانين وهو عدد لا شك في ضخامته. وكان مقرها القاهرة. وذكر في ختام الجزء الخامس من الكتاب. وهو الأخير أنه (طبع في المطبعة الوهبية بتصريح الراجي فضل ربه الوهبي مصطفى وهبي في أواسط ذي الحجة سنة ألف ومائتين وثمانين) وهذا التاريخ ليس هو تاريخ إنشاء الجمعية بل من المقطوع به أن إنشائها سابق له. فقد كانت في هذه السنة (1286هـ 1869م) أتمت طبع طائفة من الكتب يبلغ عددها عشرة ظهرت في اثنين وعشرين جزءاً مما يحتاج إنجازه إلى زمن قد يمتد إلى سنين إذا راعينا أحوال ذلك الزمان والوقت الذي يحتاجه فيه للطبع والتصحيح والإخراج. ولا أدري هل كانت المطبعة الوهبية هذه مطبعة خاصة بالجمعية أم لا. . .؟. . .

أما قيمة جمعية المعارف المصرية فيمكن تقديره بذكر ضخامة الرقم الذي سبق ذكره من عدد أعضائها ويمكن تقديره أيضاً إذا ذكرنا هذا النص عن رياستها ووكالتها (. . . جمعية المعارف المتشرفة بحماية الشهم الهمام، والأمير الساطع لآلاء كمله في الأنام، نور حديقة الدهر والزمان، ونور حديقة العصر والأوان، صاحب المجد والسعد، المتحلي بحلية ولاية العهد، المؤيد بعنايات ذي القول والتنسيق، قطب فلك السعادة والدولة محمد باشا توفيق، أدام الله إجلاله، وزاد قبوله وإقباله. والمشكلة بهمة وكيل تلك الجمعية، الباذل جهده في نشر الفضائل السنية، ونفع الأنام بكل تحفة بهية، المتسم بسيما المعارف والعوارف، محمد باشا عارف) وهذا النص مكتوب في ختام الجزء الأخير من أسد الغابة. .

هذا شئ قليل عن جمعية المعارف المصرية التي ألفت في القرن التاسع عشر في مصر برعاية ولي عهدها محمد باشا توفيق (الخديو توفيق فيما بعد) وهذا بعض جهدها ونظامها لإحياء التراث العربي القديم ونشره.

وهذا بحث أعتقد أنه محتاج إلى كثير من التوسع والاستيفاء أرجو أن أوفق لهما في مقبل الأيام.

محمود الشرقاوي

ص: 28

‌في الأدب الإنكليزي

ماثيو

بقلم الأستاذ خيري حماد

مقدمة:

لقد كان القرن التاسع عشر بثوراته المختلفة ونهضاته العديدة باعثاً عدداً من الرجال الذين اشتهروا في شتى مناحي الحياة من سياسة واقتصاد، وفلسفة وتشريع، وأدب وحرب. ولكل دولة من الدول الأوربية عدد من الرجال الذين تفاخر بهم غيرها من سائر أمم الأرض. فظهر في بريطانيا في هذا القرن طائفة من عظام الرجال فاقوا أقرانهم في مختلف الميادين وأخص بالذكر منه ميدان الأدب.

بزغ نجم كثير من الشعراء والروائيين والنقاد والفلاسفة الذين رفعوا أسم انكلترة عالياً في ميدان العلم والأدب فرأينا بيرون وشلي وكيتس وتنسون وبراوننج يسعون في رفع شأن الشعر وإعلاء شأوه. وشاهدنا أوستن واليوت وريشاردسون وستيفنسن وسكوت وهاردي ينهضون بالقصة نهضة لا مثيل لها في تاريخ الأدب الإنكليزي. وطالعنا المقالات النقدية العديدة التي كان يكتبها عدد من مشاهير النقاد أمثال هازلت وجفريز وكارليل وأرنولد. وأما الفلسفة فقد تناولها من كبار المفكرين الإنكليز أمثال كارليل ودارون وارنولد.

لم تكن قريحة ارنولد مقتصرة على الشعر بل تعدتها إلى المقالات والفلسفة والتربية والنقد. ولا غرو أن يحسبه الكثيرون خير ممثل في انكلترة في القرن التاسع عشر.

ولقد ظهرت هناك منذ وفاته كثير من الكتب التي درسته درساً مسهباً. أضف إلى ذلك المقالات الجمة التي تناولت كل ناحية من نواحيه المختلفة فبدأت شهرته بالازدياد وتفوقه يظهر على سائر أقرانه منذ أن ووري في التراب فأصبح الآن معروفاً لدى جميع الأدباء والكتاب من سائر أمم الأرض المتحضرة.

حياته

ولد ماثيو ارنولد في مدينة ليلهام من ولاية مدلسكس في اليوم الخامس والعشرين شهر ديسمبر سنة 1822، وكان والده الدكتور توماس ارنولد الذي اشتهر برآسته لمدة طويلة

ص: 30

مدرسة ركبي وكان ماثيوا ارنولد البكر من تسعة أطفال أحبهم والدهم الحب الجم لاشتغاله في عالم التربية والتعليم مدة ليست بالقصيرة. وأما والدته ماري بنزور فقد عاشت ثلاثين سنة بعد وفاة زوجها. وكانت على جانب عظيم من الثقافة والعلم مما قربها إلى ولدها النابغة فظل على ولائه لها وحبه إياها طوال حياته الكثيرة المشاغل.

وفي سنة 1826 انتقلت العائلة إلى (ركبي) وظل ارنولد في ليلهام يتتلمذ على خاله القس المحترم جون بكلند ولم يكن الدكتور ارنولد ميالا إلى الضواحي التي تحيط بمدينة ركبي، ولذلك ابتاع منزلا في تكس هاو حيث كان يقضي أيام الآحاد والراحة بين زوجته وأولاده. وكان لقربهم من المدينة التي عاش فيها وليم ورد رورث أثر عظيم في حياة الطفل ماثيو.

وفي سنة 1836 أرسل ماثيو إلى مدينة ونيشستر حيث درس عل الدكتور موبرلي ولكن لم تنقض سنة واحدة على سكناه هذه المدينة حتى أرسل والده في طلبه وأدخله مدرسة ركبي حتى يكون تحت رعايته وإشرافه. وقد بقي في هذه المدرسة حتى أتم دروسه فيها؛ فأرسله والده إلى أكسفورد سنة 1846 ليتم تحصيل علومه العالية هناك.

وتوفي الدكتور ارنولد سنة 1842 بينما كان ولده الشاب يقضي أيام شبابه في جامعة أكسفورد بين أصدقائه وخلانه كلكوردج وشارب. وكان لهه ميل شديد نحو الطبيعة وجمالها فيقضي بين خمائلها الساعات الطوال حالما في أشياء كثيرة لا حد لها. وقد نال بين زملائه وأساتذته سمعة حسنة وذكراً طيباً وحسبه الجميع نابغة الجامعة وعلمها الفذ.

وفي سنة 1843 نال جائزة شعرية بقصيدة نظمها يتحدث فيها عن كرمويل، ولم تكن هذه القصيدة خير قصائده في هذا العصر بل ظهرت له أشعار أخرى كانت أكثر بلاغة وأوسع خيالا؛ ولو قارناها مع قصيدته (الريك في لغدت من سقط المتاع. وقد نظم هاتين القصيدتين على وزن واحد هو ما يسمونه في الإنكليزية الذي اشتهر أمره في العصر الكلاسيكي فنظم فيه (بوب وتلامذته من بعده، وفي كلتا هاتين القصيدتين نرى سلاسة وعذوبة يندر أن توجدا في شعر شاب لم يتجاوز العشرين من عمره.

ونعرف من مصادر عدة أن ارنولد كان عضوا في جمعية جدال ونقاش تدعى (جمعية ولم يكن في صفه من المبرزين على أقرانه بل عد من الطبقة المتوسطة من الطلبة. ولكنه ما كاد ينال شهادته حتى منحته الجامعة حق المجاورة في كلية اورل سنة 1845 التي كانت

ص: 31

تعد من أعظم الجوائز التي تقدمها الجامعة إلى النابهين من طلبتها.

وبعد أن انتهى من دراسته في جامعة أكسفورد نراه ينتقل إلى مدرسة ركبي ليدرس فيها العلوم والآداب القديمة من إغريقية ولاتينية، ليصبح سكرتيرا للمركيز لانسدون الذي كان من أكبر رجال السياسة في عصره وله الفضل كله في إصلاح ذات البين بين صفوف حزب الأحرار. وفي تموز سنة 1849 ظهرت أولى أناشيد في مجلة (الاكزامنر حيث انتشرت انتشاراً عظيما. وقد أهدى هذه القصيدة الرائعة إلى الشعب المجري. ولم تمض سنة واحدة بعد ظهور هذه الأغنية حتى أخرج ديواناً شعرياً لم ينل من النجاح القسط الذي كان يتوخاه مؤلفه.

وفي الرابع عشر من شهر نيسان سنة 1851 نصب ارنولد كمفتش لمدارس المعارف، وكان هذا التعيين نتيجة للمساعي التي بذلها صديقة المركيز. ولم يكن ثمة رجل يستطيع أن يقوم بأعباء هذا المنصب كما قام به شاعرنا ازنولد فقد كان بغريزته ميالا إلى الأطفال، فهو لذلك جد قادر على التعامل معهم، ناهيك عن اطلاعه الواسع على قوانين علم التربية وأصوله. مما جعله يفكر في القيام بمشاريع عدة لترقية علم التربية في المدارس التي كان يقوم بالإشراف عليها. وسنتناول الإصلاحات العديدة التي قام بها في عالم التربية والتعليم عندما نبحث نظرياته فيهما.

وقد تزوج من فرانسيس وايثمان سنة 1851 بنت أحد القضاة الشهيرين في عالم القضاء. وكانت حياته الزوجية مثلا أعلى للحياة السعيدة الدائمة. فقد ظل وزوجه ترفرف عليهما أعلام السعادة والهناء حتى آخر أيامهما. وفي سنة 1857 انتخب أستاذاً للشعر في جامعة أكسفورد. وكان ينافسه في نيل هذا المنصب القس المحترم جون أرنست بود مؤلف كتاب: (مقطعات هيرودتس) وفي الحق أن نيله لهذا المنصب كان أعجوبة في حد ذاتها إذ أن جميع من تبوءوه من قبل كانوا من رجال الدين وحماة اللاهوت يلقون محاضراتهم باللغة اللاتينية.

ولم تكن الرواتب التي تدفعها الجامعة للأستاذ ذات قيمة كبيرة فما ازداد راتبه في السنة عن المائة جنيه، ولكن مشاغله في الجامعة لم تكن بنفس الوقت على جانب عظيم من الكثرة. فكان يلقي محاضراته في اللغة الإنجليزية بأسلوب كلاسيكي جذاب، وقد انحصر موضوعه

ص: 32

في عوامل الأدب الحديث إذ جعل للأدب اليوناني في عصر بركليس صلة وثيقة بالأدب الإنجليزي في عصره وقد طبعت أولى محاضراته في سنة 1869.

ونراه في بدء سنة 1858 يبتاع منزلاً صغيراً في ساحة ستشتر حيث يسكن للمرة الأولى في منزل ثابت. ولكن الظروف لم تكن لتتيح له أن يهدأ ويستقر فكانت وظيفته كمفتش للمعارف تقتضي كثرة الترحال والسياحة، ومن أسفاره العديدة سفرته إلى برنجهام حيث سمع (جون برايت) يلقي إحدى محاضراته فكتب ارنولد إلى صديق من أصدقائه (إن برايت محاضر من الطبقة الأولى يمتاز بارتفاع صوته ورباطه جأشه ولكن السهولة لم تكن من صفاته المميزة. فهو لا يتوقف ولا يتلعثم، بل لا يندفع الاندفاع الذي أرغبه في الخطباء أمثاله. ومع ذلك كله فهو أخطب بكثير من غلادستون)

هجر أرنولد الشعر وأخذ يهتم بالنثر والكتابة فظهر أول مؤلفاته في شكل رسالة سياسية طبعها سنة 1859 وأسماها (انكلترة والمشكلة الإيطالية) وفي السنة نفسها انتدبته الحكومة لدراسة أنظمة التعليم في الممالك الأوربية حيث زار فرنسا وبلجيكا، وهولندا وسويسرا وبدمنت. وقد أعجب بفرنسا الإعجاب كله. وكانت مدينة باريس أحب إلى فؤاده من جميع المدن التي زارها حيث شعر بالراحة والدعة. وهناك اجتمع بلورد كوبي مدة لا تقل عن ثلاثة أرباع السنة بحث أثناءها كثيراً من الأمور ختمها بقوله:(لقد شاركني الورد في الاعتقاد بأن الفرنسيين يتفوقون على جيرانهم الألمان في كل أمر يتنافسون فيه).

ولما رجع إلى انكلترة انظم إلى زمرة متطوعي الملكة. ولكنه لم يكن قط ميالا إلى استخدام البريطانيين في الجيش والجندية. وكانت نظريته في الجندية غريبة كل الغرابة لا تنطبق على الحقيقة، إذ أنه كان لا يعتقد بوجوب المساواة في الجيش، فالطبقة الوسطى يجب أن تمنع من الاختلاط بسائر الطبقات الأخرى.

ونراه في سنة 1864 يجتمع بمستر دزرائيلي السياسي البريطاني المشهور في قصر البارون دي روتشيلد. وكان هذا الداهية البريطاني يميل كل الميل إلى الأدباء ويحترمهم احتراماً كلياً. ولذا عامل ارنولد بلطف زائد وخاطبه بقوله: (إن لك مستقبلاً باهراً تناله بجدارة واستحقاق).

وفي سنة 1867 استقال ارنولد من منصبه في جامعة أكسفورد حيث خلفه السير فرانسيس

ص: 33

دويل الشاعر الإنكليزي المعروف. وكان ارنولد مشغوفاً جداً بهذا المنصب الذي تخلى عنه، ولذا نراه شديد الأسف لاضطراره للاستقالة من عمل أحبه كل الحب.

وفي سنة 1865 انتدبته الحكومة مرة أخرى للتفتيش على المدارس الأوربية المختلفة. وكان يقابل هذه المهام بفرح وسرور زائدين مما جعل زملاءه يختارونه لكتابة التقارير عن رحلاتهم وعما يشاهدونه في المدارس المختلفة في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا. وكان لعدم إلمامه بفن الرسم والبناء أثر في تقاريره فنراه غير معجب بإيطاليا كما كان ينتظر منه. وفي مدينة فلورنسة ينتقد الإيطاليين لتقليدهم الفرنسيين تقليداً أعمى

وفي أكتوبر سنة 1865 نراه في مدينة زوريخ حيث سمع لأول مرة بوفاة لورد بلمرستون فكتب رسالة إلى والدته يطلعها على أفكاره السياسية وعلى تحيزه الشديد لحزب الأحرار، فيقول في رسالته هذه إن اللورد بلمرستون لا يصلح مطلقاً لقيادة الأمة التي تسلم قيادتها كبت أو لبول أوربيل، فوفاته لا تحسب خسارة وطنية كبرى للأمة والشعب.

وفي نفس السنة نراه يتقدم لطلب وظيفة (مندوب الإعانات) ولم يكن في بريطانيا كلها من هو أجدر منه بهذا المنصب، ولكن العادة جرت أن تسند هذه المهمة إلى أحد رجال القانون. وكان الرجل المكلف له بانتخاب أحد المتقدمين لهذا المنصب صديق من أصدقاء ارنولد ومحبيه؛ ولكن تدخل غلادستون في الأمر حرمه هذه الوظيفة لمخالفته إياه في آرائه السياسية. وقد لازمه سوء حظه في السنة التالية حين تقدم لوظيفة خازن المكتبة في مجلس العموم البريطاني يؤازره نفر غير قليل من كبار الساسة كدزرائيلي وغيره. ولكنه فشل للمرة الثانية لمعارضة دينسون رئيس المجلس ومقاومته.

وفي سنة 1883 نراه يغادر إنكلترا إلى أمريكا ليلقي بضع محاضرات طلب الأمريكيون إليه إلقاءها. وكانت شهرته في هذه السنوات قد ازدادت وعمّت العالم الأوربي كله. وقد أم الناس على اختلاف طبقاتهم هذه المحاضرات فجمع قدراً غير يسير من المال ساعده على ترفيه نفسه والاعتناء بحياته بشكل جدي. وحين كان في أمريكا ذهب الرئيس برانت رئيس الجمهورية الأمريكية للاستماع إلى إحدى محاضراته حيث لم يع شيئاً مما قاله الخطيب. وكان ارنولد في الحقيقة خفيف الصوت تعوزه المقدرة الخطابية ولذلك ذهب إلى جامعة بوستن ليدرس هناك فن الخطابة فلم يلق نجاحا يذكر.

ص: 34

وفي خريف سنة 1885 انتدبته الحكومة مرة ثالثة لدراسة أنظمة التعليم الابتدائي في ألمانيا وفرنسا وسويسرا. وكان الغرض الأساسي من رحلته هذه الإطلاع على المصروفات التي يدفعها الآباء عن أبنائهم، وعن مقدار المساعدة التي تقدمها البلديات للحكومة للقيام بهذا الأمر الحيوي. فكتب تقريراً ضافياً بلغة أضعف من اللغة التي كتب بها تقاريره السابقة.

وفي هذه السنة نفسها استقال من منصبه الحكومي طلباً للراحة. فكافأته الحكومة البريطانية جزاء ألقابه الكثيرة براتب سنوي كبير. وكان في هذا الحين قوي البنية سليم التركيب مما جعله يكثر من الكتابة في المواضيع السياسية التي تشغل أهل عصره. وفي سنة 1888 نراه يرحل رحلته الأخيرة إلى ليفربول للقاء ابنته العائدة من أمريكا حيث قضى نحبه بينما كان يعدو للحاق إحدى عربات الترام.

وقد أسف الناس لفقده أسفاً شديداً نظراً لهذه الخاتمة المحزنة التي لم يكن يتوقعها الناس لقوة بنيته وسلامة تركيبه.

فنه:

إن من الصعب علينا أن نتناول في هذه المقالة فن هذا الكاتب العبقري دون أن نلم بالنواحي العديدة التي نبه اسمه فيها، فقد كان حقاً رجلاً جامعاً لجميع فنون الأدب ونواحيه. وللبحث فيه بحثاً مسهباً علينا أن نرسم شخصياته المتعددة ونحللها على ضوء النقد والأدب فنراه كناقد بارع، وكشاعر رقيق، وكناثر سلس، وكسياسي حاذق، وكفيلسوف ديني شديد الغموض. ولنبدأ في بحثه كناقد أدبي فنرى أثره العظيم في عالم النقد.

نقده:

كان نقده شديد الغموض والأشكال، وكانت مقالاته في النقد التي ظهرت سنة 1865 العامل الأول في ظهور أمره كناقد أدبي وكأديب لم يرتفع اسمه في عالمي الشعر والنثر كما ارتفع في عالمه الثالث. وفي هذا الكتاب نراه يبحث أبحاثاً طريفة أحبها جميع قرائه، فطالعوها بشغف وإمعان. ومن المسائل الكثيرة التي بحثها في كتابه هذا مشكلة المجمع العلمي وهل من الفائدة في شئ أن تشاد مثل هذه المؤسسة في إنكلترا كما شيدت في فرنسا من قبل. لم يبين وجهة نظره في المسألة بل أخذ النقيضين ودافع عن كل منهما دفاعاً شديداً أخطأه

ص: 35

الناس فحسبوه يبحث فيهما بحثاً جدياً خالياً من الفكاهة والدعابة، وبدأوا ينظرون إليها نظرة الفاحص الخبير ليروا ما يمكن الحصول بواسطتها على نتائج باهرة وفوائد مجدية.

(يتبع)

خيري حماد

ص: 36

‌من أدب الرومان:

مذهب الصداقة

عند شيشرون

للأستاذ منصور جاب الله

في أعقاب غزو قيصر لبريطانيا، ضرب الدهر رجلا من أنبل رجالات روما في ابنته الواحدة، فعقد الحزن سحابة في بيته، وجاشت أفكار الرجل محلقة في سماء تسمو على هذه الأرض المليئة بالرزايا المشحونة بكل ما هو موجع أليم.

ذلكم هو شيشرون خطيب روما الأعظم الذي مات في نهايات عام 43 قبل الميلاد، وكانت حياته حجة للعالمين على إدراك جمال الصداقة وما توحي به من السعادة الدنيوية، فلقد كتب شيشرون أجمل وأوقع وأبلغ ما كتب عن الصداقة على وجه الزمان، وإذ قضت ابنته كانت سنة تتّزّيد على الستين وكان قد شهد جميع المنافسات والمنازعات السياسية، وتذوق لذاذات الحياة جميعاً.

وكان يعرف قيمة المال والثراء والصيت الذائع ولكنه لم يجعل لها الكفة الراجحة في ميزانه، وكانت الفلسفة التي استمدها من تجاريب حياته إبان المحنة تحتبس في هذه العبارة:(ضع الصداقة فوق كل الاعتبارات الإنسانية).

وعلى هذه الفقرة تفرعت كل كتاباته، فوصف فضائل الصداقة ومنافعها وحاجة كل إنسان إليها، والأسباب المؤدية إلى فقدانها. ولقن ذلك الأديب الروماني (جايوس ليليوس).

ولكن ليس من ريب في أن الفلسفة النبيلة الأصلية عن الصداقة إنما من بنات أفكار شيشرون

يتساءل شيشرون عمن يمكن أن يكونوا صدقاناً وأخلاء. ثم يجيب بأن الصداقة تكون بين الطيبين الأبرار. فإذا أنت استطعت أن تقنع نفسك بأن لك صديقاً، فأنت قد تحسب نفسك رجلا طيباً أو امرأة طيبة، وليست الصداقة لهؤلاء الذين ليسوا (طيبين)

ولكن من هم الطيبون البررة؟

هنالك مقياس اجتماعي يقيس به شيشرون مقدار (الطيبة) إذ يقول (هؤلاء الذين يعملون

ص: 37

ويعيشون ليعطوا برهان الإخلاص والاستقامة والصفاء والكرم، هم الذين يتحررون من كل الأهواء والمواجد والسفَّة، وإن لهم قوة خلقية عظيمة).

ثم كتب عن اصطناع الصاحب، والأمور التي يخُتبر بها الصديق، والجمال الذي يستحسن في الصداقة والأمور التي لا بد من عملها لاصطناع الأصدقاء، فذهب بادئ الرأي إلى أن الصديق هو الفرد الذي لا يحتجن الإنسان من دونه سراً من الأسرار، ويضع فيه أسباب الثقة، ويرى ألا يخشى الصديق من الإفضاء لصديقه ببعض الذي يطويه بين جوانحه من سر مكبوت قد يكون كتمانه مما يؤدي ويضر.

كيف يتسنى أن تكون حياة تلك التي يقول عنها (أنيوس)(الحياة تستحق العيش) إذا لم تعتمد على إرادة طيبة متبادلة مع صديق؟ ماذا يكون أحلى من أن يكون لديك امرؤ تجسر على مناجاته فيما ترور به نفسك، كما تناجي نفسك؟).

ثم يستطرد إلى القول بأن الصديق هو الشخص الذي لا تتملقه مطلقاً.

(في الصداقة، ما لم تظهر قلباً خالصاً لا تستطيع أن تكون مخلصاً ولا راضياً بالحب ولا بالمحبوب، والتملق الذي أتحدث عنه إنما هو كفاح، وقد لا يقوى على النيل من أحد سوى الذي يتقبله ويغتبط به. وعلى ذلك لا توجد صداقة فيها جانب لا يروم سماع الصدق، وجانب مستعد للكذب).

والصديق هو الإنسان الذي يتمثل فيه الإنسان الشفقة الرحمة ويتبادلهما وإياه، ويحنو القلب على القلب، وتمتزج النفس بالنفس، فتنطاد بالقداسة إلى علو السماك، فيرى شيشرون في هذا التبادل العاطفي حجر الزاوية في الصداقة وقاعدتها وركازها

(ولم يزل الحب أبعد قوة بالتعاطف وبالبرهان على عناية الآخرين بتا، وبالألف الشديد نتوثب للحب، وتتألق المعجزة).

والصديق هو الشخص الذي نحب سواء استطعنا الحصول عليه أو عجزنا دونه. يقول شيشرون (نحن نعتقد أن الصداقة مرغوبة لا لأننا متأثرون بالأمل في الريح؛ ولكن لأن ربحها الكامل في الحب ذاته. والحب ليس شيئا آخر سوى الاحترام العظيم وشعور الميل الذي ألهم هذه العاطفة، وليس ببحث عنها لأنها حاجة مادية أو بمقصد الكسب المادي.

وأكثر الناس لا يعترفون بشيء مهما يكن أثره في التجربة الإنسانية ما لم يؤد إلى بعض

ص: 38

الكسب، وينظرون إلى أصدقائهم كما لو كانوا ينظرون إلى قطيعهم - أو إلى مصالحهم كما يبغي أن نقول - وهكذا يخفقون في الحصول على أجمل شئ: تلك الصداقة الذاتية المرغوبة في نفسها ولنفسها).

والصديق هو المرء الذي تسر لنجاحه سروراً حقيقياً.

(كيف يمكن أن يكون سرورك في أويقات النجاح عظيما إذا لم يكن لديك من يكون حبوره عَدْل حبورك؟ والرزية لا بد أن تكون صعبة الاحتمال، فبغير الصديق تنوء بالثقل. فالصداقة تضفي بها لماعاً على النجاح، وتختزل من وقع البلية بالمشاطرة فيها)

والصديق هو الشخص الذي تعامله معاملة الندَّ في كل الأحوال ولو كنت تختلف عنه في نظر الناس.

(وأكبر شئ في الصداقة أن الأعلى درجة والأحط درجة لا بد أن يقفا موقف المساواة. . . ولذا فإن الأخير لا يحزن إذ يفوقه الأول ويبرعه في الذكاء أو الثراء أو في المنصب، ولزام عليك أن تبذل إلى صديقك ما قدرت عليه من المعونة.

والصديق هو الشخص الذي لا نشعر من نحوه مطلقاً بشبهة، ولا نشعر من نحوه باستخفاف.

(التباين والاستخفاف هما تجربتا الصداقة، وهما ينتجان كثيراً من أسباب الشدة أو الإهانة التي يكون من بعد النظر في بعض الأحيان تجاهلها، وفي بعض الأحيان شرح أسبابها، ثم احتمالها في كثير من الأوقات

(هناك أناس يصَّيرون الصداقة كريهة بحسبانهم أنفسهم مستهترين، وندر ما يحدث هذا - فيما خلا حالة الناس الذين يستأهلون الاستخفاف حقيقة - بيد أنه ينبغي لهم أن يتخلصوا من هذه الأفكار ليس بالكلام وحسب وإنما بالعمل.

(من سجايا الإنسان الطيب الذي يجب أن أسميه أيضاً الإنسان العاقل، أن يتمسك بهاتين القاعدتين في الصداقة. الأولى: ألا يدع هناك ادعاء أو نفاقاً، والثانية: ألا ينبذ الوشايات التي يفضي بها شخص آخر فحسب، وإنما يجانب هو أيضاً الشبهة والاعتقاد بأن صديقه يجترح خطيئة ما.

(لذلك ينبغي أن تضفي بشاشة أكيدة من الكلام والأخلاق التي تعطي للصداقة نكهة

ص: 39

مستساغة)

ولزام أن نعمل عملا شاقاً لخلق الأصدقاء والحفاظ عليهم كما يعمل عملا شاقاً في أشغالنا.

ولقد اعتاد (شبيبيو) أن ينهي شكواه بقوله إننا نألم لكل شئ إلا للصداقة. وإن كل واحد يستطيع الإخبار بما عنده من الغنم والمعز، ولكنه غير مستطيع الإخبار بعدد أصدقائه، وذلك لأن الناس يلاقون المشاق في الحصول على الأوليين، ولكنهم لا يبالون باختبار الآخرين)

غير أنه قبل أن تعاهد صديقك يجب أن تكون حريصاً عليه (تستطيع أن تحب صاحبك بعد ما تمدحه، ولكن لا تثن عليه بعد أن تبدأ في حبه)

ثم ماذا يقول عن أصدقاء المدرسة عهد الطلب والتلمذة؟

والقاعدة في الصداقة أنها تكون بعد استقرار القوة وثباتها في السن والعقل، حتى الرجال الذين كانوا يكرسون حياتهم للصيد واللعب لا يحتفظون بأخلائهم في ذلك الطور إلا لأنهم مغرمون باللعب معهم)

وهب أن الرجل الذي تصاحبه يبدو في طور لا تستطيع معه أن تعايشه طويلا.

(روابط مثل هذه الصداقة لا بد أن تحل بارتخاء تدريجي في التوادٌ - والانحلال أولى من التمزق. ولزام أن تتخذ الحيطة لئلا يظهر أن الصداقة لا تطرح جانباً فحسب، وإنما تنمو مكانها العداوة الصريحة، ذلك لأنه ليس شئ أشد خزياً من أن تكون في حرب مع الشخص الذي قضيت معه مرة أويقات ود وصفاء)

ومع كل أخطار الاختيار الأرعن كانت نصيحة شيشرون (داوم على اصطناع أصدقاء جدد) ويتساءل: (هل الأصدقاء الجدد الذين يستحقون الصداقة يكونون مفضلين في أي الأوقات على الصدقان القدامى؟) وهنا يشٌبه الصديق القديم بالخمر المعتقة التي تحسن مع الزمن، (والصداقة القديمة لا بد أن تكون أعظم إسعاداً، على أن الصداقة الحديثة لا تحتقر إذا هي أبدت الأمل في طلع نصيج، كالعساليج الخضر التي لا تخفق في إظهارنا على أوان الحصاد)

أما هؤلاء الذين يظنون أنهم يستطيعون العمل بغير صداقة أو مودة، أو يقدرون على المسير على طول الطريق اعتماداً على مجرد المعرفة فيقول لهم شيشرون: (إذا كان

ص: 40

واضحاً في بعض أنواع الحيوان أنها تتوق للبحث عن حيوان آخر من فصائلها - وهذا الذي تفعله في حنين يحاكي إلى درجة ما الحب الإنساني - فكيف يكون مقدار ذلك من حب الإنسان الذي يحب نفسه ويستعمل أسبابه في البحث عن شخص آخر تتمازج روحه بروحه لتكون روحاً من روحين)

تلك هي فلسفة الصداقة عند شيشرون العظيم، ويالها من فلسفة قمينة بالاعتبار في هذا الزمان الذي هوت فيه الماديات بالمثل العليا حتى ما كادت تبقى على شئ.

في متحف اللوفر (لوحة الصداقة) وهي إحدى روائع الفن القديم، ترى فيها (روُث) تعتنق حماتها (ناعومي) وتأبى فراقها إذ قضت بذلك الأقدار، ثم تناجيها بصوت حنان خفيت، حلو النبرات رقيق:(تالله لا أفارقنك ولا أعودنٌ بعدك، فحيثما تذهبي أذهب، وحيثما تسكني أسكن، فأهلك سيكونون أهلي وإلهك سوف يكون إلهي. . .)

وتلك صورة مؤثرة تثير الشئون، وهي خير تعقيب على مذاهب الصداقة عند شيشرون العظيم.

(الرمل)

منصور جاب الله

ص: 41

‌ربيع شاعر

للأستاذ مصطفى عبد الرحمن

يا ربيعي ما لأزهارك تذوي

قبلما تشهدُ أنوار الحياة

وارى أوراقك الخضراء تهوى

ثم لا تملك نفسي غير آه

أنا روَّيتُك من كاسات خمري

ووهبتُ الزهرَ أنفاسي وعِطري

يا لزهري. . . ما الذي صوَّح زهري

وَرَمَاهُ قاسياً حين رماه

وأنا ما زلت في فجر الحياة

هاهي الأطيار في الروض تغني

غير طير ضلَّ عن سرب الطيور

يعرف الدمع الذي قرَّح جفني

وأسى نفسي فيأسي للمصير

أنا أحيا في خريف من شقاءِ

أسرعت أوراقُه نحو الفناءِ

ولقد هبَّتْ أعاصيرُ الشتاءِ

ما بقائي أيها القلبُ الكسير

في حياةٍ كل ما فيها مرير

جفت الكأس فما في الكأس ريٌ

يطفئُ الغُلة أو يشفي الصدور

وتولى الأملُ الحلوُ النديُّ

وانطوت في النفس أعلام السرور

وتلاشى حولي عينيَّ الضياءُ

وتساوى الصبحُ عندي والمساءُ

ثُرْ كما شِئت وحطم يا فناءُ

لا يهاب الموت أو يخشى القبور

قلبي الزاهدُ في طول المسير

عندما يحملُ إعصار المنون

ما تراه من بقايا بدني

ثمَّ تروي ذلك الشعر السنون

وتغني بنشيد الفِتَن

ص: 42

فترى الروعة والحسن البديعا

وجمالاً يملأ الدنيا جميعاً

سوف أحيا فيك يا شعري ربيعا

خالداً إيقاعه في كل أذنِ

رائعاً إشراقه في كل عينِ

ص: 43

‌من وحي العيد

يقظة الشرق

للآنسة فدوى عبد الفتاح طوقان

إيه يا شرق أي نور جديد

لاح في دهمة الليالي السود

لف شم الجبال والسهل والح

زن وهام الربى ورمل البيد

وإذا أنت يفتح النور عيني

ك فتصحو على الضياء الوليد

وتمطيت من طويل خمود

ومسحت الجفون بعد هجود

وتطلعت في حماك، حمى الأمج

اد، ربع العروبة الممدود

عجباً! أين أين ما وطدوه

من صروح شم وملك عتيد

وتلمست يا أبا الصيد فيه

أوجه الغر من بنيك الصيد

الميامين من بواقي (المثنى)

و (المعنى) في فيلق (ابن الوليد)

تتساقى الحتوف دون حماها=وتهز السيوف تحت البنود

وإذا أنت لا ترى غير عان

وطليح مجرح، وشهيد

البنون البنون صرعى الرزايا

يا لقلب الأبوة المفؤود

يا لها الله صرخة منك دوّت

في شعاب وأغور ونجود

يا لها صرخة أهابت فأحيت

عزمات، وطوحت بقيود

نفخت في بنيك فانطلق العاني

وهب الكابي وحيَّ المودي

وتداعوا من ههنا وهنا وانتظ

موا تحت بندك المعقود

ما تراهم تسايلوا بين عيني

ك خفافاً، من قاحم ونجيد

نفروا نفرة الأبي وقد ض

يم، وهبوا بعزمه المشدود

يا بني الشرق، يمن الله يوماً

قمتم فيه من هوان القعود

أنتم الطيبون صيّابة العُرب

حماة الحمى، بقايا الجدود

هو ذا العيد أقبل اليوم محد

وًّا بروح في بردتيه جديد

فيه شئ من اعتزاز قديم

عرفته له خوالي العهود

يوم للعُرب مقعد في النجو

م الزهر، يزهو بركنه الموطود

ص: 44

في فؤاد القدس الجريح اهتزاز

لكم، رغم جده المنكود

انثنى مرهفاً على الجرح يشدو

ويحيي أفراحكم في العيد

قام يزجي لكم عذارى القوافي

راقصات، موقعات النشيد

قدس الشعر، إنما الشعر

أنات شقي أو أغنيات سعيد

ص: 45

‌أي شئ أفتقد؟!

للأستاذ عبد القادر القط

أيُّ إحساس بصدري يتنزَّى

أي أخلاطٍ بنفسي تضطرب

ومعانٍ أوسعت روحيَ وخزَا

وأمانٍ كالأُتونِ الملتهْب

ثائراً يزفُرُ من تحت الدخان

لست أدري ما الذي يوقد نارَه

غير أني أكتويه كل آن

وأذَكى من دم القلب أواره

لست أدريه ولكني أحسهْ

في سياط من حنين قانيات

وبجنبي مستطار طال حَدْسُه:

أيُّ ماض يشتهيه؟! أيُّ آت!

أي شئٍ في حياتي قد فقدته

أي معنى من زماني أبتغيه

كلما خُيِّل لي أني وجدته

قَذَفَ التنور بالنيران فيه

كل شئ في حياتي كالضباب

لست أدري ما مداه إن قصدته

وطريقي ذو دروبٍ وشعاب

يقتضيني كل درب لِم سلكته

إن أدرت المجد طافت بي رؤاه

ألف رؤيا يغتلي فيهن ريبي

أو أردت الحب أولتني دماه

ص: 46

حيرة تغتال ما ينزو بقلبي

ليس مجداً أو غراماً ما أريد

ليت شعري أي شئ أفتقد

أي شئ؟! كل شئ في الوجود

آه لو جمّع يوما فاتحد

ظمأ يشوي لهاتي حره

فإذا قاربت ينبوعاً خمد

ونداء من رغابي سحره

كلما ملت إليه لم أجد

ها هنا روح ولكني ملول

ها هنا راح ولكني قلق

كل قصر تحته سفع الطلول

كل صبح فيه أسداف الغسق

سأم ينفث في الكون السأم

ليس يرضى عن مكان أو زمن

ينشد الجدة حتى في الظلم

ليس يعنيه قبيح أو حسن. . .

أي شئ في حياتي قد فقدته

أي معنى من زماني أبتغيه

كلما خيل لي أني وجدته

قذف التنور بالنيران فيه.

ص: 47

‌البَريدُ الأدبيّ

غرَّها فجرَّها

كتب الأستاذ الكبير محمود أبو ريه يقول إن أديب الجيل الأستاذ مصطفى صادق الرافعي كان يرى رحمه الله أن تكون الرواية - جرها شرك - في قول مجنون بني عامر:

كأن القلب ليلة قيل يغدي

بليلى العامرية أو يراح

قطاة جرها شرك فباتت

تجاذبه وقد علق الجناح

والواقع أن جرها يستقيم معها المعنى وتلائم قول الشاعر - فباتت تجاذبه كما تلائم صورة المشبه، والتحريف بعد هذا يتسع لأن تكون غرها وليدة جرَّها. ومع إجلالي لرأي أستاذنا الرافعي أرى أن غرها رواية صحيحة صريحة وأنها أبرع فيما يقصد إليه الشاعر من التشبيه كما أنها تتفق مع الواقع، لأن العادة جرت أن يوضع في الشرك ما يغر الطائر من حب وغيره فإذا دنا الطائر من الشرك علق به، وهذا العلوق يختلف باختلاف موقع الطائر من الشرك. والشاعر هنا يقول إن الذي علق هو الجناح وهنا تنتهي بنا غرها إلى جرها لأن المعنى والتصوير يقتضيان ذلك.

وغرها حينئذ أنسب لما فيها من المعنى الذي يتصل بنفس الشاعر أولاً وليكون - الجر - مما يلحظ بالذهن ثانياً. وفي هذا من الحسن ما لا يخفى.

أما عزها فيكفي في نقضها مما قاله أستاذنا الرافعي طيب الله ثراه.

محمد العزازي

مدرس بمعهد قنا

إلى الأستاذ حسن أحمد الخطيب

تحية وسلاما: وبعد فقد قرأت في العدد 645 المؤرخ في 12 نوفمبر 1945 من الرسالة الغراء كلمة للأستاذ حسن أحمد الخطيب (من محاسن التشريع الإسلامي) أورد فيها قضية وهي: (أن الربيع بنت النضر لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فطلب أهل الجارية القصاص. فأمر رسول الله به، فجاء أخو الربيع أنس بن النضر وكان من خاصة الصحابة فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع، فقال رسول الله: كتاب الله القصاص:

ص: 48

فلم يزل أنس يقول لرسول الله حتى جاء أهل الجارية راضين بدفع الأرش فقضى رسول الله به).

هذه هي قضية الأستاذ الفاضل التي لم أكد أقرأها حتى استغربت ذكرها كقضية مسلم بها يحسبها الأستاذ حسنة من محاسن التشريع الإسلامي، إذ أنني أعتقد جازماً بأن هذه القضية مدسوسة في ثنايا قضايا التشريع وهي عنه جد بعيدة، وإذ ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع حقاً من حقوق الله، والقصاص كما هو معلوم من حقوق الله وليس من حقوق العبد حتى يضعه، وعليه فإن رضاء المعتدي عليه بالأرش أو الدية لا يسقط القصاص عن الجاني.

وقد ذكرتني هذه القضية قضية أخرى مماثلة لها أوردت بحضرة النظام شيخ المعتزلة، وهي أن جارية سرقت فأراد الرسول قطعها، فوضع أهل المسروق حقهم عليها فوضع الرسول القصاص عنها، غير أن النظام كذبها بشدة ونفي صدور هذا الحكم عن الرسول إذ أن القطع كما قلت من حق الله - الحق العام - وليس من حق المسروق منه.

لذلك جئت بكلمتي هذه راجياً تنبيه الأستاذ الخطيب إلى أن استيفاء الأرش أو الدية ورضاء المجني عليه لا يسقط حق القصاص.

(بغداد)

حقوقي

عالم يعض كلباً!!

كان أنحى من أخذ عن الفارسي أبي علي، وأرواهم لشعر شاعر، حتى قال الفارسي يوماً:(ما بقي شئ تحتاج إليه، ولو سرت من الشرٌق إلى الغرب لم تجد أعرف منك بالنحو)

وكان أحسن ما كتب، وأجدره بالتقدير، شرح كتاب سيبويه، إلا أنه غسله، وذلك أن طالباً نازعه في مسألة، فقام مغضباً، وأخذ هذا الشرح، وجعله في إجَّانَةٍ، وصب عليه الماء، وجعل يلطم به الحيطان، ويقول - تعريضاً بالطالب - (لا - والله - لا أجعل أولاد البقالين نحاة.)

وكان مبتلى بقتل الكلاب، وكسر سوقها.

ص: 49

وكان يحضر درسه من الأكابر وعلية القوم من يقدرون فضله، ويغضون عن سقطاته، فاستتم الدرس ذات يوم، وقال فجود، فلما هم القوم بالانصراف استأناهم، وسألهم أن يمضوا معه على خيولهم ففعلوا، وهو سائر على قدميه يأبى أن يركب، فلما بلغوا ما شاء وقف عند إحدى الخرائب، واطل من بعض الكوى، ونظر الجماعة فإذا أستاذهم يواثب كلبا، والكلب يواثبه تارة ويهرب منه أخرى حتى أعياه، فعاونوه، وأمسكوا الكلب. فجعل يعض الكلب عضاً شديدا، والكلب يعوي ويتململ، فما تركه حتى اشتفى

ثم نظر إلى الجماعة وقال: هذا عضني بالأمس، فأردت أن أخالف فيه قول الأول:

شاتمني كلب بني مسمع

فصنت عنه النفس والعرضا

ولم أجبه لاحتقاري له

من ذا يعض الكلب إن عضا؟

هأنذا أعض الكلب إن عض!

ذلك هو علي بن عيسى الربعي المتوفى سنة 420هـ

كامل السيد شاهين

حول نشر تراث المعري:

قابلت البيئات الأدبية والفلسفية مشروع - نشر تراث أبي العلاء - مفخرة الفكر العربي - بكل ما يستقبل به العمل الواجب المثمر من حفاوة وتشجيع؛ فلم يعرف التاريخ الإسلامي شخصية دق حسها وعمق تفكيرها واتسع نطاق ذهنها وغزرت معارفها وكثر محصولها من اللغة: فقهاً ونحواً وصرفاً وعروضاً كتلك العبقرية النادرة؛ ولكنه ويا للأسف قد لعبت أيدي الإهمال بهذا الكنز الثمين الحافل فاستتر عن الأعين بعضه ولم يسلم ما تبقى من عبث التشويه والتحريف مما جعل استثمار هذا الإنتاج عسيراً شاقاً؛ فما كاد يذاع نبأ جمع هذا التراث وتنظيمه وتنسيقه وتقديمه نقياً من الشوائب حتى استبشرت النفوس وأثلجت الصدور لبعث أبي العلاء - كما يجب أن يكون في تلك البيئات؛ وتسابقت الآمال للأخذ من مناهل - الشيخ - وقد طهرت مواردها، واشرأبت العيون إلى إنقاذ آثار زعماء الفكر العربي. حتى قال الأستاذ - أحمد أمين بك - يجب أن نعرج على - ابن خلدون - بعد تقديم - أبي العلاء - فانتظرنا طلوع فجر ذلك اليوم الذي نحظى فيه بأولى ثمرات هذا

ص: 50

الجهد الخصب؛ واليد التي ستظل أبد الدهر وضاءة ناصعة؛ وبعد لأي أعلن البشير صدور التعريف بأبي العلاء فذهبنا نستبق فما وجدنا إليه سبيلا؛ فعللنا الأنفس بأن لا حاجة ملحة بنا الآن إلى التعريف به؛ فقد كفانا مؤنة ذلك المحدثون؛ ولم نلبث طويلا حتى عاد البشير يعلن قدوم - سقط الزند - ويطنب في جماله وأناقته وإتقانه؛ فلما حاولنا الحصول عليه امتنع علينا ما ابتغيناه؛ وحتى هذا الأستاذ الذي يقوم بتدريس الفلسفة في كلية الآداب يعوزه ما يعوز غيره من مريدي الثقافة العامة. وهذا آخر يدرس الأدب العربي في أحد معاهد الأدب العالية أضناه البحث، وقعد به القنوط؛ فيا ليت شعري إذا عز تراث فيلسوف العرب على أستاذ الفلسفة واستحال تراث هذا الأديب الحجة على أستاذ الأدب، فأي إنسان هان وسهل عليه ذلك الذي بات فوق متناول هؤلاء الأساتذة؟ أغلب الظن أنه هان وسهل؛ بل استذل وصغر على تلك المناضد التي يطرح في زاوية من زواياها غير مكترث به، ولا منظور إليه، ألا ليت الأستاذ - أحمد أمين بك - يعلم أن هذا التراث الذي تبذل في إخراجه الجهود وتنفق الأموال، قد بات فوق متناول الأساتذة المختصين فضلا عن القارئ العادي الذي يجب أن نمده بكل ما من شأنه أن يسمو بفكره ويغذي عواطفه ويقوي خلقه. ألا ليت الدكتور طه يعلم أن سبيل لمعاهد الأدب إلى - أبي العلاء - ألا ليت وزارة المعارف تعلم أن هذا الإنتاج قد غدا لا يعرفه الأساتذة إلا عن طريق التصور والسماع.

محمد عبد الحليم أبو زيد

جائزة ألف جنيه لتيسير الكتابة باللغة العربية

يعلن مجمع فؤاد الأول للغة العربية، أنه قد خصص جائزة مقدارها ألف جنيه تمنح لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية على ألا يكون لأعضاء المؤتمر الحق في دخول المسابقة، وقد تحدد آخر أكتوبر سنة 1946 موعداً لقبول المقترحات، وترسل باسم المجمع بعنوانه شارع قصر العيني رقم 110 بالقاهرة. وسيطبع المجمع كل ما قيل حول تيسير الكتابة في مؤتمره الذي انعقد سنة 1944، ويتخذ الوسائل لنشره.

مسابقة فاروق الأول للقصة المصرية

كانت حضرة صاحبة العصمة السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي قد تبرعت بجائزتين

ص: 51

للقصة المصرية؛ وقد فرغت لجنة الأدب بمجمع فؤاد الأول للغة العربية من الحكم على ما لديها من القصص، فنالت قصة (لقيطة) للأستاذ محمد عبد الحليم عبد الله جائزة قدرها خمسة وثلاثون جنيها، ونالت قصة (في ربيع الحياة) للأستاذ محمد أحمد قمر جائزة قدرها خمسة وعشرون جنيهاً مصرياً

كتاب (أمريكا) لستيفن فنسنت بنيه

إن هذا الكتاب الذي وضعه بالإنجليزية المستر ستيفن فنسنت بنيه، ونقله إلى العربية الأستاذ عبد العزيز عبد المجيد، إنما هو رحلة زمنية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، تسلسلت أحداثه منذ أن وطأت أقدام الأوربيين أرض الدنيا الجديدة، ثم ساير نهضة الوطن الأمريكي من بدء الهجرة العظيمة، إلى عهد الثورة والانفصال عن إنجلترا، وتحدث عن الدستور الأمريكي الأول وما دخله من تعديلات في عهود مختلفة، ثم وصف الجمهورية الناشئة وبناتها، ثم ساق الكلام عن إبراهام لنكولن أحد قادة الحرية في العصر الحديث، وأتى بوصف شائق للحرب الأهلية بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية وما أعقبها من سياسة شاملة للإنشاء والتعمير، ويتصل السياق بالكاتب إلى عهد أمريكا التي يعرفها الناس جميعا، فيجلو صورة فنية رائعة لبلد الصناعة والمال، وأخيرا يتحدث عن ميثاق الأطلنطي والأمل المنشود في عالم ما بعد الحرب.

والكتاب نسيج وحده بين الكتب الموضوعة عن أمريكا، فليس هو كتاب دعاية عمياء تطلع القارئين على تزويقات بلاغية حتى إذا تحسسوها من ناحية الحقيقة لم يجدوها شيئا، وإنما هو سفر يلخص تاريخ أمة، ويصور حياة وطن، ويرسم طريق كفاح. فأمريكا (ليست فردوسا أرضيا، ولا جنة كجنة عدن، ولا هي قد بلغت نهاية الكمال، وقد أخطأت في الماضي في إدارة أمور الداخلية كما أخطأت في الأمور العالمية. ولكنها مع ذلك تتطلع دائما إلى المستقبل، مستقبل يعيش فيه الرجال والنساء أحراراً، يتوافر فيه الغذاء والعمل، وتتوفر فيه الطمأنينة والحرية لبني الإنسان

تلك هي الروح التي تسيطر على الكتاب، وهي وإن كانت لا تنقصها الصراحة الصادقة، إلا أنها مشربة بالاعتداد بالنفس والثقة بمستقبل الأمة والتفاؤل بمصير الإنسانية.

ولا يتناول الكاتب الحديث عن جورج وشنطن دون أن يتملكه - كأمريكي - فيض من

ص: 52

الشعور بالزهو والخيلاء بهذا البطل الذي لم يعرفوا كيف يصغرون اسمه تحببا لأن معاني العظمة فيه لم تسمح بمثل هذا التدليل، فهو لم يقبل الرشوة، ولم يأخذ أجراً مقابل قيادته الجيش زهاء سبع سنين، ولم يهن حيال أعدائه وشاطر جنوده الضراء، وكابد معهم تباريح الجوع وأوصاب المرض ولفحات البرد القاسي.

وإذا جاء دور الدستور الأمريكي، عرضه الكاتب على القارئ عرضا لبقا، فإذا هو نصوص لا تحوطها القداسة، ولا يتناهى عنده حبل الأشتراع، وإنما هو مواصفات قانونية مرنة تتكيف حسب الأجيال، وتتبلور وفق أقضية الناس ومشكلاتهم.

وحين يعرض المؤلف مذهب مونرو لا نرى فيه تلك الوثيقة الجافة التي طالما قرأناها في كتب التاريخ والسياسة، وإنما نرى فيها صورة حية من صور الحرية الإنسانية، تلك الحرية التي حفزت ابراهام لنكولن على إلغاء الرقيق وإعلان الحرب على الولايات الجنوبية التي أبت إلا أن يبقى رقيق الأرض على حاله، وكان أن لقي الرئيس الأمريكي نفسه بعد ما تحقق له النصر أو كاد.

فإذا تركنا الجانب السياسي من الكتاب وتلفتنا إلى الجانب الاجتماعي فيه، وجدنا المؤلف يتحدث بصراحة محببة عن الأغنياء الأنانيين الذين لا هم لهم سوى أحتجان الأموال واكتنازها، بيد أنه لا يدع القارئ يمعن في تخيلاته، حتى يبدهه بأسماء أولئك الأثرياء الإنسانيين في بلاد العام سام من أمثال كاربنجي الذي أنفق معظم ثروته ليساعد على إنشاء دور الكتب العامة المجانية ليتيح للفقراء أن يثقفوا أنفسهم، وروكفلر صاحب المؤسسة العظيمة التي عادت أبحاثها في الطب والعلم على الناس جميعا بالخير العميم وغيرهما ممن يضيق دون ذكرهم المقام.

ويختم المؤلف كتابه بقوله إن العلم الأمريكي (يرمز للحرية ويرمز للرجاء، إنه يرمز لحسن الجوار لا للسيادة على الآخرين، إنه يرمز إلى أن يقرر الناس مصيرهم ويحكموا أنفسهم بأنفسهم، إنه يرمز إلى أُناس يحبون السلام، فإذا اعتدى على بلادهم هبوا يقاتلون المعتدين. إنه يرمز لأمة وشعب يؤمنون بالإنسان. ويؤمنون بمستقبل الإنسان، وبالعالم الحر الذي يستطيع الإنسان أن ينشئه)

وبعد، فان هذا العرض الموجز لبعض موضوعات هذا الكتيب الأنيق لا يغني كل الغناء

ص: 53

دون قراءته واستيعاب ما فيه من كل شائق وطريف.

منصور جاب الله

ص: 54