الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 650
- بتاريخ: 17 - 12 - 1945
مؤلف العباسة
بكرم صاحب الجلالة الفاروق
ربما صاحب (الأنات الحائرة) مثلاً فريداً في تاريخنا الأدبي كله: أبدر قمره وهو هلال يلوح، وأينع ثمره وهو زهر يفوح، واكتمل شعره وهو قصيد ينوح؛ فلم نكد نرى الشاعر وجدانياً يرجِّع الأنات على قبر (زين)، ويوقع الذكريات على ضريح (خديجة)، حتى رأيناه روائياً يحتجب وراء الأستار، ثم يقول قول الفلاسفة، ويفعل فعل الآلهة، فيبعث الأموات، ويخلق الأشخاص، ويعيد الأحداث، ويصور الأخلاق، ويمثل العواطف، ويفلسف الحياة، ويرسم البيئة، ويستخلص العبرة! وبين الشعر الوجداني والشعر الدرامي دهر طويل وشوط بعيد لابد منها ليستطيع الشاعر أن يخرج عن ذاته، وينقل عن حياة غيره لا عن حياته؛ ولكن شاعر المآسي نضج باكراً من حرارة الحزن، وفاض طاغياً من فوران الحس، وانفجر صارخاً من برحَاء الألم. فهو فريد في بزوغه، فريد في نبوغه، فريد في تطور شعره، فريد في استفاضة ذكره، فريد في كل ما يتصل بشاعريته حتى في الإرشاد بها والإثابة عليها؛ فقد تفضل صاحب الجلالة فاروق أعز الله نصره، وجمل بالآداب والفنون عصره، فأنعم على مؤلف العباسة بالباشوية، وما علمنا قبل عهد الفاروق ومجد عزيز أن رجلا أصبح باشا لأنه شاعر! والذي نعلمه أن الخطباء في عهود الحضارة العربية قد نالوا الإمارة، والكتاب قد بلغوا الوزارة، ولكن الشعراء كانوا كالمغنين والموسيقيين؛ شيئا من زينة الملك وترف الدولة بنادمون الخليفة ولا يدخلون في بطانته، ويطربون الشعب ولا يحسبون في قادته. فإذا أصبحنا ننظر إلى الشاعر العربي النابغ نظر الإنجليز إلى شاعر الملكية شكسبير، أو إلى شاعر الإمبراطورية كِبِلْنج، فإنما يرجع الفضل في هذا النظر الجديد الشديد إلى عطف ملكنا فاروق وفن شاعرنا عزيز!
ليت الشاعر أو الذين رصدوا كوكبه وسايروا هواه من لداته وثقاته
حللوا عوامل هذا النبوغ المفاجئ، وسجلوا أطوار هذا الشعر المحكم،
فإن رجال الأدب يستبعدون ان يولد شاعر بهذا الكمال، ويوجد شعر
بهذا الجمال، وفي صيف عام واحد والراصد البعيد يرى في الأمر أثراً
من فضل الله، وفضل الله يؤتيه من يشاء لحكمة لا يدخل تعليلها في
منطق عباده
يرى الراصد البعيد تلك النفس اللطيفة التي أشبلت على مواهب هذا الشاعر وعواطفه شقيقةً وصديقةً وزوجةً، فيذكر أم المؤمنين التي حضنت الرسالة وواست الرسول وناصرت الدعوة. ثم يسمع هذا الشاعر المفجوع يهتف بشهر يونية وبما تفجر فيه على قلبه من ينابيع بعضها يسيل هادئاً باللذة، وبعضها يهدر صاخباً بالألم في ذكر شهر رمضان وما تجمع فيه للإسلام من الذكريات الملهمات من يوم بدر، إلى ليلة القدر. ثم يرى هذا الفيض الشعري الدافق ينبجس فجأة على لسان (المدير) بعد سن الأربعين، فيذكر الفضل الذي آتاه الله سيد البلغاء محمداً رسوله وهو في هذه السن فيفاجأ أمراء القول ببلاغة تشبه الإلهام لأنه لم يعانها ولم يتكلفها ولم يرتض لها ولم يشتهر بها قبل البعثة.
ذلك ما يراه الراصد البعيد وما يذكره. أما الناقد العليم بأسرار القلوب يرى أن زوج هذه النفس اللطيفة كان يقول الشعر منذ ثلاثين سنة. كان يقوله حين خالصها الإخاء وهي قريبة، وحين صافاها المحبة وهي خطيبة، وحين صادقها الوفاء وهي زوجة؛ ولكن شعره في هذا العهد الحبيب الخصيب كان صامتاً لا ينطق به لسان ولا قلم؛ لأن الشعور السعيد كالماء اللجي إذا عمق هدأ ثائر وسكن سطحه. والأليفان إذا لبس كل منهما صاحبه خيل إليهما أنهما الصورة، وكل ما على الأرض من شخص وشيء إطار؛ فالشاعر يشدو بهما، والمغني يغني لهما، والطبيعة الصادحة والباغمة كلها تعبر عن النظرة الساهمة في العين الحالمة، وتفسر اللفظة الهائمة على الشفة الباسمة؛ فما بهما إذن من حاجة إلى كلام يقاس بالتفاعيل ويحد بالقافية.
كان ذلك والعش الوثير الدافئ ناعم في ظلال الأمن، غارق في صفاء النعيم؛ فلما لحظته عيون الغير، وقوضته أيدي شعوب، ارفض صبر الشاعر وهي خلد الزوج فجأر بالشكوى وزفر بالأنين؛ وكان من تلك الزفرات الحارة وهذه الأنات الحائرة مجموعة من الشعر الباكي استوجفت القلوب واستوكفت العيون وإن هش بها الفن وصفق لها الأدب! وهكذا استطاع الحزن أن يحمل شاعرنا على أن ينوح، ولم يستطع السرور أن يحمله على أن يغرد.
ثم ضاق وسُعه عن احتمال أساه، فطفق ينشد العزاء في مآسي الأزواج الذين تساقوا كؤوس الهوى صافية مترعة، ثم سعى بينهم الدهر، وصدع شملهم البين، فمزج دمعه الدامي بدموع قيس وجعفر، وبكى ربعه الموحش في ربوع لبنى والعباسة. فكان شعره الدرامي تعبيراً عن ذاته وتمثيلا لمأساته، وإن تغيرت لأسماء وتباينت الصور واختلفت النتائج.
شعر عزيز باشا الذي سمعناه أو قرأناه شعر عالي الطبقة؛ جرى فيه على سنن الفحول من صاغة القريض، فنضّد اللفظ وجود المغنى وراض القافية، وهي صفات لا تكتسب إلا بسعة الاطلاع وطول المعاناة وقوة المَلكة. وإن له في الديوان الأول قصائد ترفعه إلى المكانة العليا من شعراء العربية. ولكن هذا الشعر كله قد قطَر من فؤاده القريح كما يقطر الدمع من العين أو الدم من الجرح؛ فهو وليد الأسى وربيب الألم. فليت شعري أيعتريه الذُّوِىّ إذا ما التأم جرحه واندمل قلبه وجف ينبوعه، أم يَفْجُر الله له ينابيع أخرى تسقيه وتغذيه فيزكو ويتلون ويتنوع؟ إن الرجل فنان موهوب ما في ذلك شك. وإن فنه الحزين قد استطاع على قرب عهده بالحداد أن يحلق فوق السحائب الجون فيكشف آفاقاً بعيدة ويخلق معاني جديدة. ولعلك تجد في العباسة على الأخص مصداق ذلك، فإن فيها الغزل الرقيق، والفلسفة الراشدة، والسياسة الحكيمة، والنوازع النفسية، وكل ذلك حوار قوى، وتشويق جاذب، وتنسيق عجيب، ومواءمة بين المعنى واللفظ، وملاءمة بين الموضوع والوزن؛ ومثل ذلك لا يتسنى إلا لمن ملك ناصية الشعر وقبض على أزمة البلاغة
لهذا النبوغ الأصيل، وهذا الشعر الفخم الجميل، استحق شاعرنا التكريم. ومن تكريم الله إياه أن كرمه صاحب الجلالة الفاروق بأرفع الرتب في الدولة. ولهذا الإنعام السامي مغزى خطير وأثر كبير في نهضة الأدب وحياة أهله: مغزاه الخطير أنه توجيه ملكي كريم إلى ما ينبغي أن يكون عليه أمر الأدب قدر الأديب في هذا العهد. وهو تنويه بشأن البلاغة العالية في الوقت الذي طاولها فيه الأدب الخسيس فطغت السوقية على الصحافة والعامية على المسرح.
وأثره الكبير أنه تشجيع رفيع لعزيز باشا على أن يجرى إلى أبعد الغايات في شعره، تحقيقاً لرغبة المليك وقياماً بواجب شكره. وهو تشجيع لكل شاعر على أن يجدد ويجيد التماساً لرضا الفاروق حلمي ونصير الأدب.
وفي هذه الإنعام السامي كذلك تكريم للأسرة الأباظية العظيمة على ما أشاعت في الأمة من خصال الفتوة. والفتوة العربية عناصرها أهمها الشجاعة والفصاحة والسماحة والمروءة، وهي الخصال الغالبة على زعماء هذه الأسرة من سلف منهم ومن خلف.
نضر الله بأمثالهم عهد الفاروق، وجدد بأعمالهم مجد مصر!
أحمد حسن الزيات
في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
- 20 -
ج 16 ص 169:
الصبر أولى بوقار الفتى
…
من قلق يهتك ستر الوقار
من لزم الصبر على حالة
…
كان على أيامه بالخيارِ
قلت: الوقارْ، وبالخيارْ
ج19 ص 67، 69:
فلما وقفتَ الخيل ناقعة الصدى
…
على بردي من فوقها الورق النصر
فمن بعد ما أوردتها حومة الوغى
…
وأصدرتها والبيض من علق حمر
علا النهر لما كاثر الغَصَبُ القنا
…
مكاثرة في كل نحر لها نحر
وقد شرقت أجرافه بدم العدى
…
إلى أن جرى العاصي وصحضاحه عُمر
إذا سار نور الدين في عزماته
…
فقولا لليل الفجر قد طلع الفجر
مليك سمت شم المنابر باسمه
…
كما قد زَهت تيها به الأنجم الزهر
قلت: (فإما وقفت الخيل) وجواب الشرط في الثاني:
(فمن بعد) وقد رِبط بالفاء.
(لما كأثر القَصَبَ القنا).
(وضحضاحه غمر) في النهاية: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر غمر، الغمر بفتح الغين وسكون الميم: الكثير أي يغمر من دخله ويغطيه. والضحضاح - كما في التاج -: الماء اليسير يكون الغدير وغيره.
(فقولا لليل الإفك قد طلع الفجر).
(كما زُهِيت تيها به الأنجم الزهر).
الأبيات من قصيدة لمحمد بن نصر المعروف بابن القيسراني في البطل الخالد العظيم الملك العادل (نور الدين) حين أسر (جوسلين) (وكان أسره من أعظم الفتوح على المسلمين، فإنه كان شيطاناً عاتياً من شياطين الإفرنج، شديد العداوة للمسلمين، وكان هو يتقدم على الإفرنج
في حروبهم لما يعلمون من شجاعته وجودة رأيه وشدة عداوته للملة الإسلامية وقسوة قلبه على أهلها وأصيبت النصرانية كافة بأسره، وعظمت المصيبة عليهم بفقده، وخلت بلادهم من حاميها وثغورهم من حافظها. وسهل أمرهم على المسلمين بعده. وكان كثير الغدر والمكر، لا يقف على يمين، ولا يفي بعهد. طالما صالحه نور الدين وهادنه، فإذا أمن جانبه بالعهود والمواثيق نكث وغدر، فلقيه غدره، وحاق به مكره، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. فلما أسر تيسر فتح كثير من بلادهم وقلاعهم. . . وكان نور الدين رحمه الله إذا فتح حصناً لا يرحل عنه حتى يملأه رجالا وذخائر تكفيه عشر سنين خوفاً من نصرة تتجدد للفرنج، فتكون الحصون مستعدة غير محتاجة إلى شيء).
وفي هذه الرائقة الرائية:
فسر واملأ الدنيا ضياء وبهجة
…
فبالأفق الداجي إلى ذي السني فقر
كأني بهذا العزم لا فل حده
…
وأقصاه ب (الأقصى) وقد قضي الأمر
وقد أصبح (البيت المقدس) طاهراً
…
وليس سوى جاري الدماء له طهر
وقد أدت البيض الحداد فروضها
…
فلا عهدة في عنق سيف ولا نذر
وصلت ب (معراج النبي) صوارم
…
مساجدها شَفع وساجدها وتر
ج11 ص46: السيوف القلعية.
وجاء في الشرح: القلعية نسبة إلى القلعة وهي ببلاد الهند ينسب إليها الرصاص والسيوف.
قلت: في القاموس: والقلعة بلد ببلاد الهند، وقيل وإليه ينسب الرصاص والسيوف. وفيه: ومرج القلعة محركة موضع بالبادية إليه تنسب السيوف.
هذا ما ذكره المجد. وقد جاء في الأساس: وسيف قلعي بفتح اللام عتيق نسب إلى معدن بالقلع وهو جبل بالشام، قال أوس:(يعلون بالقلع البْصري هامهم) وهو جمع القلعى كاعرك والعركى والعرب العربي. وجاء في نهاية. سيوفنا قلعية منسوبة إلى القلعة بفتح القاف واللام وهي موضع بالبادية تنسب السيوف إليه. ونقل اللسان ما قالته النهاية. وجاء فيه: وسيف قَلعي. وذكر مرج القلعة ولم ينسب إليه شيئاً. وقال القلْعى الرصّاص الجيد، والقلْع اسم معدن الذي ينسب إلى الرصاص الجيد. ولم يذكر (اللسان) السيوف.
ج17 ص292: قلت: قصة حوَيْصَة ومُحيْصَة. . . قال: فيحلف لكم يهودٌ. قلت: هذه هي
القصة كما رواها الإمام مسلم في جامعه وقد ضبطت فيها الأسماء:
. . . عن سهيل بن أَبي حَثْمَة أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومُحَيِّصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قُتل وطرح في عين أو فقير. فأتى يهودَ فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن ابن سهل فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة: كبّر كبِّر (يريد السن) فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن بدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في ذلك، فكتبوا أنا والله ما قتلناه. فقال رسول الله لحويصة ومحيصة: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا. قال: فتحلف لكم يهودُ. قالوا: ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله من عنده، فبعث إليهم رسول الله مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. . .).
وقال في يهود، وهو من أبيات (الكتاب).
أولئك أولى من يهودَ بمدحة
…
إذا أنت يوماً قلتَها لم تُؤنبِ
ويهود مثل مجوس قال وهو من أبيات (الكتاب):
أحار، أريك برقا هب وهنا
…
كنار مجوس تستعر استعارا
بل لمجوس ما ليس ليهود. قال الشنتمري في هذا البيت: الشاهد فيه ترك صرف مجوس حملا على معنى القبيلة وهو الغالب عليها في كلامهم، وصرفها على معنى الحي جائز وليس بالكثير. وقال في البيت الأول، الشاهد في جعل يهود اسما علماً، والقول فيه كالقول في مجوس إلا أن الزيادة في أوله تمنعه من الصرف أن جعل اسماً للحي.
ومن أبيات (اللسان):
فرت يهود وأسلمت جيرانها
…
صَمّى لما فعلت يهود صمامِ
وفي بيتي (الشيخ) المشهورين: (ويهود حارت، والمجوس مضللة).
ج5 ص33: وله (لأحمد بن محمد السهيلي) أشعار، منها في شعاع القمر على الماء:
كأنما البدر فوق الماء مطلعاً
…
ونحن بالشط في لهو وفي طرب
مَلك رآنا فأهوى للعبور فلم
…
يقدر فمد له جسر من الذهب
قلت: ملك بالتسكين للوزن. المخصص ج2 ص 133: (ملِك ومالك ومليك وملْك والجمع أملاك وملاك وملوك وملكاء، والأملوك جماعة الملوك كالأمعوز) وفي الصحاح: (وملك وملك مثل فخذ وفخذ كأن الملك مخفف من ملك، والملك مقصور على مالك).
ج16 ص264: حدثني من أثق به أن الحريري لما صنع المقامة الحرامية وتعاني الكتابة فأتقنها وخالط الكتاب أُصعد إلى بغداد، فدخل يوماً إلى ديوان السلطان وهو منغص بذوي الفضل والبلاغة، محتفل بأهل الكفاية والبراعة. وقد بلغهم ورود ابن الحريري إلا أنهم لم يعرفوا فضله. ولا أشهر بينهم بلاغته ونبله، فقال له بعض الكتاب: أي شيء تعاني من صناعة الكتابة حتى نباحثك فيه، فأخذ بيده قلما وقال: كل ما يتعلق بهذا وأشار إلى القلم، فقيل له: هذه دعوى عظيمة. فقال: امتحنوا تخبروا. . .
وجاء في الشرح: وتعاني الكتابة: قاساها وعالجها وتناولها. وهو منغص الضمير للديوان أي ممتلئ بهد ضيق عليهم.
قلت: (وعانى الكتابة)(أي شيء تعاني منه صناعة الكتابة) و (معاناة الشيء ملابسته ومباشرته) كما قال اللسان. ولم أجد في كلام أو معجم نعرفه (تعاني يتعانى تعانيا) واليقين أن التعاني في قول أبي الطيب في طبعة (شرح العكبري)
ج2 ص 436:
ومراد النفوس أصغر من أن
…
نتعادى فيه وأن نتعانى
هو تصحيف أو تطبيع. واللفظة هي (نتفانى) في (ديوان أبي الطيب) في النسخة الفائقة التي حققها العلامة الدكتور عبد الوهاب عزام. وفي (ديوان المتنبي) الذي نشره الشيخ عبد الرحمن البرقوفي رحمه الله ورجع فيه إلى شروح كثيرة.
و (أشهر) يقول فيها المصباح: (وأما أشهرته بالألف بمعنى شهرته فغير منقول) والذي نقلوه هو شهره شهراً وشهره تشهيراً واشتهر وهذا لازم ومتعد.
و (منغص) هي (مغتص). في التاج: ومنزل غاص بالقوم أي ممتلئ يقال: الإنس في المجلس الغاص لا في المحفل الخاص واغتص المجلس بأهله كغص.
قلت: أوقن أن صاحب التاج لم يرو (الإنس الخ) بل روى: (الأنس في المجلس الخاص لا
في المحفل الغاص) والوارد في الطبعة هو أنس الدهماء والغوغاء لا أنس صاحب التاج ولا أنس العلماء والعظماء والفضلاء.
ج16 ص 37:. . . فاعتمدت على القول مجملا لا مفصلا وضربة لا مبوباً فأقول. وجاء في شرح ضربة: يريد خلطا من ضرب الشيء بالشيء كضربه بالتشديد خلطه.
قلت: قوله ضربة لا مبوباً مثل قوله مجملاً لا مفصلاً. في المصباح: وأخذته ضربة واحدة أي دفعة. وفي التاج: والدفعة بالفتح المرة الواحدة. وفي الأساس. وأعطاه ألفا دفعة أي بمرة.
ج16 ص 79: ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك ورداءة داخلتك وسوء اختيارك.
قلت: في الأساس: وإنه لخبيث الدِّخلة وعفيف الدخلة وهي باطن أمره، وأنا عالم بدخلة أمرك.
ج17 ص113:. . فرأى الرسول لي علماناً روَقة وفرشاً جميلا.
قلت: في الأساس: هؤلاء شباب روقة جمع رائق كفأره وفُرهة، وفي اللسان والتاج: والروقة الجميل جداً من الناس وكذلك الاثنان والجميع والتأنيث وقد يجمع على ورق. وفي المقامات الحريرية: فلما انتهيت إلى ظل الخيمة رأيت غلمة روقة، وشارة مرموقة.
ج14 ص148: أبو علي بن مقلة: كنت أحقد ابن بسّام لهجائه إياي
قلت: في القاموس: حقد عليه كضرب، وفرح أمسك عداوته في قلبه وتربص لفرصتها. وفي الأساس: رئيس القوم محسود أو حاسد، ومحقود أو حاقد.
ج19 ص227: ابن قَلاقِس:
سدّدوها من القدود رماحاً: وانتضوها من الجفون صفاحاً
يا لها حلَّةٌ من السقم حالت
…
واستحالت ولا كفاها كفاحا
صح إذ أذرت العيون دماء
…
أنهم أثخنوا القلوب جراحا
وجاء في الشرح: في الديوان يا لها حالة من السلم.
قلت: حالة ومن السقم الرواية الصحيحة وربما كانت حالة حلية والحلية الخلقة والصورة. وحالة ابن قلاقس من الجهة النحوية مثل ليل المتنبي في قوله:
فيا لك ليلا على أعكُش
…
أحمّ البلاد خفيّ الصوى
قال ابن مالك: (وبعد كل ما اقتضى تعجباً ميّزْ) فخطة تمييز في الدالية المتنبية:
ويلُمهَّا خطْة ويْلُمّ قابلها!!!
على هامش النقد
خان الخليلي
(قصة مصرية)
تأليف الأستاذ نجيب محفوظ
للأستاذ سيد قطب
هذه هي القصة الثالثة للمؤلف الشاب، سبقتها قصة (رادويس) وقصة (كفاح طيبة) وكلتاهما قصتان معجبتان مستلهمتان من التاريخ المصري القديم.
ولكن هذه القصة الثالثة هي التي تستحق أن تفرد لها صفحة خاصة في سجل الأدب المصري الحديث، فهي منتزعة من صميم البيئة المصرية في العصر الحاضر؛ وهي ترسم في صدق ودقة. وفي بساطة وعمق، صورة حية لفترة من فترات التاريخ المعاصر، فترة الحرب الأخيرة، بغاراتها ومخاوفها، وبأفكارها وملابساتها؛ ولا ينقص من دقة هذه الصورة وعمقها أنها جاءت في القصة إطاراً لحوادثها الرئيسية، وبيئة عاشت القصة فيها. ولكن هذا كله ليس هو الذي يقتضي الناقد أن يفرد لهذه القصة صفحة متميزة في كتاب الأدب المصري الحديث. . .
إنما تستحق هذه الصفحة، لأنها تسجل خطوة حاسمة في طريقنا إلى أدب قومي واضح السمات متميز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية - مع انتفاعه بها - نستطيع أن نقدمه - مع قوميته الخاصة - على المائدة العالمية، فلا يندغم فيها، ولا يفقد طابعه الإنساني العام، ويساير نظائر في الأدب الأخرى.
وهذه الظاهرة حديثة العهد في الأدب المصري المعاصر لم تبرز وتتضح إلا في أعمال قليلة من بين الكثرة الغالبة لأعمال الأدباء المصريين. وهي في هذه القصة أشد بروزاً واكثر وضوحاً فمن واجب النقد إذن أن يسجل هذه الخطوة ويزكيها.
وبعد، فقد كنت أود أن أضع أمام القارئ ملخصاً للقصة يعينه على تتبع السمات الفنية فيها، ويشركه معي في تحليل هذه السمات. ولكن القصة بالذات من الأعمال الفنية التي لا سبيل إلى تلخيصها، وحين تلخص تبدو هيكلا عظيماً خالياً من الملامح والقسمات التي تحدد
الشخصية، وتبرز مواضع الجمال والقبح فيها. . . فلا مفر من إذن من الحديث العام عن القصة دون الدخول في التفصيلات إلا بمقدار.
ليس في القصة كلها صخب ولا بريق. . إنها خلو من الالتماعات الذهنية والأفكار الكبيرة. وليس فيها (لافتة) واحدة من اللافتات التي تستوقف النظر. ومحيطها ذاته محيط عادي. وأحداثها وحوادثها مما يقع كل يوم في أوساطنا المصرية العادية. اللهم إلا تلك الغارات الجوية التي روعت بعض المدن في زمن الحرب والتي روعت أسرة (أحمد أفندي عاكف) فأزعجتها عن حي السكاكيني الذي استوطنته زمناً طويلا، إلى الحي الحسيني وخان الخليلي، لتكون في منجاة من الغارات، في حمى ابن بنت رسول الله!
ولقد كان (أحمد عاكف) وهو يحمل عبء الأسرة بمرتبه الصغير، إذ هو موظف بالبكالوريوس في قلم المحفوظات بوزارة الأشغال، كان قد أغلق وطوى أحلامه. . . لم يفكر في الزواج ولم يعد يطمح إلى الحب، أو إلى الشهادة العالية. لقد وقفت أمامه العراقيل العائلية والمادية والعلمية، فانطوى على نفسه واستراح إلى اليأس بعد الفشل المكرور؛ وقد ترك هذا الفشل في نفسه مرارة لا تمحى، ولون شخصيته تلويناً معيناً، ودس فيها عيوباً شتى. ولكنه وقد عجز عن الطموح جعل العزوف عن المطامح سلوته، والترفع عن الوسط طابعه وآوى إلى مكتبته وكتبه، وهي مثله تمثل جيلا مضى، وتعرض مباحث قديمة لا صلة بالحاضر وما فيه، فزاده هذا بعداً عن الجيل، وإيغالاً في التاريخ!
وحينما انتهى من تعليم أخيه الصغير تعليما عالياً كان قد ناهز الأربعين. كان قد شاخ، فأحسن أن الأوان قد فات، وسار في طريقه يقطع الحياة كالأجير المسخر، والتخوف والمحذر من كل خطوة إيجابية، فهو يعيش في داخل نفسه عاجزاً عن تحقيق تصوراته وتجسيم خيالاته.
ولكن القدر الساخر لا يدع الناس يستريحون - ولو راحة اليأس المريرة - إنه يطلع على هذا الكهل - كما يسميه المؤلف - بوجه جميل يلوح له في النافذة المقابلة. إنه وجه فتاة صغيرة لا تزال طالبة بالمدرسة. وإنها تصلح أن تكون ابنته. . . ولكن هذا الوجه يبسم له، فيثير في نفسه كوامن المشاعر النائمة، على حين يدركه حذره وتردده، وخجله من فارق السن السحيق.
وتمضي الأيام في شغل معقد مقيم بهذا الحادث الجديد الذي يهز كيانه الضعيف هزاً عنيفاً متواصلاً بين الإقدام والإحجام ويبدع المؤلف في تصوير شتى النوازع والاتجاهات في هذه النفس المعقد. وفي نفس الفتاة الصغير تلك الأنثى المهيأة لحياة البنت والزواج.
وفي اللحظة التي يكاد يقدم فيها على الخطوة الحاسمة في حياته وقد تندى قلبه الجاف، وترعرعت البذور المطمورة في أعماقه تحت أكداس اليأس والفشل والتردد. . . في هذه اللحظة الحاسمة يسخر القدر سخريته العابثة فيطلع له في الميدان منافساً قويا لا يملك منافسته، بل لا يملك حتى أن يشفي نفسه منه بالحقد عليه! إنه أخوه وربيبه (رشدي عاكف). لقد نقل في هذا الوقت من فرع بنك مصر في أسيوط إلى المركز الرئيسي بالقاهرة. وإنه لا يعلم من أمر أخيه الكبير شيئاً وإنه شاب جسور مغامر بل مستهتر، حاد العاطفة لا يعرف التردد ولا الحذر. . . وإنه الوجه المقابل لصورة أخيه.
وفي اليوم الأول يلمح الوجه الجميل فيستهويه. عندئذ يسلك إلى قلب الفتاة طريقه المباشر في غير ما حذر ولا تردد، ويقطع الطريق الطويل الذي أنفق ويصبح أخوه في قطعه أشهراً. . . في يوم أو يومين. فيتصل ويصبح حبيباً ومحبوباً، وفرداً من أسرة الفتاة. . .! وأخوه يتطلع إلى هذا الانقلاب في دهشة بالغة وفي ألم كسير وفي يأس مرير، وفي إعجاب كذلك بأخيه الجسور!!!!
ويقضي الشاب مع فتاته أويقات حلوة، يسكران فيها بكأس الحب الروية، ويقطفان معا أجمل زهرات الحب الجميلة. . . وذلك ريثما يضرب القدر ضربته الأخيرة، فيمرض الشاب المغامر بالسل نتيجة لإفراطه بالشراب والسهر والمقامرة مع رفاق حي السكاكيني. ولكنه يمضي في استهتاره ثقة بشبابه، وخشية أن يعلم الناس بمرضه، وأن تعلم من الناس خاصة هذه الفتاة!
وفي اللحظة التي يلمس الحب الحقيقي قلبه العابث، فيملؤه جدا، ويتوجه إلى اتخاذ خطوة عملية حاسمة تكون الأقدار، قد ضربت ضربتها الأخيرة فيستشري الداء في الصدر المسلول، ويذهب الشاب بعد ليلات مريرة من الضنى والعذاب، وبعد أن تبين أن فتاته الحبيبة تخشى منه العدوى فلا تراه!
ثم تغادر الأسرة الحي في النهاية. . . تغادره وقد فقدت الشاب الصبوح الفتى الجريء. وقد
انطوى قلب عاكف على جرح جديد بل على جرحين في جرح. والأقدار تسخر سخريتها الدائبة. ودورة الفلك تمضي إلى مداها. كأن لم يكن قط جرح ولا جريح!!!
حياة هذه الأسرة وجروحها وإحداثها وأحاديثها هي محور القصة، وقد أدار المؤلف حول هذا المحور حياة أهل القاهرة في هذه الفترة من فترات الهول أيام الغارات، فعرض منها لوحات بسيطة صادقة تشبه في بساطتها وصدقها فطرة هذا الشعب الطيب الفكه المؤمن المستسلم للقدر، والمتأثر بشتى الخرافات والدعايات ومن بين الصور التي عرضها صورة مقاهي خان الخليلي وغزه) أيضاً. وقد حوت أشكالاً وشخصيات لم تكن لتجتمع إلا في مثل هذا الحي الغريب حقاً؛ كما رسم الصورة مقاهي السكاكيني و (شلل) الشبان فيه! وسجل أطوار المقامرين ومجالسهم رسماً قوياً في جو من الجد والدعاية!
ولقد كان هذا الإطار من مكملات الصورة الأصلية كما كانت الريشة في يد المؤلف هادئة وئيدة، فوفق في إبراز الملامح والقسمات الجزئية، وساير الحياة مسايرة طبيعية بسيطة عميقة، منتفعاً إلى جانب مهارته الفنية بمباحث التحليل النفسي، ودون أن يطغي تأثره بها على حاسته الفنية الأصلية. وعاشت في القصة عدة شخصيات من خلق المؤلف لا تقل أصالة عن نظائرها في الحياة!
ولكن ليست المهارة الفنية في التسلسل القصصي، والبراعة الصادقة في رسم الشخصيات، والدقة التامة في تتبع الانفعالات. . . ليست هذه السمات وحدها هي التي تعطي القصة كل قيمتها. . . إن هناك عنصراً آخر هو الذي يخرج بالقصة من محيطها الضيق، محيط شخصياتها المعدودة، وحوادثها المحدودة في فترة من فترات الزمان، إلى محيط الإنسانية الواسع، ويصلها هناك بدورة الفلك وحلبة الأبد. . .
إنك لتقرأ القصة ثم تطويها، لتفتح قصة الإنسانية الكبرى. . . قصة الإنسانية الضعيفة في قبضة القدر الجبار. قصة السخرية الدائبة التي تتناول الأقدار تلك الإنسانية المسكينة.
هذه أسرة تفر من هول الغارات وخطر الموت من حي إلى حي. فما تغادر هذا الحي الآمن! إلا وقد أصابها الموت في أنضر زهرة وأقوم عود!
وهذا رجل شاخ قلبه، وانطوى على نفسه، وآوى إلى يأس مرير ولكنه هادئ ساكن. فما يلبث القدر أن يثير في قلبه إعصاراً على غير أوان، ويزيح الركام عن البذور المطمورة
في قلبه الهرم، ليعود فجأة فيقصف الأعواد التي تنبت في بطئ وحذر يقصفها في قسوة عابثة، وبيد أحب الناس إليه: شقيقه وربيبه! ولو قد أمهله بضعة أيام لانتهى إلى الواحة الممرعة بعد طول الجدب في الصحراء. ولو قد تقدم به أياما لأعفاه من إضافة تجربة فاشلة إلى تجاربه المريرة!
وهذا شاب مستهتر عابث، ما يكاد الحب يقومه، ويعبث فيه الجد والمبالاة حتى يخطفه الموت، الذي لم يخطفه أيام العبث والاستهتار!
والأرض تدور، الزمن يمضي، والناس يقطعون الطريق المجهول كأن لم يكن شيء مما كان: رفاق الشاب في قوتهم يقامرون ويعربدون، وأصحاب الرجل في (غرزتهم) يدخنون أو في قهوتهم يتندرون. والقدر الساخر من وراء الجميع لا يبدو عليه حتى مظهر الجد في سخريته المريرة. والمؤلف نفسه لا يكاد يلتفت إلى الدائرة الوسيعة التي تنتهي إليها قصته لأنه يلقى انتباهه كله إلى إدارة الحوادث ورسم الشخصيات!!!
ولعل من الحق حين أتحدث عن قصة (خان الخليلي) أن أقول: إنها لم تنبت فجأة، فقد سبقتها قصة مماثلة، تصور حياة أسرة وتجعل حياة المجتمع في فترة حرب إطار للصورة. . . تلك هي قصة (عودة الروح) لتوفيق الحكيم.
ولكن من الحق أيضاً أن أقرر أن الملامح المصرية الخالصة في (خان الخليلي) أوضح وأقوى، ففي (عودة الروح) ظلال فرنسية شتى. وألمع ما في عودة الروح هو الإلتماعات الذهنية والقضايا الفكرية بجانب استعراضاتها الواقعية؛ أما (خان الخليلي)؛ فأفضل ما فيها هو بساطة الحياة، وواقعية العرض، ودقة التحليل.
وقد نجت (خان الخليلي) من الاستطرادات الطويلة في: (عودة الروح). فكل نقط الدائرة فيها مشدودة برباط وثيق إلى محورها.
وكل رجائي ألا تكون هذه الكلمات مثيرة لغرور المؤلف الشاب، فما يزال أمامه الكثير لتركيز شخصيته والاهتداء إلى خصائصه، واتخاذ أسلوب فني معين توسم به أعماله، وطابع ذاتي خاص تعرف به طريقته، وفلسفته حياة ذلك تؤثر في اتجاهه.
وبعض هذه الخصائص قد أخذ في البروز والوضوح في قصصه السابقة وفي هذه القصة؛ وهي الدقة والصبر في رسم الخوالج والمشاعر وتسجيل الانفعالات المتوالية، والبساطة
والوضوح في رسم صورة لحياة أبطاله.
والبقية تأتي إن شاء الله!
سيد قطب
العقل المؤمن! أو الدين من طريق الفكر
2 -
المستقر العقلي لعقيدة التوحيد
(شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم. . .)
للأستاذ عبد المنعم خلاف
شغلني شاغل الموت! موت أمي، تغمدها الله برحمته، عن الرد على مقال الصديق الأستاذ سيد قطب المنشور بالعدد 645 من (الرسالة)، وقد أعاد به الحديث في قضيتي (العقيدة والتصوير الفني في القرآن)، بعد أنقطع الجدل بيننا قرابة ثلاثة أشهر بسبب مرضه عافاه الله.
وكتب الأخ الأستاذ علي الطنطاوي في العدد 648 منتصراً لرأي الأستاذ سيد وأسند العقيدة للقلب لا للعقل، فلم يكن لي بد أن أعجل بالرد على الصديقين، برغم ضيق النفس والظروف بشواغل الموت والحزن، وأن أتحدث إليهما في هذا الشأن الخطير في عصر الظمأ الروحي والبحث عن ينابيع لشفاء النفوس من غليله.
وقبل البدء أود أن أنبهما - كما نبهت سابقاً - إلى أن حديثي في عقيدة (التوحيد) بوجه خاص، وليس في غيرها من شعب العقيدة الدينية. وقد رأيت أن القرآن جادل عنها وأثبتها بضروب الأدلة العقلية التي يكون الفكر فيها هو الأداة الأصلية وطالب مخالفيه بالبرهان. وأما الأستاذ سيد فيرى أن القرآن أثبتها عن طريق الوجدان بلا جدل ذهني، فيأخذ المؤمن ما أتى به في إجمال ويستريح بدون مناقشة بدون مناقشة على طريقة الذهن المعهود، ولم يفرق الأستاذ بين (التوحيد) وغيره من عقائد الإسلام في طرق دخولها إلى النفس، وقال إن العقيدة تثبت بأطرافها، وأنها أكبر من الذهن، ولا بد فيها من المجهول، وإلا استحالت رأياً.
وأنا لم أجاد له في العقيدة على إطلاقها في الإسلام ولا في الأديان الأخرى، وإنما جادلته ولا أزال في العقيدة (وحدانية الله)، وطريقة القرآن الذي يعتمد في إثباتها على المعلوم وحده وينأى عن (المجهول)، لأنها أساس الدين، فلا يصح أن يكون الأساس غير واضح وضوحاً يحمل العقل على الشهادة:(بأشد أن لا إله إلا الله).
والآن، أحاول مرة أخرى أن أبين أن القضية كما ورد بها القرآن ليست قضية تعتمد على
(المجهول) والرهبة منه والتوهم فيه، وإنما تعتمد على (المعلوم) الثابت بالحس والبداهة والمحاكمة الفكرية بجميع قوى الفكر من الاستقراء والتذكر والتدبر والتمييز والضبط والحكم.
وليست كذلك تعتمد في مبدئها على (السماع) بطريق (الوحي) من عالم آخر، وإنما تعتمد على الإدراك بالقوى الفكرية الطبيعية في كل فرد صحيح التفكير، عالم بالكون، سليم الطبع، موزون القوى، وعلى التفاعل الفكري بينه وبين هذا الكون الكبير العظيم ذي الطلعة الأخاذة الجبارة، والقوى الموزونة الدقيقة المتناسقة المنسجمة، ثم ينزل الوحي الإلهي مما وراء الطبيعة فيؤيدها ويذكر بها، ويبين ما يلتبس على العامة فيها.
وليست كذلك تعتمد على الجانب (المائع) المتموج المتقلب في الطبع الإنساني، وهو جانب الانفعال الوجداني بالإثارات الفنية والأجواء الغامضة المسحورة، والشاطحات والخطافات، وجنون الأرواح بالأسرار، وانسلاخ القوى، وتجسيم الخيال، والاستغراق والهيام في أودية التهاويل والرموز، وغير أولئك مما تعتمد عليه الوثنيات التي لا ترى الكون ورب الكون بذلك لا الوضوح الذي يراهما به الفكر المسلم العالم، وإنما تراهما مبهمين مختلطين غير منفصلين، فلا يستقيم لها منطق إنساني ولا منطق إلهي، وإنما تلتبس عليها وجوه الكون وتختلط وتتداخل، فلا ترى الطريق القصير المستقيم إلى الله الواحد لتشهد به شهادة إثبات يقين جازم يقظ مستنير راسخ في إصرار لا يتزعزع ولا يرتد، وإنما يأخذها وجدانها إلى التقليد المبهم، حيث الإثارات الفنية والأضواء والإصدار ونداءات المجهول الهائل الغامض المخيف، فتن بض قلوبها ولو في بيوت الأوثان، وذلك النبض الذي يخلع على الأصنام الأوهام والتخييل، فترقص أشباحها في عيون عبديها، وتنطق أصواتها في قلوبهم، ويحبونها كحب الله إن كانوا يعترفون به معها، أو يخصونها بالعبادة دونه، ويحيطونها بفلسفات ومخرقات وكهانات، ويتحرك لها وجدانهم، ويشعرون نحوها بتبتل ورهبة، ويؤثرونها على الله، ويزعمون أنها الحق، والوحدانية فرية واختلاف وعجب من العجب. . . (أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب!)؛ (إن هذا إلا اختلاق)؛ (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)؛ (وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون)، (ويجعلون لله ما يكرهون)؛ (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل
إلى شركائهم)، بل يصل بهم الحال أن يقاتلوا في سبيلها فيَقْتَلوا ويُقْتَلوا وهم يقولون لصنمهم الأكبر (أعْلُ هُبَل!).
فلو كان (الوجدان) هو مناط الإيمان وطريقة بدون محاكمة عقلية واعتماد على استقرار حقائق الكون في سبيل الاهتداء إلى التوحيد والإلهية، فما هو إذاً الفرق بين وجدان الوثني ووجدان الموحد، وبين إيمان هذا بالله، وإيمان ذاك بآلهته وأصنامه؟ إن الوثني مؤمن بآلهته بحرارة وجدانية، ويقاتل عنها بإخلاص، والموحد كذلك مؤمن بالله ويقاتل في سبيله. فأيهما على حق، وأيهما على باطل، وإذا كان الاتجاه في الإيمان إلى (المجهول) وإذا لم يكن التحاكم العقلي الاستقرائي إلى الكون هو الميزان والفيصل؟ وما هي أدوات ذلك التحاكم العقلي غير القوى التي يوجب القرآن وعلم النفس الحديث استعمالها كالاستقراء أو الاستعراض والاستنباط والتذكر والتدبر والتفكير والتمييز والحكم؟ تلك القوى الهادئة الفاصلة المضيئة التي تضئ للروح طريقها إلى الحق؟
وهل بأحد حاجة إلى أن أنبهه إلى أن كثيراً جداً من آيات القرآن تحض على التذكر والتدبر والتفكر والاستقراء والفهم التمييز واستعمال الحكم؟ وهل يحض القران على الهدى إلا وهي أسلحته وموازينه؟ وهل يسكن قلب امرئ ممن يعتد بهم ووجدانه عقيدة أساسية إلا بعد أن تمر على عقله ويقتنع ويقتنع بها؟ إن أصحاب محمد حينما تركوا عقائدهم وعقائد آبائهم الوثنية واتبعوا الوحدانية معه، وتحملوا من أجل الإيمان بالله وحده ألواناً قاسية من الاضطهاد والعذاب، ولم يكونوا أطفالاً، وإنما كانوا مفكرين ارتضوا الوحدانية على الوثنية بعد أن أيقظ قوى أفكارهم موقظهم العظيم، فوازنوا بين الدينين، وحكموا واختاروا وتحملوا التبعات.
ثم ما هي حجة الله في مؤاخذة المشرك حين قال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ما دام ذلك المشرك يجد في قلبه وعواطفه وهواه ميلاً لعبادة الشركاء والأصنام تماماً، كما يجد الموحد هواه وعواطفه في عبادة الله؟
وكيف يهدد الله محمداً رسوله بإحباط عمله وتعذيبه لو فتن ومال في قوله: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لَيحْبَطنَّ عملك ولتكونن من الخاسرين)؛ وفي قوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً. إذاً لأذقناكِ ضِعف الحياة وضِعف الممات، ثم لا
تجد لك علينا وكيلاً)؛ أليس ذلك لأن الموقف الفكري هنا في عقيدة التوحيد موقف واضح حاد صارم! لا يحتمل الشبهة ولا الميل يسرة أو يمنة، لأنه إزاء قضية الكون كله وأعظم شئونه؟
فهو حقيق أن يقول القرآن فيه: (ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق!)
يا للإهدار والإهوان والتحقير والتضييع والتحطيم! الغضب الملك الحليم الجبار الرحيم على من لم ير تفرده بعرشه العظيم!
فهل كانت هذه الغضبة الإلهية إلا لأن المشرك ضيع الميزان الدقيق الهادئ الحر الذي وضعه الله بين قوى فكره، ولأنه سار وراء الانفعالات التي لا تستند إلى نقط ارتكاز واضحة؟
وقد قلت في مقال سابق: إن كان الأستاذ سيد يريد من الوجدان تلك القوة التي تعتمد على البداهة والحقائق الخالدة والإدراك الكلي ومدركات الحس، فهو بعينه القوة التي يطلق عليها القرآن العقل والفكر. والخلاف حينئذ يكون بيننا على الاسم، والأولى أن نستعمل ما استعمله القرآن، وأن نعدل في هذا المقام عن التفريق بين المنطقين، وعن استعمال (الوجدان) الذي قد خصصته الاستعمالات الحديثة بمنطقة الانفعالات للإثارات الفنية كالموسيقى والخطابيات والشعر والمشاهد الرائعة والأصداء والأضواء والنسمات الشذية وغيرها مما يثير عالم القلوب تلك الثورات المهمة الطليقة. وإن كان يريد به ما يسمى الآن (الضمير)، وهو تلك الاستجابة الطبيعية للجمال والخير بدون تعليل، والنفرة من الشر والقبح بدون تعليل كذلك إلا لأن الطبع هكذا، فذلك ليس حديثه هنا وإنما في مجال الأخلاق والسلوك. ونحن هنا إزاء قضية التوحيد تلك القضية الفكرية التي تأتي في مرتبة تالية بعد إثبات وجود الخالق المدبر بالبداهة والفطرة التي من طبيعتها أنها لا ترى حدوث كائن ما بدون سبب، ثم يتساءل الفكر: هل هذا الخالق المدبر متعدد أو متوحد؟ ثم يصل إلى (التوحيد) ويوقن به بعد الاستقراء والتتبع (لمعلومات) الكون وإدراك ما فيه من وحدة التصرف وتوازن القوى المادية العارمة المجنونة العمياء والالتئام والتناسق الدائم بينها (فارجع البصر هل ترى من فطور؟)؛ (أعطى كل شئ خلقه ثم هدى).
ويستلزم الأمر أيضاً أدوات من المعرفة بطبائع التعدد في الأيدي المتصرفة، وبالتجارب الأزلية النفسية والاجتماعية بين الأمثال والأشباه من الرؤساء، وباستعراض مقالات الأديان الوثنية والمعددة للآلهة وما حولها من الأساطير وأحاديث الصغارات والطفولات في الحلوم والتصرفات، والمعارك الدائمة بين آلهة الخير وآلهة الشر، وتفاوت القوى والمواهب بينهم جميعاً، وانتهاء آفاقهم جميعاً إلى أكبرهم يخضعون له ويستمدون منه ولا يستطيعون منه مهرباً، كما كان الحال مع آلهة اليونان والرومان، إذ ينتهون إلى (ذيوس) و (جوبتير)؛ وكما قال القرآن بتلك الحجة العقلية الدامغة:(قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا)؛ (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذاً لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض).
إن (الوجدان) بمعناه الاصطلاحي الذي شرحناه لا يفصل في هذا المعترك الزاخر، لأنه منطقة التبتل والخشوع والاستسلام للآله الواحد أو الآلهة المتعددة بعد انتهاء المعارك الفكرية حولها.
وهو يعمر قلوب جميع المتدينين موحدين ومعددين ووثنيين، فكلهم يبكون ويخشعون في معابدهم وفي حالات هيامهم الروحي. هؤلاء يتوجهون لمعبود اتهم المتعددة، وأولئك لمعبدهم الواحد. . . فما الذي يجعل القرآن يقول عن المؤمنين بالله:(أولئك حزب الله)، وعن الآخرين:(أولئك حزب الشيطان)، لولا أن منطقة العقل الوزان هي المحكمة وهي المسئولة؟
إنني قلت: إن جدل القرآن في مسألة التوحيد جدل عقلي إثباتي بالبراهين الاستقرائية والتطبيقية والعملية والتاريخية، فساق براهينه وطالب مخاليفه بمثلها:(قل هاتوا برهانكم)؛ (هل عندكم من علم فتخرجوه لنا)؛ (قل رأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك في السماوات، أتوني بكتاب من قبل هذا، أو إثارة من علم).
وقد بينت ما تنطوي عليه آيات التوحيد في سورة الأنبياء من ضروب الأدلة العقلية جميعها بما لا يدع مجالا للشك في أن القرآن جادل عن التوحيد خاصة جدلا ذهنياً عقلياً، ولكن بأسلوبه الأدبي الفردي المتفرد الذي يحرك الوجدان أيضاً بجماله بجانب الحركة العقلية بحججه. ولكن الأستاذ سيد يقول: إنه لا يزال عند رأيه في أن هذه الآيات ساقها القرآن
مجملة يأخذ منها المؤمن ما يأخذ بدون مناقشة، لأنها لا تحتمل المناقشة الذهنية على طريقة الذهن المعروفة.
ويكرر الأستاذ اعتراضه بقوله: ما بال كثرة المؤمنين من الجماهير تؤمن بدون حاجة إلى من يفلسف لها العقيدة لو كان الأمر في العقيدة يحتاج إلى التفكير الذهني. أو لا يعلم الأستاذ أن الجماهير تسير وراء تقاليد بيئتها بدون تفكير في أغلب الشئون؟ فإن كانت البيئة وثنية، فهي معها، وإن كانت موحدة، فهي معها، فلا يعتد القرآن بها، ولا يحتج بسلوكها وشهادتها، وإنما بشهادة أولي العلم:(شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم)؛ (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)؛ (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).
وقد نبهت في مناسبات شتى إلى ما في القرآن من تفرد بأنه يقف العقل البشري عند حدوده، ولم يكلفه أن يسبح في غير عالمه، ولم يتحدث عن (الله) إلا للتعريف بصفاته وصنعه في الطبيعة التي هي مدرسة العقل ومدرجه وأداة تكوينه ومآخذ أحكامه. ولم يعبر عنه إلا بـ (الذي) خلق، (الذي) رفع السماوات (الذي) له ما في السماوات وما في الأرض. . . هكذا بالاسم الموصول المبهم بنفسه الموضَّح بصلته، وصلته دائماً من (معلومات) الفكر و (بداهاته) و (مدركاته) الحسية والمعنوية. . .
ولم يتحدث عن كنه الله إلا مرة واحدة على سبيل التمثيل، وهي (الله نور السموات والأرض)، ولكنه ليس تحديداً لكُنْه الذات العليا، ولكنه تقريب وتمثيل:(مثل نوره كمشكاة فيها مصباح. المصباح في زجاجة. الزجاجة كأنها كوكب دري)؛ فالنفس تأخذ من هذا التمثيل أن الله هدى وجمال ولطف وإشراق غير محدود.
ووصف القرآن وصف منتزع من الطبيعة: كتاب الله الصامت، فما أثبته كلام الله الناطق له هو بعينه ما أثبتته الطبيعة كتابه الصامت، فلو لم يكن القرآن كتاب دين موحى به، لكان كتاب مذهب عقلي يصف (الذي) خلق هذا الكون بعد أن استقرأ أعمال يده وعلمه وقدرته في كل كائن من كائناتها.
فهو (الخالق البارئ المصور): لأن أعمال الخلق والبَرْء والتصوير في الطبيعة تشهد بذلك؛ وهو (الرحمن الرحيم): لأن يده دائماً مع الضعف والعجز بين جبروت المواد والقوىْ العمياء، حامية حافظة لطيفة رقيقة؛ وهو (الملك): لأننا لم نجد لغيره شركاً في السموات
والأرض، ولا قطميراً ولا نقيراً. . . وهو (القدوس): لأنه الكمال المطلق والوجود الكامل المنزه، الذي يجده العقل وراء ما يراه في الكون من نقص؛ وهو (السلام): لأنه لم يجعل العالم جحيما ودماراً والاماص وقلقلة واضطراباً وصداماً لا يسمح باستقرار الحياة، ولا باستقرار نظام الأجرام السماوية والأوضاع الأرضية، وهو أمان الخائف اللائذ الهارب من الشرور والقبح والآثام. وهو (المؤمن): لأنه مُصِرُ ثابت على اتجاهه بالكون إلى غايات واحدة أزلية هو أعلم بها، لم يجعل الشر خيراً، ولا الخير شراً، ولم يقلب موازينهما، فالحياة والجمال والخير والرحمة والعلم من حقائق الكون العليا الخالدة، وسننه التي لن تجد لها تبديلا ولا تحويلا، فالله مؤمن بها؛ وهو (المنعم): لأن ما فاض منه على الكون من بدئه للآن من فيوض النعم المتوالية والجمال والخير شيء عظيم! وهو (شهيد حفيظ): لأنه مع كل صغيرة وكبيرة في الكون لا يضل ولا ينسى؛ وهو (جبار قهار): لأنه يسوق الكون الأعظم الهائل بعصاه، ويمسكه في قبضته؛ وهو (حليم ستار غفور): لأنه يتيح الفرص للخارجين على الحق والصلاح أن يرجعوا، ويمهل ويملي ويعفو عن كثير من نقائص الطبع البشري. . . إلى آخر الصفات الحسنى التي ينتزعها الفكر من الكون، ويترجمها بألفاظ تكون نتيجة لذلك التفاعل الخفي بين الطبع البشري مع جمال الكون العبقري وجلال طلعته الأخاذة! فهل ترى القرآن أتى بشيء عن الله خارج عن حدود الطبيعة لم يثبته العقل؟
إن الفكر البشري فرض (الأثير)، وحدده بآثاره وأثبته بخواصه، مع أنه لا يُرى ولا يحد وسلم له العلم بإثبات هذه الصفات، وكذلك يفعل الفكر في إثبات صفات بارئ الكون، كما تتجلى في الطبيعة، فينبغي أن يسلم له العلم بذلك، بدون حاجة إلى إدراك كنه ذات الله، ولا كيف تتعلق صفاته بها. .
ذلك أمر بمكان عظيم من الاعتبار، ينبغي أن يعلمه المسلمون غاية العلم، ويقوموا له بحقه من إذاعة به، حتى يعلم العقليون والعلماء - وهم قادة الإنسانية في الأمم الحية - أن القرآن كتابهم، وطريقته في الاهتداء إلى الله علمية في موضوعها وفي نتائجها وفي غايتها، فلا يسلكوه مع غيره، ولا يأخذوا عقائده مغمصين، لأنه هو ينهى عن ذلك:(ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولا)؛ (والذين إذا ذكروا
بآيات ربهم لم يَخِرُّوا عليها صُماً وعمياناً) أتراني أبت عما يملأ نفسي في هذه المسألة للصديقين؟
هذا، وإن في النفس لبقية حديث
عبد المنعم خلاف
بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية:
تعميم الثقافة الإسلامية
للأستاذ علي الطنطاوي
أحسب أن هذا الفصل لن يجوز إلى مصر ويكون في أيدي القراء إلا بُعَيْد اليوم الذي يتخذه المسلمون عيداً، يذكرون فيه هجرة سيدهم وسيد العالم محمد صلى الله عليه وسلم ويذيعون فيه سيرته وشمائله، وتروج فيه سوق المباحث الإسلامية، وتجري بها أقلام الكتاب، وتمتلئ بها صحف المجلات، ولن أعود فيه إلى حديث كتاب الدين الإسلامي الذي طالما تكلمت فيه في الرسالة وأفضت، وبدأت وأعدت (انظر أعدادها 314، 332، 336) فكنت كنافخ في غير ضرم، وصارخ في وادٍ، وإن الصارخ في الوادي ليسمع رجع الصوت، ونافخ الرماد ينثر الغبار، ومقالاتي لم تحرك من هؤلاء (العلماء. . .) ساكناً، ولم ترجع لها الأيام صدى، مع أن المقبرة. . . تردّ الصدى على من يصرخ بين القبور!
ولكني متكلم اليوم في تعميم الثقافة الإسلامية، تعميما يعرف به الناس (أعني المسلمون) دينهم، ولا يكون مسلماً حقاً من لم يعرف دينه، ومن يكتفي من الصلة به بأن أبويه مسلمين، وأن اسمه محمد أو علي لا جورج ولا طنّوس. . . ولا يكونه أبدأً إلا إذا عرف حقيقة الإسلام وألم بعلومه، وعلم الحلال من الحرام، ولا يكون ذلك ألا في المدارس والمساجد، فالمدارس للناشئة والمساجد للعامة، وكلاهما اليوم في قصور عن هذه الغاية بيُن:
أما المساجد فليس تخلو من أثار علم، هي بقية من ذلك الفيض العظيم، كالذي يبقى في الوادي من ماء السيل، ليس فيه عوضُ منه ولكن فيه دليل عليه. ولقد غير دهر كانت فيه المساجد بمثابة جامعات اليوم تدرّس فيها كل معضلة، ويقرأ كل علم حتى الطب. لا أمثّل على ذلك بمساجد الكوفة والبصرة قديماً، وبغداد والفسطاط، فذلك شئ مستعان خبره متواتر مشهور، ولكن أمثل بما كان يرى من حلقات العلم، من قريب، في مسجد دمشق ومساجد القاهرة وبغداد وما يرى اليوم في النجف من حلق كثيرة يدرس فيها مذهب القوم، وتقرأ فيها العلوم على الطريقة التي يرتضيها لأنفسهم علماء تلك الديار ومتعلموها، فلم يبقى من ذلك (حاشا النجف والأزهر) إلا حلقات قليلة، ومجالس وعظ، كثيراً ما يتولاها غير
أربابها، ويتصدّر فيها من لم يكن يطمع في الجلوس في حواشيها، يلقى فيها ما يجتمع على إنكاره الدين والعقل والذوق، من التحريف والتخريف والباطل الموضوع والسخيف الواهي، ولقد كان تدريس (القبة) في جامع دمشق لأكبر علمائها، وآخر من تولاه البدر الحسني رضى الله عنه، فصار اليوم لكل ذي عمامة مكورّة، ولحية مدورة، وصوت يصك الآذان!
وكذلك اختفت من المساجد حلق العلم الحق، وتوافرت فيها مجالس الوعظ الباطل والقصص الموضوع، ولدينا عدد عديد من العلماء الذين نصبتهم الحكومة مدرسين للعامة، فلبثوا في بيوتهم ما يراهم من أحد، اللهم إلا (أمين الصندوق) أول يوم من الشهر والحاكمون ذوو السلطان في كل عيد مهنئين، وكل سفر مودعين، وكل قدوم مُسلمين وعندما تشغر (وظيفة) ليقاتلوا عليها، ويحاربوا دونها. .
أما المدارس فحديثها أطول، والبلاء فيها أشد، وهي على ضروب:
فَضْرب منها لأناس ليسو منا، ولا لسانهم بلساننا، ولا دينهم من ديننا، قدموا علينا أرضنا، وأخذوا أبناءنا، ليخرجوهم أعداءنا، ويجعلوا منهم أداة من أدوات (التمدين) التي رأينا أشكالا منها مؤذية وألواناً. . . منها العازارية والفرنسسكان والفرير واللاييك والأمريكان، وواضح لا يحتاج إلى إيضاح أن هذه المدارس لا تدرس الفقه ولا الحديث ولا تعني بعلوم اللسان. وأنها أنشئت لغير هذا، وما كتمت منهجها ولا أخفته، ولا خدعت الناس عنه، ومع ذلك نجد تجاراً مسلمين، بل وعلماء يدعون أنهم الهادون المهديون، الصالحون المصلحون، قد أرسلوا إليها أبناءهم وبناتهم. . . وقد ظهر بعد أن أغلقت هذه المدارس - والحمد لله - أن أكثر تلاميذها، بل جمهورهم من المسلمين!
وضرب منها لأناس من عامة هذا الشعب ضاقت بهم سبل العيش فلم يجدوا طريقاً إلى الكسب، فاستأجروا بيوتاً أو وضعوا أيديَهم على غرف مظلمة في مساجد مهجرة، فسموها مدارس، وسَمَّروا أخشاباً بأخشاب فَدَعَوْها مقاعد، وأجلسوا عليها أَغْلِمَةً جعلوهم تلاميذ، وتمت الرواية لما صاروا هم المعلمين. . . وهذه المدارس (المسرحية) لا تصنع في نشر الثقافة الإسلامية شيئاً لأنها لا علم فيها أصلا وهي آخذة بالزوال. . .
وضرب منها مدارس أهلية كبيرة، كثيرة التلاميذ والمدرسين ضخمة البناء يديرها أفراد أو
جمعيات، ومنها ما يقوم عليه نساء. . . منها الإسلامي وهو قليل محدث كالكلية الشرعية في دمشق وغير الإسلامي وهو كثير قديم، وما هو ضائع المنهج، ضالّ عن الطريق لم يتخذ بعدُ له وجهة يوليها، وما فيها جميعاً (إلا ذلك المحدث القليل) ما يصنع في نشر الثقافة الإسلامية شيئاً. . .
وضرب منها وهو أعظم ضروبها كثرة المدارس، وعمق أثر، قد أنشئ بأموال الأمة لتعليم أبنائها، وتخريجهم وإعدادهم إعداداً، يكونون معه أدلاء لها في طريق نهضتها، وقادة لها إلى ما تحاول من مجد وعز وكمال، ولا يتم ذلك إلا يوقفهم على تاريخهم وتعليمهم علوم دينهم ولسانهم، وإفهامهم أن هذه الأمة مقدور عليها أنه لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، وما كان صلاح أولها إلا بالإيمان الصحيح والخُلُق المتين، فإذا أضعناهما أضعنا المعراج الذي نعرج عليه إلى ما نريد من ذرى المعالي. . . وسرنا في طريق الحياة بساقين جذماوين، نزحف زحف المُقْعَد الزَّمِن، ونتدحرج تدحرج الكرة، فنتمرغ في الوحل، ونحن نحسب أنا نرقى في سلاليم المجد والعلاء، وإذا أنت فتشت عن هذين الجوهرين الكريمين: العربية والإسلام، في المدارس الرسمية لم تَلْق منهما إلا ما تلقى من حبات الذهب في تل الرمل، ومن حرّ اللآلئ في أصداف البحر، ووجدت الدروس في هذه المدارس على نوعين: نوع واحد منهما له المحل الأعلى، والقدر الأكبر، وعليه مدار جهد المعلم والطالب، وفيه يكون الامتحان وما يعقب الامتحان من الارتقاء أو الرسوب، وقد يدخل في هذه الدروس الغناء واللعب (أي الرياضة البدنية) والتصوير ولكنه لا يدخل فيها الدين، ولا تجد في قطر من هذه الأقطار العربية المسلمة، امتحاناً من الامتحانات العامة (الابتدائية أو الكفائية أو الثانوية) يكون فيها لدرس الدين خَطَر، أو أثر في نجاح الطالب أو فشله. على أن تسمية العلوم بدرس الدين أول الوهن، وليس الدين علماً واحداً ولكنه علوم جمة، ومعارف شاملة، عاش عليها العقل البشري قروناً طوالا، منها الفقه فروعه وأصوله والتفسير والحديث والكلام وعلوم أخرى عدّ منها طاشكبري زاده في كتابه الجليل (مفتاح السعادة) ستة عشر وثلاثمائة علم. . . لكل علم منها أبواب وفصول، وفي كل كتب لا يلحقها الحصر، وفي كشف الظنون للحاج خليفة وصف لستة عشر ألف كتاب هي التي رآها المؤلف ووقف عليها بنفسه في عصر من عصور الانحطاط. . . ولقد سبق أن قلت،
إنك إذا نظرت إلى ما ثبت من كتبنا على التحريق والتخريق والتغريق والتمزيق، وما خلص إلينا مما أصاب المكتبة الإسلامية من النكبات الكبار، والأحداث الجسام، وحسبك منها مصيبتنا هولاكو وفرديناند، لرأيت شيئاً يهولك ويعجزك عَدُّه كما أعجز المطابع إلى اليوم طبع بعضه، وهي لا تني في الشرق والغرب تعمل دائبة عليه، وما علمنا لأمة من الأمم الأرض كلها مثل هذا الذخر العلمي أو قريباً منه، ولا مثل نصفه ولا ربعه. . . أفليس من أعجب العجب أن هذا التراث لا يساوي في رأى القائمين على هذه المدارس علماً واحداً من علومها كالجبر مثلاً أو الفيزياء أو. . . الرياضة البدنية، ولا يجودون عليه بسبع ساعات في الأسبوع أو ثمان. . . ولا يجعلونه مدار خيبة في البكالوريا أو نجاح، وأعجب منه أن تاريخنا الذي يتصل أشد الاتصال بالتفسير والحديث والرواية وعلم الرجال يتولى تدريسه فيها من لا بَصَرَ له بهذه العلوم ولا علم له بمصادرها الأصلية ولا وقوف له عليها، ولا قدرة له على فهمها، ومن لم يحصل إلا على أيدي الخصوم الذين يكيدون له ويدسون عليه الدسائس، فهو يحملها في فكره كما يحمل البعوض جرثومة الملاريا ليلقيها في أدمغة الطلاب الأصحاء فيفسدهم بها، حتى رئينا جماعة من غير ملتنا وديننا درسوا (في عهد الفرنسيين!) تاريخنا، أفسمعت بأعجب من تدريس الخواجة ميشيل والخواجة توما، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر؟ وأبلغ منه في العجب أن الفرنسيين وصل بهم الأمر. . . أن بعثوا بأبنائنا يأخذون لغتنا، عن المسيو (مارسيه) في بارير، كأن بارير بادية البصرة وكأن ماريسه من فصحاء بني عقيل. . . أو كأنه الأصمعي أو الخليل!
لا رحم الله ذلك الزمان، ولا أعاد مثله علينا أبداً. . .
أما إن الحديث جد، وإنه ليس بين شبابنا وبين أتباع الإسلام إلا أن يعرفوه لأنه قوي أخاذ ما عرفه أحد على حقيقته وقدر إن كان منصفاً على مخالفته، ولكن المشكلة هنا: كيف السبيل إلى أن يعرف الشبان المسلمون ما هو الإسلام إذا كانوا لا يستطيعون النظر في كتبه ولا يعرفونها، وإذا كانوا يرون أكثر للتزيين بزي علمائه جامدة أفكارهم، يقولون بألسنتهم ما لا يحققونه بأفعالهم، يأمرون الناس بالعزة ويذلون لأهل الدنيا، ويزهدون فيها ويتسابقون إليها، ثم إنهم بعد ذلك منقطعون عن الشباب، لا يلقونهم، وأن لقوهم لم
يستطيعوا أن يفهموهم، وكانت المساجد مقفرة من دروس العلم، وكانت المدارس معينة بكل شئ إلا الدين؟
السبيل هو هذا:
إنها قد نشأت فينا طبقة من العلماء، ممن حصل العلم في المدارس الحديثة ولكنه درس مع ذلك علوم الدين ووقف عليها، أو درس الدين وعلومه على الطريقة القديمة ولكنه ألمَ بالثقافة الحديثة ودرسها كما يدرسها أهلها، وأنا أعرف على هذه الصفة كثيرين في الشام ومصر. وعلى هذه الطبقة يقع الواجب الأكبر في الدعوة إلى الله، والعمل على تعميم الثقافة الإسلامية، بالإلحاح على مديري الأوقاف وعلى مقام الإفتاء بوضع منهج عملي للتدريس والوعظ في المساجد، وأخذ المدرسين بالشدة لينفذوه ويسيروا عليه؛ والإلحاح على وزارة المعارف بالعناية بالعلوم الإسلامية في المدارس، ومنحها الساعات الكافية لها، وإدخالها في مواد الامتحانات المدرسية والامتحانات العامة واختيار المدرسين الصالحين لتدريسها - ويعمل كل على ذلك بلسانه إن كان خطيباً، وبقلمه إن كان كاتبا، وبقوته كلها.
فإن لم يفعلوا فليعلموا أنه سيأتي يوم قريب لا يبقى فيه من يدري ما هو الإسلام، ويكون حالنا كحال ذلك الجندي التركي الذي لحق في المعركة بلغارياً، فلما تمكن منه ووضع سنان البندقية على عنقه، قال له: أنا في عرضك. فقال له: أسلم! فوجد البلغاري الفرج، وقال: إني أسلم فماذا أقول؟
فتحير التركي وقال: (بِلْمامْ والله)!
أي لست أدري!!
(دمشق)
على الطنطاوي
في مصر فلسفة أصل الوجود
للأستاذ نقولا الحداد
في مقال بهذا العنوان للكاتب الكبير الأستاذ العقاد في العدد (647) من الرسالة بتاريخ 26 نوفمبر المنصرم تنويه باسمي الضعيف. هو تنويه بنعت الطيبة التي يتصف بها الأستاذ العقاد.
وكانت إشاراته لي في معرض الفلسفة الذي استفاض فلمه فيه وهو يتعجب من أن طلاب الحقيقة لا ينظرون إلى الفلسفة القديمة) باللغو الفارغ (كما فعلت أنا) حين جرى البحث في صفحات الرسالة عن وحدة الوجود. فضربت المثل على سخف المذاهب الفلسفية القديمة كقول فيثاغورس: أن العدد هو سر الوجود، وأن النسبة بين الأشياء هي نسبة بين الأعداد، (كيف هذا؟)
يقول الأستاذ: (قال فيثاغورس هذا قبل 25 قرناً. فكان فرضه أقرب إلى الصدق من فروض علمية كثيرة فتن بها الناس إلى سنوات.
(قال فيثاغورس حين رأى أن الأوصاف كلها تفارق الموجودات من لون أو لمس أو صلابة أو ليونة أو وزن أو ما شابه هذه الأعراض الكثيرة إلا العدد؛ فإنه ملازم بكل موجود فرداً كان أو أكثر من فرد، وكاملاً كان أو غير كامل، وأن الفروق بين الأشياء هي فروق بين تركيب وتركيب أو فروق بين نسب الأعداد. وأن الكون كله دور موسيقى هائل يدور على قياس منسجم كما يدير المعازف الماهر ألحان الغناء.
(وإذا قال فيثاغورس هذه المقالة قبل 25 قرناً، فليس من حقه أن توصف مقالته بالفراغ وهي أملأ من فروض العلماء بعده في معنى الوجود وفوارق الأجسام، وهي على أضعف الأحوال أدق من قول بعض العلماء أن أصل المادة أثير).
انتهى بعض كلام الأستاذ، وقد أوردته هنا بنصه لكيلا يضطر القارئ أن يعود إلى عدد سبق من المجلة.
ظهر فيثاغورس فيلسوفا منذ 532 سنة قبل المسيح وله تعاليم صالحة وبعض نظريات قيمة وأهمها في الرياضيات. فهو أول من اكتشف أن مجموع مربعي ضلعي المثلث القائم الزاوية يساوي مربع وتر المثلث. وهي قضية رياضية عظيمة الشأن، وقد بنيت عليها
نظريات وعمليات رياضية مختلفة وكانت منشأ حساب المثلثات.
ولكن نظريات فيثاغورس في أصل الوجود أو الهيولي أو المادة المحسوسة نظريات سخيفة جداً ذهب إليها بناء على ظاهرات سطحية لا نعلم جيداً كيف استنتجها منها.
أمعن فيثاغورس في الحساب الرياضي وبرع فيه في عصره حتى أن مدرسته كان قوام منهاجها الحسابات الرياضية. وقد تملكت له حتى اعتقد أن أصل الأشياء العدد. وصار يعلل كل ظاهرة في الوجود بالعدد. تسلط العدد على لبه. حتى صار العدد عنده مبدأ الموجودات.
وكان من مكتشفاته القيمة أنه كشف نسب الأنغام الموسيقية في الوتر المشدود، وأن هذه النسب تتوقف على طول الوتر ومقدار شده. وكانت هذه النظرية من جملة أسباب اعتقاده أن الأعداد أصل كل شيء، وأن عناصر الأعداد علة عناصر الأشياء. وأن السماء بما فيها من أجرام هي سلم موسيقي (عددي). ومن ثم تحول تلاميذه على عدد سبعة في تعليل ظاهرات الوجود لأن عدد 7 هو عدد أنغام السلم الموسيقي، وعدد الكواكب المتنقلة، وعدد السبع الطباق، السموات السبع، وعدد أيام الأسبوع الخ.
وجعل فيثاغورس وتلاميذه أهمية للعددين 3، 4 ومجمعهما 7 للاعتبارات التالية:
أولا: أن الخط مجموعة نقط متتابعة. والسطح مجموعة خطوط متحاذية ومنها المربع. والحجم مجموعة سطوح متقاطعة، ومنها المجسم والمكعب.
وثانيا: أن الوتر والشفع عنده هما المحدود واللامحدود، وهما يعنيان المكان؟؟؟ والاثنان هما الخط، والثلاثة هي السطح. والوتر والشفع. والمحدود واللامحدود هما الطاقمان الأولان من المتضادات العشرة الأساسية. والثمانية متضادات الباقية هي: واحد وكثير، ويمين وشمال، وذكر وأنثى، وسكون وحركة، ومستقيم ومنحن، ونور وظلمة، وخير وشر، ومربع ومستطيل.
ويظهر أنه غفل عن وراء وأمام، وفوق وتحت، وبرد وحر، وجبل وواد، ونوم وصحو، وضحك وبكاء إلى عشرات الألوف من المتضادات؛ لأن كل صورة من صور الموجود لها مقابل.
فالكون عند الفياغورسيين هو في تحقيق هذه المتضادات، والواحد هو العقل لأن الواحد لا
يتغير، والاثنان الرأي لأنه غير محدود ولا مقرر. والأربعة هي العدالة لأنها أول عدد مربع هو حاصل متساويين. والخمسة هي الزواج. وإن كنت شاطراً فافهم هذه السخافات.
إذاً سألت فيثاغورس نفسه أن يفسر هذه التخريفات فماذا يقول؟ وإذا كان فيثاغورس يعتبر فيلسوفا لأجل هذه الفلسفة (العددية) فالفلسفة إذاً بله وهبل.
ألا يرى إنسان اليوم أن هذه النظرية في الطرف الأقصى من السخف لأنه لا يجد لها تفسيراً معقولاً؟ وأما تفسيرها بأن الأوصاف كلها قد تفارق الموجودات من لون وصلابة وليونة وثقل الخ إلا العدد فانه ملازم لكل موجود، فهذا التفسير إغراق في الغموض لا تفسير، لأنه يزيدنا حيرة في غير المعقول حين نحاول أن نجعله معقولا؛ ولا سيما لأن الثقل واللمس وغيرهما كثير من الأوصاف لا تفارق الموجودات.
إذا جردنا المادة من الأوصاف المذكورة وغيرها أي من اللون والصلابة والثقل فماذا منها؟ لا يبقى منها شيء لا مادة ولا عدد. نحن نعرف المادة بصفتها وأعراضها التي نحس بها فإذا زالت هذه زالت المادة وزال الوجود.
وأما العدد فليس خاصة من خواص المادة؛ بل هو خاصة من خواص عقلنا. فنحن نتصرف بالعدد من غير أن يكون لدينا المعدود. جميع الرياضيات الحسابية إنما هي فكاهة عقلية. ولا تعتبر ذات قيمة إلا حين نطبقها على الوجود المعدود. تكون حينئذ رياضيات تطبيقية.
نجل الأستاذ الكبير عن الجد في قوله: (إن الأجسام نسب بين أعداد، وأن الفارق بينها فارق في هذه النسب دون غيرها، وأن التناسق في هذه النسب أصدق من أجرام المادة الملموسة باليدين، وإن الأصح في تركيب الذرة أن يقال إنه (عددي) لا أنه (مادي) ملموس.
نعم نجل الأستاذ عن الجد في هذا القول لأنه غير مفهوم وإن فهم فغير معقول ولا هو منطقي.
ويعز على الأستاذ أن توصف مقالة فيثاغورس بالفراغ لأنها في رأيه (أملأ من فروض العلماء بعده في معنى الوجود) وأغرب من هذا قوله: (إنها وهي على أضعف الأحوال أدق من قول بعض العلماء إن أصل المادة الأثير).
إذا ثبت، وهو معقول وراجح، أن الأثير هو أدق جزيئات المادة فيكون العلم قد أبلغنا إلى
كنه الهيولي. وأما (العدد) إذا حسبناه أصل الوجود فيطرحنا في هاوية من الجهل لا قرار لها.
إن العلم الحالي قربنا جداً إلى حقيقة كنه الهيولي التي هي أصل المادة. فقد شرح الجزيء إلى ذرات، ثم حلل الذرة إلى كهارب وكهيربات) بروتونات وإلكترونات مكهربة). ثم فتت هذه إلى فوتونات غير مكهربة، ولكنها حاملة الطاقة. والفوتونات في رأي بعض العلماء الأساطين هي ذريرات أثير.
واختراع القنبلة الذرية حقق النظرية الكهربية (نسبة إلى كهرب) الإلكترونية وأكد صحتها. فلا يدع أن تكون الفوتونات هي ذريرات أثير. بنظرية الإلكترون هذه فسرنا الألفة الكيمية وكم الكفاءة الكيمية وسر النظائر الكيمية وغير ذلك من الظاهرات الطبيعية التي كان العلم حائراً في تعليلها. فلذلك لم يبق شك في صحة هذه النظرية الإلكترونية.
أبعد هذا يصح القول بأن الفلسفة العددية الفيثاغورية أدق من قول العلماء إن أصل المادة الأثير؟
أين فلسفة فيثاغورس من علم اليوم؟
كان فيثاغورس وسلفاءه وخلفاؤه فلاسفة عصرهم المتمادي في القدمية لأن ما أدركوه كان جل ما أذن لهم تفكيرهم أن يدركوه وأن يفسروه من ظاهرات الوجود وهم ضمن جدرانهم لا يختبرون ولا يمتحنون. ولكن فلسفتهم لدى علم اليوم كالأكمة المنخفضة في البطحاء لدى الجبل الأشم. نحتقر علم اليوم إذا قارناه بفلسفة الدهر المظلم.
الحقيقة تظهر عن يد العلم لا عن يد الفلسفة. الفلسفة تتلاشى رويداً أمام العلم، كما يتلاشى الليل أمام الفجر، والفجر أمام الشروق.
أجل: في مصر، والحمد الله، فلسفة. ولكن ليس فيها، بكل أسف، فيلسوف. وأستغرب أن يقبل أحد من علمائنا لقب الفيلسوف. إن الفيلسوف من كانت له نظرية فلسفية جديدة هو مبتكرها. فأين النظرية الفلسفية الجديدة عندنا؟
أرجو الأستاذ الكبير أن يفتقر ما لا يروق له من مقال مؤكداً له أني حسن النية. وجل من لا يشط ويغلط
نقولا الحداد
في الأدب الإنكليزي
ماثيو أرنولد
بقلم الأستاذ خيري حماد
- 2 -
وقد كتب عنه برل قائلا:) لقد كان أر نولد ناقداً أميناً، نعم لقد أساء فهمه الكثيرون ولكن ما قيل عنه يجب ألا يعد لا في العير ولا في النفير فلم يخطئ الحقيقة بل أصاب مقاتلها في بعض الأحيان وأخطئها في البعض الآخر. ويندر أن نجد في أدبنا ناقداً يضاهية في الدعابة وحسن النكتة. وإن محاضراته عن ترجمة هوميروس لتؤلف كتاباً تلذ قراءته، وتفيد مطالعته، ويستحسن طبعه؛ فهو كتاب قيم يندر أن تجد له مثيلا في دقة محتوياته وحلاوة دعابته، فهو يجعل قراءة الأدب لذيذة؛ ومطالعة سير الحب سارة للرجال الذين بلغوا من العمر عتيا يتذكرون أيام طفولتهم ومغامرات حداتهم).
لن تتيح لنا الظروف أن نتناول كل ما كتبه أرنولد في النقد وأصوله وفنه، ويكفي هنا أن نسرد مثلين من أمثلة نقده لندل على الطريقة التي كان يتبعها في نقد الدب الأدباء. أما الأول هو يتناول آراء أر نولد في الشاعر الإنكليزي المعروف شلي، والثاني تنسون.
لم يكتب أرنولد طيلة حياته نقداً تاماً للشاعر شلي ولكنه في مواضع كثيرة من مؤلفاته يطلعنا على رأيه فيه؛ يصفه كثيراً بقوله: (هو ملاك جميل ولكنه عديم التأثير إذ يحلق في الفضاء مرفرفاً بأجنحته دون أن يحدث هنالك كبير أثر) وفي بعض المناحي الشعرية يجهد شلي نفسه للحصول على ما يستطيعه الغير بسهولة ودون أي تعب أو نصب. ولكن الأغاني التي اشتهر أمره فيها لم تكن أحسن ما كتبه الشاعر بل إن معظم أشعاره متحف من التوافه والمبتذل من الشعر.
وكان أر نولد يعتقد اعتقاداً حازماً في أن شلي لم يصل إلى الدرجة السحرية الفائقة التي كانت تنتظر منه، وأن شعره يخلو من المادة الصحيحة السليمة، ولكن دعنا نستعرض هذين الانتقادين لنرى مبلغ صحتهما وصوابهما. أما من حيث مادة شلي وأسلوبه فتكثر فيه الحسنات كما تكثر السيئات. وأما من حيث خياله ومقدرته السحرية فقد أخطأ أرنولد في
نقده تمام الخطأ، فمن يقرأ لشلي قصيدته (إلى الطائر يجد فيها مقدرة خيالية عظيمة قل أن توجد في غيره من الشعراء. فقد صور فيها صوراً رائعة لا شك في تأثيرها على نفسية القراء.
ونتناول الآن نقده لتنسون، فقد كان دائم الكراهية لهذا الشاعر العظيم، وعندما ظهر كتاب (خرافات الملك) لتنسون كتب أرنولد عنه قائلاً:(إن من الأغلاط الكثيرة التي أجدها في تنسون في كتابه هذا هو افتقاره لسحر القرون الوسطى وقوة خيالهم، ومع مقدرته الفنية الفائقة فقد كانت تنقصه المقدرة العقلية).
وفي هذا النقد تحامل ظاهر لا يمكن أن يتجاوزه، فقد كان أرنولد دائم التفضيل لبيرون على تنسون، وقد وصفه الكثيرون من الأدباء بتحامله على جميع معاصريه مدفوعاً بروح المنافسة، وهذا خطأ بين لا يمكننا الإغضاء عنه، فقد كان من محبي سنت بوف مع أنه من معاصريه ومنافسيه. ناهيك عن تحامله الشديد وكيتس الذي امتد طيلة حياته.
من المثلين السابقين اللذين ذكرتهما نرى أرنولد مر النقد قوى الشكيمة، ولكن هذه الصفة لم تكن لتنطبق عليه دائماً فكان من محبي وردزورث وبيرون ومن أنصارهما. وقد وصف وردزورث بقوله إن الطبيعة قد أمسكت بقلمه فسجلت روائع رائدها قوة الطبيعة الخارقة على تفهم الحياة ومناحيها المختلفة. وقد كتب إلى أحد أصدقائه (إني لا أومن بقوة تنسون ومقدرته في أية ناحية من نواحي الأدب. فهو لا يضاهي جوته في تفكيره العصري، ولا وردزورث في خياله وقوة ابتكاره، ولا بيرون في عاطفته ورقته. ولكنه شاعر يعتبره الناس في عصرنا هذا، ولكني لا أحمل في نفسي أي اعتبار أو تقدير لفنه أو لشعره).
وعندما أتناول البحث في كتابه: (مقالات في النقد) يرى القارئ هنالك بحثا أكثر إسهابا عن شهرة أرنولد في عالم النقد. فهو خير كتاب يقرأه الطالب لتعلم فن النقد وأصوله. ولكن نقده لم يكن في الحقيقة مبنياً على الأساس العلمي في عصره. وهذا التحامل قاده للتسرع بأقوال خالية من الحكمة ينقصها التفكير الطويل، وتحكيم العقل والمنطق.
شعره:
تتلخص عبقرية أرنولد الشعرية في نجاحه في عرض أفكاره على جمهرة القراء. وفي أشعاره وخاصة قصيدته أمبدوكليس نرى الشاعر ينشدنا أغاني مطربة وقصائد تسيل رقة
وعذوبة. فلنلق نظرة على هذه الأبيات القليلة من شعره ثم نبني حكمنا عليها بعد تدقيق وإمعان.
(ابولو - أيها الإله العظيم. إن هذه المساكن لا تصلح لسكنك قط. ولكن في ذلك المكان حيث يلتقي البحر فيه والجبل هناك حيث يرسل القمر أشعته الفضية فتتردد الأصوات في الفضاء متغزلة بجماله، هناك وادي الإلهة تزب يطيب لك العيش وتحلو لك السكنى).
لو قرأنا هذه الأبيات في صورتها الإنكليزية لوجدنا الشاعر يغنى معها شارحاً عواطفه ومشاعره. هنالك تسمو نفسه فيرتفع عن مصاف الشعراء العاديين. ولكن موسيقاه هي أنموذج من الأغاني المخيفة التي يهابها ويخافها لتأثيرها على وحدة النفس وكيانها.
لقد تدرع أر نولد بدرع من الذكاء والابتكار. وطيلة حياته نراه قنوعاً بالحياة التي يحياها وراضياً بالعالم الذي يعيش فيه، ولكنا نرى من خلال قصائده تطلعه نحو حياة مشرقة، حياة الصباح العاطر في أيام الربيع الجميلة عندما تتفتح الأزهار والرياحين ناشرة في العالم سعادة أزلية خالدة. وفي قصيدته الرقيقة (الغجري المتعلم) نرى الشاعر مسوقاً بتيار العواطف مقوداً لآلهة الشعر يضمن نظريته هذه في بضعة أبيات ملؤها الجمال والروعة متخذا من هذا الحلم البهيج وحيه وسر عبقريته، فهو يقول:
(فوق مياه المحيطات المتوسطة، حيث تكثر الرياح بين شاطئ إيطاليا وشاطئ صقلية الجميلة حيث تلتقي مياه الاطلانتيك بمياه البحر المتوسط من خلال المضائق الغربية - هناك تكثر السفن المشرعة حيث ترتفع الصخور إلى عنان السماء - وتهب الأمواج عليها فتخرج الزبد. هنالك يظهر الإسبانيون سمر الألوان ميالين للمغامرة والإبحار. فيعقدون أسواقهم التجارية على شواطئ البحار. . .)
وأروع قصائده خيالا وأوسعها حرية هي قصيدته (البحري المهجور) حيث يتطلع إلى العالم القديم بعين التواق الراغب مؤنباً سكان هذا العالم لهجرهم إياه وابتعادهم عنه - فكرة هي نفس حلمه الجميل معبرة بطريقة مخالفة عن رغبته في الشباب، في الحياة الجديدة السرمدية حيث يقول:
(تلك الكهوف الرملية العميقة الرطبة، حيث تهدأ الرياح وتسكن سكوناً أبديا، هناك تتسارق الأنوار النظر إلى هذه الأعماق، وهناك تكثر الأملاح فتذوب في الجداول).
وإن مقدرة أولد الرومانتيكية أو الإبتداعية بالأحرى لتتجلى في جماله وطهارته. وعوامل نجاحه وانتصاره تتلخص في سرده للخرافات والأحلام. وموسيقاه تختلف عما عرف في عصره بكونها فائية شديدة الوقع لم تنل إعجاب المعاصرين. فشهرته كشاعر عبقري لم تبن بعد. ولما كانت البيئة التي وجد فيها تهتم كل الاهتمام للأخلاق ولا تأبه للجمال وأثره؛ ولما كان والده رجلا دمث الأخلاق ليناً وعظيما في نفس الوقت، لذلك نرى في شعر شاعرنا الميل الدائم إلى البساطة والرغبة الجلية في الطهارة والصفاء. وكنتيجة لهذه البيئة ولهذه الرغبة في الشاعر ظهرت هناك قصيدتان عدتا من روائع الأدب الإنكليزي بحثا في الأخلاق والدين بحثاً مسهباً مستفيضاً.
أحب أرنولد الطبيعة حباً جماً، فوصفها في قصائده وأغانيه وصفاً قرأه كثير من البؤساء والمتألمين فسروا به عن نفوسهم، وأزالوا ما لحقهم من بؤس وشقاء. وكان ينظم قصائده على النمط الذي جرى عليه أستاذه وردزورث من قبله فقلده تقليدا أعمى في أسلوبه وأفكاره. وكان بفطرته لا يميل إلى الاعتقاد بالخرافات والأباطيل القديمة مع أنه دونها كثيراً في شعره ومؤلفاته، فالصدق كان رائده في كثير مما نظمه. وفي قصيدته (حداثة الطبيعة) نرى شخصيته متمثلة أتم التمثيل وأكمله. ولم يكن أسلوبه ليقل عن أسلوب شلي أو أي شاعر عظيم آخر ناهيك بأن مادته وأفكاره كانتا لا تضاهيان.
وقصيدته (تريشدام وايسونت) تحوي عدداً من الأغاني الرائعة فهي تبدأ بهذه الأبيات الجميلة:
(أشعل الضوء يا غلام حتى أراها فلقد أتت الملكة المتعجرفة أخيراً. انتظرت طويلا وغالبت الحمى التي انتابتني تأخرت أيها العزيزة، وكان تأخرك نكراً وهجرانا).
ويجمع محبو أرنولد وتلامذته على أن قصيدة (رستم وسهراب) هي أحسن ما كتبه الشاعر وقد لقبه على أثرها لورد رسل بقوله: (هو شاعر العصر الأوحد). وهذه القصيدة مستمدة من قصة أسيوية قديمة تتلخص في سير مبارزة حدثت بين بطل من أبطال الترك ووالده. وكان كل منهما يجهل صاحبه حتى قتل الولد فعرفه الوالد وحزن عليه حزناً شديداً. وما أجمل وصفه للأموات حين يقول
(إن الصدق يلازم شفاه الأموات، والخداع كان بعيداً عني طيلة حياتي)
وعندما يعلم الوالد أنه قتل فلدة كبده يشتد حزنه ويعزم على الانتحار غرقاً في النهر فيرجوه ولده المفارق للحياة أن يصبر وأن يجاهد في هذه الحياة حتى يحصل ما لم يستطع هو الحصول عليه.
ومن بدائع شعره قصيدته (الميت الشجاع) التي لا يستطيع فهمها إلا القليل من مثقفي القوم ومتأدبيهم. لكن من يفهمها يشعر باللذة التي تعاوده عند مطالعتها ويحس بنفس الوقت بخلوها من الخيال والإغراء اللذين يشعر بهما عند قراءته لقصيدة (رستم وسهراب). فهي تخرج من القلب خروج قصائد برنز الجميلة، وإن الفقرة الأخيرة مع كونها لا تخلو من بعض الأغلاط إلا أنها لا شك تحوي من العاطفة قدراً كبيراً
عندما نلتقي فتتطلع بنظراتك، متفرساً في وجهي وما أحدثته الأيام من الغضون فيه. ولكن بالله دعني أسألك: من هو ذلك الغريب الذي يتطلع إلي بعين المتأمل، ذو العينين الرماديتين والشعر الأسود).
فلسفته
لقد انتقد أر نولد المجتمع الإنكليزي في عدد غير قليل من مؤلفاته وكتبه. وكان يميل إلى تقسيمه إلى ثلاث طبقات متفاوتة: أولاها طبقة الأشراف، وثانيهما الطبقة المتوسطة وثالثهما الطبقة العامة ولكنه لم يسمها كما سماها غيره من قبل؛ بل أطلق الأولى اسم البرابرة وعلى الثانية لقب الفلستينيين وعلى الثالثة لقب العوام وكان يحترم طبقة الأشراف ويكثر من الثناء على أفرادها قائلا:(إن أعظم الفضائل وجود طبقة راقية من النبلاء يتخلقون بأحسن الأخلاق ويتحلون بأجمل الفضائل، لهم أفكارهم الشريفة، وأعمالهم النبيلة التي حبتهم بها الطبيعة. ويزداد جمال هذه الفضائل عندما تصدر عن أناس أقوياء يتحكمون بمصير الآمة ومستقبلها وينزهون أنفسهم عن التشاحن والتطاحن في المسائل التافهة. وقد يحدث أن أحد أفراد الطبقة نموره العبقرية وينقصه الذكاء ولكنه مع ذلك لا تصد عنه أمور لا تعد في حكم الشريفة منها). ولكن أرنولد يتطلع نحوهم فيرى نقصاً لا يمكن سده، وعوزاً ليس من المستطاع إهماله والاغصاء عنه. فهم بحاجة إلى الأفكار السامية وهذا ما سبب تأخرهم في العصور الحديثة. وفي البلاد الأخرى نجد طبقة الفقراء على درجة أعظم من المدنية الحضارة من هذه الطبقة؛ فالفقير يشعر بضعته، ويحس بفقره
وضعفه فيحسن من شأنه ليظهر بمظهر الند للند والقرن للقرن
(يتبع)
خيري حماد
الشعر يحتفل بأميره
في مساء يوم السبت الثامن من شهر ديسمبر، أشرفت دار الوزير الشاعر الكاتب السمح إبراهيم دسوقي أباظة باشا عميد الأسرة الأباظية بألمع الكواكب المصرية في الحكم والسياسة والأدب والعلم والفن والصحافة إجابة لدعوة معاليه، ليحتفلوا بمجد الشاعر العظيم عزيز أباظة باشا صاحب (أبيات حائرة)، ومؤلف المأساتين الشعريتين (قيس ولبنى) و (العباسة) ولم تشهد القاهرة المثقفة على كثرة ما شهدت داراً أحفل بالفضل وأحفى بالفضلاء، ولا حفلة أروع بالأدب وأجمع للأدباء، من هذه الدار وهذه الحفلة
كانت الدار دار الأباظية، والحفلة حفلة الأدب، فلا غرابة أن يجتمع فيهما ما لم يجتمع في غيرهما كم ملائكة البيان وشياطين الشعر
كان مطلع الإشراف الشعري في هذه الحفلة أبياتاً من أرق الشعر وأبلغه لمعالي صاحب الدعوة في شكر مولانا (الفاروق) ألقتهما طفلته الأديبة (كوثر) بصوتها العذب، ومنطقها الرائع، ولهجتها الفصيحة، منها:
أدام الله (فاروقاً)
…
بفيض الخير من كفه
فقد فاض على الأسر
…
ة ما ترجوه من عطفه
وعذراً إن بدا ضعفي
…
وعجزي عن مدى وصفه
ثم تلاها أخوها الأديب الشاعر ثروت أباظة فألقى قصيدة من نظمه؛ وتتابع الشعراء والخطباء بعدهما على المنصة، فنوهوا بمجد الشاعر، وشادوا بفضل الداعي، وهتفوا (الفاروق)، كان أولهم لأستاذ العقاد، وأخرهم الأستاذ الكاشف، وفيما بينهما فيض من الشعر العاطفي الجميل، وتدفق على ألسنة النابهين من شعراء الشباب، ذكرونا بشعراء الحضرة في قصر الصاحب ببغداد، ثم نهض للشكر صاحب السعادة الشاعر المحتفل به فارتجل خطبة من النمط العالي في الأداء والإلقاء دلت على أن موهبته الخطابية تناقش موهبته الشعرية في استحقاق التكريم ثم كان مسك الختام قبلة أخوية قوية من معالي الزير إلى سعادة المدير أجملت كل ما قيل في هذه الحفلة الرائعة الجامعة من معاني الإعجاب والإكرام والحب. . . وفيما يلي ثلاث قصائد مما أنشد في هذا الحفل تعطيك نموذجاً من سائر ما قيل.
قصيدة الشاعر الكبير عباس محمود العقاد
نابغ النظم والنظام
…
ود لو جاور التمام
رام في حلبتهما
…
فصباً كان لا يرام
حبذا محس الفعا
…
ل إذا أحس الكلام
لك في كل دولة
…
منهما أوفر السهام
أيها الأوحد الهمام
…
جئت بالمعجز الجسام
كيف وحدت هكذا
…
شيع الناس في وئام
فسمع الحمد لا تبا
…
رع فيه، ولا انقسام
كل ما راق في الخوا
…
طر ألقى لك الزمام
نسب رانه الححي
…
أدب صانه الذمام
والعظامية التي
…
فيك لم تخل من عصام
ورضى الله والمل
…
ك يزَكي رضى الأنام
ولك الخلق والخلا
…
ئق في حسها تؤام
حكم ابن الحسين قِم
…
ماً فوفيت الاحتكام
قال ودٌّ على التصا
…
في وود على الوسام
قالت لا بل كليهما. .
…
ما على مُفضل ملام
أنت في عامك القري
…
ب تحديت ألف عام
يا عزيزاً استعرّ
…
دوو العره الكرام
(جاد) أنفدت حرفها
…
في اشتقاق وفي ارتسام
بالمجيد المجد والجيد
…
الماجد المقام
فذك! فاللفظ ضيق
…
عن معانيك والسلام
قصيدة الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي
طلعت بأفق العبقرية صاعدا
…
فأدركتَ مَجْديها طريقاً وتالدا
تُطوِّف مشبوب الخواطر هائماً
…
نصوّر أوهام القلوب عقائدا
وتهتف بالنجوى وتهمس بالمنى
…
ونستلهم الطيف الحبيب المعاودا
وتسبح في الأفق المنغم شادباً
…
على قمة في الأفق، عزت مقاصدا
ومن حولك الأضواء، منهل شاعر
…
يوافيك بالألحان نشوى شواردا
فترسم أفراح الحياة بريشة
…
كأن من وحي جبريل رائدا
يُراوحهُا سارٍ من الشوق عارمٌ
…
تحدٌرَ من قلب يفيض مواردا
تكنَّفه الكون الكبير فهاله
…
بقلبك أكون تروع مشاهدا
أمان وآلام يجاذبنك الهوى
…
فقد صادفت بجنبيك واجدا
تجاوبت الأيام فيه فصاغها
…
ورددها لحناً على الدهر خالدا
وتسترجع الدنيا لديه شبابها
…
فينظم أصداء الزمان قصائدا
شيعوا لها وجه الزمان قداسة
…
وتبق على جِيد الزمان قلائدا
ألست الذي رد اللياليَ بيننا
…
فكدنا نرى عصراً على مصر وافدا
شهدناه منضور الحواشي مهادنا
…
وشمناه مغبر الجوانب راعدا
كأني بهارون الرشيد يسوسه
…
ويختال في دَست الخلافة مائدا
ويسمر في القصر الأشم وحوله
…
خرائد تشدو في هواه خرائدا
مباهج لم يحظ الزمان بمثلها
…
تأنقن إبداعاً، وكن فرائدا
كأني به يصغي لجعفر قبلما
…
تثور حواليه النفوس مكايدا
وقد نفرا للصيد، لم يدر جعفر
…
بأن قد غدا صيداً، وهارون صائدا
كأني به والبرمكيون حوله
…
تهاوو شموساً في الدجى وفراقدا
هو المجد إن تظفر به فاتق الورى
…
فيا طول ما تلقى لجدك حاسدا
كأني به في حلة الملك رافلا
…
يخب بدنيا ليس يدنو لها مدى
عوالم هذا العصر أنت وسعتها
…
بفنك لم تعجز لساناً ولا يدا
تلقيتها وحياً من الله مسعداً
…
فأسبغ فاروق عليك روافدا
وحسبك أن ألقى بساحة ملكه
…
عليك لواء العبقرية عاقدا
كرمكم في صاحب الدار هذه
…
من لك بالفارق جاهاً ساعدا
أعز (دسوقي) أمس بالرتبة التي
…
أتت رجلا في النبل الفَضل أحدا
صحائف من تاريخ مصر كريمة
…
نطالعها في كل يوم محامدا
تفيض على قلبي ضياء خاطري
…
فأنظمها بالمعجزات حواشدا
أباظة حيا الله دوركم التي
…
غدت للفنون الباقيات معاهدا
عليها جلال الماجدين تخالها
…
إذا ما تبدت للعيون مساجدا
رعاها مليك النيل واختص أهلها
…
فبارك فيهم شاعراً، ومجاهدا
لقد ظفروا منه بمجد مؤثل
…
وأكرم مجد ما يصادف ماجدا
قصيدة الأستاذ العوضي الوكيل
نجم بأفق العبقرية لاحا
…
يزجي عشية وصباحا
وهزار روض صاح فوق غصونه
…
قوموا فحيوا ذلك الصداحا
مترنم بطرائف من فنه
…
تسبي القلوب، وتسحر الأرواحا
السامعون له يسائل بعضهم
…
بعضاً. . أشعراً ما شدا أم راحا؟
اهنأ عزيز برتبة علوية
…
جادت بها منن المليك سماحا
كرم أفاء عليك من آلائه
…
فأشاع في أحلامنا الأفراحا
وأتيح للشعراء ما حلموا به
…
هل كان قلبك مثل ذلك متاحا
والغيث إن روى الهضاب بسيبه
…
روى وهاداً بعدها وبطاحا!
لك منطق سهل البيان، وربما
…
سهل البيان فأعجز الشراحا
في كل أغنية وكل قصيدة
…
روض حوى ورداً وضم أقاحا
شعر تناغمه النفوس فتلتقي
…
فيه. . . فيملأها شيء ومراحا
إني لأمسك بالفؤاد أصونه
…
من أن يذوب أسى إذا هو ناحا
وتراه في أفراحه وفتونه
…
يسلي الحزين الباكي الملتاحا
يا ابن الأعزة من ذؤابة طئ
…
الصارمين عزائما وسلاحا
والمالكين المجد من أطرافه
…
واللابسيه بردة ووشاحا
لي بينهم من إن هممت بذكره
…
طرب القصيد لذكره وارتاحا
من كل مرموق المكانة، مشرق
…
في أفق مصر كوكباً لماحا. . .
يا ابن الأعزة من ذؤابة طيئ
…
الصارم ين عزائماً وسلاحا
المجد من بابيه أنت ولجته
…
وحشدت ميراثاً له وكفاحا
أخرست ألسنة الرجال بقصة
…
وتركت ألسنة الزمان فصاحا
صورت سلطان الرشيد وملكه
…
صوراً من النغم الرقيق ملاحا
وجلوت أعظم دولة عربية
…
نشرت على الأدب الرفيع جناحا
فاهنأ بجائزة المليك رفيعة
…
واهزز نفوس الشاعرين طماحا
بيت الأباظيين مثل خميلة
…
قد كرمت كروانها الضياحا
هو مربد الأدباء إلا أنه
…
أهدى سني منه وأطهر ساحا
لا زال مرفوع البناء موطدا
…
مغدي لكل عظيمة ومراحا
لا زال أفقاً في الحمى يبدي له
…
في كل يوم كوكباً وضاحا
البريدَ الأدبي
1 -
إتحاف الفاضل:
أصلح الأستاذ الكبير النشاشيبي بيت البحتري في الطبعة التي يتعقبها من معجم الأباء، ونقل عبارة الصحاح بأن للعرب أحرفاً لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول به وإن كانت بمعنى الفاعل مثل قولهم. زهى الرجل الخ. . .
قلت: ولابن علان الصديقي رسالة لطيفة جمع فيها طائفة صالحة من هذه الأحرف وسماها) إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل). وقد طبعها في دمشق من نحو عشرين سنة الأستاذ حسام الدين القدسي. صاحب (مكتبة القدسي) في القاهرة.
2 -
تأنيث الرأس:
من أعجب الأشياء في مصر أن جمهرة الكتب فيها، وإلا العشرة الكبار من البلغاء، ويؤنثون (الرأس) ولا نفتأ نجدها كل يوم مؤنثاً في الصحف والمطبوعات، مع أن الذي نعرفه أن الرأس لا يكون إلا مذكراً، في اللغة و. . . في الحياة! فهل لإخواننا في تأنيث الرأس وترئيس (الأنثى) وجه لا نعرفه:
علي الطنطاوي
الصحافة في حضرموت:
طالعت في العدد 621 من الرسالة مقالة عنوانها) الأدب العربي) للدكتور ر. ب سارجنت تكلم فيها عن حضرموت ونشر بمستقبلها الحسن، وذكر بدء الحركة الأدبية بها، وانتعاشها وبعد أن عدد بعض الأسر من السادات قال في سياق خطابه: وقد قامت هذه الأسرة المجددة في خلال السنتين والثلاث الماضية بنشر مجلة الاعتصام. وهي صحيفة شهرية تصدر من مدينة (سيؤن) وتعالج الشئون الدينية الثقافية إلى أن قال: ولا بد أن هذه الصحيفة هي المجلة الوحيدة التي تصدر في البلاد العربية على هذا الشكل وأحب أن أعرف جمهور قراء مجلة (الرسالة الغراء) بأن حضر موت منذ عهد قديم بدأت تباشير النهضة الحديثة تدب في شبابها فأسسوا الجمعيات والنوادي وفتحوا المدارس التي تهي نشأتهم لخوض معترك الحياة وقاموا بنشر المجلات والصحف، فأول مجلة صدرت من سيؤن (التهذيب)
في حدود سنة 1350 تقريبا. وتلتها مجلة (الإخاء) صدرت من (تريم) قامت بها) جمعية الأخوة والتعاون) في سنة 1356 فمجلة (الحلبة) في بلد) مسيلة الشيخ) يحررها الأستاذ علي ابن عقيل بن يحيى في سنة 1357 فمجلة (الاتحاد) في (عينات) قام بها (نادي اتحاد الشباب) سنة 1360، فمجلة (النهضة) فمجلة (زهرة الشباب) صدرتا من سيؤن سن 1360؛ فمجلة (الاعتصام) وهي الأخيرة صدرت منها.
وكل أولئك المجلات مخطوطة إلا (الإخاء والحلبة) فقد طبعتا بحروف مطبعية بعد أن بدتا بصورة خطية. على أنه يجب أن أذكر للقراء الكرام أن هذه المجلات جميعها تصدر في حجم صغير يتناسب مع حالة البلاد الأدبية والإجماعية.
ممباسا
(حضرمي)
1 -
إلى الأستاذ أبي رية
قلت - أيها الأستاذ الكريم - في مقالك (الحديث المحمدي) بالعدد 633 من (الرسالة): (أما حديث من كذب على (متعمداً)، فقد عنيت بالبحث عن حقيقته عناية كبيرة حتى وصلت من بحثي إلى أن كلمة (متعمداً) لم تأت في روايات كبار الصحابة، ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين عمر وعلي وعثمان، وأن الزبير بن العوام - وهو حواري رسول الله وابن عمته - قد قال عنها والله ما قال (متعمداً) الخ - وأقول إني رأيت في صفحة 133 من (الارتسامات الألطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف) للأمير شكيب أرسلان ما يفيد أن القائل (والله ما قال متعمداً) غير الزبير جاء في الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد رواية عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال (أي عبد الله ابن الزبير) قلت للزبير: مالي لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان، قال أما إني لم أفارقه منذ أسلمت ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من كذب علي فليتبوأ مقعداً من النار) قال وهب بن جرير في حديثه عن الزبير؛ والله ما قال (متعمداً) وأنتم تقولون (متعمداً) الخ وعلق المرحوم رشيد رضا على هذه الرواية بقوله في صفحة 134 (الحديث متواتراً صحيحاً بهذه الزيادة وممن رواها عن الزبير نفسه الأمام أحمد
والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجد في عبرة بإنكار وهب بن جرير لها عنه، فالقاعدة أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ووهب هذا قد تكلم فيه بعض رجال الجرح والتعديل، فقال ابن حبان كان يخطئ وأنكر عبد الرحمن بم مهدي والإمام أحمد ما رواه عن شعبة - فما رأيك. وأيها الأستاذ الجليل - في هذا كتب الأستاذ أبو شهبة في هذا الموضوع بالعدد 642 من الرسالة
إلى الدكتور جواد علي
قلت في مقالك (أول صلاة في الإسلام) بالعدد 636 من (الرسالة) عن هرون بن عمران أنه (لم يكن نبياً من الأنبياء) والصواب أنه نبي قال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً) مريم آية 52 وفي سورة طه ما يشير إلى أنه رسول (فأتياه - الخطاب لموسى وهارون - فقولا أنا ربك) الخ آية 47
أسيوط
محمد عبود
1 -
الأدب والجندية
طالعني أديب سكندري جليل الخطر بظاهرة عجيبة نسترعي الاهتمام، حين ذكر لن أن الذين تعاورا على رياسة جماعة نشر الثقافة في الثغر، إنما هم من ضباط البوليس خاصة، فالأمر إلى عبد المنصف محمود بك، والصاغ زكي غازي، والكبكباشي
أحمد الطاهر - الرئيس الحالي - كلهم ضباط من البوليس، ولم يتول الرياسة من (المدنيين) سوى الأستاذ خليل شيبوب، والأستاذ عبد اللطيف النشار.
وقال الصديق الأديب مداعباً: إن جماعة نشر الثقافة لم تعد على هذا الاعتبار جمعية أدبية، وإنما أمست (قره قولا) أي معسكراً للشرطة.
ونحن لا ندري وجهاً لاعتراض الأديب الفاضل، وإن كانت ملاحظته تبعث الاهتمام حقيقة، فلم يكن الأدب والجندية يوماً ضدين لا يجتمعان، والأدباء الضباط والشعراء في كل أمة يضيق الحصر دون ذكرهم، والجندي إذ يصدمه الواقع المرير لا عليه أن يلوذ بأطياف الأدب الجميل.
ولكن الذي نأخذه على جماعة نشر الثقافة في عهدها (العسكري) أن نشاطها لا يكافئ ما كانت عليه في العصر (المدني). وهذا ما نحب أن نوسيه إليه أنظار القائمين عليها من الأدباء الأمجاد.
2 -
هندسة الأدب
وليس الضباط وحدهم هم الذين ضربوا في الأدب بسهم، إنما شاركهم أيضاً المهندسون، ولقد كانت حفلتهم التي أقاموها منذ أسبوعين منتدى أدبياً، فهم أرادوا أن يبسطوا قضيتهم العادلة على جماعة من نواب الإسكندرية وأدبائها.
وكان جميلاً من هؤلاء المهندسين الأدباء أن أحداً منهم لم يحاول أن يعد خطابا مكتوبا يتلوه على الحاضرين، وإنما عمدوا إلى الارتجال في موضوعات هي من وحي الساعة، ولا يدفع في الذهن قط أنها هيئت من قبل. وكان جميلا منهم أن يحافظوا على سنن الفصحى فلا يلتوي بهم اللسان إلا في القليل من الألفاظ التي يخطئ فيها الفحول!
ولقد طالب المهندسون بتعديلات لفظية في القانون الجديد لنقابة المهند سين كأن تحذف عبارة (مساعد مهندس) ويتساوى المهندس والجامعي وغير الجامعي في المنزلة الاجتماعية والوظيفة الحكومية.
وإذا كانت الصحف اليومية قد لخصت قرارات مؤتمر المهندسين، فأننا لا يسعنا إلا أن نناشد ولاة الأمور على صفحات مجلة الأدب الرفيع أن تعمل على نصفة هذه الطائفة النافعة العاملة، فالمهندس خادم للفن، والفن قطعة من الأدب، وعالم ما بعد الحرب في حاجة إلى مهندسين يبنون ولا يهدمون، ليقيموا صرح الحضارة باذخا لا تقاذفه الأهواء.
(الرمل)
منصور جاب الله
القصص
اليد المقطوعة
للكاتب الفرنسي جي دو موباسان
بقلم الأديب محمد عبد اللطيف حسن
التف الجمع حول المسيو برمتير مدير الأمن العام الذي أمكنه أن يحل بذكائه ونباهته رموز جريمة سان كلود التي حيرت أهل باريس مدة عام كامل، وأن يكشف الستار عنها بما عرف عنه من مهارة البحث، ودقة التحري والاستقصاء
وكان المسيو ميتر جالساً يدخن غليونه في هدوء بجوار المدفأة التي كانت تتأجج فيها النار، وقد استلقى بظهره العريض الممتلئ على مقعد كبير مريح
وغادر بعض السيدات الموجودات وسط هذا الجمع مقاعدهن واقتربن منه ليتمكن من الإصغاء إليه وكن هو يسرد عليهن حوادث هذه الجريمة الرهيبة، ويروي لهن الغوامض والأسرار التي اكتنفها في ذلك الوقت من كل ناحية.
فلما انتهى من سردها التفتت إ ليه إحدى السيدات وقالت:
- إن هذه الجريمة تعتبر في نظري، بل في نظر الكثيرين أيضاً، من الجرائم الشاذة الخارقة لنواميس الطبيعة. . .
فأجابها المسيو متير وهو ينفث من فمه دخان غليونه في الهواء:
- إنها ليست يا سيدتي من النوع الشاذ الخارق لنواميس الطبيعة كما تظنين، وكل ما يمكنني أن أقوله عنها إنها ارتكبت بمهارة فائقة، ونفذت بطريقة متناهية في البراعة والدقة. وكان الغموض يكتنف هذه الجريمة من كل جانب حتى إنني لم أتمكن من حلها إلا بعد كثير من المشقة وطول البحث والتفكير. . .
وبعد أن سكت هنيهة تابع حديثه فقال:
- وقد مرت بي منذ بضع سنوات قضية يمكنني أن أقول عنها إنها شاذة خارقة لسنن الطبيعة، عنها بحق إنها شاذة خارقة لسنن الطبيعة، وهذه القضية هي الوحيدة التي لم أتمكن إلى الآن من حلها، ولم أوفق في العثور على أثر يساعدني على إجلاء غوامضها.
وقد اضطرت في النهاية إلى أن أنفض يدي منها بعد أن فشلت في الوصول إلى فك رموزها، وحل معمياتها الكثيرة
وكان لهذه البداية المشوقة التي استهل بها المسيو برمثير قصته أثرها في نفوس سامعيه، فلم يلبث أن طلب منه النساء والرجال الذين كانوا يصغون إليه بشغف زائد وانتباه عظيم أن يسرد عليهم تفاصيل هذه القضية العربية فارتسمت على شفتي المسيو برمتير ابتسامة خفيفة باهتة ثم اعتدل في جلسته وقال
كنت في الوقت الذي حدثت فيه وقائع هذه القضية الغامضة مفتشاً سرياً بمدينة أجاكسيو، وهي كما تعلمون مدينة صغيرة تقع على حافة خليج تحيط به الجبال العالية من كل جانب. . وكانت مهمتي الرئيسية هناك تدور حول كشف الجرائم التي يرتكبها أصحابها بدافع من الانتقام وحده. ففي ذات يوم علمت أن إنجليزياً غريباً عن تلك البلاد نزل في هذه المدينة واختار لسكناه دارة (فيلا) جميلة تقع في نهاية الطرف البعيد الممتد من هذا الخليج. وقد أحضرها الإنجليزي معه خادماً فرنسياً أثناء مروره بمدينة مرسيليا. وقد دارت الإشاعات الكثيرة حول هذا الإنجليزي الذي كان يعيش في هذه الدارة بمفرده، والذي لم يكن يغادرها إلا عندما يخرج للقنص والصيد فحسب! ولاحظ عليه سكان المدينة أنه لم يكن يخاطب أحداً من أهلها، ولا يسير في شارع من شوارعها إلا نادراً! وكان يتمرن ساعة أو ساعتين في صباح كل يوم على إطلاق النار من مسدسه الذي لم يكن يفارق جيبه الخلفي مطلقاً! وأشاع عنه بعض الناس أنه قدم إلى هذه المدينة بعد أن فر من بلاده لأسباب سياسية، والبعض الآخر أشاع عنه أنه ارتكب جريمة شنيعة فر بسببها إلى هذه البلاد هارباً من وجه العدالة! وكانت طبيعة عملي تحتم على إذ ذاك أن ألم بشيء من حياة هذا الرجل الغامض، الغريب الأطوار، بيد أني لم أنجح في ذلك في بداية الأمر. كان الاسم الذي عرف به هذا الإنجليزي بين أهل هذه المدينة هو السير جون رويل. وبالرغم من أنني كنت أقتفي أثره وألازمه ملازمة الظل في كل خطواته دون أن أشعره بمراقبتي له، فأنني لم ألحظ عليه ما يريبه أو يشين سمعته بشيء.
ومع كل ذلك فان هذه الإشاعات والأراجيف التي كان تقولها الناس عنه بالحق أو بالباطل لم تقف عند حد، بل لقد زادت في الواقع انتشاراً وذيوعا إلى درجة دفعتني إلى محاولة
الاتصال بهذا الرجل مهما كلفتني ذلك من جهد أو كبدني من مشقة وعناء. وكانت أول خطوة خطوتها لتحقيق غرضي أنني بدأت أصطاد بانتظام، وفي مواعيده معينة، في بقعة كبيرة مكشوفة بالقرب من مسكنه. وفي ذات يوم اصطدت طائراً سقط لحسن حظي في حديقة دارته الواسعة المترامية الأطراف، فأسرع كلبي الذي كنت أصطحبه معي دائماً عند خروجي للقنص والصيد وأحضر الطائر المصاب بين أنيابه وهو يلهث من شدة التعب. وقد انتهزت حينئذ هذه الفرصة التي أتاحتها لي الظروف للتعرف بالسير جون رويل الذي كان جالساً وقتئذ في حديقة منزله، فاجتزت المسافة التي كانت تفصلني عنه بخطوات سريعة واسعة، ثم قدمت إليه هذا الطائر - وكان من الطيور الغريبة النادرة المثال - على سبيل الهدية وأنا أعتذر إليه في نفس الوقت من تهجمي على حرمة مسكنه. فشكرني السير جون رويل بحرارة وإخلاص لم أكن أتوقعهما منه وتقبل مني هديتي البسيطة وهو يتمتم بعبارات الشكر والامتنان.
وقبل مضي شهر على هذا الحادث كنت قد تبادلت الحديث معه نحو خمس مرات أو ست، ولكنه كان حديثاً عادياً مألوفاً لا يقدم ولا يؤخر. وفي ذات مساء كنت أمر بجوار منزله فشاهدته جالساً في الشرفة يدخن غليونه بهدوء وقد أمسك في يده صحيفة يومية كان يطالع فيها بشغف واهتمام. فلما وقع بصره علي حييته برفع قبعتي، فرد تحيتي باسماً ثم دعاني إلى الجلوس معه فقبلت دعوته عن طيب خاطر.
وقد انتهزت حينئذ هذه الفرصة التي كنت أترقبها بفروغ صبر فسألته حين استقر بنا المقام عن تاريخ حياته الذي لا أعرف عنه حتى تلك اللحظة شيئاً! فعلمت منه حينئذ أنه سافر إلى أمريكا وأفريقيا والهند وكثير من الأقطار الأخرى. وبعد أن مرت بيننا لحظة سكوت قصيرة قال لي وهو يبتسم: (لقد صادفت أثناء تجوالي في تلك البلدان كثيراً من المخاطر والأهوال التي كادت تودي بحياتي في كثير من الأوقات لولا لطف الله ورعايته. .) وهنا أطلعني على كثير من التفصيلات العجيبة الخاصة بصيد فرس البحر، والفهود، والفيلة، والغوريلا وغيرها. فقلت له وأنا أعجب بغزارة علمه، وسعة إطلاعه:(إن هذه الحيوانات وحشية ومخيفة للغاية).
فأجابني محدثي وهو يبتسم بهدوء: (نعم هذه الحيوانات وحشية ومخيفة كما تقول، ولكن
هنالك بين البشر من هم أكثر وحشية وأشد شراسة وفتكا منها!) وتطرق الحديث بنا بعد ذلك إلى التكلم عن أنواع بنادق الصيد المختلفة. ثم دعاني بعد أن فرغنا من هذا الحديث إلى مشاهدة مجموعة البنادق والأسلحة التي كان يحتفظ بها في إحدى الغرف الخلفية للمنزل. واسترمي نظري في هذه الغرفة التي أدخلني فيها شئ غريب معلق على الحائط، وكان هذا الشيء موضوعاً داخل جراب من القطيفة السميكة الحمراء. فلما اقتربت من هذا الشيء لأتبينه عن قرب وجدته يداً بشرية كبيرة الحجم! وكانت هذه اليد المقطوعة جافة سوداء ذات أظافر طويلة مصفرة اللون، وعليها آثار دماء متجمدة سوداء قديمة العهد. وكان يلوح لي على هذه اليد أنها قطعت بمهارة فائقة عند اتصال أعلى الذراع بالكتف بآلة صلبة حادة.
ومما استرعى انتباهي أكثر من أي شئ آخر أنني رأيت جون معصم هذه اليد سلسلة حديدية متينة مشدودة إلى حلقة مثبتة في الحائط بدقة عجيبة، بحيث لا يقوى على انتزاعها من مكانها أقوى الرجال عضلا وأشدهم بأساً!
فلما راني السير جون رويل أحدق بدهشة وذهول في تلك اليد البشرية البشعة المنظر تلاشت الابتسامة التي كانت مرتسمة على شفتيه منذ لحظة وقال: (إن هذه اليد التي تراها معلقة على الحائط أمامك هي يد ألد عدو لي على ظهر البسيطة، وهو رجل زنجي من أهالي أمريكا الجنوبية، وقد قطعت يده هذه بفأس كبيرة حادة النصل بعد أن قتلته شر قتلة، ثم نزعت عنها جلدها الخارجي وجففتها في الشمس مدة أسبوع كامل واحتفظت بها بعد ذلك داخل هذا الجراب الذي تراها موضوعة فيه) وكانت أصابع هذه اليد اللعينة طويلة ملتصقا بعضها ببعض بقطعة كبيرة من القماش المتين. وقلت للسير جون رويل وأنا أشيح بوجهي عن هذه اليد التي كان يدل قطعها على منتهى الوحشية والقسوة: (أظن أن عدوك كان قوياً كبير الجسم؟) فأجاب الإنجليزي ببرود وجمود: (نعم لقد كان ضخماً قوياً في الواقع، ولكنني كنت في ذلك الوقت أقوى وأشد بأساً منه، وقد ربطت يده في تلك السلسلة الحديدية المتينة حتى لا تحاول الإفلات منها!) وظننت حينئذ أنه قال العبارة الأخيرة على سبيل الدعابة والتفكه فقلت: (ولكن هذه اليد لا يمكنها الإفلات بطبيعة الحال، ولا سيما بعد أن فصلت عن جسم صاحبها الذي قتلته شر قتلة كما قلت؟) فأجاب السير جون رويل وهو عابس الوجه،
مقطب الجبين: (لقد أخطأت القول يا صاحبي، فقد حاولت هذه اليد الإفلات فعلا عدة مرات، ولهذا لم أجد بداً من ربطها في هذه السلسلة القوية!) فنظرت إليه نظرة غريبة متشككة وظننت أن به مساً من الجنون، ولكن جمود وجهه وصرامة هيئته كانا يدلان على أنه جاد في قوله، صادق في زعمه. ولما سألته عن سبب قتله لهذا الرجل انقلب سحنته واكفهر وجهه ثم هز رأسه متأسفاً وقال:(هذا يا صاحبي سري الخاص الذي أحتفظ به لنفسي ولا يمكنني أن أبوح به لأي مخلوق. . .) وتبين لي وقتئذ أن السير جون رويل كان لا يزال يعيش في رعب دائم، وهلع مستمر من هذه اليد البشرية المقطوعة الكئيبة المنظر.
وبعد أن فرغت من التفرج على معروضات الغرفة استأذنت منه في الانصراف فأذن لي بعد أن أخذ مني وعداً بزيارته كلما سمح لي وقتي بذلك. وقد بررت بوعدي إياه فترددت على منزله عدة مرات ثم انقطعت فجأة عن زيارته لأسباب هامة شغلتني عنه. ولاحظت في هذا الوقت أن الأراجيف التي كان يروجها الناس عن السير جون رويل بدأت تخف حدتها، وتقل وطأتها شيئاً فشيئاً حتى تلاشت نهائياً في آخر الأمر. وفي صباح ذات يوم أيقظني خادمي وأخبرني أن السير جون رويل وجد مقتولا في منزله حوالي الساعة السابعة صباحاً؛ وهي الساعة التي اعتاد خادمه الفرنسي أن يوقظه من نومه. ولم تمض نصف ساعة على أثر سماعي هذا النبأ السيئ حتى كنت في منزل القتيل ومعي اثنان من مفتشي البوليس. وهنالك وجدت خادم السير جون رويل واقفاً على باب المنزل في انتظاري. وكان يبكي بحرقة وحرارة على وجهه آثار الحزن العميق والألم الدفين. وجال بفكري أولا أنه مرتكب هذه الجريمة دون غيره. ولكني لم ألبث أن نفيت عني هذا الخاطر بعد أن اتضح لي فيما بعد براءته مما نسب إليه. ولما فحصت جثة السير جون رويل التي كانت ملقاة على ظهرها وسط غرفة نومه وجدت سترته ممزقة شر ممزق، وكان أحد أكمامها منزوعاً من مكانه بشدة، فاستنتجت من ذلك أنه قد حدثت مشادة عنيفة بينه وبين القاتل. واتضح لي أيضاً بعد أن كشف على جثته أنه مات مخنوقاً لأن لون بشرته كان يميل إلى الزرقة الداكنة الضاربة إلى السواد. وكان يلوح على وجهه الجامد الصارم التقاطع آثار رعب هائل وفزع شديد. وقد لاحظت أن أسنانه كانت مطبقة بشدة على شيء غريب لم أتبينه في بادئ الأمر. وكان في أسفل عنقه خمس ثقوب صغيرة بارزة بحجم أصابع اليد.
وطبيعي أن هذه الثقوب قد نشأت من غرز أصابع يد قوية شديدة الصلابة. ولما وصل الطبيب الشرعي الذي قدم على أثرنا مباشرة، وفحص بصمات الأصابع الموجودة على عنق القتيل التفت نحوي وقال:(لقد نشأت هذه الثقوب التي تراها واضحة في أسفل العنق من تأثير ضغط يد بشرية قوية وهي في الغالب يد هيكل بشري أكثر منها يد إنسان حي!) فسرت في جسدي رعدة قوية عندما سمعت منه ذلك، وانتقل تفكيري بسرعة إلى تلك اليد المشئومة التي رأيتها في الغرفة الخلفية لمنزل السير جون رويل.
ولم تمض على ذلك برهة حتى كنت داخل هذه الغرفة، فلم أجد هذه اليد في مكانها من الحائطّ فدهشت لذلك دهشة عظيمة وتحيرت في تفسير هذا الأمر الغريب الذي لم يسبق أن صادفت مثله في حياتي الحافلة بالمهالك والمجازفات! ومما زاد في دهشتي وحيرتي أنني وجدت السلسلة التي كانت هذه اليد مشدودة إليها، مفككة الأجزاء، مقطعة الأوصال، وملقاة على الأرض بلا عناية!. . .
ولما عدت أدراجي إلى الغرفة الموجودة بها جثة السير جون رويل، انحنيت فوق جسمه الممدود على الأرض ثم فتحت فمه بأقصى قوتي وانتزعت الشيء الغريب الذي كان مطبقاً عليه بين أسنانه فوجدته لعظم دهشتي أحد أصابع اليد المقطوعة المختفية! ولم يؤد البحث الذي قمت به في ذلك الوقت في سبيل العثور على تلك اليد إلى نتيجة، ذهبت جهودي ومتاعبي أدراج الرياح! وعلمت من خادم القتيل عند استجوابي له، أن جميع أبواب ونوافذ المنزل كانت محكمة الإغلاق في الليلة التي ارتكبت فيها هذه الجريمة، ولم يسمع الخادم نباح الكلاب التي كان يطلقها السير جون رويل في حديقة المنزل كل ليلة مما يدل على أن أحداً غريباً لم يدخل المنزل من الخارج! كما أنه صرح لي ضمن أقواله التي أدلى بها إلى أن سيده كان يبدو قلقاً مشتت الفكر في الشهر السابق لوفاته، وأنه تسلم في أخريات أيامه رسائل كثيرة كان لا يلبث أن يلقي بها طعمة للنيران بمجرد قراءته لها! وقال أيضاً إنه كثيراً ما رآه ممسكاً في يده بهراوة ثقيلة؛ وقد تجلى في عينيه الرهيبتين بريق الشراسة والغضب، ثم يهوي بها بشدة وعنف على تلك اليد المقطوعة التي كانت معلقة على الحائط، والتي اختفت من مكانها فجأة في ليلة مصرعه! وزاد الخادم على ما تقدم فقال: (لقد آوى سيده إلى فراشه متأخراً في تلك الليلة المشئومة على غير عادته، وأوصد عليه باب غرفته
من الداخل. وقد اعتاد أن يضع مسدسه الكبير وسادته بعد أن يحشوه بالرصاص، ولكنه نسي ما أن يضعه في تلك الليلة في مكانه المعهود. .)
وسكت الخادم هنيهة ليسترد أنفاسه اللاهثة ثم تابع حديثه لي فقال: (وكثيراً ما كنت أسمعه يخاطب نفسه أثناء نومه بصوت عال مسموع كما لو كأن يشاجر إنساناً موجوداً معه بالغرفة! ولكن لم أسمع له صوتاً في تلك الليل التي قتل فيها، ولم أكتشف مصرعه إلا عند دخولي غرفته في الصباح بعد أن دفعت الباب بكل قوتي حين لم أسمع من الداخل رداً على نداءاتي
المتكررة. ولا يمكنني أن أتهم أحداً، أو أشتبه في أحد، لأنني لا أعرف له أعداء على الإطلاق، فضلاً عن أنه كان قليل الاختلاط بالناس)
ولما فرغ الخادم من الإدلاء بأقواله غادرت منزل القتيل ثم ذهبت إلى حاكم المدينة وأطلعته على كل التفاصيل التي عرفتها عن هذه القضية الغامضة. وعلى الرغم من التحريات الدقيقة التي قام بها مفتشو البوليس في المدينة - وأنا معهم - فانهم لم يتمكنوا من الوصول إلى معرفة القاتل الذي لم يترك وراءه أثراً على الإطلاق ولم يعثروا طوال مدة بحثهم أي أثر - ولو بسيطا - يستدل به عليه! ومن غريب ما حدث بعد ذلك أن أحد رجال الشرطة السريين أحضر إلي في الشهر التالي لوقوع هذه الجريمة تلك اليد المقطوعة التي اختفت في ليلة مصرع السير جون رويل، وأخبرني أنه عثر عليها بطريقة المصادفة على مقربة من قبر القتيل نفسه؟ فلما اختبرت هذه اليد وفحصتها بعناية ودقة بالغتين، وجدت أحد أصابعها ناقصاً! فتذكرت على الفور ذلك الإصبع الذي كان السير جون رويل مطبقاً بين أسنانه. وبمطابقة هذا الإصبع الذي احتفظت به معي بعد وقوع الجريمة بباقي أصابع اليد، وجدته بطابقها تمام المطابقة!
وبعد أن سكت المسيو برميتر سكتة قصيرة حول وجهه نحو مستمعيه ليرى تأثير قصته في نفوسهم ثم استطرد في حديثه فقال:
- هذه هي تفاصيل القضية الغريبة، وهي مع الأسف الشديد كل ما أعرفه عنها حتى يومنا هذا.
وهنا سألته إحدى السيدات وهي تجفف بمنديلها قطرات العرق الذي أخذ يتجمع فوق جبينها
فقالت:
- ولكن حل هذه الجريمة لم يزل غامضاً لنا يا سيدي إلى الآن؟ فابتسم المسيو برمثير ابتسامة مغتصبة وأجابها بقوله:
- إن الذي أمكنني أن استنتجه من خلال الحوادث والملابسات التي مرت بهذه القضية الغامضة، وهو أن صاحب هذه اليد المقطوعة لم يمت كما توهم السير جون رويل. والظاهر أنه تتبعه في كل رحلة من رحلاته، واقتفي أثره في كل مكان ذهب إليه، حتى استقر به المقام مدينة أجاكسيو. وهنالك أمكنه أن يقتله في منزله بيده الأخرى الصحيحة شر قتلة بعد أن نشبت بينهما تلك المعركة العنيفة التي أدت إلى مصرع السير جون رويل في النهاية. ويلوح لي أن المجرم انتزع اليد المقطوعة من مكانها بعد أن فرغ من ارتكاب جريمته، وغرز أصابعه في عنق القتيل تشفياً وانتقاماً منه ثم أخذها معه وفر هارباً. فلما دفن السير جون رويل ذهب هذا المجرم الجريء إلى مقبرته ووضع هذه اليد بجوارها، ليوهم الناس أنها هي التي قتلته من ناحية، وليضلل رجال البوليس من ناحية أخرى! فإذا كان استنتاجي هذا صحيحاً فلا شك أن القاتل قد نجح في تحقيق فكرته الشيطانية كل النجاح، ووفق في الانتقام من السير جون رويل كل التوفيق. وأما الطريقة التي دخل بها المجرم إلى منزل عدوه ثم خرج منه على الرغم من أن النوافذ والأبواب كانت موصدة كما ذكر الخادم في روايته، فهذا ما لم أجد له حلا ولم أتوصل إلى معرفته للآن!
محمد عبد اللطيف حسن