الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 657
- بتاريخ: 04 - 02 - 1946
هؤلاء الفرنسيون.
. .
للأستاذ سيد قطب
في الوقت الذي تنال فيه قضية سوريا ولبنان عطفنا وعطف الجامعة العربية، وتتمتع بالاهتمام الذي تستحقه من كل عربي، توجد قضية أخرى لا تتمتع بهذا الاهتمام بالدرجة الكافية. . . تلك هي قضية الشمال الأفريقي - الجزائر وتونس ومراكش - الذي ترتكب فيه الدولة الفرنسية أشنع مأساة يخجل منها المتحضرون.
والواقع أن أشنع ما ارتكبه الفرنسيون في سوريا ولبنان، لا يعد شيئاً بالقياس إلى ما يرتكبونه في الشمال الأفريقي إلى هذه اللحظة. فلم تزد شناعاتهم في سوريا ولبنان على فعلة حمقاء - جرباً على طبيعتهم في تاريخهم الطويل - بالقبض على رئيس جمهورية لبنان ووزرائه؛ ولم تزد على مؤامرة خسيسة دبروها لاغتيال أعضاء الوزارة السورية وأعضاء البرلمان في أثناء اجتماعهم؛ هذه المؤامرة التي فشلت لوقوع بيانات سرية في أيدي الحكومة السورية قبل تنفيذ المؤامرة الخسيسة! ثم ضرب دمشق بالقنابل مرتين في خلال عشرين عاماً. . .!
وهذه كلها بالقياس إلى ما يرتكب في الجزائر ومراكش خاصة لا تعد شيئاً. وقد هزت شعورنا تلك الحوادث التي ارتكبت في البلدين الشقيقين، فمن حق ما يقع في الشمال الإفريقي أن يثير نفوسنا وأن يدفعنا إلى التدخل الحاسم.
وأنا لا أتوجه بهذا الكلام إلى الجامعة العربية وحدها، ولا إلى رجال السياسة في البلاد العربية كذلك؛ إنما أتوجه إلى ضمير الشعوب العربية جميعاً. فأنا على ضعف ثقتي برجال السياسة في هذا الجيل لا أزال شديد الثقة في الجماهير، وفي ضمير هذه الجماهير؛ وهو وحده الضمان لتقوية الجامعة العربية ودعمها، ولدفع رجال السياسة مهما اعتور نفوسهم من الضعف والتردد.
فإلى هذا الضمير الشعبي العام أتوجه بالحديث.
ولكي لا أتهم بالتحامل فإني أعرض على قراء العربية صورة لتصرف الفرنسيين في الجزائر ليست من صنعي ولا من صنع كاتب عربي، إنما هي من رسم رجل فرنسي شذ فكان له ضمير! ولعله هو أيضا ضمير مدخول، فهو يكشف لأبناء وطنه عن شناعة الحكم
الفرنسي في الجزائر خشية أن يؤدى بهم هذا إلى فقدان الجزائر. فليس شعوراً إنسانياً هو الذي يدفعه إلى بسط سوء الحالة فيها، إنما هو روح استعماري بصير، هدأت فيه الحماقة التي هي طابع السياسة الفرنسية التقليدي في التاريخ!
هذا الكتاب هو المسيو (جان ميليا) من كبار الدبلوماسيين الفرنسيين، وقد ضمن ملاحظاته هذه كتاباً باللغة الفرنسية نستعرض هنا مقتطفات منه نقلها إلى العربية الأستاذ (محمد عبد الكريم) ونشرها مجلة (الشرق الجديد).
(ضرب المؤلف الفرنسي مثلا مما يسميه مواطنوه الفرنسيون قانوناً بالجزائر، بذلك القانون العجيب المسمى قانون الغابات.
(فالمستعمر الفرنسي يُمنح الأرض ليستغلها، وهو يُعطى ما يختاره بسخاء بدون مقابل. وقد حدث مرة أن احترقت غابة يستغلها فرنسي، وحامت الشبهة في هذا حول الوطنيين، فكان أن عمدت الحكومة إلى إصدار قانون ينص على أنه في حالة إحتراق أي غابة يملكها فرنسي، فإن العرب المقيمين في أقرب منطقة مجاورة للغابة يلزمون بدفع تعويض للمستعمر الفرنسي صاحب الغابة حسب ما يقرره حاكم المدينة.
(ويردف الكاتب الفرنسي ذلك بقوله: ومن يوم أن صدر هذا القانون أصبح شائعاً في أوساط المستعمرين الفرنسيين أن من يصاب في مشروعة بالفشل أو من يسوقة الحنين للعودة إلى بلاده فما عليه إلا أن يعمد إلى غابته يحرقها، ويبلغ الحاكم ليشهد في اليوم التالي إبلاً وغنماَ وحميراً وخياماً وأقوات أهل القرية المجاورة تباع كلها في السوق قسراً، ليعطى ثمنها تعويضاً لذلك الفرنسي عن ضرر أحدثه هو بيده!)
هذا ما قاله الكاتب الفرنسي، أما الذي لم يقله في هذا الصدد فهو أن المساحات الشاسعة من الحقول والبساتين تنزع ملكيتها من أيدي ملاكها العرب لتعطي إلى المستعمرين الفرنسيين حيث يطرد هؤلاء الملاك إلى البقاع الممحلة، حتى إذا راحوا يفلحونها بالجهد الشديد ويصلحون ترتيبها بسواعدهم وكواهلهم والبقية الباقية من أموالهم إلى أن تصبح صالحة للزراعة. . . عاد الفصل السابق يمثل معهم من جديد فيطردون منها لتعطى للمستعمرين من جديد!
ثم يقول المؤلف الفرنسي:
(إن حق المواطن في الجزائر يمنحه كل يهودي دون استثناء ولا يجوز منحه للمسلمين إلا لعدد قليل ممن يرى الحاكم الفرنسي منحه لهم: ولم ينتفع بهذا الحق حتى الآن من المسلمين أكثر من ألف وخمسمائة
(وجرمان رجل أولى حقوقه العامة كمواطن لا لجرم سوى أنه مسلم هو أعجوبة الأعاجيب في الأوضاع الدستورية، حتى أن (بارتلمي) أستاذ القانون الدستوري بجامعة باريس لم يستطيع كتمان تعجبه، فهو يسائل مواطنيه في مناقشته حتى الانتخاب بكتابه الذي يدرس بالجامعات الفرنسية: إنا لنعجب للتفرقة بين مواطنين من بلد واحد! كيف يمنح حق المواطن لأحدهما ولو كان من الرعاع لأنه يهودي، ويحرمه الآخر ولو كان مؤهلاً بالدكتوراه وحاملاً لوسام جوقة الشرف، لا لذنب إلا لذنب لأنه مسلم؛!)
وينقل الكاتب الفرنسي في كتابه شهادة كاتب فرنسي آخر هو (بليسيه دى رينو) حيث يرجع رينو (عدم تحقق الألفة بين الوطن الفرنسي إلى ما يكنه ويبديه الفرنسي للجزائري من مهانة واحتقار. فالمستعمر الفرنسي بل الحكام الفرنسيون يهبطون إلى أرض الجزائر مشبعين بفكرة وعقيدة لا تتزعزع، هي أنهم بين أعداء، وهم لهذا لا يبدون نحو العرب أي عطف أو حسن معاملة)
وينقل كذلك شهادة كاتب فرنسي ثالث هو (جوليوفيرى)(إن المستعمر يستبد بالوطني أي استبداد، وهو يستشعر العسف لا في أقواله فحسب، بل في سلوكه الذي لا يرعى فيه للعرب حقاً ولا كرامة)
هذا ما قاله المؤلف الفرنسي وما نقله من غيره. أما ما لم يقله، فهو أن كلمة (عربي)! هس من ألفاظ الشتائم والتحقير في الاصطلاح الفرنسي، فإذا شاء أن يشتم إنساناً أو يحقره نبزه بلفظ (عربي)!
وهذه حقيقة معروفة أضعها تحت أنظار العرب لينظروا في رد هذه الإهانة عن أنفسهم باحتقار كل ما هو فرنسي - مهما اشتدت حاجتهم إليه - واحتقار كل من يخدع بفرنسا أو ينتمي إليها، أو يرفع رأسه ليعجب بهؤلاء الذين يدعون أنفسهم متحضرين
أما الفرنسيون في مراكش فهم الفرنسيون في الجزائر - وفي كل مكان على ظهر هذه الأرض يبتلى باستعمارهم الوحشي.
بين يدي نشرة صغيرة وزعتها (رابطة الدفاع عن مراكش) في 11 يناير الماضي، بمناسبة (ذكرى عيد الجهاد الوطني) الذي بدأ في 11 يناير سنة 1944. وقد جاء فيها بأسلوب معتدل كل الاعتدال تحت عنوان (السياسة الفرنسية في مراكش) ما يأتي:
(هناك مبدأ شعاره السيف والمحراث، وهو مبدأ قديم ابتدع شعاره الكونت ديسلى منذ أوائل القرن التاسع عشر؛ والسيف رمز لقهر أصحاب البلاد وإرهابهم؛ والمحراث رمز لاستغلال كل الخيرات التي تشتمل عليها تلك البلاد، وإذا أردنا أن نقلب العبارة من الرمزية إلى الصراحة قلنا: الاستغلال بالقوة!
(ومراكش اليوم مستغلة بالقوة بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى. وفرنسا حجر عثرة في سبيل رخائها وتقدمها بأكثر مما في هذه العبارة من معنى. ومبدأ العرقلة يتمثل في كبت الحريات، وعدم التشجيع على التعليم، وعدم السماح بوجود صحافة حرة أو جمعيات حرة، وغير ذلك من الحقوق البسيطة التي تتمتع بها أحط المستعمرات في العالم. فالمثقف غريب في مراكش لا عمل له ولا مستقبل. بينما يتقلب الجهال في الوظائف العليا؛ وبذلك يساعدون على بث الانحلال في أداة الحكومة الوطنية. وسلطة الحماية تعرقل أيضا كل ما من شأنه أن يغير أسلوب الحياة الاجتماعي. وهي لا تسمح للصحف العربية بالدخول إلى البلاد ولا تسمح للطبقة المثقفة بإصدار الصحف لتنوير عقول الناس. وهي تعرقل قيام المؤسسات الوطنية الاقتصادية. وهكذا لا توجد وسيلة لعرقلة التقدم في مراكش إلا تفنن هؤلاء الموظفون في تنفيذها.
(أما سياسة السيف والمحراث أو الاستغلال بالقوة فهي تتمثل في نزع ملكية الأرض من الأهالي وتوزيعها على المستعمرين الفرنسيين؛ وفي تأسيس الشركات الاحتكارية التي تستحوذ على الصادرات والواردات، وتهيمن على السوق؛ وفي استغلال المناجم استغلالاً لا تعرف عنه مراكش شيئاً؛ وفي تسخير الأيدي العاملة بأجور زهيدة؛ وفي إشعار رجل الشارع بأنه دون الفرنسي؛ وفي فرض الضرائب الفادحة حتى أصبح المراكشي يدفع من الضرائب ما لا يدفعه أي شخص في العالم؛ وفي استغلال المياه الإقليمية والأنهار والغابات والمزارع وآبار البترول وكل الخيرات التي توجد في هذه البلاد. وقد تمت سياسة الاستغلال هذه بشكل أصبح يهدد كيان البلاد الاقتصادي بالإفلاس)
هذا ما قالته مذكرة رابطة الدفاع عن مراكش. أما ما لم تقله - ولديّ عنه أخبار وثيقة - فهو الوحشية البربرية المتبعة في نفي الزعماء السياسيين وتعذيبهم واختيار أماكن اعتقالهم، حتى أصبح معظمهم مريضاً بالسل. وهي وحشية مقصودة لتخويف الآخرين!
وليس لأحد أن يشك في صحة هذه البيانات المراكشية، فهناك ما يؤيدها في الجزائر بشهادة الكتاب الفرنسيين أنفسهم. فهي إذن سياسة واحدة تدل على هذه العقلية البربرية التي تعيش بها فرنسا في القرن العشرين في ساحات شاسعة تستحق الاهتمام.
ومما يدل على الظلم والجحود أن هؤلاء الجزائريين والمراكشيين هم الذين نصروا فرنسا في حربين متواليتين؛ فكل الشجاعة التي يتشدق بها الفرنسيون في معركتين كبيرتين في هذه الحرب والحرب الماضية - وهما معركة بئر حكيم ومعركة المارن - كان أبطالها هم الجزائريين والمراكشيين. أما الجندي الفرنسي - الذي يشيع المغرضون عنه خرافة الشجاعة - فقد تحطم وانهارت قواه وهو يدافع عن بلاده في الحربين على السواء
معركة المارن كسبها (الفيلق الإفريقي) وكانت نقطة التحول في الحرب العظمى. ومعركة بئر حكيم ثبت فيها الجزائريون واللبنانيون. ومعركة الصحراء الغربية كسبها جنود مستعمرة تشاد وإفريقية الاستوائية. أما الجندي الفرنسي فقد انهارت قواه أو استأسر استسار الجبان في كل مكان!
ثم تكون المكافأة التي يوحى بها الجحود لهؤلاء الذين نصروا فرنسا مرتين في ربع قرن هذه هي المعاملة القاسية!
ولكن مما يعزى الشرق العربي أن فرنسا قد انتهت - على الرغم من كل تشبث لها بالبقاء - انتهت، ومن واجب الشرق العربي أن يدق المسامير في نعشها
وآية انتهائها هو هذا الجمود في سياستها وعقليتها الاستعمارية، بينما الآخرون يحاولون التجديد، ولو في الألفاظ والأساليب
ففرنسا قد استحالت أمة جامدة متمسكة بكل وضع قائم تمسك الغريق. كانت هي الأمة الجامدة المحافظة في إلغاء الامتيازات بمصر بمؤتمر مونتريه. وكان هذا موقفها مع سورية ولبنان، فلم تبرم معهما المعاهدة التي اتفقا عليها، وكانت النتيجة أن فقدت نفوذها كله. وبالمثل كان موقفها في هيئة الأمم المتحدة وهي تتمسك بالاستعمار والانتداب ولا تقبل كلمة
(الوصاية) كما قبلتها إنجلترا الماكرة المرنة اللعوب!
هو التحجر. وهو آية الفناء. فليعمل كل عربي مخلص على الإسراع بهذه النهاية السعيدة. وليكن اهتمامنا بالشمال الأفريقي العربي ضربة حاسمة في دق المسمار الأخير.
سيد قطب
في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
- 25 -
ج2ص192: جواب الخوارزمي (عن رسالة الهمذاني): شريعة ودي لسيدي إذا وردها صافية، وثياب بري إذا قبلها ضافية، هذا ما لم يكدّر الشريعة بتعنته وتعصبه. ولم تحترق الثياب بتجنيه وتسحبه، فأما الإنصاف في الإخاء فهو ضالتي عند الأصدقاء، ولا أقول:
وإني لمشتاق إلى ظل صاحب
…
يرق ويصفو إن كدرت عليه
فإن قائل هذا البيت قاله والزمان زمان، والإخوان إخوان، وحسن العشرة سلطان. ولكني أقول: وإني لمشتاق إلى ظل
رجل يوازنك المودة جاهداً
…
يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبة خردل
…
مالت مودته مع الرجحان
وقد كان الناس يقترحون الفضل فأصبحنا نقترح العدل، وإلى الله المشتكى لا منه.
قلت: أغلب الظن أن الأصل (ما لم تكدر الشريعة. . . ولم تخرّق الثياب) بالخاء لا بالحاء. وعجز البيت الأول هو: (يروق ويصفو إن كدرت عليه) والبيت الأول لأبي العتاهية، وقبله:
عذيري من الإنسان لا إن جفوته
…
صفالي ولا إن صرت طوع يديه
والبيتان صوت، في الأغاني في خبر:
(قال علّويَةْ: فدخلت إلى المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الديوان، وأغني بالصوت (بالبيتين) فسمع المأمون والمغنون ما لم يعرفونه فاستضرفوه، وقال المأمون. ادن يا علويه، ورده، فرددته عليه سبع مرات، فقال لي في آخرها عند قولي (يروق) يا علويه: خذ الخلافة، وأعطني هذا الصاحب).
وجواب الخوارزمي عن رسالة الهمذاني (وما أوردته هو قسم منه) لم أجده في رسائل أبي بكر المطبوعة في قسطنطينية سنة 1297 كما لم أجد رسالة أخرى للخوارزمي رواها ياقوت وذكره الهمذاني في حديث المناظرة المشهورة. وهذه الرسالة جواب عن رسالة للهمذاني. ولا ريب في أن الرسالتين هما للخوارزمي وفقدهما في تلك الطبعة دليل على
خلوها من غيرهما.
يقول الإمام الثعالبي في اليتيمة: أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي باقعة الدهر، وعلم النثر والنظم، وعالم الفضل والظرف، وكان يجمع بين الفصاحة العجيبة والبلاغة المفيدة، ويحاضر بأخبار العرب وأيامها ودواوينها، ويدرس كتب اللغة والأدب والنحو والشعر، ويتكلم بكل نادرة، ويبلغ في محاسن الأدب كل مبلغ، ويغلب على كل محسن بحسن مشاهدته، وملاحة عبارته، وديوان رسائله مخلد سائر، وكذلك ديوان شعره.
وفي (وفيات الأعيان) أبو بكر أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير كان إماماً في اللغة والأنساب، وله ديوان رسائل وديوان شعر، وكان يشار إليه في عصره، وهو إن أخت محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ، مات سنة (383).
وجاء في (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة) قال الحاكم: كان واحد عصره في حفظ اللغة والشعر.
ذلكم أبو بكر الخوارزمي، وتلكم منزلته، فلن تخدع أحداً براعة (البديع) وشيطنته وشعبذته في رسالته ذات الأفانين في تلك المناظرة. ومن يصدق أن الخوارزمي لا يعرف (أن للشاعر أن يرد ما لا ينصرف إلى الصرف كما أن له رأيه في القصر والحذف) ويجهل أن معنى (كند النعمة كفرها) ويقول:(ذئب غاض. . . يأكل الغضا) وينظم (تسعة أبيات جمع فيها بين إقواء وإكفاء وإخطاء وإيطاء) فيقول البديع (لمن حضر من وزير ورئيس وفقيه وأديب: أرأيتم لو أن رجلاً حلف بالطلاق الثلاث لا أنشد شعراً قط ثم أنشد هذه الأبيات فقط، هل كنتم تطلقون امرأته؟ فقالت الجماعة: لا يقع بهذا الطلاق. . .).
من يصدق هذا الشيطان (بديع الزمان) في الذي نمقه وزوقه، وقد سمعنا قصته، وغابت عنا مقالة خصمه وإن أيقنا بأن بداهة الفتى أعجزت روية الشيخ. ورسائل الخوارزمي تحقق قول الثعالبي وغيره فيه، وتخبر بأن منشيها يفوق الهمذاني علماً وسعة اطلاع. وكلام أحمد بن الحسين الهمذاني ألطف وأرشق، وكلام الخوارزمي أرصن وأدق، وهو مسجع وكأنه مرسل.
ولأبي بكر رسالتان عجيبتان كتب الأولى إلى جماعة الشيعة بنيسابور، وكتب الثانية إلى أبي الحسن البديهي الشاعر. وقد اشتملت كلتاهما على إشارات وأسماء كثيرة تدهشان
القارئ، وتطيلان تعجبه من تلك الإحاطة. وتشاكل الأولى في الاستقصاء رسالة أبي العلاء في تعزية خاله ابن سبيكة بأخيه. وتشبه الثانية رسالة ابن زيدون إلى ابن عبدوس الملقب بالفار؛ وهذه مشهورة، شرحها ابن نباتة المصري. والظن بل اليقين أن ابن زيدون قد وقف على رسالة الخوارزمي وقلدها واقتبس منها. ورسالة الأول أطول وأكثر تشعباً، ورسالة الثاني أقصر، والمقصد في الرسالتين واحد، وهو التقريع والتهكم. وهذه الإغارة - وسمها معارضة - لا تنقص شيئاً من مقدار ابن زيدون الشاعر الساحر والناثر القادر، و (الذي رزق السعادة في سعة العبارة) كما قال صاحب (الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم)
أوردُ من رسالة أبي بكر إلى جماعة الشيعة بنيسابور هذه القطعة نموذجاً، وهي العقيدة، وهي الخصومة، وهو الخوارزمي الداهية يلغو (يتكلم) كما يهوى:
(. . . وقل في بني العباس فأنك ستجد بحمد الله تعالى مقالاً، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالاً. يجبى فيؤهم فيفرق على الديلمي والتركي، ويحمل إلى المغربي والفرغاني، ويموت إمام من أئمة الهدى وسيد من سادات بيت المصطفى فلا تتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته. ويموت (. . .) لهم أو لاعب، أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهرياً أو سوفسطائياً، ولا يتعرضون لمن يدرس كتاباً فلسفياً أو مانوياً، ويقتلون من عرفوه شيعياً، ويسفكون دم من سمى ابنه علياً).
ثم يَعلق الخوارزمي يقول. . . ويجول. . .
أخبرني العلامة الأستاذ أمير البيان الأمير شكيب أرسلان أنه كان ينوي شرح هذه الرسالة. وقد ثناه عما نواه أن الشرح يشيّع ناراً أشعلتها المذاهب والمقالات، ويزيد (الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً) تفريقاً، ويظَّلم كباراً لم يكونوا ظالمين، وكانوا خير مظاهرين لشائد هذا المجد. والأمير شكيب يستظهر رسائل الخوارزمي كلها، ذكر ذلك في إحدى مقالاته في جريدة (المؤيد) يوم سأله أحد الأدباء كيف وصل في الكتابة والأدب إلى هذه المرتبة العليا.
وهذه نتف من رسالة الخوارزمي إلى البديهي:
(. . . كأنك لم تخلق إلا لتطمس عين النور، وتقلب أعيان الأمور، وتعكس البدعة سنة حتى كأن سوفسطا استخلفك على جحد ما يدرك عياناً، ويعرف إيقاناً.
(. . . ولو ذوكرت في القائم ادعيت أنه مضى. . . ولو ذكر أبو جهل حكمت له بالإسلام، ولو مررت بإيوان كسرى استقللت بنيانه، ولو رأيت إرم ذات العماد استصغرت شأنه، ولو خوطبت في التراويح أخذت بابتداعها الشيعة، ولو عد الأجبار والتشبيه ألزمت دينهما المعتزلة، ولو حلم الأحنف بن قيس استخففت عقله، واستعظمت جهله، ولو تعجب الناس من بناء الهرمين أخذت تذكر انتقاصه ووهنه. . . ولو فضل التوحيد أفردت به النصارى. . .)
(لقد أعجبت بنفسك الخسيسة التي لا تستحق العجب حتى كأن كسرى أنو شروان حامل غاشيتك، وكأنك قارون وكيل نفقتك، وكأن بلقيس ذات العرش العظيم دايتك، وكأن مريم البتول أمتك، وحتى كأن العود وجميع الملاهي وضعت لطربك، وحتى كأن المريخ يستقي من صولتك ومضائك، وعطارد يستمد من لطفك وذكائك، وحتى كأن زرقاء اليمامة لم تنظر إلا بمقلتك، وكأن لقمان لم ينطق بغير حكمتك، وكأنك بنيت منارة الإسكندرية من آجر دارك، وكأنك علمت زياداً السياسة، وأفدت عبد الحميد الكتابة، ولقنت يحيى بن خالد الفصاحة، وألقيت على الحسن البصري المحبة، وعلى الحجاج بن يوسف الثقفي الهيبة، وحتى كأنك زرعت غوطة دمشق، وشققت أنهار البصرة، وهندست كنيسة الرها، ووضعت قنطرة سنجة. . . وحتى كأن فضائل أمير المؤمنين علي عليه السلام من فضائلك مسترقة. وحتى كأن خالد بن الوليد قاتل تحت رايتك، وقتيبة بن مسلم فتح البلاد ببركة دعوتك، وحتى كأنك وضعت التقويم لآدم بن يحيى، وحللت الزيج الأول، وعدلت الطبائع الأربع، وحتى كأنك كشفت لبطليموس الفلك حتى نظر إليه، ومثلت لجالينوس تركيب الجسد حتى وقف عليه، وحتى كأنك أورثت بني أسد العيافة وبني مدلج القيافة، وعلمت شقا وسطيحاً الكهانة، وحتى كأنك علمت حاتم بن عبد الله السخاء، والسموءل بن عاديا الوفاء، وقيس بن زهير المكر والدهاء، وإياس بن معاوية الفطنة والذكاء، وأخذ عنك سيف بن ذي يزن أخذ الثأر، والإدراك بالأوتار، وحتى كأنك لا أحد أعلم منك فأضربه مثلاً، ولا أعلى منك فأجعله غاية وأمداً، ومن شبهك به فقد رد الوصف إليك، ووفره عليك، والقرد لا يشبه بغيره، والراجح لا يوصف بمن تقاصر عن رجحان قدره. . .)
(قد اتفق الناس على ضياع النسخة الأولى من كتاب العين فأمله علينا، وأجمعوا على ذهاب
قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود فأخرجهما إلينا، وتخالف الناس في المهدي وشكوا في السفياني وفي الأصفر القحطاني فعرفْنا متى يخرجون؟ فإني أعلم أنهم إليك يختلفون، وفي أمرك ونهيك مترددون، وبمشورتك يغيبون ويحضرون. وآل أبي طالب قد علمت أنهم مسلوبون حقهم، ومغصوبون إرثهم، فتقدم إلى غلامك الدهر بأن يرفع رايتهم، ويرد إليهم ولايتهم. . .)
(. . . إني - وفقدِك - فلا شيء أعز علي منه ولا أحسن منه ما سمعت قول علي بن جبلة في أبي دلف:
إنما الدنيا أبو دلف
…
بين بادية ومحتضرة
فإذا ولى أبو دلف
…
ولت الدنيا على أثره
إلا غضبت عنك عليه، واعتقدت أنه سرق صنعتك، وأعار أبا دلف مدحتك، ولا سمعت قول ليلى:
فتى كان أحيا من فتاة حيية
…
وأشجع من ليث بخفان خادر
إلا قلت: فكيف لو رأت ليلى أخاها فتعلم دعواها من دعوانا؟
أنت (رحمك الله تعالى) من أيدي هؤلاء الشعراء الكذابين مرحوم، وفيما بينهم مظلوم؛ سلبوك علاك وهي حلاك، ونحلوها قوماً سواك، والمدح الكاذب ذم، والبناء على غير أساس هدم. . .)
اجتزئي بهذه النتف القصيرة القليلة من تلك الرسالة المتبحبحة المتفننة الطويلة.
وللخوارزمي شعر كثير جيد، منه هذه المقطوعة في نقد الألقاب في زمانه:
مالي رأيت بني العباس قد فتحوا
…
من الكنى ومن الألقاب أبوابا
ولقبوا رجلاً لو عاش أولهم
…
ما كان يرضى به (للدار) بوابا
قل الدراهم في كفي خليفتنا
…
هذا فأنفق في الأقوام ألقابا
وأختم الحديث عن أبي بكر بهذا الخبر الدال على فرط كلفه بالعلم: (قيل لأبي بكر الخوارزمي عند موته: ما تشتهي؟
قال: النظر في حواشي الكتب. . .!)
وأين صالحية مصر؟
للأستاذ أحمد رمزي
كتب الأستاذ علي الطنطاوي مقالاً في عدد الرسالة الماضي تحت عنوان من (ذكريات بغداد)، أشار فيه إلى صالحيتين فقال (بروحي صالحية دمشق وصالحية بغداد)، ونسي صالحية مصر، فسامحه الله - لذا جئت أذكره بها.
أما موقعها فعلى نهاية الخط الحديدي المعروف بها، وكانت تربطها بالقنطرة سكة حديدية، أقيمت أيام الحرب الماضية، ثم نزعت قضبانها الحكومة المصرية لسبب لا يعلمه إلا الله، وبقيت المحطات بين الصالحية والقنطرة أنقاضاً، تذكّر الناس بحملة فلسطين وأنفار السلطة، وكانت القطارات تمر على الخط بعد منتصف الليل، ولا يزال صدى صوت المجنّدين للسلطة وأغانيهم البريئة يرن في أذني، حينما كنا صغاراً فيقطع نومنا الهادئ صفير القطارات العسكرية تحمل العتاد والرجال للجبهة في شرقي القنال.
وصالحية مصر، فيها جمال الواحة وجمال الريف، ولقد دخلتها وقت طلوع الفجر، فأخذتني روعة الصحراء، ورأيت الرمال ممتدة إلى نهاية النظر، تلك الرمال التي قال عنها العرب: الجفار والغرابي والهبير، وهي الواقعة وراء جبال طي إلى أرض مصر، أما نخيلها فيبدو كغابة من غابات إقليم الشرقية، التي ينفرد بها إقليم الحوف كما كان يطلق عليه قديماً، إذا أتيت إليها من الغرب مشرقاً، شممت لأرض الحوف نسيماً أرق من نسيم الدلتا، لأنه يحمل أريج الصحراء، وإذا نظرت إلى نخيل الصالحية عند الشروق أو في ليالي القمر، شهدت منظراً لا تشبع العين منه، وتحس في صالحية مصر بالنشاط الذي يملأ النفس والجسد، ويجعلك تفكر في آفاق بعيدة فيما وراء النظر، فيما وراء هذه الرمال، حيث مشرق الشمس ومطلع سراج الدنيا. والصالحية من بناء سلطان عظيم، هو الملك الصالح نجم الدين أيوب، طيب الله ثراه، أنشأها سنة 644 هجرية، على طريق القوافل بين مصر ودمشق، لتكون منزلة لعساكر الإسلام، إذا خرجوا من مصر للجهاد في الأراضي المقدسة، أو عادوا من الحرب إلى مصر، وبنى بها قصراً وجامعاً وسوقاً، وكان ينزل بها ويقيم فيها، ودخلها من بعده الكثير من ملوك مصر وأمرائها في ذهابهم للفتوح ودعوتهم منها، ولذا تألق اسم الصالحية في تاريخ مصر العربي، وعرف صعيدها الكثير من العز والمجد، وورد ذكرها
في مختلف التواريخ والسير.
وأهلها من صميم العرب، لهم في التاريخ والمواقف الخالدة، وكانت الرياسة فيهم ولا تزال إلى اليوم في آل الحوت، وهم فرع من بني سليم، جاءوا مع السيد عزّاز صاحب الجزيرة البيضاء، وكانت هذه النواحي وما حولها من قديم الزمن وقبل بناء الصالحية منازل لجماعات من القيسية واليمنية، وكان كبيرهم ربيعة بن قيس، ورد ذكره إبان حوادث المأمون وأخيه الأمين، فهو الذي تمسك ببيعة الأمين الخليفة العباسي، وكانت مصر قد خطبت باسم المأمون وله عامل بالفسطاط، فبعث برجل أسمه الجروي، الذي سار في جماعة من لخم وجذام إلى بلدة فاقوس، فنزل مع قومه بها وكانت له مع قبائل البلاد وقائع وحروب.
وكانت هذه المناطق موطناً للعرب، ومن بني عمرو وبني حرام وبني عقبة وبني زهير وبني واصل والبقرية، وهم الذين تفرقوا في النواحي وعمروا القرى والبلاد ببطونهم وأفخاذهم.
ولما تم بناؤها أصبحت الصالحية من أهم منازل الدرب السلطاني الذي كان يربط قلعة مصر القاهرة بقلعة دمشق، طوال الأزمان الماضية، وقد وصفه المقريزي فقال أنه كان عامراً إلى سنة 806 هجرية، وكان لا يخلو من المسافرين لأنه ممر البريد السلطاني بين العاصمتين. ولما جاء الفرنسيون رسموه على خرائطهم ووضعوا عليها أماكن الآبار، وساروا فيه بجنودهم إلى الشام وفي عودتهم إلى مصر.
ولقد قطعت الطريق بين مصر وفلسطين في ذهابي إلى سوريا وعودتي منها مراراً عديدة، وكنت أقطع القنال أحياناً من السويس وأحياناً من الإسماعيلية مخترقاً سينا، وكنت كلما لاح لي نخل القرين وأنا على مفترق الطريق قبل بلدة التل الكبير، أذكر الدرب السلطاني القديم، الذي كان يتجه من العباسة إلى بلدة القرين ثم إلى الصالحية، وأحدّث نفسي بالآمال فأقول (متى يعبّد للسيارات فتسير عليه)، ومتى تهتم السلطات المختصة بالنواحي التاريخية؟ أليس في كل مرحلة منه ذكريات، وفي كل محطة بريد أثر أو بقايا أثر، يحدثنا عن ماضينا المجيد الذي يحاول البعض أن تنساه مصر، وما كان لمصر أن تنساه.
وهذا الدرب السلطاني يعرفه ابن بطوطة الرحالة المشهور فقد سار فيه وتحدث عن
منازله، ووصفها بقوله (ولكل منزل منها فندق ينزل فيه المسافرون بدوابهم، وبخارجه ساقية للسبيل وحانوت للشراء) وذكر الصالحية عند نزوله بها.
أما الشيخ عبد الغني النابلسي فكان أوسع وصفاً منه حينما تناول الصالحية بكلامه، فقال (وفي داخل القرية جامع السلطان قايتباي وعمارته متينة، له إيوان عريض فيه المنبر والمحراب وله منارة عظيمة. . . وأهل الصالحية حارتان متميزتان في الألفاظ والمعاني فمنهم القيسي الأحمر واليمني الأبيض)
ولو شئت دليلاً على قيام القيسية واليمنية بقرى مصر، فأذهب اليوم إلى بلدة السماعنة من قرى فاقوس، تجد فتياتها لا يتخذن غير اللون الأبيض لخمارهن، وإذا جئت لجزيرة سعود وجدت نساءها يلبسن الحزام الأحمر، ولا تعرف واحدة منهن شيئاً عن النزاع القديم الطويل الأمد بين اللونين، والذي يمكن تتبعه من خراسان إلى ما وراء النهر في أواسط آسيا والعودة به إلى أيام الجاهلية، والتحدث عنه في الجزيرة الخضراء أي بأرض الأندلس.
ونعود إلى الصالحية فنقول إن موقعها على طرف الأراضي الزراعية وعلى حافة الصحراء، قد جعل منها مركزاً هاماً لتجمع وحشد الجيوش الإسلامية في القرون الوسطى، حتى بعد انتهاء الحروب الصليبية، فورد اسمها كثيراً في حملات ملوك مصر ضد هولاكو وأبنائه وأحفاده، وكانت لها شهرة تاريخية بتوالي هذه الحروب، وتتابع الأحداث التاريخية والمواقف الرائعة التي حدثت بها.
ففي سنة 656 هجرية دخل هولاكو بغداد مقتحماً الجزء الغربي من بلاد المسلمين فقضى على خلافتهم، وكان جدّه قد سبقه عام 618 فدّمر الأجزاء الشرقية من أرض الإسلام في بخارى وسمرقند والري، فأراد أن يتم عمله بتدمير مصر والشام، ولذا زحف على حلب واستولى عليها، وبعث برسالة إلى سلطان مصر الملك المظفر، يهدّد ويتوعد، وسار إلى دمشق ففتحها، وكان المظفر من أبطال المسلمين، فلم يرهبه التهديد ولا الوعيد، وكانت جيوش هولاكو لا تقهر ولم يسبق لقوة في العالم أن هزمتها أو صمدت أمامها، فاكتسحت بقية الشام ووصلت طلائعها إلى غزة فقام المظفر يدعو إلى الجهاد، واتخذ الصالحية مركزاً تجتمع فيه الجيوش المصرية، وكان الناس في قلق وخوف ووجل، حتى هاجر الكثيرون
إلى بلاد اليمن وبرقة والنوبة، ولما تكامل حشد الجنود في معسكر الصالحية؛ طلب السلطان الأمراء وتحادث معهم بشأن الرحيل لقتال هولاكو وجنوده، وكان الرأي الغالب أن جيش التتار لا يقاوم ولا يدفع، فلم ينطق أحدهم بكلمة واحدة بل امتنعوا عن الكلام فاحتد السلطان وقال لهم (يا أمراء، لكم زمن تأكلون أموال بيت المال وأنتم للجهاد كارهون، وأنا متوجه فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع لبيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين) ولما جاء الليل ركب المظفر وقال (أنا ألقي التتار بنفسي).
فقويت العزائم وسار الأمراء معه وتحرك الجيش إلى الشام، والتقى الجمعان في يوم الجمعة 15 رمضان سنة 658 هجرية بأرض فلسطين، في بلدة عين جالوت وهي المعركة التي صرخ فيها السلطان ثلاثاً (وا إسلاماه) فمن الله بالنصر المبين عليه، فخلصت الشام ونجحت مصر.
كان هذا الجمع في النصف الأخير من شعبان سنة 658 بالصالحية، وكنت كلما قرأت عنه في المراجع؛ أحدّث نفسي؛ متى أرى نصباً تذكارياً على ربوة عالية، في ميدان متسع، يذكر الناس ويوحي إلى الأجيال القادمة، بهذه الوقفة الرائعة به وهذه كلمة واحدة قد غيرت تاريخ المشرق ولو صدر مثلها من ملك من ملوك أمة من بعض الأمم لنقشوها على الأحجار وللقّنوها للأحداث والنشئ عندهم، وليس هناك أحق من الصالحية في نظري بمثل هذا الأثر، الذي يعلم الناس ما يجهلون من آيات تاريخهم، لأن على أرضها قيلت هذه الكلمة الفاصلة.
ويطول بنا الكلام إذا تحدثنا عن كل ملك نزل بها وأقام فيها، ولكني أكتفي بمناسبة سارة. ففي يوم الاثنين 20 المحرم سنة 701 عاد الناصر محمد بن قلاوون من الصيد بالبّرية إلى معسكره بالصالحية، وكان هناك بعثة من قازان ملك التتار من سلالة هولاكو، فخلع السلطان على الأمراء واستعرض الجيوش، فدهش السفراء من زي عساكر مضر واستعدادهم، وقال المقريزي (إن الرسل أدخلوا إلى الدهليز السلطاني بالصالحية بين يدي السلطان، وقد أوقدت الشموع والفوانيس والمشاعل وغيرها، حتى أن البرّية أصبحت حمراء تلتهب نوراً وناراً، فخلع عليهم وأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم)
وانصرفوا بكتاب من الملك الناصر.
ومثل هذا كثير لو تناولناه بالجمع في تاريخ الصالحية لأخرجنا كتاباً عنها، ولكنها نظرات عابرة في حياة بلدة أعزها ولها مكانة في نفسي، أكتبها لعلمي بأن البلدان والرسوم والأطلال مثلها كمثل الرجال تتكلم أحياناً، وتوحي عن ماضيها ولا سيما إذا حفل هذا الماضي بعظائم الأمور.
ونزلها آخر ملوك مصر المستقلة، السلطان الغوري في يوم الثلاثاء 25 ربيع الآخر سنة 922 هجرية، ولما أراد الرحيل أذن لخليفة الإسلام وللقضاة الأربعة أن يتقدموه إلى غزة. وكانت رحلة بعيدة عن السعد، اختتمت بها مصر حياتها الحرة، فانتهى عهد وبدأ بها عهد، وجاء ذكر الصالحية في تاريخها كنغمة غير مسموعة، وسط قطعة موسيقية مملوءة بنغمات أقوى، ولكنها كانت للأسف نغمات الحزن والأسى والدموع. . .
هذه صالحية مصر، أشير إليها كي يذكرها الناس في وقت نسى الناس فيه كل شيء، وتقرر الحكومة المصرية فيه إنشاء مركز جديد، يقتطع من أراضي مركز فاقوس، فتقلب جميع الأوضاع، وتدرس مختلف الأسماء، وشتى القرى والبلاد، وتنسى الصالحية، كما نسيها الأستاذ الطنطاوي سامحه الله - وأجتهد أن أذكر الناس بها، وأحاول ذلك المرة بعد المرة، فلا يسمع لي أحد، ولكن الصالحية هي من بناء ملك عظيم، وكانت من منازل عظماء الملوك، ومنها خرجت جيوش الإسلام وعادت إليها منصورة. فكم منا من يعرف ذلك ويذكره! وكم من أهلها يعرف أن هذا الثرى الذي يمشون عليه، حمل أعلام العز والمجد والقوة والعمل في سبيل الله؟ لن يضيرها أن تتجاهلها وزارة الداخلية ولكن يضيرها أن ينساها الناس ولاسيما أهلوها.
أحمد رمزي
القنصل العام السابق لمصر بسوريا ولبنان
من أخلاقنا:
الأمانة. . .!
للأستاذ علي الطنطاوي
جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافق آية يعرف بها بين الناس، ومن آياته أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان. وهذه الثلاث أركان الحياة الخلقية الاجتماعية، وتضافرت الآثار على ذم الكذب وأهله، ومدح الصدق وأهله، وبيان خطر الأمانة وأنها عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وهنّ كنّ أقوى عليها، وحملها على ضعفه الإنسان. . . وإن المسلم ربما ألم ببعض الذنوب ولكنه لا يكذب أبداً، كما جاء في الحديث.
ثم إنك مع ذلك كله تجد المنتسبين إلى الإسلام اليوم، من أرباب الصناعات وأهل السوق، أكذب لهجة، وأخلف وعداً، وأضيع لأمانة من كثير ممن ليسوا مسلمين، حتى صار المثل يضرب بالوعد الشرقي في خلفه وإضاعته والتأخر عنه، وصار من يريد أن يؤكد وعداً يصفه بأنه (وعد أوربي)!
اللهم إن هذا لمن العجب العجاب!!
إن الله بيّن خطر الأمانة، وأنزلها هذه المنزلة، وخوّف من حملها لأنها جماع الأخلاق، وسلْكة عقد الفضائل، وعمادها، فما من شعبة من شعب الأخلاق والخير الاجتماعي إلا إليها مردّها، وما خصلة من خصال الشر إلا والخيانة أساسها وحقيقتها، وليست الأمانة هي أن تحفظ الوديعة حتى تؤديها إلى صاحبها (فقط)، فإن هذه صورة من صورها، وشكل من أشكالها، وإن السلطان في يد الموظف أمانة، وضعه في غير موضعه، أو اتخذه وسيلة إلى جلب منفعة له أو لأسرته أو لأصحابه فقد خان أمانته، والدرجات أمانة في يد الأستاذ الممتحن يوم الامتحان، فإن أعطى منها واحدة لغير مستحقها أو منع واحدة من يستحقها أو راعى في منحها شفاعة أو صداقة أو بغضاً أو موجدة فقد خان أمانته، والقدرة على الحكم أمانة في يد القاضي فإن زاغ عن الحق شعرة فقد خان، والعمل أمانة في يد الأجير المستصنع، فإن قصر في تجويده أو أفسد فيه شيئاً ولو كان الفساد خفياً لا يظهر فقد خان، واعتقاد الناس بك الصلاح والتقى أمانة في يدك، فإن اتخذت هذا الاعتقاد سبباً إلى جمع
المال، وعملت من لحيتك العريضة وعمامتك المنيفة شبكة لاصطياد الدنيا، أو كتمت الحق ابتغاء الخطوة عند العامة أو الزلفى إلى الحاكم فهي خيانة، إلى غير ذلك من الصور والأشكال.
بل إنك إذا دققت وتلطفت وجدت هذه الجوارح التي أعطاكها الله أمانة في يدك، فإذا نظرت بعينك إلى حرام أو حركت به لسانك أو خطوت إليك برجلك، أو مددت إليه يدك، فقد خنت أمانتك، بل إن عمرك كله أمانة لديك، فلا تنفق ساعة منه إلا فيما يرضي (صاحب الأمانة)!
فأين المسلمون اليوم من هذا؟
لقد رأيت من قلة الأمانة، عند الصناع والتجار والعلماء والجهلاء ومن يظنّ به المغفلون الولاية ويرونه قطب الوقت ما لا ينتهي حديثه ولا العجب منه، وما خوفني الناس أن أعاملهم، حتى جعلني أحمل هما كالجبل ثقلاً كلما عرضت لي حاجة لابد فيها من معاملة الناس، ولا والله لا أتألم من اللص يتسور على الجدار ويسرق الدار، كما أتألم من الرجل يظهر لي المودة ويعلن التقى، فإذا كانت بيني وبينه معاملة، وتمكن من أكلني بغير ملح. . . وتعرق عظامي!
تذهب إلى الخياط الحاذق الذي ألفته وألفك واستمررت على معاملته عمرك، والخياط من شرور المدنية لا يستغني اليوم عنه، وقد انقضى زمان كان الرجل فيه يخيط لنفسه أو يخيط له أهله. وكان الثوب يتخذ فيه لمجرد الستر والدفء، ولم يبق لك منجي من أن تؤم الخياط تحمل إليه (الجوخ) الثمين، وتسأله أن يضرب موعداً لا يخلفه ينجز لك فيه ثوبك الذي تريده للعيد أو للزفاف أو للسفر. ولكل واحد من أولئك وقت لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فالعيد لا ينسأ لك في أيامه، والزفاف إن أعلنته لا يؤجل، فيعدك ويؤكد الوعد، فإذا جئت في اليوم الموعود وجدته لم يمس بعد قماشك، فإذا زجرته أو أنبته أخذك باللين وراغ منك وحلف لك مائة يمين غموس. . . إنه نسي أو مرض، أو إنه لم يعدك في هذا اليوم ولكن كان (سوء تفاهم)، وإنك راجع في يوم كذا فواجد ثوبك معداً، وتعود ويعود إلى كذبه، حتى يمضي العيد أو الزفاف، ولا يبقى للثوب فائدة، وربما جعله قصيراً أو ضيقاً أو ممتلأ أو مضاعفاً أو مجوفاً. . . أو على خلاف ما استصنعته عليه ولا حيلة لك فيه، ولا سبيل إلى
إصلاح ما فسد، فتلبسه مكرهاً أو تلقيه في دارك حتى تأكله (العثة) والأرضة. . .
وهذه الحال من إخلاف المواعيد، واختلاف الأكاذيب، عامة في أرباب الصناعات في بلادنا لم ينج منها إلا الأقل الأقل ممن عصم ربك. ولقد وقع لي أني كنت على جناح سفر إلى العراق، وقد أعددت له كل شيء، واتخذت لي مكاناً في السيارة ولم يبق إلا يوم واحد فخطر لي أن أبعث إلى الكواء بحلتي الجديدة لكيّها حتى إذا نزلت بغداد لبستها صالحة، وبيّنت له استعجالي ونفضت إليه قصة حالي، ونهيته أشد النهي عن غسلها، لأنه يفسدها ويؤخرني عن غايتي، فما كان منه إلا أن غسلها، طمعاً بفضل أجرة ينالها، فأفسدها وجعلني أسافر وأدعها. . .
وآخر من الكوائين غسل معطفي بصابون له مثل رائحة الخنازير الأهلية. . . فلم أستطع لبسه وحملته إليه ووبخته، فما كان منه إلا أن أنكر أن يكون له تلك الرائحة (وإنها لتشمّ من مسافة فرسخ)، وقلت: شمّها أليس لك أنف، فشمها بمثل خرطوم فيل. وقال: ما بها شيء! فكدت أنشق من غيظي وقلت لجماعة عنده: شمو بالله عليكم. فمدوا أنوفهم إليها ونظروا إليه، وقالوا بلسان واحد مثل مقالته. . . فاضطررت إلى أن أخرج فأدفع الثوب إلى فقير وإني لفقير إلى مثله!
واحتجت مرة إلى عامل يصلح لي طائفة من المقاعد، أستقبل عليها ضيفي وأكرم بها زواري، وهي وحدها التي أخشى اللصوص عليها، لأنها خير ما في الدار، حاشا الكتب، فدلوني على رجل له دكان ظاهر في شارع كبير، وفوقه لوحة كتب عليها اسمه وصناعته ووصف براعته وأمانته، فأنست به وكان كهلاً مشقشق اللسان، وأخذته فأريته المقاعد واستأجرته لإصلاحها، ودفعت إليه أكثر الأجرة مقدماً، وتركته ووكلت أخاً لي صغيراً به، وذهبت إلى عملي لم أرجع إلا المساء، فوجدت الرجل قد بعج بطون الكراسي وأخرج أحشاءها، وكسر عظامها وأرجلها، ولم يقدر على إعادتها سيرتها الأولى لأنه جاهل بالصناعة، فهرب وذهبت أفتش عنه حتى قبضت عليه، وأعدته إلى الدار، فأجتهد جهده، فكانت غاية ما استطاعه أنه جعل من مقاعدي المريحة آلات التعذيب، ومقاعد الأذى، إن لم يشق ثوب القاعد عليه مسمار ظاهر منها، ثقبت ظهره خشبة بارزة، أو كان مجلسه على أحدّ من شوك القتاد، وقبض الأجرة كاملة غير منقوصة. . .
ولو شئت أو لو شاء القراء لسردت ثلاثين واقعة، ما هذا الذي ذكرت بأشدَّ منها ولا أعجب، فأين تقع الأمانة من نفوس هؤلاء الذين يدعون أنهم من المسلمين.
وكيف أصنع إذا كان هؤلاء (المسلمون) لا يوثق بهم، ولا يطمئن إليهم، أأعامل الأرمني والرومي والصهيوني وأقاطع بني ديني ووطني؟
أما إنه لخطب جسيم - فماذا تصنع المدارس ومعلموها، والمساجد وواعظوها، والصحف وكاتبوها، إذا لم يعلنوا على الخيانة حرباً لا هوادة فيها ولا مسالمة حتى يكون النصر عليها؟ وكيف لعمر الحق يكمل لنا استقلال، أو تتم سيادة، أو نجاري شعوب المدنية ونسابقها، إذا لم تسد الأمانة فينا، وإذا كان الواحد منا لا يستطيع أن يطمئن إلى أخيه ولا يعتمد على أمانته؟ وإذا كنا نقلد الغربيين في الشرور فلماذا لا نقلدهم في الصدق في المعاملة والوفاء بالوعد، والاستقامة في العمل؟
أمَا إن من أشكال الأمانة وصورها، أن القلم المتين، واللسان البليغ، أمانة في يد الكاتب والخطيب، فإذا لم يستعملاهما في إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى الإصلاح، كانا ممن خان أمانته، وأضاعها، وفرّط فيها. . . فلينظر لنفسه كل كاتب وشاعر وصحفي وخطيب!
(دمشق)
علي الطنطاوي
صور من العصر العباسي:
القرية الفضية. . .
للأستاذ صلاح الدين المنجد
هذه القرية، هي إحدى عجائب العصر العباسي في بغداد. وما أكثر ما كان من زمن العباسيين من عجائب! وكانت قرية من فضة، وفيها كل ما تجد في القرى من بقر، وغنم، وجمال، وجواميس، وأشجار، ونباتات، ومساح، وناس، وكل ذلك قد صنع بأدق صنعة من الفضة، وأنفق عليه آلاف من الدراهم.
وكانت هذه القرية قد صنعت للخليفة المقتدر، ليرى كيف تكون القرى، وأغلب الظن أنه اشتهى رؤية قرية فصنعت هذه له.
وقد نعجب بالحضارة الإسلامية التي بلغت في القرن الرابع نضجها فأبدعت أشباه هذه الأشياء. وقد يدهشنا ما أنفق هذا الخليفة من الأموال، لتصنع له هذه القرية، ولكن الذي يدعو إلى العجب والدهشة معاً، قصة هذه القرية، وأثر النساء في مصيرها.
وهذه القصة جديرة بأن تكون خاتمة لمقالي السابق عن حكومة النساء لدى الخلفاء في زمن بني العباس.
ذلك بأن أم المقتدر، - وكان لها من الشأن ما عملت - كان لها داية تخدمها تسمى (نظم) وكانت نظم بارعة ذكية، فما زالت حتى صارت من قهارمها، وصارت تجري على يديها الكبير من الأمور والصغير، وكانت نظم ترغب في رجل أسمه أبو القاسم يوسف بن يحيى، فرفعته، وانتهت به إلى أسنى الأرزاق وأوسع الأحوال، وقربت بينه وبين السيدة حتى أخرجت له الصلات، فتأثلت حاله، وصار صاحب عشرات ألوف من الدنانير ثم خلطته بخدمة السيدة الأم، فزاد منها تقرباً.
وعزم أبو القاسم هذا، على تطهير ابنه يوماً، فأعد وليمة الختان عدة كبيرة، وأنفق على ذلك ما لم يسمع أن فعل مثله رجل من الحاشية، حتى إنه لكثرة ما ابتاع من الحاجات أفرد عدة دور للحيوان، وعدة دور للفاكهة، وبلغ (نظم) خبره، فسعت عند السيدة الأم وجاءته من عندها بالأموال والفرش والآنية والثياب والمخروط (وهو نوع من الزجاج)، فلما مضت أيام سألت السيدة نظماً: يا نظم إيش خبر طهر ابن يوسف؟ قالت: يا ستي قد بقيت عليه
أشياء يريدها، فقالت: خذي ما تريدين واحمليه إليه، فجاءت نظم إليه فقالت: إن كان قد بقي في نفسك شيء، فعرفني. فقال لها: الختان غداً، وما بقي في نفسي شيء إلا وقد بلغته بك، وقد بقي في نفسي شيء لست أجسر على مسألته. قالت: قل ما في نفسك. قال: أشتهي إعارة القرية الفضية التي عملت لأمير المؤمنين ليراها الناس في داري، ويشاهدوا ما لم يشاهدوا مثله، فيعلموا ما لي من الاختصاص والعناية. فوجمت، وقالت هذا شيء عمله الخليفة لنفسه، ومقداره عظيم، وفي هذه القرية مئات الألوف من الدراهم، ولا أحسب جاهي يبلغ إليها. وكيف يستعار من خليفة شيء؟ ومتى سمع بخليفة يعير؟ ولكن أنا أسأل السيدة. ومضت.
قال أبو القاسم: فلما كان الليل جاءتني، فقلت ما الخبر؟ فقالت كل ما تحب، قد جئتك بالقرية هبة لا عارية، وجئتك معها بصلة ابتدأ بها أمير المؤمنين من غير مسألة أحد. فقلت ما الخبر؟ قالت: مضيت وأنا منكسرة القلب، آيسة من أن يتم هذا. فدخلت على السيدة، على هيئتي تلك. فقالت من أين؟ قلت من عند عبدك يوسف، وهو على أن يطهر ابنه غداً. قالت أراك منكسرة، قلت: ببقائك ما أنا منكسرة. قالت: ففي وجهك حديث، فقلت: خير، قالت: بحياتي عليك، ما ذاك؟ قلت: قد شكر ما عومل به ودعا وقال إني كنت أحب أن أتشرف بما لم يتشرف به أحد قبلي ليعلم موضعي من الخدمة. قالت: وما هو؟ قلت: يسأل أن يعار القرية ليتجمل بها، ويردها من غد. فأمسكت. ثم قالت: هذا شيء عمله الخليفة لنفسه، كيف يحسن أن يرى في دار غيره؟ وكيف يحسن أن يقال إن الخليفة استعار منه بعض خدمه شيئاً ثم استرده منه، وهذا فضيحة. وليس يجوز أن أسأله هبتها له لأني لا أدري إن كان قد ملها وشبع منها أم لا؟ فإن كان قد ملها فقيمتها عليه هينة. وإن كان لم يملها لم أرض أن أفجعه بها، وسأسبر ما عنده في هذا.
ثم دعت بجارية فقالت: اعرفوا خبر الخليفة، فقيل لها هو عند فلانة، فقالت (أي لنظم) تعالي معي، فقامت، وأنا معها وعدة جوار حتى دخلت، وكانت عادته إذا رآها أن يقوم لها قائماً، ويعانقها، ويقبل رأسها، ويجلسها معه في دسته (قالت نظم): فحين رآها قام وأجلسها معه، وقال: يا ستي - وهكذا كان يخاطبها - ليس هذا من أوقات تفضلك وزيارتك! فقالت: ليس من أوقاتي. ثم حدثته ساعة، وقالت: يا نظم متى عزم ابنك يوسف (!) على تطهير
ابنه؟ قلت. غداً. فقال الخليفة: إن كان يحتاج إلى شيء آخر أمرت به. فقالت: هو مستكف داع، ولكن قد التمس شيئاً ما أستحسن خطابك به. قال أريد أن أشرف على أهل المملكة كلهم، ويرى عندي ما لم ير في العالم بمثله. قال: وما هو؟ قالت: يا سيدي يلتمس أن تعيره القرية، فإذا رآها الناس عنده ارتجعت. فقال يا ستي، والله هذه ظريفة! يستعير خادم لنا شيئاً، وتكونين أنت شفيعة، فأعيره ثم أرتجعه، هذا من عمل العوام لا الخلفاء. ولكن إذا كان محله من رأيك، هذا، حتى قد حملت على نفسك بخطابي وتجشمت زيارتي، وأنا أعلم أنه ليس من أوقات الزيارة، فقد وهبت له القرية، فمري بحملها بجميع آلاتها إليه، وقد رأيت أن أشرفه بشيء آخر، يحمل إليه غداً جميع وظائفنا، ولا يطبخ لنا شيء البتة، بل يرسل إليه، وبؤخذ لنا سمك طري فقط.
وأمرت السيدة بنقل القرية، فتملكها أبو القاسم.
فهذه قصة بسيطة، على أن فيها كثيراً من حياة القصر زمن المقتدر، وهي تبين لنا طرق الكلام، والمحادثة، وطرق تآمر النساء على الخليفة، وطرق تبذير الأموال. على أن أعظم هذه الأشياء كلها، هو تأثير نظم والسيدة في الخليفة، وانقياد هذا الخليفة للنساء، وتركه الأمور لهن يصرفنها كيفما شئن وأردن.
دمشق
صلاح الدين المنجد.
في الأدب الإنجليزي:
ماثيو أرنولد
للأستاذ خيري حماد
(تتمة)
ولكن إذا كان الناس ينظرون للشعر هذه النظرة العظيمة، أليس من الخليق بهم أن ينهضوا به نهضة عظيمة، ويعلوا من شأنه إعلاء لا يجارى. أليس من الحرى أن يبوئوه مكانة بين العلوم الإنسانية حتى يمكنهم الحصول على ما يتوخونه له من نتائج هامة، فإن من أهم العوامل الضرورية في الشعر التفريق بين الغثّ والسمين، بين الجيد والسيء، بين الجميل والقبيح. فالشعر هو المرآة الحقيقية التي نصور بواسطتها الحياة في أحسن معانيها، وأبهى حللها، وهو المصلح الاجتماعي الأوحد الذي تتجاوز سلطته العقائد والقوانين، وتتعدى عرف المجتمع.
إن أحسن الشعر في رأي أرنولد ما أردنا إنشاءه ونظمه؛ فهو الذي باستطاعته أن يسرنا وأن يخلق فينا الأفكار والظنون التي نريدها. ويجب علينا دائماً عند دراستنا للشعر من مختلف نواحيه أن نخلق في أنفسنا روح الإعجاب بالحسن والاستنكاف للسئ أو الرديء. فإن أغراضنا وميولنا الشخصية لها قيمتها العظمى في الحكم على الشعر وتقديره بالميزان الحقيقي الذي لا غلط فيه ولا ميل. فكثيراً ما تقود الإنسان ميوله الشخصية إلى المبالغة في الأحكام التي يصدرها. وهذا مما يقود إلى ارتكاب الأخطاء، وتحمل المشاق في إصدار الحكم الذي يريده.
يعتمد جمال الشعر على المقدرة التقليدية أو الإبداعية عند الشاعر. ويختلف تقديرنا للشعر باختلاف جماله وابتداعه، فإن كان من النوع العالي، من النوع الخالد، وجب علينا تقديره والثناء عليه، وإن كان من النوع الرديء تحتم علينا أن نصب عليه جام غضبنا، وأن نظهره للناس بمظهره الحقيقي خالياً من الرونق والبهاء، وتقدير الشعر واستحسانه مصحوبان بالتمييز بين الحسن والسئ هما الغايتان الوحيدتان لدراسة الشعر والإقبال عليه. وكل ما يعوقنا عن نيل هذه الغاية فهو مضر وغير صالح.
وإذا كنا نرغب في دراسة الشعر الحقيقي كما هو دون أيما مبالغة أو عز، فما علينا إلا أن نظل مفتوحي الأعين بعيدين عن عالم الخرافة والكذب محاولين وزن القصيدة بقسطاس عادل، فنحكم على الشعر حكماً صادقاً. ويتحتم علينا عند دراستنا للشعر أن ننظر إليه نظرة نقدية من الوجهة التاريخية فنطلع تمام الإطلاع على الحقائق التاريخية ونحاول ربطها بما جاء في القصيدة أو الملحمة، ويجب على الشاعر عند انتخابه لأشخاص قصدته أن يتوخى الرجال المشهورين فيضع في كل ناحية من مناحي البطولة رجلها اللائق بها.
فأغنية رولند في رأيه تختلف تمام الاختلاف في معناها الشعري ومغزاها العاطفي عن قصائد هوميروس. وعندما ننقل بصرنا من هذه القصيدة إلى تلك نشعر كأننا انتقلنا من عالم إلى آخر مخالف له. وعلينا أن نزن كلمات الثناء والحمد وزناً فلا نضعها دون أي تمعن. وقد قال أرسطو قديماً: (إن الشعر يمتاز من التاريخ بميزات كثيرة أهمها الصدق والثبات اللذان لا يوجدان في التاريخ كوجودهما في الشعر. فإذا عبر الشاعر في قصيدته عن فكرة ما كان في شعره مثلاً أعلى للصدق والنزاهة يحاول جهده أن يعرض على قرائه وسامعيه أفكاره الحقيقية النزيهة دون أي رياء ونفاق. فمن الواجب المحتم على الشاعر إذن أن ينتقي مواضيع له سداها الصدق ولمحتها الثبات.
ويختلف شعر شوسر الشاعر الإنكليزي المعروف عن شعر سابقيه من ناظمي الملاحم والقصائد الطويلة في شيئين هامين: أولهما المادة، وثانيهما الأسلوب. فنشعر عند انتقالنا من قراءة شعر أسلافه إلى قراءة شعره أننا انتقلنا من عالم مادي إلى آخر ملؤه الخيال والابتداع. وامتيازه في مادة الشعر يتناول نظرته الواسعة نحو الحياة البشرية بما فيها من بساطة ودعة، جلاء ولطف، فله المقدرة الشعرية على اختراق حجب الحياة والتطلع بعين المستطلع نحو صور الحياة الحقيقية. وأما أسلوبه فيختلف عن أسلوب سابقيه اختلافاً واضحاً بيناً، فهو أول من وضع للشعر الإنكليزي صورته الحقيقية التي نشاهدها في عصرنا هذا. وقد أثنى عليه النقاد في مختلف عصور اللغة الإنكليزية، فمدحه جونسون، وأطراه درايدن.
وفي شعر شوسر نرى عذوبة وسلاسة لا نشاهدهما في شعر غيره من أسلافه ومعاصريه، فقد كانت له المقدرة اللغوية التامة للتحكم بألفاظ ووضعها في أوضاعها الحقيقية دون أي
تكلف، ومع كل هذه الميزات فإن شوسر لا يعد من كبار الشعراء المقلدين. فقد كانت تعوزه المقدرة على ضبط الوزن والموسيقى الشعرية التي نجدها كثيراً في شعر الشاعر الخالد دانتي الإيطالي، ولكن يمكننا أن نجزم أن هذه الموسيقى لم يستطع أحد من الشعراء الإنكليز حتى عصر وليم شكسبير أن يأتي بمثلها أو يقلدها.
واعتقد أرنولد أن عصر درايدن وما تلاه من العصور كان عصر تأليف وابتداع وترقية للشعر عما سلفه من العصور. وكان درايدن يظن أن أسلافه لم يفهموا الشعر الإنكليزي حق فهمه. وكولي نفسه لم يؤمن بشاعرية شوسر ونبوغه. وعندما أراد جوزيف أديسن أن يمتدح شعر درايدن اتخذ من قصائده مثلاً أعلى للمقابلة والمقارنة. وكان الاعتقاد السائد طوال القرن الثامن عشر أن درايدن وجونسون وبوب وأديسن هم فحول الشعر الذين لم يجارهم سابق ولا لاحق.
وهنا يسائل أرنولد نفسه: أنعتبر درايدن وبوب شعراء مقلدين؟ وهل التقدير التاريخي في معظم الكتب الأدبية لهذين الشاعرين تقدير صحيح؟ فقد أنكر وردزورث وكوليردج على هذين الشاعرين مقدرتهما الشعرية. ولكن القرائن والدلائل تشير بأنه سيأتي يوم عما قريب، ترجع فيه سطوة القرن الثامن عشر الشعرية، ويرجع الناس إلى تقدير شعرائه وكتابه.
وينتقل أرنولد بعد هذا البحث الطويل في الشعر إلى تطور النثر وأثره في الأدب الإنكليزي. وفي هذا الكتاب تتجلى لنا عظمة أرنولد في النقد، وكيف ينقد بأسلوبه اللاذع الكتاب والشعراء من أسلافه ومعاصريه.
ولأرنولد كتب أخرى أهمها كتاب: (الثقافة والفوضى) وكتاب: (القديس بولس والبروتستنية). وكتاب: (الأدب والعقائد) وكتاب: (الله والتوراة) وغيرها من الكتب الكثيرة.
خاتمة:
مما تقدم في بحثنا عن حياة ماثيو أرنولد وفنه، يمكننا أن نتأكد من أن حياته كانت مثمرة مفيدة. فقد كتب قبل وفاته أكثر من عشرين كتاباً اعتبر البعض منها من أحسن ما كتب في اللغة الإنكليزية.
ويجدر بنا قبل أن نختم مقالنا أن نضيف بعض الحقائق التي لا غنى لنا عنها. لقد هجر
أرنولد الشعر وسنه لم تتجاوز الأربعين حيث اعتقد أن الشعب الإنكليزي لا يفهم الفن والشعر مطلقاً، وإنما يهتم بالأمور المادية فحسب، وهذا ما حمل أرنولد على أن يهاجم مجتمعه هجمات شديدة في كتابه الأول الذي أصدره في عالم النثر. ومن هذه السنة إلى يوم وفاته يندر أن نجد له قصيدة مشهورة، فقد وجه معظم انتباهه إلى النقد والنثر والسياسة.
كان أرنولد من أنصار المدرسة الكلاسيكية التقليدية في أفكاره، ولذا نراه يحاول أن يعيد لهذا العصر بهاؤه ورونقه بعد أن طغت عليه صروف الزمان وظهرت تلك الثورة الأدبية المخيفة التي بدأ بها الشاعران وليم وردزورث وكولردج سنة 1798، عندما أخرجا إلى العالم كتابهما الخالد:(القصائد الغنائية)، فقضت على الأدب الكلاسيكي قضاء مبرماً. ولكن أرنولد بدوره رغب في الرجوع إلى المواضيع الكلاسيكية القديمة، فنظم بها عيون قصائده كقصة تريسترام وامبدوكليس وميروب، وكان ينكر على الرومانتيكيين فرديتهم ومحاولتهم إشباع رغبتهم فحسب، بينما في الحقيقة على الشعب أن يهتم بالآداب العالية في جميع اللغات، ولا يقتصر بحثهم على الآداب الإنكليزية فقط.
وقد حمل حملة شعواء على المتطهرين لاعتقاده أن هذه الفكرة أو هذا المذهب يحصران الدماغ في محيط لا يتجاوزه ولا يتعداه، وهذا مما يضيق نطاق الأدب، ويهدم ذلك الصرح الذي بناه الأدباء من سالف العصور.
وعلى الإجمال فإن أرنولد يعد من خير حملة الأدب في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وشهرته آخذة بالازدياد شيئاً فشيئاً، فلا غرو أن رأيناه بعد مدة ليست بالطويلة يتبوأ محله اللائق به في عالم الفن والنقد والأدب.
خيري حماد
كيف نحبب الكتاب إلى الأطفال؟
(مقدمة الجزء الأول من كتاب حكايات الأطفال بمناسبة الطبعة
الأخيرة منه.)
للأستاذ كامل كيلاني
من المشاهد المألوف إن الطفل إذا قص عليك خبراً، لجأ إلى تكرار الجمل كأنما يتثبت من معانيها في ألفاظها المكررة، فلنكتب له - وهو في هذه السن - محاكين أسلوبه الطبيعي في تكرار الجمل والألفاظ، لنثبت المعاني في ذهنه تثبيتاً، ولنكرر له الجمل برشاقة، لنسهل عليه قراءتها، فإن لكل مقام مقالاً.
ومن المقرر أن الطفل - في هذه المرحلة - ملول يتهيب الكتاب، فلننزع من نفسه هذا الملل، ولنحبب إليه الكتاب بكل وسيلة، فنبسط له الأسلوب تبسيطاً، ونكثر له من الصور الجذابة الشائقة التي تسترعي انتباهه، لنشعره أن الكتاب تحفة تُهدى إليه إهداء، وليس واجباً يكلَّف به تكليفاً، فإن الطفل - إذا ساء ظنه بالكتاب - صعب اجتذابه إليه بعد ذلك.
وقد وفق أكثر من تصدوا لتأليف كتب الأطفال توفيقاً عجيباً في تبغيض القراءة إلى نفوسهم، وتنفيرهم من المطالعة، فأصبحوا يمقتون الكتاب أشد المقت، ويهربون من قراءته، لأن المؤلفين لم يراعوا سن الطفل وميوله ورغباته، ولم ينزلوا - أو هم على الحقيقة - لم يستطيعوا النزول إلى مستواه ومخاطبته باللغة التي يفهمها وترتاح إليها نفسه، ومن الإنصاف أن نقرر - بصراحة - أنهم لم يضعوا كتبهم على نسق خاص أو منهج بعينه، وأنهم في تأليفهم لم يتشبعوا بفكرة فنية تنتظم الكتاب وتؤلف بين أجزائه؛ لأنهم يقنعون بتصيد موضوعات الكتاب - كيفما اتفق لهم أن يتصيدوها - فيخرج الكتاب خليطاً مضطرباً لا تؤلف بين أجزائه فكرة بعينها، ولا يتناسب أسلوبه مع مدارك الأطفال.
إن الطفل ميال - بطبعه - إلى الحكايات والقصص، وهو بغريزته مفتون برؤية الصور الجذابة. فلنختر له منها ما يناسب سنه، ويتفق مع ميوله ورغباته وتفكيره، وقد حفزنا هذا الاعتبار إلى تأليف (قصص للأطفال) بالأمس، كما حفزنا اليوم إلى تأليف (حكايات الأطفال). وقد كتبنا الأولى لكبار الأطفال، والثانية لصغارهم. ولقيت قصص الأطفال -
من الإقبال والعناية - ما شجعني على تأليف هذه الحكايات.
أما الفكرة التي انتظمت هذه السلسلة (حكايات الأطفال) فهي (التكرار)، يكثر في أولها ثم يقل - كلما تقدّم الطفل في القراءة - بالتدريج، حتى يصل إلى قراءة الأسلوب الموجز الذي لا تكرار فيه بلا مشقة أو إعنات.
وقد تدرجنا بالطفل في هذه السلسلة حتى يكون آخر جزء منها ممهداً لقراءة أول جزء من أجزاء السلسلة الأخرى (قصص الأطفال)، وإنما عمدنا إلى التكرار عمداً، بعد أن أقنعتنا التجارب العملية، أنه أصلح أسلوب يلائم الطفل الناشئ ويشجعه على القراءة.
وذلك أن الطفل الناشئ لا يقرأ الكلمة إلا بجهد كبير، ولا يتم قراءة السطر إلا بشق النفس، فلنقتصد جهدنا في استعمال الألفاظ الجديدة، ولنؤلف له من الألفاظ القليلة التي يقرؤها الكبير في بضعة أسطر عدة صفحات كاملة لندخل في روعه أن القراءة ليست صعبة كما يتوهم، وليست شاقة مضنية، كما ألفها في الكتب الأخرى، بل هي سهلة ميسورة، وهي - إلى سهولتها ويسرها - ممتعة شائقة. تملأ نفسه بهجة وانشراحاً، وثمة يشعر الطفل بثقة في نفسه إذ يرى أنه يقرأ صفحة كاملة بجهد يسير، فهو لن يتم قراءة السطر الأول حتى يسهل عليه قراءة السطر الثاني والثالث والرابع وهكذا، لأن الألفاظ لا تكاد تتغير في الجمل إلا بمقدار يسير.
هذا هو المنهج الذي أخذنا به أنفسنا في تأليف هذا الجزء وما يليه من الأجزاء. فإن وفقنا في هذه الخطوة - ونرجو أن يكون ذلك - فقد أدينا بعض ما يجب علينا أداؤه لهذا الجيل الناشئ الذي نعلق عليه أكبر الآمال.
كامل كيلاني
تأملات:
من الساخر!؟
للأستاذ عبد العزيز الكرداني
ذات يوم. . . ركبت ترام (المترو) في رفقة صديق له مثل اتجاهاتي ونظراتي وتأملاتي في الناس وفي الحياة. وكان الوقت مساء. . . وكانت الأضواء الباهتة تترنح سكرى في سدفة الليل. . . وكانت النسمات لينة تنفذ إلى الرئتين في رفق ودعة، فتستجيش انفعالات وخواطر شتى!
ولما بلغنا في الطريق إلى منتصفه، أشار صديقي خفية إلى رجل يجلس قبالتنا. . وهمس في أذني قائلاً:(انظر. .!)
. . . ونظرت. . فإذا شيخ هِمٌّ أرسل لحيته الكثة إرسالاً فطرياً مستبشعاً، فبدت كأنها دغل كثيف منّن. وكان الشيخ في أسماله الحائلة الرثة، ووجهه القذر المتغضن، وفمه الفاغر، ونظراته الشاخصة، قابعاً في غفلة وتلبد أشبه ما يكون بركام مطَّرح من قذر وعفونات!
قال صديقي بعد فترة من النظر المتأمل إلى وجه هذا المسخ الآدمي (أترى إلى هذا (الشئ!)؟! أتراه يكون (إنساناً)؟!)
. . قالها صديقي، ولم يكن يرمي إلى الزراية بهذا التعس. . ولا يكاد يقصد إلى اصطناع السخر منه. . وكل ما كان يبتغيه هو أن يفصح - في صدق - عن حقيقة تجسمت أمام ناظريه!. . . وافترقنا. . وطوت الذاكرة هذا المشهد فيما طوته من مشاهد، وإن تحصِّل في نفسي راسب منه، لم يكن من اليسر أن يقتلعه النسيان ومرور الأيام من واعيتي الباطنة. . . حتى كان يوم من أيام هذا الشتاء الجهم لقيت فيه صديقي. . فتذاكرنا سوياً هذا المشهد، واسترجعنا في خيالنا صورة ذلك الشيخ. ثم خلفت صديقي، ومضيت إلى داري. وهنالك - حين خلوت إلى نفسي - وجدتني أردد هذه العباْرة:(من. . من الساخر؟!)؛ ثم وجدت الذهن ينبثق عن خواطر. . رأيت أن أسجلها في هذه القطعة الفنية، التي أقدمها لصديقي. . شريكي في النظر والتأثر - هدية متواضعة. . طالباً منه أن يعمل الفكر والحس والشعور في مضمونها وفحواها. . ثم أسأله - بعد ذلك - أن يتحرى أو يحاول مطابقة الراسب المتحصل في نفسه بتأثير هذا المشهد، بالراسب الذي أوحى إلى هذا الكلام:
(. . من؟! من يكون الساخر في هذه الحياة؟!
أتراه يكون ذلك الشيخ الهم الذي طوى السنوات الطوال - وما زال يطويها - لا يدري من أمر خلقه شيئاً. . لا يعلم للحياة غاية إلا أن يعيش. . ويظل يعيش!
. . لا يعرف من هدف في الدنيا سوى أن يعمل على أن تمتد به الحياة. . ليظل يحيا. . لينسأ أجل الوفاة!
إنه ليتأدم بالخبز مختلطاً بالقذر؛ ويطعم شرائح اللحم ممزوجة بروث البهائم، ويكرع في الماء الآسن، حميماً ذائباً فيه الطين؛ وينام الليل الطويل على فراش من حصى وقش باسر! إن حياته لتطرد على هذه الصورة السنين تلو السنين. وهو على حاله من طلب البقاء والرغبة الملحة في الدوام!
أترى ذلك (الشيخ) يكون الساخر؟ أم يكون هذا (الفنان) الذي انصرف عن كل شيء إلا فنه. . ونظر إلى الكون على أنه مرسح تمثل عليه رواية، لا يهمه من أمرها شيء. . إلا بقدر ما تشبع حاسته الفنية وتروي. . .
إن كل ما في الكون، إنما يتخذ قِيَمه وخصائصه - عنده - بهذا الفن. . هذا الفن وحده!
وإن ناساً يعيشون في هذه الحياة، ولا يعرفون من أمر (هذا الفن) شيئاً، لهم - في نظره - والعدم سواء!
إنه ليلهو عن الحياة في واقعها، بتلك الحيوات الكثيرة المتنوعة. . وتلك العوالم العريضة الرائعة يفتقها خياله المفتن الصناع، الذي يجد معينه الدافق - دائماً - في عالم النفس الرحيب، وعالم الروح الطليق!
أترى الساخر يكون ذلك (الفنان). . أم تراه يكون هذا (الباحث) المنقب الذي سلخ جل حياته حبيس عقله الراصد للظواهر، المستكنه للعلائق المستورة الخفية، والخصائص الكامنة المطوية. . تتقلب به الدنيا، وتدور من حوله الأحداث، ويجلل الشيب رأسه يوماً بعد يوم. . . وهو لا يدري من أمر هذا كله شيئاً. . إلا هذا (الكل) الذي يعيش فيه. . . ويعيش من أجله ويأمل أن يمتد به العمر ليصل حلقة من حلقاته المفزعة!
أتراه يكون الساخر في هذي الحياة؟ أم يكونه هذا (الطفل) الغزير الذي لا يستشعر (الوجود) وجوداً إلا أن يرد ظواهره كلها إليه. . . إلى ذاته؛ ولا يحس (الحياة) حياة إلا أن
تتفاعل بكل ما فيها وكل من فيها في داخل نفسه. . . في محيطه الخاص المستقل، الحافل بالصور الغريبة ومستطرف التهاويل!
إنه ليرى أن كل شيء في هذا الكون له. . وهو لا يملك شيئاً منه في واقع الحال، وما من شيء في الكون - إن علم - ليقبل أن يخضع للتخصيص!
كل أهدافه أن يستشعر الناس أحاسيسه، ويجاوبوه عنها!
كل مبتغاه أن تلبى مطالبه، وتقضَّى حوائجه للحظة التي هو فيها، وبالصورة التي يريد!
أيكون هذا (الطفل) هو الساخر في هذه الحياة؟!
أيكونه؟! أم يكونه واحداً من هؤلاء؟ أم يكونه جميعاً؟ أم لا يكونه واحد من أيهم!
لست تدري. . . ولست أدري. . . ولسنا - جميعاً - نملك إلا أن نتساءل: من؟!. . . من يكون الساخر في هذي الحياة!
لنجد الجواب - دائماً - حيرة أبدية مشبوبة. . . وقلقاً سرمدياً. . . هما وسم كل (حي). . . وسر كل (حياة)!
(مصر الجديدة)
عبد العزيز الكرداني
هذا العالم المتغير:
أبحاث الذرة وفلسفة الكون
للأستاذ فوزي الشتوي
(لكي تفهم ما هي الذرة يجب أن تعرف شيئاً عن تاريخ فلسفة الكون فقد عرفنا الذرة بالفلسفة لا في العمل وعرفنا بعد تفكير دام آلاف السنين):
الشمس في الأرض
يخطئ من يظن أن أبحاث الذرة وطاقتها بنت القرن الحاضر أو الماضي، فدارس التاريخ. والفلسفة يجد بذورها الأولى في عصور قد ترجع إلى ما قبل التاريخ. والذرة باليونانية وقد عرف المصريون القدماء في عصور الاسرات الأولى إلها باسم أتوم ورمزوا له بالشمس وما تضم من قدرة وحيوية. فإن أردت أمثلة من تراتيله تجدها منتشرة في كل كتب العبادات المصرية. فله قالوا:
المجد لك يا أتوم خالق نفسه بنفسه.
فأنت إله الشمس وخالق العالم.
خالق الآلهة ومنتج كل شيء.
وهو أيضاً: خالق الجرثومة في المرأة.
وصانع البذرة في الرجل.
ومانح الحياة للابن في جسد أمه.
وأدرج مع التاريخ تجد فلسفته تنتشي مرة وتخبو أخرى حتى يظهر له مثيل على يدي إخناتون الذي رأى فيه إلهاً عالمياً سماه أتون، ورأى فيه (القوة التي تمثل الشمس في الأرض) لا يقتصر أمره على مصر أو طيبة بل يمتد ويشمل الأرض كلها. فهو الرمز الماثل في كل حيوان أو نبات أو جماد أو غاز، أو ما يفسره العلماء الآن من أن ذرات الأجسام تشبه النظام الشمسي.
من مصر إلى اليونان
ولكن الخلافات الدينية وقوة كهنة الآلهة آمون عصفت بفلسفة أتون وديانته. وهي خلافات
سياسية أكثر منها دينية. فلم يكن الفرق بين فلسفة الإلهيين يبرر استئصال شأفة أتون عقب وفاة إخناتون مباشرة
وقد بلغ الحقد بالكهنة حداً دفعهم إلى تدمير كل ما وصل إلى أيديهم فلم تنج منه سوى تراتيل قليلة لا ندرك منها بالضبط سر فلسفة أتون، ونظرها إلى الكون وتركيبه. ولكن الثابت أن سلطة الكهنة أكرهت الملك توت عنخ آمون الذي ولى العرش عقب إخناتون على تغيير اسمه من توت عنخ آتون إلى توت عنخ آمون كما لقبوا إخناتون (بمجرم اخيتاتون) وهي إحدى المدن التي جعلها مقراً لفلسفته الجديدة
ولا يستطيع باحث أن يجزم بأن الفلسفة اليونانية لم تتأثر بالفلسفة المصرية في عهد الفراعنة. بل الراجح انهم أخذوا عنهم الكثير من دياناتهم، ومبانيهم، وحضارتهم، وشتى نواحي الحياة، بما فيها فلسفة الكون وعناصر تركيبه
وقد نتساءل وما دخل الذرة بفلسفة اليونان أو قدماء المصريين؟ ولكن علومها بنيت على أساس فلسفي، ولم تبن على أساس كيمياوي أو طبيعي منبته المعمل. بل شيدت نظريات الذرة والكون على منطق دقيق أطلق فيه الفلاسفة العنان لخيالهم وتقديرهم
اليونان والذرة
ففي عام 400ق. م. ظهر فيلسوف يوناني اسمه ديموقريطس قال إن العالم يتألف من فراغ لا نهائي ومن عدد لا نهائي من دقائق لا تدرك، وإن المادة تتألف من تجمع هذه الدقائق المعروفة باسم الذرات ومعناها باليونانية التي لا تتجزأ. وفسر خلفاؤه دعواه فقالوا انك لو تناولت قطعة من المعدن وقسمتها إلى جزأين متساويين ثم واليت التجزئة فانك ستصل في النهاية إلى جزء لا يمكن تقسيمه
وكان هذا التفسير هو بدء عهد الذرة كما يسميه التاريخ الواضح. وامتدت العقول أيضا إلى خواص الذرة وطبيعتها فقالوا إن السوائل تتألف من ذرات ناعمة سهلة الحركة، بينما الأجسام الصلبة تتألف من ذرات خشنة ذات خطاطيف تتشابك إحداها بالأخرى. ولكن علماء اليونان ومنهم أرسطو رفضوا الأخذ بهذه النظرية فانغمرت حينا من الزمن، وان بقي لها أتباعها ومؤيدوها
وفي عام 1348 ظهر نيقولا انتروشيا وقال إن الظواهر الطبيعية يمكن أن تفسر على
أساس اتحاد الذرات وتفرقها ولكنه اضطر إلى نقض أقواله التي عدت في ذلك الوقت إلحاداً.
ولكن أرسطو ابتدع نظرية جديدة حين قال إن المواد التي نشهدها ونتناولها تتألف من أربعة عناصر: هي الأرض والهواء والماء والنار. ولم يفهمها بالمعنى الكيمياوي المعروف الآن بل من حيث خواصها. فالأرض مركب من الجفاف والبرودة، والماء من البلل والبرودة، والنار من الجفاف والحرارة، والهواء من البلل والحرارة.
العرب وحجر الفلاسفة
وأضاف العرب إلى هذه العناصر في العصور الوسطى ثلاثة عناصر أخرى هي الكبريت والزئبق والملح. وكان من الطبيعي أن تؤدى هذه النظريات إلى أنه من الممكن تحويل معدن إلى معدن مما أنتج البحث عن حجر الفلاسفة، أو قلب المعادن الخسيسة إلى ذهب، وضمان دوام الصحة الكاملة، والشباب الناضج الحي
وكان أصحاب هذا المذهب يتفرقون شيعاً في الاحتفاظ بأسرار أعمالهم التي كانوا يحرصون كل الحرص على اخفائها عن عيون الناس وإفهامهم. وقد وصلت قصص دعاياتهم إلى نهايتها في عام 1782 حين قدم جيمس بريس أحد أعضاء الجمعية الملكية في لندن إلى الملك جورج الثالث عينة من الذهب، وقال انه استطاع استخراجه من معادن أخرى
وكان لتصريحه ضجته، فمنحته جامعة اكسفورد إحدى درجاتها العلمية. كما قام المعارضون يناقضونه ويهاجمونه في قسوة، فطلب إليه مدير الجامعة أن يكرر التجربة أمام أعضائها. وتلكأ بريس بضعة أشهر ثم وافق على الاقتراح. فلما حان موعد التجربة. تجرع بريس سماً زعافاً من قارورة صغيرة فقضى عليه في دقائق
الذرة في مرحلة النشاط
ودبت الحياة مرة ثانية في أبحاث الذرة واستنتاجاتها، حين نشر جوزيف بروست مبدأ النسب المحدودة. ومضمونه أن أي مركب كيمياوي يحتوي دائماً على ذات النسب المتساوية في الوزن ثم تبعه جون دالتون في عام 1808 فاعتنق مذهبه وأضاف إليه مبدأ
النسب المضاعفة، ومضمونه أن عناصر كيمياوية معينة تتحد ببعضها البعض لتؤلف مركبات كيمياوية مختلفة في أوزان ذرية مضاعفة.
وقد كان جون دالتون مدرساً بائساً في مدرسة صغيرة بإنجلترا ولكنه وضع أسس النظرية الذرية، حين قال إن قانون النسب الثابت لبروفست يمكن أن يفسر بأن العناصر مؤلفة من ذرات ثابتة. كما بين أن ذرة عنصر يمكن أن تتحد بذرات عناصر أخرى في حالات مختلفة. وعلى هذين الأساسين تقوم الكيمياء الحديثة
وكانت لفظة الذرة تستخدم بطريقة غير محدودة، حتى قام اماديو افوجادروا العالم الإيطالي في عام 1811، ففرق بين الذرة والجزئ.
والمعروف الآن أن الماء يتكون من ذرتي ايدروجين وذرة اكسوجين؛ ولكن العلماء كانوا يقولون ذرة ماء وذرة ايدروجين برغم الاختلاف بينهما، وان الذرة جزء من كل. فلما جاء افوجادرو فرق بين المعنيين وجعل الذرة وحدة العنصر. والجزئ وحدة المركب، أي أن الجزئ يتكون من عدة ذرات تختلف باختلاف المادة
ووضع فوجادرو مبدأ آخر، وهو أن المواد الغازية تتألف من جزيئات لا من ذرات. فجزئ الايدروجين مثلاً يتكون من ذرتي ايدروجين، ومثله جزئ الاكسوجين من ذرتي اكسوجين وان الذرة لا توجد مفردة
والمفكرون أيضاً
وكما ساهم رواد الكيمياء والطبيعة في التفرقة بين الذرة والجزئ، ساهم المفكرون من أمثال بيكون وديكارت في تعليل بعض الظواهر الغريبة وأهمها الحرارة فسموا الوحدات الحرارية (بالسعر) وقالوا أنها تحرك دقائق المادة. فلما كانت سنة 1728 تقدم دانيل بارنويلي بنظريته القائلة بأن دقائق المواد الغازية في ذبذبة وحركة مستمرة. وان ارتفاع درجة الحرارة معناه زيادة في ذبذبة الدقائق. وافترض بأن الضغط الذي ينشأ على جدران وعاء ليس في الواقع سوى احتكاك تلك الدقائق ببعضها البعض.
وقد فسرت هذه النظرية خواص الغازات بطريقة طريفة مقبولة منازلنا نعتنقها حتى الآن، ونسير على هديها في أبحاثنا، وإن كنا قد فسرناها على ضوء الأبحاث والتسميات الجديدة، فوضحت لنا لماذا تتمدد الغازات بالتسخين وتحتاج إلى حيز أكبر لما ينتابها من شدة
الذبذبة، وحاجة حركتها إلى فراغ أكبر. وهي التي تعلل سبب اندفاع الغاز بقوة أكبر إن سخناه في حيز محدود.
ولم يفهم العلماء آراء نويلي لأنها كانت سابقة لأوانها فتجاهلوها، ولكن الأيام مرت، وأوشك قرن كامل أن ينقضي على دعوته، حين ظهر العالم الإنجليزي جيمس برسكوت جول وكان من تلاميذ دلتون، فأحيا نظرية نويلي. وفسرها بأن النشاط الميكانيكي يمكن أن يحول إلى حرارة تتناسب مع مقدار الجهد. ويمكنك أن تلحظ هذه الظواهر في حياتك العملية، فعندما تحس البرد تفرك يديك إحداهما في الأخرى لتسخنا. وإن نشرت قطعة خشب ترتفع حرارة المنشار تبعاً لسرعة حركته.
مواد لا وجود لها في الحياة
ومن المكتشفات الذرية قائمة العناصر التي وضعها الكيمياوي الروسي ديمتري إيفانوفتش ماندليف في عام 1869 فقد أثبت أنه إذا رتبت العناصر الكيمياوية ترتيباً تصاعدياً تبعاً لوزنها الذري فإن العناصر تتشابه كل عدد معين. فإذا بدأت باللثيم مثلاً وعددت ثمان مواد فانك ستجد الصوديوم ثم عد ثمانية عناصر أخرى فتجد البوتاسيوم. فهذه العناصر الثلاثة تشترك في كثير من الخواص وكلها معان بيضاء تتفاعل مع الماء بشيء من العنف.
وعلى أساس الأوزان الذرية، وضع مندليف قائمة بأسماء المواد. وكان من الجرأة والثقة بعلمه وبنظريته حتى ترك بعض الأماكن بيضاء لأنها تنقص معادن غير معروفة. ولكنه تنبأ بخواصها تبعاً لنظريته. فلما مرت السنوات واكتشفت بعض هذه العناصر الناقصة كانت خواصها مطابقة للخواص التي تنبأ بها مندليف. وتتألف هذه القائمة الآن من 92 عنصراً ما زال اثنان منها مجهولين.
ولعلك تتساءل عن حجم الجزئ أو الذرة. وهو سؤال يصعب تصوره، ولكن البوصة المكعبة من الهواء تتألف من 800. 000. 000. 000. 000. 000 جزئ. والذرة أصغر من الجزئ لأنها جزء منه. فإن أردت لها قياساً، فتصور أنك لو رصصت ذرات حول الجدران الخارجية لأدق نقطة تراها فإن عدد هذه الذرات يبلغ خمسة ملايين ذرة.
وقد تنكر وجود هذه الدقائق التي لم يرها إنسان، ولكن العلماء يرونها ضرورية لتفسير بعض الظواهر الغريبة التي تطرأ على المادة، كما يجدونها معقولة من الناحية المنطقية.
ولم يجدوا ما يمكن أن ينفيها. وعندما تتحدث عن الذرة، فيجب أن تذكر شيئين، وهما الصلابة والسكون. فهما لفظان لا معنى لهما في عالم الذرة والجزئ لأنهما ليسا صلبين ولا ساكنين. والجسم الساكن الصلب الذي تراه يتكون من رقم بالغ الضخامة من الأجسام الدقيقة الدائمة الاهتزاز، والتي لا تمس واحدة منها الأخرى ولكن تربطها قوة جاذبية. ويمتنع التصاق جزئ بآخر بفعل هذه الذبذبة الدائمة.
فوزي الشتوي
بنلوب.
. .!
أسطورة تمثيلية غنائية
للشاعر عبد الرحمن الخميس
الراوي: اطرحْ قيودَ الحاضر
…
واحلمْ بعصرٍ غابرِ
واصنعْ جناحَ توهمٍ وخيالِ
…
واعبرْ إلى الماضي ذرى الأجيالِ
طرْ نحو عهدٍ في الزمان سحيق
…
واشهدْ (أثيكا) درةَ الإغريق
تلك المدينةَ جلَّ من أنشاها
…
انظرْ إليها ودّعتْ مولاها
هرعت يزين جموعها أوديسيوس
…
مَلكٌ تخر إذا أرادَ له النفوسْ
لي نداء الحرب والأوطانِ
…
متدرعا ببطولة الشجعانِ
هذي أثيكا نسوةً وصغارا
…
وقفتْ تودع جيشها الجبارا
اسمع وداعَ الأهل للفرسانِ
…
من كل معتنقين يفترقان!
كورس: حاربوا المعتدينْ
…
بالسلاح اليقينْ
وارجعوا ظافرينْ
…
للحمى. . . والربوعْ
يا شباب الجهادْ
…
يا حماة البلاد
اغمروا كل واد
…
بالدما. . . والدموعْ
ليس بعد الحروبْ
…
غير لقيا الحبيب
وشفاء القلوبْ
…
وارتياح الضلوعْ!
حاربوا المعتدينْ
…
بالسلاح اليقين
وارجعوا ظافرين
…
للحمى. . . والربوع
الراوي: طوى الجيوش عباب
…
من الزمانِ رهيبُ
وليس يُسمع عنها
…
إذا سألتَ مجيبُ
وكلُّ ما قيلَ حدسٌ
…
مما تودُّ القلوبُ
وأدبرتْ سنواتٌ
…
ما عاد فيها غريبُ
وزوج أوديسيوسٍ
…
جارت عليها الكروب
غام الأسى في سماها
…
مسكينةٌ بِنِلوبُ!
أكلما جنْ ليلٌ
…
أوهى قواها النحيبُ؟
وراقَ في ناظريْها
…
خيالُه المحبوبُ؟!
يا شوقها إذ تنادي
…
هـ والحنايا لهيبُ
في مخدعٍ ليس فيه
…
سوى خُطاها دبيبُ
يا حزنها إذ تناجي
…
هـ وهو لا يستجيبُ
بنلوب: أوديسيوس حبيبي
…
طال الحنين إليكا!
ولم تَعُدْ. . . يا بلائي
…
يا ويل روحيَ منكا!
أقمتُ في البُعد محرا
…
باً للهوى والوفاءُ
ورحتُ أسجد فيه
…
لذكريات هنائي
وليس يرحم مابي
…
سوى الدجى والسكونِ
وطيفُكَ الحلو يغري
…
بالسهد نورَ عيوني
كفّنتُ من أجل حبي
…
باليأس زهر شبابي
وعشتُ أحرق نفسي
…
ومهجتي في عذابي
الراوي: وفية أوردتْ صباها
…
متالفَ الدمعِ والحنينِ
ودار باليأس حولها العم
…
رُ شاكياً فاجعَ الأنينِ
ولم يَعُدْ ذاكرٌ سواها
…
لزوجها الفارس الأمينِ
فهذه حولها (أثيكا)
…
تضج باللهو والمجونِ
نسيانُ! يا طبّ كلِّ داءٍ!
…
أبْعِدْهُ عن قلبها الحزينِ
وَضُمَّهُ مثلما ضمتَ الذي
…
ن تاهوا مع السنين
وانفضْهُ من روحها وأغرق
…
هـ في دجى سرك الكنينِ
أنتَ الذي تمنحُ الشقيَّي
…
نَ كلَّ سلوى في كلِّ حينِ
وتمسحُ الهمَّ بالتأسِّى
…
وبالأمانيِ وبالحنينِ!
صغرتَ والله عن أساها!
…
وضقتَ عن شوقها الدفين!
نسيانُ! إني أراكَ أوهَى
…
من حُبَّها الخالدِ المكينِ!
كم مرة أحرقتْ فؤاداً
…
بنظرة غضة الجفونِ
يشع من وجهها سني خا
…
طفٌ من السحرِ والفتونِ
يضئ يغري القلوبَ بجثو
…
لحسنها الرائع الحزينِ
كم راجح العقل تًيَّمَتْهُ
…
فَصَيَّرَتْهُ إلى الجنون!
وكم أميرٍ مُدَاهِنٍ عط
…
فها لدى قلبها الحصينِ
وطيفُ محبوبها مقيمٌ
…
يُقْصِيه عن حرمة العرين
الأمير: وهبتكِ قلبي فلا تنبذيه
…
وصونيه. . . إن غرامك فيهْ
ألا ترحمينَ له خفقةً
…
تنادي فؤادك كي يحتويهْ
بحسنك يا ربَّتي أنقذيهْ
…
وفي قبضةِ اليأسِ لا تتركيهْ
بنلوب: نأيتُ بروحي عن الحب
الأمير:. . . . . . . . . . . . . . . لا
…
لقد ظلَم الحبُّ فيكِ الجمالْ
بنلوب: وأوشك يطفئ في ناظري
…
بريقَ الشبابِ ونورَ الخيالْ
فما ترتجيه بحبيَ؟
الأمير:. . . . . . . . . . . . . . . . . . إني
…
أراه يُنيلُ فؤادي المُحَالْ!
بنلوب: واهمٌ فيما تراهْ
…
أنا أحيا لهواهْ
هو زوجي وحبيبي
الأمير:. . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
حلمٌ طاحت رُؤَاهْ
فخُذِي مني حليلاً
…
وأخا عيش سواهْ
وارحمي حسنك أن تُذْ
…
وِيهِ أحزانُ الحياةْ
بنلوب: مرحباً بالهم لو غا
…
لَ شبابي فيِ نواهْ
حبه كعبة نفسي
…
ودمي طولَ الحياة
وشجوني. . . ودموعي
…
هي قربان الصلاة
الراوي: تنافسَ الأمراءُ
…
في حبها كيف شاءوا
كلٌ غريقُ هواها
…
وفي يديها النجاءُ
فليرحم العشاقَ ال
…
مُتَيَّمِينَ الرجاءُ
لم يسمعوا صوتَ قلبٍ
…
تغلي به البُرَحَاءُ
وخيَّروها لتحظى
…
بمن ترى وتشاءُ
لكنها والأسى أج
…
رى دمعَها والوفاءُ
آلت بأن تنتقي مَنْ
…
يكون فيه الكفاءُ
وأرجأت ذاك حتى
…
لها يتمّ رجاءُ
تريد تنسجُ بُرْداً
…
فليصبرِ الأمَراءُ!
عذرٌ تصير لها من
…
هـ عصمةٌ ووقاءُ
تظل تعمل في الْبُرْ
…
دِ والظلامُ دعاءُ
وحينما تنثر الفج
…
رَ في الأعالي ذكاءُ
تحلُّ ما نسجته
…
حتى يحينَ المساءُ
وهكذا ليس للبُرْ
…
دِ والنسيج انتهاءُ
مَلَّ انتظارُ المحبي
…
ن جمعَهم واستاءوا
مَنْ ذلك الفارسُ الفر
…
دُ حوله لألاءُ؟
تفيض من مقلتيه
…
عزيمةٌ وَمَضاءُ
يمشي فتعمر دنيا
…
هُ فرحةٌ وضياءُ
يزهي بما قد حَباهُ الش
…
بابُ والعلياءُ!!
الفارس: كواني لهيبُ الجوى فانطلقتُ
…
ألوذ بظلك يا جنَّتي!!
بنلوب: وما أنا فاعلة يا أميري؟
الفارس:. . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
أعيدي بوصلك لي مهجتي
حرامٌ عليَّ نسيمُ الحياة
…
إذ أنتِ لم تصبحي زوجتي
بنلوب: ولكنني لم أتم النسيج
الفارس:. . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
وأشعلتِ يا أملي حرقتي
تعاليْ نذوق الهناء
بنلوب:. . . . . . . . . . . . دعوني
…
ولا تحرمونيَ من شقوتي
الراوي: أكلما لاح عاشق با
…
عدتْهُ مُرْبَدَّةَ الجبينِ؟
وكلما ضاَء بارقٌ أس
…
دلتْ عليه من الدجونِ؟
واستعذبتْ وحدة الحزانى
…
بلا أنيسٍ. . . ولا خدين!
واستسلمتْ للشجونِ حتى
…
لم يبق منها سوى الشجونِ
وشبَّ في يأسِها (تليما
…
كُ) صورةً من أبٍ أمينِ
وكلما أبصرْتهُ. . . ثارتْ
…
لزوجها موجةُ الحنينِ
نما ولم يَدْرِ ما أبوه
…
إلا على صفحةِ الظنونِ
منرفا: تليماك!! يا ولدي!
تليماك:. . . . . . . . . من أرى؟
منرفا:. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
منرفا تَشُقُّ عبابَ الظلامْ
تليماك: وتنفضُ عن مقلتيَّ الكرى؟
منرفا:. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
وتسكبُ بين يديكَ السلامْ
تليماك: ومن أين جئتِ؟
منرفا:. . . . . . طويتُ إليكَ
…
بساطَ السماءِ وَهوْلَ الجبالْ
تليماك: وماذا تريدين؟
منرفا:. . . . . . . . . . . . إني حملتُ
…
لأحزانِ أمك آيَ الزوالْ
أبوك الذي شردتْهُ السنينُ
تليماك:. . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
أراهُ ولكنْ بعينِ الخيالْ
أما زالَ في حلقاتِ الحياةِ؟
نرفا:. . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
وسوفَ يعودُ وفيرَ الشبابْ
تليماك: تباركتِ يا ليلتي!
منرفا:. . . . . . . . . قُل لأمَّ
…
ك أوشك يذهب عنها العذابْ
الراوي: وطارت ربة الحكمة عنه وهو مذهول!!
أيكذبها؟ وكيف؟ وإن ما قالته تنزيلُ!
وهبّ إلى حمى بنلوب يطرح باقة البشرى
وزف الصبح أوديسيوس وهو الفرحة الكبرى
كورس: بنلوب يا أوفى النساءُ
…
ضاءتْ حواليك السماءُ
راح الأسى وأتى الهناءُ
…
هذا أليفُ الروح جاءْ!
استقبلي طيرَ السلامْ
…
واشتكي له ظلم الغرامْ
وأريه ما جرح الهيامْ
…
وأريه ما فعل الوفاء
بنلوب يا أوفى النساء
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبد الرحمن الخميس
البَريدُ الأدَبيّ
وهذه أيضا. . . فضيحة!
ساء نفراً في الشام أن اختصت مصر بمكرمة محاربة الشيوعية بجد وحزم، فبعثوا يحتجون على حكومة مصر، بأسلوب أقل ما يوصف به أنه كفر بالجامعة العربية، وإساءة للخلق النبيل، وإخفاء للحق الظاهر، وتزويق للباطل القبيح، فغضب لذلك وزير مصر المفوض في دمشق، وأركان حكومة الشام، وأساتذة المدارس (لأن هؤلاء النفر الشيوعيين المعلنين شيوعيتهم من كبار موظفي المعارف!) وغضب علماء دمشق وتجارها وطلابها، والجمعيات الإسلامية والعربية فيها، وغضب عمالها الذين يتخذهم الشيوعيون في الشام، كقميص عثمان. . . وبعثوا بسيل من البرقيات والمقالات، يدفعون بهذا الحق باطل النفر المخالفين، ويثبتون به أن دمشق بلد العربية المسلمة لا تكون أبداً دار الشيوعية الملحدة، وأن هؤلاء النفر لا ينطقون إلا بلسان أنفسهم ولا يعلون إلا بوظائفهم - فإذا أنزلتهم عن كراسيهم في وزارة المعارف لم يعودوا شيئاً، وما (فلان) و (فلان)؟ أي حسب وأي نسب؟ أي علم وأي أدب؟ أي مال وأي نشب؟ كراسي على كراسي. ومناضد وراء مناضد! ولولا إنها فضيحة قبيحة أن يكون بيد هؤلاء تنشئة أمة المستقبل، وأن في هذه الكلمة اعتذاراً إلى مصر، وتبرئة للشام وإحقاقاً للحق، وتقوية للجامعة العربية ما بعثت بها إلى الرسالة.
(دمشق)
علي الطنطاوي
1 -
قصة عجب
من أيادي الحكومة المصرية تعليم الصم والبكم، فقد اجتمعت في دار الأستاذ فهمي رضوان بحسن أفندي شاهين أحد المتخرجين من (مدرسة الصم والبكم بالإسكندرية) فأخبرنا أنه ولد أبكم وتعلم في هذه المدرسة، وتفاهمنا معه بالكتابة وبالكلام أيضاً، فإنه يدرك ما يحدثه به مخاطبه من حركة الشفتين أو حركة اللسان في الحروف غير الشفهية، ثم أدهش الحضور بوضع راحته على حنجرة أحدهم وتحويل وجهه عنه، وطلب منه أن يتكلم بما يريد، فعرف ما قاله تماماً من حركة الحنجرة، وأعاد مثل ذلك مرات مع عدة من حاضري
المجلس المعجبين به.
محمد شفيق
2 -
بل هي حوائج:
أورد الأستاذ النشاشيبي (في عدد الرسالة 655) بيتي الأبيوردي المذكورين في إرشاد الأريب.
ركبت طرفي فأذرى دمعه أسفاً
…
عند انصرافي منهم مضمر اليأس
وقال حتام تؤذبني فإن سنحت
…
جوانح لك فاركبني إلى الناس
ورأى أن الصواب (سنحت سوانح لك). والصواب ما جاء في الكامل لابن الأثير عند ذكر وفاة الأبيوردي وهو (حوائج) حيث ذكر البيتين. وقال الأستاذ النشاشيبي أيضاً. كانت وفاة الأبيوردي سنة 557 ولعله اعتمد على وفيات الأعيان أو الأعلام للزركلي، والصواب أنها سنة 507 كما بينت ذلك (في العدد 561 من الرسالة) نقلاً عن (شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد) وورد مثله في معجم البلدان لياقوت وتاريخ الكامل وغيرهما.
محمد شفيق
فن تاريخ مصر المجهول:
في مكتبتي مخطوطة من كتاب (التنوير في إسقاط التدبير) لابن عطاء الله الإسكندري. وابن عطاء الله هذا مفخرة من مفاخر الإسكندرية بل من مفاخر مصر. توفي سنة 709هـ وكتابه التنوير من أشهر كتبه بعد كتابه (الحكم العطائية) وقد طبع التنوير عدة مرات ونسخه المخطوطة كثيرة. أما مخطوطتي فحسنة الخط مشرقة الحرف فيها تواليع بالحمرة في عناوينها وبعض كلماتها ولم يذكر في آخرها اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها، غير أن الناسخ بعد أن أتم نسخها عاد فنقل من كتب الوعظ والحكم فوائد ملأ بها عشر صفحات وقد بدأ الفائدة الأولى بقوله:(ومن فوائد مؤلف هذا الكتاب: الوجود أقسام أربعة: خير محض وشر محض وشر وخير ولا شر ولا خير إلخ) ثم ذكر أبياتاً في الحكم ثم ثلاث قطع من الشعر في آخر كل قطعة تاريخ بحساب الجمل سجل فيه حادثة جرت في مصر منذ ثلاثمائة سنة ونيف. وقد كتب الناسخ القطع الشعرية الثلاث من دون مقدمة ولا عنوان ولا
تعليق ولا مناسبة لما قبلها أو لما بعدها.
وبعد أن أتم القطع رجع إلى سرد فوائده الحكيمة كأنه لم يأت بشيء جديد ولم يستطرد إلى خبر غريب لا علاقة له بالفوائد والرقائق التي يسردها. وهذه هي القطع الثلاث نثبتها هنا على ما فيها من خلل في الوزن وركاكة في التعبير أو أن ذلك كله إنما وقع من جهل الناسخ لا من بلادة الناظم.
- 1 -
لقد كانت الأمصار تحسد مصرنا
…
وتدعى بروض الملك في سائر القرى
رماها ملكها بالنُّحاس فأصبحت
…
خراباً وأهلوها غدت أفقر الورى
وصارت ديار الذل من بعد عزها
…
ألا في سبيل الله يا مصر ما جرى
وقد قلت في عام النُّحاس مؤرخاً
…
نحاس كأحجار على مصر أمطرا
1034هـ
- 2 -
بمصر كل إنسان
…
قد صار مسكين حيران
من كثرة الغم لما
…
رموا بها الزيف بهتان
زمانه أرخوه
…
به نحاس وخسران
1043هـ
- 3 -
بمصر حل تشويش
…
وتنكيد وأحزان
برمي نحاس أرسله
…
لها سلطاننا الآن
فأضحت مصر في وهج
…
وأهلوها بها انهانوا
رميته نؤرخها
…
بها نحس وخسران
1043هـ
والتاريخ في القطعة الأولى مغاير للتاريخ في القطعتين الأخيرتين والفرق قليل لا يتجاوز بضع سنوات. وربما كان سببه اختلاف الاعتبارات في حساب بعض الكلمات أو أن
المحادثة تكررت ويكون السوء أصاب مصر مرتين أصابها سنة 34 و 43 وبينهما تسع سنوات وكلمة (نحاس) مضبوطة بالشكل بضم النون وفتح الحاء غير المشددة. ومن معاني النحاس الدخان وبه فسر النحاس في آية (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس) فهل كانت الكارثة التي نزلت بمصر في ذلك الزمن شيئاً من هذا القبيل؟ بيد أن الشاعر قال (نحاس كأحجار على مصر أمطرا) فجعل النحاس كالأحجار، أو لعله يريد بالنحاس قنابل مدافع من نحاس محشوة بأحجار. وفي دار الكتب المصرية ست نسخ مخطوطة من كتاب التنوير المذكور فقلت في نفسي لعل نسختي نقلها ناسخها من إحدى هذه النسخ فيكون خبر (النحاس كالأحجار) مثبتاً في آخرها فراجعتها فلم أجد أثراً فيها. وراجعنا بمعونة موظفي دار الكتب بعض كتب التاريخ التي وصلت في تدوين الحوادث إلى سنتي 1034 و 1043 فلم نجد بينها أثراً للخبر العجيب المذكور.
فنحن نروي لقراء الرسالة هذا الخبر على علاته، ونصه على زلاته، فلعل فيهم من يسعفنا باليقين من أمره فنكون له من الشاكرين.
عبد القادر المغربي
عضو المجمع
الأبيوردي
تساءل الأستاذ الجليل محمد إسعاف النشاشيبي في مقاله بعدد (الرسالة) الماضي عن (إرشاد الأريب) عند ذكر قصيدة الأبيوردي المعاوي التي قالها عند استيلاء الفرنج على بيت المقدس سنة 492هـ تساءل في بعض حواشي المقال: هل نظم الأبيوردي القصيدة وهو صغير أم نظمها بعد ذلك التاريخ، ويرجع تساؤل الأستاذ الجليل إلى اعتماده رواية ابن خلكان أنه مات سنة 557هـ وللأستاذ الجليل الحق في هذا التساؤل لأن المدة حينئذ بين نظم القصيدة وبين الوفاة هي خمس وستون سنة. . . وأقول: - لعل الحق أن وفاته كانت سنة 507هـ لا سنة 557هـ كما في بغية الوعاة صفحة 16 والدليل الذي لا يتطرق إليه الشك على صحة هذا التاريخ أن السيوطي ذكر نقلا عن السلفي أن الأبيوردي (أحضر عند السلطان أبيَ شجاع محمد بن ملك شاه تشخيصاً وهو على سرير ملكه فارتعد ووقع ميتاً
وذلك يوم الخميس بين الظهر والعصر العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبعة وخمسمائة) وإذا علمنا أن هذا السلطان توفي سنة 511 هـ كما في تاريخ آل سلجوق للعماد الأصفهاني صفحة 108 بين لنا وجه الحق في وفاة الأبيوردي العظيم. . .
جعفر محمد
الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي للدكتور محمد البهي
من الجوانب الفكرية التي لا تزال يتغشاها كثير من الضباب؛ ذلك الجانب الفلسفي من التراث الإسلامي؛ ومبعث الاختلاف هو: هل هذا اللون من التفكير؛ وليد العقلية الإسلامية؛ وبين أحضانها درج؛ وفي بيئتها شب وترعرع؛ أم هو ربيب بيئة أخرى لا صلة لها بهذه البيئة؛ وإن كانت تلك البيئة قد آوته في كنفها حينا؛ فطبعها بطابعه؛ كما خلعت عليه هي أيضا بعض شياتها؛ فموقف المؤرخ لهذه الظاهرة العقلية الإسلامية؛ موقف دقيق يحيط به الغموض؛ ويحتاج إلى منطق متئد، وفكر ثاقب؛ حتى يتسنى له أن يرد كل فكرة إلى مصدرها، وأن يحرص على أن يظل بمنأى عن التورط والانغماس فيما يلبس عليه المحجة؛ ويجره إلى التحزب والمشايعة؛ وقد استطاع الدكتور محمد البهي أن يحتفظ بموقفه بعيداً معتصماً بكنف البحث العلمي الذي يرد عنه عوادي الأهواء، ويقيه مزلة الانزلاق؛ فخرج البحث عن أن يكون رواية للمشاكل الإلهية كما تركها المسلمون؛ وصح أن يعد تاريخاً للتفكير الإسلامي الإلهي؛ يبين قيمة العمل العقلي للمسلمين في الناحية الإلهية من حيث هو في ذاته؛ وأثره في تطور العقيدة باعتبار أنها شيء قام على أسلوب الدين؛ وعلى ما لطبيعته من خصائص. وهذا المبحث يقع في قسمين: الأول يصور الفكر الإسلامي في مرحلة عزلته، والقسم الآخر يصوره بعد اختلاطه بالثقافات الأخرى. فالمرحلة الأولى تتناول تاريخ الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي؛ وهي مرحلة العزلة؛ ويعني بها ما كان تفكيرها عربياً محضاً لم يشتبك بعد فيها مع تفكير آخر غير عربي؛ ثم بعرض لموضوع التفكير في هذه المرحلة وهو - الله - فالله باعتبار ذاته؛ وباعتبار علاقته كخالق للمخلوقات؛ وباعتبار علاقته بالإنسان؛ كان المحور الذي تركزت حوله الدعوة المحمدية كما عرفها القرآن؛ وعوامل التفكير التي نلتمسها أولاً وبالذات في الخلاف والتصدع الذي
طرأ على الجماعة الإسلامية بعد وفاة الرسول؛ والمرحلة الثانية هي تدفق الثقافات الأجنبية في القرن الثامن الهجري؛ ولهذه الثقافة غير الإسلامية مصدران: شرقي. وهو ما قام حول الديانات وخصوصاً اليهودية والمسيحية وشروحهما؛ وغربي وهو الفلسفة الإغريقية. ثم تكلم المؤلف عن طريق الترجمة وأسبابها؛ وسبب ترجمة المنطق؛ والفلسفة الإلهية؛ والأخلاقية والنفسية؛ وأشهر الكتب المترجمة؛ والكتب المزيفة؛ ومقياس الصحيح والزائف؛ وأسباب التزييف؛ تناول كل هذا تناول الفاهم الملم؛ الهاضم لموضوعه؛ فسد ثغرة كانت لا تزال غير محكمة السد في هذا الجانب الفلسفي من التفكير الإسلامي.
محمد عبد الحليم أبو زيد
القَصًصُ
من ذكريات الشباب
اجترار
للأستاذ حبيب الزحلاوي
(تتمة)
- 5 -
تلبس القصة الواقعية، في بعض الحين، ثياب الأسطورة الخرافية ونبذها في الغرابة، وكثيراً ما يحار العقل في تحليل وقائعها فينسبها إلى المصادفة والاتفاق، فإذا أعيته الحيل وعجز عن بلوغ الحقيقة المادية لجأ إلى القول بالقدرية والأسرار المجهولة، وأخيراً يعترف اعتراف المستسلم بالعناية الإلهية وهي قدرة فوق طاقة العقل الإنساني تحده عن إدراك الغاية الإلهية من صنع العجائب والخوارق والمعجزات
وحكايتي أيها الأصدقاء فيها الأعجوبة الخارقة، والأسطورة الخرافية الحية، والواقعية المادية
كنا عشرين رجلاً، منا الطبيب والجرّاح والمساعد والصيدلي فضلاً عن الأتباع، وكان عددهم يناهز الثمانين، وقد انتحينا ناحية في مؤخرة الجيش في ميدان القتال اتخذناها مستشفى للأعمال الجراحية والإسعافات الطبية، وكان كلما تقدم المحاربون من رجالنا تأتينا النقالات حاملة الجرحى فنضمد البسيط منها ونقطع الرأي في الأمور الخطيرة التي تتطلب السرعة
تقدم جنودنا تقدماً محسوساً أدركنا مداه من الدوي الذي كان يصل إلى أسماعنا مخنوقاً خافتاً حتى حسبنا أننا انقطعنا عن الجيش
لم نأبه لتقدم الجيش لأن حاملي المحفات لم يشكوا من طول الشقة الفاصلة بيننا وبينهم، وبينما نحن في مكاننا ذاك تستغرقنا أعمالنا إذا بالدوي قد عاد، وإذا بصفير الرصاص وقرقعة القنابل وجلبة القتال كأنها استردت نشاطها الحي، وأخذت المدافع تقصف وترعد وبدت كراتها تشق الفضاء وتمزقه تمزيقاً ولكنها كانت بجانب الاتجاه السوي
لفت نظر زميل طبيب إلى تحول المعركة من الجبهة إلى جناح فأجابني إجابة تهكمية أسكتتني، كان زميلي المتهكم ذاك، سبط القوام، عريض الألواح، بديناً يحسن السخرية والتندر. لقد أحسن ذلك الزميل مبلغ ألمي من تهكمه فتقدم مني يلاطفني ويطيب خاطري
في تلك اللحظة سقطت قذيفة بالقرب منا، أقول سقطت، لأن العجاجة التي أثارتها، والرجال الذين تراكموا منا فانقلبوا على الأرض، والحصى والحجارة والأتربة وقد عقدت سحابة داكنة فوقنا، ثم تساقطت علينا جعلتني أرجح سقوطها بالقرب منا
ألقيت جسمي بين يدي زميلي الطبيب البدين فاحتضنني كما تحتضن الأم ولدها، ورأيتني أتشبث به كصبي مقرور أو مرعوب انفجرت القذيفة بعيدة عنا، ولم أكد أنحى وجهي عن صدر زميلي حتى رأيت محفات جرحانا تطير في الفضاء وأحسست بجسمينا تحملهما عاصفة شيطانية كأنها خرجت علينا بغتة من أودية الجحيم ففقدت الوعي!!
لست أدري كم كان عدد الساعات أو الدقائق التي رحت فيها في غيبوبة أحسبها تماثل راحة الموت. . . ولكني تنبهت على معالجة إخراج وجهي من حمأة كادت تكتم أنفاسي
الحمأة لزجة كريهة الرائحة، وجفوني مقفلة بإحكام. . . أجفلت من نفسي. . . حاولت التخلص مما أنا فيه لأتبين حالي على حقيقته فإذا ركبتاي لا تسعفانني بالنهوض وساعداي غريقان في بركة من دم ولحم
دم ولحم؟!! صورة مفزعة وثبت إلى ذهني فكدت أجن، أخذت أنزع يدي كأني ملسوع، رفعت أصابعي إلى جفوني. . . رفعت أصابع ملطخة تنقذ جفوناً ملطخة؟! حاولت مجتهداً الابتعاد عن بركة أنا الغريق فيها، لأني ما كدت أنقلب على ظهري حتى أحسست أني أتوسد أرضاً مرملة. . . استعنت بالرمل على تنظيف يدي فكانتا تتلطخان من جديد؟! هل هما مجروحتان؟ لا أحس ألم جراح ولكنني أشم رائحة الدم. . . عدت إلى أصابعي أمسحها بالرمل، وإلى أهداب جفوني أغسلها بلعابي، كنت حتى تلك الساعة أجهل أن الدم كريه الطعم كريه الرائحة، ولكن لامناص من إنقاذ جفوني من التصاق أهدابها حتى أرى على أي حال أنا وفي أي بقعة من الوجود أكون، وهل من وسيلة إلى تضميد جراحي؟ وهل هي تنزّ وتتفصد، ولم يجل في خاطري أني كنت ميتاً ولا في حالة قريبة من الموت بل كانت دوافع الحياة تدفعني إلى الكفاح للنجاة مما أنا فيه
انفتح جانب من طرف إحدى عيني فاندفع النور فيها أو كأن النور انبثق من هذا الجانب!!! حاولت الجلوس فإذا بركبتي تشعرانني بألم محتمل، طأطأت رأسي وأخذت أفتح ثغرات أخرى في أهدابي
ها أنا ذا أرى الحياة من جديد!!
شمس ساطعة، وسماء صافية، وصحراء هادئة ساجية، كأن ليس عليها سواي أنا المهشم المجروح وهذه الجثة المهروسة التي كنت غريقاً فيها، جثة مهروسة حقاً أنا هرستها بجسمي فآويت إلى أحشائها أتقي الموت فحملت عبئه وحدها وأنقذتني، جثة إنسان ضخم الجسم غرقت فيها من شدة ضغط القنبلة المعادية ولم تكن غير جثة زميلي الطبيب المفراح المزّاح
في تلك اللحظة التي تبينت فيها جثة زميلي وتحققت أنه الميت وأنا الحي، في تلك اللحظة جمد ذهني، وركد تفكيري. . . كنت أنظر فلا أرى، وأعي فكأني لا أعي! كانت صورة جثة زميلي المهروسة ماثلة أمامي، أرى الأحشاء مندلقة بشكل تنفر منه العين وتتقزز منه النفس، وأشم رائحة نتنة هي رائحة الإنسان!!
لازمني ذهول مركز، كنت أرى فرق الجيش تمر بي من بعيد، وثاب اليّ رشدي ساعة أقبل رسل الإنسانية فحملوني على محفة إلى المستشفى.
ساد المجلس صمت. . . أما أنا، فلم أكد أهم بحكاية أخرى من وقائعي حتى شعرت كأن رفاقي يستمهلونني بل يستوقفونني وقال لي أذلقهم لساناً، عليك أنت أن تدون حكايتنا ولا عليك أن تبتدع لنا حكايات، يكفيك أنك ألهبت شعورنا الوطني وإحساسنا القومي بما كنت تكتب وتنشر على رغم أنه مقتبس أو مستمد من أرواح الزعماء، فالزعماء يا صاحبي أرواح لا يفهمها الشعب، وإن ميعاد عظمة الزعيم رهينة بلبس ثياب الأسطورة ليصير خرافة لا حقيقة، وفي مقدرته على إنارة هالة قدسية حوله تجعل الشعب يؤمن به، فهو في كل أمم الشرق مجموعة من شخوص متحركة يعرفها جيداً كل زعماء الشرق، يعرفونها جيداً لأنها شخوص مثلهم تتحرك بدوافع غير منظورة لا يراها الشعب ولا يعرفها. . . كلنا يا صاحبي ذلك المجتر، شعب وزعماء!
حبيب الزحلاوي