المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 665 - بتاريخ: 01 - 04 - 1946 - مجلة الرسالة - جـ ٦٦٥

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 665

- بتاريخ: 01 - 04 - 1946

ص: -1

‌الأمريكيون والأمريكيات يتكلمون في تعدد الزوجات

‌والطلاق

للأستاذ عباس محمود العقاد

عرضنا في كتابنا عبقرية محمد لمسألة تعدد الزوجات، ولخصنا في عدد ماض من الرسالة ما كتبه المصلح الهندي السيد محمد علي عن هذه المسالة في كتابه عن الإسلام والنظام العالمي الجديد، وخلاصته (أن الإسلام يزكي وحدة الزوجة ويفضل هذا الزواج على كل زواج. إلا أن الشرائع لا توضع لحالة واحدة، والدنيا كما نراها عرضة لطوارئ الشذوذ والاختلال، ومن هذه الطوارئ ما ينقص الذكور عدة ملايين ويزيد الإناث بمقدار هذا النقص في عدد الذكور، فضلا عن الزيادة التي تشاهد في عدد النساء من كل أمة على وجه التقريب في غير أوقات الحروب. وإن تعدد الزوجات في أمثال هذه الأحوال لخير من البغاء المكشوف. فقد قبلت المرأة الأوربية مشاركة الخليلات المعترف بهن وقبلت مشاركتهن في الخفاء، وأصبحت هذه المشاركة نظاما اجتماعيا مقررا لا معنى بعد قبوله وتقريره للاعتراض على تعدد الزوجات الشرعيات، فهو على الأقل أصون للأدب واكرم للنسل وأجمل بمنزلة المرأة من مهانة الابتذال، وأصلح للاعتراف به في علاقات المجتمع وقوانين الأخلاق).

ولم يكد هذا المقال يظهر في (الرسالة) حتى وصلت إلينا مجلة أمريكية حديثة من طراز جديد تسمى المساجلة أو المناقشة أو الحوار وتدور على موضوعات سياسية أو اجتماعية أو سياسية تختلف فيها الآراء، ويؤيد كل رأي منها فريق من الكتاب أو القراء، ومن هذه الموضوعات موضوع الطلاق وتعدد الزوجات وهل الأفضل للمجتمع الإنساني أن نبيح تعدد الزوجات تجنبا للطلاق أو نبيح الطلاق تجنبا لتعدد الزوجات. فكان من الطريف حقا أن نطالع هذه الآراء كما تخطر عندهم للرجال والنساء والفتيان والفتيات. فانهم في الواقع يقدمون الوجهة (الذوقية) في هذه المسالة على الوجهة الاجتماعية الخطيرة التي من أجلها توضع الشرائع وتسن المباحات والمحظورات، ولكن الواجهة الذوقية مع هذا قد تتغلب في أثرها على الواجهات الاجتماعية مع جلالة خطرها وضرورة النظر في علاجها. لأن المعارضة في تعدد الزوجات تفقد الكثير من أسبابها القوية إذا أمكن التغلب عليها من جانب

ص: 1

الذوق والشعور.

قالت الآنسة فرانسين دوفال وهي ممن قبلن تعدد الزوجات: إنها تعرف فتاة صديقة لها طلبت الطلاق بعد زواجها بستة شهور، لأنها علمت أن زوجها يغيب عن المنزل بعض الليالي ويعتذر بالاستعداد لامتحان الحقوق، وهو في الحقيقة يقضي تلك الليالي في صحبة فتاة أخرى كان يعاشرها قبل الزواج، وأن الطلاق في هذه الحالة أكرم الحلول فلا ملامة على الفتاة أن تطلبه ولا على الشريعة أن تنص عليه.

قالت: (وإنني وإن كنت أعتقد أن تعدد الزوجات يوافق الرجال أكثر مما يناسب النساء أحسبه شيئا لا يخلو من الطرافة والغرابة. ولست من الطفولة بحيث يخفى علي أن كواكب الصور المتحركة يعشقهم كثير من النساء ويعلمن وهن يعشقنهم أنهن لا يسيطرن على قلوبهم ومشيئتهم. ومهما يكن رائيك مثلا في (إيرول فلن) فإنك لن تجهل الواقع الذي لا شك فيه من أمره وهو أن طائفة كبيرة من النساء يقبلن الشركة فيه. نعم ليس كل الرجال في وسامة إيرول فلن أو فكتور ماتيور أو فإن جونسون أو كلارك جابل؛ ولكن الرجال الذين لهم نصيب من الوسامة والقسامة كثيرون في كل مكان. فلماذا لا تشترك في قربهم عدة نساء؟ إنهن ينفردن في الحجرات متى كبر الأطفال وتتقدم السنون فتبرد حرارة الشباب وتهدأ مرارة الغيرة ولا يبعد أن يجد هؤلاء الشريكات مواطن للتسلية والمقارنة في التحدث عن ذلك الرجل الذي ارتبطن به جميعا برابطة الزواج. ولقد عشت معظم أيامي في ضاحية مدينة كبيرة فلا أحسب صديقاتي إلا مستغربات عاتبات لو أصبح من حظي غدا أن أكون واحدة من هؤلاء الزوجات المشتركات. ولكن هب الرجال كان مليح الشمائل قادرا على إيوائنا جميعا ألا يخطر لك أن اللاغطات بحديث زواجي يلغطن إذن من الغيرة لا من الإنكار؟).

وكتبت آمي هتشنسون وهي زوجة لها ولدان - فقالت إنها نشأت في ولاية (أوتاه) التي أقام فيها المورمون الذين يدعون إلى تعدد الزوجات، وأنها قضت في عشرة زجها أربع عشرة سنة ولا ترى للزوجة أن تطلب الطلاق إلا إذا آمن زوجها بمذهب تعدد الزوجات!.

وقالت: (ما من امرأة ولدت في هذه الدنيا الحديثة ترضى أن تشاطرها أخرى في حقوق فراشها إلا إذا كانت قد أضاعت صوابها. وهذه كلمة مكشوفة لا مراء ولكنها هي أهم ما

ص: 2

تفكر فيه امرأة حين يذكر لها تعدد الزوجات. ثم ماذا يقول الأطفال إذا فارقهم (بابا) ليلتين أو ثلاث ليالي أو أكثر من ذلك ليذهب إلى زوجاته الأخريات؟).

وكتب جوزيف ماردفلد - وهو من المشتغلين بدراسة علم الأجناس والسلالات - فاستحسن تعدد الزوجات وغلب عليه حكم الصنعة فعلل استحسانه بالفائدة العلمية التي يجنيها الإنسان من هذه التجربة الضرورية إذا صرفت إلى غايتها الصحيحة. فنأخذ رجلا قويا ذكيا وسيما ونراقب نسله من عدة نساء مختلفات النماذج والأخلاق، ونستخلص من ذلك أصدق المبادئ الصالحة لتحقيق الكمال المثالي في القران بين الذكور والإناث. أما الطلاق فهو لازم للفصل بين الزوجين كلما ظهر النقص في شروط القران واستحال التوفيق بينهما على النحو الذي ينفع الذرية ونوع الإنسان. ويرى هذا الكاتب أن تجربة المورمون في القارة الأمريكية قد أسفرت عن نجاح لا ريب فيه وأنجبت في إقليم أوتاه جيلا من أصحاء الرجال والنساء صمدوا للمقاومة التي كانت تحيط بهم من كل صوب، وذللوا الصعوبات التي أقمها لهم رجال الدين وغيرهم من أعداء تعدد الزوجات.

وأنكر فرانك شيهان تعدد الزوجات كما أنكر الطلاق لأنه لا يريد أن ينفصل ما عقده الله ليبقى منعقدا مدى الحياة. وحاول أن يعلل إنكاره بعلة اجتماعية فقال إن السماح بتعدد الزوجات ظلم للطبقات الفقيرة، لأن إيواء الزوجة في العصر الحاضر يكلف الزوج نفقات لا قبل بها للفقير بغير جهد جهيد. فكيف بالزوجات المتعددات؟ وكيف نستخدم القانون لتمييز طبقة واحدة من طبقات المجتمع وحرمان سائر الطبقات من هذه المزية؟.

قال: (ولنتكلم بعد هذا عن الحياة اليومية التي يحياها رجل يجمع بين زوجات متعددات، ولنقدر أنهن لا يعشن تحت سقف واحد بل في حجرات متقاربات. ولنتخيل الزوجة رقم (1) حين تنظر إلى النور موقدا في مسكن الزوجة رقم (2) ثم ينطفئ النور ساعة الرقاد. أين يا ترى يكون الزوج هذه الساعة؟ أعند هذه الزوجة أم عند الثانية أم عند الأخرى؟. . .).

وعلى هذا المثال تبدأ الآراء في هذه المسائل الجلي فيثبت للناظر فيها شيء واحد على الأقل وهو أن المعارضة في مذهب تعدد الزوجات لا تستند إلى سبب أخطر من سبب (المزاج) كما يصح أن تعبر عن أشباه هذه الأسباب.

ص: 3

فالدواعي التي تلجئ المشرع إلى إباحة تعدد الزوجات عند الضرورة التي تسوغه أخطر جدا من هذه الموانع التي تساق لحظره على النحو الذي أجملناه فيما تقدم. فهذه الزوجة التي يغشى عليها الكاتب الأخير من وساوس الغيرة هل يظنها تنجوا من هذه الوساوس إذا كانت السهرة التي يغيب فيها زوجها قد انقضت في الحانة أو الماخور أو في الأندية التي لا فرق بينها وبين الحانات والمواخير؟ أو هل تنجو من هذه الوساوس إذا كانت السهرة مع زوجة رجل آخر يخونها في تلك الساعة كما تخونه لأنهم جميعا لا يستسهلون الطلاق؟

إن الذين يبيحون تعدد الزوجات لا يبيحونه لأنه حسنة مشتهاة ولا لأنهم يفضلونه على الاكتفاء بالزوجة الواحدة متى تمت شروط الوفاق والعشرة الدائمة بين الزوجين، ولكنهم يبيحونه لأن السيئات التي تبيحها الحضارة أبغض منه وأولى بالمحاربة والإنكار، ويعلمون أن كرامة الزوجة التي تشاركها في رجلها زوجة أخرى أعز وأوفر من كرامة الخليلة التي تعترف بها المجتمعات الأوربية والأمريكية ولا تحسب لها حسابا في الشرائع والقوانين غير حساب التهاون والإغضاء.

ولعل هذه الأجوبة التي قدمناها لا تشمل على جواب هو أولى بالتدبر وإطالة الروية من جواب الفتاة التي قالت إن النساء لا يرفضن المشاركة في الرجل الوسيم القسيم وإنهن إذا لغظن بحديث هذا الزواج فأغلب الظن أنهن لغضن من الغيرة لا من الإنكار. فهذه فتاة من بنات العصر الحديث في القارة الأمريكية موطن الحرية النسائية التي جاوزت جميع الحدود، كشفت عن دخيلة شعورها فإذا هو ينم على حقيقة المانع النفساني الذي يجنح بالمرأة إلى التأفف من المشاركة في المعيشة الزوجية، وإذا هو مسالة استحسان للزوج الذي يستحق هذه المشاركة لا مسالة كرامة أو مسالة من مسائل العقيدة والروح.

وتحسب أن الأجوبة الصريحة التي من هذا القبيل أجدى من الفصول المنمقة والمباحث المتعمقة في الإبانة عن مركز المرة الصحيح من مسائل الزواج والطلاق.

عباس محمود العقاد

ص: 4

‌نظرة لمعركة عين جالوت

وقتل قائد التتار كتبغا في 25 رمضان 658 هجرية

للأستاذ أحمد رمزي

(ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبرا

وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) قرآن كريم

قلت مرة لصاحب من إخواننا الذي يغلب عليهم التشاؤم (أن في الكون قوات طبيعية هائمة لا تلبث أن تصيب الرجل الذي اختارته العناية لعمل عظيم، فستفيق من غشيته متنبهاً ليقبض على تلك القوى الضائعة ويجمعها ويحشدها ويحركها ويقودها ببصيرته وعزيمته وجرأته، ليغير معالم الأشياء فيخلق من الجمود حركة ومن الخمود حياة ومن التسلم أملا، ويحول مجرى التاريخ ليكتبه كما يشاء. هؤلاء الرجال الأفذاذ كثيرون في تاريخ الإسلام، كانوا كالصخور الصلبة التي تواجه السيول، وكانوا كالسدود الضخمة التي تحول مسير المياه إلى جهات ونواح غير التي كانت تقصدها بدفعتها الأولى).

(وأعرف في تاريخ مصر العربية معارك كثيرة ومواقف خالدة كانت كالسدود العالية تصد حوادث الزمن وتقارع نكبات الدهر لتتغلب عليها: ولكني اعرف منها معركتين فاصلتين يجب أن يعرفها كل واحد منا لأنهما مفخرة لنا ولآبائنا ولأجدادنا، وقعت كل منهما في أرض فلسطين الشهيدة، في الجزء الشمالي منها أي بالقرب من بحيرة طبرية، تلك البحيرة التي أعدها وما حولها بقعة من اجمل بقاع الأرض، أما أولى المعركتين فهي معركة حطين، وأما الأخرى فهي معركة عين جالوت. كان بطل الأولى سلطاننا صلاح الدين وكان صاحب الأخرى سلطاننا الشهيد المظفر قطز، ففي الأولى تحطم ملك أورشليم وفي الأخرى تحطمت أطماع هولاكو في فتح مصر، وفي الأولى ظهرت مزايا جند مصر وعسكرها على فرسان أوربا، وفي الأخرى انتهت خرافة العهد من أن جيش المغول لا يغلب، فغلب وتشتت شمله، وظهر أن الدماء التي تجري في عروق الأباء والأجداد، أقوى وامتن واثبت من الدماء التي تجري في عروق فرسان أوربا وزمازمها من الاستبار والداوية، وعلم الناس والعالم بأكمله والأجيال السالفة واللاحقة أن صلاح الدين وقطز هما

ص: 5

من رجال الله).

فإذا فتحت خريطة لفلسطين الشقيقة، فابحث عن بيسان، تجدها تحت جسر المجامع جنوبي بحيرة طبرية وتطل على وادي نهر الأردن، وعلى اليسار وادي جالوت حيث كانت تقع بليدة باسم عين جالوت، ففي هذه الناحية ومنذ سبعمائة وسبع سنوات، التقى جيش مصر بقيادة سلطانها الملك المظفر قطز مع جيوش المغول ودارت بينهما معركة هائلة فاصلة، وكان مجيء المغول من الشمال حيث أراضى البقاع الخصبة - بقاع العزيزي المشهورة - وهي الواقعة الآن داخل حدود الجمهورية اللبنانية. وكان مجيء جيش مصر من القاهرة إلى الصالحية إلى غزة إلى الرملة ثم عكا ثم إلى المصاف بعين جالوت.

ولما التقى الجمعان كتب الله النصر للمسلمين فسجد ملك مصر المظفر قطز شاكرا الله ومرغ وجهه في تراب الأرض، أما قائد المغول فقد كان اسمه كتبغانوين، وقد قتله بطعنة واحدة أمير من أمراء مصر هو جمال الدين أقوش الشمسي. وكتبغا اسم تتري مركب من كلمتين قيل أن معناه الثور الذي يدهشك أو يدعو للدهشة أو يثير الإعجاب، وكان أولى أن يسمى بالثور الهائج. ونوين قيل في معناه قائد العشرة الآلف؛ وجندهم كما نعلم تتحرك بالآلاف وعشراتها.

وصفه الشيخ قطب الدين اليونيني فقال (رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها وكان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة قد ضفرها مثل الدبوقة، يعلقها من خلفه بأذنه، وكان مهيبا شديد السطوة) دخل الجامع، وصعد المنارة ليتأمل القلعة ومن فيها من جنود الإسلام، قال:(خرج من الباب الغربي ودخل دكانا خربا وقضى أمرا والناس ينظرون إليه) ثم أردف ذلك بقوله: ولما بلغه خروج العساكر المصرية حار في أمره ماذا يفعل ولكن حملته نفسه الأبية على اللقاء وظن انه منصور على جاري عادته، فحمل يومئذ على المسيرة فكسرها ثم أيد الله المسلمين وثبتهم في المعركة) وجاء النصر من عنده تعالى.

وجئ بالأسرى وبينهم ابن القائد العظيم فأخذه الملك المظفر قطز وسأله: (اهرب أبوك). فأجاب: (أن مثله لا يهرب). وعرضت القتلى فتعرف الابن على أبيه وصرخ باكياً، فعلم المظفر بموته وسجد لله شكراً مرة أخرى.

وكان المغول يؤمنون بعبقرية كتبغا ويستبشرون به خيراً، إذ هو الذي اخضع البلاد لهم من

ص: 6

حدود فارس الشرقية إلى حدود الشام، ولما قتل ذهب سعدهم، وألف قوادهم الهزيمة واعتاد رجالهم الفرار. وكانوا يعتقدون بالتنجيم والعرافة، ذكر ابن الفرات في تاريخه أن هولاكو ملكهم لما دانت له الدنيا بفتح بغداد واستيلائه على العراق وحلب وامتلاكه دمشق، حدث نفسه أن يقهر الديار المصرية ويفتحها ويطأها بجنده.

قال: إنه احضر نصير الدين الطوسي وقال له (اكتب أسماء مقدمي الجند وانظر أيهم سيملك مصر ويجلس على تخت السلطنة) فكتب أسمائهم وحسب ودقق النظر فما ظهر له أن يملك مصر غير رجل اسمه كتبغا فذكر ذلك لهولاكو وكان اسم صهره كتبغا نوين فسلمه قيادة جنده وسيره لفتح مصر وكان مقتله في عين جالوت) بعد أن أدرك أيام جنكيز خان وحارب تحت قيادته وقاد جحافلهم إلى النصر طول أيام هولاكو.

وإني لأتخيل كتبغا هذا على صورة (تاراس بولبا) في القصة الروسية رجلا جباراً عملاقاً مهيب الطلعة يلبس البغلطاق التتري وقد استبدل بالشاربين الطويلين المنحدرين على كتفيه باللحية الطويلة التي وصفها الشيخ قطب الدين والتي كان يعلقها على أذنيه لإرهاب الناس وقذف الرعب في قلوبهم.

ومن الغريب أن يكون بين عسكر المغول فتى لا يكاد يدرك سن البلوغ واسمه كتبغا أيضاً فيؤخذ أسيراً ويربى بقلعة مصر ويطلق عليه اسم زين الدين، ثم يؤمر في عهد المنصور قلاوون، ثم يستقر في نيابة السلطنة بالديار المصرية، وأخيرا ينادى به سلطاناً فتصبح النبوءة المذكورة بعد ست وثلاثين سنة من معركة عين جالوت التي اخذ فيها من بين الأسرى.

ويصح أن نشير إلى ما ابتدعه المغول في فن الحروب وما ادخلوه من التغيير في كيفية ترتيب الجنود والزحف وتسوية الصفوف لأنه ابتداءً من جنكيز خان اتجه هؤلاء إلى ضبط الزحف بعشرات الآلاف من الرجال وإلى توجيه ضربات حاسمة من عدة جهات بطرق وأساليب لم تخطر على بال هانيبال ولا الاسكندر الأكبر ولا غيرهم من كبار قواد العالم. وهذا ما سنعرض له أن شاء الله في دراسة حملات جنكيز وأولاده وأثرها في التربية العسكرية بمصر وفي عقلية كبار قواد الدولة المصرية وملوكها وما أخذوه من الأنظمة عنها، ولا اترك هذا دون أن أعطي فكرة أولى عن ما أبتدعه كتبغا نوين من

ص: 7

أساليب الحروب وخداعها لأنه تلميذ من تلاميذ جنكيز خان في هذه الناحية.

فقد نقل صاحب البداية والنهاية انه كان يعتمد في حروبه للمسلمين أشياء لم يسبقه أحد إليها، فكان إذا فتح بلداً ساق مقاتله هذا البلد إلى البلد الذي يليه، فكان هؤلاء اللاجئون يدخلون في هروبهم الخوف والرعب على الناس. وإذا دخلوا البلد شاركوا الناس في أقواتهم، فإذا حاصرهم تقصر مدة الحصار عليه لاضطراب شؤون التموين والإعاشة لدى البلد الذي يقصده، وإذا رفض أهل البلد قبولهم وإيوائهم ساق هؤلاء المقاتلة اللاجئين عليهم لقتالهم وتلقى الضربات الأولى، وحينما يضعف الطرفان يقذف بجنوده لإتمام الفتح.

ومن حيله التي لا يمكن أن تقهرها قوانين الحرب أن يبعث إلى المدينة المحاصرة من يقول: أن ماءكم قد قل بعد طول الحصار وإننا على وشك أن نأخذكم عنوة فنقتلكم جميعاً، أما إذا فتحتم صلحاً أبقينا عليكم فيفتر أهلها بذلك ويقولون أن الماء عندنا كثير فلا نحتاج إلى الماء فيقول الرسول لا اصدق حتى ابعث من عندي من يشرف عليه فإن اقتنعت بأنه كثير انصرفت إلى بلد أخر. فيقولون أبعث من يتأكد، فيرسل برجال من جيشه معهم رماح مجوفة محشوة سما، فإذا دخلوا إلى المدينة التي أعيته الحيل في فتحها لعظم أسوارها وقلاعها أدخلوا في آبارها وصهاريجها تلك الرماح على انهم يقيسون عمق المياه فيقذفون السم في عمق المياه ويكون سبباً في هلاك كل من يشرب منه.

ولو شئنا أن نعدد أساليبهم في القتال وطريقتهم في ابتداع الحرب الخاطفة والهجوم في جبهتين تفصل الواحدة عن الأخرى مئات الأميال لتبين لنا أن آسيا هي أهم الحروب وان الأوربيون لم يبتدعوا شيئاً جديداً. ولقد اجمع المؤرخون على مقتل كتبغا في عين جالوت، وذكر المقريزي أن رأسه حُمل إلى القاهرة، ولذلك تعجبت حين اطلعت على حاشية للأستاذ الدكتور مصطفى زيادة تقول (أن السلطان كتبغا كان تتري الأصل وهو الذي قاد الجيوش التترية التي انكسرت على يد السلطان قطز). إذ هناك إجماع على مقتل قائد التتار وعلى اسم قاتله وهو الأمير جمال الدين الشمسي وكان من أعيان الأمراء المصريين وأمثالهم وشجعانهم، ذكره صاحب النجوم الزاهرة في المنهل الصافي ضمن وفيات 678 وذكره ابن كثير ضمن وفيات هذه السنة فقال (إنه أحد أمراء الإسلام وهو الذي باشر قتل كتبغا نوين). أما المقريزي فيقرر وفاة الشمسي سنة 679 وهو الأصح إذا كان آخر عمل له أنه

ص: 8

تولى نيابة السلطنة المصرية بمدينة حلب على السلطان المنصور قلاوون وتوفي ودفن بها كما جاء ذلك في أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، وكان قبل ذلك نائباً لسلطان مصر بمدينة دمشق وهو الذي قبض بها على الأمير عز الدين إيدمر الظاهري حينما توقف عن البيعة للمنصور قلاوون، ويدل تاريخه على الهيبة ووفرة الحرمة والوقار والنفوذ التي كان يتمتع بها لدى ملوك مصر نظراً لأياديه البيضاء في معركة عين جالوت وأن هذه الهيبة كان يتمتع بها حتى مماليكه بالقاهرة وهو غائب عنها لما كان أميراً بالشام. فقد قبض الملك الظاهر بيبرس على عدة من أمراء مصر بدمشق ولما وصل إلى جمال الدين الشمسي لم يجسر أن يقبض عليه بل تركه على حاله ومات رحمه الله في الخمسين من عمره.

فلا محل إذا لكي تختلط شخصية كتبغا نوين مع العادل زين الدين كتبغا وان تشابها في الاسم. وقد ورد في السلوك انه في سنة 678 أنعم المنصور قلاوون على أربعين من رجاله فرفعهم إلى مرتبة الأمراء وذكرهم واحداً واحدا بالاسم، وكان منهم زين الدين كتبغا وسنجر الشجاعي وأغلب المؤرخين يقررون أنه أخذ أسيراً في عين جالوت وهو شاب وإن كان البعض اشتبه عليه نسبته إلى المنصور بقوله المنصوري فضن أنه أخذ أسيراً من يوم معركة حمص (رجب 678) فيكون بين أخذه أسيراً وتعيينه أميراً أقل من سنة، وهذا لا يمكن وقوعه نظراً لما تطلبه الجندية الإسلامية في مصر من تهيئة واستعداد وتدريب، ولا يتحقق ذلك إلا بعد سنوات طويلة.

والعادل كتبغا رجل من أعظم رجال القرن السابع والقرن الثامن الهجري، وقد وفاه المؤرخون حقه أيام توليه السلطنة، وبعد عزله منها وإقامته أميراً بالشام وهو الذي قضى على الفتن عند مقتل الأشرف خليل، ووطد أركان الملك للناصر محمد وهو في العاشرة من عمره، وقد بدأ حياته وهو على دين التتار، وأسلم وحسن إسلامه، وقال عنه صاحب الدرر الكامنة (كان قليل الشر يؤثر أمور الديانة شجاعا مقداما سليم الباطن رفيقا بالرعية)

وفي عهد سلطنته لجأ إلى مصر آلاف من بلاد التتار وهم الاويراتية فسكنوا بالقاهرة واختلطوا بأهل البلاد. ولما عزل من السلطنة تولى قلعة صرخد ثم نائبا بمدينة حماة، وفي أثناء نيابته بها هجم التتار على الديار الشامية في عام 702 فحضر الجهاد وهو محمول على محفة لمرضه وكبر سنه وهذه نهاية ما يمكن أن يصل إليه الإيمان وكان ذلك في

ص: 9

معركة (شقحب) التي شارك فيها شيخ الإسلام أبن تيميه وحرض فيها جيوش المسلمين على القتال.

وفي يوم الجمعة الموافق عيد الأضحى من تلك السنة توفي العادل زين الدين كتبغا التتري الأصل وهو مسلم ومؤمن ونقل إلى التربة التي بناها بسفح جبل قاسيون بمدينة دمشق غربي الرباط الناصري رآها ابن كثير وقال (هي تربة مليحة ذات شبابيك وبوابة ومئذنة وله عليها أوقاف للصرف على وظائف من قراءة وأذان وإمامة) وختم بقوله (كان من خيار الملوك أعد لهم وأكثرهم براً وكان من خيار الأمراء والنواب رحمه الله.

وانتهت حياة الشاب التتري الذي جاء محارباً للإسلام والمسلمين فأصبح مجاهداً في سبيل الإسلام والمسلمين فأعطى مثلاً لقوة الإسلام وعظمته أثره في شؤون الكون وكيف ينقلب أعداؤه فيصبحون سيوفا يذودون عنه وأنصاراً يقاتلون في سبيله.

أحمد رمزي

القنصل العام السابق لمصر بسوريا ولبنان

ص: 10

‌من غزل الفقهاء

للأستاذ علي الطنطاوي

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

واسمع يا سيدي أنشدك ما يحضرني من غزل الفقهاء، لا أستقصي ولا أعمد إلى الترتيب، وإنما أروي لك ما يجيئني، وما يدنو مني مصدره.

هذا أبو السعادات أسعد بن يحيى السنجاري الفقيه الشافعي المتوفى سنة 622 هـ فاسمع من شعره ما ترقص له القلوب، وتطرب الألباب: حلاوة ألفاظ، وبراعة معنى، وحسن أسلوب، قال من قصيدة له:

ومن هواك ما خطر السلو بباله

ولأنت أعلم في الغرام بحاله

ومتى وشى واش إليك بأنه

سال هواك فذاك من عذاله

أو ليس للكلِف المعنى شاهد

من حاله يغنيك عن تسآله

جددت ثوب سقامه، وهتكت ستر غرامه، وصرمت حبل وصاله

أفزلة سبقت له أم خلة

مألوف من تيهه ودلاله

وهذا الإمام الصوفي عبد الله بن القاسم الشهرزوري الملقب بالمرتضى أفما قرأت قصيدته:

لمعت نارهم وقد عسس الليل

ومل الحادي وحار الدليل

التي لم يقل في معاني أهل الطريق مثلها، والتي نطاول بها أعلى شعراء (الرمزية) منكباً، ونسابق بها أوسعهم خطوة؟

أو ما سمعت شعره؟ هاك منه قوله:

فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفه

عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري

وغابت شموس الوصل عني وأظلمت

مسالكه حتى تحيرت في أمري

وهاك قول ظهير الدين الأهوازي الوزير الفقيه، تلميذ أبي إسحاق الشيرازي:

وإني لأبدي في هواك تجلدا

وفي القلب مني لوعة وغليل

فلا تحسبن أني سلوت فربما

ترى صحة بالمرء وهو عليل

وقول آبي القاسم القشيري الإمام الصوفي العلم:

ص: 11

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا

ورأيت كيف نكرر التوديعا

لعلمت أن من الدموع محدثا

وعلمت أن من الحديث دموعا

والبيت الثاني من مراقصات الشعر.

وكان مع ذلك علامة من الفقه والتفسير والحديث ومن فقهاء الشافعية الكبار، وهو صاحب الرسالة التي يعتدها الصوفية ككتاب سيبويه عند النحويين، ولا ينصرف الإطلاق إلا لها، ومن شعره:

ومن كان في طول الهوى ذاق لذة

فإني من ليلى لها غير ذائق

وأكثر شيء نلته من وصلها

أماني لم تصدق كخطفة بارق

ومن شعر القاضي عبد الوهاب المالكي الفقيه المشهور المتوفى سنه 422 والمدفون في قرافة مصر، وصاحب الخبر المستفيض لما خرج من بغداد وخرج أهلها لوداعه وهم يبكون ويعولون وهو يقول: والله يا أهل بغداد، لو وجدت عندكم رغيفاً كل يوم ما فارقتكم. ويقول:

سلام على بغداد في كل موطن

وحق لها مني سلام مضاعف

فو الله ما فارقتها عن قلي لها

وإني بشطي جانبيها لعارف

ولكنها ضاقت علي بأسرها

ولم تكن الأرزاق فيها تساعف

وكانت كخل كنت أهوى دنوه

وأخلاقه تنأى به وتخالف

ويقول فيها:

بغداد دار لأهل المال طيبة

وللمفاليس دار الضنك والضيق

ظللت حيران أمشي في أزقتها

كأنني مصحف في بيت زنديق

وهو معنى جيد وتشبيه عجيب.

وهو القائل:

متى يصل العطاش إلى ارتواءه

إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد

وقد جلس الأكابر في الزوايا

وإن ترفع الوضعاء يوما

على الرفعاء من إحدى الرزايا

إذا استوت الأسافل والأعالي

فقد طابت منادمة المنايا

ص: 12

ومن غزله الذي يتغزل فيه بلغة الفقه والقضاء، فيأتي فيه بالمرقص المطرب قوله:

ونائمة قبلتها فتنبهت

وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد

فقلت لها أني (فديتك) غاصب

وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها وكفا عن أثيم ظلامة

وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد

فقالت قصاص يشهد العقل أنه

على كبد الجاني ألذ من الشهد

فباتت يميني وهيِ هميان خصرها!

وباتت يساري وهي واسطة العقد

فقالت ألمك تخبر بأنك زاهد؟

فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد

وهاك القاضي الجرجاني مؤلف (الوساطة) علي بن عبد العزيز الفقيه الشافعي، الذي ذكره الشيرازي في طبقات الفقهاء، صاحب الأبيات المعلمة المشهورة:

يقولون: لي فيك انقباض، وإنما

رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من دانهم هان عندهم

ومن أكرمته عزة النفس أكرما

وما كل برق لاح لي يستفزني

ولا كل من لاقيت أرضاه منعما

وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت

أقلب طرفي إثره متذمما

ولكنه أن جاء عفواً قبلته

وإن لم أتبعه لولا وربما

وأقبض خطوي عن أمور كثيرة

إذا لم أنلها وافر العرض مكرما

وأكرم نفسي أن أضحك عابساً

وأن أتلقى بالمديح مذمما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان ودنسوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة؟

إذن فاتباع الجهل قد كان احزما

ويا ليت كل عام ينقش هذه الأبيات في صدر محرابه، وعلى صفحة قلبه، ويجعلها دستوره في حياته، وإمامه في خلائقه!.

والأبيات الأخرى:

وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى

وما علموا أن الخضوع هو الفقر

وبيني وبين المال شيئان حرما

عليَّ الغنى: نفسي الأبية والدهر

ذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه

مواقف خير من وقفي بها العسر

ص: 13

وله في هذا المعنى الشعر الكثير الجيد، أما غزله فسهل حلو منه قوله:

مالي ومالك يا فراق

أبداً رحيل وانطلاق

يا نفس موتي بعدهم

فكذا يكون الاشتياق

وقوله:

قد برح الحب بمشتاقك

فأوله أحسن أخلاقك

لا تجفه وارع له حقه

فإنه آخر عشاقك

وهاك القاضي سوار (الأصغر) بن عبد الله من القرن الثالث الذي يقول:

سلبت عظامي لحمها فتركتها

عوارى في أجلادها تتكسر

وأخيلة منها مخها فكأنها

أنابيب في أجوافها الريح تصفر

إذا سمعت باسم الفراق ترعدت

مفاصلها من هول ما تتحذر

خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري

بلى جسدي لكنني أتستر!

وليس الذي يجري من العين ماءها

ولكنها روح تذوب فتقطر

وهاك قاضي القضاة ابن خلكان المشهور، وكان يعشق الملك المسعود بن المظفر، وكان قد تيمه حبه، قال القاضي التبرزي: كنت عنده في العادلية (دار المجمع العلمي اليوم) في بعض الليالي، فلما انصرف الناس من عنده قال لي: نم أنت هاهنا. وألقى علي فروة، وقام يدور حول البركة، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبحنا فتوضأنا وصلينا، والبيتان هما:

أنا والله هالك

آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي

قد أقامت قيامتي

ولما فشا أمره، منع الملك انه من الركوب، فاشتد ذلك على ابن خلكان، فكان مما قال:

أن لم تجودوا بالوصال تعطفاً

ورأيتم هجري وفرط تجنبي

لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى

يوم الخميس جمالكم في الموكب

لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي

ألقاه من كمد إذا لم تركب

لرحمتني ورثيت لي من حالة

لولاك لم يك حملها من مذهبي

ومن البلية والرزية أنني

أقضي ولا تدري الذي قد حل بي

قسما بوجهك وهو بدر طالع

وبليل طرتك التي كالغيهب

ص: 14

لو لم أكن في رتبة أرعى لها

العهد القديم صيانة للمنصب

لهتكت ستري في هزاك ولذ لي

خلع العذار ولو ألح مؤني

لكني خشيت بأن يقول عواذلي

قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي

فارحم فديتك حرقة قد قاربت

كشف القناع بحق ذياك النبي

لا تفضحن بحبك الصب الذي

جرعته في الحب أكدر مشرب

وله فيه شعر كثير جدا.

ومن شعر محمد بن داود الظاهري، وكان فقيهاً على مذهب أبيه داود وكان شاعراً:

أنزه في روض المحاسن مقتلي

وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه

يصب على الصخر الأصم تهدما

ومن شعر أبي الفضل الحصكفي الفقيه الشافعي:

أشكو إلى الله من نارين: واحدة

في وجنتيه وأخرى منه في كبدي

ومن سقامين: سقم قد أحل دمي

من الجفون وسقم حل في جسدي

ومن نمومين: دمعي حين أذكره

يذيع سري وواش منه بالرصد

ومن ضعيفين صبري حين أبصره

ووده ويراه الناس طوع يدي

لو ابتغيت الاستقصاء، وتتبعت المراجع، لجمعت من غزل الفقهاء كتابا، فأين بعد هذا يزعمون أن الفقهاء كرهوا الشعر، وتنزهوا عنه؟

أما إنها لم تفل ألسنة علمائنا، ولم تكل أقلامهم، ولم تخفت أصواتهم، إلا حين أضاعوا ملكة البيان، وزهدوا في الأدب، وحقروا الشعر. . . فهل لعلمائنا العودة إلى ما هم أخلق به، وأدنى إليه، وأقدر لو أرادوه عليه؟!

وردت في المقال المنشور في العدد الماضي كلمتان في أبيات سعيد بن المسيب على غير وجههما الصحيح وهما:

وعلّت فتات المسك، وقامت ترائي يوم جمع، وصوابهما: وعالت، وتراءَى.

علي الطنطاوي

ص: 15

‌هذا هو الريف

بعثة طيبة. . .!

للأستاذ سيد قطب

(إلى المترفين في المدينة أولئك الذين يتشدقون بإصلاح الريف

وهم لا يدرون شيئاً عن هذا الريف)

كانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً. . . كانوا قد تلقوا الدرسين الأول والثاني في مدرسة القرية، ثم انطلقوا. . . انطلقوا من الفصول كالعصافير الحبيسة حينما تنطلق من القفص بعد حبس طويل، انطلقوا يقفزون ويركضون، ويزعقون ويتصايحون، لغير ما قصد ولا غاية إلا تأكيد شعورهم بأنهم طلقاء بعد الحبس الطويل!

ثم لكي يفرغوا لنقل ما تحمله جيوبهم من بعض الأطعمة إلى بطونهم، فلقد حملوه نحو ساعتين، ولكن (النظام) في الفصل لم يكن يسمح لهم بعملية تفريغ الجيوب!

ثم لكي ينصرف أبناء الأغنياء منهم إلى (عشة عم خليل) بائع القصب والبلح، فيشتروا منها بمليم!

ولم تكن هذه كل قيمة (الفسحة)، فلقد كان لهؤلاء الأطفال مآرب في تلك الفسحة القصيرة - ربع ساعة - لقد كانت المدرسة في طرف القرية على حدود الحقول الواسعة. وإذا كانت وظيفة الحقل أن ينبت للناس وللماشية الحبَّ والأبَّ، فلقد كانت له وظيفة أخرى عند تلاميذ المدرسة، وعند غيرهم من سكان القرية. . . إنه يقوم لهم بوظيفة المراحيض العمومية!

انطلق التلاميذ إذن في كل مكان يفرغون ما تحمله جيوبهم في بطونهم، وما تحمله بطونهم في الحقول القريبة. . . ولكنهم فوجئوا بجرس المدرسة يدق دقاً عنيفاً متواصلا قبل الميعاد المقرر للحصة الثالثة.

وانتظموا صفوفاً بعد قليل، ولم يسمعوا تلك النداءات المعهودة التي يؤدون على أساسها بعض الحركات الرياضية الساذجة، ولكنهم سمعوا ناظر المدرسة يلقي عليهم خبراً غريباً عجيباً لم يسمعوا به قبل الآن. . . إنهم الآن ذاهبون إلى (دُوّار العمدة)، وسيسيرون في الطريق بنظام. وكان هذا يقتضيهم أن يقطعوا شوارع القرية كلها تقريباً، فدوار العمدة في

ص: 16

أقصى الطرف الآخر من القرية، والناظر يحذرهم من الإخلال بالنظام أثناء السير، والالتفات إلى اليسار أو إلى اليمين، وبخاصة عند مرورهم (بسويقة القرية)، حيث يعرض القصب والبلح والتفاح البلدي الفج!

يذهبون إلى دوار العمدة؟ ولماذا؟ وهم لم يدخلوا هذا الدوار قط، وان سمعوا من آبائهم وأهليهم انهم يذهبون في بعض الأحيان، عندما يستدعيهم أحد الخفراء، أو لأداء الشهادة، أو للشكوى من بعض الفلاحين. . . أما هم. . . هم تلاميذ المدرسة، فمالهم وكل هذه الأشياء؟

وكان هو جريئاً بعض الشيء على ناظر المدرسة ومدرسيها، فاستطاع أن يسأل: ولماذا نذهب إلى دوار العمدة؟

سأل، ويا ليته لم يسأل! لقد كان الجواب كارثة عظمى لم تخطر له على ولا لزملائه على بال. . أن (الحكيم) هناك - أي الطبيب - وهو يطلبهم جميعاً!

الحكيم؟ يا للداهية! اليوم دنت أخرتهم ولا شك، فعهدهم بالحكيم هذا ألا يزور القرية إلا في يوم اغبر أكدر، يوم يقع في البلد قتيل، ثم تحضر (النيابة)، ويحضر معها الحكيم لتشريح الجثة!

والنيابة والحكيم هذان هما الشيئان الهائلان المخيفان في القرية كلها. أما في أذهان الأطفال، فهما (هيولي) لا يتصورون لهما شكلا ولا حجما، فخيالهم الصغير يستطيع أن ينطلق في تصورهما كيف شاء، ولكنه لن يميزهما بحدود مما يميز الأشخاص والأشياء.

ثم ها هو ذا الحكيم يطلبهم، يطلبهم هم بالذات، فماذا يكون الأمر؟

إنهم لا يعرفون لماذا يطلبهم مطلقاً؛ ولكنهم واثقون في قرارة نفوسهم انه لن يكون خيراً. وأنهم لن يخرجوا من الدوار - إذا خرجوا - وهم سالمون مثلما دخلوا بحال من الأحوال!

وما وظيفة الحكيم؟

أليست وظيفته أن يشرحّ جثث الموتى، وأن يبقر بطون المصابين، أو يقطع أيديهم وأرجلهم لمجرد الإيذاء، أو لكي يفحصها ويلتذ بفحصها؟ أو أن يسقي بعض المرضى (الفنجان) - أي السم - ليموتوا، حتى لا يتعب في علاجهم، أو تلبية لرغبة العمدة الذي يرشوه للتخلص من خصومه الذين يصابون في الحوادث!

فما هم وهذا الحكيم؟

ص: 17

إنهم ليسوا قتلى يشرحهم، وليسوا مصابين يقطع أوصالهم، أو يسقيهم (الفنجان). . . ولكن، أو يستدعيهم إلا لأمر ما؟ أخف شيء يصنعه بهم هو (التجريح). . . (وهو الاصطلاح الذي يطلقونه على عملية التطعيم)، تلك العملية المرعبة التي يندب لها بعض معاوني الصحة، وبعض الممرضين في الحين بعد الحين، فتروّع القرية ترويعاً. . . وما أن يعلن أن في البلد (الحكيم الصغير)(تمييزاً له من (الحكيم الكبير) الذي يطلبهم الآن والذي يرافق النيابة دائماً ولا يحضر منفرداً) ما أن يعلن هذا حتى ترتج وترتجف. فتخرج الأمهات إلى الشوارع مولولات مذعورات يلتقطن أطفالهن من كل مكان في ذعر وعجلة، ثم يغلقن على أنفسهن الأبواب، ويصعدن إلى السطح استعداداً للقفز عليها من بيت إلى بيت، فكثيراً ما يدق هؤلاء الشياطين الأبواب، ويكسرونها بمساعدة الخفراء، ويهجمون على من فيها (للتجريح)!

فأما من تستطيع القفز إلى البيوت المجاورة، فلن تقصر في سلوك طريق النجاة، وأما من لا تستطيع، فإنها تختبئ في صومعة الغلال، أو في خم الدجاج، حيث لا يخطر على قلب (الحكيم) أنها هناك!

هذا هو الحكيم الذي يعرفونه. . . فما بالهم بالحكيم الكبير الذي لا يحضر إلا مع النيابة، والذي لا يقع أحد في يده، ثم ينجوا إلا بمعجزة من معجزات القدر، أو ببركة (تميمة) لولى من كبار الأولياء؟!

وارتجفت مفاصلهم جميعاً وهم يسمعون الخبر الفاجع، اصفرت وجّوههم، وعلا صوت بعضهم بالنحيب والعويل!

ووصلوا إلى الدوار، ولا يعلم إلا الله كيف وصلوا. ووقفوا صفاً طويلاً. أوله في داخل الدوار - أي في منطقة الخطر - وآخره في الشارع أمامه. . . وعن اليمين وعن الشمال وقف الخفراء ببنادقهم (ولبدهم) الطويلة (جمع لبدة)؛ ووقف أحد المدرسين في أول الصف وأحدهم في آخره. أما الناظر فقد سبقهم إلى الحكيم ليطمئنهم قليلاً، ويظهر أمامهم بمظهر الشجاعة المطلوب!

وكان ترتيب الصف حسب الطول، فتقدم كبار التلاميذ وتبعهم الصغار أو القصار. وفي هذه اللحظة اصبح القصر نعمة من نعم الله!

ص: 18

فأما الذين تقدموا فلا يعلم عنهم أحد شيئاً إلا الله، وأما المتخلفون فهم في تتطلع مستمر وقلق دائم، ينظرون ماذا سيُفعل بأول الداخلين، ليعرفوا نوع المصير الذي ينتظرهم بعد حين!

وكانت مفاجئة حين بدأ بعض الكبار يخرجون، بينما بقية الصغار ما يزالون في الصف الطويل. . . وانبعثت الصيحات والأسئلة التي لم يستطع كبحها الخفراء ولا المدرسون:

- دخلتم للحكيم؟

- نعم دخلنا!

- وماذا صنع بكم؟

- لا شيء! غزّنا في أصابعنا بالدبوس وشَفَطَ الدم! الدم! ولكن رؤيتهم لهم أحياء أصحاء مطمئنة على كل حال!

- وماذا هذا في أيديكم؟

- حق من الصفيح نأتي فيه بعينة براز وزجاجة صغيرة نأتي فيها بعينة بول!

- عينة براز وعينة بول! ولماذا؟

- لا ندري! هكذا طلب منا الحكيم!

- الحكيم نفسه طلب منكم هذا؟

- لا. . . الحكيم الكبير غزنا. والحكماء الصغيرون سلمونا الحق والزجاجة وطلبوا منا العينة للحكيم!

وتوارى الفزع قليلا ليحل محله التساؤل المصحوب بالدهشة والاستغراب لهذا الطلب الغريب!

إن أحداً لم يطلب منهم مثل هذا الطلب من قبل. وماذا يصنع الحكيم بهذه العينات العجيبة؟ انهم أن فهموا غزهم بالدبوس وشفط الدم، فإنهم لا يفهمون طلب العينات. أن الغز والدم لازمتان طبيعيتان للحكيم. . . ولكن هذا! من يدري؟ إنه الحكيم!

وعلى سهولة الطلب ورخصه إلا فإنه بدا عزيزاً وصعباً في كثير من الحالات. . . لقد طلب إليهم جميعاً أن ينطلقوا إلى دورات المياه بمساجد القرية، وأن يعودوا بعد نصف ساعة ومعهم المطلوب.

وليس كل تلميذ بمستعد لتلبية هذا الطلب في مثل هذا الوقت، ولا سيما أن (الفسحة)

ص: 19

المدرسية كانت قد أفرغت ما في البطون. . . لو كان هذا قبل الفسحة لكان كل شيء حاضراً وبخاصة إحدى العينتين التي لا تأتي هكذا عند اللزوم!

فأما الذين كان في أمعائهم بقية فقد انطلقوا مطمئنين، وأما الذين أحسوا أن أمعائهم لا تستجيب لهم، أو حاولوا ولم يفلحوا، فقد علا وجههم الاصفرار، وارتفعت دقات قلوبهم من الخوف، وركبتهم الحيرة التي تركب المذعورين!

ماذا يصنعون؟ وكيف يعودون إلى الدوار، أو كيف يغيبون عن الموعد المرسوم؟

أن أقل ما يتصورون أن هم عادوا فارغين أن يقبر الحكيم بطونهم ليتناول منها العينة المطلوبة أو أن يدخل في أجسامهم قنوات طويلة لسحب هذه العينة. وفي الأولى الموت أو خطر الموت، وفي الثانية العار أمام إخوانهم وعند القرويين!

وهنا تتفق الحيلة، وتبدو قيمة التعاون!

إن التلاميذ لإخوة، فمتى تظهر قيمة هذه الأخوة إن لم تظهر الآن؟!

لقد انطلق المحرجون يرجون إخوانهم أن يمدوهم بعونهم، وان يتولوا عنهم ملء هذه الإحقاق!

وهنا تظهر الطبائع على حقيقتها. فالشدائد هي افضل محك لها فأما ذوو الأصل الطيب والطبع النبيل من التلاميذ فقد تقدموا لمعاونة زملائهم بلا تردد. وأما قليلو الأصل وذوو الطبائع اللئيمة، فبعضهم امتنع شفاء لحزازات قديمة، وبعضهم تمنع لؤما وانتهازاً للفرصة!

ولكن هذا التعاون لم يسد الحاجة إلا إلى حدّ معين، وبقى عدد من الإخوان الذين لا يجدون ما ينفقون!. . . وهنا تفتقت عبقرية أحدهم عن حيلة بارعة:

أن في مراحيض المساجد متسعاً للجميع!

أما كيف كان ذلك! فلا بد من بيان عن هذه المراحيض:

كان في القرية نحو عشرة مساجد كلها مبنية على الطراز العتيق. وكانت دورا المياه بها عجيبة. فهي مؤلفة من (مغطس) هو حوض مبني من الطوب ومطلي بالسمنت من الداخل والخارج، يملؤه عامل خاص، يمتح بالدلو من البئر ويصب فيه حتى يمتلئ. وفي الحائط الخارجي للمغطس ركبت صنابير تصل من البناء مباشرة إلى الماء بداخله. ومنها يتوضأ المصلون.

ص: 20

ولكن المغطس لا يستخدم فقط للوضوء. إنما هو الحمام المختار لعدد كبير من الناس الذين يعوزهم الماء في بيوتهم للغسل، فيذهبون إليه في جنح الظلام قبيل الفجر، حيث يسورون حائطه، ويرفعون غطاءه الخشبي؛ ثم يغطسون، فينقّون أجسامهم من الأوضار المادية والمعنوية، ويدعونها هناك للمتوضئين!

ويلحق بدورة المياه المراحيض، وبنائها عجيب. فهي تقع في صف طويل، يفصل بين كل اثنين منها حائط؛ ولكنها من الداخل متصلة بقناة مكشوفة يجري فيها الماء للجميع من منفذ في الحوائط الفاصلة بسعة القناة وتملأ هذه القناة بالماء من البئر كما يملأ المغطس ومن هذا الماء الجاري المتصل، يتناول المصلون وغير المصلين للاستنجاء بأيديهم، وهم داخل المراحيض، والماء يجري ويتصل بالجميع!

أما بناء المراحيض ذاتها فأعجب. فالمراحيض يتكون من (كتفين) يجلس فوقهما من يريد. وبينهما فجوة واسعة تضطر الجالس أن يباعد ما بين رجليه كي لا يسقط في الفتحة الكبيرة. في هذه الفتحة يتساقط ما يتساقط، فيتراكم قريبا من الجالس. لأن خزانات المساجد محدودة، والعدد الذي يتردد عليها ضخم جداً - إذ ليس في المنازل مراحيض إلا نادراً - وجميع الرجال والأولاد الكبار يلجئون إلى المساجد والحقول. أما النساء والأطفال ففي سطوح المنازل متسع للجميع!

وتبقى هذه الحالة طوال السنة والرائحة التي لا تطاق تنبعث من هذه المراحيض المكشوفة، والمواد النازلة على مرأى من الجالس لقضاء الحاجة، والبعوض يتبادل مواقفه تارة على هذه المواد المكشوفة، وتارة على وجوه الجالسين، فإذا خلت منهم المراحيض اخذ طريقه إلى المصلين وإلى البيوت المجاورة جيئة وذهاباً حيثما يريد!

وفي موعد خاص يستقدم (السُّرَ بَاتِيّة) أي الذين يكسحون المجارير. يستقدمون من المدينة القريبة بمقاولة خاصة لنزح خزانات مسجد أو عدة مساجد، ولهذا النزح طريقة عجيبة.

أن العربات الخاصة لم تكن تستخدم هناك على النحو المتبع في بعض المدن الخالية من المجاري. وما الداعي لهذه العربات؟ وهناك طريقة طبيعية مقتبسة من البيئة الزراعية؟!

ألا تستخدم القنوات في الحقول لنقل الماء من مكان إلى مكان؟ فلماذا لا تستخدم كذلك في نقل هذه المواد من المجارير إلى الحقول؟!

ص: 21

ألا إنها لتستخدم! فما هو إلا أن تحفر قناة مكشوفة من المسجد الذي يراد كسح خزاناته إلى الحقول خارج القرية، وتمر هذه القناة بالبيوت والحوانيت في وسط الشارع، ثم يربط جردل بحبل ويعلق هذا ببكرة، ويقف عاملان يتناوبان فوق الخزان، يملآن هذا الجردل من الخزان ويصبانه في أصل القناة وبعد هنيهة يجري التيار حاملاً كل شيء إلى الحقوق المحظوظة بهذا السماد الطبيعي الثمين!

هذا ويتفق أن تكون عدة مساجد متفرقة في القرية في حاجة إلى التطهير، فتوفيراً للقنوات المتعددة، توصل قناة بقناة، وإذا بالقرية كلها شبكة واحدة من القنوات المتصلة. . . وعلى سكان البيوت والحوانيت أن يتمتعوا بالنضر الفذ والرائحة القوية أسبوعاً أو أسبوعين. . . فتلك بيوت الله ولا يجوز أن يتأذى أحد من فضلات المصلين!

قرب المواد المطلوب في فتحات هذه المراحيض العجيبة، هو الذي فتق الحيلة البارعة التي نبتت في ذهن هذا التلميذ العبقري!

وما إن طلع بها على إخوانه الملهوفين، حتى طلع عليهم الفرج بعد الضيق. . . وما هي إلا دقائق حتى كانت الإحقاق كلها مليئة، فتسلمها الحكماء في اطمئنان عميق. . . وسمح للتلاميذ بإجازة بقية اليوم، فعادوا إلى منازلهم غير مصدقين!

وعلم فيما بعد أنها كانت بعثة طبية للقيام بإحصاء طبي عن حالات الأنيميا والبلهارسيا والانكلستوما والإسكارس.

ولكنه لم يعلم كيف كانت النتائج التي دونتها البعثة في إحصاءاتها الرسمية الوثيقة!!!

سيد قطب

ص: 22

‌الأدب في سير أعلامه:

مِلْتُن. . .

(القيثارة الخالدة التي غنت أروع أناشيد الحرية والجمال

والخيال. . .)

للأستاذ محمود الخفيف

- 6 -

وبينما كان يتكلف ملتن المرح، ويستجيب لدواعي الشباب فيغني أنغام الحب، كانت نفسه تنطوي على معاني غير هذه هي في الواقع أرب مشاعره ومنتجع خواطره ومتجه خياله، فتراه ينظم قصيدة استهلها بقوله (إيه يا لغة قومي) أشار فيها إلى رغبته في التخلص من العب واللهو وعبر عن عظيم طموحه فقال إنه يفضل أن يتخذ لغة قومه سبيلا إلى موضوع اخطر شأناً فيستخدمها إذ يسمو عقله حتى يبلغ أسباب السماوات فيطلع إلى الآلهة وهم منصتون إلى ما يترنم به أبولو؛ ثم يغني هو بدوره فينبئ عن الأشياء الخفية التي وقعت ولم تزل الطبيعة في مهدها.

وهكذا يصور له كبرياء عقله موضوعا عظيما لشعره فيتخيل وهو دون العشرين ملحمة كونية تدور على خلق الدنيا وتكشف عن أغراض الدين وعن وضيفته فيها؛ وما يرضي طموحه موضوعا أقل من هذا، ولا تقنع فطرته الشاعرة ولا عبقريته الباكرة بما يقنع به غيره من الشعراء فيتعلق خياله بأعظم ما يتعلق به خيال وأعمقه، وماذا وراء الخليقة والآلهة في مسارح الذهن ومطارح الخيال؟ وإنا لنلمح في ما يطمح إليه صورة مبهمة غامضة للفردوس المفقود، ونراها هنا إغريقية الأشباح أولمبية الآلهة، فهل كان يفكر الشاعر الناشئ منذ ذلك العهد في آيته الكبرى ويريد أن يتخذ من مثيولوجيا الإغريق مادتها ولباسها؟ ذلك ما لا نستطيع الجزم به؛ على أننا نجزم في هذا الصدد بأن الشاعر كان يومئذ يشغل باله ويهجس في نفسه موضوع عريض فخم، ولسوف نرى أن هذا الموضوع لن يبرح يطرق خياله ويهز نفسه حتى يتغنى بالفردوس المفقود. . .

وإنه ليرتفع بشعره إذا تناول أمراً يتصل بالدين، فيمد جناحي عبقريته ويرتفع ويحلق في

ص: 23

أفق لم يكن ليبلغ في العلو مثله في غير ما يتصل بالدين؛ تجد مثلاً رائعاً في أنشودته الجميلة النبيلة التي نظمها سنة 1629 وهو في الحادية والعشرين من عمره في عيد ميلاد المسيح وسماها (أنشودة في صباح الميلاد) وهي إذا نظرنا إلى سنة وقتئذ جديرة بالإعجاب حقاً، تستحق ما نالت يومئذ من عظيم الثناء ويستحق صاحبها ما اكتسب من ذيوع الصيت ونباهة الاسم. ولقد أحس كل من قرأها أنه تلقاء روح عبقرية وثابة غلابة تملأ النفس شعوراً بتكامل القوة وإعجابا بروعة الفن وافتننا بسحر الخيال. هذا إلى براعة الموسيقى وسمو اللحن وجلال الفكرة، ولعلها في زعم بعض مؤرخي الأدب أجمل أنشودة في بابها في اللغة الإنجليزية كلها.

تخلص ملتن في هذه الأنشودة من تأثير أوفيد، وما عسى أن توحيه أوصافه وصور جماله من فتنة وإغراء، وأراد أن يلبس معانيه لباساً روحانياً طهوراً وذلك بأن يطلق روحه من عقال الجمال اللغوي فيختار موضوعاً يواتي ما يطلب. ولقد جمع في أنشودته هذه بين جلال الدين وجمال الطبيعة، وكأنما أراد بذلك أن يشير إلى وضيفة الشاعر الملهم إلهاما قدسياً وإلى صفات فنه، فجاءت هذه الأنشودة مثلاً يضربه لمقدرته على التوفيق بين الجمال الذي يطرب له والسمو الروحي الذي يتعلق به.

تتألف هذه الأنشودة من سبع وعشرين فقرة بكل فقرة ثمانية اسطر؛ ومهد لها بمقدمة من أربع فقرات، فهي كما ترى ليست بالقصيرة وبخاصة إذا ذكرنا بعض ما يختص به شعر ملتن وهو الإيجاز البليغ الرائع في التعبير عن المعنى المراد، والإيحاء القوي الواسع في استعمال الكلمة المختارة.

يصف ملتن الطبيعة قبيل مولد الطفل وبعد مولده فيبدع ويعجب؛ ويصور فرحة الكون المتطلع إلى المولود تنبعث من سمائه وأرضه لحناً جديداً تغنى به الكواكب وتجاوبها الأرض ويمتزج به غناء الملائكة، فتنتشي انفس الرعاة والناس، ويحسون تآلفاً واتساقا بين موسيقى الكون وموسيقى نفوسهم؛ وما هذا اللحن الجديد الذي تتجاوب به أرجاء الطبيعة وتستجيب له الأنفس إلا رمز لما يبشر به المسيح وما يدعوا إليه من سلام وصفاء ومحبة. ويملأ الشاعر نشيده بما أبدع من صور، فهناك رهط الرعاة فوق المروج الخضر في هيئتهم القروية الساذجة. وهناك الصفان الأول والثاني من قبيلٍ أولي أجنحة من الملائكة

ص: 24

بين لابس خوذة وحامل سيف، ومدرع بدرع براق. ثم هناك رهط من الآلهة بين إغريقية وفرعونية، وأنماط من الأرواح الطيبة والخبيثة، وعدد من عذارى الميثولوجيا ومخلوقاتها من طير ووحش وجن. هذا إلى ما سوَّى خياله من مباهج الطبيعة ومفاتنها، وما ابتدع بيانه من ضروب التعبير وصور التشبيه، وأشكال المجاز، وألوان الاستعارة، تنظمها جميعاً موسيقى تكافئ موضوع الأنشودة وتواتي غرض الشاعر، وينهض كل أولئك على أدلة قوية على ذوق مطبوع وفن موهوب وذهن متمكن.

وكأنما أغراه نجاحه بأنشودته هذه بهذه الناحية الدينية فأراد أن يعكف عليها. فها هو ذا ينظم قصيدة جعل موضوعها صلب المسيح، وأخذ يمهد إلى ما لاقاه من ألم هائل وعذاب مخيف؛ غير أنها لم تصادف ما صادفته أنشودة الميلاد من هوى في نفوس سامعيها من أقرانه فكرهها وشهد على نفسه أنه أخفق فيها، وأمسك عن إتمامها لأنها (مطلب فوق ما يصح أن تتطاول إليها سنة يومئذ)؛ وكان ملتن على شدة اعتداده بنفسه يرى مواطن الضعف فيما يأتي من عمل فينتقد نفسه ويتخلص من ضعفه وتلك إحدى محامده ومن أجلها خليق بأوفر الثناء.

وفترت بعد تلك القصيدة حماسته لما هو موصول بالدين، وتطامن طموحه إلى حين؛ فأنصرف إلى مجال آخر لم يتناوله من قبل وهو مجال الطبيعة ومشاهدها وما أنبث فيها من جمال. ولعل إغلاق الكلية بضعة أشهر لتوقي الطاعون وزيارة ملتن أثناء ذلك للريف مما ساعد كذلك على إقباله على هذه الناحية الجديدة في شعره.

نظم ملتن في العام التالي قصيدة في عيد الربيع عنوانها: (أغنية في أحد أصباح مايو) فوصف شهر الورد وبهجته وما يبثه في النفوس من مرح وشباب وسحر، وكيف ترتدي الغابات والخمائل بردائها، وتزهى الربى والخمائل بنعمائه؛ ونظم قصيدة أخرى هي (نجوى البلبل) تفيض كسابقتها بإحساسه بالجمال والمرح وتعبر عن حيوية الشباب ولهوه؛ وتنبئ بأنه لا يزال يهفو إلى الحب قلبه وتتعطش إلى لذاذاته نفسه.

وبرهن ملتن بقصيدتيه هاتين على استعداد عظيم لوصف مشاهد الطبيعة، وتجلت في هذه الناحية مقدرته على الإيحاء والتصوير بالكلمة المختارة تجر وراءها مختلف الصور حتى ليرى المرء بعين خياله ما يرى مثله ببصره من صور الكون ومشاهده، وتلك موهبة تجعله

ص: 25

يصنع بألفاظه ما يصنع الرسام بريشته؛ وسيغدو ملتن من شعراء الطبيعة الأفذاذ في أدب العالم كله، وسيظل في الأدب الإنجليزي بعد شكسبير في وصف الطبيعة الشاعر الذي لا يتطاول إلى أفقه أحد. . .

وظهرت دلائل ما يعتلج في أطواء نفسه من حب في سلسلة من الأغنيات نظمها بالطليانية، بعد قصيدتيه الأخيرتين، وقد كتب إلى صديقه ديوداتي يقول:(أكتب إليك ما اكتب وأنا مندهش منه! أعلم أنني أنا الذي طالما تهزأ بالحب واحتقرته وضحكت من شركه وقد وقعت بغتة في هذا الشرك). والحق أن ملتن كان يومئذ يضطرب بين الاستجابة القوية لداعي الحب والخوف من ضلالاته حتى غلبه الحب على أمره، فأخذ يغني ألحاناً يشهد من قراءها أنها من أجمل ألحانه وأعذبها ارتفع فيها بالحب إلى جوه المثالي وأفقه العذري وخياله الشاعر.

وكانت الفتاة التي يشير إليها في أغنياته الجديدة طليانية الأصل يزينها نمط من الجمال الأجنبي يعد جديداً على نفسه جديداً في ناظريه، وقد أفتتن بمحياها الأسمر وعينيها الدعجاوين، وأخذ حبها بمجامع حبه، وأحست بموقعها في نفسه فلم تلبث أن بادلته الحب، وطارحته أحاديث الهوى، فقد نظم أغنياته بالطليانية استجابة لطلبها إذ قالت له (أن الطليانية لغة الحب).

ونظم ملتن في نفس السنة أبياتاً عن شكسبير لطبع في صدر مجموعة من آثاره، وتبين للناس مبلغ ما أوتي من قوة البلاغة ومهارة التعبير فضلاً عن أصالة الخيال الشعري وجماله. وحسبك منه قوله (ما حاجة شكسبير إلى صرح من الأحجار يعمل جيل في إقامته فوق عظامه المجيدة؛ ما حاجة رفاقه إلى هرم يومئ إلى النجم؟ يا ابن الذكر الحي يا أيها العزيز، ويا وارث الصيت المجيد، يا أيها العظيم ما حاجة أسمك إلى تزكية ضعيفة كهذه، وقد بنيت لك من إعجابنا ودهشتنا تمثالاً لا يبلى؟ إنك قد أفضت علينا من شعرك الدفاق ما يخجل حياله كل فن متعثر بطئ، وأستمد كل قلب من أوراق كتابك الذي يجل عن كل قدر، تلك الأسطر التي تنتمي إلى (دلفي)، تلك الأسطر الخوالد التي تركت فيه أعمق الأثر، ولقد سحرتنا عن أنفسنا حتى أحالتنا إلى مرمر من فرط ما تخيلنا وعجبنا! وكان لك وأنت هكذا دفين، من عظمتك ومن أبهى ذكرك وفخامة قبر من أجل الظفر بمثله يتمنى الملوك

ص: 26

الموت).

وبعد نشر هذه الأبيات القوية في صدر تلك المجموعة من آثار شكسبير دليلاً على أن ناشريها كانوا ينظرون إليه يومئذ وهو لا يزال طالباً في الكلية نظرتهم إلى شاعر بدأت تتحقق له نباهة الاسم.

ونظم ملتن في سنتيه الأخيرتين بالكلية بضع قصائد في مناسبات، أهمها ثلاث مرثيات وقصيدة كتبها عن نفسه هي أقرب إلى شعر التأملات. أما المرثيات فاثنتان منهما كانتا عن هوبسون الشيخ أحد الموظفين في الكلية وقد قضى فيها من عمره سنين طويلة، وفيها يمزج ملتن العطف بروح الدعابة. وكانت الثالثة عن سيدة في مقتبل العمر تدعى ليدي ونشستر أحدث موتها حزنا عميقا في أواسط المجتمع العليا. ولقد ذاعت مرثية الشاعر الشاب ذيوعا عظيماً في تلك المناسبة، أحبها كل من قرأها أثنى عليها ثناءً كبيراً.

أما القصيدة التي كتبها عن نفسه فكانت في عيد ميلاده الثالث والعشرين، وفيها يعجب الشاعر من سرعة انقضاء الزمن، ويأسف أن يخلوا ربيع حياته الأخير من البراعم والأكمام؛ وهو بهذه الإشارة يضطغن على نفسه، فربيعه زاهر بالحياة والنماء، ولعله يقصد أن أكثر ما جادت به براعته لم ينشر ليدل على وفرة ثماره، أو لعله ضرب من الطموح، فهو إذ يستقل ما عمل حتى يومه هذا إنما يشير إلى ما هو جامع له عزمه في غده.

والشواهد على عزمه المصمم قائمة في موضوع ألقاه في سنته الرابعة والعشرين وهي السنة التي غادر فيها الكلية، وكان الطلاب يتناظرون في العلم والجهل وأن العلم يجلب للمرء من السعادة أكثر مما يجلب الجهل؛ وتحدث ملتن فأفاض وأجاد في بيان فضل العلم وقارن بين أوربا في عصر الظلمات وبينها في عصر النهضة، وأشار إلى الإنسان في بداوته إذ كان يهيم على وجهه ويتخذ من الجبال بيوتاً ويعيش بلا دين وبلا قانون ولا ثقافة كما يعيش ضواري الوحش، وإلى الإنسان في حضارته وما ينعم به من المعرفة ويهتدي به من الدين ويتمتع به من روابط الثقافة. وأختم كلامه فأهاب بالمستمعين أن يكتسبوا كل يوم معرفة جديدة حتى يكون شأنهم شأن الاسكندر حين بكى لأنه لا يجد أمامه عوالم أخرى تطويها انتصاراته. . .

وفي سنة 1632 غادر ملتن الكلية بعد أن حصل على درجاته العلمية الثانية وبعد أن قضى

ص: 27

فيها سبع سنين؛ رحل عنها وإنه ليأسف على رحيله كثيرون والكل به معجبون. ولا غرو أن تتغير نظرة الأساتذة والطلاب إليه عما كانت قبل ممن كانت له مثل متانة خلقه ورجاحة عقله وفصاحة لسانه وقوة جنانه وشاعرية روحه وطموح نفسه، خليق بمن عرفوه أن يأسفوا على فرقته وأن يعجبوا بشخصيته. ولقد طلب إليه أكثر من مرة القائمون على أمر الكلية أن يبقى بينهم زميلاً بعد أن تخرج فيها ولكنه لم يجد في نفسه الميل إلى ذلك؛ ونجد مصداقاً في تغير نظرتهم إليه فيما كتبه بعد ذلك بعشرة أعوام إذ أشار إلى ما لقي من احترام على أيدي أساتذة الكلية يفوق ما لقي أنداده منه وإلى رغبة هؤلاء الأساتذة في أن يبقى معهم إلى أن قال (وقد وثقت فوق ذلك من اختصاصهم إياي بالمودة والعطف وذلك من كتبهم التي تلقيتها قبل رحيلي وبعد ذلك بزمن طويل وكلها تفيض بعطفهم علي ومودتهم إلي ومحبتهم إياي).

أما هو فكان يذكر أيامه في كمبردج بخير، بل ما برح يشكوا ن تخلفها في المعرفة وتمسكها بالماضي وتعودها عما كان يرجوا من النهوض.

(يتبع)

الحفيف

ص: 28

‌كعب الأحبار هو الصهيوني الأول

للأستاذ محمود أبو ريه

(نشر الأستاذ سعيد الأفغاني أن الصهيوني الأول هو عبد الله

بن سبأ الذي تظاهر بالإسلام على عهد عثمان. وأنا على

احترامنا لما نشر الأستاذ الأفغاني نبين أن الصهيوني الأول

فيما حققناه هو (كعب الأحبار) ذلك الكاهن اليهودي الذي اسلم

على عهد عمر خداعاً ونفاقاً، وكان أول من أرسل الصيحة

(بالصهيونية) في بيت المقدس، ولكن الفاروق فطن لهذه

الدعوة الخبيثة وقضى عليها. ولما وجد أن عمر صخرة عاتية

تحول بينه وبين ما يريد بالإسلام من كيد، أخذ مع جماعة من

فارس يأتمرون به ليقتلوه. ولما اندك حصن الإسلام بقتل عمر

أرصد مكره ودهاءه لما أسلم من أجله، فأنشأ يبث من إفكه -

ما شاء أن يبث - في تفسير كتاب الله وأحاديث رسوله. وأنا

نكشف هنا عن حقيقة هذا الحبر الذي لا يزال يظفر بثقة

المسلمين، ويعتبرونه من خيار التابعين، حتى يكون الناس

على بينة من أمره، ويعرفوا مبلغ ضرر هؤلاء اليهود الذين

تظاهروا بالإسلام وانطوت قلوبهم على غيره)

لما قويت شوكة الدعوة الإسلامية واشتد ساعدهم لم يرى الذين كانوا يقفون أمامهم، ويصدون عن سبيلها، إلا أن يكيدوا لها عن طريق الحيلة والخداع، وبعد أن عجزوا عن

ص: 29

النيل منها بوسائل القوة والنزاع.

ولما كان اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، لأنهم بزعمهم شعب الله المختار فلا يعترفون لأحد من غيرهم بفضل، ولا يقرون لنبي بعد موسى برسالة، فإن رجالهم وأحبارهم لم يجدوا بعد أن غلبوا إلى أمرهم، وأخرجوا من ديارهم ألا أن يستعينوا بالمكر ويتغلبوا بالدهاء ليصلوا إلى ما يبتغون. وهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام ويطووا نفوسهم على غيره حتى يخفى كيدهم ويجوز على الناس مكرهم. وكان أقوى هؤلاء الدهاة (كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سبأ) فاستعانوا بإسلامهم واسندوا بين المسلمين مظهرين عبادتهم وتقواهم. ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت وأن المسلمين قد اغتروا بهم وسكنوا إليهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم فيدسون فيه ما يريدون من أساطير وخرافات وأوهام لكي يهي هذا الدين ويضعف. ولكي يحكم هؤلاء الدهاة أمرهم كانوا يزعمون تارة أن هذه المفتريات من كتابهم ويدعون أخرى أنها من مكنون علمهم، وما هي في الحقيقة إلا من مفترياتهم، وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من كلامهم، وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية وهي لغة كتبهم، ومن جهة أخرى فإنهم لا يجارونهم في دهائهم ومكرهم. وبذلك كان الصحابة ومن تبعهم يأخذون كل ما يبثه هؤلاء الدهاة بغير بحث ولا نقد معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه.

وأنا نلم هنا بطرف صغير من تأريخ زعيم هؤلاء الدهاة وشيخهم وهو (كعب الأحبار) وهو الذي نسوق من أجله هذا الحديث.

كعب الأحبار:

هو كعب بن ماتع الحميري من آل ذي رعين، وقيل من ذي الكلاع - من اليمن - كان من أحبار اليهود وعرف بكعب الأحبار، أسلم على عهد عمر علي الراجح وسكن المدينة في خلافة عمر وتحول إلى الشام في زمن عثمان فسكنها ومات بحمص سنة 34هـ.

وقد استصفاه معاوية وجعله من مستشاريه لكثرة علمه كما كانوا يقولون عنه أو كما زعم هو في قوله (ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى، ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة!!!)

وقد أغتر به الصحابة ومن بعده فرووا عنه وسمعوا منه، وكان أكثر من روى عنه من

ص: 30

الصحابة أبو هريرة الذي كان كذلك أكثر تحديثاً عن النبي، ذلك بأن هذا الكاهن سلط عليه قوة دهائه لكي يستحوذ عليه وينميه ليلقنه كل ما يريد. ومما أتخذه من أساليب المكر والخداع ليطويه تحت جناحيه أن قال فيه كما روى الذهبي: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة!!

سبب إسلامه:

وضع هذا الكاهن لإسلامه سبباً عجيباً فقد أحرج أبن سعد عن سعيد بن المسيب قال: قال العباس ما منعك أن تسلم في عهد النبي وأبى بكر؟ فقال إن أبي كتب لي كتاباً من التوراة فقال اعمل بهذا وختم على سائر كتبه، وأخذ علي بحق الوالد على الولد أن لا أفضي الختم عنها، فلما رأيت ظهور الإسلام قلت لعل أبي غيب عني علماً ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته فجئت الآن مسلماً!

وروى عبد الله بن عمر أن رجلاً من أهل اليمن جاء إلى كعب فقال له: إن فلاناً الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة! فقال كعب هاتها، فقال له الرجل: انه يقول لك ألم تكن سيداً شريفاً مطاعاً؟! فما الذي أخرجك من دينك إلى أمة محمد؟ فقال له كعب أتراك راجعاً إليه؟ قال نعم! قال فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفر منك! وقل له: يقول لك، أسألك بالذي فلق البحر لموسى، وأسألك بالله الذي ألقى الألواح إلى موسى بن عمران فيها كل شيء!! ألست تجد في كلمات الله تعالى أن أمة محمد ثلاث أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد!! فإنه سيقول لك نعم! فقل له يقول لك كعب: اجعلني في أي الأثلاث شئت!

كيف كانوا يمكرون بالمسلمين:

أتبع هؤلاء الأحبار طرقاً عجيبة لكي يستحوذوا على عقول المسلمين، وإليك طرفاً من هذه الأساليب:

أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام وهو من أحبار اليهود أنه مكتوب في التوراة في السطور الأولى (محمد رسول الله عبده المختار مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه في الشام) وهذا الذي قاله أبن سلام قد أحكمه الداهية كعب، فقد روي عنه الدرامي: في السطر الأول

ص: 31

محمد رسول الله عبده المختار لا فظ ولا غليظ ولا صاخب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وفي السطر الثاني: محمد رسول الله أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزل ويكبرون على كل شرف رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة! ويأتزرون على أوساطهم ويوضئون أطرافهم وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل.

كعب وعمر:

لما أتى كعب إلى المدينة على عهد عمر مظهراً إسلامه أخذ يعمل في دهاء لما أسلم من أجله، فكان أول أمر وجه أليه همه أن يفتري الكذب على النبي، ولكن عمر فطن لكيده فنهاه على أن يروي عن النبي شيئاً وتوعده بأن يترك الحديث عن رسول الله أو يلحقه بأرض القردة.

وعلى أن عمر رضي الله عنه قد ظل يراقب هذا الداهية بحكمته وحزمه وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته كما جرى ذلك في قصة الصخرة التي ستعرفها فيما بعد، فأن شدة دهاء هذا الرجل قد تغلبت على حزم عمر ويقظته فظل يعمل بكيده في السر والعلن حتى انتهى الأمر بقتل عمر بمؤامرة أشترك فيها هذا الكاهن وجماعة معه منهم الهرمزان ملك خورستان وكان قد جئ به أسيراً إلى المدينة.

قتل عمر:

ذكر المسور بن مخرمة أن عمر لما أنصرف إلى منزله بعد أن أوعد أبو لؤلؤة جاءه كعب الأحبار فقال يا أمير المؤمنين (أعهد) فأنت ميت في ثلاث ليال (رواية الطبري في ثلاث أيام) قال وما يدريك؟ قال أجده في كتاب التوراة! قال عمر: أتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال الهم لا، ولكن أجد حليتك وصفتك، وأنت قد فني أجلك! قال ذلك وعمر لا يحس وجعاً، فلما كان الغد جاءه كعب، فقال بقي يومان! فلما كان الغد جاءه وقال: مضى يومان وبقي يوم! وهي لك إلى صبيحتها، فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالاً فإذا استوت كّبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجره فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته. ودخل عليه كعب وقال له: ألم أقل لك

ص: 32

أنك لا تموت ألا شهيداً وأنك تقول من أين وإني في جزيرة العرب؟ وفي رواية أخرى: لما دخل كعب على عمر قال له: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)

ومما يملخ عرق الشك في آمر تأمر كعب بعمر ما أخرجه الخطيب عن مالك، أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال ما يبكيك؟ قالت هذا (اليهودي) أي كعب يقول أنك باب من أبواب جهنم! فقال عمر ما شاء الله! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة! فقال ما هذا! مرة في الجنة! ومرة في النار! فقال: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها فإذا مت اقتحموا!!

وقد برت يمينه فقد قُتل عمر في ذي الحجة سنة 23هـ

فهل بعد ذلك يتمري أحد أن كعباً هو رأس مؤامرة قتل عمر!

ولعل المسلمين قد ازدادوا ثقة بكعب بعد مقتل عمر إذ حسبوا أن التوراة كما يزعم فيها علم ما كان وما سيكون وما هو كائن! ولكن لما كثر كذبه وفشا بهتانه أخذ بعضهم يقابل ما يرويه بالشك فقد روى البخاري أن معاوية قال فيه (إنا كنا لنبلو عليه الكذب، وقال عنه علي (إنه لكذاب) وكذبه كذلك عبد الملك بن مروان.

قصة الصخرة بين عمر وكعب:

لما افتتحت إيلياء وأرضها على يد عمر في ربيع الآخر سنة 16هـ ودخل عمر بيت المقدس دعا عمر كعب الأحبار وقال له: أين ترى أن نجعل المصلى؟! فقال كعب: إلى الصخرة. فقال له عمر: يا أبن اليهودية، ضاهيت والله اليهود، وفي رواية أخرى خالطتك يهودية! وقد رأيتُك وخَلعَك نَعليك!

ولما أخذوا في تنظيف بيت المقدس من الكناسة التي كانت الروم قد دفنته بها سمع التكبير من خلفه فقال ما هذا؟ فقالوا كبر كعب وكبر الناس بتكبيره! فقال عليَّ به فأتىَ به فقال يا أمير المؤمنين: أنه قد تنبأ علي ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة! قال وكيف؟ فقال إن الروم قد أغاروا على بني إسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه! إلى أن وليت فبعث الله نبياً على الكناسة فقال ابشري، أورى شلم، عليك الفاروق ينقيك مما فيك! وهكذا يلعب بعقول المسلمين.

ص: 33

وقال كعب مرة: (إن الله قال للصخرة أنت عرشي الأدنى وأنها موضع قدم الرحمن). وقد وضع كعب وإخوانه في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي في الشام أكاذيب كثيرة ملأت مؤلفات.

ما بثه كعب في التفسير والحديث:

بلغ من دهاء كعب أن جعل بعض الصحابة يروون عنه أحاديث معزوة إلى رسول الله. وفي كتب الحديث في باب رواية الأكابر عن الأصاغر أن العبادلة الثلاثة وأبا هريرة ومعاوية وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار.

ولا نستطيع أن نسوق هنا كل ما بثه في تفسير كتاب الله، وما رواه من أحاديث عن رسول الله لأنها إذا جردت تملأ مجلدات وإنما نجتزئ ببعض الأمثال:

قال معاوية عن ذي القرنين: أنه كان يربط خيله بالثريا.

وقال عن العرش: إنه لما خلق اهتز تعظيماً فطوقه الله بحية لها سبعون ألف جناح، وفي كل جناح سبعون ألف ريشة، وفي كل ريشة سبعون ألف وجه، وفي كل وجه سبعون ألف فم، وفي كل فم سبعون ألف لسان يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر وعدد ورق الشجر. . . الخ فالتوت الحية على العرش. . . وهي ملتوية عليه فتواضع عند ذلك!

وقال الأرضون السبع على الصخرة والصخرة في كف ملك والملك على جناح الحوت والحوت في الماء والماء على الريح والريح على الهواء ريح عقيم لا تلقح وأن قرونها معلقة في العرش.

وقال: إن الله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض فإذا صاح صاحت الديكة.

وما قال كعب لم يلبث أن جاء حديثاً مرفوعاً.

وفي التوراة: أربعة أنهار في الجنة، وفي حديث أبي هريرة أحد من رووا عن كعب أن النبي قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة، أما أبن عباس وقد روى كذلك عن كعب فقد جعلهم خمسة أنهار.

هذا هو كعب الأحبار - الصهيوني الأول - أبرزناه على حقيقته بعد أن نزعنا عنه ثوب الرواية الإسلامية فبدا لهم عارياً - كما خلقته الصهيونية - حتى يكون المسلمون على

ص: 34

بصيرة من أمره، ولعلهم بعد ذلك يعملون على تطهير كتب التفسير والحديث والتاريخ من مفترياته ومفتريات إخوانه من كهنة اليهود ليبدو نور الدين مشرقاً في محكم آياته، وتتجلى لهم فضائله في ناصع بياناته، ويتحقق قول الله: سنريهم آياتنا في الأفق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.

(المنصورة)

محمود أبو رية

ص: 35

‌نقل الأديب

للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

683 -

قضية خمرية. . .

في (شرح المقامات) للشريشي:

قال أحمد بن ظبيان الحائز: أجمع قوم على شراب لهم فغناهم مغنيهم بشعر حسان:

إنّ التي ناولَتني فرددتُها

قُتِلت (قُتِلتَ) فهاتها لم تُقتل

كلتاهما حلب العصر فعاطني

بزجاجة أرخاهما للمِفصلِ

فقال بعضهم: امرأتي طالق أن لم أسأل الليلة عبيد الله بن الحسن القاضي عن علة هذا الشعر لمَ قال: (إن التي) فوحد ثم قال: (كلتاهما) فثنى؟ فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه، ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى بني شقرة، وعبيد الله بن الحسن يصلي، فلما فرغ من صلاته قالوا قد جئناك في أمر قد دعتنا إليه ضرورة، وشرحوا له خبرهم، فقال:(إن التي ناولتني فرددتها) عني بها الممزوجة بالماء ثم قال من بعدُ (كلتاهما حلب العصير) يريد الخمر المحتلبَة من العنب والماء المحتلب من السحاب المكني عنها بالمعصرات في قوله تعالى وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا.

648 -

وصرت أنسى أنني أنسى

أبن الحجاج البلوي: أنشدني العثماني لبعضهم في النسيان

أفرط نسياني إلى غاية

لم يدع النسيان لي حسا

فصرت مهما عرضت حاجة

مهمة ضمنتها الطرسا

وصرت أنسى الطرس في راحتي

وصرت أنسى أنني أنسى

685 -

على يد الإفلاس

قال أبن الهبارية:

يقول أبو سعيد إذ رآني

عفيفاً منذ عام ما شربت

على يد أي شيخ تبت؟ قل لي

فقلت: على يد الإفلاس تبت

686 -

وإن تركناك فلنفسك

ص: 36

قال أبو العيناء: كنا عند أبي دؤاد ومعنا محمود الوراق وجماعة من أهل الأدب والعلم فجاءه رسول إيتاخ فقال: إن الحاجب أبا منصور يقرأ على القاضي السلام ويقول: القاضي يتعنى ويجئ في الأوقات وقد تفاقم الأمر بينه وبين كاتب أمير المؤمنين (يريد أبن الزيات) فصار يضرنا عنده، قصد القاضي. وما أحب أن يتعنى إليَّ لهذا السبب إذ كنت أصل إلى مكافأته.

فقال: أجيبوه عن رسالته. فلم ندر ما نقول ونظر بعضنا إلى بعض فقال: أما عندكم جواب؟

قلنا: القاضي (أعزه الله) أعلم بجوابه منا.

فقال للرسول: إقرأ عليه السلام، وقل له: ما أتيتك متكثراً بك من قلة، ولا متعززاً بك من ذلة، ولا طالباً منك رتبة، ولا شاكياً إليك كربة، ولكنك رجل ساعدك زمان، وحركك سلطان، ولا عِلم يؤلف، ولا أصل يعرف، فإن جئتك فلسلطانك، وإن تركتك فلنفسك. فعجبنا من جوابه.

687 -

القدر والطلب

قال الطرطوشي: القدر والطلب كأعمى ومقعد في قرية يحمل الأعمى المقعد ويدل المقعد الأعمى.

688 -

نصيحة. . .

قال محمد بن الجهم: من شأن من استغنى عنك ألا يقيم عليك، ومن أحتاج إليك أن لا يزول عنك، فمن حبك لصديقك وضنك بمودته ألا تبذل له ما يغنيه عنك، وأن تتلطف فيما يحوجه إليك، وقد قيل في مثل هذا: أجع كلبك يتبعك، وسمنه يأكلك. فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر، وقع أسبابه من الشكر. والمعين على الغدر شريك الغادر كما أن مزين الفجور شريك الفاجر.

689 -

انظر إلى وجهك ثم أعشق

جاريةٌ أعجبها حسنُها

فمثلُها في الناس لم يخلق

خّبرتها أني محبٌّ لها

فأقبلت تضحك من منطقي

والتفتت نحو فتاة لها

كالرشأ الوسنان في قرطق

ص: 37

قالت لها قولي لهذا الفتى:

انظر إلى وجهك ثم أعشق

إسماعيل القراطيسي:

وقد أتاني خبر ساءني

مقالها في السر: واسوأتاه!

أمثل هذا ينبغي وصلنا

أما يرى ذا وجهه في المراه؟!

690 -

فتوى الفتوة

قال الصفدي في شرح اللامية:

أخبرني من لفظة الشيخ العلامة أثير الدين أبو حيان سماعاً من كتابه المسمى مجاني العصر في ترجمة جمال الدين الوراق الكتبي (عرف بالوطواط) أنه كان بينه وبين بعض القضاة مودة فلما تولى ذلك القاضي قضاء الديار المصرية توهم جمال الدين أنه يحسن إليه ويبره، فسأله فلم يجبه إلى شيء من مقصوده. فأستفتى عليه فضلاء الديار المصرية فكتبوا على فتياه بأجوبة مختلفة وصير ذلك كتاباً، وسماه (فتوى الفتوة ومرآة المروة) وقد راحت به نسخة إلى المغرب.

قلت: سألت أنا الشيخ أثير الدين عن ذلك القاضي فيما بيني وبينه فأخبرني أنه شهاب الدين محمد الخولي، وقد وقفت أنا على ذلك الكتاب ونقلته بخطي، وهو في الجزء الثاني عشر من التذكرة والفتيا نثر حسن، وأجوبة الجماعة هل عصره نثر ونظم. ومعنى الفتيا: أيجوز لمن حسنت حاله وارتفعت منزلته ألا يحسن إلى صاحبه ولا يفي له بشيء من دنياه؟

691 -

فإن لم نجد عقلاً فماذا تحيف

قال الصاحب في رجل كثير الشرب، بطئ السكر:

يقال لماذا ليس يسكر بعد ما

توالت عليه من نداماه قرقف

فقلت: سبيل الخمر أن تنقص الحجى

فإن لم تجد عقلاً فماذا تَحيّف؟

692 -

ما يمنعك من ذلك؟

قال رجل لخالد بن صفوان: إني أحبك

قال: وما يمنعك من ذلك ولست لك بجار ولا أخ زلا أبن عم؟ (يريد أن الحسد موكل بالأدنى فالأدنى)

ص: 38

693 -

جوابان لسؤالين

سأل إنسان أبن الجوزي فقال: ما لنا نرى الكوز الجديد إذا صب فيه الماء ينش ويخرج منه صوت شكواه؟

فقال: لأنه يشتكي إلى برد الماء ما لاقاه من حر النار.

فقال السائل: فما لنا نراه إذا ملأناه لا يبرد فإذا نقص برد؟

فقال: حتى تعلموا أن الهواء لا يدخل إلا على ناقص

ص: 39

‌نجوى الشهيد.

. .

للشاعر حسين محمود البشبيشي

(لكأني بتلك الأرواح الشهيدة، قد ترنمت بهذه الأنغام وهي

تموت أجساداً، لتخلد أرواحا. . .)

أبي، إن مزقوا بالنار قلباً بين أحنائي

وسار الظلم مختالاً على أطال أشلائي

ومت ولم يعد مني سوى ماض وأصداء

أبي لا تبك فالدنيا سبيل النازح النائي

أبي لا تبكي فالموت لم يذهب بأضوائي

أبي لا تبكني أبدا

قُتلت على الثرى جسدا

وروحي ظل متقدا

أبي لا تبك من مخلدا

فلم يذبل سوى جسدي وروحي لم تزل تسرى

فسل فتياننا عنها. . . ففيهم يقظة العمر

وفيهم صورة لفتاك. . . رغم الموت والقبر

فما متنا. . . ولكن مات من لم يسعى للنصر

وماتت نفس من قد عاش بين الذل والقهر

أبي لا تبك من مخلدا

قُتلت على الثرى جسدا

وروحي ظل متقدا

أبي لا تبك أبدا

وأنتم يا بني الأوطان. . . أنتم عمري الثاني

ففي أضلاعكم قلبي وفيكم روح وجداني

ص: 40

سأخلد في شبابكم بإحساسي وإيماني

إذا ما نصركم قد لاح أحيا ميت جثماني

وأسعد كلما ابتسمت بكم آمال أوطاني

قُتلت على الثرى جسدا

وروحي ظل متقدا

وبين قلوبكم خلدا

أبي لا تبكني أبداً

أبي أن حقق الله على الأيام مسعانا

وتم جلاؤهم عنا. . . فلا تحزن لما كانا

وحسبك أننا للنيل أرواحاً وأبدانا

تظللنا سماء النيل أطفالا وشبانا

وقد عدنا لأرض النيل يوم الموت قربانا

أبي لا تبكني أبدا

وحسب فتاك أن خلدا

ص: 41

‌من ليالي الفراق:

دموع. . .

للشاعر عبد الرحمن الخميسي

دموعُك هذي التي تَسكُبين

صبيبُ لظًى في فؤادي الأمين

فلا تحبسِي سَيْلها، إنّني

أَراكِ بما فيه تحترقين!!

وصُبّي على كَبِدي. . . نارها

فأحمل عنكِ الشقاَء الدفين

يُفَدِّيكِ مني ما خَلَّفَتهُ

رزايا الزمان، وظُلم السنين!

أَلا قرِّبي شفتيكِ، وأَلْقي

على كتفي رأسَك المْستكين

فذاكَ المسَاءُ لنا حارسٌ

يُهومُ في رَحَباتِ السكون

وهذا هو النهرُ مَيْتٌ. . . عليه

من البدرِ ثوبٌ وضئٌ حزين

وذاكَ الشتاءُ عجوزٌ تدِبُّ

فتسرى البرودةُ في العالمين

وهذا هو البدرُ يصعدُ في

مراقي السماءِ كليلَ الجبين

تحياته. . . دُرَرٌ من سَناهُ

يُبعثرُها في حِمى العاشقين

ونحن على شاطئِ النيل، لا

يرانا سوى شجرَ الياسمين

فلا تكتمي شهقةً في الضلوع

بحرقتِها كدتِ تخنقيني. . .!!

دعينيَ أرشف دموعَك حتى

أذوق بها لذعاتِ الشجون

وأشرب بأنفاسِك المحترقاتِ

سلافاً تخدّرُ روحي الحزين

فأنسى الحياةَ وما فوقها

سوى أننا في ذُرى الخالدين!

(يافا)

عبد الرحمن الخميسي

ص: 42

‌البريد الأدبي

كيف صار والد المرحوم أحمد حسنين باشا أزهريا؟

كان الشيخ محمد حسنين البولاقي من كبار علماء الدين في الأزهر، وكان أبوه من عظام أمراء البحر في الأسطول، وكان العرف المتبع أن يكون التعليم المدني للخاصة والتعليم الديني للعامة، فكيف صار أبن أمير البحر الأرستقراطي أزهرياً؟

حدثنا صديقنا الأستاذ محمود حسن زناتي عن أبيه - وكان أبوه رحمه الله أستاذاً للطيب الذكر المغفور له أحمد حسنين باشا - أن الصبي محمد حسنين وقع في نفسه منذ صغره أن يقرأ القرآن ويحفظ آداب الدين، وازداد هذا الميل فيه حتى سأل أبوه أن يرسله إلى الأزهر. فسخر منه أبوه وأمره ألا يجري هذا الأمر على لسانه وألا يخطره بباله، فتوسل إليه بالشيخ الانبابي شيخ الأزهر إذ ذاك فلم يقبل الوسيلة. وأصر الابن على طلبه، وأصر الأب على رفضه، وزاد على ذلك أن توعده بالطرد أن أصر على هذه المعرة. ولكن العاطفة الدينية كانت تعصف برأس الغلام عصفاً شديداً فلم يحفل بوعيد أبيه، ودخل الأزهر وأوى إلى الشيخ الانبابي فآواه وأكرم مثواه وأنفق عليه حتى بلغ الغاية من الفقه في الدين والتبحر في علوم العربية. ثم ظفر بشهادة العالمية وارتقى إلى كرسي من كراسي الأزهر.

وفي ذات يوم دعا شيخ الأزهر أمير البحر إلى داره فلبى الدعوة، وعرض عليه أن يزور الأزهر فقبل العرض، وعلى حلقة من حلقات الدروس أزدحم فيها الطلاب وأصطف حولها الوقوف، وقف الشيخ الانبابي وسأل أمير البحر: أتعرف هذا العالم الشاب يا باشا؟ فحدق الباشا في العالم ثم فغر فاه وقال دهشاً: هذا أبني محمد! فقال الشيخ الانبابي في لهجة لا تخلو من تأنيب وسخرية: نعم هو أبنك محمد يا باشا؟ وإني أناشدك الله أن تقول الحق: أيكما أعظم قدراً عند الناس وأرفع مكانة عند الله؟ فلم يسع الباشا إلا أن يقول: هو ولا شك.

ومنذ ذلك اليوم كان الشيخ محمد حسنين ابن الباشا يغدو إلى الأزهر ويروح إلى القصر في عربة فخمة يجرها جوادان مطهمان!

من أخلاق العلماء:

ص: 43

وعلى ذكر الشيخ الأنبابي روى لنا الصديق موقفا من مواقفه التي يعتز بها الخلق ويكرم فيها الدين؛ وخلاصته أن اللورد كورمر رغب في أن يزور شيخ الأزهر، وكان الشيخ الأنبابي قد جعل إدارة الأزهر في داره بحي الظاهر، فلما كلموه في أمر تلك الزيارة أنكر أن يكون للورد معه شأن، ولما قبل أن يزوره وسئل كيف يستقبله أبى أن يلقاه على باب الدار، وصمم أن يسلم عليه وهو قاعد. فقالوا له إنه كبير الإنجليز وقد يجد في هذا اللقاء إهانة له ولقومه، وخير من ذلك أن نجلسه في غرفة ثم يدخل الشيخ عليه فيقف هو وينتهي الأمر. فقال: هذه حيلة وأنا اكره الالتواء والتحليل، وسألقاه على الوجه الذي أختاره فدعوني وإياه.

وأقبل اللورد كورمر في جبروته وسلطانه فاستقبلوه استقبال الملوك؛ ودخل على الشيخ في البهو وفي يديه قبعته فلم يهتز الشيخ ولم يقف. إنما رد التحية وصافح اللورد وهو قاعد، ثم قال لكبير من كبار المصريين كان حاضر الزيارة: قل للورد إني أحترمه، ولكني سلمت عليه قاعداً لأن ديني ينهاني أن أقوم له. فانحنى اللورد وأثنى وشكره، ثم قال بعد ذلك لمن معه: هذا أول شيخ رأيته في مصر يكرم نفسه ويحترم دينه!

الأستاذ منصور جاب الله:

كان الأستاذ منصور جاب الله كالشمعة التي تحترق لتضئ ما حولها. كان أديبا ملء إهابه، وكان فناناً ملء ردنيه، أتخذ الأدب غاية، ولم يلتمسه وسيلة، فتعفف عن التكسب به على وفرة إنتاجه، وعلى أنه لم يكن شيء من الثراء قل أو كثر، وإنما كان غني النفس عفيف القلب طاهر اليد واللسان.

وكان رحمه الله آية الوفاء للصحب والأصدقاء، وإذ يعوزه أن يسد خلة لأحد منهم، أو تتقاصر يده عن معونتهم، يعمد إلى مساعدتهم بأدبه، فيكتب لهم المحاضرات أو المقالات التي تدر عليهم المكاسب، لا يقتضي على ذلك أجراً إلا المثوبة من عند الله. ولقد عرفنا فيما عرفنا عنه أنه كان يساعد بعض إخوانه الذين نالوا درجات جامعية عالية، فيعد لهم المراجع وينسق لهم الفصول والأبواب، ثم يصوغ الرسالة في صيغتها النهائية، ثم يتقدم بها الطالب فينال درجة الدكتوراه أو الماجستير!!

ص: 44

إذن مات هذا الأديب المغمور، فهل ذكره أحد؟ أو نعته صحيفة من تلك الصحف التي كان يرسل فيها قلمه فياضاً جزلا؟ لم يذكره أحد، وجزى الله صديقه الأستاذ عبد اللطيف النشار إذ أنشد على قبره هذه الأبيات:

على (منصور) يبكي قارئوه

فقد عرفوا له صدق الزماع

تنسك في اليفاعة للأمالي

أخبت في الشبيبة لليراع

فكان بجده كهلا وشيخا

فعاش كفاء أعمار تباع

له صغرى عجالات وضاء

وكبرى ذات حسن وامتناع

فيا أسفا عليه وقد توارى

وراء الغيب كالشفق المشاع

رحم الله الفقيد وعوض فيه الأدب خيرا.

فؤاد علي الأديب

جامعة فاروق - كلية الآداب

ملاحظة على مقال (غزل الفقهاء)

طالعت للأستاذ الكبير الطنطاوي في عدد الرسالة الأخير مقالاً ممتعاً عن (غزل الفقهاء) وقد نسب فيه ألف الشاعر الفقيه (عروة بن أذينة) ببيتين من الشعر هما:

قالت (وأبثثتها وجدي فبحت به)

قد كنت عندي تحب الستر، فاستتر

ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها:

غطَّى هواك وما ألقي علي بصري

ولكني كنت أطالع في كتاب (شاعر الغزل) للأستاذ الكبير عباس العقاد فوجدته في صفحة 132 ينسب هذين البيتين ألف الشاعر الغزلي (عمر بن أبي ربيعة) المخزومي الذي لم يشتهر بالتنسك والتفقه وإنما بالتشبيب ومتابعة النساء في خلواتهن.

إبراهيم عبد المجيد الترزي

(مهد العرب) للدكتور عبد الوهاب عزام

مهما تباينت آراء النقاد في مقدار تأثير البيئة في الأدب فلا مفر لفهم هذا الأدب فهما صحيحا في دراسة بيئته التي أمدته بالغذاء، وتعهدته بالنمو، وأحاطته بالرعاية، واستمد

ص: 45

عناصره من مشاهدها، والأدب العربي لا يزال يعوزه ليسهل هضمه تلك الدراسات التي تتناول بيئاته الطبيعية لاتصال تلك الآثار الأدبية ببعض الأماكن، أو القبائل، أو الحيوان، أو النبات أو القصص، مما يعين على استكناه روح البيئة التي ولدت ونشأت تلك الآثار بين أحضانها. فكانت هذه الدراسة الموجزة، الوافية لمهد العرب عاملاً قوياً يتكئ عليه طلاب الأدب العربي عامة، وقديمة خاصة؛ لأنها تجلوا لهم هذا المهد الذي كان له في حياة العالم السياسية، الاجتماعية، والروحية، والأدبية، أعظم الأثر، وبعين الباحث الأدبي على تمثيل هذا الشعر واستمراء روحه، وتعمق مراميه، والوصول ألف أهدافه، مما عجز عن القيام به المعاجم والشروح التي تتعلق بالألفاظ والأساليب، وهذا الكتاب يقوم على وصف الجزيرة العربية الطبيعي؛ وأقسامها وأعلام بلدانها؛ ومحالها؛ ووصل كل هذا بطرف مما يتصل به من الأشعار والأخبار والأساطير في غير توسع ولا تعمق، وذكر فيها أمهات القبائل ومواطنها فتناول بالكلام مهد العرب والجزيرة وأقسامها وما يتصل بكل قسم من بعض الأخبار والشعر، فتناول الحجاز مولد الإسلام ومبعث النور الذي تتجه إليه الأوجه والقلوب كل حين، ويملأ كل قلب أليه حنين

بهذا الروح القوي أستلهم - الدكتور - تلك الأماكن التي توحي بأروع الآيات التي تصور بهاء ذلك الماضي الحافل الذي يلقي في النفس الجلال، ويشيع فيها الخشوع، وهكذا تكلم عن نجد، والأحساء، واليمن، وحضرموت، والربع الخالي، وعدد سكان الجزيرة في القديم والحديث، تناول كل هذا التشتيت المبعثر، ونسقه عقداً جميلاً؛ بهذا الأسلوب الأدبي الجزل؛ فكان خير ما يقدم بين يدي الدراسات الأدبية والتاريخية.

محمد عبد الحليم أبو زيد

ص: 46

‌القَصَصُْ

قصة ألبانية

المهد الذهبي. . .

(مهدة للأستاذ الكبير كامل كيلاني)

نقلها الأديبان:

وهبي إسماعيل وحقي إبراهيم خير الله

تتمة

- 5 -

أسرع محمود إلى فريد في حجرة النوم - بعد أن قابل بيراما بالسيد عفت في حجرة الأضياف - فوجده ما زال مستلقيا في سريره، فقال له:

- قم، فقد جاء بيرام.

فقفز فريد من السرير وقال في لهفة:

- وهل أحضر العينة؟

- ليس معه شيء، إن الموضوع قد أرتبك، فإن الخائن قد أخبر أناسا آخرين.

- وكيف كان ذلك؟ ألا عليه اللعنة من الله.

قص محمود على فريد ما حدث - منذ دقائق في الشارع من منزله - بينه وبين السيد لطفي وبيرام، وسرد عليه ما دار بينه وبين شفيق في الليلة الفائتة، وختم حديثه بقوله:

- إنني بعد أن سمعت إلى شفيق ليلة البارحة في المقهى، بدأ الشك يتسلل في قلبي.

فقال له فريد وهو جاد في استبدال ملابسه:

- والآن ما العمل؟

- أمامنا مشاكل كثيرة، كلها يتطلب سرعة الحل.

وكان فريد قد أتم تبديل ملابسه، فصحب محمود إلى حيث والده وبيرام يجلسان، فلما وقع نظره على القروي ابتدره - من غير أن يحييه - بقوله:

ص: 47

- كيف أخبرت غيرنا بهذه المسألة. . .؟

ولم يدعه بيرام يتم حديثه فقد أجابه في سرعة بقوله:

- لقد أخطأت خطأً كبيراً يا سيدي، ولكن مع الأسف الشديد، هذا هو الذي حصل.

- وكلنك، أكدت لي أنني الوحيد الذي أفضيت إلي بهذا الموضوع.

- ولم أكن كاذباً حين قلت لك ذلك يا سيدي.

- إذن ماذا حدث؟

- سأشرح لك كما وقع، ولك أن تحكم - بعد ذلك - لي أو علي. قبل أن أجئ إليكم، قابلت شاباً أعرفه معرفة سطحية، وهو طويل الجسم، حسن الهندام، جميل المنظر، يرتدي - في معظم أوقاته - معطفاً أسود، فصاح الجميع بصوت واحد:

- شفيق حامد.

- نعم، هو شفيق حامد، ها أنتم تعرفون اسمه. إنني متصل بهذا الشاب - من زمن بعيد - اتصالا غير وثيق. ونحن أيها السادة أناس أغبياء، لم تصقلنا التجارب، ومن السهل أن نتأثر بغيرنا؛ لعدم ثقافتنا في المدارس، ولقلة درايتنا بأخلاق الناس، بالأمس قابلت هذا الشاب، وسألته عن تاجر يبتاع الآثار، فأجابني أنه لا يعرف أحدا، ولم أتحدث أليه بأكثر من ذلك، ولكنه على - ما يظهر - كان ذكيا؛ فقد أرتاب في أمري، لأنني عندما خرجت من هنا ليلة أمس وجدته ينتظرني في المحل الذي اعتدت النزول فيه كلما جئت إلى المدينة، ولقد هددني بأنه سيرفع أمري إلى الحكومة إن لم أصارحه. أنا لا أستطيع الكذب، فقد خفته كثيرا، وخشيت أن ينفذ وعيده. ولما رأى ذلك مني، قادني إلى بيته، ثم تركني فيه وحيدا، وعاد بعد قليل مع صديق له.

فقال محمود:

- السيد لطفي؟ فقد تذكر أن شفيقا قد جاء إلى المقهى، واستدعاه حينما كان جالسا معه هو وفريد، فأجابه بيرام في هدوء واطمئنان:

- لم يذكر أسمه أمامي. ولكني - إزاء تهديدهما لي - أخبرتهما أنني عثرت - بمحض الصدفة - في حفرة قريبة من بيتي على بعض النقود القديمة، ولم أقل لهما أكثر من ذلك، وقد وعدتهم أن أرشدهم إلى الحفرة، فإني ما كنت أستطيع الإفلات منهم بغير هذا الوعد.

ص: 48

فقال له فريد في حدة وغضب:

- إنك مخطئ.

ولكن السيد عفت - وهو الذي حنكته الأيام - بدأ يتكلم في هدوء ورزانة فقال:

- إن المسألة - بوضعها الآن - ليست صعبة التسوية، وإنه يجب البحث عن شفيق ولطفي والتفاهم معهما.

فأمن الجميع على هذه الفكرة، ثم سأل فريد بيراما:

- ولماذا لم تأت بالعينة؟

فتولى السيد عفت الإجابة عنه، - فقد عرف منه السبب - فقال:

- لقد فاض النهر هذه الليلة، وأضحى من المستحيل الوصول إلى (دونمي).

وقال بيرام:

- إن الجو جميل في مثل هذا اليوم، ونستطيع أن نذهب جميعا الليلة.

في هذه اللحظة دخل الخادم، يعلن سيده أن شابين يريدان مقابلته، فعلم الجميع أنهما لا بد وأن يكونان شفيقا وصديقه.

قال السيد عفت:

- انتظروا سأخرج أنا وحدي إليهما، وغادرهم إلى حيث الشابان ينتظران. ولكن القروي بدا عليه كثر من الاضطراب وعدم الاطمئنان، وخاض في بحر عميق لجي من الأفكار. ثم إن فريد قال له في صوت من العتاب:

- إنك السبب في كل هذا الارتباك يا بيرام! ولولا أنك أطلعت هذين الشقيين على هذا الموضوع، ما حدث هذا اللغط، ولا كانت هذه الضجة.

- إنني معذور يا سيدي! فأنا رجل غير مثقف، وإن قلبي يضطرب - خوفا وفرقا - عندما يذكر اسم الحكومة أمامي إنني أضحي بكل شيء في سبيل أني لا أقاد إلى دار الشرطة، وأني لا أوقف موقف الاتهام.

فخفت ثورة الغضب في نفس فريد وأسرع إلى حيث أبوه والشابان، فوجد شفيقا بجوار المكتب، يرغي ويزبد، ويهدد ويتوعد بأنه سيخطر أول الأمر، ووجد التاجر يجيبه - في هدوء لفظ، وخفوت صوت - قائلا:

ص: 49

- ولكن ذلك في غير مصلحتك، وأولى لك وأنفع أن نتفاهم في جو يسوده الصفاء. فقال شفيق في صوت أقل حدة:

- أنا أريد قسطي من هذا الكنز.

وهنا تدخل السيد لطفي وقال:

- يا شفيق! إن السيد عفت أهل للثقة والشرف، وهو أكبرنا سنا، وأطولنا تجربة، فلنترك له هذه المسألة، يتولى التصرف فيها بحكمته، ولنا من مشهور عدالته، وكثرة خبرته، أكبر الرجاء في أن يصل إلى كل منا نصيبه في غير صخب ولا منازعة. فهدأت ثائرة شفيق، ووقع منه هذا الرأي موقع القبول. وانتقلوا جميعا إلى حجرة الاستقبال وانضموا إلى محمود وبيرام، ثم أخذوا يتبادلون الرأي ويتشاورون في الأمر، وبيرام بينهم ينظر إلى كل منهم نظرة فاحصة، في ثبات ورزانة، ولا ينطق بكلمة إلا إذا تطلب الموقف أن يقول شيئا. وأخيرا - وبعد طول جدل ومناقشة - أستقر الرأي على أن يخرجوا - بعد الظهر - في سيارة فريد بملابس الصيد ومعداته إلى قرية بيرام وينتظروا في بيته إلى أن يجن الليل، فيتسللوا إلى الكهف، ويحصون بأنفسهم الأشياء الموجودة فيه، ثم بعد عودتهم يبحثون عن أنجح الوسائل، وأنجح الطرق في تصريفها.

وقد أختتم التاجر حديثه بقوله:

- والآن! يجب أن نتعاهد على أن نعمل متحدين في إخلاص، وعلى أن تسمعوا لإرشادي ونصحي، فتعاهد الجميع على ذلك، ثم انصرفوا على أن يجتمعوا في الرابعة مساء وهم على أتم استعداد لبدء الرحلة. ولقد استبقى فريد محمودا ليعاونه على تجهيز السيارة، وأما السيد عفت فقد بقى مع بيرام؛ لأنه قرر بقاءه في البيت إلى أن يعودوا فيستأنفوا السفر إلى (دومن) حيث الكهف العجيب.

ولقد تناول محمود وبيرام غداءهما على مائدة السيد عفت، ثم توجه محمود إلى منزله بعد الغداء مباشرة ليستبدل بملابسه ملابس الصيد. وما إن وافت الساعة الرابعة حتى التأم الجمع، ولكنهم وجدوا أن السيارة لا تتسع لجميع كلاب الصيد التي معهم؛ فاقترحوا أن يتركوا كلب لطفي في منزل فريد إلى أن يرجعوا، ثم أخذوا أماكنهم في السيارة إلا بيراما، فإنه انتحى بالسيد عفت بعيدا عنهم وقال له هامسا:

ص: 50

- إنني لا أستطيع مغادرة أشقوداره، قبل أن أدفع دينا صغيرا لتاجر هنا قد وعدته أن أؤديه إليه في هذا اليوم، وأخاف إن أنا لم أف بوعدي أن يجئ إلى القرية ويرانا هناك، وحينئذ نقع في ورطة يتعذر علينا الخلاص منها.

فقال له السيد عفت:

- وكم يبلغ دينك؟

- إنه صغير جدا، ولا يزيد على ستة جنيهات.

فتشكك التاجر لحظة، ولكنه طرد عنه هذا الشك عندما رأى السيارة وبها الشبان ينتظرون بيراما، وقال:

- انتظر إلى أن أحضر لك المبلغ، ثم دلف إلى المنزل وعاد بعد قليل وسلم له النقود، فوضعها في جيبه وعمد إلى السيارة وأخذ مكانه منها، فانطلقت بهم، والتاجر ينظر إليهم وهو يخشى أن تلفت كثرتهم الأنظار إليهم.

أخذت السيارة طريقها إلى القرية مارة بسوق المدينة، وقبل أن يتجاوزه رجا بيرام فريدا - وقد جلس على عجلة القيادة - أن يقف السيارة، فإنه سينزل ليؤدي دينا صغيرا - حل موعده - في هذا المكان وأشار إلى محل معين، فأوقف فريد السيارة، ونزل بيرام وأتجه إلى المحل الذي أشار إليه. فناداه شفيق وقال له:

- أسرع يا بيرام! لنصل قبل الغروب.

وانتحى فريد بالسيارة في الجانب الأيمن من الطريق حتى لا تعطل المارة، وانتظروا وقتا غير قصير، ولكن بيرام لم يرجع فزفر فريد زفرة حارة وقال:

- لست أعلم، ما سبب هذا التباطؤ!

فقال السيد لطفي:

- أسرع إليه يا شفيق! واستحثه على العودة بسرعة.

فنزل شفيق وقصد المحل الذي دخله بيرام، ولكنه عاد مسرعا وهو يصيح!

- أنني لم أجده هناك. فاستولت الدهشة على الجميع، وتملكتهم الحيرة، وقالوا:

- وإن أين ذهب هذا اللعين؟ عد ثانية يا شفيق! وسل عنه صاحب المحل. فرجع شفيق، ولما رآه الرجل قال له:

ص: 51

- عمن تبحث يا سيدي؟

- أبحث عن القروي الذي دخل هذا المحل منذ قليل، فقال الرجل مبتسما:

- أظنك تبحث عن بيرام.

- نعم أبحث عنه، ولكن من أين لك معرفة هذا الرجل؟

- كيف لا أعرفه هو أكبر شيطان، وأذكى محتال أنجبته جبالنا. إنك لو علمت كيف لعب بكبار التجار، وأبتز أموالهم، لاستولى عليك العجب. إن الوقت لا يتسع لأقص عليك أعمال ذلك الداهية المغامر. ثم حانت من الرجل التفاته إلى السيارة في جانب الطريق، فاتسعت الابتسامة على شفتيه وقال:

- يلوح لي أنه قد أوقعكم في شباك حيله. وفي هذه اللحظة أنظم إليهما السيد لطفي، فقد أستبطأ شفيقا فجاء يستعجله، وقد سمع الرجل يقول لشفيق:

- إن هذا الشيطان يلج على التجار بيوتهم، في ساعات مبكرة، ويزعم لهم أنه أكتشف - مصادفة - آثار قديمة، وكنوزاً عظيمة، ويبتز نقودهم على حساب هذا الكشف. . .

جمد السيد لطفي في مكانه حينما سمع هذا الكلام، فقد انماعت الآمال التي بناها على أساس هذا الكنز في حرارة الحقيقة المؤلمة، لكنه لم يلبث أن انفجر ضاحكا حتى كادت أنفاسه تنقطع، فقد تذكر ما حدث منذ الصباح الباكر أمام منزل السيد عفت وفي داخله. ثم عاد مسرعا إلى رفاقه في السيارة، أكد لهم أن بيرام غير موجود، وأنه محتال كذاب، وأعاد عليهم ما سمعه من الرجل، فاصطبغ وجهاهما بحمرة الغضب وضاقت في عينيهما الدنيا، وامتلأ قلبهما بالحزن، وأخيراً لم يجدوا مناصاً من العودة إلى المنزل يجررون أثواب الخزي، وتركوا شفيقاً يواصل البحث في السوق عنه.

سمع السيد عفت صوت السيارة أمام المنزل فخرج مسرعاً فرأى السيد لطفي وفريداً ومحموداً ينزلون منها فسألهم في لهفة:

- لماذا عدتم؟ ماذا حدث؟ أين بقية الرفاق؟ فاستغرقوا جميعاً في الضحك وقالوا:

- لم يخطر لنا على بال أن قروياً ساذجاً، لم يذهب إلى المدرسة ولم يقرأ شيئاً عن المغامرات يستطيع أن يخدعنا إلى هذا الحد، ثم شرحوا للتاجر كل ما جدَّ بعد أن فارقوه. وكان كل واحد منهم يأخذ بنصيبه في الشرح والتفصيل ضاحكا. أما السيد عفت فلم يستطع

ص: 52

أن يتمالك نفسه وقال مغاضباً:

- يجب البحث عن هذا السافل حتى نقبض عليه، ونسلمه للشرطة، إنه أخذ مني نقوداً، وكذلك أخذ من فريد.

- وقال السيد لطفي:

- لقد أعطيته أمس جنيهاً ذهباً، وكذلك فعل شفيق، وإن النقود لم تكن لنا، فقد اقترضناها.

وقال فريد - موجهاً حديثه إلى والده: -

- أعتقد يا والدي أننا لن نستطيع أن نمد له يد السوء، فإننا نعجز أن نثبت ضده إدانة يؤاخذ عليها القانون، ويبدو لي أننا لم نكن أول من وقع في فخه، وأنه مثل هذا الدور مع كثيرين.

- فأجابه والده - وهو يكظم غيظه - بقوله:

- الواقع أنني لم أصادف في حياتي كلها قرويا له ذكاء كهذا الرجل، فقد أتقن حيلته، وحملنا على أن نؤمن أيمانا عميقاً بكل ما يقول، فقد كان بريق عينيه، ونبرات صوته، ينفذان إلى القلب فيمسحان عنه ما يكون قد علق به من شك.

وقال محمود:

- لقد عرف هذا الرجل كيف يلقى في روعنا جميعاً أن ما جاء به حقيقة لا يشوبها خيال. فعباراته كانت دائماً هادئة ورزينة، خالية من المبالغة والتنميق، وأن أجابته - في غير ارتباك - على ما وجهته إليه من الأسئلة جعلتني أشعر بالفرح يغمرني من منبت شعري إلى أخمص قدمي؛ فقد أيقنت أن الحظ أبتسم لنا، وأن الدنيا قد أقبلت علينا، وما خالجني شك أن هذا الرجل يستطيع أن يتفنن في الكذب إلى هذا الحد.

واضطر السيد عفت - مع ما يحس به من حزن يعتلج في قلبه - أن يجاري الشبان فيما هم فيه فطلب قهوة للجميع وعطف بهم إلى حجرة الطعام واستداروا حول المائدة وأخذ كل منهم يقص على الباقين ما كان قد اعتزمه من المشروعات على أساس هذا الكنز، فقال محمود لفريد مازحاً:

- وهكذا بقيت معاهدنا - يا فريد - فكرة حبيسة في نفوسنا لم تتنسم نسيم الحقيقة، ولم تأخذ مكانها اللائق بجلالها في عالم الوجود. ثم أردف بعد صمت لم يدم طويلا. والله يا

ص: 53

سادة! لقد كدت ليلة أمس - بعد أن طار عني النوم - أن أقوم إلى مكتبي فأحبر قصيدة عامرة في وصف ذلك المهد الذهبي الذي حرك بيرام في قلوبنا الشوق إلى رؤيته، ولكني - تحت تأثير الإعياء - فضلت الانتظار ريثما أراه ليكون الوصف أتم وأشمل.

أما السيد لطفي فقد أعتدل في جلسته وشرع يقول:

- تصوروا أنني قضيت ليلة أمس بين لذيذ الأحلام، ومعسول الأماني، وكان أول شيء فكرت فيه - استغلالا لهذا الكنز - أن أسترد - بأي ثمن كان - قصرنا الذي ألجأتنا الضرورة إلى بيعه - وهنا سالت على خديه عبرة لم يستطع ردها - واستمر يقول: ولم يكد ضوء النهار يشيع في الكون حتى أسرعت إلى هذا المكان وبي شوق كثير لرؤية القصر، ولقد مررت ببابه كثيراً، وناجيته أحرَّ مناجاة، وإنه ليدور بنفسي آنذاك أنه لن يمضي أكثر من يومين ثم نعود إليه، ونسعد مرة أخرى بسكناه، ونمرح في جنباته ونلبسه حللا من الفخامة ليتناسب مع عهده الجديد. . . كم رتبت من حفلات الابتهاج باستعادة مجدنا القديم، واسترداد عزنا الدابر. ثم التفت إلى محمود وقال: ولقد رآني محمود وقتئذ. فقال محمود:

- لعل ذلك حينما كنتُ خارجاً من هنا قاصداً إلى المدرسة قبل أن تقابل بيراما.

- نعم! وإني لم أكن أعلم أن بيراما سيحضر في هذا الوقت، فقد كنا على موعد معه بعد الظهر لنرحل إلى قريته سويا ويرشدنا إلى الكهف. وإنما الذي دفعني إلى الخروج في ذلك الوقت المبكر هو رغبتي في أن أرى قصرنا وأناجيه على ما سمعت، ثم صمت فصاح الجميع:

- أما أن بيراما لإبليس!

وفي هذه اللحظة وصل شفيق، وجعبته ملأى بشتى الأخبار وأخذ في سردها واحداً واحداً ثم ختم حديثه بقوله: فها أنتم أيها السادة - بعد أن سمعتم الكثير من أعمال هذا الرجل - ترون أننا لسنا أول ضحاياه، فقد سبقنا عدد ليس بقليل من سراة أشقوداره وكبار التجار فيها. فقال فريد:

- إنني لو رأيت بيراما بعد هذا فسأعانقه بحرارة وأقبل جبينه، اعترافا بفطنته وسرعة خاطره، وسأقول له: مرحى! مرحى! يا أذكى من أنجبته القرى!

ص: 54

وقال السيد عفت ضاحكا، محاولا أن يستر ما يحسه من ألم وغضب:

- من الرأي أن تكتمون ما حدث لنا عن الناس جميعاً، حتى لا يفطن إلى بيرام أحد، فيقع غيرنا في مثل ما وقعنا نحن فيه، فإننا سنشعر من غير شك عند ذلك بشيء من التعزية تخفف من مرارة الخيبة التي ذقناها من يد هذا الرجل ولسانه،. . . وقال محمود أخيراً:

- الحق يقال: أن بيراماً ليس من الرجال العاديين. فهو فذ بين اللصوص، محبوك الحيلة، إنه لا يسرق وإنما يبيع أحلاماً لذيذة جميلة، تنتقل بالإنسان إلى عالم ملئ بالآمال والسرور والسعادة. إن النقود التي استطاع أن يسلبها منكم لهي ثمن زهيد جداً لما أضفاه علينا من سعادة يعجز الوصف عنها. فقد أرجحنا جميعاً بهوادة ولطف شعرنا معهما بلذة ليس في مقدور الإنسان أن يأتي على وصفها - في مهده. . . الذهبي. . . الخيالي. . .

وهبي إسماعيل حقي وإبراهيم خير الله

ص: 55