الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 682
- بتاريخ: 29 - 07 - 1946
النقد عند العرب وأسباب ضعفهم فيه
- 2 -
فأنت ترى أن الموازنة التي قام بها الآمدي إنما كانت بين أبيات مفرده اختارها من مطالع أبي تمام في الوقوف على الديار ونحوه واختار ما يقابلها من مطالع البحتري، ثم علق على هذه الأبيات تعليقا موجزا لا يتصل بموضوع القصيدة ولا وحدتها ولا غرضها ولا سياقها، كأنها لم تكن عضوا في جسم ولا جزءا من كل ولذلك تفرغ من الكتاب وأنت لا تدري أي الشاعرين افضل. وهذا النحو الذي نحاه الآمدي في الموازنة والحكم هو الغالب على رجال الأدب في تلك العهود. فكثيرا ما تجدهم يقولون: فلان أو صف الشعراء للقوس، أو انعتهم للخيل، أو امدحهم للناس لأنه قال بيتا واحدا في وصف قوس أو نعت فرس أو مدح ملك ولم اقف على موازنة بين قطعتين كبيرتين من قصيدتين إلا في كتاب (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لضياء الدين نصر بن الأثير الجزري المتوفي سنة 637 فقد وازن بين قصيدتين في وصف الأسد للبحتري والمتنبي، وبين قصيدتين في الرثاء لأبي تمام والمتنبي، وإن لم تكن الموازنة تامة من كل وجه. . .
ومن الظواهر التي تسترعي نظر الباحث أن اللغويين والبيانيين قد اغفلوا نقد المنثور إلا ما اتصل بالقران الكريم والحديث الشريف. وقد ظهر اثر هذا الإغفال واضحا في كتاب نقد النثر المنسوب إلى قدامة بن جعفر فانه بكتب البيان والبديع أشبه. ولعله لو وجد ما يحتذي في هذا الباب من كلام الأدباء لما بان عجزه ووضح قصوره. وما ذكره ابن الأثير في كتاب المثل السائر إنما دار على الرسائل المسجوعة دون غيرها من أنواع النثر.
فما سبب قصور العرب عن النقد البياني، وما علة هذا النقص الذي استتبع نقصا مثله في تاريخ الأدب؟
سبب ذلك أن اسبق الأدباء إلى النقد هم اللغويون والنحاة. كانوا هم قضاة الشعر في أو اخر القرن الثاني وفي القرن الثالث، إليهم يحتكم الشعراء، وعنهم يأخذ الملوك والأمراء، حتى قال الخليل بن أحمد:(إنما انتم معشر الشعراء تبع لي، وأنا سكان السفينة أن قرظتكم ورضيت قولكم نفقتم وإلا كسدتم) وغرض هؤلاء اللغويين والنحاة من النظر في الشعر إنما كان جمع الشواهد على غريب الألفاظ وصحة القواعد، وتسجيل معاني الشعر ومن ابتكرها
ومن سرقها. فكلما كانت القصيدة احفل بالشواهد واجمع للغريب كانت اجود، وكلما كانت المعاني ارسخ في القدم وأصل في الابتكار كانت افضل. ومن ذلك كان اغلب النظر مقصورا على الأبيات المفردة الشاهدة على صحة الكلمة، أو سلامة القاعدة، دون نظر إلى علاقتها بالقصيدة. وكان الري مجمعا على تقديم الشعر الغريب على المانوس، وتفضيل الشاعر القديم على المحدث. وقد اغرقوا في أيثار الجاهلي على الإسلامي من غير ميزة إلا الأقدمية، حتى قال أبو عمروا بن العلاء:(لو أدرك الأخطر يوما واحدا من الجاهلية ما فضلت عليه أحدا). وكان شعراء القرن الثاني ينكرون ولا بد على أقطاب اللغة والأدب هذا التحكم ويسألونهم الأنصاف، فقد روى صاحب الأغاني أن حمادا الأرقط قال: لقينا ابن مناذر بمكة، فأنشدني قصيدته: كل حي لاقي الحمام فمود. . . ثم قال لي: أقرا أبا عبيده السلام وقل له: يقول لك ابن مناذر: اتق الله واحكم بين شعري وشعر عدي بن زيد، ولا تقل ذلك جاهلي وهذا إسلامي، وذاك قديم وهذا محدث، فتحكم بين العصرين، ولكن احكم بين الشعرين، ودع العصبية)!
وأخذ هذا الإنكار ينتشر ويشتد كلما ورفت ظلال الحضارة فصقلت الألسن وأرهفت الأذواق، حتى هب جماعه من بلغاء الكتاب في أوائل القرن الثالث ينقضون أحكام اللغويين والنحاة ويبنون الأحكام الأدبية على قواعد اقرب إلى التسوية والموضوعية؛ فقد قال الجاحظ المتوفى سنة 255:(طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبة، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم اظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب، ومحمد بن الزيات). وقال أيضا: (رأيت أناسا يبهرجون أشعارالمولدين ويستسقطون من رواها، ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير بجوهر ما يروى، ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان كان. وقال عبد القاهر في دلائل الأعجاز: (روى أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سأل البحتري عن مسلم وأبي نؤاس أيهما اشعر؟ فقال أبو نواس. فقال: أن أبا العباس ثعلبا لا يوافق على هذا فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في سلك طريق الشعر ومضايقه وانتهى إلى ضروراته)
ثم سلك أبن قتيبة المتوفى سنة 276هذا المسلك فقال في كتاب الشعراء: (ولم اسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر نختار اليه، سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقديمه، إلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل بين الفريقين وأعطيت كلا حظه ووفرت عليه حقه؛ فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله. ولم يقصر الله العلم بالشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل كل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره، فقد كان جرير والفرزدق والاخطل وأمثالهم يعدون محدثين؛ وكان عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته. ثم صار هؤلاء قدماء عندنا، كالخزيمي والعتابي والحسن بن هانئ وأشباههم. فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه وأثنينا عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله ولا حداثة سنه، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه)
واخذ مذهب التسوية بين القدامى والمحدثين يذيع على الأفواه ويروى في الكتب، حتى شاع الترف والسرف والظرف في حياة الناس فتفننوا في أساليب العيش، وتأنقوا في أفانين الكلام، واستحدث العراقيون ألوان البديع، واخذ البيانيون ينقبون عن أنواعه في عبقرية المولودين، كما كان اللغويون والنحاة ينقبون عن شواهد اللغة والنحو في كلام الجاهليين والمخضرمين، فبان شأوهم على المتقدمين في هذا المضمار، وأخذت سوقهم تنفق، وكفتهم ترجح، حتى ظهر في العلماء من يتعصب لهم ويتعزز بهم. واشهر هؤلاء ابن الأثير، فقد ناضل عنهم في مواضع متفرقة من كتابه المثل السائر، ومن ذلك قوله. (ولم اكن ممن اخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إبداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل. ولقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أو س، وأبي عبادة البحتري، وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الشعراء هم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهر على أيديهم حسناته ومستحسناته. وقد ضمت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء) وقال في موضع أخر: (أن في الشعراء المتأخرين من
فاق المتقدمين. والذي أداني إليه نظر الاجتهاد دون التقليد، أن جريرا والفرزدق والاخطل اشعر ممن تقدم من شعراء الجاهلية، وبينهم وبين أولئك فرق بعيد. وإذا استفتيت قلت أن أبا تمام والبحتري والمتنبي اشعر من الثلاثة المذكورين، وليس عندي أشعر منهم في الجاهلية ولا في الإسلام. . . وإذا انصف الناظر وترك التحامل ثم ترك التقليد عرف أن حرف الميم وحرف اللام من شعر أبي الطيب المتنبي قد ضمنا من الجيد النادر ما لم يتضمنه شعر أحد الفحول من شعراء العرب).
مما تقدم نستخلص أن علماء اللغة والنحو والبيان لم ينظروا إلى القصيدة باعتبارها كلا تتساوق أجزاؤه إلى غرض واحد، وإنما نظروا إلى ما تشتمل عليه أبياتها من غريب الكلم أو أصيل التراكيب أو محسنات اللفظ، وجعلوا ذلك سبب التفضيل وعلة الاختيار وأساس الحكم. وقل منهم من فطن إلى وحدة. القصيدة كالحصري القيرواني حين أشار إلى ذلك في زهر الآداب وروى عن الحاتمي قوله:(مثل القصيدة مثل الإنسانفي اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الأخر وباينه في صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه وتعفى معالمه. وقد وجدت حذاق المتقدمين وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذا الحال احتراسا يجنبهم شواهد النقصان، ويقف منهم على محجة الاحسان، حتى يقع الاتصال ويؤمن الانفصال وتأتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها، وانتظام نسيبها بمديحها، كالرسالة البليغة والخطبة الموجزة لا ينفصل جزء منها من جزء. وهذا مذهب اختص به المحدثون لتوقد خواطرهم ولطف أفكارهم، واعتمادها البديع وأفانينه في أشعارهم)؛ ولكنهم لم يبسطوا هذا الرأي ولم يطبقوا فيما عالجوه من النقد والموازنة.
(للكلام بقية)
أحمد حسن الزيات
من صميم الحياة:
قصة أب. . .!
للأستاذ علي الطنطاوي
(مهداة إلى أخي الأستاذ عبد المنعم خلاف الذي لا يزال يؤمن
بالإنسان. . .!)
(علي)
دخل علىَ امس، بعدما انصرف كتاب الحكمه، ولبست معطفي لأخرج، رجل كبير يسحب رجليه سحبا لا يستطيع أن يمشي من الضعف والكبر. فسلم، ووقف مستندا إلى المكتب وقال:
أني داخل على الله ثم عليك، أريد أن تسمع قصتي، وتحكم لي على من ظلمني.
قلت: تفضل، قل اسمع.
قال: على أن تأذن لي أن اقعد، فو الله لا أطيق الوقوف.
قلت: اقعد، وهل منعك أحد من أن تقعد؟ اقعد يا أخي، فإن الحكومة ما وضعت في دواوينها هذه الكراسي وهذه الأرائك الفخمة إلا ليستريح عليها أمثالك من المراجعين الذين لا يستطيعون الوقوف، ما وضعتها لتجعل من الديوان (قهوة) يؤمها (البطالون. . .) الفارغون، ليشتغل الموظف بحديثهم عن أصحاب المعاملات. . . ويضاحكهم ويساقيهم الشاي والمرطبات، والناس قيام ينتظرون لفتة أو نظرة من ال (بك)!
لا. لسنا نريدها (فارسيه) كسروية في المحكمة الشرعية، فاقعد مستريحا فانه كرسي الدولة، ليس كرسي أبي ولا جدي، وقل ما تريد. . .
قال: احب أن أقص القصة من أو لها، فأرجو أن يسعني صبرك، ولا يضيق بي صدرك، وأنا رجل لا احسن الكلام من أيام شبابي، فكيف بي ألان وقد بلغت هذه السن، ونزلت على المصائب، وركبتني الأمراض. . . ولكني أحسن الصدق ولا أقول إلا حقا. . .
كنت في شبابي رجلا مستورا أغدو من بيتي في حارة (كذا) على دكاني التي أبيع فيه الفجل والباذنجان والعنب، وما يكون من خضر الموسم وثمراته، فاربح قروشا معدودات
اشتري بها خبزي ولحمي، واخذ ما فضل عندي من الخضر فيطبخه (أهل البيت) ونأكله وننام حامدين ربنا على نعمائه، لا نحمل هما ولا نفكر في غد، ولا صلة لنا بالناس ولا بالحكومة، ولا نطالب أحدا بشيء ولا يطلب منا شيئا. ولم اكن متعلما ولا قعدت في المدرسة، ولكني كنت أعرف كيف اصلي فرضي، وأحسب دراهمي. . . ولقد عشت هذا العمر كله ولم أغش ولم أسرق ولم اربح إلا الربح الحلال، وما كان ينغص حياتي إلا انه ليس لي ولد، فجربنا الوسائل وسألنا القابلات ولم يكن في حارتنا طبيب ولم نحتج إليه. فقد كان لنا في طب (حسو العطار) وزهوراته وحشائشه ما يغنينا عن الطبيب والصيدلي. وإذا احتجنا إلى خلع ضرس فعندنا الحلاق، أما أمراض النساء فمرد أمرها إلى القابلة، ورحم الله أم عبد النافع قابلة الحارة، فقد لبثت أربعين سنة تولد الحاملات ولم تكن تقرأ ولا تكتب.
أقول إنا سألنا القابلات والعجائز فوصفن لنا الوصفات فاتخذناها، وقصدنا المشايخ فكتبوا لنا التمائم فعلقناها، فلم نستفد شيئا؛ فلم يبق إلا أن ننظر أو ل جمعة في رجب لنقصد (جامع الحنابلة)، فلما جاءت بعثت (أهل البيت) فقرعت حلقة الباب وطلبت حاجتها فنالت طلبها. . . وحملت. . .
وصرت أقوم عنها بالثقيل من أعمال المنزل لأريحها خشية أن تسقط حملها وأكرمها وادللها. وصرنا نعد الأيام والساعات حتى كانت ليلة المخاض فسهرت الليل كله ارقب الوليد، فلما أبتلج الفجر سمعت الضجة وقالت (أم عبد النافع): البشارة يا أبا إبراهيم! جاء الصبي.
ولم أكن أملك إلا ريالا مجيديا واحدا فدفعته إليها.
وقلبنا الصبي في فرش الدلال، أن ضحك ضحكت لنا الحياة، وان بكى تزلزلت لبكائه الدار، وان مرض اسودت أيامنا وتنغص عيشنا. وكلما نما إصبعا كان لنا عيد، وكلما نطق بكلمة جدت لنا فرحة، وصار أن طلب شيئا بذلنا في إجابة مطلبه الروح. . . وبلغ سن المدرسة، فقالت أمه أن الولد قد كبر فماذا نصنع به؟ قلت: أخذه إلى دكاني فيتسلى ويتعلم الصنعة.
قالت: أيكون خضريا؟
قلت: ولم لا؟ أيترفع عن مهنة أبيه؟
قالت: لا والله العظيم! لابد أن ندخله المدرسة مثل عصمه ابن جارنا سموحي بك. أريد أن يصير (مأمورا) في الحكومة فيلبس (البدلة) والطربوش مثل الأفندية. . .
وأصرت إصرارا عجيبا فسايرتها، وأدخلته المدرسة، وصرت أقطع عن فمي وأقدم له ثمن كتبه. فكان الأول في صفه، فاحبه معلموه وقدروه وقدموه. . .
ونجح في الامتحان، ونال الشهادة الابتدائية. فقلت لها: يا امرأة! لقد نال إبراهيم الشهادة، فحسبنا ذلك وحسبه وليدخل الدكان.
قالت يوه! ويلي على الدكان. أضيع مستقبله ودراسته؟! لابد من إدخاله المدرسة الثانوية.
قلت: يا امرأة، من علمك هذه الكلمات؟ ما مستقبله ودراسته؟ أيترفع عن مهنة أبيه وجده؟ قالت: أما سمعت جارتنا أم عصمة كيف تريد أن تحافظ على مستقبل ابنها ودراسته؟ قلت: يا امرأة. اتركي البكوات. . . نحن جماعة عوام مستورون بالبركة، فما لنا وتقليد من ليسوا أمثالنا؟
فولولت وصاحت: ودخل الولد الثانوية، وازدادت التكاليف فكنت أقدمها راضيا. . . ونال البكالوريا.
قلت: وهل بقى شيء؟
قال الولد: نعم يا بابا. أريد أن اذهب إلى أو ربا
قلت: أو ربا؟ وما أو ربا هذه؟!
قال: إلى باريز. . .
قلت: أعوذ بالله! تذهب إلى بلاد الكفار؟ والله العظيم أن هذا لا يكون!
وأصر وأصررت وناصرته امه، فلما رأتني لا ألين، باعت سواري عرسها وأقراطها، وذلك كل ما لها من حلي اتخذتها عدة على الدهر، ودفعت ثمنها إليه على الرغم مني!
وغضبت عليه وقاطعته مدة، فلم أرد على كتبه، ثم رق قلبي وأنت تعلم ما الوالد؟ وصرت أكاتبه واسأله عما يريد. . . فكان يطلب دائما. .
أرسل لي عشرين ليره. . . أرسل لي ثلاثين. . . فكنت أبقى أنا وأمه ليالي بطولها على الخبز القفار أرسل إليه ما يطلب!
وكان رفاقه يجيئون في الصيف وهو لا يجيء معهم، فادعوه فيعتذر بكثرة الدروس، وانه لا يحب أن يقطع وقته بالأسفار!
ثم ارتقى فصار يطلب مئة ليرة. . . وزاد به الأمر آخره مرة فطلب ثلاثمئة!
تصور يا سيدي ما ثلاثمئة ليره بالنسبة لخضري تجارته كلها لا يساوي ثمنها عشرين ليره، وربحه في اليوم دون الليرة الواحدة؟ ويا ليته كان يصل إليها في تلك الأيام التي رخصت فيها الأسعار، وقل العمل، وفشت البطالة، ثم انه إذا مرض أو اعتل علة، بات هو وزوجته على الطوى. . . فكتبت إليه بعجزي ونصحته إلا يحاول تقليد رفاقه، فإن أهلهم موسرون ونحن فقراء فكان جوابه برقية مستعجلة بطلب المال حالا!
وإنك تعجب يا سيدي إذا قلت لك أني لم أتلق برقية قبلها في عمري. فلما قرع موزع البريد الباب ودفعها إلى، واخذ إبهام يدي فطبع بها في دفتره، انخرطت كبدي من الخوف، وحسبتها دعوة من المحكمة، وتوسلت إليه وبكيت، فضحك الملعون مني وانصرف عني، وبتنا بشر ليلة ما ندري ما نصنع، ولا نعرف القراءة فنقرا ما في هذه الورقة الصفراء، حتى اصبح الله بالصباح ولم يغمض لنا جفن، وخرجت لصلاة الغداة فدفعتها لجارنا عبده أفندي فقراها واخبرني الخبر، ونصحني أن أرسل المبلغ، فلعل الولد في ورطه وهو محتاج إليه!
فبعت داري بنصف ثمنها، أتسمع يا سيدي؟ بعت الدار بمئتي ليره وهي كل ما املك في هذه الدنيا، واستدنت الباقي من مراب يهودي دلوني عليه بربا تسعة قروش عن كل ليره في الشهر، أي إن المئة تصير في أخر السنة وثمانية! وبعثت بذلك إليه وخبرته أني قد أفلست!
وانقطعت عني كتبه بعد ذلك ثلاث سنوات، ولم يجب على السيل من الرسائل التي بعثت بها إليه!!
ومر على سفره سبع سنين كوامل لم أر وجهه فيها، وبقيت بلا دار، ولا حقني المرابي بالدين، فعجزت عن قضائه، فأقام على الدعوى، وناصرته الحكومة علي لأنه ابرز أو راقا لم ادر ما هي فسألوني: أأنت وضعت بصمة إصبعك في هذه الأوراق؟
قلت: نعم. فحكموا على بان أعطيه ما يريد وإلا فالحبس. وحبست يا سيدي. نعم حبست
وبقيت (المرأة) وليس لها إلا الله، فاشتغلت غسالة للناس، وخادمه في البيوت، وشربت كأس الذل حتى الثمالة
ولما خرجت من السجن قال لي رجل من جيراننا: أرأيت ولدك؟ قلت: ولدي؟! بشرك الله بالخير. أين هو؟ قال: ألا تدري يا رجل أم أنت تتجاهل؟ هو موظف كبير في الحكومة ويسكن مع زوجته الفرنسية دارا فخمه في الحي الجديد.
وحملت نفسي وأخذت أمه وذهبنا اليه، وما لنا أمنية في العيش إلا أن نعانقه كما كنا نعانقه صغيرا، ونضمه إلى صدورنا ونشبع قلوبنا منه بعد هذا الغياب الطويل. فلما قرعنا الباب، فتحت الخادمة، فلما رأتنا اشمأزت من هيئتنا، وقالت: ماذا تريدون؟ قلنا: نريد إبراهيم. قالت: إن البك لا يقابل الغرباء في داره، اذهبا إلى الديوان. قلت: غرباء قليلة الأدب؟ أنا أبوه. وهذه أمه.
وسمع ضجتنا فخرج، وقال: ما هذا؟ وخرجت وراءه امرأة فرنسية جميلة
فلما رأته أمه بكت وقالت: إبراهيم حبيبي؟ ومدت يديها وهمت بإلقاء نفسها عليه، فتخلى عنها ونفض مامسته من ثوبه وقال لزوجته كلمة بالفرنساوي، سألنا بعد عن معناها فعلمنا إن معناها (مجانين)!
ودخل وأمر الخادم أن تطردنا. . . فطردتنا يا سيدي من دار ولدنا!
وما زلت اتبعه حتى علقت به مرة فهددني بالقتل إذا ذكرت لأحد أني أبوه وقال لي: ماذا تريد أيها الرجل؟ دراهم؟ أنا اعمل لك راتبا بشرط ألا تزورني ولا تقول انك أبي!!
ورفضت يا سيدي الراتب وعدت استجدي الناس، وعادت أمه تغسل وتخدم حتى عجزنا وأقعدنا الكبر والمرض فجئت أشكو إليك فماذا نصنع؟
فقلت للرجل: خبرني أو لا ما اسم ابنك هذا وما هي وظيفته؟ فنظر ألي عاتبا وقال: أتحب أن يقتلني؟!
قلت: أن الحكم لا يكون إلا بعد دعوى، والدعوى لا تكون إلا بذكر اسمه.
قال: أذن أشكو شكاتي لله.
وقام يجر رجله يائسا. . . حتى خرج ولم يعد!
علي الطنطاوي
شريعة الكمال والخلود.
. .
للأستاذ حسن أحمد الخطيب
(تتمة ما نشر في العدد الماضي)
بينا في مقالنا السابق كمال الشريعة الإسلامية وسعة مباحثها وعدالة احكامها، ونفينا عنها الشبهة الأولى التي وجهت إليها، وهي قصورها، وأثبتنا وفاءها بحاجات الأمم ومطلبها في كل عصر بما فيها من نصوص محكمة، وقواعد سامية، وأصول على وجه الدهر قائمة
وفي هذا المقال ننظر في الشبهة الثانية، وهي أن العقوبات التي قدرتها الشريعة في الحدود قاسية بل، أسرف بعض الغالين فقال: إنها وحشية لا تتفق مع روح المدينة: فقد حكمت برجم الزاني إذا كان محصنا، وبجلد غير المحصن مائة جلدة، وقضت بقطع يد السارق، وبجلد شارب الخمر والقاذف ثمانين جلدة.
ولدحض هذه الحجة وإزاحة تلك الشبهة تقول: إن جميع الشرائع والقوانين السماوية والوضعية ترمى في غايتها إلى المحافظة على الضرورات الخمس: النفس والعقل والمال والنسل والدين، إذ يترتب على التفريط فيها والاعتداء عليها التنازع والنظام وسفك الدماء وفقد الأمن في الأنفس والأموال والأعراض، وانتشار المفاسد والشرور
ولكن القوانين الوضعية - وبخاصة القوانين الأوربية - تجانفت عن المحجة، وحادت عن الجادة، وتنكبت الصراط السوي، فلم تستطع المحافظة عليها بما دابر يقطع الفساد، وذلك لأنها لم تحرم الزنا إلا في حالات معينة، وأباحته عند الرضا في أكثر الحالات محتجة بالمحافظة على الحرية الشخصية، فكانت عاقبة ذلك كثرة اللقطاء الذين حرموا تربية الأباء وشفقتهم، وانتشار الأمراض السرية التي تفتك بالصحة فتكا ذريعا، والأحجام عن الزواج الذي ترتب عليه بقاء كثير من النساء في حالة من المسكنة والبؤس والتعس والشقاء. وفي الحالة المعينة التي حرمت فيها الزنا لم تفرض إلا أيسر العقوبات، فظلت الحال على ما هي عليه من انتشار البغاء وتمكن الشر والفساد
أما الاحتجاج بالحرية الشخصية فمردود، فأن من القواعد المسلم بها إن للإنسان مطلق الحرية الشخصية إلا فيما يعود بالضرر على نفسه أو على غيره. وقد ثبت بالتجربة والمشاهدة أن الزنا ضار بالزانيين صحيا وادبيا، ثم يتعدى الضرر منهما إلى غيرها من
أسرتيهما، وهو تدنسهما بفضيحة الجناية على الاعراض، وهي عند من لم تمسخ طبائعهم لا تقل ضررا عن التعدي على الأنفس بالقتل، ولهذا ترى الإفراد في آلام حتى اليوم - خصوصا في الأمم الشرقية ومنها مصر - يحفزهم دافع الشرف إلى الانتقام لإعراضهم، وبذلك كثرت جرائم القتل من اجل الزنا.
كذلك باحت هذه القوانين الغربية تعاطي المسكرات بحجة الحرية الشخصية، وما دروا هذا الحرية قاتلة بشهادة الأطباء الذين قرروا ضررها وإيذاءها للجسم وتأثيرها في الكبد.
هذا إلى أضاعتها للمال في غير مصلحة ولا فائدة محققة، وجنايتها على العقل، وذلك شر عظيم قد يؤدي إلى مفسدة كبرى؛ فقد يقتل السكر، وقد يهجر زوجه وولده ويخرب بيته، وقد يجني حتى على عرضه. وليس أدل على ذلك مما قرناءه في الصحف أن رجلا مدمنا هجرته زوجه لذلك، فسطا في غيبة عقله وضياع رشده على عرض ابنته الصغيرة، ثم تعدى أيضاً على عرض ابنه الذي لم يتجاوز إحدى عشرة سنة.
هاتان جريمتان متأصلتان في نفوس البشر لأنهما صادرتان عن جبلة تزين للناس حب الشهوات. وقد رأيت انهما مصدران لكثير من الشرور والأثام والمفاسد التي تنخر عظام الأمم وتدع المجتمع سقيما بالأوصاب والعلل الاجتماعية، مهددا بالانحلال والفناء.
أفترى مع هذا إن عقوبة الحبس أو التغريم زاجرة أو رادعة أو متكافئة مع الآثار السيئة والعواقب الوبيلة التي أسلفنا ذكرها؟ لا شئ من ذلك يكون رادعا، أو يكون من شانه اجتناب هذه الجرائم فلم يبق إلا أن تكون العقوبة بدنية لأنها انفذ في النفس أثرا، واشد وقعا، وابلغ في زجر الجانين وردع غيرهم وأدنى إلى إصلاح النفوس وتطهير القلوب.
بقيت السرقة والقانون الأوربي يعاقب عليها كما تعاقب الشريعة الإسلامية، غير أن العقوبة في القانون الأول بغير القطع كالحبس وفي الشريعة الإسلامية بقطع اليد.
وحكم الشريعة أو لى بالاتباع وأحق بالمراعاة واجدر بالتقدير فإن السارق يأخذ خفية ويتعدى على صاحب المال في غفلته، فهو جبان في اعتدائه، نذل في خديعته، يستلب منه اعز شيء لديه بعد حياته وعرضه، وقد يرتكب جريمة القتل مع السرقة، بل كثيرا ما تقع هذه الجريمة كوسيلة يتذرع بها سرقته أو للفرار من تبعاتها، فيقتل من تفريق ولا تميز، حتى الطفل في مهاده، والشيخ الهرم في فراشه.
فإذا كانت عقوبة السارق. وهو يهدد المجتمع بأمضى الأسلحة وأخسها - هي الحبس، فهل ينزجر بها ويرتدع؟! وهل تؤثر فيمن تحدثهم أنفسهم بارتكاب هذه الجريمة؟، وهل يتحقق بذلك الأمن على النفوس والأموال؟! كلا، ولهذا نرى السرقات لا تقل ولا تنقطع، بل نراها تكثر في مضاعفة وازدياد لان العقوبة غير زاجرة، ومن ثم نرى اللصوص في هذا العصر الذي يزعم قادته أن قطع اليد لا يتفق مع روح المدينة - ينظمون أنفسهم، ويكونون عصائب قويه مسلحة كأنها حكومة داخل حكومة، لا يبالون الأموال ولا الارواح، كما نشاهد ذلك في الولايات المتحدة وغيرها.
ولو كانت العقوبة بدنية في مثل هذه الجرائم المهددة للأمن المثيرة للشر والفساد، القاضية على راحة المجتمع وطمأنينته لا نحسم الشر من رجسها - كما نشاهد أثار ذلك اليوم في البلاد الحجازية في عهد حكومتها السعودية، وقد كانت من قبل مساوية الأمن لا يطمئن فيها مقيم ولا ظاعن على نفسه ولا على ماله.
وقد جاء في تقرير بعثة الشرف المصرية الموفدة إلى الحجاز في سنة 1355 - الهجرية ما يؤيد ما ذهبنا إليه من أن تنفيذ حدود الله تعالى كفيل باستتباب الأمن وراحة البلاد، وقاطع لدابر الفساد، وان تنفيذ أحكام شريعته يفضى إلى خير العواقب، ويؤتى أطيب الثمرات - قالت البعثة في هذا التقرير:
(لا يفوتنا أن نذكر مع الإعجاب حالة الأمن في تلك البلاد - تعني بلاد الحجاز - فإن الأمن هناك مستتب موطد الأركان في كل مكان، وبخاصة في الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة والى عرفات والى المدينة المنورة، مع كثرة القبائل الضاربة في جوانبها، وقد كانت من قبل مصدرا للسلب والاعتداء على حجاج بيت الله، وفرض الضرائب غير المشروعة عليهم. ويرجع الفضل في ذلك كله إلى يقظة رجال الحكومة العربية السعودية وضربهم على أيدي العابثين بأشد العقوبات كقطع يد السارق، وقطع أيدي وأرجل قطاع الطريق من خلاف. ومما يدعو إلى تمام الرضا والإعجاب أن تنفيذ العقوبة مرة واحدة كاف غالبا في عدم تكرار وقوع الجريمة التي تستوجبها).
ذلك والشرع الإسلامي الحكيم لم يحدد العقوبات إلا في أمهات الجرائم وكبائر المعاصي، وهي التي يضطرب لها حبل الجماعات وتشقى بها الأمم، وهي في خمسة مواطن:
1 -
في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا، وهم قطاع الطريق.
2 -
والذين يقتلون النفس بغير حق
3 -
والذين يرمون المحصنات الغافلات
4 -
والزانية والزاني
5 -
والسارق والسارقة.
وما عدا ذلك من الجرائم لم يحدد العقوبات فيها، بل ترك للحكام وأهل الرأي من العلماء والمجتهدين أمرها ليلاحظوا ملابسات الجريمة وحالة المجرم، وما يناسب البيئة ويتفق مع أحوال الأمة في مختلف عصورها، وذلك ما أسلفنا شرحه في مبحث التعزيز.
وكان من حكمة الله - جل شأنه - ورحمته بالناس انه بين لهم العقوبات في المواطن الخمسة السابقة، إذ لو وكل إلى عقولهم استنباطها - وهي جد خطيرة - لذهب بهم الآراء كل مذهب ولعظم الاختلاف اشتد الخطب، فكفاهم ارحم الراحمين واحكم الحاكمين مئونة ذلك، وتولى بعلمه وحكمته ورحمته تقديرها، ورتب كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النكال
على انه لم يفت الشارع أن العقوبات في الحدود بدنية وان بعضها - لعظم الجرم - شديد كما في الزنا، وأن الخطأ إذا تبين بعد تنفيذها جسيم، ولذلك درء الحدود بالشبهات حتى صار قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي، والأصل في تقريرها ما أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة:(ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)، وروى عنه صلى الله عليه وسلم (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا):
بذلك البيان الذي ورد في هذا البحث يقتنع كل منصف بان البيان الذي ورد في الحدود قد دعت إليها الحكمة واقتضتها مصلحة الأفراد وسعادة الجماعات وسلامة الأمم، وبهذه الأحكام التي بينا لك وجوه المصلحة والنفع فيها تجلت لك أنها - دون سواها - هي التي تتقرر بها الآثام والمفاسد. وبذلك ثبت كمال هذه الشريعة وعدالة أحكامها، وأنها بما قامت عليه من أصول وقواعد، وبما تغذى به من الأحكام الاجتهادية - صالحة على الدوام لكل أمة في أي عصر، تفي بحاجتها ومطالبها وتساير ما يطرأ عليها من مختلف التطور والأحوال.
حسن أحمد الخطيب
تاريخ جحا.
. .
للأستاذ كامل كيلاني
1 -
خرافه وجحوان:
منذ خمسة عشر قرنا، تنقص بضعة عقود - اعني تنقص عشرات قليلة من السنين - ولد (خرافه) ذلك القاص العربي المخضرم البارع، الذي عاش في العصرين: الجاهلي والإسلامي. وقد عاصر (خرافة) - فيمن عاصر - جحوان الصحابي: جد (أبي الغصن عبد الله دجين بن ثابت) الملقب بجحا: شيخ الفكاهة الشرقية الباسمة الساحرة، ورمز الدعابة الفلسفية المرحة الساخرة.
وقد كان (خرافة) - فيما يقول عارفوه - طرافا وصافا، بارع المقال، رائع الخيال، يروي للناس عجائب من أخبار العفاريت والجن وطرائفهم وملحهم، ويقص عليهم من ذلكم غرائب معجبة يزعم لمعاصريه أنها حدثت له.
2 -
حديث خرافة:
كان (خرافة) فيما يقول المفضل الضبي في أمثاله - معاصرا للنبي، وقد حدثه ببعض أحاديثه فاعجب بها، كان يحدث الناس أحاديث طريفة شائقة، منها الحديث التالي:
خرج (خرافة) - ذات ليلة - فلقي ثلاثة من الجن فسبوه (أي: أسروه) فقال أحدهم: (نعفو عنه) وقال الثاني: (قتله) وقال الثالث: نستعبده (أي: نجعله عبدا لنا).)
فبينما هم يتشاورون - في أمره - إذ ورد عليهم رجل، فقال (السلام عليكم) فقالوا (وعليك السلام) قال (وما انتم؟) قالوا:(نفر (أي: جماعة) من الجن أسرنا هذا الرجل فنحن نأتمر في أمره)
فقال (إن حدثتكم حديثا عجيبا أتشركوني فيه؟ (قالوا: (نعم) قال:
(إني كنت ذا نعمة، فزالت وركبني دين، فخرجت هاربا، فأصابني عطش شديد، فسرت إلى بئر، فنزلت لأشرب، فصاح بي صائح من البئر، فخرجت منها ولم أشرب.
فغلبني العطش فعدت، فصاح بي، ثم الثالثة فشربت ولم التفت إليه فقال: اللهم إن كان رجلا فحوله امرأة، وان كان امرأة فحولها رجلا.)
فإذا أنا امرأة.
فأتيت مدينة فتزوجني رجل، فولدت منه ولدين، ثم عدت إلى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها، فصاح بي - كما صاح في الأول - فشربت ولم التفت إليه. فدعا - كالأول فعدت رجلا كما كنت.
ثم عدت إلى بلدي فتزوجت امرأة فولدت منها ولدين.
فلي اثنان من ظهري واثنان من بطني.
فقالوا له: (إن هذا لعجيب، أنت شريكنا.)
فبينما هم يتشاورون إذ ورد عليهم ثور يطير (أي: يسرع في سيره)، فلما جاوزهم، إذا رجل - بيد وهو يحفز في أثره (أي: يجري خلفه)، فوقف وسلم، فردوا عليه مثل ردهم على صاحبهم.
فقال: إن حدثتكم بحديث اعجب من هذا أتشركوني فيه؟)
قالوا: (نعم)
قال: (كان لي عم، وكان موسرا، وكانت له ابنة جميلة، وكنا سبعة إخوة. وكان لعمي عجل يربيه، فانفلت.
فقال: (أيكم يرده لي، فابنتي له.)
(فأخذت خشبتي هذه واتزرت ثم حفزت في أثره - وأنا غلام - فلا أنا ألحقه، ولا هو يكل.)
فقالوا: أن هذا لعجيب. فأنت شريكنا)
فبينما يتشاورون إذ ورد عليهم رجل على فرس أنثى، وخلفه غلام على فرس ذكر. فسلم - كما سلم صاحباه - فردوا عليه كردهم على صاحبيه. فسألهم فاخبروه الخبر.
فقال: إن حدثتكم بحديث اغرب من هذا أتشركونني فيه؟) فقالوا: (نعم) وهنا تحدثنا الأسطورة أن الرجل اخبرهم أن الفرس الأنثى هو أمة، وان الفرس الأخر هو عبد من الاشرار، وانهما ائتمرا به ليسحراه، فيصفوا لهما الجو.
ثم قال للفرس الأنثى التي تحته: (أكذلك؟)
فقالت - برأسها - (نعم).
وأشار إلى الفرس الذكر الذي تحت غلامه: (أهكذا)
فقال - برأسه -: (نعم)
قال: (فوجهت بغلامي هذا الراكب - ذات يوم - في بعض حاجاتي، فحسبته أمي عندها. فأغفى. فرأى في منامه كأنها صاحت صيحة، فإذا هي بجرذ قد خرج.
فقالت: (اسجد) فسجد
ثم قالت: (اكرب (أي: اقلب الأرض للحرث).) فكرب.
ثم قالت: (أدرس) فدرس.
ثم دعت برحى فطحنت قدح سويق - (والسويق كما تعلمون: هو الناعم من دقيق الحنطة والشعير). فأنت به الغلام، وقالت له ائت به مولاك فاتاني به.
فاحتلت عليها حتى سقيتهما القدح، فإذا هي فرس أنثى، وإذا هو ذكر قال (أكذلك)
قالت الفرس الأنثى - برأسها -: (نعم)
وقال الفرس الذكر - برأسه -: (نعم)
فقالوا: (إن هذا اعجب شيء سمعناه أنت شريكنا.) فاجمع رأيهم فاعتقوا (خرافة).
3 -
بعد موت خرافة:
وهكذا اصبح كل حديث طريف تسترعي الأسماع غرابته، وتبهج النفوس براعته، ينسب إلى (خرافة) حتى يومنا هذا، وأصبحت كلمة (خرافة) مرادفه لكل حديث خيالي لا حقيقة له. وكاد ينسى الناس (خرافة) علم على شخص بعينه، عرف الناس وعرفوه، والفهم وألفوه.
ثم مضى القرن الاول، ومضى معه (خرافة) ومعاصروه، وانطوى بانطوائه بارع حدث (أي: حسن الحديث)، لم تبق لنا - من روائعه المستفيضة - إلا سطور، كأنما بقيت على الدهر، وغالبت احداثه، لتشعرنا بمقدار ما منى به تاريخ القصص العربي من خسارة، بفقدان أمثال هذه الكنوز الفكرية التي لا تعوض.
4 -
جحا العربي:
ثم جاء القرن الثاني، ومعه هدية من أنفس الهدايا الفنية التي يعتز بها عالم الفكاهة والمرح،
فكان من مولوديه شيخ السخرية العربية، وأيام الفكاهة الشرقية:(أبو الغصن عبد الله دجين بن ثابت) الملقب بجحا.
وقد نشأ السيد جحا في (الكوفة) ورأى - فيمن رآه - من أفذاذ معاصريه (أبا مسلم الخراساني)
وكانت أم (جحا) تخدم أم سليم بنت ملحان: والدة مالك بن أنس راوية الحديث المعروف.
وقد لقي السيد جحا من التقدير والإعجاب في القرن الثاني من الهجرة مثل ما لقي سابقه (خرافة) من قبل. ولم يقل شأنه عن صاحبه: تقديرا واعجابا، ونباهة ذكر، وبعد صيت.
وأعجب الناس بأسلوبه السهل الممتع في فهم الحياة كما أعجبوا بما به من طرائف وملح.
وأشتد به إعجابهم فخلعوا كما خلعوا لقب سابقه (خرافة) من قبل - على كل عجيب من القول وطريف من الحديث.
وأصبح للقصص الجحوي خصائصه وميزاته، كما أصبح للقصص الخرافي من قبله - بدائعه وخيالاته.
5 -
الفن الجحوي:
وأشتد إعجاب بعض الناس به فأطلقه على ولده، وافتن آخرون فأضافوا إلى طرائفه كثيرا من مخترعاتهم وفنون مبتدعاتهم، وهكذا صنعوا بألف ليلة التي أضافوا إليها جمهرة من طرائفه كما أضافوا إليه جمهرة من قصصها، حتى تعذر التمييز بين الأصول الجحويه، والمحاكاة المروية. ولا سيما بعد أن اختلطت بفكاهات (أبي العيناء) و (الشعبي) و (أبي دلامة) و (أشعب) و (الغاضري) و (أبي العنبس) و (البهلول) و (الجماز) و (الحمدوني) ومن إليهم من أعلام الدعابة العربية، ثم زاد عليها المتزيدون جمهرة من فكاهات الحمقى والمغفلين والطفيليين من أمثال (هبنقة) و (فند) وطفيل وأضرابهم.
فتجمعت أشتاتهم في واحد
…
إلا يكنهم أمة فيكاد
وهكذا أسند الناس إلى جحا كل طريف من الملح وعجيب، فكاد يصبح - كما أصبح خرافة - علما على فن بعينه من فنون القول بعد أن كان علما على شخص بعينه من أفذاذ الناس.
6 -
جحا التركي:
فلما جاء القرن الثامن الهجري حمل معه - فيمن حمل - علما أخر من أعلام الفكاهة الشرقية وإماما من أئمة الدعابة التركية هو (الأستاذ نصر الدين)
ولد في إحدى بلاد الأناضول، وكانت (سيورى حيصار) مسقط رأسه. ومات في (آق شهر) ومعناها: البلد الأبيض.
وقد عاش في عهد السلطان (أورخان) وعمر - فيما يقولون - ستين عاما أو قريبا.
7 -
الباطشان:
ولقي (نصر الدين) - فيمن لقي - الباطش السفاح (تيمورلنك) كما لقي (أبو الغصن جحا) - في عصره - الباطش السفاح: (أبا مسلم الخرساني)
(وهكذا عاش كلاهما في عصر مضطرب، وعاصر كلاهما - فيمن عاصر - قائدا سفاكا، متعطشا للدماء، باطشا بالأقوياء والضعفاء.
8 -
الجحوان:
وذاع أمر الأستاذ (نصر الدين)، وراحت دعاباته، ولقي من الحظ مثلما لقي صاحباه:(خرافة) و (جحا) من قبل.
ولما كان لقب أستاذ بالتركية هو لفظ (خوجة) حوله النقلة إلى جحا لتقارب اللفظين وتشابه الرجلين، وقد كدنا نقول: تطابق الشخصيتين.
وما لبث الأستاذ (نصر الدين) أن استأثر - بعد موته - بلقب جحا وكاد يستأثر بكل طرائفه وملحه فلا يبقى له منها شيئا جل أو حقر.
وأعلنت بعض المجلات مكافأة لمن يبعث إليها بطريفة مروية عن الأستاذ (نصر الدين) أو (نصر الدين خوجة) أو جحا التركي. فراح الناس ينقبون ويغيرون على نفائس الملح حتى نسبوا إليه جمهرة من الطرائف العربية وغيرها، فلم ينج من غاراتهم: كتاب كليلة ودمنة في الشرق، ولا قصص (يوكاتشو) في الغرب.
ثم ما لبثت الأمم أن تنازعت كثيرا من القصص الجحوي نصا ومزيدا وناقصا ووافيا، وأمينا ومحرفا، ومبتدعا ومشوها، وأسندته كل أمة إلى جحاها.
كامل الكيلاني
القوة والحياة.
. .
للأستاذ محمد عاطف البرقوقي
قوة الفرد:
القوة مصدر من مصادر سعادة الإنسان، ومظهر من مظاهر العز والحياة، إن اكتسبها شخص زاد نشاطه وكثر إنتاجه، وصارت في يده سلاحا يشق به لنفسه سبل النجاح، وهو سبيل وايم الحق صعبة التمهيد، بعيدة المدى، يحتاج تمهيدها إلى جهد شاق متواصل، يعجز عن الاستمرار فيه الضعفاء، ويصل إلى نهايته الأقوياء. والشخص القوي تجده عريض المنكبين، بارز الصدر مفتول الذراعين، يترقرق في وجهه دم الصحة والفتوة، أقدر من غيره على تحمل المشاق، وأقوى من سواه في التغلب على الصعاب. وقد قيل بحق (الحياة جهاد، والبقاء فيها للأصلح)
فلا غرو إذا كانت القوة موضع التبجيل منذ أقدم العصور، وحديثا ينظم المباريات لنيل بطولة القوة، فهذا بطل في رفع الأثقال، وذاك بطل في العدو. ويكرم البطل لأنه عنوان الفخر لامته، ولا غرو فأن الأمة هي مجموعة أفرادها، فأن كان أفراد الأمة أقوياء بلغت الأمة ذروة المجد والفخار.
قوة الأمة:
والقوة أن اكتسبتها أمة أصبحت مهيبة الجانب، آمنة العواقب، لا يقدم على الاعتداء عليها معتد، ولا يغير عليها مغير، وقد قيل (الحق مع القوة) وهو المبدأ الذي يتسلط على عقلية الدول في الحروب، ويدفعها إلى الحركة والعدوان، ويحفزها للكر والفر والطيران، ويمنعها من الإحجام ويحرضها على الاقدام، فتنتظم الجيوش البرية، تقطع الفيافي والقفاز، وتتحرك الأساطيل البحرية، تطهر البحار والأنهار، وتطير الطائرات الجوية، تغير على المدن والأمصار، فتستعر الحرب ويشب ضرامها، ويشتد القتال وتندلع النيران ويمتد لهيبها، والغلبة عندئذ للأقوى، والنصر في النهاية لمن فاقت قوته، والهزيمة لمن انكسرت شوكته، وحتى في وقت السلم تنادي بعض الدول بنزع السلاح وتطالب بالعدالة والإنسانية والمساواة، وهي مبادئ إن عمل بها انتفت الشكايات وبطلت الحرب، ولكنها غرائز الإنسان
المبنية على الأثرة، والمؤسسة على حب النفس، والمطبوعة على الظلم حتى لقد قيل:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
…
ذا عفة فلعلة لا يظلم
ولذلك تلجأ بعض الدول إلى التسلح والتقوية وقت السلم، اعتقادا منها بأن (التسلح أفضى الحرب) وأن (القوي لا يحترم إلا القوي) فهي إن رغبت في القتال والعدوان، فإنما تتسلح وتتقوى حتى لا يطمع فيها ظالم، ولا تسول له نفسه الأثيمة الاعتداء عليها فسلامة الدول مبنية على قوتها، سواء أكانت في وقت السلم أم في وقت الحرب.
قوة الآلات:
وطموح الإنسان لا يقف عند حد، وقد وجد أن قوته العضلية لا تكفي للحصول على النجاح، فلجأ إلى العلم يستنبط منه مصادر جديده للقوة، وها هو ذا يستعمل الروافع والبكرات منذ عهد اليونان، ويبذل بها قوة صغيرة لتحريك أو رفع ثقل كبير، فأنه إذا استطاع رفع أي ثقل بقوته العضلية، فأنه يستطيع أن يرفع عشرات بل مئات بل آلافا مثلها بالروافع والبكرات والآلات، حتى لقد قال أرشميدس العالم الطبيعي الإغريقي مرة (أعطوني مكانا أقف فيه وأنا أحرك الدنيا)، وقد عرض علي مليكه هيرون ملك سرقوسة أساس الفكرة وجعله يحرك سفينة محملة ثقيلة بقوة صغيرة، سر منه الملك وقربه إليه.
ومنذ عهد أرشميدس والمخترعات تتقدم في مختلف النواحي، ومنها الناحية التي تزيد قوة الإنسان.
ففي البناية الحديثة تستعمل آلات لرفع الأثقال التي يعجز الإنسان عن رفعها بقوته، وهذه الآلة يسميها الناس (الونش)، ترفع كتلة ثقيلة جدا من الحديد وتتركها تهوي من عل إلى الأرض فتدكها دكا، وبتكرار هذه العملية يمكن أعداد الأساس المتين للبناء، وتستعمل هذه الآلة أيضاً لنقل الحجارة والأتربة من مكان إلى أخر وفي البواخر المعدة لحمل الأثقال والسيارات تستعمل هذه الآلة لرفع السيارات الثقيلة من الأرض، وتتحرك بها حتى تقف في المكان المعد في الباخرة لوضع السيارة فيه، وعندئذ نرى السيارة تتدلى حتى تستقر في مكانها المناسب، وكل هذا دون جهد كبير من الإنسان.
وهناك آلات أخرى اخترعها الإنسان على أساس علمي أخر، منها الجهاز المسمى بالمكبس المائي الذي يستعمل لكبس الاقطان، واستخراج الزيوت من البذور، وقد صنعت هذه الآلة
بعد ما ثبتت قاعدة انتقال الضغط في السوائل، وذلك في سنة 1653 حيث استنبطها العالم والأديب والفيلسوف الفرنسي (بليز باسكال)، واستغلها العلماء من بعده في صنع كثير من الآلات منها المكبس المائي، وهذا مثال من أمثلة عدة تدل على البحوث النظرية التي يمكن تطبيقها في نواح عملية في الحياة.
المصعد الكهربائي:
ومن الآلات أيضاً ما هو مبني على القوة الكهربية، منها المصعد الكهربي، فقد وجد الإنسان أن التعب يدركه عندما يصعد في سلم مرتفع، إذ انه يصعد مضادا لقوة جاذبية الأرض، وهي قوة يصل تأثيرها إلى القمر، ولكنه عقل الإنسان القوي الذي يتغلب بعلمه وتفكيره على كل صعوبة تعترضه إذ لجأ في هذه الحالة إلى عمل المصعد الكهربي، الذي يتحرك بالقوة الكهربية التي سخرها الإنسان لمنفعته، فصار الإنسان بفضل المصعد يصعد إلى أعلى الطبقات في العمارات المرتفعة وناطحات السحاب الشاهقة، كل هذا وهو جالس في مقعده دون مشقه أو تعب، وما عليه إلا إن يضغط على (الزر) الدال على رقم الطبقة التي يريدها، فيتحرك المصعد، ويقف عند تلك الطبقة، كأن له عقلا يدرك به، أو بصيرة نفاذه تهديه سواء السبيل، وبحركة خفيفة أخرى يؤمر المصعد بالنزول فيطيع، ولا يعصي أمرا مهما تكررت الأوامر والطلبات، ولا يبدي ملالا أو كلالا، ولو اشتغل آناء الليل وأطراف النهار، فهو أطوع بل واقدر من أي خادم أمين.
عصر الآلات:
وبالعلم أيضاً أصبح الإنسان يقطع أطول المسافات دون أن يلحقه تعب أو نصب، سواء أكان هذا السفر في الجو أم في البحر أم في البر، على متون الطائرات التي تشق عنان السماء، والبواخر التي تمخر عباب الماء، والسيارات والقطر التي تنهب الأرض نهبا، وبذلك سخر العقل البشري للإنسان آلات كثيرة في مختلف النواحي والأغراض، فهذه آلات مبنية على الروافع والبكرات وهي ما تسمى الآلات الميكانيكية، وتلك آلات مبنية على قوة البخار، وهي ما تسمى الآلات البخارية، وأخرى مبنية على قوة الكهرباء، وهي الآلات الكهربية المستعملة في رفع الأثقال والنقل والحركة والتدفئة والإضاءة وغيرها، وهناك
آلات مبنية لا على أساس واحد بل على أساسين أو أكثر، فمثلا قوة الريح وقوة الماء يمكن استخدامهما لتوليد الحركة أو لتوليد الكهرباء، ففي هولندا تستعمل الطواحين الهوائية، وفي الفيوم يستخدم سقوط الماء لتوليد الكهرباء للمدينة لشتى الأغراض، وهكذا نجد العلم قد سخر للإنسان قوى عظيمة لخدمته، وتنوعت الآلات في عصرنا حتى لقد بلغ بالعلم أن صنع آلات حاسبة وثانية كاتبة، وثالثة ناطقة، حقا أننا نعيش في عصر آلات.
(البقية في العدد القادم)
محمد عاطف البرقوقي
ناظر المدرسة التوفيقية.
البلاغة وعلم النفس
للأستاذ على العماري
لعل علوم البلاغة أقل علوم العربية نصيبا من جهود الباحثين المعاصرين، ولعلها كذلك أحوج هذه العلوم إلى التجديد والتهذيب ولكننا نستطيع أن نقول - في غير غض من عمل أحد -: إن الأبحاث التي طالعنا بها هذا العصر في العلوم دون ما كنا نأمل من علمائه الأعلام
ولقد شاع في رسائل المعاصرين النعي على علماء البلاغة، ورميهم بالجهل والتقصير أحيانا، وهذه طريق لا تؤدي إلى الغاية. ولو أنهم إذ هدموا بنوا لكان الأمل قويا في أن نظفر بشيء. ومن حق أسلافنا علينا أن نذود عنهم، وندفع ما يلحق بهم من ظلم وجحود.
قرأت رسالة صغيرة للأستاذ الشيخ (أمين الخولي) المدرس بجامعة فؤاد الأول عنوانها (البلاغة وعلم النفس). تحدث فيها عن صلة قديمة بين الأبحاث البلاغية ومظاهر النفس الإنسانية، ولكنه نعى على الأسلاف انهم لم يربطوا بينهما على أن علم النفس علم من العلوم (مع انه كان من معارفهم) ورأى أن هذا الربط في الدرس وفي غير الدرس ضروري، بل هو ضروري لفهم إعجاز القران وتفسيره حيث يقول (فالنظر الصائب إليه - يعني القران - والفهم الصحيح له، أو بعبارة أكثر صراحة تفسيره لا يقوم إلا على إدراك ما استخدمه من ظواهر نفسية، ونواميس روحية، فليس يصح أن تعلل عبارة من عباراته، أو يحتج للفظ في أية من آياته، أو يستشهد لأسلوب من أساليبه إلا بموقعه كله في النفس، وبما كشف العلم عن هذا الموقع، وما سير من أغواره فبالأمور النفسية لا غير (كذا) يعلل إيجازه وإطنابه، وتوكيده وإشارته، وإجماله وتفصيله، وتكراره واطالته، وتقسيمه وتفصيله، وترتيبه ومناسباته، وما قام من تعليل هذه الأشياء وغيرها (كذا أيضا) على ذلك الأصل فهو الدقيق المنضبط، وما جاوز ذلك فهو الادعاء والتمحل أو هو أشبه شيء به)
ونحن إذا طرحنا جانبا مناقضة الأستاذ لنفسه بين محاولته تعليل إعجاز القران، وبين إصراره على أن خير الآراء في الإعجاز هو رأي السكاكي وجملته أن الإعجاز لا يعلل. إذا طرحنا هذا وجدنا الأستاذ انساق وراء الفكرة التي سيطرت على قلمه، ولكننا مع ذلك
ننتظر حتى نرى مبلغ صدق هذا من الأبحاث التي وعد بها الكاتب وقد مر عليه دهر ولم يطالبنا بها وان كنا نجزم بأن دعواه أن كل تعليل لأسلوب القران لا يقوم على أساس نفسي ادعاء وتمحل نجزم بان هذه مبالغة لا تمت إلى الصواب بصلة.
ونترك هذه الدعاوى وأمثالها إلى حين يؤيدها بأمثاله لنرد على هذين المثالين الوحيدين اللذين اعتمد عليهما في رسالته، وادعى فيهما أن القدامى وقفوا عند تعليلات جافة ركيكة، ولم ينظروا فيهما إلى الأمر النفسي قط. وسنرى أن ما وصمهم به ليس صحيحا، وان ما ذكر أنه وصل إليه هو الذي ذكره علماؤنا الإجلاء قال: (نحن نقرأ مثلا في بيان ميزة الأسلوب المعروف عندهم باسم تأكيد المدح بما يشبه الذم قولهم: إن سبب ذلك أن هذا الأسلوب كدعوى الشيء ببينة، ويفسرون ذلك بأن القائل علق نقيض المدعى وهو إثبات شيء من العيب بالمحال، والمعلق بالمحال محال فعدم العيب محقق. كما نقرأ لهم وجها أخر لميزة هذا الأسلوب هو: أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال فذكر أداته قبل ذكر المستثنى منه يوهم إخراج شيء مما قبلها فإذا ما أو ليت الأداة صفة مدح وتحول الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع جاء التأكيد لما فيه من المدح والأشعار بأنه لم يجد صفة ذم يستثنيها
ولعل السر النفسي لذلك فيما يظهر هو ما في هذا الأسلوب من معنى المباغتة والمفاجأة التي تكسبه طرافة وتثير حوله تنبها)
والذي نلاحظه هنا أمور: -
(1)
أن التعليل الأول أحد تعليلات لهم ويمكن إرجاعه إلى أمر نفسي، بل هو في الحقيقة من أخص أمور النفس، فهو فكر مرتب، ومنطق محكم، وليس شيئا ما رده به من أنه يترتب عليه أن (عبارة التوثيقات المؤكدة ولغة الإشهادات المسهبة هي الفصحى وأظن أن الفرق بين الاثنين واضح، والمغلطة بينهما أو ضح.
(2)
أن المفاجأة التي تمدح بأنه وصل إليها إنما مأتاها انقطاع الاستثناء وذلك أن النفس حين تسمع أو ل الكلام تنتظر أن يجيء أخره أليفا لأوله ويستقر فيها اطمئنان لذلك فإذا انقطع الاستثناء فوجئت بما لا تتوقعه.
(3)
أنهم ذكروا لهذا علة نفسية؛ قال في المطول بعد أن ذكر التعليلين السابقين (مع ما فيه
من الخلابة وتأخيذ القلوب) وفي هذه الكلمة الأخيرة (تأخيذ للقلوب) كل الرد على الباحث الفاضل المجدد!!
أما المثال الثاني فحيث يقول (ومن ذلك مثلا أنا نسمعهم يقولون أطبق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الاستعارة أبلغ من التصريح بالتشبيه. . . الخ ثم لا يعللون شيئا من ذلك كله إلا بالفكرة السابقة من تأكيد المدح بما يشبه الذم من قولهم. أنه كدعوى الشيء ببينة). ولعلنا نقف طويلا متعجبين من جراءة أستاذ في الجامعة، ورئيس طائفة تدعى التجديد في علوم البلاغة، حين نعلم أن صاحب الصناعتين عقد فصلا للموازنة بين الحقيقة والمجاز ذكر فيه أكثر من أربعين مثلا وعلل لكل مثال بعلة، وليس تأكيد المدح بما يشبه الذم واحدا من هذه العلل، وأنه في أول الفصل علل تعليلا عاما بأمر نفسي فقال لا وفضل هذه الاستعارة وماشا كلها على الحقيقة أنها تفعل في النفس نفس السامع ما لا تفعل الحقيقة) فكيف يسوغ بعد هذا لأستاذ أمين في العلم أن يطرح هذا كله ليقول إن علماءنا لم يعرفوا تعليلا نفسيا واحدا؟ وهل يرى إن الباحث لا يكون بارعا معلاما إلا إذا ادعى أن الأوائل لم يتنبهوا لما وصل إليه؟
ولعلي أقضي على كل ادعاء إذا ذكرت كلمتين اثنتين تشهدان بأن علماء البلاغة لم يقتصروا على تعليلات ركيكة جافة، وإنما وصلوا في بعض الأحايين إلى اللباب المنتخب
(1)
كتب ناشر كتاب أسرار البلاغة في مقدمته قال: (ينبغي لقارئ هذا الكتاب وصنوه دلائل الإعجاز أن يتأمل حق التأمل ما انفرد به الإمام عبد القاهر من جعله علوم البلاغة
- البيان والمعاني والبديع - من قبيل العلوم الطبيعية كعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم الفلسفة العقلية - لا مجرد مواصفات واصطلاحات - فأنه يقيم الدلائل، ويسوق الحجج على كون البليغ من الكلام باشتماله على التشبه والتمثيل والمجاز العقلي أو اللغوي من قواعد البيان، أو بمراعاة نكت المعاني في التعريف والتنكير والحصر والتأكيد والفصل والوصل وغير ذلك إنما كان بليغا لأمور حقيقة في عقول الناس وشعورهم وتأثير الكلام في أنفسهم)
وهذا كلام صريح في أن علماءنا تنبهوا لهذا الذي أراد الأستاذ أن ينبهنا إليه، بل جعلوه أصلا تؤلف على ضوئه الكتب.
(2)
قال الشيخ عبد القاهر يعلل بأمر نفسي هذا الأمر الذي ادعى الأستاذ أنهم لم يذكروا له تعليلا نفسيا (وان أردت اعتبار ذلك - يعني تأثير التمثيل في النفس - في الفن الذي هو أكرم وأشرف (يقصد فن الوعظ) فقارن بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يتعظ يضر بنفسه من حيث ينفع غيره. وتقتصر عليه وبين أن تذكر المثل على ما جاء في الخبر من إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يعلم الخبر ولا يعمل به مثل السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه. . . الخ
(فأما القول في العلة والسبب، ولم كان للتمثيل هذا التأثير وبيان جهته ومأتاه وما الذي أو جبه واقتضاه فغيرها)
(وإذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابا وعللا كل منها يقتضي أن يضخم المعنى بالتمثيل ووينبل، ويشرف ويكرم، فأول ذلك وأظهره أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء أخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأنه العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا (ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كاليقين) فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس أعنى الأنس من جهة الاستحكام والقوة. وضرب أخر وهو ما يوجبه تقدم الألف كما قيل ما الحب إلا للحبيب الأول.
ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس أو لا من طريق الحواس والطباع، ثم من جهة النظر والروية، فهو أذن أمس بها رحما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم لها صحبة، وأكد عندها حرمة، وإذا نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع وعلى حد الضرورة فأنت كمن يتوسل إليها للغريب بالحميم، وللجديد الصحبة بالحبيب القديم، فأنت أذن مع الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله كمن يخبر عن شيء من وراءه حجاب ثم يكشف عنه الحجاب ويقال: هاهو ذا فأبصره تجده على ما وصفت)
وبعد فنحن لا يكفينا من معاصرينا أن يثلبوا الأقدمين وينوهوا بقصورهم وتقصيرهم،
ولكننا نريد أن يخرجوا لنا قواعد جديدة على الوضع الذي يريدون؛ وحينئذ نقول أنهم استدركوا على سابقيهم وأفادوا علوم البلاغة، أما أن نسمع ونقرأ أن البلاغة معقدة، وأن النحو قاصر، وأنه كان يجب أن يدرك الأقدمون صلة البلاغة بعلم النفس، وصلتها بالفلسفة ثم نسمع ولا نقرأ غير هذا فلا. وما أحسن قول الشاعر:
تقولون أخطأنا فهاتوا صوابكم
…
وكونوا بناة قبل أن تهدموا الصرحا
علي العماري
المدرس بمعهد القاهرة
الأدب في سير أعلامه:
ملتن. . .
(القيثارة الخالدة التي غنت أروع أناشيد الجمال والحرية والخيال. . .)
للأستاذ محمود الخفيف
- 21 -
الزواج والصدمة الأولى:
ونشر ملتن في مارس سنة 1645 كتيبا أخر بعنوان (تتراكوردون)، وفيه تعرض للفقرات الأربع الشهيرة المتصلة بالطلاق في الإنجيل، وراح يفسراها أو يؤلها حسبما يذهب إليه من رأي في الطلاق، وقد تعسف في ذلك ولقي عسرا شديدا، ففي نفسه من الآراء ما يخالف كثيرا مما ذهب إليه مفسرو الإنجيل الأقدمون ومن أخذ أخذهم من المحدثين، وهو في الوقت نفسه يريد أن يستند إلى الإنجيل ويتخذ منه سلاحه.
ويجمع هذا الكتيب كما يجمع سالفه (قانون الطلاق ونظامه بين العبارات المنطقية الجافة العسيرة، وبين الفقرات العاطفية البليغة التي يصل فيها ملتن إلى ذروة الجمال الفني في النثر حتى ليجعل التي ناقدا فذا مثل مكولي يقرر أنه يصل من البلاغة في كثير من نثره هذا إلى ما لا يتقاصر عن مستوى شعره في أعلى نسق آه. والحق أنه ملك ناصية البيان، إذ عاد يصور في هذا الكتيب حال الزوجين منيا بالفشل في زواجهما. تجد ذلك في مثل هذا القول: (انهما يعيشان كما لو كانا ميتين، أو كما لو كان بينهما عداء قاتل، وهما بعد في قفص معا)؛ وفي مثل قوله: (أن العقل الذي لا يوافق عقولنا أبدا، والذي هو دائما على نقيض ما نذهب اليه، انما يسلمنا إلى حالة هي أسوا من العزلة في اشد وحشتها) وفي عبارة كهذه: (هذا الحارس المخيف القائم على الباب لا يلبث وقد جر الرجال واعقل من في الرجال، وانتظمهم بخداعه القاهر في سلك الزواج الفاشل، أن يغلق أبواب الجب عليهم، فلا رجعة منه كما لا رجعة من القبر). وفي مثل هذه الفقرة إذ يقول: (تعلق بزوجة، ولكن على أن تكون زوجة، لا أن تكون عدما أو عدوا أو هاجرة تعتزلك، أيمكن أن يبلغ قانون من البعد عن العقل كأن يدعوك لتتعلق بالكارثة والدمار والفناء؟)
وكما عرض ملتن طائفة من آرائه الفلسفية في كتيبه السابق، نراه يعرض هنا كثيرا من تلك الآراء، وبعضها تكرار لما سلف والبعض جديد، ومن إهمال رأيه في المرأة، وفي فكرة الزواج الأولى كما أرادها الله، وفي مبلغ قدرة القانون على منع الإثم، وفي نصوص الكتاب المقدس كمرجع يتقيد الباحث به.
أما عن المرأة فقد كان البيوريتانز كما كان أتباع كلفن في أو ربا يرون فيها مخلوقا دون الرجل كل شيء، وأن الرجل هو سبب ما خلق الله من خلق، وما خلقت المرأة إلا معينا له، فهو أنبل منها وأكرم؛ وكانت منزلة المرأة سامية في عهد الفروسية، إذ كان من أشهر ما يتحلى به الفرس احترام المرأة والأخذ بيدها وإفساح مكان الصدارة لها في كل اجتماع، ومخاطبتها بألقاب التبجيل، وإظهار كل ما يشعرها بالعزلة ورفعة الشأن، وكانت تقاس من لباقة الفارس وفروسيته بقدر ما من النجاح في هذا كله؛ ولكن البيوريتانز كرهوا الفروسية، لأنها في رأيهم من صنع البابوية ومن مخلفات الكاثوليكية، وكرهوا كل ما كان منها بسبب، ومن ذلك مكانة المرأة في تقاليدها، ولم يقتصر ما كان بين أصحاب الرؤوس المستديرة وبين الفرسان من خلاف على عداء الأولين للملك، وولاء الآخرين له، وتنابذ الفريقين لما يتصل بالدين من سبب، وإنما كان الخلاف كذلك شديدا بسبب نظرة كل منهم إلى الحياة الاجتماعية، وعلى الأخص مركز المرأة، فقد ظل الفرسان الكاثوليك على ولائهم للمرأة والسمو بمكانتها، بينما عمل البيوريتانز على العودة بها إلى ما قبل عهد الفروسية، والنظر إليها كمخلوقة تخضع للرجل وليس لها إلا أن تعينه فيما يقوم عليه من شؤون الأسرة، وأن توفر له أسباب الراحة، وتكون له متعة، وله دونها الرأي والقوامة. . .
وحار ملتن بين المذهبين، وتنازع عقله ووجدانه، فلئن كان بيوريتاني المذهب يكره الكاثوليكية والقساوسة كرها شديدا، فهو كذلك الشاعر الحر النظرة الواسع الأفق، الذي عشقت روحه الحياة في ربيع العصر الالزابيثي، أو هو أخر الأليزابيثيين كما أحب أن يسميه بعض النقاد، وما يستطيع أن ينظر إلى المرأة تلك النظرة الجافة المعبرة عن التزمت وضيق الأفق!
وهدته حيرته ببعد طول النظر إلى أن يوافق بين منطق عقله ومنزع وجدانه، فجعل للرجل المكان الأول في الأسرة والمجتمع، ووضع المرأة في موضع دون موضعه، ولكنه لم
يقصر وظيفة المرأة على عونه والعمل على راحته، وإنما جعل العلاقة بينهما علاقة مشاركة عقلية وروحية قوامها المشاركة بين العاطفتين مما يوثق أواصر المودة ويمكن أسباب السعادة بين الزوجين، ولقد جعل مثل هذه العلاقة كما رأينا أساس الزواج، وإلا كان الطلاق أمرا مقضيا. . .
ويرى ملتن أن الغرض الأول من الزواج حاجة الرجل إلى صلته بالمرأة صلة جسدية وعقلية وخلقية، فما يبلغا كمال إنسانيتهما إلا بهذه الصلة، وما يتم إحداهما إلا بالأخر، وما يكتمل بأس الزوجين إلا متصلين، ولن يزال الرجل في عزلة موحشة مهما يحط به من الناس حتى يتزوج.
ويرجع إلى آدم فيفسر وصف الله سبحانه إياه بالوحدة في الإنجيل بحاجة إلى المرأة، أو إلى الزوجة على الأصح، يقول في ذلك:(يراد بقول الله (وحده) هنا أنه وحده بغير امرأة، وإلا فإن (أدم) كان يحظى بجوار الله ذاته، وكان يحيط به من الملائكة رهط يكلمهم ويكلمونه، والخلائق جميعا تبهج نفسه بما تجد وما تلهو، والله قادر على أن يخلق له مما خلقه منه ألف صاحب، وألف أدم له اخوة يصحبونه، ومع ذلك كله دعاء الله حتى وهبه حواء وحيدا)
وإذا كان الرجل لا يستغني عن المرأة، ولا المرأة عن الرجل، فلا رباط بينهما إلا الحب، أي لا زواج إلا على أساس المحبة والمودة:(فالحب في ناحية إن لم يجد ما يشاركه في الناحية الأخرى، ووجد نفسه يذهب أدراج الرياح، إذ أنه لا محالة ذاهب في مثل تلك الحالة، قد تبقى بعده الصلة الجسدية، ولكنها لن تكون صلة مقدسة ولا طاهرة ولا مشاكل لرباط الزواج، إذ هي في خير حالاتها بعد ذلك لن تعدو أن تكون عملا حيوانيا بحتا، بل إنها أرذل في الحق وأحط مما يرى من ترفق أخرس بين قطعان الدواب والأغنام الإنسانية، وليس للجسم في ذلك أثر يذكر)
ويرى ملتن أن الفسق والشهوة الحيوانية إلى فقدان الحب والتعاطف وقصر العلاقة بين الرجل والمرأة على الجسد ونزعاته، فإذا كانت العلاقة ببن روحية قوامها الحب، فلا فجور ولا فسوق في الحب؛ ولذلك فالمثل الأعلى عنده لحياة الزوجين هو في تلك الأيام التي عاشها أدم وحواء قبل هبوطهما من الجنة، فقد توشجت روحاهما وجسدهما، فلا محل لاثم
ولا داعي لطلاق، فانه متى وجد الحب فلا مكان لشهوة، كما أنه إذا سيطرت الحكمة، فلا داعي لقانون. . .
ويتشكك ملتن في مقدرة القانون على أن يمنع الشر منعا تاما، فما لم يسد العقل فلا فائدة ترجى من القانون، وإنما يضيق القانون نطاق الشر نوعا ما ويخفف ضراوته.
وتعظم جرأة ملتن إذ يتعرض للكتاب المقدس، والى أي مدى يؤخذ بأحكامه فعنده أنه يجب ألا نأخذ بحرفية ما جاء فيه، لأنه كثيرا ما حسب مقتضيات الظروف والأزمان، وتطرق إلى نصوصه الفساد؛ وكان لا بد أن يذهب ملتن هذا المذهب، وإلا فكيف كان يتخلص من قول كهذا ينسبه الإنجيل للمسيح:(أن يقطع الصلة بينه وبين زوجته لسبب غير الخيانة ثم يتزوج غيرها، فإنما يقترف خطيئة الزنا)
ويختتم ملتن كتيبه خاتمة هذا شاكية صاخبة، فقد ساءه لقاء أهل عصره إياه، وعلى الأخص البرسبتيرينز، وهم من البيوريتانز الذين طالما وصل حبالهم بحباله، وعلق في الإصلاح عليهم كثيرا من أماله. . .
ونشر ملتن في نفس الشهر الذي نشر فيه كتيبه السالف كتيبا أخر سماه (كولاستيريون) وقد جعله للهجوم، أو الأصح لمدافعة تهجم بمثله، واتخذ شعاره فيه قوله:(أحب الأحمق بما يشاكل حماقته، وإلا صدق أنه فيما يتخيل من خيال)
وعاد ملتن إلى سهامه، وإنها ليريشها الحنق واليأس من عقلية مخالفيه، فرمى أحدهم بأنه من غير المتعلمين، وأنه أقل من أن يعرف الإغريقية أو العبرية، وأنه خنزير لم يقرأ شيئا من الفلسفة، وأنه جاء بآرائه عن الغاية من الزواج من حظيرة خنازير، وأنه أحمق ما جن يحاول أن يحملنا على الضحك بلغوه، وأنه حمار بلغ أقصى حماريته، فما يبالي بشيء. . . إلى غير مما لا يقل عنه سوءا أو هجرا. . .!
ولم يخرج ملتن من وراء صيحاته هذه بطائل، فلا أجابه البرلمان إلى ما طلب، ولا تركه البرسبتيرينز يدعو دعوته دون أن ينعتوه ويحرجوه من زمرتهم، وهكذا بقي موضوع طلاقه مارى بوول رغبة فحسب، لم تجد سندا من قانون ولا عرف؛ ولقد هدد ملتن بالخروج على القانون في كتيبه (تتراكوردون) بقوله:(إذا لم يتح أي القانون ما أريد، فعلى القانون - كما يقضى العقل - أن يتحمل لي وزر ما يترتب على رفضه من عواقب!)
وكان ملتن يتردد على سيدة تدعى (مرجريت لي)، وكان يجد بين يديها مثل ما كان يتوق إليه من حديث عذب ومن ذكاء ولباقة لم تعرف زوجه شيئا منها، ولكنها كانت متزوجة، وكان زوجها هو (كابتن هوبسون) أحد أصدقائه من أنصار البرلمان، فهل حاول ملتن أن ينشئ علاقة روحية قوامها المحبة والمودة بينه وبين هذه المرأة؟ ولكن ما غايته من مثل هذه العلاقة وهو لا يستطيع بالضرورة أن يتزوجها طالما أنها زوج لغيره؟ لقد ظلت صلته بهذه السيدة مبهمة الغرض، ولقد اختصها بمقطوعة من تلك المقطوعات الشعرية التي كان ينظمها الفينة بعد الفينة، والتي كانت على قلتها وصغرها قصاراه يومئذ من الشعر؛ وجعل عنوان هذه المقطوعة وهي الخامسة بين مقطوعاته والثانية منذ هجر الشعر (إلى السيدة مرجريت لي)؛ وليس فيها ما ينم عن شيء في علاقته بهذه السيدة، وإنما اقتصر الشاعر على امتداح أبيها والثناء على صفاتها، ذاكرا أن ما عرف عن أبيها من الشرف والنزاهة والإباء ورثته ابنته، فهو واضح جلي في خلقها!
ويتحدث ابن أخته فلبس فيما ذكر من أبناء حياته أنه تحبب إلى سيدة أخرى، ورغب في أن يتزوجها، متحديا بذلك القانون - كما توعد من قبل ويقول (فيلبس) إنها كانت في أول شبابها، فكانت رائعة الجمال، حلوة الحديث، على قدر من الذكاء عظيم؛ ولكنها لم تجرؤ أن تتحدى الناس كما حاول ملتن أن يصنع، وما كانت لتقبل أن تضع نفسها حيث لا تكون زوجة لا في عرف الناس ولا في قانون الكنيسة، وإنما في شرع ملتن وحده؛ ولعل هذه السيدة كما يظن المؤرخون هي موضوع مقطوعته الرابعة التي جعل عنوانها (إلى السيدة صغيرة فضلى)، وقد أثنى فيها على طهر هذه العذراء وعفتها ونبل شمائلها ورجاحة عقلها، وليس يعرف عن هذه العذراء وقد كان يطلق إذ ذاك لقب السيدة على العذراء، إلا إنها كانت ابنة شخص يدعى الدكتور ديفز، كما أنه لم يعلم عن علاقة ملتن بها أكثر مما ذكره ابن أخته!
على أن صلته بالسيدة مرجريت لي وصلته بهذه المجهولة الاسم قد انقطعت كلتاهما بإذعان ماري على غير توقع من أحد وقبولها العودة إلى زوجها!
وتمت عودة ماري على صورة أشبه بالقصة، ولكنا قبل أن نأتي بهذه القصة على سردها نحب أن نتبين سبب عودتها، وقد غابت عن زوجها منذ هجرته نحو عامين!
وماذا عسى أن يكون ذلك السبب؟ أهو كما يقرر ابن أخته قلق أهلها وقلقها مما نما إليهم من نبأ اعتزامه. الزواج بغيرها؟ أم هو أفول نجم الملك بعد هزيمة جيشه في معركة نسبي سنة 1645 على يد المستقلين من أنصار كرمول مما يهيئ لرجل مثل ملتن نفوذا وجاها بحيث تطلب الحماية عنده؟ أم يرجع ذلك إلى عسر أل بوول وقد أشرف على العدم مالهم؟ ذلك كله كان خليقا أن يجنح بأهل ماري إلى طلب الصلح!
ولم يعدم آل بوول أصدقاء يوطئون السبيل لهذا الصلح، ولا عدم ملتن كذلك أصحابا أسفوا لما آل إليه حاله أخذتهم به رأفة شديدة!
وكانت ثمة قصة طريفة، فقد أحضر بعض الصحاب من الجانبين ماري إلى منزل لأحدهم تعود ملتن أن يغشاه، وخبئوها في حجرة حتى قدم فدخل حجرة مجاورة، ولم يلبث إلا قليلا حتى دخلت عليه زوجته فألقت نفسها على قدميه باكية تسأله الصفح والمغفرة، وهو لا يكاد يصدق عينيه من الدهشة ولا يدري من فرط حيرته ماذا يقول. . .!
وتوسلت إليه ماري متهمة أمها بما حدث، ملقية كل تبعة عليها، وكانت تتكلم كما لو تكلمت طفلة تبرئ نفسها مما نسب اليها، والدموع تتساتل من عينيها على خديها قد ألهبتهما حمرة الخجل، وفي جسدها كله رجفة شديدة رق لها قلب الشاعر؛ ولبث برهة ينظر إلى زوجته تستغفره وتتوب إليه في ضراعة ومسكنة، كما لو كانت تكفر عن خطيئة، وفي وجهها سذاجة لا أثر للتكلف فيها، فهي لم تزل من عمرها بعد في التاسعة عشرة. . .
وأبت عليه أريحيته إلا أن يصفح عنها وعن أهلها، فما تميل نفس كنفسه إلى التشفي من قوم حطهم الدهر من عل، وأذلتهم الأيام بعد عزة كما تأبى على الفارس فروسيته أن يضرب خصما له هوى أو كبابه فرسه؛ ولم يقتصر على الصفح كرمه ونبل عاطفته، بل لقد أوى أل بوول في بيته جميعا ومن بينهم أم زوجته التي ألقت بنتها على كاهلها كل تبعة؛ وأسدى إليهم بذلك صنيعا لا ينسى، فقد سقطت فورست هلي في يد أنصار البرلمان، وطورد أنصار الملك ومنهم أل بوول فضلا عما حاق بهؤلاء من فاقة شديدة. . .!
ولم يكن صفحة دليلا على نبله فحسب، بل إن فيه شاهدا كذلك على شجاعته الأدبية، فقد كان خليقا أن يسخر منه الناس بعد أن أذاع فيهم من آرائه ما أذاع، وبعد أن ادعى إنقاذ البشر جميعا بما كتب، وبعد أن اتبعه فريق من المعجبين به المتحمسين له، ولكنه وقد تعود
ألا يبالي بشيء في سبيل ما يؤمن أنه الحق صفح عن زوجته غير عابئ بما أن يقول الناس!
ولقد ترك لقاء زوجته إياه على هذه الصورة أثرا عميقا في نفسه، فلا تكاد تقع عين القارئ على المنظر آلاتي من مناظر (الفردوس المفقود)، وقد كتبه ملتن بعد ذلك بعشرين عاما، حتى يمسي قوة الشبه بين الصورتين. قال ملتن يصف لقاء بين أدم وحواء:(وجاءت حواء ودموعها لا تني تتساقط، وشعرها تشعث كله، فألقت نفسها متضرعة على قدميه واحتضنتهما سائلة إياه الصلح؛ وظل هيكلها الساجي لا حراك به، حتى أحدث أثره في نفس أدم ذلك الصلح ولده الاعتراف والندم؛ وسرعان ما رق قلبه لها، إذ ألفى بهجة حياته التي لا بهجة له بعد طول الوحدة غيرها عند قدميه في حزنها مذعنة خاضعة)!
واستأجر ملتن منزلا كبيرا غير الذي كان يعيش فيه، يتسع لمن لا يزال يعلم من تلاميذه ولزوجته وأسرتها؛ وقنع الشاعر بحظه، وعاشر زوجه، لا كما طالما تاقت نفسه إليه من مثل، ولكن كما شاء له القدر؛ وفي يوليو 1646 صارت ماري أما وصار ملتن أبا. .!
(يتبع)
الحفيف
مشروع مكافحة الأمية على ضوء علم الاجتماع
للأستاذ فؤاد عوض واصف
في العدد 586 من (الرسالة) الغراء كتب الدكتور محمد مندور مقالا تحت عنوان (مكافحة الشكلية)، أراد فيه أن يرد على بحث لنا في مشروع مكافحة الأمية درسناه من وجهة النظر العلمية البحتة، ونشرته جريدة المقطم في العدد 17254 ولم أشأ يومها أن أتولى الرد بنفسي على ما كتب الدكتور مندور مكتفيا في ذلك بما كتبه زملاء أفاضل، هذا فضلا عن حرصي الشديد على أن لا يخرج الموضوع من مجاله العلمي إلى المجال السياسي. ولئن كان مشروع مكافحة الأمية كما وضعته وزارة الشئون الاجتماعية، قد حظي بموافقة الغالبية الكبرى من الكتاب، فإن معارضتنا له لم تخرج عن كونها دراسة علمية منزهة للمشروع، كما ذكرت جريدة الجورنال ديجيبت في عددها الصادر بتأريخ 17 سبتمبر سنة 1944 بعنوان (مكافحة الامية، هل تأتي بثمارها؟).
ولقد طلب إلى الكثيرون، وقد توليت بمفردي معارضة مشروع مكافحة الأمية بصورته الحالية، أن أعود إلى الكتابة في هذا الموضوع الخطير، ولا سيما وأن الاهتمام به ألان كبير.
يتلخص ما ذهبت إليه في بحثي، في هذا السؤال (هل التعليم سبيل إلى الحضارة، أم أن الحضارة سبيل إلى التعليم؟).
هل المدرسة هي التي تتقدم بالمجتمع وتلبسه ثوب الحضارة الحديثة، أم أن المدرسة ظاهرة من ظواهر الحضارة، ووسيلة مبتدعة من وسائلها تتأصل بواسطتها جذورها وتمتد فروعها؟
إن دراسة التاريخ، وهو معمل علم الاجتماع، تدلنا على أن المدرسة في تاريخ الحضارات تأتي متأخرة بعد أن تكون الأذهان قد تهيأت لها، وبعد أن تكون الشعوب قد نالت من المدنية حظا؛ لم تكن المدرسة في يوم من الأيام وسيلة من وسائل التطور الحضاري في شعب متأخر، ولم يكن قبس العلم في عصر من العصور نورا هاديا لشعب لم ينل حظا من الحضارة والمدنية. وهذه فرنسا أم المدنيات كما يقال في العصر الحديث، هل كان مونتسكيو وفولتير جان جاك روسو هم الذين خلقوا الثورة الفرنسية - ثورة الحضارة
الحديثة - بتعاليمهم ومبادئهم؟. إن هذه التعاليم والمبادئ لم تكن في الواقع إلا تفسيرا لمعان كامنة في الشعب الفرنسي الثائر. لم تكن الثورة الفرنسية لتولد ولا كان للتعاليم الحديثة من يرجع صداها، إذا لم يكن الشعب الفرنسي قد تنبه بعد إلى معاني الحق وارتقى وعيه الجمعي.
ولكن لماذا نذهب بعيدا، وأمامنا التاريخ المصري الحافل؟ عندما أراد ساكن الجنان محمد على أن ينشئ المدارس ويعد المتعلمين، هل تراه قد صادف في عصره نجاحا ملحوظا، وهو الذي ابتدع في وسائل الترغيب للتعليم ما ابتدع، فكان يدفع للتلميذ راتبا شهريا ويتكفل بكل نفقاته؟. . . لقد كان هرب التلاميذ من المدرسة هروب الرجال من الجندية. وأما ألان وقد بلغ الوعي الجمعي في المدنية المصرية ما بلغ فإن الشكوى لترتفع طالبة زيادة المدارس، فلا تفرض المدرسة فرضا (وإنما ترجى رجاء)
وذلك هو الوضع الحقيقي للمشكلة. ليست المدرسة هي التي تتقدم بالمجتمع وإنما المدرسة ظاهرة من ظواهر المجتمع المتقدم
وما هو المجتمع المتقدم؟. . . انه ذلك المجتمع الذي يهيئ بنفسه وسائل نموه الحضاري، هو ذلك المجتمع الذي إذا فتحت فيه مدرسة لم تكن فرضا عليه بل تكون تحقيقا لرغباته وطلباته، وإذا نودي فيه بالإصلاح، لم يكن نداء أجوف بلا صدى، بل يكون فيه المنادى لسان من ينادى. . .
وليس الفلاح المصري أميا لأنه محروم من مدرسة ومن مدرسين، أو لأنه يعوزه القانون الشديد ليخرجه من حيز الجهالة، بل هو أمي لأنه لم يبلغ بعد في حضارته الدرجة التي يكون فيها عقله مهيأ لقبول العلم. واليوم الذي يبلغ فيه الفلاح المصري هذه الدرجة لن يعوزه قانون يمهد أو سلطة تهدد، بل يندفع إلى طلب العلم من تلقاء نفسه.
أما والفلاح المصري لم يكون فيها عقله مهيأ للعلم بدليل إخفاق التعليم الإلزامي الإخفاق الذريع على رغم ما يكلفه من مئات الألوف من الجنيهات، فإن القانون سيخفق والمدرسة ستغلق وتلك الأماني العراض لن تتحقق.
إن الأمية في الفلاح المصري ظاهرة طبيعية تتحول مع التحول الطبيعي للفلاح، وتظهر أو تنمحي تبعا لما يبلغه الفلاح من الارتقاء في سلم الحضارة. وليس في الإمكان أن يقضى
قانون وضعي على قانون طبيعي. وليس في الإمكان أن يقضى قانون مكافحة الأمية الوضعي على قانون الأمية الطبيعي الملازم لحالة الفلاح الحضارية.
إن رسالتنا هي أن نبلغ بفلاحنا ذروة الرقي، وأن نجعل بين القرية والمدينة تكاملا من حيث درجة الحضارة، ولن يكون هذا بفتح المدارس وأعداد المدرسين بل بالاتجاه إلى الفلاح نفسه، فأن المدرسة ظاهرة من ظواهر ارتقائه فحسب.
علينا أن نبذر بذور الحضارة في الفلاح المصري، بأن نجعل من قوانين نموه الطبيعية. إن للمجتمعات في نموها قوانين ليس في طاقة الفرد أن يثيرها، وإنما في طاقته أن يتدبرها ويجعل من مراحلها، فهي أشبه شيء بقوانين نمو الافراد، ليس في طاقة أحد أن يثب بالطفل إلى مرحلة الرجولة دون أن يمر بأدواره الطبيعية. والذين ظنوا أن في قدرة الفرد أن يخلق ويبدع في المجتمع مخطئون، فإن دور الفرد أو دور المصلح في الحياة الاجتماعية دور ثانوي لا يعدو أن يكون تدبرا وتوجيها.
كل ما نملك إذا هو أن ندرس الفلاح وأن نتدبر قوانين نموه ثم ندفع إلى الأمام في طريقه الطبيعي.
والواقع أن الفلاح المصري يتقدم ببطء، إذا قارناه بأمثاله في هم أوربا وذلك يرجع إلى عاملين:
1 -
العامل الاقتصادي.
2 -
العامل التكويني.
والواقع أن العامل الاقتصادي في رأينا نتيجة للعامل التكويني، لأننا نميل إلى القول بأن الحياة الاقتصادية من خلق الإنسان، وليس كما يقول كارل مارك أن الإنسان من خلق الحياة الاقتصادية في تطوره الحضاري.
لقد اصطلح علماء الاجتماع على تقسيم عقليات المجتمعات إلى نوعين: النوع الأول يعرف بالعقلية السحرية، والنوع الثاني يعرف بالعقلية الوضعية؛ والنوع الأول من العقليات سمة الشعوب المتأخرة، والنوع الثاني سمة الشعوب المتحضرة. ولابد لكل مجتمع من أن يمر أولا بالمرحلة السحرية وأدوارها، ثم ينتهي إلى المرحلة الوضعية.
أما المرحلة السحرية في المجتمعات فتتميز بتفشي المعتقدات الشعبية وعدم التميز الواضح
بين سبب ومسبب حتى تكاد الظواهر كلها تختلط وتنسب إلى قوى غامضة ومجهولة. والارتباط المنطقي يكاد أن يكون معدوما في عقول الناس في هذه المرحلة، فالمرض يرجع إلى قوة غامضة قد تكون الزار في أغلب الأحايين وما إلى ذلك مما يدل على تفكك الرابطة المنطقية في العقول، أما المرحلة الوضعية فعكس ذلك تماما. . .
وواضح من هذا أن الفلاح المصري لا يزال في المرحلة السحرية، وعلينا إذا أردنا له تقدما أن نعجل مرحلة الانتقال من الحالة السحرية إلى الحالة الوضعية.
ذلك هو العامل التكويني، فعلينا إذا أن نعمل على أن يبلغ فلاحنا المرحلة الوضعية بكل ما أوتينا من مجهود، فذلك هو السبيل المنشود. . .
ودراسة التأريخ تدلنا على أنه حينما وجدت الآلة انبثقت الحضارة، ذلك لان للآلة أثرها في عقلية من يمارسها، أنها تطبع العقل بالطابع الوضعي، طابع القانون الذي يربط بين سبب ومسبب. . . فالآلة تدور، ولكنها تدور وفق نظام متماسك لا يلبس أن يتكيف به عقل من يمارسها ومن هنا لا تكون رسالة الآلة رسالة إنتاج بقدر ما هي رسالة عقليات وحضارات. تدور الآلة فلا يلبث التفكير المفلك أن يتماسك، ذلك لان من طبيعة الإنسان أن يدرك بالفكر ما يعمل باليد والآلة تقتضي نظاما وقانونا يلمسه عامل الآلة باليد ويشاهده بالعين فلا يلبث طويلا حتى يدركه بالفك، ويصبح القانون والنظام من طبيعة تفكيره؛ لقد سبق الإنسان العامل الإنسان المفكر في أدوار التاريخ كلها، وما الصيغ والرموز التي يصطنعها الفكر في الواقع إلا تجريدات لوقائع ملموسة باليد ومشاهدة بالعين.
نحن إذا ننشد العقلية الوضعية كخطوة أولى من خطوات الإصلاح، وليس من سبيل إلى تحقيق هذا غير الآلة. ولسنا نعني بذلك أوضاع الصناعات الضخمة والآلات العظيمة مما قد لا يتيسر لنا ألن، وإنما نعني من الآلة صغرت أو كبرت كمعنى النظام والترابط والقانون. وان في قدرة الصناعات الزراعية البسيطة تحقيق ما نرجوه، وهذه الدانمارك، تلك البلاد الصغيرة لقد حققت حضارة عظيمة تعد من أرقى الحضارات الأوربية على أساس هذه الصناعات الزراعية البسيطة.
كأن مشروع مكافحة الأمية مصيره الإخفاق لان الأرض لم تعد ولم تعبد بعد. وإنما السبيل إلى تحقيق هذا المشروع هو إيجاد العقلية الوضعية، عقلية الحضارة والمدنية التي تلتمس
سبل التقدم في مجال العلم.
والذي يدلنا دلالة قاطعة على أن الصناعات تهيئ لعقل الجمعي لطلب العلم والاستزادة منه ذلك الإحصاء الذي يدلنا على أنه في سنة 1500 م لم يكن من 10 % من شعوب أوربا الغربية حاصلين على قدر من الثقافة. وفي سنة 1700 م ارتفعت النسبة قليلا حتى إذا جاءت سنة 1800 م، وظهرت المنتجات الصناعية في أوربا بلغت نسبة المتعلمين نحو 75 %؛ أي أنه في أقل من قرن واحد ارتفعت النسبة بمقدار 65 %.
وبمقابلة بعض البلدان الصناعية بغير الصناعية يتضح مقام نصيب الصناعة في تهيئة الشعب لقبول التعليم نتيجة للعقلية الوضعية.
ففي كل من المملكة المتحدة (بريطانيا) وألمانيا واليابان لا يوجد غير 1 % لا يعرفون القراءة والكتابة. وفي أمريكا 6 % وفرنسا 8 % وبلجيكا 9 % وجميعها من البلدان الصناعية.
أما في البلدان التي لم تتقدم فيها الصناعة فالأمر يختلف عن ذلك. ففي أسبانيا 54 % وفي الهند 90 % الخ.
من كل ما تقدم نستطيع أن نستخلص ما يلي:
1 -
أن الحضارة تولد قبل أن يولد التعليم وما التعليم في الواقع إلا أداة للحضارة تستغلها لاطراد نموها وسموها.
2 -
من أكبر العوامل التي تلد الحضارة نشر الصناعة وظهور المنتجات الصناعية لما يستتبع ذلك من تكييف عقلية الشعب بالقالب الوضعي الحضاري.
3 -
الظواهر الاجتماعية وفيها ظاهرة الأمية لا يمكن القضاء عليها بقانون لان لها مراحلها الخاصة وعواملها الخاصة.
ليس إذا لب المشكلة في أمية الفلاح، وإنما في حالة الفلاح العقلية ونصيبها من قبول العلم.
فؤاد عوض واصف
ليسانسيه في علوم الفلسفية
القمر.
. .!
للأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي
قلبان في نورك الهيمان يا قمرُ
…
هاما، وبينهما الأشواق تستعرُ
يسترجعان الليالي بعد ما غبرتْ
…
وقد تولى الندامى، وانطوى السمر
وهوَّم الصمت إلا خفْق أجنحةٍ
…
من الشعاع هي الأطياف والذكَر
وعُطِّلَ النْايُ بعد الصدح واحتبست
…
فيه الأغاني. . . فلا شادٍ ولا وتر
وأغْفَتِ الطيرُ في أعشاشها، وصحَا
…
من حولها نسمٌ يندى به الزهَر
وأرهفت الليل للقلبين مِسْمَعَه
…
قلبٌ قريرٌ، وقلبٌ كاد ينفطر
يشكو الجراح لعل النور يٌبرئها
…
فلن يُضَمِّدها إلاَّك يا قمر
قلبي الذي بات يصْلَي منكَ جمرته
…
وقد حبتْهُ بلذع دونَه سقر
قلبي فراشتك الحمقاءُ قد جهلتْ
…
بأنها في سناك الحلو تنتحر
ترودُ في نورك الرَّقراق مصرعها
…
والحبُّ أقتلُ ما يرمى به القدر
قلبي تُخادِعه أنوارُك انبثقتْ
…
ذكرى تعود مع الماضي وتنحدر
يسرى مع النُّور سَبْحاً في جداوله
…
حتى يكفكف من أضوائِكَ السُّحَر
صدْيانُ والنور يُروِى فيه غُلَّته
…
فليس ينقعها نبع ولا نهر
هّيمان. . . والنورُ في واديك يا قمُر
…
فحقق الحلم لا يُبقي ولا يذر
وقُصَّ من سور النجوى ملاحمها
…
لعل تجدي لديها هذه السَّور
أقضي اللياليَ أنات مُردَّدةً
…
والشاهدان علىَّ النجم والسهر
علَّ الأماني التي ولت براجعةٍ
…
مع الربيع فيزهو روْضي النضر
وأصطفى مجلس في العشب أعمرُه
…
وقد تقادَم فيه العهدُ والأثر
أقتاتُ زهر الربيع البكر مؤتلقاً
…
بالنور حتى يكاد النور يُعتصر
أُسقاه خمراً صَفَتْ في كرمِها وزهتْ
…
دُرَّيَةَ الكأسِ يخشى لمحها البصر
يا طالما بتُّ أحسوها فإن فرغت
…
كأسي ففي عينها خمرٌ هي الحوَر
يا ليلة النور في السفح الظليل هنا
…
هل ترجعين بما قد كنتُ أدخر
وما ادخرت سوى لقيا ضننت بها
…
هنا، وكاد يحن الرمل والحجر
فإن سمحتِ بها نِلْنا أمانينا
…
فليس ثَمَّ سواها منكِ ننتظر
فلسطين!
للأستاذ كمال النجمي
علت صيحة كالعد دوّى هزيمُها
…
تحامي صداها واتقاهُ غريمُها
أُلَّمت بأسماع الطغاة فزُلزلت
…
وخزَّ قلوبَ المؤمنِين أليمها
هفت من فلسطينٍ إلينا فنبهت
…
نياماً قلاها كهفُها ورقيمها
وسالت لها منا حُقود قديمة
…
على الغاصبِ الباغي يحبش كظيمها
لقد جحد الباغي فلسطينَ حقَّها
…
وأسرف في جور عليها ظلومها
لها الله من مهضومة غِيلَ أمنها
…
وحال عذاباً خفضُها ونعيمها
تقاعس عنها حين ضِيمَتْ وليُّها
…
وأسلمها لحادثات حميمها
وكان لها في العُرب لولا جمودهم
…
حسام إذا ما اهتز ريعَ خصيمها
بني يعرب تدعو فهلا أجبتمُ
…
سلبية حق أثخنتها كلومها
أبوتكم ترنو لكم من قبورها
…
وتدعوكُم أنجادها وقرومها
همُ جاهدوا في الله حتى توطدت
…
ديارهُم أَمْناً وقرت تخومها
مضوا في الدنا شرقاً فأسلم فَرسُها
…
وساروا بها غرباً فسلم رومها
لهم ذكريات يعبق المسك إن سرت
…
ويذهبُ بالألباب سكراً شميمها
فسيروا على هَدْى الجدود فانهم
…
سمواتُ حقِّ لا تغيب نجومها
دعتكم فلسطين وقد ضاق سجنها
…
وزاد أساها قيدها وشكيمها
وحلت بها من وعد بلفور ظلمة
…
من الليلُ يُعمي المبصرين بهيمها
مرابعها الفيح الضواحك أصبحت
…
يهيج الشجونَ الكامنات وجومها
حدائقها نهب الذبول زهورها
…
وأشجارها نهب الرياح هشيمها
تبكّي الغصونَ الذاوياتِ طيورُها
…
ويرثى الورودَ العاطراتِ نسيمُها
فأضحت وقد كانت مناظر جنة
…
تهيج دموعَ الأوفياء رسومها
بني يعرب حان التأهب فاشحذوا
…
عزائمكم حتى يصحَّ سقيمها
وكونوا كما كان الألى أنجبوكُم
…
نفوساً كباراً واسعاتٍ همومها
إذا اتسع الهم العظيم حملته
…
وقمن به تضيق جسومها
فلسطينُ بابُ البيت روّع أمنها
…
وديس وأنتم تنظرون حريمها
فلا توجلوا من موتة ليس بعدها
…
سوى جنة فيحاء طاب نعيمها
ولا تطلبوا بالقول حقاً مضيعاً
…
فبالسيف يسمو للعلي من يرومها
لقد سفرت إنكلترا وحليفها
…
بأوجه مَيْنٍ كالجليد أديمها
وخلفَهمُ الشذّاذ من كل بقعة
…
نفت لؤمهم استراح كريمها
سنقسو ذيادا عن حقوق بلادنا
…
وننشدها حتى يُرَدَّ هضيمها
ليعلمَ جزارُ الشعوب بأننا
…
صراغمُ غاب لا تلذ لحومها
لغات الكتابة.
. .
عظمتها في رصانتها ووقعها الموسيقي
للأستاذ نصيف سركيس
ترهف الآذان لكل صوت شجي، وتنجذب العواطف شطر النغم الموسيقي، وتخضع القلوب مأسور ولألحان الجرس التوقيعي.
وهكذا الطبيعة في جمالها ورونقها، في صخبها وسكوتها. في عبوسها وضحكها، في إشراقها وحلكتها، في تغيراتها البديعة المفاجئة إنما تبعث في النفس الحب والهيام وتشع في الروح الفتوة والكمال.
الطبيعة برعدها القاصف ما هي إلا خطر يهلع له قلوب البعض وتقشعر له أبدان الآخرين.
والطبيعة في تغاريد طيورها وحفيف أشجارها ما هي إلا وحي عطوف يستمد الشاعر منها إلهامه، ويعب الكاتب منها لخيلائه ويراعه.
فإذا كان الكاتب ملهما، وله من الحواس النشطة ما يحمل إلى خبايا اللب من الداخل صورة لطيفة وطابع جميل فهو يعيش في نعماء هذه الحياة يعبر إذا ما كتب عما يخالج نفسه، ويجول في فؤاده من تلك المناظر الطبيعية الخلابة، وأما إذا كان لا يعبأ بما يحوط به من أجواء ولا يحاول أن يستلهم من الطبيعة مادة لقلمه فهو جاف الشعور فاتر الإحساس مبتور القول والخيال.
فالطبيعة تنشد الموسيقى، وأنغامها تهتز لها الأجواء وتترنح لها دوحات الأشجار وترقص لها الطيور. والإنسان بفطرته تستهويه هذه الأنغام، وتملك عليه ناصية رشده، وزمام عواطفه فإذا قرأ رسالة منسقة، منسجمة في مقاطعها ونبراتها، تاه في خيلائها، وأخذ ينشط في تلاوتها وحذقها. وقد لا يهدأ روعه وتخمد ثورة جشعه في بعض الأحايين إلا إذا أعاد قراءة هذا المقال مرة ومرتين. فإذا ما بلغ قصده من قراءاته إلا متكررة يكون عقله الباطن قد اصطفى ما راق لذوقه وعذب لنفسه. فلا يشعر بعد ذلك وهو في خلوته وكتاباته إلا مكررا لبعض ما استساغه، وقويت ذاكرته على استخلاصه.
كل ذلك وهو في نشوة من الفرح والارتياح، وكل ذلك وهو على يقين بأن قبس ذلك النور الذي أشرق على خيلائه وذاكرته إنما هو راجع إلى ذلك الأسلوب الموسيقي العذب.
فللاتساق والجرس وقع في النفس عظيم، وللجرس في توقيعه وأنغامه ما يجذب لب القارئ ويستهويه. وإذا الاولى، والتي نعمل أساسها في إيثار كاتب على أخر.
هذا ويدلنا علم النفس على أننا نذكر دائما كل حسن وجميل وأنه يعلق بذاكرتنا كل نغم لطيف بخلاف الأقوال المبتذلة التي تلوكها الألسنة بين حين وحين، فانه كثيرا ما يعاف القارئ تلاوتها وتأنف النفس توفير أسباب النشاط لاستيعابها وصونها. فإن غلب على القارئ الامر، وأجبر على النظر إلى مقال من هذا الطراز إنما يخرج منه وقد ألفى نفسه يرغي ويزيد لما لحقه من النكد وسوء الطالع لتصديع النفس بقراءة كلمات مرصوصة نابية، لا تنم حسن ذوق أو فصاحة بيان
هذا ولا يحتاج الكاتب إلى استهداء العبارات السلسة ذات الجرس الموسيقي واستندائها فهي تأتي مع السليقة والمران، تأتي مع القراءة لفحول الكتاب ونوابغ الشعراء، وهي بهذا تأتي محمولة على الطبع غير متكلفة.
وهذا ولا شك يعد أعلى درجات الكلام. فإذا تهيأ للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فانه يكون قد ملك رقاب الكلم يستعبد كرائمها ويستولد عقائمها.
والألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر. فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل الأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق ولطافة، وما مثال الكاتب الذي لا يشعر بوقع أنغام العبارات الشجية في أعماق قلبه وبجرسها الموسيقي في صميم فؤاده إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد شوهاء الخلق ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة، وبين صورة فتاة هيفاء فاتنة الجمال ذات وجه مشرب بالحمرة، وخد أسيل وطرف كحيل، وثغر فاتن، وقد مياس.
فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه. فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين الألفاظ الممجوجة العادية والألفاظ المنتقاة الموسيقية، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام. فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب.
يقول (أبركروسي) ولابد للأديب أن يعرف كيف يجمع في فنه كل ما احتوته الألفاظ من قوة التعبير والتصوير، وكل ما من شأنه أن يساعد على التوصل بحيث يستثير الخيال، ويصرفه كيفما شاء. ويجب أن تكون الألفاظ قوية التعبير لكي تستطيع الإبانة عن تجارب
المؤلف المراد توصيلها وتفهيمها، كذلك يجب أن تكون الألفاظ صالحة لان تحكي تلك التجارب وتصورها بصور واضحة.
أما التشبث بأهداب اللف والدوران، والقول بأن السهل الممتنع هو أسمى أنواع الكتابة؛ ولكن هل كل مبتذل. . . . سهل ممتنع وهل كل أسلوب دارج أقرب إلى لغة التخاطب منه إلى لغة الكتابة هو بيت القصيد؟
نعم إن الجمال سهل معجب، ولكنه سهل على من؟! وبعد ماذا؟! على الذين يقدرونه ويحبونه، وبعد الخبرة والممارسة والتذوق والتهذيب، فليس معنى السهولة في جمال الفنون أنه رخيص مباح لكل من يرمقه بجانب عينه، ولا أنه غني عن التأمل والتفكير. ولكن معناه أنه سهل لمن يستعد له استعداده ويبذل فيه ثمنه. وكذلك الثمرة الشهية سهلة سائغة لمن يشتريها ويغرسها، ولكن ليس معنى ذلك أنها تمطر من السماء وتطرح على التراب أو تنمو كما ينمو نبات السحر.
ولو كان الغرض من اشتراط السهولة في الجمال أن يكون سهلا على كل من يطلبه وبلا تفاوت في الدرجات والمواهب لما كان في الكتابات رسالة واحدة جميلة، أو حقيقة بأن توصف بالجمال، فإن كتابات شكسبير سهلة على بعض القراء، ولكنه من الألغاز والمعميات على أناس آخرين، وان هؤلاء الآخرين قد يطيب لهم أساليب بيرون، ولكنه إذ أقرئ على من دونهم من الفطنة والشعور عابوه واستثقلوه أو كابدوا في فهمه الصعوبة التي تنفي صفة الجمال، وهكذا إلى أن تهبط إلى طبقة تستصعب شعر هؤلاء جميعا، ولا تجد السهولة الجميلة إلا في الأزجال الغثة والأناشيد الوضعية، وما في منزلتها من الأساليب المبتذلة الركيكة. فإذا جعلنا السهولة ميزانا لنا في الفنون، واتخذنا الشيوع عنوانا على السهول، فقد نتمادى في ذلك حتى يصبح لثغر الأطفال في عرفنا نماذج البلاغة العليا، ثم تنحدر البلاغة سفلا حتى تنتهي إلى فحول الشعراء وأئمة الكتاب والفصحاء.
فلا صحة إذا فيمن يقول بأننا نعمل على تقديس القديم واستساغة ألفاظ العهد الغابر ذات الجرس الموسيقي، والذي لا يتمشى مع روح العصر ومستلزماته، فما هذا إلا محض افتراء وقدح معيب توصم به لغة البلاد الراقية النفسية. فالكتابات المبتذلة العادية والتي اجمل عليها حملتي الشعراء لا يمكن أن تجد دفاعا عنها في هذا المضمار بعد أن بينت
تفاوت الأذهان والعقليات في الحكم على ما يدعى من الكتابات بأنها سهلة فصيحة أو سهلة ممتنعة
وهكذا فالكلام يحسن بعذوبته وجزالته ورصانته مع سلاسته ونصاعته. وإذا اشتمل على الرونق والطلاوة، وسلم من حيث التآلف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب فقبله ولم يرده، وعلى السمع المعيب فاستوعبه ولم يمجه. والنفس تقبل اللطيف وتنبو عن الغليظ وتقلق من الجاسي البشع. وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه وينفر عما يضاده ويخالفه، والفهم يأنس من الكلام رقيقة وعذبة، وينقبض عن الوخم ويتأخر عن الجافي الغليظ ولا يقبل الكلام المبتذل
وليس هذا هو الشأن في إيراد المعاني. ولكن المعاني يعرفها الجاهل والعالم والكاتب الحصيف ذا الخيال الرائع والكاتب الناحل من كل ذوق وبراعة. وإنما الشأن هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ولا يقنع من اللفظ بذلك.
ومن الدليل على أن مدار البلاغة تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة والكتابات الراقية ما عملت لإفهام المعاني فقط وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وغريب مبانيه على فضل كاتبه وفهم منشئيه.
وقد قال عبد الكريم الموصلي في كتابه (المثل السائر):
(إن خواطر الناس وان كانت متفاوتة في الجودة والرداءة فإن بعضها لا يكون عاليا على بعض أو منحطا عنه إلا بشيء يسير وكثيرا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالعاني حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ ثم يأتي الأخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينها من غير علم منه بما جاء به الأول).
لاشك أن حسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا فإذا كان المعنى سلبيا ورصف الكلام رديا لم يوجد له قبول ولم تظهر عليه طلاوة. وإذا كان المعنى وسطا ورصف الكلام جيدا كان أحسن وقعا وأطيب مستمعا. فهو بنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائعا في المرأى وأن يكن مرتفعا جليلا وان اختل نظمه فضمت الحبة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وان كان فائقا ثمينا. وحسن الرصف أن توضع الألفاظ في
مواضعها ويحلى جيدها برنين الجرس الموسيقي وما يحمله ذلك وقع جميل إلى حبات القلوب.
لا بأس بعد هذا من أن أكرر القول بأن لكل مقام مقالا وليست وظيفة الكلمات في الأدب كوظيفتها في العلوم. هي في الثانية وسيلة لتفهم الأسرار العلمية فهي شيء كمالي بالنسبة للفكرة ولكنها في الأولى جزء لا يتجزأ من النص الأدبي. فالأدب يستعمل اللغة استعمالا كاملا ويستغل كل قيمتها من جمال وتأثير ومعنى، ولا يستطيع أن يسقط الألفاظ من حسابه كما يفعل العلم أحيانا، واللفظ في الأدب لا يكون مجرد تصوير للفكرة وتأدية للمعنى، فأن الرنين الذي يصحب العبارة أو الفقرة يساعد على الابتداع ويخلق في ذهن المستمع جوا لا تقل قيمته الفنية عن إفادة المعنى.
فإذا أحطنا علما بمزايا تلك اللغة الرصينة، وأيقنا أن زمامها مسلم لنا، فنعدوا بها ونكبحها كيفما شئنا وكلما دعت الحال إلى ذلك. وإذا سلمنا بوقعها في النفس وإيثار العاطفة الإنسانية لها دون غيرها فلا يكون بدعا بعد ذلك إذا ما وقفنا بها قدما وجعلنا منها نورا للهدى وينبوعا للكمال فهي التي لا يفتر لها لا أشعار ولا ينضب لها معين.
نصيف سركيس
البريد الأدبي
. . . وكفى!
كان في تركيا رجل ماجن سكير ما يفيق، اسمه بكري مصطفى فضاقت بسبل العيش مرة حتى ما يجد ثمن الكأس من الخمر. ففتقت له الحيلة أن أطال لحيته وكبر عمامته، وذهب إلى الأناضول فسعى حتى جعلوه إماما للمسجد وواعظا للقرية. . .
وكان يسير يوما فرأى جنازة، فأمر بها فوقفت، وأنزل النعش، فانحنى عليه كأنه يسامره ثم قال: ارفعوها وامشوا، فسأله بعض خواصه، ماذا قال لها، فقال:
- قلت للميت، إن سألوك في الآخرة عن أحوال الدنيا، فلا تطل الحديث، قل لهم صار الإمام بكري مصطفى. وكفى!
ونحن إن سئلنا ما حال الأدب اليوم، نقول:
إنه صار بين كتاب الرسالة، من يمر في معرض الكتب على (وفيات الأعيان) فيضحك عليه كما ضحك على كتاب (الأدلة القطعية على عدم دوران الكرة الأرضية) مغرقا في الضحك (لأن مؤلفه) ولم يدر (حضرته. . . .) من مؤلفه (لم يجد ما يكتب عنه إلا يسرد وفيات الأعيان، كأن الدنيا وما فيها لا تهمه، وكأن الإصلاح الاجتماعي لا حاجة بنا إليه. . .)
وإذا لبثنا على هذا (التقدم) فسيجيء في معرض الكتب التي من يمر على (الأغاني لأبي الفرج فيقول: ما لهذا المؤلف لم يجد ما يكتب عنه إلا جمع أغاني الاسطوانات، وطقاطيق الرقصات. . . كأن الدنيا. . . وكأن الإصلاح. . .
ويضحك أيضا. . .
ويبكي من هذا الضحك العلم والأدب والفن؟
علي الطنطاوي
طيزناباذ في نقل الأديب:
ذكر المحقق العلامة محمد إسعاف النشاشيبي في نقله الممتعة في العدد 678 من الرسالة الزاهرة أن محمدا بن مسروق البغدادي قال: خرجت ليلة في أيام جهالتي وأنا نشوان وكنت
أغني هذا البيت:
بطور سيناء كرم ما مررت به
…
إلا تعجب ممن يشرب الماء
أقول إن هذا الخبر ينسب لأبي نواس فقد جاء في الصفحة 202، 203 من أخبار أبي نواس لابن منظور (قال بعضهم صار إلى الحسن بن هانئ في ليلة من الليالي وهو مرعوب فنزع ما كان عليه من الثياب وأخذ قميصا وسراويل وأراد أمرا يتأتى، ثم تطهر ولبسها وما زال يصلي باقي ليلته إلى الصبح، ثم أصبح صائما عن السبب في ذلك فقال: كنت منصرفا من بعض المواخير، فاجتزت من مقبرة فبينما أنا ماش فيها إذ أنشدت قول ذي الرمة:
بطيزناباذ كرم ما مررت به
…
إلا تعجبت ممن يشرب الماء
فأجابني مجيب من المقبرة أسمع صوته ولا أرى شخصه:
وفي جهنم ماء ما تجرعه
…
حلق فأبقى له في الجوف أمعاء
وفي رواية الأستاذ النشاشيبي تصحيف ذهب بروعة البيتين وأفسد معناهما، إذ قال (بطور سيناء) والصحيح بطيزناباذ وقال في البيت الثاني (خلق) والصحيح حلق.
وهذا هو الصواب على رأينا فنرجو من الأستاذ أن يتحقق من ذلك.
وقد وجدت الأستاذ يهمز اسم أبي نواس كلما ذكر اسمه، والصحيح أن اسمه لا يهمز فما هي علته في ذلك.
(بغداد)
شكري محمود أحمد
توحيد القوانين في البلدان العربية:
من أخبار دمشق أن اللجنة القانونية التي اجتمعت في بلودان ثلاثة أيام برياسة الأستاذ عبد الرزاق السنهوري باشا، قد وافقت على القرارات التالية:
1 -
وضع تشريع تجاري برى موحد في نصوصه أو على الأقل في مبادئه العامة، والشروع فورا في توحيد أحكام الوثائق التجارية في البلدان العربية
2 -
وضع مشروع قانون موحد للتجارة البرية والبحرية
3 -
إنشاء معهد للفقه الإسلامي ملحق بجامعة فؤاد الأول كيان مستقل وميزانية خاصة ومجلس إدارة خاص يعمل على تخريج الباحثين في الفقه الإسلامي وإصدار مجلة دورية
4 -
توحيد المصطلحات القانونية بين دول الجامعة والبدء بمصطلحات قانون العقوبات أصول المحاكمات القانونية والتجارية
5 -
وضع قانون موحد لمكافحة المخدرات
وقد وافقت الهيئة العامة للجنة على مشروع القانون الموحد الخاص بحماية حقوق المؤلفين وستعرضه على الجامعة العربية لإبداء ملاحظاتها عليه.
في أصول الكلمات:
قرأت ما جاد به قلم كاتبنا الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد تحت عنوان (أصول الكلمات) افتتاحية لعدد ال 677 من (الرسالة) الشهيرة فتوقفت عند قوله: (كذلك قال الأب أنستاس، وقد عقب عليه الأستاذ روكسي بن زائد العزيزي معلم العربية بكلية تراسانته بالقدس في مجلة الأديب البروتية فقال: (فلو قلنا إن العرب قالوا) عين القلب ثم نحتوا من الكلمتين كلمة واحدة - عقل - لما أبعدنا عن الصواب. ولو سايرنا ما ذهبتم إليه وقلنا إن العقل من عق لكان مقبولاً لأن العقه هي اليرقة المستطيلة في السماء، وهل العقل إلا وميض النفس وعين القلب)؟
والذي أريد أن أقوله: إن الأستاذ الكبير خلط بين ردي على الأب مرمرجي الدوضيكي، وتنبيهي إياه على تحريفه لأقوال الأب أنستاس ماري الكرملي المثبتة في مجلة لغة العرب، وأقوال الأب الكرملي نفسه.
روكسي بن زائد العزيزي
الكتب
(كتب وشخصيات)
تأليف الأستاذ سيد قطب
للأستاذ أحمد فؤاد الأهواني
قال لي: الأستاذ سيد قطب سأهدي إليك كتابي الأخير (كتب وشخصيات) على أن تستبقي قراءته إلى ما بعد عودتك إلى القاهرة، فلا ينبغي أن يشغلك عن الاستمتاع بهواء البحر القراءة والاطلاع. غير أني خالفته في نصيحته، فقرأته وهو يزيد على ثلاثمائة وخمسين صفحة
ولم تكن هذه الصحبة شاقة أو مملة، إذ أن فصول الكتاب منوعة حتى كأنك تتنقل من بستان إلى بستان أو من زهر إلى زهر. وليس غريبا أن تشبه الأدب بالأزاهير. فهو حقا زهر الفكر.
تحدث عن وظيفة النقد وأصوله، ثم انتقل إلى عالم الشعر ووقف عند العقاد الشاعر، ثم رحل إلى عالم القصة والرواية فطرق أبواب القصاص والروائيين، وحلب طرائقهم، ونفذ إلى صفحات نفوسهم. طه حسين، توفيق الحكيم، المازني، عزيز أباظة، خليل هنداوي، نجيب محفوظ، عادل كامل، محمود تيمور، يحي حقي، السحار. ثم طاف بالنفس والعالم فتحدث عن البيادر لميخائيل نعيمه، وأومن بالإنسان لخلاف، وسندباد عصري لحسين فوزي، والعناصر النفسية في سياسة العرب لشفيق جبري.
وانتقل بعد ذلك إلى البحوث والدراسات، فكتب عن عبد القادر حمزة وأنطون الجميل والزيات وعلي أدهم، واختتم الكتاب بالكلام عن التراجم والتاريخ موازنا بين العقاد وهيكل وطه، وبين المازني وعبد الرحمن صدقي وعبد الحليم عباس، وبين كرد علي وطه الراوي.
فأنت ترى أن العنوان موافق لمضمون الكتاب: استعراض لكثير من الكتب، وتحليل لشخصيات أصحابها.
والكتاب ظل لصاحبه، وفيض لنفسه، وهل يوجد كتاب بغير كاتب؟. وفي الحق إن
شخصية الكاتب هي مفتاح الكتاب، وفهمها يبعث في أوصاله الحياة، والذين يتحدث عنهم الأستاذ سيد قطب من الأحياء، نعرفهم بأشخاص ونراهم ونتحدث إليهم، ونسمع عنهم، وأكبر الظن أنهم جميعا من أصدقاء الأستاذ سيد قطب، أو على الأقل اتصل ببعضهم صلة شخصية، تيسر له النفاذ منهم إلى الأعماق ودراسته لكتبهم، فكان الأولى أن يجعل العنوان (شخصيات وكتب) لولا رنين الإيقاع.
وكتاب الأستاذ سيد قطب محقق الفائدة، لأنه يعرض رأيه في صدق وقوة ونفاذ. والأصح أن أقول انه يعرض شعوره وإحساسه بدلا من رأيه لأن مسائل الأدب، شعرا كانت أم قصصا أم دراسات تحليلية، إنما تدرك بالذوق والشعور لا بالمنطق والعقل، ولو أن الفصل التام بين العقل والعاطفة مستحيل.
وهنا قد يختلف القارئ مع الأستاذ سيد قطب في أحكامه، فيرجع كاتبا على كاتب، أو يعجب بشاعر دون شاعر. وقد تتفق مع المؤلف في إعجابه ولكنك تجهل سبب الإعجاب، فيقدم لك العلة والميزان. ومن الواضح أن سيد قطب يعجب بالأستاذ عباس العقاد ويقدمه على السواء. وسوف تعرف علة هذا الإعجاب عندما تقرأ الكتاب.
وللأستاذ العقاد شعر جيد تذوقته عندما عرض بعضه سيد قطب. وتسألني لماذا تتذوق هذا الشعر من قبل، فأقول إنني أرهب الشعر، ولا أقدم على قراءته. ولقد يزيد عجبك إذا عرفت أنني كنت أقرض الشعر وأنا صبي صغير في الحادية عشر من عمري، حين كنت بالسنة الأولى بالمدارس الثانوية، ثم غفر الله لمدرسي اللغة العربية الذين قتلوا في نفسي هذه الموهبة، بل صرفوني حتى عن قراءته بما كانوا يختارونه لنا من شعر سقيم لا يحسنون الدخول إليه والاحتفال به. وأذكر أن الأستاذ الزيات ذهب هذا المذهب في كتاب (دفاع عن البلاغة) فأرجع بعد الناشئين عن الكتابة البليغة إلى المعلمين. ومن الإنصاف أن أذكر طه حسين بالخبر في هذه المناسبة فقد حضرت عليه درسا في الأدب العربي بالجامعة المصرية سنة 1925 كان يشرح فيه معلقة النابغة الذبياني، فكان المدرس الوحيد الذي دفعني إلى تغير رأيي في الشعر العربي. ولكن عاما واحدا لم يكن كافيا لتخلص لي ذوق الشعر، فظللت حتى الآن منصرفا عنه لا أحفظ إلا الأبيات القليلة، ولا أستطيع الانقطاع إلى قصيدة بتمامها.
فمن الخير لشبابنا أن يقرءوا كتب النقد لتبصرهم بالجيد من الأدب الحديث حتى يسيروا على هدى وبصيرة فلا يضلوا الطريق
وليس في نقد الأستاذ سيد قطب للأدباء والشعراء والكتاب الذين تعرض لهم عنف أو قسوة أو اعتداء. بل لا على العكس من ذلك، تحليل هادىء، وتقدير صحيح، وميزان أقرب إلى الاعتدال فيه تشجيع ورفق. وهذه هي وظيفة النقد، لا يبتغي أن يقسو الناقد حتى يتهم بالتحيز والهوى، أو يسرف في التحية ويغمض العين عن المساوئ والعيوب وكذلك لا يجب أن يغضب الكاتب إذا انتقدت آثار، لأنها أصبحت ملك الجمهور، بل نقدها دليل على أنها شيء مذكور.
وهنا أحب أن أخالف الأستاذ سيد قطب في بعض أحكامه ولن يكون هذا الخلاف في ميدان الشعر بطبيعة الحال لأني أجهله.
أخالفه مثلا في تقديره لقصة قنديل أم هاشم من قلم يحي حقي، ليست القصة تحت يدي الآن، وقد قرأتها حين ظهورها في سلسلة اقرأ، وأذكر أنها تعجبني، ولا أزال أذكر الأسباب: منها أن الموضوع مطروق، ومع ذلك فليس هذا سببا لضعف القصة إذا أحسن صاحبها تصويرها، وقدم إليك السياق في جمال وإبداع يعوضك عن عمق الفكرة وأصالة الموضوع. والأفكار الخالدة هي تلك التي تكشف عن النواحي الإنسانية العامة الصالحة للحياة في كل زمان وفي كل بيئة. وليس في قنديل أم هاشم ذلك التحليل العميق للنفس البشرية، حتى إذا نقلت القصة إلى لغة أجنبية نالت الإعجاب. ويبدوا أن صداقة الأستاذ سيد قطب للمؤلف هي التي دفعته إلى تشجيعه، ومن آيات هذه الصداقة أنه يقول عنه. أوه! يحي حقي! أين كانت كل هذه الغيبة الطويلة؟ وفيم هذا الاختفاء العجيب.
نرجو أن يعود يحي حقي إلى الميدان، فالقصاص عندنا قليلون.
ونرجو أن يتابع الأستاذ سيد قطب نقداته فهو حقا من خيرة النقاد في مصر.
أحمد فؤاد الأهواني