المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 694 - بتاريخ: 21 - 10 - 1946 - مجلة الرسالة - جـ ٦٩٤

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 694

- بتاريخ: 21 - 10 - 1946

ص: -1

‌الضمير الأمريكاني. . .! وقضية فلسطين

للأستاذ سيد قطب

أخيراً يتكشف ضمير (الولايات المتحدة) الذي تعلقت به أنظار كثيرة في الشرق ، وحسبته شيئاً آخر غير الضمير الإنجليزي والضمير الفرنسي ، وسائر الضمائر الأوربية المعروفة

أخيراً يتكشف ضمير (الولايات المتحدة) هذا ، فإذا هو - ككل شيء أمريكي آخر - (ضمير أمريكاني)!

ونحن نعرف في مصر (اللعبة الأمريكانية) ونعرف إنها (نصب) في (نصب) وقد حرمت هذه اللعبة لما فيها من غش وخداع. و (الضمير الأمريكاني) الذي تكشف عنه تصريحات ترومان لا يرتفع كثيراً عن هذه اللعبة الممنوعة!

ولقد كان الكثيرون مخدوعين في هذا الضمير؛ لأن الشرق لم يحتك طويلاً بأمريكا، كما احتك بإنجلترا وفرنسا وهولندا، فلما بدأ الاحتكاك في مسألة فلسطين تكشف هذا الخداع عن ذلك الضمير المخول، الذي يقامر بمصائر الشعوب، وبحقوق بني الإنسان، ليشتري بضعة أصوات في الانتخاب.

وكلهم سواء أولئك الغربيون: ضمير متعفن، وحضارة زائفة، وخدعة ضخمة اسمها (الديمقراطية) يؤمن بها المخدوعون!

تلك كانت عقيدتي في الجميع، في الوقت الذي كان بعض الناس يحسن الظن بفريق ويسيء الظن بفريق، وكانت أمريكا في الغالب هي التي تتمتع بحسن الظن من الكثيرين

فها هي ذي أمريكا تتكشف للجميع. هذا هو (ترومان) يكشف عن (الضمير الأمريكاني) في حقيقته، فإذا هو نفسه ضمير كل غربي، ضمير متعفن، لا يثق به إلا المخدوعون!

إنهم جميعاً يصدرون عن مصدر واحد، هو تلك الحضارة المادية التي لا قلب لها ولا ضمير. تلك الحضارة التي لا تسمع إلا صوت الآلات، ولا تتحدث إلا بلسان التجارة، ولا تنظر إلا بعين المرابي، والتي تقيس الإنسانية كلها بهذه المقاييس.

كم ذا اكره أولئك الغربيين وأحتقرهم! كلهم جميعاً بلا استثناء: الإنجليز، الفرنسيين، الهولنديين، وأخيراً الأمريكان الذين كانوا موضع الثقة من الكثيرين.

ولكني لا اكره هؤلاء وحدهم، ولا احتقر هؤلاء وحدهم. إنما اكره واحتقر أولئك

ص: 1

المصريين، وأولئك العرب، الذين لا يزالون يثقون بالضمير الغربي عامة، وضمير الاستعمار على وجه الخصوص.

إنها الجريمة. تلك التي يقترفها كل يوم في حق شعوبهم المسكينة. جريمة التخدير والتغفيل، وأنام الأعصاب على الأذى، وهدهدة الآمال الباطلة، والأماني الخادعة؛ في ذلك الضمير المأفون.

يقول نبي الإسلام الكريم: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، وها نحن نلدغ من الجحر الواحد مرات، ثم نعود في كل مرة إلى هذا الجحر نفسه مغمضي الأعين نتطلب (الشهد) من جحور الأفاعي. ولا نجرب مرة واحدة أن نحطم هذه الجحور وأن ندوس هذه الأفاعي، وأن ننفض عن نفوسنا ذلك الوهم الذي يقودنا المرة بعد المرة إلى تلك الجحور!

إنها الجريمة. تلك التي نعاودها مرة بعد مرة. الجريمة في حق النفس، والجريمة في حق الوطن، والجريمة في حق العقيدة. إنها الغفلة التي لا يستحق صاحبها الاحترام، وهو يشهد على نفسه بالتغفيل!

ولكن من الحق أن لا نصم الشعوب العربية بهذه الوصمة. إن هذه الشعوب لأذكى وأشد حمية من أن ترضى لنفسها بالهوان ولكنها تلك الحفنة من ساسة الجيل الماضي في مصر وبعض البلاد العربية. تلك الحفنة الرخوة المسنة الضعيفة المتهالكة، المهدودة الأعصاب، لا تقدر على الكفاح، ولا تدع الشعوب تكافح، لأن أنانيتها الأثرة تمسكها عن الانسحاب في الميدان وتركه للقادرين!

هذه الحفنة من ساسة الجيل الماضي هي التي اخترعت كلمات: المفاوضات، والمحادثات، والمؤتمرات. . . لماذا؟ لأنها وسيلة سهلة لا تكلف شيئاً، وتضمن كراسي الحكم والسلطة فترة من الزمان. وكلما همت الشعوب أن تسلك طريقها، وأن تواجه المستعمرين بذاتها، حال هؤلاء بينها وبين المستعمرين، ووقفوا من دونهم يصارعون الشعوب، وتصارعهم الشعوب. فإذا أتعبهم الصراع مع شعوبهم راحوا يبثون في الأمة روح الثقة بالمستعمرين، وراحوا يشيعون الآمال الخادعة في هذا الضمير المدخول!!

تلك هي القصة. قصة الجحور وأفاعي. وقصة اللدغ المتكرر من هذه الجحور. وإنها المأساة، ولكن من العدل أن نبرئ منها الشعوب العربية؛ فلا تؤخذ بجريرة حفنة من الساسة

ص: 2

الضعفاء المرضى المتهالكين!

والضمير الأمريكاني!

لقد كان الكثيرون يفهمون أنه شيْ آخر غير الضمير الأوربي. فأراد الله - ولعله لخير هذه الأمة العربية المنكوبة - أن يكشف عن ذلك الضمير. . . إنه ضمير مادي، ضمير الآلة التي لا تحس، وضمير التاجر الذي لا يتورع، ولا يهمه حق، ولا عدل، ولا حياء.

وهل تملك تلك الحضارة الآلية أن تنشيْ إلا ضميراً من هذا القبيل؟

ليست المسألة مسألة جنس ولا دولة. فليس الأمريكان خيراً من الإنجليز، وليس الإنجليز خيراً من الفرنسيين، وليس الفرنسيون خيراً من الهولنديين. . . كلهم أبناء حضارة واحدة. حضارة مادية بغيضة لا قلب لها ولا ضمير. حضارة تأخذ ولا تعطي، وتجرح ولا تأسو. حضارة أنانية صغيرة مهما بدت من الخارج ضخمة ذات بريق وضجيج!

إنها حضارة زائفة لأنها لم تقدم للإنسانية زاداً من الروحية، ولم تحاول رفع الآدمية عن قانون الوحوش. وهل تطبق هذه الحضارة مع شعوب الأرض المنكوبة إلا قانون الوحوش؟

ثم يوجد بين أمم الشرق غافلون أو خادعون يثقون بأصحاب هذه الحضارة، ويراودون شعوبهم على الثقة بلك الضمير، ويثبطون عزائمهم عن الجهاد الحاسم، والكفاح المثمر، في أنسب الظروف!

وبين ضجيج الآلات يرتفع بين آن وآخر صوت إنساني خافت في تلك الربوع: ينادي بالعودة إلى الله، كذلك الصوت الذي أرسله الكردينال جريفان في إنجلترا منذ أيام، حين ألقى بكاتدرائية وستمنستر عظة دينية فقال:

(لقد أبعد الله عن ميثاق هيئة الأمم المتحدة. وهذا هو السبب في أن الأمم المتحدة لم تستطع إلى اليوم أن تصبح (متحدة) فعلاً).

(وأنه لينبغي أن يكون لله ومبادئه القائمة على الإحسان والعدالة مكان في الشئون الدولية حتى تصبح الحرية حقيقة في العالم بأسره ويعيش الإنسان في ظل السلام والأمن).

ولكنه صوت خافت لا يسمع في ضجيج الآلات التي تغشى على صوت الضمير، ونغمة مبحوحة لا تسمع بين صراخ المطامع، وعواء الشهوات، في ذلك العالم الهائج الشعور!

والآن. أيها الشرق. ماذا تريد؟

ص: 3

فأما إن كنت تبغي الخلاص من براثن الوحش الغربي. فهناك طريق واحد لا تتشعب في المسالك. فهو أقرب طريق. . . اعرف نفسك، وراجع قواك، واستعد للصراع، وابدأ في الكفاح ولا تستمع إلى صوت خادع يوسوس لك بالثقة في ضمير الغرب المدخول.

وأما إذا كنت تبغي الراحة مع ذلك الجيل المكدود المهدود من الساسة المترفين الناعمين، فأمامك طرق كثيرة ذات شعب ومسالك، وذات منعرجات ودروب. هناك المفاوضة، والمحادثة، وجس النبض، واستطلاع الآراء. وهناك الديبلوماسية الناعمة الرقيقة، والكلمات الرفيقة الظريفة، وهناك الانتظار الذي لا ينتهي، والاستجداء الذي لا ينبغي. وهناك المؤتمرات الحافلة والموائد المستديرة، وهناك الكتب البيض، والكتب الزرق، والكتب الخضر، وما لا ينتهي من الطرق والمنعرجات والدروب!

والحمد لله - أيها الشرق - لقد تكشف لك القناع عن آخر ضمير (الضمير الأمريكاني) الذي كانت تتعلق به الأنظار، أنظار الغافلين والخادعين!!!

والحمد لله - أيها الشرق - إن شمسك الجديدة في شرق، وشمس هذا الغرب الفاجر في غروب. وإنك تملك من الرصيد الروحي، ومن ميراثك القديم، ما لا يملكه هذا الغرب المتطاحن الذي يأكل بعضه بعضاً كالوحوش لأنه يحكم قانون الغابة فيما يشجر بينه من شقاق لا ينتهي، وهل ينتهي الشقاق في الغابة بين الوحوش.

إنها الفرصة السانحة - أيها الشرق - للخلاص. فانفض عنك رجال الماضي الضعفاء المنهوكين. وابرز بنفسك للميدان، فقضايا الشعوب في هذه الأيام لابد أن تعالجها الشعوب.

وما قضية فلسطين إلا قضية كل شعب عربي، بل كل شعب شرقي. إنها الصراع بين الشرق الناهض، والغرب المتوحش.

سيد قطب

ص: 4

‌أسلمي يا مصر.

. .!

للأستاذ محمود محمد شاكر

ظللت سنوات معتزلاً أو كالمعتزل، وما اعتزلت إلا لأن الحياة أرادتني على ذلك فأطعتها، وليتني ما فعلت! ثم جاءت أيام فهزتني حتى كادت أن تقتلع جذور الحياة من أغمض أعماقها في نفسي وفي قلبي وفي سائر بنياني وحواسي، فانتبهت كالذاهل المغمور وأنا لا أدري أحي أنا أم ميت، وإن كان لم يشعر بما أشعر به إلا رجلٌ أو رجلان أدركا ما أنا فيه من محنة وشقاء. ثم انجلت الغمة وارتفعت الغشاوة، وبدأت أرى الدنيا كما ينبغي لمثلي أن يراها، فأقبلت عليها أتفحصها كأني أقرأ تاريخاً جديداً لم يكن لي به علم ولا خبر. ومن يومئذ آثرت أن أغفل شأن هذه الشعرات البيض التي تلمع على فودي نذيراً وبشيراً، وقلت لنفسي: كذب والله على بن جبلة الخزاعي، فإني لأجد هذه الشعرات البيض أخف على قلبي محملاً وأشهى إلى نفسي من كل ما استمتعت به في صدر شبابي، وكيف اشجي بشيء قد جعله الله بديلاً من جنون الصبا وغرام الشباب. وأنا أسوق هنا أبيات على بن جبلة، وإن كان لا حاجة للمقال بذكرها، لأني أعدها من أجود الشعر وأرصنه وأحسنه تمثيلاً لمقدم الشيب، وأدقه تصويراً لإحساس الفزع الذي تتجرعه النفوس الشاعرة في يوم الكريهة - يوم المشيب. قال يذكر الشيب وقد بلغ الأربعين:

ألقى عصاه، وأرَخى من عمامته

وقال: ضَيفٌ. فقلت: الشيبُ؟ قال: أجلْ!

فقلتُ: أخطأت دار الحيّ! قال: ولِمْ؟

مضتْ لك الأربعون ألسِتمُ! ثم نزَلْ

فما شَجِيتُ بشيء ما شَجِيتُ به،

كأنما اعتمَّ منه مَفْرِقي بجَبَلْ

ولست أنكر أن علو السن بالمرءِ أمر ينبغي أن يلقى له باله ويتعهده حتى لا يؤخذ على سهو وفي غفلة، وأن الشيب هو النذر العريان - ولكن ما بالشيب من عار، فنحن إنما خلقنا لنحيا ونموت، فلتكن حياتنا كلها كما بدأت جهاداً متصلاً جريئا في سبيل الغاية التي نفخ الله فينا من أجلها الروح. وقبيح بأمري علمته الأيام ووعظته الأسى منذ كان أبوه الشيخ آدم إلى يوم الناس هذا - أن يجزع أشف جزعٍ من منهل لم ينج سابق من وروده، ولن ينجو من وروده لاحق.

وليت شعري ماذا يضيرني من شيبة في شعراتٍ، إذا كان قلبي غضاً جديداً كأنه ابن

ص: 5

ألامس القريب؟ ولو قد كان ذلك ضائري لقد هانت الحياة هواناً يجعلها أسخف وأخف وأضأل من أن أحفل بها اقل حفل. وكذلك عقدت عزمي على أن أضرب في مسالك الحياة حيث لا يعوقني وقار غث، ولا حنبلية متزمتة، وحيث أخبر الحياة على وجهها الذي هي عليه اليوم، لأعرف ما الذي ستكون عليه غداً. فأسرعت إلى حلقات الشباب ممن تجاوزوا العشرين وأشرفوا على الثلاثين، لأرى كيف يفكرون، وأنظر كيف يعملون، وأعرف ماذا يدبرون، وأعلم أين يستقبلون فرأيت ونظرت وعرفت وعلمت، فأشفقت وأملت، وخفت ورجوت، ولكني على ثقة من أن رحمة الله أوسع من أن تضيق بأمة ضلت في بيداء هذه الحياة، وقد خرجت تضرب في جوانبها مطموسة البصر إلا ما شاء الله.

كان من أهم ما شغلني أن اسمع ماذا يقولون عما يشغل الناس جميعاً في هذه الأيام، وأن أناقشهم فيما يقولون حتى أعرف خبئ نفوسهم وضمائرهم، وأن انقل ما استطعت شيئا مما يعتلج في هذه القلوب الشابة التي تريد الحياة الحرة الكريمة - أي تريد الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وينبغي لكل صاحب قلم أن يحرص أشد الحرص على بيان ما يرى وما يراقب، فإن الجيل الماضي الذي صارت إلى يديه مقاليد الحكم في مصر غافل كل الغفلة عن الآمال والآلام التي تساور القلوب المصرية الشابة، وجاهل كل الجهل بالمولود الجديد الذي ولد في أرض مصر وشب ونشأ واستوى وكاد يبلغ مبالغ الرجال. يقول قائل الشباب:

(لقد خرجت مصر كلها، عالمها وجاهلها وغنيها وفقيرها، تنادي يوما ما باسم (الجلاء) وباسم (وحدة وادي النيل من منبعه إلى مصبه) وباسم البلد الواحد الذي هو (مصر والسودان). والشعوب أو الجماهير إن شئت، لا تعرف تفاصيل التاريخ ولا يهمها أن تعرف، بل هي تحس وتدرك وتتمنى وتسعى وتفعل كل شيء بالإلهام الذي تسدده الفطرة المستقيمة، وهذه الفطرة المستقيمة إذا نظرت إلى شيء واستوعبت لبه وطرحت نفايته ولقد نظر الشعب المصري بفطرته المستقيمة فرأى دولة طاغية تحتل سماء بلاده وأرضها وبحارها، بل تحتل أرزاقها المقسومة لأهلها من طعام وشراب، وتشاركها في نسمات الهواء بل تضيق عليها أيضا، وتحرمها النفحة بعد النفحة من هذه النسمات. وإذن فهي تمنع عنها ما هو مباح للوحوش في مساربها، والبهائم في مراعيها، والطير في مسابحها. وإذن فلابد أن تظفر يظفر به أدنى الخلائق وأهونها على الناس وعلى الله ربها وربهم.

ص: 6

وإذن فالشعب لن يعرف إلا كلمة واحدة هي: (الجلاء)، ولا ينادي إلا بشيء واحد هو:(اخرج من بلادي أيها الغاصب)، ولا يعرف من التاريخ ولا من السياسة ولا من البراعة والحذق في الدهاء إلا أن هذا غاصب واقف بالمرصاد يغتاله ويغتال أسباب حياته، ويرمي به في الرغام ليعيش هو في رغد وفي بحبوحة.

(قام الشعب فاسمع من كانت له أذنان، فإذا فئة من محترفي السياسة، ومن كل محتال عليم اللسان، ومن كل وجيه زينه ماله وغناه، ومن كل ذي صيت رفعته الأقدار بالحق أو بالباطل - قد هبوا جميعاً مع الشعب يقولون بمثل الذي يقول، فظن الشعب أنهم قد صدقوا بعد ماض كذب على التاريخ وعليهم، فرضى عنهم وأعانهم، ولكن لم يلبث إلا قليلا حتى رأى الوادي يموج عليه بالحيات والأفاعي والعقارب، وكل لداغ ونفاث وغدار، فانتبه فزعاً يطلب النجاة مما تورط فيه من ثقة بأقوام لم ينالوا يوماً ما ثقته، ولا حملهم أمانته، ولا رضى عن أعمالهم، ولا سلم إليهم مقاليده إلا مرغما أو مغرراً أو مخدوعاً. ثم بقى الشعب يترقب نهاية هذه المفاوضات العجيبة التي نالت فيها مصر كل شيء إلا الجلاء، ورأت كل عجيبة إلا عجيبة ارتحال الجيوش البريطانية ذات الزي العسكري أو الزي المدني).

ويقول قائل الشباب: (أنني لا أعرف تاريخ القضية المصرية على الوجه المعقد الذي يدلس به الساسة علينا، ويدخلون به المخافة والذعر في قلوبنا. لا اعرف من تاريخ هذه القضية إلا أن بلادي كانت توشك أن تكون قبيل 1882 إحدى الدول العظمى في العالم، ثم إذا بأوربة كلها تتألب على هلاكها، وقتلها، والولوغ في دمها بتحريض دولة واحدة قد امتلأ قلبها جشعاً وحقداً. فلما ظفرت بما أرادت، ذادت كل دولة عن طريقها، ورمت مصر غدراً وخيانة فاحتلتها في سنة 1882، وحسدتها الدول، وخافت مغبة احتلالها لأرض مصر، فتألبت عليها وطالبتها بالخروج منها، فوعدت أن تجلو عن أرض مصر جلاءً ناجزاً بعد أن تستقر الأمور ويتوطد سلطان العرش المزعزع! وقامت مصر تطالب بالجلاء فوعدت أيضا بالجلاء، وظلت بعد ذلك تعد وتعد وتعد وهي لا تمل وعداً ولا تحققه، إلى أن كانت سنة 1956 فإذا هي تعلن الجلاء إعلاناً تاماً صريحاً بيناً واضحاً ناجزاً سريعاً، وتبدأ تجلو، ولكن من غرفة إلى غرفة، ومن سرير إلى سرير، ولكنها لا تخرج من باب الدار إلى لقم الطريق.

ص: 7

(ثم إننا نرى هذه الفئة التي اختالت في ثياب (الزعامة) ومجدتها الصحافة وسمتها باسم (الزعامة) قد دخلت في المفاوضات بينها وبين البريطانيين باسم مصر، ومصر منها براء، فإذا بريطانيا تزعم للشعب أنها جلت عن مصر، فأخلت القلعة، وأخلت فندق سميرا ميس! وكانت فيه القيادة العليا البريطانية للجيش البريطاني في مصر، وأخلت كذا، فتجلوا عن كذا، ولكنها تأبى في المفاوضات إلا أن تبقى في مصر لتشارك مصر في الدفاع عن أرض مصر العزيزة - على بريطانيا بطبيعة الحال!

(أفتظن هذه الفئة أن الله قد سلب الشعب المصري فطرته السليمة، حتى تخدعه كل هذه الترهات الباطلة التي يرسلها كهنة السياسة من كهوف المفاوضات على واديه المحرم؟ لئن ظنوا فقد خابت ظنونهم وباءوا فأخيب الرأي وأبعده عن مواقع الصواب أن الذي بيننا وبين بريطانيا قد بان وتكشف لكل ذي بصر. نعم لقد مضى على مصر دهر وهي مخدوعة بالمفاوضة، ومخدوعة بقدرة السياسة على نيل الحقوق المهضومة، ولكن لم يبق في مصر بعد اليوم شابٌ في قلبه ذرة من أيمان بالحرية، وفي عقله ذرة من حسن التقدير وصدق التفكير، إلا وهو يعلم أصدق العلم أن المفاوضة معناها كذب القوى على الضعيف، وذلة الضعيف بين يدي القوى. ونحن ننظر صابرين إلى هذا العبث الدائر بين رجال قد أحدوا أنيابهم، وأعدوا مخالبهم، ورجال قد عرضوا مقاتل أمتهم لهذا الضاري المفترس ليقضم منها حيث شاء كما شاء، ثم يقول للفريسة: لقد أعددت لك الأطباء والممرضين ليضمدوا جراحك ويحقنوا دمك، ويدفعوا عنك عادية الردى! وكذلك تكون شفقة الأسود الرحيمة!

(أن القضية المصرية أبسط قضية على وجه الأرض: غاصب قد أقرت الدول جميعاً منذ سنة 1882 أنه غاصب معتدٍ، ومغصوب لا يزال يصرخ منذ ذلك التاريخ، ويقول لأهل الدنيا أنقذوني. فما معنى الدخول في المفاوضات بيننا وبين بريطانيا؟ إن العالم كله مطالب بإخراج بريطانيا من مصر، ونحن لا نحب أن نفاوض بريطانيا ولا ينبغي لنا أن نفعل، بل الذي ينبغي هو أن نفاوض الدول كلها إلا بريطانيا في شأن إخراج هذا الغاصب وإجلائه عن برنا وجونا وبحارنا، وفي صده عن عدوانه على أعراضنا وعلى طعامنا وعلى أرزاقنا وعلى أخلاقنا وآدابنا وثقافتنا. . .

(إن بريطانيا دولة قوية ما في ذلك شك، ولكننا أقوى منها لأننا أصحاب حق. فليعلم هؤلاء

ص: 8

المفاوضون أن مصر لن تقبل الدنية في مستقبلها ومستقبل أجيالها، وليعلم هؤلاء المفاوضون أنهم لا يملكون التصرف في حق رقاب أهل مصر الحاضرين، ولا في رقاب الأجيال الآتية، وانهم وإن كانوا مصريين أكواما، إلا أن مصر خالدة على وجه الدهر، وهي أكرم منهم على أبنائها ورجالها الآتين. ونحن الشباب الناشئ نعرف أننا لن ننال لأنفسنا ولبلادنا حقها وحريتها إلا بالحزم والعزم وترك التهاون، والإقلاع عن هذه الخبائث التي يسمونها المفاوضات، ونسميها نحن المساومات. ونحن الشباب الناشئ نعرف أن الحياة لا معنى لها إذا خلت من الشرف والكرامة، وأن الشرف والكرامة عندئذ هي الموت. فلنمت كراماً صادقين، فذلك خير من أن نعيش أذلاء مستعبدين. ولتعلم هذه الفئة أنها تسير بمفاوضاتها في وادٍ وأن الشباب يسير في وادٍ غيره، فليحذروا مغبة ما يفعلون، وخير لبريطانيا أن تفهم هذا ولا تتجاهله، فربما جاءها يوم لا ينفعها فيه هذا التجاهل، وكان خليقاً أن ينفعها الفهم وحسن الإدراك).

هذا حديث الشباب أيها الشيوخ، فتحذروا غداً، فإن القوة التي تتجمع في الصدور قد أوشكت تنقض السدود التي رفعتها بريطانيا وشيدتها وجعلتكم عليها قواماً وحراساً، أيها الشيوخ شاركوا الشباب قبل أن يأتي يوم لا يغني عنكم عقلكم ولا استبصاركم ولا تلبسكم بأثواب السياسة ومسوح الحكمة وعمائم الوقار. وذلك يوم قد دنا أوانه.

محمود محمد شاكر

ص: 9

‌مناظرة هادئة.

. .

للأستاذ علي الطنطاوي

نحن معشر الرجعيين. . لا نرى قتال المرأة ولا نزالها، ونجد ذلك قادحاً بالرجولة، ونعد ذنب المرأة مغفوراً وجنايتها جباراً، ولكن آراء الرجعيين الجامدين من أمثالي. . . صارت أثراً عتيقاً من آثار القرن الماضي لا تصلح إلا لدار الآثار. . . وقد تغيرت الدنيا وأهلها، وأصبح أشد ما تأباه المرأة (أو السيدة إذا شئت الأدب في الخطاب) وتنكره وتراه هواناً لها ونزولاً بها عن منزلتها أن تترفق بها لأنها امرأة وغدت تريد أن تكافح الرجل وتنازله، لا ترى نفسها أصغر من أن تغلبه، ولا تجده أكبر من أن يهزم أمامها، فعلى هذا، وإكراماً للسيدة الجديدة، ومجاراة لها في مذهبها، ووفاء بحق هذه الأمانة، أمانة (القلم) الذي منّ الله به عليّ وجعلني من أهله، لأضرب به في كل ميدان إصلاح، وأقرع به كل معالم الفساد، لا تمنعني من ذلك رهبة عدو، ولا رغبة في مودة صديق. . . لهذا كله أعرض اليوم عرضاً إلى هذه (النهضة النسائية) التي أصبح الكلام فيها واجباً وجوب عين، فعفوكنّ، - يا سيداتي - فأنتن أردتن هذا، وأنه لا يزعجكن - فيما أظن - الكلام في هذه النهضة، لأنها ليست من الضعف (في رأيكن) ومن الوهن بحيث تنهدم من ضربة، وتطير من نفخة، ثم إني كتبت مجيباً لا مبتدئاً. . . ومنتصفاً لا معتدياً. . .

ولا بد لي قبل من ذكر مقالتي (دفاع عن الفضيلة)، لأن هذا الفصل كالتعليق عليها، ولولا الحياء من أن أوصف بالغرور، وبأني ممن يحرص على (صيد) الفرص، لينوه باسم نفسه ويزكيها، لقلت: إنه قلما تصيب مقالة من النجاح الصحفي ما أصابت هذه المقالة (في بلاد الشام)، فقد نفذت نسخ (الرسالة) كلها في ساعات من نهار، حتى صارت النسخة تطلب بأضعاف ثمنها فلا توجد، وقرأ كل نسخة - فيما أقدر - أكثر من خمسة، ومن القراء من أخبرني أنه كان يعقد لها المجالس ليتلوها فيها كما تتلى المحاضرات، وسر بالمقالة جمهور من الناس ودعا لي من أجلها وأثنى عليّ وهنأني، وغضب منها جمهور من الناس ودعا عليّ وشتمني ولعنني، ورأى فيها إخواننا الرجعيون. . . الخيرين أصحاب الفضيلة ترجمة آرائهم ولسان أفكارهم، ورأى فيها المجددون تجديد الباطل، المجردون أنفسهم وأهليهم من ثياب الستر، المبددون تراث الأجداد الماجد الثمين، سداً في طريقهم إلى غايتهم التي يدعون

ص: 10

إليها، وبلاء صبه الله عليهم، وخزياً لهم وغيظاً لقلوبهم، فقالوا: رجعى؛ وقالوا: مجنون؛ وقالوا: مشته محروم ينفس بهذا عن نفسه؛ وقالوا: فاجر يتستر بالدفاع عن الفضيلة، وما باليت كل ما قالوا. . . لأني ما كتبت هذا المقال، وما قبله، ولا ألححت هذا الإلحاح على محاربة تلك المفاسد، ابتغاء رضاء الناس، فأنا أعلم أن من تغضبه هذه الكلمات أطول يداً، وأشد سلطاناً، وأحد لساناً، وأقدر (ولا يقدر إلا الله) على نفعي وضري. ولكني كتبتها، وكتب مثلها الأستاذ سيد قطب، غضباً لله ولدينه ولمحارمه، وتنبيهاً لهذه الأمة الغافلة، أن يفتك بها ذلك الداء، وتحرقها تلك النار، ووطنت نفسي على حمل ما (قد) تأتيني به من الأذى، لأحمل الضعيف العاجز، بل المحارب المقاتل الذي لا تصيبه الضربة حتى يردها بعون الله عشراً. على أني إذا لمت الحكومات ورجالها، فلا أبرئ العلماء ولا الأدباء، فهم أولى باللوم، وأحمل للتبعة، إذ يسكتون عن إنكار المنكر، ولا يسخرون له ألسنتهم وأقلامهم، ولو أنهم أدوا زكاة بيانهم دفاعاً عن الفضائل والأعراض، وأثاروها داحسية بسوسة على الإباحية والفجور، لما حقت هذه اللعنة علينا حتى صار يقود ناشئتنا في دورنا وأسواقنا نفر من الفجار عباد إبليس، سموا أنفسهم كتاباً وصحفيين، وصارت لهم كتب تقرأ ومجلات. . وما كتبهم ولا مجلاتهم إلا الترجمة الفنية لحديث المراقص والمواخير، وبيوت الخنا والزنا، وما يكون فيها من مشاهد وصور، تحملها كل يد إلى كل دار، فيقرؤها الشاب في المدرسة، والفتاة في الخدر، فتكون هادياً لهم إلى تلك البيوت وإماماً!

ولكن المسؤول قبل الحكومات وأرباب البيان، والمجرم الأول، ومنبع الشر ورأس البلاء، إنما هو الأب، الأب الذي يشتري لبنته لباس المرشدات، وتُبّان السباحة، ويقطع لها (تذكرة السفر) إلى بلاج الإسكندرية، وفندق بلدان، ومحافل لبنان، ويرضى لها أن تتكشف وتتعرى، وتحتك بالشبان في الترام، وتشرب القهوة عند البياع في سوق الحرير، ويرسلها إلى مدارس يعلم فيها أدب بشار وأبي نواس شباب في أعصابهم مثل النار التي في أعصابها، فبعثها في رحلاتهم التي تمتد أياماً وليالي، تنزل معهم في الفنادق، وتركب معهم في السيارات، وتؤم معهم المتنزهات، وتسمع (وكيف لا تسمع؟) الفاحش من نكاتهم، والبذيء من أغانيهم، وما أغانيهم إلا غزل في مثلها وتشوق إليها، وهي في السن التي تصرخ فيها غريزتها، وتغلي دماؤها، ويتفتح للحب قلبها!

ص: 11

ولا يدري هذا الأب المغفل القرنان أن ليست عاقبة هذا إلا فضيحة تقصم الظهر أو مرضاً يحمل إلى القبر، ثم إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى!

أقول: إن هذه المقالة شغلت الناس، واختلفت فيها آراؤهم، وكان من أعجب ما سمعت من التعليق عليها، أني كنت في الترام، وكان الترام في تلك الساعة خالياً، فسمعت حديثاً بين امرأتين في غرفة النساء، لا أراهما ولا ترياني، موضوعه التعليق على هذه المقالة، ولست أروي من هذا الحديث إلا كلمتين اثنتين تدلان عليه، قالت الأولى:

- يُهْ! ما تردّي عليه؟ ينزل عليه الدم إن شاء الله، وعلى المشايخ كلهم!

قالت الثانية: وأنت ليش مهتمة فيه، مين راد عليه؟ يبعت له الحمى، يعني بدو نرجع للوراء، ونضيع النهضة النسائية ونرجع جاهلات متحجبات، يتحكم فينا الرجال؟ فشر! إننا سنكسر رأسه!

وليصدقني القراء إذا قلت لهم إن هذا كلامهم بالحرف الواحد! وأنا لا احب أن أرد الشتائم ولا أحسن مثلها مع الأسف الشديد، إنما أحب أن ابحث في اصل الموضوع، أما رأسي فقد عجزت عن كسره أقلام كتاب فحول، حاولته من قبل، والسنة خطباء مقاول، وعصيّ حكام جبابرة، فلن تكسره أقلام طرية، في أيدٍ ذات سوار، رخصة البنان، محمرة الأظافر. لا يا سيدتي، إن الله قد صنعه من (مواد غير قابلة للكسر)، فدعن رأسي وتعالين نتناظر (مناظرة هادئة) في هذه النهضة النسائية، فذلك أجدى عليكن من كسر رأس لا تستفدن من كسره شيئاً. . . لأن رؤوس (الرجعيين) لا تزال كثيرة جداً!

ما هي هذه النهضة النسائية؟ بماذا تختلف نساء اليوم عن نساء الأمس؟ أنا ألخص الاختلاف في كلمات:

كانت نساؤنا تقيات جاهلات متحجبات مقصورات في البيوت، فرقّ دينهن وتعلمن وسفرن وخالطن الرجال، فلننظر في كل خصلة من هذه الخصال، أكانت خيراً أم كانت شراً: أما الدين على (إطلاقه) وخوف الله في السر والعلن، وما يكون معه من الاطمئنان والرضا، والإحسان إلى الناس، والبعد عن الفواحش، وترك الكذب والغش والحسد والمكر، وهذه خلائق يوحي بها كل دين من الأديان الصحيحة والفاسدة، فلا يشك عاقل في أنه خير، وأن تركه شر، وأن هذه النهضة بإبعادها النساء عن شرعة الدين، قد أضرت ولم تنفع، وكان

ص: 12

ضررها مضاعفاً مكرراً، لأنه إن جاز أن يمنع الرجل من الفاحشة خلقه وإرادته، فقد ثبت أن المرأة لا يمنعها منها إلا دينها!

وأما العلم، فهو خير للمرأة بشرط أن تتعلم ما يصلحها ويصلح لها، وألا يوجب تعلمها اختلاطها بالرجال، لأننا إن قدرنا العلم قدره، وعرفنا له فضله، فلا نستطيع أن نفرط من أجله بالشرف ولا نضيع العرض، وهما أكبر قدراً وأكثر فضلاً، وليس معنى هذا أن كل اختلاط يؤدي حتماً إلى إضاعة العرض، لا، ولكن الغرائز موجودة، والشهوات مستقرة في النفس، إن منعها سدّ فقد تطغى فتحطم السدّ أو تعلو عليه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتفع فيه، والعبرة بالشائع الغالب، لا الأقل النادر، وعلى ذلك نزلت الشرائع ووضعت القوانين، ولو كان احتمال سقوط المرأة في هذا الاختلاط واحداً في الألف لوجب منعه وتحريمه، لأن أمة في كل ألف من نسائها واحدة ساقطة لأمة فاجرة ليست بذات خلق قويم، ولا تستحق أن تعيش. . .

ونحن لا نكره أن نرى في نسائنا أمثال باحثة البادية، ووردة اليازجي، ومي، وماري عجمي، ووداد سكاكيني، ولكن أين السبيل إلى أن نوجد أمثالهن؟ وهل توصل إلى ذلك مدارسنا؟ إننا نبصر فتيات يتجاوز عددهن الآلاف المؤلفة، يقطعن الطرقات كل يوم إلى المدارس، غدواً إليها ورواحاً منها وهنْ بأبهى زينة وأبهج منظر، يقرأن كل ما يقرؤه الشبان من هندسة وجبر ومثلثات وكيمياء وفيزياء وأدب غَزِل، ويتعلمن الرسم والرياضة والغناء، ويدخلن مع الشباب في الامتحانات العامة، ويحملن مثلهم البكلوريات والدبلومات، ويجمعهن مجلس بعد هذا كله بالعاميات الجاهليات، فلا تجدهن أصح منهن فكراً، ولا أبعد نظراً، ولا ترى لهذا الحشد من المعلومات الذي جمع في رؤوسهن من أثر في المحاكمة ولا في النظر في الأشياء، فكأن هذه المعلومات الأغاني التي تصب في اسطوانات الحاكي (الفونوغراف) إن أدرتها سمعت لهجة فصيحة، وكلاماً بيناً، ونغماً حلواً، فتقول أنها تنطق، فإذا سألتها وكلمتها رأيتها جماداً أخرس، ليس فيها إلا ما استودعته من الكلام الملحن. . .!

وهذا حق، ما أردت بسرده الانتقاص، ولكن بيان الواقع ثم إن تزوجن لم يمتزن إلا بإهمال الولد، وتركه للخادمات والمراضع، والانصراف عن الدار وأعمالها، والترفع عن الزوج، ثم إنه لا يعجب إحداهن إلا أن تلقي في زوجها حماراً (ولا مؤاخذة) تركبه إلى غايتها، لا

ص: 13

رجلاً تحبه وتطيعه ويحبها ويرفق بها وإن هي اشتغلت معلمة أو محامية أو طبيبة، لم تكن إلا (دون الوسط) في المعلمين والمحامين والأطباء، فما هذا العلم؟ ولماذا لا تتعلم ما ينفعها امرأةً وزوجةً وأماً وربة بيت؟ ولماذا لا تتعلم مع ذلك التحرر من عبادة (الموضات) والأزياء، ومن حب تقليد النساء الغربيات حتى فيما هو ضرر محض، وأن يجعل لها العلم استقلالا في فكرها، تتبع كل ما تجده صالحاً ولو كان مخالفاً للموضة، مبايناً لما عليه أهلها؟

وأما الحجاب، وأعني به ستر الأعضاء التي تثير غرائز الشر في نفوس الرجال، حتى تبقى الفتاة كالجوهرة في صدفتها، لا يصل إليها سارق ولا غاصب، فأنا أفهم سبب ثورة الفساق من الرجال عليه. إنهم يريدون أن يستمتعوا بالجمال المحرم عليهم، ولكني لا أفهم أبداً لماذا يقلدهم النساء في هذه الثورة، وما وضع الحجاب إلا لصيانتهن وإكرامهن؟ وما يضر السيدة الفاضلة المتعلمة إذا لبست اللباس المحتشم الساتر، وهي ترى الرجل الذي تحاول التشبه به لا يكشف إلا وجهه وكفيه، مع أنها هي التي ينبغي ألا يظهر منها إلا وجهها (عند أمن الفتنة) وكفاها؟ فانعكست الحال، وانقلبت الأمور، حتى احتجب الرجال وتكشف النساء؟ وما الذي ربحناه من السفور؟ ليجب من كان عنده جواب مقنع، أما أنا فأدعي أننا لم نربح منه ألا الشرور والفجور، والدلائل حاضرات:

أما الاختلاط، واشتغال المرأة بأعمال الرجال، فأنا اعجب من مطالبة المرأة به، ولا أفهم من منا يريد لها الخير، ومن الصديق لها ومن العدو!

نحن نريد لها أن تكون سيدة حقاً مخدومة لا خادمة، تأتيها حاجتها من غير أن تسعى إليها، وهم يريدون أن تسعى وتزاحم الرجال حتى تصل إلى خبزها، ولو اشتغلت باخس الصناعات وأحط المهن، ويدعون مع ذلك انهم أنصار المساواة.

أين المساواة إذا حملت على ظهرها مثل حمل الرجل وهي تحمل في بطنها ولده، وأخذت مثل وظيفته وهو يغذي نفسه وهي تغذي نفسها وتغذي من ثديها ابنه؟

ثم إنكن تقلدن أوربة، مع أن المرأة تشتغل في أوربة عن عوز وحاجة، وكريمات السيدات لا يشتغلن شيئاً، إنما تعمل البائسات الفقيرات ويتمنين زوجاً يخلصهن من جهد العمل، وإن عقلاء أوربة يصيحون شاكين من مزاحمة المرأة الرجل. فقد عطلت بيتها، وشغلت الرجل ب (غير العمل. . .) فقللت إنتاجه، ورضيت بالأجر الخسيس، فنزلت الأجور، فأضطر

ص: 14

العامل أن يبعث بامرأته إلي العمل، فجاءت قضية الدور التي زعم المناطق أنها من المستحيل!

أفنبدأ نحن من حيث أراد الغرب أن ينتهي؟ أتلحق ما هم يريدون الفرار منه؟!

وهذه هي الصناعات، فأيها تصلح له المرأة العادية وتعدل فيه الرجل؟ اعرضنها كلها من تكسير الحطب وتنظيف المجاري وكنس الطرق إلى المحاماة والقضاء والنيابة والوزارة، وأخبرنني عما تخترن منها. . .

نعم، إن الدهر يجود أحياناً بنساءٍ نابغات يصلحن لبعض أعمال الرجال، ولكن الكلام على سواد الرجال والنساء لا على النادر، فكم هي نسبة الصالحين لكل من هذه الأعمال من الجنسين؟ وإذا صلح لها النساء فهل يصلح الرجل (بالمقابلة) للطبخ وإدارة المنزل وتربية الطفل؟ إن هذا ينتهي بنا إلى إعلان (مساواة الجنسين)، وأنه لم يبق محال للتفريق بين رجل وامرأة؛ وإذن يجب على الحكومة أن تسن قانوناً يجعل الحَبل على كل منهما سنة، فهي تحبل مرة وهو مرة، وهي ترضع ولداً وهو يرضع ولداً، وأن ينص هذا القانون على أن من يستعمل (نون النسوة) يعاقب بغرامة قدرها عشرة جنيهات!

يا سيداتي، إنكن تعودتن منا التشجيع والتصفيق والهتاف، ولكن المسألة خرجت عن المجاملات وصارت مسألة موت لهذه الأمة أو حياة، فأعدن التفكير في أسس هذه النهضة، واجعلن مصلحة الأمة هي الميزان فيها!

يا سيداتي لقد كنا نرجو منكن أن تدفعن عنكن هؤلاء السفلة من الرجال، وأن تصفعهن على وجوههم النجسة، كما تصفع المرأة العفيفة أحد هؤلاء الكلاب إذا حاول الاعتداء عل عفافها، وأن تقاطعن هذه المجلات الداعرة الخبيثة التي تؤذي شرفكن باسم الصحافة والفن، وأن تثرن على هذه الأفلام السينمائية الداعرة، وأن تخرجن معلمات حاذقات وتنادين بمنع كل شاب مهما كان شأنه، معلماً أو مفتشاً أو ناظراً، من تجاوز عتبة مدرسة من مدارس الإناث، فهل تحققن هذا الرجاء، هل تقمن هذه النهضة على أساس الدين والخلق والعلم النافع؟!

(دمشق)

علي الطنطاوي

ص: 15

‌أعلام الفكاهة:

جحا الألماني أو مرآة البومة

للأستاذ كامل كيلاني

لا يسع الباحث - مهما أغفل من الشخصيات الجحوية في أرجاء العالم وهي كثيرة كما رأيتم - أن يغفل الحديث عن (تل) جحا الألمان الملقب: ب (مرآة البومة).

فنحن إذا تركنا الشرق الذي أبدع فيما أبدع من أعلام الفكاهة الشرقية: هذين الجحوين الفاتنين: الشيخ (أبا الغصن دجين بن ثابت) والأستاذ (نصر الدين)، وانتقلنا إلى ألمانيا رأينا شخصية جحوية ثالثة تظهر في العصر الذي ظهرت فيه شخصية الأستاذ (نصر الدين) أعني في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو رجل شديد الشبه بجحا التركي، يكاد يكون - في كثير من أحواله - نسخة مكررة له، إن لم يكن على التحقيق.

وقد نشأ (تل): جحا الألمان، كما نشأ صاحبه الأستاذ نصر الدين: جحا الأتراك فلاحاً يحرث الأرض ويزرعها.

وقد ولد (تل) في مدينة (كنيت من أعمال (برنزويك ومات في (مين بالقرب من (سليسفج عام 1350. قالوا:

وكان كثير السياحة والتجوال على قدميه في أنحاء ألمانيا، ولم يتجاوز (تل) منتصف العقد الثاني من عمره حين مات أبوه في مدينة عاش (تل) و (نصر الدين) كلاهما في عصر واحد، كما ترون، في بلدين متباعدين، من قارتين متجاورتين.

وقد أطلق عليه لقب (مرآة البومة)، وهو لقب بارع الدلالة رائع المغزى. فإن البومة - برغم إجماع الناس - مهما تباينت أجناسهم وعصورهم - على النفرة منها، واستنكار صورتها - لا ترى في المرآة إلا وجهاً طبيعياً ليس به ما ينكر، ولا فيه ما يعاب. وهو لون مبتدع للتعبير عن الحكمة المأثورة الخالدة:(إن المرء لا يرى عيب نفسه).

وقد شاء بعض الباحثين أن يميز (تل) ذلكم الفلاح الذكي بقسط موفور من الغفلة، كما حلا لآخرين أن يعزوا إليه شيئاً قليلا من الخبث. واستدل بعضهم على ضيق ذهنه وموفور غفلته، بما يؤثر عنه من المغالاة في تطبيق ما يسمع تطبيقاً حرفياً، والوقوف عند مدلول الألفاظ الحرفي، غير معنى بما تنطوي عليه في أثنائها من دلالات حقيقية كانت أم مجازية:

ص: 17

وقد أفتن المتخيلون في نسبة كثير من الطرائف إليه في هذا الباب تمثل - أكثر ما تمثل - ألواناً من آراء متخيليها وروح الدعابة الأصلية في نفوسهم.

ولكن أي الشخوص الجحوية سلم من أمثال هذه الغمازات؟ على أن سواد الباحثين يذهبون - في غير مغالاة - إلى أن (مرآة البومة) كان فلاحاً ذكياً مستقيم الفطرة، وأنه لم يلجأ إلى التشبث بحرفية ما يلقى إليه من حديث، إلا رغبة في السخرية من غرور سكان المدن المتحضرين الذين لا يستطيعون إخفاء ما يضمرونه من احتقار لأمثاله من الفلاحين.

ويستدلون على ذلك بقصته مع الخباز، وإليكم خلاصتها فما يتسع الوقت لغير الخلاصات.

قدم (مرآة البومة) على خباز في بعض المدن، واتفق معه على أجر يومي لعمله. وأمره الخباز ذات يوم أن ينجز - في غيبته - ما أعتاد أن ينجزه كل يومٍ من أرغفة الخبز.

فسأله (تل) متبالهاً: (ماذا أخبز؟).

فضاق صدر الخباز بغباء صاحبه، وقال له متهكما:

(اخبز لنا بوماً وغرباناً!):

وما كان أشد حيرته حين عاد فرأى صاحبه يطبق ما سمعه منه تطبيقاً حرفياً، فيخبز كل ما لديه من الدقيق بعد أن يقطعه على صور البوم والغربان وأشكالها، ولا يكاد الخباز يعود، ويرى ما فعله (تل) حتى يتملكه الغيظ، فينهال عليه تعنيفاً وتقريعاً. فيقول (تل):(ماذا يغضبك؟ ألم تقل لي ذلك؟ ألم تأمرني أن أخبزه بوماً وغرباناً).

فإذا اشتد هياج الخباز قال له (تل): (هون عليك يا صاحبي ولا تتماد في غضبك، وخبرني ثمن ما أتلفت من خبز؟).

فيقول: (جنيهان) فينقده (تل) ما طلب. ثم يحمل السلة إلى السوق، فلا يكاد يراها الناس حتى يتهافتوا على شراء تلك الأشكال الطريفة التي أبدع صنعها ولم يكن لهم عهد بمثلها فيبيعها بخمسة أمثال ما دفعه للخباز. وينمي إلى الخباز ما ظفر به صاحبه من نجاح، فيعود إليه مستعطفاً، ليستأنف عمله، بعد أن ظهر له وجه الفائدة في ابتكار (تل) ولكنه لا يعثر له على أثر. فقد غادر المدينة، وكأنما كان (تل) يتوقع هذه النتيجة، فذهب إلى مكان آخر ليستديم حسرة الخباز عقاباً له على ما أسلفه إليه من إساءة وغرور.

ومن بديع ما يستدل به الباحثون على حرص (تل) على التقيد بحرفية ما يقول بعد أن

ص: 18

استدلوا - بما أسلفناه - على حرصه على التقيد بحرفية ما يسمع، تلكم الطرفة التالية:

سأله سائل: ترى بعد كم من الزمن أبلغ المدينة؟

فقال له (تل): سر في طريقك.

فحسبه الرجل لم يسمع، فأعاد عليه السؤال مكرراً رجاءه بصوت مرتفع. فأجابه (تل) نفس إجابته الأولى. فغضب الرجل وحسبه يهزأ به. فصرخ فيه: أجب عن سؤالي أيها الغبي؟

فقال له: (سر في طريقك) فتركه الرجل، وسار في طريقه وهو يكيل له اللعنات، والغضب آخذ منه كل مأخذ، ولم يكد الرجل يبتعد عنه قليلاً حتى صاح به (تل) أن يتمهل ربما يفضي إليه بأمر يعنيه. فوقف الرجل متعجبا من غرابة أطوار هذا الرجل. وسأله:(ماذا تريد؟).

فقال له في هدوء الفيلسوف: (إذا سرت على هذا النهج بلغت المدينة بعد ساعتين).

لم يفهم الرجل أول الأمر ما يعنيه (تل) بقوله: سر في طريقك وحسبه يتعالى عن أجابته ويرغب في التخلص من رؤيته، ولكنه أدرك أخيراً أن صاحبه على صواب، فلم يكن في وسعه وهو يتوخى الصحيح في أجابته أن يعرف مدى الزمن الذي يستغرقه حتى يبلغ المدينة قبل أن يتعرف من مشيته مدى أتساع خطوته.

ألم يقل أبو نواس: (عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء) ثم، ألم يقل المتعمقون: إن لكل مسألتين وجهين على الأقل؟ فها هو صاحبنا يأخذ في فهم ما يسمع وما يقول بالوجه الثاني للمسألة، فلا يبعد في حاله عن الصواب. ورحم الله القائل:

خذا وجه هرش أو قفاه، فإنما

كلا جانبي هرش لهن طريق

ومن عجيب المصادفات أن تجني الحرفية والتشبث بالمشكلات اللفظية على صاحبنا بعد مماته، كما جنت عليه أثناء حياته. فإن لقبه:(مرآة البومة) مؤلف - كما ترون - من لفظين: (مرآة) و (بومة)، وكلمة مرآة تكتب بالألمانية (سيجل وتذكرنا حروف رسمها كلمة (سجنجل) ومعناها - فيما يعلم القارئ - مرآة، وهي ترجمتها بالعربية.

ولكن حروف سييجل، إذا لفظها الألماني قلب الياء الأولى باء، فنطقها (شبيجل) دون أن يثبت هذا القلب في كتابتها. وقد استخرج الفرنسيون منها لفظاً يجمع بين الكتابة والنطق، وتمسكوا بالحرفية في كليهما، فأضافوا إلى بنية الكلمة المكتوبة حرف (الباء؟) الذي ينطق

ص: 19

به الألمان ولا يثبتونه. وبذلك تألفت منها كلمة (اسبيجل ومعناها: ألعبان أو هازل ثم خرجوا منها كلمة ومعناها الألعبانية أو المجون. ثم أوحى لهم هذا التخريج الجائر ومشتقاته أن ينحلوه قصصاً يدور محورها على الهزل والمجون. فكان لهم ما أرادوا. ورحم الله المتنبي القائل: (ومثلك من تخيل، ثم خالا).

وقد ذكرتم تلكم المغالطة اللفظية - أو الحرفية إن توخينا الدقة - بمغالطة أخرى منطقية ابتدعها ابن الرومي الشاعر البارع منذ أكثر من أحد عشر قرناً تخلص منها إلى نتيجة عجيبة، لا تقل في غرابتها عما وصل إليه ذلكم الساخر الفرنسي الذي جوز لفظ المرآة - وهي ترمز إلى الطيبة أو الغفلة - إلى لفظ (الألعبان) وفيه من الخبث ما فيه.

اتخذ ابن الرومي من قول الإمام العراقي أبي حنيفة بجواز شرب النبيذ وتحريم شرب الخمر، ومن رأى الإمام الحجازي الشافعي: أن النبيذ كالخمر، نتيجة لم تخطر على بال الإمامين. كما تعلمون وكما يعلم ابن الرومي المغالط الأكبر أن يقول:

(إن النبيذ كالخمر فهو مثلها حرام)، وعكس ابن الرومي قصد الإمام فقال: مادام النبيذ حلالا في رأي أبي حنيفة، والخمر كالنبيذ في رأي الشافعي، فالخمر حلال كالنبيذ في رأي القياس المنطقي.

وهكذا استطاع الخبيث بما وهبه الله من أدوات الخبث وفنون المغالطة أن يتخذ من المنطق سلماً إلى الفرار من الحقيقة التي لم يخلق المنطق إلا لدعمها وبنائها، فقال: غفر الله له:

أجاز العراقي النبيذ وشربه

وقال (الحرامان المدامة والسكر)

وقال الحجازي: (الشرابان واحد)

فحلت لنا من بين قوليهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما

وأشربها، لا فارق الوازر الوزر

الحظ السعيد

ومن بديع سخرية (تل) وتهكمه، ما تمثله لنا قصته مع أحد السادة وكان يصحبه إلى الغابة ليصطادا؛ فلقيا في سيرهما أرنبا صغيراً يجري مسرعاً، وكان صاحبه كشاعرنا ابن الرومي، من المتطيرون. فلم يطق مواصلة سيره خشية أن يصيبه مكروه في ذلك اليوم، وحاول (تل) أن يقنعه بسخف ما يذهب إليه المتطيرين، فلم يفلح. فلما جاء اليوم التالي رأيا في طريقهما إلى الغابة ذئباً فقال له (تل): الآن وجب علينا أن نرجع، حتى لا يصيبنا

ص: 20

مكروه! وليس في أيدينا ما ندفع به عاديته من السلاح. فراح صاحبه يهون عليه ويقلل له من خطره، ويحدثه أن الذئب متى أعترض الإنسان في طريقه، فذلك بشرى بما تدخره له الأقدار من حظ سعيد، وحاول (تل) أن يثنيه عن عزمه في متابعة السير، ويقنعه بفساد هذه الخرافة فلم يفلح.

ثم لم يلبث (تل) أن ظهرت رجحان رأيه بعد قليل: فقد أقبل الذئب على جواد صاحبه، وهو مربوط إلى بعض أشجار الغابة، فافترسه وأكل من لحمه ما شاء، و (تل) وصاحبه مشغولان بالصيد. فلما عادا ورأيا الذئب منهمكاً في تمزيق لحم الجواد وازدراده، التفت (تل) إلى صاحبه، وقال له متهكما:

(ما أصدق رأيك يا صاح: ألا ترى حسن الحظ وهو يأكل جوادك).

بحسبنا هذا القدر على وجازته وإلا امتد بنا نفس القول فشغلتنا طرائف (مرآة البومة) عما هدفنا له من أغراض. على أنني أجتزئ في الحديث بتلكم الطرفة التي تعزى إلى (تل) مرة والى (بات) مرة أخرى، وإن كانت بثانيهما ألصق، وبطبعه أليق.

فهي من أبرع ما قرأته من أخبار هذه الشخصيات الرائعة: فقد زعموا أنه بعث إلى خليلته أو حليلته، فما يدري ذلكم أحد على وجه التحقيق، بالكتاب الآني:

(أرجو، إذا لم تصل إليك هذه الرسالة، أن تسرعي - من فورك - بالكتابة إليّ لأعرف أنك لم تقرئيها.

كما أرجو أن تعلمي أيتها العزيزة - إن كنت لا تعلمين - أنني لا شأن بما يقع في كتابي من خطأ في بعض الأحيان. فلست أنا مصدرها، ولا يجوز أن أحاسب عليها. إنما يؤخذ بها قلمي، فهو من نوع غير جيد، وكثيراً ما يتعثر في الكتابة، ويخونه التوفيق، فيجري بغير الصواب.

كامل كيلاني

ص: 21

‌رد على نقد:

مع البلاغيين. . .

للأستاذ علي العماري

كتب الأستاذ كامل شاهين في عدد (الرسالة)(692) مقالاً تحت عنوان (علوم البلاغة بين القدامى والمحدثين) يرد به عليَّ وعلى الأستاذ علي الطنطاوي فيما كتبناه عن علوم البلاغة في الجامعة. وأنا أوثر أن أترك للأستاذ الطنطاوي أن يرد عما وجهه إليه الكاتب. فللأستاذ أسلوبه وقلمه البليغ، وما أحب أن يحرم قراء (الرسالة) من بيانه في هذا الموضوع.

والأستاذ شاهين مشكور لأنه لما رأى سكوت الأستاذ الخولي وجماعته من الذين يسمون أنفسهم (الأمناء) تبرع بالذب عنهم، والانتصار عنهم، والانتصار لهم، وما أظنهم راضين عنه فقد كان السكوت أولى من مثل هذه الرد المملوء أخطاء وتخليطاً، وحسب القراء أن أنقل إليهم الفقرة الأولى من كلامه ليتبنوا مدى ما فيها من الأغاليط:

1 -

(تقول إن الفكرة المتسلطة عليه في هذا الفن أن يجعل لكل عبارة من عباراته منبعاً لمعان نفسية. أي نعم يا عليّ، أأنت قرأت تعريف البلاغة؟ إن الذي لا يختلف فيه اثنان هو أن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ولا أزيد بيانا ولا بسطا ولكن هذه المطابقة لا تكون إلا بإدراك المتكلم لنفسية السامع وما تحوي من ملابسات. فهذا فحوى كلام الأستاذ الخولي أفتماري في هذا؟ إذن فهات تعريفك أنت لعلم البلاغة فأنا منتظرون).

وأنا قد قرأت تعريف البلاغة، واطلعت على أكثر الكتب التي عرفت البلاغة، ومما يؤسف له يا سيد كامل أن أحداً من العلماء لم يعرف البلاغة هذا التعريف الذي كرته، ويبدو لي أنك تريد أن تجدد كما يجدد الشيخ أمين الخولي، والتجديد سهل ميسور، ما دام قصارى المجدد أن يسوق قضايا مخطئة، وإليك ما أعرفه أنا وما يقوله العلماء في تعريف البلاغة:

ذكر يحيى بن حمزة صاحب كتاب الطراز وهو من الكتب المعدودة في البلاغة تعريفها فقال: (أعلم أن البلاغة في وضع اللغة هي الوصول إلى الشيء والانتهاء إليه فيقال بلغت البلد أبلغه بلوغاً والاسم منه البلاغة، وسمي الكلام بليغاً لأنه قد بلغ به جميع المحاسن كلها في ألفاظه ومعانيه، وهو في مصطلح النظار من علماء البيان عبارة عن الوصول إلى المعاني البديعة بالألفاظ الحسنة، وإن شئت قلت هي عبارة عن حسن السبك مع جودة

ص: 22

المعاني) فهذا عالم من علماء القرن الثامن الهجري وهو يذكر أن هذا التعريف (في مصطلح النظار من علماء البيان) وعرفها أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين فقال: (البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن)، وللعلماء والأدباء تعاريف كثيرة للبلاغة ليس منها: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

ونحن إذا ما سألنا طالباً صغيراً عن تعريف علم المعاني يقول: (إنه علم بقواعد وأصول يعرف بها مطابقة الكلام لمقتضى الحال). فإذا قلنا له: هل مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي البلاغة يقول: لا. بل لابد من زيادة وإضافة إليها. فنقول كما قال بعض العلماء (مع فصاحته)، وهذه عبارة مهمة جداً ومكملة للتعريف.

والطلاب الصغار يعرفون أن علوم البلاغة ثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع. وأن لكل علم تعريفاً خاصاً، ولا يصلح تعريف علم منها لأن يكون تعريفاً للبلاغة. فهل يصر الأستاذ شاهين على أن هذا التعريف للبلاغة (لا يختلف فيع اثنان) أو يسلم معنا أنه كبا حيث أراد النهوض.

على أني كنت أنقد كلام الأستاذ في علم البيان وقلت (في هذا الفن) أقصده فهل يحتج بتعريف علم المعاني على كلام في علم البيان؟

2 -

قلت إن اللغة العربية مملوءة بالتشبيهات المحسة التي لا ترمي إلى معان وراءها، وعبت على الشيخ الخولي أن يعتبر جمل العلماء بيان حال المشبه من أغراض التشبيه (كلاماً فارغاً) فجاء الأستاذ شاهين يرد علينا هذا، وهو لم ينصف الشيخ أمين ولم ينصفنا.

العرب يقولون: أسود كحنك الغراب، ويقولون: أحمر كالدم القاني، ويقول امرؤ القيس:

ترى بعر الآرام في عرصاتها

وقيعانها كأنه حب فلفل

ويقول الله سبحانه وتعالى (وجفان كالجواب وقدور راسيات) أفلا تكون هذه التشبيهات مقبولة حتى نتلمس لها معاني وراءها.

على أن الخبط وتلمس المعاني سهل ميسور ما دمنا لا نبالي الخطأ. فكل إنسان يستطيع أن يحمل النصوص ما لا تحتمل، ولذلك مثال سقناه في مقالنا الثالث المنشور في (الرسالة) وهو تعليق الشيخ أمين على بيت بشار بن برد.

ص: 23

3 -

ونحن لا نأخذ كلام المتقدمين قضايا مسلمة دائماً، كما لا نهتم أذواقهم ولكنا نقبل منها المقبول، نرفض ما يتبين أنه ضعيف واهٍ. وليس كلامهم الذي سقناه بالكلام الضعيف الواهي ولكنه حسن جميل يعتمد على الذوق قبل كل شيء، فأنت حين تسمع ذكر المشبه تستشرف لما يجيء بعد وتخطر في ذهنك أكثر التشبيهات القريبة؛ فإذا جاء الشاعر أو الناثر بتشبيه بعيد نادر وقع من نفسك موقعاً حسناً، وعرفت مقدار ما عانى الشاعر في استخراج هذا التشبيه. والتشبيه فن، وهو يكون في الماديات البحتة كما يكون في المعنويات، وتلمس المعاني وراء كل تشبيه إنما هو تعنت وحذلقة.

أين المعاني النفيسة وراء قول طرفة:

كأن حدوج المالكية غدوة

بقايا سفين بالنّواصف من دد

أو قول امرئ القيس:

كأن ثبيراً في عرانين وبله

كبير أناس في بجاد مزمّل

أو قول المهلهل بن ربيعة:

كأنة غدوة وبنى أبينا

بجنب عنيزة رَحَيَا مدير

أو قوله:

كأن رماحهم أشطان بئر

بعيد بين حالَيْها غرور

الخ. . . الخ.

وتكذب على هذه التشبيهات بما شئت فأنك تستطيع أن تحيطها بكثير من المعاني، ولكنها بعد من عندك وصنعك، ولم يفكر فيها الشاعر ولا إليها قصد.

يختلف معي الأستاذ شاهين في سر إعجاب جرير بن الخطفي بتشبيه عدي بن الرقاع في بيته:

تزجى أغن كأن إبرة روقه

قلم أصاب من الدواة مدادها

فهو يرى أن سر إعجابه أن هذا التشبيه حضري وعدى بدوي جلف جاف، وأنا أرى أن سر الإعجاب أن الشاعر استطاع أن يأتي بمشبه به موافق كل الموافقة للمشبه. ثم جاء به من كان بعيد لا ينتظر أن يهتدي إليه.

غزال صغير له قرن صغير في طرفه سواد أراد الشاعر أن يلتمس له شبهاً وجرير حاضر

ص: 24

فوقع في نفسه أنه لا يمكن الإتيان بشبيه له لدقته وبعده عن الإفهام، فلما تهدى إليه الشاعر ووجده في قلم لم يصب من المداد إلا قليلا ووجد جرير أن الشبه تام بين المشبه والمشبه به عدياً على هذه القوة البيانية.

أما أنه حسده على أنه أتى بشبيه حضري فمعنى ذلك أن جريراً كان يتوقع من الشاعر أن يهتدي لهذا التشبيه نفسه أو مثله من التشبيهات الحضرية، وما أظن جريراً خطر على باله شيء من ذلك. وهب أن شاعراً شبه شيئاُ بدوياً بشيء حضري وكان التشبيه ضعيفاً واهناً أكان يعجب ذلك جرير. لا. وإنما إعجابه كان لما ذكرنا.

5 -

كنت أحب للأستاذ شاهين أن يخلو نقده من هذه الكلمات.

(فليسمح لي الزميلان الطنطاوي والعماري أن ألفت نظرهما إلى مزالق ما كنت أحب لهما أن يتورطا فيها أو ينحدرا إليها).

وقوله: (فأما إذا انحدرت إلى هذا فهلم) وقوله: (وليس هذا بالكلام يصغي إليه) إلى غير ذلك من الكلمات التي تجرح وأظن أنا كلنا له صاعاً بصاع فان زاد زدناه.

علي العماري

المدرس بمعهد القاهرة

ص: 25

‌الشرع الإسلامي وعلماء الفرنج

للأستاذ مصطفى محمد حسين

(كتب الفرنج كثيراً عن الشرع الإسلامي وعن النبي العربي صلى الله عليه وسلم، وفي ما كتبوه الغث والسمين، والحالي والعاطل، والحق والباطل، ولكن العصر الأخير أنصف الإسلام كثيراً بالقياس إلى العصور الخوالي، كما يستبين من الأقوال التي أنقلها ولو عني المسلمون بدعاية منظمة للإسلام لصححوا أباطيل كثيرة وبددوا أوهاماً كثيرة تتعلق بهم وبدينهم، ولاهتدى إلى الإسلام جم غفير يؤثرون تأثيراً شديداً في مجرى السياسة العامة).

قال كارليل: في الإسلام خلة أراها من أشرف الخلال وأجلها، وهي التسوية بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي، فنفس المؤمن راجحة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء. والإسلام لا يكتفي بجعل الصدقة سنة محبوبة بل يجعلها فرضاً حتماً على كل مسلم، وقاعدة من قواعد الإسلام، ثم يقدرها بالنسبة إلى ثروة الرجل، فتكون جزءاً من أربعين من الثروة تعطى إلى الفقراء والمساكين والمنكوبين. جميل ولله كل هذا، وما هو إلا صوت الإنسانية، صوت الرحمة والإخاء والمساواة يصيح من فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والصحراء صلى الله عليه وسلم.

وقال الدكتور انسباتو الإيطالي في كتاب: (الإسلام وسياسة الحلفاء) الذي نشره سنة 1919: إن الكرم العلمي والصدقة الفكرية صفتان من صفات الإسلام شأنهما أن تجعلا الأمة العاملة بهذا الدين أهلا لأن تبلغ من الحضارة ذروتها العليا.

لما كان الأستاذ أمين الريحاني في السفينة الشراعية على ساحل جزيرة البحرين قاصداً ساحل الإحساء أثقل الهواء جفنه فنام قليلا، ثم أيقظه صوت الملاحين، وهم إذ ذاك يشتغلون في قلب الشراع طوعاً للريح ويرددون:(صلي على النبي) فقال الريحاني في كتابه (ملوك العرب) يصف أثر ذلك في نفسه: وربك أيها القارئ ما سمعت في أنغام الليل على المياه أطرب منها، إلا أن يكون صوت المؤذن في الخليج وهو يؤذن الفجر، ليس في صلوات الأمم كلها أدعى منه إلى الورع والخشوع، وقل فيها ما هو أجمل وقعاً في النفس من صلاة الملاح في ظل الشراع.

اجتمع الأستاذ محمد لطفي جمعة مع السيد توفيق البكري، بعد عودته من مستشفى بيروت

ص: 26

إلى القاهرة، ودار بينهما حديث نشره المقطم، ومما قال فيه: وجاء على لساني عرضاً ذكر برتلميه سانت هيلير فقال السيد: بعد أن تنتهي من حديثك سأذكر عبارة تاريخية تنسب إلى سانت هيلير. فتكلمت وأسهبت، ولكن السيد لم ينس وعده فلما انتهيت قال لي:

قال سانت هيلير في تاريخ النبي محمد الذي ألفه باللغة الفرنسية إنه كان يشك في صدق النبي في رسالته حتى قرأ في جميع السير أنه لما نزلت آية الحفظ ووعد الله نبيه بأنه سيتولى حراسته (والله يعصمك من الناس). بادر محمد إلى صرف حراسه، والمرء لا يكذب على نفسه ولا يخدعها؛ فلو كان لهذا الوحي مصدر غير الله لأبقى محمد على حرسه.

وقالت مسز سررجني نائدو الشاعرة الهندوسية: لقد دعا الإسلام قبل اليوم بثلاثة عشر قرناً إلى المساواة والأخوة، وقد أسس الإسلام أول جمهورية كان القانون الإلهي رائدها، والفقير والغني سواء فيها، ولا شك مطلقاً أنه يأتي يوم يبتلع الإسلام فيه جميع الأديان.

وقال شبي شميل: إن في القرآن أحوالا اجتماعية عامة، حتى في أمر النساء فأنه كلفهن بأن يكن محجوبات عن الريب والفواحش، وأوجب على الرجل أن يتزوج بواحدة عند عدم إمكان العدل، وأن القرآن فتح أمام البشر أبواب العمل للدنيا والآخرة، ولترقية الروح والجسد، بعد أن أوصد غيره من الأديان تلك الأبواب فقصر وظيفة البشرية على الزهد والتخلي عن هذا العالم الفاني.

وقال هنري دي شامبون مدير (ريفوبارلمنتير) الفرنسية: لولا انتصار جيش (شارل مارتل) الهمجي على تقدم العرب في فرنسة لما وقعت فرنسة في ظلمات القرون الوسطى ولما أصيبت بفظائعها ولا كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني والمذهبي. ولولا ذلك الانتصار البربري على العرب لنجت أسبانيا من وصمة محاكم التفتيش، ولولا ذلك لما تأخر سير المدنية ثمانية قرون، ونحن مدينون للشعوب العربية بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة؛ مع أننا نزعم اليوم أن لنا حق السيطرة على تلك الشعوب العريقة في الفضائل. وحسبها أنها كانت مثال الكمال البشري مدة ثمانية قرون، بينما كنا يومئذ مثال الهمجية، وإنه لكذب وافتراء ما ندعيه من أن الزمان قد أختلف، وأنهم صاروا يمثلون اليوم ما كنا نمثله نحن فيما مضى.

ص: 27

وقال المؤرخ ولز الإنجليزي كبير كتاب إنجلترا: كان النبي محمد زراعياً وطبيباً وقانونياً وقائداً، وأقرأ ما جاء في أحاديثه تتحقق صدق ما أقول، ويكفي أن قوله المأثور:(نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع) هو الأساس الذي بني عليه علم الصحة، ولم يستطع الأطباء على كثرتهم ومهاراتهم أن يأتوا بنصيحة أثمن من هذه. وقال إن محمداً هو الذي استطاع في مدة وجيزة لا تقل عن ربع قرن أن يكتسح دولتين من أعظم دول العالم وأن يقلب التاريخ رأسا على عقب، وأن يكبح جماح أمة اتخذت من الصحراء المحرقة سكنا لها واشتهرت بالشجاعة ورباطة الجأش والأخذ بالثأر واتباع آثار آبائها، ولم تستطع الدولة الرمانية أن تغلب الأمة العربية على أمرها. فمن الذي يشك أن القوة الخارقة للمادة التي استطاع بها محمد أن يقهر خصومه هي من عند الله.

وقال غوستاف لوبون: يستعيد العالم الإسلامي اليوم من قوته ما يضطر أوربة إلى أن تطأطأ له رأسها.

وقال المؤرخ الفرنسي لافيس: كان محمد مشهوراً بالصدق منذ صباه حتى كان يلقب بالأمين. . الخ.

وقال غود فزوا دمبومبين وبلاتونوف في (تاريخ العالم): غاية ما نقدر أن نجزم به هو تبرئة محمد من الكذب والمرض، وإنما كان محمد ذا مواهب إلهية عليا ساد بها أبناء عصره، وهي رباطة الجأش وطهارة القلب وجاذبية الشمائل ونفوذ الكلمة وأنه كان عابداً عظيماً، وأنه كان يجمع بين حرارة الاعتقاد بالرسالة التي هو مأمور بها من جانب الحق تعالى، وبين ملكة الأعمال الدنيوية ومعرفة استخدام الوسائل اللازمة لنجاح تلك الرسالة.

وقال غروسه صاحب (مدنيات الشرق): كان محمداً لما قام بهذه الدعوة شاباً كريماً مملوءاً حماسة لكل قضية شريفة، وكان أرفع جداً من الوسط الذي كان يعيش فيه، وقد كان العرب يوم دعاهم إلى الله منغمسين في الوثنية وعبادة الحجارة، فعزم على نقلهم من تلك الوثنية إلى التوحيد الخالص البحت، وكانوا يفنون في الفوضى وقتال بعضهم بعضاً، فأراد أن يؤسس لهم حكومة ديمقراطية موحدة، وكانت لهم عادات وأوابد وحشية تقرب من الهمجية، فأراد أن يلطف أخلاقهم، ويهذب من خشونتهم. . . الخ.

وقال الأستاذ منوته أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جنيف في كتابه (محمد والقرآن): أما

ص: 28

محمد فكان كريم الأخلاق حسن العشرة عذب الحديث صحيح الحكم صادق اللفظ، وقد كانت الصفات الغالبة عليه هي صحة الحكم، وصراحة اللفظ، والإقناع التام بما يعمله ويقوله. . . إن طبيعة محمد الدينة تدهش كل باحث مدقق نزيه المقصد بم يتجلى فيها من شدة الإخلاص، فقد كان مصلحاً دينياً ذا عقيدة راسخة، ولم يقم إلا بعد أن تأمل كثيراً وبلغ سن الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة التي جعلته من اسطع أنوار الإنسانية في الدين. . . ولقد جهل كثر من الناس محمداً وبخسوه حقه. . . ولقد منع القرآن الذبائح البشرية والخمر والميسر، وكان لهذه الإصلاحات تأثير غير متناه في الخلق، بحيث ينبغي أن يعد محمد في صف أعاظم المحسنين للبشرية. . . إن حكمة الصلاة خمس مرات في اليوم هي إبقاء الإنسان من الصباح إلى المساء تحت تأثير الديانة ليكون دائماً بعيداً عن الشر. وحكمة الصيام تعويد المؤمن غلبة شهوات الجسم، وزيادة القوة الروحية في الإنسان. وحكمة الحج هي توطيد الإخاء بين المؤمنين وتمكين الوحدة العربية فهذا هو البناء العظيم الذي وضع محمد أساسه، وثبت وما يزال ثابتاً إزاء عواصف الدهور الدهارير.

وقال ولز: إن ديانة محمد كان فيها روح حقيقية من العطف والكرم والإخاء، وكانت بسيطة مفهومة سائغة، وكانت ملأ بمكارم الأخلاق وعلو النفس والمعالي التي يشغف بها أهل البادية.

وقال العلامة هيار أستاذ الألسن الشرقية في باريس في كتابه (تاريخ العرب): اتفقت الأخبار على أن محمداً كان في الدرجة العليا من شرف النفس، وكان يلقب بالأمين، أي الرجل الثقة المعتمد عليه إلى أقصى حد، أي كان المثل الأعلى في الاستقامة.

مصطفى محمد حسين

ص: 29

‌الأدب في سير أعلامه:

ملتن. . .

(القيثارة الخالدة التي غنت أروع أناشيد الجمال والحرية

والخيال. .)

للأستاذ محمود الخفيف

- 29 -

البطل الضرير:

وآن أنْ يتجه ملتن إلى الأدب بعد طول انقطاعه عنه، وكان يميل به إلى الأدب ما تنطوي عليه نفسه من حنين إليه شديد، ما برح يملأ خاطره كلما خلا إلى نفسه لحظة من السياسة ومشكلاتها وخصومتها، وتزايد هذا الحنين في نفسه إلى الشعر حين اطمأن قلبه من جهة إلى أنه أحسن البلاء فلم يعد يقوى على مجادلته خصيم، وحين توجس قلبه من جهة أخرى خوفاً من المستقبل، إذ كان يكربه إعراض الناس عن الجمهورية، وتزايد رغبة الكثرة في إعادة الملكية وإن كان لا يجرؤ أحد على الجهر بذلك؛ وكذلك دب إلى قلبه السأم من كرمول نفسه فيما يتصل بسياسته الدينية إذ كان كرمول لا يريد أن يتحول عن إقامة كنيسة تشرف عليها الدولة، ويكون لرجالها حقوق وامتيازات مالية؛ وكان ملتن شديد التمسك بفصل الكنيسة عن الدولة لأنه يعتقد أن قيام طائفة دينية تعتمد في حياتها على الدولة هو سبب ما يلحق بهذه الطائفة من فساد، ثم تكون هذه الطائفة بدورها السبب الأكبر في فساد الدولة. . .

لهذا رغب ملتن وقد أزعجه شبح اليأس أن يعكف على الشعر فلا تكون له إلى السياسة عودة، وقد جعل مرتبه معاشاً له مدى حياته فزالت مخاوف الرزق، والحق أنه بعد رده على مورس بات فيما يشبه العزلة، أما عمله الرسمي فكان نائبه فيه يؤديه عنه إلا إذا استدعى الأمر إشرافه، ولم يك ذلك في الأكثر إلا عند كتابة الرسائل الهامة باللاتينية أو ترجمة ما يرد منها إلى الإنجليزية وكان يستعان بغيره أحياناً فيما يتطلب الدقة والمراجعة.

ص: 30

ولم يستدع إشرافه واهتمامه بعد تلك المعارك العنيفة بينه وبين خصوم الجمهورية إلا حادث وقع سنة 1655 فاهتز له البروتستانت في أوربا كلها، واهتم به كرمول اهتماما عظيماً، وشايعه في ذلك ملتن وامتلأت يده بسببه بالمكاتبات وذلك هو مذبحة بيدمنت؛ وخلاصتها أن شارل عما نويل الثاني دوق سافوي وأمير بيدمنت، قد أنذر البروتستنت في بيدميت منه بريح عاتية فعليهم أن يعتنقوا الكاثوليكية وإلا فليخرجوا من ملكه في مدى عشرين يوماً، وكأنما رأى هذا الأمير أن المذاهب حتى الدينية منها كالثياب لا يكلف الناس فيها إلا استبدال ثوب بثوب! ورفض البروتستنت في بيدمنت أن يذعنوا لهذا الطغيان وآثروا أن يذوقوا العذاب ألوانا، فأرسل عليهم الملك طائفة من جنده أكثرهم من المرتزقة، وما فيهم إلا كل فظ غليظ القلب كأنما قدمت كبده من صخر فأخذوا يذبحون من يلقون أو يقذفون بهم رجالا ونساء وأطفالا من فوق الجبال إلى الأودية ولقد وجد الناس أما ورضيعها في قرار سحيق في أحد الأودية، قد ألقى بهما من فوق الجبل، أما الأم فكانت جسداً هامدا ولكنها كانت تحتضن بيديها الميتتين الباردتين رضيعها ولما يزل على قيد الحياة. . .

وضج البروتستنت في أوربا بالسخط، وقال كرمول إن الحادث قد مس قلبه كما لو كان يتصل بأقرب الناس إليه وأعزهم عنده، وأمر فجمع الشعب الإنجليزي أربعين ألف جنيه معونة للمنكوبين، وأحتج كرمول، وأخذ يتأهب ليعقب احتجاجه بتدخل مسلح لولا أن تداركت فرنسا الأمر، وحملت شارل عما نويل الثاني على سحب قراره. فعاد إلى البروتستنت في بيدمنت الأمن والهدوء.

ولم يقتصر ملتن على إملاء رسائل الحكومة؛ بل أعلن سخطه في مقطوعة من أقوى مقطوعاته الشعرية ومن أكثرها ذيوعا قال: (انتقم أيها المولى العلي لقديسين. المذبوحين الذين تتناثر أعظمهم على جبال الألب الباردة، فقد حل العذاب حتى بهؤلاء الذين حافظوا على دينك الحق خالصاً كما كان في عهده الأول في حين كان يعبد آباؤنا الأوثان والأحجار؛ لا تنسهم أيها المولى، وسجل في كتابك أنين هؤلاء الذين كانوا قطيعك والذين ذبحهم في قرارهم القديم أولئك السفاحون من أهل بيدمنت، وألقوا بالأم وطفلها من حالق فوق الصخور ترميهم صخرة إلى صخرة؛ لقد كان لأناتهم في الأودية صدى رفعته إلى

ص: 31

التلال، ونقلته التلال إلى السماء؛ انثر أيها المولى دمائهم الشهيدة وأشلاءهم على حقول إيطاليا كما تنثر البذور حيث لا يزال يتسلط الطاغية الثلاثي عسى أن ينمو من هذه مائة نمو فيكون منها جيل يعجل وقد علم سبيلك بالقضاء على هذا الكرب البابلوني).

وجنح ملتن إلى العزلة بعد هذا الحادث، وكان يقضي اكثر الوقت في بيته، يقرأ له ابن أخته أو غيره من تلاميذه القدامى أو من محبيه من المتأدبين حاشيتي النهار وطرفاً من الليل، وكان يدير في رأسه في تلك الأيام ما عسى أن ينهض له من الشعر. ففكر في أن يجعل موضوعه بطولة الملك آرثر، ذلك الموضوع الذي فكر فيه من قبل فينظم الآرثريادا كملحمة يسجل فيها فترة من تاريخ قومه؛ ولكن أكثر اتجاهه كان إلى موضوع آخر كما يذكر ابن أخته وذلك هو (قصيدة من قصائد البطولة عنوانها الفردوس المفقود)، واقتصر جهده على التدبير في هذا الموضوع والصورة التي يصوغه فيها وقراءة ما يتصل به، وكان أول الأمر يريد أن يتخذ نوعاً من المسرحيات لباساً له؛ على أنه كما يذكر ابن أخته فيلبس لم يبدأ نظم قصيدته فعلاً إلا سنتين قبل عودة الملكية أي سنة 1685. . .

وكانت الحكومة قد أسكنت ملتن هويت هول في أول عهده بالوظيفة، ولكنه لم يلبث هناك طويلاً فاستأجر بيتاً على مقربة من حدائق سان جيمس وعاش فيه منذ سنة 1652، وفي هذا المنزل أقام ملتن حتى سنة 1660 حيث أجبرته عودة الملكية إلى الاختفاء حينا لينجو بنفسه من الهلاك.

وكان يزوره في منزله أصدقاؤه، وهم بين تلميذ له جاوز مرحلة التعلم أو معجب به من المثقفين، وقل في زائريه من كان من المبرزين من رجال العصر في الأدب أو في السياسة أو في الدين، وذلك أن اعتداد ملتن برأيه وتعاليه بثقافته جعلا بينه وبين أكثر الناس ممن يرون أنفسهم أندادا له حجابا كثيفاً، فكان هؤلاء يرمونه بالكبرياء والصلف ويكرهون منه أن ينظر إليهم من على نظرة ترفع وتحفظ وإعراض، هذا إلى أن آراءه الدينية قد باعدت بينه وبين النابهين من البرسبتيرنز، وميوله السياسية قد جعلت من الملكيين أعداء له، وعنفه في الخصومة قد ألقى في روع الناس أن من يتصل به لا يأمن أن يصبح من عدوه لأقل خلاف في الرأي أو العقيدة.

ويجب أن نضيف إلى تلك الأسباب محبته للعزلة منذ أيامه في هورتون وعكوفه على

ص: 32

المطالعة والدرس؛ فقد كان ميله إلى العزلة من الظواهر الواضحة في حياته؛ وقد كرهت إليه محبة العزلة لقاء الناس وغشيان مجالسهم أو سوامرهم، وعنده من الكتب عن ذلك عوض. ففيها لنفسه ولعقله متعة حق متعة.

ونستطيع أن نتبين مقدار ما كان بينه وبين نابه عصره من جفاء مما ذكرته أرملته عن رأيه في هوبز الفيلسوف الكبير قالت (لم تكن له معرفة به، وكان لا يحبه زوجي أبداً وإن كان يصرح أنه رجل ذو نواح عظيمة).

وكان من احب أصدقائه إليه وأكثرهم اختلافاً إلى منزله وأقربهم مجلساً منه لورنس وسيرياك سِكَزْ ونيدهام وهارتلب وأولدنبرج وأندرومافل، وكان الأولان تلميذين له أما البقية فكانوا من ذوي المكانة الأدبية وعلى الأخص أخرهم ذلك الذي اختير مساعداً لملتن في وظيفته الرسمية سنة 1675، وكان مارفل متين الخلق كصاحبه لا تضعضعه النوائب ولا تحني رأسه الفاقة، وكان أصغر من ملتن باثنتي عشرة سنة وكان مثله متخرجاً في كامبردج، وقد احب ملتن حبا شديداً وأعجب به إعجابا عظيما فتوثقت بينهما عرى المودة وظل مارفل على ولائه له حتى فرق بينهما الموت.

ويذكر فيلبس أنه كان يزور خاله أبان السنوات الثمانية التي قضاها فيما يشبه العزلة قبل عودة الملكية عدد كبير من ذوي المكانة ثم لا يشير إلا إلى اثنين: ليدي وانالا ودكتور باجت، وكانت ليدي رانالا على حظ من الذكاء غير قليل كما كانت ذات ثقافة وذات ميول حرة؛ وكانت قد وكلت إلى ملتن تعليم ابن أخ لها ثم ابنها من بعده، وقد أعجبت بالشاعر العظيم ولما كان لا يستطيع زيارتها كانت تزوره هي وتستمع في إكبار وإجلال إلى حديثه. . .

وحدثت عنه دبورا إحدى بناته فقالت: (إنه كان جليسا مؤنسا، وكان حياة حلقة من الصحاب تدور به، وذلك لأنه كان يتدفق بشتى الأحاديث والموضوعات وكان عذب الروح مرحاً ذا مودة في غير تكلف لشيء من هذا).

والحق أن ملتن كان لين الجانب طلق المحيه محبب العشرة صادق المودة لمن يجلس منه مجلس التلميذ من أستاذه وهؤلاء هم خاصته الذين ذكرنا، وكانت لهجته في مخاطبتهم لهجة المعلم، وكان يتلو عليهم ما يظن أنهم في حاجة إلى معرفته ولا يجب أن يجادلهم أو يبادلهم

ص: 33

حجة بحجة فليس هذا شأن الأستاذ مع تلاميذه، وما منهم إلا من يكبره ويخفض له جناحه ويغض عنده من صوته، وإن كثيراً منهم ليتنافسون من يكتب له إذا أملى ومن يقرأ له إذا طلب بحثاً من البحوث، ومن يقوده ويأخذ بيده ليمشي ساعة في الحدائق القريبة، وكلهم بذلك مغتبط أيما اغتباط.

وكان يزوره في منزله كثير من كبراء الأجانب ممن يهبطون إنجلترا، وكانوا يسمعونه عبارات التجلية والإعجاب، ويذكر اوبري أحد مؤرخي حياته في ذلك قوله (إن الحافز الوحيد الذي كان يحفز فريقاً من الأجانب لزيارة إنجلترا كان في الأكثر رؤية أليفر كرمول حامي الجمهورية ومنستر جون ملتن، وكانوا يرغبون أن يروا بيت الشاعر والحجرة التي ولد فيها فقد كان الإعجاب به خارج إنجلترا أشد منه في موطنه كثيراً).

وكان يعينه في كثير من شؤونه إلى جانب أصدقائه أبنا أخته. أما بناته الثلاثة فكن صغيرات فقد تركتهن أمهن حين ماتت منذ ثلاث سنوات أي سنة 1652 وكبراهن في السادسة من عمرها ووسطاهن في الرابعة وصغراهن بنت شهر واحد.

وفي سنة 1656 تزوج ملتن بزوجة ثانية، وقد جاءت كما أحب رجاحة عقل وصدق عاطفة، وأستثنى الشاعر نسيم المودة والرحمة بين يديها، وأحس كأنما يحيي حياة جديدة على الرغم مما يحيط به من ظلمة، وكان كمن ألقت به الصحراء المجدبة إلى واحة ظليلة؛ ولكنه لم يلبث في واحته هذه أو جنته إلا خمسة عشر شهراً ثم نكبته النكبة في زوجته فكأنما كان يكيد له الدهر حين أذاقه النعيم فما كان ذلك منه إلا ليعظم في نفسه الهول الجحيم وماتت الزوجة كسابقتها في سرير الوضع وتركت له كذلك أنثى، لم تعش بعد أمها إلا نحو شهر؛ وفزع الشاعر إلى قيثارته يخفف عن نفسه ما يعالج فيها من حزن، وكأنه من فرط ما في جوفه من حريق يحس كأن الجحيم نفسها تتنفس على كبده. قال الشاعر المحزون: (رأيت فيما أرى النائم أن قديستي التي تزوجت بها أخير قد أحضرت إلى من القبر كما أحضرت أليستس التي أرجعها الابن الأكبر لجوف إلى زوجها الذي امتلأ فرحاً وقد نجاها ابن جوف من الموت بقوة ولو أنها ظلت شاحبة هزيلة، ولكن امرأتي جاءت كما لو أنها اغتسلت مما يتركه الوضع فتخلصت بذلك من التطهر وفق الوضع القديم؛ ونظرت فإذا بي كأني املأ منها عيني في الجنة بغير عائق ما، وقد خطرت في ثياب بيضاء نقية

ص: 34

نقاء عقلها، ولكن وجهها كان مقنعا، بيد أنى أبصرتها بعيني خيالي فإذا الحب والجمال وطيبة القلب تضيء في هيكلها بصورة لن يكون أحسن منها وأبهج في وجه من الوجوه. . . ولكنها يا ويلتا ما كادت تميل إلي لتعانقني حتى صحوت فلم أجدها ووجدت النهار يحيطني ثانية بليلي المظلم).

هذا هو الشاعر يصف في هذه المقطوعة الجميلة مبلغ حزنه ولكن به كبرياء أن يصرعه الخطب؛ وإن صدق إخلاصه للشعر واعتقاده أنه خلق لعظيمة فيه ليرتفع به عن الحزن؛ وكان يجد عزاءه فيما يقرأ له أصدقاؤه وفيما تنطوي عليه نفسه وتختزنه ذاكرته؛ وإنه في هذا ليتداوى بالتي كانت هي الداء، فهذه الكتب هي التي أفقدته ناظريه؛ على أنه اليوم يقرؤها بعيني غيره.

وكان يقول لمن حوله إن خياله يضيء ويلمع في الظلمة أكثر مما يضيء في النور، وأن النور لم يذهب عنه ولكنه تسرب إلى داخله ليرهف مخيلته وعقله، وتلك تعلات كان لابد له منها لكي يقوى على ما كان يحيط به، وإنه لينهض على ما هو فيه لقصيدة تضعه في مستوى هوميروس ودانتي، وما نعرف شاعراً كانت حاله أكثر سوءاً من حال هذا الشاعر حين يضطلع بعبء كهذا العبء وفي هذا أبلغ شاهد على سمو روحه وقوة نفسه.

(يتبع)

الخفيف

ص: 35

‌مراكش وأسبانيا

للأستاذ عبد المجيد بن جلون

هناك حقيقة تاريخية لا يمكن إغفالها عند التحدث عن العلاقة بين المراكشيين والأسبانيين، وهذه الحقيقة التاريخية هي أن الدولتين ظلتا في خصومة مستمرة منذ عهد بعيد وطيلة أجيال متعاقبة، وقد دخلت تلك الخصومة في طورها الفعال بعد أن قويت دولة النصرانية في الأندلس واستطاعت أن تستولي قواتها على شبه الجزيرة كلها.

شبت منذ ذلك الحين معركة قاسية طويلة الأمد بين المراكشيين والأسبانيين، وكانت على شكل غارات بحرية متوالية، فكان الأسبانيون ينزلون إلى سواحل مراكش غازين مغامرين، وكان المراكشيون ينزلون إلى السواحل الأسبانية غازين مغامرين مدمرين، وظل الأمر على ذلك أزمنة طويلة حتى بعد قيام الإمبراطورية الأسبانية، إلى ضعف أمر الدولة المراكشية في القرن التاسع عشر، فاقتحم حدودها الأسبان سنة 1860، وشبت دون مدينة تطوان معركة طاحنة بين الفريقين تبادلا خلالها النصر والهزيمة مرات كثيرة، إلى أن دارت الدائرة على الجيش المراكشي وسقطت المدينة لتدوسها سنابك خيل العدو، فذاقت مدة من الزمن حياة المهانة على يد أعدائها القدماء، ولولا الظروف السياسية والتنافس الدولي لذاقت مراكش كلها ما ذاقته المدينة التعسة، ولكن كان على الجيش الأسباني أن يغادرها تحت تأثير الظروف الدولية؛ وهكذا خبا أمل الأسبانيين وضاعت الفرصة الثمينة التي أشرقت ثم غار نورها.

ولكن فكرة غزو مراكش زادت قوة، فظلوا يتحينون الفرص للانقضاض عليها. وكانت الجيوش الفرنسية في الجزائر على حدود مراكش الشرقية تشارك الأسبانيين هذا الأمل الخلاب، وبانت مراكش بين هاتين القوتين المضطرمتين، ولكن تطور الحوادث بعد ذلك دفع بالدولتين إلى الاتفاق.

كان ذلك في مفتتح هذا القرن، إذ اتفق الفرنسيون والأسبانيون على اقتسام مراكش بينهما، على أن تستولي أسبانيا على نصفها الشمالي إلى ما بعد مدينة فاس، ويستولي الفرنسيون على الباقي. ولكن الوضعية الدولية تغيرت واستطاعت فرنسا أن تعقد الاتفاق الودي المشهور مع إنجلترا سنة 1904، وبذلك قوى مركزها الدولي، وتزعمت منافسة ألمانيا

ص: 36

التي كانت تعمل هي أيضا للاستيلاء على مراكش. وشبت الخصومة قوية خلال سبع سنوات بينهما، وتطورت تطورات خطيرة كادت تعجل بقيام الحرب العظمى، يوم دخل الطراد (بنثر) مياه أجادير. وكاد يطلق القذيفة الأولى في أول حرب عالمية، كانت أسبانيا مختفية طوال تلك المدة، بينما كانت فرنسا في مقدمة العاصفة، وقد غامرت بمستقبلها في سبيل مراكش، ولذلك ألغت من تلقاء نفسها الحدود القديمة التي اتفقت عليها مع أسبانيا، واكتفت بإعطائها، بعد أن انتهت القضية المراكشية إلى ما انتهت إليه، منطقة صغيرة في الشمال، ولم تسمح لها بالاستيلاء على مدينة فاس.

وهكذا انتهت تلك القصة الطويلة سنة 1912 يوم فرضت معاهدة الحماية على مراكش، ولكن تلك النهاية كانت إيذاناً ببداية معركة أخرى، هي معركة بين شعب يدافع عن نفسه وشعب آخر يحاول اغتياله والقضاء عليه. وما أن انتهت الحرب العظمى حتى هبت ثورة بطل مراكش الكبير الأمير عبد الكريم الخطابي في وجه الجيش الأسباني، وبدأت الأحلام الأسبانية تترنح تحت الضربات القاصمة التي وجهها إليها الأمير البطل، ذلك الرجل الذي اثخن الجسم الأسباني جراحاً، وقدم إلى أسبانيا جزاء على مغامرتها مرارة الثكل واليتيم والآلام، إلى درجة أنهم فكروا جدياً في الإقلاع عن السير في هذه الطريق المحفوفة بالأخطار. ولكن تدخل فرنسا في النهاية واستفحال القوات المهاجمة أرغما البطولة على الاستسلام، فلم يكن للجيش المراكشي الباسل مناص من إلقاء السلاح أمام الجيوش الجرارة التي جردتها عليه الدولتان القويتان.

انتهت المعركة وبدأت أسبانيا تحاول أن تشق الطريق إلى أهدافها في القضاء على مراكش مرة أخرى، ولكن منعها من ذلك قيام الحركة الوطنية وانتشارها بشكل واسع في البوادي والمدن، وقد كان قيام هذه الحركة بمثابة تحصين لروح الأمة وكيانها؛ كما منعها من ذلك أنها لم تحقق من أحلامها العسكرية في مراكش إلا اليسير، فهي ما تزال بعيدة كل البعد عن ذلك ما دامت لم تسيطر إلا على هذه الرقعة الصغيرة من الإقليم المراكشي ولذلك فان تسرعها في محق هذه البلاد لا يمكن أن يكون عملياً ما دامت لم تسيطر بعد عليها كلها.

وإذن فلتؤخر الكارثة إلى أن تتمكن أسبانيا من الاستيلاء على مراكش كلها. وهكذا اتجهت السياسة الأسبانية إلى نوع من المخاتلة، محاولة إخفاء نياتها الحقيقية لكي تستعين في

ص: 37

الوقت المناسب بسمعتها ضد الفرنسيين. وكانت في نفس الوقت تخاف أن يهب في وجهها عبد الكريم آخر إذا هي اتجهت في ساستها نحو الشدة. كانت تقول للوطنيين: لا تطالبوا أسبانيا بشيء، فإن مسألة مراكش في يد فرنسا، وفرنسا هي التي أعطت أسبانيا هذه المنطقة، ثم إن أسبانيا لا تستطيع أن تتنزل عن نفوذها في هذا الجزء الصغير من مراكش لكي تستولي عليها فرنسا. ولذلك فأنه يجب على الوطنيين أن يوجهوا جهودهم نحو تحطيم الاستعمار الفرنسي، وبعد ذلك تكون أسبانيا على استعداد للتنازل عن نفوذها لكي يتمتع المراكشيون جميعاً باستقلالهم الحقيقي

وهذا كلام لا يعوزه المنطق، ولكنه ليس صحيحاً، فقد اندلعت الحرب الأهلية في أسبانيا، وتلاحقت الحوادث بعد ذلك تلاحقاً خطيراً أدى إلى نشوب الحرب العظمى الثانية، فخيل لأسبانيا الفاشستية - بعد الهزيمة الفرنسية - أن الفرصة المومقة قد سنحت، وأن مسألة استيلائها على مراكش أصبحت مسألة زمن فقط، وفعلاً اجتازت جيوشها الحدود إلى مدينة طنجة الدولية، وكادت تقتحم منطقة مراكش الجنوبية، ولكن كلا من سياسة ألمانيا حيال الإمبراطورية الفرنسية والمطامع التي كانت تجيش بها إيطاليا الفاشستية حال دون ذلك.

ووجدت أسبانيا نفسها مرة أخرى عاجزة عن تحقيق مأربها القديم، فهي لن تستطيع الاستيلاء على مراكش إلى جانب المحور، ولن تستطيع ذلك بالطبع إلى جانب الحلفاء. ومالت كفة النصر نحو الديمقراطيات ثم انتهت الحرب بانتصارها، وانسحبت أسبانيا المعزولة عن مدينة طنجة، وتلاشى بريق الأمل الذي أوهمها أنها قاب قوسين من الشروع في خطتها التي ترمي إلى الاستيلاء على تلك البلاد.

لقد حالف الفشل والإخفاق أحلام أسبانيا التاريخية، وإذن فلتلتفت إلى المراكشيين لتصب عليهم نقمتها وغضبها. وإذا كان لعلم النفس دخل في السياسة، فقد خلف عندها هذا الفشل عقدة نفسية، وطاقة مكبوتة، وهي تتصرف اليوم حيال المراكشيين بإيحاء من تلك العقدة التي يزيد تعقدها في الشعور الباطن طمع هائل وباع قصير.

وهكذا تجرد اليوم أسبانيا على مراكش سوط عذاب، ولا تزيدها المقاومة إلا تمادياً في القسوة والجبروت، فهناك عند سفوح جبال الريف يتفنن أيتام النازية والفاشستية في السفك والجلد والتنكيل لأسباب تافهة، ويراقبون الضمائر وخلجات النفوس، ويهددون الأحرار

ص: 38

بالمحق، ويتربصون الدوائر بالحركة الوطنية كلها.

أما الطامة الكبرى، فهي الهجرة الأسبانية إلى شمال مراكش، ذلك أن أسبانيا حينما أحست بالفشل يحاصر آمالها عمدت إلى فتح السدود أمام سيل الهجرة العرم، فتدفق على البلاد وكأنه الطوفان. كان قوام السيل من العجزة والعاطلين، فنشروا الأمراض، وقاسموا المراكشيين ما أبقى لهم الجفاف من قوت، وبلغت المأساة في أول السنة الحالية ذروتها، فكان الموتى يحملون في عربات النقل من الشوارع تحت جنح الظلام!

هذه هي الناحية المنسية من المسألة المراكشية التي ارتبطت بفرنسا وحدها، فخيل إلى الناس أن كل ما حاق بهذه البلاد هو نتيجة لأعمال فرنسا وحدها. كلا، فإن المراكشيين يقاومون فرنسا ويقاسون عذابها مؤمنين بأن التخلص من الاستعمار لا يكون دون صراع، وبأن الغلبة في النهاية للأيمان لا للقوة، ولكن ما يحيق بمراكش من ختل أسبانيا ووعودها الكاذبة وتربصها وهول أطماعها، وتصرفاتها الشاذة، يضاعف أتعاب المراكشيين في مقاومتها.

وليس هذا بالشيء الخفي، فلدى كل دولة عشرات من التقارير عن الحالة في مراكش قدمها إليها المراكشيون الأحرار، وفي أمانة الجامعة العربية عشرات كذلك، وكلها تشرح بالأرقام والصور ما حاق بمراكش العزلاء على يد أسبانيا الفاشستية المدججة بالسلاح، دون أن يبدي أحد حراكا. ولكن المراكشيين سوف يمضون في مقاومة هذا الطغيان إلى أخر رجل سواء ناصرهم أحد أو لم يناصرهم. فلأن يقال غداً إنهم انقرضوا دون شرفهم، خير من أن يقال خفضوا هامهم للطغيان!

عبد المجيد بن جلون

ص: 39

‌الحلم والتحلم.

. .

للأستاذ محمود عزت عرفة

- 4 -

(إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتخير الخير يعطه،

ومن يتوق الشر يوقه) حديث شريف

دواع إلى التحلم:

تدعوا إلى التحلم عوارض كثيرة، وأمور متعددة، لأن التكلف كيفما كان خروج على الطبيعة، وتحويل للغريزة؛ وشيء من ذلك لا يكون أبداً وحده، ولا يتم مجرداً عن العلل خارجاً على البواعث والأسباب.

فما يدعو النفس إلى التحلم ويطوعه لها أن تستشعر القدرة على الانتصار فيفثأ ذلك من حر غضبها، ويبدلها بقلقها هدوءاً، ويجزعها تثبتاً واطمئنانا وحينئذ تنتفي بواعث الانتقام، فيكون التحلم الذي يتطاول مع الزمن حتى يصير حلماً، وأكثر ما يكون عفو الملوك لمثل هذا الباعث، وقد مرت بنا أمثلة منه مختلفات. ويكاد يضع يدنا على هذه الحقيقة وضعاً قول المنصور لجعفر الصادق بعد عفوه عن أهل المدينة: إنك لتعلم أن قدرتي عليهم تمنعني من الإساءة إليهم.

ومن كلام بعض الحكماء: ليس الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر انتقم؛ ولكن الحليم من ظُلم فحلم؛ حتى إذا قدر عفا.

ويقول عبد الله بن مسعود: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه. وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟

وقد نصح معاوية لابنه يزيد فقال: عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة؛ فإن أمكنتك فعليك بالصفح، فإنه يدفع عنك معضلات الأمور، ويوقيك مصارع المحذور. . . ولعل هذا الخلق الكريم - العفو عند المقدرة - يعد أشرف مواقف الرؤساء، وأدلها على أصالة النبل في نفوسهم، واستحواذ الكرم والفضيلة على طباعهم.

ومن البواعث على التحلم أيضاً ما يكون من الاستهانة بالمسيء أو استضعاف شأنه، حتى

ص: 40

كأنه المعني بمثل قول (مسلم):

فاذهب فأنت طليقُ عرضك إنه

عِرضٌ عززْتَ به وأنت ذليل

وبمثل قول الآخر:

نجابك عرضُك منجى الذبابِ=حَمته مقاذيرُه أن ينالا!

ولقد عفا مصعب بن الزبير - لمثل هذا الباعث - عن قاتل أبيه. فقد روى أنه لما ولي العراق جلس يوماً لعطاء الجند، وأمر مناديه فنادى: أين عمرو بن جرموز؟ - وهو الذي قتل أباه الزبير - فقيل له: أيها الأمير، إنه قد تباعد في الأرض. فقال: أيظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد الله؟ فليظهر آمناً ليأخذ عطاءه موفوراً. . .!

وقال عمر بن الخطاب لأبي مريم السلولي قاتل أخيه زيد بن الخطاب - وقد كان كفه عن دينه وورعه وعدالته -: والله إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم! قال: أفيمنعني ذلك حقاً؟ قال: لا. قال: فلا ضير، إنما يأسى على الحب النساء!

ولقد يدعو إلى التحلم فرط السآمة من الانتقام، ورغبة النفس عن التشفي لطول ما بلغت من ذلك حظها، والشيء إذا زاد عن حده مال ضده، وللنفوس ثورة تجنح معها إلى السكون، ومؤاخذة تميل بعدها إلى المتاركة، ويبدو ذلك المظهر واضحاً فيما يسجله التاريخ من عفو المنصور بعد حروبه مع العلويين، وتسامح المأمون بعد حوادث الفتنة بينه وبين أخيه الأمين. ولما انتهت فتنة ابن الأشعث أتى عبد الملك بن مروان بأسارى موقعة دير الجماجم؛ - وكانوا ممن خانوا عهده ونقضوا بيعته وقاتلوا جنده قتالاً عنيفاً - فقال لرجاء بن حيوه: ما ترى؟ قال: إن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو! فلم يكن بأسرع من أن فك قيودهم وعفا عنهم.

ونحن لا نكاد نفهم عفواً يصدر عن الحجاج - أضمأ ولاة المسلمين إلى الدماء - إلا على هذا الوجه، ولمثل ذلك الباعث. فهو قد أبلى في قتال أبن الأشعث أعظم البلاء، وذاق أمام قواته مرارة الهزيمة وحلاوة الانتصار، حتى قهره في موقعة دير الجماجم فلما عرض الأسرى من رجاله على السيف مثل أمامه الشعبي في جملتهم. فقال: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، واجدب الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وضاق المسلك، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أنقياء، ولا فجرة أقوياء. قال الحجاج: صدقت، والله ما بررتم

ص: 41

بخروجكم علينا ولا قويتم. . . خلوا سبيل الشيخ!

وكان قوم يتحلمون على السفهاء إذا اعترضهم الأذى، بل ربما تعرضوا إليهم عامدين طلباً لاكتساب الحلم وتدرباً عليه، وقهراً للنفس على السكون، وتعويداً لها على المسامحة. روى أن جعفر بن محمد الصادق كان إذا أذنب له عبد أعتقه. فقيل له في ذلك فقال: إني أريد بفعلي هذا تعلم الحلم! ومن كلام الأحنف ابن قيس وكان من أحلم الناس: لست بحليم ولكني أتحلم!

وبقول أبو عثمان الجاحظ في بيانه وتبيينه: (كانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم)، وحجة القائلين بهذا أن تكلف الفضيلة عند فقدها فضيلة. نعم، يفرق الصوفية - في المعنى وفي الدرجة - بين حالتي الوجد والتواجد مثلاً، ولكنهم لا ينكرون المقام الأخير متى قصد به التوسل إلى بلوغ الأول وتحصيله، والأصل عند الجميع في هذا ما يروي عن الرسول عليه الصلوات من قوله: إن لم تبكوا فتباكوا!

هذا وقد تحمل الشفقة على المسيء والرحمة إلى مقابلته بالحلم، إذا ما تقرر في الذهن أن الإساءة لا تعدو أن تكون تصرفاً مريضاً مبعثه الجهل، وأن صاحبه أولى بالعلاج منه بالعقوبة، وهذا باعث كريم على التحلم لا يتسامى إليه من النفوس إلا أكرمها عنصراً وأزكاها جوهراً.

ولقد عوتب كسرى أنوشروان مرة على ترك عقوبة المذنبين فقال: هم المذنبين ونحن الأطباء، فإذا لم نداوهم بالعفو فمن لهم؟. وقال إبراهيم التيمي: إن الرجل ليظلمني فأرحمه! قال الغزالي: (وهذا إحسان وراء العفو، لأنه يشتغل قلبه بتعرضه لمعصية الله تعالى بالظلم، وأنه يطالب يوم القيامة فلا يكون له جواب).

وحكي الفضيل بن عياض قال: ما رأيت أزهد من رجل من أهل خراسان، جلس إليّ في المسجد الحرام ثم قام ليطوف، فسرقت دنانير كانت معه. فجعل يبكي. فقلت: أعلى الدنانير تبكي؟ فقال لا، ولكن مثلتني وإياه بين يدي الله عز وجل، فأشرف عقلي على إدحاض حجته، فبكائي رحمة له!

وقد يحلمون - في غير موضع الحلم - تجانفاً عن شبهة قد تعرض في القصاص وإن كان عدلاً، والتماساً لمرتبة من الخلق أسمى من هذا العدل، وأبعد مما يتلبس به من تلك الشبهة.

ص: 42

قال عمر بن عبد العزيز لرجل غلط غالطاً أشتد له غضبه: لولا أنك أغضبتني لعاقبتك. وإنه في هذا ليأتسي بجده أبن الخطاب، وقد أشرنا - فيما سبق - إلى كفه عن السكران الذي شتمه، وقوله: إنه أغضبني، ولو عزرته لكان ذلك لغضبي لنفسي. . .

وربما يكون التحلم وسيلة لتحقيق غاية بعيدة، خفية أو ظاهرة؛ من تطيب نفس، أو ربَّ صنيعه، أو إتمام سالف جميل، أو مراعاة قديم حرمة، أو تمهيد لاستعانة وتكليف. وكان أصحاب الجنايات من الولاة والوزراء والعمال يدركون هذا الباعث، ويعملون على أثارته في نفوس الخلفاء إذا هم تعرضوا لسخطهم وصاروا موضع نقمتهم.

ولى معاوية روحَ بن زنباع ثم عتب عليه في جناية فكتب إليه بالقدوم. ولما قدم أمر بضربه بالسياط، فلما أقيم ليضرب قال: أنشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تهدم مني ركناً أنت بنيته، أو أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها، أو تشمت بي عدواً أنت وقمته، وأسألك بالله إلا أتي حلمك وعفوك دون إفساد صنائعك. فقال معاوية: إذا الله سني عقد أمر تيسر. . . خلوا سبيله.

ومن العفو لمثل هذا الباعث عفو الأمين عن الحسين بن علي ابن عيسى بن ماهان، وكان قد انتقض عليه أيام حربه مع المأمون، وخلعه وحبسه يومين في قصر أبي جعفر، ثم بايع للمأمون ولكن قام أسد الحربي وجماعة فدافعوا عن الأمين، فيلوا رأي الجند فيما صنعوه من طاعة الحسين بن علي. ثم قاموا فقاتلوا الحسين وأصحابه، وكسروا قيود الأمين وأجلسوه في مجلس الخلافة، ولما أتى بالحسين لامه على انتقاضه وذكره بسالف نعمته عليه وعلى أبيه (وكان أبوه قد قتل على رأس جيش الأمين في حربه مع المأمون)، ثم قال الأمين: ما الذي استحققت به منك أن تخلع طاعتي، وتؤلب الناس عليّ، وتندبهم إلى قتالي؟ قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين، وحسن الظن بصفحه وتفضله. قال: فإن أمير المؤمنين قد فعل بك ذلك، وولاك الطلب بثأرك ومن قتل من أهل بيتك! ثم دعا له بخلعة فخلعها عليه، وحمله على مراكب وأمره بالمسير إلى حلوان. وخرج الحسين فهرب مرة أخرى في نفر من خدمه ومواليه؛ فنادى محمد في الناس فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فقتلوه. . .

وقد يدفع بالنفس إلى التحلم مجرد ما تدركه من فضيلة الحلم، وما تشاهد من جميل أثره على المتصفين به في الدنيا؛ مع ما ينتظرهم من الكرامة عند الله في الآخرة. ذلك أن

ص: 43

الفضائل كلها صور جذابة حالية يكفي أن تهتدي الفطر السليمة إلى حقائق جمالها، أو تشهدها على المتخلفين بها حتى تجنح إلى اكتسابها والتمسك بأسبابها. قال الأحنف بن قيس: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم!

والذي يتفهم قول عليّ عليه الرضوان: أول ما عوض الحليم من حلمه أن الناس كلهم أعوانه على الجاهل. لا يرى في الحلم إلا خيراً كله. بل من يعرف أن الله سبحانه سمى نفسه (الحليم) ولم يتسم بالعاقل أو العالم يتبين له قدر الحلم بين الفضائل بحالة لا تدع له دون التمسك به من سبيل.

يقول الغزالي في كتاب ذم الغضب من سفر الإحياء: ينبغي أن يعالج هذا الجاهل - يعني الغضوب غير المتحلم - بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو، وما استحسن منهم من كظم الغيظ، فإن ذلك منقول عن الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء، وضد ذلك منقول عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء الذين لا عقول لهم ولا فضل فيهم.

(للحديث بقية أخيرة)

محمود عزت عرفة

ص: 44

‌مظاهر العبقرية في الحضارة الإسلامية

للدكتور خليل جمعة الطوال

(تتمة)

في سائر الضائع:

وقد أدخل العرب إلى أوربا أنواعاً كثيرة من الحبوب كالحنطة، والقنب، والتوت، والأرز، والزعفران، والنخيل، والليمون والبرتقال، والبن، والقطن، وقصب السكر، وما زال هواؤهم الفاسد زفير آلاتهم ومخترعاتهم التي كبلت الأيدي، وشلت حركة الأعمال، يعبق بشذا الأزهار الجميلة التي أخذوها عن الشرق.

وقد تعلم الغربيون منا صناعة تزيين الأقمشة الدمشقية، وصناعة السختيان، وأقمشة الحرير المزركشة بالفضة والذهب، والشاس الموصلي والمخمل، وعمل الحلويات والمشروبات وصناعة الجوخ، وعمل الجليد.

كلمة غوستاف لوبون:

أما وقد أظهرنا مواطن القوة في الحضارة العربية فيحسن بنا أن نقدم للقارئ: رأي لوبون في العوامل الرئيسية التي أدت بالغربيين للنيل من العرب ومن حضارتهم. فقد سأل لوبون نفسه هذا السؤال: لماذا غمط اليوم حق العرب وتأثيرهم؛ وأنكر حسناتهم علماء عرفوا باستقلال أفكارهم، وبعدهم عن مظنة الشك. . .

ثم تقدم للإجابة وقال: (. . . أرى أنه لا جواب على هذا السؤال غير ما أنا كاتب، ذلك أن استقلال آرائنا هو في الواقع صوري أكثر مما هو حقيقي، ونحن لسنا أجرأ على ما نريد في خوض بعض الموضوعات، وهذا لأن فينا أحد رجلين الرجل الحديث الذي صاغته دروس التهذيب، وعمل المحيط الأدبي والمعنوي في تنشئته. والرجل القديم المجبول على الزمن بخميرة الأجداد وبروح لا يعرف قراره، يتألف من ماض طويل، وهذا الروح اللاشعوري هو وحده الذي ينطق في معظم الرجال، ويبدو في أنفسهم بمظاهر مختلفة، يؤيد فيهم المعتقدات التي اعتقدوها، ويملي عليهم آراءهم، وتظهر هذه الآراء بالغة حداً عظيماً من الحرية في الظاهر فتحترم، وقال: (. . . وقد تراكمت الأوهام الموروثة المتسلطة

ص: 45

علينا، والنقمة على الإسلام وأتباعه في عدة قرون حتى أصبحت جزءاً من نظامنا، وكانت هذه الأوهام متأصلة فينا، كالبغض الدويّ المستتر أبداً في أعماق قلوب النصارى لليهود).

(وهناك سبب آخر، وهو أن بعض أرباب الأفكار يرى أنه من العار أن يعتقد أن أوربا النصرانية مدينة لأعداء دينها يخرجوها من ظلمة الهمجية. . . وليس من شكك في أن العرب كانوا ممدنينا وأساتذتنا مدة ستمائة سنة.

(ولا جرم أن كثيراً من المؤرخين قد اندفعوا بسائق هذه الأوهام، فأتوا بآراء بعيدة عن محجة الصواب في بيان فضل الحضارة الإسلامية، ولا يزال التحامل على العالم الإسلامي القديم بحالة من الشدة، ولذلك وجب أن يعاد النظر في تاريخ القرون الوسطى بجميع أجزائه التي لها مساس بانتقال المدنية القديمة إلى العصور الحديثة).

ونود في ختام هذا الحديث. أن نثبت أقوال بعض عظماء المستشرقين في الحضارة الإسلامية العربية، وذلك استجماعاً للموضوع من جميع نواحيه، ودحضاً لأوهام الخصوم وحملاتهم، بشهادة من لا تجمعهم بنا إلا صلة العلم، ونزاهته الحقيقية، دون أي آصرة أخرى من أواصر القربى، وعلائق الدم، وصلات الجنس:

يقول أوليري: (إذا محونا العرب من سجل الحضارة. تأخرت النهضة الأوربية قروناً عديدة).

ويقول هـ. ج. ولز: (إن العرب هم الذين حفظوا كنوز الحضارة اليونانية من أن تتسرب إليها بكتريا همجية القرون الوسطى، وليس طبقة الاكليروس الذين خنقوا نشوء العلم بحجرهم الحرية الفكرية، ولولا العرب لما قطعت المدنية هذا الشوط الواسع في مضمار التقدم والرقي)، وقال أيضاً:(كانت طريقة العربي أن ينشد الحقيقة بكل استقامة وبساطة، وأن يجلوها بكل وضوح وتدقيق، دون أن يترك منها شيئاً في ظل الإبهام، وإن نشدان النور إنما تعلمناه من العرب وليس من اللاتين).

وقال العلامة السياسي أوجين يونغ في كتابه يقظة الإسلام والعرب: (. . . لقد كان للعرب ماض مجيد يدعو إلى الدهشة: ماضٍ حربي ثم ماضٍ في العلم الراقي والصنائع الزاهرة؛ ذلك الماضي الذي اتخذته أوربا في نهاية القرون الوسطى دعامة لحضارتها بعد أن كانت نصف متوحشة).

ص: 46

ولله در جوتيه إذ يقول: (إن محصول المدنية العربية في العلم يفوق محصول المدنية اليونانية كثيراً، وذلك لأن العلم عندهم كان يقوم على أصول علمية ثابتة).

وقال فلوريان: (انكب العرب في عصرهن الذهبي على مواصلة الدرس، وترقية تعلم الفنون، حتى إن حضارتهم كانت العامل الأكبر والأول في نهضة القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد).

وشهد بذلك العالم الفرنسي سيديو فقال: (تشهد آثار العرب ومخترعاتهم ومستكشفاتهم على أنهم كانوا أساتذتنا في كل علم وفن)، وقد وافقه على هذا الرأي العلامة جورج سارطون إذ يقول:(يستخف بعض الغربيين بما أسداه العرب إلى الحضارة والمدنية، ويزعمون أنهم لم يكونوا إلا حفظة للعلوم القديمة دون أن يضيفوا إليها شيئاً. . . والحقيقة أن هذا الرأي فاسد من أساسه. فلولا العرب لتوقف سير المدنية. إذ كانوا مشعل الحضارة، وأساتذة العالم في القرون الثلاثة وهي الثامن والحادي عشر والثاني عشر).

وقال آرثر جلين ليونارد: (يجب أن تكون حالة أوربا مع الإسلام بعيدة من كل هذه الاعتبارات الثقيلة، وأن تكون حالة شكر أبدي بدلاً من نكران الجميل الممقوت والازدراء المهين. . . فلقد وصلت المدنية الإسلامية عند العرب إلى أعلى مستوى من عظمة العمران والعلم فأحيت جذوة المجتمع الأوربي وحفظته من الانحطاط. ولم نعترف ونحن نرى أنفسنا في أعلى قمة من التهذيب والمدنية بأنه لولا التهذيب الإسلامي ومدنية العرب وعلمهم وعظمتهم في مسائل العمران، وحسن نظام مدارسهم، لكانت أوربا إلى اليوم غارقة في ظلمات الجهل)، ويقول ويدمان في هذا الصدد:(. . . لا تقل خدمات العرب للغرب عن خدمة نيوتن وفراداي ورنتجن).

ويقول غوستاف لوبون: (ما كاد العرب يخرجون من صحاري بلادهم حتى اتصلوا بالمدنية اليونانية اللاتينية، فتمثلوها، وكان تمثلها يتطلب فكراً مهذباً. . . ونحن نجهل ما كان لهم من حضارة راقية قبل الرسول (ص) فقد كانوا على اتصال بالتجارة مع العالم، وكانت لهم ثقافة أدبية عالية قبل الإسلام، ومن ثم حضارة علمية زاهرة بعد الإسلام)، وقال أيضاً:(تفوق العرب في المدينة على شعوب كثيرة، وربما لم يقم من الشعوب من تقدمهم في هذا السبيل).

ص: 47

وشهد نوبرجر بالحضارة العربية شهادة ترفع الرأس عالياً. فقال: (فاقت المدنية العربية في عصرها الذهبي مدنية رومية القديمة في حيويتها) ووافقه دوسن فقال: (إن المدنية الغربية الأوربية مدينة للمسلمين بميراث حكمة الأقدمين، وأن فتوح العرب في الإسلام لتعد من عجائب التاريخ، ومما يدعو إلى العجب أيضاً أن يصبحوا سادة نصف العالم في أقل من قرن، وأن يصبحوا في مائة سنة ذوي ثقافة عالية، وعلوم راقية، ومدنية زاهرة. بينما نجد الجرمانيين لما فتحوا الإمبراطورية الرومانية قد قضوا ألف عام قبل أن يقضوا على التوحش، وينهضوا لإحياء العلوم).

وقال العالم يهودا وهو رجل عبراني يدرس في جامعة مجريط (أخذ الناس يدركون الآن أن أوربا في القرون الوسطى مدينة للحضارة العربية التي اغترف من مناهلها المسلمون، واليهود، والنصارى على السواء. أخذ الناس الآن يفهمون أن العلوم الطبيعية والقوانين الأساسية في الفلسفة، والرياضيات، وعلوم العمران كانت تستمد روحها في زمن النهضة والإصلاح من ذلك المنهل العذب ألا وهو الحضارة العربية، وصار علماء العصر كلما تعمقوا في دراسة هذه الحضارة أدركوا أثرها البليغ في حضارة اليوم، وكشفوا مئات الكلمات الداخلة في اللغات الأوربية من أيام تلك الحضارة).

وقال سينوبوس: (لا مرية في أن العالم الإسلامي كان أسطع نوراً من العالم الغربي فكان المسيحيون يشعرون بنقصهم في التهذيب، ويعجبون بما يبدو لهم من غرائب الشرق، وكان النازع فيهم إلى العلم يقصد مدارس العرب).

هذه هي حضارة العرب الزاهرة التي يطعن عليها سرفيه وأمثاله من الخصوم والمتشيعين، والتاريخ كفيل بأن يعيد نفسه، فيتبوأ العربي عالي مكانته، ويستعيد زاهي مدنيته.

وهذه أيضا صورة أخرى من كتابنا (تحت راية الإسلام) الماثل للطبع. فعسى أن نكون قد أسدينا لهذه الأمة العزيزة بعض حقها علينا.

(شرق الأردن)

خليل جمعة الطوال

ص: 48

‌الحب والعمر.

. .

للأستاذ عثمان حلمي

من سحر عينيك للأبصار معجزة

يحوطها من جلال الحسن أسرارُ

يُحار في وصفها الراءون إن فتنتْ

أبصارهم وبحقٍ إن همو حاروا

ومن حديثكِ أنغام لها أبداً

في السمع والقلب إن حدّثْتِ أوتار

ما بين سمعي وقلبي من تدفقها

في كل هامسة من فِيك تيَّار

وفيكِ رقة نفس دون رقتها

إذا تأمل فيكِ العقل جبار

نوع من الضعف فيه محض قسوته

كملمس السيف سهل وهو بتَّارُ

وأنت غامضة كالليل واضحة

مثل النهار فإعلانٌ وأسرار

ضدّان من عجبٍ في نفسك اجتمعا

كالغصن يكمن فيه الماء والنار

أخاف منك على ما فيك من دَعَة

كأنما لكِ عندي في الهوى ثار

وليس لي أيُّ سلطان عليكِ وفي

صميم قلبي عليه منك قهَّار

وفي جبينكِ من صبح الشباب ومن

ضُحاه من مغريات الحبّ أنوار

هدى لمن شاء فيها للغرام هدى

وفي الضلال له إن شاء أعذار

مالي أراكِ بشيب الرأس ضاحكة

مني كأن مشيبي في الهوى عار

أما لكهل إذا ما شاب مفرقه

مهما تجمَّلَ عند الغيد أنصار

لا تسخري من غرامي إنه قدرٌ

والحب كالرزق والأعمار أقدار

لم يطفئ العمرُ من نيران عاطفتي

قلبي شبابٌ وجسمي كاد ينهارُ

فليس للعمر في شرع الغرام مدى

وليس في الحب للعشاق أعمار

ص: 49

‌القدَرُ الرطب!!

للأستاذ محيي الدين صابر

لعينيكِ أيامي. . . ينازعها الحبُّ

كما نازع الأحلام في قفرة ركبٌ

طويت على قلبي هواك. . . كأنه

لقلبي إذا جفَّ الحنينُ به قلب

يشارفني أفقٌ بعينيك خلتُه

أساطير ملاّحين يسري بها الغيب

كلانا به صمت تُطيفُ به الرؤى

أناشيدَ منها الشوق والحزن والعتب

ويرفض أحلاماً ذواهل في دمي

كما ارفض أسراباً مصبَّغة سحب

أمدُّ بها نفسي وينهلُ خاطري

ويملؤُني معنَى على وجهها عذْب

قرأت به وحي النبيين في الهوى

كأني نبي، أو كان الهوى ربُّ!

لقد عشتُ في صحراءْ نفسي نخلةً

يسامرني جن ويمتصُّني جدْب

وتسغو على جذعي رياح عقيمةٌ

وتعمرها في الخضر أغربه شهْب

وتمشي الرمال الصفر حولي حزينة

إذا مر سرب خاشع جاءني سرب

فضاءٌ كأيام المجانين. . . شاردٌ

فليس به أمنٌ وليس به رعب!

فأصبحت أحياني هواك ففجرت

ينابيع في عمري يرف بها العشب

وغنت عذارى الطير في ربوتي مني

كأن حياتي من تدُفِّقِها وثْبُ

وأترف أيامي ووشَّى خواطري

والهم قيثاري سنانا بضِ خصبُ

فيا ساحراً. . كفَّاه بغث ورحمة

وخمارة. . . غنى بأفراحها الشرب

لعينيكِ مذخورُ الخلود بمهجتي

فأنت عليها في الهوى قدرٌ رطبُ

ويا لفتةً يُطوى زماني عندها

خيالا ويغشاني بها زمن رحب

فإن تك أيامي ذنوباً. . . فأنه

بحبكِ يا دنياي يُستغفر الذنبُ

حشدت مزاميري لمنغومة الصبا

كأن جمالاً قبلها صِدقُه كذب

لمحمومة الأشواق محرومة المنى

كما انهلَّ من بين الصفا جدول سَكب

شباب بخدَّيها. . . ومجد بجيدها

وجوع بعينيها. فيا شهوة تصبو

وفي نهدها من يقظة الفن لفتةٌ

وفي قدَّها سكرٌ يميدُ له اللب

وفي شفتيها وقدةُ القلب في الصبا

وفي شعرها أغرودة للهوى نهب

ص: 50

بها مثل ما بي من أسى في كيانها

إذا ضمنا خطب يُفرِّعنا خطب

فإن رجعتْ في الليل أنة موجَع

تلفتَ في عيني وفي مهجتي الحبُّ

وتسمعني في الليل أشكو فتشتكي

وفي روحها جُرح وفي قلبها ندْب

هي الزادُ. ما باليتُ بعد غرامها

أسلمٌ إذا وفَّت حياتي أم حرب!

ص: 51

‌الكتب

أحكام عابرة:

العلم والحياة

تأليف الدكتور مشرفة بك

للأستاذ عبد الفتاح البارودي

يتقمص الأستاذ الجليل الدكتور مشرفة في معظم كتبه عدة شخصيات أهمها العالم والمدرس والأديب معاً، وهذه ميزة قلما تتوافر لعالم غيره وهي في هذا الكتاب بارزة جداً، والظاهر أن ذلك راجع إلى أنه يتمشى مع المنهاج الموضوع لسلسلة (اقرأ) المقصود به صلاحيتها لأوساط الناس على اختلاف ثقافاتهم. فأولا:

شخصية العالم:

وتبدو واضحة لدرجة المحاباة، محاباة العلم والعلماء. يقول:(إن العلماء أعرف الناس بالخير وأقربهم إلى الفضيلة) ويقول: (من الخطأ الفاحش أن يقال إن العلماء يقفون عند المظاهر المادية للعالم، فالعلماء إذ يبحثون عن الحقيقة يسمون بعقولهم إلى المنتهى) ولعل الدكتور يريد أن يصف العلماء كما يجب أن يكونوا أو يظن أنهم جميعاً على شاكلته أطهار أبرار؛ وإلا فأهوال الحروب الحديثة لا تؤيد القول الأول، وبعض الباحثين لا يؤيدون القول الثاني بل يقولون به (تشارلتن) في كتابه (فنون الأدب):(إذا أردنا الدقة ألقينا العلم بعيداً كل البعد عن الحياة العملية، إذ العلم لا ينظر إلى المعرفة من وجهها النافع المفيد فهو لا يعينه إلا المشكلات المجردة والمبادئ العامة. العلم مجرد فكر يقوم به العالم بغض النظر عما إذا كان يفيد أو لا يفيد). وثانيا:

شخصية المدرس:

وطبيعي أن يكون الدكتور الفاضل مدرساً ناجحاً في معظم كتابه لأنه متصل الوقت والجهد بالتدريس مشرفاً وأستاذاً ومحاضراً. والذي لاشك فيه أنه تطبع لهذا على أن يتصور أن الأذهان التي يحادثها أذهان طلاب في حاجة دائمة إلى شئ من الإعادة والتكرار والتشويق

ص: 52

والمبالغة أحياناً كلما اقتضت الظروف. غير أن هذا التطبع قد أضطره هنا إلى بعض الإطالة، وصحيح أن الإطالة من مثله مرغوبة محببة لأنها تحمل في غصونها معلومات مفيدة أو طريفة غالباً إلا أن حجم هذا الكتاب لا يحتملها نسبياً. فمثلاً في القسم الأول لكي يصل إلى تفهيمنا أن العلم يخدم السياسة يبدأ بأقوال شتى لمحمد عبده وأرسطوطاليس وبلاتون وسقراط، وإلى هنا يكون قد أستنفد سبع صفحات من تسع صفحات مخصصة للقسم كله. وهكذا في سائر الأقسام تقريباً. كذلك يطيل في شرح بديهيات. فقد عقد قسماً كاملاً عن (العلم والمال) يدور حول تعريف أصحاب الأموال والعقارات أنهم لو استخدموا الطرق العلمية في إدارة أموالهم وتنظيم عقاراتهم لزاد إنتاجهم.

وهناك سمة أخرى من سماته كمدرس نلمسها حين يدلي ببعض آراءه في صيغة الأحكام المؤكدة التي لا تقبل المراجعة أو التعقيب من ذلك قوله: (السياسة أرفع الفنون البشرية منزلة وأعلاها قدراً)!! لماذا يا سيدي؟ يقول: (لأن كل فن يرمي إلى تحقيق فائدة لنفر من الناس، أما فن السياسة فغرضه نفع الناس جميعاً)!! وأظن أنه ليس هناك ما يمنع أي إنسان من أن يرفع من شأن أي فن يشاء. غير أن السائغ المحتمل أن الفنون كلها رفيعة المنزلة بلا تفاضل، كما ينبغي أن ترمي كلها إلى نفع الناس جميعاً، قد يجوز التفاوت ولكن هل يجوز أن يعزى - إن وجد - إلى الفائدة من حيث كثرتها أو عمومها؟! وثالثاً:

شخصية الأديب:

وما بنا من حاجة إلى وصف الدكتور بالأديب فإن كل إنتاجه يمت إلى الأدب الممتاز بصلة وثيقة تفسح له بين أساطين الأدب مكانا محترماً. غير أن معظم العلماء الأفاضل حين يكتبون يميلون إلى زخرفة أسلوبهم بما تدلهم عليه (قواعد البلاغة)، وهذا الأسلوب على هذا النحو هو الذي ينم على أنهم علماء

لذلك نجد الدكتور تارة يصطنع (التضمين) اصطناعا يكاد يكون مقصودا لذاته، فيقول مثلاً وهو يستحث الشرق لينهض كالغرب:(فإما خففنا معهم وإما تخاذلنا فقعدنا فرمونا بحجارة من سجيل فَجُعِلْنا كعصف مأكول)، ويقول وهو يسرد حقيقة علمية معروفة:(الجسم إذا كان في موضع مرتفع فإن ذلك يكسبه مقدرة خاصة على اكتساب الحركة فيكون كجلمود صخر حطه السيل من عل).

ص: 53

وتجده تارة أخرى يستشهد بالشعر بغير ضرورة ملحة:

(العلم يرفع بيتاً لا عماد له)

(على قدر أهل العزم تأتي العزائم)

بل يستشهد بشعر صوفي:

دواؤك فيك وما تشعر

وداؤك منك وما تبصر

وتزعم أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

ولعل هذا كله للتنويع المقصود به الترفيه عن القارئ

غير أن الحق أنه بهذه الشخصيات المتنوعة قد استطاع أن يجعل من كتابه هذا سجلاً شاملاً لحسنات يرجع إليها المستفيد لمحض الاستفادة والمستفيد لغرض الاستزادة علماً وعملاً على السواء؛ فمن حسناته أنه يصحح أخطاء شائعة بين الجمهور وأخرى بين الأوربيين وثالثة بين العلماء. إذ من الجمهور من يعتقد أن الدين يؤخر العلم والكتاب ينفي ذلك بالحجة الدامغة والواقع والمنطق الاستقرائي. ومن الأوربيين من يعتقد أنهم أصحاب الفضل على العلم والكتاب يبدههم بأن العلم إنما أزدهر قبل ميلاد الفكر الأوربي بمئات السنين. ومن العلماء من يعتقد أن (بيكون) هو الذي أستحدث (المنهاج) والكتاب يدلهم على أن المصريين والبابليين عرفوه من قديم. وهكذا. كتاب عظيم بمادته الغزيرة وحقائقه المدعمة بالأرقام حيثما كان للأرقام مجال. والمؤلف فطن غاية الفطنة إذ يعقب عليها بما يعود بالنفع على وطنه وعلى العالم جميعاً. فحينما يذكر مقدار الثروة المعدنية في مصر يهيب بشباب العلم أن يفكروا في استخدامها وتنميتها. . . وحين يقرر أن الجزء المنزرع من الوجه البحري فقط (2200 كيلومتر) يمكن أن يسع سكان الأرض طرا (2000 مليون نسمة) بحيث يخص كل فرد حوالي عشرة أمتار يستطرد فيشير إشارة خفيفة عنيفة إلى أن هذا النصيب الفردي الضئيل لا يحصل عليه كثير من المصريين، ثم يستطرد فينبه الأثرياء إلى أن حريتهم في أموالهم يجب أن تخضع للشعور بالمسؤولية وتقدير الواجب. وهكذا.

ولو أن في الكتاب أيضاً آراء سلفية تردد أقوال سقراط وأفلاطون وجلوكون عن الجمهورية والديموقراطية والأوليجراكية وهي - بالمعاني التي قصدها - أسماء تكاد تكون معدومة المسميات بل معدومة الوجود والأثر في عام 1946 الذي نعيش فيه، ويحسن أن

ص: 54

نعيش له وللأعوام المقبلة إلا أن الكتاب في مجموعه كنز ثمين يزيد من قيمته أنه متجه كله نحو الخير والإنسانية.

عبد الفتاح البارودي

ص: 55