المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 73 - بتاريخ: 26 - 11 - 1934 - مجلة الرسالة - جـ ٧٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 73

- بتاريخ: 26 - 11 - 1934

ص: -1

‌عهدٌ وأي عهد!!

كان كرِعْدة الحمًّى، أو كرجفْة الزلزال، أخذ هذا البلد المسكين زهاء أربع سنين، فكدًّر من طبعه، وغيَّر من وضعه، وبدد من نظامه!

هل تخيلت الجنة وقد اتسق في ظلالها الخفض، واطَّرد في مياهها النعيم، وانبلج في أجوائها الأنس، وانبسط على أرجائها السلام، يقتحمها شياطين الجحيم عَنوة، فيجعلون ظلها حروراً، وماءها مُهْلاً، وأنسها وحشة، وسلامها فتنة؟ ذلك مثل النيل وواديه قبل هذا العهد الذميم وبعده!

كانت البلاد تسير مع الزمن إلى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة في النمو، وتتوثب مع الحق على العدو، فنجم فيها ناجم من الشر اعترض طريقها اعتراض اللص، ثم أثار في وجوهها الرعب فانكفأت إلى الخلف، وامتحن قلوبها بالبطش ففزعت إلى الصبر، وسلط على مُترفيها المُنى فقروا على الرِّيب؛ وراح الذئب المقَنَّع أو الطاغية الكاذب يعيث في كل ديوان، ويفتك في كل مكان، ويخْتِل في كل جماعة، حتى عطَّل سلطة الأمة، وأبطل سطوة القانون، وقوض ركن الفضيلة.

تناصرت أبالسة الظلم والظلام على مشاعر هذه الأمة فتركوها من الدسائس والهواجس والأوهام في مثل الدجى الحالك، تقتل نفوسها ويقولون إنها تجاهد، وتركب رءوسها ويعلنون أنها تسير، وتضطرب في شقائها اضطراب الذبيح ويوهمون أنها تحيا؛ ثم رصدوا خزانة الدولة وجنودها وشُرَطَها وموظفيها لإقرار الشعب على الضيم، ورياضته على الاستكانة، فنسى الجندي أنه حشد لمدافعة العداة، والشُّرْطي أنه رُصد لمراقبة الجناة، والموظف أنه أُعِدَّ لتصريف الأمور، ووقفوا جهودهم على قطع هذا الشارع فلا يعبره عابر، وحصر هذا البيت فلا يزوره زائر، وتعهُّدِ هذا المحالف فلا يُخْلفُه بِر، وتَعقّب ذلك المخالف فلا يفُلته أذى!!

ثم انتشر الوعيد والوعد في جنبات النفوس يستنزلانها عن الخُلق، ويفتنانها عن العقيدة، ويغريانها بالعدالة، ويحرضانها على الصداقة، حتى اشتبه الوفاء، واتُّهم القضاء، ومرضت الأهواء، وانقطعت الأسباب بين المرء وصاحبه، وانفرجت الحال بين الرجل وواجبه؛ وكل ذلك لتُثْرى جماعة ويتسلط فرْد!!

لا للهِ ولا للوطن كانت هذه المِحنة! إنما كانت نزوة رَعْناء من بغي الإنسان على الإنسان!

ص: 1

والناس لا يزالون كما كانوا في الدهر الأول يسرقون ليأكلوا، ويقتلون ليعيشوا، ويستعبدون ليسودوا، ويستبدون ليحكموا، لا يحمي الفردَ من الفرد قانون، ولا يعصم الأمةَ من الأمة معاهدة! أما الدين والمدنية والعلم والأدب والفن والأنظمة فغطاء ذهبي على الناب، وطلاء وردي على المخلب!

على أن ضعف الشعوب خَدَّاع، لأنه قُوىً متفرقة في نفوس متفرقة، فإذا ما تجمَّعت ذات مرة حول القوة الزعيمة الملهِمة، كانت هي الرجفة التي تهز الأرض من حين إلى حين، وتنقل التاريخ من فصل إلى فصل!

ولكن ابن آدم سَهْوان: يُذهله نجب السلطان عن صوت العبَر، كما يذهله غرور الحياة عن يقين الموت! فلا يفيق من سكرة الدنيا إلا بوكزة الداء، ولا من سَوْرة الحكم إلا بسقطة الوزارة!

سيتحرَّج التاريخ من تسجيل هذا العهد وإن سجل كثيراً من أمثاله! لأن المظنون أن العالم يتقدم ولا يتأخر، ويترقى ولا ينحط؛ فكيف يجد المعاذير لقطعة من الأرض يعزلها سارقوها عن الوجود الحاضر، ثم يحاولون أن يضربوا الأسداد بينها وبين الحرية والديمقراطية، فلا ترى سيادة هذه ولا تسمع أناشيد تلك! ولكن التاريخ لا ينسى - وإن نسى الناس - أن للنظام العالمي جاذبية تجذب المتخلف، وللعدل الإلهي صيحة تُسمع الأصم، وللشعب الوديع حيوية يَقْظى تعود بالمبطل صاغراً إلى الحق، وتُفئ بالحق السليب موفوراً إلى أهله!

حنانيك يا رب! لقد تألمنا حتى أشفق الألم، وصبرنا حتى جزع الصبر، وضحينا حتى أصبحنا كلنا ضحايا!! فعسى أن يشاء عدلك وتريد رحمتك ألاَّ نقاسيَ مثل هذا العهد، وألا نعانيَ مثل هذه التجربة، وألا نكابد مثل هذا البلاء!

الآن أصبح الليل، وانجلت الغمة، وتهتكت سدول الظلام عن السماء الواعدة، والضياء الهادي، والأفق الممتد، والطريق القاصد! فهل ترتد الشياطين إلى قماقم سليمان، وترجع الخفافيش إلى حَوالك الغِيران، ويستقيم القوم على عمود رأيهم حتى يلحقوا الناس ويدركوا الغاية!

أحمد حسن الزيات

ص: 2

‌الأجنبيَّة

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

أحبَّها وأحبَّتْه، حتى ذهب بها في الحب مَذْهباً قالت له فيه:(لو جاءني قلبي في صورةٍ بشريَّةٍ لأراه كما أُحِسُّه، لما اختار غير صورتك أنتَ في رقِّك وعطفك وحنانك.) وحتى ذهبتْ به في الحب مذهباًقال لها فيه: (إن الجنة لا تكون أبدعَ فناً، ولا أحسنَ جمالاً، ولا أكثرَ إمتاعاً لو خُلِقَت امرأةً يهواها رجل؛ إلا أن تكون هي أنتِ.) فقالت له: (ويكونَ هو أنتَ. . .).

وتَدَلَّهتْ فيه، حتى كأنما خَلَبها عقلَها ووضع لها عقلَا من هواه؛ فكانت تقول له فيما تَبُثُّه من ذاتِ نفسها:(إن حبَّ المرأة هو ظهورُ إرادتها مُتَبرِّئةً من أنها إرادة، مُقِرَّةً أنها مع الحبيب طاعةٌ مع أمر، مُذْعِنَةً أنها قد سلّمت كبريائها لهذا الحبيب، لتراه في قوّته ذا كبريائين.)

وافتتن بها حتى أخذتْ منه كلَّ مأخَذ، فملأتْ نفسَه بأشياء، وملأت عينَه من أشياء؛ فكان يقول لها في نجْواه:(إني أرى الزَمن قد انْتَسَخَ مما بيني وبينك، فإنما نحن بالحب في زمن من نَفْسينا العاشقتين لا يُسمَّى الوقتَ ولكن يسمَّى السرور، وإنما نعيشُ في أيام قلبيّةٍ لا تدلُّ على أوقاتها الساعةُ بدقائقها وثوانيها، ولكنِ السعادة بحقائقها ولذَّاتِها.)

وتحابَّا ذلك الحبّ الفنّيَ العجيب الذي يكون ممتلئاً من الروحين يكادُ يفيض وينسكب، وهو مع ذلك لا يبرَحُ يطلب الزيادة، ليتخيّل من لذتها ما يتخيل السكِّيرُ في نشوتهِ إذا طفحت الكأس، فيرى بعينيه أنها ستتَّسع لأكثَرَ مما امتلأت به، فيكونُ له بالكأس وزيادتها، سُكْرُ الخمرِ وسكرُ الوهم.

تحابَّا ذلك الحبّ الفَوّار في الدم، كأن فيه من دَوْرته طبيعة الفراق والتلاقي، بغير تلاقٍ ولا فراق؛ فيكونان معاً في مجلِسهما الغَزَليّ، جَنْبُهُ إلى جنبها وفَاهَا إلى فيه وكأنما هرَبَتْ ثم أدرْكَها، وكأنما فَرّتْ ثم أمسَكَها. وبين القُبْلةِ والقُبْلة هِجرانٌ وصلح، وبين اللَّفتَةِ واللّفتة غَضَبٌ ورضى.

وهذا ضَرْبٌ من الحب يكون في بعض الطبائع الشاذّة المُسْرِفة التي أفرطتْ عليها الحياةُ إفراطها فَيَلِفُّ الحيوانيّةَ بالإنسانية، ويجعلُ الرجلَ والمرأةَ كبعض الأحماض الكيماوية مع

ص: 3

بعضها؛ لا تلتقي إلا لتتمازج، ولا تتمازجُ إلا لتَتّحد، ولا تتحدُ إلا ليبتلعَ وجودُ هذا وجودَ ذاك.

وضَرَب الدهرُ من ضَرباتِه، فأبغضتْه وأبغضها، وفَسَدتْ ذاتُ بينِهما، وأدبر منها ما كان مُقْبِلاً؛ فَوَثَبَ كلاهما من وجود الآخر وَثْبة فَزَعٍ هارباً على وجهه. أما هو فَسَخِطَها لعيوب نفسها، وأما هي. . . وأما هي فَتَكرَّهَتْه لمحاسن غيره، وانسَرَبَتْ أيام ذلك الحب في مسَارِبها تحت الزمن العميق الذي طَوَى ولا يزالُ يطْوي ولا يبرحُ بعد ذلك يطوي؛ كما يغورُ الماءُ في طِباق الأرض. فأصبح الرجل المسكين وقد نزلتْ تلك الأيام من نفسه منزلةَ أقاربَ وأصدقاء وأحِبّاء ماتوا بعضُهم وراءَ بعض، وتركوه ولكنهم لم يبرحوا فِكْرَه، فكانوا له مادّةَ حسرة ولَهْفة. أما هي. . . أما هي فانشقّ الزمن في فكرها بِرَجّةِ زلزلة، وابتلع تلك الأيامَ ثم التأم. . .!

فحدّثنا (الدكتور محمد) رئيس جماعة الطلبة المصريين في مدينة. . . بفرنسا، قال: وانتهى إليّ أن صاحبنا هذا جاء إلى المدينة، وأنه قادمٌ من مصر، فَتَخالَجني الشوقُ إليه، ونزعتْ إلى لقائه نفسي، وما بيننا إلا معرفتي أنه مصريٌّ قَدِمَ من مصر؛ وخُيّل إليّفي تلك الساعة مما اهْتَاجني من الحنين إلى بلادي العزيزة، أن ليس بيني وبين مصرَ إلا شارعان أقطعهُما في دقائق؛ فخففتُ إليه من أقرب الطرق إلى مثواه، كما يصنع الطير إذا ترامى إلى عُشّهِ فابْتدَرَهُ من قُطْرِ الجوّ.

قال: وأصبْتُه واجماً يعلوه الحزن، فتعرّفتُ إليه فما أسرَعَ ما مَلأَ من نفسي وما ملأتُ من نفسه، وكما يمَّحِي الزمانُ بين الحبيبين إذا التقيا بعد فُرْقة - يتلاشى المكانُ بين أهل الوطن الواحد إذا تلاقوا في الغرْبة. فذابت المدينةُ الكبيرة التي نحن فيها، كأنْ لم تكن شيئاً، وتجلّى سحرُ مصر في أقوى سَطوتِه وأشدها، فأخذَنا كلينا فما استشعرنْا ساعتئذٍ، إلا أن أوربا العظيمة، كأنما كانت مرسومةً على ورقة، فطويناها وأحللْنا مصرَ في محلها.

وطغى علينا نازِعُ الطرَب طغياناً شديداً، فأرسلْتُ من يجمع الإخوان المصريين، واخترتُ لذلك صديقاً شاعرَ الفطرة، فَنَزا به الطربُ، فكان يدعوهم وكأنهُ يُؤذّن فيهم لإقامة الصلاة. وجاءوا يهرولون هَرْولةَ الحجيج، فلو نَطَقتِ الأرض الفرنسية التي مَشَوا عليها تلك المِشْيةَ لقالت: هذه وطْأةُ أٌسودٍ تتَخيّل خُيلاءهَا من بَغي النشاط والقوة.

ص: 4

ألا ما أعظمَكِ يا مصر، وما أعظمَ تعنُّتَكِ في هذا السحر الفاتن! أينبغي أن يغتربَ كلُّ أهلك حتى يدركوا معنى ذلك الحديث النبويّ العظيم (مصرُ كِنانةُ الله في أرضه.) فيعرفوا أنك من عزّتك معلَّقةٌ في هذا الكون تعليقِ الكنانة في دار البطل الأرْوع؟

قال (الدكتور محمد): واجتمعنا في الدار التي أنزلُ فيها، فراع ذلك صاحبةَ مثْواي، فقلت لها: إنَّ ههنا ليلةً مصرية ستحتلُّ ليلتكم هذه في مدينتكم هذه، فلا تجزعوا. ثم دعوتها إلى مجلسنا لتشهد كيف تَسْتَعْلِنُ الروح المصرية الاجتماعية برقّتها وظرفها وحماستها، وكيف تُفسّر هذه الروحُ المصريةُ كلّ جميل من الأشياء الجميلة بشوقٍ من أشواقها الحنَّانة، وكيف تكون هذه الروحُ في جوّ موسيقيتها الطبيعية حين تُناجي أحبابها، فيجئ حديثُها بطبيعته كأنه ديباجة شاعر في صفائها وحلاوتها ورنين ألفاظها؟

وقالت السيدة الظريفة: يالها سعادة! سأتخذُ زينتي، وأصلح من شأني، وأكون بعد خمس دقائق في مصر!

قال الدكتور: وأخذنا في شأننا، وكان معنا طالبٌ حسن الصوت فقام إلى البيانة وغَنى مقطوعة (طقطوقة) مصرية من هذه المقاطيع التي تُطقْطِقُ فيها النفس، فجعل يَمطُلُ صوتَهُ بآهٍ، وآه، ودار اللحنُ دورةً تأوهت فيها الكلماتُ كلُّها. ثم اعْتَوَرَ البيانة طالبٌ آخر فما شذَّ عن هذه السنَّة، وكان بعد الأول كالنائحة تُجاوب النائحة. فمالت عليّ السيدة الفرنسية وأسَرّت إليّ: أهاتان امرأتان أم رجلان. . .؟ فقلت لها: إن هذا لخنٌ تاريخي ذو مقطوعتين كانت تَتَطارحُهكليوباترة وأنطونيو، وأنطونيو وكليوباترة. فأعجبت المرأة أشد الإعجاب، وأكبرتْ منا هذا الذوقَ المصريّ أن نكرمها لوجودها في مجلسنا بألحان الملكة المصرية الجميلة، وطرِبتْ لذلك أشدَّ الطرب، ومَلَكها غرور المرأة، فجعلت تستعيد (يا لوعتي، يا شقاي، يا ضَنىَ حالي. . .) وتقول: ما كان أرقّ كليوباترة! ما كان أرقّ أنطونيو! يا لَفِتنةِالحب الملَكي!. .

قال (الدكتور محمد): ثم خجلتُ والله من هذا الكلام المخنَّث، ومن تلفيقي الذي لفقته للمرأة المخدوعة؛ فانتفضْتُ انتفاضةَ من يملؤه الغضب، وقد حَمِيَ دمُه، وفي يده السيفُ الباتر، وأمامه العدو الوقْح؛ وثُرْتُ إلى البيانة فأجريتُ عليها أصابعي، وكأنّ في يدي عشرة شياطين لا عشرة أصابع، ودوّى في المكان لحنُ (اسلمي يا مصر) وجَلْجَلَ كالرعد في قبة

ص: 5

الدنيا، تحت طِباق الغيم، بين شرار البرق. فكأنما تَزَلْزلَ المكان على السيدة الفرنسية وعلينا جميعاً، وصَرَخَ أجدادُنا يزأرونَ من أعماق التاريخ:(اسلمي يا مصر). ولما قَطَعتُ التفتُّ إليها في كبرياء تلك الموسيقى وعظمتها، وقلتُ لها: هذا هو غناؤنا نحن الشبان المصريين.

ثم راجعنْا صاحبَنا الضيف، وأحفَيْناه بالمسألة، فقال بعد أن دافَعَنا طويلاً: إنه يحسن شيئاً من الموسيقى، وإن له لحناً سيُطارحنا به لنأخذه عنه. فطرِنا بلَحنه قبل أن نسمعه، وقلنا له: افعلْ متفضلاً مشكوراً، وما زلنا حتى نهض متَثاقلاً فجلس إلى البيانة وأطرق شيئاً، كأنه يُسوِّي أوتاراً في قلبه، ثم دَقَّ يتشاجَى بهذا الصوت:

أضَاعَ غَدي من كان في يَدِهِ غدي

وحَطّمني من كان يَجْهَدُ في سَبْكِي

فإن كنتُ لا آسى لنفسي فَمَنْ إذن؟

وإن كنتُ لا أبكي لنفسي فمن يَبكي

قال (الدكتور محمد): فكان الغناء يَعْتلجُ في قلبه اعتلاجاً، وكانت نفسه تبكي فيه بكاءها وتَغصُّ من غصتها، وكأن في الصوت فكراً حزيناً يَستعلن في همٍّ موسيقى؛ وخيل إلينا بين ذلك أن البيانة انقلبت امرأة مغنية تُطارح هذا الرجل عواطفها وأحزانها، فاجتمع من صوتهما أكملُ صوت إنساني وأجملُه وأشجاه وأرقّه.

فأطَفْنا به وقلنا له: لقد كتمْتَنا نفسك حتى نَمَّ عليها ما سمعنا، وما هذا بغناء، ولكنه هموم مُلَحَّنةٌ تلحيناً، فلن ندعَك أو تُخَبِّرَنا ما كان شأنك وشأنها.

فاعْتلَّ علينا ودافَعَنا جهدَه، فقلنا له: هيهات؛ والله لن نُفْلِتَكَ وقد صِرتَ في أيدينا. وإنك ما تزيدُ على أن تَعظنا بهذه القصة؛ فإن أمسكت عنها فقد أمسكتَ عن موعظتنا، وإن بخلت فما بخلتَ بقصتك بل بعلمٍ من علم الحياة نُفيدُه منك؛ وأنت ترانا نعيش هاهنا في اجتماع فاسد كلُّه قصص قلبيّة، بين نساء لا يَلْبَسنَ إلا ما يُعرّي جمالَهن، وفي رجال أفرطتْ عليهم الحرية، حتى دخل فيها مَخدعُ الزوجة. . .!

قال الدكتور: ونظرت فإذا الرجل كاسِفٌ قد تَغيّر لونُه، وتبين الانكسار في وجهه، فألممت بما في نفسه، وعلمت أنه قد دهي في زوجة من هؤلاء الأوربيات اللواتي يتزوجن على أن يكون مخدع المرأة منهن حراً أن يأخذ ويدع، ويغير ويبدل، ويقسم كلمة (زوج) قسمين وثلاثة وأربعة وما شاء. . .

ص: 6

وكأنما مسست البارود بتلك الشرارة، فانفجرت نفس الرجل عن قصة ما أفظعها!

قال: يا إخواني المصريين، قبل أن أنفض لكم ذلك الخبر، أسديكم هذه النصيحة التي لم يضعها مؤلف تاريخي لسوء الحظ، إلا في الفصل الأخير من رواية شقائي:

(إياكم إياكم أن تغتروا بمعاني المرأة، تحسبونها معاني الزوجة. وفرقوا بين الزوجة بخصائصها، وبين المرأة بمعانيها؛ فإن في كل زوجة امرأة، ولكن ليس في كل امرأة زوجة).

واعلموا أن المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية، كهذا السحاب الملون في الشفق حين يبدو؛ له وقت محدود ثم يمسخ مسخاً؛ ولكن الزوجة في نسائيتها الاجتماعية كالشمس؛ قد يحجبها ذلك السحاب، بيد أن البقاء لها وحدها، والاعتبار لها وحدها، ولها وحدها الوقت كله.

لا تتزوجوا يا إخواني المصريين بأجنبية؛ إن أجنبيةً يتزوج بها مصري هي مسدس جرائم فيه ست قذائف:

الأولى: بوار امرأة مصرية وضياعها بضياع حقها في هذا الزوج. وتلك جريمة وطنية؛ فهذه واحدة.

والثانية: إقحام الأخلاق الأجنبية عن طباعنا وفضائلنا - في هذا الاجتماع الشرقي، وتوهينه بها وصدعه؛ وهي جريمة أخلاقية.

والثالثة: دس العروق الزائغة في دمائنا ونسلنا، وهي جريمة اجتماعية.

والرابعة: التمكين للأجنبي في بيت من بيوتنا، يملكه ويحكمه ويصرفه على ما شاء؛ وهي جريمة سياسية.

والخامسة: للمسلم منا إيثاره غير أخته المسلمة، ثم تحكيمه الهوى في الدين، ما يعجبه وما لا يعجبه، ثم إلقاؤه السم الديني في نبع ذريته المقبلة، ثم صيرورته خزياً لأجداده الفاتحين الذين كانوا يأخذونهن سبايا، ويجعلونهن في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد الزوجة؛ فأخذته هي رقيقاً لها، وصار معها في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد. . . وهذه جريمة دينية.

والسادسة: بعد ذلك كله، إن هذا المسكين يؤثر أسفله على أعلاه. . ولا يبالي في ذلك خمس جرائم فظيعة.

ص: 7

وهذه السادسة جريمة إنسانية!

ما كنت أحسب يا إخواني وقد رجعت بزوجتي الأوربية إلى مصر - أني أحضرت معي من أوربا آلة تصنع أحزاني ومصائبي! ولم يكن وعظني أحد بما أعظكم به الآن، ولا تنبهت بذكائي إلى أن الزوجة الأجنبية تثبت لي غربتي في بلادي! وتثبت على أني غير وطني أو غير تام الوطنية، ثم تكون مني حماقة تثبت للناس أني أحمق فيما اخترت؛ ثم تعود مشكلة دولية في بيتي، يزورها أبناء جنسها ويستزيرونها رغم أنفي وفمي ووجهي كله! ويستطيلون بالحماية، ويستترون بالامتيازات، ويرفعون ستاراً عن فصل، ويرخون ستاراً عن فصل. . وأنا وحدي أشهد الرواية. .!

إن الشيطان في أوربا شيطان عالم مخترع، فقد زين لي من تلك الزوجة ثلاث نساء معاً: زوجة عقلية، وزوجة قلبية، وزوجة نفسية، ثم نفث اللعين في روعي أن المرأة الشرقية ليست فيها إلا واحدة، وهي مع ذلك ليست من هؤلاء الثلاث ولا واحدة. قال الخبيث: لأنها زوجة الجسم وحده، فلا تسمو إلى العقل، ولا تتصل بالقلب، ولا تمتزج بالنفس؛ وأنها بذلك جاهلة، غليظة الحس، خشنة الطبع، لا تكون مع المصري إلا كما تكون الأرض المصرية مع فلاحها.

لعنة الله على ذلك الشيطان الرجيم العالم المخترع! ما علمت من بعد أن هذه الشرقية الجاهلة الخشنة الجافية هي كالمنجم التي تبره في ترابه، وماسه في فحمه، وجوهره في معدنه؛ وأن صعوبتها من صعوبة العفة الممتنعة، وأن خشونتها من خشونة الحب المعتز بنفسه، وأن جفاءها من جفاء الدين المتسامي على المادة؛ وأنها بجموع ذلك كان لها الصبر الذي لا يدخله العجز، وكان لها الوفاء الذي لا تلحقه الشبهة، وكان لها الإيثار الذي لا يفسده الطمع. هي جاهلة، ولها عقل الحياة في دارها؛ وغليظة الحس؛ ولها أرق ما في الزوجة لزوجها وحده؛ وخشنة الطبع، لأنها تتنزه أن تكون ملمساً ناعماً لهذا وذاك وهؤلاء وأولئك. . لا كامرأة الحب الأوربية، التي تجعل نفسها أنثى الفن، وتريد أن تعيش دائماً مع زوجها الشرقي من التفضيل والإيثار والإجلال والإباحة - في كلمة (أنا) قبل كلمة (أنت). . امرأة أنشأتها الحرب العظمى بأخلاق مخربة مدمرة تنفجر بين الوقت والوقت.

عندنا يا إخواني تعدد الزوجات، يتهموننا به من عمىً وجهل وسخافة. انظروا، هل هو إلا

ص: 8

إعلان لشرعية الرجولة والأنوثة، ودينية الحياة الزوجية في أي أشكالها؛ وهل هو إلا إعلان بطولة الرجل الشرقي الأنوف الغيور أن الزوجة تتعدد عند الرجل ولكن. . . ولكن ليس كما يقع في أوربا من أن الزوج يتعدد عند المرأة. . .!

يتهموننا بتعدد المرأة على أن تكون زوجةً لها حقوقها وواجباتها، بقوة الشرع والقانون، نافذةً مؤداة، ثم لا يتهمون أنفسهم بتعدد المرأة خليلة مخادنةً ليس لها حق على أحد، ولا واجب من أحد، بل هي تتقاذفها الحياة من رجل إلى رجل، كالسكير يتقاذفه الشارع من جدار إلى جدار.

لعنة الله على شيطان المدنية العالم المخترع المخنث، الذي يجعل للمرأة الأوربية بعد أن يتزوجها الرجل الشرقي أصابع (أوتوماتيكية)، ما أسرع ما تمتد في نزوة من حماقاتها إلى رجلها بالمسدس، فإذا الرصاص والقتل؛ وما أسرع ما تمتد في نزوة من عواطفها إلى عاشقها بمفتاح الدار، فإذا الخيانة والعهر!

ماذا تتوقعون يا إخواني من تلك الرقيقة الناعمة، المتأنثة بكل ما فيها أنوثة تكفي رجالاً لا رجلاً واحداً، وقد ضعفت روحية الأسرة في رأيها، وابتذلت الروحية في مجتمعها ابتذالاً، فأصبح عندها الزواج للزواج على إطلاقه، لا لتكون امرأة واحدة لرجل واحد مقصورة عليه؛ وبذلك عاد الزواج حقاً في جسم المرأة دون قلبها وروحها؛ فإن كان الزوج مشئوماً منكوباً لم يستطع أن يكون رجل قلبها - فعليه أن يدع لها الحرية لتختار زوج قلبها. .! ومعنى ذلك أن تكون هذه المرأة مع الزوج الشرعي بمنزلة المرأة مع فاسق؛ ومع الفاسق بمنزلة المرأة مع الزوج الشرعي. .! وإن كان الرجل منحوساً مخيباً، وكان قد بلغ إلى قلبها زمناً ثم مله قلبها - فعليه أن يدع لها الحرية لتتنقل وتلذ بلذات الهوى، ويقول لها: شأنك بمن أحببت، فإن هذا المنحوس المخيب ليس عندها إنساناً، لكنه رواية إنسانية انتهى الفصل الجميل منها بمناظره الجميلة، وبدأ فصل آخر بحوادث غير تلك. فلمن يشهد الرواية أن يتبرم ما شاء، ويستثقل كما يشاء، ومتى شاء انصرف من الباب. .!

امرأة هذه المدنية هي امرأة العاطفة؛ تتعلق باللفظ حين تلبسه العاطفة من زينتها، وإن ضاع فيه المعنى الكبير من معاني العقل، وإن فاتت به النعمة الكبيرة من نعم الحياة.

تقوى العاطفة فتجئ بها إلى رجل، ثم تقوى الثانية فتذهب بها مع رجل آخر. . .! وتقيد

ص: 9

نفسها إن شاءت، وتسرح نفسها إن شاءت؛ وما بد من أن تبلو الحياة كما يبلوها الرجل، وأن تخوض في مشاكلها؛ وإذا شاءت جعلت نفسها إحدى مشاكلها. .! ولا مندوحة من أن تتولى شأن نفسها بنفسها، فإذا خاست أو غدرت فكل ذلك عندها من أحكام نفسها، وكل ذلك رأي وحق، إذا كان محورها الذي تدور عليه هو عاطفتها وحرية هذه العاطفة، فمن هذا يقرر لها خطتها، ويملي عليها واجباتها، ويزور لها الأسماء على إرادته دون إرادتها، فيسمي لها نكد قلبها باسم فضيلة المرأة، وحرمان عاطفتها باسم واجب الزوجة الشريفة؟

ومنذا خوَّلَه الحق أن يقرر وأن يملي؟

وهذا الشرقي العتيق المأفون الذي قبلها سافرة لا تعرف روحها ولا جسمها الحجاب؛ ما باله يريد أن يضرب الحجاب على عاطفتها، ويتركها محبوسة في شرفه وحقوقه وواجباته، وإن لم تكن محجوبة في الدار؟

ما علمت يا إخواني إلا من بعد، أن الزوجة الغربية قد تكون مع زوجها الشرقي كالسائحة مع دليلها. هيهات هيهات، إنه لن يمسكها عليه، ولن يكرهها على الوفاء له، إلا أن تكون حثالة يزهد فيها حتى ذباب الناس؛ فيأسها هو يجعل هذا المسكين مطمعها، وهي مع ذلك لو خلطته بنفسها لبقيت منها ناحية لا تختلط، إذ ترى أمته دون أمتها، وجنسه دون جنسها؛ فما تسب أمة زوجها وبلاده بأقبح من هذا!

أما والله إن الرجل الشرقي حين يأتي بالأجنبية لتلوين حياته بألوان الأنثى. . لا يكون اختار أزهى الألوان إلا لتلوين مصائب حياته! وقد يكون هناك ما يشذ، ولكن هذه هي القاعدة.

أما قصتي يا إخواني. . . . . . . . .

قال الدكتور محمد: قد حكيتها (يرحمك الله)

طنطا

مصطفى صادق الرافعي

ص: 10

‌2 - محمد بك المويلحي

للأستاذ عبد العزيز البشري

لست أغلو إذا زعمت أنني في مطلع نشأتي الأدبية كان (مصباح الشرق) عندي هو المثل الأعلى للبيان العربي. وبهذا كنت شديد الاكباب على قراءته، وتقليب الذهن واللسان في روائع صيغه وطرائف عباراته. حتى لقد كنت أشعر أنني أترشفها ترشفاً لتدور في أعراقي وتخالط دمي، وتطبع ملكتي على هذا اللون من البيان الجزل السهل الناقد الطريف. ولكن (ما كل ما يتمنى المرء يدركه)!

ولقد كنت فتى مولعاً بالصناعة، شأن أكثر نابتة المتأدبين في ذلك العهد. فلما أرسل محمد المويلحي في المصباح (أحاديث عيسى بن هشام) زادني وزاد لداتي به فتوناً.

كيف تمثل لي محمد المويلحي؟:

لم تكن عيني إلى هذا العهد قد وقعت قط على محمد المويلحي ولا خيار المرء في تمثل صورة من لم ير من الأناسي، وما لم يشهد من البقاع. فكانت الصورة التي جلاها علي الخيال لهذا الرجل، صورة شاب معتدل القد، وضئ الطلعة، وسيم الوجه قسيمه. وما كان ذلك البيان الجوهري ليجلو علي من الرجل غير ذلك. على أنني كنت أرى أباه إبراهيم بك الحين بعد الحين في زياراته لوالدنا، عليهما رحمة الله، وفي زيارات والدنا له (بعمارة البابلي) يوم كنت أصحبه. وكان هذا المويلحي تحفة من تحف العصر التي قل أن يجود بمثلها الزمان: قوة لسن، واشتعال ذهن، وحضور بديهة، وسطوة نكتة، وسعة علم بالزمان وأحوال الناس. أما سرعته وتوفيقه في إيراد الشاهد من عبر التاريخ، ومأثور الآداب من منثور الكلام ومنظومه، فهذا ما لم يتعلق بغباره فيه أحد. فكان مجلسه متاعاً من أعظم المتاع

على أنني لم أوفق إلى رؤية المويلحي الابن مرة واحدة!

وتتابعت السنون، وخلص تحرير (المصباح) إلى محمد. ثم امتحنه القدر بحادثة اعتداء يسير عليه من بعض الطيش من أبناء (الذوات) في إحدى القهوات. وانتهى الخبر إلى المرحوم الشيخ علي يوسف، وكان في صدره موجدة شديدة على محمد وعلى أبيه لما كان بينه وبينهما من كيد وصراع، فانتهز الفرصة وروى الحادثة في صورة مهولة، واستدرج

ص: 11

الكتاب والشعراء للقول فيها، وفسح لهذا في المؤيد مكاناً عريضاً. ومن ذا الذي لم يكن موتوراً من المويلحي؟ ومن ذا الذي لم يقدر الوتر منه في مستقبل الأيام؟ وإذا كان الرجل عاجزاً على أن يخرج للمويلحي وحده، فهذه جموع الأدباء والشعراء والعلماء أيضاً قد تداكت لقتاله بكل ما في أيديها من سلاح! ألا فليتقدم لطعن المويلحي من شاء أن يتقدم، فليس على أحد في قتاله اليوم من بأس!

وتثور العاصفة، ويشتد البأس، وتحمر الحدق، وأذّن النفير العام، فوثب القاعد وتحرك الساكن، وانبعث الجاثم وهب النائم. وأهاب القعديون بالمتخلف، واستحمسوا المتخاذل. وشد الجميع على قلب رجل واحد. وهل كان من المستطاع أن يصمد لهذا الجيش اللجب رجل واحد؟. لم يستطع المويلحي أن يثبت في الميدان، فأطفأ (المصباح) وأنسل إلى داره وقد ألقى يد السلام، واحتجب ولكن في انتظار الثأر وري الغلة بالانتقام!.

ولقد تم للمويلحي من هذا بعض ما أراد أو كل ما أراد. فلقد كان ممن أثاروا الثائرة على الشيخ علي يوسف أيام حادث الزوجية المشهور، وفتح له في جريدة (الظاهر) باباً مثل ذلك الباب، واستدرج له أقلام الشعراء والكتاب. وواحدة لواحدةٍ كفاء.

متى رأيت المويلحي، وكيف اتصلت به؟:

بين سنتي 1907، 908، لا أذكر على التحديد، سألت صديقاً حديث العهد بصداقتي، ولكن وده للمويلحي قديم - سألته وتمنيته أن يجمع بيني وبينه، وما كان أبلغ دهشتي واغتباطي حين قال لي: إن المويلحي قد طالعه أنه يحب أن يراني، ولعله عرف بي من أيام كنت أرسل القول في الشيخ في فتنة الزوجية شعراً ونثراً. (وأسأل الله أن يغفر لي هذا). وتواعدنا أن نذهب إليه في الأصيل.

وكان، رحمه الله، قد اتخذ مسكنه داراً من دور سعيد باشا نصر، تقع في أطراف العباسية يومئذ. وهذه الدار لا يعطي العين ظاهرها أكثر من منظر (حوش) في قرافة الأمام، فإذا جزت مداخلها انفرجت للعين حديقة واسعة قد عبِّدت طرقها تعبيداً، ونضدت أشجارها تنضيداً، وتأنقت يد البستاني في تسويتها وتنميقها، كما تأنقت يد الطبيعة في تشجيرها وتزويقها: فهذا الفل الوضيء الآلق، وهذا الورد المشرق الضاحك، وهذا النرجس تنبعث من عيونه الأسحار، وهذا الياسمين لقد استحال تنفساً في ساع الأسحار.

ص: 12

ولقد أفرد زاوية من زوايا الحديقة للغزلان والطواويس وجماعات الطير من كل غرد صداح.

ويستقبلني، رحمة الله عليه، بالبشر والتأهيل والترحيب، وإذا بي إزاء رجل حنطي اللون، بين الطويل والقصير، والسمين والهزيل؛ مستطيل الوجه، عريض الجبهة، حاد العينين، مستوي الأنف، له فم قريب إلى الفَوَهِ في غير قبح ولا استكراه. إذا تمثل واقفاً لمحت في ساقيه تقوساً خفيفاً لعله دخل عليه من أنه عالج المشي قبل أن تصلب عظامه. وله إذا تحدث صوت لا أقول خشن بل أقول جزل. فإذا أقبل على القراءة زر عينه اليسرى فبان التكرش الشديد ما بين أعلى العارض وأسفل الجبين، وهذا التكرش لا شك كان من أثر السنين، وإن كان يخفيها في المويلحي شدة عنايته بصحته، وتكلفه ألواناً من علاج البدن بمأثور الوصفات، والتزام الحمية في كثير من الأوقات، وأخذ النفس بالراحة التامة ما تستثيره أزمة من الأزمات، ولا يستدرجه مجلس لهو ولا تقنصه داعية لذة من اللذات؛ وبهذا تهيأ له أن يحيا في مثل نظرة الشباب إلى الممات.

وقد تلقّاني في غرفة الاستقبال، وهي غرفة أنيقة حقاً. لقد أثثت بأفخر الأثاث وأغلاه، وأفخر من كل شئ فيها الأناقة في تصفيف الفراش والذوق التام. وقد زُينت أجبُنُها بصور كبيرة له ولأبيه، وللأميرة نازلي فاضل، وللسيد جمال الدين الأفغاني. وبلوحات خطية جميلة جرت بروائع الحكم، وأكثرها من شعر المعري.

وخضنا في أحاديث من أحاديث الأدب، ولونا الكلام تلويناً حتى تجاوزنا نصف الليل، وتفارقنا وكأن حبل المودة بيننا ممدود من عشرين سنة. وتواعدنا اللقاء ما تهيأ لنا. وكذلك استمكن الإلف واستوثقت حبال الود، فما نتفارق على موعد من لقاء قريب. ولقد أعيش معه اليومين والثلاثة نقرأ عامة نهارنا وصدراً من ليلنا كتباً، أو نتذاكر أدباً.

وكان ممن يختلفون إلى داره مغرب الشمس عادة بعض أقطاب العلم وأصحاب الرأي والبيان والبدائة المواتية، وأذكر منهم المرحومين عمه السيد عبد السلام باشا المويلحي (سر تجار مصر)، والسيد محمد توفيق البكري، والشيخ علي يوسف، بعد أن تصافت القلوب مما كان علق بها من الأضغان، والسيد محمد البابلي، ومحمد بك رشاد، وحافظ بك إبراهيم، وعبد الرحيم بك أحمد، وحافظ بك عوض، والسيد عبد الحميد البنان. أحياهما الله أطيب

ص: 13

الحياة. وخذ ما شئت في أثناء هذه المجالس من أدب رائع، ومن نادرة طريفة، ومن حاضر نكتة قل أن تسخو بمثلها الأذهان.

ولقد كنا نقضي معاً عامة الصيف في مدينة الإسكندرية. ولعل من أسعد هذه الأصياف ذلك الذي قضيناه معاً في فندق في ضاحية المكس خالصين للرياضة ومراجعة الكتب في مختلف الآداب، لا ننحدر إلى صلب المدينة إلا لقضاء سهرة مونقة مع آثر الصحاب. كما عشنا معاً في شتاء سنة 911، 912، بضعة أشهر في دار استأجرناها في حلوان.

وفي سنة 1910 قلد في ديوان (عموم) الأوقاف منصب رئيس قسم الإدارة والسكرتارية، وفي يناير من سنة 1911 عينت في (قلم السكرتارية). وللمويلحي في هذا التعيين سعي غير منكور. وبهذا أصبح لي رئيساً، كما كان لي أستاذاً وصديقاً.

ولقد ظل الود بيننا موصولاً حتى قبض إلى رحمة الله.

نشأته ودراسته:

هو السيد محمد المويلحي بن إبراهيم بك بن السيد عبد الخالق المويلحي. أصلهم من مرفأ المويلح ببلاد العرب، هبط جدودهم مصر من زمن غير قصير، وكانوا يتجرون في صناعة الحرير، وهم أهل نعمة وثراء. ولقد أتلف أبوه إبراهيم كل ما كان في يده من الأموال فلم ينزلق عنه لبينه إلا نطافٌ من الاستحقاق في بعض الأوقاف.

وما أحسب محمداً تجاوز في الدراسة المنظمة التعليم الابتدائي. ثم جعل يتعلم على أبيه، ويكب على قراءة الكتب في العلوم والآداب، ثم اتصل بأئمة العلماء وأقطاب أصحاب الأدب من أمثال السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والشيخ حسين المرصفي، ومحمود باشا سامي البارودي، وغيرهم من أعلام عصره فحذق العربية وبرع فيها، وجود البيان أيما تجويد، وهيأ له جِدُّه واضطرابه في أسفاره بين الشرق والغرب تجويد اللغات الفرنسية، والتركية، والإيطالية، كما أصاب حظاً من الإنكليزية واللاتينية. وكان كثير القراءة إلى غاية الممات، فلا تكاد تقتحم عليه إلا رأيته يعالج بالتنسيق حديقته، أو يقرأ في كتاب عربي أو في كتاب يجري في إحدى هذه اللغات.

ولقد سألته ذات يوم عن أحسن الفرص التي هيأت له أعظم حظ من العلم فقال: كنت في الأستانة في ضيافة رجل فاضل يدعى سليمان أفندي، وكان عنده مكتبة تعد من أفخر

ص: 14

المكاتب الأهلية، فلبست ثيابي ذات عشية تأهباً للخروج كعادتي لأسهر في بعض ملاهي المدينة، وتفقدت كيسي فإذا هو صفر من الدرهم والدينار، فنضوت ثيابي ثانية وقلت باسم الله، ولبثت عاكفاً على قراءة الكتب لا أبرح هذه المكتبة إلا للنوم أو لغيره من حاجات الحياة. وظللت على هذه الحال ستة أشهر وبعض الشهر حتى أذن الله بالفرج، وجاءني من المال ما هيأ لي استئناف الحياة مع الناس!

ومن يعرف صبر المويلحي، وشدة حمله على نفسه، لا يستطيع أن ينكر منه هذا المقال، وسألم إن شاء الله بهذه الخلة العجيبة فيه عند الكلام في عاداته وأخلاقه. وحسبي هذا الآن فقد أطلت الحديث، والى الملتقى القريب.

عبد العزيز البشري

ص: 15

‌صحف مطوية من التاريخ الإسلامي

2 -

العرب في غاليس وسويسره

للأستاذ محمد عبد الله عنان

انتشرت المستعمرات والمعاقل العربية خلال القرن العاشر في بروفانس وسافوا وبييمون وسويسره كما بينا، وبسط العرب سيادتهم على ممرات جبال الألب وعلى الحدود بين غاليس وبلاد اللونبارد (شمال إيطاليا) وبينها وبين سويسره، وبلغوا في تقدمهم في غاليس مدينة جرينوبل، واحتلوا في سويسرا ولاية فاليه ومفاوز جورا المتاخمة لبرجونية، واحتلوا في إيطاليا الشمالية ولاية ليجوريا. وكانت معاقلهم في بروفانس ولا سيما حصن (فركسنيه) قواعد غزواتهم وملاذ قوتهم وسيادتهم. والظاهر أنهم اتبعوا نفس هذه الخطة في سهول بيمون فأنشأوا فيهاسلسلة من الحصون والقلاع القوية لتكون مركز غزواتهم في بلاد اللونبارد وفي سويسره؛ فإن الرواية الكنسية التي كتبها حبر معاصر من دير نوفاليس تذكر لنا اسم حصن عربي في تلك الأنحاء وتسميه (فراشنديلوم) والمظنون أنه هو المكان الذي تعرفه الجغرافية الحديثة باسم (فراسنيتو) وهو الواقع في لومبارديا على مقربة من نهر (بو). وتقص علينا نفس هذه الرواية الكنسية أيضاً أن سيداً نصرانياً من سادة تلك الأنحاء يدعى أيمون دفعه شغف المغامرة والكسب إلى محالفة العرب، فانضم إليهم واشترك في غاراتهم الناهبة، وفي ذات يوم وقعت بين السبايا امرأة رائعة الحسن، فاستبقاها أيمون لنفسه، ولكن زعيماً عربياً استحسنها وانتزعها منه قسراً، فغضب إيمون، والتجأ إلى كونت روتبالدوس حاكم بروفانس العليا، وفاوضه سراً في محاربة العرب وإنقاذ البلاد منهم، فرحب الكونت بهذا المشروع، ودعا السادة إلى معاونته، واستطاع أن يحشد قوات كبيرة وهوجم العرب في بييمون من كل صوب ومزقوا، وسقطت قلاعهم في يد النصارى، وذهب سلطانهم في تلك الأنحاء.

وتقص الرواية الكنسية أيضاً قصة مؤامرة دبرها كونراد ملك برجونية لإهلاك العرب النازلين في أملاكه، في جورا وعلى حدود برجونية، والمجر الذين كانوا يشاطرونهم يومئذ الإغارة والعيث في تلك الأنحاء. وذلك أنه كتب إلى العرب يستحثهم لقتال منافسيهم المجر، وانتزاع ما بيدهم من الأراضي والضياع والخصبة؛ وكتب مثل ذلك إلى العرب يستحثهم

ص: 16

لقتال المجر والمعاونة على إجلائهم، وعين مكاناً للقاء الفريقين؛ فالتقت الجموع المتنافسة من العرب والمجر ونشب بينهما قتال هلك فيه كثير من الفريقين، ثم اشرف كونراد بجموعه ومزق البقية الباقية من الفريقين قتلاً وأسراً، وتضع الرواية تاريخ هذه الواقعة في سنة 952م؛ ولكنها لا تعين مكان حدوثها.

ومنذ منتصف القرن العاشر يأخذ نجم أولئك العرب المستعمرين المغامرين في الأفول، وتضمحل سيادتهم في تلك الأنحاء؛ بيد أنهم لبثوا مدى حين بعد ذلك يحتلون كثيراً من مواقع سافوا؛ ويجوبون أنحاء سويسرا كلها في طلب الغنيمة والسبي. وقد اعتادوا على حرب الجبال وحذقوا أساليبها؛ وبلغوا في توغلهم في سويسره مدينة سان جال على مقربة من بحيرة كونستاس، وانشأوا ثمة كثيراً من القلاع والأبراج التي ما زالت تقوم منها إلى اليوم بعض الأطلال والبقايا، ولبثوا حيناً في سان جال، حتى حشد رئيس ديرها حوله جمعاً من المقاتلين الأشداء، وفاجأوا العرب في جوف الليل ومزقوهم قتلاً وأسراً، وبذلك خفت وطأة الغزوات العربية في شمال سويسرا.

واستمرت المستعمرات والمعاقل العربية في دوفينه وبروفانس وبعض جهات الألب؛ وكان قربها من (فركسنيه) أمنع المعاقل العربية يمدها بأسباب الجرأة والعون، ويمدها قربها من البحر دائماً بإمداد جديد من المتطوعين والمغامرين من ثغور الأندلس وأفريقية.

في ذلك الحين كان أعظم أمراء النصرانية أوتو الكبير (أوتون) ملك ألمانيا، وكان أعظم أمراء الإسلام عبد الرحمن الناصر خليفة الأندلس؛ وكان للناصر مع معظم أمراء النصرانية، من إمبراطور بيزنطة إلى ملوك الشمال والغرب، علائق سياسية منظمة؛ وكانت له مع أوتو الكبير علائق ومراسلات. فلما رأى أمراء غاليس أنهم لا يستطيعون رد العرب عن أملاكهم وأراضيهم، سعوا إلى الإمبراطور أوتو زعيم النصرانية أن يعاونهم بمفاوضته الناصر زعيم الإسلام في إنقاذهم من هذا النير المزعج؛ وكان المفهوم دائماً أن حكومة قرطبة تحمي هذه المستعمرات العربية النائية وتمدها بعونها الأدبي على الأقل. فعول الإمبراطور أوتو على السعي لدى الناصر في تحقيق هذه الغاية؛ وأوفد إليه في سنة 956 سفارة على رأسها حبر يدعى (جان) فقصد إلى أسبانيا عن طريق فرنسا، ووفد على قرطبة يحمل بعض التحف والهدايا طبقاً لرسوم العصر، واستقبل بحفاوة بالغة وأنزل في

ص: 17

منزل خاص ريثما يستقبله الخليفة. وتتفق الروايات العربية والنصرانية في وصف مظاهر العظمة والبهاء التي كانت تبدو بها قرطبة، ويبدو بها البلاط الأموي يومئذ. وتقص علينا الرواية الكنسية المعاصرة تفاصيل هذه الرواية، فتقول: إن الناصر لم يستقبل سفير أوتو في الحال، وإنه كان يحقد على أوتو لأنه تعرض في بض مراسلاته للإسلام، ولأنه كان قد اعتقل مدى حين سفيراً نصرانياً أرسله إليه الناصر، ولذلك أمر الناصر باعتقال السفير (جان) حتى يرسل سفيراً إلى أوتو يستوثق من عواطفه ونياته نحوه؛ واختير لهذه السفارة كالعادة قس من رعايا الخليفة، وكان أوتو يومئذ يشتغل ببعض الحروب الداخلية، فأبدى تساهلاً في قبول وجهات نظر الخليفة. ولما عاد السفير، ارتاح الناصر لنتائج سفارته، وأذن برؤية سفير الإمبراطور، فاستقبل استقبالاً فخماً ظهرت فيه عظمة البلاط الأموي؛ وتحدث إلى الناصر عن الغرض من سفارته. ولا نعرف ماذا كانت نتيجة السفارة، لأن الرواية الكنسية لا تحدثنا عن ذلك؛ ولكن المرجح أن وجهة النظر التي أبدتها حكومة قرطبة هي أنها ليست لها علاقة بالمستعمرات العربية في غاليس، وأنها لا تتحمل تبعة أعمالها، ولا تستطيع أن تتدخل لديها. وهو استنتاج يؤيده صمت الرواية العربية عن ذكر أخبار هذه المستعمرات، مما يدل على أن حكومة الأندلس لم تكن تعنى كثيراً بشأنها، وإن كانت بلا ريب تنظر إلى غزواتها وتوغلها في الأراضي النصرانية بعين العطف. على أن لويتبراند، وهو مؤرخ كنسي معاصر يؤكد أن الخليفة كان يحمي هذه المستعمرات ويمدها بالتشجيع والعون.

وبعد ذلك بقليل (في نحو سنة 960) أخرج العرب من معاقلهم في آكام سان برنار؛ ولسنا نعرف تفاصيل ذلك الحادث؛ ولكن المحقق أن العرب أبدوا كعادتهم منتهى البسالة في الدفاع عن مواقعهم؛ والظاهر أيضاً أن القديس برنار (سان برنار) الذي سميت هذه الآكام باسمه كان من أبطال الموقعة التي نشبت وانتهت بجلاء العرب.

واستمر العرب في دوفينه وبروفانس، وكثيراً ما دعوا إلى التدخل بين سادة هذه الأنحاء. ولما غزا الإمبراطور أوتو بلاد اللونبارد، وأخرج منها ملكها بيرانجيه، التجأ ولده أدالبرت إلى عرب (فراكسنيه) ليعاونوه في استعادة ملكه. وكان هذا التحالف بين السادة والعرب يقوي سيادة الغزاة ويدعمها كلما آذنت بالانهيار. بيد أن هذه السيادة قد أخذت في

ص: 18

الاضمحلال منذ فقد العرب معاقلهم في بلاد الألب. وفي سنة 965هـ أخرج العرب من مدينة جرينوبل ومن واديها الخصب (جريزبفودان) وطوردوا في تلك النواحي وساءت أحوالهم؛ وأعلن الإمبراطور أوتو بعد ذلك بعامين أو ثلاثة، وهو يومئذ في إيطاليا أنه سيتولى طرد العرب من الأراضي النصرانية، ولكنه توفي دون القيام بمشروعه.

ثم دنت بوادر المعركة الحاسمة، وحدث في ذلك الحين أن حبراً كبيراً ذائع الصيت هو سان ماييل، وهو أسقف دير كلوني من أعمال برجونيه، حج إلى رومه، ولما عاد من طريق دوفينه أسره العرب المرابطون في الجبال مع جماعة كبيرة من الحاج، واشترطوا عليهم فدى فادحة؛ فدفعت بعد عناء، وأطلق سراح سان ماييل وزملاؤه. ولما عاد سان ماييل إلى مقامه دعا مواطنيه إلى إنقاذ البلاد من عيث الغزاة، وأذكى حماستهم وسخطهم، وذاعت قصة أسره وما يعانيه الحاج من شر العرب وعدوانهم، فنهض سيد من سادة تلك الأنحاء ويدعى بوبون (أو بيفون) وانتهز فرصة الحماسة العامة، وجمع حوله كثيراً من المقاتلة، وبنى حصناً في سترون على مقربة من حصن كان يملكه العرب، ولبث يتحين الفرص لمفاجأة العرب والاستيلاء على حصنهم، حتى استطاع ذات يوم أن يحمل بعض الحراس على فتح الأبواب، فتمت الخيانة، وباغت النصارى العرب في حصنهم، وقضوا عليهم قتلاً وأسراً (سنة 972م).

وفي الوقت نفسه التف النصارى في دوفينه حول زعيم يدعى جيوم، وهاجموا العرب في جميع مراكزهم وقلاعهم ومزوقهم في كل ناحية، وبذا انهارت سيادتهم في دوفينه ولم تبق إلا في بروفانس. ولما قوى جيوم وكثر جمعه، وبسط نفوذه على بورفانس وتلقب بألقاب الإمارة، واعتزم أن يخرج العرب نهائياً من تلك الأرض؛ فدعا السادة لمعاونته ومنهم كونت نيس، ورأى العرب أن العاصفة تنذر بإجتياحهم من كل ناحية، فاستجمعوا كل أهبتهم وقواهم، ونزلوا من الآكام إلى البسيط في صفوف متراصة ووقعت بينهم وبين النصارى معركة هائلة في (تورتور)؛ فهزم العرب، وارتدوا إلى قلاعهم، ولاسيما (فركسنيه) التي غدت ملاذهم الأخير؛ فطاردهم النصارى أشد مطاردة، وضيقوا الحصار عليهم؛ فحاولوا الفرار تحت جنح الليل إلى الغابات المجاورة، ولكن النصارى لحقوا بهم، وأمعنوا فيهم قتلاً وأسراً وأبقي على من استسلم منهم، وعلى المسالمين الذين كانوا

ص: 19

يحترفون الزرع في الضياع المجاورة، وفر كثيرون من طريق البحر، وتنصر كثير منهم، وبقي نسلهم في تلك الأرض طويلاً.

وهكذا سقط حصن (فراكسنتم) أو فراكسنيه سنة 975م بعد أن لبث زهاء ثمانين سنة مركزاً قوياً للغزوات العربية في غاليس؛ وقسمت أسلاب العرب وأراضيهم بين السادة والجند الذين اشتركوا في هذه الحرب الصليبية، وانهارت سلطة العرب في تلك الأنحاء.

أما المستعمرات العربية التي كانت مبعثرة في آكام الألب، فيقال أنها طوردت ومزقت في نفس الوقت، واعتنق الذين أسروا النصرانية؛ ولكن توجد رواية أخرى خلاصتها أن هذه المستعمرات لبثت في معاقلها نحو جيل آخر، حتى تولى مطاردتها وسحقها زعيم يدعى جيرولدوس. وعلى أي حال فلم تأت أواخر القرن العاشر حتى ذهبت سيادة العرب في غاليس وسويسرا؛ ولم يجب أحد في أفريقية والأندلس صريخ الغوث الذي وجهه أولئك المستعمرون البواسل إلى إخوانهم، لأن الحوادث الداخلية لم تكن تسمح يومئذ ببذل هذا العون.

على أن ذلك لم يكن خاتمة الغزوات الإسلامية في تلك المياه؛ ففي سنة 1003م، سارت حملة بحرية من مسلمي الأندلس، ونزلت بجوار أنتيب في جنوب فرنسا، واجتاحت الأراضي المجاورة. وفي سنة 1019م، نزلت حملة مسلمة أخرى في ظاهر أربونة، وحاولت أن تستولي عليها، ولكنها هزمت ومزقت. وفي سنة 1047، هاجمت حملة أخرى جزيرة ليران الواقعة بالقرب من مرسيليا وأسرت عدداً من الرهبان. وظهر في ذلك الحين زعيم أندلسي جرئ هو مجاهد العامري أحد أمراء الطوائف، وصاحب دانية وجزائر البليار، واهتم بأمر الغزوات البحرية، فسار في أسطوله إلى مياه كورسيكا وسردانية؛ وغزا سردانية واحتل بعض أنحائها، (سنة 405هـ - 1014م)، ولكن النصارى استردوها على الأثر؛ ولبث مجاهد العامري الذي تسميه الرواية النصرانية (موجيه) أو موسكتوس، مدى حين سيد هذه المياه يبث فيها بحملاته الرعب والروع.

هذه هي قصة العرب والغزوات العربية في غاليس وبلاد اللونبارد وسويسرا، وهي قصة تغفل الرواية الإسلامية كثيراً من أدوارها ووقائعها؛ ولكنها تشغل فراغاً كبيراً في الروايات الكنسية والفرنجية المعاصرة، وهذه الروايات هي عمدتنا فيما ننقل من سير هذه الغزوات

ص: 20

الشهيرة. ومن المحقق أنها مشبعة بروح التحامل والخصومة في كثير من المواطن؛ ولكنا نستطيع مع ذلك أن نتبين منها أهمية الدور الذي قام به أولئك المجاهدون والمغامرون المسلمون في تلك الوهاد والآكام النائية، وما كان لهم بين هاتيك الأمم من السيادة والنفوذ مدى عصور.

(للبحث بقية).

محمد عبد الله عنان

المحامي

ص: 21

‌بين فن التاريخ وفن الحرب

9 -

خالد بن الوليد

في حروب الردة

للفريق طه باشا الهاشمي

رئيس أركان الجيش العراقي

(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)

خالد بن الوليد

ولا يخلو من الفائدة أن نقتبس هنا وصف المستر فلبي الذي تجول في هذه المنطقة في صيف سنة 1918، فدون مشاهداته في كتابه (البلاد العربية الوهابية) وقد وصف قرية الجبيلة الواقعة بالقرب من قرية (عقرباء) التي دارت رحى المعركة فيها بما يلي:

(والقرية الآن آهلة بعدد يسير من السكان البؤساء، ومعظمها أطلال دارسة، ومقابر الصحابة على ضفة الترعة المقابلة للقرية (أي الضفة اليسرى للوادي) وعلى مسافة نحو ربع الميل منها. وقد يشاهد المسافر بقاعاً متفرقة مغروسة بأشجار الأثل (الطرفاء) تُسَري عن المرء الانقباض الذي يعتريه من إدامة النظر إلى اللون الأغبر الذي لا يتغير، وهو اللون الدائم لتلك السهول الرسوبية المترامية التي سدت الوادي. وبقرب الحي آبار كثيرة بعضها مطوي بالحجارة يستقي منه أهل الحي دائماً. أما بيوت أهل الحي فمعظمها أطلال من اللبن بلا خشب، وقد عبثت بها يد البلى ودرست آثارها الأيام. أما ما بقي منها فلا بأس بحاله، ويستدل منه على أن أهل البيوت عنوا بصيانتها فدعموها بأعمدة حجرية مشيدة بالجص لتحمل على متونها روافد السقوف. وقد شاهدت في دار منها وعاء مزدوجاً كبيراً من الملاط المغطى بطبقة من رقيقة من الصاروج (الجص) الأسمر لخزن التمور، ولا تزال جدرانه ملونة بعصارة التمر) إلى أن يقول:(ومعظم الجدران المبنية من الطين مؤزر إلى ما يقارب نصفه بأيادات من الحجر الصلد مبنية على وجه الجدار بناء منحرفاً توخوا فيها بساطة التزويق لا غير). . . ويقول في وصف جبل طويق والهضاب التي يشرف

ص: 22

عليها: (أما ما استدار من الأرض حول تلك المنطقة فلم أجد في حياتي أرضاً مثله، فلم أعثر في أرباضه على شئ تنقبض له النفس، فتجد أمامك طريقاً معرضاً لمهاب الرياح، خالياً من الظاهرات الطبيعية، ضارباً في كافة الجهات على نمط واحد لا نهاية له، ولا يعترضه في ذلك التكوين الغريب سوى الحرف المطمئن المسمى جبل صلبوخ الواقع إلى الشمال الشرقي).

وعندما يبحث في أطراف عينة عاصمة آل ابن معمر القدماء - وهي القرية الواقعة إلى غربي عقرباء، في واد ضيق - يقول:(أما ربوع عينة التي اشتهرت في قديم الزمان بجمالها وخصبها فمنبسطة على جانبي المسيل شرقاً وغرباً نحو ميلين، وقد أمست الآن قاعاً صفصفاً وأثراً بعد عين، ونبتت أدغال الأثل في البقاع التي وطئت أراضيها ومهد ثراها لغرس فسائل النخيل فيها. أما البلد الأصلي أو الحلة التي كانت يوماً موطناً لآل ابن معمر فلا تختلف عما كان حولها من الربوع الضاربة في صدر تلك المحلة الرحبة، إلا إن أطلالها الشاخصة قد شغلت بقعة وسيعة، ويمر عابر السبيل في تلك البيداء بين آونة وأخرى بأطلال البنيان القديم كالعمد المزوقة رؤوسها. وفي كل ناحية من نواحي تلك المحلة الوسيعة آبار نضب عنها الماء وهي مطوية بالحجارة والآجر وعليها أحواض مبنية بالصاروج، أما ضفاف المسيل فمدعمة بأيادات كالمسنيات على أشد ما تكون من متانة البنيان، عقدها أصحابها في وجه السيل من زمن بعيد لحبس المياه في بطن المسيل. فرحلوا عنها وتركوها وشأنها فعبثت بها يد الدهر فتداعت جدرانها وتقوض بنيانها المحكم ثم غدت تراباً فوق أنقاض بالية. وشاهدت في بعض تلك الجدران حجارة كبيرة من الصخر الصلد طول الحجر الواحد قدمان وعرضه نصف قدم) إلى أن يقول: (جزنا الأطلال وخرجنا من عينة الخربة وسلكنا طريقاً تخترق أشجار الأثل في عنفوان نموها. والمنتشرة في طول الأرض وعرضها إلى تنتهي في طرف المحلة القائمة في الناحية الغربية فولينا وجوهنا شطر المغرب صاعدين الوادي. فسار بنا الظعن يطوي صوحه صعوداً. وعرض الوادي في أسفله (أي في عقيقه) نحو الميل، وكلما ارتقى الإنسان صوح الوادي وارتفع عن عقيقه ازداد انفراج الوادي إلى أن بلغ عرضه ميلين أو ثلاثة أميال. ولما أرسلت رائد الطرف في ميمنة الوادي بدا لي شعيب في منخفض الوادي، وقد قيل لي

ص: 23

إن هذا الوادي يأخذ في الصعود مرة أخرى إلى حوض عظيم كسيت جدرانه بالصاروج، يقع على سفح التل لحبس مياه الأمطار والمتاعب المنحدرة على جوانبه، ولم يزل حتى الآن خزاناً لري حقول القمح المزروعة في وسط الخرائب. وهناك شعيب آخر إلى يمين طريقنا يقال له شعيب عينة ينحدر من الطبقة الضيقة التي تفصل وادي حنيفة عن وادي سدوس).

قوات الفريقين

برغم كثرة الروايات التي تتناول حركات اليمامة والقتال في عقرباء نجد الغموض ظاهراً في معرفة قوة الفريقين.

فالطبري يذكر نقلاً عن سيف بن عمر أن القوة المحاربة لدى قبائل بني حنيفة بلغت أربعين ألفاً. ولما ذكر أخبار السنة الحادية عشرة الهجرية نقل عن ذلك الراوي نفسه، وزعم أن القوة المحاربة بلغت عشرة آلاف. أما ابن حبيش فيذكر في رواية نقلها عن الواقدي مفادها أن قوة المسلمين بلغت أربعة آلاف، وقوة بني حنيفة أيضاً بلغت هذا المقدار ذاته. وفي رواية تسند إلى سيف بن عمر يزعم الراوي أن عدد القتلى من بني حنيفة بلغ عشرين ألفاً.

أما المؤرخ الفارسي ميرخوندي فيزعم أن عدد القتلى في تلك الموقعة بلع سبعين ألفاً، والذين قتلوا في حديقة الموت بعد المعركة بلغ عددهم سبعين ألفاً. ولعلك أدركت أنه يصعب الوصول إلى عدد يقرب من الحقيقة بين الروايات التي تقدر قوة الحنفيين بين أربعة آلاف وأربعين ألفاً، وعدد القتلى منهم بين عشرين ألفاً إلى مائة وأربعين ألفاً.

ولكن الثابت أن مسيلمة جمع أعظم قوة لمقابلة جيش المسلمين ووضعها على الحد الفاصل بين بلاد حنيفة وبلاد بني تميم، وترك القرى العامرة وراءه. وكان من مصلحة الحنفيين أن يجتمعوا تحت لواء رئيسهم للدفاع عن حيهم الذي تركوه وراء ظهورهم، ويظهر من مجرى المعركة أن عدد القتلى في قوة الحنفيين كان كبيراً.

لقد قدرنا جيش بني حنيفة عند البحث في قوات الفريقين بخمسة عشر ألف مقاتل - بمعنى أن الحد الأقصى للقوة التي يستطيع الحنفيون سوقها لا يجاوز العدد المذكور. والذي يلوح لنا أن القوة التي جمعها مسيلمة في عقرباء تبلغ عشرة آلاف مقاتل.

ص: 24

قوة المسلمين

يروي الواقدي أن جيش خالد بلغ أربعة آلاف مقاتل في معركة عقرباء. وفي رواية أخرى تسند إلى عيسى بن سهل أن الجيش الذي تولى قيادته خالد لما خرج من المدينة كان بقوة أربعة آلاف مقاتل، وهذا الجيش حارب في اليمامة. والذي لا ريب فيه أن قوة جيش المسلمين بلغت أربعة آلاف مقاتل لما تركت الربذة وتقدمت نحو بزاخة وانضمت إليها قوات من بني طيء قبل المعركة. ثم زاد هذا الجيش بعد إسلام قبائل بني أسد وغطفان. ولعل قوته بلغت أكثر من خمسة آلاف لما نزل في البطاح. ومن الثابت أن جماعات من بني تميم انضمت إليه قبل أن يتوجه نحو اليمامة. وتروي لنا الأخبار أن الخليفة أبا بكر أمد الجيش بقوات من المدينة لما كان محتشداً في البطاح، وأن خالداً سبق هذا الإمداد من المدينة وانتظر وروده من البطاح. فجميع هذه الأخبار تدل على أن جيش المسلمين تضاعفت قوته بانضمام القبائل ووصول النجدة إليه قبل أن يتحرك من البطاح نحو اليمامة.

وكان من البديهي أن تلتحق به القبائل متى اتصل بها خبر خيرات اليمامة ووفرة المغنم فيها.

ويلوح لي أن قوة الجيش بلغت أكثر من ستة آلاف قبل حركته من البطاح.

الموقف قبل الحركة

لبى خالد أمر الخليفة فذهب إلى المدينة ليدافع عن عمله في قضية مالك بن نويرة، وفي رواية لسيف بن عمر أن أبا بكر أرسل عكرمة بن أبي جهل الى اليمامة لما كان خالد يحارب المرتدين في بزاخة وأمده بقوات أخرى بقيادة شرحبيل بن حسنة. والرواية تزعم أن عكرمة بدأ القتال قبل وصول شرحبيل فنكب. فأقام شرحبيل في الطريق حيث أدركه الخبر. وهذه الرواية تؤيد زعم سيف في أن الخليفة قسم جيش المسلمين في ذي القصة إلى إحدى عشرة فرقة، وعين قائداً لكل منها فوجهها إلى مناطق المرتدين. وقد سبق أن بينا فساد هذا الزعم. وفي رواية أخرى أن شرحبيل ابن حسنة الذي تلقى أمراً من الخليفة بأن ينتظر ورود خالد ولا يتحرك بادر إلى قتال مسيلمة قبل قدوم خالد فنكب وانسحب. وإذا

ص: 25

صحت هذه الروايات يلوح لنا أن عكرمة بن أبي جهل كان يراقب اليمامة بقوة ساترة من المسلمين لما وقف خالد في البطاح، فوقعت مناوشات بينه وبين الحنفين حبطت مساعيه فيها فانسحب. أما شرحبيل بن حسنة فإنه تولى قيادة جيش المسلمين عند ذهاب خالد إلى المدينة. فبدلاً من أن ينتظر ورود خالد أسرع إلى مقاتلة الحنفيين فانكسر.

ولما قدم خالد البطاح كان جيش المسلمين مرابطاً فيها، وكانت قبائل بني تميم عرضت الولاء إلا البعض منها فالتجأ إلى اليمامة. وكان بنو طيء وبنو أسد وبنو غطفان وبعض بني تميم أمدوا جيش المسلمين بالمقاتلين.

أما مسيلمة فإنه جهز عدداً كبيراً من بني حنيفة وتقدم شمالاً يريد مقابلة جيش خالد. وتدل الأخبار إلى أن بعض الحنفيين كان يخابر المسلمين سراً ويطلع خالد على موقف مسيلمة. ومن الروايات ما يؤيد أن الحنفيين الذين حافظوا على إسلامهم تحفزوا للشغب على مسيلمة.

الطريق الذي سلكه خالد

هناك طريقان للتقدم من البطاح نحو اليمامة: طريق شرقي وطريق غربي. أما الطريق الشرقي فيتجه شرقاً أولاً ثم يمتد إلى سفح جبل طويق الغربي متوجهاً إلى الجنوب الشرقي ماراً بالأرض الجبلية، وهو الطريق الذي يصل بريدة بالزلفى ثم يمتد إلى المجمعة ومنها إلى الحوطة فثادق فسدوس؛ أما الطريق الغربي فيتوجه نحو الجنوب الشرقي فيمر بين نفود السر ونفود الشقيقة إلى أن يصل إلى الشقرة عاصمة الوشم ومنها يمتد موازياً لسفوح جبل طويق الغربية فينعطف نحو الشرق ويتسلق الجبال ويمر بثنية اليمامة حيث ينبع وادي حنيفة في غربي عينة فينتهي في عقرباء ويدخل اليمامة.

والذي يلوح لنا أن خالداً سلك الطريق الغربي لاجتيازه أرضاً سهلة تجعل المدينة في ظهره. أما الطريق الشرقي فيخترق أرضاً جبلية وعرة. وقد تعرقل عليه المسير إذا أراد أهلها المقاومة فضلاً عن أنه طويل.

ومن الأخبار ما ينبئ بأن طليعة جيش المسلمين باغتت بعض رجال مسيلمة في ثنية اليمامة - أي في عقبة الحيسية وهو المضيق الواقع إلى شرقي الحيسيان بين خشم الحيسية وخشم الخرشة وفيه تنقسم مياه الأمطار، فمنها ما يصب إلى الشرف ويجري في وادي

ص: 26

حنيفة ومنها ما يصب إلى الغرب ويجري في بطن الحور.

ومن جملة الأسباب التي تجعل خالداً يميل إلى سلوك الطريق الغربي قربه من قاعدة الحركات أي المدينة. فإذا ما نكب الجيش يصل إليه المدد من خلفه، وإذا ما تضايق يستطيع الإنسحاب إلى المدينة أو إلى مكة من بلاد أسد وغطفان، أو من بلاد بني عامر وهوازن. لذلك نجزم بأن جيش المسلمين سلك ذلك الطريق في مسيره نحو اليمامة.

معركة عقرباء

يقيناً أن معركة عقرباء من المعارك الفاصلة التي ختمت دوراً وفتحت دوراً آخر. فالمسلمون جمعوا أقصى قوتهم بقيادة أمهر قوادهم. والمرتدون حشدوا أعظم قوة في استطاعتهم جمعها في أوعر منطقة. فمجرى المعركة يدل على الغاية التي كان يستهدفها كل من الفريقين.

فلو انكسر المسلمون، لا سمح الله، في هذه المعركة، لبقي العرب منزوين في جزيرتهم، واحتفظ الأكاسرة بملكهم في العراق، ولم يبك هرقل ضياع سورية. فالنبي الكاذب أسود العنسي الذي سيطر على اليمن مدة من الزمن قتل غيلة، فلم يضطر المسلمون إلى حشد قوة كبيرة للتغلب عليه. أما بنو أسد فلم يكن الصعب التغلب عليهم لتفرقة كلمة القبائل. بيد أن في عقرباء احتشدت أعظم قوة من أمنع قبيلة في أرض مستحكمة، وكان الناس يقاتلون عن حيهم، ويتفانون في سبيل نبيهم.

ولما انتهت المعركة بانتصار المسلمين انكسرت مقاومة المرتدين في الأقطار الأخرى، ولم يلاق المسلمون صعوبات في تمكين الإسلام من قلوب أهلها، فخضعت البحرين، ودانت عمان ومهرة بدين الإسلام، وجددت حضرموت إسلامها، وعادت اليمن إلى حضيرة الإسلام. وكان من أثر ذلك أن اجتمعت كلمة العرب فشعروا بقوتهم فبادروا إلى الفتوح بقيادة رؤسائهم، فاندفعوا كالسيل الجارف يثلون العروش ويقضون على إمبراطورية الأكاسرة ودولة القياصرة، فلم تمر بضع سنوات على ذلك حتى كان العرب يصولون بخيولهم في بلاد خراسان شرقاً وبلاد المغرب غرباً.

يتبع

ص: 27

طه الهاشمي

ص: 28

‌في الأدب الدرامي

15 -

الرواية المسرحية

في التاريخ والفن

بقلم: أحمد حسن الزيات

تتمة

الغنائية (الأوبرا '

الغنائية

الغنائية هي درامة شعرية جدية أو هزلية تؤلف من الغناء والإنشاد وتأبى الحوار الكلامي، وتقبل الخوارق كالأشباح والأرواح والهواتف، وتوقع على أنغام الموسيقى، وتختلط أحياناً بالرقص، وتعنى كل العناية بالزينة والرياش. وهي غاية ما وصل إليه الجمال الفني والذوق الإنساني، لأنها مجمع الفنون الجميلة ومظهر الآداب الجليلة ومتعة النفوس ولذة الحواس بما تفيضه على العيون والآذان والأذهان من جميل الصور وحلو النغم ورائع الشعر، بله ما تقتضيه من كمال الفن الآلي لإحداث الخوارق وتغيير المناظر. فهي ولا ريب أفصح الألسنة إبانة عما بلغته القرائح من النبوغ وأدركته الفنون من النضوج في عصرها الذي مثلت فيه.

على أن قوام الغنائية وفروعها هو الموسيقى والمناظر، فهي تنزل الكلام والحادث والتعقيد في المحل الثاني منها. لذلك لا تجد كلامنا عنها إلا إجمالاً يكاد يقفك عند التعريف والتقسيم. وقبل أن نأخذ في تقسيم الغنائية يحسن بي أن أنقل إليك ما قاله في هذا الصدد الفيلسوف ابن رشد في تلخيصه كتاب الشعر لآرسططاليس. وما قاله لا يدخل في موضوعنا إلا من الباب التاريخي. وهذا الملخص قد طبعه الأستاذ المستشرق (لاريجو) بمدينة فلورنسا سنة 1873 قال: (المحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفق، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه. وهذا قد يوجد كل واحد منها منفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ، أعني

ص: 29

الأقاويل المخيلة الغير موزونة. وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة أي الأندلس).

ولا مرية في أن أعاريض الموشحات والأزجال أنسب لنظم الغنائيات من سائر بحور الشعر لحلاوة نغمتها وسهولة توقيعها وتنوع قوافيها.

فالغنائية تنقسم باعتبار تلحينها إلى أجزاء نسردها لك دون أن نعرض لها، لأنها ليست من شأننا ولا مما يدخل في علمنا. وهي الافتتاح، والمقدمة، والإنشاد، والألحان، والمثاني، والمثالث، والمرابع، والمخامس، والخورس، والختام في نهاية كل فصل. فالافتتاح ما يسبق رفع الستار، والمقدمة ما يهيئ للعمل؛ والإنشاد نوع من الغناء يحل محل الحوار الكلامي دون أن يتقيد بوزن، والمثاني والمثالث والمرابع والمخامس قطع يزدوج فيها الصوت أو يثلث أو يربع أو يخمس، والخورس ما فوق ذلك. على أن اجتماع هذه الأجزاء ليس ضرورياً ولا جوهرياً. فالملحن يستطيع أن يغفل منها ما لا يتفق مع الرواية.

ثم تنقسم الغنائية باعتبار تأليفها إلى غنائية جدية، وهي ما كان موضوعها سامياً وعملها رائعاً وأداؤها غنائياً كله. فلا تجيز الحوار النثري وإنما تستبدل به الإنشاد، وغنائية هزلية وهي ما تجيز الحوار النثري في خلال القطع الغنائية.

الغنائية الجدية '

ليس من اليسير أن تجد لهذه الغنائية تعريفاً جامعاً لتنوعها وتفرعها، واختلاف الرأي فيها بين الفرنسيين والإيطاليين؛ فإن لكلا الشعبين نظرية فيها سار عليها ودعا إليها. ولعلنا إذا ذكرنا النظريتين تستطيع أن تقف منهما على موضوع الغنائية ومداها.

فالنظرية الفرنسية زعيمها (كينو) وهي منبنية على تقليد الملحمة في استعمال الخوارق والأعاجيب وتنوع المناظر وتعدد الصور، ونقل كل ذلك إلى عين الناظر كما تنقله الملحمة إلى ذهن القارئ. فقد يكون التأليف كله مختلقاً غريباً، ولكن في هذا الاختلاق إتفاقاً واتساقاً تنتج منهما الحقيقة، كما أن الموسيقى تظهر جمال الخوارق، والخوارق تبين إمكان الموسيقى. فأنت في جو جديد يجمع بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ويضيف إلى جمال الخيال سحر الطبيعة، وذلك كله يسير في انسجام والتئام ودقة. أما العمل الروائي فواضح

ص: 30

يسهل عقده وحله، والحوادث يتوالد بعضها من بعض، والأهواء رقيقة تشتد حيناً ثم ترق، والأخلاق ساذجة، والمناظر متنوعة، والجاذبية قوية مؤثرة، ولكنها تتراخى أحياناً فتخفف عن الأعصاب وترفه عن النفوس.

تلك هي غنائية (كينو) ونظريته: يجمع كل ما يستطيع من الوسائل ليخلب السمع ويبهر البصر؛ وهو لذلك يستمد موضوعاته من الأساطير والسحر، فيملأ المسرح بالأعاجيب والصور، ويهيئ لنفسه الانتقال من الأرض إلى السماء ومن الجنة إلى النار مهيمناً على الطبيعة مستولياً على الوهم فاتحاً للمأساة طريق الملحمة، ليجمع بين فضائل النوعين، ويوفق بين مرمى القصيدتين.

ومزية هذه الطريفة الخرافية أن تكفي الشاعر مؤونة التفصيلات الدقيقة التي تطلبها الحقيقة، فإن الموضوعات التاريخية تقتضي جلاء الغامض وتعليل الحوادث وتقريب البعيد وإمكان المستحيل.

أما النظرية الإيطالية فزعيمها (ميتا ستاز) وهي مبنية على محاكاة الطبيعة وتوخي التأثير والبلوغ بالمحزنات الفواجع إلى حد لم تبلغه المأساة. فهو يكسو الأفق بالسواد، ويصبغ المسرح بالدم، ويسرع بحركة العمل وهو مغرق في الإشارة والإثارة بروعة الأداء وحدة الهوى. وفضل هذه النظرية على الأولى ظاهر في قوة الأثر ودقة المواقف وجمال الحقيقة وسهولة الإمكانية. لذلك عني الشعراء والموسيقيون بالتوفيق بين النظريتين والجمع بين الطريقتين ليدركوا مزايا هذه وتلك. فهم يمزجون الصور العجيبة بالرهيبة، والمواقف الطريفة بالعنيفة، والمناظر التي تسحر العين بالتي تخلب اللب.

على أن الغنائية ليست مقصورة على الخوارق والمحزنات، وإنما تتناول الأناقة الحضرية والحياة الريفية والخلق الفكه والهزل المضحك، على شرط أن يتسق كل ذلك في طبيعة حية وحركة قوية وتنوع جاذب.

الغنائية الهزلية '

أما الغنائية الهزلية فاسم يطلق اليوم على درامة جدية الموضوع فكهة الأسلوب، تخلط الغناء الشعري بالحوار النثري، وتعنى بتعقيد العمل الروائي. ومنشأ هذا النوع كان في مستهل القرن السابع عشر، ظهر أولاً في شكل ملهاة غنائية كانت تمثل في سوقين

ص: 31

شهيرتين: (سان جرمان) و (سان لوزان). ثم أخذ مع الزمن يقترب من الغنائية الجدية بتغليب جانب الموسيقى والغناء حتى لم يبق بينهما اليوم إلا فروق سطحية شكلية أهمها الأسلوب الفكاهي. فإطلاق هذا الاسم على الغنائية التي لا نصيب للهزل فيها إطلاق غير صحيح، لأن الغنائية إنما وضعت في الأصل للدلالة على كل عمل موسيقي، ولا سيما العظيم الجدي منه. فإضافتهم صفة الهزل إليها دليل على أنهم يريدون بها عملاً أقل في العظمة، وأقرب من الهزل، وأقبل للحوار النثري. ويؤيد هذا الرأي أن الغنائية الهزلية أو الابراكوميك سليلة المهزلة (الفودفيل) ولا يفرق بينهما إلا أن ألحان المهزلة كلها معروفة مألوفة من قبل ثم تقتبس لأوزان جديدة تؤلف للرواية. أما ألحان الغنائية الهزلية فهي مصنوعة لأوزانها خاصة، ولذلك كان شعرها محكم الرصف بديع الوصف، يقوم عليه الشطر الأكبر في نجاح الرواية.

وغبرت الغنائية الهزلية حقبة من الدهر وهي خاضعة لسلطان المهزلة فلا تستطيع أن تتجاوز مداها، ولا أن ترتفع عن مستواها، وإنما كانت تستعير أساليبها الحية، وأناشيدها الطلية حتى جرؤ الملحنون على أن يطلبوا إلى المؤلفين أن يوسعوا الدائرة القديمة، وأقدموا هم أيضاً على ابتكار ألحان جديدة، واقتباس بعض المثاني والمثالث والأشكال من الغنائية الجدية ما دامت تتصل بها وتتعلق بسببها، فلما صارت الغنائية الهزلية فناً أدبياً وعملاً روائياً حقيقياً أصبح الكاتب يضع روايته حراً من كل قيد، ثم يدفعها إلى الملحن فيختار لها فكرة موسيقية تقوي التعبير عن الغرض. وهم اليوم يميلون إلى تقليل الحوار وتكثير الغناء، ورد هذا النوع إلى شكل لا يكون معه إلا درامة غنائية وملهاة غنائية لا يدخل فيها ما ليس منها حتى لا يقول فيه القائلون اليوم أنه نوع مزيف، وحتى لا يصفه (تيوفيل جوتييه)(بأنه سفيح قبيح، قد خلط بين وسيلتين متباينتين من وسائل التعبير، فجعل الممثلين يسيئون الغناء بحجة أنهم ممثلون، والمغنين يسيئون التمثيل بحجة أنهم مغنون).

على أنه بالرغم من هذا النقد الوجيه يستحق العناية والتأييد، لأنه سبب واصل بين ذوق العامة وذوق الخاصة، ودرج صاعد بالجمهور إلى الفن الموسيقي فيرفعه من حضيض (الفودفيل) إلى أوج (الأبرا).

وهنا نقف القلم معتقدين أن فيما بسطناه من قواعد الفن الدرامي بلاغاً للكاتب الشأن وسداً

ص: 32

لنقص البيان العربي في هذا الباب.

الزيات

ص: 33

‌1 - محاورات أفلاطون

معذرة سقراط

ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود

تمهيد

كان أفلاطون فيلسوفاً فناناً على بعد ما بين الفن والفلسفة، فقد دون أراءه كلها في أسلوب الحوار الذي بلغ من الدقة والجمال حداً وضعه في أسمى مراتب الفن. ونحن إذ نتقدم إلى القراء بهذه الترجمة لمحاوراته، إنما نلتمس العفو عما قد تصاب به تلك الآيات البينات من تشويه. على أن القارئ إذا فقد جمال الأسلوب فلن تضيع منه بإذن الله دقة المعنى وأمانة النقل.

وهذا الحوار الذي نترجمه لك اليوم، كتبه أفلاطون ليصور به دفاع سقراط عن نفسه يوم محاكمته بتهمة الإلحاد وإفساد الشباب. ولسنا ندري إلى أي حد تطابق هذه الصورة الأفلاطونية الحقيقة الواقعة. هل احتفظ أفلاطون بألفاظ سقراط نفسها أم ما يقرب منها؟ أم أنشأها إنشاء ليعبر بها عما كان يجب أن يكون من سقراط في دفاعه؟ أم هي قصة جمعت بين الطرفين، فأثبتت ما قيل وأضافت إليه ما كان يجب أن يقال؟ وسواء أكانت هذه أم هذه أم تلك، فهي على كل حال تصور روح سقراط في الحديث تصويراً دقيقاً، وتحلل نزعته تحليلاً بارعاً، فلا يسع القارئ وهو يقرأ هذا الحوار الذي دبجته براعة أفلاطون إلا أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه إنما يتلو عبارة تحركت بها نفس سقراط وجرى بها لسانه؛ فشخصيته بارزة في كل سطر من سطوره بروزاً لا يخطئه النظر، فأنت ترى لمحات من التهكم اللاذع الذي امتاز به سقراط في حديثه، وأنت تلاحظ روح التحدي جلية واضحة، والتحدي طابع معروف في شخصية سقراط. وسنرى كذلك في هذا الحوار تفككاً فلا تتصل أجزاؤه بصلة من منطق قوي، فكأنما أراد أفلاطون بهذا أن يكون أميناً في الصورة التي يقدمها عن سقراط؛ فسقراط لم يكن في حياته يعنى بمنطق الحديث. فهو إذا بدأ حواراً مع آخر لا يلبث أن يشعبه باستطراده من ناحية، وبالأسئلة العرضية التي يطرحها مناقشوه أثناء الحديث من ناحية أخرى، فيخرج الكلام آخر الأمر، وليس فيه وحدة تربطه أوله

ص: 34

بآخره.

وقد تعمد أفلاطون في هذا الحوار أن يسوق إلى القارئ أبرز ما حدث لسقراط في حياته ليكون عنه فكرة متصلة، وقد كان أفلاطون في ذلك قديراً ماهراً، حتى لا يكاد يشعر القارئ أن تلك الحوادث أضيفت إضافة مدبرة، بل جاءت عفواً كما اقتضى منطق الحديث.

يبدأ سقراط في هذا الدفاع، أو إن شئت تعبيراً دقيقاً فقل يبدأ أفلاطون في دفاعه عن سقراط، بأن قسم المتهمين إلى قسمين: الرأي العام من ناحية، وطائفة من الأشخاص النابهين من جهة أخرى؛ ثم لخص للقضاة نقط الاتهام، وأخذ يفندها واحدة فواحدة. وعلى الرغم من هذا فقد حكم عليه بالموت. ولما طلب إليه أن يقترح حكماً - كما جرت بذلك عادة القضاء الأثيني - لتقف المحكمة موقفاً وسطاً بين الحكمين، أجاب في تهكم لاذع وحكمة نادرة. وانتهى الأمر وقضي عليه بالموت.

نص الحوار

لست أدري أيها الأثنيون كيف وقعت من نفوسكم خطب متهمي، أما أنا فقد أحسست لكلماتكم الخلابة أثراً قوياً أنسيت معه نفسي وإنهم لم يقولوا من الحق شيئاً. ولشد ما دهشت إذ ساقوا في غمر باطلهم نذيراً لكم أن تكونوا على حذر فلا تخدعكم قوة فصاحتي. يا خجلتهم مما يزعمون! فإذا نبست ببنت شفة نهضت لكم دليلاً على عي لساني وافتضح أمرهم، وإنهم بذلك عالمون، ولكنهم يمارون ولا يخجلون. أم تراهم يطلقون الفصاحة على قوة الحق؟ إذن لأشهدت أني مصقع بليغ. . ألا ما أبعد الفرق بيني وبينهم! فهم كما أنبأتكم لم ينطقوا كلمة صدق ولم يقولوا إلا كذباً، أما أني فخذوا الحق مني صراحاً، ولن أصوغها عبارة منمقة كما فعلوا، ولكني سأسوق الحديث إليكم عفو ساعته، ولست أشك في أنه الحق. فلن أقف يوماً بينكم أيها الأثنيون موقف الخطيب ما دمت حياً، فلا يرجن الآن أحد مني خطاباً، وعلي أظفر منكم بهذا الفضل: إن جاءت في دفاعي كلمات قلتها من قبل، وسمعها بعضكم في الطريق أو عند موائد الصيارفة أو في أي مكان آخر، فلا تدهشوا ولا تقاطعوا الحديث، لأنني أقف - وقد نيفت على السبعين عاماً - للمرة الأولى في ساحة القانون، فلم آلف هذا المكان، ولم أتعود تقاليده وطرائقه، فانظروا إلي نظركم إلى الغريب تلتمس له المعذرة لو جرى لسانه بلغة قومه ولهجة وطنه. وما احسبني بذلك أطلب شططاً، فدعكم من

ص: 35

عباراتي وقبحها، وانظروا في عدالة القضية وحدها، وإذا حكم منكم قاض فليحكم بالعدل، وإذا نطق متكلم فلينطق بالحق.

ولأبدأ أولاً برد اتهام الطائفة الأولى من المدعين، ثم أستطرد إلى دعوى الفريق الثاني؛ فلقد اتهمني من قبل نفر كثير ولبثت دعاواهم الباطلة تتردد أعواماً طوالاً، وإني لأخشاهم أكثر من هذا الرجل (أنيتس) وعصبته، وإن كيدهم لعظيم، ولكن أولئك الذين نهضوا إذ كنتم أطفالاً فملكوا ألبابكم بأباطيلهم لأشد من هؤلاء خطراً، فهم يحدثونكم عن من يسمى سقراط أنه حكيم يسبح بفكره في السماء، ثم يهوي به إلى الغبراء، وأنه يخلع على الباطل رداء الحق. أولئك هم من أخشى من الأعداء، فقد أذاعوا في الناس هذا الحديث، وما أسرع ما يظن الدهماء أن هذا الضرب من المفكرين كافر بالآلهة. كثيرون هم أولئك المدعون، ودعواهم قديمة العهد، نشروها حين كنتم في سن الطفولة أو الشباب ألين انطباعاً. ولم يكادوا ينطقون بالدعوى حتى انطلقت تحمل عني في ذيلها السوء دون أن تجد لها مفنداً. وأهول من ذلك كله أن لبثت أسماؤهم مجهولة لا أعلمها لولا ذلك الشاعر الهازل الذي ساقته الظروف. وإنه لمن العسير أن أتحدث إلىأشخاص هؤلاء الهجائين الذين نفذوا إلى نفوسكم بما يحملون من ضغينة وحقد، صدر فيها بعضهم عن عقيدة، ثم ألقوا بذورها في قلوب الآخرين؛ فلا أستطيع أن أدعوهم إلى هذا المكان لأستجيبهم، فأنا إن دافعت الآن فإنما أدافع أشباحاً، وأستجيب حيث لا مجيب. وإني لأرجو أن تقبلوا ما فرضته لكم من قبل بأن الأعداء صنفان: فطائفة حديثة العهد وأخرى قديمته، وأحسبكم ترون صواب رأيي في أن أبدأ بالرد على هذه الطائفة الأخيرة، فدعواها أكثر عهداً وأكثر تردداً.

وبعد، فهاكم دفاعي، ولعلي أستطيع في هذه البرهة القصيرة التي تفضلتم بها أن أمحو شائعة السوء التي قرت عني في أذهانكم طوال هذا الزمن، وعسى أن أصيب توفيقاً إن كان في التوفيق خير لي ولكم، ولعل كلماتي تصادف منكم قبولاً حسناً. فأنا عليم أني مقدم على أمر عسير، وإني لأقدر مهمتي حق قدرها، فليقض الله بما يريد. وها أنذا أبدأ دفاعي طوعاً للقانون.

واستهل الحديث بهذا السؤال: أي ذنب جنيت حتى حامت حولي الشبهات فاجترأ مليتس أن يرفع أمري للقضاء؟ ماذا يقول على دعاة السوء؟ هاكم خلاصة ما يدعون: (قد أساء سقراط

ص: 36

صنعاً، وهو طلعة يصعد البصر إلى السماء وما تحوي، ثم ينفذ به تحت أطباق الثرى، وهو يلبس الباطل ثوب الحق، ثم أنه يبث تعاليمه في الناس) تلك هي جريرتي، وقد شهدتم بأنفسكم في ملهاة أرستوفان كيف اصطنع شخصاً سماه سقراط جعله يجول قائلاً إنه يستطيع أن يسير في الهواء، وأخذ يلغو في موضوعات لا ازعم أني أعرف عنها كثيراً ولا قليلاً - لست أقصد بهذا أن أسئ إلى أحد من طلاب الفلسفة الطبيعية - ولكن شد ما يسوؤني أن يتهمني بها ملتيس. أيها الأثنيون! الحق الصراح أني لا أتصل بتلك الدراسة بسبب من الأسباب، ويشهد بصدق قولي كثير من الحضور، فإليهم أحتكم. انطقوا إذن يا من سمعتم حديثي وأنبثوا عني جيرانكم، هل تحدثت في مثل هذه الأبحاث كثيراً أو قليلاً؟ أنصتوا إلى جوابهم لتقطعوا بصدقي مما يقررون.

أما القول بأني معلم أتقاضى عن التعليم أجراً فباطل ليس فيه من الحق أكثر مما في سابقه، على أنني أمجد المعلم المأجور إن كان معلماً قديراً. فهؤلاء جورجياس الليونتي وبروديكوس الكيوسي وهبياس الأليزي يطوفون بالمدن يحملون الشباب على ترك بني وطنهم الذين يعلمونهم ابتغاء وجه الله ليسعوا إليهم، فلا يؤجرونهم وكفى، بل يحمدون لهم ذلك الفضل العظيم. ولقد أتاني نبأ فيلسوف من بارا يقيم في أثينا، حدثني عنه رجل صادفته، قد بذل للسوفسطائيين مالاً طائلاً، هو كالياس بن هبونيكوس. ولما أنبأني أن له ابنين سألته: لو كان ابناك يا كالياس حمارين أو بقرتين لما شق عليك أن تجد لهما مدرباً، فما أهون أن تستخدم مدرب الخيول أو فلاحاً يقومهما ويبلغ بهما حد الكمال في حدود فضيلتهما، ولكنهما إنسانان من البشر، فمن ذافكرت أن يكون لهما مؤدباً؟ أثمت من يدرك فضيلة الإنسان وسياسة البشر؟ حدثني فلا بد أن تكون قد تدبرت الأمر ما دمت والداً. فاجاب:(نعم وجدت. فسألته: من هو ذا وأين موطنه وكم يؤجر؟ فأجاب هو أفينس الباري وأجره خمسة دراهم) فقلت في نفسي: (أنعم بك يا أفينس إن كنت تملك هذه الحكمة حقاً، وتعلمها بمثل هذا الأجر الضئيل، فلو كانت لدي لزهيت وأخذني الغرور، ولكني بحق أيها الأثنيون - لا أعلم من تلك الحكمة شيئاً).

رب سائل منكم يقول: (وكيف شاعت عنك تلك التهمة يا سقراط إن لم تكن قد أتيت أمراً إداً؟ فلو كنت فرداً كسائر الناس لما ذاع لك صوت ولا دار عنك حديث. أنبئنا إذن بعلة هذا

ص: 37

إذ يؤلمنا أن نحكم في غير صالحك) وإني لأحسب هذا تحدياً رقيقاً، وسأحاول أن أوضح لكم لم دعيت بالحكيم، ومن أين جاءتني الأحدوثة السيئة، فأرجوا أن تنصتوا لقولي، ولو أن بعضكم سيظن بي الهزل، ولكني اعترف أنني لن أقول إلا الحق خالصاً. أيها الأثنيون! إن لدي ضرباً معيناً من ضروب الحكمة، كان مصدر ما شاع من أمري، فإن سألتموني عن هذه الحكمة ما هي؟ أجبت أنها في مقدور البشر، والى هذا الحد فأنا حكيم. أما أولئك الذين كنت أتحدث عنهم فحكمتهم معجزة فوق مستوى البشر، لا أستطيع أن أصفها لأنني لا أملكها، ومن ظن أنها لدي فقد ظن باطلاً، وكان أشد ما يكون بعداً عن حقيقتي. أيها الأثنيون! أرجو أن لا تقاطعوني ولو بالغت في القول، فلست قائل هذا الذي أرويه لكم، ولكني سأنيب عني شاهداً جديراً بالثقة، ليحدثكم عن حكمتي - فسينبئكم هل أملك من الحكمة شيئاً؟ وإن كنت أملك، فما نوعها؟ - وأعني بذلك الشاهد إله دلفي. إنكم ولا ريب تعرفون (شريفون)، فهو صديقي منذ عهد الصبا، وهو صديقكم مذ ظاهركم على نفي من نفيتم ثم أعاد أدراجه معكم. كان شريفون كما تعلمون صادق الشعور في كل ما يعمل، فقد ذهب إلى معبد دلفي وسأل الراعية في جرأة لتنبئه - وأعود فأرجو أن لا تقاطعوني - سأل الراعية لتنبئه إن كان هناك من هو أحكم مني، فأجابت النبية أن ليس بين الرجال من يفضلني بحكمته. لقد مات شريفون، ولكن أخاه وهو في المحكمة بيننا، يؤيد صدق ما أروي.

وفيم أسوق إليكم هذا الخبر؟ ذلك لأنني أريد أن أتقصى لكم علة ما ذاع عني من سوء الذكر. لما أتاني جواب الراعية، قلت في نفسي: ماذا يعني الإله بهذا؟ إنه لغز لم أفهم له معنى! أنا عليم أن ليس لدي من الحكمة كثير ولا قليل، فماذا عساه يقصد بقولي أنني أحكم الناس؟ ومع ذلك فهو إله يستحيل عليه الكذب، لأن الكذب لا يستقيم مع طبيعته. ففكرت وأمعنت في التفكير، حتى انتهيت آخر الأمر إلى طريقة أحقق بها القول. اعتزمت أن أبحث عمن يكون أحكم مني، فإن صادفته أخذت سمتي نحو الإله لأرد عليه ما زعم، فأقول له:(هاك رجلاً أكثر مني حكمة، وقد زعمت أني أحكم الناس). لهذا قصدت إلى رجل من الساسة - ولا حاجة بي إلى ذكر اسمه - فقد عرف بحكمته، وامتحنته فانتهيت إلى النتيجة الآتية: لم أكد أبدأ معه الحديث حتى قرت في نفسي عقيدة لا تمحى بأنه لم يكن حكيماً حقاً،

ص: 38

على الرغم من شهادة الكثيرين له بالحكمة، وعلى الرغم مما ظنه هو نفسه في حكمته، وقد جاوز به الغرور شهادة الشاهدين، فحاولت أن أقنعه بأن وإن يكن قد ظن في نفسه الحكمة، إلا أنه لم يكن بالحكيم الحق، فأدى به ذلك إلى الغضب مني، وشاطره في غضبه كثيرون ممن شهدوا الحوار وسمعوا الحديث، فغادرته قائلاً في نفسي: إني وإن كنت أسلم أن كلينا لا يدري شيئاً عن الخير والجمال. فإنني أفضل منه حالاً، لأنه يدعي العلم وهو لا يعلم شيئاً، وأما أنا فلا أدري ولا أزعم أنني أدري - ولعلي بهذا أفضله قليلاً. ثم قصدت إلى آخر، وكان أعرض من سابقه دعوى في الفلسفة، فانتهيت معه إلى النتيجة نفسها، وعاداني هو الآخر، وأيده في موقفه عدد كبير.

يتبع

زكي نجيب محمود

ص: 39

‌كتاب الأوراق

وخطره في كتابة التاريخ

بقلم: محمد طه الحاجري

في ذمة الأدباء من أهل هذه اللغة الكريمة للأدب العربي من ناحية، وللروح العلمية السائدة من ناحية أخرى، دين لا معدل لهم عن أدائه، ولا مترخص لهم في الوفاء به، إذ كان مرجع الأمر فيه شخصيتهم المعنوية التي يظهرون بها، والى كيانهم الأدبي الذي لا حياة لهم من دونه، والى شعورهم بالروح العلمية المتغلغلة في كل عناصر الحياة ومظاهر الوجود. ثم هو متصل فوق هذا بالقومية التي نفاخر بها ونحرص على توثيق عراها وتقوية أسبابها. ذلك هو العناية بتاريخ هذا الأدب الذي تمده خمسة عشر قرناً عناية تظهر، فيما أحسب، في كتابة هذا التاريخ، وإقامته على أسس قوية من أساليب البحث العلمي، ومناهج النقد الأدبي، والتبسط في ذلك بما يطوعه الجهد الواسع، والنفس الممتد، والعزيمة القوية، والروح العلمية المتبصرة، والرغبة المتوثبة في إقامة كياننا المصري على أقوى ما تفاخر به الشعوب وتعتمد عليه الأمم، فما أحسب أن أدب أمة من الأمم بلغ من سعة المادة، وامتداد العمر، ومجاراة الحية، ومساوقة الزمن ما بلغه الأدب العربي، ثم لا أحسب أن أدب أمة من الأمم مني بما مني به هذا الأدب من إغفال أهله أن يقيموه على أسس هذا العصر.

فتاريخ الأدب عندنا علم حديث النشأة، غض التكوين، لا يكاد يرجع ميلاده إلى ما وراء الجامعة الأولى، ولا يكاد يثبت في طريقه لما يحتوشه من أسباب الضعف، وما يعوزه من عناصر الحياة، وما يحيط به من شتى العوامل التي تثبطه وتصده وتحمل عليه بما لا يحتمله الجلد القوي بله الضعيف الواهن، وإنما هي القوى الذاتية التي تمسكه، فمن أقدس الواجبات علينا لقاءه أن نمكن له الحياة، وأن نوفر له العناصر التي يقوم بها كيانه الصحيح، وهي تتلخص في أمرين لابد منهما: تقرير الأسلوب العلمي، واستجماع المادة التي يتكون منها تاريخ الأدب العربي.

أما أول الأمرين فقد كفانا مؤونته الأستاذة الأجلاء الذين شقوا لنا ذلك الطريق، ووضعوا أمامنا معالم البحث العلمي، وبصرونا بمناهج النقد والتمحيص والموازنة وما إلى ذلك.

أما المادة التاريخية فهي العنصر الأول في كتابة التاريخ، وكلما توفرت لدى الباحث،

ص: 40

واتسعت نواحيها، وتنوعت أبوابها، وتعددت مذاهبها، وكثرت الأيدي التي تقدمها، وأخذت تضرب في شتى جهات الحياة، وتتناول الأطراف المختلفة، كان المؤرخ أكثر توفراً على بحثه، واستضاء أمامه العصر الذي يؤرخه، فأخذ يصفه وصفاً أشبه باليقين، ويقرر التيارات الأدبية فيه تقريراً أقرب إلى الحقيقة، بعد أن يكون قد نظر في أجزاء هذه المادة نظر الناقد البصير، فجعل يوازن بينها، ويقارن بين مختلف أجزائها، وليكن هناك ما يكون من التناقض في الروايات، والتضارب بين الأقوال فذلك، فيما أحسب، أدعى إلى استبطان الحقيقة المستكنة في ثنايا هذه الاختلافات، وأقرب بالباحث إلى ثلج الصدر وبرد اليقين.

والأدب العربي يملك من هذه الناحية ثروة طائلة بالرغم من عوادي الزمن، والنكبات التي أصابت المكتبة العربية في مناسبات مختلفة، ولكنها ثروة ضائعة لا تجد من يستغلها إلا قليلاً، إذ لم يقدر لها من ينشرها من قبورها، ويبعث فيها الحياة التي تعرفها، حتى يستطاع استغلالها، وإنما هي جهود ضئيلة بالنسبة إلى عظم العمل وجلال التبعة.

ولقد تقدمنا الفرنجة في هذا السبيل حتى أخجلونا وأبهظوا عاتقنا بفظلهم، وضربوا لنا خير الأمثال بما نشروا من كتب، وما قاموا به عليها من عناية بتصحيحها وفهرستها ومقارنتها، في تواضع العالم المخلص، وهدوء الباحث المستبصر. فدلوا بهذا على روح علمية ثابتة الأساس، ومعرفة حكيمة بطرائق البحث الصحيح.

لست الآن بصدد البحث عن جهود المستشرقين العظيمة المتوالية في سبيل الأدب العربي، وإنما سبيلي الآن أن أتحدث عن كتاب من خيرة الكتب التي كادت تتلاشى في غمار القرون وثنايا النسيان وعوادي الإهمال، فنشره مستشرق ناشئ، هو المستر هيورث دن، وخلع عليه هذا المظهر الذي تتجلى عليه الروح العلمية في بهائها ورونقها وجلالها. ذلك هو كتاب الأوراق لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة 335.

والصولي إمام من خير أئمة الأدب، وكاتب من أفضل الكتاب الذين تزدهر بهم تلك الفترة من الزمن، وعالم ضليع غزير المادة، جيد الرواية، يروي عنه أبو الفرج كثيراً في أغانيه، وأستاذ جليل تخرج عليه كثير من رجالات ذلك العصر مثل أبي عبد الله محمد بن عمران المزرباني، وهمك من رجل وناهيك من عالم. وقد ترك ثروة كبيرة من الكتب الجليلة في قيمتها الأدبية والتاريخية، نقرأ بياناتها في كتب الفهارس، ثم ننطوي على أنفسنا حسرة

ص: 41

وأسفاً على ذلك الكنز الذي طاحت به الطوائح. ولا أحسب أنه قد بقي لنا منه إلا هذا الكتاب الذي عني به المستر دن هذه العناية، وكتاب آخر في أدب الكتاب نشره منذ عشر سنوات العلامة الأثري المرحوم علي بهجت. وكان كتاب الأوراق في حكم تلك الكتب التي لا نعلم شيئاً عن مصيرها، لولا تلك الروح العلمية المتوثبة التي حفزت ذلك الشاب العالم على إخراجه للناس في ثوب علمي جليل، ومعاناة تحقيقه وتمحيصه ومقارنة رواياته، فأضاف بذلك إلى المادة التاريخية لعصر بني العباس ما هو جدير أن يضئ الطريق أمام الباحث المؤرخ في كثير من مجاهل هذا العصر ومسائله الملتوية الغامضة.

وقد نجد في ترجمة الصولي كلاماً مختلف الأطراف بين مدح وقدح، وتقدير وتشهير، ولكننا لا نشك، إذ نقرأ كتابه (الأوراق) أنه كان رجلاً عالماً يمثل الروح العلمية خير تمثيل، ويضعها فوق كل اعتبار، متثبتاً على طريقة عصره في النقد والرواية، لا يميل مع الهوى، ولا يذهب مع الخواطر، ولا يقف دون النقد والمقارنة والتمحيص.

عرض في أثناء حديثه عن أحمد بن يوسف إلى رواية تحدث ابن طيفور عنه بها، وخلط فيها، فلم يدعها الصولي تمر دون أن ينقدها بما طوع له علمه الغزير وروحه العلمية القوية، ثم كتب هذه العبارة التي نثبتها هنا لتدل على تثبته العلمي من ناحية، وعلى مظهر من مظاهر الروح العلمية في ذلك العصر، من ناحية أخرى.

(وقد رايته (يعني ابن طيفور) بالبصرة سنة سبع وسبعين ومائتين، وقدمها إلى أحمد بن علي المادرائي، وكتبت عنه مجلسين أو ثلاثة، فلما رأيته صحفياً لم أر عنده ما أريد تركته، ويعز على أن أذكر أحداً من أهل الأدب بسوء وأن أستخفه، ولكن لا بد من أن نعطي العلم حقه، ونضع الحق موضعه).

أفرأيت إلى أي حد من الإجلال والتقدير كان نظر الرجل إلى العلم والحقيقة والأدب؟

يمثل هذا الخبر الصغير الذي ينبغي أن يرجع إليه القارئ في الكتاب صفتين من أبرز صفات الصولي وكثير من علماء ذلك العصر: وهما سعة المادة، والتثبت في الرواية. وعلى هاتين الصفتين قامت عظمة السلف، وعليهما يجب أن تكون الدائم التي نقيم عليها أبحاثنا العلمية في تاريخ الأدب، فلن تغنينا كل أساليب البحث ومناهج النقد، عن سعة المادة وتوفر المصادر والتقصي فيها بكل ما يتسع له الجهد ويطوعه الإمكان.

ص: 42

فإذا كنا نحتفي بكتاب الأوراق، فإنما ذلك لأنه صورة لتلك الشخصية العظيمة في تاريخ الأدب العربي، ومثال من خير الأمثلة عن الطريقة الأدبية لأسلافنا في معاناة الرواية ونقدها وتمحيصها. والتوفر على الجمع والمقارنة، ثم هو فوق هذا كله زيادة في المادة التاريخية، وتوطيد لأسس البحث العلمي، بالنسبة إلى عصر من أشد عصور الأدب العربي اختلاطاً واضطراباً، وأغصها بالتيارات المختلفة، والنزعات المتباينة المتشابكة.

وهذا القسم الذي نشر من كتاب الأوراق خاص بأخبار الشعراء المعاصرين، وقد سلك الصولي في تصنيفهم مسلكاً حسناً جديراً بالتنويه، ذلك أنه راعى في ذلك أسرهم: فذكر أولاً أسرة اللاحقيين، ثم أسرة أحمد بن يوسف وزير المأمون، ثم أسرة السلمي أشجع بن عمرو. وهذا نحو جديد في التصنيف الأدبي جدير بأن يغتبط به الذين يتتبعون الصفات الوراثية المشتركة، والذين يرون في الأدب صوراً لقوانين الوراثة المقررة.

وإذا كانت هذه طريقته في عرض الشعراء، لم يتقيد بذكر المشهورين منهم، ولا حبس نفسه عليهم، وقد صرح هو نفسه بهذا الاتجاه في آخر كتابه فقال:(قد جئت بأكثر أشعار هؤلاء إذ كانوا شعراء ظرافاً كتاباً لا يعرفهم الناس، ومن عرفهم لا يعرف أخبارهم. . وإنما استقصي أشعار من لا يعرفون وأخبارهم) وكذلك كان الصولي، فقد انطلق في ذكر هؤلاء الشعراء المغمورين، وسرد أخبارهم ورواية أقوالهم وأشعارهم، مما هو جدير بالرواية، حقيق أن ننعم فيه النظر، ونستخلص منه كثيراً من الحقائق التاريخية التي قد لا تتضح في مشاهير الشعراء، فقد تقيد الشهرة صاحبها بكثير من القيود التقليدية، وتنشر حوله غشاء مصنوعاً، حتى يصبح من العصر الذي يعيش فيه، صورة كثيرة التزوير والتمويه. على حين ينطلق الشاعر المغمور في سبيله يصور من نفسه وعصره وبيئته ما وسعته الحرية في التعبير، والقدرة على التصوير.

ولعل كبار الشعراء هم صور من عبقرياتهم، أكثر من أن يكونوا صوراً لعصورهم وبيئاتهم، وما تموج به من شتى النزعات ومختلف الصور والتيارات.

فكتاب الأوراق يضعون بين أيدينا إذن مصدراً عظيم الخطر من مصادر التاريخ، ويبصرنا بكثير من الحالات التي سيطرت على الأدب في ذلك العصر، بما يكتبه عن أولئك الذين انطبعوا بحياتهم، وصوروها تصويراً حراً طليقاً من قيود الشهرة.

ص: 43

ومن قبل عني المفضل الضبي بجمع شعر الشعراء المقلين فخدم بذلك الاتجاه التاريخي الذي نتوجهه أجل خدمة، إذ كانت المفضليات أصدق صورة للعصر الجاهلي.

هذه ميزة شديدة الوضوح من ميزات كتاب الأوراق، لها خطرها فيما نقصد إليه من الدراسة الأدبية. ولست أتعرض الآن لشرح هذا الوجه من الخطورة، ولعله يتاح لنا فيما بعد أن ندرسه دراسة مفصلة تتسع لما لا تتسع له هذه الكلمة العاجلة.

ومما يستطرف ويلفت النظر في هذا الكتاب، أنه يظهرنا على أولية ذلك النوع من الشعر الذي يسميه الفرنسيون الشعر التعليمي في الأدب العربي، فنحن نرى أنه قد بدأ بأبان بن عبد الحميد اللاحقي، فقد صنع قصيدة سرد فيها أحكام الصيام على نحو ما نعرفه في منظومات العلوم. والظاهر أن أبان كان مضطلعاً بهذا النوع من الشعر، فقد نظم كذلك كتاب كليلة ودمنة، وكتاب المنطق، وكان ذلك فناً طريقاً. وقد ذكر الصولي أنه عاتب البرامكة على قلة عطائهم مع خدمته لهم وموضعه منهم، فأشار عليه الفضل أن يقول شعره في هجاء الطالبيين، فتذمم أبان، ثم قال قصيدة استطرفها الفضل، وهي لا شك طريفة. فقد سلك فيها مسلكاً عجباً من الشعر، إذ أخذ يجادل الطالبيين في دعواهم جدلاً فقهياً بحتاً مستنداً إلى أحكام الوراثة في الإسلام وما يقرره الشرع في حالات الحجب والهبة وما إلى ذلك. ولما جاء بهذه الأبيات إلى الفضل قال له: ما يرد اليوم على أمير المؤمنين شئ أعجب إليه من أبياتك.

هذا تاريخ نوع من الشعر كثير الشيوع في اللغة العربية، على أن لهذا فيما أحسب، بعض الدلالات الأخرى على بعض العوامل في ذلك العصر.

وعقد الصولي فصلاً عما روى في صحة دين أبان، وعندي أن هذه النصوص التي تروى في هذه الصدد عظيمة الخطورة في تحقيق المسألة الدينية في عصر العباسيين: ذلك الأمر الذي اضطربت فيه الأقوال واشتبهت فيه الظنون، واختلفت فيه منازع الرأي. ولا يزال في حاجة إلى التحقيق العلمي القائم على النقول الصحيحة والنقد المنزه البصير.

وبعد فما نستقصي في بيان قيمة كتاب الأوراق من ناحية التاريخ الأدبي، وحسبنا أن يكون هذا الكتاب زيادة في المادة التي ترتكز عليها أبحاثنا، وأن يكون واضعه أبو بكر الصولي، وهو من عرفنا، وأن ينشر نشراً علمياً خالصاً لوجه العلم والأدب. حتى نحتفي به، ونرحب

ص: 44

بظهوره.

محمد طه الحاجري

ص: 45

‌الشباب في أمريكا

حركته وتربيته وحياته السياسية

ومقارنته بالشباب في أوروبا

بقلم: إبراهيم إبراهيم يوسف

لا نستطيع أن نفهم الجديدة التي تملكت أفئدة أبناء الجيل الحديث في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إذا فهمنا قبل كل شئ الفوارق الرئيسية بين الحركة العامة للشباب في أوروبا ومثيلتها في أمريكا. وأول ما يلفت النظر عدم اهتمام الشباب الأمريكي اهتماماً جدياً بالروحانيات والاجتماعيات، بينما نجد زملاؤهم في أوروبا على عكس ذلك. كذلك هم لا يعرفون التكالب على الدرس بنفس النهم الذي نجده عند الشباب الأوربيين. والواقع أن أمريكا برغم مالها من تنوع في الآداب لا تعرف حتى الساعة ما يسمى (بثورة الشباب) كتلك التي عرفناها لشباب الألمان مثلاً لنهاية القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين. وقد تكون التقاليد الاجتماعية التي توارثها الشباب الأمريكي عن سلفه والتي يرعاها كل الرعاية سبباً، إذا ما أضيف إليها مركز الشباب الاقتصادي، يحول بينه وبين تحمل عبء مسئوليات جسام. وركن الشباب إلى تلك التقاليد وراح يحافظ عليها فتجلت في حياته السياسية، ثم سرعان ما انتقلت العدوى بعد ذلك إلى كل ميدان من ميادين حياة الشباب. ورسخت هذه التقاليد في النفوس بدلاً من أن يتم التعاون على مقاومتها لتتلاشى. فمثلاً بينما كان الشباب الألماني منذ ثلاثين سنة يثور على سلطة العائلة وسلطة المدرسة ولا يأبه بسلطان الدولة ولا بسلطان الكنيسة، كان الشباب الأمريكي ينزع في نفس الوقت إلى انتهاج ما ثار عليه زميله الأوربي، وكان مما لا بد منه أن تنبذ أمريكا آراء أوربا وطرقها في تربية النشء وتبحث لها عن أسس جديدة، فاهتدت إلى جعل الدراسة العلمية في المرتبة الثانية من منهج التعليم. وما هي إلا سنوات حتى استوثق رجال التربية والتعليم في أمريكا من أن النظريات والعمليات التي سار عليها زملاؤهم في أوروبا لم تعد صالحة للعالم الجديد، فاستعاضوا عن (القوانين العامة) في علم النفس بفكرة رعاية الشباب وتهذيبه عملياً. وهم يتبعون في ذلك رأي زعيم التربية الحديثة في أمريكا المستر جون ديوي الذي

ص: 46

تعتبر آراؤه إنجيلاً للمربين الأمريكيين. وخلاصة آرائه: أن العلم والمعرفة يجب أن ينتزعا من الحياة، وأن لا علم إلا إذا جاء عن طريق ممارسة العمل ومزاولة الأمور العملية. وهذه الأسس التي يعبر عنها (بطريق الشروع) القائمة في علم النفس على (المحاولة والخطأ). وقد يهزأ الأوربيون بهذه النظريات العملية، وهذا النوع من التربية. ولكنهم ينسون أن تربية النشء وفق هذه الأصول تكون عندهم قوة الإرادة وصحة الحكم على الأشياء. ومن أهم المبادئ المعمول بها في أمريكا لتربية النشء اعتبار الشباب وفرديته في مرتبة لا تقل عن مقام المعلم وعلمه. وكثيراً ما ينعى علماء التربية الأمريكيون على زملائهم في أوروبا التسرع في الحكم بأن الطفل له شخصية أقل خطراً من شخصية الرجل المكتمل الرجولة. ولكن علماء التربية الأوربيون يقولون هم الآخرون بأن الآراء الأمريكية تحوي جرثومة تهدد نظام التربية والتعليم من أساسه، كما أن تلك الآراء تعمل على إضعاف مركز المربي في نظر النشء وإضعاف الثقة به. ولكن الأمريكيين يقولون أن المسألة عكس ذلك تماماً. ثم إذا نظرنا إلى المدارس الأمريكية على اختلاف أنواعها، ولاحظنا تباين الأعمار في الفصول، حكمنا بأن النظام كما يفهمه الأوروبيون ليس له أثر ملموس في هذه المدارس. وكثيراً ما قال المربون الأوروبيون عند أول مشاهداتهم للشباب الأمريكي:(يا لها من فوضى!) إذ يجدون الطلبة هنالك بتوجهون بكلياتهم إلى شخص الأستاذ، أما اهتمامهم بدرسه فأمر ثانوي لديهم. ولهذا نجد بين الأساتذة والطلبة علاقة ألفة قد تبدو أشبه بالصداقة التي يضيع معها كل نظام، ولعل السر الذي يفسر لنا تلك الألفة هو أن 90 % من مجموع المعلمين في المدارس الأولية والابتدائية والثانوية في كافة البلاد الأمريكية نساء. ولا يعوق المعلمة عملها لو أن لها زوجاً وكانت في مقتبل العمر. ثم هنالك ظاهرة غريبة أخرى قد لا نجد لها مثيلاً في أي بلد أوروبي، تلك هي اعتبار المدرسة والكلية مزرعة يتعهد فيها المدرسون بتربية الألفة والصداقة بين كل أفراد الشباب، ولا زالت الكليات الأمريكية برغم ما وجه إليها من نقد محافظة كل المحافظة على حياة الأخوة بين الطلاب، مانعة كل المنع تسرب دخلاء إلى حظيرة الشباب، وحتى في المدارس الابتدائية يتدرب الأطفال على معيشة أخوية كاملة المظهر، لا يعنى فيها بإتباع طريقة شحن الذهن بالعلوم.

والواقع أن المثل الأعلى وطابع التربية عند الأمريكيين هو جعل التعليم المثالي عملياً

ص: 47

ووطنياً.

إبراهيم إبراهيم يوسف

ص: 48

‌من شعر الشباب

رسالة

وردتْ وُرُودَ النافِحات رسالةٌ

هاجت كمين صبابتي وغرامي

رفّافة الصفحات يعبق نشرها

من طِيبِ عهدٍ غابر الأيامِ

مِن سالفِ اللذات لي في معهد

سلفتْ به اللذات كالأحلام

في معهد حفلٍ بأوطار الصِّبا

فيه حمدتُ على البِعادِ مُقامي

نَشَرَتهُ للعين الصحيفةُ وانجلى

في الطرس حُسْنُ صعيده المترامي

واسْتَفْتُ من بين السطور نسيمَه

ورأيتُ باسقَ سَرْحِهِ المتسامي

وَتَمَثَّلَتْ لي ساكناتُ غصونه

غِبَّ السماء نَوَاديَ الأكمامِ

وذكرتُ فيه كلَّ ماضي بُكرة

طَلَعَتْ تألَّقُ في الضياء الطامي

طالعتُ فيها الشمس تسكب ضوَءها

تِبْراً على الأنجادِ والأعلامِ

وعشيةٍ خَشَعَت كأنَّ نسيمها

مُتَوَجِّسٌ من عودة الإظلامِ

راقبتُ فيها الليلَ مِن مُسْتَشْرَفي

يطغَى على الأَغوار والآطامِ

إني لأَهوى فيه كلَّ طريفةٍ

حاولتُها وهَمَامَةٍ ومرامِ

وأُحب أيَّاماً به وليالياً

موصولةَ الألطاف بالأنعامِ

وأحب أشعاراً نظمتَ عقودها

في ذلك الوادي النضير النامي

ما زلتُ أذْكُرُ كلما رَجَّعْتُها

أُفُقاً جَرَى مِن سحر إلهامي

من مائِه الرَّقراق أو أزهاره

قد صُغْتُها أو فَجْرِهِ البَسَّامِ

قد كان حَفلاً بالقوافي جَوُّه

في حَالتَيه: الصَّحْو والإرْزَامِ

ما ازْدَادَ إلاَّ فِتْنَةً ومَلاحَةً

لشُرُوق شمسٍ أو هُتُون غمام

يهفو لذكراه الفؤَاد إذا جَرَتْ

وتثور أشواقي له وهيامي

ويجيئهُ مني السَّلامُ وإن أَنل

أقصى الأماني جئْتُه وسلامي

فخري أبو السعود

ص: 49

‌تاجرة!!

دعته إلى العش عصفورة

بتغريدها المطلق الساحر

شكت قبله وحشة الانفراد

على ذلك الفَنَنِ الزاهر

وطول المقام بلا صاحب

تفئ إلى جنحه القادر

يشاطرها واجبات الحياة

ويحمل من عبئها الواقر

ويمنحها عائدات الوداد

وتمنحه جذوة الشاعر

تفيض حناناً إلى قربه

ويسعد في حبه القاسر

قضى زمناَ شادياً لاهباً

بأحلامه هادئ الخاطر

يروح إلى الأيك جم النشاط

فينعم في ظله الناضر

وينهل من مائه المستطاب

ويستاف من عرفه العاطر

دعاه الصبا ولباناته

فلبى نداء الصبا الغامر

وفارق أحلامه الساحرات

إلى صرحها الوارف العامر

إلى حيث يقطف آماله

ثماراً ويجني جَنَى الصابر

إلى حيث يملأ ما قد خلا

من القلب في الزمن الغابر

فلما أتاها رأى أنها

تهيب بذي الثروة الكاثر

وقد جعلت نفسها سلعةً

كسلعة صاحبنا التاجر

فهذا يسوم وذاك يزيد

وذا يتقي صفقة الخاسر

فعاد إلى أيكه نادباً

بذلك من جده العاثر

إذا ما الزواج غدا سلعة

فأنت على تركه عاذري

جنين - فلسطين ح. أ

ص: 50

‌عرس في مأتم

واعَجَبَاً للمرء في جَهْلِهِ

وهو أخو اللُّبِّ شقيقُ النُّهى

يُمعِنُ في غَفْلَتِهِ حالماً

وَيَحسِبُ الضِلَّةَ كلَّ الهدى

يَطوي شقاء العمرِ في سَكْرَةٍ

نشوانَ يُغريه رفيفُ الرُّؤى

وهمانُ كلَّ العمرِ ما إن يعي

سرَّ الدُّنى. يا بؤسَه لو وعى!

يا سرَّه! أيةُ أُلعوبَةٍ

هَيِّنَةٍ في كفِّ هذي الدُّنى

وسرَّ هذا الكونِ من شاعرٍ

مُسْتَعْجَمِ اللفظِ غريبِ اللُّغى

شَيَّعتُ بالأمْسِ رُفاتِ الصِّبا

في لوعةِ الثُكلِ ومُرِّ الجوى

يقولُ لي صحْبِيَ في فَرحَةٍ

هَوِّن على نفسِك بعضَ الأسى

لله قَلبُ المرءِ من غامِضٍ

يُحَيِّرُ اللُبَّ ويُعْيِي الحِجى

يَبكي لِما يُضحِك حيناً وقد

يُضْحِكُهُ ما يَستَفزُّ البُكا

تراه كالدَّمعِ همى رقَّة

طَوراً وطَوراً كَحَرونِ الصَّفا

هذا الشبابُ الجَهمُ ما عِندَهُ؟

أثَمَّ مِنْ بارِقَةٍ تُرتَجى

صَحراؤهُ مُرمِضةٌ رَحْبَةٌ

وكُلُّ شَئٍ موحِشٌ في الفلا

لا بُلبُلٌ يُطرِبُ إمّا شدا

ولا رُبى يَعبَقُ فيها الشَّذى

أقطَعُ وَحدي عَرضَها راكباً

صَهوَةَ آمالي، أسيرَ القضا

أضْرِبُ في آفاقِها حائِراً

أجري وما لِلجَرْيِ مِنْ مُنْتَهى

أَخُبُّ لا مُؤْنِسَ في وَحدَتي

تِلكَ ولا مِن سامرٍ في الدُّجى

ظمآن! إنْ آلٌ بدا مَرَّةً

بَذلتُ خلفَ الآلِ كلَّ القُوى

يَحِفُّ بي مِنْ أنسُرٍ مَوْكِبٌ

يَرْقُبُ أنْ يأتي عليَّ الرَّدى

تُرى أأنجو سالماً؟ أم تُرى

أهوى صَرِيعاً جَاهِداً للثرى

وَفِتْيَةٍ همُّهُمُ مَلْعَبٌ

وكُلُّهم كالزَّهر غَضُّ الصِّبا

ضَمَّتهُمُ للعِلمِ فَيْنَانَةٌ

كما يضم الدَّوحُ سِربَ القَطا

مِثلِ الظِبا في مَرَحٍ دائمٍ

يَحيَون في أحلامِهم والمُنى

يا فَرَحَة الأطفالِ! لَو أَنَّها

تدومُ للإنسانِ طُولَ المَدى

يأتي عليها الدهرُ مُستأسِداً

يُشهِرُ غَضبَان نُيوبَ الأذى

ص: 51

يا رحمة الله لِعهدِ الصبا

من حُلُمٍ ما رَفَّ حتى اختفى

تَقولُ لي النَّفسُ وقد هالَها

أن تَجِدَ العهدَ الحبيبَ انطَوى

أهكذا الأيامُ مجنونةٌ

مسرعةٌ في سيرِها والسرى

دمشق

أمجد الطرابلسي

ص: 52

‌غيرة.

. .

ذهبتُ كي أوقظه

من غفوة لم تنجل

فكان في ضجعته

طفلاً من الهمَّ خَلِ

عليه من شرخ الصبا

أبهى الثياب والحلى

بل كان مثل ملك

سمح تدانى من عل

وقد وجدتُ وجهه

في النوم في تهلل

ما باله منشرحاً

كأنه في غزل؟

بمن تراه يحتفي

في نومه وينجلي؟

عندئذ ألفيتني

غَيرَانَ قلبي يصطلي

فلم أدعه ناعماً

في نومه المسترسل

بل هبَّ مذعوراً علي

عواصف من قبلي

كرمة ابن هانئ

حسين شوقي

ص: 53

‌لونجفلو

الشاعر الأميركي الملهم

بقلم: مأمون اياسي

لا شك أن (هنري وودسورثو لونجفلو) الشاعر الأميركي النابه غني عن التعريف إلى قراء الإنجليزية، وأن قصته الشعرية (ايفانجلين) تعد في طليعة الآثار الأدبية الخالدة التي خلفها، وخدمة لمن لم يقرأوا هذا الشاعر العبقري رأينا أن نكتب هذه النبذة عنه فنقدم لهم بذلك أحد الشعراء العالميين الذين يقدمهم الشعب الأميركي.

ولد (لونجفلو) في 27 فبراير في سنة 1807 في مدينة (بورتلاند) في ولاية (مين) وقضى طفولته وصباه في بيت واقع في شارع (الكونجرس) ما زال إلى الآن محفوظاً على حاله الأولى عندما كان يعيش فيه الشاعر العظيم. ويحج إلى ذلك البيت آلاف من الناس الذين يذهبون إلى (بورتلاند) في كل صيف، ويدخلون إليه للتفرج على كل غرفة من غرفه، وعلى مطبخه الذي ما زالت الأواني الثقيلة مبعثرة على مواقده منذ مائة عام ونيف. ثم يصعدون إلى غرفة في الدور الثالث ليروا السرير الخشبي الذي كان ينام عليه (لونجفلو) ويطلوا من النافذة التي كان يرى منها المنارة الموصوفين في إحدى قصائده.

وكانت (بورتلاند) مدينة موافقة لفتى له روح (لونجفلو) الحساسة الرقيقة، إذ كانت شوارعها الطويلة المظللة بالأشجار الوارفة، وأحراجها المكتظة، وشاطئها الشعري الهادئ ميداناً خصباً لخياله الواسع.

كان (لونجفلو) في السادسة من عمره عندما عاد من المدرسة يوماً وناول والده شهادة - لم تزل محفوظة للآن - كتبت فيها معلمته بأنه تلميذ مجتهد وأخلاقه قويمة. وبعد ذلك بسبعة أعوام عندما كان في الثالثة عشر من عمره كتب قصيدة يصف فيها إحدى المواقع المشهورة بين الأميركيين والهنود الحمر. وكان على ثقة تامة بأنها جديرة بالنشر، فاستجمع شجاعته ورماها في صندوق إحدى الجرائد، ولكن رئيس تحرير تلك الجريدة لم يوافقه على رأيه فكان نصيبها سلة المهملات. فما كان من الشاعر الصغير، وقد جرحت كبرياؤه، إلا أن أرسل القصيدة إلى جريدة منافسة فنشرتها. وقد قال بعد سنين عديدة بأن الشعور الذي استولى عليه عندما رأى أول شعر له مطبوعاً لم يعاوده بعد ذلك لدى نشر أي شعر

ص: 54

آخر.

وكانت حياته المدرسية بعد ذلك نجاحاً مضطرداً وتفوقاً يثير الإعجاب. وعندما أتم علومه في جامعة (بودوان) راح يلتمس من والده إرساله لقضاء سنة في جامعة (هارفارد) واعترف له بما يجول بخاطره من آمال قائلاً: (الحقيقة يا والدي هي أنني أطمع في مستقبل أدبي حافل. إن نفسي لتتحرق شوقاً إلى ذلك) ولكن والده نصحه بأن يفكر في صنعة تكفل له عيشه غير صنعة الأدب. وأرغم الشاب على النزول على إرادة والده والعمل بنصيحته، فدخل كلية الحقوق. ولكن أحد المفتشين سمعه مرة يلقي ترجمة لمقطوعة من أصعب آثار (هوراس) فأعجب به، وعندما كانت الإدارة تفكر في إدخال فرع جديد للغات الحديثة في برنامج الجامعة وقع اختيار ولاة الأمر على (لونجفلو) ليكون أستاذاً لذلك الفرع، ولما يتخط عامه التاسع عشر، ولكنهم اشترطوا عليه أن يمضي ثلاث سنوات في أوروبا فيدرس لغاتها ثم يعود. ووافق والده على تزويده بالمال الكافي للقيام برحلته، وأبحر الأستاذ الشاب إلى أوروبا بقلب مفعم حياةً وأملاً، فقضى ثلاث سنوات متنقلاً بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وإنجلترا، فدرس لغاتها وأحوال أهلها وطرق تفكيرهم، ثم عاد ليقوم بأعباء منصبه بنشاط وحماس، ويتقاضى تسعمائة دولار في كل شهر (وهذا المبلغ كان يعد ثروة في ذلك الحين).

لم يكن تدريسه في جامعة (بودوان) وإدارة مكتبتها ليعوق (لونجفلو) عن الكتابة شعراً ونثراً، فواصل جهوده في النظم والتأليف، ولكن كتاباته اقتصرت إلى حد ما على الموضوعات التي كان يدرسها.

وثبت اسم الشاعر في عالم الشهرة حتى أن إدارة جامعة (هارفارد) طلبت إليه أن يتولى رياسة فرعها للغات الحديثة عندما استقال أستاذها. فقرر (لونجفلو) القيام برحلة ثانية إلى أوربا استزادة في درس اللغات والآداب. وعندما كان في هولندة وصله نعي امرأته فواصل أبحاثه بقلب مثقل بالهم والحزن.

وهنالك نادرة تحكى عنه عندما عاد من أوروبا ليتولى عمله في (هارفارد)، وكان في الثلاثين من عمره، ولكن هيئته لم تكن لتدل على ذلك، فذهب إلى (بنسيون) ليستأجر غرفة فيه، فنظرت إليه صاحبة (البنسيون) من رأسه إلى قدمه وقالت له: (أنا لا أقبل تلامذة

ص: 55

عندي) ولكنه قال لها (لست تلميذاً). أنا الأستاذ (لونجفلو). فما كان من السيدة إلا أن قالت له وهي تفتح الباب على مصراعيه: (إذا كنت مؤلف (وراء البحار) فتفضل على الرحب والسعة) - (ووراء البحار) هو الكتاب الذي وضعه أثر رحلته الأولى إلى أوربا، ووصف فيه تلك السلسلة من الأسفار في بلدانها - وقادته السيدة إلى غرفة في الزاوية الشرقية في منزلها قائلة:(كانت هذه غرفة الجنرال وشنجطن ويمكنك أن تنزل فيها.) وبقيت تلك الغرفة مسكنه طوال السبع عشرة سنة التي قضاها في (هارفارد).

وفي سنة 1842 قام برحلته الثالثة إلى القارة الأوربية. وبعد ذلك بسنة تزوج مرة ثانية وقضى ثماني عشرة سنة في هدوء بين أطفاله وعائلته وأصحابه والقصائد التي كان ينظمها تترى.

دعي الكاتب المعروف (ناثانيال هوثورن) مرة إلى الغداء على مائدة (لونجفلو) مع صديق للأول. ودار الحديث على الغداء حول قصة جرت وقائعها بين (نوفاسكوتيا) - وهي شبه جزيرة ملحقة بكندا - والولايات الأمريكية الشرقية. فقال صديق (هوثورن) مخاطباً (لونجفلو)(أنا أجرب أن أقنع (هوثورن) بكتابة قصة عن الحادثة، ولكنه لا يرى فيها فكرة لقصة).

فسأله (لونجفلو) أن يسرد على مسامعه تلك الحادثة عله يجد فيها المواد لقصيدة أو أنشودة.

ولخص له الصديق الحادث بقوله: (كانت مقاطعة (نوفاسكوتيا) التي كان يسميها الفرنسيون (أكادي) تنتقل من أيدي الفرنسيين إلى الإنجليز ثم يسترجعها الفرنسيون، وهكذا إلى سنة 1713، إذ انتقلت إلى الإنجليز بموجب معاهدة (أوترخت) وهي باقية تحت سلطتهم إلى يومنا هذا. وكان يغلب على سكانها الدم الفرنسي. فنشأت عداوة بين العنصرين الإنجليزي والفرنسي، أدت إلى منازعات ومناوشات دائمة. وتفاقمت الحال في شبه الجزيرة حتى أصبح من الصعب جداً على الحكومة تهدئتها، فاستنبطت حيلة لم تجد أنفع منها في تلك الأحوال، وهي نقل (الأكادييين) إلى جهات أخرى من أمريكا الشمالية حتى لا يتيسر لهم الاجتماع بالسكان الإنجليز. وكانت الطريقة الني نقل بواسطتها أولئك المساكين غاية في الغلظة والفظاظة. طلب الحاكم إلى جميع الرجال والفتيان الذين تزيد سنهم على العشر سنوات أن يجتمعوا في الكنيسة، لأنه سيذيع عليهم أوامر هامة من السلطة. واجتمع الرجال

ص: 56

والفتيان، وهم يتساءلون عما أوجب حشدهم بتلك الطريقة، وما أن دخلوا الكنيسة حتى حاصرتهم الجنود من الخارج، وألقى الكاهن على مسامعهم الأمر الرهيب بصوت ملأه حنواً ورأفة. وفي مدة قصيرة كانت السفن حاضرة على الشواطئ، فحشد فيها السكان بطريقة عسكرية قاسية كان من نتائجها أن تفرقت أسر كثيرة، وأضاع أفرادها بعضهم بعضاً.

وكان بين الذين نقلوا إلى الولايات الشرقية فتى وصبية كان الكاهن قد عقد قرانهما في ذلك الصباح فقط. فأضاع أحدهما الآخر، وبقيت (إيفانجلين) تجوب السهول والقفار وتقطع الأنهار، وتنام الليالي على الطوى كل حياتها باحثة عن (جابريال) إلى أن انخرطت في سلك الممرضات، بعد أن قطعت الأمل في وجوده، فإذا بها يوماً تلتقي به بين المرضى، فعرفته برغم التغير العظيم الذي طرأ عليه. وكانت صدمة عنيفة أودت بحياته لضعفه، وأودت بحياتها هي لسرورها وحزنها المتعاقبين.

وما انتهى الصديق من سرد قصته حتى التفت (لونجفلو) إلى (هوثورن) قائلاً: (أتعدني بألا تكتب شيئاً عن هذه الحادثة حتى أنتهي من نظم قصيدتي؟) ووعد (هوثورن) وبدأ (لونجفلو) في نظم القصيدة التي خلد فيها بطلي ذلك الحادث، فخلداه بدورهما، وجعلت (ايفانجلين) اسمه يطبع بحروف كبيرة على صفحات الجرائد، وتتوارد عليه رسائل الإعجاب تترى.

ومن الغريب أن (لونجفلو) لم ير قط مشاهد قصيدته، مع أن الوصف فيها كان مطابقاً للحقيقة كما شهد الذين سكنوا تلك الأمكنة

وقد اقتبست من قصة (ايفانجلين) رواية سينمائية أخرجت في عهد السينما الصامتة، وقامت بالدور الأول فيها الممثلة المكسيكية الفاتنة (دولوريس دليرو).

بيروت

مأمون اياسي

ص: 57

‌العلوم

لمحة في تاريخ الرياضيات

بقلم محمد المبارك

بكالوريوس في العلوم

اجتازت العلوم الرياضية كغيرها من العلوم أدواراً ثلاثة: دوراً إلهياً ودوراً تجريبياً عملياً، ودوراً نظرياً مجرداً

فكانت فكرة القوة الميكانيكية فكرة إلهية تعزى إلى الآلهة في جميع حالاتها في تلك الأزمان التي كانت تنسب فيها جميع الحوادث إلى الآلهة المتعددة حينئذ بصورة مباشرة، وكذلك كانت الأشكال الهندسية مقدسة، وللأعداد خواص يعتقد بتأثيرها، ومع ذلك فقد أخذت الحقائق الرياضية تتولد تدريجاً بالحدس مستمدة من العمل والتجربة اللذين هما مصدران من مصادر الإلهام، وينبوعان يستقي منهما العقل البشري أفكاره في كل زمان. وعلى هذا النحو اكتشف كثير من النظريات والحقائق الرياضية، كنظرية مساواة مربع الوتر لمربعي الضلعين القائمين في المثلث القائم.

وكثيراً ما أدت أغراض عملية إلى حقائق نظرية كانت لها خطورة في نشوء العلم وتطوره؛ فعملية المساحة عند قدماء المصريين أدت إلى اكتشاف كثير من الحقائق الرياضية. كما أن الفينيقيين اضطروا إلى الحساب استعانة به على أمر تجارتهم، وكذلك لجأ إليه الكلدانيون لمزاولتهم الفلك والتنجيم.

على أن أكثر الأمور العملية كانت تشوبها أمور دينية، فعملية المساحة عند المصريين كانت مهمة دينية يقام لها حفل يحضره الملك. ولا يخفى كذلك أن الفلك عند الكلدانيين لم يكن منفصلاً عن التنجيم. فبسبب هذه العوامل اكتشفت بعض قواعد عملية، لم تصل إلى درجة يؤبه لها من اليقين العلمي، وكثيراً ما كانت تقريبية غير مضبوطة، عرفت بفضل التجربة - ولا أعني بالتجربة في كل ما تقدم القيام بعمل يقصد منه اكتشاف قضية علمية أو إثباتها كما يفهم منها اليوم، بل أريد منها ما يصادفه الإنسان من المشاهدات والملاحظات أثناء القيام بأعماله الحيوية - فكانت الهندسة في تلك العصور الغابرة عبارة عن مجموعة

ص: 58

طرق لا رابطة بينها لحل المسائل العملية التي تستوجبها الحياة آنئذ، كمعرفة كون كل مثلث تتناسب أضلاعه فيما بينها كتناسب الأعداد: 3، 4، 5 قائم الزاوية. فبإنشاء هذا المثلث يمكن الحصول على مستقيمين متعامدين. هذا وإن كثيراً من تلك القواعد تقريبي كما قلنا ليس له قيمة علمية؛ مثال ذلك أن المصريين كانوا إذا أرادوا مسح شكل رباعي ضربوا نصف مجموع ضلعين متقابلين منه في نصف مجموع الآخرين، مع أن هذا العمل لا يصح إلا في المربع والمستطيل، وكذا إذا أرادوا معرفة مساحة المثلث أخذ نصف جُداء أكبر أضلاعه في أصغرها.

وأما البرهان على تلك القواعد العملية فلم يروا في أنفسهم حاجة إليه، واكتفوا بالمشاهدة الحسية، ثم أخذوا بعد ذلك يبرهنون على المسائل ببراهين تجريبية تستند إلى الواقع، لا على المحاكمة المنطقية، أو على تمهيدات يقدمونها دون أن يبرهنوا عليها كأنها بديهية بنفسها، وقد بقيت طريقة البرهان مدة طويلة على هذه الحال.

وأما الحساب فأحرى أن يكون في صبغة عملية بعيداً عن الصبغة العلمية، إذ هو أكثر تجريداً من الهندسة، ولذا لم يتم منه حينئذ إلا ما مست إليه الحاجة في الحياة من القواعد البسيطة جداً التي تكاد لا تستحق أن يطلق عليها أسم قواعد إلا بالإضافة إلى عصرها، فكان المصريون إذا أرادوا ضرب عدد في ثلاثة أضافوه إلى ضعفه، أو في سبعة، أضافوه إلى ضعفه، ثم ضعفوا الحاصل وأضافوا العدد إليه، كما أن القسمة كانت بالطرح المتوالي، فلم يكن لهذه العمليات قواعد نظرية.

هذا مجمل حال الرياضيات في العصور القديمة، فلنبحث الآن بالتفصيل عما عرض لكل علم منها من الأطوار المتباينة من حين نشوئها إلى بلوغها تلك الدرجة العالية التي وصلت إليها في العصور الحديثة، ملاحظين في هذا البحث تقسيم العلوم الرياضية إلى ثلاثة أقسام.

(1)

الرياضيات المشخصة، وتشمل الهندسة والميكانيك.

(2)

الرياضيات المجردة، وهي على قسمين:

(أ) ما يبحث في الكم المنفصل ويشمل علم العدد والجبر.

(ب) ما يبحث في الكم المتصل ويشمل الهندسة التحليلية وحساب التوابع وحساب اللانهايات

ص: 59

(3)

الرياضيات التطبيقية، وتشمل المثلثات والهندسة الوصفية وحساب الاحتمالات.

وسنقتصر في بحثنا على أهم فروع الرياضيات تاركين البحث فيما هو في الحقيقة ملحق بهذه الفروع المهمة ومشتق منها ومبتدئين بأقسام الرياضيات المشخصة، إذ هي أقدم في الظهور وأسرع في التقدم.

(1)

الرياضيات المشخصة:

الهندسة: إن ما تركه اليونان من الآثار في هذا العلم يدلنا على أنهم أول من صاغ الهندسة في قالب علمي، فقد أخذت طريقة البرهان في عهدهم شكلاً عقلياً مجرداً. وربما كان فيثاغورس (550 ق. م) أول من أقام البراهين العقلية وحررها من صبغتها العملية التجريبية القديمة. وإليه والى تلاميذه يرجع الفضل في أكثر مسائل كتاب الأصول لأقليدس، والنظرية المنسوبة إليه في المثلث القائم مشهورة، ولا يعلم على التحقيق كيف كان برهانه عليها. وأما أقليدس (280 ق. م) فقد حرر الهندسة، ونظم نظرياتها، وهذب براهينها. وكان كتابه إلى ما قبل عهد النهضة الأخيرة أجمع كتاب في هذا العلم، وقد رتبه على الطريقة الاستنتاجية. قال أبو نصر الفارابي في (إحصاء العلوم):(والنظر فيها - يعني الهندسة - على طريقين: طريق التحليل وطريق التركيب، والأقدمون من أهل هذا العلم كان يجمعون في كتبهم بين الطريقين، إلا أقليدس فإنه نظم ما في كتابه على طريق التركيب وحده) ويظهر أن أقليدس لم يكن مؤلفاً لكتاب الأصول، وإنما كان محرراً ومهذباً. وعلى هذا القول الفيلسوف يعقوب الكندي والفيلسوف اليوناني ديدوخوس برقلس وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية جماعة كثيرون منهم أبو الوفاء محمد بن محمد البوزجاني وثابت بن قرة، وحرره أيضاً جماعة تصرفوا فيه إيجازاً وضبطاً وإيضاحاً وبسطاً، والأشهر مما حرروه تحرير العلامة نصير الدين محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة 672هـ وهو أحسن تحرير له في العربية وهو مطبوع طبعاً لا بأس به، يتألف من خمس عشرة مقالة، ويحتوي على 468 نظرية في الهندسة المسطحة والمجسمة، ونظريات الحساب مطبقة على الأشكال الهندسية، كل ذلك مما لا يختلف كثيراً عما يقرأ في المدارس الثانوية اليوم لا في الكمية ولا في الكيفية. وبلغ عدد من اشتغل في هذا الكتاب من المسلمين من ناقل ومحرر وشارح ومختصر أكثر من خمسة وعشرين عالماً.

ص: 60

وقد ألف المسلمون كثيراً في الهندسة، ونقلوا عن اليونانية كثيراً من كتبها، وزادوا كثيراً من النظريات، وبرهنوا على كثير من القضايا التي لم يبرهن عليها في عهد اليونان. فقد ألف محمد بن الحسن بن الهيثم خمسة وعشرين كتاباً في الرياضيات منها رسالة في برهان الشكل الذي قدمه أرخميدس في قسمة الزاوية ثلاثة أقسام ولم يبرهن عليه. وكتاب في تحليل المسائل الهندسية وشرح لأصول أقليدس وغيرها مما هو مذكور في كتاب طبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة (ج: 2ص: 90).

وقد حفظت العربية بعض كتب اليونان الهندسية التي لم يبق إلا ترجمتها العربية مثل كتاب الكرات لمنالاوس والخلاصة أن الهندسة وصلت في عهد اليونان ثم في عهد العرب إلى درجة من التجريد النظري لا يستهان بها.

الميكانيك: نشأ علم الميكانيك بالتدريج من الأمور العملية، وقد درس أريسطو بعض مسائله، ولكن بصورة عملية مغلوطة أحياناً. وأرخميدس أول من أسس أركان الميكانيك النظري، ولكنه كان يعد النظر في الآلات التي يستعان بها في الحياة المادية صناعة خسيسة يترفع العلم عن البحث فيها. وكان العرب يسمون هذا العلم علم الحيل، قال الفارابي في تعريفه:(إنه يبحث في مطابقة جميع ما يبرهن وجوده في التعاليم - أي العلوم الرياضية - على الأجسام الطبيعية).

ولم يصل هذا العلم عند اليونان والعرب إلى درجة تذكر، فقد كان علماً عملياً، ولم يتم تأسيسه إلا في العصور المتأخرة، ويرجع الفضل في تقدمه الأخير إلى سيمون ستيفن وديكارت من علماء القرن السابع عشر، فهما اللذان فكرا في تمثيل القوة بشعاع هندسي، ودراسة مبحث القوى بصورة هندسية مما أدى إلى تطور عظيم في هذا العلم. ثم توسع بعد ذلك في هذه الأبحاث لاجرانج في كتابه الميكانيك التحليلي سنة 1787.

ولم يكن تطور علم الميكانيك واحداً في جميع أقسامه، فقد درس أرخميدس توازن القوى، وتأخر مبحث الحركة والقوى المسببة لها حتى درسه غليلو سنة 1638، ومبحث الحركة مستقلة عن القوة حتى درسه أمبير سنة 1834، ويلاحظ أن تطور هذا العلم كان متصاعد التعميم. فمبحث توازن القوى أخص من مبحث الحركة والقوى، كما أن هذا أخص من مبحث الحركة.

ص: 61

(3)

الرياضيات المجددة:

علم العدد وهو أكثر العلوم الرياضية تجريداً، ولذلك كان أبطأها ترقياً وتطوراً. ففكرة العدد التي هي أساس هذا العلم لم تستقر إلا بعد تطورات طويلة تقلبت فيها البشرية. فالإنسان في حالته الابتدائية لا يدرك منها سوى الوحدة والكثرة، فهو يعلم الواحد والاثنين والكثير، ولا يفرق بين العدد والمعدود، ولربما اختلفت أسماء الأعداد باختلاف معدوداتها، إذ ليس للعدد المجرد مفهوم عنده، ولذلك يستعين بأصابعه وكثير من أعضائه أو بالحصى والأحجار في التعداد، ومن ثمة كان اعتبار العشرة والعشرين أساساً في الترقيم بحسب أصابع اليدين أو أصابع اليدين والرجلين عند الأقوام الحفاة الأقدام.

وكان اليونان يفرقون بين الحساب العملي والحساب النظري، ومع ذلك كان علم الحساب عندهميبحث عما للأعداد من الخواص الغريبة مما نقل منه الكثير إلى العربية، ولا أعني بالخواص الغريبة هنا السحرية ولكن العملية، كمساواة كل عدد لنصف حاشيتيه، أي العدد الذي قبله والعدد الذي بعده، وكالخواص التي يذكرونها لهذه الأعداد (وهي سلسلة هندسية أساسها الاثنان ومبدؤها الواحد): 1، 2، 4، 8، 16، 32 من أنك إذا جمعت الأعداد من الواحد إلى أي عدد منها يكون الحاصل أنقص من العدد الذي انتهيت إليه بواحد، فلو جمعت الواحد والاثنين والأربعة بلغت سبعة، وهي أقل من الثمانية بواحد، ويسمون كل عدد من هذه السلسلة (ما عدا الواحد طبعاً) زوج الزوج، وهو الذي إذا قسمته على اثنين بصورة متوالية تنتهي إلى الواحد.

وقد تأخر هذا العلم لأسباب، منها فقدان أصول حسنة للتعداد عند اليونان، فقد كانت طريقتهم في كتابة الأعداد صعبة المسلك يتعسر بواسطتها إجراء العمليات الحسابية، وهي الطريقة التي يستعملها الغربيون اليوم في بعض المواضع ويسمون أرقامها الأرقام الرومانية وهي هذه ، ، ، ، ، ، ، بالعربية: 1، 5، 10، 50، 100، 500، 1000.

ومن أسباب تأخرهم أنهم كانوا يسلكون في إثبات المسائل العددية طرقاً هندسية، وعلى هذا سار أقليدس في أصوله، فلم يفصل العدد عن المقادير الهندسية. ومنها أيضاً فقدان الإشارات والرموز في العمليات الحسابية. والخطوة العظيمة التي خطاها هذا العلم هي

ص: 62

أصول التعداد على أساس العشرة. ولذلك كان من أعظم مآثر المسلمين في الرياضيات نقل الحساب الهندي والأرقام الهندية من الهند إلى سائر نواحي العالم. وهم يسمونها أرقاماً هندية، لأنهم نقلوها عن الهنود، والغربيون يسمونها عربية لأنهم نقلوها عن العرب. وأول من أخذ تلك الأرقام عن الهنود واستعملها في مؤلفاته محمد بن موسى الخوارزمي (في القرن التاسع للميلاد).

قال الزوزني في كتابه تاريخ الحكماء: (ومما وصل إلينا من علومهم - يعني الهند - حساب العدد الذي بسطه أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي وهو أوجز حساب وأخصره، وأقربه تناولاً وأسهله مأخذاً، يشهد للهند بذكاء الخواطر وحسن التوليد وبراعة الاختيار والاختراع) ومن اسمه اشتق الغربيون لفظة كانت تدل على الطريقة العشرية في الحساب، وقد مزج الخوارزمي بين ما تمكن من الوصول إليه من أصول الحساب عند الهنود وأصول الحساب عند اليونان، واستخرج من ذلك الحساب والجبر العربي، وهو أول من ألف في الجبر، وقد انتشرت مؤلفاته في أوروبا في القرن الثاني عشر للميلاد حيث ترجمها إلى اللاتينية

الجبر: كثيراً ما يذكر بأن ديوفنطس (في القرن الثالث للميلاد) أول مشتغل بالجبر، مع أن جل ما وصل إليه أنه كان يستعمل حروفاً في العمليات الحسابية يأخذها من الألفاظ الدالة على العملية المراد إجراؤها.

واستعمال الحروف للدلالة على المقادير كان معروفاً منذ أريسطو، وكان ديوفنطس يرمز للمجهول ولقواه حتى القوة السادسة، ولمقلوب هذه المقادير وللوحدة بحروف مختزلة من أسمائها اليونانية، ويتبع كل رمز بأمثاله العددية، ففي ذات الحدود الكثيرة الحدود الموجبة مرتبة بجانب والسالبة بجانب آخر يفصل بينهما بهذه الدالة على الطرح والتي هي مأخوذة من كلمة يونانية تدل على الطرح.

فالمقدار الجبري: س6 - 6س5 + 15س4 - 20س3 + 15س2 - 6س + 1

يكتب هكذا:

‌فالحرف على التكعيب أعني القوة الثالثة مأخوذ من

‌كلمة والحرف الدال على التربيع أعني القوة الثانية

ص: 63

‌مأخوذ من كلمة والحرف على الوحدة مأخو من

‌كلمة

وكذلك للمساواة والجذر رموز حرفية تدل عليها مأخوذة من ألفاظها اليونانية، كما أن قواعد ضرب المقادير الجبرية ذات الحدود الكثيرة مع اعتبار الجهة، أعني الموجب والسالب كانت معروفة لدى ديوفنطس.

وأما العرب فلم يستعملوا الرموز الحرفية، وإنما استعملوا كلمات بأجمعها دون اختصار، وهم الذين وضعوا رمز الكسر فجعلوا صورته أو بسطه في الأعلى ومخرجه أو مقامه في الأسفل يفصل بينهما خط أفقي، على حين أن ديوفنطس كان يجعلها على عكس هذا الوضع، والبيزنطيون يضعون المخرج فوق الصورة كما نضع نحن الآن القوة أو الأس فوق العدد.

والعرب يرمزون للمجهول بكلمة شئ. قال بهاء الدين العاملي في كتابه خلاصة الحساب: (يسمى المجهول شيئاً ومضروبه في نفسه مالاً، وفيه كعباً، وفيه مال المال، وفيه مال الكعب، وفيه كعب الكعب إلى غير النهاية) ويسمون مقلوب هذه المقادير جزء الشيء وجزء المال وجزء الكعب وهكذا. ولنضع بجانب كل منها مصطلحه الحالي:

شئ: س، جزء الشيء: س1

مال: س2، جزء المال: س21

كعب: س3، جزء الكعب: س31

مال المال: س4، جزء مال المال: س41

مال الكعب: س5، جزء مال الكعب: س51

كعب الكعب: س6، جزء كعب الكعب: س61

ص: 64

فيقال مثلاً للرمز س11 مال كعب كعب الكعب ولمقلوبه جزء مال كعب كعب الكعب، وكذلك كانوا يعملون قاعدة ضرب هذه القوى أو هذه الأجناس كما كانوا يسمونها بعضها ببعض، وقسمتها مع اعتبار الجهة، فيجمعون الأسس أو يطرحونها. وقد ذكر العاملي في كتابه المذكور قواعد ضربها ثم قال:(وإن كان - يعني في إحدى المضروبين - استثناء، يسمى المستثنى منه زائداً والمستثنى ناقصاً وضرب الزائد في مثله والناقص في مثله زائداً والمختلفين ناقص، فمضروب عشرة وشئ في عشرة إلا شئ مائة إلا مالاً).

وفي اصطلاحنا: (10 + س)(10 - س) =100 - س2

وبعد أن أورد أمثلة عديدة على الضرب قال: (تفرض المجهول شيئاً وتعمل ما تضمنه السؤال إلى أن تنتهي إلى المعادلة، فالطرف ذو الاستثناء يكمل ويزاد مثل ذلك على الطرف الآخر وهو الجبر، والأجناس المتجانسة المتساوية في الطرفين تسقط، وهو المقابلة) ثم قسم المعادلات إلى سنة أنواع وبين كل واحدة وطريقة حلها وأتبع ذلك بمسائل منها هذه: (رمح مركوز في حوض، والخارج عن الماء منه خمسة أذرع مال مع ثبات طرفه حتى لاقى رأسه سطح المكان، فكان البعد بين مطلعه من الماء وموضع ملاقاة رأسه له عشرة أذرع فكم طول الرمح؟ - أقول توضيحاً لكلامه: الرمح هو (م ب) والخارج عن الماء منه هو

ب جـ=5 أذرع، أثبت في مب

وأدير حتى صار رأسه ب في ت ت

والطول جـ ت=10 أذرع - جـ

م

نفرض الغائب في الماء شيئاً، فالرمح خمسة وشئ، ولا ريب أنه بعد الميل وتر قائمة أحد ضلعيها عشرة أذرع، والآخر قدر الغائب منه، أعني الشيء، فمربع الرمح أعني خمسة وعشرين ومالاً وعشرة أشياء، مساو لمربعي العشرة والشيء أعني مائة ومالاً. وبعد إسقاط المشترك يبقى عشرة أشياء معادلة لخمسة وسبعين والخارج من القسمة سبعة ونصف، فالرمح اثنا عشر ذراعاً ونصف ذراع).

وعلى حسب اصطلاحنا تجري المعادلة هكذا:

ص: 65

(5 + س) 2=10 2 + س2

25 + س2 + 10س=100 + س2

10س=75

س=7. 5

والذي توصلوا إليه في الجبر هو حل المعادلات من الدرجة الثانية، وقد ذكر الأمير شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي أن عمر بن إبراهيم بسط حل المعادلات من الدرجة الثالثة، ولم نر ذلك فيما بين أيدينا من كتب المتقدمين كالياسمينية وخلاصة الحساب وشروحها، ولا ندري من عمر بن إبراهيم هذا هل هو الخيام الفيلسوف الفارسي المشهور أم غيره؟ وعلى كل فعسى أن يقيض الله لهذا السر من يكشفه.

هذه نبذة يسيرة من الجبر العربي يتضح منها أن هذا العلم وصل في عصور المدنية الإسلامية إلى شئ كثير من التجريد برغم فقدان الإشارات والرموز واستعمال الألفاظ الدالة على المجهولات دون اختزالها.

ولما انتقل الجبر إلى أوروبا بواسطة المسلمين عم استعمال الحروف بطبيعة الأمر وبتأثير بعض العلماء كفرنسوافيت (1540 - 1603) وديكارت.

أما الإشارات التي نستعملها اليوم فهي متأخرة الظهور، فإشارة الناقص (-) ترجع إلى القرن الثالث عشر، ولا يعلم أصلها ومصدرها، وإشارة الزائد (+) ترجع إلى القرن الرابع عشر، إذ شاع استعمالها في ألمانيا، على حين أن علماء إيطاليا ظلوا مدة يستعملون للزائد والناقص حرفي ، من كلمتي ،

وأما إشارة المساواة=فهي من اقتراح العالم الإنجليزي سنة 1556، وقد اتخذها نيوتن وواليس، فعم استعمالها في إنكلترا، على حين أن ديكارت في فرنسا كان يستعمل هذه الإشارة ? وكثير غيره كانوا يستعملون لذلك خطين رأسيين متوازيين هكذا:

الأس أو قوة الرفع: أول من أشاع استعمالها على الشكل المعروف الآن ديكارت، ولكن منشأها يرجع إلى عهد أقدم من ذلك، وكان علماء هولندا يكتبون الأس في دائرة صغيرة فوق العدد المرفوع.

وأما إشارة الجذر الدالة على درجة الجذر فهي متأخرة أيضاً، فقد كان ديكارت نفسه

ص: 66

يستعمل للجذر التربيعي هذه الإشارة: ? وللتكعيبي هذه: ? فحرف يدل على التكعيب الذي هو درجة الجذر من كلمة ومن المستبعد أن تكون هذه الإشارة كما يزعم البعض جيماً عربية مقلوبة (ح) اختزالاً لكلمة جذر، فليس لهذا القول من مؤيد تاريخي، وهاهي الكتب العربية القديمة في الرياضيات الموجودة الآن خلو منها.

الأقواس: هي كذلك متأخرة الظهور، ففي النصف الأول من القرن السابع عشر كانوا يضعون خطاً أفقياً فوق الحدود التي يراد أجراء عملية واحدة عليها، ولا يزال هذا الاستعمال في المجذورات

وأما الإشارات الثانوية كإشارة الضرب والقسمة فلم يتم وضعها كذلك إلا بعد ظهور الجبر الحديث.

ويرجع الفضل في ظهور الجبر الحديث إلى فرانسوا فييت، فهو أول من أجرى العمليات الجبرية مع استعمال الحروف والإشارات، وقد أراد أن يستبدل كلمة جبر (البربرية) كما يقول بكلمة تحليل ولكن هذه التسمية الجديدة لم تلق نجاحاً، وإنما بقيت كلمة تحليل منصرفة إلى فروع أخرى من الرياضيات.

وجملة القول أن ترقي الطريقة الرمزية في الرياضيات وذيوع الإشارات والرموز أدى إلى ترقٍ عظيم في العلوم الرياضية، بل إلى ظهور فروع جديدة كالهندسة التحليلية.

الهندسة التحليلية وحساب التوابع

إن علم الجبر أدى تدريجياً إلى استعمال الحروف للدلالة على المقادير إلى فكرة التتابع وقد كان اليونان كما تقدم يعبرون عن القيم العددية بأطوال هندسية، وبذلك تمكنوا من حل بعض المسائل الجبرية هندسياً، وهم وإن كانوا لم يتوصلوا إلى المفهوم العام للإحداثيات فدراستهم للقطوع المخروطية الناقص والزائد والمكافئ شبيهة جداً بالهندسة التحليلية، فقد كانوا بعد تعريف هذه القطوع ينسبون نقاطه إلى قطر أو محور، ويحصلون على علاقة بين الفاصلة والترتيب وعلى كل فإنهم درسوا خواص بعض المنحنيات بقصد حل المسائل، ولفقدان مفهوم الموجب والسالب للكميات لم يتمكنوا من التوسع في ذلك.

وهذه الفكرة أعني فكرة التتابع إنما وجدت واضحة للمرة الأولى في كتابات نيقولا اورسم في القرن الرابع، إلا أنه اقتصر على الكميات الموجبة. وقد كان لفرانسوا فييت أثر بيّن

ص: 67

في رقي الهندسة التحليلية التي ظهرت ظهورها الرائع أخيراً على يد ديكارت سنة 1637، ومع هذا فقد احتوت هندسة ديكارت على مسائل تقريبية أو غير مضبوطة.

(3)

وأما الرياضيات التطبيقية فهي متفرعة عما تقدم ذكره من أقسام الرياضيات ومتأخرة في النشوء والظهور، إذ أنها كانت مبعثرة مندمجة في العلوم التي كانت منبعها الأصلي، ولم تنسلخ عنها وتظهر بالصورة التي هي عليها الآن إلا في العصرين الأخيرين، هذا إذا استثنينا المثلثات التي اتسعت بقسميها المستوية والكروية منذ عهد قديم لشدة الحاجة إليها في الحسابات الفلكية. وللعلامة نصير الدين الطوسي كتاب في المثلثات الكروية اسمه شكل القطاع وقد اشتغل في هذا العلم غيره من المتقدمين كأبي ريحان البيروني وأبي الوفاء محمد البوزجاني وأبي جعفر الخازن وأبي فضل الله التبريزي، فقد ألفوا فيه كثيراً ووضعوا نظريات جمة هي من أهم نظريات هذا العلم. ومما هو جدير بالذكر في تاريخ المثلثات أن أبا ريحان البيروني هو أول من اعتبر نصف قطر الدائرة واحداً قياسياً في أبحاث المثلثات.

هذه صورة مجملة من تاريخ العلوم الرياضية يتبين لنا منها أن المدنية الإسلامية حلقة هامة من حلقات هذا التاريخ وركن أساسي عظيم في هذا البناء، فالمسلمون هم الذين وضعوا علم الجبر وحفظوا تراث اليونان، وهم الذين نقلوا عن الهنود الأرقام ونظام كتابتها المعروف اليوم، وتعهدوا كل ذلك بالعناية شرحاً وتهذيباً وتنقيحاُ وتوسيعاً، وأحدثوا كثيراً من الأوضاع، وتوسعوا في كثير من الأبحاث، ووضعوا كثيراً من النظريات، فكان لقريحتهم الفياضة أثر بين لا يزال العلم يحفظه لهم، ومآثر خالدة لا تني المدنية العلمية عن الإشادة بها، وبالجملة فليس من شك في أن ما خلدوه من الآثار في هذه العلوم كان تمهيداً مباشراً لما حدث فيها من التقدم والرقي في العصور الحديثة.

دمشق

محمد المبارك

بكالوريوس في العلوم

ص: 68

‌البريد الأدبي

اليابان سنة 1934

تثير نهضة اليابان العسكرية والاقتصادية في الأمم الغربية أيما اهتمام وجزع، ذلك لأنها تسير بخطى الجبابرة، ولا تقف عند حد، وتحمل في طريقها كل شئ. كانت اليابان قبل خمسين عاماً فقط محصورة في جزائرها لا يزيد عدد سكانها على ثلاثين مليوناً؛ أما اليوم فهي إمبراطورية عظيمة، تسيطر على كوريا ومنشوريا وقسم من منغوليا، ويبلغ سكانها وسكان الأراضي التي تسيطر عليها نحو مائة وعشرين مليوناً.

وقد أصدر الكاتب الفرنسي موريس لاشان عن اليابان ونهضتها تحقيقاً جامعاً في كتاب عنوانه (اليابان سنة 1934) وفيه يلقي الضياء على بعض الحقائق المدهشة؛ فإن اليابان مثلاً ما زالت تجمع بين روحها وتقاليدها القديمة وبين روح الدولة الحديث؛ وما زالت صور الإقطاع والعبودية القديمة تثقل كاهل الشعب؛ والشعب ترغمه التقاليد والتراث الروحي القديم وحب الإمبراطور على الخضوع والطاعة، وهو يضطرم بنوع من الاشتراكية الوطنية. ويلاحظ الكاتب أيضاً أن قوى الشعب الياباني كلها، والإمبراطور، والجيش والبحرية، وأقطاب العهد القديم من جهة وقوى الرأسمالية، وكل الجموع البائسة التي يغص بها المعمل من جهة أخرى، كلها تعمل في نفس الاتجاه وبنفس الروح، ولنفس الغاية، وهي افتتاح أسواق الصين، والسيطرة على المحيط الهادئ، بل هي في الواقع غزو العالم كله؛ وقد غزت اليابان بالفعل جزائر الهند الشرقية، وأخذت تهدد قاعدة سنغافورة، وأستراليا، ووصلت تجارتها إلى شواطئ المحيط الهندي، ونفذت إلى بلاد الحبشة، وجازت مضيق عدن وقناة السويس، وانتشرت على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

ويتوقع المسيو لاشان أن النزاع قد يضطرم عما قريب بين اليابان وأمريكا؛ ولكن يجب لاضطرامه أن يقع حادث ما؛ ومثل هذا الحادث قد يكون أول انتصار اليابان على الصين، أو انتصارها على الروسيا، أو تنازعها مع الصين والروسيا على تحقيق الإمبراطورية الكبرى التي تسعى اليابان إلى تحقيقها باسم الشعوب الصفراء، ذلك أن شعوب الصين المختلفة قد ترغم غداً على أن ترى في اليابان ما رأته الأمم الجرمانية من قبل في بروسيا، أعني زعيماً ومعلماً وقائداً.

ص: 69

ذكرى العلامة الطبيعي بريم

تحتفل الهيئات العلمية الألمانية بالذكرى الخمسينية لوفاة العلامة الطبيعي الألماني الفرد أدموند بريم، وقد ولد بريم في تيرنجن في فبراير سنة 1829، وكان أبوه قساً يعنى بتربية الطيور ودرس خواصها، فنشأ ولده بريم شغوفاً بهذه الناحية من الدرس، وفي سن الثانية عشرة سافر إلى أفريقية مع البارون فون ميلر في رحلة علمية دراسية، ومر بالقاهرة يومئذ (سنة 1847) فصادف بها الزلزال الشهير الذي وقع فيها عندئذ وكاد يهلك؛ ثم سافرت البعثة إلى النوبة والسودان، واصطادت كثيراً من الحيوانات المختلفة؛ وعكف بريم على دراسة خواصها المادية والروحية، وفي أثناء عوده إلى القاهرة كانت بعثة (لبوبة) الشهيرة (بجيته) فكان يطوف بها الشوارع ذلولاً مطيعة، ثم عاد بريم من القاهرة بعد عامين إلى السفر مرة أخرى مع أخيه وزميل آخر، واعتزموا اختراق السودان حتى منابع النيل، ولكن البعثة كانت غير موفقة، إذ غرق أخوه في النيل، ونفدت موارد البعثة، وعندئذ أمده حاكم السودان لهتيل باشا بشيء من المال ليتابع رحلته على ضفاف النيل الأزرق، وهناك اصطاد كثيراً من الحيوانات وأنفق نحو خمسة أعوام في هذه الرحلة، واكتشف فيها كثيراً من الحقائق العلمية؛ ثم عاد إلى ألمانيا، وانكب على دراسة العلوم الطبيعية؛ ونال إجازة الدكتوراه من جامعة بينا في علم الحيوان سنة 1856 وانتخب عضواً في الأكاديمية البروسية الملكية، وأخذ منذ ذلك الحين يكتب عن حياة الحيوان؛ ثم قام برحلة في أسبانيا، وأخرى في لايلاند وجزائر لوفوثن؛ ثم قام برحلة أخرى في شمال الحبشة في سنة 1862، وكتب كتباً عن هذه الرحلات والمباحث كلها. ولما عاد إلى ألمانيا كتب مع زميلين له كتاباً مصوراً عن حياة الحيوان في ستة مجلدات اختص منها هو بأربعة؛ وعين مديراً لحديقة الحيوانات في برلين وهمبورج مدى حين. ولكن شغف البحث حمله مرة أخرى، فسافر إلى سيبيريا الشرقية، وكاد يهلك في هذه المرة، وسافر إلى أمريكا الشمالية سنة 1883، ولما عاد إلى ألمانيا لم يمكث طويلاً حتى توفي في 10 نوفمبر سنة 1884.

وكتاب بريم عن حياة الحيوان من أشهر الآثار وأقيمها في هذا الموضوع، وهو يعتبر أستاذ موضوعه في العلم الألماني؛ ولم يسبقه، بل ولم يأت من بعده أحد استطاع مثله أن ينفذ إلى روح الحيوان وإدراكه، وقد ترجم أثره إلى جميع اللغات.

ص: 70

عيد الأكاديمية الفرنسية

مضى اليوم على تأسيس الأكاديمية الفرنسية ثلاثمائة عام كاملة؛ ذلك لأنها أنشئت في عهد لويس الثالث عشر، في أوائل سنة 1635؛ أسسها جماعة من النبلاء الأدباء برعاية الكردينال ريشيليو الحبر السياسي وزير لويس الثالث عشر، فكانت من خالد آثاره، وسيجري الاحتفال بهذه الذكرى بمنتهى البساطة، ويقام لذلك معرض في المكتبة الوطنية في شهر يونيه القادمة؛ وستعرض فيه طائفة من الوثائق الخطية الشهيرة الخاصة بالأكاديمية، ومنها مسودة الخطبة الأولى التي أعدها السيد بول هاي صاحب الشاتليه لإلقائها في أول جلسة للجماعة العلمية في 5 فبراير سنة 1635.

وقد تساءلت إحدى الصحف الأدبية الكبرى بهذه المناسبة عما إذا كان المسيو رنيه دوميك سكرتير الأكاديمية يقبل أن يضم هذا المعرض التذكاري بعض الصور الرمزية المضحكة التي أوحى بها تقاعد الأكاديمية عند إصدار (قاموسها) الشهير، وما وقعت فيه من الأغلاط النحوية، ومنها اللوحة الشهيرة التي رسمها (فيرتبير) وعنوانها (دفن قاموس الأكاديمية)؟

البترول من ماء البحر

كتب المهندس الفرنسي مسيو ساهير إلى الحكومة الفرنسية ينبئها بأنه وصل إلى طريقة لاستخراج البترول من ماء البحر العادي، وأنه على استعداد لأن يبيعها سر هذه الطريقة نظير 25 مليوناً من الجنيهات.

وقد قالت جريدة (الماتان) في تعليقها على هذا النبأ إن المهندس ساهير واثق كل الثقة من طريقته، وأنه دعا إلى معمله بمدينة (روين) بعض الخبراء في وزارة الحربية والطيران ليشهدوا التجربة.

وقال مسيو ساهير في حديث له مع مندوب (الماتان) أنه لاحظ أن المناطق الغنية بالبترول توجد بها عدة كميات كبيرة من الماء الملح. وأن هذه الملاحظة هي أساس الفكرة التي أوصلته إلى استخراج البترول من ماء البحر، لأنها دلته على أن الماء الملح لا بد أن يكون من العناصر الأساسية.

الأدب وسيلة للتفاهم الدولي

ص: 71

أذاعت إحدى دور النشر الكبرى في برلين أنها تخصص جائزة قدرها عشرون ألف مارك (نحو 1500 جنيه) لمن يضع أحسن كتاب قصصي عن مسألة التفاهم بين فرنسا وألمانيا. والمفهوم أن إنشاء هذه الجائزة كان بإيعاز من وزارة الدعوة؛ وقد وافق وزير الدعوة الهير جيبلز على أن يكون الهر هانز بلونك رئيس الجمعية الاشتراكية الوطنية (الهتلرية) للكتاب الألمان هو الحكم الوحيد في فحص الكتب المقدمة وتخصيص الجائزة. وقد علقت الصحف الفرنسية على هذا النبأ بأنه من بعض أساليب الدعوة الهتلرية التي يراد بها إخفاء نياتها الحقيقية نحو الاستعداد للحرب.

ص: 72

‌القصص

عمامة الأفندي

للأستاذ محمد سعيد العريان

طال بنا انتظار صاحبنا (المأذون) في هذه الليلة حتى دقت العاشرة ولم يجئ، وكنا نرقب مقدمه علينا كل مساء رقبة المشتاق، فما تخلف منذ عرفناه ليلة، وإنه ليقدم فيحل البشر ويستخفنا السرور، سرور النفس بدعابته، وسرور المعدة بحلواه؛ فقلما كان يوافينا إلا ومعه هدية من عرس نتوزعها بيننا. ولم يكن لمقدمه ميعاد، فإنه لعلى تجوال دائم يتأبط دفتره من دار إلى دار، رسول سلام وحب، أو رسول فرقة وقطيعة!.

وتوزعتنا الظنون من غيبته، وحسبناه قد أصاب الليلة حظاً من عرس، فبخل علينا بحلواه ومرق إلى الدار؛ فما كنا لنتركه حين يقدم علينا إلا فارغ الجيب من الحلوى وغير الحلوى مما يجمع من الأعراس، وما كان ليتركنا إلا فارغةً رءوسنا من كثرة ما نضحك من دعابته وهزله. وإنه لشاب ضُحَكَة جرئ على النكتة، ليس فيه زماتة الشيوخ من أهل هذه الطائفة.

وتهيأنا لاستقباله بفيض من النكات المصنوعة، لعلنا ننال منه لقاء ما كان يشبعنا كل مساء من عبث ودعابة؛ فقد كان له في كل ليلة هدف من الجلساء يتندر عليه ويتخذه ضُحْكَة فما ينصرف منه إلا مغضباً فيترضاه في غد!.

وجاء بعد قليل، فحيا وجلس، ولكنه كان عابساً مبهوراً ما يكاد جفنه يطرف؛ فحسبنا من وراء مظهره العابس نكتة مبتكرة، فما عهدناه يألم في الحياة لشيء، وإن الهموم لتصطرع عن يمينه وعن شماله.

وهممنا به نتناوله بما أعددنا له من عبث، فإذا كلماتنا تتساقط حواليه ولا تصيبه، وظل على حاله من الغضب والعبوس وسرت إلينا نفسه، وتقمصنا مما به روح الكآبة والوحشة؛ فأمسكنا عن الحديث لحظات.

ورفع الشيخ رأسه بعد هنيهة، وتحركت شفتاه بكلام، فتقصفنا عليه نستمع لما يقول

وسأل: (ما لديكم من أنباء صاحبنا عاطف؟).

قلنا: (لقد انقطع عن نادينا منذ زمان بعيد، فلعله على شغل ببعض شأنه؛ وإن لذات الحياة لحبيبة إليه، فما نراه قد منع لقاءنا إلا لهو آثره علينا، أو لذة دعته فلباها؛ أو لعله يتفيأ من

ص: 73

دنياه الجديدة ظلال الحب والسعادة).

قال: (بل دنياه الجديدة، ولكن ليس فيها من السعادة والحب إلا ظلهما؛ ولكن مكابدة الأحزان، وألم الوحدة، ومشقة الحرمان، وظلام اليأس!).

ورنت كلماته في أذني رنيناً مفزعاً سمعت صداه في قلبي؛ فقد توثقت صلتي بعاطف صبياً وغلاماً وشاباً؛ فأي أمل كان يجيش في تلك النفس، وأي روح كان يحمل ذلك الجسد، وأي حيوية كانت تصطرع من ذلك الشاب!

فما كربني كرب ونظرته إلا عادت الحياة في عيني باسمة نضرة، وما أهمني هم فلقيته إلا تعلمت منه فلسفة الرضى بما هو كائن، وكان من بهائه وإشراق طلعته، إلى كماله وعفته - كأنه فتنة مستحيية. . .

وأخذ الشيخ يقص علينا من نبئه، ونحن نستمع إليه في صمت.

كان عاطف على ما انبسط له من النعمة، وما اتفق له من حسن الرأي - لا يؤمل في الزواج إلا من فتاة ذات مال. ولقد كان عجيباً عندنا أن يكون على هذا الرأي، وهو من نعرف من شباب الجيل الجديد؛ ولكنا لم نكن لنستطيع على ما نسرف في مهاجمة رأيه - أن نصرفه عن بعض ما كان يعتقد. وراح في سبيل غايته يبحث عن الزوجة الغنية على أبواب المجلس الحسبي. . .!

ووجدها بعد إذ جد فأعيا؛ ولم تكن جميلة، ولكنها كانت بعيدة عن الدمامة؛ وكانت جاهلة، ولكنها من بنات الحاضرة. وقد مات أبواها وخلفا لها قصراً وضيعة، وأخاً يقوم عليها وعلى الضيعة جميعاً.

واستوثق الفتى من غنى صاحبته، فأقبل يخطبها إلى أخيها وقد اجتمعت له الأسباب. وأدى المهر؛ مهر الضيعة والقصر والعروس. . وعقد له على فتاته.

لقد غبطناه يومئذ على النعمة، نعمة الثروة والجاه والزواج، وما عنانا كم دفع وكم أنفق؛ فقد كنا على ثقة بأن حبته مردودة إليه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. ورحنا نتهم أنفسنا بفساد النظر وأفن الرأي وسوء التدبير.

ومضى أسبوع، وشهر، وأشهر، وأوشك العام أن ينتصف. وعاطف متهلل الوجه، ضاحك السن، يحلم بالغد القريب يوم تزف زوجته إليه، وتزف ثروتها إلى خزانته. . . وسعى إلى

ص: 74

صهره يستعجله، فإذا هو يبسط له المدى، ويفسح الأجل، ويستشفع بالتقاليد. . .

وعاد الفتى إلى نفسه يطمئنها ويترضاها. وما عليه من ذاك؟ أليست ستزف إليه لا محالة في يوم قريب أو بعيد؟ بلى؛ وإنها لزوجته، ما في ذلك شك ولا إنكار؛ فلا عليه أن ينتظر!

ودار دولاب الزمن فأتم دورة، وراح الفتى يستنجز صهره الوعد، فقابله وهو يبتسم، وبسط له وجهه ومجلسه، وأخذ يتنقل به في الحديث من فن إلى فن حتى زالت وحشته، وأنست روحه، فودعه ولم يظفر بجواب. . .!

وتولت الأيام بعضها في أعقاب بعض، وتصرمت الأشهر شهراً في اذيال شهر؛ وما يزال صاحبنا يراوح بين جنبيه في فراش الوحدة، وعروسها هناك من دونها الأبواب والحارس العتيد!

ومل الفتى مقامه، وضاقت به نفسه؛ فراح يطلب التعجيل في الزفاف فيلحف، وأخو الفتاة في هدوء مطمئن يبعد له الأجل ويتعذر بالظروف!

- (أي ظروف؟ لقد مر عامان مذ تزوجت، فمن لي على الحياة أحتمل بردها وحرورها وحدي، وما أنا عزب فأنطلق حيث أشاء، ولا زوج فآوي إلى بيتي ألتمس هدوء النفس وبرد الراحة!)

وعاد الأخ يعتذر ويجدد الميعاد، وهو يربت على كتف الزوج الغاضب.

وخرج عاطف من الدار والقدر تغلي في رأسه؛ لقد ابتدأ يعرف ما هنالك، ولكنه لم يجرؤ على التصريح. أيكون ذلك من قوانين البر، أهو كذلك ناموس الرحمة والعدل؛ أيعضل الأخ أخته فيحرمها الاستمتاع بالحياة من أجل المال، من أجل مالها الذي يخشى أن يفلت من يده إلى الزوج يتصرف فيه كيف يشاء! وما يضيره من ذلك وإن له لضعف ما تملك أخته المسكينة، وإن ماله ليكفيه ويفضل عن حاجته، ولكن. . . أين هو الفضل منذ سنوات؟

لكأنما هو مستخدم على أن يجمع المال فيبدده هنا وهناك، وما له من ذلك إلا اللقمة، وما تمتاز كثيراً من لقمة الفقير؛ وإلا الثوب، وإنك لترى الثياب الغالية يزهى بها من هم دونه من عامة الناس! أما فضل المال فله مصرف من وراء ذلك: على المرأة والكأس والقمار. . .

ص: 75

وهم عاطف أن يعود فيصرخ في وجهه بما عرف من أمره وسوء تدبيره، ولكنه كظم الغيظ على ألم وضيق.

وتلاقيا بعد أيام، وكانت القدر ما تزال تغلي؛ فعلا الزبد يترشش مصرحاً عن غضب مغيظ. . وافترق الرجلان على خصومة وعداء. . .!

ودق عاطف باب المحكمة لعلها أن تحمل زوجته على (الطاعة)

أين هي المسكينة؟ وعلى طاعة هي أم على عصيان؟ إنه لم يرها إلا مرسومة في ورقة، أتراها في الأحياء، أم هي من وراء جدران سجنها جثة بلا روح، وجسد بلا عاطفة، وطاعة بلا إرادة، ومعدة بلا وجدان. .!

ويحك أيتها المسكينة! أتشعرين أنك في الأحياء؟ لعل في الموتى من هم أقرب منك إلى الحياة، لأنهم يعيشون من عواطف أهليهم في عواطف حية وحب مشبوب. .!

وفي المحكمة رأى الفتى عروسه لأول ما يراها، وقد جاءت تسعى عن أمر أخيها تطالب زوجها بالنفقة والكسوة والمأوى!

ياللسخرية! أضاق بها أخوها طاعمة كاسية من مالها عند! فيدفعها إلى القضاء تلتمس القوت واللباس. .!

وكان بينهما ما يكون دائماً بين زوجين يعرفان المحكمة الشرعية؛ وفي كل يوم بينهما جلسة للقضاء، وكل منهما يفتن في الكيد والإغاظة، والغالب منهما من ينال من صاحبه من غير عائدة عليه، والمال يتسرب من بين أيديهما للمحامي والكاتب ورسوم الدعاوى وأجر الشهود. .!

وامتدت بينهما الفتنة، ولجت بهما الخصومة، وطالت إجراءات التقاضي، وتصرمت سنوات. وأخذ الزوج المسكين يبيعما يملك قطعة بعد قطعة، وفاء لنفقة الزوجة ونفقة القضاء؛ وأوشك الزوج الذي راح يطلب الغنى من تحت أقدام امرأة أن تصفر يداه. . .!

واصطلحا في النهاية على الطلاق. . .!

قال المأذون:

(وقلت للفتاة: أأنت على نية إبرائه رغبة في الطلاق؟

وزاغت نظرة الضحية العذراء من هنا إلى هناك، حتى استقرت على الرجل الجالس

ص: 76

هناك، ثم نكست رأسها. ولم تجب.

قلت: إنما أنت تفصلين في أمر مستقبلك، فليس هنا لأحد عليك سلطان.

فحدقت فيّ طويلاً كأنما تلتمس المعونة، ثم حولت النظر إلى أخيها فإذا في عينيه كلام طويل، فأطرقت وهي تقول في همس:(نعم لقد أبرأته. . . .!)

والتفت إليها الرجل يصوب النظر ويصعده، ثم نطق بالكلمة الفاصلة. . .!

وتحولت إلى الرجل فأنكرته، وأقسم لكأنما لم أكن أعرفه من قبل، وما كان في بالي أنه صديقي عاطف. لقد انطفأ بريق عينيه كأنما ينظر من خلف زجاجة؛ وغاض ماء الشباب من وجهه، فما تراه إلا كوردة الخريف؛ وقد أطلق لحيته، كأنما تركت لطمات القدر في عارضيه سواد حظه؛ وكانت في يده سبحة، أحسبه كان يحصي عليها همومه وأحزان نفسه؛ وما رأيت شيئأ أبيض - فيما رأيت - إلا عمامته. . .!).

قلنا: (عمامته؟. . عهدنا به لا يلبس إلا الطربوش. . .!).

قال: (نعم عمامته، فاستأنوا. . . قلت له: ما فعلت بك الأيام يا عاطف؟

قال: ذاك ما ترى. ولقد أقسمت أن أفرغ لله، فلم تعد لي في الزواج إربة، ولن تراني إلا بين المسجد والبيت حتى ألقى منيتي! حسبي، حسبي ما لقيت من دنياي. . .! وانكب على سبحته يتمتم والحبات تتساقط في الخيط واحدة فوق واحدة، ورأسه يهتز كأنه يقول: كذلك تتعاقب الأيام كما تتساقط الحبات حبة وراء حبة، حتى تكون النهاية، حتى يكون الموت. .! وما وجدت عندي جواباً إلا أن أتحول وأدعه حيث يجلس يداعب سبحته. أتراه كان يذكر الله، أم يسب الدنيا. . .!).

لقد راح المسكين يبحث عن الزوجة الغنية ليضاعف بمالها ماله، فآب فقيراً من مالها ومن ماله؛ وذهب يسعى لأن يضاعف بالزواج مسرات الشباب، فرده الزواج شيخاً في الثلاثين!

محمد سعيد العريان

صيد الغزال

بقلم: شفيق نقاش

في صباح يوم من أيام أغسطس العصيبة، كانت الغزالة ترعى في جبل البازين تقضم

ص: 77

الأعشاب اللينة برقة وهناءة، وتلفت جيدها محدقة في فطيمها الصغير، ورفيقها الوحيد في هذه الوهاد القفرة، وهو مضطجع قريباً منها على فراش وثير من البجلة.

لقد أخذت البقع العفراء الساحرة تغشى جلده الناعم فتكسبه روعة وبهاء؛ فهي معجبة به، تحنو عليه، وتحيطه بنظرات العطف كلما بدرت منه حركة دلت على خوف أو ألم، وهو يتحفز للوثوب خلفها وجلاً كلما خطرت مبتعدة في طلب العشب.

صورة رائعة للأمومة التي تعطر جو الحياة الكئيبة، والثقة التي تخفف من شقائها.

رفعت الغزالة رأسها بسرعة البرق، هل سمعت صوتاً؟ ربما كان ذلك حفيف الرياح الجنوبية تخترق الغابة؛ فالسكون الرهيب مخيم على الوادي، والسكينة سائدة في كل مكان.

رنت الظبية بطرفها، وألقت نظرة اطمئنان على رشأها ثم تابعت رعيها. وفجأة رفعت جيدها واشرأبت تجيل الطرف في أنحاء الغابة، وهي ترتجف من الخوف. . . هناك صدى صراخ متواصل يخترق الوادي، أصغت قليلاً فتأكد لديها نباح كلب يدنو رويداً من كناسها الأمين.

كان الوقت كافياً لمرحلة طويلة تطويها مبتعدة عن الصيادين. ولكن وحيدها الظبي الألوف، وأنيسها في هذه الوحشة، فمن ينقذه؟ هو لا يستطيع اللحاق بها، فلمن تكل أمره، ولمن تتركه؟. . .

تنابحت الكلاب غير بعيد، وتجلى للغزالة الخطر المحدق بهما، فوثبت بعض خطوات إلى الوادي تبحث عن ملجأ أو مهرب! وهب رشأها مذعوراً وهو يبغم متعجباً.

أغربت الظبية ثم ألقت نظرة وراءها، فرأته يتتبعها بسيره البطيء، وهو يتعثر متألماً من الجذوع الخاوية على الأرض، والأشواك التي تعترض سبيله. تابعت الأم سيرها واستمر وحيدها لاحقاً بها يتعثر ويستغيث، لأن البون أصبح شاسعاً بينهما - كائن صغير من مخلوقات الله لا يقوى على احتمال الألم والخوف والتعب، فوقع على الأرض! تصايحت الكلاب وتقاربت، واشتد نباحها. وأحدق الموت بهذين البريئين من كل جانب؛ فدنت المسكينة من صغيرها تلحس بلسانها بشرته الرقيقة الناعمة، واضطجع هو آمناً بقربها، مطمئناً بعودتها، ثم ما لبث أن أغمض أجفانه من التعب.

فكرت الغزالة في تخليص صغيرها من مخالب الكلاب ورصاص الصيادين، وكأن صوتاً

ص: 78

أهاب بها فرفعت رأسها، وفتحت منخريها، وحدقت طويلاً في مصدر الصوت، ثم نفرت مقتحمة الغابة، قاصدة ناحية أعدائها. ولما اقتربت منهم وتأكد لديها اكتشافهم لها واقتفاؤهم أثرها، غيرت وجهتها وشرقت بهم مبتعدة عن ولدها فأصبح في مأمن من الشر.

تضاءل النباح ورائها، فوثقت من فوزها، وولت وجهها شطر الشمال تود القيام بدورة تعيدها حيث تركت فطيمها، ولكنها ما عتمت أن سمعت صوتاً جديداً يقابلها، فانطلقت إلى الأمام تجتاز الوادي.

هذه صلصلة أجراس القرية تدوي في الفضاء، ويتجاوب صداها، لقد أصبحت على مقربة من أكواخ الفلاحين. هنا أيضاً أعداء جدد لم تحلم بهم. سدت في وجهها الطرق، وأغلقت المفاوز، وأحاط بها الصيادون من كل جانب - رحمتك اللهم! ألم تدع للشفقة مكاناً في ذلك الوادي الزاهر حين خلقته؟ ولا للرحمة موضعاً في تلك القلوب حيث كونتها؟

الكلاب تفاجئها من كل ناحية، وسكان القرية يطاردونها رجالاً ونساءً وأطفالاً، يود كل منهم لو يظفر بها غنيمة باردة.

تذكرت الظبية طلاها فتجدد أملها بلقائه، وسلكت طريق القرية مرغمة بين نبوح الفلاحين ودوي البارود.

اعترضتها بحيرة قريبة، فألقت نفسها في الماء تشق صفحته، وتسبح بقوة عجيبة، لقد خارت قواها، ولم تعد سيقانها الضئيلة تساعدها على المضي في طريق النجاة.

لكن الأمل العذب - سر الحياة - كان يهيب بها دائماً لاقتحام تلك الغمرات، حتى وصلت الشاطئ فأبرت مطمئنة، وتمثلت أنيسها يبحث عنها في وحشته، فهرعت تريد احتضانه، ولكن هل نجت المسكينة من هذا العذاب الطويل؟

صياد جديد كان يترصدها فاستقبلها برصاص بندقيته فوقعت جثة هامدة. .

(عن الإنكليزية بتصرف)

شفيق نفاس

ص: 79