المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 737 - بتاريخ: 18 - 08 - 1947 - مجلة الرسالة - جـ ٧٣٧

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 737

- بتاريخ: 18 - 08 - 1947

ص: -1

‌بين الروحانية والمادية

للأستاذ عباس محمود العقاد

(. . . وعلى سبيل الاستفسار أوجه إليكم الأسئلة الآتية بعد قراءة ردكم على نقد الأستاذ إسماعيل مظهر لكتابكم عن الله راجياً أن تتفضلوا بالإجابة عنها في الرسالة الغراء:

1 -

أليس هناك وجه من الصواب في وجوب التفرقة بين الوجود والموجود وبين العدم والمعدوم في الكتابات الفلسفية؟ فإن الكاتب الأديب قد يجوز له أن يستعمل إحدى الكلمتين بمعنى الأخرى من قبيل التجوز المقبول في الكتابة الأدبية. ولكن هل يقبل ذلك في لغة العلم والفلسفة؟.

2 -

هل من الضروري أن يخلق العالم الطبيعي خليقة حية ليقول إن النواميس المادية تتسلط على الحياة؟ ألم يصنع العلماء مادة البروتوبلاسم التي هي مادة الحياة ولا يبقى إلا الزمن لتشبه هذه المادة المصنوعة مادة الحياة؟ ألا يحق لنا في العصر الحاضر بعد كشف الذرة أن نقول إن العلم قد وضع سر المادة في أيدي العلماء. . . الخ الخ).

الإسكندرية

صابر. م

أما في مسألة الوجود والموجود والعدم والمعدوم فالأديب المستفسر قد عكس الأمر فطلب في لغة العلم والفلسفة ما يطلب من الأديب، أو طلب من الأديب ما يطلب في لغة العلم والفلسفة

وقد جرت المناقشة في هذا الموضوع من قبل بين الرازي والصابوني فقال الإمام الرازي في مناظراته: (إن كان غرضك إظهار الفرق بين التكوين والمكون بحسب اللفظ والعبارة فإنه يقال كوَّن يكون تكويناً فهو مكون وذاك مكون، فالتكوين مصدر والمكون مفعول، والفرق بين المصدر والمفعول معلوم في اللغات. إلا أن الفرق الحاصل بحسب اللغات لا يوجب الفرق في الحقائق والمعاني. ألا ترى أنه يقال عدم يعدم عدماً فهو معدوم، فالعدم مصدر والمعدوم مفعول وذلك لا يوجب الفرق بينهما في الحقيقة).

فالفلاسفة هم الذين سوغوا استخدام كلمة الوجود بمعنى الموجودات، ولم يمتنع ذلك في

ص: 1

اللغة لأن شواهد هذا الاستخدام متكررة في كل مقام.

وقد نجاري الأديب المستفسر عن رأيه في خلق الخليقة الحية فنقول إن العالم الطبيعي لا يطالب حتماً بخلقها في المعمل ليجوز له أن يقول إنها قوة مادية وليس فيها زيادة على القوة المادية.

ولكنه يطالب حتماً بمعرفة العلة التي تفرق بينها وبين الذرة المادية ليقول إن هذا الفرق من المادة وليس من شيء غيرها. أما أن يجزم بمصدر هذه العلة وهو لا يعرفها ولا يستطيع أن يصفها فهذا هو الإدعاء بعينه وليس هو العلم الطبيعي المزعوم.

وإذا كانت المصانع قد أخرجت مادة البروتوبلاسم التي هي مادة الحياة كما يقول الأديب المستفسر فهذه المصانع قد أثبتت أن للحياة سراً غير سر المادة ولم تثبت أن الحياة كلها من المادة وإليها؛ لأن البروتوبلاسم الذي أخرجته المصانع لا يتغذى ولا يتجدد ولا يتحرك كما تفعل الخليقة الحية. فهو إذاً (بروتوبلاسم ناقصاً للحياة). . . وبقي السؤال قائماً كما كان: ما هي الحياة؟.

أيقول الأديب المستفسر إنه من فعل الزمن الطويل؟ لقد قال ذلك فعلاً حين قال إنه لا يبقى إلا الزمن لتشبه المادة المصنوعة مادة الحياة).

فمن الواجب أن نذكر هنا أننا نسأل: ما هي الحياة؟ ولا نسأل في كم من الزمن نشأت الحياة؟.

وهي سواء نشأت في دقيقة واحدة أو في عشرين مليون سنة شيء له حقيقة، فما هي هذه الحقيقة؟

على أن الزمن الطويل عنصر داخل في تركيب المادة التي نعرف ما بينها من الفروق والمشابهات.

فلماذا نعرف الفرق بين الحديد والنحاس وقد مضى على تكوينهما ألوف السنين، ولا نعرف الفرق بين البروتوبلاسم الحي والبروتوبلاسم الذي تخرجه المعامل ويصنعه العلماء؟

أقل ما ينبغي للعالم الذي يصون كرامة علمه أن ينتظر ويؤجل حكمه، لا أن يجرم بحقيقة شيء لا يعرفه ولا يستطيع أن يعلل الفرق بينه وبين غيره من الأشياء.

ومن الإدعاء البعيد أن يقال إن كشف الذرة قد وضع سر المادة في أيدي العلماء، أو قد

ص: 2

خولهم أن يفسروا كل ظاهرة من ظواهر الوجود بالقوانين المادية

فإن أسرار الذرة قد صنعت نقيض ذلك على خط مستقيم، وقد عمدت إلى الحتمية للأسباب المادية - أو القوانين المادية - فعصفت بها عصفاً لم يستقر لها من بعده قرار.

وليس هذا الكلام مستمداً من مذاهب الفلاسفة أو مذاهب رجال الدين أو فروض الأدباء والهواة في المسائل العلمية، ولكنه مستمد من مباحث أقطاب العلم الطبيعي الذين أسسوا قواعد البحث في الطاقة الذرية وفي تركيب المادة وقوانين الإشعاع.

فالعالم الكبير ماكس بلانك صاحب نظرية الكوانتم التي بنيت عليها المباحث الذرية، وصاحب جائزة نوبل للعلوم الطبيعية في سنة 1918 يقرر أن حركات الكهارب لا يسيطر عليها قانون معروف، وأنك لا تستطيع أن تتنبأ عن اتجاه الحركة التالية لكهرب من الكهارب حول النواة، وهذا هو عنصر المادة الأصيل يغلب فيه القول بالمشيئة على القول بالحتمية المادية. فكيف يمكن أن يقال مع هذا أن كشوف الذرة قد أبطلت القول بالإرادة الإلهية ووضعت سر الكون كله في أيدي العلماء؟

إنها لم تضع سر الذرة نفسها في أيديهم وهي أصغر ما في الكون من مادة؟ فكيف تضع في أيديهم سر الكون كله وتنفي منه فرض المشيئة الإلهية التي تسيطر على كل (حتمية مادية) كان يدين بها العلماء قبل الآن؟

والعالم الكبير هيزنبرج متمم بحوث بلانك وصاحب جائزة نوبل للعلوم الطبيعية عن سنة 1932 يعلن نقض (الحتمية المادية) ويقرر أن التجارب الطبيعية لا تتشابه في النتيجة وإن اتفقت الأدوات واتفقت المواد واتفق المجربون. فكيف يقال إن (دور) المشيئة قد بطل كل البطلان ولم يبق للكون من أسباب غير ما يزعمونه من النواميس؟

والعالم الكبير إدنجتون من أكبر الباحثين في الكهرباء والطبيعيات يعقب على هذا فيقول (إنني لا أحسب أن هناك انقساماً ذا بال في الرأي من حيث تداعي الأخذ بمذهب الحتمية المادية. فإن كان هناك انقسام فهو الانقسام بين الآسفين لتداعيه والمغتبطين بتداعيه. والآسفون بطبيعة الحال يرجون له عودة ولا يستحيل أن يعود. ولكنني لا أرى سبباً لتوقع عودته في أي شكل وفي أي صورة).

وهؤلاء جميعاً علماء طبيعيون، وهم جميعاً مختصون بالموضوع الذي يحكمون فيه وهو

ص: 3

تركيب المادة. بل هم جميعاً من مؤسسي البحوث في هذا الموضوع.

فأيسر ما يؤمن به الرجل المحقق بعد هذا أن المسألة جليلة مهولة بعيدة الأغوار، وأنها ليست من المسائل التي يفض فيها الإشكال بكلمة وتصرف الاعتراضات فيها بجلسة مريحة بين المحابر والأوراق أو بين المصانع والأنابيب.

وإذا كان هناك فرض أرجح من فرض في مجال المباحث العلمية الحديثة فذلك هو الفرض الذي يعزز الإيمان بالمشيئة الإلهية لأن هذا المجال قد رجع بأصل المادة كلها إلى الاختيار، ورجع بالقوانين المادية كلها إلى سلطان غير سلطان القوانين المدعاة.

فإن لم يكن ترجيح فليكن تريث وانتظار.

أما الجزم بالمزاعم المادية بين هذه الكشوف المتجددة فهو (إيمان مقلوب). . . لأن إيمان العجائز يقوم على أسباب أقوى من الأسباب التي يقوم عليها هذا الإيمان المقلوب. . . أو هذا الإنكار الجازم بلا أسباب!!

عباس محمود العقاد

ص: 4

‌القسم الثامن:

فرنسا ومستعمراتها

الأمير عبد القادر الجزائري زعيم وأمير وجندي وقائد ثورة

للأستاذ أحمد رمزي بك

(إذا صقلت بارق سيفي)

(وأخذت بالفضاء يدي)

(رددت الانتقام على أعدائي)

(وفرضت القصاص عليهم)

نشيد موسى النبي في سفر التثنية

رأيت كيف تلقى العالم الإسلامي بوجوم أنباء الاعتداء الفرنسي على الجزائر، وكسف احتلت فرنسا السواحل والناس في شغل عن هذا كأن الأمر لا يعنيهم، فألقي عبء الجهاد على أهل الجزائر يقاتلون ويقتلون ويشردون، والقطر الجزائري ساحل ممتد الأطراف على مسافات شاسعة، فأصبح لكل مدينة على البحر جبهة قتال قائمة بذاتها.

ففي جبهة مدينة الجزائر، زحف القائد الفرنسي إلى الداخل واحتل مدينة البليدة وقدم أهلها الطاعة بين يديه، ولكن دعوة الجهاد والدفاع عن الوطن انتشرت بين القبائل في الجبال المحيطة فتجمعت الجموع وزحفت إلى القتال، وفي اليوم الثالث من احتلال المدينة اقتحمت قوات المجاهدين أسوار البليدة، وهزمت جنود فرنسا، فاضطر القائد العام أن ينسحب مع من بقي من جنده عائداً إلى الجزائر، حيث دعي إلى بلاده فآثر أن يعيش بأسبانيا، وجاء قائد آخر، أخذ يدبر الأمور لإتمام الاحتلال، تارة بالسيف وأخرى بالخديعة وبذل الوعود.

في هذه الأثناء اتجهت الأنظار إلى سلطان مراكش واجتمع أهل العقد والحل من سكان الجزء الغربي وأرسلوا وفداً إليه يطلبون معونته فأجابهم إلى مطلبهم وبعث بأمير من أولاد عمه، فلقيه الناس بالطاعة، ووصلت طلائعه إلى ناحية مليانة شرقاً، ولكن فرنسا أسرعت مكلفت ممثلها لدى البلاط الشريفي أن يحتج على هذا التدخل، فاضطر سلطان مراكش أن يسحب جنوده، وأن يستدعي ابن عمه إليه، ويترك أمر الجهاد لأهل البلاد.

ص: 5

كانت الدعوة إلى الجهاد عامة يشعر بها الناس كافة من عرب وبربر، ومن أهل الحضر وأهل الجبال والبادية، وكانت الحرب في كل ناحية قائمة، ولكن كانت تنقص الدعوة والقيادة المنظمة التي تجمع الشمل وتنظم الجهود، وتحرك المشاعر، وتدفع هذه القوى الروحية نحو الغاية الكبرى.

ولقد شاءت العناية الإلهية أن تختار هذا القائد من جبهة وهران على الحدود المراكشية، ففي سنة 1832 قامت سرية من المجاهدين عقد لواؤها للسيد عبد القادر بن زيان، بحركة كشفية حول أرباض المدينة، وفي موضع يقال له خنق النطاح، التقت السرية بفصائل العدو، واشتبكت معها في معركة تعرضية، وفي اليوم التالي أدركتها حشود المجاهدين، فدخلت القتال متراصة زاحفة فانتصرت انتصاراً باهراً، وفر العدو منهزماً متراجعاً إلى مدينة وهران.

وفي وسط المعركة ظهرت مخايل النجابة والبطولة والقوة والفتوة على الشاب عبد القادر بن السيد محي الدين الذي ما انفك مع والده يحرض المسلمين على الجهاد ويبوئ المقاتلين مقاعد للقتال. كان في الخامسة والعشرين من عمره، وقد عرف الناس فيه الحزم والعزم والعقل السليم والصبر في القتال، فجاءت المعركة فإذا بالشجاعة وقوة البأس تظهران عليه، وهو يخترق الصفوف ويباشر القتال بيديه لنصرة دين الله. وبينما هو يخوض وسط المعمعة تحامل عليه فارس من فرسان فرنسا برمحه فإذا بالطعنة تمر تحت إبطه الأيسر، فشد عليه عبد القادر بعزمه وقوته وهوى بسيفه على الفارس، فإذا بالسيف يقطع كتف الفارس نصفين، فكانت آية من آيات الله تناقلها الناس وسرى ذكرها بينهم. . وتلقى جواده ثماني طعنات ثم أصيب بالرصاص تحته فنزل وترجل واستمر يقاتل في مواجهة العدو وهو على قدميه ثابتاً في مواقعه حتى جاء النصر من عند الله، وتقهقر العدو منهزماً لا يلوى على شيء، وبات المسلمون ليلتهم بين التهليل والتكبير.

هذه بداية القائد الشاب بطل الاستقلال الجزائري وصاحب المواقف الخالدة بين سنتي 1832 و1847، الذي تمثل في عبقريته عراك أمة وكفاح شعب يقاتل في سبيل مثله العليا والذي أمضى ستة عشر عاماً في الحروب لم يدع فيها القتال والتصادم والكر والفر دفاعاً عن حومة الدين وعن حرية الوطن الشهيد.

ص: 6

ظهرت فيها صفاته وميزاته للقيادة والزعامة وضرب للناس مثلاً بتمسكه بالمبادئ والأهداف التي قام من أجلها، فأسبغ عليها عملاً متواصلاً لا يحيد عنه ولا يرجع، وبرزت نفسه القوية التي لا ترهبها الأهوال والنكبات ولا تغيرها الانتصارات المتتابعة ولا تنقص من حماسها النكبات والهزائم.

ستة عشر عاماً من المعارك المتواصلة لا تتخللها فترات قصيرة من السلم والراحة أفردها للتنظيم والإنشاء والدعوة إلى الله والعمل لبناء دولة ناشئة ألقيت أعباؤها عليه بأكملها، إذ واجه مشاكل السياسة مع مصاعب الحروب، وعالج الهزائم والدسائس، بنفس عالية فيها قبس من أخلاق السلف الصالح وفيها تلك النواحي القوية التي أفرغها الإسلام على قواده وزعمائه من قوة أمام الأخطار وصلابة في الحق وتمسك بالعروة الوثقى، مع تواضع وصبر على المكاره وحوادث الزمن.

كان هذا في وقت عصيب واجهت فيه الجزائر أكبر محنة في تاريخها يوم دعيت وحدها للدفاع عن أراضيها، ويوم ضعفت النفوس وتفرقت القوى، وبين عناصر متشاحنة وقبائل متنافرة وهنا ظهرت شخصية عبد القادر كمنشئ دولة، وقائد جيش، وزعيم أمة.

إن عظمة عبد القادر لا تظهر في انتصاراته وحدها وإنما في تغلبه على متاعبه وفي شجاعته وسط الهزائم والدعوة إلى الانشقاق والخيانة وفي مواجهة دعاية الويل والهزيمة، وزمرة المنافقين والمطففين ومن لازمهم، هنا تعلو حيوية عبد القادر على الحوادث حينما نراه مجاهداً لا تهمد عزيمته وسط الأخطار وأمام مكائد العدو والبحر مغلق أمامه والعالم الإسلامي يغط في نومه، فلا يخفف عنه إلا ذكر الله والدعوة إليه وإيمانه بأن إرادة الشعب الجزائري قد تمثلت في إرادته وأن الله قد اختاره لعمل كبير هو إنقاذ هذه الأمة وقيادتها إلى الجهاد في سبيل الله.

تقلب صفحات تاريخه وتسمع أقوال الخصم عنه وتنصت لنظمه وشعره وتقرأ رسائله فتلمس رجلاً قد أوتي حظاً من الإيمان والثقة بالله مما جعله فوق المستوى العادي للرجال. كان ممن اختاره المولى جل وعلا لعمل خالد فقد كان يعلم بأن أمامه دولة قوية قد أفرغت في القتال كل قوتها وصممت على فتح بلاده واستعانت بما أخرجه الفن والعلم في الحروب وقد خرجت من تجارب حروب ومعارك، ومع ذلك وقف وقفته وكان يشعر بأن أعداءه في

ص: 7

داخل بلاده لا يقلون خطراً عن أعداء الوطن، فتقبل بالرضا حكم الأقدار وقاد بلاده هذه السنين وهو واثق من نفسه لا معين ولا حليف له ولا أمل لديه إلا همة السيوف التي خرجت من أغمادها ووقفت معه.

نعم في وسط المكائد والهزائم والدعوة إلى الهزيمة تعلو قوة عبد القادر فتخلق من الهزيمة قوة وتدعو إلى الله وتعمل على جمع الشمل فيقود الأمة الجزائرية إلى كفاح طويل إلى المجد.

ذلكم هو بطل الاستقلال الجزائري وأول مسلم تلقى بصدره حلقات الهجوم المضاد الذي شنه الغرب علينا لانتزاع أراضينا.

حينما أكتب عنه أستعيد ذكرى حادثين أثرا في حياتي، أما الأول فصورة زيتية للأمير عبد القادر رأيتها في السوق الخيرية التي أقيمت بحديقة الأزبكية لنصرة المجاهدين من أهل طرابلس لما اعتدت إيطاليا على أراضيهم، رأيته على جواده وقذائف المدافع تنفجر من حوله فوقفت مأخوذاً وكنت في العاشرة فإذا بصاحب المؤيد المرحوم الشيخ علي يوسف يحدثنا عن بطل الجزائر؛ ومن ذلك اليوم انطبعت في نفسي صورة القائد الزعيم وحرصت أن أقرأ عنه وأتعرف إلى معاركه وأيامه.

أما الحادث الثاني فيوم وقفت على قبره تحت قبة سيدي محي الدين بن عربي بمدينة دمشق، لقد كان الشوق إلى زيارة الضريحين شديداً طوال سفري من أنقرة، ولما تم اللقاء وقفت أمام هذا القبر استمطر الرحمة على بطل الاستقلال. ومرت أمامي صفحات الجهاد وأسماء البلاد: الجزائر، وهران، قستنطينة، تلمسان، المعسكر، مستغانم، البليدة، مليانة، وذكريات المعارك الخالدة في رأس العين وخنق النطاح ووادي الزيتون وغيرها من مواقفه.

وفي باريس صورتان كبيرتان تمثلان عراك الأمير وجنود فرنسا تقتحم الصفوف أعرفهما: قيل أن الأمير وقف أمامهما عند زيارته للعاصمة الفرنسية وقال أراكم تمثلون جنودنا منهزمة، فهلا نظرتم ورسمتم المعارك الكبيرة التي ولى فيها جنودكم الأدبار؟

وفي قصر العجزة حيث متحف الجيش الفرنسي نجد الآثار والأعلام والأسلحة من بقايا حروب عبد القادر لقد كنت ألمسها ثم أقبل يدي التي لمستها وأنحني أمامها وأقول هل

ص: 8

أعيش لأرى الجزائر وقد خلعت استعبادها وأسمع أناشيد الأمير من مقصورته اليائية ترتل في مدارس القطر الشهيد:

ونحن لنا دين ودنيا تجمعا

ولا فخر إلا ما لنا يرفع اللوا

وإنا سقينا البيض في كل معرك

دماء العدى والسمر أسعرت الجوى

أريد أن أشرح معاركه وأكتبها ليقرأها أبناء مصر العربية ويروا آيات المجد والبطولة ولكن الزمن يسير بخطوات سريعة، وأريد أن أحدثهم عن يوم تجمعت فيه أحكام القدر فألقى البطل سلاحه واستأمن للخصم على أن يذهب للإسكندرية فحنثت فرنسا بأيمانها ومواثيقها وعهودها وقادته أسيراً إلى فرنسا حيث أمضى مع والدته العجوز وأهله خمس سنوات في الأسر يحن فيها إلى البلاد التي أراد دفع الشر عنها، ثم أطلق سراحه فإذا طريقه إلى دار الخلافة حيث يلقى السلطان عبد المجيد العثماني، وبعد إقامة يسيرة في بروسة، يذهب إلى دمشق، وهناك يعيش حتى يرقد رقدته ليترحم عليه محبوه. أما أنا فقد قرأت حين وقفت على ضريحه قوله تعالى:(وكأين من نبي قاتل معه ربيّون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين). آل عمران

ذلك لإيماني أن أمة تنجب عبد القادر لن تموت بل ستبعث بعثاً يهز الأرجاء؛ لأن الدرس الذي ألقاه علينا كان درساً يحرك النفوس ويدفع للعمل لقرون قادمة: إنه قوة من قوى الذات الإلهية التي بعثها لخير الناس، ولما خطه تعالى في سجل القدر من أن تحيى الأمة الجزائرية لتعود إلى أيامها الأول، أيام المرابطين والموحدين.

أحمد رمزي

ص: 9

‌على ثلوج (حِزْرين)

للأستاذ علي الطنطاوي

- 4 -

انطلقت إلى (الصخرة) حين لم تجد في دنياها كلها، أحنى عليها منها، وأروح لقلبها. لقد كانت ملاذها والحبيب راض مواصل، والقصر عامر زاهر، أفلا تكون مثابتها وقد غضب الحبيب، وأقفر القصر، ولم يبق لها في الوجود غيرها؟

ولمن تلجأ وقد فقدت صدر الأب الذي كانت تهرع إليه كلما دهتها من الحياة دهياء لم تستطع احتمالها، فتخفي وجهها فيه، وتبثه شكاتها ألماً خفياً، ونشيجاً خافتاً، فيمسح دمع عينيها، ويرقأ جرح قلبها، ويرجع إليها سكينة النفس، وفرحة الحياة. وفقدته إلى الأبد، حين احتوته تلك الحفرة الضيقة على شفير الوادي؟

ولمن تلجأ وقد أغضبت الحبيب، الذي نما حبه في فؤادها، وخالط لحمها وعظمها، ونشأت عليه، وعاشت به، وكانت منبع ذكرياتها، ومجمع آمالها، وغذاء روحها؟

ولمن تلجأ وما في القصر ملجأ ولا ملاذ. . . لقد أقفر من بعد سيده، وضل طريقه إليه المجد، وانصرف عن أبوابه العافون والزائرون، حين انصرف عن مطالب النيل إلى مطارح الهوى ومشارب الخمر، سيده الجديد.

انطلقت إلى الصخرة، وقد علمت لما تيقظ في نفسها الحب أن كل ما في الدنيا من متع المال ونعم الغنى، هو للمحب كأحلام النائم، لا يجد في يده إذا صحا حبه شيئاً منه، وأنها كموائد الرؤى يفيق الرائي فلا يلقى لها في معدته أثراً، ولا في جوارحه خبراً وماذا يفيد العاشق فَقَد الحبيب أن يخطر بغالي الثياب، وأن يأكل أطايب الطعام؟ وهل تدفئ الثياب قلباً فيه رغبة إلى دفء القلب المحب؟ وهل تشبع الموائد نفساً فيها جوع إلى ثمار الثغور، وظمأ إلى رحيق اللمى؟.

ولقد علمت الآن أن صخرة منقطعة مع الحبيب أجمل من قصور الأرض، وساعة معه أطول من سني الدهر، ونومة على فخذه أحلى من نوم على وسائد الحرير بريش النعام على سرير الذهب وشمة منه واحدة أطيب من انتشاق العطور، وأن خفقات قلبه عند العناق أعذب من رنات العيدان، وعبقريات الأغاني. . .

ص: 10

ولما دنت من الصخرة نعش نفسها نسيمها، وشفاها مرآها وأحست بعد حياة (الحضارة. . .) في عاليه، أنها كالغريق يخرج من الماء وينشق الهواء، ونظرت إلى قصر فارس أفندي فلم تره إلا نقطة ضائعة في هذه السفوح التي تمتد وكأنها لا آخر لها حتى تتصل بالبحر ثم يصلها البحر بالسماء. . . فأحست أن قد صغر مكانه في قلبها كما صغر منظره في عينها، ولم تعد تذكر إلا أماسي الحب وليالي الوصل، عند هذه الصخرة التي قدسها الحب

ووجدت هاني قائماً، فأسرع إليها وأسرعت إليه، وألقت بنفسها بين ذراعيه، ما أحست وسخ ثيابه، ولا شمت قبح ريحه إذ لم يدع لها الهوى أنفاً يشم، ولا عيناً ترى. . .

وسكرت من رحيق الغرام، وخيل إليها السكر أن لها هذه الدنيا كلها التي تبصرها تحت قدميها، وأنها أسعد فتاة فيها. وأنها قد أمسكت بكفها الأماني، وقبضت على الأحلام. . .

فانتصبت والهواء ينثر الحرير الذهبي من شعرها، ومدت يديها وصاحت نشوى:

- املأ يدي من (أزهار الجبل)

فراح يقطفها ويملأ منها يديها.

وهبط الليل رفيقاً حانياً، فأحاطهما بذراعي أم حنون وردَّ عليهما كل همسة حب كان قد سمعها منذ مر على الدنيا، وكل وسوسة قبلة وطلع الهلال رقيقاً زاهياً فعرض عليهما كل مشهد غرام رآه منذ ولد القمر، وكل منظر هوى؛ فل يجدا في حديث الليل، وصور القمر، إلا تاريخهما هما، وقصة حبهما، وأفقر قصة في الحياة قصة الحب، فهي تتكرر دائماً بمشاهدها وفصولها، لا يتبدل فيها إلا أشخاص الممثلين.

قصة ألفها هذا الطفل الجبار فضاق به الخيال، وقعد به العجز، فلم يستطع خلال ألف قرن من الزمان، أن يزيد عليها شيئاً أو ينقص منها شيئاً، فهي تمثل في غابة بولونيا وفي مسارب هايدبارك كما كانت تمثل في مغامرات سرنديب، وكهوف بابل.

وهو أبداً يعبث بالمحب ويسيّره على هواه، ويضيق عليه دنياه حتى يجد صدر الحبيب يسند إليه رأسه أوسع من رحب الفضاء وأفسح من جو الأماني، ويسوّد عليه عيشه فلا يبيض إلا أن بدت فيه طلعة الحبيب، ويزهده في المجد والجد، فلا يجدّ إلا لوصوله إليه، ولا يرى مجده إلا في رضاه عنه. . . حتى إذا ملّ العبث، عاد فنام. . .

وعادت ليلى إلى القصر وقد نام الحب في صدرها كرة أخرى واستيقظت فيه شياطين اللهو

ص: 11

والترف. . . وجاء أسعد يزورها واشتهت أن تلبس الثياب التي أهداها إليها. ما آثرت جمال الثياب على متع الحب، ولكنها كانت كالغني يأكل الحلوى حتى يشتهي الزيتون، ويسكن القصر حتى يستحلي الخيمة، ويركب السيارة حتى يتمنى ركوب الحمار. . . هذه هي النفس البشرية، يطغيها الغنى وينسيها لذةَ النعمة وجودُها، ولا تعرفها إلا عند فقدها. .

لبست الثياب ونظرت في مرآتها، ومرآة الحسناء من أدوات شيطانها، فرأت في مكانها فتاة من فتيات بيروت، وأعجبها جمالها وهذا الصدر البادي إلى سفح النهدين، وملتقى الثديين، وذراعاها إلى الكتفين، ونظرت إلى ثيابها الجبلية التي نضتها عنها، والتي تستر كل شيء إلا الوجه، كما ينظر المرء إلى دودة كانت عالقة به وتخلص منها، وأحست في نفسها الشوق إلى الإطراء الذي ألفته في (عاليه) أذناها، وترقبت قدوم أسعد، واستطالت الوقت في انتظاره. .

ثم رأته يفتح الباب ويدخل، فتهيأت لاستقباله ونظرت فإذا القادم هاني. .

وعاد الخصام ولكنه كان شديداً عنيفاً هذه المرة. . قال لها:

- ثقي يا ليلى أنك لا تحبينه، وإنما تحبين مظاهر الترف

- قالت: وأنت ما شأنك بذلك؟ ولماذا تدخل نفسك فيما لا يعنيك؟. .

وامتد الجدال وأطلق لسانه في أسعد.

- فصاحت به: هو خير منك على كل حال. إنه خير ممن يسأل الصدقة بيد قذرة. .

خدعتها ظواهر الحب الناعمة فنسيت الرجولة الخشنة الكامنة وراءها، فلم تقدرها ولم تحسب حسابها، لعبت بالقنبلة لما غرها بريقها ولمعانها، فلمست زرها فتفجرت، ولقد انقلب لما سمع هذه الكلمة من سبع الملعب (السرك) الأليف، إلى أسد الغاب الضاري، لم يعذرها، ولم يضع نفسه في مكانها فينظر ماذا يصنع وهو في مثل حالها النفسية، وهاله أن تترفع عنه وكان يراها مثله، لم يجد نفسه دونها لأن الحبَّ سوّى بينهما، والحب (مذ كان الحب) مظهره البذل وحقيقته الأخذ، ورداؤه الإيثار، وجسمه الأثرة، وكان يحتمل منها كل شيء، إلا أن تمسّ رجولته، كالمرأة تحتمل من الرجل كل شيء إلا أن يحقر جمالها وأنوثتها، ولم يعد يرى أمامه الفتاة التي ألبسها حبه ثوب الملَك، وحوّطها بهالة التقديس ورآها مثال الجمال وغاية الآمال، ولكن امرأة من النساء تهينه، وهو الرجل المعتد برجولته، وهو الذي

ص: 12

لم يحمل المهانة من أخيها إلا حباً بها، واشتعل دمه ناراً، وجنّ قلبه في صدره، وأراد أن يتكلم فشعر كأن لسانه قد وقف، وحلقه قد جف، ولم يع على نفسه إلا ويده ترتفع وتهوي على وجه ليلى بلطمة دوّت في أذنيه كأنها طلقة مدفع، فصحا فجأة، وهاله ما فعل، فانطلق هارباً إلى الإسطبل، وخلا بنفسه يفكر فيما صنع.

لقد أفرغ غضبه في هذه اللطمة فلم يبق في قلبه إلا الحب، وما يتبع الحب من تقديس؛ فكيف فعل هذه الفعلة؟ وهل فعلها حقاً؟ هل لطم محبوبته التي يشتري اللمسة منها بالحياة، ويدفع عنها بروحه مسّ النسيم، وشعاع الشمس؟ أيكسر الوثني صنمه، ويبصق المجوسي على ناره؟

وصارت يده أكره شيء إليه، هذه اليد التي هدمت مستقبله، وطوّحت بأمانيه. وملكته نوبة هياج، فضرب يده بالنافذة، فحطم زجاجها، وأطار شظاياها، وغسل كفه بالدم

قالت العجوز:

وسمعت الضربة فأسرعت إليه، وقلت له:

- ما هذا؟ ماذا صنعت بنفسك؟

وخرجت لآتيه بضماد، وإذا أنا بليلى، تدخل عليّ بثياب المدنية، متوثبة فرحى، تقول:

- اسمعي، اسمعي البشارة. . .

- قلت: أي بشارة؟

- قالت: لقد خطبني، إنه سيتزوجني.

- قلت: من؟

- قالت: أسعد، لقد أعلن عن خطبته لي الآن، وقال: إن أباه موافق وأخي. . .

- قلت: وهل تحبينه يا ليلى؟

وسكت، وحبست أنفاسي في انتظار جوابها، لأني أعلم أن هاني يستمع إليها، فأحببت أن أكرها بحبها. ولكن الحمقاء اندفعت بلا وعي، تصيح:

- إنني أحبه، أحب الأرض التي يمشي عليها، أحب الهواء الذي ينشقه، أحب. . .

وسمعت الباب يصفق. . .

- قالت: ما هذا؟

ص: 13

فلم أشأ أن أخبرها، وتريثت وسألتها:

- أتحبينه أكثر من هاني؟

فتنبهت كأنها كانت في حلم وأفاقت منه على الحقيقة، وتصورت حياتها بغير هاني فلم تجد فيها شيئاً جميلاً ولا بهياً، وهل الحياة إلا الذكريات والآمال؟ وهل لها ذكرى حلوة إلا معه، وهل لها أمل إلا فيه؟ وإذا هي تركته وتزوجت أسعد فهل يترك حبه قلبها؟ هل يذهب من ذاكرتها، ألا تذكرها به صخرة الملتقى كلما نظرت إليها، والليل كلما اشتمل عليها، والقمر الذي كان يرعاهما، والسماء التي كانت تصغي كواكبها لنجواهما، والبحر الذي كانت تستمع أمواجه إلى أحاديثهما، والتلول والوهاد، والنسيم العليل؛ والثلج وأزهار الجبل.؟

والتفتت إليّ فجأة، وقالت:

- كلا، لست أحبه، أحب هاني. إن هاني هو حياتي، إن الفقر معه هو الغنى، والجوع معه هو الشبع، والسجن معه جنة الأرض.

- قلت: فلم إذن، زعمت أنك تحبين أسعد؟ لقد سمع هاني منك تلك الكلمة، وفتح الباب، وألقى بنفسه يائساً في خضم الليل. . .

- قالت: ماذا؟! أسمعني هاني؟!

وشخصت لحظة وجمد تفكيرها، فما يسيل، ووقف عند هذه النقطة فما يتحرك.

أهي تحب أسعد؟

فما هذه الكلمة التي نطق بها لسانها في غيبة قلبها، وزورها على نفسها تزويراً؟:

أهي تحب أسعد؟ وماذا بينه وبينها؟ ما يربطه بها؟ وهل تنسى هاني وعهود الطفولة؟ ألم ترضع هواه مع اللبن وليدة وتنشأ عليه؟ ألم تسلك معه طرق الحياة سهلها ووعرها؟ ألم تأكل معه على مائدة الحياة خيرها وشرها؟ أفتهدم سعادتها كلها بكلمة رعناء. . . أنفخة في الهواء تقتلع صرحاً ممرداً ثابت الأساس، رفيع الشرفات؟

ووثبت إلى الباب، ففتحته واقتحمت الظلام.

وكانت ليلة قارسة البرَد، عاصفة الريح، جنت فيها الطبيعة فهي تضرب بيديها، وتنثر البرد والثلج، وتلطم الوجوه والبنى. فخرجنا وراءها نناديها. . . وهي تعدو متحدرة، تثب على الصخور وتقفز إلى الأعماق، تنادي: هاني. هاني. فيضيع صوتها في عويل الرياح،

ص: 14

وعزيف العواصف، ثم انقطع الصوت وخفي الشخص، وضاعت منها، فلم نجدها. . .

ورأينا أخاها مقبلاً سكران، فخبرناه، فقال:

- سأشرب كأساً أخرى على هذه البشرى، وقهقه كأن إبليس يضحك بفيه، وأمَّ القصر، ولبثنا نفتش حتى بدا الصباح فإذا هي ملقاة في حفرة، وقد علاها الثلج، فتعاونا حتى حملناها إلى دار أسعد في عاليه، لتلقى ناساً يعتنون بها، وطبيباً يداويها. . .

أما هاني فلم يعد ولم نسمع عنه خبراً. . .

(البقية في العدد القادم)

علي الطنطاوي

ص: 15

‌العيد!

للسيدة الفاضلة منيبة الكيلاني

تمر أيام العام مسرعات والناس في شؤونهم الخاصة من زحمة العيش وتلمس الرخاء، والضيق والرغبة في الفرج، والسقام وأمل الشفاء، ويأتي العيد فيكون بين المعيد ووسادته ليلة العيد حديث ونجوى؛ فبين معيد ووسادته من ثورات النفس ودوار الرأس وجهد الخاطر الكليل ما بين معيد ووسادته من بسمة الأمل وهشة الرجاء وتطلق الوجه. ولقد تنحبس العبرة طول العام من نكبة نازلة فلا ترسل إلا في مقدم العيد مطلقة غير مقيدة، فتأخذ في العيد روعة وشكلاً ليسا من شأنها ولا من شأن الأيام الأخرى. وهكذا تصبح جهشة العيد جهشة مزلزلة، وتغدو دموع العيد جد حرار. ولقد تبقى البسمة خامدة كابية طوال العام أيضاً لا ترى ما يرسلها مجلوة مشرقة حتى يأتي العيد، فإذا البسمة تاج على الثغر - كالجديد من الأكسية - تتحدث للوسادة عن النصر الذي أُحرز، والعمل الذي أُنجز

هذه بسمة العيد ليست من ابتسامات العام، وهذه جهشة العيد ليست من دموع الحول، إنما هي في الحالتين محصّل ما في العام كله من شدة ورخاء، وعذاب وهناء، وعزة وشقاء، تجتمع في العيد كما تجتمع أضغاث المنى على الثغر الحالم، وأضغاث المال في ثوب جديد وكساء جديد، كذلك مشاعر النفس وأضغاث خويصاتها تتجمع لتبرز في العيد في فرح جديد وحزن جديد.

وضجعة الإنسان ليلة العيد وسهوم فكره، واتساع مخيلته وشرود ذهنه، تتسع وتقصر، وتكبر وتضيق، بمقدار ما توافر لديه من أسباب وعلل تجتمع كلها في حقيقتين أساسيتين فيهما جواب هذا التسآل الذي يدور على الخاطر ويلم بالنفس: وهو لماذا تتطرى نفس وتبتهج للعيد، وتأسى نفس وتضيق له، وتذرف فيه الدمع ويحلو لها الصمت والأشجان؟

تتسع مادة الحوار بين المرء ووسادته ليلة العيد بسعة الجواب على هذا السؤال. والواقع أنه سؤال في منتهى الوجاهة وخفة الظل: لماذا تأسى نفس وتفرح نفس وليس بين النفسين إلا قربى وأوجه شبه. . . هذه نفس تذرف الدموع، وهذه نفس توزع الابتسام؟

العيد يفرض على المعيدين مشاعر خاصة هي التي تعلل هذه الظاهرة. . . ظاهرة الحزن الجديد والفرح الجديد. . .

ص: 16

العيد يقوم من جهة بدور العدسة المكبرة تتراءى ما بعدها من المرئيات كباراً غلاظاً باذخة الأطراف شامخة الهامات، ويقوم العيد من جهة أخرى بعقد مقارنات سريعة عاطفية بين المرء والمرء وبين المرء ونفسه، فمقارنة بين خائب ومصيب، وبالغ ومقصر، ومقل ومكثر، وغني وفقير، وجائع وشبعان، تنتهي بهذا الإحساس الذي نحن بصدده من الشعور

يصاب الإنسان بما يصاب به من لغوب هذه الحياة وعثائها، فإذا واتى العيد، وكانت النعمة التي لديه لا تزدهيه في سائر الأيام ازدهته في ذلك اليوم، لأنه ينظر إليها من خلال العيد فيراها كبيرة باذخة فيرتاح إليها ويبتهج، أما إذا كان بين العيد والمعيد حزن وألم، فإن هذا العيد لن يُرى صاحبه إلا ألماً كبيراً.

أما المفارقات، فأمرها أشد ووقعها أمض، مقارنات يعقدها العيد بين شخص وشخص، وبين شخص ونفسه، في زمنين مختلفين، هذان أليفان آض ما بينهما كلاماً في غير دقة، وسلاماً في غير رقة. وهذه قلوب كانت تحن، فأضحت تئن. وهذه مسكينة كانت في العيد السالف في كلاءة أبوين، فصارت في هذا العيد سطراً في كتاب اليتم. . . وهذه أم كان لها في العيد السابق فتى يملأ دنيا أحلامها بأشتات المنى فاحتسبته وأقامت تندب ذكراه. وهذا أب اغتالت المنية وحيده فتركته لا يقدر على شيء، وهذا فتى في ميعة الصبا كان وثيق التركيب جميل المظهر، ولكن العيد وجده في مخالب المرض ينفث نفسه وينتظر رمسه. وهذه أمة كانت بالأمس الدابر تملأ حيزاً وكاناً ينظر إليها الناس أُمة فأصبحت أَمَة. . . كل هذه مقارنات يأتي بها العيد بين شخص ونفسه في زمنين مختلفين تملؤها غصة وشكاة ودموعاً.

ولقد تكون المقارنة بين شخص وشخص، فينظر الطفل الفقير وقد عرف الفقر وعرفه طوال العام، ينظر إلى الثوب المتواضع الذي أنفقت فيه أمه جهد شهر في الخدمة. . . ويقارنه بالثوب المترف الفاخر الذي يرتديه غيره من الأطفال فيستشعر لأول مرة في العام خفقة الألم. وينظر الجائع وقد عرف الجوع وخبر بلواه إلى الشبعان الذي عرف التخمة وخبر بلواها، فيناله من مقارنة العيد ألم جوع وألم غضاضة، وينال الآخر لذة شبع ولذة مكاثرة!

وينظر اليتامى في الملجأ إلى هياكل أجسادهم ومعدهم، وقد كانت ثياب هذه الهياكل طول

ص: 17

الحول قطعاً من فضل المحسنين، وهذه المعد طول العام وعاء للخيرات. . . ولكن العيد يرسل إلى هؤلاء مقارنة بينهم وبين سواهم ممن رداؤهم قطعة واحدة من يد محسنة واحدة، فتأسى الأنفس وتذكر في سبيل المقارنة ما فاتها.

هكذا تتقد اللوعة، وهكذا تزداد الشكاة في العيد، وأولئك الغلف قلوبهم لا يعلمون أن في الناس من يذوق طعم الموت وهو حي. وهكذا يجد الواحد منا كيف تتعاقب الأيام بالسراء والضراء فيفيد من هذه وهذه أن الأمور لا تقيم على حال، وأن وراء الشدة رخاء، وبعد العناء عزاءً، وأن العبد إن أساء فقد يحسن، وأن الصبر أجدر من حلم ضائع ورشاد سليب وفؤاد هواء، ثم يجد الواحد فوق ذلك - وقد خبر النعمة والنقمة - كيف يسلف اليد المحسنة والمساعدة المسعفة، وينتزع من أحاسيس نفسه وخلجاتها ما يشغف به القلب الذي أضاع الشغاف، والفؤاد الذي برحت به النوب وتخارمته الأوصاب، وكل إحسان في العيد عيد في الإحسان، فالمصافحة والابتسامة والقبلة والدرهم وبطاقة العيد والهدية والزيارة والتفقد والتسآل وعيادة المريض والإشراف على موطن الألم من المتألم، وكفكفة دمعة الباكي ومسح رأس اليتيم كل أولئك كجرعة الماء في المهمه الفقر. . . وإن كانت ماء فهي لذى غلة به إليها تحنان، وله إليها تشوف ونزوع؛ وهي في مفهوم الصحراء المهلكة ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث. والقلوب بالغة ما بلغت من الاختلاف والتمايز لا يؤلف بينها ولا يجمع شتاتها ولا يجعل منها وحدة رصينة مثل رباط المشقة وصلة المشكلة، فلقد يصرف في سبيل توثيق صلة من صلات الود ما يصرف من وقت ومادة. ثم لا تتوثق هذه الصلة كما تتوثق أخرى لم يصرف فيها إلا تفقد وتسآل واشتراك في محنة. . وهذا العيد يتيح هذه الفرصة ويمكن لمن يريد أن يشتري قلوب الناس. أن يشتريها بأثمان بخسة لا يستطيع أن يحصل عليها في الظروف الاعتيادية، لا تفي هذه الفرصة إلا مرتين في العام توضع فيهما هذه القلوب البشرية الخفاقة بالمزاد العلني يشتريها من كان لديه المال الكافي من العطف والرعاية والحنان، وإنه في الحق لنصيب عظيم أن تشتري قلباً بابتسامة وقلباً بتفقد وقلباً بمصافحة وقلباً بهدية وقلباً بدمعة وقلباً بزيارة. . . وهذه القلوب مهما ضعفت ومهما كانت ذاوية نحيلة، ومهما كانت منذرة بالفناء فهي تدوم على الأقل خفاقة للعيد القادم يوم تعرض قلوب جديدة بآمال جديدة وآلام جديدة تبتغي شارياً جديداً

ص: 18

بعطف جديد وهكذا. . .

ولي كبد مقروحة من يبيعني

بها كبداً ليست بذات قروح

هذا نداء يجسمه العيد. . وفي الطوق والإمكان أن يلبيه كل ذي كبد فيعود بكبد صحيحة وكبد مصححة يبسم لها لأنه صححها وتبسم له لأنها تعترف بالفضل، وما بين الابتسامتين من معاني الجمال ما لا يقوم له شيء ويعود معنى. . .

ولي كبد مقروحة من يبيعني

بها كبداً ليست بذات قروح

معنى جديداً كالعيد الجديد بين كل اثنين من المعيدين مؤاداه:

كلي بكلك ممزوج ومتصل

والحادثات التي تؤذيك تؤذيني

ليكن مقياس العيد مقياساً أكبر من مقياس المادية. . فلا تقل وقد أدبر العيد كم ثوباً جديداً لبست، بل قل كم قلباً اشتريت، وكم كبداً صححت، وكم ثغراً بالابتسام ملكت، وكم دمعة حارة من دموع العيد كفكفت. . فذلك أقمن بالإنسانية وأدعى للفخر وأجلب للبهجة وأكثر اتساقاً مع معنى العيد.

منيبة الكيلاني

ص: 19

‌حول التنويم المغناطيسي

للأستاذ أحمد فؤاد الأهواني

1 -

يذكر التنويم المغناطيسي محاطاً بالغموض والإبهام. فهل هو علم ثابت الأساس، أم شعوذة وإيهام؟ وما مدى اتصاله بعلم النفس.

2 -

هل هناك من خطر في تعلمه. وإن كان هناك خطر فما هو؟ وهل يتعارض والدين؟

3 -

ألا ترى أنه يعصف باليقين بنتائجه الخارقة المدهشة؟

(ج. ع. م)

كوستي السودان

التنويم المغناطيسي ظاهرة طبيعية لا تعد من الخوارق، فهي كالنوم الطبيعي، إلا أن النوم المألوف يحدث من الإنسان لنفسه والمغناطيسي يحدث بتأثير شخص آخر. ويسمى النائم في عرفهم (الوسيط) إذا كان متصلاً بالمنوم اتصال تجارب وعمل. ويتم النوم المغناطيسي بشروط، الشرط الأول قابلية الشخص أو الوسيط للنوم، إذ ليس كل شخص قابلاً للنوم المغناطيسي. ومما يذكر في هذا الصدد أن المشتغلين بالتحليل النفساني ونعني بهم فرويد ومدرسة شاركو في فرنسا بدءوا حياتهم الطبية في العلاج بطريقة التنويم المغناطيسي، ولكنهم عدلوا عنها لأسباب منها أنه ليس جميع المرضى يخضعون للنوم، ومنها عدم جدوى هذه الطريقة

وهناك بعض الناس يسهل تنويمهم وخضوعهم، وهؤلاء يكونون خير وسطاء.

وأول من اهتدى إلى التنويم المغناطيسي هو العالم (مسمر) وكانت تسمى طريقته بالمسمرزم نسبة إليه. واشتهر أمره في القرن الثامن عشر، واختلف الناس في أمره، وافتتنوا بأعماله، فكلفت الحكومة الفرنسية العالم الكيميائي لافوازييه أن يبحث هذه الظاهرة العجيبة في ضوء العلم. واستمر افتتان الناس والعلماء بهذا الفن حول قرن من الزمان حتى أصبح مألوفاً وعرفوا أنه لا يثمر نتيجة في العلاج من الأمراض العصبية، فانصرفوا عنه في أواخر القرن الماضي كما ذكرنا، وأخذوا بطريقة التحليل النفساني.

والشرط الثاني استعداد المنوم وقوة تأثيره، وهذا الاستعداد منه طبيعي موهوب، ومنه

ص: 20

صناعي مكسوب: ويكسب المرء قوة التأثير بتدريب نفسه في إلقاء الصوت النافذ الذي يشبه الأمر الصارم، وفي حدة النظر، وحسن الهندام، وبالجملة اكتمال الشخصية في جميع نواحيها بحيث تصبح قوية، فما لا يتسع المجال لتفصيله. . .

والشرط الثالث المعرفة بالأساليب الصناعية في التنويم، كالجلسة الخاصة، والوقفة المناسبة، وتوجيه النظر بالعين أو بالكرة المغناطيسية، وإحداث السحابات المغناطيسية وهي المرور باليدين من أعلى إلى أسفل بالقرب من جسم الوسيط مبتدئاً برأسه.

واعلم أن التنويم المغناطيسي يحدث حولنا دون أن ننتبه إليه ودون أن يعرف المنومون والمنومون ماذا يجري منهم. فالأم تهدهد طفلها، وتربت على جسمه بيديها، وتغني له وتأمره بعد ذلك بالنوم فينام. وكثيراً ما تلاطف قطة في دارك، فتهدأ، وتغمض عينيها، وتخضع لك مادمت تمر بيدك على جسمها. ولهذا كان من الجائز وليس من الغريب تنويم الحيوان. وقد رأيت في السينما ذات مرة شخصاً ينوم دجاجة بأن يجمعها على الأرض ويخط أمام منقارها خطاً مستقيماً فإذا بها تذهب في النوم.

وللنوم درجات أعلاها التخشب

وهم يدربون الوسطاء على قراءة الفكر وهي ظاهرة مألوفة معروفة، فينقل المنوم ما يريد من أسئلة إلى الوسيط كما ينقل إليه الإجابة أيضاً. وهؤلاء هم طائفة المشعوذين الذين يوهمون المتفرجين أن في مقدرة الوسيط أن تسبح روحه في عالم الغيب فيطلع على المستقبل المخبوء ويعرف أسرار الناس وما تخفي الصدور. وهذا كله وهم وخداع، إذ ليس في قدرة الوسيط أن يعلم إلا ما يعلمه له المنوم وينقله إليه.

أما النظرية القائلة بأن التأثير الحادث في التنويم المغناطيسي يرجع إلى اتصال الروح بالروح، فهي نظرية لم يقم عليها دليل ثابت أو برهان قوي يرغم على الاعتقاد به، أما النظريات التي يأخذ بها العلماء المتثبتون إلى أن يظهر ما يبطلها أو يكون أقرب منها إلى التفسيرات العلمية، فهي أولاً صدور (سيال) مغناطيسي بين المنوم والمنوم، ولم يصلوا إلى كنه هذا السيال ولهذا عدل عن الأخذ بهذا التفسير جمهرة العلماء. ونظرية ثانية حديثة تشبه المخ البشري كأنه (بطارية) كهربائية، أو كجهاز الإرسال والاستقبال مثل المذياع، فكأن ما يحدث بين المنوم والوسيط هو تبادل الرسائل على أمواج الأثير. وأنا شخصياً

ص: 21

أميل إلى الأخذ بهذا التفسير.

ولا نزاع في أن فن التنويم فيه عنصر مادي وآخر معنوي. فالعنصر المادي هو ذلك الذي بسطناه من قبل كالنظرات والسحابات. . .

وأستطيع أن أشم جسم الإنسان بزجاجة، وما فيه من لحم وعظم ودم ببرادة الحديد. فإذا مر قضيب المغناطيسي بهذه البرادة انتظمت في داخل الزجاجة وتأثير الجاذبية. كذلك جسم الإنسان يتأثر بالتيارات المغناطيسية التي يوجهها المنوم توجيهاً صناعياً فتنتظم ذرات جسمه. ويقال في هذا الباب إن المرء إذا أراد أن يكسب جسمه قوة مغناطيسية فعليه أن ينام ويجعل رأسه إلى الشمال ورجليه إلى الجنوب، والشمال كما نعلم هو القطب المغناطيسي للأرض. .

وليس في تعلم التنويم أي خطر، وإنما الأولى أن نسأل ما هي الثمرة التي نجنيها من تعلمه، وهل تستحق أن ينفق فيها المرء الجهد والزمن؟ ونقول إن للتنويم ثمرتين، الأولى في العلاج من الأمراض العصبية، والثانية في معرفة المستقبل. وقد ثبتت عدم جدوى التنويم في العلاج كما ذكرنا، ولم يثبت أن الوسطاء يعلمون الغيب. وقد نشط العلماء خلال الحرب الأخيرة يجربون تجارب حديثة تختص بفوائد التنويم، منها الاستغناء في العمليات الجراحية عن التخدير بالعقاقير، والاستفادة من التنويم المغناطيسي وما يحدثه من تأثير. ولا تزال هذه التجارب في البحث.

الخلاصة أن التنويم المغناطيسي علم وفن، له أعظم الصلة بعلم النفس بل هو فرع منه، وهو على التحقيق فصل من باب الإيحاء؛ فإذا العلم بالنفس يتعارض مع الدين، فالتنويم المغناطيسي يتعارض بطبيعة الحال. غير أنه لا وجه للتعارض بين علم النفس والدين، بل العلم بها مطلوب للوصول إلى اليقين، وفي ذلك قال تعالى (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون).

ويمكن أن ننقل القضية إلى ميدان أوسع فنقول: هل يتعارض العلم إطلاقاً مع الدين؟ وهذا بحث شغل أذهان الباحثين خلال القرن التاسع عشر، ثم خفت حدة الخلاف وتم الوفاق أخيراً بين العلم والدين. وهذه النزعة التي نشاهدها الآن في أوربا وأمريكا حيث يسود العلم تبين لنا اتجاه الناس نحو الدين بعد موجة الإلحاد والزندقة.

ص: 22

ومع ذلك يقول بعض العلماء إن التقدم في علم النفس، وبخاصة في أحد فروعه وهو التحليل النفساني، من الأسباب القوية التي تصرف الناس عن الإيمان، لأن هذا العلم يستند إلى المبدأ القائل بالحتمية النفسية أي اتصال سلوك الفرد بأسباب محتومة تستقر في نفسه منذ الصغر وبحكم البيئة. فإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن نحاسب السارق أو القاتل، لأن الأسباب الدافعة للمجرمين في اعتدائهم، لابد أن تمضي إلى نهايتها فتحدث نتائجها ولا يستطيع المجرم أن يتخلص منها. ولكن هذا بحث آخر لا يدخل فيما وجه إلينا من أسئلة فنكتفي بهذا القدر وفيه الكفاية.

(رأس البر)

أحمد فؤاد الأهواني

ص: 23

(طاعة) الشام!

(مهداة إلى الأستاذ شفيق جبري)

للأستاذ علي حيدر الركابي

أستاذي الفاضل:

نشرت لكم مجلة (العالم العربي) كلمة بعنوان (طاعة الشام) في عددها الصادر في اليوم العاشر من شهر حزيران سنة 1947 فقرأتها ووقفت أمامها حائراً بين الرد عليها والسكوت عنها. كان يدفعني إلى الرد أنكم عالجتم موضوعاً خطيراً ومثيراً، ووجهتم إلى بلدكم الذي هو بلدي تهماً لا يقبلها ذو كرامة. وكان يدفعني إلى السكوت أني نشأت على الإعجاب بكم واحترام علمكم والثقة بآرائكم وقلت في نفسي إن أستاذنا الكبير لا ينطق عن الهوى وإن له من سعة الاطلاع وكثرة التجارب وعمق التفكير ما لا يبقى معه مجال لاعتراض معترض. وأخيراً ترجح عندي التريث حتى تظهر نتائج الانتخابات العامة في سوريا وهي أكبر محك للشعب: فإذا رافق الانتخاب ضغط وتدخل وسكت عن ذلك أهل الشام سلمت بنظرية أستاذي الكبير ولزمت الصمت وكلي خجل من طاعة الشام، وإذا حال أهل الشام دون الضغط والتدخل وتقدموا إلى الانتخاب بحرية وميزوا بين الصالح والطالح كتبت الرد.

وظهرت النتائج الباهرة فإذا بي أتناول القلم لأكتب هذا الرد. ولا أخفي عنكم يا سيدي أنني في سري كنت أتوقع شيئاً مما حدث وأدعو الله أن يحققه. فإذا تجرأت الآن على مخاطبتكم على صفحات (الرسالة) فإنما أفعل ذلك بدافع من حبي للشام واعتزازي بأهله وشعوري بواجب الدفاع عنهم بالحق كما أني من جهة ثانية واثق من رحابة صدركم:

زعمتم يا سيدي أن في خلق أهل الشام (طراوة وتميعاً) جعلتهم يشتهرون بالوداعة وبالطاعة والمتابعة. واستشهدتم على ذلك بعبارات قالها بعض رجال التاريخ العربي ثم فتشتم عن سبب هذه (الطاعة) فوجدتم السر في (طبيعة بلاد الشام. . . هوائها ومائها وسمائها وأرضها) ولجأتم إلى (أميل لودويغ) لدعم رأيكم وخرجتم من ذلك كله بأن طعنتم رجولة الشام وأهلها وأشرتم إلى اغتيالات مصر وثورات العراق بما يفهم منه ضمناً أنكم آسفون إذ لم تحذو الشام حذو شقيقتها. وكان بودكم أن تطيلوا البحث لولا أن (المجال لا يتسع للتبسط في الكلام على طبائع أهل الشام) ولولا أن لطف الله و (اقتصرت من هذه

ص: 24

الطبائع على واحدة) لقرأنا لكم عن قومكم ما لا يبقي ولا يذر! وختمتم بحثكم بكلام عام عن (تشتت أخلاقنا) وضربتم مثلاً عليه تعدد النزعات السياسية بيننا.

أما استشهادكم بالأقوال التاريخية فلا أود أن أتعرض له بأكثر من كلمة: ذلك أن كلام القادة والولاة والمؤرخين الذين نقلتم عنهم إما أن يكون وصفاً واقعياً وفي هذه الحالة يكون منطبقاً على عصر القائل وليس شرطاً أن يكون الخلق الموصوف باقياً حتى العصر الحاضر، وإما أن يكون الوصف ذاتياً أي أنه وصف للصورة التي كونتها في نفس القائل تجاربه الشخصية والتي حملته على أن يستخلص حكماً عاماً من حوادث خاصة وفي هذه الحالة لا يصح الاستشهاد به.

أما نسبتكم طاعة أهل الشام إلى اعتدال مناخهم، ورقة طباعهم إلى جمال بلادهم فإنه يحوي في طياته جزءاً من الحقيقة لا كلها. ذلك أن الطبيعة يا سيدي - وسيد العارفين - ما هي إلا عامل واحد من العوامل التي تؤثر في طباع الناس. ومعاذ الله أن أتعدى على علمكم وفضلكم فأروح أعدد تلك العوامل أو أشير إلى علماء الاجتماع وكتبهم؛ ولا أسمح لنفسي إلا بأن أذكركم - بكل تواضع - بأن الأحداث الخطيرة التي تتعرض لها الأمة ذات أثر قوي في تكوين طباع أفرادها، وهو أثر لا يقل عن أثر الطبيعة نفسها لا بل قد يفوقه. ومن هذه الأحداث الحروب والكوارث الوطنية والحكم الأجنبي والأزمات الاقتصادية الخ. ولعلكم تعترفون كذلك بأن الثقافة وانتشار التعليم من العوامل الرئيسية. وعلى هذا فإن طبيعتنا الحلوة إن ولدت في أمزجتنا اعتدالاً وفي شمائلنا رقة فإن تلك الأحداث قد أوجدت فينا إلى جانبها قوة الشكيمة وصلابة العود وإن انتشار التعليم قد خلق فينا وعياً وقدرة على التمييز.

وليس مثلكم من يحتاج أن تضرب له الأمثال عن صلابة عود أهل الشام وأنتم في طليعة موكب الكفاح والوطنية. ولا أحب أن أحيلكم على كتّاب من أبناء فرنسة سجلوا لنا الفخار واعترفوا لنا بقوة العزيمة. بل أدعوكم إلى رحلة زمنية ومكانية نبدأ فيها بالخيال الفكري الذي ولد ثورة العرب على العثمانيين والذي كان من أقطابه أبناء الشام البررة الذين أدوا ضريبة الدم على مشانق (جمال باشا السفاح). ثم نسير في ركاب (فيصل) من الحجاز إلى الشام لتشاهدوا الشاميين في عداد أعوانه وجنوده. ونستقر بعد ذلك في ربوع الشام نفسها

ص: 25

حيث قام مُلك عزيز قوي عند العرب عليه آمالهم. وما كان لينهار لو لم تتآمر الدول المعظمة عليه. ولعلكم لم تنسوا (ميسلون) وروابيها المخضبة بدماء الأبطال وأنتم تمرون بها في طريقكم إلى مصيفكم الهادئ في (بلودان) وننتقل بعد ذلك في (حلب) وجوارها أيام الزعيم (هنانو) وفي (دمشق) و (الغوطة) و (جبل الدروز) ونحيي معاً التربة التي قدستها أرواح شهدائنا. ثم نتجول في شوارع مدننا وأزقة قرانا، في سهولنا الخصبة وجبالنا الخضراء ونستمع إلى قصص البطولة والمجد المسطرة على كل حجر وفي كل شبر من الأرض - سطرناها في كل يوم من أيام استعبادنا البغيضة لنسمع الملأ بأننا لا ننام على الضيم. ألا يسعدكم أن تعيشوا ثانية - في الخيال - تلك الأيام الخمسين التي أضربت فيها البلاد من أقصاها إلى أقصاها حتى أذلت الشامخ وأنزلته من عليائه ليمد لها يد الصداقة. ألا يثلج قلبكم أن ترتقوا ثانية - في الذهن - منبر الجامعة السورية لتؤبنوا (هنانو) بمرثية دكت عرش الغاشم وأذنابه؟ وهل تسمون الإعراض عن مغريات المستعمر في ذلك الإضراب المخيف أو استجابة الشعب لصرختكم المدوية طاعة ووداعة؟ وتلك السجون التي ملأت فيما مضى بأحرارنا، وهذه القلاع الحصينة المشرفة على عاصمتنا وسائر مدننا، هل أقامتها فرنسة خوفاً من طاعتنا ووداعتنا؟ وهذه المخازي الجنونية التي تركت لنا فرنسة أثرها الوحشي في دار (البرلمان) وفي غيرها من دورنا العامة والخاصة هل تعدونها وثيقة اعتراف منها بأننا كنا طائعين ووادعين؟ وذلك الجلاء الذي تم وهذا الاستقلال الذي ننعم به وهذه المكانة الدولية المرموقة التي باتت فخراً للعرب كافة هل هذا كله من صنع الطاعة والوداعة؟

كلا يا سيدي! لقد خانتكم الذاكرة وما أسعفكم التعبير، ثم أخطأتم في الحساب فما كانت ثورة واحدة بل ثورات. . .

لا أخالكم تنكرون ذلك، وأغلب ظني أنكم تأخذون على أهل الشام طاعتهم لحكامهم بعد الاستقلال لا قبله وأنكم ترون هؤلاء الحكام (على مقدار من الجهل وكره العلم لا بأس به وحصروا مرافق الدولة في حزبهم وأصحابهم وحبسوا وظائفها على صنائعهم وعبثوا بالقانون وبددوا بيت المال). إن كان هذا قصدكم وإن صح أن هؤلاء الحكام كما ذكرتم أفما أقنعتكم الحوادث أن الشعب لم يقف منهم موقف الطاعة والوداعة؟ لقد رفض الشعب اتفاق

ص: 26

(بفن بيدو) وغضب على المرسوم (50) وطالب بتعديل قانون الانتخاب وتأهب للوثوب فيما إذا وجهت الانتخابات توجيهاً خاصاً فانتصر على طول الخط إذا اضطرت الحكومة بعد تبني الاتفاق المذكور إلى نبذه واللجوء إلى مجلس الأمن، كما أرغمت على سحب المرسوم (50) وعدل مجلس النواب قانون الانتخاب فأصبح على درجة واحدة، وأخيراً جرت الانتخابات فإذا بها تخلو في الغالب من الضغط والتدخل، وإذا بنتائجها تدل على أن الشعب لم يكن طائعاً وادعاً. لم تكن هناك طاعة عمياء بل تمرد واع على كل باطل وقد بلغت البلاد بفضل ذلك درجة من التقدم في تطورها السياسي لم تبلغه كثير من الدول التي سبقتها إلى الاستقلال.

هذا ما قام به الشعب. أما رد الطعن على هذه الحكومة في مجالسنا الخاصة وفي مقاهينا فيتلاشى هذا الطعن كما يتلاشى دخان المقاهي في الفضاء) فهو من عمل الخاصة لا العامة - الخاصة التي لا تمثل حقيقة الشعب في خوفها على تعكير صفو حياتها، في تأنيها وبطئها، في أبراجها العاجية الرفيعة، في أهدافها المجهولة وغاياتها الحائرة، في تذمرها (النظري) وللها الأرستقراطي، في هروبها من الواقع وهجرها ميدان العمل، في أثرتها وشذوذها في تغرقها وتناقضها.

هل يرغب أستاذنا الفاضل في أن يثور أهل الشام وأن يغتالوا من أجل سواد عيون هذه الخاصة المترفعة؟ أفلا يرى الصلاح كل الصلاح - بعد الاستقلال - في ذلك التطور الطبيعي وذلك التدرج المحمود وتلك الحركات الشعبية السليمة التي أوجدت لنا مجلساً جديداً للنواب يمثل الأمة تمثيلاً هو أقرب ما يكون إلى الكمال؟ ألا يحوي هذا الوضع في طياته ضماناً كافياً للمستقبل الذي سنتخلص فيه من تلك الأخطاء في الحكم التي أشار إليها والتي لا ينكر وجودها - أو جلها - والتي لا تنفرد بلاد الشام فيها؟ وما الذي جنته مصر من اغتيالاتها غير فقد رجل مثل (أحمد ماهر) لا يعوض؟ وما الذي جناه العراق من ثوراته الداخلية غير الخسارة في الأموال والأرواح؟.

وتقولون أن في الشام نزعات (فهذا شيوعي وهذا نازي وهذا فاشستي وهذا فرنسي وهذا إنكليزي وهذا تركي وهذا سعودي وهذا هاشمي، كل واحد على قدر مصلحته وبحسب منفعته!) وهذا لا ينكر؛ ولكن الشكوى من هذه النزعات ليست منحصرة في حدود الشام بل

ص: 27

تكاد تكون عامة في جميع البلاد العربية، لا بل في جميع بلاد العالم. ثم إن أهل الشام جديرون بكل تقدير وإعجاب لأنهم في الانتخابات الأخيرة أبعدوا عن الندوة النيابية بعض الأشخاص المعروفين بالنزعات المتطرفة فأصبحت دائرة نشاطهم محدودة. هذا فضلاً عن أن مكانتهم في مجتمعهم كانت وما تزال ثانوية وأثرهم في محيطهم كان وما يزال وسيبقى ضئيلاً

سيدي الكريم:

أرى أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الكلام الذي آمل أن تكونوا قرأتموه بما عرف عنكم من بعد عن الغضب وتشجيع للشباب وحب لكل ما يتصل بالفكر. وإني أرجو في الختام ألا تحرموا وطنكم من ثمرة علمكم وأن تعملوا على قتل النزعات المتباينة بإرشاد أهل الشام إلى الطريق السوي الذي ترون لهم فيه الخير والفلاح.

واقبلوا أصدق عبارات الإعجاب والاحترام.

بغداد

علي حيدر الركابي

ص: 28

‌خواطر مسجوعة:

الحب. . .

(إلى من آمن بالحب، ومن كفر به)

الحب كما عرفت، فإن لم تكن على حقيقته وقفت، فقد استرحت وأمنت، وخير لك أن تظل كما أنت. فإن قالوا لك إنه رتبة سامية، وحياة ثانية، فقل لهم إنه عنيف جبار، وشواظ من نار. وإن قالوا إنه أوحى وألهم، وعلم الإنسان ما لم يعلم، فقل إنه قرين القلق، وخدين الأرق، بل الشغل الشاغل، والداء القاتل!

فمن عرف الحب طاهراً قاهراً، بات حائراً ساهراً، يناجي من حبيبه روحاً دانياً، وشبحاً نائياً، قانعاً من الحب بروحه لا بذاته، ومن الحب بنيرانه لا بجناته، وربما زعم أن هذا لا يكفيه، فاستزاد به على ما هو فيه، فقال يا من خلقت قلبي رقيقاً، وأصليته حريقاً، أردتني صباً، فزدني حباً، وهبني جنوناً هو عندي الهدى، وفي غيره يضيع العمر سدى. . .

هكذا ترى الولهان متفلسفاً في خباطه، أو مسرفاً في اغتباطه، فإن خير بين سهاد الشجي، ورقاد الخلي، آثر الأول، كارهاً أن يتحول. ولو وهب أيامه للصبر، وصحب أوهامه إلى القبر، فإن ذهبت مذهبه، وأعجبك ما أعجبه، وآمنت بأن حياة الحب فناء في رضاه، فانشد إن شئت في ذلك الموت تلك الحياة. وإن شئت فاهزأ بالحب والمحبين، ودعهم في نارهم معذبين، وحسبك دنيا محدودة الأبعاد، تمرح فيها فارغ الفؤاد، ضاحكاً بملء شدقيك لا لك ولا عليك!

ولست بشارح لك حقيقة الحب، فالحب يعرفه من أحب. وإن قدر لك الحب ووقعت، عرفت ما من شرحه امتنعت!

حامد بدر

ص: 29

‌واضع علوم البلاغة

رأي ابن خلدون فيه

للأستاذ علي محمد حسن العماري

تهيأ للبحث التاريخي أن يهتدي لمولد كثير من العلوم، وأن يتعرف على واضعيها؛ فهو يعين أول من تكلم في النحو، ويؤكد أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو واضع علم العروض، وأن أبا معاذ الهراء أول من أفرد الصرف بالتأليف. . . وهكذا. ولكن أصحاب تاريخ العلوم لا يتفقون على رأي في واضع علوم البلاغة، ولعل منشأ ذلك كثرة الكاتبين فيها في أزمة متطاولة، كما أن تأخر التقعيد فيها وظهورها أول الأمر في مظهر النقد الأدبي جعل الأنظار تتجه وجهات مختلفة، وسنقدم بين يدي بحثنا كلمة عن نشأتها: -

تكاد تتفق كلمة العلماء على أن القول في البيان كان مبكراً؛ فالخليل المتوفى سنة 170هـ تحدث عن الاستعمال المجازي والجناس والمطابقة، وتلميذه سيبويه المتوفى سنة 177هـ تكلم عن التقديم والتأخير ومجاز الحذف؛ ثم استفاضت هذه البحوث فيما كتبه الجاحظ (255) وأبو هلال (395) وابن رشيق (447) فكتبوا كتابات ذات بال ولكنها كانت مختلطة بالمباحث الأدبية. فلما جاء عبد القاهر الجرجاني (474) وضع كتابين (أسرار البلاغة) و (دائل الإعجاز) وتحدث في الأول بإفاضة عن مباحث علم البيان، ومال قليلاً إلى بعض مباحث البديع، وخص الثاني بمباحث علم المعاني. وهذان الكتابان من أحسن ما كتب في هذين العلمين إلى يوم الناس هذا؛ فشواهدهما كثيرة، وأسلوبهما من أقوى الأساليب وأنصعها، وفيهما ميل واضح إلى التقعيد والتقنين. ونستطيع أن نقول أن مباحث العلوم الثلاثة قد تميزت بعد عبد القاهر، فابن المعتز (296) ألف كتاباً في البديع ذكر فيه سبعة عشر نوعاً منها مباحث علم البيان، وأبو هلال ذكر خمسة وثلاثين نوعاً من البديع وبذلك أصبح لهذا العلم كيان مستقل، وأما البيان فقد أفاض فيه عبد القاهر فكان صاحبه، وكذلك علم المعاني إذا أضفنا ما كتبه العسكري، ولو أن علوم البلاغة وصلت إلينا على الحال التي كانت عليها في عهد عبد القاهر لكانت ذات غناء وجدوى، ولكنها منيت بالقيود والأغلال فظلت سجينة فيها حقباً طوالاً، وكان ذلك على يد العالم الجليل أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي المتوفى سنة 626هـ فوضع كتابه (مفتاح العلوم)

ص: 30

وكان صاحب فلسفة فأخضع علم البيان لذهنيته الفلسفية، وقد نظر فيما كتب السلف من بحوث فنظمها في قواعد جافة كمواد القانون، ومنذ ذلك الحين ودراسة البلاغة لا تعدو هذه الدائرة التي صب فيها السكاكي مباحث البيان والمعاني والبديع، وكذلك التأليف لم يعد أن يكون اختصاراً أو شرحاً أو تحشية على المفتاح أو ما تفرع منه. ونستطيع أن نستثني بعض كتب قليلة ككتاب الطراز فإن صاحبه لم يطلع على شيء مما كتبه السكاكي فيما يحدثنا عن نفسه.

نستطيع أن نتبين بعد هذا من غير كبير عناء أن صاحب علمي المعاني والبيان هو عبد القاهر وأن صاحب البديع هو عبد الله بن المعتز، وقد يعيننا على ذلك أمران:

(1)

ما كتبه العلوي في مقدمة كتابه الطراز (وأول من أسس من هذا الفن وقواعده وأوضح براهينه، وأظهر فوائده، ورتب أفانينه الشيخ العالم التحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجاني)

(2)

ما كتبه السكاكي في فصل أخير من كتابه بعد أن تحدث عن عمله في علمي المعاني والبيان قال (هذا ما أمكن تقريره من كلام السلف رحمهم الله في هذين الأصلين، ومن ترتيب الأنواع فيهما، وتذييلهما بما كان يليق بها، وتطبيق البعض منها بالبعض، وتوفية كل ذلك حقه على موجب مقتضى الصناعة) ثم قال (وعلماء هذا الفن - وقليل ما هم - كانوا في اختراعه، واستخراج أصوله، وتمهيد قواعدها، وإحكام أبوابها وفصولها، والنظر في تفاريعها، واستقراء الأمثلة اللائقة بها، وتلقطها من حيث يجب تلقطها، فعلوا ما وفت به القدرة البشرية إذ ذاك) وإذا أردنا أن نعرف من هم السلف الذين قصدهم السكاكي هدانا البحث في كتابه إلى أن عبد القاهر هو المقدم فيهم، وعليه اتكأ السكاكي فهو يصرح في موضع من فضل كتابه بفضل عبد القاهر فيقول عند اختلافهم على أن الاستعارة مجاز عقلي أو لغوي (ومدار ترديد الإمام عبد القاهر قدس الله روحه لهذا النوع بين اللغوي تارة وبين العقلي أخرى على هذين الوجهين جزاه الله أفضل الجزاء فهو الذي لا يزال ينور القلوب في مستودعات لطائف نظره لا يألو تعليماً وإرشاداً) وهو يترسم خطاه في مواضع كثيرة حتى لينقل سطوراً من كتبه بنصها، وأن تأثره بها لبعيد المدى وسنفرد هذا ببحث خاص إن شاء الله.

ص: 31

كل ذلك لا يدع عندنا مجالاً للشك في أن عبد القاهر صاحب الفن وممهد قواعده ومهذب مسائله. لكن ابن خلدون هذا الألمعي النابغة برأي في مقدمته أضل بعض الكاتبين بعده، وهو رأي ذو خطر لأنه يسلب الإمام الجرجاني كل أثر في وضع هذه العلوم قال:(وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم البيان، وهو اسم الصنف الثاني، لأن الأقدمين أول من تكلموا فيه، ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى، وكتب جعفر ابن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم إملاءات غير وافية فيها، ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئاً فشيئاً إلى أن فحص السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه على نحو ما ذكرناه آنفاً من الترتيب، وألف كتابه المفتاح في النحو والصرف والتعريف والبيان).

ولننظر أولاً فيما فعله السكاكي حتى نكون على بينة. نظر فيما كتبه المتقدمون فوجد أبحاثاً في النظم في النظم والتشبيه والاستعارة وغيرها من مباحث الفن، ولكنها لا ترجع إلى ضوابط وقوانين، فكان كل همه أن يقعّد هذه المسائل ويخترع لها الاصطلاحات العلمية، وهذا المسلك واضح كل الوضوح في عمل السكاكي وفي قوله، فهو فيما نقلنا آنفاً يقول:(وتوفية كل ذلك حقه على موجب مقتضى الصناعة). ويقول في موضع آخر: (ثم ما لهذا العلم من الشرف الظاهر، والفضل الباهر، لا ترى علماً لقي من الضيم ما لقي، ولا مني من سوم الخسف بما مني، أين الذي مهد له قواعد ورتب له شواهد، وبين له حدوداً يرجع إليها، وعين له رسوماً يعرج عليها، ووضع له أصولاً وقوانين، وجمع له حججاً وبراهين وشمر لضبط متفرقاته ذيله، واستنهض في استخلاصها من الأيدي رجله وخيله).

ومع أن صدر هذا الكلام متابعة للإمام عبد القاهر في حديثه عن الضيم الذي لحق هذه العلوم - ولا يزال يلحقها إلى عصرنا هذا - إلا أن آخره يدلنا على النهج الذي سلكه السكاكي. وقد تدهش حين تسأل السكاكي ما هي هذه المتفرقات التي لم يشمر لها أحد ذيله؟ فيجيبك بأنها علم أصول الفقه، وعلم الحد، وعلم الاستدلال. وفي ذلك يقول:(علم تراه أيادي سبا، فجزء حوته الدهور، وجزء حوته الصبا، انظر باب التحديد - فإنه جزء منه - في أيدي من هو؟ بل تصفح معظم أبواب أصول الفقه من أي علم هي؟ ومن يتولاها؟).

ولا عجب، فهو يتحدث في كتابه عن تكملة علم المعاني، فيذكر باب الحد وباب الاستدلال، وفي ذلك يقول (الكلام إلى تكملة علم المعاني وهي تتبع خواص تراكيب الكلام في

ص: 32

الاستدلال. ولولا كمال الحاجة إلى هذا الجزء من علم المعاني، وعظم الانتفاع به لما اقتضاها الرأي أن نرخي عنان القلم فيه. اعلم أن الكلام في الاستدلال يستدعي تقديم الكلام في الحد) ولكنه يشعر أن صاحب علم المعاني لا حاجة به إلى هذا المنطق، وأنه لن يتقبل كلامه بالقبول فيقول (وكأني بكلامي هذا - وأين أنت من تحققه؟ - أعالج من تصديقك به، ويقينك لديه باباً مقفلاً، لا يهجس في ضميرك سوى هاجس دبيبه، فعل النفس اليقظى إذا أحست بنبأ من وراء حجاب). ونخلص من كل هذا إلى أن السكاكي رأى علوم البلاغة غير مضبوطة فضبطها ومتفرقة - في نظره - فجمعها، وإن كان لم يلحق بكتابه علم أصول الفقه، والنظرة الفاحصة تدلنا على أن ابن خلدون لم يرد برأيه أن يعطي السكاكي أكثر من هذا، فإنه أجمل القول في أول الفصل، وتحدث عن رءوس مسائل علوم البلاغة ثم قال: -

(وترتيب الأبواب على ما ذكرته آنفاً) وهو إنما تحدث عن تمييز هذه العلوم وضبطها، وحينئذ تسقط حجة الذين يستدلون برأي ابن خلدون، فلا وجه له، ولا حجة فيه غير ما ذكرنا، لكنهم يقولون إن إهماله لعبد القاهر يدل على أنه لا يراه واضعاً لعلوم البلاغة وإلا لذكره مع أصحابه. وهل يراه دون جعفر وقدامة والجاحظ في أمر هذا الفن؟ وللإجابة عن هذا افترض أن ابن خلدون لم يطلع على جهود عبد القاهر في علم البيان والمعاني ويؤكد هذا الافتراض عندي أمور: -

1 -

أن كثيراً من أصحاب التراجم لم يترجموا له؛ فابن خلكان لم يذكره في كتابه (وفيات الأعيان) وياقوت لم يترجم له في معجم الأدباء مع أنه ترجم لنكرات كثيرة، بل لم يذكره في كتابه إلا عرضاً عندما ترجم لمحمد بن الحسين الفارسي فقال (ثم استوطن جرجان وقرأ عليه أهلها منهم عبد القاهر وليس له أستاذاً سواه). وكذلك لم يذكره في معجم البلدان مع أنه نزل جرجان وذكر جماعة من جلة علمائها.

2 -

والذين ترجموا له كالحافظ الذهبي في تاريخه (دول الإسلام) وكالسبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) وكصاحب (شذرات الذهب) وصاحب (فوات الوفيات) والسيوطي في (بغية الوعاة) لم يذكروا أنه واضع هذه العلوم، بل لم يذكروا كتابيه في البلاغة، ولم يشيروا إلى شيء فيهما.

ص: 33

3 -

ويحيى بن حمزة بن علي العلوي أمير المؤمنين وصاحب كتاب الطراز (669 - 749هـ) - وهو الذي ذكر أن عبد القاهر صاحب هذا الفن - لم يطلع على كتابيه وفي ذلك يقول (وله من المصنفات فيه كتابان أحدهما لقبه بدلائل الإعجاز والآخر لقبه بأسرار البلاغة، ولم أقف على شيء منهما مع شغفي بحبهما، وشدة إعجابي بهما إلى ما نقله العلماء في تعاليقهم منهما) وهو بعد قريب عهد بعبد القاهر، وفي مكنته أن يبعث من يجوب الآفاق يبغيهما له.

ويبدو أن الكتابين كانت لهما شهرة في بلاد الشرق، ومن ذلك أمكن السكاكي والزمخشري وهما من جرجان، أن ينتفعا بهما، كما أمكن سعد الدين التفتازاني وغيره من علماء البلاغة المشارقة أن يتتلمذوا على عبد القاهر في البلاغة، أما ابن خلدون فقد انتهى به المطاف إلى مصر ولم يجاوزها إلى المشرق إلا في رحلته إلى تيمورلنك وهي رحلة قصيرة ولذلك لم يتهيأ أن يطلع عليهما، وقد يقال أنه رأى شيئاً منهما في كتب العلماء ولاسيما الإيضاح للخطيب القزويني فقد أشاد به ولكنا نقول أنه لم يكن يعرف حقيقتهما، ولو عرف لكان له مسلك آخر في تاريخ علم البيان.

ولعل السر في خمول الكتابين أن الإمام لم يخرج من بلده على عادة العلماء في الرحلة، كما كان لشهرته (بالنحوي) أثر في ذلك، فقد طغى نحوه الواسع العريض على بلاغته.

وإنا لنأخذ على ابن خلدون أن نسب تهذيب البديع إلى السكاكي، والحق الذي لا يمارى فيه أن المصطلحات البديعية عرفت في كتاب ابن المعتز كما عرف كثير منها في كتاب (الصناعتين) لأبي هلال العسكري.

علي محمد حسن العماري

المدرس بمعهد القاهرة الثانوي

ص: 34

‌سمو

للآنسة (دنانير)

أحبك للفن، يسمو هواك

بنفسي نحو الرحاب العُلى

فيدني إليها معاني السماء

وينأى بها عن معاني الثرى

سموت بقلبي وروحي فراحا

يفيضان بالشعر، شعر الهوى

ونضرت عيشي فأمسى غضيراً

ترف عليه زهور المنى

ورفرف في القلب حلم سعيد

جميل الخيالات حلو الرؤى

وقد كنت في وحشة لا رى لي

أليفاً يبدد عني الأسى

فلا النفس يسعدها فيض الحب

ولا القلب يسطع فيه السنى

إلى أن تجليت روحاً مشعاً

كنجم تلأتلأ لابن السرى

فتضوأت أيامي الحالكات

وأفغمتها بذكي الشذى

وأحييت نفسي بأسمى هوى

هو الخلد أو نفحات السما

وأويت روحي بصوب الحنا

ن كالروض أرواه صوب الحيا

ومن عجبي أنني ما رأيتك

لكن أحسك روحاً هفا

يحن إليّ ويحنو عليّ

وينساب حولي هنا أو هنا

إذا ما صحوتُ، إذا ما غفوتُ

إذا ضجّ يومي وليلي سجا

رقيقاً شفيقاً كنور الصباح

زكياً نقياً كقطر الندى

فيا أيها الروح، ما أنت؟ قل لي

أأنت من الله روح الرضى؟

وهل أنت ظل الأمان الظليل

دنا ليَ من سدرة المنتهى؟

ترى شعَّ نور الإله بنفسي

ليجلو الطريق ويهدي الخطى؟

وهل للملائك ألحان حب

فأنت بقلبيَ رجع الصدى!

فإني أحسك روح الرضى

وظل الأمان، ونور الهدى

وأصغي لدقات قلبي فأسم

ع لحناً طهوراً بعيد المدى

يوقعه حبك المستفيض

فيذهلني وقعه المشتهى

وتغمرني سكرات التجلي

كأن الإله لعيني بدا

ص: 35

أخالك صورة حب كبير

جلاها لعيني وحي السما

تهيئ روحي لصوفية

وتنفض عنها غبار الثرى

ص: 36

‌رمضان

للأستاذ محي الدين صابر

رمضان. . . والأيام تدَّكر. . .

كيف الرفاق عليك والسمر

صور من الماضي أجمِّعها. . .

فتكاد تنطق في يدي. . . الصور

وأكاد ألمح فيي معارفها. . .

كوناً من الأشواق. . . ينفجر!!

وأكاد أسمع جنة رجفت

في روحها للغيب. . . تنحدر. . .

تلك المعاني كلما بليت. . .

فنسيتهن. . . يثيرها. . . قدر

رمضان. . . ما أحلى وأعذبه

عهداً. . . وقد تستروح الذكَر. .

فكأن يومك من. . . تألقه

تسبيحة. . . أو خاطر عطر

المؤمنون عليك: مبتهج

يلقاك بالتقوى. . . ومصطبر

يمشون إن هرم النهار بهم

زمراً تزيف. . . وراءها زمر

وتجمع الصبيان واحتشدوا

وترقبوا مسراك وانتظروا

فكأنهم صاموا. . . وما فعلوا

لكنهم بجلاله. . . شعروا

حتى إذا قرع الأذان مضوا

فتصايحوا في الحي وانتشروا

والخير أفسح في النفوس مدى

يهواه من عجزوا ومن قدروا!

والليل كم طاف الجلال به

فحلا على محرابه. . . السهر

من ضارع لله مبتهل

للنور في أعطافه. . . أثر

أو سامر نثر الحياة به. . .

فناً ليوم الفن يدخر

أما المآذن في جلالتها

فكأنها الآيات والسور

يمشي الأذان بهن ممتلئاً

عذباً. . . فما نايٌ. . . وما وتر؟

ومسحر طرب، يهب له

من ضجعة الأحلام. . . مستحر

تتجاوب الطبلات بينهم

في الليل، كالدعوات تنتثر

صحبى همُ. . . إن رغوا قدست

نفسي ولف رحابها طهر

ألقاهم في الليل. . . منطلقاً. . .

وعلى الطريق إذا هم عبروا

ونقص ما تأتي الحياة به

ونقول. . . ما نبقي. . . وما نذر!!

ص: 37

وترى الحديث يكاد أكثره

بين الصدى والطبل، ينطمر

رمضان. . . ذلك في مفاتنه. . .

فكأنه - مما حلا - ظفر

والعيش ذلك. . . في ملاعبه

كالخمر تحت الكرم تعتصر

واليوم. . . ما رمضان؟ أبصره

فكأنه في خاطري. . . خبر!!

أُذهلت فيه. . . فيومه سفر

طولاً وما في ليله قصر

وأكاد أنكره - على ورعي -

وتكاد عنه النفس تعتذر!!

رمضان كيف يصوم مغترب

لولا التقى. . . ونوازل أُخر

مضت الحياة. . . وكلها فتن

واليوم. . . إن حياتنا. . . عبر!

ص: 38

‌تعقيبات

الدكتور عبد الوهاب عزام بك:

ذلك الرجل جمّله الله بالتواضع، وكمّله بالعلم، وزينه بكل فضيلة، وماذا ترى في رجل له في الناس ألف صديق وليس له فيهم عدو واحد؟!

شاعر عربي ينفح شعره بأنفاس الإنسانية، وأديب كاتب تتجلى في نثره نفحات العبقرية، وعالم باحث لا يزدهيه الفخر بغزير علمه، لا يدخله الغرور بجزيل فضله، ولكنه دائماً موطأ الجانب، يلقي إليك بما عنده وكأنه يأخذ منك ويتلقى عنك، ثم هو بعد ذلك يتوجه بالشكر إليك. . .

ذلك هو عبد الوهاب عزام الذي وقع اختيار أولي الأمر عليه أن يكون وزيراً مفوضاً لمصر في المملكة العربية السعودية، وإنه لاختيار موفق كسبت به تلك (الوزارة)، ولن يخسر به الأدب والعلم شيئاً إن شاء الله؛ ذلك لأن الرجل أديب بطبعه، وإنسان متفتح الإنسانية، فصلته بالأدب هي صلة النفس، فمحال أن تنفك أو تضعف بحال من الأحوال.

إنني لن أكتب عن عبد الوهاب عزام اليزم كما أعرفه، وكني أقتصد ذلك لفرصة قادمة، وأكتفي اليوم بهذه التحية القصيرة، وإنها لتحية الأدب والفضل والإنسانية في شخصيته النبيلة. . .

هذه المؤتمرات:

في 23 أغسطس الحالي يعقد في سورية (مؤتمر الآثار بالبلاد العربية) الذي قررت عقده جامعة الدول العربية. وقد رشحت وزارة المعارف ثلاثة من أساتذتها لتمثيلها في هذا المؤتمر. وفي 3 سبتمبر المقبل يعقد المؤتمر الثقافي الأول الذي قررت جامعة الدول العربية أيضاً عقده في لبنان، وقد اختارت الوزارة ستة من كبار أساتذتها لحضور هذا المؤتمر

ولعل القراء يذكرون أني عرضت لهذه المؤتمرات التي تدعو إليها الجامعة العربية من قبل، وأشدت بما تؤدي إليه من الفوائد والآثار الطيبة، ولكن الذي يهمني أن أشير إليه هنا هو أن الجامعة تجري في التدبير لعقد هذه المؤتمرات على نهج الحكومات والوزارات التي تأخذ نفسها بالأوضاع الرسمية، وكنا نحسب أن الجامعة ستجعل من عقد مؤتمراتها

ص: 39

واجتماعاتها مجالاً يتلاقى فيه رجالات العرب ومفكروهم وأساتذتهم لا أن تكون مجالاً لموظفي الحكومات فحسب، وإلا فإنها ستكون عديمة الجدوى قليلة الفائدة. . .

لقد كان الواجب على الجامعة أن تترك الحكومات وموظفيها جانباً، وأن تعتمد في مؤتمراتها على رجال الفكر الأحرار فتتيح لهم الفرصة للبحث والمناقشة وتبادل الرأي، فإن هذا هو الأليق بمهمة الجامعة وغرضها في توثيق الروابط الثقافية، أما أن تجعل مؤتمراتها قاصرة على موظفي الحكومات الذين تعنيهم الرحلة للنزهة أكثر من الرحلة للعلم فإن ذلك مما يذهب بقيمة هذه المؤتمرات، وسيذهب أولئك الموظفون إلى تلك المؤتمرات، ثم يعودون ليضعوا تقريراً بما رأوا وشاهدوا، ثم تمضي الأيام وتمضي ولن يرى ذلك التقرير ضوء النهار. . .

وكم ذا بمصر من المضحكات!

في القرن الرابع للهجرة جاء المتنبي إلى مصر مادحاً لكافور الإخشيدي، مؤملاً أن يجسد مقاماً طيباً في رحاب المصريين، ولكنه سرعان ما ضاق بهذا المقام فهرب ناجياً بنفسه، وقد أصلى كافوراً والمصريين الهجاء المقذع المرير. . .

ويقول مؤرخو الأدب: إن المتنبي كان يطلب ولاية من كافور، فلما أباها عليه لجأ إلى هذا الصنيع الذي صنع، والواقع الذي يدل عليه شعر الرجل غير هذا، إنه ضاق بمصر وبالمصريين، لأنه رأى الأوضاع فيهم مقلوبة: رأى أعجمياً يدرس أنساب العرب فقال:

وكم ذا بمصر من المضحكات (م)

ولكنه ضحك كالبكا

بها نبطي من أهل السواد

يدرس أنساب أهل الفلا

ورأى عبداً خصياً ناقص الرجولة يحكم رجالاً من المصريين اكتملت لهم كل صفات الرجولة فقال:

لا شيء أقبح من فحل له. . .

تقوده أمَة ليس لها رحم

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

وقد كان في إقليمنا واعظ يعظ الفلاحين فيقول: أيها الناس إياكم وتعاطي الحشيش الأخضر الذي تأكله البهائم، وإنما أقصد الحشيش الذي مثل هذا. . . ثم يخرج من لفائف عمامته قطعة من ذلك المخدر القاتل فيطلعهم عليها. . .

ص: 40

ورد كل هذا على ذهني وأنا أقرأ كلمة للأستاذ أحمد الصاوي محمد في (أخبار اليوم) حمل فيها على معالي وزير المواصلات لأنه يشجع جماعة من الشبان الأدباء على إظهار مواهبهم، ويسهل لهم سبيل الظهور بآثارهم، والأستاذ الصاوي يعلم علم اليقين أن التشجيع في الأدب حافز الظهور والنهوض، بل حافز الخلق والإيجاد، وأن أرباب الأقلام يطالبون الدولة بأداء هذا الحق ويقدرونه واجباً من واجباتها، وأن الأمر في هذا كما يقول أبو حيان التوحيدي:(ولابد من فتى يعين على الدهر ويجمّ راحلة الأمل)! بل إن الناس جميعاً يعرفون أنه لولا تشجيع سيدة بارة كريمة لما كان هذا القلم الذي ينكر اليوم على وزير ما يبذله في تشجيع شبان أدباء. . .

أنا لا أريد أن أدافع عن معالي الوزير، فللوزير قلم مبين، ورأي مكين، ولا أريد أن أدافع عن (أدباء العروبة)، فكل منهم قادر على أن يدافع عن نفسه وعن جماعته، ولكن الذي يهمني أن يقحم الأستاذ الصاوي في هذه المجلة بموظف صغير - على حد تعبيره - هو الأستاذ محمود السيد شعبان الذي يشرف على تحرير مجلة سكة الحديد لأنه ينشر فيها مقطوعات شعرية في الغزل ووصف المرأة. . .

وليس في هذا موضع للمؤاخذة من الناحية الاجتماعية، فإن جميع الصحف والمجلات تنشر شعر الغزل والتشبيب، والإذاعة الحكومية تذيع على الناس صباح مساء فنوناً من المغازلات والمعابثات. . .

والفن الصحفي يقضي بأن تحلي المجلة العلمية بهذه الطرائف الفنية لتخفف ما فيها من نقل المسائل العلمية وتلطف ما بها من جفاف النظريات!

ولكن العجيب بعد هذا كله أن يكون الأستاذ الصاوي هو الذي ينكر هذا ويندد به وأكثر الموضوعات التي يطرقها هو الحديث عن المرأة في شتى صورها ومغامراتها

دع إنكار هذا لغيرك يا أخي، دعه لسماحة الشيخ الصاوي شيخ الطرق الصوفية، أما أن تتصدى أنت لذلك، فإنه يكون منطق الأعجمي الذي يدرس أنساب العرب، وواعظ قريتنا الذي ينهى عن الحشيش!

الكاتب المنشئ والكاتب الحاسب:

كتب الدكتور زكي مبارك في جريدة البلاغ مقالاً أشار فيه إلى الموازنة الأدبية التي عقدها

ص: 41

الحريري في إحدى مقاماته بين الكاتب المنشئ والكاتب الحاسب، وقال الدكتور: إن الفكرة في هذه الموازنة جديدة عند الحريري فما سبقه إليها باحث من المسلمين.

قلت هذا حكم يحتاج إلى التحرير والتصحيح، فإن الفكرة في الموازنة بين الكاتب المنشئ والكاتب الحاسب قديمة في الأدب العربي، وتسبق الحريري بأجيال وأزمان، فقد كان الكتاب الحاسبون يعرفون بكتاب الخراج، وقد أشار عبد الحميد الكاتب في رسالته التي توجه بها إلى الكتاب إلى هذا المعنى إذ يقول:(ولا تضيعوا النظر في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج). والواقع أن الحريري وجد مادة متوفرة لتلك المناظرة التي عقدها، حتى الأوصاف التي خلعها على الكاتب المنشئ والأخرى التي وصف بها الكاتب الحاسب قد أخذها كلها عن الكتاب السابقين وليس له فيها من فضل إلا المقابلة والمزاوجة وإيثار السجع في التعبير

ولقد كان رجال الأدب والعلم ينظرون إلى الكتاب الحاسبين نظرة إغضاء على العموم، وكانوا يعتبرون علم الحساب من العلوم التي لا تحتاج إلى موهبة خاصة أو فطرة سمحة، وكانوا يسمونه علم الصبية، ولا يحسون على الأخذ منه إلا بقدر ما يعين على معرفة التقسيم في علم الفرائض. وقد ظلت آثار هذا الرأي بادية بين علماء الأزهر إلى عهد قريب؛ وكل ما أريد أن أشير إليه هو أن الحريري لم يكن المبتدع لهذه الفكرة ولا أول من جال في مجالها كما ذكر الدكتور. . .

(الجاحظ)

ص: 42

‌الأدب والفن في أسبُوع

الفن والبيئة المصرية:

جاء في مجلة المصور ما يلي: (كان من مظاهر عناية جلالة الملك بالفن والفنانين أن أمر جلالته بتخصيص قطعة أرض مجاورة لقصر القبة العامر، مساحتها نحو ثلاثة أفدنة، لينشأ عليها مبنى للصغار الذين يظهرون نبوغاً في فن الرسم والنحت وما إليهما. ويرى جلالته أنه ينبغي تنشئة جيل جديد من الفنانين الذين لم يتشبعوا بعد بالفن الأجنبي ليجيء فنهم مصرياً خالصاً من وحي طبيعة مصر وبيئتها).

وهذا الرأي السامي الذي أرتآه جلالة الملك يتضمن لفتة ألمعية بارعة إلى ناحية من أبرز نواحي النقص في الفنون عندنا، بل لعلها علة القصور في جمهرة الفنانين، وهي الانشغال بالتقليد والاقتباس عن الإحساس بالبيئة وتأمل الطبيعة والأحوال المحيطة، وليس هذا في الرسم والنحت فحسب، بل هو في سائر الفنون. فنرى الروح الغربية تغلب في الرسم والموسيقى والتمثيل وتمتد إلى الأدب، ولم يقف ذلك عند حد الاستفادة من الفنون الغربية بما يجدد فنوننا ويسير بها نحو التقدم، بل إننا نستنفد طاقتنا في أكثر النواحي الفنية، في كل ما هو بعيد عن مجتمعنا وعالمنا ونفوسنا

وما أظن أن لدينا من المرسومات والمنحوتات المصرية البحتة في هذا العصر ما يصح أن يكون إنتاجاً كافياً لأن يقال أن في مصر للرسم والنحت فناً مصرياً له مقوماته وشخصيته

وهذه الموسيقى التي يقال إنها موضوعية أو تعبيرية، تسمع القطعة منها فلا تحمل إلى إحساسك أي شيء من موضوعها، وهي وغيرها أصوات متشابهة، قليل منها ما تستريح إليه الأذن، وأكثرها ما تستريح منه بوقف المذياع! وذلك لأنها محاولات تقليدية لم تبلغ أن تكون فناً أصيلاً يعبر عن الذات ويصور الإحساس. ولقد كانت لأسلافنا موسيقى نسمع عن تأثيرها البالغ ما يؤسفنا لحاضرنا في هذا الفن، كموسيقى الفارابي التي أضحك بها وأبكى، ثم أنام بها الحاضرين وانصرف. . .

وأدبنا أيضاً لا يصدر أكثره عن بيئتنا وحياتنا ولا توحيه طبيعتنا، فالشعر (يستغرب)، والقصة لا تزال غريبة، وحتى الأفكار الاجتماعية تقتبس، وإلى جانب هذه الروح الغربية تغلب أيضاً الروح العربية السلفية، فأدبنا يقضي أكثر أوقاته إما في الماضي، أو في

ص: 43

الغرب.

وأصل الداء في كل هذا أننا نسلخ عن بيئتنا ونقتلع أرواحنا من منابتها الأولى، ويتمثل هذا في الناشئ الذي يتعلم في (كتاب) القرية، ثم في مدرسة المركز الابتدائية، ثم في الثانوية بعاصمة المديرية، ثم في جامعة القاهرة أو الإسكندرية، وقد يذهب إلى ما وراء البحار؛ وهو في كل مرحلة من هذه المراحل يبتعد عن القرية بعقله وروحه بمقدار ما انقضى من الزمن وما بعد من المسافة، فإذا رجع إليها وشعر بالفارق بينه وبين أهله وأهلها لم يطب له المقام فيها. . . فيهجرها. . .

وليس لهذا النقص في فنوننا إلا علاج واحد، هو الذي أشار به الفاروق، وهو أن نعيش في مواطننا ونحس بما يضطرب في عالمنا ونستوحي طبيعتنا، ليكون فننا صورة لنا وعنواناً علينا، ويكسب بذلك الروح الذي يكون به فناً حياً.

السجل الثقافي:

رأت المراقبة العامة للثقافة بوزارة المعارف أن كثيراً من الهيئات الرسمية والحرة تقوم بنشاط ثقافي متصل لا يعرف عنه إلا القليل، ولو عرض هذا النشاط متجمعاً واضحاً لكان دعاية قوية لمصر، ولكان مادة نافعة تمكن الدارس من متابعة سير تلك الهيئات وإنتاجها وتوجيهها فيما يزيد الانتفاع بها؛ فتقرر إنشاء قسم بها للقيام بتجميع نشاط الهيئات الثقافية، وسمي (إدارة التسجيل الثقافي) وعمل هذه الإدارة تسجيل مظاهر النشاط الثقافي في البلاد من كافة جوانبه، عدا الجانب الذي تضطلع به معاهد التعليم وفق برامجها الرسمية، ليجتمع للباحثين في شئون الثقافة العامة أسباب العلم بما بلغته البلاد من التقدم العلمي، ومدى وعيها الثقافي، وما ينتظر أن تبلغه على الأيام في هذا السبيل، ليؤدي ذلك إلى غايتيه الطبيعيتين:

الأولى تعريف ضيوف مصر والمهتمين بشئونها من الأجانب، المكانة التي بلغتها مصر من الثقافة العامة.

الثانية إعداد البيانات والوثائق التي تحتاج إليها الحكومة، والهيئات العلمية، والمثقفون في البلاد، لتدعيم النهضة الثقافية، وتوجيهها الوجهة الكفيلة بتحقيق مصلحة البلاد، وتكميل النقص فيها، ومدها بأسباب القوة والاستمرار، حتى تكون مشروعات البلاد وبرامجها الثقافية العامة مستندة إلى أساس، قاصدة إلى هدف.

ص: 44

ولتحقيق هذين الغرضين كان أول ما تهتم به إدارة التسجيل الثقافي إصدار (سجل ثقافي) سنوي يصف مظاهر النشاط الثقافي خلال عام ويبين اتجاهات هذا النشاط ومراميه، وسيشتمل هذا السجل على أبواب النشاط الثقافي في البلاد، وما أدته كل هيئة من الخدمات الثقافية خلال العام، سواء في ذلك الهيئات الرسمية والهيئات الشعبية، كمجمع فؤاد الأول للغة العربية وما يشبهه من المجامع، ودور الكتب في القاهرة والأقاليم، والمتاحف العامة والخاصة، والجمعيات الثقافية، والجامعة الشعبية، والأندية العلمية، والمعارض، والإذاعة، والمسرح، والسينما، وحركة النشر والطباعة، والصحافة، والمحاضرات، والتعاون الثقافي، وما يتصل بذلك من ألوان نشر الثقافة.

وقد استقر الرأي على اعتبار العام الثقافي من أول يناير إلى آخر ديسمبر، ويصدر (السجل الثقافي) السنوي بعد إتمام تجميع مواد العام الثقافي، ويقدر لذلك نحو ثلاثة أشهر، بعد انتهاء العام.

وقد تكونت الإدارة من محمد سعيد العريان رئيساً، والأستاذ عبد الحميد يونس وكيلاً، والأساتذة كامل حبيب وعباس خضر وأنور المعداوي أعضاء فنيين. وابتدأت العمل في مكانها الجديد الذي اختير لها بميدان الخديوي إسماعيل بعيداً عن الديوان العام للوزارة وضغط أصحاب الحاجات الذين تزدحم بهم مكاتب الموظفين وردهات الديوان.

المؤتمر الثقافي:

عرف القراء مما كتبناه فيما مضى أن اللجنة الثقافية بالجامعة العربية دعت إلى عقد مؤتمر ثقافي بلبنان بالأسبوع الأول من سبتمبر القادم تنفيذاً للمعاهدة الثقافية المعقودة بين دول الجامعة العربية.

وسينظر هذا المؤتمر في وضع حد أدنى لمواد الدراسة في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في البلاد العربية، وذلك في اللغة العربية والجغرافية والتاريخ والتربية الوطنية، كما سيعنى بمعالجة طرق تعليم اللغة العربية. ومنذ قليل فرغت اللجنة المؤلفة بوزارة المعارف المصرية لتيسير تعليم اللغة العربية، من مهمتها ووضعت تقريرها، ولكنها رأت عدم إذاعته انتظاراً لما يسفر عنه بحث المؤتمر الثقافي في هذا الموضوع.

وكانت لجنة المؤتمر التحضيرية قد وجهت إلى الحكومات العربية أسئلة في المواد التي

ص: 45

هي موضوع نظر المؤتمر، بقصد إثارة النقط التي ستبحث، ليبدي المختصون آراءهم فيها. وقد تلقت اللجنة أبحاثاً كثيرة من الهيئات والأفراد واختارت ما رأته صالحاً منها، ووضعت تقارير عما تضمنته هذه الأبحاث.

ومن الأسس المبدئية التي وضعتها اللجنة التحضيرية لأبحاث المؤتمر بيان العيوب الحالية في طرق التدريس والمناهج، واقتراح ما يراه الباحث من وسائل النهوض بها وخاصة في تيسير القواعد وتيسير الكتابة ووضع خطة نافعة لتدريس تاريخ الأدب ونصوصه.

أما في الجغرافية فيعنى بجغرافية البلاد العربية خاصة ليقف أبناء كل من البلاد العربية على أحوالها المختلفة من طبيعية وعمرانية واقتصادية، ويستعان في ذلك بالمصورات والأفلام والرحلات.

وأما التاريخ فتتجه العناية فيه إلى التاريخ العربي والروابط التاريخية بين البلاد العربية في العصور المختلفة.

وفي التربية الوطنية سيكون أول أغراضها إعداد المواطن العربي المستنير ليكون مواطناً صالحاً في مجموعة البلاد العربية كما هو مواطن صالح في أمته، ويهتم بالوسائل التي تكفل تدريبه كالرحلات والجماعات المدرسية.

وقد تلقت الأمانة العامة للجامعة العربية من الفنادق اللبنانية بيانات للتخفيضات التي قررتها في أجورها لأعضاء المؤتمر، كما قررت إدارات السكك الحديدية المصرية واللبنانية والفلسطينية تخفيضات مختلفة في أجور السفر للأعضاء، وكذلك بعض شركات الطيران والسيارات.

وقد أذاعت وكالة الأنباء العربية من بيروت أنه سيشترك في المؤتمر الثقافي العربي أربعون سيدة عربية.

السينما والأهداف القومية:

من أنباء أمريكا أن دعاة صهيونيين قد اتفقوا مع جماعة من الممثلين والممثلات المشهورين للاشتراك في أفلام تدور حول الدعاية الصهيونية. وقرأت في إحدى المجلات الفنية أن صناعة السينما في إيطاليا تتجه في الوقت الحاضر إلى معالجة الموضوعات التي ترمي إلى النهوض بالأمة من كبوتها، وإلى خلق مجتمع جديد يتمتع فيه الفرد العادي بحقوقه

ص: 46

كاملة.

فهل يمكن أن يعمل القائمون بصناعة السينما في مصر أفلاماً من هذا القبيل للدعاية لقضيتنا متخذين مما يدور حولها الآن في مجلس الأمن من عراك ونقاش، مادة لعملهم، وإن في مناظر وفدنا هناك في اجتماعاته ودعاياته ومواقف رئيسه الخطابية في المجلس لمجالاً واسعاً لذلك، وقد أنهت إلينا الأنباء أن مندوبي شركات السينما قد نشطوا في التقاط الصور في مختلف الأوضاع، فما نصيب فننا السينمائي من هذا كله؟ وما جهده في خدمة هذه القضية؟

ومن يدري فقد ينشط الإنجليز في الدعاية ضد قضيتنا بالأفلام أيضاً. فهل نقف أمام ذلك مكتفين بأضعف الأيمان. .؟

إننا نتخذ السينما اليوم ملهاة فارغ، أي أنها تسلي الشعب وتروح عنه ولكنها لا تحمل إليه شيئاً ذا بال، ولكن الشعب لن يصبر طويلاً على هذه الحلوى، فإن وعيه القومي يفتح شهيته لغذاء نافع، وغاية الرجاء أن يصاحب هذا الوعي نضج السينمائيين والتفاتهم إلى مقتضيات الأحوال.

إنني لست متشائماً، فالزمن مع الوعي يحقق ما نصبو إليه، وقد مضى ما يكفي من الزمن واكتملت يقظة الوعي، فالتحول المنتظر وشيك الوقوع.

الأدب بين مصر ولبنان:

قرأت الكلمة التي كتبها من بيروت الأستاذ سهيل إدريس ونشرت في العدد الماضي من الرسالة، والتي عقب فيها على ما كتبته في العدد (734) حول ما يعتب به علينا إخواننا اللبنانيون من إهمال مؤلفاتهم في مصر. وأجمل ردي على تلك الكلمة، أو ما أود أن أقوله فيما تضمنته، فيما يلي:

1 -

كتبت في الموضوع واحداً وثلاثين سطراً، أكثرها في بيان تقصير لأدباء المصريين في حق المؤلفات اللبنانية، وذكرت في ثلاثة أسطر ما مجمله أن المؤلفين اللبنانيين لا يرضيهم أن ينقد أدباء مصر مؤلفاتهم نقداً حراً. ففصل الكاتب هذه الثلاثة أسطر وجال حولها جولة أثارت غباراً أوثر أن أكتفي بالقول أنه حجب عن العيون كيفية تناولي للموضوع. . .

ص: 47

2 -

قال إنني أطلقت القول دون أن آتي بمثال لمن غضب من النقد. والحمد لله، لقد كفاني الأستاذ نفسه هذا الأمر، إذ حمل عليّ هذه الحملة لمجرد تلك اللفتة الرفيقة التي جاءت بعد كلام شديد في الإنحاء على الأدباء المصريين، وقد كفاني الأستاذ بذلك أيضاً مؤونة الخروج عن منهجي في عدم التجريح بذكر الأسماء.

3 -

كنت أراني أستحق نفحة طيبة من رُبَى لبنان، بدل هذا الذي ساقه إليّ الأستاذ سهيل، أو بجانبه على الأقل. .

وبعد فأستشعر (الحساسية والذوق والمودة) وأبعث إلى الأستاذ سهيل إدريس ببيروت - تحية:

(العباس)

ص: 48

‌البريد الأدبي

في اللغة فعلاء:

نبّه الكاتب الباحث الأستاذ الفاضل محمد سليم الرشدان في الرسالة الغراء (735) على وصف الكاتبة الفاصلة الكاملة السيدة منيبة الكيلاني الأروقة - وهي جمع - بالسوداء - وهي مفردة - في مقالها (لسان الدين بن الخطيب).

في (إرشاد الأريب) لياقوت في سيرة أبي العلاء:

قال شيخ أبو العلاء رضي الله عنه: لزمت مسكني منذ سنة (400) واجتهدت أن أتوفر على تسبيح الله وتحميده إلا أن أضطر إلى غير ذلك. فأمليت أشياء، وتولى نسخها الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي هاشم - أحسن الله معونته - فألزمني بذلك حقوقاً جمة وأيادي بيضاء، لأنه أفنى فيّ زمنه، ولم يأخذ عما صنع ثمنه، والله يحسن له الجزاء، ويكفيه حوادث الزمن والأرزاء.

وفي رسالة المنيح لأبي العلاء (رسائل أبي العلاء ص (16) ونهاية الأرب ج14 ص265):

وكم في أديم الخضراء، من أشباح مضيئة زهراء.

وفي (المخصص) ج11 ص172:

الرُّغْل: حَمضة تتفرش وعيدانها صلاب، ورقها نحو من ورق الحماحم إلا أنها بيضاء، وهو أجود الحمض. وقيل هو ذو قضبان، له ورق مثل الأظافير خضراء غبراء. وقيل: هو بقلة ليست بشجرة).

إذ قال هذان الإمامان ما قالاه فللسيدة منيبة، ولكل أديب وأديبة، الإئتمام بهما، ولن يضل - إن شاء الله - مهتد يهديهما

لقد شغل العرباني الجرماني العلامة (كرنكو) اللغويين والأدباء أكثر من عشرين سنة ينقده ما نقده، ولم يزل يشغلهم.

السهمي

خير الأمور الوسط. . . أيضاً:

ص: 49

كتب الدكتور أمير بقطر مقالاً في مجلة الهلال عنوانه: (شر الأمور الوسط) وأخذ يندد بأوساط الأمور ويعتبرها (أقلها إنتاجاً، وأبخسها ثمناً، وأسرعها زوالاً، وأخفها أثراً في النفوس) فجاء الأستاذ مصطفى محمد إبراهيم وكتب كلمة في العدد (736) من الرسالة الغراء، يحتفظ لهذه الحكمة بكيانها واعتبارها؛ فحمل كلمة الوسط على أنها خير الأشياء وأعدلها.

ويؤسفنا أن نقول أن كلاً من الدكتور العلامة، والأستاذ الفاضل قد تنكب الجادة، فليس المراد من الوسط في هذه الحكمة وسط كل شيء وإلا كان العرب الذين أجروها على ألسنتهم بُلْهاً مغفلين، وليس المراد من الوسط (من كل شيء خيره وأعدله) وإلا كانت الكلمة متهافتة فتئول حينئذ إلى هذه الركاكة (خير الأمور خيرها) وهو ما نبرئ العرب من التورط فيه.

وإنما قصدت العرب من الوسط هنا معنى أدبياً هو الحد بين الإفراط والتفريط، ولذلك يقولون: الفضيلة حسنة بين سيئتين، والجود مثلاً وسط بين البخل والإسراف، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، وليس الطالب الذي ينال 6 من 10 حائزاً على الوسط الذي قصدوه. ولو أردنا أن نضرب المثل بالطالب لقلنا أن من الطلاب من يعتدل في استذكار دروسه فيعطي الدرس حقه ويعطي نفيه حقها، ومنهم المسرف الذي يعمل الليل والنهار، ومنهم المكسال وخير الثلاثة المتوسط.

ونحن إذا رجعنا إلى أقوال العرب وجدنا فيها ألف دليل على هذا الذي ذهبنا إليه.

فالشاعر يقول:

فرط التناهي غلط

خير الأمور الوسط

ومن أمثالهم: (لا تكن حلواً فتسترط، ولا مراً فتعقى) أي تلفظ، وقول مطرف ابن الشخير:(الحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها).

فلا حاجة بنا - إذن - إلى حمل الوسط على معناه في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) كما لا حاجة بنا إلى التنبيه على أن الدكتور بقطر ذهب عليه معنى الوسط، وفهمه فهماً حسابياً!!

علي العماري

ص: 50

المدرس بالأزهر الشريف

نعم الضمير مطمئن:

قرأت كلمة الأستاذ الشاعر محمود عماد بعدد الرسالة الغراء 732 رداً على الأستاذ محمد غنيم وفيها يقرر أن الضمير الثاني في (هذه المسألة لها أهميتها) - وما شابهها - لا يزال قلقاً واستدل على قلقه بتفسير الأستاذ غنيم للآية الكريمة. وطلب الاستشهاد بمثال آخر من القرآن أو من معقول العرب.

فإليه أبعث بهذه الأمثلة مقرراً ما قاله الأستاذ غنيم، وهو أن الضمير مطمئن له أهميته، ومثل هذا التعبير إنما يرد في مقام التقرير لأن المسألة لها أهميتها في ذاتها وهذه الأهمية مقصورة عليها لا تتعداها إلى غيرها.

يقول الله تعالى (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) ويقول: (لهم أجرهم عند ربهم) ويقول: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم).

ويقول ابن الرومي:

لها أجرها إن أحسنت فلنفسها

وميزانها يوم القيامة أرجح

ويقول مهيار الديلمي:

لي عفتي عنه وما نال له

وخيرنا من عارك العيش الخشن

ويقول:

له خصبه دوني ولي نوطتي به

وعون أيامه وهو مجدب (كذا)

ويقول:

تحل بها يا سعد فهي قلادة

يزيّن فيها فاخر الدر ثقبه

لها حسنها لكن أريدك شافعاً

وخير شفيع لي إلى الجسم قلبه

وعلى هذا فالتعبير بهذه الأمثلة صحيح وسليم. وما أظنه إلا مقراً بأن الضمير له اطمئنانه وأهميته.

(القاهرة)

كمال الخولي

ص: 51

تصحيح بيت:

في العدد 733 من الرسالة الغراء كلمة للأديب عدنان أسعد من قصيدة للشاعر السوداني المرحوم (التيجاني يوسف بشير) نشرت في مجلة العالم العربي) بعنوان (في محراب النيل) وهو

واستفاقوا يا نيل منك لنَغَّا

م شجى من آلهيّ ربابك

إذ قال إنه مكسور لأنه ظن إن لفظة (إلهي) التي وردت في البيت منسوبة إلى (الإله) والصواب أنها منسوبة إلى (الآلهة) لا إلى (الإله) كما جاء في الديوان وبذلك يكون البيت بصورته صحيحاً

وهناك الكثير من الأبيات وردت في ديوان الشاعر السوداني ضمنها هذه الكلمة مثل:

والأخ الحبر. . والفتى الآلهي النف

س خلو من الحجا والضمير

(إسكندرية)

محمد مفتاح الفيتوري

إلى الأستاذ (الجاحظ):

ورد في تعقيباتكم في عدد الأسبوع (735) من الرسالة تحت عنوان (ولكنهم المعلمون) ما يلي:

(ولو أن هذا التعبير وقع من جماعة المهندسين مثلاً لأغضينا عنه وقلنا أمر ليس من صميم صناعتهم فلا لوم عليهم ولابتغينا له أوجه التأويل. . .).

ولم أجد يا سيدي سبباً يدعوك لتختار جماعة المهندسين وترميهم بعدم الدقة في التعبير والجهل بقواعد اللغة وتقول (أمر ليس من صميم صناعتهم). إن المهندس أكثر الناس دقة في اختيار ألفاظه ومعانيه - ويزداد عنهم إيضاحاً بالتجائه إلى المعادلات والأعداد. وبمصر مهندسون يغارون كل الغيرة على مهنتهم ولغة بلادهم.

أنا معك يا سيدي في أن نهضتنا الهندسية حديثة وأنه لم يتم للآن الاتفاق على بعض مصطلحات العلوم الحديثة ولكن أود إحاطتك علماً بالمجهودات التي تبذلها نقابة المهن

ص: 52

الهندسية وجمعية المهندسين الملكية في هذا الباب.

ختاماً إن كنت قد أسأت فهم قصدك فلي منك بيان.

المهندس وحيد مصطفى

ص: 53

‌القصص

قصة إسلامية:

شيخ الأندلس

منقولة عن الإنجليزية

بقلم الأديب وهبي إسماعيل حقي

- 2 -

وجدت هذه الدعوة طريقها إلى بعض الآذان، وتهمس كثير من الخدم وقبلوا أخيراً وأعلنوا الموافقة وعمد كل فريق منهم إلى سيده فشد وثاقه وأحكم قيده، ثم تفرغوا إلى الأمتعة يسلبون وينهبون ما تصل إليه أيديهم.

ولما عاد إدريس وسمع صيحات الخيانة تتردد في جنبات المعسكر، انتقى سيفه، واستعد للنزال، فاعترضه أحد الخدم وقال له:

- لا تضيع الوقت يا إدريس، فهذه فرصة قل أن تسنح. إن القراصنة عاهدونا عهداً وثيقاً أننا سنقتسم وإياهم كل ما نسلب ولم يدعه إدريس يتم حديثه فبادره بقوله:

- بماذا تنطق يا هذا؟ وماذا تريد أن تقول؟

- أقول إن الظروف قد هيأت لنا أن نسلب متاع هذا التاجر، ونختص بها دونه، وسننزل لك عن نصفها، ونشترك جميعاً في النصف الآخر. . . وها نحن أولاء قد أحكمنا قيد سيدنا؛ فلا تتردد وسارع إلى معونتنا. . .

لم يكن لدى إدريس سوى عمل واحد لإجابة ذلك الخادم، فإنه لم يكد يتم جملته حتى كان السيف قد فلق هامته، فسقط على الأرض تتفجر الدماء غزيرة منه، ثم دلف إدريس إلى إحدى الخيام فوجد سائر الخدم منهمكين في كسر الصناديق، وتفريغ الأواني الذهبية، وربطها استعداداً للرحيل، فلما وقع عليه نظرهم حسبوه قد خف لمساعدتهم، فقالوا في لفظ واحد:

مرحباً بك يا إدريس! ستكون الجمال هنا بعد قليل، فلم يمهلهم إدريس إلا ريثما لفظوا تلك

ص: 54

اللفظة، فأمسك بسيفه وأجهز على ثلاثة منهم في طرفة عين، فلاذ الباقون بالفرار. . .

ولما لم ير إدريس سيده ولم يسمع له صوتاً، انتقل إلى خيمته الخاصة فوجده ملقى على وجهه في أحد الأركان. وبجواره واحد من المتمردين والسيف في يده، فقال له ذلك المتمرد حين رآه بعد أن ركل التاجر برجله:

- ماذا يجب أن نعمل يا إدريس لنتخلص من هذا التعس؟

تأثر إدريس من الحالة التي وصل إليها سيده، ومن الخيانة التي بدرت من أتباعه ومن هذه الوحشية والقسوة التي عاملوه بها؛ إنهم قد شدوا وثاقه، وأحكموا قيده، وطرحوه أرضاً، وشهروا عليه سيوفهم. . . إن إدريس مسلم، ودينه لا يبيح له أن يتخلى عن أداء واجبه وإن عرض عليه نصف المتاع ثمناً لتخليه.

حقاً إنه وحده في هذا المكان أمام زملائه الذين سولت لهم أنفسهم أن يتألبوا على ولي نعمتهم.

وحقاً إن سكوته سيجعل منه بعد ساعات معدودات غنياً كبيراً، وثرياً عظيماً، وليس بالهين عليه أن ينقذ سيده، كما أنه ليس بالهين عليه أن يقف مكتوف اليدين لا يعمل عملاً. . .

إن ضمير المسلم يهيب به أن يعمل على إنقاذ سيده وأن يرعى حقه عليه، وأن يكون وفياً له، أميناً مخلصاً، وأن يربأ بنفسه، وينأى بدينه عن أن يتسفل إلى هذا الدرك من الانحطاط الخلقي. وهذا ما كان من إدريس فقد وثب على الخادم الذي يحرس التاجر وثبة النمر، وجرده من سيفه ثم أطاح برأسه، وبسرعة البرق حل قيود سيده، وعاونه على النهوض.

أما بقية الأتباع فقد كانوا في شغل عن ذلك كله بحزم الأمتعة في الخيام الأخرى. ففاجأهم إدريس وصرخ فيهم صرخة قوية نبهتهم إلى الخطر الداهم، فلما هموا بالقضاء عليه رأوا بجانبه سيدهم وبيده سيفه البتار، فغشيهم من الهم ما الله به عليم. وقبل أن يثوب إليهم رشدهم، أعمل إدريس وسيده فيهم سيفيهما فسقط اثنان منهم يتخبطان في دمائهما. فلما رأى الباقون ذلك ولوا مدبرين. وتركوا كل شيء على ما كان عليه.

في الصباح الباكر لاح في وسط البحر على مد البصر، مركب القراصنة يمعن في الهرب، وهو مشحون بما سرقوه من أموال ومتاع. وكانت جثث القتلى والجرحى متناثرة حول الخيام في منظر رهيب ترتجف لهوله القلوب، ولم ينج من التجار سوى سيد إدريس، فقد

ص: 55

كتب الله له السلامة على يد رفيقه الأمين وحارسه المخلص الذي أبى عليه دينه وأبت مروءته أن يترك سيده في محنته. كان إدريس مؤمناً حقاً، طبعه الإسلام بطابعه، فنشأ متواضعاً جم التواضع، كبير النفس، عال الهمة كثير الوفاء، شديد الإخلاص أحرص على تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم من حرصه على حياته، فكان يرى أنه لا يليق بالمسلم أن يلوث سمعة الإسلام بالجبن أو الخيانة، أو القعود عن نصرة الضعيف. . . وكان يرد على ثناء سيده عليه بعد تلك الليلة بقوله:

- إنني يا سيدي لم أقم إلا بما يجب عليّ كإنسان مسلم يعلم أن الله يجزي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

كانت تلك الفرصة هي التي ولدت في التاجر الثقة بإدريس، وأعلت منزلته في قلبه، حتى أصبح لا يعمل إلا بمشورته، ولا يصدر إلا عن رأيه، وكان الرجل من كبار التجار في الأندلس، له القصور الشامخة، والمزارع الواسعة، والحدائق الغناء، والبساتين الزهراء، يحوطه جيش من الخدم والحشم، ويتمتع بتقدير الناس ومحبتهم

ولما استقر المقام بالتاجر في بلده بين أهله، أقام حفلاً كبيراً، شكراً لله على سلامته، ودعا إليه سراة القوم وعِلْيتهم، وقدم لهم إدريس منقذ حياته، وامتدح لهم شجاعته ونجدته، وقص عليهم قصته، وقال في تمام حديثه:(فلولا إدريس لكنت في عداد الأموات منذ أمد بعيد؛ فأنا مدين له بحياتي!).

جعل كلام الرجل لإدريس مكاناً ممتازاً في نفوس الناس وقلوبهم، فكانوا يجلونه ويحترمونه، ويقدرون فيه أخلاقه الإسلامية الكريمة، التي فتحت له أبواب السعادة في مستقبل حياته، فلقب بشيخ الأندلس، وصار أغنى أغنيائها.

وفي مكان منعزل عن المدينة وضوضائها، كانت الساحة الشعبية التي أعدتها حكومة الأندلس الإسلامية، لإقامة المهرجانات الرياضية والمباريات في الرماية والفروسية، وكانت الساحة واسعة، اكتست أرضها بحشيش أخضر جميل، وقامت في جوانبها أبنية فخمة في شكل دائري، واجهتها مكشوفة إلى الملعب ليجلس فيها المتفرجون أيام المباريات، وكانت الساحة مفتحة الأبواب لجميع المواطنين من غير تمييز بينهم في الجنس أو الدين؛ فقد كان للأندلسيين ولع شديد بالرياضة على اختلافها، فكان البرابرة والعرب واليهود منهم

ص: 56

والمسيحيون والمسلمون يؤمون تلك الساحة من كل فج في نشوة الفرح وغمرة السرور.

وكان العلم الإسلامي الوطني يخفق في قمة البناء، ينشر العدل والإخاء، ويدعو إلى التسامح والمساواة، وكانت المباريات الرياضية والمهرجانات الشعبية في المناسبات الدينية، والأعياد الوطنية، وكان أعظم تلك المباريات المباراة التي تقام في أيام عيد الفطر من كل سنة، فقد كان يتقدمها عرض عسكري عام، تتبعه حركات رياضية ماهرة، وكان نبلاء المسلمين وأمراؤهم يدعون إليها كبار المسيحيين وعيونهم ليشتركوا في الرماية وسباق الخيل.

وكانت الوفود تتوالى على المدينة من أقاصي البلاد وأدانيها لشهود المهرجانات، فيقابلهم السكان بالحفاوة والترحيب ويفتحون لهم صدورهم وبيوتهم، ويقيمون لهم الولائم الفخمة والحفلات العظيمة، وكانت الحكومة تعد بيوتاً لمن لم يجدوا لهم مأوى. توفر لهم فيها أسباب الراحة، وتهيئ لهم فيها طيب الإقامة.

وفي إحدى السنوات كان شهر رمضان يقترب من النهاية، حين أخذت المدينة زخرفها وأزينت، وشرع السكان يتأهبون لاستقبال الوافدين عليهم من أعالي البلاد وأسافلها لحضور المباراة الكبرى، وكانت عادتهم قد جرت بأن الغرباء عن المدينة يكتبون إلى أصدقائهم فيها أنهم سينزلون ضيوفاً عليهم مدة المهرجان ليعدوا لهم أماكن لإقامتهم، وكانت برامج المهرجان تذاع بين السكان قبل إقامته بأيام معدودات، وبينها أسماء المشتركين في المباريات الرياضية، وركوب الخيل، واللعب بالسيف والرمح، وإصابة الأهداف بالسهام. لم يبق على العيد إلا يوم وبعض يوم، وليس لأهل المدينة حديث إلا حديث المباراة، ومن اشترك فيها من المسلمين والمسيحيين الذين استعدوا لنزال إسحاق بم إدريس، ذلك الشاب العربي المسلم الذي توالى انتصاره في عامين متتابعين.

إن القارئ ليذكر أن إدريس بن أحمد قد أصبح أقرب المقربين إلى ذلك التاجر الأندلسي الذي التحق بخدمته في سوريا ورافقه إلى بلاده، وخلصه في الطريق إليها من براثن موت محقق، ولقد نعم إدريس بجواره بضع سنوات كان فيها موطن سره، وموضع إعزازه وإكباره، فلما وافته منيته ولم يكن قد أعقب ذرية تؤول إليها ثروته الطائلة أوصى بها لمنقذ حياته إدريس وفاء لحقه واعترافاً بفضله، فأصبح إدريس منذ ذلك التاريخ صاحب غنى

ص: 57

وجاه عريض. ولقد شكر لله هذه النعمة العريضة، فكان ينفق بسخاء على المعوزين وذوي الفاقة، وكان يحج كل عام إلى بيت الله الحرام، ويهدي لأهل الحرمين الشريفين، ويتنازل لهم عن كثير من الأموال. وقد رزقه الله في الخامسة والأربعين من عمره طفلاً جميل الصورة، لطيف التكوين، ورث عنه صفاء العقيدة، وحدة الذهن، ونقاوة الضمير، فاهتم بتربيته وتنشئته على الأخلاق الإسلامية الحميدة، وعلمه ركوب الخيل والرماية، فشب نبيل الطباع، نادر المروءة، كريماً سخياً. فلما استوى عوده، واشتد ساعده، أضحى مضرب المثل في الفروسية وركوب الخيل. وكان أبوه إدريس قد بلغ من الكبر عتياً، فعلق على ابنه كل أمل له في الحياة، واتخذ منه دعامة قوية، وعدة صالحة للمستقبل.

ولقد نال إسحاق في سنتين متعاقبتين جائزة البطولة الذهبية في المباراة الكبرى، وتردد اسمه في هذه السنة على كل لسان، وتساءل الناس متشككين: أيحوز قصب السبق مرة ثالثة وقد احتشد له كبار الرماة من المسيحيين الذين برعوا في ركوب الخيل وقد هرعوا لنزاله من مناطق شاسعة البعد؟

حل اليوم الذي تختم به المباراة الكبرى، وتخفق فيه قلوب المتنافسين رغبة في الفوز، ورهبة من الفشل، وبدأ الناس يفدون إلى الساحة مبكرين، وقد أخذوا زينتهم، ولبسوا أبهى حللهم؛ وكانت السيدات يتباهين بجمال زينتهن وحسن هندامهن وهن في الطريق إلى مقصوراتهن الخاصة بعيدات عن الرجال، وكان للنساء الأندلسيات ولع بشهود المباريات ولا يشتركن في اللعب. وكان للخليفة كبار الحاشية مقصورات خاصة بهم في أبنية الملعب.

ولما دقت الساعة العاشرة، وكانت الساحة غاصة بالرجال والنساء والأطفال يستمعون لأنغام الموسيقى، ركب المتبارون جيادهم وأخذوا يقطعون الساحة ذهوباً جيئة، وهم يتيهون في ملابسهم الوطنية الزاهية ويتأهبون لاستقبال الخليفة وبدء المباراة. وما هي إلا دقائق معدودة، حتى قرعت الطبول إيذاناً بقدوم الخليفة، فاشرأبت الأعناق، وشاهد الحاضرون كتيبة من الفرسان تتقدم الموكب، وكلهم من زهرة الشباب العربي المسلم، ترقص الخيل تحتهم، وتلمع السيوف في أيديهم، ثم وليها الرجالة وهم من خيرة رجال الحرب، يحملون الأعلام الوطنية الإسلامية، وعلى صدورهم الأنواط التي فازوا بها في المعارك التي خاضوا غمارها وخرجوا منها ظافرين. ثم لاح الخليفة يحيط به الأمراء وكبار رجال الحكم

ص: 58

والأمن على خيل أشد بياضاً من الثلج، وملابسهم وسيوفهم ناصعة البياض؛ وكان الخليفة يلبس فوق رأسه عمامة كبيرة مرصعة بالجواهر، وتعلوها ريشة طويلة ذات ألوان عديدة أكسبتها رونقاً وبهاء. وقد استقبلت الجماهير الخليفة أروع استقبال وهتفت له في حماسة بلغت عنان السماء وهي تردد:(الله أكبر، الله أكبر) وقذفت السيدات بالمناديل المعطرة في أرض الملعب احتفاء بقدوم الخليفة. رد الخليفة تحية الجماهير بأحسن منها، ثم أخذ مجلسه وجعل المشتركون في المباراة يمرون أمامه في شبه عرض عسكري يتقدم الأسن منهم ليحيي الخليفة بانحناءة بسيطة، ثم الذي يليه في السن ورئيس الملعب يقدمهم له بأسمائهم، فلما كان دور إسحاق - والخليفة يعرفه لأنه فاز بالبطولة مرتين - قال له جلالته: كيف أنت يا إسحاق هذا العام؟ أخشى أن يعدوك النصر، فإنك أمام أشهر الرماة وأمهرهم! فانحنى إسحاق قليلاً ثم قال: إنني يا مولاي بحسن تأييد الله، وجميل رعايتكم بخير والحمد لله، وأملي في الفوز كبير، مادمتم عنا راضين!

(يتبع)

وهبي إسماعيل حقي

ص: 59