المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 740 - بتاريخ: 08 - 09 - 1947 - مجلة الرسالة - جـ ٧٤٠

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 740

- بتاريخ: 08 - 09 - 1947

ص: -1

‌القوة هي الحق!

القوة هي الحق وما سواها باطل. فإذا رابك هذا القول فعارضته بآية من القران في الرحمة، أو بحديث من السنة في العفة، أو بمأثور من الحكمة في البر، أو ببيت من الشعر ف العدل، قلت لك ويداي مشبوكتان على صدري: صدق الله العظيم، أو بر النبي الكريم، أو أحسن الواعظ الحكيم، أو أجاد الشاعر النابغ؛ ولكن للطبيعة طغياناً تكسر الأديان من غلوانه ولا تمحوه، وللحياة سلطانا تكف الآداب من عاديته ولا تزيله. وما دام الغربيون يحنون إلى حياة الغاب، ولا يعترفون إلا بالظفر والناب، فإن كلمتي الحق والعدل تظلان مرادفتين لكلمتي الضعف والعجز! يجأر بهما المظلوم ويتصام عنهما الظالم!

على أن العدل والبر والإحسان وأخواتها من مهجورات الفضائل، أما يفهم التعامل بها بين الفرد، أو بين الأسرة والأسرة، لأن الأمر بينهما يقوم أكثره على عواطف الصداقة أو القرابة، فمنظره الإيثار والتسامح والتعاون، أما التعامل بها بين الشعب والشعب أو بين الدولة والدولة، فأيما يقوم على جلب المنفعة أو دفع المضرة فمظهره التفارس بالغيلة والحيلة الماثلتين بأس الجيوش ومكر الساسة!

ماذا بيننا وبين إنكلترا أو فرنسا أو أمريكا من أسباب المودة؟ هل بيننا وبينها إلا ما يكون بين حيوان جائع تحت كفيه حمل، وأسد مسعور بين فكيه ناب؟ كيف ننشد الحق والعدل في دول الغرب وكل واحدة منها قد جعلت قصدها وأكدها أن تنفرد بخبرنا أو تشارك فيه؟ إنها عصبة من دول الشيطان تعاونت على الإثم القوة فيهم فلم تفدهم التجربة، وأصابهم الطغيان النازي في أنفسهم وأموالهم فلم تعظهم الإصابة ووقفوا أمام جبار المحور ضعافا ضارعين ست سنين طوالا ثقالا يطلبون من الله أن يسعفهم بالحق، ومن القانون أن يؤيدهم بالعدل، ومن العالم أن يرفدهم بالإحسان، حتى إذا رأوا القدر القاهر يسلب القوة العارمة، ويعطل الآلة المحطمة، استطالوا على الله، واستهانوا بالقانون واستكبروا على الناس، وقال كل منهم: أنا اليوم وريث هتلر وخليفته! هاهم أولاء، لا تزال وجوههم محمرة من لطمات هتلر، وأشلاؤهم مبعثرة يجلسون فيما سموه مجلس الأمن ويزايدون في حقوق الشعوب، وحجتهم العالية أن بلادهم تزخر بالحديد والنار، ونفوسهم تجيش بالطمع والاستعمار!

القوة هي الحق وما سواها باطل فمن عاش في البرية حملاً أكلته الذئاب، ومن سار في القافلة أعزل سلبته اللصوص.

ص: 1

احمد حسن الزيات

ص: 2

‌اتقوا غضبة الشعب!

للأستاذ محمود محمد شاكر

أجلت قضية مصر والسودان في مجلس المن إلى يوم الثلاثاء التاسع من سبتمبر سنة 1947، بعد أن تمتعت بريطانيا بالخذلان الذي كان مثله ابعد شئ عن بالها منذ عشر سنوات، وحسب. فقد تعودت بريطانيا أن تأمر أو تدس فيطاع أمرها أو دسها، وتخرج ظافرة من كل معركة تدور بينها وبين أمة من الأمم التي ابتليت بشرها الذي لم تنطفئ له جمرة منذ نجمت قرون هذه الدولة في تاريخ العالم الحديث. ونحن نسأل الله أن يتم الخيبة على هذه الدولة الطاغية بانهيار نظامها الاقتصادي، ليخلص العالم من الأخطبوط الفاجر الذي ضم في أحشائه وبين جوارحه دولا برمتها من الهند إلى العراق إلى مصر والسودان إلى جنوب أفريقيا - إلى عالم كان يتمدح شعراؤها بأن الشمس لا تغيب عن ملكه، وإنها هي التي حملت أمانة الجنس الأبيض و (عبء الرجل الأبيض) في تحضير الأجناس الملونة، أي استعبادها وظلمها، وإغراء فرنسا وبلجيكا وهولندة وسواها من أقزام الدول باستعباد جزء من هذه الشعوب، تسومها الخسف بكل نذالة تدخل في طوق هذه الأمم.

أن مجلس الأمن هو اليوم بين الاثنين: أما أن يشهد العالم كله على انه أقيم على حق، وانه حافظ وازع ينهي الطغاة عن الإيغال في طغيانهم وأما أن يشهد العالم كله على انه سوق حديثة للرقيق والنخاسة أقيمت لتتاجر بعباد الله بلا حياء ولا ورع. فكان تأجيل فضية مصر في هذه المرة، بعد المناقشات التي دارت فيه دليلا على أن مصر والسودان قد استطاعت شيئا ما أن توقظ طرفا من ضمير هذا المجلس، ومن ضمير الأمم التي اشتركت فيه، والفظائع التي ارتكبتها في مصر والسودان، والتي تصر على المضي في ارتكابها بكل جرأة لا تستحي.

ونحن نحب أن نثني ثناء خالصا من قولبنا على الرجل المصري السوداني، الذي لم يزعزعه تهديد بريطانيا وترويعها، ولم ينل من قبله الخوف، ولم نثنه عن الهدف الأعظم حيل ولا إشراك ولا جدال ولا تغرير، فأنطلق يبين عن أهداف مصر والسودان وعن حقوقها وعن البلاء الذي نزل بها بيانا شفى صدور المصريين والسودانيين جميعا. أنني لم أعجب بهذا الرجل لأنه سياسي بارع، ولا لأنه قانوني ضليع، ولا لأنه خطيب مفوه، ولا

ص: 3

لأنه رئيس حكومة - كلا بل لأنه أول رجل بعد أن ذهب مصطفى كامل - وقف وحده في عرين الأسد البريطاني ليسمع الدنيا كلها أن هذا الأسد البريطاني قد اعتدى عليه وبغى وطغى وظلم وتجبر، وفعل الأفاعيل الخسيسة التي أراد بها استعباد مصر والسودان. انه الرجل المسئول الوحيد الذي قام في مجلس دولي يطعن بريطانيا العظمى! طعنا متداركا غير راحم ولا مشفق ولا هياب، وهو يعلم انه يطعن بهذا الطعن دولا كثيرة من أعضاء هذا المجلس، لقد كان محمود فهمي النقراشي رجل مصر، لأنه كان وطنينا يتكلم بلسان الجروح التي مزقت جسد أمته، لا بلسان السياسي المحتال الذي يريد أن يرضى هذا ويتجنب غضب ذاك. وهذا وحده هو السر الأعظم الذي جعل قضية مصر والسودان اعظم قضية عرضت على مجلس الأمن وأخطرها وهذا وحده وهو التخاذل في الصفوف التي جمعتها بريطانيا، وظنت إنها سوف تنصرها في باطلها نصرا مبينا ترجع بعده مصر والسودان خاشعة خاضعة تحت ظلال الخذلان الذي أملت بريطانيا أننا سوف نمنى به.

لقد ضرب النقراشي مثلا خالدا في تاريخ مصر الحديث، فدل بذلك على أنه ركن يركن إليه في ملمات الأحداث. فقد مرت على مصر والسودان حقبة كان الذي يقول فيها بمثل الذي قاله النقراشي في مجلس الأمن يعد رجلا مخبولا خياليا تسحر منه الصحف والمجلات. وتزدريه جماهير من المخدوعين، ويتخذ هدفا لكل دعابة تجري بها السنة الهازلين من إخلاص النوادي والقهوات، أن هذا الرجل جديد بان يرفع اسمه منذ اليوم إلى حيث لا تنال مكانه أسماء الدجالين والمخادعين والمنافقين الذين ظهروا في تاريخ السياسة المصرية منذ سنة 1919 إلى يوم الناس هذا. فحسبة فخرا ومكانة أن يكون هو الذي استطاع أن يجمع إرادته وعزمه وحزمه، فلم يصرفه خوف أو إغراء عن تحقيق كلمة مصر والسودان الخالدة، وعن إعلان هذه الكلمة في أرجاء الدنيا، وهي:(لا مفاوضة إلا بعد الجلاء).

ويقابل هذا الرجل الصادق رجال آخرون من صنائع بريطانيا - كانوا من صنائعها القدماء منذ تحركت مصر والسودان في سنة 1919 تطالب الدولة الباغية باستقلالها وتريق دماءها وتبذل مهجها، ويأتي أحدهم فيكون سيفا مسلولا على أعناق إخوانه المصريين يتعسف بهم عسف الجبار المارد، وإن كان هو في نفسه ليس بجباراً ولا مارد إلا كما كان أبو حية

ص: 4

يسمى قضيب الخشب الذي يحمله سيفا هندوانيا - وإنما كان جبروته وتمرده يومئذ من جبروت بريطانيا وتمردها - فهو دمية تلعب بها لا اكثر ولا أقل.

لقد قام النقراشي يعلن ملأ الأمم في نواحي الأرض، أن هذه ساعة فاصلة في تاريخ مصر والسودان، وانه قد عزم على طرد الإنجليز من بلاده، وانه لن يقبل مهانة، ولا مفاوضة ولا مراوغة بعد اليوم، وأن بلاده توشك أن تنفجر، وأن البلاء على الأبواب لن يمنعه ضغط الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وان مصر والسودان قد أبت إلا طرد بريطانيا من بلادها كلها بلا مهلة، ولا تريث ولا مواعيد. ووقف مندوب بريطانيا يصر إصرار البغاة الطغاة على أن المعاهدة تخول له احتلال أرضنا، ويستدل مرة بعد أخرى بالذي كان في مفاوضات صدقي - بيفن وكأنه يريد أن يقول أن صدقي قبل ما يأتي هذا الرجل - يعني النقراشي - فينكره ويرفضه، ويكذب على مصر والسودان فيدعي إنها تريد طرد بريطانيا وجلاءها تاما ناجزا عن ارض وادي النيل كله، على غير ما تدل عليه مفاوضات صدقي - بيفن.

وفي خلال ذلك يقف صدقي باشا الذي اتخذته اليوم بريطانيا حجة على مصر. ليقول أن خير الوسائل لنيل حقوق مصر والسودان من بريطانيا هي المفاوضة، وكان هذا الرجل لم يعلم بعد انه ظل يروح ويغدو ويتلاعب هو وتتلاعب بريطانيا، وكانت العاقبة أن أفضى الأمر به إلى الاستقالة، بعد التكذيب الخبيث الذي كذبت به بريطانيا كل شئ قاله في تفسير بروتوكول السودان. لقد كان العذر متسعا لامرئ سواه أن قال بمثل الذي يقول به. ومتى يقول هذا الرجل الكلام؟ يقوله في ساعة الحرب التي شنتها مصر والسودان على بريطانيا!

إننا لا نبالي كثيراً ولا قيلا بما يقوله هذا الرجل وأمثاله، وليس من همنا أن نقف عنده لنفنده، بل همنا أن نبين أن وراء كلامه معنى اخى، هو أن بريطانيا لما أحست بتباشير الخذلان الذي سوف تناله في مجلس الأمن، وعرفت إنها لن تستطيع أن تواجه العالم بالأباطيل التي كانت تواجه بها المفاوضين فيرهبونها ويخشون باسها، فلجأت عندئذ إلى قدماء صنائعها في وادي النيل ليخذلوا قلوب الناس ويخوفوهم، ويوقعوا بينهم يبغونهم الفتنة، ويكون ذلك فتاً في عضد النقراشي، وتمهيدا لانقلاب يحدثونه مرة أخرى بالقهر والتهديد، وبخيانة من يستحلي موارد الخيانة لبلاده - لمال أو جاه يحرزه، أو أبهة يختال

ص: 5

فيها، أو أمل يمني بإدراكه على يد بريطانيا صاحبه النعم الجزيلة والآلاء التي لا تنفذ!

إن بريطانيا تبذل الآن كل جهدها في رد مصر والسودان عن الطريق الذي لا طريق غيره لمن أراد أن ينال حقه، وأن يجعل هذا الحق ذكرا مذكورا في قلوب الأبناء والأحفاد حتى لا تنطمس معالمه، وحتى لا ينخدع الناس عنه بقليل من عليهم كما حدث في تاريخ مصر والسودان منذ سنة 1924 إلى هذا اليوم، حتى بلغ البلاء أن صار الناشئة يقولون:(مصر والسودان دولة مستقلة) وكلهم يعلم ويرى ويشهد بعينيه الغزاة في ثيابهم يروحون ويغدون في الشوارع والطرقات، ويغشون دور الملاهي ويقيمون المدارس المعادية لروح مصر والسودان في قلب بلادنا، ويحمون لصوص الأجانب، وينصرونهم على أبناء البلاد بكل ما استطاعوا.

ومصر والسودان لن ترتد مرة أخرى إلى طريق (المفاوضة بين مصر وبريطانيا) ولن ترتد إلى تعليق مسالة السودان وجعلها مسالة قائمة على حيالها، ولن ترتد إلى الاعتراف بالورقة الباطلة التي كتبت في سنة 1899 لتشرك بريطانيا مصر في حكم السودان. فإذا كان صدقي باشا قد علم من الثقة الذي أوعز إليه أن هذه الخطة هي الباقية، وإنها هي التي ستصير إليها بعد انهزامنا في مجلس الأمن، وأنه لا محيص لمصر والسودان من المفاوضة قبل الجلاء. عن وادي النيل كله - فقد كذب الذي أوعز إليه بذلك. وليعلم صدقي باشا أن الرائد لا يكذب أهله، وإننا نحن اصدق حديثا من الذين يعتمد هو على حديثهم فمصر والسودان قد علمت اليوم علما ليس بالظن أن مفاوضات صدقي - بيفن، كانت زلة وقى الله شرها، وأن الله سخر النقراشي ليقيل مصر والسودان من تلك العثرة المردية، وأن مصر والسودان قد عزمت أمرها على أن تضع يدها في يد بريطانيا ما دام لها على ارض وادي النيل ظل تستظل به أفاعيها، وثعالبها ووحوشها - وصنائعها أيضاً.

وخير لصدقي باشا ومن كان على شاكلته أن يعلم أشياء كثيرة؛ فلا يغرر بنفسه في مهالك بريطانيا التي تطأ بأقدامها كل من يخدمها إذا رأت في ذلك خيرا ينفعها، خير له أن يعلم أن الزمن الذي كان هو فيه أحد أبطال السياسة، قد انقلب كله وذهب وعفى عليه الذي عفى على مآرب كثيرة. وخير له أن يعلم أن الجيل الذي يعيش فيه هذه الأيام غير الجيل الذي كان يرهب سوط الجلاد ويخاف وسم السياط على أبدانه، وخير له أن يعلم أن العلم القليل

ص: 6

الذي كان يناله الرجل فيتبجح به ويخيل إليه انه صار عقلا وحده، قد حل محله عقل كثير لا قبل لأحد بدفعه بعد اليوم. وخير له أن يعلم أن الذرة التي تتوهج اليوم بالإخلاص لمصر والسودان، خير من كل الدر القديم الذي زيفته بريطانيا وملأت قلبه نعمة وجاها وسلطانا، وخير له أن يعلم أن دم أي صعلوك مصري - سوداني مخلص لبلاده، قد صار اكرم على مصر والسودان من دماء السادة الذين سادوا بالخيانة والنفاق والخداع، وخير له أن يعلم في أول ذلك كله وأخره أن احتقار مصر والسودان، وازدراء هذا الشعب النبيل ووصمه بأنه لم يبلغ بعد المرتبة التي تخوله أن يتوبوا مكانه في العزة والكرامة - لن ينفع بعد اليوم صاحبه والمتحدث به والعامل على تثبيته في أذهان من يحدثهم وخير له أن يعلم انه لا يزيد على أن يكون فردا من أفراد الشعب لا أكثر.

ليس من همي مرة أخرى أن أتناول قول صدقي بالنقد أو التفنيد، ولكن كل همي أن أدل ناسا من خلق الله الذي نبتت لحومهم، وجرت دماءهم وامتلأت بيوتهم خيرا من ماء النيل الذي يجمع مصر والسودان، على أن شعب مصر والسودان قد حزم أمره على أن يستأصل شافة الماضي كله ويقطع دابر المنافقين المختالين بغير سلطان اتاهم، وانه قد أجمع عزمه على أن يحطم سلاسل الاستعباد كلها، وأنه لن يقف دون غايته لرهبة أو رغبة، وانه عرف أن الساسة قد خدعوه زمنا طويلا، فأيما سياسي من القدماء ممن كان من صنائع بريطانيا أو من المخدوعين بشرف بريطانيا تسول له نفسه بعد اليوم أن يظن انه أهدى من النقراشي واعظم واقدر، وأنه بالغ ما لم يبلغه النقراشي بالمفاوضة والمساومة على حقوق مصر والسودان فمصيره أن ينال من باس هذه الأمة الناهضة المتدفقة العارمة شرا كثيرا كان أحوط له أن يلوذ منه بملاذ كريم، هو أن يستظل بظل الأمة التي ولدته وأنشأته وكرمته بالانتساب إليها فإذا أبى أحدهم إلا أن يطلب لنفسه مجدا بدعوة بلاده إلى المفاوضة أو خيانة بلاده بقبول عون بريطانيا له حتى يبلغ الوزارة كما بلغها بعضهم من قبل على أسنة الحراب البريطانيا، فانه سيعلم يومئذ أن الشعب المصري والسوداني اشد منه ومن بريطانيا باسا وقوة ومصابرة على الجلاد، وسيعلم انه قد قدر فخاب فامتحن امتحانا شديدا كانت له عنه مندوحة.

أيها الساسة القدماء! إحذروا غضبة الشعب، فلكل شعب غضبة كالنار المشعلة تأكل

ص: 7

الأخضر واليابس، وهذا أوان غضبة مصر والسودان بعد أن يبس الثرى بيننا وبين بريطانيا. . .

محمود محمد شاكر

ص: 8

‌6 - رحلة إلى الهند

للدكتور عبد الوهاب عزام بك

- 1 -

أعود إلى الحديث عن مدينة دهلي، بعد أن ذكرت طرفا من أخبار المؤتمر الآسيوي. دخلت دهلي وملء نفسي ما قرأ وسمعت من تاريخها وأحداثها وآثارها. ولم يسعف الزمان ولا الحال بإطالة المقام فيها والتردد في نواحيها، واستقصاء مشاهدها وآثارها. وإنما كنت جولات سريعة في أرجائها. ووقفات قصيرة على بعض مشاهدها.

مدينة دهلي اليوم قسمان: دهلي الجديدة التي يخططها الإنكليز على نظام حديث، وجعلوا فيها دوراً للحكومة ومساكن لكبار الموظفين وهي مدينة واسعة الشوارع والحدائق يحيط بكل دار فيها حديقة كبيرة، ودورها في الأكثر ذات طبقة واحدة وفيها من الأبنية الفخمة الرائعة دار الحكومة ودار النيابة ومسكن نائب الملك هناك وما يتصل به من اعظم الأبنية وأوسعها وأجملها ظاهراً وباطناً. . .

وأما دهلي القديمة فهي على خط 77 من الطول الشرقي و28 من العرض الشمالي فهي تقارب عرض القاهرة ولكنها اشد منها حرا، وقد لقينا من حرها في شهري مارس وأبريل اشد مما نجد في القاهرة في الصيف المعتاد.

وتقع دهلي في الزاوية الجنوبية الشرقية من إقليم البنجاب على الضفة اليمنى لنهر جمنة، وكانت ألحقت بهذا الإقليم سنة 1858م. وهي في ولاية منفصلة ومن العجيب أن هذا الفصل بين دهلي والبنجاب يخرجها من دولة باكستان، وهي المدينة التي بقيت زهاء ثمانية قرون حاضرة دول إسلامية، وفيها من الآثار الإسلامية ما يصلها بتاريخ الإسلام دهورا. وكثير من المدن التي تحفظ الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامي ليست داخلة في الباكستان مثل أجرا ولكهنوا وأحمد آباد وعليكره.

ودهلي ذات تجارة واسعة، وهي ملتقى طرق حديدية كثيرة وقد أتخذ الإنكليز من دهلي الجديدة وهي متصلة بالقديمة عاصمة للهند في هذا القرن وكانت العاصمة كلكتا. ولكن دهلي ليست كبرى مدن الهند؛ أكبر منها كلكتا وهي كبرى المدن الهندية ثم بمباي ولاهور.

- 2 -

ص: 9

والبقعة التي تشمل دهلي الحاضرة وما حولها قامت فيها مدن عدة باسم دهلي فحول دهلي الحديثة أطلال ست مدائن سميت بهذا الاسم، تنتشر في خمسة وأربعين مربعاً.

وتاريخ المدينة الحاضرة يبدأ من القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) أسسها الملك الكبير المعمر الذي ترك في الهند آثارا لا تضارعها آثار في الهند ولا غيرها. شاهدهان ابن جهانكير بن اكبر بن همايون بن بابر. خامس الملوك العظام من هذه الأسرة العجيبة التي نشأت ستة ملوك كبار على نسق واحد سيطروا على الهند مائتي سنة وأورثوا أعاقبهم دولة بقيت مائة وخمسين سنة أخرى.

بنى شاهجهان المدينة الحاضرة وسماها آباد وكان طولها على ضفة النهر ميلين ونصف.

ولا تزال قطع من أسوارها قائمة يجتاز السائر في المدينة أبواباً فيها منها باب اجمير في الجدار الغربي من السور وباب كشمير في الجدار الشمالي وقد اجتزت هذا الباب كثيرا بين الفندق الذي نزلت به في دهلي القديمة ومكان المؤتمر في دهلي الجديدة، ويرى خارج هذا الباب تمثال لأحد قواد الإنجليز ومدافع قديمة هي من بقايا الحروب التي شهدها هذا السور وأخرها ثورة سنة 1273هـ (1857م).

- 3 -

وأعظم ما يرى السائر في الجادة الكبير التي تخترق المدينة في جانبها الغربي من الشمال إلى الجنوب بناءان عظيمان رائعان: المسجد الكبير الذي يسمى مسجد الجمعة (جمعة مسجد) والقلعة الحمراء (لال قلعة) منظران يفصلهما الطريق فيحتار الطرف بينهما، القلعة ذات الأسوار العالية والأبراج العظيمة والهندسة المحكمة الجملية، والجامع الكبير الرائع ذو القباب الثلاث البيضاء والمنارتين، وكلا البناءين الخالدين مبنى بالحجر الورد وهو يغلب في أبنية السلاطين التيمور بين ويجلب من اجرا. وهما نضيران لم تغير منهما الأحداث. ولم تنل منهما الغير ثبات الحق على كر العصور والمجد المؤثل على مر الدهور.

دخلت الجامع مغرب يوم الخميس 26 ربيع الثاني (19 آذار) يوم بلغت دهلي، صحبنا إليه الصديق القديم السيد محمد الفاروقي فادينا به صلاة المغرب ثم صلينا الجمعة التالية.

وهذا الجامع بناه شاهجهان بين سنتي 1058، 1060هـ بعد أن بنى القلعة بسنتين وهو

ص: 10

على ربوة تزيده جلالا ورفعة. له بابان كبيران أحدهما يقابل القبلة والثاني إلى يسار الداخل من الباب الأول. والمسجد كله شكل مستطيل طوله نحو ثمانين مترا وهو يزيد على عرضه قليلا. وصحنه فسيح جدا مستطيل فيه ثلاثة صفوف من عمد الرخام الأبيض وجدرانه مغشاة بالرخام كذلك وله محاريب أوسطها أكبرها. ومنبره درج من الرخام قليلة. وكذلك المنابر التي رايتها في أجرا ولاهور ليس لها ما يعهد في البلاد العربية والتركية من الضخامة والارتفاع والحواجز على جانبي الدرج والنقش والحلي.

وأما جمال النقش، والانسجام بين الرخام الأبيض والأسود في أرضه والحجر الأحمر والمرمر الأبيض في الجدران فلا أطيل الحديث في تفصيله.

ويصعد إلى المسجد عند بابيه الكبيرين بدرج هائل لم أر نظيرها في الطول فهو يشبه مدرجا عظيما يتسع لآلاف الناس.

وإجمال الكلام أن هذا المسجد من أكبر مساجد المسلمين وأجلها وأجملها، وكان شاهجهان يؤدي الصلاة في مسجد في القلعة ويخرج أحيانا ماشياً للصلاة في هذا المسجد الكبير ولا سيما صلاة الجمعة.

(للكلام صلة)

عبد الوهاب عزام

ص: 11

‌ما أعرفه عن فارس الخوري

للأستاذ علي الطنطاوي

أقيمت في ردهة المجمع العلمي العربي في دمشق، من نحو عشرين سنة، حفلة لتكريم حافظ إبراهيم حضرتها أنا وأخي سعيد الأفغاني، وكنا يومئذ في مطلع الشباب نقصد هذه الحفلات لننقد الخطباء، ونبتغي لهم المعايب، فمن لم نعب فكرته عبنا أسلوبه، ومن لم ننقص إنشاءه انتقصنا إلقاءه، وخطب كثيرون في الحفلة، وقال فيها حافظ بيتيه المعروفين:

شكرت جميل صنعكم بدمعي

ودمع العين مقياس الشعور

لأول مرة قد ذاق جفني

على ما ذاقه طعم السرور

ولم يسلم من ألسنتنا. . . . وكان فيمن خطب رجل قصير القامة، عظيم الهامة (جداً) ابيض الشعر، ألقى قصيدة لا أزال أذكر أن مطلعها، كان:

ليالي التصابي قد جفاني حبورها

ولمّتي السوداء أسفر نورها

ومن لي بإنكار الحقيقة بعد ما

تجّلى على وجهي وفودي نذيرها

تذكرت أيام السرور التي مضت

فياليت شعري هل يعود سرورها

لدن لي مع الأصحاب سهم مسدّد

وحظي من ريم الكناس غريرها

أسفت على عهد الشباب ولم تعد

تثير فؤادي مقلة وفتورها

وأدتني الأيام من هوّة الونى

فاصبح مني قاب قوس شفيرها

وكادت صروف الدهر تطوى صحائفي

وهل بعد هذه الطي يرجى نشورها

إلى أن. . . . .

وتخلص إلى لقاء حافظ، وقال إنه جدد له عهد الشباب. . . وهو قصيدة طويلة لا أرويها وكان صوته قويا على انخفاض مدويا على وضوح، كأن له عشرة أصداء تتكرر معه، فتحس به يأخذك من أطرافك ويأتي عليك من الأقطار الأربعة، فتسمعه بأذنيك وقلبك وجوارحك، بل تكاد يدك تلمس فيه (شيئا) ضخما. . . على صحة في المخارج، وضبط في الأداء وقوة في النبرات وثبات في المحطات واعتداد بالنفس عجيب، تشعر به في هذا الصوت الذي يكون له هذا الدوي كله، وهو يخرج من فم صاحبه باسترسال واسترخاء لا يفتح له شدقه لا يحرك لسانه، ولا يمد نفسه ولا يجهد نفسه، وإنساناً بهذا الصوت وهذا

ص: 12

الإلقاء أن ننقد القصيدة، أو نجد لها العيوب، ونلك به قلوبنا وقلوب الحاضرين فصفقنا له حتى احمرت منا الأكف.

وقلت لسعيد: من هذا؟

قال: هذا فارس الخوري.

وكنت قد سمعت باسم (فارس الخوري) قبل ذلك بزمان، سمعت به مذ كنت تلميذا في السنين الأواخر من المدرسة الابتدائية أيام الملك فيصل (1919) وكنا نعرفه علما من أعلام السياسة، وركنا في وزارة المالية، ولكني لم أره قبل هذه الحفلة.

ومرت الأيام، وخرجت من الثانوية، واشتغلت بالسياسة (كما كان يشتغل لداتي يومئذ) وصرت سنة 1931 رئيس اللجنة العليا لطلبة دمشق، ومحررا في الجريدة الوطنية الكبرى جريدة (اليوم) التي كان يقوم عليها الكاتب الوطني الخطيب الأديب، الذي علمنا تقديس الشرف وتقدير الرجولة، عارف النكدي وكانت اللجنة تأتمر بأمر الكتلة الوطنية، التي كان لها (في تلك الأيام) قيادة الأمة، وكانت هي وحدها تحمل لواء الجهاد والعمل على ألاستقلال، فكنت اتصل بكبار رجالها، وكنت أحضر بعض مجالسهم، وهناك عرفت فارس الخوري من قرب فرأيت فيه رجلا وديعا ظريفا، حليما واسع الصدر ولكنه كان (مع هذه كله) هائلا مخيفا تراه أبداً كالجبل الوقور على ظهر الفلاة لا يهزه شئ ولا يغضبه ولا يميل به إلى الحدة والهياج يدخل اعنف المناقشات بوجه طلق، وأعصاب هادئة فيسد على خصومه المسالك، ويقيم السدود من المنطق المحكم والنكتة الحاضرة والسخرية النادرة والعلم الفياض والأمثال الحكم والشواهد ويرقب اللحظة المناسبة حتى إذا وجدها ضرب الضربة الماحقة وهو ضاحك ثم مد يده يصافح الخصم الذي سقط لا يرفع صوته، لا يثور ولا يعبس ولا يغضب ولكنه كذلك لا يفر ولا يغلب.

وما رأيته يناقش أحداً شبهته بأستاذ يناقش تلميذاً مدلل غبياً، فأنت تلمس في لهجته ولحظته وبسمته وكلمته، صبره عليه، وتملكه منه، وإشفاقه عليه.

ثم كنت تلميذه في السنة الأخيرة من كلية الحقوق (1932) وكان يدرس علم المالية، وأصول المحاكمات المدنية، يلقى درسه إلقاء لا تدري أأنت تعجب وتطرب، لفصاحة لهجته، أم الغزارة مادته، إلقاء غير محتفل به ولا متجمع له، وكانت له عادة (لازمة) هي

ص: 13

أن يأخذها قلماً رصاصياً طويلا، فيقيمه على قاعدته وهو يسقط وهو يداريه ويعاوده حتى يستقر، ولا يكاد، ولا يبصر ذلك ولا يلقى باله إليه، كأنه يكره أن تبقى يده بلا عمل فهو يشغلها به، أو كأنه يرى هذا الدرس لا يستحق انتباهه كله، ولا يملأ هذا الرأس النادر. . . فيأخذه على أنه وتسلية، وكنا نورد عليه في آخر الساعة أسئلة من كل فن ومشاكل في كل موضوع فيجيب عنها كلها، بتحقيق العالم، أو ببلاغة الأديب، أو بنكتة الشاعر، ومن أجوبته الحاضرة، ونكته السائرة، أن طالبا (ثقيلا. . .) سأله:

- ما فائدة هذه الحروف اللثوية، ولماذا نقول ثاء، وظاء، فنخرج ألسنتنا، ونضطر إلى هذه الغلاطة؟

فقال له على الفور، وقبل أن يتم سؤاله:

- لا فائدة لها أبداً، وسنتركها ونجدد فنقول (كسر الله من أمسالك).

فسكت الثقيل خزيان.

ومن عجائب حلمه، وسعة صدره، ووقاره الذي لا يحركه شئ، أني أقبلت عليه مرة، بعد الدرس، وكانت لي عليه جراءة فقلت له أمام الطلاب:

- يا أستاذ. ما هذا القرار السخيف الذي وضعته البلدية، لتقسيم أرض الدرويشية؟ أليس من العار أن يصدر من بلدية دمشق هذا الجهل وهذا الظلم وهذا. . . .

وفي عشر مترادفات من هذا النمط، ساق إليها نزق الشباب فلما انتهيت منها قال لي، والابتسامة لم تمح عن شفتيه:

- أنا الذي وضع صيغة هذا القرار!

وراح يشرح لي مزاياه، ولكني لم أفهم منها شيئاً، وشعرت من الخجل كأن دلو ماء حار صب علي، وقد مرت على ذلك الآن خمس عشرة سنة، ولا يزال (يدوي) في أذني، فأشعر بالخجل من هذا الموقف.

وخرجت من الكلية وكنت أراه في الترام، أو ألمحه في الطريق، فأجد من إيناسه وسؤاله عني، وحفاوته بي، ما يملأ نفسي شكراً، وهذه مزية من مزاياه؛ يشعر كل من يلقاه أنه صديقه الأوحد، وأنه أقرب الناس إليه، وأنه لا يشتغل إلا بذكره ومعرفة أمره، والعناية به، وكنت أزور المجمع العلمي العربي، وهو من كبار أعضائه، فأراه أحيانا في مناقشات أدبية

ص: 14

أو لغوية، فإذا هو في مجال العلم والحفظ، كما كان في مجال الرأي والفكر، وإذا هو متسلط غلاب في مصاولات الأدب واللغة، كما كان الغلاب المتسلط في مصاولات السياسة.

ومرت الأيام وصار رئيس مجلس النواب، فكانت رياسته عجباً من العجب، وكان الوافدون على دمشق، لا يريدون إذا رأوا جامع بني أمية، والربوة وقاسيون، إلا أن يروه على منصة الرياسة، ليحدثوا قومهم إذا رجعوا إليهم بجليل ما رأوا وما حضروا كان النواب بين يديه (ولا مؤاخذة يا سادتي النواب) كالتلاميذ با أن أكثرهم كانوا تلاميذه فعلا، وكان يصرفهم تصريفاً لا يوصف ولا يثبت على الورق، وما هم بالذين يصرفون أو يسيرون وإن فيهم لكل باقعة داهية ذب اللسان حديد الجنان آفة من الآفات، يطيح بالحكومات، وينسف الوزارات، ولكن الحدأة تسطو على العصافير، فإن قابلت النسر المضر حتى عادت هي عصفوراً. . .

وكانت تشتبك الآراء، وتتداخل المقترحات، وتشتد المنازعات، وتثور الحزبيات، فما هي إلا أن يتكلم ويخلص الموقف، ويفسر الأقوال، ويبين المقاصد، حتى يترسب البعيدين ويجمع الشتيتين، ويصب على جمرة الغضب سطل ماء، ويستل الرأي الموافق من بين الآراء المشتبكة، سل الشعرة من العجين، ويعرضه للتصويت، وكان له في هذا العرض (فن)، ما تنبه له الناس إلا بعد حين، هو أن في النواب، من لا يشتغل حتى ولا يرفع اليد، ولا ينال الأمة منه إلا حضوره الجلسة، وقبضه الراتب، وكان يعرف هؤلاء، فتارة يقول (الموافق يرفع يده)، فيكون مع المخالفين، وتارة يقول (المخالف يرفع يده) فيكونون مع الموافقين يكف بذلك من جموح الأكثرية، ويقوم من اعوجاجها. . .

وغضب مني سعد الله الجابري مرة، وكان رئيس وزارة، وهو رجل حلبي لا يعرفني، فاضطررت أن استشهد بعض من يعرفني من رجال الكتلة، فما رأيت أقرب إلى من فارس بك، وكان رئيس المجلس، وقطب رحى السياسة العليا، وكان كثير المشاغل ضيق الوقت، ولم يكن بد من أن أسأله موعداً، ولكني كنت في عجلة من أمري، فذهبت إليه بعد العصر في ساعة ينام فيها أكثر الناس، فحاول الشرطي أن يردني، فنهرته ورفعت صوتي فسمعني فخرج إلى، مبتسما، وقال له:

- هذا الشيخ علي! إلا تعرفه؟ إنه دائما مشاغب!

ص: 15

وأدخلني، فرأيت النصب لم يبدل منه شئيا؟ إنما يبدل المنصب من يكون أقل منه فيكثر به، لا من يكون أكبر من مناصب الأرض كلها، وقديماً قيل: السنبلة المملوءة تنحني، والفارغة ترفع رأسها.

ودخلت عليه في مكتبه وهو رئيس وزارة، فما وجدت إلا أستاذنا فارس الخوري، الأستاذ العالم الأديب الحاضر الجواب، الصائد النكتة، وكنت أظن أني سأجد دولة الرئيس فارس بك الخوري الذي لا يكلم إلا بعريضة، ولا يخاطب إلا بالبروتوكول!

وفارس الخوري واحد من المشيخة الأجلاء الذين تعتز بهم دمشق، والذين أن فاخرت إنكلترا بتشرشل، وعمله عمل الشباب وهو في سن الشيوخة، فإن كل واحد منهم تشرشل لنا، لا نفخر بأنه بقى شابا في عمر الشيوخ، بل بما جمع إلى ذلك من العلم والفضل، والثقافة والعرفان، كالشيخ عبد المحسن الأسطواني علامة الشام الذي لا يزال موظفاً له همة الشباب، وهو (حفظه الله) فوق التسعين، والشيخ كرد علي أبي النهضة الأدبية في الشام، الذي يعمل اليوم دائباً على المطالعة والبحث وألتاليف، كما كان يعمل منذ خمسين سنة، عندما كان محورا في (المؤيد)، وفي (المقتطف) من قبله، وكان يصدر مجلة (المقتبس) من بعده، فكانت دعامة ضخمة في صرح نهضتنا الأدبية والعلمية، والشيخ الذي لا يزال شاباً يمشي أميال، وهو يقر أنه في الثمانين، والذي لا يدري أذهنه أفتى أم روحه أم جسمه، الذي يكتب اليوم وقد كان يكتب من نصف قرن: المغربي، والشيخ القوي الأمين، الذي كان في أول سنة من هذه القرن الهجري قاضيا في دوما ولا يزال عالما نشيطا كيوم كان في دوما: سليمان الجواخدار وهذا الشيخ (الخوري) الذي شهدت بعبقريته الدنيا، وأكبرته الأجيال على اختلاف ألوانها وألسنتها وبلدانها، ورأت فيه (شخصية) ضخمة، لا توزن بها (شخصيات) هؤلاء الذي ألقت إليهم قوة دولهم مقاليد الأرض، وحكمتهم رقاب البشر، واعترفوا بأنه مع عبء الثمانين حمل رياسة مجلس الأمن فكان خير رئيس له وأقواه. هذا، وليس وراءه أسطول منه جاءت هيبته، ولا قنبلة ذرية قامت عليها سطوته، ما وراءه إلا أمة صغيرة كبرتها عبقريته، ودولة ضعيفة قوتها (شخصيته)، حتى كان صوتها أعلى الأصوات، وكلامها أبلغ الكلام، وخطبته عنها هي نقطة التحول في مجرى الرأي في مجلس الأمن، كما قال الأستاذ الصاوي في (أخبار اليوم).

ص: 16

ولقد عجب الذين لا يعرفون الخوري لما سمعوا أنه لي يقرأ خطبته من كتاب، ولا تلاها من ورقة، بل أرتجلها ارتجالا ولم يكن في يده إلا بطاقة فيها (خرابيش) بالقلم الرصاص، رآه النقراشي وهو يخطها فحسب إنها مذكرات له في مسائل عادية من مسائل الحياة، فلما رأى إنها هي الخطبة العظيمة التي هزت أضخم هيئة دولية في الأرض، بلغ عجبه من هذا الرجل، وإعجابه به، أبعد حدوده. . . . .

أما نحن فلم نعجب، لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، وهذا الرجل الذي بدأ يتعلم الإنكليزية قبل أن يولد أكثر أعضاء الوفد المصري في مجلس الأمن، والذي أعطاه الله هذا الذهن العجيب، فجعله لغوياً أديباً شاعراً حقوقيا مشاركا في كل فروع الثقافة، وأمده بمنطلق سديد، وعقل نادر المثال، ورزقه ذكاء ما أعرف أحد منه ولا أمضي، وبديهة غريبة، وجعل له مع ذلك كله، هذا الرأس الكبير، وهذه الشيبة المهيبة، وهذا الصوت المدوي لملئ بالعظمة والثقة بالنفس والتعالي، وهذا الصدر الواسع، وهذا الحلم مع القوة، وهذا الحزم بلا عنف، هذا الرجل لا يستكثر عليه أن يرتجل خطبة باللغة الإنكليزية، وأن يحول بها أفكار وكلام الدول في مجلس الأمن.

وبعد فلا يحسب القارئ أني غلوت، أو بالغت، فما ذكرت إلا ما أراه حقا، وما في الأمر مجال لرغبة تدفع إلى المدح، ولا رهبة تمنع من القدح، فأنا لا أرهب الرجل، ولا أرغب في شئ منه، وربما مرت هذه المقالة فلم يقرأها، وإنما أريد المشاركة في تأريخ سيرة عظيم من عظماء العرب.

(القاهرة)

علي الطنطاوي

ص: 17

‌القسم الحادي عشر:

فرنسا ومستعمراتها

الاستعمار يواجه الإسلام في الجزائر

للأستاذ أحمد رمزي بك

(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن

تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل

شئ قدير). (آل عمران)

(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال

والأنفس وبشر الصابرين). (البقرة)

(وقل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

(الأنعام)

تبرز للعالم قوة الإسلام وعظمة الرسالة المحمدية، في هذه الآيات البينات التي دعت المسلمين إلى الصبر والمصابرة للوقوف أمام حوادث الدهر بشجاعة وثبات فلا تلين قناتهم وتذهب ريحهم وإنا لنبعث بها تحية لإخواننا المسلمين بالجزائر الذين وقفوا أمام فرنسا وجبروتها. ولئن كانت صفحات كفاحهم السياسي والحربي في الجزائر أمرها معروف تداولتها الأيام، فإن كفاحهم الديني في وطنهم وثباتهم معجزة من معجزات الله، لأن فرنسا في معاهدة 1830 مع حاكم الجزائر تعهدت كما قلنا باحترام الدين الإسلامي وشعائره، وأخذت على نفسها المواثيق بأن تترك للمسلمين أوقافهم وعوائدهم ثم عقدت عدة معاهدات واتفاقات مع الأمير عبد القادر الجزائري وغيره من الزعماء وفي نصوصها جميعا: العهود والمواثيق على إقرار هذه المبادئ وهي حرية العقيدة وترك أمور الدين الإسلامي وشعائره بيد أهله.

ص: 18

ولكن هذه المعاهدات وما تحمله من أيمان ووعود وما أعقبها من تصريحات رسمية صادرة من الحكومة الفرنسية وممثليها، ثم من الإمبراطور نابليون الثالث نفسه عند زيارته للأقطار الجزائرية كل هذا لم يمنع الاستعمار أن يبسط يده على كل شئ في هذه البقعة العزيزة علينا، وكان من جملة ذلك أن مدت فرنسا يدها إلى الدين الإسلامي وإلى الأوقاف الإسلامية، تراث القرون الماضية ومفخرة المسلمين: لأنها أوجدت ووقفت وبقيت الأزمان واحترمها ملوك المسلمين وأمراؤهم لما يعلمون من إنها أرصدت للصرف على المؤسسات الإسلامية، وهي هذه المدارس والمساجد الجامعة، التي تحرص على تثقيف أبناء الأمة وتثبيت قواعد الدين، وتلقين الناس تعاليم الشريعة الغراء.

فما الذي حدث في الجزائر؟

ذكر الدكتور أنريكو انسابانو الإيطالي في كتابه الإسلام وسياسة الحلفاء (ص 70) ما يأتي بالنص:

ارتبطت الحكومات الأوربية في بعض الجهات باحترام أملاك الأوقاف وما أرصد على الزوايا والطرق الصوفية وهذا شرط خطير يحسن بإيطاليا أن تفكر طويلا قبل أن تأخذ به لا ينتج عن احترامه من نتائج وخيمة، سبق لفرنسا أن تحملتها في الجزائر، لأنها حينما أعطت هذه المواثيق والعهود لم تكن لديها فكرة واضحة تماماً عن أهمية أوقاف المسلمين وأثرها في إبقاء قوتهم الدينية فكان من نتيجة هذه السياسة التي فرضتها على نفسها فاضطرت أن تناقض ما أخذت به نفسها وتعهدت للمسلمين باحترامه.

وقد هاجم المستعمرون نظام الأوقاف في شمال إفريقيا عامة، قالوا إنه نظام رجعي يمنع تداول الثروات، والقصد من ذلك حرمان المسلمين من أملاكهم، ونسبوا إليه أنه نوع من الاستغلال لعمل الإنسان لأنه يفرض الجبر وذلك حينما رأوا الطلبة والمريدين يتلقون العلم في الزوايا والمدارس الإسلامية، ويعلمون في زراعة الأراضي الملحقة بالمعاهد، وكانوا يطلقون على هذا العمل التعاوني الإنساني اسم المعونة، ولما ازدهرت أملاك الأوقاف وزاد خيرها، استكثروا هذا الخير عليها وحاربوها باسم الحرية والعدالة والمساواة، وهم يعلمون أنهم يقصدون أولا وآخراً هدم قواعد الدين وإفقار أهله، وهذا ما وصلوا إليه حينما شردوا الطلبة ونزعوا أملاك الأوقاف.

ص: 19

ولم تكن هذه الأوقاف مرصدة للعلم وحده وإنما كانت لوجه الله، للسائل والمحروم وفي هذه الناحية بالذات يقول صاحب كتاب (التشريع الإسلامي الجزائري صفحة 180 ما يأتي:(إن خمسة أعشار الأراضي الزراعية في الجزائر كانت أوقافاً، وأن فرنسا حينما صادرت هذه الأملاك، بسطت يدها على الدين الإسلامي، وجعلت آلافاً من الأهالي الذين كانوا يعيشون في تلك الأراضي، جماعات تتجول لطلب العيش فأصبحت تسمى بفيالق الفقراء).

والحكومة الفرنسية تمثل فكرة لادينية، لا بكية، ومعنى هذه السياسة في العرف الذي نادت به فرنسا هو: الكنيسة الحرة تتعاون مع الدولة الحرة.

وتفسير ذلك أن تتمتع الحكومة عن فرض إرادتها على أنظمة الكنيسة قرارات رجال الدين، فيبقى الفاتيكان يقوم برسالته الدينية والسياسية، بحرية أوسع مما كان في السابق.

ولما انتقدت سياسة فصل الدين عن الدولة صرح المسيو في مجلس الشيوخ (أن هذا الفصل طلاق ولكنه يلزم الطرفين بالعيش تحت سقف واحد، مع تعاون وتفاهم أوثق مما عهداه وقبل صدور الحكم الطلاق).

وقال المسيو (إن الكاثوليك سيكونون أكثر كاثوليكية تحت هذا القانون، لأنه يؤكد سلطة البابا ويحترم ممثليه ويترك لهم الحرية أن يقفوا للدفاع عن أعمالهم أمام ممثلي الجمهورية).

وليس هناك أصرح من هذه الأقوال لترك شؤون الله لله وشؤون قيصر لقيصر، فما الذي هيأته حكومة الجمهورية التي فصلت الدين عن السياسة، لرعاياها المسلمين الذي اعترفت له بحقوقهم الدينية كاملة.

يقول صاحبا كتاب (بحث التشريع الجزائري) صفحة 632 لارشير در كتنفالد

(إن الأوقاف الإسلامية التي تتولاها الدولة يصرف دخلها على ناحيتين:

الدين الكاثوليكي: 790000 فرنكا.

(الإسلامي: 337000)

والاعتراض الأساسي هو كيف تتولى دولة ينص دستورها على فصل تام بين شئون الدين والدنيا، إملاك دين لم يكن له بها صلة في يوم من الأيام، فعلى أية قاعدة بنيت هذه السياسة؟

والاعتراض الثاني هو إذا فرض أن رأت الدولة أن تتبرع من أموالها بهذه المبالغ وهي

ص: 20

دولة لا دينية، فالمعروف أن اتباع الديانة الكاثوليكية لا يصلون إلى عشر السكان المسلمين ولكنهم يتمتعون بما يزيد على ضعف المبالغ المخصصة للشئون الدينية لمن هم أكثر من عشرة أضعافهم. فأي قاعدة إنصاف أخذت بها؟

ويهون الأمر لو كان هذا تبرعاً ولكن يؤخذ من أملاك وأموال وأوقاف المسلمين وهي مرصدة ومحبوسة على هذه الناحية منذ قرون طويلة الأمد ولم يتعرض لها أحد من الدول التي تعاقبت على حكم الجزائر. وهذه ثالثة الاعتداءات التي لا يبررها منطق للآن.

ويفسر لنا كيف ضعفت الحياة الدينية في الجزائر وفي ذلك يروي لنا (البير ديفوكلي) في كتابه المؤسسات الدينية في العاصمة الجزائرية أن مدينة الجزائر كانت تحوي 176 مسجداً في سنة 1830، ولا يوجد في القطر الجزائري بأكمله غير 166 مسجداً جامعا كما ذكر ذلك صاحب (بحث التشريع الجزائري) ولا نشك في أن هذا العدد سيهبط إذا دام حكم فرنسا جيلا آخر.

ولبيان هذه السياسة التعسفية إزاء المسلمين وشريعتهم ودينهم يحسن أن نشرح هذه الفكرة من مراجع الاستعمار الفرنسي نفسه:

فقد جاء في كتاب جورج هاري (نظرياتنا الاستعمارية الكبرى) (أنه في المناطق التي لم يسدها الإسلام قط أي في أفريقيا السوداء يجب أن تحاط الأديان والمذاهب الإفريقية بما يكفل حمايتها وبقاءها وفي مناطق البربر يجب منع تعليم اللغة العربية منعاً باتاً؛ وعدم تشجيع نشر المكاتب القرآنية، ومنع نصب القضاة الإسلاميين والحيلولة دون تنفيذ شريعة الإسلام.

أما في الجهات التي ثبتت قواعده في ربوعها فلا مانع من تركه يعيش ولكن فلنحترس من الاهتمام بأمره أو إظهار الإعجاب به).

فهذه أصول السياسة الإسلامية الفرنسية وهي تحول دون انتشاره في أفريقيا وتعتبر القبائل من أهل الجزائر ومراكش غير مسلمين، وتحاول أن تحد من أثر الإسلام في المناطق الإسلامية الصميمة.

فلننظر إلى ابتداء هذه السياسة وما تركته في نفس الشيخ محمد بيرم التونسي صاحب كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار الذي طبعه سنة 1302 هجرية عن

ص: 21

زيارته لمدينة الجزائر في رحلته عام 1295 هجرية وقد مضى على ذلك سبعون عاماً تقريبا إذ قال:

(إن الدول الفرنسية هي القائمة بمصاريف إقامة الجوامع وما فيها من قراءة الأحزاب أو كتب الحديث لأنها استولت على جميع الأوقاف واقتصرت في كل بلد على عدد مخصوص من المساجد تقوم به وغيره تصرفت فيه بما ناسبها وحرمت المستحقين من مالهم كأوقاف الحرمين).

وذكر كيف أقدمت الهيئات التبشيرية عند وقوع المجاعة الكبرى في الجزائر، على تنصير عدد من أولاد الأعراب وغيرهم من المسلمين بنات وأطفالا، وأن بعضهم منهم لما كبروا وعلموا بأن أهلهم مسلمون فروا إلى أهلهم.

وأشار إلى بقية من علوم السلف كانت تدرس في قستنطينة وتلمسان والجهات الجنوبية ولكن القلق كان شاملا أفاضل العلماء فقد تقابل مع الشيخ علي الخفاف المفتي المالكي بقاعدة الجزائر وهو من تلامذة علامة القطر الإفريقي الشيخ إبراهيم الرياصي، وله فضائل كاملة وتقوى وسكينة واطلاع في الفقه والحديث، ولما أنس بمؤلف الكتاب فاتحه في أمر الهجرة إلى بلاد الإسلام فأخبره أن مثله نادر الوجود وأن قافاااااهبقاءه فيه لتعليم الناس دينهم، أنفع له وأثوب عند الله من خروجه بنفسه، وترك تلك الأمة المسلمة خالية من مثله، بل ربما كانت هجرته سببا في خروج غيره؛ فتحرم عامة المسلمين ممن يلقنهم تعاليم الإسلام وعقائد الفقه، وقد ورد في كتب الشريعة، أنه إذا تعذر على ولي الأمر فداء الأسرى من يدي العدو فليؤخر بينهم العلم).

فهذه حالة الجزائر من ناحية من أهم النواحي التي فهمنا، ناحية العقيدة الإسلامية وفيها عبرة وتذكرة لمن يريد أن يفهم حقائق الإسلام في قطر من أعز الأقطار الإسلامية، وأقربها إلينا وأبعدها أثرا في تاريخ أفريقيا العربية التي لن تموت وفيها دعائم الإسلام قائمة.

وإننا لنعدها معجزة أن بقيت هذه الدعائم في أفئدة ملاين من الناس بعد سنوات الضغط السياسي والمحاربة التعسفيه التي أشرنا إليها، ولكن الذي تخشاه هو إثر سياسة الإفقار التي فرضتها فرنسا على رعاياها المسلمين فهذه أبعد غورا من أي أساليب الإرهاق التي رآها العالم وهي التي ورد وصفها في محكم الآيات الواردة بالقرآن بقوله تعالى: (ولنبلونكم

ص: 22

بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس) فقد أصيب المسلمون في نكبتهم بالاستعمار الفرنسي بهذه النوائب: قلة الغذاء، وكثرة المرض، وسكنى المنازل التي لا تليق بالإنسان. ثم دهمتهم في السنوات الأخيرة نكبات القحط المتتالية، وتفشت فيهم الأمراض القاتلة.

فهناك تفعل قلة الغذاء أو عدم تنظيمه ما تفعله في كافة بلدان الدنيا التي أصيبت بحكم الأوربيين حتى أصبح الكلام هنا إعادة لما سبق ذكره وتأثير هذا كبير في تكاثر السكان وتناسلهم، وفي إخراج جيل من الأجناس البشرية ضعيف لا يقوى على البقاء أو الصمود أمام تفوق الأجناس الأوروبية من الناحيتين: العقلية والبدنية.

ويسكن لدينا عدد من السكان في أكواخ من صفائح الغاز الفارغة ولكن في الجزائر يعيش أكثر من نصف مليون مسلم في أحياء برمتها أو مدن قامت على هذا النوع من المساكن ولهذا لا تعجب أن نسمع أن أكثر من 40000 جزائري مصابون بالسل وهو يعادل عدد المصابين به في فرنسا وسكانها يقرب من أربعين مليونا، ولما كانت الوقاية الصحية غير متوفرة لدى الأهالي وليس لديهم أية خدمات لحمايتهم فقد انتشرت الأمراض الزهرية انتشاراً اجتاح قرى برمتها.

إن أعظم صورة تقدمها فرنسا بعد حكم دام أكثر من قرن من الزمن، هو مواكب النساء والرجال والأطفال الذي لا يجدون من الكساء إلا ما يسترهم يسيرون نحو بقايا الأطعمة ومزابلها يلتقطونها لسد رمقهم؛ بعد أن حرمتهم حكومة الاستعمار من زعمائهم وقادتهم ومدارسهم وأوقافهم، وفرضت عليهم الذلة والمسكنة وحرمتهم من كل مميزات الشخصية: الدين واللغة والتوجيه؛ لقد بقى لهم شئ واحد هو: الإسلام والإيمان بالله.

(قل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

ولقد يضحك الاستعمار من هذا الخضوع والاستسلام، ويرى فيه أن الأمة التي كانت ترج البحر الأبيض المتوسط قبل احتلال فرنسا قد رقدت رقدتها النهائية وأصبحت في ذمة التاريخ بعد أن أدت رسالتها، ولكنه مخطئ لأن الأمة الجزائرية ستحطم هذه الأغلال، وستخرج من هذه الظلمات بقوة تبهر فرنسا والكولون الفرنسي، لأن النيران المتأججة لا يزال بريقها وإشعاعها تخفيه تحت الرماد أمة إذا تحركت وثارت ستهز هذا الركن هزة

ص: 23

عنيفة لا تقدر على الوقوف إزاءها قوات الظلم والتعسف.

أحمد رمزي

ص: 24

‌12 - تفسير الأحلام

للعلامة سجموند فرويد

سلسلة محاضرات ألقاها في فينا

للأستاذ محمد جمال الدين حسن

(تتمة)

الرموز في الأحلام:

أظن هذه الأمثلة كافية لوضع حد لهذا الموضوع، وهي ليست إلا أمثلة فقط، فنحن نعرف أكثر من هذا كثيراً فيما يتعلق بالرموز. وإن في استطاعتكم أن تتصوروا كيف تكون مجموعة من هذا النوع أكثر دسامة، وأدعى إلى الاهتمام إذا قام بجمعها أشخاص خبراء في دراسة الأساطير، وحياة الإنسان، وفلسفة اللغات، والقصص الشعبية، لا أشخاص مثلنا قليلو العناية بما يدرسون. غير أننا نجد أنفسنا مدفعوين إلى الاعتراف ببعض النتائج التي لا يمكننا أن يستفيد كل ما فيها، ولكنها مع ذلك تمدنا بالكثير الذي يتطلب الروية والتفكير.

فنحن نواجه قبل كل شئ بالحقيقة الماثلة أمامنا وهي أن الحالم يجد تحت يده أسلوباً رمزياً للتعبير، لا يعلم عنه شيئا بل لا يستطيع أن يتعرف عليه وهو يقظان. وهذه الحقيقة لا يعادلها في الغرابة إلا أن تكتشف فجأة أن الخادم التي عندك تفهم السنسكريتية في الوقت الذي تعلم فيه إنها قد نشأت في قرية بوهيمية ولم تتعلم قط هذه اللغة. وليس من السهل أن نوفق بين هذه الحقيقة وبين نظريتنا في علم النفس، وكلما نستطيع قوله هو أن معرفة الحالم بالرمزية معرفة لا شعورية تتصل بحياته العقلية الباطنة. ولكني أحسب أنه حتى هذا الفرض لن يساعدنا كثيرا فنحن إلى الآن لم نفعل أكثر من أن فرضنا أن هناك نزعات لا شعورية تكون مجهولة لدينا لبعض الوقت أو على طول الخط؛ ولكن المسألة الآن أكثر اتساعاً، وعلينا في الواقع أن نعتقد في وجود معرفة لا شعورية، وارتباط لا شعوري بين الأفكار، ومقارنات لا شعورية بين الأشياء المختلفة يمكن بموجبها لكل فكرة أن تستبدل دائما بأخرى. وهذه المقارنات لا تنشا من جديد في كل مرة، بل هي رهن الإشارة، صالحة لكل وقت، وهي نتيجة استخلصناها من التشابه الذي نجده بين الأشخاص المختلفين، حتى

ص: 25

على الرغم من تباين لغاتهم أيضا.

ما هو المصدر الذي نحصل منه إذاً على معرفتنا بالرمزية؟ أن استعمال اللغة في الحديث لا يشمل إلا جزءاً بسيطاً فقط، بينما الأمثلة المتعددة في المجالات الأخرى تكون في الغالب مجهولة لدى الحالم، وقد عاينا نحن أنفسنا في مبدأ مشقة في تنظيمها والمقارنة بينها.

ونقطة ثانية هي أن هذه العلاقات الرمزية ليست صفة خاصة بالحالم أو بعمل الحلم، وهو السبب في التعبير بها، لأننا اكتشفنا أن نفس هذه الرموز مستعملة كذلك في الأساطير (الحواديت) وفي الأقوال المأثورة والأناشيد، وفي الأحاديث الدارجة والخيالات الشعرية. فميدان الرمزية ميدان غريب الاتساع، وليست الرمزية في الأحلام إلا جزءاً صغيراً منه، وحتى إذا عالجنا الموضوع بأكمله من ناحية الأحلام فقط، فلن يكون في ذلك نفع ما. فكثير من الرموز التي تقع باستمرار في نواح أخرى، يندر ظهورها في الأحلام أو ينعدم بالمرة. ومن ناحية أخرى نجد أن الرموز المستعملة في الأحلام لا تمر بنا في كل مجال آخر، ولكنها كما رأيتم، موزعة هنا وهناك. ومن يتولد لدينا الإحساس بأننا نعالج أسلوباً قديماً في التعبير قد بطل استعماله، ولم تبق منه إلا نتف بسيطة متناثرة، واحدة هنا فقط، وأخرى هنالك فقط، وثالثة في مجالات متنوعة، ربما على أشكال مختلفة بعض الاختلاف.

وثمة نقطة ثالثة، فلا شك أنكم ستدهشون لأن الرموز التي تقع في المجالات الأخرى التي ذكرتها لكم، ليست قاصرة على المواضيع الجنسية فقط، بينما نجد في الأحلام أن الرموز يقصر استعمالها في الغالب على تمثيل الأشياء والعلاقات الجنسية. وهذه النقطة من الصعب تعليلها. أيحق لنا أن نفرض أن الرموز التي كانت في مبدأ الأمر ذات دلالة جنسية، قد صار استعمالها أخيراً بشكل آخر، وأن من الجائر أن يكون هناك ارتباط بين ذلك وبين الميل عن الأسلوب الرمزي في التعبير إلى أساليب أخرى؟ أظن من الواضح أننا لا يمكننا الإجابة عن هذه الأسئلة إذا اقتصرنا على معالجة الرمزية في الأحلام فقط، وكل ما نستطيع عمله الآن هو أن نتمسك بما افترضناه من أن هناك علاقة خاصة قريبة بين الجنسية والرموز الحقيقية.

وهناك دليل هام في هذا المعنى قدمه إلينا أخيراً الباحث في فلسفة اللغات (إتش سبيربر)(وهو يعلم مستقلا عن التحليل النفسي) وهو أن الحاجات الجنسية كان لها النصيب الأكبر

ص: 26

في نشأة وتطورات اللغات. فهو يقول أن الأصوات الأولى التي نطق بها الإنسان كانت وسيلة للمناجاة والاتصال بينه وبين الجنس الآخر، ثم تطور الحال فيما بعد وصارت عناصر الحديث تصاحب أنواع العمل المختلفة التي يقوم بها الرجل البدائي. فكان الناس يبذلون الجهود المشتركة في القيام بهذا العمل وهم يدندنون بأصوات وترانيم منغمة تسبغ على العمل طابعاً من الاهتمام الجنسي. ومعنى هذا أن الرجل البدائي كان يجعل العمل مستساغاً بأن يزاوله كما لو كان مساويا أو بديلا من النشاط الجنسي. ولذا فالكلمة التي كان ينطق بها أثناء العمل المشترك كانت تحمل معنين، أحدهما يدل على العملية الجنسية والأخرى على العمل الذي صار مساويا لها؛ إلى أن جاء الوقت الذي انفصلت فيه الكلمة عن دلالتها الجنسية وصار استخدامها محصوراً في الدلالة على العمل. وعلى ممر الأجيال حدث نفس الشيء لكلمة جديدة لها دلالة جنسية، فصار استخدامها للدلالة على نوع جديد من العمل. وبهذه الطريقة برزت عدة كلمات أصلية كانت كلها ذات مصدر جنسي، ولكنها فقدت جميعاً معناها الجنسي. فإذا كان هذا القول الذي ألمنا بطرف منه هنا صحيحا، فإنه يفتح أمامنا على الأقل وسيلة لفهم الرموز في الأحلام، نستطيع أن ندرك السبب في أن الأحلام، وهي تحتفظ ببقية من هذه الصفات البدائية، تحتوى على عدد من الرموز الجنسية أكبر من المعقول، أن الأسلحة والأدوات على العموم تمثل الذكر، بينما المواد والأشياء التي يجري عليها العمل تمثل الأنثى. ومعنى ذلك أن العلاقات الرمزية عبارة عن مخلفات هذا التشابه القديم بين الكلمات، فالأشياء التي كان لها في يوم ما نفس الاسم الذي يطلق على الأعضاء التناسلية، تستطيع أن تظهر الآن في الأحلام كرموز لها.

والنقطة الرابعة التي أود ذكرها تكر بنا راجعين إلى المكان الذي بدأنا منه ثم تسلك نفس الطريق الذي سلكناه. فقد قلنا أنه حتى على فرض أن الرقابة رفعت عن الأحلام، فإننا سنلاقي مع ذلك صعوبة في التفسير، لأننا سنواجه في هذه الحالة بمشكلة اللغة الرمزية المستعملة في الأحلام والتي تتطلب منا ترجمتها إلى اللغة المستعملة في حياة اليقظة. وعلى هذا فالرمزية تعتبر عاملا ثانيا قائما بذاته في تحريف الأحلام، وهو يقف جنبا بجنب مع الرقابة ولكن النتيجة الواضحة هي أن الرقابة تجد أن من الملائم لها أن تنتفع بالرمزية، بما أنهما يخدمان نفس الغرض، أي خلع هالة من الغرابة والغموض على الأحلام.

ص: 27

وأما إذا كانت ثمة دراسة أخرى للأحلام لن توصلنا إلى معرفة عامل آخر يشترك في التحريف، فهذا ما سوف نراه قريباً. ولكن يجب أن لا أدع موضوع الرمزية في الأحلام قبل أن أمس مرة أخرى الحقيقة المبلبلة وهو أن الرمزية قد نجحت في إثارة معارضات قوية بين أشخاص مثقفين على الرغم من أن تفشيها في الأديان والأساطير، والفنون واللغات، مما لا يقبل الشك. أليس من المحتمل إذاً أن السبب في ذلك يرجع هنا أيضاً إلى الصلة التي بينها وبين الجنسية؟

محمد جمال الدين حسن

ص: 28

‌مع ميخائيل نعيمه في (زاد المعاد)

للأستاذ مناور عويس

(غداً ستغمرنا لجة العدم بأحزابنا وأوصابنا، بجائعنا ومتخومنا، بفقيرنا وموسرنا، بوجيهنا وحقيرنا، وستقوض الأيام أركان ما شدناه من البنايات السياسية والاقتصادية فلا يبقى إلا الخالد والجميل والحق فينا. . . ومن ذا الذي يبقى ليخبر عن الخالد والجميل والحق فينا أن لم يكن ابن الأدب والفن؟!)

(نعيمه)

لك الله يا ميخائيل كم لك على من يد بيضاء!

في الثالث والعشرين من حزيران سنة 1947 فجعني الموت بابن أخي (جمال نوري عويس) فرحت التمس العزاء في الشعر العربي القديم منه والحديث - فقد كان الأدب وما زال هو الملجأ والمعاذ الذي أهرب إليه في الأزمات والملمات - فماذا وجدت؟ وجدت شعراً مفجعاً مؤثراً غير أنه فردى لا يصلح لكل إنسان ولا يسمو به فوق المكان والزمان، اللهم إلا رائعة رهين المحبسين الخالدة وهل أعني سوى (غير مجد)؟.

وإذا بيدي تمتد إلى (زاد المعاد) فأفتحه وإذا بي أقع على هذه الآيات في الموت والحياة:

(وعندي أن من ينوح على ميت إنما ينوح على الله، ومتى كان الله في حاجة إلى نوحكم ونوحي؟ أو ليس الله حيا من الأزل وإلى الأبد؟ إذن كل ما ينبثق منه يحيا بحياته مهما تبدلت أحوله وكيفما تغيرت أشكاله، والذي يقول أن الأموات بادوا واندثروا إنما يقول أن الله الذي كان وما يزال حياً فيهم قد باد واندثر.

والذي يؤمن بأن الموت رب الحياة أحرى به أن يعبد الموت ويكفر بالحياة، والذي يبصر في الموت نهاية الحياة إنما هو ضرير لا يبصر الحياة ولا الموت!. . .

فما بالنا ونحن الذين حصرنا الزمان بين المهد واللحد نقبل على المهد ونهرب من اللحد، وما المهد إلا طريق اللحد وبابه؟!

ما بالنا نلثم اليد التي كتبت ونعض اليد التي خطت الخاتمة، واليد التي خطت الخاتمة هي عين اليد التي كتبت الفاتحة؟ أن تكن خاتمة العمر شراً فالفاتحة التي تؤدى إليها شر مثلها. وإذا ذاك أحرى بنا أن ننوح على من يولد قبل أن ننوح على من يموت.

ص: 29

أتروني أكلمكم بالأحاجي؟ وبماذا عساني أكلمكم أن لم يكن بالأحاجي؟ وتقاليد الناس قد جعلت من وجودهم سلسلة كل حلقة فيها أحجية؟ أجل. إنها لأحجية أن تفصل بين الحياة والموت وهما متصلان اتصال النهار والليل، واليقظة بالمنام، والزهرة بالثمرة، وقطرة الطل بقطعة الجليد. إنها لأحجية أن تميت نبات الأرض وطيرها وحيوانها لتحولها لحماً في جسدك ودماً وعظاماً وأن تدعو موتها حياة وعندما تحول الأرض جسدك نباتا وطيراً وحيواناً أن تدعو تلك موتاً لا حياة! إنها لا حجية أن تأكل الموت في كل ما تأكل وتشربه في كل ما تشرب وتلبسه في كل ما تلبس. وأن تنام وتقوم وإياه. وأن تشتهيه في كل شهوة من شهواتك. وأن تباركه في كل ذلك باسم الحياة. ومن ثم أن تلعنه عندما يأكلك ويشربك ويلبسك ويشتهيك!. . . الخ.

قرأت هذه الآيات التي تزخر بالإنسانية والفلسفة والشعر والمنطق فإذا بي أحس بدبيب التعزية يسري في نفسي وإذا بالثورة التي كانت تعتلج في روحي قد استحالت هدوءاً وسكينة واستسلاماً فخرجت بالنتيجة الآتية:

إن الأدباء صنفان: صنف يرهقك بآرائه وآراء غيره الجافة التي تعتمد على البحث والاستقراء دون أن يعطيك شيئاً من روحه ووجدانه، وصنف يقدم لك روحه ووجدانه طعاماً شهياً بأسلوب سهل واضح لا غموض ولا أنانية فيه. ومن الصنف الثاني شاعر الإنسانية الشاملة، شاعر المحبة، شاعر الحياة وكاتبها الكبير الأستاذ ميخائيل نعيمه!. . .

فأنت تقرأ حين تقرأه فلسفة عميقة ومنطقاً سليما وأدبا رائعاً دون أن تحس بإرهاق في عقلك أو توتر في أعصابك، فأنت معه في بستان حافل بكل ما يعجب ويطرب ويلذ. . .

فبينما ترى الصنف الأول من الكتاب يمتدح من معين غيره ترى الصنف الثاني يستقي ويسقى من نفسه وروحه، ومن يستوح نفسه يستوح أرواح الناس جميعاً؛ الأول يكتب في كل شئ ولا يكتب في شئ؛ الأول بحاثة والثاني صاحب رسالة، الأول تقرأه مرة وقل أن تحس بحاجة للرجوع إليه، والثاني لا تستغني عنه لأنه منك وإليك!. . . الأول أناني محدود الآفاق، والثاني واسع شامل عميق كالحياة، الأول يشبه البركة الراكدة، والثاني يشبه الأوقيانوس!

فالأديب الذي لا يكفكف عبرة، ولا يكشف غمة، ولا يحل عقدة هو أدب حظه من البقاء

ص: 30

قليل ونصيبه من الخلود هزيل. . . .

قدر لي أن أنشأ نشأة ريفية صميمة، فقد تفتحت عيناي على تلك الجبال التي تغزل بها سليمان في نشيده الخالد:(شعرك كقطيع الماعز الرابض على جبال جلعاد) هذه الجبال جبال جلعاد أو جبال عجلون - كما تدعى اليوم - هي مجلى هواي ومرتع صباي. . . . كنت أفارقها - مرغماً - العام والعامين - طالباً أو مسترزقاً - وأعود إليها مستروحاً مستجما - لاغتسل من أدران المدينة وأتطهر من أقذار المدينة، ولقد كنت أشعر شعور الحاج أقبل على الأماكن المقدسة، فمن مشاعر غريبة مبهمة وأحاسيس غامضة من الحنين والشوق والحب والشعر والدين، إلى عواطف متضاربة من الفرح والحزن، والعبوس والابتسام.

كنت أقف إزاء هاتيك الجبال الأزلية، التي شهدت فجر الخليفة وستشهد غروبها، خاشعاً مبهوتاً، وأهبط إلى تلك الأودية العميقة الرهيبة فأحس بحاجة ملحة إلى السجود والتعبد، كما كنت أشعر بإشراق في روحي وفرح وحشي في قلبي لا يعرفه إلا ابن الطبيعة، الذي ألف ولولة الرياح وهزيم الرعد وانفجار الصبح ولمع البروق!. . . ولطالما أحسست وأنا أسير بين تلك الجبال الحبيبة التي عرفت طفولتي وصباي وشهدت ملاعبي وهواي بالحاجة إلى نظم الشعر أو كتابة النثر فكانت تعجزني الأداة وغلبة الإحساس الطاغي على التفكير والتركيز، فتسيل عواطفي من عيني، وتستحيل الفكرة في رأسي إلى نوع من الشرور والذهول، ولست أدري أكانت دموعي دموع الفرح بعد طول الفراق، أم دموع الأسى على هاتيك الأيام والليالي التي بددتها فذهبت إلى غير رجعة؟

ظل ذلك شأني إلى أن قرأت هذه الآيات من خطاب (نعيمه) إلى أبناء بلدته (بسكنتا) إثر عودته من أمريكا:

(يا أبناء بسكنتا يا لحمي ويا دمي!

منذ عشرين عاماً أدرت وجهي إلى البحر وظهري إلى صنين واليوم صنين أمامي والبحر ورائي. وأنا بين الاثنين كأني في عالم جديد وكأني ولدت ولادة ثانية.

ما أنا بالنبي يضع العجائب، غير أني منذ عدت إليكم والعجائب تكتنفني، فكأنني في عالم مسحور. أنظر إلى الجبال التي كنت أتسلقها فإذا بها تتسلقني! وإلى الأودية التي كنت أهبط

ص: 31

إليها وإذا بها بهبط إلى أعماقي! وإلى البساتين والكروم والحقول التي كنت أتمشى فيها وإذا بها تتمشى بين جنبات ضلوعي، وكأن كل غرسة فيها غرست في داخلي. وكأن كل يد تعمل في ترتيبها تعمل في تربة نفسي!. . .

أكاد لا ألمس حجراً إلا تفجرت منه سيول من الطهر والجمال! أكاد لا أسمع زقزقة عصفور إلا سمعت فيها أجواقاً من الملائكة ترنم بصوت واحد (قدوس. قدوس قدوس.!) أكاد لا أرفع بصري إلى نجم إلا تدلت منه سلالم سحرية. هي سلالم المحبة التي تربط كل ما في السماء بكل ما على الأرض!. . .

ومن ثم فكيفما انقلبت تجمهرت على ذكريات ما كان من حياتي قبل هجرتي. فهي تثب على من جوانب الطرق، وشقوق الصخور، وخطرات النسيم، وقطرات عيون بسكنتا الكثيرة) فأي امتزاج في الطبيعة هذه الأمتزاج؟ وأية صوفيه، وأية روحانية تطالعا بك من هذه الفقرات؟!

إن الشعور الطاغي الذي كان (سديماً) في صدري قد جعله نعيمه شموساً وأقماراً وأرضاً، والأفكار المشوشة، والحنين المبهم والشوق المحرق، قد حوله نعيمه بمقدرته الفنية إلى أدب رفيع وفن رائع!

إن ما كنت أحس بالرغبة للتعبير عنه لا أستطيع إليه سبيلا بغير الصمت والخشوع والدموع، قد عبر عنه نعيمه بأسلوب الملهمين وأصحاب الرسالات الروحية الخالدين!

فالكاتب الذي ينطق بلسانك ويشرح ما يكنه جنانك هو أديب وأي أديب!. . .

والأديب الذي يجد الناس في أدبه بلسما لجراحهم ومتنفساً لخواطرهم ومعبراً عن أحاسيسهم ومشاعرهم هو أديب فيه نبوة وفي أدبه قدسية!. . .

مناور عويس

مدرس الأدب العربي بكلية تراسانطة

ص: 32

‌أدب العروبة في الميزان

للأستاذ علي متولي صلاح

- 3 -

من كتاب هذا الكتاب الأستاذ كامل محمد عجلان، وأشهد أن لهذا الأستاذ قلماً، وأن له كتابة تنبئ عن مستقبل وتبشر بآمال، وأحسب أن مرد ذلك لا إلى أنه يتولى تدريس علوم البلاغة في الأزهر، ولكن لأنه أديب مطبوع له قلب وفيه خيال زادتهما الدراسة عمقاً وأصالة وصقلا، أنظر إلى قوله عن الربيع إنه (أنفاس الجنة وريش حمائمها، ونثار الملائك، وغراس القدرة، تطله العناية لنمسح بمراياه لغوب الحياة المكافحة، وهو خطوط رفعها الله معالم، وصوى تهتف بالقلوب وتنزع عنها لباس الجمود فتبسل إيماناً بالجمال الذي يرقص الإنسان على هدهدات الظلال كلام له قيمة وله وزن وتغاريد الطيور وخرير الماء.)

هذا كلام له قيمة وله وزن عندما توزن الأقوال، وهذا كلام أديب أصيل في الأدب يعرف كيف يصوغ الألفاظ وكيف يصطفيها. وفي الكتاب أربع كلمات أخرى عن الربيع لأدباء آخرين لا توزن جميعها بهذه الكلمة إذا وضعت معها في ميزان!

وانظر إليه وهو يخاطب القمر فيقول له (ما أنت يا قمر؟ أنت راهب الأحلام وسواق الأماني تلقيها في قلوب الحيارى وتشعشع بها عواطف العاشقين، وتداعب بها الساهدين فتكون برداً على أفئدتهم الهواء، وسميراً إذا طال أمد الحبيب، وشدت الأضالع بالأنفاس المبهورة والزفرات الأسيفة.

يا ابن السماء: إذا غابت عنا شموس الفتنة أرسلتك صفحة تنبشر سحرها وتفتن العابد وتسل عليه من سيوف الأحلام ما يبعث اليقظة الثائرة وتهز القلب وتراود الواهي بين الحنايا فينقاد ويعود إلى محاريب الجمال وملاعب الصبوات). أين من هذا الكلام الجميل كلام صاحب له في القمر أيضاً يقول فيه (هات الناي فصلاتنا اليوم ألحان، وشرابنا رحيق من كوثر الإيمان طوبى للقمر إنه آية في الفرقان، ويمين أقسم به الديان تسبح في الأكوان، وتنادي يها أيها الإنسان، أعبد الله لا تكن قرين الشيطان، فحياة القلوب في عبادة الرحمن.) هذا كلام مرصوص كالبنيان، ليس وراءه قلب ولا وجدان، ولكنه السجع الذي شغف به

ص: 33

وعبده الكثير من أدباء هذا الزمان!!

والشعراء في كتاب (أدب العروبة) هم الكثرة الغالبة فيه حتى كان يمكن أن يسمى هذه الكتاب (شعر العروبة) ووكيل الجماعة الأستاذ محمد عبد المنعم إبراهيم له في الكتاب سبع قصائد لكل مهرجان قصيدة! ولقد قرأتها جميعاً في أناة ومهل، وقرأتها أكثر من مرة، وفتشت جاهداً على أجد فيها شعراً جميلا يستحق النشر والإعلان بله التنويه والإشادة فما وجدت والله من ذلك شيئا! فشعره - ولا حياء في القول - ليس فيه سمة واحدة من سمات الشعر إلا أنه موزون مقفى! أستغفر الله فقد انحرف عن استقامة الوزن في بعض شعره كقوله في قصيدة الهجرة:

هيا أترعى وامنحي الظمأى حلاوتها

هاتي لنا الدنيا. . . هاتي لنا الدنيا

فالشطر الثاني غير مستقيم الوزن، وكقوله في قصيدة مهرجان الفيوم:

بشراً عبقريا بأني أغنى

فأشيع النبوغ في الأكوان!

فالشطر الأول غير مستقيم الوزن، وكقوله في مهرجان المنصورة:

الشعر جند لا سبيل لصده

لا يخشى ناراً أو يخاف أسوداً

فالشطر الثاني غير مستقيم الوزن كذلك.

وشعر الأستاذ فوق بعده عن الرنين والإيقاع والموسيقى، وفوق أنه لا يعنى مطلقاً باختيار ألفاظه بل يسوقها سوقاً من أي واد يتفق له ساعة ينظمها فهو لا يحفل بالمعاني ولا يقف عندها ويتأتى لها حتى تخرج للناس شيئا يمكن أن يقال عنه شعر، فهو يقول عن القمر مثلا إنه:

عطوف حدبه وسع البرايا

ويشفى هديه الجفن القريحا!

ويسهر دائباً طول الليالي

ويكبح سحره البحر الجموحا!

فهل يشفى القمر الجفن القريح؟ وهل يكبح القمر البحر الجموح؟ أم هل كلام موزون وكفى؟؟ ويقول أيضاً إنه: -

صموت لا تزعزعه العوادي

وكان بصمته معنى فصيحا (كذا)

ويفضى عن عيوب الناس طراً

ويفسح للمحاسن كي تفوحا

فما للصمت وللعوادي؟ أو ما للقمر وللعوادي؟ وما إغضاء القمر عن عيوب الناس طراً؟

ص: 34

هذا خلط من القول يجب أن يوارى. ويقول في مهرجان الهجرة عن صاحبها السلام:

مواكب الخير دنيا وآخرة

كانت لدعوته العليا ميادينا

حتام نشكو الضنا والسعد في يدنا

يكفى جيمع الورى طراً ويكفينا؟

فإن كلمة (السعد في يدنا) هذه أقرب إلى كلام العامة من الناس، وهل كانت مواكب الخير في الدنيا والآخرة يوماً ميداناً لدعوة؟

ويقول في مهرجان الفيوم عن مصر:

قد بنينا الحياة علماً ومعنى

لزكاة الأرواح والأبدان

إلى أن يقول عن مدينة الفيوم:

هاهنا السحر، هاهنا الشعر والآ

داب والدين والمنى والأماني!

فأي حشد من الكلام هذا؟ وأي شعر فيه؟

ويقول في مهرجان (الفاروق): -

بالعدل والخلق والإيمان منزله

قد جاوز النجم والأقمار والشهبا (كذا)

قد كنت أعلم أن الشمس عالية

مهما الخيال ارتقى للشمس ما اقتربا

جمعت كل معاني المجد قاطبة

العدل والملك والأخلاق والحسبا

فهذا كلام عام لا سمة فيه ولا معنى له إلى أنه ركيك العبارة فاسد التركيب.

ويقول مخاطباً الناس منبهاً لهم إلى ارتياد الجمال:

فخذوا الجمال إلى الكمال وسيلة

وتفيئوه بأقدس النظرات

ومُذْ اطمأنت للجمال نفوسكم

ووصلتم الحسنات بالحسنات

ترثون كنز الأنبياء فضائلا

وتبادولن الطهر خير صلات!

أنا أرجو القراء الكرام أن يدلوني في على معاني هذه الأبيات ومدى ارتباط بعضها ببعض فقد عييت بفهمها وإدراك ما يقصد الشاعر إليه فيها. ولا أسرف أكثر من ذلك في سوق النماذج من شعر الأستاذ فكل شعره من هذا الطراز هلهلة وتفككا واضطراباً، وسيجد القارئ مصداق كلامي أن هو اعتمد على الله واحتسب عنده تعالى ساعة يقرأ فيها قصائد الأستاذ في الكتاب! ولست أحصى كذلك أخطاءه اللغوية والنحوية فيبدوا لي أن الأستاذ لا يأبه كثيراً لذلك ويجد الأخطاء اللغوية والنحوية من الهنات التي لا يقام لها وزن كبير!

ص: 35

وهل يحفل بالأخطاء النحوية واللغوية من يقول مخاطباً القمر (وأرجع مجدنا الضخم الفسيحا) بهمزة القطع مع أنه قرأ قول الله تعالى (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) وقوله تعالى (قال رب ارجعون) بهمزة الوصل؟ ثم هو يعكس الأمر حسب هواه أو حسب هوى الوزن الشعري فيقول (هيا أترعى وامنحني الظمأى حلاوتها) بهمزة الوصل والصواب أن يقول (أترعى) بهمزة القطع فيركب السيئتين معاً؟

وهل يعنى العناية الواجبة بلغته من يقول (لكنه وهب الحياة خلوداً) والله تعالى يقول (رب هب لي من لدنك ولياً) ويقول (ووهبنا له) أو من يقول مثل عبارته عن القمر (ولكن يضرب المثل النصوحا) أو عبارته عن القمر أيضاً إنه (يفسح للمحاسن كي تفوحا)؟ أو يقول عنه أيضاً: -

ولو شاء لستكان إلى قعود

ولم يسمع لعاوية نبوحاً (كذا)

أنا اطلب إلى معالي الرئيس الشاعر الذواقة أن يواري هذا الكلام ولا يأذن بنشره على الناس، أو أن يلزم أصحابه التجويد ولأناة والمهل أن كان بهم طاقة على ذلك وإلا فليس الشعر هزلا وليس الشعر كلاماً يلقى على الناس دون حساب ودون ضابط فيكون شعراً بإذن الله!

ولو شاء الأستاذ لرأى في صديقنا الدكتور إبراهيم ناجي من أصالة الشاعرية وسمو الخيال وموسيقى اللفظ ما لو نهج فيه نهجه لكان مثله من الشعراء المجيدين ولكن الله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور!

وللأستاذ الدكتور إبراهيم ناجي في الكتاب ثلاث قصائد فقط لا تعدل قصائد الأستاذ محمد عبد المنعم إبراهيم السبع واحدة منها والدكتور ناجي شاعر بالفطرة وشاء، باللفظ وبالمعنى وبالخيال الفسيح البعيد، وبالموسيقى التي تشيع في جو قصائده. والقصائد الثلاث التي احتواها كتاب (أدب العروبة) لا تعبر عنه تمام التعبير ولا تدل عليه تمام الدلالة فأنا أعرف له الكثير من الشعر العذب الرصين السائغ السامي ولكنني لست إلا بصدد الكلام عن كتاب (أدب العروبة) فأنا أعرف نماذج من شعره فيه ليرى القارئ معي ما أرى من جمال الشعر وسمو الخيال، فهو يقول عن نفسه في قصيدة (الربيع): -

إني فراش خميلة قد جنَّ في

عرس الربيع الضاحك المختال

ص: 36

خلق الربيع له حناجىْ نشوة

وسقاه كأسىْ فرحة وخيال

حسن وقفلت على سناه مبالياً

وأنا الذي ما كنت قبل أبالي

غنيته حتى إذا حجب النوى

أنواره وجبينه المتلالى

غنيته في القلب محتفلاً به

مترقباً عود الربيع التالي. . .

ألا ترى أن ذلك شعر يوشك أن يكون غناء؟ وأن له جرساً وموسيقى ورنيناً؟

ويقول في قصيدة الفيوم هذه الأبيات البديعة حقاً يخاطب مصر: -

تالله لو في الخلد كنت بوضع

أو في المجرة مصبحي ومهادي

لرنت لشطيك النواظر من عل

وهفا إليك من الجنان فؤادي

إلى أن يقول: -

خير الوثائق ما كتبت سطوره

بدم الضحايا المحض لا بمداد

تمليه إملاء القوى محطماً

بيديك أنت مذلة الأصفاد!

ويقول في مهرجان (الشرقية) من قصيدة عنوانها (المجد الحي) ما يأتي: -

أين الغزاة الألى مروا بنا زمراً

وأين بالله تيجان ودولات؟

مروا ومصر على التاريخ باقية

كصفحة حولها للنور هالات

يد تخط وأخرى غير وانية

لها على الدهر توكيد وإثبات

هذا هو المنطق العالي وأعجبه

محض من الزور وشته الضلالات

ومسرح في الليالي لا جديد به

لكن يعاد عليه الذئب والشاة!

أو لرأى في صديقنا الشاعر المرح الطروب الأستاذ محمد مصطفى حمام مثلا عالياً في هذا اللون الطريف من الشعر في عبارة رنانة أخاذة وموسيقى تأخذ بمجامع القلوب، انظر إليه وهو يقول في (فلسفة الربيع) هذا الكلام الجميل السهل: -

لي وللناس في الربيع معاني

ولنا في الربيع أحلى الأماني

فربيع الحياة عصر التصابي

وشباب الأرواح والأبدان

وربيع (الجيوب) إحراز مال

وامتلاء بالأصفر الرنان!

وربيع (الموظفين) علاوا

ت ورزق يأتي بغير أوان!

وربيع الأديب لقيا عروس

رفها الشعر من عذارى المعاني

ص: 37

كم لهذا الربيع فلسفة تح

لو وكم للربيع من ألوان!

فهو يصدر في شعره هذا عن طبيعته المرحة الطروب، وهو الذي لا تفارق الابتسامة ثغرة، ولا النكتة حديثه! وانظر إليه وهو يقول في قصيدته (مناجاة القمر) هذا الشعر الجميل: -

يا بدر. . . يا سلوة للقلب شافية

إذا ألح عليه الهم والضجر

ويا رقيباً على العشاق مؤتمناً

السر عندك مكنون ومدخر

ويا حسيباً جرت أسطار صفحته

بالخير والشر مما قدم البشر

يا من تموت وتحيا. . ثم لا هرم

يبدو عليك ولا ضغف ولا كبر

يا من تعيش بأعمار مجددة

وكل يوم ترى الأعمار تهتصر

يا قيصراً عرشه الدنيا وما وسعت

وجنده الأنجم الوضاءة الزهر

يا صورة من جمال الله مشرقة

والشاعر الحق تسبى لبه الصور!

دعني أسامرك في جد وفي هذر

ففي لياليك يحلو الجد والهذر

كم ليلة لحت فيها شاحباً أرقاً

كأنما شفك التطويف والسهر

أو ضقت بالظالم يغشى الأرض قاطبة

أأنت مثلي طريد الظلم يا قمر؟

وبعد: فإن كتاباً يضم بين دفتيه أمثال هذين الشاعرين يجوز أن يتخرص عليه المتخرصون ويأفك به الأفاكون، ويقولون طبعوه في مطبعة حكومية؟ إلا ليت المطابع الحكومية تخرج للناس - على نفقتها لا على نفقة المؤلفين - كل يوم كتاباً هكذا فذلك أجدى على الناس وعلى الدولة مما تخرج من إحصاءات وأرقام ومناشير لا غناء فيها ولا طائل وراءها. . . .

علي متولي صلاح

ص: 38

‌2 - من ذكرياتي في بلاد النوبة:

في الباخرة!!

للأستاذ عبد الحفيظ أبو السعود

وتحدث بعض الناس عن عنيبة مادحاً، فهذا تاجر - أخنى عليه الدهر، فاضطر ليعمل ساعياً في بعض مصالح الحكومة - يحدثنا فوق ظهر الباخرة حديث الخبير العليم، عن أحوال عنيبة وظروفها، وما ينعم به موظف الحكومة، والمدس خاصة، بشتى ضروب النعم، ومختلف لذاذات الحياة. وأن عنيبة باريس بلاد النوبة عامة! وأنها جنة الصعيد على الإطلاق، جواً، ومنظراً وبعداً عن الحشرات والأمراض!!

ووقع هذا القول من نفوسنا موقعاً جميلا، فماذا يبغي الإنسان من دهره غير حياة هادئة وادعة، يجد فيها لذاذات العيش، وراحة البال؟!

وهذا رجل آخر يذكر لنا وفرة الطيور، وكثرة اللحوم، ورخص الخضر، وبعض أنواع الفاكهة، وأنه على استعداد ليوفر لنا كل ما نحتاج إليه، ويورد لنا كل ما نريد، دون أن تحرك ساكنا، أو ننقل قدماً، وأن الدجاجة الكبيرة التي تساوي في القاهرة ثلاثين قرشاً، بثمانية قروش، والزوج من الحمام بسبعة قروش، والرطل من اللحم الضأن بسبعة قروش أيضاً، وثمن أربع بيضات قرش واحد!!

وكانت هذه الأثمان تسترعي انتباهنا، وتستوجب دهشتنا، وكان معنا في الباخرة مهندس ميكانيكي، وقاض شرعي منقول هو الآخر إلى عنيبة، فأخذ كل منا يعلق على هذا الكلام القريب من كل نفس في هذه الأوقات، وفي عينه فرحة، وفي وجهه دلائل الدهش والاستغراب! فكلنا ذاق مرارة الجشع. وقسوة الطمع، وارتفاع الأثمان إلى أضعاف ما يجب أن تكون عليه، ولا يزال علمنا بأثمان الحاجيات، ليس ما تسعره الحكومة وتفرضه، وإنما ما نشتري به بالفعل، من أيدي التجار، الذين لا يخافون الله، ولا يخشون عين الحكومة، ولا سطوة القانون.!

مكثنا نضرب مع أولئك الذين يدعون أنهم على علم ببواطن الأمور في عنيبة، وكأنما فهموا منا هذا الإحساس، فسمعنا ما جعل الشك يدب إلى نفوسنا في هذه الأحاديث، وأن ما يقال ليس هو الحقيقة والواقع، وإنما أراد هؤلاء الانتفاع منا فأعرضنا عنهم، وبخاصة وأن

ص: 39

واحداً من الزملاء كان ناقماً أشد النقمة على هذه الرحلة، ويرى فيها شؤماً أي شؤم، وعذاباً أليماً، وانتقاماً ليس بعده انتقام، وتوهيناً للقوة، وتشتيتاً للشمل الجميع. . .!

ولهذا كان يناهض كل مادح لعنيبة مناهضة قوية، ويعارضه في شدة وقسوة، فهو يريد أن يعيش في القاهرة بنصف مرتبة! ولا يحب أن يأكل زوجاً من الحمام في عنيبة، ويأكل في القاهرة أو في بلدته نصف حمامة فقط! ولا يحب أن يأكل في عنيبة رطلا من اللحم ويأكل في القاهرة أو في أي بلدة أخرى ربع رطل فحسب! ولا يريد أن يدخر في عنيبة ثلاثة أرباع راتبه الشهري، ويحب أن ينفق كل مليم من دخله في القاهرة أو أي بلدة أخرى!!

وهكذا مضى يناقش ويناضل في قوة كل من يثنى على هذه البلاد بقليل أو كثير، وكأنما كل مادح في عينة هو الذي قضى عليه أن ينقل إليها، ليلقى فيها عناء الوحدة القاتل، ومرارة التعذيب الأليم. . .!!

ولهذا فإن الزميل، كان يأنس بفريق آخر من الناس، زم شفتيه عندما علم أننا ذاهبون إلى عنيبة، ونظر إلينا نظرة رثاء وإشفاق، ورأى أننا مشردون منفيون لا محالة، ولا بد أننا قمنا بحركة سياسية لم ترض القائمين بالأمر، فحكموا علينا بذلك الحكم القاسي، الذي لا مرد له، وأننا سنلقى هناك صحراء جرداء ولن ننعم فيها بشئ، لأنه ليس فيها شئ ينعم به إنسان. سورى الجبال والرمال، والعقارب، و (الطريشة) وهي نوع من الثعابين يتحوى عندما يشعر بإنسان قادم نحوه، ثم يقفز إليه، فإذا عضه، فلا علاج أبداً غير قطع هذا الجزء الملدوغ في الجسم، وصب زيت مغلي على موضع الجزء الملدوغ في الجسم، وصب زيت مغلي على موضع الجزء المقطوع؟!!.

استمعنا إلى هذا، فأدركتنا الرهبة، وملأنا الخوف، واقشعرت منا الأبدان، واصطكت الأسنان، وجحظت العيون، ونظر بعضنا إلى بعض نظرات تنم عن الجزع والهلع، واللوعة والاضطراب. وكدنا جميعاً نوافق الزميل الناقم، وخيل إلينا أن خير طريق نفعله، وأفضل حل نرتضيه لهذا المأزق الذي نحن فيه، هو القناعة بوظيفتها في القاهرة، ومركزنا الذي ارتضيناه ثلاثة أعوام، وألفنا كل ما يحيط به من بيئة وأساتذة وتلاميذ، وأنه لا داعي لهذه الترقية التي ستلقى بنا في أحضان العقارب الشائلة، والثعابين الرقط، وسط تلك الصحراء الجرداء. . . علينا إذن أن نلوي وجوهنا ثانية نحو القاهرة، ولتأخذ وزارة

ص: 40

المعارف معنا ما شاءت من الإجراءات، وليفعل الله بعد ذلك ما يريد. . .!!

ولكن صوت الواجب هز المشاعر، ودوى في الآذان. . . الواجب الإنساني، وواجبنا كوطنيين مثقفين، نعمل على رفعة الوطن، عن طريق تنوير الأذهان، وتثقيف العقول، وغرس الفضائل، ونشر المعارف بين مختلف الطبقات، وليس بين الطلبة والتلاميذ فحسب. . . هذا الواجب الذي أشربته قلوبنا، وجرى في أبداننا مجرى الدم في العروق. . . نحيا به، ونعمل له جادين غير هازلين، راضين غير كارهين، مخلصين غير متوانين ولا متكاسلين. . هذا الواجب ارتفع صوته قوياً، فبدد هذه الأوهام، وجعل منا قوة دافعة، وعزيمة وثابة، فانصرفنا عن هذا الفريق المثبط للهمم. . . حتى ذلك الزميل الثائر أفاق إلى نفسه واعتقد أن في الأمر مغالاة. . .!

يا لله! كيف تضاربت أقوال الناس إلى هذا الحد عن بلاد يدعى كل مهم أنه رآها وخبر أحوالها، وعاش فيها حقبة من الزمان؟! فمتى نرى بأعيننا خبر ما سمعنا لنحكم لها أو عليها، فأنا بطبيعتي لا أثق كثيراً بما أسمع، وخاصة وقد لدغت بضع مرات من هذا السبيل، على أنني بحمد الله مؤمن كل الإيمان، فأرجو إلا يتحقق في قول الرسول الكريم: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. . .

وخيل إلى الأمر كما يقول أخي جمال؛ حينما علم بنقلي إلى عنيبة.

- إن كل ما تسمع من مدح وافر، ثناء مستطاب، على جميع بلاد الوجه القبلي ومديرية أسوان خاصة، فهو من قبيل التعزية والتسلية. وتخفيف الألم، والبلاء. كما يقول الناس للرجل المرزأ، ما في رزئه من فضل وخير، وثواب وأجر، لأنه لا يرى في رزئه غير وجهه المظلم. . . وهذا كله لن يغير من أثر الرزء شيئاً، ما لم يكن هناك الاستعداد الكافي لتقبله والرضاء به. . .!!

ودخلت إلى مقصورتي، متزايل الأعضاء، وقلت في نفسي:

- صبراً يا رب، ففي سبيلك لا في سبيل المال فحسب، خرجنا إلى هذه البلاد النائية، حقاً إننا خرجنا للمنصب والجاه، والمال والثراء، ولكن هذا كله سعى وراء الرزق والقوت يا مولاي، وأنت سبحانك أدرى بخفايا النفوس، ومكنونات الأفئدة؛ وبواطن الأمور، ولقد اقتضت إرادتك تفضلا منك، أن تجزل الثواب والأجر لمن جاهد في سبيل العيش والرزق

ص: 41

والقوت، فأجزل لنا من لدنك العطاء. إنك على كل شئ قدير.

ووقعت من نفسي هذه العبارات موقعاً جميلا، فأحسنت ببرد الراحة، ولذة النعيم، ومتعة الهدوء، كأنما أزلت بهذا ما بيني وبين الله من جفاء، سببه الاعتراض على مجاري القضاء، وتصاريف الأقدار!!

هاهي ذي الساعة تعلن العاشرة مساء، ولما تصل الباخرة إلى عنيبة. . . إنها الآن في طريقها إلى (إبريم)، وربما تصل عنيبة في منتصف الليل، أو بعد بقليل، فاللهم اكتب لنا السلامة والعافية، والنجاة من هذه الأخطار. . .

النيل جميل، قد انبسطت صفحته في رحابة رائعة، ولقد يتسع أحياناً حتى لا تكاد ترى له شاطئاً. . . قد أخذت أنوار الباخرة تنشر على صفحته الرجراجة ثوباً من النور يأخذ بمجامع القلوب. . . والهواء عليل، ينعش الأفئدة، ويشرح الصدور، على الرغم من أننا كنا في السابع والعشرين من نوفمبر 1946، وقد تركنا القاهرة خلفنا يفتك بردها بالأبدان والجسوم. . . والجبال مطبقة علينا أو يزيد. . . ذلك النخيل الذي كان في يوم من الأيام عماد ثروة طائلة، وغنى لهذه الربوع والنجوع ولكن مياه الفيضان أضرت به، فذوي منه الكثير، وجف الكثير، ول يبق منه إلا القليل، طغت عليه المياه، فحرمته متعة الحياة!!

لا يزال ضجيج الباخرة، وخرير المياه المنسابة من بين أجزائها الثلاثة، يدفع عن عيني لذيذ النوم.

وأخيراً ها هي ذي عنيبة بمبانيها الفاخرة. . . مبانيها الحكومية التي تضم عشرات الموظفين، وها هي ذي الباخرة تقف في المرفأ بعد الواحدة والنصف بقليل. أي بعد ست وثلاثين ساعة من حين قيامها من الشلال. . .

عبد الحفيظ أبو السعود

ص: 42

‌من أناشيد الحرية والوحدة:

1 -

نحن والإنجليز

للأستاذ أحمد أحمد العجمي

هؤلاء الإنجليز

غصة الشعب العزيزْ

شعب وادي النيل من فجر الزمان

مصر والسودان فيه توءمان

يشهد التاريخ أنَّا أحوان

ولدينا العزم في كل مكان

لتريق الدماء

في سبيل الجلاء

ولملء الفضاء

بدم الإنجليز

هؤلاء الإنجليز

غصة الشعب العزيز!

إن الاستقلال حق أبلج

تفتديه بالحياة المهج

ولكم في مصر ظل سمج

فدعوها واخرجوا منها اخرجوا

قبل يوم النضال

ليرى الاحتلال

في قبور الوبال

جئت الإنجليز

هؤلاء الإنجليز

غصة الشعب العزيز

قد سئمنا الغدر والمكر الوضيع

يا ذئاباً ليست ثوب القطيع!

فنصرناها على (الليث الصريع)

اذكري للشرق حقاً لن يضيع

يا لئام الأنام

يا عداة السلام

يا دعاة الخصام

أيها الإنجليز

هؤلاء الإنجليز

غصة الشعب العزيز

يا خصوم الشرق والغرب معا

يا عبيد المال أني لمعا

يا سراباً كاذباً مهما ادعى!!

يا سموماً وسموماً زعزعا

الجلاء الجلاء

إن صوت الدماء

ناطق بالفداء

يسحق الإنجليز

هؤلاء الإنجليز

غصة الشعب العزيز

ص: 43

‌2 - وحدة وادي النيل

سحر الشرق صدا ألحانها!

وكوى الغرب لظى نيرانها

وحدة النيل تعالى صوتها

كالجبال الشم في رجحانها

وحد الله حماها مثلما

وحد النيل ذرى شطآنها!

مصر والسودان شعب واحد

وبد لاشك في سلطانها!

تقهر الجبار مهما غره

قوة حمقاء في عدوانها

ليس للسودان إلا مصره

ولمصر الحق في سودانها!!

يا دعاة لانفصال جائر

كيف فصل العين عن إنسانها!!

نحن من بيض وسمر كالظبا

وجياد السبق في ميدانها

جمعتنا روضة واحدة

فاح طيب النصر من ريحانها

وحدتنا من قديم لغة

كوضوح الشمس في تبيانها

ولنا دين يؤاخى أمة

بالهدى والطهر في إيمانها

وصلات نشأ التاريخ في

ظلها ينهل من شريانها

استوى الغابر والحاضر والـ - قابل المشهود من أعوانها

ولنا النيل حبنا جنة

يغرق (التاميز) في خلجانها!

ولنا الفاروق، يعلو تاجه

أمم العالم في تيجانها

هو كالنسر جناحه هما

مصر والخفاق من سودانها

كيف لا نصرع أعداء الحمى

وسنجني النصر من خذلانها؟

ولنا القوة والحق معاً

وأماني مصر في ريعانها

صوتها في (مجلس الأمن) له

قوة ترنو إلى أقرانها

وحدة تعبر لجاً حالكا

سدد الله خطى ربانها!!

أحمد أحمد العجمي

ص: 44

‌الأدب والفن في أسبوع

الأدب في الإذاعة:

نشرت مجلة الهلال مناقشة عنوانها (هل أدت محطة الإذاعة رسالتها؟) دارت في ناديها بين (محمد توفيق بك ومحمد فتحي بك والأستاذ مفيد عبد الرحمن والدكتور نور الدين طراف) وقد بدأ فتحي بك الحديث بأن الإذاعة تؤدى غرضين، غرض التثقيف وغرض التسلية والترفيه عن المستمعين، ثم اقتصر الحديث بعد هذا على الناحية الثقافية بمعناها الأعم الشامل للأدب والسياسة والصحة والنسائيات وغيرها. وإكتفى هنا بالكلام على الناحية الأدبية في هذه المناقشة، فأورد أهم ما قيل فيها وأناقش ما يستدعى النقاش.

قالت الأستاذة مفيدة: الواقع أننا لا نقدر مدى استماع الجمهور وفهمه لما يسمع، فليست إذاعة أقوال هؤلاء الأدباء معناها الثقافة) ثم قالت:(قد جرت عادة الله تعالى في بث الموعظة أن يسوقها في قالب قصصي محبب إلى نفوس العامة قبل الخاصة. والقرآن الكريم وما سبقه من الكتب المنزلة ملأى بأمثال ذلك، فقد ورد فيها من قصص المتقدمين ما فيه عبرة وعظة، مع أن هذه الكتب لم تنزل لسرد القصص والحكايات بل نزلت لإرشاد الناس لما فيه خيرهم ونفعهم، فحبذا لو اهتدى أباؤنا الأفاضل بهدى القرآن في وضع الموعظة في مثل هذا القالب) ومما قاله توفيق دياب بك: (فأنا أخاف الأستاذ مفيدة نوعاً ما فيما ذهبت إليه، لأنني عرفت من تجاربي ومما سمعته من كثيرين من طبقات مختلفة كالمترددين على المقاهي والأندية العامة أن كثيراً من الجمهور ينتظرون أحاديث الأدباء، وقد يعلو المتحدث بلغته بحيث ترتفع عن مستوى عامة الجمهور، ولكنهم يتابعون موضوعه ويفهمونه، وذلك لكثرة سماعهم القرآن وخطب المساجد وكلام الفصحاء، فارتفع مستوى فهم الجماهير حتى سبقت إفهامهم معرفتهم بالقراءة والكتابة. . .)

وكان فتحي بك قد قال موضحاً مسألة نجاح الإذاعة في تحقيق الغرض الثقافي. (لا شك في إنها خدمت الثقافة خدمة كبيرة، ومثال ذلك أن كثيراً من الأباء الكبار كطه حسين بك وتوفيق دياب بك والأستاذ العقاد وغيرهم كانوا معروفين في العالم العربي لدى طائفة خاصة من القراء. ولكن الإذاعة زادت أسماءهم لمعاناً وزادت الجمهور تعريفاً بهم!) وهذا كلام يقف أمامه صف طويل من علامات التعجب والاستفهام، فهل خدمة الإذاعة للثقافة هي

ص: 45

التعريف بطه حسين والعقاد وتوفيق دياب؟ وهل زادت التعريف بهم حقاً! يا أخي. . . قل غيرهم!

وقد رد توفيق دياب بك على ذلك بقوله: (هل أعتبر هذا الكلام منا على الأدباء) وتساءل الدكتور طراف: (هل تذيع المحطة لهؤلاء الأباء بقصد إشهارهم أو لأنهم أصلا مشهورون. .؟)

ومما قاله فتحي بك: (أنا أقصد الثقافة بمعناها الأعم، ولكني ضربت مثلا بالناحية الأدبية فقد أصبح الجمهور يتذوق كثيراً من ضروب الأدب التي لم تكن معروفة لديه)

فما هي ضروب الأدب التي أحدثتها محطة الإذاعة ولم تكن معروفة لدى الجمهور؟ أن ما تذيعه من ألوان الأدب هو الأحاديث الأدبية القليلة، وبعض القصص القصيرة، وقراءة بعض الشعراء شيئاً من أشعارهم، وقراءة بعض المذيعين فصولا من الكتب، وإلقاؤهم بعض قصائد شوقي وحافظ في المناسبات؛ فأي هذا لم يكن معروفاً في جوهره لدى الجمهور؟ لقد كان يمكن أن تحدث الإذاعة ضرباً جديداً من الأدب لو إنها أذاعت تمثيليات قصيرة باللغة العربية بدل التمثيليات العامية التي تذيعها أو إلى جانبها، فكانت تحدث في الأدب (فن التمثيلية الإذاعية) ولكنها تخلفت فسبقتها في هذا الفن بعض محطات البلاد العربية الأخرى التي لا تستطيع من ضروب الأدب التي لم تكن معروفة لديه.

الأدب والمجتمع:

كثيراً ما أشعر بعد الكتابة في موضوع، أنني لم أوفه حقه وأني قصرت في بيان أمر، وأنه فتني أن أذكر شيئاً.

من ذلك ما كتبته غير للتنبيه على ضرورة اتجاه الأدب إلى المجتمع لتعرف أدوائه وتصوير أحوله، وعلى ما ينبغي من تأثير الأدباء والشعراء وانفعالهم وغضبهم على الأمور الواقعة والأحوال والراهنة، وتعبيرهم عن ذلك كله بطرقهم الفنية.

خلت بعد ذلك كأن أصداء تقول لي: أتريد أن يكون الأدباء وعاظاً يجاهرون بالأمر والنهي، ويسوقون النصائح المجردة والمواعظ السافرة؟ أو تريد أن يتحول الأدباء جميعاً إلى باحثين اجتماعيين يدرسون الظواهر ويضعون النظريات؟

كان ذلك قائماً بنفسي وأنا أقرأ في مجلة (الإصلاح الاجتماعي) فصلا عنوانه (تجنيد الأدب

ص: 46

في ميدان الإصلاح) دعا كاتبه الأدباء إلى أن يتركوا الأبراج العاجية ويجندوا أنفسهم في الحرب الاجتماعية المعلنة على الفقر والمرض والجهل، وبين كيف يعمل الأديب في هذا الميدان بأنه (لا يكشف النقاب عن مهمته وغرضه، ولا يجهر بنصح أو إرشاد، ولكنه بأسلوبه الفني يعرض عليك من صور الحياة وحقائق المجتمع وحالات الناس مما تتأثر به في نفسك غير تصريح أو مجاهرة، فإذا أنت منفعل بما صوره لك وعرضه عليك، وإذا أنت قد أسلمت عنانك لهذه الصور الفنية وأوليتها عواطفك من حب أو كره، ومن رضا أو اشمئزاز) قرأت هذا فوجدته مطابقاً لما أريد من بيان. ويقول كاتب المقال بعد ذلك: (وربما قيل أن الحرية والانطلاق روح الأدب، فليس لنا أن نقسر الأديب على شئ بعينه ولا أن نوجهه إلى ميدان خاص، وإلا خرجت آثار الفنية ضربا من التكلف والتعامل لا قيمة له ونحن لا نريد أن نكره الأدباء على الانقياد لخدمة مبدأ من المبادئ خدمة متكلفة ليست منبعثة من صميم النفوس والوجدانات وإنما ندعو الأدباء إلى أن يوجهوا أنظارهم وجهة المجتمع المصري وأن يتدبروا أحوله الاجتماعية ويفكروا فيها ويشغلوا أنفسهم بها، فإن فعلوا ذلك فإنهم لا محالة يتأثرون ومن ثم يواتيهم الوحي الفني عن تأثير وانفعال، فنخرج آثارهم الفنية الاجتماعية طبيعية لا تكلف فيها ولا تزوير).

على أني أتسمع أخرى تشير إلى مسألة ثار فيها الجدل واعتركت حولها الأقلام، وهي: هل الأدب للأديب أو الأديب للحياة! وأضع بازاء ذلك ما أراه من أن الأدب الملحق فوق الحياة إنما هو كمال فكري، أما مطلب الحياة من الأدب فهو من الضرورات. ولا شك أننا الآن - من حيث الجهاد الخارجي والإصلاح الداخلي - أحوج إلى أن يكون أدبنا لحياتنا أكثر ما يكون، وله أن يقضى بعض الوقت فيما يطيب له من ذرى الفن ومواطن الفكر.

السجل الثقافي:

ورد إلى الكتاب الآني من الأستاذ محمد سعيد العريان مدير إدارة التسجيل الثقافي بوزارة المعارف، وفيه البيان الكافي لما توقفنا عنده من أمر السجل الثقافي في العدد الماضي:

عزيزي الأستاذ العباس

قرأت ما كتبته من قريب في الرسالة تنويهاً بالسجل الثقافي الذي اعتزمت وزارة المعارف أن تصدره في كل عام لتسجل به مظاهر النشاط الثقافي في مصر؛ فشكرت لك هذا.

ص: 47

ثم قرأت ما اقتبست لقرائك من رسالة للأديب (البسام) يعترض فيها على هذا السجل من ناحيتين:

الأولى: أنه يقتصر على وصف مظاهر النشاط الثقافي خارج جدران المداس على حين كان الواجب أن يشمل هذا السجل كل مظاهر النشاط في المدرسة وخارج المدرسة.

الثانية: أنه يقتصر على وصف مظاهر النشاط الثقافي في مصر دون غيرها من البلاد العربية التي تجمعها وحدة الثقافة منذ مئات السنين.

وقد عقبت يا صديقي بما عقبت على رسالة الأديب (البسام) وأحسبك قد وافقته على اعتراضه من ناحيتين، ولكنك تركت (لأهل الاختصاص في الوزارة أن يجيبوا بما عندهم).

وأرى من حقي - أو من حقك وحق القراء علي - أن أرد اعتراض الأستاذ البسام واعتراضك؛ فنحن ل نقصد قط حين أخذنا الأهبة لإصدار السجل الثقافي أن نحصره في هذا الحيز المحدود، ولم يخف علينا قط ما يجمع بين البلاد العربية من وحدة الثقافة التي تأبى القيود والحدود ولا تعترف بهذه الفواصل الصناعية التي تجعل البلاد العربية المتحدة بلاداً ذات أسماء وعناوين - لم نقصد إلى شئ من هذا، ولم يخف علينا شئ من هذه الحقيقة، وقد قصدنا أن يكون السجل الثقافي الذي يصدر عن وزارة المعارف في مصر صورة صادقة التعبير عن كل مظاهر النشاط الثقافي في تلك الوحدة الثقافية التي نسميها البلاد العربية.

أما إغفال تسجيل النشاط الثقافي في نطاق المدارس فلأن ثمة هيئة أخرى في وزارة المعارف تقوم عليه وتعنى به وتعد العدة له؛ فليس من حسن التدبير أن يتكرر العمل، ولذلك تركنا للقائمين على شئون (تقويم التعليم) أن يمضوا فيما هم بسبيله لنفرغ نحن للجانب الآخر من جوانب النشاط الثقافي.

وأما أن يشمل السجل كل مظاهر النشاط الثقافي في البلاد العربية جميعاً فهدف نقصد إليه وغاية نتنورها على بعد، ولكنا لا نريد أن نبدأ العمل قبل أن تتجمع لنا أسبابه؛ ومن أجل ذلك قصرنا برنامجنا - الآن - على تسجيل مظاهر النشاط الثقافي في مصر حتى تتهيأ لنا الأسباب الكفيلة بتمام العمل على الوجه الذي يتمناه كل مثقف من أبناء العربية في أي

ص: 48

بلادها.

فهذا ما أردت أن نعرفه قراء الرسالة عن هذا الأمر، ولعل فيه بلاغاً، وإني لأشكر لك ولصديقك ما أتحتما لي من فرصة لبعض الحديث عن هذا العمل الذي آمل أن يبلغ مبلغه من النفع العام أن شاء الله.

كبار الكتاب والسينما:

تضمنت الكلمة التي كتبتها في عدد مضى من الرسالة بعنوان (السينما بمناسبة (المنتقم)) بيان عيوب في بناء قصة السينما المصرية كخلوها من الفكرة وقصورها في تصوير النواحي المختلفة لحياتنا. ويظهر من هذه العيوب إنها ترجع إلى ضعف التأليف أو قل عدم التأليف لأن أكثر الروايات تحور عن أصول غربية، يفقدها (التصرف) قيمتها الأصلية، فتجئ لا شرقية ولا غربية.

وعندي أن الذين يستطيعون أن يجبروا هذا النقص هم الأدباء الذين يلتفتون إلى هذه الناحية ويدرسون دقائق التأليف للسينما، بمعاونة مخرجين لهم ذوق أدبي ومشاركة في الأدب إلى جانب حذقهم في الإخراج.

وقد أثارت هذا الموضوع مجلة (الاستديو) فكتبت بعنوان (أعلام الكتاب في مصر: لماذا لا يكتبون للسينما؟) قالت: (تحمل القصة للسينما في مصر طابع الضعف في التأليف والتفاهة في الفكرة والعجز في إحكام العقدة الروائية ووسائل حلها. ولما كان كبار الكتاب والأباء هم عماد القصة في كل عصر وجيل فمهما يثير الدهشة حقاً أن أعلام الكتاب في مصر قد أعرضوا إعراضاً ظاهراً عن إمداد السينما بوحي أقلامهم) ثم ذكرت المجلة بعد ذلك إنها استطلعت آراء بعض الكتاب والمخرجين في أسباب ذلك الإحجام، ونشرت هذه الآراء.

يرى الأستاذ محمود تيمور بك أن رجل الشارع الذي أوتى حظاً محدوداً من الثقافة لا يستسيغ ولا يقبل على ما يكتبه أعيان الكتاب له، ولكنه يقبل على روايات الكتاب العاديين المؤلفة أو المترجمة لأنه يجد فيها متعته الحلوة وغذاءه المستساغ.

وقال الأستاذ المازني (إن السينما المصرية تعتمد على عنف الحوادث وعلى المواعظ والخطب المنبرية وعلى الغناء والموسيقى إلى آخر هذا. وهذا كله لا يتفق مع فن القصة، وما دام رجال السينما يطلبون هذا فمن البعيد جداً أن يجدوا في كاتب يحترم فنه استعداداً

ص: 49

لوضع قصة لهم على هذه القواعد).

وقال الأستاذ زكي طليمات: (سيعمل كبار الكتاب للسينما يوم يصبح المنتجون والمخرجون في عقلية تماثل عقلية كبار الكتاب).

ويستبين من هذه الأقوال أن المنتجين والمخرجين يرون أن الجمهور إنما يقبل على الأفلام العنيفة الحوادث المفعمة بالمواعظ والخطب المنبرية والأغاني، والتي تعتمد مع ذلك على إثارة الغرائز، والكتاب يترفعون عن هذه الصغائر.

ولا شك أن إقبال الجمهور هو أهم شئ في هذا الموضوع، ولكن هل الجمهور لا يريد حقاً إلا هذا الذي يقدمونه له؟ وهل يعرض حقاً عن إنتاج فني نطيف يحمل إلى عقله ووجدانه غذاء خفيفاً إلى جانب المتعة التي ينالها من أسباب الدعة والتسلية والطرب والتفكهة؟ وهل قدم له شئ من هذا فأعرض عنه؟

إن الإنسان، كما قلت في مناسبة سالفة، فنان بالفطرة، فهو أن لم تتح له وسائل الإنتاج في الفنون وأدواته، فنان (مستهلك). فمجاراة الجمهور في ميله إلى هذا البهرج أما أن تكون - مع حسن الظن - غفلة عن استغلال ميله الفطري إلى جمال الفن أو عجز عن تهيئة له، وهي - مع سوء الظن - تجارة من أرذل التجارات. . . .

جربوا أيها المنتجون. . . . وإذا أردتم إلا تغامروا قبل أن تستوثقوا، فقدموا للطفل الذي اعتاد أن يفرح (عرائس المولد) لعبة من اللعب ذات الفكرة، وانظروا هل يعرض عنها. . . .

(العباسي)

ص: 50

‌البريد الأدبي

1 -

إلى الأستاذ يوسف أسعد داغر:

إذا كنت قد تأخرت في الكتابة عن كتابك الذي أهديته إلى (فهارس المكتبة العربية في الخافقين) فما تأخرت إهمالا، ولكني أردت أن أكتب عنه كتابة علمية تليق بهذا السفر القيم الذي أقرر جازماً إنها لم تصدر المطابع العربية في هذه السنة كتاباً علمياً خيراً منه، وأنا حين أنشر هذا الاعتذار، أنشر معه إكباري لهذا الجهد (الهائل) الذي بذلته في تأليفه، وأتمنى أن يكون هذا الكتاب في مكتبة كل عالم وكل أديب.

2 -

سبق قلم:

جاء في الخبر الأول من أخبار بريد (الرسالة) 738 كلمة:

(الحسن البصري الذي أخذ عن مالك بن أنس).

وذلك سبق قلم، لأن الحسن إنما أخذ عن أنس بن مالك الصحابي لا عن مالك بن أنس الإمام الذي جاء بعده بأزمان.

3 -

جد أم هزل؟

أما (سؤال) الأستاذ الجاحظ، في العدد الماضي، فما أخذته إلا على أنه هزل، وما أعتقد أن المراد من جملتي يخفى على عامة القراء، فضلا عن مثل الجاحظ، أولم يسمع الجاحظ رجلا يقول:(إني لأرى كل جميل، وآكل كل طيب، ولكني لا أشعر بمسرة) أن لم يكن قد وجد رجلا هذا حاله، فليعلم أني ذلك الرجل.

علي الطنطاوي

إلى الأستاذ السهمي:

اليوم (25 أغسطس) وأنا في أقصى الشمال من لبنان، في بلدة الأرز (بشرى)، مثوى العبقري الملهم (جبران) - وصل إلى (السمير الحبيب) مجلة (الرسالة) الزاهرة (عدد 737) متأخرة عن ميقاتها، فطالعني بين طياتها ما كتبه إمام العربية الأكبر، أستاذنا الجليل (السهمي) - ومنذا الذي يجهل (السهم) صنو (النشاب)؟! - معلقاً به على ما نبهت إليه في

ص: 51

بريد (الرسالة) الأدبي، مخطئاً قول كاتبة فاضلة:(مد الليل أروقته السوداء. . .) وقد حملني على أن أبتغيها: (أروقته السود. .)(حوالا عن (السوداء)) ما أجده في كتاب الله إذ يصف ما هو من مثل ذلك على نحو منه فيقول: (جدد بيض. . .) ويقول: (غرابيب سود. .) وما أجده كثيراً في شعر الجاهلين والمخضرمين، مما لا سبيل إلى الوصول إليه، وأنا (في هذا المنعزل) بعيد عن كتبي. . . . على أنني استظهر من ذلك أمثلة تتقدم فيها (الصفة) أو يستعاض بها عن الموصوف. ومنها قول الطرماح:

وتجرّد الأسروع واطّرد السَّفا

وجرت بجاليْها الحداب الَقَرَد

وانساب حيات الكئيب وأقبلت

وُرق الفراش لما يشبّ الموقد

وكنت أصادف كثيراً، من مثل ما أشار إليه أستاذنا الجليل - وهو أن تجئ (فعلاء) المفرد وصفاً للجمع فاخله انحرافاً عن الجادة، ومسايرة للعامية! ولكنني - وقد سمعت ما أورد - أشكر له حسن توجيهه، وكريم تعهده، وسهره على سلامة هذا اللسان الخالد. ليبقى مبرءاً من كل شائبة، منزهاً عن كل خطل. . .

وله مني تحيات أرق من نسائم (صنين) مفعمة بأريج الصنوبن لأرز. . .

محمد سليم الرشدان

إلى الأستاذ (الجاحظ):

في (تعقيبات) الرسالة الغراء عدد 739 نسب الأستاذ (الجاحظ) إلى الأستاذ العقاد أنه قال له في صدد الكلام على أدب الشيوخ وأدب الشبان (لقد كنا شباناً، فما وجدنا من أخذ بأدبنا، أو (أفسح) لنا الطريق. . .).

وأنا قد لا أخطئ الصواب إذا قلت أن نسبة هذا القول إنما كانت في المعنى المفهوم وليست في اللفظ المرقوم. . . إذ لا يخفى على الأستاذ العقاد خطأ استعمال (أفسح) من الفعل الرباعي دون الثلاثي وهو الأصل؛ فإنه يقال (فسح له في المجلس. . .) ولا يقال أفسح له فيه. . .

عدنان

حول الزنزانة وأسماؤها:

ص: 52

في جزء الرسالة الـ 738 البارز نهار الاثنين 25 أغسطس سنة 1947 سنتها الخامسة عشرة كلمة للأستاذ حسني كنعان بخصوص الزنزانة وما أراد لها الأدباء من الأسماء، وقد خاف الأستاذ الجليل أن يصل بها المطاف إلى ما وصلت إليه كلمة (السندوتش) في المحفي العمي. وعلى كل ما تحمل كلمة الأستاذ في طياتها من التهكم فإنها تدل على إهمال الأدباء لمقررات المحفى الملكي. والذي أراه أن تبقى الكلمة بلفظها أو يستبدل بها (سجن عارم).

فقد جاء في القسم الثاني من كتاب أنساب الأشراف للبلاذري ما حرفه:

قال أبو الحسن المدائني: (أسر (زيد عارم) غلام مصعب ابن (عبد الرحمن) بن (عوف) وبنى له بناء ذراعين في ذراعين وأقيم فيه، وكان ذلك البناء في السجن، فقيل:(سجن عارم).

فمن هنا نرى أن الكلمة عرفت من صدر الإسلام وأنها تؤدى المعنى كاملا. فأما أن نصير إليها، وأما أن نبقى على الزنزانة إذ لا خوف منها على اللغة أن شاء الله.

روكس بن زائد العزيزي

معلم العربية وآدابها في كلية تراسانة في القدس

1 -

استدراك:

جاء في كلمة (نعم الضمير مطمئن) بعدد الرسالة 737 البيت الآتي:

له خصبه دونى ولى نوطتي به

وعون أيامه وهو نجدب

ولما كان الشطر الثاني خطأ أشارت الرسالة إليه بكلمة (كذا) والصواب:

له خصبه دونى ولي نوطتي به

وعون على أيامه وهو مجدب

فلزم التنويه. وللرسالة مزيد الشكر ووافر التحية.

2 -

(بله لا بلهاء):

كتب الأستاذ الجاحظ في تعقيبه (يا قوم حسبكم) بعدد الرسالة (838): (والمعنى المقصود في هذا التعبير الطريف أن المصريين مغفلون بلهاء) والصواب بله بزنة (فُعْل) وهو جمع مطرد في كل وصف يكون المذكر منه على أفعل. والمؤثرات منه على فعلاء فيقال: رجل

ص: 53

أبله. وامرأة بلهاء. وفي الجمع بُلْهٌ وفي الحديث: (أكثر أهل الجنة البله).

كمال الخولي

ص: 54

‌القصص

قبلة الملكة

للقصصي الفرنسي ج هـ روسني

بقلم الأديب كمال الحريري

هذه هي عشر سنوات، وأنا راسخ الجذر في هذا المكان البائس (ل) مقيم في هذا المنفى لا أريمه.

ومع ذاك، فكل الناس كانوا يحسبون حساباً لمواهبي وخصالي، وكلهم كان يقدر أني سأبلغ أرقى المناصب، وأنال أرفع الوظائف التي لا تطاولها إلا رتبة الملك حتى أشد أعدائي، وشر خصومي كانوا لا يغمطون مؤهلاتي. ولكن هذا كله وا لهفتاى، لم ينجني من الحكم على بالتعفن في هذا الجحر الضيق الذي يسمونه (ل) ولذلك قصة عجيبة عالمية، تتلخص في أن امرأة كانت سبب نكبتي، وهذه المرأة هي الملكة.

لقد كنت في التاسعة عشرة من عمري، في فتوة ساخرة. وكان من عادتي، أن أغازل عرائس أحلامي، ما بعد الظهر من كل يوم، في حديقة الملك الوسيعة الملتفة الأدغال، تحت الجبال الشامخة. مشيت في ذلك اليوم طويلا، تحت ظلال الزيزفون التي كانت تنمو في أرض تغذيها سواق عذبة صافية، وتحوطها مروج من الأعشاب السندسية الخضلة الندية، تعزلها عن أشجار الغابة وأدواحها. وانتهى بي السير، إلى بساط من الأرض مفروش بأشجار من الحور، كانت ذوائبها تتراقص وتنثني الواحدة نحو الأخرى. وهناك بين تلك النهيرات، كان نهير، يفترش ماؤه فيتحرك إلى بحيرة صغيرة، تحفها شجيرات من قصب الخيزران المزهرة.

كانت أشباح الغموض والسكون، تخيم على تلك البقعة الموحشة، إلا ما كان من خرير ماء النهر وهو يجري في الأعماق، أو التماع قصور من غيوم السماء كانت ترتسم على مخرفة من أشجار الأرز.

وفي هذا المكان جلست غارقاً في لجة من الأحلام والأخيلة بدأت مشاعري تطغى على وتنتشر في ذهني، فرحت أمتع النفس والحواس، بصفاء هذه النزهة. وأنا متخل بروعة

ص: 55

الأصيل، غارق في سحره الجميل. ولكن قلقاً مباغتاً، انبثق في نفسي فجأة سمعت على أثره لصدري خفقاناً طغى على هدير النهر خفقة مجذاف كأنها تبرر لي هذا الاضطراب والارتعاد فلم ألبث أن تواريت فزعاً مضطرباً خلال دغلة من الدغلات. وانقطعت خفقة المجذاف على الماء. فعاد السكون والغموض، يجثمان على المكان وروعة أشعة الأصيل، تسترسل من خلل الغصون فتلمحت على ضوء شعاع متسلسل بين فجوات الأوراق، بطة لماعة تمخر الماء ثم تلتها أخرى ذات طوق نحاسي وتغريد حلو. ثم أخذت تتعالى مجدداً، خفقات المجذاف وبعدها ارتسم أمامي على عطفه الشاطئ مقدم زورق للصيد، نهضت فوقه، فتاة رائعة الجمال، تتوهج على يديها أشعة من دماء صيدها للطيور. كان في عينيها نفاذ وحدة وعلى فمها فتة سماوية وكانت يداها البضتان، تحركان المجذاف في مشقة وإعياء بينما رغاء الزبد يتفجر كقطع الثلج أو تثار اللؤلؤ. خلف الزورق السحري. أما أنا فقد اهتز كياني من الحنان والأسف، وانثالت على لساني الدعوات.

وبالغت في التستر والتواري. وقد كتمت أنفاسي وكاد الاضطراب يبلغ بي درجة الإغماء. ذلك إنها إنما كانت هي. . . هي الملكة التي كنت أهيم بها في الخفاء، والتي ما زالت منذ بعد هذه الظهيرة أحلم بها الأحلام السعيدة البهيجة أثناء نزهتي.

وكان في نهاية الزورق، صبي منتصب، هو الأمير الجميل د هـ ت أبن أخت الملكة.

كان ممسكا بسكان الزورق، بينما خالته الملكة سابحة في أجواء أحلامها وقد مال عنقها الذي يشبه عنق الإوزة إلى الجانب، وامتدت ذراعاها الناعمتان الحريريتان إلى الأمام. كانت تجذف على ضوء الأصيل الأصفر إيه يا إلهة الملاحة، يا لك من حلم عجيب وسمعت فجأااااأة صرخة داوية، ثم أبصرت بالزورق يتقلب على الماء والأمير الصغير يسقط في النهر في حين تعلقت فيه الملكة الملتاعة الجزعة بغصن غليظ من أغصان الحور.

ووثبت إلى الماء بقفزة، وقبضت على الغلام الذي كاد ينجرف مع التيار، فوضعته على الشاطئ الأمين، ثم جدفت بالزورق نحو الملكة. لقد لمست ذراعاي جسمها الذي خلق فقط لكي يضمه أبناء الملوك. أما هي فقد كانت شاحبة الوجه مرتجفة الأوصال. لم تنطق أولا بحرف، وإنما لبثت ترمقني بعينيها الساحرتين المفزعتين غير إنها حين أحست بنفسها

ص: 56

منتصبة على قديمها فوق الشاطئ، قذفت بنفسها هلعة فزعة على الأمير الصغير المسكين، الذي كاد يغمى عليه من روعة الحادث. ثم عانقته بحنان حافل فزع، وقالت لي: إنه مدين لك بحياته فاطلب مني ما شئت تلقني أول الملبيات. فصحت: أتعطيني كل شئ؟ ثم عراني اضطراب وحشي ثائر، وماد بأعطافي جنون مضطرب جياش. أما هي فقد شدهت لصرختي وجعلت لحاظها تتلاقى مع لحاظي. ثم أسلبت أجفانها حياء وتضرج وجهها بحمرة الخجل

لقد كنت كما أسلفت، في ريعان الصبى، ولي محيا فنان الملامح، وكانت الملكة تعرفني جيداً، لأنها طالما أبصرت نظراتي تتعلق بمفاتنها. وعلى هذا فقد فهمتني. ولحظت أنا في نظراتها الثابتة في، شيئاً من ارتجاف جعلني أكثر جنوناً بها، وأشد نشوة وتلذذاً بفتنتها النبيلة ودمها الملوكي. ثم أخذني ميل لذيذ مشتعل لانتهاك حرمة هذا الجمال الملوكي، فظلت مرتجفاً هلوعاً. ثم استأنفت قولي: أتقولين إنك تمنحيني كل شئ، دون أن ترجعي عن كلمتك؟. . . فأشارت برأسها بالإيجاب ثم أصطبع محياها بدم الخفر. واستقلتها حمياً من النشوة. وقلت لها، أرغب منك قبلة. فأجابتني بلهجة العاتب. أي جنون هذا؟. لعمري أن صغر سنك وحده. هو الذي يبرر هذه الإباحة الفاجرة. ولكنها في الحق، كانت تشاطرني اضطرابي وتقاسمني شعوري: إذ راحت تتمعن في جسمي الذي التصق عليه ملابسي المبللة، وتنظر إلى نظرات مبهمة غريبة. وعندئذ، بلغت بي الجرأة حداً كنت بعده موطناً العزم على عدم النكوص ولو أمام خشبة المشنقة. . وهتفت بها مجدداً: اذكري أنك قطعت على نفسك عهداً. . وقبل أن تتمكن من الدفاع عن نفسها، تقدمت إليها في جرأة، وأمسكت برأسها الملائكي بني كفي ثم أهويت بفمي الحران اللهفان إلى فمها وحينئذ. . وبعد قبلتي المديدة العميقة شعرت بشفتيها الشهيتين الحلوتين، تجيبان قبلتي فجأة، وتنحنيان على شفتي بلثمات عنيفة حارة ضاغطة. لم يدوم ذلك إلا كلمحة البرق، ولكن هذه الحظة على قصرها، كانت من النفاذ والتأثير في مشاعري وحواسي، بحيث أن فمي لن ينسى أبداً لذاذة هذه القبلة. وحين دفعتني الملكة أخيراً عن نفسها، كان أحد نبلاء الحاشية يتقدم نحونا تحت ظلال الحور. . .

نمى الخبر إلى الملك، فعرف كل شئ، وتحتم على الملكة أن تفسر له جلية الخير. ومع إنها

ص: 57

على التحقيق، قد أسقطت من فضيحتها (اشتراكها الآثم لحظة مبادلتي القبلة) إلا أن ذلك، لم يقلل من عزم الملك على نفي وتشريدي.

لم أكن أملك ثروة، وكانت رسائل مرتزقي متعلقة كلها بأسباب الملك، الذي قضى بنفيي، فأبحر بي إلى هذا المكان (ل) الذي شغلت فيه أول وظيفة (سكرتير) ثم وظيفة قنصل.

إن الملك رجل حقود، لا يعفو عن زلة فلست آمل أن نغفر لي جريمتي مطلقاً. وعلى هذا، فقد قضى على أن أدفن في هذا المكان أن لم ينقذني موت حاكمي وسيدي الملك.

إنه ليعروني الندم في بعض الأحيان، فآخذ نفسي باللوم الشديد على ما ورطني فيه جنوني. ولكن تأتيني هنيهات، أشعر فيها بشفتي الملكة كأنها حاضرة تنطبع على فمي وحينئذ لا آسف على شئ في الوجود.

لقد حدث لي مايلي خاصة في أمسية عيد الصعود وذلك إني في ذاك اليوم، تلقيت من العاصمة التي فيها الملكة، هدية غصناً رطباً مزهراً من أغصان الخيزران (ذلك النبات الذي كان يحف بالبحيرة التي أنقذت من مائها الملكة) فعرفت أن هناك شخصاً حبيباً لم ينسى بعد. . . واختلجت لهذه الذكرى شفتاي اختلاجة الوله والمرارة. . .

(حلب)

كمال الحريري

ص: 58