الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 745
- بتاريخ: 13 - 10 - 1947
أساطير الآخرين
للأستاذ عباس محمود العقاد
(. . . . . الزهاوي يعتقد أن الله هو الأثير
ما لِكل الأكوان إلا إله
…
واحد لا يزول وهو (الأثير)
أرجوا أن أقرأ رأيكم في ذلك على صفحات الرسالة أو الهلال وأشكرك سلفاً. . . .)
موصل. عراق
لؤي النوري
لا أدري ماذا قصد الزهاوي في هذا البيت بكلمة الإله وماذا قصد بكلمة الأثير.
فإذا كان يقصد بإله الأكوان خالق الأكوان فليس في جميع التعريفات التي عرّفوا بها الأثير ما يسوّغ نسبة الألوهية إليه، وإنما يجوز أن يسمى الأثير بالمادة الأولى - أو الهيولي - على رأى الأقدمين - في بعض تلك التعريفات.
ولم يثبت للأثير وجود فضلا عن أن يقال أنه موجد الوجود، وخالقه الوحيد!
فهو فرض عقلي عند الرياضيين والطبيعيين:
فرضوه ليعللوا به ما يستعصي عليهم تعليله، كانتقال الجاذبية بين الكواكب، وانتقال الضوء في الفضاء.
وقال به (نيوتن) قديماً لأنه لم يستطع أ، يفهم كيف يجذب الكوكب كوكباً آخر في هذا الفضاء مع امتناع الواسطة بين الكوكبين، وقد سمى هذه الواسطة في بعض كلامه بالروح ليسترح إلى تعليله للجذب والانجذاب.
وقال به المحدثون ليعللوا به مسير الضياء في أجواز الفضاء وقال ماكسويل العالم الطبيعي الكبير (إن أنواعاً من الأثير اخترعت لتسبح فيها الكواكب، ولتنشأ منها أجواء كهربائية ودفعات مغناطيسية، ولتنقل الإحساس من جانب الجسد إلى جانب آخر حتى ازدحم الفضاء مرات بهذا الأثير).
وعقّب جيمس جينس على ذلك في كتابه عن الكون الخفي فقال: وخلاصة ذلك أن لدينا أنواعاً من الأثير بمقدار ما لدينا من مسائل غير محلولة في علم الطبيعة!
والذي يبدو لنا أن هذه الفروض قد بنيت على خطأ في فهم الفضاء أو المكان. لأنهم اعتقدوا أن الفضاء خلاء، وأن الخلاء عدم، فوجب أن يملئوه بالأثير.
وقد اتفق جلة الفلاسفة الأقدمين على أن الفضاء ليس بخلاء أو ليس بعدم، لأنه يقاس ويقدر، ولأنه يحتوي الموجودات.
يقال شبر من الفضاء، وذراع من الفضاء، ولا يمكن أن يقال أن عدماً أطول من عدم، وأن هذا العدم أقل من ذاك.
ونحن نعيش في الفضاء ويحتوينا الفضاء، والمعدوم لا يحتوي الموجود.
فالفضاء ليس بعدم وليس بخلاء.
وكان أسلم من فرض الأثير أن يقال أن مادة الفضاء لا تزال قيد البحث والاستفسار. فإن ذلك أسلم علماً وعقلا من الجزم بنفي الحركة في الفضاء، ما لم يكن مملوءاً بما يسمى الأثير.
وقد حاولوا أن يجدوا للأثير هذا خاصة تميزه من الفضاء بحركة أو كثافة أو تقدير فلم يجدوا تلك الخاصة في تجربة واحدة من تجاربهم الكثيرة.
فليس للأثير سرعة تزداد أو تنقص بمرور الأجسام فيه، وليس في الحالات التي تعرض للمادة كلها حالةٌ تتناوله بشيء من التغيير!
ومؤدّي هذا أن الأثير والقضاء مترادفان، فلا فرق بين قولك أن الضوء يسير في الفضاء وقولك أنه يسير في الأثير.
وقد نبه اينشتين إلى ذلك فقال في تعقيبه على نظرية لورنتز عن المغناطيسة الكهربائية والأثير إنما هم اسمان لمسمى واحد!
وقد انتهى الرأي باينشتين إلى تقرير فرضه الجديد الذي يلاقي به مذهب الأقدمين في حقيقة الفضاء، وهو فرضه المشهور عن الجوهر الفضائي أو جوهر الفضاء
فألقى في شهر يونية من سنة 1930 محاضرته التاريخية بجامعة توتنجهام، وأجمل فيها أطراف هذه النظرية التي يوشك أن يستخرج منها العلماء صلة علمية بين تركيب الفضاء وتركيب المادة، وهي ليست بالصلة البعيدة بعد ما عرف عن حركة الضوء في الفضاء، وعن رجوع المادة كلها إلى الإشعاع.
ولا نعتقد أن الأستاذ الزهاوي كان يمحص ما يسمعه عن الأثير وأقوال العلماء فيه، وفي أمثاله من الفروض العلمية.
ومن أمثلة ذلك أنه يقول في رسالة نشرت له حديثاً في مجلة الكاتب المصري أن (اينشتاين يحسب أن الفضاء خاصة من خواص الجسم ثم يدعى أنه عدم محض، والمشاهد أن الفضاء يقاس بالمتر والأقدام ويطول ويقصر بين سديم وآخر وشمس أخرى، والشمس وسياراتها على التفاوت فكيف يقاس العدم؟).
ولا ندري أين قال اينشتين أن الفضاء عدم. وإنما المعروف أن مذهب النسبية يعلل انحناء الضوء بالقرب من الأجرام السماوية بانحناء الفضاء نفسه، فكيف يقول بعدم الفضاء من يقول بانحنائه، ثم يقول بأنه جوهر لعله أصل الجواهر جمعاء.
وقد أشار الزهاوي قبل ذلك إلى مذهب اينشتين في هذا فقال أنه: (فتح باباً جديداً في الفلسفة جعل العلماء يفكرون فيها تعليلا لغوامض الكون على أن أكثر قضاياها لا يرضى لمنطق وأن أرضى الرياضيات على زعمه. أما كون النور في قرب الأجرام يسير في خط منحن عليها فصحيح، ولكني لا أرى أن السبب هو انحناء طريقه في الفضاء. . .).
وقد كان خليقاً بما رواه عن اينشتين أن يصحح فهمه لمذهبه في الفضاء وفي الأبعاد على العموم، ولكنا نحسبه طالع بعض كلامه على نسبية الأبعاد ونسبية السرعة فيها فخطر له أن القياس النسبي ينفي الوجود الحقيقي، وجعله كله مسألة تقدير واختلاف. . . وإنما كان اينشتين يفرق بين تقدير الفضاء في الهندسة الاقليدسية وتقدير الفضاء في رأى ديكارت وتقدير الفضاء إذا أخذ فيه بمذهب البعد الرابع، وهو مذهب اينشتين نفسه في المكان والزمان.
وعلى هذا القياس ربما طالع الأستاذ الزهاوي بعض ما كتب عن الأثير وامتلاء الأكوان به فقال إنه هو الوجود الثابت في جميع هذه الأكوان، وأن ماعداه من الوجود فرض من فروض الأديان.
وقد تخلى عنه الأثير آخر الأمر فإذا هو الفرض الذي ابتدعه الخيال، وإذا به في رأى العلماء هو والفضاء سواء.
وغاية ما يقال إذن في هذا الإله الذي خلقته فروض الخيال أنه أسطورة من أساطير
الآخرين. . . .
عباس محمود العقاد
فعلاء
للأستاذ (السهمي)
أشكر لسيدي الكاتب الألمعي والأستاذ الباحث المتفنن السيد على العماري تشريفه إياي بما أمرني به وإحسانه إلى بإلباسي من عطفه على وقوله فيَّ ثوباً قد ضعت فيه ولم أبن ثم أقول:
لا حيرة بعد اليوم (إن شاء الله تعالى) ولا قلق، ولا بأس على (فعلاء) ولا على شقيقها (أفعل) ولا على جمعهما، فهما كما هما، وجمعهما كما أعربت العربية ونطق (الكتاب) وطريقة (الكتاب) هي المثلى، (وكلمة الله هي العليا)(ولله المثل الأعلى) وكما أملي (الخليل) على خريجه أو بصّر، فقيد (أبو بشر) ذلك بالكتاب في (الكتاب) وكما قال (أبو العباس) في (كامله).
قال (عمرو) في (البحر): (وأما أفعل إذا كان صفة فإنه يكسر على فعل. . . وذلك أحمر وحمر وأخضر وخضر وأبيض وبيض وأسود وسود. . . والمؤنث من هذا يجمع على فعل وذلك حمراء وحمر وصفراء وصفر. . .).
وقال (محمد بن يزيد) في (الكامل) الذي لم يتنقصه الدهر. وسأروي قوله بكماله على طوله حيث هو الحجة التي تشبث بها مانع (فعلاء) وليس له فيه أقل متشبث، قال:
(قال نبهان بن عَكيّ العبشمي:
يُقر بعيني أن أرى مَن مكانه
…
ذُرا عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت به
…
سليمي وقد مل السرى كل واجد
وألصق أحشائي ببرد ترابه
…
وإن كان مخلوطاً بسم الأساود
. . . بسم الأساود: يريد أسود سالخ، وجمعه على أساود لأنه يجري الأسماء، وما كان من باب أفعل اسماً فجمعه على أفاعل نحو أفكل وأفاكل، والأكبر والأكابر وكذلك كل ما سميت به رجلا تقول: أحمد وأحامد وأسلم وأسالم. فإن كان نعتاً فجمعه على فعل نحو أحمر وحمر وأصفر وصفر ولكن أسود إذا عنيت به الحية وأدهم إذا عنيت به القيد وأبطح إذا عنيت المكان المنبطح وأبرق إذا عنيت به المكان مضارعة للأسماء لأنها تدل على ذات الشيء وإن كانت في الأصل نعتاً، تقول في جمعها الأباطح والأبارق والأداهم والأساود، فإن
أردت نعتاً محضاً يتبع المنعوت قلت مررت بثياب سود وبخيل دهم، وكل ما أسبه هذا فهذا مجراه).
قوله (إن أردت نعتاً محضاً) يقصد به مثل أسود وسوداء وأدهم ودهماء وأبيض وبيضاء وأحمر وحمراء لا مثل الأسود للحية والأدهم للقيد والأبطح والأبرق المضارعة للأسماء أو التي أصبحت تعد في الأسماء (تعينت لها الاسمية إذ فقدت الوصفية).
فهذه ليست بنعت محض حتى يسوغ لها أن تجمع على (فعل) إن هذا الجمع للنعت المحض الذي لا رائحة للاسم تشم فيه. . وأما التي نقلت من الوصفية إلى الاسمية فجمعها (أفاعل) لأنها ليست من النعت المحض ولا ينظر إلى أصلها وإن كان أصلها نعتاً وإنما يلتفت إلى ما قد حصل. . .
وقول المبرد هذا هو مثل قول سيبويه، وهو القاعدة في هذا الجمع ولا منع فيه لوصف مجموع بمفرد، ولا وجوب وصف مجموع بجمع ولا جوازه، وما أظن المبرد زاد شيئاً في (المقتضب) على ما قاله سيبويه وقاله هو في الكامل.
هذه هي قصة القضية في فعلاء وجمعها فهل للمولد - إذا ثبت عنده أن العرب لم يصفوا الجمع بذلك المفرد - أن يقيس وصف جمع على وصف جمع، وكم قاس في اللفظ والتركيب وكم ولد، وثلاثة أرباع اللغة مولد، ولاسيما إذا لم تجيء نصوص أئمة تمنع.
رأينا الجاحظ في (الحيوان)(ج2ص212) والمسعودي في (المروج) - ج1ص35 - والزمخشري في (الكاشف) - ج2ص383 - والتبريزي في (شرح الحماسة) في الطبعتين - ج4ص120 ج4ص244 - والصاحب في إحدى رسائله في (إرشاد الأديب) والمعري في جريدة كتبه في (الارشاد) وفي (رسائله) وفي (نهاية الأرب) وابن سيده في (المخصص) وابن طولون في (اللمعات البرقية في النكت التاريخية) - ص66 - رأينا هؤلاء القوم يصفون وصفهم، فاستدل المستدل على التجويز، وقيل: هؤلاء جلهم أئمة، والأئمة يُتبعون. وإذا حرف نسخ أو طبع أقوالهم فهل حرفت كلها جمع أو جمعاء؟
أنا استبعد كثيراً التحريف في كلام ابن سيده وفي (أيادي بيضاء) إن (المخصص) محقق، وضبط الشنقيطي إياه محكم، وعبارة المعري رواها القفطي في (إنباه الرواة على أنباه النجاة) وقد طير همزة بيضاء ناسخ عصري لكاتب (الإنصاف والتحري) فجاءت (أيادي
بيضا) فهل كان هذا الناسخ ممن يتقززون من الهمز فقصر أو كان مستعجلا أو طوعت له نفسه أن يصحح كلام أبي العلاء؟. . و (الزهراء والجزاء والأرزاء) هن من مظاهرات (بيضاء) وما جلب تينك السجعتين في اعتقادي إلا هي.
وأوقن كل الإيقان أبا العلاء وصاحب المخصص لم يقولا (زهراء) و (وخضراء غبراء) إكراماً للجوار جوار (مثل) و (مضيئة) فما كان هذا الإمامان هذه (الفتوى اللغوية العصرية) هذا الكلام المفتلت، ولن يعثر على مثله عاثر عند أحد من المتقدمين ولا عند أحد من المتأخرين، أنه كلام لفته صاحبه لفتاً، والعلم ليس بشعوذة أو مخرقة.
من مشاهير العصريين الذين وصفوا الجمع بفعلاء المفردة الأب أنستاس ماري الكرملي في مجلته (لغة العرب) كما أشار إلى ذلك الدكتور مصطفى جواد في مقالة في (مجلة المجمع العلمي العربي) الغراء.
والشيخ إبراهيم اليازجي في مجلته الضياء (س1ج3) قال: (. . . وبوده أن يكون فداء عن أياديهم البيضاء وأن لا تعدم الآداب نفحات مكارمهم الفيحاء).
والأستاذ مصطفى صادق الرافعي في إحدى مقالاته في (الرسالة) الغراء قال: (. . . فصرخة واحدة من قلب الأزهر القديم تجعل هدير البحر كأنه تسبيح، وترد الأمواج نقية بيضاء كأنها عمائم العلماء).
وقد كتب الأستاذ الرافعي لم يتأمل قول المبرد في الكامل ملياً فجار على هذا المسكين البريء وغلطه وجهله. وكلام (أبي العباس) هو ما رويته آنفاً وما كان هذا الإمام فيه إلا موضحاً كيفية جمع مكسر ومقرراً قاعدته، ولم يغلط في توضيحه وتقريره، ولن يجسر ناح أن يخالفه فيما قال.
لقد كان (أبو السامي) يستعجل في بعض الأوقات في رده ويكربل ويكرمل في نقده. . .
إن أول من نبه على ما توهمه خطأ هو الأستاذ (كرنكو) العرباني الجرماني (رب ذلك الجمع) وهو الذي خطأ الأب أنستاس ونشر التغليط في مجلة (لغة العرب) ثم كانت تلك الفتنة في بلاد العرب. . .
السهمي
من شوارد الشواهد
للأستاذ علي الطنطاوي
سألني سائل عن بيت:
فما كان قيس هلكهُ هلكَ واحد
…
ولكنه بنيان قوم تهدما
المروي في عدد الرسالة الأخير، لمن هو؟ فقلت: لعَبْدة بن الطبيب، واسم الطبيب يزيد بن عمرو، وهو شاعر مخضرم معروف من قصيدته التي يرثى بها قيس بن عاصم المنقري وقبله:
عليك سلام الله قيس بن عاصم
…
ورحمته ما شاء أن يترحما
تحيّةَ من غادرته غرض الردى
…
إذا زار - عن شحط - بلادَك سلّما
ففرح بذلك فرح من كان عنده لقيط فعرف نسبه، وكنت قد واليت البحث عن أمثاله من الأبيات الشاردة - التي لا تكاد تجد أديباً ولا متأدباً لا يتمثل بها إذا كتب أو خطب، وقلّ في المتأدبين من علم أنسابها، وعرف أصحابها - حتى اجتمع لي طائفة منها صالحة، تملأ مجلدة لطيفة، فرأيت أن أنسب بعضها في الرسالة.
من ذلك:
1 -
لا تَنْهَ عن خلق وتأتيَ مثله=عار عليك إذا فعلت عظيم
للمتوكل الليثي، وهو شاعر إسلامي، كان يمدح معاوية وابنه يزيد. من قصيدته التي يقول فيها:
للغنيات بذى المجاز رسوم
…
فببطن مكة عهدهن قديم
فبمَنْحر البُدْن المقَّلد من مِنى
…
حِلل تلوح كأنهن نجوم
2 -
أخاك أخاك إن من لا أخا له=كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
لمسكين الدارمي وهو ربيعة بن عامر بن أنيف، قدم على معاوية وسأله أن يفرض له، فأبى، فخرج من عنده وهو يقول:
أخاك أخاك. . . (البيت).
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه
…
وهل ينهض البازي بغير جناح
وما طالب الحاجات إلا مغرر
…
وما نال شيئاً طالب كنجاح
3 -
العبد يقرع بالعصا=والحر تكفيه المقاله
لأبي الأسود الدؤلي. وقبله:
أعصيتَ أمر أولى النهى
…
وأطعت أمر ذوي الجهاله
أخطأت حين حرمتني
…
والمرء يعجز لا محاله
4 -
فعين الرضا عن كل عين كليلة=ولكن عين السخط تبدى المساويا
لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان صديقاً للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عبد المطلب، وكانا يرميان بالزندقة، فجرى بينهما شيء فقال له:
وإن حسيناً كان شيئاً مُلَفَّفاً
…
فكشّفه التمحيص حتى بداليا
أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة
…
فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعدما
…
بلوتك في الحاجات إلا تماديا
فلست برام عيب ذي الود كله
…
ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا. . . (البيت).
كلانا غني عن أخيه حياتَه
…
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
5 -
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل=وإلا فأدركني ولما أمزّقِ
لشاس بن نهار من قصيدة قالها لعمرو بن المنذر بن امرئ القيس ين النعمان وهو عمرو بن هند، وهند أمُّه عمة امرئ القيس الشاعر؛ لما همّ بغزو قومه عبد القيس، فلما سمعها تركهم، وتمثل به عثمان يوم الدار. وبه سمى الممزق (بالفتح) وقيل بالكسر والتحقيق أن الممزق (بالكسر) شاعر آخر متأخر يعرف بالممزِّق الحضرمي.
6 -
كناطح صخرة يوماً ليوهنها=فلم يَضْرها واعياً قزنَه الوعل
للأعشى من قصيدته التي مطلعها:
ودع هريرة إن الركب مرتحل
…
وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
وقبله:
ألست منّهياً عن نحت أثلتنا
…
ولست ضائرَها ما أطّلت الإبل
تغرى بنا رهط مسعود اخوته
…
يوم اللقاء فتردى ثم تعتزل
ومنها البيت المشهور:
قالوا: الطراد! فقلنا: تلك عادتنا
…
أو تنزلون فإنا معشر نُزُل
7 -
عقم النساء فلم يلدن شبيهه=إن النساء بمثله عقم
لأبي دهبل (وهب بن زمعة) الجمحي. مدح معاوية ومدح ابن الزبير وولاه عملا في اليمن، قاله في ابن الأزرق، عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله ين عمرو بن مخزوم وبعده:
نزْر الكلام من الحياء تخاله
…
ضَمِناً وليس بجسمه سقم
8 -
وكنا كندماني جَذيمة حقبة=من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
لمتمم بن نويرة من قصيدته المعروفة في رثاء أخيه مالك وبعده:
فلما تفرقنا كأنى ومالكا
…
لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
وتمثلت بهما عائشة لما وقفت على قبر أخيها عبد الرحمان.
9 -
وما طلب المعيشة بالتمني=ولكن ألقِ دلوك في الدلاء
لأبى الأسود الدؤلي، قاله لابنه أبى حرب لما قعد عن الكسب وقال: رزقى يأتيني، وبعده:
تجئك بمائها يوماً ويوماً
…
تجئك بحمأة وقليل ماء
10 -
يا ربة البيت قومي غير صاغرة=ضمي إليك رحال القوم والقربا
لمرة بن مَحكان، شاعر إسلامي مقل، بعد في الأشراف الأجواد وبعده:
في ليلة من جمادى ذات أندية
…
لا يبصر الكلب من ظلمائها الطٌنٌبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة
…
حتى يلفّ على خيشومه الذنبا
يقول لها، وكان الضيف يستبقى معه سلاحه مخافة البيات، فهو يقول لها، ضمي سلاحهم إليك فهم عندي في أمان.
11 -
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه=فكل قرين بالمقارن يقتدي
لعدى بن زيد العبادي، من قصيدته التي مطلعها:
أتعرف رسم الدار من أم معبد
…
نعم ورماك الشوق قبل التجلد
12 -
أريد حياته ويريد قتلى.
وتتمته: عذيرك من خليلك من مراد.
من قصيدة قالها عمرو بن معد يكرب لقيس بن مكشوح المرادي، (قالوا) وتمثل به على بن
أبى طالب لما رأى عدوّ الله عبد الرحمان بن ملجم المرادي.
13 -
إذا لم تستطع أمراً فدعه=وجاوزه إلى ما تستطيع
لعمرو أيضاً من قصيدته التي مطلعها:
أمن ريحانة الداعي السميع
…
يؤرقني وأصحابي هجوع
14 -
ألا ليت اللحى كانت حشيشاً=فنعلفها خيول المسلمينا
لابن مفرّغ الحميري، وأسمه يزيد بن ربيعة، شاعر إسلامي أولع بهجاء آل زياد بن أبى سفيان، وهو جد السيد الحميري، قاله في عبّاد ابن زياد وكان عظيم اللحية.
15 -
وإني لعبد الضيف ما دام نازلا=وما في إلا تلك من شيمة العبد
كذلك هو غلى ألسنة الناس، وروايته:=وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
للمقنع الكندي وهو محمد بن ظفر بن عمير وسمى المقنع لأنه كان لجماله يخاف العين فيتخذ اللثام، شاعر إسلامي مقل، معدود في الأجواد والأشراف، والبيت من قطعة له هي:
يعاتبني في الدين قومي وإنما
…
ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيقوا
…
ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
إلى أن قال:
وإن الذي بيني وبين بني أبي
…
وبين بني عمي لمختلف جدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
…
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
…
وإن هم هووا عيي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيراً بنحس تمرّ بي
…
زجرت لهم طيراً تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم
…
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وليسوا إلى نصري سراعاً وإن همُ
…
دعوني إلى نصر أتيتهم شدَّا
لهم جُلُّ مالي إن تتابع لي غنى
…
وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف. . (البيت)
16 -
تمتع من شميم عرار نجد=فما بعد العشية عن عرار
للصمة بن عبد الله القشيري، شاعر إسلامي غزل مجيد، من أبياته المعروفة، وقبله:
أقول لصاحبي والعيس تهوى
…
بنابين المنيفة فالضمار
وبعده:
ألا يا حبذا نفحات نجد
…
وريّا روضه بعد القطار
وأهلك إذا يحل الحي نجداً
…
وأنت على زمانك غير زاري
شهور ينقضين وما شعرنا
…
بأنصاف لهن ولا سرار
وروى: غبّ القطار. وروى: شهور قد مضين.
17 -
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا=أنيس ولم يسمر بمكة سامر
(منسوب) لمضاض بن عمرو الجرهمي، من قطعة (زعموا أنه) قالها يتشوق بها إلى مكة لما أجلت خزاعة قومه عنها، وبعده:
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
…
صروف الليالي والجدور العواثر
وأخرجنا منها المليك بقدرة
…
كذلك يا للناس تجري المقادر
فصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة
…
كذلك عضتنا السنون الغوابر
وبدلنا ربي بها دار غربة
…
بها الذيب يعوي العدو المكاشر
فسحت دموع العين تبكي لبلدة
…
بها حرم أمن وفيها المعاشر
18 -
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر.
لأعرابي، نظر إلى امرأته فرآها تتجمل وهي عجوز، فقال لها:
عجوز تُرَجّى أن تكون فتية
…
وقد لحب الجنبان وأحدودب الظهر
تدس إلى العطار سلعة أهلها
…
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
فأجابته ببيتين، وجمعت عليه نسوتها فضربنه.
علي الطنطاوي
هزيمة الكوليرا!
للدكتور مصطفى الديواني
أثبتت محنة الكوليرا الأخيرة شدة تعلق الإنسان بالسلامة وطول البقاء. فهذه الاستفهامات التليفونية التي توجه إلى طبيب العائلة - والتي لا تقف عند حد - تملأ الطبيب ثقة بنفسه وغروراً بمركزه كحصن الألمان يلجأ إليه عند الملمات ومنطقة النجاة تلقى للتائه في اليم الخضم ليصل بوساطتها إلى الأرض الطيبة عساه أن يدب عليها من جديد ويسعى فيها متمنعاً بشمسها وقمرها وليلها ونهارها ولذائذها وطيب ثمارها.
إن الكوليرا عنيفة في هجومها، لا تعرف سناً أو جاها أو مالا. تغزو الأكواخ والقصور سواء بسواء وسيان عندها مزهو في دمقس وغارق في بالي الأسمال. ولقد كانت فيما مضى فتاكة لا تبقي ولا تذر ولكن اشكروا طبيب المعمل فقد روضها كما تروض الأسود والفيلة الضخام ثم سلم رسالته إلى طبيب العلاج ليطبقها على الضحايا من عباد الله فنال الشكر والحمد والثناء لنفسه وبقي طبيب المعمل في ركنه يوالي أبحاثه في صمت وسكون. لقد حضر لكم الطعم الواقي مثلا وهو أكيد في مفعوله إذ يولد مناعة لا تزيد مدتها عن الخمسة شهور ويأخذ الشخص الكبير منه 0 ، 5سم ثم 1سم من أسبوع أي 4000 مليون ثم 8000 مليون جرثومة. أما الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم السنتين يأخذون 0. 25 ثم 0. 5 سم والذين تقل أعمارهم عن العامين يلزمهم 0. 2 ثم 0. 40 سم بعد أسبوع. ولا تتولد المناعة بعد حقن الطعم قبل عشرة أيام على الأقل ولذا يجب اتباع الاحتياطات اللازمة طوال هذه المدة ولا يغرينا الشعور بالسلامة الكاذبة على التراخي في هذا السبيل.
أما عن العلاج فقد دق لكم الطب في ميدانه أسافين عدة جعلت مقاومة المرض مائعة مراوغة بعد أن كانت كالصاعقة تضرب ضربتها بلا تردد وبلا إنذار.
إن قرص السلفاجوانيدين مثلا من وسائل العلاج الحديثة ولما أذيع أخيراً عن تأثيره في سير المرض تهافت الناس على إقتدائه بدرجة جعلته يكاد يختفي من الأسواق في ساعات وهذا خطأ فادح لا أقرهم عليه فلو تركوه بوفرته السابقة لكني وزيادة. فالمريض يلزمه للعلاج مائة وأربعون فرص تقريباً ولو (لا قدر الله) بلغت الإصابات الألف عداً لكان الموجود من الدواء يكفي وزيادة ويتعاطى منه المريض عادة ستة أقراص كل 4 ساعات
لمدة ثلاثة أيام ثم مرتين في اليوم لمدة ثلاثة أيام أخرى. وقد وجد أن نسبة الوفيات في الحالات التي عولجت بالسافاجوانيدين حوالي الواحد في المائة على حين أنها بلغت في الحالات الأخرى التي حرمت منه حوالي 38 في المائة، أما الحالات التي عولجت بمركبات السلفا وبحقن البلازما أي في الوريد بقصد مقاومة الجفاف الذي يقاسي منه هؤلاء المرضى فنسبة الشفاء مائة في المائة. ولقد ثبت أن هذه الطريقة الأخيرة تؤدي إلى نتائج رائعة. ولكن إياكم أن تتهافتوا على شراء هذه المادة كما فعلتم بالسلفاجوانيدين فهي غالية الثمن إذ يبلغ سعر زجاجتها حوالي الاثني عشر جنيهاً ولن يلجأ إليها إلا إذا جد الجد لا سمح الله. وحرام أن تحرموا منها من هو أحق بها منكم أعني الذي أصابته لوثة الميكروب. والرأي العلمي السائد أنه متى توفرت هذه المادة فلن نسمح لجرثومة الكوليرا أن تعصف ببني البشر من الآن فصاعدا.
فنصيحتي أن نقابل الوباء بشجاعة وجنان ثابت فإن الكوليرا كمرض فتاك في طريقها إلى المؤخرة بعد أن عمل الطب جهده. ولكن يجب ألا ننسى في غمرة الفرح بنشوة الانتصار أن نشكر ذلك (النبي) المرسل الذي خلقه الله ثم سواه فصار طبيباً. انحنوا معي لطبيب المعمل الذي يسهر الآن ليأخذ بيدكم مجتازاً بكم ذلك الجسر الضيق الذي يصل السلامة بالفناء مخاطراً بحياته دون أن يبالي بالخطر المحدق به. وكل ما يطلبه منكم أن تتمسكوا بأصول الوقاية في المنزل والشارع وهو مطلب لو تعلمون سهل بسيط. وليكن رائدكم الثبات فإن الحكومة ساهرة بشكل يستدل الإعجاب. وهي تبذل جهداً كبيراً كان يمكنها توفير بعضه لولا أنها تعامل شعباً نصفه جاهل وربعه غافل. أعانها الله.
دكتور مصطفى الديواني
من أدب السودان:
الشرارة الأولى. . .
للأستاذ عثمان طه شاهين
أخذت المدينة بأجمعها تستروح النسيم العليل ودلف إبراهيم - كعادته - إلى الشاطئ ليلقى بنفسه في أحضان الطبيعة من عناء يومه المنصرم وليستقبل الحياة الجديدة في غده السعيد، بيد أن إبراهيم لم يستطع أن يتخلص من تأملاته إلا قليلا إذ كانت روحة شاردة كأنها تريد أن تبحث عن سر الصمت العجيب الذي يلف الكون والناس والأشياء، فأخذ يتجه ببصره إلى الأنوار الجميلة التي تبعثها قصور المدينة وطرقاتها، مودعة النهار، مستقبلة الليل كما يستقبله الأحياء. . .
جلس إبراهيم على مقعد خشبي تجاه الشاطئ يرقب المياه المصطخبة ويتمثل الحسن الرائع الذي سكبته الشمس على الشاطئ وهي تكاد تودع يومها المكدود، والناس من حوله فرحون مستبشرون ضاحكون عابثون في أغلب الأحيان، ولكن صاحبنا شارد اللب، ساهم الطرف، والرؤى والأشباح تتراءى أمام ناظريه في هذه اللحظة السعيدة، وكل ما في الوجود ينبئ عن شيء جديد. . . أخذت الشمس تبتعد شيئاً فشيئاً وأخذ الأصيل يفقد بهجته ورواءه، وجيوش الظلام مسرعة، ملحفة في الإسراع، والناس فرحون مستبشرون يودعون الأصيل الحبيب كما ودعوا نهارهم الذي كانت فيه بقية من قيظ وسحابة من عبوس، وأخذ إبراهيم يبعد نفسه عن المقعد الخشبي الذي ألف الجلوس عليه عند الشاطئ ليستقبل الليل. . . .
آوى إلى غرفته يطلب الراحة والاطمئنان وترددت في نفسه هذه الأحاسيس المتباينة من أضواء الحياة ومساربها وأخذ يستعيد الصور الجمة المتباينة ليبتعد بها عن عالم المحسوس. . . أخذت الخليقة تسلم أنفاسها لسلطان الكرى، وأخذت جيوش الظلام تتسلل إلى المدينة رويداً رويدا حتى لفتها بالغطاء الموحش الكئيب، وأضواء المصابيح تبدو خافته باهتة أمام هذا السكون، وإبراهيم يتطلع من نافذته ليبصر الكون، والكون - من حوله - صامت لا يبين، والأغصان هادئة ساكنة والدجى مهود وسنان. يسرح الطرف ناظراً إلى بعيد، محاولا سبر المستقبل ومعرفة الغد القريب، بيد أن المستقبل عالم مجهول. وأحداث الماضي
تتراءى ماثلة للعيان، وسر الحياة عنده لغز حار فيه الفلاسفة والمصلحون، والرؤى والأشباح ومعالم الحياة والفكر تتراءى أمام ناظريه في كل عين.
والناس فرحون مستبشرون إلا قليلا وتزدحم أمام صاحبنا الأفكار ويستعرض تاريخ العالم وقصة الإنسان، فهذا عبقري أعجبت به الإنسانية وأحبه طلابه المخلصون، وهذا شاعر غنى على قيثارته فأودع الحياة أناشيدها العلوية الرفيعة فتغنت بها الأجيال، وهذا فنان سكب روحه فجاءت صورة أو تمثالا ينبئ عن قصة الإيمان بالفن والجمال والجلال، وهكذا تزدحم الرؤى والأشباح وصاحبنا لا يكاد ينام. . . والظلام يمعن في قسوته وجبروته، والإنسانية قد أسلمت أنفسها لسلطان الكرى، وصاحبنا ينصت إلى نداء الظلام والناس من حوله غافون نيام. . .
يغمض الفتى عينيه لينام ويدثر نفسه علها تجد الراحة من فرط عالمها الخارجي الذي اضطربت فيه طول النهار ولكن الأشباح ما فتئت تتراءى أمام ناظريه فيحدق في الظلام من جديد ويفكر في حقائق الأدب وروعة الفكر وجلال الأداء؛ وساعات الليل تكاد تتعثر عرجاء، مثقلة الخطى غير ناظرة إلا إلى المحبين، والظلام من حوله يلف الكون في صمت عميق والإنسانية بين أحضان الكرى؛ والأشباح تتراءى أمام ناظريه من جديد، فينظر - في سر وإيمان - إلى أرباب العلم وأساطين الفن ويقدر الجهد المبذول، ويكبر معالم التضحية والصبر والإيمان، والناس من حوله هادئون نيام، والوجود يلقى نظرة صادقة على صعود الحياة وأحلامها الوادعة، وعمود الفجر يكاد أن ينشق ليسفر الصبح عن نبأ جديد!؟
أخذ الطفل الكبير ينظر إلى الأم التي جاءت لتستقبله كما يستقبل الفرد صباحه الجديد، وتلهف القلب لرؤيته حتى بدا جلال الكون متمثلا في روعته البهية، وأخذت تنشد موسيقى الحنان الأبدي التي تدخرها كل أم لطفلها الحبيب قائلة في صوت خفيض: الأمهات من حولي ينعمن بأطفالهن والقلوب عامرة برؤية الأطفال عند كل صباح، وأنا وحدي أتلفت إليهن، فرحة بك، ذاكرة لك، ولكنك لست بجانبي. . . والعصافير تغرد فوق الأغصان، والطيور تشقشق فرحة بربيع الحياة الندى، والطبيعة توحي بالروعة والجلال، وعند طرفي المدينة ألمح شآبيب النور الحي، ولكنك عني بعيد!؟
أتذكر يا طفلي الوحيد يوم ودعتني متجهاً صوب الشمال، أتذكر يوم خلفت قلبي الثاكل الآمل؟ فالقطار الذي تحرك بك ليقلك إلى وطنك الروحي الأصيل كان بداية عهد جديد في حياتي نحوك؛ ففي الصباح الباكر أصحو على موسيقى ذكراك الحبيبة وأتلمس أخبارك في كل آن، وأنا اليوم أحب الحياة لأنك وهبتها لي، وهل الحياة إلا في طفلي وهل طفلي إلا عند الحياة؟. . كان بكاء الطفولة فيك يؤلمني ويقض مضجعي، وكان مرح الطفولة فيك يملأ قلبي حباً بالحياة وتعلقاً بها، وأنا الناظرة إليك من أقصى الجنوب يتلفت قلبي إليك ليدرك حياتك بين اللدات والأتراب، فإذا رسائلك تحمل إلى فرحة الروح والحس والشعور فأذداد إيمانا بالحياة وتعلقاً بالوجود.
إذا ما دعا داعي الحي بأن فيه أحداً قد ذاق المصاب ذكرتك يا بني واتخذت المصاب مصابي والعلة علتي وأحاطت بي الهموم والأحزان، وإذا ما أذن مؤذن الحي بأفراح الشباب تهللت أساريري مرتجية لك مثل ما للداتك الكرام، وإذا ما عاد أترابك حاملين لأمهاتهم أفراح الشمال تلقيتهم فرحة لأني أجد فيهم ريح طفلي الكبير، ولكن دعني أعرف جوانب الحياة وجوانب الروح فيك، ودعني أتحسس ما تريده في الغد السعيد. . .
جلس إبراهيم على مقعده الخشبي تجاه الشاطئ يرقب الناس في صمت وسكون وإطراق، وأحاديث الأم تعاوده وتلح عليه وتملأ القلب فيه والشعور والإحساس؛ والناس من حوله فرحون مستبشرون يستقبلون الحياة في لذة ونشوة وسرور، والأمواج تقذف الشاطئ ثم ترتد عنه في حياء وخجل، والبساط الأخضر مورق على ضفاف الوادي متحدث في صمت وسكون، والفتى تتعاوده أحاديث الأم والقلب والروح. . .
جد الفتى خطاه المتثاقلة إلى الدار، وأخذت الرؤى والأشباح تستعيد صورتها السابقة من جديد؛ ولجأ إلى كتاب مسطور يتحدث إليه عن الشعر والعلم والفن ولكن جوانب نفسه تزحمه ولا تترك له بقية لنظرة في كتاب، فيهرب إلى فراشه عله يدفن رأسه فيه لينام ساعة من ليل، ولكن الرؤى والأشباح ما فتئت تطارده فينهض ليقرأ في صفحة الكون من جديد. . .
والظلام المطبق يكاد أن ينجلي شيئاً فشيئاً، والأصوات الخافتة التي تزحم أنفاس البشر أخذت تتأهب للمسير، والأشجار المورقة ترسل موسيقاها الخافتة في هدأة الليل البهيم،
وهمسات الدوح البعيد تستدعيه ليعمل مع العاملين ونقيق الضفادع يملأ أذنيه فلا يكاد يترك له بقية عابرة من ليلة المنقضي. . ألمت بفتانا إغفاءة الفجر، وأدرك عند ما استيقظ - أن المدينة أخذت كعادتها تزدحم في ميدان الحياة العابرة، وأن لهذه الفنون - التي جذبته بسحرها الرائع وجلالها المكنون - أرباباً عبدوها وقدسوها فكانت متعة للناظرين، ولكن دقات الزمان ما فتئت تضرب على أوتار الحياة فتوهنها وما برحت تبدد أمامها آثار القوة والعظمة والطموح وهكذا تتجدد الإنسانية وتفنى العصور ويولد الكون من جديد. . .
وأخذا الإنسانية تضطرب في حياتها التي اعتادت منها أن تعيش وانقضت سحابة النهار كما انقضت بقية الأخوات، والشاطئ الحبيب يستدعيه ليجلس على مقعده الخشبي ليرقب الأشياء والناس ولكن جوانب النور أخذت تتراءى لديه من بعيد، وفقد الشاطئ بهجته ورواءه، والفتى ساهم الطرف، شارد اللب ونظر حوله فلا يرى إلا الوجوه التي أخذت تضحك منذ أن استقبلت الحياة وعرفت الوجود، فإذا بنشيدها ينقلب أسى وحديثها يصير همساً وضحكاتها المرتفعة تغدو عبوساً مطرقاً، والشمس تنحدر للمغيب وجوانب الحي تتهيأ لاستقبال الليل كما استقبلت أحاديث النهار، بيد أن القمر يبسط أشعته الفضية الزاهية على الربى والبطاح فيملأها حياة وجمالا وجلالا، والنجوم الخفرات تتداعى من فرط استحيائها وجيوش الظلام تكاد تولي هاربة. وحديث الأم يطرق الآذان من جديد فيصيح إليه إذ يقول: ومن قدر السماء يا بني أن تبسم الأمهات لأطفالهن وقد بسمت للوليد الجديد يوم ميلاده وابتسم له اليوم عند الشباب وفي الأفق البعيد تتبدى أنوار العدالة والحق فتنعكس صفحاتها المشرقة على جبين الحياة فتزيدها نوراً على نور، وتبعث الحضارة بما فيها من قوى روحية سامية، ذلك لأن الحياة هي في حقيقتها تلك اللحظات الروحية الرفيعة؛ والفنون وأنماط المعرفة تملك التعبير الصحيح عن خير ما في الإنسان من رقة ونبل وإحساس، وهل حياة المعرفة والفن إلا نوعاً من التضحية والقلق يدفع بصاحبه للبحث وراء المجهول. . .
وفي ثنايا الليل يظل صاحبنا باحثاً عن الحكمة، ناظراً في دنيا العلم، مطرقاً مستغرقاً؛ وهل عادت الروح من جديد تجاه الشرق لتجد عالم الهدوء والاطمئنان أم تبدت حياة الآلة كالحة في نظرة الفتى الذي أجهده طول السهاد؟! وأنغام الموسيقى تتهادى في ضوء القمر،
والزهور الندية ترسل العطر لأبناء الإنسان، وأذان الفجر يكاد أن ينادى بالصلاة والدعاء، والمدينة أخذت تتأهب للحياة من جديد، وجيوش الظلام أخذت تولي خاربة ولكنها لن تعود. . .
واليوم تنبعث من جوانب المدينة أنغام الخلود، وأضواء الشمس تتساقط من جلال الأشجار، وعبير الأزهار بداية الربيع الساحر، والأم فرحة بطفلها الذي يستقبل الحياة، وحفيف الأشجار وهمسات النور المنبعث وأسارير الطبيعة تنبئ عن بداية الفوز؛ والثغاء يملأ جنبات الوادي، والرعاة يهدهدون القطيع فرحين مستبشرين، والوليد الجديد فرحة القلب عند الأم الرؤوم.
عثمان طه شاهين
ليسانسيه في الفلسفة
حول الفن القصصي في القرآن الكريم
أبدأ اليوم بعرض وجهة نظري في مسألة من أخطر مسائل بحثي وهي مسألة الأسطورة. وأرجو ألا يزعجنا هذا اللفظ ونقع في أخطاء وقع فيها غيرنا حين ظن أن معنى الأسطورة الكذب والمين أو الخرافات والأوهام، فذلك ما لم يقصد إليه القرآن الكريم.
ليست الأسطورة في حس القرآن الكريم إلا ما سطره الأقدمون من
أخبارهم وأقاصيصهم بذلك تنطق آياته وإلى ذلك فطن المفسرون.
قال الله تعالى (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا.) وقال تعالى (قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين.).
وجاء في الطبري ج9ص142 (والأساطير جمع أسطر وهو جمع الجمع لأن واحد الأسطر سطر ثم يجمع السطر أسطر وسطور ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر وقد كان بعض أهل العربية يقول وأحد الأساطير أسطورة. وإنما عنى المشركون بقولهم أن هذا إلا أساطير الأولون أن هذا القرآن الذي تتلوه علينا يا محمد إلا ما سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم وأنه لم يوجهه الله إليه.).
ثم جاء في الكشاف ج2ص103 (أساطير الأولين. ما سطره المتقدمون من نحو الحديث عن رستم واسفنديار جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة).
وجاء في المنار ج9ص653 عند تفسيره لآية الأنفال (إن هذا إلا أساطير الأولين). أي قصصهم وأحاديثهم التي سطرت في الكتب على علاتها وما هي بوحي من عند الله. قال المبرد في أساطير هي جمع أسطورة كأرجوحة وأراجح وأثفية وأثافي وأحدوثة وأحاديث وفي القاموس الأساطير الأحاديث لا نظام لها. .
قال المفسرون كان النضر بن الحارث. . كأنهم يعنون أن أخبار القرآن عن الرسل وأقوامهم اشتبهت عليه بقصص أولئك الأمم فقال أنه يستطيع أن يأتي بمثلها فما هي من خبر الغيب الدال على أنه وحي من الله. ولعله أول من قال هذه الكلمة فقلده فيها غيره ولم يكونوا يعتقدون أنها أساطير مختلقة وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي افتراها فإنهم لم يكونوا يتهمونه بالكذب كما نقل عن كبار طواغيتهم ومنهم النضر بن الحارث وقد قال تعالى في ذلك فإنهم لا يكذبونك ولكن الضالمين بآيات الله يجحدون. بل كانوا يوهمون
العرب أنه اكتتبها وجمعها كما في آية الفرقان وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. أي ليحفظها).
يجب إذاً ألا تزعجنا هذه اللفظة فنجرى فيها وراء الخيال ونعتقد أنها الأكذوبة أو الخرافة وإنما يجب أن نقف منها عند المدلول الذي فهمه المفسرون والمعنى الذي قصد إليه القرآن.
وأعود فأقول إني أعرض لهذه المسألة الخطيرة مسألة الأسطورة وآمل أن يتفضل علينا أصحاب العقول الراجحة والقلوب المستنيرة - من الذي يعرفون الدقائق الأدبية ويفقهون المسائل القرآنية - بالمشاركة في البحث حتى يفطن كل منا إلى حقيقة موقفه إن كان حقاً يحرص على الروح العلمية في بلدنا العزيز.
إنى لأقدر منذ اللحظة الأولى أنه من الجائز أن أكون قد أخطأت القصد أو ضللت الطريق وأن يكون الأستاذان الفاضلان أحمد بك أمين وأحمد الشايب قد أصابا ولكنى لم أتبين بعد جانب الخطأ أو وجه الإصابة ومن هنا كتبت ما كتبت وآمل أن نصل إلى الحق المبين.
ولعل نقطة الخلاف فيما بيني وبين أستاذي الفاضلين تضيق وتتضح حين نشرح الصنيع الأدبي أو البلاغي في الأسطورة شرحاً موجزاً ولذا نقول.
الأسطورة كما يعرفها الأدباء في صنيعهم البلاغي وسيلة فعالة من وسائل تجسيم المعاني وتمثيلها لتتضح وتبين. وهى من هذا الجانب تعتبر أداة من أدوات التعبير يعمدون إليها أحياناً للتعبير عن المعاني الفلسفية أو كل معنى دقيق عميق.
الأسطورة في هذا الوضع تشبه اللفظة المفردة إلى حد كبير. وإذا كان من حق الأديب أن يعمد إلى المفردات فيحملها من العواطف والمعاني ما يريد فكذلك من حقه في الأساطير.
وإذا كان الأديب يخرج أحياناً بالألفاظ المفردة عن معانيها الحقيقية إلى أخرى مجازية فكذلك يفعل بالأساطير.
وإذا كان التاريخ الأدبي يدلنا أحياناً على أن هذه المعاني المجازية قد أصبحت حقائق عرفية أو شاع استعمالها حتى لينسى الناس المدلولات الأصلية أو الأولى فكذلك يدلنا في الأساطير.
وإذا كان الأديب يخرج أحياناً بالألفاظ المفردة عن معانيها الحقيقية إلى أخرى مجازية فكذلك يفعل بالأساطير.
وإذا كان التاريخ الأدبي يدلنا أحياناً على أن هذه المعاني المجازية قد أصبحت حقائق عرفية أو شاع استعمالها حتى لينسى الناس المدلولات الأصلية أو الأولى فكذلك يدلنا في الأساطير.
وإذا كان الأديب حين يخرج بالألفاظ المفردة عن معانيها الحقيقية يبقى على مادتها فكذلك يفعا بالأساطير إذ نراه يبقى منها على جسم القصة أو هيكل الحكاية. وكل ذلك واضح بين في الصنيع الأدبي بحيث لا يحتاج منا إلى دليل.
ولعلك تعجب معي حين تعلم أن شيخاً من شيوخنا الأقدمين قد فطن إلى هذا الصنيع الأدبي في القصص القرآني قبل أن يفطن إليه أساتذتنا من الجامعيين.
فلقد فطن الرازي إلى هذا الصنيع الأدبي من اعتماد القرآن على الأسطورة عند شرحه لمواقف المشركين.
قال رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) من سورة يونس ما يأتي (الأول. انهم كلما سمعوا شيئاً من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين. ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها).
فنحن نلحظ أن الرازي هنا يفرق بين شيئين.
الأول. هيكل القصة أو جسم الحكاية.
الثاني. ما في القصة من توجيهات دينية نحو قواعد الدعوة الإسلامية ومبادئ الدين الحنيف.
والرازي يلحظ أن الأمر الأول وهو هيكل القصة أو جسم الحكاية هو الذي أدخل الشبهة على عقول المشركين ومن أجل هذا قالوا عن القرآن إنه أساطير الأولين.
والرازى يرى أن القوم قد جانبوا الحق وبعدوا عن الصواب حين نظروا من القصة إلى هذا الجانب. ذلك لأنه ليس الجانب المقصود من القصة وليس الأمر الذي يقصد إليه القرآن الكريم حين يحدث ويقص.
ويؤكد الرازي هذا الأمر في مناسبات أخرى حين يجعل أحياناً كلمة (بالحق) التي تردد كثيراً في القرآن بعد بعض القصص وصفاً لما في القصة من توجيهات دينية. فهو مثلا
يقول عند تفسيره لقوله تعالى (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) ما يأتي (أما الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة).
ويقول عند تفسيره لقوله تعالى (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين) ما يأتي (اعلم أن قوله تلك إشارة إلى القصص التي ذكرها. . . أما قوله بالحق ففيه وجوه. أحدها أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد صلى الله عليه وسلم وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة).
وإذا وصلنا إلى هذه النقطة وعرفنا أن الصنيع الأدبي أو البلاغي في الأسطورة هو الأمر الذي فطن إليه الرازي وقال بوجوده كان علينا أن نرصد الفوائد التي نجنيها أو المضار التي نزيلها حين نتابع الرازي في رأيه ونفسر بعض القصص القرآنية هذا التفسير البلاغي أو الديني القديم.
أما الفوائد فهي رد عادية المستشرقين والملاحدة حين يوجهون الطعن إلى النبي والقرآن الكريم. ذلك لأنهم يقولون بما قال به المشركون من قبل من أن القرآن قد جاء بالأساطير. ولعل هؤلاء أقوى سنداً وأثبت حجة حين يوردون الدليل تلو الدليل على ما ورد في القرآن من أساطير.
لن نقول لهؤلاء إلا ما قاله الرازي لأسلافهم منذ قرون. ولن نطلب إليهم إلا أن يفرقوا بين أمرين جسم القصة أو هيكل الحكاية وما فيها من توجيهات دينية نحو الدعوة الإسلامية ومبادئ الدين الحنيف. ولن نقول لهم إلا أن الأمر الأول كان وسيلة لا غاية وأنها وسيلة غير مقصودة لذاتها من القرآن الكريم. ولن نقول لهم إلا أن الأمر الثاني هو المقصود بالذات وأنه الحق الذي ليس بعده حق فيما يخص دعوتنا الإسلامية وشرعنا الحنيف.
إن تمسكنا بالرأي الذي يقول أن جسم القصة أو هيكل الحكاية حق ثابت بعد أن ثبت لدى العلماء الدارسين أنها من الأساطير أمر يعرض القرآن لشر عظيم.
وإن قولنا بالتفرقة بين الأمرين جسم القصة وما فيها من توجيهات هو الذي يتفق والصنيع الأدبي وهو الذي يرد عن القرآن عادية الملاحدة والمستشرقين.
هذه أخطر نقطة فيما بيني وبين أستاذي من خلاف. أعرضها عليكم وعلى قراء مجلتكم
وعلى الرأي العلمي. وإني ليدفعني إلى القول بهذا الرأي حرصي أولا على سلامة القرآن الكريم من عبث الملاحدة والمستشرقين. وحرصي ثانياً على ألا نتخلف في الدراسة الأدبية فنعجز عن فهم أبلغ نص نعتز به وهو قرآننا الكريم.
إن فهمي الأدبي لما في القرآن من قصص يعتمد أحياناً على أساس من الأساطير يقوم على أساسين كما رأيت.
الأول. تلك اللفتة الكريمة من الرازي وهي لفتة أدبية نحرص عليها ونعتز أن صدرت عن شيخ من شيوخنا الأقدمين.
الثاني. ذلك الصنيع الأدبي الذي يجري العمل في القصة الأسطورية منذ القديم.
وليس في هذا وذاك ما يضر الدين أو يؤذي قرآننا الكريم.
إن المسألة أخطر وأعمق من أن يتناولها غير الباحثين الذين يفطنون إلى الدقائق الأدبية ويفقهون المسائل القرآنية وإني لآمل أن يوفقكم الله إلى تسديد خطوات الباحثين فنحل تلك المشكلة الجامعية التي يتخوف فيها بعض رجال الجامعة من بعض رجال الدين.
محمد احمد خلف الله
كلية الآداب - جامعة فؤاد
من وراء المنظار
ذات صباح
أوشكت أن تنشق على الأفق الشرقي كلمة الصباح الوردية عن جبين الشمس، وأنا جالس في مصلى على حافة ترعة كانت تفهق بذلك الفيض الحبشي الذي حمله النيل من هضبات وادينا الحبيب؛ وكانت تحجبني عن الطريق العريض على الضفة الأخرى للترعة أغصان الصفصاف المتهدلة التي تمس الماء فتبدو كأنما تحنو على هذا النضار الغالي؛ وجلست بحيث أتبين المارة في يسر من خلال الصفصاف الحاني ولا يكاد يتبينني أحد إلا في مشقة. . .
ورحت أرقب طلوع الشمس على الأفق، ولعلي إنما طلبت الفضاء في السماء حيث غطت الفضاء على الأرض عيدان الذرة وقد استطالت واستغلظت على سوقها وأخرجت سنابلها، وعيدان القطن وقد طالت فروعها وتدلت زهراتها، فلم يبق أمام ناظري على الأرض إلا ذلك الطريق القريب على الضفة الأخرى للترعة تتقاطر فيه أسراب الصبايا عائدات بجرارهن من الترعة الكبيرة في هذه البكرة الرخية، خفيفات تتماوج قدودهن الممشوقة الناهدة تحت الجرار الثقيلة الطافحة بالفرات العذب الذي يجري به النيل. . .
وجاءت فتاتان فآثرتا أن تملآ جرتيهما على مقربة من المصلى فكنت أراهما من حيث لاترياني، أما إحداهما فما لبثت أن عرفتها فهي بهيجة بعينها!. . . بهيجة تلك البنية الريفية التي ما كنت ألقاها وهي بين العاشرة والثانية عشرة إلا استوقفتها وضاحكتها والتي كنت احدث نفسي يومئذ بما سوف يكون لها من فتنة وسحر. . .
وها هي ذي في الثامنة عشرة أو فوقها قليلا شمس يضئ جبينها الأبلج كما تضئ شمس الأفق، قد أفرغت فيها الطبيعة الريفية سحرها إفراعاً كما يصنع الفنان بدميته حين يريد أن يبلغ بها منتهى قدرته؛ وملأت ناظري من خصرها الدقيق وردفها المليء وصدرها الناهد؛ وشمرت عن ساعديها وكشفت عن ساقيها لتنزل على حجر في الماء، فما حسبت ساقيها وذراعيها لولا تحركها وتثنيها إلا صنعة فنان بالغ في تسوية مرمره ليتحدى به الطبيعة أما وجهها فما تغنى اللغة عنه فلن يتصور جماله إلا أن يرى. . .
وأما صاحبتها فسمراء لعوب في وجهها وفي هيكلها وفي حديثها ما نسميه خفة الروح،
وهى لا تفتأ تضحك وتداعب رفيقتها ولا تزيد بهيجة على أن تبتسم ابتسامة طفيفة لا تلبث أن تنطفئ. . .
وحيرني هذا الهم في وجه بهيجة، فعلى فمها الرقيق وفي عينيها الواسعتين الزرقاوين الطويلتي الهدب، خيال الألم والحزن الدفين، وفي خديها شئ من الشحوب لولا تلك الحمرة الشديدة التي تمتاز بها صفحة هذا الوجه. . .
وقالت فاطمة - وهذا اسم صاحبتها كما تبينت - تحدث بهيجة وهى فوق الحجر يغطى الماء ما فوق خلخالها قليلا: أأدفعك يا بهيجة في الماء فتغرقين وتلتهمك الجنية؟ وقالت بهيجة ليتني أغرق فلن ينجيني إلا الموت!
وعجبت مما أسمع وازددت تطلعاً إلى معرفة ما يحزنها فما أشد ما يؤلم النفس مرأى الجمال الحزين، وأنصت إلى فاطمة وقد ألقى في روعي أنها سوف تكشف هذا السر. . .
وقالت فاطمة، وقد خرجت صاحبتها من الماء بعد أن ملأت الجرتين وجلست مستندة إلى جذع شجرة: فيم هذا الهم يا أختاه وغداً ليلة الحناء؟ وحاولت بهيجة أن تبتسم، فما افتر ثغرها الجميل حتى انطبق، وامتلأت مقلتاها الساحرتان بالدمع، وتسايل الدمع فجرى فوق خديها، ثم دفنت وجهها في كفيها وأجهشت إجهاشة كادت تطلق الدمع من عيني. . . . وما أيسر ما ينطلق دمعي فلا أمسكه إلا بجهد. . .
وأمسكت فاطمة من الضحك وراحت تهدئ صاحبتها وتقولك لعل الخير فيما تكرهين، وما عيب حسن وهو ابن الجمل والناقة، في بيته الخير وزوجات اخوته من أحسن البيوت وإن لم يكن جميلات، وسوف تكونين أنت زينة الدار. . . وبأي شيء يمتاز إبراهيم عنه؟ وكيف تقوى الواحدة منا على مخالفة أبيها؟ رأي أبوك أن يزوجك من حسن فهل تعصينه؟ وما جدوى البكاء وقد صرت في عصمته؟
وأثار كلام فاطمة حزنها كله فاسترسلت في بكائها وصحب هذا البكاء أنين متقطع، كأنما كان ما ألقى في سمعها من كلام طعنات خنجر شاعت في جسمها ففي كل موضع منه طعنة. . . ونظرت في وجه فاطمة تحسب أنها من أعدائها، ورأيت في وجهها كأنها تريد أن تري فاطمة ما تعتزم عليه من عصيان. . .
ولمحتني فاطمة من خلال الصفصاف فغمزت صاحبتها وهمست في أذنها؛ ومسحت بهيجة
عينيها بذيل ثوبها الأبيض الذي سحبته من تحت ردائها الخارجي الأسود، وأصلحت الفتاتان جرتيهما ووضعتاهما على رأسيهما، ومر رجل فأعانهما على حمل جرتيهما وانطلقتا صوب القرية. . . .
ولاحظت على بهيجة أنها لا تكاد تقوى على حمل جرتها، فكانت خطواتها أثقل من خطوات صاحبتها، وكان عودها اللدن يتثنى من إعياء لا من عجب تحت جرتها الثقيلة، وما زلت أتبعها بنظراتي حتى غيبتها عني في منعطف عيدان الذرة. . .
وبقيت ساعة يكرب نفسي ما يخزن بهيجة، كما تكدر خاطري طيوف منكرة سوداء من السم والحريق والقتل وإتلاف الزرع من جرائم الريف يمثلها لي هذا السبب الذي سمعته بأذني؛ وطاف برأسي الطلاق والنفقة والهجر والخصام وبيت الطاعة والمعارك بين الأسر، بل ما روعني من صور الخيانة والفجور وغيرها من أفعال الظلام، وما تجره في أعقابها من شر وانتقام. كل أولئك مثلته لي ثورة بهيجة. . .
الخفيف
فلسفة طاغور في العلم والعمل
للأديب عبد العزيز محمد الزكي
(تتمة ما نشر في العدد الماضي)
ويفسر طاغور انفصال إرادة الإنسان عن إرادة الله انفصالاً ظاهرياً غير مطلق، بأن الله قد منح الإنسان بدافع من حبه له حرية التصرف في شئون العالم، كما يمنح الأب لابنه مقداراً من المال، ويترك له حرية التدبر في حدوده؛ فهذا المال ما زال ملكا للأب وإن وهبه لإبنه، وأخرجه من نطاق إرادته. وكذلك المال بالنسبة للإنسان، فإن حرية إرادته دائماً ملكا لله، وأنه أغدق بها عليه، وأخرجها من نطاق إرادته، وترك له حرية العمل في حدودها، وفي مجال الشئون العالمية.
فالإرادة عند طاغور حرة من جهة، ومقيدة من جهة أخرى فهي أولا حرة من حيث أن الله وهبها السيادة على الأمور المتصلة بعالمنا الصغير؛ حتى يمكن أن تخضع لقانون إرادته الكبير طائعة مختارة، وبدون فيض أو إلزام؛ وحتى تتحد باللانهاية، وتتفق حريتها الكاملة
إللامحدودة، التي لاتتم إلا بتوافق اتحاد إرداتين حرتين. وهي ثانياً مقيدة من حيث أن الله جعلها محدودة، وخاضعة لقانونه، إذ لو منح الإنسان إرادة غير مقيدة بقانونه، وتعمل بدون حدود، لفقدت قدرته كل معنى لها، ولتعذر عليها أن ترتقي وتكمل، لأن القوة لا تنمو وتتطور وترتقي وتكمل، إلا إذا كانت تعمل في حدود؛ أي أن الإرادة التي تعمل في حدود، يمكنها أن تتقدم في الرقي إلى أن تكمل، بأن تخضع لإرادة الله إللامتناهية، وتندمج فيها، وتصبح هي وإرادة الله إرادة واحدة تملك حرية مطلقة غير محدودة.
أما عن الإرادة التي تتخدع بحريتها المحدودة، وتتدفع في تيار الانفصال، وتتمرد على إرادة اللانهاية، بدافع من الأنانية والغرور والكبرياء وحب السيطرة والعناد والجشع وحب التدمير، وبدافع من جهل حقيقة وحدة الكون الكامنة في الطبيعة الإنسانية؛ فإنها ستعيش أبداً في حدودها الملوثة بالشهوات، وستظل أسيرة المظهر وسجينة الباطل، فتقع في الخطايا، وترتكب الآثام والذنوب، وتجلب على نفسها العار والمذلة، وتضطر في النهاية إلى أن تتراجع شيئاً فشيئاً عن مسلكها الخاطئ، وترجع إلى منبعها اللانهائي الذي فصلت منه بإرادة الله، وتخضع إرادتها الفردية للإرادة الكبرى، بأن تظهر طبيعتها الكامنة في النفس الإنسانية، وتشعر أن الوجود كله وحدة كاملة، وتدرك أن وجودها الفردي في اتحاد تام مع هذا الوجود الشامل، وبذلك تحقق حريتها الكاملة، مثلها في هذا مثل البرعم، فإن كانت حرية البرعم لا تخفق إلا بظهور الزهرة الكامنة فيها، فإن كمال حرية الإرادة لا ينال إلا بمعرفة الحقيقة الكائنة في أعمق أعماق النفس، وإدراك اتحادها بالجوهر الثابت الذي يشتمل سائر الأشياء. وذلك لا يكون إلا بخضوع إرادة الإنسان لسلطان إرادة الله اللامتناهية عن طريق العمل الدائم المتجدد في مختلف نواحي نشاط الإنسان، وعن طريق فعل الخير وأفكار الذات، وعن طريق ملاشاة فرديتنا الإنسانية في الله، والإيمان العميق بحقيقة وحدة الوجود الشاملة. . .
وقد يرى لي بعض الهنود أن اعتزال الحياة، وتجنب المجتمعات واحتقار الأعمال الدينوية، وهجرة الأهل، والتجول في الغابات وسكن الكهوف والمغارات من خير السبل لتحقيق حرية الإرادة الكاملة، وتخليص الروح من العوائق المادية التي تحول دون انطلاقها في اللانهاية غير مقيدة بأي قيد. غير أن طاغور ينكر على هؤلاء الهنود أنه يمكنهم بهذا
السلوك، أن يفوزوا بحريتهم الكاملة في الحياة، لأن النفس مهما كانت طهارتها لا تستطيع أن تعيش حرة على احساسات ومشاعر وأفكار محبوسة في داخلها لا تشغل بموضوعات خارجية؟ وأن الإرادة مهما بلغ تحررها من الشهوات والرغبات، ونالت من حرية روحية؛ بأنها لا تحقق حريتها الكاملة في الحياة ما دامت هذه الإرادة تنفر من العمل، ولا تقبل أ، تؤدي أية مهمة في العالم الإنساني، غير أن تقطع علاقاتها بكل ما في الأرض، ناشدة بذلك تحقيق إدراك وحدة الوجود الشاملة الكامنة في قرار الطبيعة الإنسانية.
وقد يتمادى بعض القوم، ويظنون أن الخوض في الحياة يسبب للإنسان آلام متنوعة ومتاعب جمة، تقلق النفس، وتدب فيها الخوف، وتملؤها بالخزن كما يزعمون أن الموت نهاية الحياة فيكفي أن تقوم بأعمال تسد رمقنا، ونبعد عنا قساوة الجوع والعطش؛ إذ ما فائدة عمل متواصل يتحدد في حياة يهددنا فيها الموت في كل لحظة! وطاغور لا يغفل ما في الحياة من آلام قاسية، ومتاعب مضنية، قد تكشف عن خيبة الإنسان في عمله وتبين له نقصه في المعرفة، وتشعره بضعف في إرادته؛ إلا أنه يقرر إنه إذا نظر إلى أعمالنا الفردية من ناحية محدودة، يكون وقع الآلام قاسي على النفس، أما إذا نظرنا إليها من ناحية أعم وأوسع، فشمل ما يقصد بها من تحقيق المثل الأعلى لكمال الحياة تشعر بالسرور، وتذهب وطأة هذه الآلام عنا حين نعرف أن أعمالنا ترمى إلى غاية سامية يهون في سبيلها المتاعب. كما يمكن أن نتجنب الفشل في العمل بالمصابرة في التدريب عليه حتى تتقن أدائه؛ وأن نصلح ما نقع فيه من أخطاء بإكمال نقصنا في المعرفة، وبالتزود بنور العلم؛ وأن تقوى ما في إرادتنا من ضعف بمحاربة الباطل والشر في داخل نفوسنا وخارجها. وذلك كله يعمل على تقدم الحياة الإنسانية ورقيها. وقدرة الحياة على التقدم لدليل قاطع على كذب حس قوم يمعنون في التشاؤم، ويعتقدون أن الحياة شر في شر، وأن المؤمن فيها لا يجلب إلا الآلام والمتاعب. ولذلك يرى طاغور أن التشاؤم ليس إلا مجرد مظهر عاطفي أو عقلي ينبذ ما في الحياة من سرور وقدرة على التقدم، فيحدث قوى من الحزن المصطنع الذي يظمئ بدوره النفس إلى الاستزادة من التشاؤم، ويبعث فيها اليأس والقنوط، فتوقع الفشل في كل عمل وتتوهم الموت في المخيف المرعب في كل خطوة، فلا ترى في الحياة إلا آلام وموت بينما يمكن التغلب على أسباب الآلام كما سبق أن ذكرت. أما الموت فما هو
إلا حقيقة سلبية، وليس حقيقة أخيرة في الوجود، وإنما الحقيقة اللانهائية فهي وحدة الكون الشاملة، وما هو كذلك إلا حدث من أحداث الحياة التي يعد الموت جزءاً منها، ولا يعبر عن حقيقتها إنما يعبر عن حقيقته فقط فلا يجب أن يفزعنا كل هذا الفزع ونقصر في العمل، ونهمل التجديد فيه ونقنع فيه بذلك العمل الذي تقرره لنا الطبيعة كما تعمل الحيوانات من أجل الطعام والشراب.
ليس هناك إذاً باعث جدي يمنع الإنسان عن العمل، فإن الفشل سبيل إلى النجاح، والألم وجه من أوجه السرور، والنقص هو الذي يدفعنا إلى الكمال، ويجعلنا عظماء في الحياة. فلا يجب أن يفزعنا الألم والحزن، ونتجنب العمل المتعب، فإن حرية الروح في تحمل المتاعب. وعلى الذين ينشدون تحرير أرواحهم، ويريدون الحياة في اللانهاية، أن يزاولوا أعمالا مستمرة جدية ومجدية، وأن يخلقوا ميادين متعددة للعمل، ويجتهدوا في ترقيتها وتوسيع نطاقها، وألا يقنعوا بالأعمال البدائية التي تقررها لهم الطبيعة. فإن الاستمرار في العمل يحرر قوى الإنسان، وعينها القدرة على التجديد فيه. فإن الرجل الذي يحول غابة موبوءة إلى حديقة جميلة، قد حرر قواه واستطاع أن يعطى هذه الحديقة جمالا يعبر عن جمال روحه؛ أما إذا تعذر عليه أن يعطيها هذا الجمال، فقد فشل في تحرير روحه من الداخل، وخاب في التعبير عنها بالعمل، وعليه أن يستمر في مزاولة عمله والتدرب عليه حتى يحرر قواه فيتمكن من أن يظهر طبيعته في مختلف نواحي النشاط الإنساني. إلا أن هذا الإظهار لا يتم ما لم يتحرر العمل نفسه من ضغط الحاجة من ناحية، وما لم يتميز كوسيلة يقصد بها وجه الله، وما لم يرفض النظر إليه كفاية في ذاته، وينتظر من ورائها نفع قروي نحسب من ناحية أخرى. لأن الحرية الصحيحة لا تكتسب فقط بالعمل بل يشرط في اكتسابها حرية الإنسان في عمله ولا يساق إليه بحكم ظرف عارض مثل الفرق أو الجوع، فإنه حين ذاك يعمل وفق المصادفة والاتفاق، ويصير عمله نوعاً من التدبير الوقتي المصطنع الذي لا بد أن يتركه بعد أن يزول أو يتغير هذا الظرف العارض. فوق أن ضغط الضرورة يعوق النفس عن إظهار حقيقة طبيعتها في العمل. ولذلك لا يجب أن يكون باعثنا على العمل الفرق أو الجوع، وليكن دائماً دافعنا إليه حب الخير وتأديتنا له لوجه الله. فإن الذي يهب حياته لتحقيق فكرة سامية يقصد بها خدمة الوطن أو خير الإنسانية، لا
يبالي عادة بكل ما يقابله من عقبات ومتاعب وآلام، بل يرحب بأن يضحي بحياته، ويقدم على الموت في سبيله تحقيق ذلك الخير الذي سيعم الجميع لأن أداء مثل هذه الأعمال الخيرة تعطي للحياة قيمة عليا، يتلاشى فيها كل الحقائق المتناقضة، أو تحرر بها الروح تحريراً كاملا من كل ما يتصل بالحياة، ولا تدرك إلا حقيقة خالدة، هي حقيقة وحدة الكون الشامل الذي يتجلى الله في جميع أجزائه.
وأخيراً نلخص كل ما سبق في أن طاغور لم يجد صعوبة في التوفيق بين طلب العلم وأداء العمل وبين ما فهمه من تعاليم الهندوس. فرأى أن العلم من أروع الوسائل التي تقربنا من الطبيعة أو تساعدنا على الاندماج في الكون والاتحاد بالوجود، لأن القوانين التي يتوصل إليها العلم هي في الأصل صور صغرى للحقيقة الكبرى، وتبين أن هناك صلة عقلية وثيقة بين الإنسان والطبيعة، وأنها في اتحاد تام مع الأشياء. فالتزود بها، والبحث عنها، والاستمرار في المزيد من الكشف عنها أمر ضروري لكل فرد يريد أن يبرز الحقيقة الكبرى الكامنة في نفسه، ويدرك وحدة الوجود الشاملة. أما عن العمل فهو من أهم الوسائل التي تحرر قوى الروح، ويعبر عن طبيعتها، ويظهر أفكارها ومشاعرها وإحساساتها، فتتحقق حريتها الكاملة في الحياة، وتفوز بالعيش في اللانهاية.
عتد العزيز محمد الزكي
ليسانسيه في الفلسفة
تعقيبات
حتى الأستاذ الطناحي:
أعرف الصديق العزيز الأستاذ (طاهر الطناحي) أديباً محققاً يجمع في ثقافته وفي كتابته بين طلاوة الحديث وعراقة القديم، ولكن يظهر أن الحياة الصحفية تتعجله في بعض الأحيان فيهفو، وقديماً قالوا لكل عالم هفوة، وهو حكم يجرى على سائر العلماء. . حتى الأستاذ الطناحي.
شوقي. . . وليالي سطيح:
فقد كتب الأستاذ في العدد الأخير من (الهلال) مقالا تحدث فيه عما كان (بين شوقي وحافظ) من منافسات ومدافعات في ميدان الشعر وفي ميدان الحياة، قال فيه:
(. . . وكانت لشوقي بدوات وغفلات أغضبت حافظاً وحركت في نفسه نزوة الشباب، حتى إنه لما أنعم الخديوي عباس على حافظ برتبة البكوية وأقيمت له حفلة تكريم ترأسها شوقي صامتاً ولم يهنئ صديقه ببيت واحد؛ ولم يفت ذلك حافظاً، فحملها له مع ما حمل من أشياء، ولما وضع كتابه (ليالي سطيح) تناول فيه ديوان (الشوقيات) الأول ونقده نقداً لاذعاً. . .)
ثم أورد الأستاذ بعد ذلك ما قاله حافظ في (ليالي سطيح) عن الشوقيات. .
قلت: هذه رواية تحتاج إلى تحرير وتصحيح، فإن حافظاً قد أخرج (ليالي سطيح) للناس، وقال فيها ما قال عن شوقي والشوقيات عام 1908م. أما حفلة التكريم التي أقيمت له لمناسبة الإنعام عليه برتبة البكوية، والتي ترأسها شوقي صامتاً، فقد كانت عام 1912م، أى بعد ظهور (ليالي سطيح) بأربع سنوات، وإذن فالحكم الذي انتهى إليه الأستاذ في هذه الرواية غير صحيح، لأنه بناه على مقدمات مغلوطة التاريخ.
مال واحتجب:
تلك واحدة، وهناك ثانية، فقد أورد الأستاذ في مقاله الرواية التالية فيما كان (بين شوقي وحافظ) فقال:
(وحدث أيضاً أن أقيم مرقص في قصر عابدين ذات ليلة، فحرك هذا المرقص من شاعرية
شوقي، فقال في وصفه قصيدته التي مطلعها:
مال واحتجب
…
وادعى الغضب
فاتخذها حافظ وقتئذ وسيلة للتهكم والاستخفاف، وسار يوماً في نزهة مع صديقه المرحوم عبد العزيز البشري بجزيرة الروضة وجعلا ينظمان قصيدة هزلية في معارضة هذه القصيدة، كان أحدهما يقول شطراً والآخر يقول شطراً، ومطلعها:
شال واتخبط
…
وادعى العبط
ليت هاجري
…
يبلغ الزلط
إلى آخر تلك القصيدة التي بلغت ستين بيتاً. . . .).
قلت: وهذه أيضاً رواية تحتاج إلى تحرير وتصحيح، فإن شوقي قد نظم قصيدته (مال واحتجب) في وصف (البال) الذي أقيم في قصر عابدين عام 1904م، وكان هذا (البال) يقام كل عام، وكان شوقي يصفه كل عام، أما معارضة حافظ لهذه القصيدة، فإنها ترجع إلى تاريخ قريب، وهو يوم أقام أدباء العربية مهرجان المبايعة بأمارة الشعر لشوقي عام 1927م.
ذلك أن صديقنا الشاعر المرحوم محمد الهراوي كان يرى أن لقب (أمارة الشعر) بدعة، وأن لكل شاعر مكانته ووضعه وامتيازه في عالم الشعر، فلما توجهت الدعوة لإقامة ذلك المهرجان لشوقي، أخذ الهراوي يحرض أصدقاءه من الشعراء على مقاطعة ذلك المهرجان، وعلى عدم مبايعتهم لشوقي بلقب الأمارة، وكان يعمل مع حافظ في دار الكتب فتحدث معه في هذا الشأن، كما تحدث مع الشيخ عبد المطلب، وفي ليلة اجتمعوا ومعهم لفيف من أصدقاء الهراوي وأصدقاء حافظ وأمضوا سهرة صاخبة في مقهى في نهاية العباسية شرب فيها من شرب، وطرب من طرب، واستخفهم التهكم على شوقي، فأخذ حافظ ينشد:
شال وانخبط
…
وادعى العبط
وأخذ الحاضرون يجيزون على هذا النمط حتى بلغوا بالقصيدة ستين بيتاً، كما يقول الأستاذ الطناحي، وكان الهراوي رحمه الله يقيد ما يقال. . . .
وفي الصباح اجتمع حافظ والهراوي ومن معهما في دار الكتب وأنشد الهراوي هذه الأبيات:
إن شوقي شاعر
…
كلنا أجّله
غير أنّا معشر
…
ليس يرضى ذله
وهى (جمهورية)
…
لا ترى محله
أما حافظ، فإنه أخذ ينشد الحاضرين ما أعده لمبايعة شوقي بأمارة الشعر، فعجب الحاضرين، وصاح فيه الهراوى: أين ما اتفقنا عليه؟! فقال حافظ: أجل، إنني عند ما اتفقنا عليه بالنسبة لكم، أما بالنسبة لي، فإني لا أستطيع أن أتخلف عن مبايعة شوقي في ذلك المهرجان، لأنني رجل جبان. . .! رحم الّله حافظاً، وطيب ثراه، فوالّله لقد كان شجاع الرأي والقلب، جرئ الضمير والجنان. . .
بين شوقي وحافظ:
والواقع أن ما كان (بين شوقي وحافظ) قد صوره حافظ في شعره وفي نثره وأفصح عنه، على حين كان شوقي يطوى ذلك في نفسه، ويصوب إلى منافسه الضربات العلمية لا الكلامية.
كان حافظ في بداية الأمر يضع شوقي أمامه، ويشهد له بالسبق، فنراه حين يتقدم لمدح الخديوي في عيد الجلوس عام 1901م يقول:
ماذا ادخرت لهذا العيد من أدب؟
…
فقد عهدتك رب السبق والغلب
لم يبق (أحمد) من قول أحاوله
…
في مدح ذاتك، فاعذرني ولا تَعِبِ
ثم يأتي العيد الثاني فيبقى حافظ على عهده ف يقول:
يا ليلة ألهمتني ما أتيه به
…
على حماة القوافي، أينما تاهوا
إني أرى عجباً يدعو إلى عجب
…
الدهر أضمره والعيد أنشاء
قل للألي جعلوا للشعر جائزة
…
فيم الخلاف؟! ألم يرشدكم الّله؟
إني فتحت لها صدراً تليق به
…
إن لم تُحّلوه فالرحمان حلاه
لم أخش من أحد في الشعر يغلبني
…
إلا فتى ما له في السبق إلاه
ذاك الذي حكمت فينا يراعتُه
…
وأكرم الّله والعباس مثواه
بل لقد رضى حافظ لنفسه أن يتشبه بشوقي، لا أن يقف معه في ميدان المنافسة، فنراه يمدح الخديوي في عيد الفطر فيقول:
مطالع سعد أم مطالع أقمار
…
تجلت بهذا العيد أم تلك أشعاري؟
إلى سدة العباس وجهت مدحتي
…
بتهنئة شوقيّة النسج معطار
ولكنا بعد ذلك نرى حافظاً يتغير على شوقي، ويلقى به إلى الخلف، ويعلن عليه هذه الغارة الشعواء إذ يقول في مدح الخديوي:
طف بالأريكة ذات العز والشان
…
واقض المناسك عن قاصٍ وعن دان
يا عيد. . . ليت الذي أولاك نعمته
…
بقرب (صاحب مصر) كان أولاني
صغت القريض، فما غادرت لؤلؤة
…
في تاج كسرى، ولا في عقد بوران
شكا عمان، وضج الغائضون به
…
على اللآلى، وضج الحاسد الشاني
كم رام شأوى فلم يدرك سوى صدف
…
سامحت فيه لنظام ووزان
عابوا سكوتي، ولولاه مانطقوا
…
ولاجرتخيلهم شوطاً بميدان
اليوم أنشدهم شعراً يعيد لهم
…
عهد النواسي أو أيام حسان
أزف فيه إلى العباس غانية
…
عفيفة الخدر من آيات عدنان
من الأوانس جلاها يراع فتى
…
صافي القريحة صاح غير نشوان
ما ضاق أصغره عن مدح سيده
…
ولا استعان بمدح الراح والبان
ولا استهل بذكر الغيد مدحته
…
في موطن بجلال الملك ريان
وهكذا أخذ حافظ يغمز شوقي ويقرصه في كل مناسبة، وكان من ذلك حملته عليه في كتابه (ليالي سطيح)، وله شعر في هجائه، يعف القلم عن إيراده. . . .
خلاف بين طبيعتين:
وهذا الذي كان (بين شوقي وحافظ) لا يمكن أن نسميه (خصومة)، وإنما هو مظهر لخلاف بين طبيعتين. . .
فقد كان شوقي في ميدان السباق كالجواد الحر، يغار من ظله، ولا يطيق أن يرى أحداً يلحق بغباره، ومن المعلوم أنه كان يعيش في رحاب الخديوي، وكانت له عنده حظوة بالغة، وكلمة نافذة، ومشورة مسموعة، ولكنه لم يحاول أن ينفع أحداً من الأدباء والشعراء بجاهه هذا، بل إنه كان يدس الدسائس ولا يتورع عن الأساليب النابية في قطع الطريق على كل متقدم، وبهذا الدافع وقف لحافظ - وهو الذي كان يخافه - بالمرصاد، فسد في وجهه باب
الخديوي، وقطع عليه الصلة بالخلافة العثمانية، وساعدته الأقدار فحرمت حافظاً أكبر عطف بموت الأستاذ الإمام، فلم يجد حافظ أمامه إلا الشعب، فعاش للشعب وبالشعب.
تلك كانت طبيعة شوقي، أما حافظ فكان أوفي منه إنسانية وأسمح طبعاً، لقد كان يحمل بين جنبيه قلباً يود لو يسع فيه كل محروم ومظلوم، ويود لو يستطيع أن يوزعه على الجميع، ثم لا يبقى له منه شيئاً. . .
أذكر أني كنت معه في مرة أنا والمرحوم صديقنا الأستاذ إبراهيم الجزار الممثل، وكان إبراهيم يجيد إلقاء الشعر كأروع ما يكون، فطلب منه حافظ أن يلقى عليه بعض ما يحفظ، فأخذ إبراهيم يلقي عليه قصيدته التي قالها في مبايعة شوقي بالإمارة، وأخذ حافظ يهتز مجاوباً لنغمات الإلقاء ومقاطعه، وبعد الإنشاد أخذنا نسأله عن رأيه الحقيقي في شعر شوقي، فما تكلم عن شوقي الشاعر، ولكنه أخذ يتكلم عن شوقي الرجل فقال:(إن شوقي رجل نذل)، وقص علينا كيف جاء المرحوم الشيخ عبد المحسن الكاظمي إلى مصر غريباً طريداً، فطمع أن يكون له في رحاب الخديوي متسعاً، ولكن شوقي خشي منافسة الشاعر العراقي، فسد عليه الباب وقطع عليه كل رجاء، وفكر في هذا بأخوة الأدب، وأخوة العرب، وبالواجب نحو رجل شطت به الدار، ووجد السيد عبد المحسن في الأستاذ الإمام حمى، ولكن الحمام لم يمهل الأستاذ الإمام. . . وهنا تهدج صوت حافظ، ودمعت عيناه، ولم يستطع أن يتم الحديث. . .
لهذا كانت نزوات حافظ تثور على شوقي، ولهذا كان يناله بقارض الكلم أحياناً في شعره وكثيراً في مجلسه، ولكنه رحمه الله كان يحب خليل مطران كل الحب، ويثنى عليه كل الثناء، ذلك لأنهما كانا متوافقان إنسانية وأريحية، كما كان يثنى على أحمد محرم وأحمد نسيم ويذكرهم بالخير، فهل كان يبلغ به التهافت بعد ذلك أن يجحد شاعرية شوقي بجانب هؤلاء. . .
كلا! إن حافظاً لم يجحد شوقي من ناحية شاعريته، ولكنه - كما قلنا - كان يجحده من ناحية إنسانيته. . .
نفي شوقي عن مصر، فشمت فيه أولئك الذين كان يقف في طريقهم. أما حافظ، فقد جزع عليه غاية الجزع، واشتد الحنين بشوقي إلى النيل. . . فأرسل بهذه الزفرة الحارة:
يا ساكني مصر إنا لا نزال على
…
عهد الوفاء - وإن غبنا - مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم
…
شيئاً نبل به أحشاء صادينا
كل المناهل بعد النيل آسنة
…
ما أبعد النيل إلا عن أمانينا
فأجابه حافظ بتلك الزفرة الصادقة:
عجبت للنيل يدري أن بلبله
…
صادٍ ويسقى ربي مصر ويسقينا
والله ما طاب للأصحاب مورده
…
ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا
لم تنأ عنه وإن فارقت شاطئه
…
وقد نأينا، وإن كنا مقيمينا!
ألا رحم الله الشاعرين الكبيرين، فقد نأيا عنا بجسمهما، ولكنهما بيننا ملء السمْع والبصر بروحهما وبفنهما، وكم بيننا من الحاضرين بأجسامهم، ولكنهم في الغائبين النائين. . .
(الجاحظ)
أنوار الجحيم
من عذيري من الهوى والتصابي
…
بعد ما أبلت الغواني شبابي؟
إنني اليوم بين أهلي غريب
…
لم أجد لي مواسياً في مصابي
كلما أترع الأسى لي كأساً
…
قلت حسبي ما ذقته من عذاب
خطرات في شرة وعرام
…
تتنزى. . . قد حطمت أعصابي
هي كالنار في الهشيم. . . وكالإء - عصار يجتاح ناضرات الروابي!
غادة تأسر النفوس بدل
…
مستبد على النهى غلاب
عشت في ظلها الظليل وأفضت
…
بي إليها يوماً مطايا الرغاب
وترشفت من لماها رحيقاً
…
قدسياً ما صب في أكواب
أين منه م أحرزته بنات النـ
…
حل أو ما عصرت من أعناب؟
ورأيت الجمال فيها يغنى
…
وغناء الجمال أصداء غاب
توقظ المغفيات من ذكرياتي
…
وتغشى وجوهها بالضباب
في الضحى والمساء أزجى إليها
…
صلوات العبيد للأرباب
كطيور قد حلقت. . . تتناجى
…
بأغاريدها الرقاق العذاب!
كل سرب يمر يتلوه سرب
…
والهوى طائر مع الأسراب
يا غناء قد ضاع في مجهل الليـ
…
ل ضياع الوفاء في أصحابي
أنت عندي أشلاء حب عزيز
…
دنست طهره معاني التراب
وحطام من ذكريات غوال
…
أنا منها في موعد كذاب!
دفنتها الهموم في ظلمة الفك - ر فلاحت مركومة كالسحاب
ما بقائي وقد مضى أحبابي
…
وصحا القلب من خمار الشباب
محمد علي مخلوف
الأدب والفنّ في أسبوُع
شوقي وحافظ:
تقع ذكرى أحمد شوقي أمير الشعراء في هذا الشهر (أكتوبر) فقد توفي في اليوم الرابع عشر من سنة 1932 وقد بدا الاهتمام بهذه الذكرى في عدة مظاهر، منها تلك الحفلة التي قالوا إنهم سيقيمونها في (أوبرج) الأهرام، والتي عرف قراء الرسالة أمرها مما كتبناه عنها في عددين ماضيين، وقد علمت أن هذه الحفلة لن تتم على الوضع المزري الذي رسموه لها، فقد عارض بعض أعضاء اللجنة في ذلك الوضع، وأباه كذلك بعض الشخصيات الكبيرة التي طلب إليها أن تشترك أو تشرف على الحفلة، وقالوا جميعاً كما قلنا إنه لا يليق أن يحتفي بذكرى شوقي احتفاء لاهياً مسعراً (بالأوبرج).
ومن مظاهر الاهتمام بذكرى شوقي، العدد الخاص الذي أصدرته زميلتنا مجلة (الكتاب) وقد جمعت بين ذكرى شوقي وحافظ في هذا العدد، لأنهما توفيا في سنة واحدة إذ كانت وفاة حافظ في اليوم الحادي والعشرين من شهر يولية سنة 1932، فتكون قد مضت خمسة عشر عاماً على وفاة الشاعرين اللذين اقترن اسماهما في الحياة وفي الخلود.
وقد قصرت (الكتاب) أبوابها على البحث في شعر شوقي وحافظ، والتزمت في كل بحث الموازنة بين الشاعرين في مختلف نواحيهما؛ وقد صدر العدد بفصل للأستاذ عادل الغضبان رئيس التحرير عنوانه (متحف) ذهب فيه إلى أن الشعر، وهو أحد الفنون الجميلة، له كما لها متاحف، وإن كانت قطعه لا تضمها الغرف والأبهاء، وإنما تعرض في (الديوان) فديوان الشاعر هو المتحف الذي يعنيه.
وأخذ الأستاذ في الدلالة على الموسيقى والتصوير في ديواني شوقي وحافظ، فبين الارتباط بين الأصوات والمعاني في قطع من شعرهما، وقد افرط في ذلك كما صنع في بيت حافظ التالي الذي يصف به هيجان البحر:
عاصف يرتمي وبحر يغير
…
أنا بالله منهما مستجير
فقد جعل يبين دلالة الحروف على صوت العاصفة ودوي البحر والفزع إلى الله، فقال:(فصوت العاصفة تتخيله الأذن في الصفير المنبعث من اجتماع الصاد والفاء بعد الألف في كلمة (عاصف) ولا فضل للشاعر فيها إلا أنه اختار فأحسن، ورنة الضربة تدوي في
المقطع الأخير من (يرتمي) كأنه صدى ثقل من الأثقال ارتطم بألواح السفينة ثم إن هدير الأمواج وهي غائرة تحمله إلى السمع هذه الغين وهذه الياء الممدودة بعدها في كلمة (يغير) فهما صوت البحر الغائر الخائر مثلا بمثل ونغمة الأمل والدعاء تتصاعد من اللام الثانية في كلمة (بالله) ومن حرف المد في كلمة (مستجير).
وقد أمعن الأستاذ في ذلك حتى خلته يريد أن يجمع خصائص حروف الهجاء في متحف. . . وقد ذكرني هذا الصنيع بنادرة يحكونها عن حافظ، إذ قال مرة لأحد علماء الدين: بلغني أن هناك مؤلفاً في (الوضوء) يقع في عدد من المجلدات الضخمة وإنه ليسهل على المرء أن يغطس في الماء سبع مرات ثم يقوم إلى الصلاة، ولا يتعب نفسه بقراءة هذا الكتاب! وعلى هذا تستطيع أن تؤكد للأستاذ عادل أنك مقتنع بأن البيت يدل على كل شيء دون حاجة إلى ما أسهب فيه من بيان أصوات الحروف ونغمات المدود. . .
وقد أحسن الأستاذ بالاستعانة بريشة الرسام إلى جانب قلمه في تجلية بعض الصور التي اشتمل عليها ديوانا شوقي وحافظ، ولكن الصورة التي رسمت بازاء بيت حافظ:
واسقنا يا غلام حتى ترانا
…
لا نطيق الكلام إلا بهمس
لم تكن موفقة، فهي تمثل الشُّرَّاب والساقي في أزياء من العصور القديمة، وبأيديهم آنية قديمة، كأن قائل البيت أبو نواس لا حافظ إبراهيم، على أن أشخاص الصورة يبدون في غاية الوقار كأنهم في حلقة درس لا في مجلس شراب. . . .
الآراء القديمة في شوقي وحافظ:
الأستاذ عباس محمود العقاد والدكتور طه حسين بك والأستاذ إسماعيل مظهر والأستاذ محمد توحيد السلحدار بك، كان لكل منهم رأي قديم في شعر شوقي وحافظ، فهل ظلوا على آرائهم أم جلا لهم الزمن آفاقاً جديدة ينفذ فكرهم منها إلى رأي جديد؟ سألتهم مجلة (الكتاب) هذا السؤال فأجابوا:
قال الدكتور طه إنه لم يغير رأيه فيهما، ومما قاله عنهما: (وإذا لم يبلغا من التفوق ما كنت أحب لهما وأتمنى للشعر العربي الحديث فقد لا ينبغي أن نلومهما في ذلك وأن نذكر قول عمرو ابن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم
…
نطقت ولكن الرماح أجرَّتِ
فلم يكن هذان الشاعران إلا مرآتين صادقتين للعصر الذي عاشا فيه، وقد أديا إلينا ما ألهمهما هذا العصر فأحسنا الأداء).
ويحضرني - لذلك - رأي للدكتور طه حسين في كتابه (حديث الأربعاء) مؤداه أننا لا نعد الشاعر شاعراً إلا لأنه يعبر عن بيئته ويصور عصره فيحسن التعبير والتصوير. ورأى الدكتور طه في شوقي وحافظ أنهما لم يبلغا من الشعر ما يحب. فأي الرأيين ما زال يرى. .؟
ورأي الأستاذ مظهر القديم أن خيال الشاعرين أرضي وأن نزعاتهما أرضية على خلاف طاغور شاعر الألوهية. وقال إنه لا يزال عند هذا الرأي، وهو يرى أن الشعر ليس اللفظ ولا الوزن ولا القافية ولا الموضوع ولا الأداء، لأن هذه أعراض، وإنما الجوهر أثره في نفسك، وقليلا ما يخاطب الروح أو النفس شعر شوقي وشعر حافظ. . .
ومجمل رأي السلحدار بك الذي نشره منذ تسعة وثلاثين عاما، أنه يرجح كفة حافظ على شوقي، لأن الأول شاعر الجلال، والثاني شاعر الجمال، والجلال فوق الجمال؛ ولأن ملكة اللغة العربية كانت راسخة في حافظ أكثر من رسوخها في شوقي؛ ولأن شعر حافظ بما فيه من نفحات القوة والقومية شاف لنفس، أما شعر شوقي فكان شعر الرفاهة والنعيم؛ ولأن حافظاً أكثر كناية عن وجدانه في شئون وطنه؛ وشوقي أبعد منه عن ذلك. وقال إن الشاعرين قرضا بعد ذلك شعراُ كثيراً في نحو ربع قرن، وإنه لا يصح الجواب عن السؤال بغير مراجعة هذا الشعر، ولا تسعد الحال على ذلك إلا في مدى طويل، ولكنه مع ذلك يجيب بقوله:(أغلب الظن أن حافظا ظل يقول أكثر شعره فيما يتعلق بالشئون القومية، ولم يستمر في محاولته التخلص من أغلال طريقته القديمة، أما شوقي فلولا تهكم بعض أئمة الأدب القديم على قصائده في صباه عقب عودته من أوربة لكان التجديد أظهر في شعره).
أما الأستاذ العقاد فقد قال إنه دون في مذكراته اليومية قبل نيف وثلاثين سنة أن اسم الشاعر بلغتنا يشير إلى تعريفه، فليس الشاعر من يزن التفاعيل، وليس بصاحب الكلام الفخم واللفظ الجزل، ولا من يأتي برائع المجازات وبعيد التصورات، إنما الشاعر من يشعر ويُشعِر. وكان بهذا المقياس يقيس شوقياً وحافظاً، فقال عن حافظ: (يعجبني منه ذاك الجلال، وإن كنت أعتقد أن الجلال الظاهر لا يتطلب من شعرائه سمواً في المشاعر أو
أفضلية لها على شعراء الجمال) إلى أن قال (وأما فيما عدا ذلك فشعر حافظ، كما قال فيه الدكتور شميل - ولم يرد أن يطريه - كالبنيان المرصوص متين لا تجد فيه متهدماً، فهو يعتمد في تعبيره على متانة التركيب وجودة الأسلوب أكثر من اعتماده على الابتداع أو الخيال).
وقال الأستاذ الكبير إنه كان يعيب (رسميات) شوقي دائماً أو تقليدياته. ثم قال إن هذا الرأي في الشاعرين لم يتغير كثيراً، ولكنه يرجع فيهما إلى مقاييس أعم وأوُسع، وأجمل هذه المقاييس في ثلاثة، أولها أن الشعر قيمة إنسانية ليس بقيمة لسانية، وثانيها أن القصيدة بنية حية وليست قطعاً متناثرة يجمعها إطار واحد، وثالثها أن الشعر تعبير وأن الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع وليس بذي سليقة إنسانية. ثم قال:(وإذا عرضت الشاعرين - شوقياً وحافظاً - على هذه المقاييس الثلاثة صح أن تقول: إن حافظاً أشعر ولكن شوقياً أقدر، لأن ديوان حافظ هو سجل حياته الباطنية لا مراء. أما ديوان شوقي فهو (كسوة التشريفة) التي يمثل بها الرجل أمام الأنظار)
رأي المازني:
والأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني هو الباقي من نقاد شوقي القدماء، وقد تفقدته بينهم في (الكتاب) ولكني وجدته في (الهلال) أعني وجدت مقالا له عن شوقي، أما هو نفسه فلا أتمثله إلا جالساً إلى مكتبه في (معمل مقالاته) يكتب. . . . ويكتب. هذه مقالة لأخبار اليوم، وثانية للمسامرات، وثالثة للاثنين، ورابعة للبلاغ، وخامسة للمصري، و. . . الخ ويخيل إلي أنه يكتب مقالات (جاهزة) لتدفع إلى من يطلبها دون انتظار.
والمقالة التي كتبها للهلال عن شوقي، هي وإن كانت من (الموصى عليه) إلا أنها على كل حال من نتاج (المعمل) فهي متأثرة بجوه الذي تسوده سرعة الإنجاز، فالأستاذ ليس متفرغاً لإنضاج رأي جديد في شعر شوقي، بل لتذكر رأيه القديم. . . فلا بأس بأن يملأ بعض الصفحات ببعض الحوادث والنوادر التي جرت بينه وبين شوقي، حتى إذا جد الجد فاقتضى الحال أن يقول شيئاً في شعر شوقي قال:(وما زال رأيي في شعره كما كان. . وهو أنه كان في صدر حياته أشعر منه في أخرياتها، ولكنه في العهد الأخير كان أبلغ عبارة وأعلى بياناً) وليس هذا هو رأيه الذي كان. . لأن المازني هو أحد أستاذي المذهب
الجديد الذي عارض شوقي والذي تراه في كلام العقاد الأستاذ الآخر للمذهب الحديث. وقال إن شوقي (اقتنع بأن نظم القصائدْ على الطريقة القديمة التقليدية عبث وباطل ليس يجدي، فتحول إلى وضع الروايات الشعرية التمثيلية) فهل وضع الروايات الشعرية يقتضي أن نظم القصائد عبث وباطل؟ وهل تحول شوقي عن نظم القصائد؟ والأستاذ نفسه يقول بعد ذلك إنه (لم ينقطع عن نظن القصائد المألوفة) فكيف يتفق هذا وذاك؟ وقال الأستاذ المازني إن شوقي مدين لخليل مطران بك لأنه (أول من أدخل شيئاً من التجديد على الشعر في مصر وتبعه شوقي) وقد أسرف القوم في الإشادة بتجديد مطران، وما نراه يفترق كثيراً في التجديد عن شوقي وطبقته، بل تجديد شوقي أظهر في التمثيليات لا من حيث النوع فحسب بل كذلك في المنحى الشعري.
وبعد فالمازني رجل له ماضيه في الأدب، كما قلت في مناسبة سابقة ومن حقنا بل من واجبنا ألا نفلته. . .
إمارة الشعر:
رأت مجلة (الهلال) بمناسبة ذكرى شوقي أمير الشعراء أن تستفتى القراء فيما يلي:
(1)
من هم الشعراء الخمسة الأول بين شعراء العرب الأحياء في مصر وسوريا ولبنان والعراق وشرق الأردن والحجاز؟
(2)
من هو أجدر الشعراء بلقب الإمارة الآن؟
فأولاً - هل إمارة الشعراء منصب شاغر نشعر بضرورة ملئه؟ وهل دولة الشعر في حاجة إلى أمير ينظم أمورها ويقوم على شئونها ويحفظ الأمن في أرجائها ويحمى ثغورها وأطرافها ويدفع عنها وباء الكوليرا. .؟
لقد كان إطلاق لقب (أمير الشعراء) على شوقي حادثاً فذاً، لم يسبق له نظير في تاريخ الشعر العربي رغم أحاديث المجالس التي كان يسأل فيها عن أشعر الشعراء، ولم يكن أشعر الشعراء إلا قائل بيت أو بيتين أو أبيات وقعت في نفس المجيب عن السؤال موقعاً حسناً، على أنه لم يصر لقباً لأحد، كما أنه ليس لهذا اللقب نظير فيما نعلم من الأمم الأخرى، وإطلاقه على شوقي كانت الدعاية أهم أسبابه. فلم نتشبث به الآن؟
وثانياً - لو سلمنا بلزوم أمير للشعراء ونظرنا في طريقة استفتاء الهلال فيمن هو أجدر
بلقب الإمارة الآن - لوجدنا هذه الطريقة غير سليمة، لأن الذين سيجيبون الاستفتاء وينتخبون أمير الشعراء أقلهم من يقرأ الشعر ويتذوقه ويعطى (صوته) راشداً، والأكثرون ليسوا كذلك، بل منهم من لاحظ له إلا سماع أسماء المشهورين من الشعراء، فهل تؤدى حكومة هؤلاء، إلى حكم مقبول؟ والشعر الآن يتجه اتجاهات جديدة لا يستطيع فهمها وتقديرها إلا خواص الأدباء، فكيف يحكم فيها عامة القراء؟
ويأخذ الكثيرون على قانون الانتخاب العام أنه يجعل للأميين حق الانتخاب، والواقع أن هؤلاء الأميين يستطيعون تقدير كفايات أعضاء البرلمان أكثر مما يستطيع كثير من قراء الصحف والمجلات تقدير الجدارة بلقب أمير الشعراء.
(العباس)
البريد الأدبي
فرعون:
للكلمة في الرسالة 747: فرعون بكسر الفاء وفتح العين وبضم الفاء
وضم العين، وبضم الفاء وفتح العين، وهاتان لغتان نادرتان. والاثنان
هو - كما يقول أبو زياد - أوهما - كما يقول أبو الجراح - من
حزب همزة الوصل.
(س)
إلى الأستاذ العماري
قرأت في العدد 743 من الرسالة الغراء كلمة قيمة للأستاذ على العماري بعنوان (شئ من الصراحة) بحث فيها مشكلة الضعف الذي عم الطلاب في اللغة العربية، وأسبابه التي أدت إلى التواء ألسنتهم، والعلاج الذي يراه لهذا الداء الذي يهدد كيان اللغة الوطنية التي نعتز بها.
وإني أوافقه فيما يراه. ولكن الأستاذ قد ذكر أن (في مدرسة عالية همها تخريج مدرسين للغة العربية يترك الطلاب كتاب الأشموني ليقرءوا ملخصاً له وضعه أحد الأساتذة كأنهم في مدرسة ابتدائية ثم هم يمتحنون في هذا المختصر).
ولا شك أنه يعنى بهذا (كلية دار العلوم) وأحب أن أبين للأستاذ أن أساتذة دار العلوم ما زالوا يشرحون (حاشية الصبان على الأشموني) ويكلفون الطلاب باستذكارها، ومعظم أسئلة الامتحان تطبيق على مسائل في الحاشية.
وإني إذ أقرر هذه الحقيقة لست ممن يدعو إلى دراسة الحواشي وضياع الوقت في مناقشات لفظية عقيمة، فإن قيل إنه لابد من ذلك لكلية اختصت بدراسة اللغة العربية. أجبنا إن أرادوا هذا فليرفعوا عن كاهل الطالب في دار العلوم ما لا صلة بينه وبين علوم اللغة من مثل (الطبيعة والكيمياء واللغة العبرية، واللغة الفارسية) لأن لهذه العلوم كليات اختصت بها، والطالب قد درس ما يكفيه من بعض هذه العلوم في المرحلة الثانوية.
محمد هاشم عبد الدائم
حول قصيدة:
نشرت (الرسالة) في عدد مضى مقالة للأستاذ محمد هاشم عطية بعنوان (في العراق الشقيق). وفي آخر المقالة قصيدة للأستاذ ألقاها في الربيع الماضي ترحيباً بالوفد السوداني عند زيارته لبغداد؛ قال فيها:
واسألوا الدهر والقرون الخوالي
…
فسيشهدون أننا أخوان
والبيت مكسور
وتخطر فوق الأصيل نديا
…
من نشر الربا وطيب المجاني
والبيت مكسور (وفوق الأصيل) تعبير لا يسوَّغه الذوق والبيت لا تجمعه مناسبة بين ما قبله وما بعده من الأبيات.
فهنيئاً لكم بما قد حبيتم
…
ثقة الشعب وحي هذا الأوان
فقوله (وحي هذا الأوان) تكملة للبيت لا غير دون نظر إلى المعنى أو الأسلوب أو المقام.
ويقول في تصوير عمل المستعمر بوحدة النيل وعجز ذلك عن التفرقة بين مصر والسودان:
كان منها مكان ناطحة الصخر
…
بقرن عضب ورأس هدان
نعم فلم يصنع المستعمر شيئاً وكان كناطحة الصخرة الصماء بقرنيها؛ فالشطر الأول قوى وسليم؛ أما الشطر الثاني فلا أدرى ما فائدته، فالماشية مثلا تنطح بقرونها ورأسها، ووصف القرن بعضب والرأس بهدان لا يجدي شيئاً. وشتان بين البيت وقول الشاعر:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها
…
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقوله بعد البيت - ببيت واحد -:
تعصف الحادثات من جانبيها
…
في الصفا الصم من ذرى ثهلان
يدل على ضعف قوة هذه الوحدة أمام الحوادث، وما كان أغناه عن ذلك.
وبعد فليس في القصيدة إلا الوزن والألفاظ، وما كان أغنى الأستاذ عن أن يعد نفسه في زمرة الشعراء.
محمد عبد المنعم خفاجى
مكتبة دنفر
من محاسن المصادفات أنه في الوقت الذي كتب فيه الأستاذ (العباس) كلمته اللاذعة عن بعض عيوب دار الكتب المصرية (عدد743) وافانا البريد الأمريكي - ضمن رسائله - بتقرير هام بالنسبة لنا عن مكتبة بلدة أمريكية صغيرة تدعى (دنفر ووجه الأهمية في هذا التقرير أنه يوضح لنا بجلاء كيف أمكن لبلدة صغيرة كهذه أن تؤسس لها مكتبة ناجحة ومن ثم يساعدنا على استنتاج أن علة جمود دارنا ونشاط دور الكتب الأمريكية مثلا ليست - كما يعتقد الكثيرون - راجعة إلى الفرق الواضح بين مصر وأمريكا من حيث عدد السكان أو الثورة العامة أو ما شابه ذلك بقدر ما هي راجعة إلى الفرق بين نظام ونظام وبين اتجاه واتجاه.
ذلك لأن مهمة دور الكتب عندهم بصفة إجمالية ليست مجرد (إعارة الكتب) لمن يستطيع أن يستعيرها كما هو حادث لدينا بل تيسير الثقافة بصفة شاملة تيسيراً جدياً ومجدياً للمواطنين جميعاً كباراً وصغاراً على اختلاف ظروفهم وأمزجتهم وحالاتهم المادية والثقافية. بمعنى أن دارنا تعرض كتباً لا يستفيد منها غير الأدباء غالباً بينما دورهم تعرض مراجع من كل لون وفن بحيث يمكن أن يستفيد منها الزارع والموظف والتاجر والتلميذ والكاتب والشاعر والفيلسوف وذو الثقافة المحدودة والمليونير والفقير والرجل والمرأة إلخ. وبمعنى أن دارنا تترك كل فرد لنفسه يتخبط - إن استطاع - في طريقة البحث بينما دورهم تتعاون معهم تعاوناً وثيقاً فتهيئ لهم طرق التحصيل المثمر كما تنظم مناظرات في كل أنواع (المعرفة) ومحاضرات مشوقة للأطفال وأحاديث مناسبة للسيدات وتصدر نشرات سنوية وأحياناً نصف سنوية عن جهُودها ونظمها وتطوراتها وما يوجه إليها من نقد وما تتوخى إضلاحه. . الخ.
ولعل هذا كله راجع إلى سبب أصيل هو شغفهم - دوننا مع الأسف الشديد - بتثقيف أنفسهم في شتى مرافق الحياة بدليل لا يقبل الجدل وهو أن دورهم لا تعتمد على الحكومة كدارنا بل على المواطنين أنفسهم فهم الذين يتولون وحدهم شؤونها من إنفاق أو إدارة أو
إشراف. والنتيجة المنطقية التي لا مناص منها أن نشاطنا الثقافي يخضع حتما للإجراءات الحكومية بقدر ما تسمح به (الميزانية) و (اللوائح) حتى لقد أصبح من الأمور العادية التي نسمعها بغير دهشة أن كتاباً (كالأغاني) مثلا لا تزال بقية من أجزائه (تحت الطبع) بالدار منذ سنوات طويلة. . وكتاباً مثل (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لا يزال دون طبع إطلاقاً فيما عدا جزءاً واحداً منه. . . وكم من كتب قيمة لم تطبع بعد أو لم تجلد بعد أو لم تصحح بعد وهكذا!.
يمكن أن يقال إذن أن معظم الفرق بيننا وبينهم بهذا الصدد لا يمت إلى اختلاف عدد السكان أو الثروة العامة أو نحو ذلك بصلة كبيرة. وإلا فإنه من غير المعقول أن تقارن - من هذه النواحي - بين عاصمة عظيمة كالقاهرة وبلدة صغيرة جداً مثل (دنفر) فهذه بلدة لا يكاد يدرى بها أحد إذ لا يزيد تعدادها الآن عن 158000 نسمة وليس لها ميزة معينة ولا شهرة خاصة ورغم هذا فقد استطاعت مكتبتها - حسب ما جاء بالتقرير الذي أسلفت الإشارة إليه - في فترة قدرها حوالي 40 سنة بعد إنشائها أن تمحو الأمية والجهالة من البلدة وضواحيها محواً تاماً ولا تزال عاملة إلى الآن على نشر المزيد من الثقافة والمعرفة بمنتهى الجد والنشاط. ويكفي شاهداً على مقدار تقدمها أن كل ثروتها عند افتتاحها عام 1842 كانت 35 مجلداً فبلغت اليوم 500 ، 000 مجلد تقريباً أي ما يعادل ثلاثة أمثال عدد المواطنين جميعاً. وليست العبرة بكثرة ما في المكتبات من مجلدات وإنما بمقدار تداولها والاستفادة منها طبعاً. . ولهذا نجد أن أهم الأقسام في هذه المكتبة وأضخمها جهداً هو قسم التوزيع كما نجد أن أبرع أعماله هو توصيل الكتب بواسطة سيارات معدة لهذا الغرض إلى القاطنين في الضواحي أو القرى المجاورة وإلى الفلاحين في مزارعهم وإلى العمال في مصانعهم وإلى المرضى في المستشفيات. . . الخ. وعلى ذلك يندر - كما يؤيد التقرير - أن تدخل منزلا هناك دون أن تجد في أوقات الفراغ رب البيت يقرأ ما يزيده خبرة أو متعة. . وربة البيت تقلب بين يديها (كتالوجات) عن فنون الطهي وألوان الطعام. . والأطفال يستمتعون بكتب مزدانة بصور هزلية طريفة ترمز إلى معان مختلفة. . والخدم يطالعون قصصاً وإرشادات صحية. ونحو ذلك.
ومن طريف ما يذكر عن هذه المكتبة أن أغلب وظائفها - كمعظم المكتبات الأمريكية -
مقصورة على النساء ولهن نصف كراسي المجالس العليا التي تتولى الإشراف عليها وكثيراً ما يظفرن بكرسي الرياسة!؟
عبد الفتاح البارودي
الكتب
كتاب (الله)
(تأليف الأستاذ عباس محمود العقاد)
بقلم الأستاذ محمود عماد
حاولت أكثر من مرة أن أكتب كلمة عن كتاب (الله) ولكنى ما كنت أهم حتى أحجم. لأن غرض الكتابة لا يعدو تقديم المؤلف، أو تقديم الكتاب. أما المؤلف فهو غنى عن التقديم لأنه (العقاد)، وأما الكتاب فأنى أرى كل تقديم له تأخيراً. إذ هو ليس من الكتب التي تلم بها الكلمة العابرة، وتضع منها أمام القارئ صورة مصغرة.
وإذا كانت كل أوراق مغلفة تسمى كتاباً، فأن هذه الأوراق شئ أجل من كتاب. إنها حادثة من حوادث القلم التي لا تقع في عالم التأليف إلا في آماد متباعدة.
ولو أن هذا الكتاب ظهر في بلاد غير مصر لكان له فيها دوى يزلزل آلاف الكتب عن رفوفها. ولكنه ظهر في مصر فكان حسبه أن يجد له بين كل ألف رف مكاناً واحداً، وأن يكون هذا المكان هو أهدأ أمكنة المكتبة حركة، حتى أذن الله فيقيض له مترجماً يترجمه إلى لغة أجنبية. عند ذلك يحدث الدوى، وتكون الزلزلة. إذ يرى فيه العالم أول كتاب تقصى تاريخ العقيدة البشرية، من عهد الطوطمية إلى عهد التوحيد، مستهديا بالعلم والفلسفة والإلهام، مذ طور الخلية حتى طور العقل.
وهى رحلة طويلة شاقة إلا على قلم رحال متقص كقلم العقاد الذي عقد في فناء كتابه مؤتمرً من فلاسفة الأمم، شرقيها وغربيها، قديمها وحديثها، تبوأ فيهم العقاد مكان الصدارة، وأخذ يناقش كل فيلسوف رأيه، نقاش الخبير بكل رأى، فيخذل هذا حتى لا يجد له من ناصر، وينصر ذاك حتى لا يتصدى له خاذل. ثم يخلص إلى رأيه الخاص، يطالعك به واضحاً مشرقاً كالشمس تخلصت من السحب، في عبارة غنية، وحجة حاسمة، ومنطق مستقيم. وهى صفات التفوق.
قلت إن كتاب (الله) لايلخص، ولكنه يقرأ. فليقرأه من يريد أن يعتز بالعبقرية الشرقية، والبيان العربي. وما كتبت هذه الكلمة تقديماً للكتاب، ولكن لأجد بها فرجة في جو (الرسالة)
الفسيح من شعور مكبوت يغالبني منذ قرأته. بل هو يغالبني كلما قرأت محضر ساعة من ساعات العقاد التي يجلسها بين كتبه. تلك الساعات الحافلة التي أقول فيها بحق:
عباس طرت إلى السماء
…
ولمست ذرات الضياء
ونفذت قبل إلى طبا - ق الأرض من يبس وماء
لم تحتجب عنك الكثا - فة، لا ولا دق الصفاء
أفأنت روح خلص
…
أمأنت سر الكهرباء؟
كلا، فأنك مثل هذ - االناس محمود البناء
يعروك ما يعروهمو
…
من راحة أو من عناء
فيم اهتديت إلى الذي
…
ضلوا وأحصيت الخفاء؟
هذا بأنك شاعر
…
والشعر يعرف ما يشاء
والشعر يبدو في النظ - يم أو النثير على السواء
ساعاتك الغر السوا - نح من نفاذ وامتلاء
جثم الزمان بها كما
…
جاس الوليد القرفصاء
وتحدثت فيها الحيا - ة بغير لبس والتواء
أكبر بساعتك التي
…
وسعت نواميس البقاء
في أي حجم صيغ (عقر
…
بها) وفي أي استواء؟
أتراه فوق الأرض ركـ - ب أم على وجه السماء؟
يا ليته قيست به
…
أعمارنا قبل الفناء
فإذا بها تضفو كأعما - ر النجوم على الفضاء
محمود عماد
القَصَصُ
قصة تاريخية:
الجزاء!!
للأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف
قال موسى بن نصير (إنها يا صاحبي محنة أحاطت بي من كل جانب، ولقد بلغ عنت الخليفة بها فوق طاقتي، وفوق ما يحتمل الرجل الحر الكريم. عزلني من كل أعالي فأذعنت، وجردني من كل مالي فخضعت، واتهمني بالغدر والخيانة في مال المسلمين فصبرت، وأهانني. . . أجل! أهانني فاحتملت الإهانة بالتوجه إلى الله تعالى أن يثيبني عليها ثواب الصابرين، وإن رجائي في الله العظيم، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد فرض علىِّ الخليفة غرماً باهظاً من المال لا أملك منه درهماً واحداً، ثم كانت الداهية الدهياء، فإنه يطلبني اليوم ليجز رأسي بالسيف وقد جئت إليك وأنا بين شقي الرحى. . .)
(واأسفاه أيها الصديق، أيكون هذا جزائي من خليفة المسلمين ومنزلتي في القوم بعد أن بذلت ما بذلت من دمي وجهدي، وخضت المعارك وروحي على يدي حتى فتحت تلك الفتوح العظيمة وضممت الأقطار الشاسعة إلى دولة الخلافة؟! لقد طلعت بدعوة الإسلام على الملوك من مغرب الشمس وكانوا لا يعرفون مكانها إلا في الشرق، ولق وقفت بلواء الخلافة في صميم أوربا وهجمت على ملوكها في عقد دارهم ولولا أن استرجعني الخليفة الوليد بن عبد الملك لبلغت في ذلك النهاية، وبسيفي جلبت إلى ساحة الخلافة كل ما جمع الملوك على طول السنين من النفائس والثروات، وما حشدوا من العديد والمعدات، ثم أرى هذا كله يطوى في مطاوي الجحود والنكران، وتذهب به دسيسة رخيصة من كاشح حقود، أو عدو كنود؟!).
(أصغ لي أيها الصديق، فإنه ليس شأني ولكنه خطر يتهدد سمعة الخلافة ويقف في طريق الفتح الإسلامي، فلن يقدم قائد بعد اليوم كما أقدمت في فتح الفتوح ما دام الجزاء كما ترى، ولو أني أعرف في جهادي وفي تصرفاتي شبهة أستحق عليها اللوم أو نقصاً يوجب المؤاخذة لأسلمت عنقي لسيف الجلاد راضياً مطمئناً قبل أن أسمع قضاء الخليفة علىَّ
بذلك، فأنا كما تعرف لست بالرجل الجبان، ونحن رجال السيف، لا نقدر طول الحياة بطول أيامها ولا نحرص عليها لما فيها من المفاتن والزينة والراحة والرفاهية، وإنما هي حياتنا تقدر بالأعمال العظيمة، ونمضي فيها على الخروج من شدة لمواجهة شدة أقسى وأصعب، وإني على ثقة من طهارة صحيفتي وبراءة ذمتي، وسأقف بين يدي الله وكتابي بيميني في صفوف المجاهدين الأبرار، ولكنني أطمع أن لا أخرج حتى أرى صحيفتي بيضاء أمام الناس وأمام التاريخ. . . .).
(رحماك يا صاحبي، لقد شمت بي العدو، وفريح فيَّ العاذل، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه، وتوجع لي الصديق، وفجع بفاجعتي الأهل والولد، وإني لأعرف منزلتك من سليمان بن عبد الملك، وأقدر فيك الشهامة والمروءة، وأعتز بحرمتي عندك فبك أستجير من بطشه، وألجأ إليك في تخليص عنقي وتطهير سمعتي، ورفع ذلك الغرم الثقيل الذي سيضطرني إلى التكفف وسؤال العرب في تحمله عني، وهل تحسبني أحتمل الحياة وأنا أرى كرامتي تبتذل بالسؤال والتكفف؟).
قال يزيد بن المهلب: (هون عليك أيها الصديق، فإنها سحابة صيف عن قريب تقشع، وما أنت في محنتك بأول مثل بين الناس ولا بآخر مثل سيكون بين الناس، فهكذا الأمر في صحبة الملوك، وقديماً قيل: إن صاحب السلطان كراكب البحر إن نجا من الغرق لم ينج من الخوف، وإني لأعرف في سليمان بن عبد الملك العناد والإصرار على الرأى، ولكني باذل جهدي عنده وثق أنها ذمة العرب لانخرمها أبداً، وعهد الآباء لا نخونه ولو طاح العنق، ولقد نزلت بساحتي، فإني شريك لك فيما تعاني من محنة، وإني لأضع نفسي وولدي ومالي بين يدي الخليفة افتداء لك، وأنت آمن في جواري إن شاء الله).
قال موسى: (إنها يد أحفظها لك؛ ومروءة أقدرها فيك وإني على يقين من نجح مسعاك، لما أعرفه من منزلتك عند الخليفة وقربك من قلبه واحترام رأيك عنده، والخير في التعجيل).
قال يزيد: (ما كنت أنتظر حتى تتحدث إلىَّ في شأنك فقد كنت أتحدث اليوم إلى الخليفة في هذا الشأن، وإني لذاهب لساعتي لأعاود معه الحديث، وسأخبره أنك استجرت بي ونزلت بساحتي وأني قد أجرتك وتحملت عنك، ولكن ماذا أقول لك؟ لقد سقطت في تبصر الأمر سقطة هي التي جبلت عليك كل هذا فقد كنت تعرف أن سليمان بن عبد الملك كان ولي
العهد لأخيه الوليد بن عبد الملك، وأن الوليد كان قد بلغ الغاية في حياته، يتوقع الناس له الخروج من الدنيا بين كل صباح ومساء، ولكنك وقفت على الولاء له، والارتفاع بمكانته، وأمهلك سليمان على أن تكون له يوم يجلس لشئون المسلمين وأن تدخر الفخر بفتوحاتك الكبيرة العهدة فأبيت، فاحفظته بهذا عليك، ولم تقصر في العناد معه مما مكن للحقد في قلبه، على أنك من ناحية أخرى قد أغضبت مملوكك طارقاً بن زياد يوم صفعته بالصوت، فكان بالوقيعة بك عند سليمان).
قال موسى: (مهلا يا صاحبى، فليس هذا وقت تعديد ولا تأنيب، لقد كنت أعلم الأمر فيما أوضحت، وكنت أعرف أن شمس الغد ستشرق على سليمان في أبهة الخلافة والأخذ بالسلطان على المسلمين، ولكنى أعرف أيضاً أن من الواجب علينا أن نقدر لكل إنسان يومه، وأن نحترم لكل سلطان عهده، وليس من الحق في الإسلام ولا من الخير للمسلمين وجامعتهم أن نضع المصالح العامة موضع الزلفى للأهواء والأغراض، وليس من اللياقة أن نجلس مع الوريث نرتب شأن التركة وصاحب المال حيُّ يتنفس!! كان ذلك رأيي حتى لا أنهم بالضعف في خلقي ورجولتي، وهبني أخطأت، فما أنا بمعصوم).
قال يزيد: (إنني ما قصدت بما قلت لك تعديداً ولا تأنيباً وإنما قصدت أن أكشف لك عن السر وأن أرى ما عندك).
فتململ موسى في مكانه، وحرض ريقه على غصص، ثم قال: ترى ما عندي؟ وماذا تحسب أن يكون عندي وأنا على هذه الحال؟ إن الإنسان ليرى الرأي القويم السديد في شأن غيره أما في شأنه هو فأنه يرتبك ويتبلد حتى لا يدري مصدر الأمر من مورده، فما ظنك بي وأنا رجل اعتدت طول حياتي أن أفكر في شئون الحرب والفتح، وفي شئون من هم تحت طاعتي من الجند وحولي من الأعوان، ولم أكن أجد الفرصة التي أفكر فيها لنفسي، فلا تسألني الرأي فأنى لا أملك الآن معياره، وقديماً قالوا: إن من الحزم في الرأي أن يكون ميزاناً لا يزن كاملا لناقص ولا ناقصاً لكامل. . .)
قال يزيد: (إنني لم أزل أسمع أنك من أعقل الناس وأعرفهم بمكايد الحروب، وأبصرهم بطبائع أهل السلطان، وأقدرهم على مداورة الدنيا والتصريف لأحداث الحياة ونوازل الدهر، وإني والله لأعجب منك كيف وقعت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس،
ومددت بينك وبين هؤلاء القوم الأقطار الشاسعة والبحار الزاخرة، وتيقنت بعد المرام عليهم واستصعابه، واستخلصت بلاداً أنت اخترعتها وبسطت سلطانك عليها، وجعلت الإدارة فيها لولدك وهم طوع يمينك، ثم ملكت رجالا لا يعرفون غير خيرك وشرك وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعاقل والرجال ما لو أظهرت به الامتناع لكنت اليوم على رأس دولة يتعاظمون هيبتها وخطرها، وما انتهى بك الأمر إلى هذه الحال فتضع عنقك في يد من لا يرحمك! ألا ليتك والله فعلتها يا أخي!).
فصاح موسى من قرارة نفسه: (كلا، كلا، الويل لي لو فعلتها! والويل لي لو فعلتها!! وهل كنت تحسبني يا فتى المهلب أروم خطة لنفسي أو أبني دولة لولدي، ألا بعداً لي من رحمة الله إن هجس هذا الخاطر بقلبي مرة، ألا سحقاً لي لو نزعت إلى هذه الشنعاء وشققت عصا الطاعة على خلافة الإسلام، وشطرت الأمر في الحكم إلى شطرين، يقف كل من صاحبه بالمرصاد، فما هي إلا مراوغات ومصاولات حتى ينقض الأمر من أساسه، ويذهب سلطان الدين، وتدول دولة المسلمين، فالويل لمن يفعلها فيفتح باب الطريق إلى الهلاك والفناء. . . يا ابن المهلب: إنها كلمة الله كنت أسير بها في الآفاق، وأمهد بها لسلطان الإسلام، وأقوى بها رابطة المسلمين، وأمكن بها لنفوذ الخلافة وهيبتها، وما كنت أرجو من وراء ذلك مكانة زائفة ومنزلة زائلة، ولكن كنت أطمع فيما هو أغلى وأعظم، كنت أطمع في ثواب المجاهدين عند الله، وما أحسبه سيحرمني من الجزاء وإن حرمته عند صاحب السلطان).
قال يزيد: (طوبى لك يا ابن نصير، فاطمئن في مكانك وإني لقاصد إلى الخليفة في شأنك، ثم عائد إليك).
ورجع يزيد بعد أن تكلم مع الخليفة في شأن صاحبه، رجع وعلى شفتيه كلام، وبين جوانحه هم ممض، وكان صاحبه في انتظاره على أحر من الجمر، وجلس الصديقان متقابلين، يريد موسى من صاحبه أن يتكلم، ويريد صاحبه ألا يتكلم. . .
ومضت فترة كأنها الدهر، ثم انفرجت شفتا يزيد عن صوت خافت يقول: (لا عليك يا صاحبي فإن الله يتولاك فيما بقى، ويعلم الله أني بذلت ما في طاقتي وأكبر مما في طاقتي، وقدمت نفسي ومالي فداء لك عند سليمان، وإني في ذلك لصادق، وأعلمته أنك نزلت
بجواري ولذت بكنفي واستجرت بحماي وهو يعرف ذمة العرب في ذلك، ولكن غضب الملوك أعمى، قد يحتدم عن غير سيب، ويمضي إلى النهاية لا يقف به سبب، ولقد أصر سليمان على موقفه منك، وأصررت على موقفي منه، وما زلت به حتى وهبني دمك وحياتك، ورضى بأن يرفع السيف عن عنقك، ولكنه أبى أن يخفف العذاب عنك وأن يكف الإهانة والتشهير بك حتى تدفع ما فرضه عليك من الغرم كاملا غير منقوص، وترد إليك ما أخذت من مال المسلمين كما يزعم).
فصاح موسى صيحة مغيظة: (أو هكذا صنع، أو هكذا أبى وأصر؟! إنا لله، أفٍ لها من دنيا تافهة وحياة رخيصة ذليلة، بل أفٍ لجبابرة الملوك، ما أغدر وما أخون، بل ما أصغر وما أحقر وهبني يا صاحبي أذنبت، وجئت بالشعناء التي لا تجوز، فأي رجل هذا الذي لا يسعني بحلمه وهو الذي يسع الخلائق بحكمه، ألا ليتني صرت إلى باطن الأرض قبل اليوم، ولعل الله منَّ على بطعنة فارس في حومة الوغى فصرعت مصرع الأبطال، ولكنه قدَّر على كل هذا العناء. . .).
(رحماك يا فتى المهلب، وإني لشاكر لك مسعاك، وحافظ يدك الغامرة، فقد أوفيت لي بحق المرؤة، ونهضت نحوي بعهد العرب وذمتهم، ولكنها لجاجة مني، والمكروب لجوج، والنفس في حومة الأسى لا يربطها تفكير ولا رأى، وماذا تحسبني بمستطيع أن أصنع، وليس في يدي شيء من المال، وليس لي في العرب القبيل الذي يحمل عني ذلك الغرم الفادح؟).
قال يزيد: (إني لأعرف ذلك، وإنه ليكرب نفسي، ولقد مررت في عودتي إليك من عند الخليفة بأحياء العرب وتحدثت إليهم في الأمر، فتحملت عنك (لخم) تسعين ألفاً ذهباً، ووهبتك من مالي ما زاد على النفقة، ودفعت بذلك إلى الخليفة حتى يرفع عنك العذاب والإهانة انتظاراً لوفاء ما بقى من الغرم المفروض، وما أحسب أن رؤساء العرب سيردونك إذا قصدتهم وهم الذين يعرفون لك ما أسديت في الفتح والجهاد، والله يتولاك في كشف هذه الغمرة. . .).
وسمع موسى من صاحبه ما تكلم به، فلم يرد بكلمة، ولم يزد على أن تمتم تمتمة غير مفهومة، ثم صعَّد من أعماق نفسه آهة محترقة.
وأصبح الصباح على موسى بن نصير، وهو يطوف بالقبائل، ويتنقل بين أحياء العرب، ومعه جند الخليفة والموكلون بتعذيبه، وذلت نفس القائد العظيم الذي فتح الأمصار ودوخ الأقطار ووقف بكلمة الإسلام في قلب أوروبا حتى بلغت به الحال أن يسأل الناس ما ينجي به نفسه ويخفف من العذاب في جسمه. . قال غلامه الذي وفي له من دون الناس، ولازمه في حالي نعمته ونقمته:(لقد كنت أطوف مع الأمير موسى بن نصير في أيام محنته على العرب، فواحد يجيبنا وآخر يحتجب عنا، ولربما دفع إلينا الدرهم والدرهمين رحمة بنا فكان الأمير يفرح بذلك. . . ولقد كنا أيام الفتوح العظام بالأندلس نأخذ الأسلاب من قصور الإفرنج وخزائن الملوك فنفصل منها ما يكون فيها من الذهب وأشباهه ونرمي به، ولا نأخذ إلا الدر الفاخر. . . ولقد رأيت الناس جميعهم يتحرقون على أن يكونوا في خدمة الأمير أيام دولته، ثم رأيتهم ينفضون عنه جميعهم أيام محنته. . . ولقد نزلنا بوادي القرى نسأل العرب، فعزم رجل كان من قبل في خدمة الأمير على أن يسلمه لحتفه، ففطن لذلك الأمير، فذلَّ له، وقال. يا فلان: أتسلمني في هذه الحال؟ فقال له اللئيم: (لقد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين)، فدمعت عينا الأمير، وجعل يرفعهما إلى السماء ضارعاً خاضعاً وهو يزم شفتيه ويتمتم بكلمات غير مفهومة فما سفرت تلك الليلة القاسية الحالكة إلا عن قبض روحه).
محمد فهمي عبد اللطيف