المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 77 - بتاريخ: 24 - 12 - 1934 - مجلة الرسالة - جـ ٧٧

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 77

- بتاريخ: 24 - 12 - 1934

ص: -1

‌أثر السياسة الحزبية في الأخلاق

للأستاذ عبد العزيز البشري

لقد عرفت من حديث الأسبوع الماضي بعض الآثار التي أشاعتها الحكومات الحزبية المتعاقبة في أخلاق جمهرة الموظفين، الإداريين منهم بوجه خاص، حتى نجم في بلادنا ذلك الفن المحقور المرذول: فن إرضاء القائم ومشايعته في هواه، ومد حبل الولاء للمقبل ومقاسمته أنه صادق الولاء له، ولقاء هذا بوجه، وذاك بوجه أخر، والتحدث إلى هذا بلسان، وإلى ذلك بلسان أخر. ولاشك أن من شأن النجاح بمثل هذه الوسائل، وعصمة المنصب باتخاذها، أن يبعث كثيرا من الموظفين الآخرين على التباري فيها، والافتنان في طلب السبق بها. وهكذا تتميع الأخلاق تميعا، وتتحطم طباع الرجولة تحطيماً!

على أن أثر الحال لا يقتصر على الأخلاق فحسب، بل إنه ليدخل الاضطراب والاختلال على الأعمال العامة التي يعالجها هؤلاء الموظفون. فالموظف، في هذه الحال، يحب أن يرضي أشياع الحكومة القائمة، ولا يحب أن يسيء إلى خصومها من أشياع الحكومة المقبلة، ليتخذ اليد عندهم ليوم تتبدل الحال غير الحال. فهو يبين أن يسوق ما بين يديه من الأعمال تعويقا ليتحلل من المسئولية البتة، وأما أن يعمد إلى توزيع المنافع بين هؤلاء وهؤلاء على حساب المصلحة العامة. وفي الأول شل لحركة الأعمال الحكومية وتعود الاسترخاء عن الاضطلاع بالمسؤوليات، وفي الثانية عبث بحقوق العباد، وإخلال بمصالح البلاد، وفي كلتيهما شر عظيم وفساد كبير!

ولقد أمتد أثر هذه الحال إلى الأعمال الفنية العظيمة، فإن الحكومات الحزبية في بلادنا إنما تعمد، في العادة، إلى المشروعات الفنية التي هيأتها سابقتها، فتتناولها بالتغيير والتبديل، أن لم تتولها بالإلغاء والتعطيل. ولقد تكون قد جردت عليها وهي في المعارضة حملة حزبية شعواء، فأنظر، رعاك الله، موقف الموظفين الفنيين الذين هيأوا تلك المشروعات وأعانوا عليها من هؤلاء ومن هؤلاء!

وليس لهذا من أثر إلا أن ينقبضوا عن معالجة الأعمال الجسام، وأن يحتالوا على الخلاص منها طلبا للخلاص بأنفسهم من ألوان المسئوليات. وفي ذلك إثم في حق الفن وحق الوطن على بنيه من صفوة المتعلمين.

ص: 1

لقد سبق لي أن زعمت أن طبيعة قيام الحكومات الحزبية لا تدعو إلى شيء من كل هذا الاضطراب والتجلجل في أخلاق الموظفين ولا فيتصرف الموظفين، بدليل تعاور الحكومات الحزبية للحكم في جميع البلاد الدستورية، ومع هذا لم يسمع عن حال الموظفين بعض ما نسمع ونرى في هذه البلاد. وعللنا هذا بأننا نجتاز مرحلة سياسية خاصة لا أظن أنه يجتاز مثلها الآن بلدا آخر من بلاد الله.

وبمناسبة الحديث في اعتماد الحكومات القائمة مشروعات سلفها بالتغيير أو التعطيل، أذكر أن المستر سنودن، وهو من تعرف جبروتا وعظم كفاية، لما تولى وزارة المالية الإنجليزية في وزارة العمال، أراد أن يغير في شكل الميزانية، فيقدم هذا الباب على ذلك الباب، ويضيف من هذا الفصل لهذا الفصل، صمد له الموظفون الفنيون ومنعوه هذا منعاً، وقالوا له: إن لك أن تصنع بسياسة الدولة المالية ما تشاء، فتفرض من الضرائب ما تشاء، وتحط منها ما تريد، وأن تزيد ما ترى زيادته من وجوه النفقات، وتنقص ما ترى نقصه لك كل هذا، أما أن تدخل في الوضع الفني للميزانية فذلك ما لا سبيل لك إليه بحال! ويقتنع الرجل ويعدل عن هذا بنيته. فمتى نرى موظفينا على بعض هذه المتانة والثبات والإيمان؟

الذي أعتقده أن مثل هذا من السهل الميسور إذا أمن الموظفون سطوة الحكومات الحزبية بهم يوما يعصونها في طاعة الواجب والحق والقانون. فإذا زلت قدم الموظف، بعد هذا، أو مانع على ذمته وما ائتمن عليه من الحقوق العامة، كان جزاؤه النكال والوبال. فهل نطمع من حكومتنا في أن تعالج هذا فيما أخذت نفسها به من وجوه الإصلاح بعد إذ تفرغ من مهمة التطهير، واستخلاص الأداة الحكومية من هذا الفساد؟

هذا ما كان من شأن الموظفين، أما شأن الأعيان في بلادنا فأعجب وأغرب، إذا منعنا الحياء من أن نقول إنه أخزى وأفحش. فإننا إذا تمحلنا بعض المعاذير لأولئك من الحرص على مناصبهم، وإمساك أسباب العيش على أزواجهم وبنيهم، فإننا لا يمكن أن نصيب عذرا لهؤلاء. اللهم إلا إذا كان من بين الأعذار السائغة حاجة المرء إلى الجاه والسطوة، واغتصاب المنافع العامة، وقضاء حاجات الأهل والأقربين، ولا ينال هذا إلا إذا وضع على رأسه ذمته، وعقيدته، وكرامته، وراح ينادي عليها فعل الباعة المضطربين بسلعهم في الأسواق.

ص: 2

اللهم إنه لا يعيب المرء مطلقا أن يتغير رأيه في شيء من الأشياء، ولو من صواب في الواقع إلى خطأ في الواقع ما دام الأمر موصولا بصحة الاعتقاد، ولا يعيب المرء مطلقا أن يهجر حزبا ويتصل بحزب أخر طوعا لتغير عقيدته في الحزبين جميعا. بل العيب كل العيب في ألا يفعل، وإلا كان أثما أبلغ الإثم في حق وطنه، مأخوذا في تعصبه بحمية الجاهلية التي هجنها الله تعالى في كتابه العزيز. ماذا يعيب المرء إذا تكشف له خطأ رأيه فعدل عنه إلى الصواب؟ وماذا إذا رأى شيعته قد انحرفت عن القصد، وعبثت بما رسمت من المبادئ في توجيه سياسة البلاد؟ بل الذي يعيبه كل العيب ألا يفارقها إلى من هو أصدق منها في تحقيق كريم الأغراض!

لو أن أولئك الأعيان إنما يتحولون ويضطربون بين الأحزاب المختلفةطوعاً لرأي يعتريهم، أو عقيدة تدخلها الظروف عليهم، لما استحقوا إلا الحمد والثناء. أما وهم صامدون بآرائهم وعقائدهم لكل حزب يتولى الحكم، فيهرولون لساعتهم إليه، ويعلنون انضوائهم تحت لوائه، ولا يتوانون في كل مناسبة عن الآذان بأنه الحزب الصادق السعي في تحقيق آمال البلاد، حتى إذا ما أدال الله منه بالحكم لحزب غيره، سرعان ما ولوا وجوههم شطره فأعلنوا أنهم بمبادئه مؤمنون، وأنهم تحت لوائه منضوون، لأنه قد بان لهم أنه الحزب لا حزب غيره، الصادق السعاة في إصلاح الحال، القادر الكفء لتحقيق أعز الآمال!

وهكذا دواليك لا يعقد عن هذا الرقص والحجلان وقار ولا تحشم ولا حياء، حتى أصبحوا على البلاد من أشنع المعرات، وحتى هونوا على غيرهم شأن الكرامة، وأرخصوا في الناس فضيلة الحياء، وأعلنوا أن المبادئ والعقائد مما يباع ويشترى، وأن الأهواء الحزبية مما يؤجر ويكترى، وليس في إطلاق هذا الصنع على ازلاله إلا إفساد الأخلاق، وتوطئ النفوس لقبول الضمة والهوان.

بعد، فقد تقتضيني الرأي في علاج هذا الداء، ولعله يتعاظمك هذا العلاج! اللهم إن علاج هذا لداء في بعض هؤلاء الأعيان، فإنه ما دام الحكم جارية أسبابه على مقتضى النزاهة والعدالة، والحرص على إقامة حدود القوانين، بحيث يصل المرء إلى حقه في يسر، وبحيث يحال بين المرء أيا كان وبين أن يبلغ ما لا حق له فيه بحال - لم يبق بأحد حاجة إلى اللف والدوران، والرقص والحجلان، والتشكلفي مختلف الصور، والتلون بشتى

ص: 3

الألوان، فهل نحن فاعلون!

عبد العزيزالبشري

ص: 4

‌سمو الحب

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

صاح المنادي في موسم الحج: (لا يفتى الناس إلا عطاء ابن أبي رباح) وكذلك كان يفعل خلفاء بني أمية، يأمرون صائحهم في الموسم، أن يدل الناس على مفتي مكة وإمامها وعالمها، ليثقلوه بمسائلهم في الدين، ثم ليمسك غيره على الفتوى، إذ هو الحجة القاطعة لا ينبغي أن يكون معها غيرها مما يختلف عليها أو يعارضها، وليس للحجج إلا أن تظاهرها وتترادف على معناها.

وجلس عطاء يتحين الصلاة في المسجد الحرام، فوقف عليه رجل وقال يا أبا محمد، أنت أفتيت كما قال الشاعر:

سَلِ الُمفْتِيَ الَمكِّيَّ: هل في تَزَاوُرٍ

وَضَمَّةِ مُشتاقِ الفؤادِ جُناحُ؟

فقال: مَعَاذَ اللهِ أن يُذْهِبَ التُّقَى

تَلاصُقُ أكبادٍ بهنَّ جِراحُ!

فرفع الشيخ رأسه وقال: والله ما قلت شيئاً من هذا، ولكن الشاعر هو نحلني هذا الرأي الذي نفثه الشيطان على لسانه، وإني لأخاف أن تشيع القالة في الناس، فإذا كان غد وجلست في حلقتي فأغد علي، فأني قائل شيئا.

وذهب الخبر يؤج كما تؤج النار، وتعالم الناس أن عطاء سيتكلم في الحب، وعجبوا كيف يدري الحب أو يحسن أن يقول فيه من غير عشرين سنة فراشه المسجد، وسمع من عائشة أم المؤمنين، وأبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإبن عباس بحر العلم! وقال جماعة منهم: هذا رجل صامت أكثر وقته، وما تكلم إلا خيل إلى الناس أنه يؤيد بمثل الوحي، فكأنما هو نجى ملائكة يسمع ويقول، فلعل السماء موحية إلى الأرض بلسانه وحيا في هذه الضلالة التي عمت الناس وفتنتهم بالنساء والغناء.

ولما كان غد جاء الناس إرسالاً إلى المسجد، حتى أجتمع منهم الجمع الكثير: قال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار: وكنت رجلا شابا من فتيان المدينة، وفي نفسي من الدنيا ومن هوى الشباب، فغدوت مع الناس، وجئت وقد تكلم أبو محمد وأفاض، ولم أكن رأيته من قبل، فنظرت إليه فإذا في مجلسه كأنه هو غراب أسود، إذ كان أبن أمة سوداء تسمى (بركة) ورأيته أسود أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلا،

ص: 5

ولكنك تسمعه يتكلم فتظن والله أن هذه قطعة ليل تسطع فيها النجوم، وتصعد من حولها الملائكة وتنزل

قال: وكان مجلسه في قصة يوسف عليه السلام، ووافقته وهو يتكلم في تأويل قوله تعالى:(وراوَدَتْه التي هو في بيتها عن نَفسهِ. وغَلَّقَتِ الأبواب وقالت: هَيْتَ لك. قال: مَعَاذَ الله. إنه ربيّ أَحْسَنَ مَثْواي. إنه لا يُفلِحَ الظالمون. ولقد هَمَّت به وَهَمَّ بها لولا أَنْ رأَى بُرْهَانَ ربَّه: كذلك لِنَصْرفَ عنه السوء والفحشاءَ)

قال عبد الرحمن: فسمعت كلاما قدسيا تضع له الملائكة أجنحتها من رضى وإعجاب بفقيه الحجاز. حفظت منه قوله: عجبا للحب! هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس، ولكن أين ملكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت:(وراودته التي) و (التي) هذه كلمة تدل على كل امرأة كائنة من كانت، فلم يبق على الحب ملك ولا منزلة، وزلت الملكة من الأنثى!

وأعجب من هذا كله (راودته) وهي بصيغتها للمفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها لون بعد لون، ذاهبة إلى فن راجعة من فن، لأنها من رودان الإبل في مشيتها، تذهب وتجيء في رفق. وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها، ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها، وكما يصور كبرياء الأنثى، إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي، كأنما هي شيْ أخر غير طبيعتها، فمهما تتهالك على من تحب وجب أن يكون لهذا (الشيء الآخر) مظهر امتناع أو مظهر تحير أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة.

ثم قال: (عن نفسه) ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في إغوائه وتصبيه، مقبلة عليه ومتدللة ومتبذلة ومنصبة من كل جهة، بما في جسمها وجمالها على طبيعته البشرية، وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت أول ما خلعت أمام عينيه ثوب الملك.)

ثم قال (وغلقت الأبواب) ولم يقل (أغلقت) وهذا يشعر أنها لما يأست، ورأت منه محاولة الانصراف، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالا عدة، وتجري من

ص: 6

باب إلى باب، وتضطرب يدها في الإغلاق، كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط.

(وقالت هَيْت لك) ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى أخر حدوده، فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في أشد إهتياجها وغليانها!

هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنوثة نازلة من أعلاها إلى أسفلها. فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها ولم يبق وراء ذلك شيء تستطيعه أو تعرضه بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، فقال يوسف:(معاذ الله) ثم قال: (إنه ربي أحْسَنَ مَثواي) ثم قال: (إنه لا يفلح الظالمون) وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة الجميل، وكراهة الظلم. ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها، ولم يفتأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد أنحصر في فكرة واحدة اجتمعت بكل أسبابها في زمن في مكان في رجل، فهي فكرة محتسبة كأن الأبواب مغلقة عليها أيضا، ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها، وهنا يسود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره العجز فيقول (ولقد همت به) كأنما يومي بهذه العبارة إلى إنها ترامت عليه، وتعلقت به، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة، وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم. . .!

جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطانالذي يقذف به في أخر محاولته. وهنا يقع ليوسف عليه السلام برهان ربه كما وقع لها هي برهان شيطانها. فلولا برهان ربه لكان هم بها، ولكن رجلا من البشر في ضعفه الطبيعي.

قال أبو محمد: وههنا ههنا المعجزة الكبرى، لأن الآية الكريمة تريد ألا تنفى عن يوسف عليه السلام فحولة الرجولة، حتى لا يظن به، ثم هي تريد من ذلك أن يتعلم الرجل، وخاصة الشبان منهم، كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق الشهوات، حتى في الحالة التيهي نهاية قدرة الطبيعة، حالة ملكة مطاعة فاتنة عاشقة مختلية متعرضة متكشفة متهالكة. هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل، فإن الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئا من هذا - هي أن يرى برهان ربه.

وهذا البرهان يؤوله كل إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال كلها فيفضها

ص: 7

كلها، فإذا مثل الرجل نفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة أمام الله يراهما، وأن أماني القلب التي تهجس فيه ويظنها خافية، إنما هي صوت عال يسمعه الله، وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع الثرى في جسمه هذا، أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل، أو فكر في أن هذا الإثم الذي يقترفه الآن سيكون مرجعه عليه في أخته أو بنته - إذا فكر في هذا ونحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة، كما يكون السائر في الطريق غافلا مندفعا إلى هاوية، ثم ينظر فجأة فيرى برهان عينه، أترونه يتردى في الهاوية حينئذ، أم يقف دونها وينجو، احفظوا هذه الكلمة الواحدة التي فيها أكثر الكلام، وأكثر الموعظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في المعركة بين الرجل والمرأة والشيطان، كلمة (رأى برهان ربه). قال عبد الرحمن بن عبد الله وهو يتحدث إلى صاحبه سهيل بن عبد الرحمن: ولزمت الإمام بعد ذلك، وأجمعت أن أتشبه به، وأسلك في طريقه من الزهد والمعرفة، ثم رجعت إلى المدينة وقد حفظت الرجل في نفسي كما أحفظ الكلام، وجعلت شعاري في كل نزعة من نزعات النفس هذه الكلمة العظيمة:(رأى برهان ربه)، فما ألمت بإثم قط، ولا دانيت معصية، ولا يرهقني مطلب من مطالب النفس إلى يوم الناس هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، فإن هذه الكلمة ليست كلمة، وإنما هي كأمر من السماء تحمله تمر به أمنا على كل معاصي الأرض فما يعترضك شيء منها كان معك خاتم الملك تجوز به. قال سهيل: فلهذا لقبك أهل المدينة (بالقس) لعبادتك ولزهدك وعزوفك عن النساء، وقليل لك والله يا أبا عبد الله، فلو قالوا: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك، لصدقوا.

قالت سلامة جارية سهيل بن عبد الرحمن المغنية الحاذقة الطريفة، الجميلة الفاتنة، الشاعرة القارئة، المؤرخة المتحدثة، التي لم يجتمع في امرأة مثلها حسن وجهها، وحسن غنائها، وحسن شعرها - قالت: واشتراني أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بعشرين ألف دينار (عشرة آلاف جنيه) وكان يقول: ما يقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة، ثم قال حين ملكني: ما جاء بعد من أمر الدنيا فليفتني، قالت: فلما عرضت عليه أمرني أن أغنيه، وكنت كالمخبولة من حب عبد الرحمن القس، حباً أراه فالقا كبدي، آتيا على حشاشتي، فذهب عني والله كل ما أحفظه من أصوات الغناء، كما يسمح اللوح بما كتب فيه، وأنسيت الخليفة وأنا بين يديه، ولم أر إلا عبد الرحمن ومجلسه مني سألني أن أغنيه

ص: 8

بشعره في، وقولي له يومئذ: حبا وكرامة وعزازة لوجهك الجميل. وتناولت العود وجسته بقلبي قبل يدي، وضربت عليه كأني أضرب لعبد الرحمن، بيد أرى فيها عقلا يحتال حيلة امرأة عاشقة. ثم اندفعت أغني بشعر حبيبي:

إن التي طَرقَتْك بين ركائب

تمشي بِمزْهَرها وأنتَ حَرام

لِتَصِيدَ قلبَكَ أو جزاء مودَّةٍ

إن الرفيقَ له عليكَ ذِمامُ

باتتْ تُعَلِّلُنا وتَحْسِب أنَنا

في ذاك أيقاظٌ، ونحن نيامُ

وغنيته والله غناء والهة ذاهبة العقل كاسفة البال، ورددته كما رددته لعبد الرحمن، وأنا إذ ذاك بين يديه كالوردة أول ما تتفتح. وأنا أنظر إليه وأتبين لصوتي في مسمعيه صوتا أخر. . . وقطعته ذلك التقطيع، ومددته ذلك التمديد، وصحت فيه صيحة قلبي ونفسي وجوارحي كلها كما غنيت عبد الرحمن، لكيما أؤدي إلى قلبه المعنى الذي في اللفظ، والمعنى في النفس جميعا، ولكيما أسكره - وهو الزاهد العابد - سكر الخمر بشيء غير الخمر، وما أفقت من هذه الغشية إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي على إنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن أكون قدافتضحت عنده، ولكن غلبته شهوته، وكان جسدا بما فيه، يريد جسدا لما فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير. واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني، فلم أشعر إلا وأنا أغنيه بشعر عبد الرحمن:

ألا قُلْ لهذا القلبِ: هل أنت مُبْصرُ

وهل أنتَ عن سلاّمةَ اليومَ مُقْصرُ

إذا أخَذَتْ في الصوتِ كاد جليسُها

يطيرُ إليها قلبُه حين تنظرُ

وأديته على ما كان يستحسنه عبد الرحمن ويطرب له، إذ يسمع فيه همسا من بكائي، ولهفة مما أجد به، وحسرة على أنه ينسكب في قلبي وهو يصد عني ويتحاماني، وما غنيت:(وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر) إلا في صوت تنوح به سلامة على نفسها وتندب وتتفجع!

فقال لي يزيد وقد فضحت نفسي عنده فضيحة مكشوفة: يا حبيبتي، من قائل هذا الشعر؟

قلت: أحدثك بالقصة يا أمير المؤمنين؟

قال: حدثيني

ص: 9

قلت: هو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه، وهو في المدينة يشبه عطاء بن أبي رباح، وكان صديقا لمولاي سهيل، فمر بدارنا يوما وأنا أغني فوقف يسمع، ودخل علينا (الأحوص) فقال، ويحكم، لكأن الملائكة والله تتلو مزاميرها بحلق سلامة، فهذا عبد الرحمن القس قد شغل بما يسمع منها، وهو واقف خارج الدار. فتسارع مولاي فخرج إليه ودعاه إلى أن يدخل فيسمع مني فأبى، فقال له: أما علمت أن عبد الله بن جعفر، وهو من هو في محله وبيته وعلمه قد مشى إلى جميلة أستاذة سلامة حين علم أنها آلت إليه ألا تغني أحدا إلا فيمنزلها، فجاءها فسمع منها، وقد هيأت له مجلسها، وجعلت على رؤوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلي، وقامت هي على رأسه، وقام الجواري صفين بين يديه، حتى أقسم عليها فجلست غير بعيد، وأمرت الجواري فجلسن، ومع كل جارية عودها، ثم ضربن جميعا وغنت عليهن، وغنى الجواري على غنائها، فقال عبد الله، ما ظننت أن مثل هذا يكون! وأنا أقصدك في مكان تسمع من سلامة ولا تراها، إن كنت بالمنزلة التي لم يبلغها عبد الله بن جعفر!

قالت سلامة: وكانت هذهيا أمير المؤمنين - رقية من رقى إبليس، فقال عبد الرحمن: أما هذه فنعم. ودخل الدار وجلس حيث يسمع، ثم أمرني مولاي فخرجت إليه خروج القمر مشبوبا من سحابة كانت تغطيه، فما رآني حتى علقت بقلبه، وسبح طويلا طويلا، وما رأيته حتى رأيت الجنة والملائكة، ومت عن الدنيا وانتقلت إليه وحده. . .

قالت سلامة وافتضحت مرة أخرى، فتنحنح يزيد. . . فضحكت وقلت يا أمير المؤمنين، أحدثك أم حسبك؟ قال: حدثيني ويحك! فوالله لو كنت في الجنة كما أنت لعدت قصة أدم مع واحد واحد من أهلها حتى يطردوا جميعا من حسنها إلى حسنك، فما فعل القس ويحك؟ قلت يا أمير المؤمنين، إنه كان يدعى القس قبل أن يهواني. فقال يزيد وهل عجب وقد فتنته أن يطرده (البطريق) قلت: بل العجب وقد فتنته أن يصير هو البطريق. . .!

فضحك يزيد وقال: إيه، ما أحسب الرجل إلا قد دهي منك بداهية! فحدثيني فقد رفعت الغيرة، إني والله ما أرى هذا الرجل في أمره وأمرك إلا كالفحل من الإبل، قد ترك من الركوب والعمل، ونعم وسمن للفحلة، فند فذهب على وجهه، فأقحم في مفازة، وأصاب

ص: 10

مرتعا فتوحش واستأسد، وتبين عليه أثر وحشيته، وأقبل إقبال الجن من قوة ونشاط وبأس شديد، فلما طال انفراده وتأبده عرضت له في البر ناقة كانت قد بدت من عطنها، وكانت فارهة جسيمة قد انتهت سمنا وغطاها الشحم واللحم، فراها البازل الصئول فهاج وصال وهدر، يخبط بيده ورجله، ويسمع لجوفه دوي من الغليان، وإذا هي قد ألقت نفسها بين يديه! أما والله لو جعل الشيطان في يمينه رجلا فحلا جميلا، وفي شماله امرأة جميلة تهواه، ثم تمطى متدافعا ومد ذراعيه فابتعدا، ثم تراجع متداخلا وضم ذراعيه فالتقيا، لكان هذا شأن ما بينك وبين القس!

قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما كان صاحبي في الرجال خلا ولا خمرا، وما كان الفحل إلا الناقة. . .! وما أحسب الشيطان يعرف هذا الرجل، وهل كان للشيطان عمل مع رجل يقول. إني أعرف دائما فكرتي، وهي دائما فكرتي لا تتغير. ذاك رجل أساسه كما يقول (برهان ربه) ولقد تصنعت له يا أمير المؤمنين، وتشكلت وتحليت وتبرجت، وحدثت نفسي منه بكثير، وقلت أنه رجل قد غير شبابه في وجود فارغ من المرأة، ثم وجد المرأة في. وغنيته يا أمير المؤمنين غناء جوارحي كلها، وكنت له كأني حرير ناعم يترجرج وينشر أمامه ويطوى، وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس، وكنت من ذلك بين يديه كالفاكهة الناضجة الحلوة تقول لمن يراها: كلني. . .!)

قال يزيد: ويحك ويحك! وبعد هذا؟

قلت: بعد هذا يا أمير المؤمنين، وهو يهواني الهوى البرح، ويعشقني العشق المضني - لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه بالذهب. . . بالذهب الذي يتعامل به!

فضحك يزيد وقال: لا والله، لقد عرض الشيطان منك ذهبه ولؤلؤه وجواهره كلها، فكيف لعمري لم يفلح، وهو لو رشاني من هذا كله بدرهم لوجد أمير المؤمنين شاهد زور. . .!

قلت: ولكني لم أيأس يا أمير المؤمنين، وقد أردت أن أظهر امرأة فلم أفلح، وعملت أن أظهر شيطانة فإنخذلت، وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير طبيعة، وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره رأيت في عينيه ما لا يتغير كنور النجم، وكانت بعض نظراته لي والله كأنها عصا المؤدب، وكأنه يرى في جمالي حقيقة من العبادة، ويرى في

ص: 11

جسمي خرافة الصنم، فهو مقبل على جميلة، ولكنه منصرف عني امرأة. لم أيأس على كل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن أول الحب يطلب أخره أبدا إلى أن يموت. وكان يكثر من زيارتي، بل كانت إلى الغدوة والروحة، من حبه إياي وتعلقه بي، فواعدته يوما أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه (ألا قل لهذا القلب. .) وكنت لحنته ولم يسمعه بعد. ولبثت نهاري كله أستروح في الهواء رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه، وأتمثل ظلام الليل كالطريق الممتد إلى شيء مخبوء أعلل النفس به. وبلغت ما أقدر عليه في زينة نفسي وإصلاح شأني، وتشكلت في صنوف من الزهر، وقلت لأجملهن وهي الوردة التي وضعتها بين نهدي: يا أختي، اجذبي عينه إليك، حتى إذا وقف نظره عليك فأنزلي به قليلا أو أصعدي به قليلا. قال يزيد وهو كالمحموم: ثم ثم ثم؟

قلت يا أمير المؤمنين: ثم جاء مع الليل، وإن المجلس لخال ما فيه غيري وغيره، بما أكابد منه وما يعاني مني. فغنيته أحر غناه وأشجاه، وكان العاشق فيه ليطرب لصوتي، ثم يطرب الزاهد فيه من أنه استطاع أن يطرب، كما يطيش الطفل ساعة ينطلق من حبس المؤدب. وما كان يسوؤني إلا أن تمارس في الزهد ممارسة، كأنما أنا صعوبة إنسانية فهو يريد أن يغلبها، وهو يجرب قوى نفسه وطبيعته عليها، أو كأنه يراني خيال امرأة في مرآة، لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها، أو أنا عنده كالحورية من حور الجنة في خيال من هي ثوابه، تكون معه، وإن بينها وبينه من البعد ما بين الدنيا والآخرة، فأجمعت أن أحطم المرآة ليراني أنا نفسي لا خيال، واستنجدت كل فتنتي أن تجعله يفر إلي كلما حاول أن يفر مني.

فلما ظننتني ملأت عينيه وأذنيه ونفسه، وانصبت إليه من كل جوارحه، وهجت التيار الذي في دمه ورفعته رفعا - قلت له: أنت يا خليلي شيء لا يعرف، أنت شيء متلفف بإنسان، ومن التي تعشق ثوبا ليس فيه لابسه؟

ورأيته والله يطوف عند ذلك بفكره، كما أطوف أنا بفكري حول المعنى الذي أردته. فملت إليه وقلت: أنا والله أحبك!)

فقال): وأنا والله الذي لا اله إلا هو)

قلت: (وأشتهي أن أعانقك وأقبلك!)

ص: 12

قال: (وأنا والله!)

قلت: (فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخال!)

قال: يمنعني قول الله عز وجل: (الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة)

إني أرى (برهان ربي) يا حبيبتي، وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك وأن تكوني من سيئاتي، ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى، ولكني أحب ما فيك أنت بخاصتك، وهو الذي لا أعرفه ولا أنت تعرفينه، هو معناك يا سلامة لا شخصك. ثم قام وهو يبكي، فما عاد بعد يا أمير المؤمنين، ما عاد بعد ذلك، وترك لي ندامتي وكلام دموعه! وليتني لم أفعل، فقد رأى أن المرأة تكشف وجهها للرجل أحيانا، وكأنها لم تلق حجابها بل ألقت ثيابها. . . .

طنطا

مصطفى صادق الرافعي

ص: 13

‌الصراع بين الحبشة والاستعمار الغربي وهل يريد

‌الاستعمار غزوها؟

للأستاذ محمد عبد الله عنان

وقعت أخيراً عدة حوادث ومصادمات خطيرة على حدود الحبشة بين الإيطاليين والأحباش؛ وكان المظنون أن الكدر الذي أصاب العلائق الحبشة الإيطالية من جراء حادث الإعتداء على القنصلية الإيطالية في جوندار قد زال بعد إعذار الحكومة الحبشية وقيامها بالترضية المطلوبة. ولكن حادثاً أشد خطورة وقع منذ أيام قلائل على الحدود الحبشية مما يلي السومال الإيطالي؛ فقد نشبت معركة دموية شديدة بين قوة من الأحباش وقوة من الإيطاليين عند مركز اولوال الذي يدعيه كل منهما، قتل وجرح فيها من الفريقين عدد كبير يقدر بالمئات؛ وقد وقف القتال على أثر ذلك، وانسحب الأحباش إلى داخل الحدود، ورفعت الحكومة الحبشية الأمر إلى عصبة الأمم؛ ولكن الجو مازال كدراً مثقلاً بمختلف الاحتمالات

ومما يلفت النظر بنوع خاص أن يقع هذا التوتر وهذه الحوادث الخطيرة بين الدولتين عقب الزيارة الملكية التي قام بها ملك إيطاليا في الارتيريا والسومال، والمظاهرات العسكرية التي نظمتها السلطات الإيطالية بهذه المناسبة. ولا ريب أن طواف ملك إيطاليا بالأملاك الإيطالية في أفريقيا الشرقية لم يكن بقصد النزهة والتريض، ولكنها زيارة سياسية ظاهرة المغزى، وطليعة خطة جديدة تزمع إيطاليا الفاشستية انتهاجها في سياستها الاستعمارية. ومن المعروف أن إيطاليا الفاشستية تعني عناية شديدة بالتوسع الاستعماري، وأنها خطت في ذلك السبيل خطوات واسعة في طرابلس، حيث استطاعت أن توغل في داخلها بعد أن لبثت منذ غزوها تقتصر على احتلال البلاد الساحلية إلى مسافة قصيرة، واستطاعت بواسطة إنكلترا أن تنتزع واحة جغبوب المصرية وما يليها بمقتضى المعاهدة المعروفة، وأن تصحح بذلك حدودها على حساب الأراضي المصرية؛ بل لقد استطاعت أخيراً أن تنتزع بواسطة إنكلترا أيضاً جزءاً من واحة العوينات السودانية وأن تضمها إلى برقة الجنوبية، ونزلت لها إنكلترا عن تلك المنطقة بإسمها وبإسم مصر، ومصر لا تعلم بشيء من ذلك ولم يطلب رأيها فيه. وتبدي إيطاليا الفاشستية نشاطاً واضحاً في تنظيم مستعمراتها الأفريقية وتقوية نفوذها الإستعماري، وتجعل التوسع الاستعماري أساساً

ص: 14

لسياستها الأوربية، فتشترط لتفاهمهما مع فرنسا ن تحصل على حقوق ويا استعمارية في جنوب تونس، وفي منطقة تشاد، وتدعو إلى تعديل معاهدة الصلح (معاهدة فرساي)، وتحاول أن تثير مسألة الانتدابات الاستعمارية التي استأثرت بها فرنسا وإنجلترا وحرمت هي منها فلم تظفر بشيء من أسلاب ألمانيا أو الدولة العثمانية؛ هذا إلى اهتمامها بتقوية نفوذها في كثير من الأمم الشرقية، ومضاعفة جهودها في نشر تجارتها ونفوذها الاقتصادي

ومن الطبيعي أن تخص إيطاليا المنطقة الحبشية بمعظم جهودها واهتمامها، فهي تملك في تلك المنطقة مستعمرتين كبيرتين هما بلاد الأريترية التي تحد الحبشة من الشمال الشرقي وتحجب عنها ساحل البحر الأحمر، وبلاد السومال الإيطالي، وهي تحد الحبشة من الجنوب الشرقي، وتحجب عنها ساحل المحيط الهندي. بيد أن هذا الاهتمام ليس حادثاً وطارئاً؛ فقد بدأت إيطاليا عصرها الاستعماري في تلك المنطقة، وامتلكت بها أول مستعمرة إيطالية. وكان ذلك سنة 1885، وقت أن كانت الدول الكبرى تنظم اقتسام أفريقية إلى أملاك ومستعمرات، فاستطاعت إيطاليا أن تضع يدها على ثغر مصوع وأن تحتل بلاد الإريترية؛ وكانت السياسة الإيطالية تتطلع يومئذ إلى التوسع في تلك المنطقة، وإلى إنشاء إمبراطورية استعمارية إيطالية في شرق أفريقية؛ ولم يكن يحقق ذلك الحلم سوى الاستيلاء على بلاد الحبش؛ فاتخذت من الإريترية قاعدة لتحقيق هذه السياسة، وكانت الحبشة تجوز يومئذ ظروفاً سيئة من تعاقب الثورات والخلافات الداخلية، وكان الغزو الأوربي قد استطاع أن يفذ إليها قبل ذلك بأعوام قلائل؛ ففي سنة 1868، نفذت حملة إنكليزية بقيادة نابيير إلى بلاد الحبشة لتعمل على إنقاذ بعض المبعوثين والرعايا الإنجليز الذين اعتقلتهم حكومة الحبشة وأبت إطلاق سراحهم، وكان المتغلب على الحبشة يومئذ زعيم يدعي كاساي، الذي تلقب باسم الملك (النجاشي) تيودور، فهزم واضطر إلى التسليم، وانتحر على أثر ذلك، وانسحب الإنكليز بعد أن أملوا شروطهم وحققوا غايتهم. وقام على عرش الحبشة النجاشي يوحنا الثاني، وفي عهده تقربت إيطاليا من الحبشة وعقدت معها صلات ودية وثيقة سرعان ما تحولت إلى نوع من الوصاية. واستمرت إيطاليا تعمل على تقوية نفوذها وسلطانها في الحبشة حتى توفي يوحنا الثاني سنة 1889 وخلفه منليك أمير شووا؛ وكان النير الإيطالي قد اشتدت وطأته يومئذ، وضعفت الحبشة واضطربت شئونها إلى حد

ص: 15

استطاعت معه أن تفرض إيطاليا عليها معاهدة تقضي بوضعها تحت الحماية الإيطالية، وهي المعروفة بمعاهدة (أوشالي)(سنة 1889) وعندئذ تغلغل النفوذ الإيطالي في الحبشة، وسيطرت إيطاليا على شئونها ومصايرها، وأخذت تطمح إلى امتلاكها وضمها. ولكن شاء القدر أن يكون منليك، ذلك الأمير الذي ضاعت في عهده الحريات الحبشية هو نفس الأمير الذي يقوم بتحريرها من النير الأجنبي. ففي سنة 1895، اضطرمت الحبشة بثورة عظيمة ضد النفوذ الأجنبي بزعامة منليك، ونشبت الحرب بين الإيطاليين والأحباش، وهزم الإيطاليون هزيمة ساحقة في (عدوه) من أعمال ولاية تجري في قاصية شمال الحبشة، وذلك في أول مارس سنة 1896، وأرغمت إيطاليا على أن تعقد مع الحبشة معاهدة جديدة تعترف فيها باستقلالها (معاهدة تأديس أبابا)، وبذلك استردت الحبشة حرياتها التي لم يطل أمد ضياعها، وانهارت آمال الاستعمار الإيطالي؛ واستمر منليك الثاني، أو منليك الأكبر محرر الحبشة يسهر على ما يرها بقوة وعزم، ويسير بها في سبيل المدينة والإصلاح والتقدم حتى توفي سنة 1913. وفي عهده نظمت الحبشة علائقها مع الدول الأوربية، وعقدت معاهدة صداقة مع بريطانيا العظمى، واستطاعت أن ترغم الدول الاستعمارية على احترامها وعلى الحد من أطماعها

وفي سنة 1906 عقد بين إيطاليا وبريطانيا وفرنسا تحالف ثلاثي يقضي بالعمل المشترك لحماية أراضيها ومصالحها في تلك المنطقة، وهو تحالف تجدد في سنة 1925، ولما توفي منليك الثاني في سنة 1913، خلفه حفيده ابن ابنته (ليجي ياسو)، وقد كان أبوه الراس مخائيل مسلماً فتنصر تحقيقاً لأطماعه وتزوج من ابنة منليك. ثم نشبت الحرب الكبرى، واضطرمت الدسائس حول ليجي ياسو؛ واتهم بممالأة المسلمين الذين ينتمي إليهم بأصله ودمه، ثم اتهم بالارتداد عن النصرانية؛ ولكن الواقع أن ليجي ياسو كان يرى أن مصلحة الحبشة أثناء الحرب تقضي باتجاهها نحو التحالف الجرماني التركي وابتعادها عن دول الحلفاء؛ فخشي الحلفاء ولاسيما إنكلترا عاقبة هذا الاتجاه، وأخذت تعمل لإثارة الشعب الحبشي ضد أميره، وألفت في بطريرك الحبشة القبطي خير أداة لحياكة هذه الدسائس، فاستعمل الدين وسيلة لإضرام الثورة وألفى الزعماء المستقلون فرصتهم، وهزم ليجي ياسو بعد وقائع وخطوب جمة؛ وأعلنت (زوديتو) ابنة منليك لاكبرى إمبراطورة للحبشة، (سنة

ص: 16

1916) وعين الراس تافري ماكنن وصياً للعرش وولياً؛ وكان هو الملك وهو الحاكم، ولم يكن للإمبراطورة من السلطة الحقيقية شيء؛ وبعد بضعة أعوام أعلن الراس تافري نفسه إمبراطوراً إلى جانب الإمبراطورة زوديتو؛ ولما توفيت الإمبراطورة سنة 1930، استقل الراس تفري بعرش الحبشة باسم الإمبراطور (هيلي سلاسي)؛ وكان أعظم حادث سياسي في عهده انضمام الحبشة إلى عصبة الأمم. وفي عهده قطعت الحبشة مراحل عظيمة في سبيل التقدم والتجديد، وبذلت جهوداً كبيرة لتنظيم قواتها الدفاعية وتزويدها بوسائل التسليح الحديثة؛ ونظمت الحبشة علائقها السياسية والتجارية مع معظم الدول الأوربية، واستطاعت أن ترد عادية النفوذ الأجنبي عن استقلالها وحرياتها

ولكن السياسة الاستعمارية تعود اليوم فتتربص بالحبشة؛ وتعود إيطاليا فتتجه ببصرها وأطماعها إلى تلك المنطقة؛ وظاهر أن نشاط إيطاليا في الإرترية والسومال، وما تبدي هنالك من الاستعدادات الحربية، وأن زيارة ملك إيطاليا لهاتين المستعمرتين، وأن تحرش إيطاليا بالحبشة ومحاولتها أن تدفع حدود السومال إلى داخل الأراضي الحبشية مما أدى إلى حادث أولوال الدموي؛ ظاهر من ذلك كله أن إيطاليا مقبلة على تنفيذ خطة استعمارية جديدة في تلك المنطقة. ومما تجدر ملاحظته أولاً أن لفرنسا وإنجلترا مصالح هامة في تلك المنطقة، فإنكلترا تحتل السومال الإنكليزي، وتحتل فرنسا السومال الفرنسي وثغره جيبوتي الذي هو مخرج التجارة الحبشية من جهة البحر الأحمر، والذي يتصل بعاصمتها أديس أبابا بالسكة الحديدية. ولكن فرنسا وإنجلترا تلتزمان الصمت والجمود إزاء النشاط الإيطالي نحو الحبشة، ويبدو تحفظ إنكلترا وحيادها بنوع خاص في أمرها لمندوبها في السومال وهو الذي شهد معركة الحدود بين الأحباش والإيطاليين في أولوال ألا يتدخل في النزاع مطلقاً، وأن ينسحب إلى الداخل. ومن المعروف أن التحالف الذي عقد بين إيطاليا وفرنسا وإنكلترا في سنة 1906 ، وجدد في سنة 1925 ، ينص على اعتراف الدولتين بتفوق المصالح الإيطالية في الحبشة. ولكن ذلك لم يكن ليكفي لحيدة إنكلترا في معركة بين الاستعمار الإيطالي والحبشة، لو لم يتدخل في الموقف عامل خطير آخر، هو ظهور اليابان على المسرح. فاليابان تبذل منذ أعوام جهوداً جبارة لغزو الأسواق العالمية في الشرق والغرب، وقد استطاعت أن تنافس التجارة البريطانية في معظم الأسواق منافسة خطيرة، وأن تخلق

ص: 17

لبريطانيا مشكلة اقتصادية عظيمة تهددها اليوم في تجارتها الإمبراطورية بأخطر العواقب؛ وظهرت اليابان في شرق أفريقية كما ظهرت في غيره، واستطاعت أن تغزو سوق الحبشة بسرعة، وأن تكسب عطفها وثقتها، حتى قيل بأن الإمبراطور ينوي أن يعهد في تدريب جيشه إلى خبراء عسكريين يابانيين. ولما كانت بريطانيا العظمى تعمل لإحباط هذا الغزو الياباني الخطر بكل ما وسعت، فقد رأت أن تطلق يد إيطاليا في المنطقة الحبشية لكي تعمل على مقاومة النفوذ الياباني، ورأت إيطاليا من جانبها أن تعمل لتحقيق مشاريعها الاستعمارية. وأما سكون فرنسا فيحمل على أنها ترى إرضاء التوسع الإيطالي في تلك المنطقة، مما يصرف نظر السياسة الإيطالية عن محاولة التوسع في منطقة بحيرة تشاد في السودان الغربي، ومما يهدئ ثورتها وأطماعها نوعاً؛ هذا ومن جهة أخرى، فإن إيطاليا تتطلع بنوع خاص إلى منطقة بحيرة تسانا الحبشية وإلى الانتفاع بمواردها، وبحيرة تسانا التي تغذي النيل الأزرق، وتعتبر من أهم منابع نهر النيل، تقع في شمال الحبشة على مقربة من الأريترية المستعمرة الإيطالية؛ وقد حاول بعض رجال المال الأمريكيين أن يباعوا من الحبشة امتيازاً باستغلال هذه المنطقة وكادوا يظفرون ببغيتهم رغم مقامة الساسة البريطانية؛ ولكن الإمبراطور هيلي سلاسي راى أخيراً أن يحتفظ بهذا المورد للحبشة؛ وإنكلترا تؤثر أن تقع هذه المنطقة تحت النفوذ الإيطالي إذا لم تستطع هي أن تبسط نفوذها عليها؛ وإيطاليا ترتب على التوسع في هذه المنطقة مشاريع زراعية واقتصادية كبرى

هذه هي ظروف المعركة التي يلوح لنا أن الاستعمار الإيطالي يعتزم أن يشهرها على الحبشة؛ وكحومة أديس أبابا ليست غافلة عن الخطر الذي يهددها، فهي تشعر بما وراء السياسة الإيطالية من المشاريع والمطامع. والحبشة كما ذكرنا من أعضاء عصبة الأمم؛ وقد رأت على أثر الحوادث الأخيرة أن تطلب إلى الحكومة الإيطالية قبول التحكيم معها إلى هيئة دولية؛ ولكن رومة رفضت هذا الاقتراح، ورفعت الحبشة الأمر إلى عصبة الأمم بالتطبيق للمادة الحادية عشرة من ميثاق العصبة وهي التي تنص على حالة خط الحرب الذي يهدد أحد أعضاء العصبة،

وعلى وجوب اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لصون السلام. والظاهر أن حكومة رومة لا تحفل أيضاً بتدخل عصبة الأمم، وأنها ماضية في خطتها العدائية نحو الحبشة، لأنها تقدمت

ص: 18

إلى حكومة أديس أبابا بطلب تعويضات وترضيات جديدة عن حادث أولوال. وليس من ريب أيضاً في أن الحبشة لم تلتجئ إلى عصبة الأمم إلا قياماً بواجبها الدولي، وأنها لا تعتمد على العصبة في رد شيء مما يهددها من عدوان الاستعمار الغربي، لأنها تعلم أن العصبة لا تملك شيئاً من الأمر؛ والحبشة تشعر بهذا الخطر وتقدره بلا ريب منذ بعيد، وتعمل دائماً على رده بكل ما وسعت. ومهما يكن من مظاهر القوة التي تبديها السياسة الفاشستية، فإنا لا نعتقد أنها قادرة على أن تغزو بالقوة المادية بلاداً وعزة كالحبشة، وعلى أن تخضع بالسيف شعباً شديد المراس كالشعب الحبشي، وفي وسع حكومة رومة أن تنظم من المظاهرات ما شاءت، ولكنها مازالت بلا ريب تذكر الدرس القاسي الذي ألقته الحبشة على الجيش الإيطالي في (عدوه)، من جيل فقط

محمد عبد الله عنان المحامي

ص: 19

‌ما نرى في الغردقة

في محطة الأحياء البحرية التابعة للجامعة المصرية

للدكتور كبروسلاند مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة

أعدت محطة الأحياء البحرية بالغردقة للأبحاث العلمية البحتة، فليس بنا من حاجة إلى معرض نربي فيه بعض الحيوانات الجميلة التي تعيش بالبحر الأحمر. ولكن كثيرا ما يعني زائرو المحطة بجمع هذه الحيوانات للتمتع بمشاهدتها في المرابي كل في معمله المعد له. وقد نجحت المعدات التي زودنا بها هذه المرابي نجاحا باهرا، فقد عاش أغلب هذه الحيوانات عيشة صحية بضعة أسابيع أو أشهر حتى يغادر صاحبها المحطة فيطلق سبيلها في اليم أو تقتل لتحفظ في المتحف. والمعدات التي هيأناها للمرابي هي: -

أولا - أن تزود بسيال مستمر من ماء البحر الطازج الذي يؤخذ تواً من نهاية الرصيف حيث يكون صافيا لا يحتاج إلى ترشيح، فيوضع في صهريج صغير يملأ ثلاث مرات يوميا، ومنه يوزع على المرابي.

ثانيا - تجري المياه في أنابيب مصنوعة من السليوليد (الطبخ) وصنابير من السليوليد أو الولكنت أما المضخة فمبطنة بالخزف. وبذلك لا تتصل المياه في طريقها من البحر إلى المربي بأي معدن.

كثير من الأسماك الاستوائية جميل في لونه، وبعضها كفرس البحر والأمفسيل غريب في شكله كما جاء في مقالي السابق (بالرسالة)، وكثيرا ما نحصل هنا على فرس البحر والأمفسيل، فيعيش الأول في المربي ويموت الثاني بمجرد إخراجه من البحر. وغير هذين النوعين يوجد أبو صندوق ، والدرمة ، وقد اقتفينا من هذه سمكة صغيرة كانت تسبح بزعانفها فقط، بينما تجر ذنبها ملتويا إلى جسمها، فإذا اهيجت سبحت به بسرعة ونشاط.

ويشاهد أحيانا الرعاد ويعرف هنا (بالرجدة) ، على الشاطئ الرملي بجوار المعامل، وهو سمك كهربائي يحدث رعشة خفيفة ولكنها كافية لأن تحمل (سيباء) على أن تلقي بنفسها خارج المربى الذي كانا يعيشان فيه سويا. وتوجد أنواع من الأسماك الصغيرة مثل الكشكوشة في أسراب كبيرة بجوار المرسى تعيش على الأحياء الدقيقة المعلقة بالماء وأعجب خواصها مقدرتها على الحياة مدة طويلة في المربى، ولعلها تجد مقدارا كافيا من

ص: 20

هذه الأحياء المعلقة، وخاصة عندما يملأ الصهريج الخازن في المساء، إذ تكثر الأحياء المعلقة في المياه السطحية، كما تكفي تلك لغذاء المرجان وقرب البحر وغيرها.

وتحفظ الكشكوشة فريسة لحيوانين من أعجب حيوان المربى هما السيساء وزهرة البحر الكبيرة. تجثو السيساء أكثر الوقت على القاع وقد ضمت ثمانيا من أذرعها جنبا إلى جنب فتكون قلنسوة حول الفم. وتماتن السيساء القاع الذي تعيش عليه تماما، غير أن لها خطا أزرق براقا يحف زعنفتها. وهكذا تطل جاثمة في مكانها مختفية عن الأنظار حتى إذا دنت منها سمكة كالكشكوشة أطلقت عليها ذراعيها الطويلتين المختبئتين في جيب مخصوص وأمسكتاها يمصصانها، وفي برهة تتوارى السمكة في قلنسوة أذرعها القصيرة، وفي الوقت نفسه تظهر على جسم السيساء خطوط عريضة بنية داكنة تجعلها واضحة جلية. ذلك التغيير في اللون وغيره مما يحدث أثر أي حافز بدون حافز ظاهر يجعلها فتنة للناظرين، وإنه لمن الأهمية بمكان أن نبحث عن العلاقة الحقيقية بين ذلك التغيير في اللون والحوافز المختلفة.

وعندنا من الرخويات صدف اللؤلؤ، ذلك الذي يعيش حتى يقتله الإنسان طمعا في صدفة البراق، أو في اللؤلؤة يصادفها في كل نحو من عشرة آلاف صدفة.

والبرق من أعجب الرخويات وهي عديمة المحار. كثير منها جميل خلاب مادام حيا، فإن حفظ بعد الموت تحول إلى كتل لا شكل لها تكون أقرب إلى الطين لونا. وهناك عائلة من البزق من أهم مميزاتها أن أفرادها ذوات ألوان أخاذة، وفيما عدا ذلك لا تختلف أنواعها إلا في خواص طفيفة. ومن بين ردف العائلة كرومود وريدي نوع واحد ذو حجم لا بأس به يبلغ خمسة سنتيمترات طولا، وأثنين ونصفا عرضا، وهو من أقلها جمالا ومع ذلك فهو خلاب حقا. ظهره مسطح يمتد منه من الأمام قرنا الاستشعار، ويرجح انهما للشم، ومن الخلف عدة خياشيم ريشية منتظمةفي دائرة. لونه أسود مقلم طوليا بخطوط زرقاء - قد يكون جزء منها أو كلها أبيض - أما القرون والخياشيم فذات لون أصفر برتقالي زاه. ويحف الظهر خط من نفس اللون داخله خط أبيض. ولما كانت هذه البزق لا تلجأ عادة إلى الاختباء تحت الأحجار كما تفعل البزق المعتمة اللون كانت أداة طيبة للعرض. ولون هذه الحيوانات في جلائه ووضوحه إرهابي أعدائها التي تخشى طعمها الرديء.

ص: 21

ومنذ قريب عثرنا على نوع أخر من وجدت منه كثيرا في زنجبار منذ نيف وثلاثين عاما عند ما كنت أقوم بعمل مجموعة الأحياء للسير (شارلزإليت)، ولكني لم أره هنا من قبل برغم ألوانه الغريبة، جسمه أبيض يميل إلى الصفرة، تزينه نقط صفراء فاقعة، ويحفه خط بنفسجي وحلقة بيضاوية بنفسجية تحيط بقرني الاستشعار وأخرى تحيط بالخياشيم. ولهذه الحلقات يسمى

وأضخم هذه البزق وأجملها لونا هو ويسميه الصيادون هنا لسان البحر، يبلغ طوله نحو عشرين سنتيمترا، وله برنس عريض كثير الحواشي قرمزي اللون يحفه شريط أبيض قد تتخلله خطوط دقيقة مستعرضة، وتختلف نسبة هذا الشريط الأبيض، فقد لا توجد في بعض سلالات، وفي أخرى من المحيط الهندي (لم نرها بالبحر الأحمر) يداخله كثير من الصفرة.

ويذكر إليت أن هذا الحيوان كثير الانتشار، ولكني أعتقد أن حجمه الكبير ولونه الزاهي هما اللذان يساعدان على رؤيته. ولم أره إلا مرة واحدة في موطنه الطبيعي بين المرجان، وكل نماذجنا الأخرى حصلنا عليها بعد أن لفظها البحر على الشاطئ في فصل الربيع. وعند ما نلتقطه يظهر قدمه كنقر ضيق، فتبدو قبضته على السطح الذي يزحف عليه واهنة جدا، فإذا طغت الأمواج أزاحته عن موطنه وطفا على سطح البحر. ولكنه إذا وضع في المربى تفرطحت قدمه وأمسك بالقاع جيدا، فإن أهيج ترك القاع وأرتفع في الماء سابحا بتموجات غريبة. لعلكم لم تروا فيلا يطير، ولكننا هنا نرى بزاقة تسبح بنشاط. وليس لي عهد ببزاقة أخرى تقدر على السباحة ما عدا تورديسا في زنجبار، ولم أرها منذ ذلك الوقت. ومن خصائص هذا النوع أنه يخدر بسهولة بإضافة كبريتات المانيزيا إلى الماء الذي يعيش فيه، وبذلك يمكن قتله وحفظه على شكله وهو حي، غير أنه يفقد لونه بسرعة.

وكثير من الشوكيات يعيش طويلا في المربى، ويرى أنواع من قنفذ البحر لبعضها أشواك غليظة كمبسم الغليون (مثل أبي مباسم & ولغيرها أشواك دقيقة طويلة كالأسلاك، مثل الهلمان وأخرى قصيرة كالإبر، وقد يتجرد أبو مباسم من أشواكه كلها، ولا نعلم بالتحقيق هل ينبت عليه غيرها كما يكون الحال في الزقة الأوربية فإننا لم نحتفظ بالمرابي مدة كافية للفصل في ذلك. وبين نجوم البحر نجمة قرمزية اللون تزينها نقط زرقاء، كذلك كف مريم وهو يشبه النوع الإنجليزي كثيرا، ويزحف فوق القاع على أرجله الأنبوبية المدببة

ص: 22

بدلا من التسلق بالممصات كبعض الأنواع الأخرى.

أما المرجان فيسهل حفظه حيا في المرابي، وهو يتكون عادة من مستعمرات من عدد كبير من البوليبات متفاوتة الحجم، وأفضلها ما كانت بوليباته كبيرة كما في الشكل، ففي نوع من الفافيا مثل يبلغ قطر البوليب خمسة عشر ملليمترا، وفي يبلغ ثلاثين ملليمترا، ولكليهما عدة زوائد طويلة تقوم بالحس والغذاء.

وأضخم بوليبات المرجان هو مرجان عيش الغراب ، وهو ما يسميه الأهالي هنا بالطبق، وكلا الاسمين يدل تماما على شكله، ويتكون من قرص كبير له زوائد قصيرة. أما النوع المعروف باسم الذي يشبه زهرة البحر في طول زوائده فلا يوجد هنا تلك الأنواع تظهر طرائق تغذية المرجان بجلاء. والمعروف أن المرجان حيوان لحم ولكن ذلك العلم ليس كالعيان. وقليل من العلماء من مكنتهم الظروف من ملاحظة تغذية المرجان. أنها تقتنص الفريسة بالخلايا اللاسعة، وتحملها القرون والتيارات الهدبية إلى الفم. وفي مرجان عيش الغراب تحمل الأهداب وحدها الفريسة المشلولة (من أثر الخلايا اللاسعة) وفيه أيضا نشاهد ظاهرة هامة، وهي ارتكاس الحركات الهدبية وقد كانت تغذية المرجان مجالا لكثير من الشك حتى درسها ينج في الحاجز المرجاني العظيم باستراليا.

ويطل حيوان المرجان من هيكله الجيري في ظلمة الليل، ويختبئ فيه نهارا، حتى نور الصباح الكهربائي يبدو كأنه الجماد. ومن بين المرجان جنس يدعى تربناريا تطل بوليباته نهارا فتبدو صفراء فاقعة خارج الهيكل الأصفر الداكن. أما أجمل أجناس المرجان، فهو الدندورفيليا ففيه يبلغ قطر البوليب سنتيمترا، ويرتفع كالزهرة ذات الألوان المختلفة كالأصفر أو البرتقالي أو الأحمر ، أو القرمزي الأسود في ، ويظهر أن هذه الألوان تتفق مع انعدام الطحالب أن تعيش تحت هذا الحجاب من اللون الذي يحول دون أشعة الشمس إليها، فإن لون ، يشبه لون الورق البرتقالي الذي كان يستعمل قديما في لف ألواح التصوير (الفوتوغرافيا) ليقيها الضوء، وبينما يوجد هذا النوع في أماكن ظليلة ينمو ، كبقية المرجان في الأماكن المعرضة لضوء الشمس.

وعندنا من زهور البحر الشيء الكثير، وليس منها ما يعدل في بهائه زهرة البحر الريشية التي نراها كثيرا في مرابي أوربا. ولكن الزهرة التي يسميها روبل من أكبر

ص: 23

أنواع الزهور في العالم - التي تعيش لعدة أشهر في المربى، وتعايشها دائما (كبقية الزهور الكبيرة في المنطقة الحارة) سمكة أنيقة فأينما وجدنا الزهرة على مقربة منها والعكس بالعكس. فإذا أوجست خيفة من شيء هرعت إلى الزهرة وتحصنت بين قرونها من أعدائها. ولا نعرف لماذا لا تلسع الزهرة هذه السمكة فتقتلها كما تفعل مع غيرها ومع أكبر منها. ويمكننا أن نشاهد تبادل المنفعة بين الحيوانين إذا وضعنا معهما سردينة صغيرة. فإننا نشهد مأساة من ماسي الطبيعة التي يتألم لها الإنسان، إذ تهيج السمكة المعايشة وتطارد السردينة هنا وهناك حتى تلامس قرون زهرة البحر وتلتصق بها، ثم لا تلبث أن تنفر منها، ولكن سرعان ما يصيبها الشلل ويعتريها اللهاث فتنقض عليها السمكة وتجرها من ذنبها إلى الزهرة، فتجاهد جهادا عنيفا قد تفلت بعده، وهكذا تتكرر المأساة حتى تخر صريعة فتنطوي عليها قرون الزهرة وتزج بها إلى فيها فتخفيها، ثم تلفظ عظامها بعد بضع ساعات. وهنا أيضا تساعدها السمكة على التقاط الفضلات وإزالتها.

هنا على الأقل مثلان آخران للمعايشة بين زهور البحر والأسماك، ولكننا لم نراقبهما في المرابي. وفي هاتين الحالتين تكون زهرة البحر كبيرة والسمكة صغيرة جدا.

يحمل بعض البشابش على المحارة التي يسكنها عددا من الزهور البحرية تبلغ الخمس أو الست، وتكون عادة من نوع عادي لم يتحور تبعا لهذه العادة كما تحورت الزهرة الأوربية وغير هذه الزهور زهرة غريبة تتميز بقرونها الثلاثية الريشية فتبدو الزهرة كأنها مستعمرة من الزنيا (جنس من الألسيوناريا)، وقد حيرت نماذج محفوظة من هذه الزهرة بيلجيين لتقلصها إلى كتلة لا شكل لها.

أما الألسيوناريا أو المرجان اللين أو ما يسميه البحارة الربلة ، فذات بوليبات ثمانية التماثل، ويختلف نموها هنا عنه في المناطق المعتدلة كما يختلف المرجان نفسه، فبينما لا نرى في أوربا إلا (أصابع الموتى) ، ' ومروحة البحر الحمراء ، ولا يمكن الحصول على الأخيرة إلا بالمجراف من قاع البحر - أما هنا فتوجد الألسيوناريا في كل مكان بكثرة عظيمة وبأشكال متنوعة، منها الكتل اللحمية، ومنها الشجيرات، ومنها النورات والمراوح. وقد حاولنا حفظ القليل منها في المربى فلم يعش إلا واحدة وهذه جنس مشعب لين من عائلة الألسيوناسيا وتختلف عن قرائنها من نفس العائلة في عدة نقط مهمة، فتعيش

ص: 24

الأخيرة معرضة على سطح الشعب وتبدو لمن لا عهد له بها كأنها شجيرات من الطحالب السمراء، وترجع سمرة لونها إلى وجود طحالب وحيدة الخلية في أنسجتها لا تعيش إلا معرضة لأشعة الشمس. أما الدندرونفشيا فتعيش بعيدة عن الأنظار في شقوق بين المرجان، ولذلك لا تأوي إليها الطحالب معايشة كبقية أفراد العائلة. ويغلب أن تكون ذات لون قرمزي طريف، ومنها أيضا البرتقالي والأصفر والأبيض والأسمر والأزرق. ولا يعرف عدد أنواع هذا الجنس، إلا أني نجحت في فصل نوعين فقط، بينما لا تزال الأنواع الأخرى تنتظر البحث. ولا يتم ذلك إلا بدراسة الحيوانات الحية، إذ لم ير أحد هذه الحيوانات وهي ناشرة بوليباتها غير من زاروا محطتنا، أو على الأقل ليس بين الصور والأشكال المنشورة ما يوضح هذه الظاهرة. فالشكل يمثلها كما تبدو نهارا، فإذا وضعت في المرابي تمددت إلى ثلاث مرات أو أربع طولا، وتنقص بنفس النسبة عرضا، وتغطى الأفرع الحمراء أو الوردية مئات من البوليبات كما فيوتعيش المستعمرات الصغيرة جيدا (ليس عندنا مكان يتسع لحفظ المستعمرات الكبيرة التي تصل إلى قدم في الارتفاع) وسرعان ما تموت الحيوانات الأخرى التي تنتمي إلى نفس العائلة وتتحول إلى مخاط، ولكنها تعيش معرضة إلى ضوء الشمس يبين جنسا أخر كثير التشعب يدعى يعيش قليلا في المربى ثم تختفي أنسجته الحية ويبني هيكله، وهو جميل في ذاته يستحق العرض ومثل ذلك مروحة البحر التي تعرض في المرابي في أوربا فإنها خداع نظري وليست حية، إنما هي هياكل خاوية. ولعل أفضل ما يروق الزائر من غير الأخصائيين أن يرى مرجان الزينة في المربى، إلا أنه معدوم في البحر الأحمر ولكن المليتودس كوكسينيا تشبهه كثيرا غير أن عودها الصلب المكون من التحام شويكاتها لا يزيد غلظه على نصف الملليمتر. ويبين جزءا منها مكبرا من تحضير شفاف، وقد ظهرت بوليباتها بارزة من غشاء رقيق يتكون من قنوات لحمية دقيقة يحجبها عدد كبير من الشويكات غير الملتحمة. وتحيط هذه القشرة من الشويكات والقنوات اللحمية بعود صلب هو نظيم مرجان الزينة. وتمثل الشويكات في الشكل بأجسام بيضاوية، وترى هيئتها الحقيقية في مكبرة كثيرا. اما البوليبات فمنكمشة قليلا وبقرونها شويكات كالعصى الملتوية. ولا تمكن رؤية هذه التفاصيل إلا إذا قتلت الحيوانات بعد تخديرها بحذق ومهارة وإلا اختفت البوليبات. لهذا السبب لا يمكن وصفها في مئات

ص: 25

النماذج من الألسيوناريا التي جلبتها الرحلات العلمية إلى أوربا، ويتوقف على هذه الشويكات وترتيبها أساس تقسيم جنس الدندرو نفشيا إلى أنواعه المختلفة. لذلك كان من ضروريات البحث في الألسيوناريا والمرجان دراسة الحيوانات حية. ولمثل هذا النوع من البحث العلمي أنشئت محطة الأحياء البحرية بالغردقة.

ويوجد لون المليتودس القرمزي في الشويكات كما هو الحال في كثير من الألسيوناريا. وهو ثابت جدا ولا يعرف كنهه إلى الآن، والمرجح أنه يرجع إلى عوامل فيزيائية وكيميائية معا، فيجب أن يتكاتف في دراسته البيلجي والكيميائي والفيزيائي. ومما يزيد في صعوبة البحث أو يقلل منها أننا نجد تحت حجر واحد وتحت ظروف واحدة مستعمرات متشابهة في كل شيء ما عدا اللون، فقد يكون بعضها وردي اللون وبعضها قرمزيا أو أصفر، ولا نجد أي ألوان متوسطة بين تلك كما نجد في مرجان الزينة بين الأبيض والأحمر والوردي.

هذه أغلب أدلتنا التي نجحنا في توفير أسباب الحياة لها في المرابي. إلا أن هنا قليلا من الدخلاء، فلو فرضنا أن مربى وضع في البحر لمدة ستة أشهر لتغطى بطبقة يبلغ غلظها البوصة من قرب البحر والرخويات والأطوم والأشنة البحرية مع عدد من الديدان والبزق. ولعل أمتع شيء النظر إلى أعمدة رصيف ميناء الغردقة إذ تكسوها الدندرونفشيا، ونوعان من مراوح البحر وقرب البحر، والديدان الأنبوبية والأشنة البحرية، وغيرها، فهي إذ ذاك متحف طبعي. وفي المحطات الأخرى حيث ترشح المياه وتخزن لا سبيل لليرقات إلى المرابي، أما عندنا فالباب مفتوح لها على مصراعيه. وفي الأسابيع القليلة التي استعملت فيها المرابي باستمرار نمت لطخ صغيرة من الطحلب الجيري ونوعان من الديدان الأنبوبية وآخران من قرب البحر وواحد من الرخويات ذات المصراعين فلو أن المرابي استعملت عاما مثلا لحصلنا على الشيء الكثير، ولكن قلة النمو في الفترة السابقة تدل على أن الفترة الحرجة في اليرقة وتنتقل إلى حياة اليافع. ذلك الانتقال الذي يتعذر في الطبيعة إلا على واحدة في الألف أو بعض الآلاف، وذلك لقلة الغذاء أو المكان المناسب لنموها.

الغردقة

ص: 26

الدكتور كرلس كرسلند

-

ص: 27

‌من ذكريات لبنان

كيف كنت غيري؟

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

كنا نقصف - ذات ليلة - في فندق كبير في (ظهور الشوير). والقصف أن نشرب ونضحك ونأكل - بعيوننا - الفتيات الممشوقات اللواتي يخطرن في الرقص مع السعداء من الشبان، وكانت الأنوار في المرقص ألوانا شتى متعاقبة، وكان الضوء الأرجواني - حين ينساب الفتيات فيما يترقرق عليهن منه - أقوى فتنة وأشد إغراء، فكنا ننهض عن المائدة ونتزاحم على أبواب المرقص، وعيوننا تكاد تخرج من فرط التحديق، وكانت هناك فتاتان تتراقصان وتأبيان أن يخاصرهما الرجال، وكانتا ساحرتين - في جمالهما، ودلهما، ولعبهما، وحركاتهما. فأغريت بهما أحد رفاقي - وكان يجيد الرقص - وأنا أقول لنفسي:(إذا راقص إحداهما عرفناهما جميعا وفزنا بصحبتهما) ولكنهما ردتاه ببسمة وكلمة رقيقة لا تغني ولا تسمن. فقلت لنفسي: (لم يبق لها إلا رجالها) ودنوت منهما وقلت وأنا أتناول كرسيا وأجلس بغير استئذان:

(أمن قلة في الرجال تتراقصان؟)

فقالت إحداهما - بعد أن ألقت إلى صاحبتها نظرة: (بل من كثرتهم!)

فقوى قلبي أنها ردت، فقلت:(اسمعا مني. إن هذه النظرات الخبيثة التي تتبادلانها لن تجديكما. (ضحك) وأنا باسم هؤلاء الشبان الكثيرين الذين لا أعرف أسماءهم ولا أحب أن أعرفها. . . .)

فسالت إحداهما: (لماذا؟)

فقلت: (لا تقاطعي من فضلك! ثم إن هذا شأني وحدي، وعلى ذكر ذلك أسألك. . . هل أنت مصرية مثلي؟)

فقالت الخبيثة - أعني التي تتكلم -: (هل أنت مصري؟)

فصحت بها: (يخرب عقلك! وهل ترين أني أتكلم إلا كما يتكلم المصري؟)

فضحكتا وقالت الأخرى: (هذا أحسن. لقد كنت أسأل نفسي أين يا ترى رأيتك؟)

فقاطعتها: (نعم إني أراك دائما. . . .)

ص: 28

فسألتني جادة: (أين؟)

فقلت: (بخيالي. . في أحلامي!)

فقالت الأولى وهي تبتسم - لا أدري لماذا - ألست عبد. . . عبد الله؟)

فتشهدت وقلت: (طبعا، طبعا، عبد الله حقا وصدقا)

قالت: (لقد كنت واثقة إني أعرف وجهك. . . ألم تعرفيه يا توحة؟)

فأجبتها أنا: (لماذا تحرجينها؟ دعي لها سرها حتى تهمس به في أذني، ونحن نتمشى في غابة بولونيا، والقمر الطالع. . .)

فضحكتا وقالت توحة: (بهذه السرعة؟)

فقلت: (معذرة إن خيالي وثاب. . . طيار إذا شئت، ولكنه صادق. . . لا يطير إلا بجناحين من الحقيقة)

فقالت الأولى: (وكيف زوجتك؟)

فصحت: (إيه؟)

ولم أكن أتوقع أن ترميني بسؤال عن زوجتي، وخفت أن يكون وراء السؤال شرك منصوب، فلذت بالحذر. وقالت:(إنما سألت كيف زوجتك؟)

فقلت: (زوجتي؟؟ أوه! آه، مفهوم!)

قالت: (لماذا تركتها؟)

فلم أدر ماذا تعني بالترك؟ وآثرت أن أزوغ فقلت:

(هل تعرفينها؟)

فقالت الخبيثة: (إنه يسأل هل أعرفها؟ قولي له يا توحة)

فدار رأسي، وارتبكت، فما رأيتهما قط في بيتنا ولا في بيوت أحد من أهلنا أو معارفنا، وزاد شعوري بالشراك المنصوبة تحت كل كلمة، ولعنت الساعة التي أقدمت فيها على كلامهما، ولكني كنت قد تورطت، وانتهى الأمر، ولم تبق لي حيلة، وخجلت أن أنهزم أمامهما فتشددت وقلت:

(ما أجمل هذه المصادفة! يا الله حدثاني عن نفسيكما. . .

إن أذني معكما. . . . لكل واحدة منكما أذن. . . تكلما. بارك الله فيكما، وفي ليلتي هذه

ص: 29

معكما!)

فقال الخبيثة: (ماذا جرى بينكما. . . إلا أن يكون هذا سرا لا تحب الإفضاء به)

فقلت: (لا لا لا. . . وعلى أنه لم يجر بيننا إلا ما يجري بين الزوجين. . اعني عادة!)

فقالت توحة وهي تضحك: (إن الذي تعنيه أختي. . .)

فسألتها (أختك؟)

فقالت (نعم أختي. . . من كنت تظنها؟)

فقلت (كنت أظنها. . . إ. . . أ. . . أختك)

فأضحكهما هذا التخليط، وضحكت معهما، ولما قرت الضجة قلت:

والآن يا أختها بأي اسم تخاطبين نفسك حين تنظرين في المرآة؟

فقالت: (أتريد أن تعرف اسمي؟)

فأردت أن أستفزها فقلت: (لا (بفتور) يكفي أن أعلم إنك أخت توحة)

ولكنها كانت أخبث مما توهمت، فقالت:

(نعم كفاية. والآن ألا تحدثنا عن سبب انفصالك عن زوجتك؟ إنها صديقتنا من أيام الدراسة، وقد آلمنا ما وقع، ولكن لعل لك عذرا)

فحمدت الله في سري على جهلها بي وبزوجتي، وأيقنت أني آمن معهما، ولكني مع ذلك حاولت أن أزحزح الحديث عن هذا الموضوع فقلت:

(هذا شيء مضى، ومن العبث الكلام فيه)

فقالت أخت توحة: (مسكينة!)

وقالت توحة: (ما أفظع الرجال! يأكلون المرأة لحما، ويرمونها عظما)

وألقيت نفسي غرضا لسخطهما ونقمتهما، فضاق صدري وقلت:

إني لم أكن أعجب أن أقول شيئا، ولكن الرجل لا يستطيع أن يظل يحتمل طول عمره أن يرمي بصحاف الطعام الملآى.

فصاحت توحة: (إيه؟ ماذا تقول؟)

وأعجبني صوتي، وسرني أني تبينت آية الدهشة في وجهيهما فمضيت أقول:

لقد كانت تتناول قطتي البيضاء وتلعب بها الكرة، أو تمسكها من ذيلها وتطوح بها ذراعها،

ص: 30

وتزعم أن هذا خير من اتخاذ الحديد للعب)

فقالت أخت توحة: (مستحيل! لا أصدق)

وقالت توحة: (زينب تفعل ذلك؟!)

فقلت: (المسألة بسيطة والبرهان حاضر، تعاليا معي إلى مصر وأنا أريكما القطة!)

وآلمني أن أمزق (زينب) هذه بالغيب، وأدركني عليها عطف شديد، ولكن ماذا أصنع وقد أبت الفتاتان إلا أن تحشراها في الحديث حشرا، ولا أن تركباها كتفي، وتزعماها زوجة لي، وتدعيا أني أسأت إليها وجنيت عليها وتخليت عنها؟

وقالت توحة: (ولكن كيف يمكن؟ لقد كانت في المدرسة ارق التلميذات قلبا؟)

فهززت رأسي وقلت: (وأشهد أنها ظلت كذلك زمنا حتى اعتادت الشراب)

فصاحتا بصوت واحد: (الشراب؟ زينب؟)

قلت: نعم، مع الأسف! وبعد ذلك انقلبت زوبعة لا تسكن قط. . . بالله اتركا هذا الحديث. . . إنه يؤلمني. . . وما أفضيت إليكما بهذه الحقائق إلا لأنكما كنتما معها في المدرسة، فأعذراني وانتقلا إلى كلام آخر)

وصرنا أصدقاء، نلتقي كل بضعة أيام، اعني أني كنت أزورهما من حين إلى حين في مصيفهما (بضهور الشوير)، ونخرج إلى البساتين والضياع المجاورة، ثم مضت فترة لم أرهما فيها، واتفق يوما أني كنت مدعوا إلى حفلة في فندق بيروت، فبصرت بأخت توحة واقفة تطل على البحر، فوقفت إلى جانبها وحييت فردت التحية بفتور فقلت:

(الجو حار)

قالت: (نعم)

قلت: (ولكن البحر يلطف الحرارة)

قالت: (نعم)

ولم يخطر لي كلام جديد فقلت:

(كبر ما بنا أم جفوة؟)

فواجهتني وسألتني بحدة:

(ألا يزال اسمك عبد الله؟)

ص: 31

قلت: (يا فتاتي لا تجهلي! ما زلت عبد الله حقا وصدقا، وإن كنت مع هذا لا أنكر أنه غير الاسم الذي أختاره لي أبواي)

قالت: (ألا تخجل؟)

قلت: (إني أستحق عطفك. . لقد احتملت هذا الاسم الذي لا يبعث على الزهو، لأنك أنت اخترته لي)

قالت: (لقد رأيت زينب. . . وأخبرك أيضا أنها مع زوجها، وأنهما يقضيان الصيف في لبنان. لماذا قلت عنها ما قلت؟)

قلت: (أي زينب؟)

قالت: (لا تكابر! إنها لا تعرفك ولم ترك قط في حياتها)

قلت: (ما أضعف ذاكرة النساء!)

قالت: (إن عذرك الوحيد - في نظري - أنك مجنون. وكلما تذكرت ما قلته عن زينب وما أضعته سدى من العطف عليك. . .)

فقاطعتها: (كلا. لم يضع. . . لقد زادني حبا لك وتعلقا بك. . .)

قالت: (ألا تزال تجرؤ على مثل هذا الكلام؟)

قلت: (أو يحتاج ذكر الحقيقة والإقرار بها إلى جرأة؟)

قالت: (وتتصور أني أصدقك أو أصدق انك تتكلم جادا؟)

قلت: (كلا. إن هذا لا يجري في بال. إنما أنا منظر. . ويمكنك أن تعدى كلامي صورة طبق الأصل من حديث أحلامك ونجوى أمانيك. . . وسيأتي يوم تظلم فيه الدنيا أمام عينيك، وتحسين أنه ما من أحد يحبك في هذه الحياة - كلنا يمر به يوم كهذا - فإذا جاء - أعني ذلك اليوم - فقولي لنفسك. . . كلا. إني مخطئة. فإن في الدنيا قلبا يخفق بحبي، بحبي مخلصا،. . .)

فقالت: (إنك مجنون ولا شك)

قلت: (وفي أثناء ذلك ترين شخصيتي الجميلة الجذابة تتفتح تحت عينك كما تتفتح غلائل الزهرة تحت أشعة الشمس. . .)

قالت: (لن أصغي لك)

ص: 32

قلت: (أذن أحضري معي هذه الحفلة، وكوني فيها ملاكي الحارس)

فصاحت بي: (لن أغفر لك هذا)

فقلت: (إني لست عبد الله! ولكني عبده والله!)

فابتسمت، فقلت:(هذا أحسن وأين توحة؟)

قالت: (لو كانت هنا لما نجوت بهذه السهولة)

قلت: (الحمد لله - أعني على النجاة لا على غيابها. أذهبي بي إليها)

قالت: (والحفلة؟)

قلت: (لا تستطيع أن تنتظر - أعني الحفلة - فإن مرضاتها - أعني توحة لا الحفلة - أولى وأندى على كبدي.)

وكان هذا هو السر الذي لم يعرفه المحتفلون، في أن حفلتهم تأخرت نصف ساعة. فليت حظي من كل حفلة نصق ساعة كهذه!

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 33

‌بين فن التاريخ وفن الحرب

13 -

خالد بن الوليد في حروب الردة

للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي

(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا فيه ضربة أو طعنة، وأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)

خالد بن الوليد

والواقع أن خالداً أيضاً كان راغباً في لصلح دون أن يلجأ إلى القتال. وهذا ما دعاه إلى أن يخفف الشروط. فتعاهده من حنيفة ينص على أن يسلموا الذهب والفضة نصف السبي والسلاح والخيل، وأن يأخذ هو كل قرية ومزرعة وحائط (حديقة مسورة) باسم بيت لمال، وأن يسلموا أنسهم حتى يسلموا. أما البلاذري فيروي أن المعاهدة فرضت على بني حنيفة ربع السبي ونصف الذهب والفضة والسلاح.

ولعل هذه الرواية هي الصحيحة، لأنها تدل على تساهل خالد في قد الصلح. ويذر الطبري أن أبا بكر أرسل كتباً إلى خالد مع سلامة بن وقش يأمره إن أظفره الله بأن يقتل من قام من جرت عليه المواشي من بني حنيفة - يريد بذلك أن يقتل من قاوم من الحنفيين - فوصل الرسول بالكتاب بعد عقد المعاهدة. فأراد الأنصار أن يستغلوا أمر الخليفة، فطلبوا إلى خالد أن ينفذ ما جاء في الكتاب، كان أسد بن حضير رئيس الأوس على رأسهم. إلا أن خالداً لم يلتفت إليم، بل في لبنى حنيفة وثبت على ما كان منه فجمع بني حنيفة إلى البيعة والبراءة.

ويذكر ابن حبيش الأسباب التي ألجأت خالداً إلى عقد الصلح مخالفته كتاب الخليفة، وهي تلخص في كثرة الخسائر التي انتابت المسلمين في المعركة، إذ قل عدد المسلمين وكان أكثرهم جريحاً. وبعد عقد المعاهدة لا يجوز النكول عنها، ولا سيما أن بني حنيفة أسلموا. وتنقل الرواية أن سلامة بن وقش أيضا أصر على خالد بتنفيذ أوامر الخليفة. غير أن خالداً لم يغير رأيه واعتبر القضية منتهية.

ومع ذلك استعمل خالد الشدة في معاملته أهل العارض وبعض قرى بني حنيفة. فقرية سيوح وعرفة والغبراء وقيشان ومرعة والمصانع اعتبرت في خارج أحكام المعاهد، فسبى

ص: 34

أهلها وصادر أملاكها. والروايات لا تبحث في أسباب هذه الشدة، غير أن الذي يلوح لنا أن أهلالقرى إما أنهم قتلوا المسلمين غدراً، وإما أنهم قتلوا المسلمين غدراً، وإما أنهم مثلوا بالمسلمين في بلاد اليمامة قبل الحركات.

المناقب

يستنج الباحث من حرات اليمامة بعض المناقب التي ينبغي الوقوف عليها، وهي تدل على سجايا العرب الأولين مسلميهم ومرتديهم، وتوضح لنا بعض المزايا الكامنة التي مكنت العرب من الانتصار على عدائهم في الشرق والغرب.

المنقبة الأولى - التضحية

كان ابن عمر عبد الله أخوه زيد بن الخطاب في الجيش الذي قاتل في عقرباء. وكان زيد على ما نعلم يقود القلب، وقد استشهد في المعركة مشجعاً المسلمين ومدافعاً عن رايتهم.

ويذكر الطبري أن عبد الله بن عمر لما رجع إلى المدينة قال له أبوه: (ألا هلكت قبل زيد؟ هلك زيد وأنت حي).

وفي رواية أخرى قال عمر لابنه: (ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريت وجهك عني؟). فأجاب عبد الله: (سأل الله الشهادة فأعطيتها وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها).

والتضحية كلمة مرادفة للبطولة، وهي من أخطر العوامل في حضارة الأمم إن لم تكن أخطرها. ولا أغالي إذا قلت إن تاريخ الحضارة مكتوب بمداد هو دماء الأبطال لمراقة وساعيهم المبذولة من أجل بنيان صرح التمدين الباذخ بجميع أركانه الأدبية والعلمية والسياسية. لولا التضحية لما خرج الإنسان الأول من الغاب والكهف إلى المدينة والقصر. والعرب لولا بطولتهم في تضحيتهم لما تربعوا في قصور بغداد والشام والقاهرة والحمراء، ولظلوا تائهين في مجاهل باديتهم القاحلة الجرداء، ولخنق الإسلام في مهد. فالتضحية رفعت عمد الأديان، ونشرت ألوية العلوم، وضعت أسس الدولة قديمها وحديثها، وسمت بأبنائها إلى أج العز والسؤدد، وقمة المجد والصولة. أجل إن العرب من الأمم الفاتحة المفطورة على البطولة والتضحية، إلا أن نبيهم العظيم جاءهم برسالة وضع بها نصب أعينهم مثلاً أعلى هو إيمانهم الوطيد، فبرزت نفوسهم إلى ذلك المثل الأعلى على حد تعبير

ص: 35

علماء النفس، وحصروا وجدانهم في إيمانهم القوي، فضلاً عن دافع غيرتهم عل أحسابهم. وقوة ذلك الإيمان زادتهم إقداماً على التضحية التي تجلت بأروع مجاليها في حروبهم، ولاسيما في حروب خالد بن الوليد، ومنها حروب الردة التي نحن بصددها. فهذا عبد الله بن عمر أنبه أبوه لأنه رجع حياً دون أن يستشهد في الذود عن إيمانه أو مثله الأعلى. ولا تزال روح التضحية متغلغلة في نفوس العرب والأعراب حتى اليوم. وما أكثر الروايات المنقولة عن رجال العرب ونسائهم من ميادين القتال في التضحية العربية المجيدة في ثوراتهم الأخيرة في الأقطار العربية؛ دونها ما يروى عن رجال اسبرطة ونسائها بهذا الصد. يروى عن امرأة عربية عراقية أنها كانت تشجع أبناءها السبعة في إبان الثورة العراقية في سنة 1920، وكانت كلما سقط أحد أبناءها في حومة الشرف تنشد قائلة:(يا موت اطحن وأنا اهلك) - أي يا رحى الموت اطحني وأنا أقدم إليك أبنائي!

المنقبة الثانية - السياسة

كان مجاعة بن مرارة من رؤساء بني حنيفة، وقد وفد على الرسول وأسلم فاقطعه أرضاً، فلما ثار مسيلمة ببني حنيفة وأدع النبوة كان مجاعة معه. ويلوح لنا أنه كان يداري مسيلمة من جهة ويراقب حركات جيش خالد من جهة أخرى. فلما وثق بتقدم جيش خالد نحو اليمامة استفاد من الشغب المثار على مسيلمة، فخرج مع بعض رجاله من اليمامة طالباً الثأر من بني عامر وبني تميم. ولعل طلب الثأر كان بحجة لخروجه من اليمامة قبل وصول جيش المسلمين إليها. ولما باغتته طليعة المسلمين في ثنية اليمامة استحياه خالد لعلمه أنه ينفعه في قتاله في اليمامة وحبسه عنده كالرهينة وتركه في فسطاطة قيد مراقبة زوجه أم تميم. فلما تغلب الحنفيون على المسلمين وأزاحوهم عن المعسكر دخلوا الفسطاط وهموا بقتل أم تميم فمنعهم مجاعة من ذلك صارخاً في وجههم (مه! أنا جار لها فنعمت الحرة! عليكم بالرجال).

وفي رواية أن مجاعة عاهد م تميم على أن يساعدها إذا انتصر الحنفيون على المسلمين، وعلى أن تساعده هي بدورها إذا انتصر المسلمون على أهله. ولما انتهت المعركة عرض مجاعة الخدمة على خالد وطلب إليه أن يتوسط في عقد الصلح، فقبل خالد ذلك، أوفده إلى بني حنيفة حاملاً شروط الصلح. وكان مجاعة قد علم بأن المسلمين كابدوا خسائرها فادحة،

ص: 36

وأن الحرب أنهكت قواهم، لأنه تفقد مع خالد ميدان المعركة وأطلعته على قتل الحنفيين، وهو الذي دلهم على جثة المحكم بن الطفيل وجثة مسليمة. ولا شك أنه تأكد شدة مصاب المسلمين. فلما ذهب بمهمته تقين شدة الشروط التي فرضها خالد على بني قومه فأراد أن يخدمهم خدمة يخلص بها قومه من هذه الشروط القاسية ويمهد السبيل لاستلانة جانب خالد. وفي مثل هذا الموقف دبر حيلة أثبت بها ذكاءه.

وكانت الحيلة التي دبرها - كما يرويها الرواة - تتلخص في ما يلي: (دخل مجاعة الحصون وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة ثانية ورجالهم ضعفاء، فظاهر الحديد على النساء أي ألبسهن الدروع وسلحهن - وأمرهن بأن ينشرن شعورهن ويشرفن على رؤوس الحصون إلى أن يرجع إليهن)، وبذلك أراد أن يظهر لخالد أن القوم لا يزلون في حصونهم متأهبين للدفاع لكي يحمله على تخفيف الشروط فلما عاد فال لخالد:(أن القوم قد أبوا أن يخبروا ما صالحتك عليه ولكن إن شئت صنعت شيئاً فعرضت على القوم) يريد بذلك أن يخفف خالد من شروط الصلح وحدق المسلمون من بعيد إلى الحصن، فرأوا عليها الناس ضانين أن بني حنيفة محتلوها وأنهم عازمون على الدفاع.

ولقي مجاعة صعوبة في حمل المخالفين من بني حنيفة على قبول شروط الصلح. كان سلمة بن عمير يقول لبني حنيفة: (قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء).

أما مجاعة فيقول لهم: (يابني حنيفة أطيعوني واعصوا سلمة فإنه رجل مشئوم، قبل أن يصيبم ما قال شرحبيل بن مسيلمة، قبل أن تستردف النساء غير راضيات، وينكحن غير راضيات).

والرواية تقول أن بني حنيفة أطاعوا مجاعة وعصوا سلمة وكان من أمر حيلته ان أقنع خالداً بأن يخفف شروط الصلح ففرض الربع من السبي والنصف من الذهب والفضة والسلاح والخيل بعدما كان قد طلب أن يعطوه كل ذلك فلما فرغ من الصلح، وفتحت الحصون أبوابها إلا النساء والصبيان. فقال خالد لمجاعة:(ويحك خدعتني) فقال مجاعة: (قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت).

لم يسق مجاعة وجعه لقومه ولا استهواه حب الانتقام قطاش حتى يدع بني جلدته يلقون أنفسهم في مهاوي الهلاك بل كان خلصاً في قضيت، وعمد مجاعة إلى الحيلة الواسعة

ص: 37

فصان بقية قومه من أشارك الهلاك، وخفف عنهم وطأة الانكسار الهائل، فكان ي تلك السياسة مصلحة بني حنيفة.

المنقبة الثالثة - العصبية القومية

كان سلمة بن عمير يشجع الناس على المقاومة وقد رأى من الذل ن يحتكم المسلمون في بني قومه بعد ن قاتلوا قتال الأبطال منعاُ لحوزتهم ودفاعاً عن نسائهم وكان يرى الموت ويرى النساء تستردف غير راضيات وينكحن غير حظيات. وقد قتل مسيلمة وأبنه شرحبيل وصرع اليمامة ابن طفيل. أبعد كل هذا يرضى بالهوان؟ بل الموت أولى دون التسليم بالشروط التي يشترطها خالد. فيصرخ في أصحابه: (قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء) ثم يعود فيشجعهم على المقاومة قائلاً: (فإن الحصن حصين والطعام كثير وقد حضر الشتاء)

لقد قارن بنو حنيفة بين ما قاله سلمة وما قاله مجاعة، ورأوا أن لا قبل لهم بالمسلمين، فلم يروا بداً من التسليم بشروط الصلح لاسيما أن مجاعة دبر الحيلة ليموه على المسلمين بقوة الحنفيين للدفاع ويخفف من وطأة الصلح. فلم يحفل سلمة بكل ذلك، بل أضمر سوءاً لخالد ولم يحتمل إهانة الغلبة لقومه فاجمع على أن يفتك به. ولما حشر بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة طلب سلمة من مجاعة أن يستأذن له في الدخول على خالد ليكلمه في حاج له. فأقبل سلمة مع بني قومه مخبئاً سيفه تحت العباءة، فلما رآه خالد لم يقبله، ولعله كان يعلم كرهه له، فأخرجوه عنه وفتشوه فوجدوا معه السيف، فثار ثائر الحنفيين فأخذوا في سبه ولعنه صارخين في وجهه أتريد أن تهلك قومك وتستأصل بني حنيفة وتسبي الذرية والنساء؟ فأوثقوه ووضعوه في الحصن. غير أن سلمة أقسم ن يثأر لبني قومه. لذلك يعاهدهم على ألا يحدث حدثاً فيعفون عنه. فلم يصدقوه ولم يقبلوا منه عهداً. أعيته الحيلة ولم ير بداً من الإفلات ليفتك بخالد مهما كلفه الأمر فيهرب من الحصن ليلاً فيعمد إلى معسكر خالد، ويصيح في وجه الحرس فيفزع بنوا حنيفة فيتبعونه حتى يدركوه في إحدى الحدائق المسورة فيقاومهم بالسيف فيكتنفوه بالحجارة فيرى أن جميع الأبواب موصدة في وجهه وانه غير قاتل خالداً فالأولى ينتحر ولا يرى يسبون الذراري، فيضرب نفسه بالسيف، ويسقط في البئر فيموت.

ص: 38

مبادئ خالد الحربية

تنم الحركات التي قام بها خالد في قتاله أهل الردة على المبادئ الحربية التي نهجها وفي هذه المبادئ أسس لا تختلف كثيراً عن الأسس التي اتخذها القواد العظام وأصبحت من المبادئ الحربية الخالدة. نذكر في ما يلي بعض تلك الأسس:

أولاً - التوفيق بين القيادة والسياسية: يبدو لنا من الخطط التي وضعها خالد لحركات على طليحة بن خويلد ومسيلمة الكذاب والتدابير التي اتخذها بعد الانتصار أن خالداً من القواد الذين وفقوا دائماً بين القيادة والسياسة وأصبح هذا الأس في عصرنا من أخطر عوامل الظفر ويقيناً أن من أكبر العوامل التي حالت دون استثمار الانتصارات الباهرة التي أحرزها نابليون في حروبه على الحلفاء عدم توفيقه بين السياسة والقيادة. وكذلك من العوامل التي أدت إلى خيبة الألمان في الحرب العامة نظر قادتهم إلى الأمور من الوجهة الحربية فقط، وعدم توفيقهم بين السياسة والقيادة.

فنرى خالد بن الوليد في الخطة التي وضعها للحركات على طليحة بن خويلد أنه وفق بين السياسة والقيادة، فلم يقدم جيشه إلىبزاخة إلا بعد أن مهد له سبيل الانتصار بجلب قبائل طي إلى جانبه وفصل الفرقتين: جديلة وغوث عن بني أسد والاستفادة فعلاً من القوة التي أمدت قبائل طي بها جيش المسلمين.

وبعد انتصاره في بزاخة نراه يفرض على القبائل تقديم عدد معين من السلاح. وفي ذلك تعزيز لجيشه وإضعاف لشأن خصمه.

وقبل أن يتقدم بجيشه نحو اليمامة يسعى قبل كل شيء لاستمالة التميميين الذين التجئوا إلى مسيلمة وإخراج جماعة سجاح من ميدان العمل ولما ظفر ببني حنيفة لم يتردد بعقد الصلح معهم على أساس التساهل برغم مخالفة رؤساء الأنصار والمهاجرين له ودون أن يعما بأمر الخليفة الصريح. وقد ذكرنا مجمل الإسبال التي التجأت خالداً إلى ذلك ولخالد مواقف تدل على استعماله الشدة واللين تبعاً لمقتضى الحال

ثانياً - الاستطلاع: لقد عني خالد بالاستطلاع في جميع حركاته. وقبل تقدمه نحو بزاخة يوفد قوة استطلاع بقيادة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم. وفي حركاته على بني تميم يوفد أمامه السرايا للتجسس والاستطلاع. أما في حركات اليمامة فيرسل مكنف بن زيد

ص: 39

الخيل وأخاه ليتسقطا الأخبار. وكان في جميع حركاته على اتصال مستمر بالخصم الذي يريد أن يضربه للإطلاع على شؤونه والقيام بالحركة في الوقت الملائم

ثالثاً - المطاردة: من الأسس التي اعتمدها خالد في حركاته القيام بالمطاردة بعد المعركة. وقد يختلف في إسلوب مطاردته عن الأسلوب الشائع الآن، وهو يتطلب سوق أقصى قوة في اليد لقطع خط الاتصال على العدو المنسحب. أما خالد فكان يوفد السرايا في اتجاهات مختلفة للتفتيش عن العدو المنهزم والقضاء عليه أينما وجدته. فالعدو بعد انكساره لم ينسحب إلى محل معين كما هو شأنه اليوم، وذلك لأن الحياة في البادية تساعد المنهزمين على الالتجاء إلى أحياء مختلفة. هكذا كان شأنه في مطاردة بني أسد وفزارة بعد انتصاره في بزاخة. وهكذا كان عمله بعد معركة عقرباء. فلم يشأ أن ينازل الحصون، بل أوفدالسرايا لتلتقط من كان خارج الحصون.

رابعاً - الإبداع: لم يتأخر خالد لحظة في استعمال إبداعه الذاتي حين تطلب الموقف ذلك. وهو يشد عن الأوامر الصادرة إليه متى رأى الفرصة سانحة للعمل بمخالفة الأوامر. فتراه بعد أن أنهى أمر بني أسد في بزاخة واطلع على أحوال بني تميم وتأكد إن الفرصة سانحة للتقدم أمر جيشه بالحركة برغم الأوامر الصادرة إليه والقاضية بألا يتقدم محل إلى محل آخر قبل أن يتلقى أمر الخليفة. فالأنصار يذكرونه بأمر الخليفة الصريح. ألا أن خالداً يقول لهم أنه هو الأمير واليه تنتهي الأخبار وان لم يأتيه أمر من الخليف لا يريد أن يضيع الفرصة مادام مالك بن نويرة حياله وبطون بني تميم نافرة منه.

خامساً - التنظيم: اتضح لنا منم حركات خلد أنه ينظم جيشه ويقسمه إلى أقسام، ويعين لكل قسم قائداً ويعرض الجيش بنفسه قبل أن يتحرك. ففي ذي القصة ينظم جيشه قبل الحركة، وفي البطاح ينظمه ويعين لكل قسم منه قائداً. وقبل القتال يجعل على كل قسم من نظام القتال قائداً خاصاً. وبعد انكسار المسلمين في عقرباء ودخول الأعداء الفسطاط يغير خالد تعبئة الجيش فيضع أهل القرى في جانب وأهل البادية في جانب آخر للأسباب التي سبق ذكرها

سادساً - حشد القوات: رأينا خالداً في جميع حركاته يحشد جميع قواته قبل المعركة ولا يشتتها. فيسير على طريق واحد ويسير به نحو الهدف دون أن يضعفه بفرز بعض القوات

ص: 40

منه لمقاصد أخرى وكان يفرز قوة من جيشه ويوفدها إلى الأمام مقدمة بقصد الأمن والاستطلاع وأحياناً يقيم له ردءاً في الخلف ليحمي خط الانسحاب. وكانت المقدمة دائماً تشترك في المعركة مع الكواكب (القسم الأكبر)

سابعاً - التعرض: لقد اتخذ خالد في جميع حركاته خطة الهجوم، ففي بزاخة، يهجم بجميع قواته على قوات طليحة بن خويلد، وفي عقرباء يتقدم نحو العدو ويهاجمه في بلاده، وكان يتوخى الهدف ولا يحيد عنه. والهدف عنده هو محو العدو من سفر الوجود

انتهى البحث

طه الهاشمي

ص: 41

‌3 - بين القاهرة وطوس

من همدان إلى طهران

للدكتور عبد الوهاب عزام

ثم مررنا بكنكاور بعد ساعتين من كرمانشاهان. وهي قرية صغيرة بها آثار معبد قديم. وبعد ساعة مررنا بقرية أسد آباد، وهي قرية السيد جمال الدين الأفغاني، وبها بعض قرابته. كذلك اخبرني بعض الثقاة. ويقول الأفغانيون إنه من أسد آباد القريبة من مدينة كابل. وكذلك اخبر السيد عن نفسه. ومهما يكن فقبيح أن تتنازع رجال الإسلام العظام عصبية الأقوام والبلدان. فقد كان المسلمون أمة واحدة لها موطن واحد هو دار الإسلام، والسيد جمال الدين عربي هاشمي حسيني، ولكنه كما قال الشاعر:

أبيِ الإسلامُ لا أب لي سواه

إذا افتخروا بقيس أو تميم

فنحن بني الإسلام والله واحد

وأولى عباد الله بالله من شكر

فإن أراد المسلمون أن يفترقوا أقواما وبلدانا وشيعا، فلا يظلموا أسلافهم العظماء بزجهم في هذا المعترك، فقد كانوا اعظم نفوسا وأسمى أفكارا من أن تحيط بهم عصبيات اللحوم والدماء، والأرض والبناء.

وأسد آباد قرية أسسها أسد بن ذي السرو الحميريفي زعم الرواة، وهي على مرحلة من همذان إلى الجنوب والغرب منها، في حضيض جبل ألوند (جبل أسد آباد)، وكانت منزلا كبيرا على الجادة العظمى بين بغداد وهمذان، وكانت في العهد الإسلامي إلى عصر المغول غنية رائجة التجارة، كثيرة السكان، نشأت كثيرا من العلماء. وهي اليوم قرية صغيرة. وعندها كانت الموقعة الكبيرة بين السلطانيين السلجوقيين محمود بن محمد بن ملك شاه وأخيه مسعود سنة أربع عشرة وخمسمائة. وعلى ثلاثة فراسخ من أسد آباد أبنية ساسانية تعرف في الكتب العربية باسم مطابخ كسرى.

ثم ارتقينا جبل أسد آباد، وهو جبل شامخ فسيح، تتراءى بين قممه وأوديته مناظر جميلة جليلة، محبوبة هائلة، رأيناه وقد ذبلت أعشابه ورياحينه وأشجاره. وقيل لنا في الربيع يبدوفي حلل رائعة من الأزهار مختلفة الألوان، لا يعرى منها مكان في القمم والأودية، وترى الطرق جدائد على سفح الجبل، تتمعج فيها السيارات صاعدة وهابطة، وقد عد سائقو

ص: 42

السيارات في بعض الطريق اثنتين وسبعين ثنية، فما ينعطف السائق إلى اليمين إلا لينعطف إلى اليسار، وهكذا اثنتين وسبعين مرة أو أكثر. ولكن الطريق في جملتهما ممهدة واسعة مامونة، لم نشعر فيها بالخوف الذي أنذرنا به من قبل.

هذه همذان الجميلة، في حجر جبلها الأشم، جبل ألوند. تبدو في زينة من أشجارها الباسقة، وبساتينها الواسعة. هذه بلدة بديع الزمان، وأحمد بن فارس، وابن الفقيه. هذا مرقد الشيخ الرئيس أبي علي بن سيناء، ليت الوقت يتسع فنقضي بهمذان أياما نتعرف حاضرها، ونتلمس أعلام التاريخ من ماضيها.

همذان مدينة عظيمة قديمة، ذكرت في الآثار الفارسية القديمة باسم هكمتانة، وهي في التوراة أخمتنا، وفي كتب اليونان أكبتانا. وقد لجأ إليها دارا بعد أن هزمه اسكندر في موقعة (أربل) حتى قال أبن حوقل إنها كانت هي وأرباضها فرسخا مربعا. وصارت حاضرة لبعض دول السلاجقة. وقد روى أبن الفقيه الهمذاني وياقوت كثيرا من أخبارها وما قاله الشعراء فيها، وبردها شديد جدا. وقد روى في ذلك أن عبد الله بن المبارك قدمها، فأوقدت بين يديه نار، فكان إذا سخن باطن كفه أصاب ظاهرها البرد، وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد فقال:

أقول لها ونحن على صلاء

أما للنار عندك حرّ نار

لئن خيرت في البلدان يوما

فما همذان عندي بالخيار

وقال آخر:

همذان متلفة النفوس ببردها

والزمهرير، وحرها مأمون

غلب الشتاء مصيفها وربيعها

فكأنما تموزها كانون

وقيل لأعرابي كيف رأيت همذان؟ فقال أما نهارهم فرقاص، وأما ليلهم فحمال، يعنى أنهم بالنهار يرقصون لتدفأ أرجلهم، والليل يحملون ثيابا كثيرة.

دخلناها والساعة واحدة بعد الظهر، فنزلنا في دار بظاهرها، اسمها باغ رئيس الإسلام، وهي دار جميلة ذات حديقة كبيرة، وفيها مجلس واسع حول حوض عظيم. نزلنا بها فاسترحنا وتغذينا، وجلسنا برهة وأخذت صورتنا.

وقد رأيت صاحبنا السندباد الذي ذكرته أنفا يرتب الحاضرين لأخذ الصورة. فقلت يا

ص: 43

سندباد أنت في كل مكان ولكل عمل. أنك أبو الفتح الإسكندري أو أبو زيد السروجي، فقال الأستاذ منورسكي: هذا أبن بطوطة. ومما اذكر من لطائف هذا المجلس أن أحد مندوبي الهند محمد أسحق، نظر إلى أشجار عنب قصار، فسألني ما هذا؟ قلت كرم ولكنه صغير، فقال إذا ما كذب الثعلب في الحكاية المعروفة، حين قال هذا حصرم. فعنب هذا الكرم في متناول الثعالب. ثم خرجنا لزيارة قبر الشيخ الرئيس، دخلنا الباب إلى رحبة تنتهي إلى بابين أيسرهما باب مكتبة صغيرة عامة، والأيمن مكتوب فوقه (آرامكاه أبو علي بن سينا) أي مرقد أبي علي بن سينا. دخلنا حجرة صغيرة بها قبران متشابهان يغطي كلا منهما صفيحة من الحجر عليها نقوش كثيرة. ويحيط بها سياج من حديد. فالقبر الذي يلي الباب قبر الشيخ الرئيس، والذي إلى جانبه قبر رجل أسمه أبو سعيد. قال بعض أصحابنا إنه أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي المعروف. وليس هذا صدقا فابن أبي الخير مات في خراسان.

ثم ذهبنا لزيارة مزار هناك يعظمه اليهود ويحجون إليه، ومن أجله كثر عددهم في همذان حتى صاروا زهاء ألفين - وهو في زعمهم قبرا ايستر ومردخاي. وهما امرأة ورجل من اليهود، لهما قصة في التوراة في سفر (ايستر). وخلاصة القصة إن ايستر كانت في حضانة أبن عمها مردخاي في مدينة سوس، وأن ملك الفرس أخشويرش غضب على امرأته وشتى، وأراد أن يختار غيرها، فعرضت عليه فتيات مملكته، فأختار ايستر اليهودية وحظيت عنده. وكان هامان وزير الملك قد نقم على مردخاي انه لا يسجد له كما يسجد الناس، فأغرى الملك باليهود وأخرج أمره بقتلهم حيثما ثقفوا في المملكة. وكاد مردخاي وايستر لهامان حتى أمر الملك بصلبه على الخشبة التي أعدها هو لصلب مردخاي، وكتب الملك إلى الولاة ألا ينفذوا أمره في اليهود وأن يسلطوا اليهود على أعدائهم فيقتلوهم.

والقبران كبيران عليهما سياجان، وهما في حجرة ذات قبة لها مدخل صغير واطئ لا يدخله الداخل إلا راكعا

قضينا في همذان ثلاث ساعات ونصفا، ثم برحناها والساعة أربع ونصف، متوجهين تلقاء قزوين.

برحنا همذان، وما قضت النفس منها لبانة

وتلفتت عيني فمذ خفيت

عني الطلول تلفت القلب

ص: 44

وبعد ساعة نزلنا منزلا على الطريق اسمه رزان، وقد اعد لنا الشاي والفاكهة، والفستق والحمص وااللوز الخ، فرأينا ضربا من الحمص والفستق كبيرا لم نر مثله من قبل. وكان سير دنسن رس، والشاعر الإنكليزي درنك ووتر قد سبقا إلى هذا النزل، إذ فارقا همذان قبل الركب دون أن يزورا قبري ايستر ومردخاي، فطال بهما الانتظار في هذا النزل، فلما بلغته أنا ورفيقي عبد الكريم الحسيني قابلني أستاذي رس دهشا يقول: لماذا تاخرتم! هل زرتم ايستر ومردخاي، قلت نعم. قال هل ألقى فلان هناك محاضرة طويلة؟ قلت محاضرة قصيرة. قال ذلك ما ظننت. قد تخرنا جدا واظلم الليل. ثم سرنا قبل ان يدركنا الرفاق في طريق موحشة تتخللها قرى وضياع قليلة، منها مكان اسمه اب كرم أي الماء الحار فيه حمة، أي ينبوع ماء حار. وقفنا للاستراحة ورؤية الينبوع، فتركنا السيارة ومشينا وراء رجل يحمل مصباحا حتى أتينا النبع، فإذا حجرة فيها حوض يفور منه الماء، فقلت لصاحبي: ما أحسنه حماما لو هيء له بناء. وكم في الشرق من معادن ومياه أغفلتها الأفكار والأيدي! واستأنفنا السير، وطال بنا السفر، حتى لاحت قزوين تحت ظلام الليل، فوردناها متعبين والساعة تسع ونصف من المساء، وقدم بقية الركب بعد ساعة. بتنا في دار جميلة بجانب كنيسة روسية. وقد وهبت الدولة الروسية هذه الدار والكنيسة وما يتصل بهما للدولة الإيرانية.

وقزوين بلد قديم ذكره بطليموس باسم قسايين. وهي على الجادة العظمى من بغداد إلى خراسان، وتلتقي عندها طرق القوافل الآتية من الشرق والغرب والشمال والجنوب، فمن اجل ذلك اتسع عمرانها في القديم وراجت تجارتها، وهي على مقربة من جبال البرز، ويجري عندها نهر صغير يفضي إلى نهر ابهر، وتبعد عن طهران مائة وخمسين كيلا.

وكانت قبل الإسلام وبعده ثغرا لمحاربة الديلم. وقد مصرها سعيد بن العاص بن امية، وجعلها مغزى أهل الكوفة. وأغزى الحجاج ابنه محمدا الديلم، فنزل قزوين وبنى بها مسجدا سمى بعد مسجد الثور. وبنى موسى الهادي مدينة بجوارها عرفت بمدينة موسى. وبنى المبارك التركي مولى المأمون أو المعتصم حصنا بها سماه المباركية. وروى ياقوت (اجتاز الرشيد بهمذان، وهو يريد خراسان، فاعترضه أهل قزوين، واخبروه بمكانهم من العدو، وعنائهم في مجاهدته، وسألوه النظر لهم، وتخفيف ما يلزمهم من عشر غلاتهم في

ص: 45

القصبة. فسار إلى قزوين ودخلها، وبنى جامعها، وكتب اسمه على بابه في لوح حجر. وابتاع حوانيت ومستغلات، ووقفها على مصالح المدينة، وعمارة قبتها وسورها). وقد ذكرها بديع الزمان باسم الثغر، في المقامة القزوينية التي أولها، غزوت الثغر بقزوين، سنة خمس وسبعين. وروى بعض المحدثين أخبارا في فضائل قزوين، والحث على الاقامة بها لكونها من الثغور. وقد ذكرت في الشعر العربي. ومن ذلك قول الطرماح ابن حكيم

خليلي مدّ طرفك هل تراني

ظعائن باللوى من عوكلان

ألم تر أن عرفان الثريا

يهيج لي بقزوين احتزاني

وقد نشأت قزوين جماعة من العلماء والأدباء منهم زكريا ابن محمد صاحب عجائب المخلوقات المتوفى سنة 682، وحمد الله المستوفى المؤرخ صاحب تاريخ كزيدة، ونزهة القلوب في الجغرافيا، المتوفى سنة 750، وأبو حاتم محمود بن الحسن الفقيه الشافعي اخذ عن الاسفرائيني والباقلاني، وأخذ عنه الشيرازي وله كتب كثيرة، منها كتاب الحيل في الفقه وتوفى سنة 440، ومنهم الحكيم شاه محمد، الذي اخذ عن جلال الدين الدواني، وذهب الى مكة للمجاورة فدعاه السلطان بايزيد الثاني إلى استانبول فعاش في رعايته ورعاية سليم وسليمان من بعده، وكتب التفسير والعقائد والفلسفة، وترجم حياة الحيوان للدميري إلى الفارسية.

وتركنا قزوين والساعة تسع ونصف من صباح الأربعاء 24 جمادى الثانية سنة 1353 (13 أكتوبر سنة 1934)، فبلغنا طهران بعد الظهر، ونزل جماعة منا في الفندق الكبير (جراند اوتيل) وآخرون في الفندق النادري.

عبد الوهاب عزام

ص: 46

‌5 - محاورات إفلاطون

معذرة سقراط

ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود

قد يذهب بكم الظن إني إنما أتحداكم بهذا كما فعلت حينما حدثتكم عن الضراعة والبكاء، كلا فليس الأمر كذلك، إنما أقول هذا لأنني اعتقد إني لم أسيء إلى أحد عامدا، ولا أظنني قادرا على إقناعكم بذلك في هذا الحوار القصير، فلو كان في أثينا قانون، كما هي الحال في سائر المدن، لا يبيح حكم الإعدام في يوم واحد، لاستطعت فيما اعتقد أن أقنعكم، أما الآن فالفترة وجيزة، ولا يمكنني أن ادحض في لحظة هؤلاء المدعين الفحول، وان كنت كما ظننت لم أسيء إلى أحد فلن أتقدم بالإساءة إلى نفسي قطعا. وإذن فلن اعترف بنفسي باني حقيق بالسوء، ولن اقترح عقوبة ما. ولماذا افعل؟ اخوفاً من الموت الذي يقترحه مليتس؟ على حين إني لا اعلم ان كان الموت خيرا أم شرا! لماذا اقترح عقابا فيكون شرا مؤكدا لا مفر منه؟ أأقترح السجن؟ ولماذا أزج في غياهبه فاكون عبدا لحكام هذا العام - اعني الأحد عشر؟ أم اقترح أن أعاقب بالتغريم، وان اسجن حتى تدفع الغرامة؟ فالاعتراض بنفسه قائم، لأنني لابد أن البث في السجن لأنني لا املك مالا ولا أستطيع دفعا. وان قلت النفي (وربما قر رأيكم على هذه العقوبة) وجب أن يكون حب الحياة قد أعمى بصيرتي، لأنكم وانتم بنو وطني لا تطيقون رؤيتي ولا تسيغون كلامي، لأنه في رأيكم خطر ذميم، فوددتم لو نجوتم من شري عسى أن يطيقه سواكم، فما حياتي في هذه السن، ضاربا من مدينة إلى مدينة، مشردا أبدا، طريدا دائما، يلفظني البلد في اثر البلد، فما ارتاب في التفاف الشبان حولي أينما حللت كما فعلوا هنا، فلو نفضتهم رغبوا عني إلى أوليائهم في طردي فاستجابوا لرجائهم، ولو تركتهم يسعون إلى طردني آباؤهم وأصدقاؤهم صونا لأنفسهم.

رب قائل يقول: نعم يا سقراط، ولكن ألا تستطيع أن تمسك لسانك حتى إذا ارتحلت إلى مدينة أخرى ما اشتبك إنسان معك؟ وعسير جدا أن أفهمكم جوابي عن هذا السؤال، فلو أنبأتكم أني لو فعلت لكان عصيانا مني لأمر الله، ولذلك لا املك حبسا للساني، لما صدقتم أن يكون جدا ما أقول. ولو قلت بعد ذلك إن اعظم ما يأتيه الإنسان من خير هو أن يحاور كل يوم في الفضيلة وما يتصل بما سمعتموني أسائل فيه نفسي وأسائل الناس، وإن الحياة

ص: 47

التي تخلو من امتحان النفس ليست جديرة بالبقاء، كنتم لهذا اشد تكذيبا، ولكني لا أقول إلا حقا وان عز علي إقناعكم بصدقه. إني لم اعهد نفسي جارمة تستأهل العقاب، ومع ذلك فلو كان لدي مال لاقترحت أن أعطيكم ما املك، ولم يكن ذلك ليضيرني في شيء، ولكنكم ترون إني لا املك مالا، لا بل أظنني قادرا دفع مينة واحدة (المينة تساوي مائة دراخمة) ولذا اقترح هذه العقوبة. إن أصدقائي: افلاطون، وكريتون، وكريتوبوليس، وابولودورس، وهم بين الحاضرين، يرجون مني أن أقول ثلاثين مينة، يضمنون هم دفعها، حسنا، إذن فاحكموا بثلاثين مينة، ولتكن هي عقوبتي، واحسب هؤلاء كفلاء بدفعها.

أيها الأثينيون! لن تفيدوا بقتلي إلا أمدا قصيرا، وستدفعون له ثمنا ما تنطلق به السنة السوء تذيع عن المدينة العار. ستقول عنكم أنكم قتلتم سقراط الحكيم، فسيدعوني وقتئذ بالحكيم وان لم اكن حكيما تقريعا لكم. ولو صبرتم قليلا لظفرتم بما تبتغون بطريق طبيعية، فلقد طعنت في السن كما ترون، ودنوت من اجلي. إنما أسوق هذا الحديث إلى هؤلاء الذين حكموا علي بالموت، واحب أن أضيف إليهم كلمة أخرى: قد تحسبون ان اتهامي جاء نتيجة لعي لساني، فلو قد أثرت أن افعل كل شيء وان أقول كل شيء، لجاز لي أن اظفر بعفوكم، ولكني لم افعل ذلك، فليس عيا في لساني ما أدى إلى ادانتي، ولكنه ترفعي عن القحة والصفاقة، وصدوفي عن مخاطبتكم بما كنتم تحبونني أن أخاطبكم به: بالعويل والبكاء والرثاء، وان أقول وافعل كثيرا مما تعودتم استماعه من الناس، وهو لا يجمل بي كما ذكرت، فقد رأيت واجبي ألا أتبذل في العمل، أو آسف في ساعة الخطر، ولست آسف على ما سلكت من طريق للدفاع، فإني لأؤثره خطتي التي رسمتها ولو أدت بي إلى الموت، على أن اصطنع خطتكم احتفاظا بالحياة. فلا يجوز لإنسان في ساحة الوغى أو أمام القانون أن يتلمس أي سبيل فرارا من الموت، فلو القي المحارب بسلاحه في المعمعة، وجثا على ركبتيه أمام مطارديه لظفر غالبا بالنجاة من الموت. ولكل ضرب من ضروب الخطر طرق للنجاة من الهلاك، إذا لم يتعفف المرء عن كل قول وكل فعل مهما يكن شائنا. فليس عسيرا أيها الأصدقاء إن تفر من وجه الموت، ولكن العسر كل العسر في تجنب الأخلاق الفاسدة. فالفساد والموت يعدوان في أعقابنا، ولكن الفساد أسرع من الموت عدوا. فأنا الذي اكتهلت، إنما أسير سيرا وئيدا، فيكاد يدركني أبطأ العادين، أما المدعون فسراع متحمسون. وسيلحق

ص: 48

بهم أسرعهما - اعني الفساد. وبعد، فسأترك موقفي هذا، وقد جرى على قضاؤكم بالموت، وكذلك هم سينطلقون كل إلى سبيله، وقد قال فيهم الحق كلمته، بان يعانوا ما هم فيه من ضعة، ولا بد لي أن اخضع لما حكم علي به، وعليهم كذلك أن يرضوا بما كتب لهم. احسب أن قد جرى القدر بهذا جميعا، فعسى أن يكون خيرا، ولا احسبه إلا كذلك.

وبعد، فيا هؤلاء الذين اجروا علي قضاءهم، هاكم نبوءتي التي احب أن أبلغكم إياها، لأني مشف على الموت، وتلك ساعة يوهب فيها المرء مقدرة على التنبؤ. أتنبأ لكم يا قاتلي بأنه لن يكاد ينفذ حكم الموت حتى ينزل بكم ما هو اشد من ذلك الذي هولا. لقد حكمتم بموتي، لأنكم أردتم أن تفلتوا من ذلك الذي يتهمكم، ولكيلا تحاسبوا على ما قدمت أيديكم، ولكن لن يكون لكم ما ترجون، بل نقيضه. فسيكون متهموكم أوفر عددا منهم اليوم، إذ سيهب في وجوهكم من كنت مسكنهم حتى الآن، وسيكون أولئك اشد قسوة عليكم لأنهم دونكم سنا، وسيذيقونكم من العذاب اكثر مما تذوقون اليوم، فان حسبتم إنكم خالصون من متهمكم بقتله، كي لا ينغص عليكم عيشكم، فانتم مخطئون، إذ ليست تلك سبيلا مؤدية إلى الفرار، ولا هي مما يشرفكم، وايسر من ذلك واشرف ألا تهاجموا الناس، بل تبادروا بإصلاح أنفسكم. تلك هي نبوءتي التي ابلغها إلى القضاة الذين حكموا علي، قبل رحيلي.

وانتم أيها الأصدقاء الذين سعوا إلى برائتي، احب كذلك أن أتحدث إليكم عما وقع، عندما يشغل الرؤساء، وقبل أن اذهب إلى مكان مدني، فالبثوا قليلا، لأننا نستطيع أن يتحدث بعضنا إلى بعض ما دامت هناك فسحة من وقت. انتم أصدقائي، واحب أن أدلكم على معنى هذا الذي وقع. يا قضاتي - فأنا أدعوكم قضاة بحق - احب أن أحدثكم بأمر عجيب، لقد كانت مشيرتي حتى الآن، تلك المشيرة التي عهدتها في دخيلتي، لا تفتا تردني في توافه الأمور، أنكنت مقدما على زلل أو خطا في أي شيء، والآن - كما ترون - قد داهمني ما يحسبه إجماع الناس أقصى الشرور واقساها، ولم تلوح لي مشيرتي بعلامة العارضة حينما تركت داري في الصباح. ولا حين كنت اصعد إلى هذه المحكمة، ولا حين ألقيت كل ما اعتزمت أن أقوله، ومع أني عورضت كثيرا أثناء الحديث، إلا إن المشيرة لم تعارضني في كل ما قلت أو فعلت مما يتصل بهذا الأمر، فبم أعلل هذا، وكيف افهمه؟ سأخبركم: أني اعد هذا دليلا على ان ما حدث لي هو الخير، ويخطئ من يظن منا إن الموت شر. هذا

ص: 49

دليل ناهض على ما أقول، لان الإشارة التي عهدتها لم تكن لتتردد في معارضتي لو كنت مقبلا على الشر دون الخير.

لنقلب النظر في الأمر، وسنرى إن ثمة بارقة قوية من الأمل تبشر بان الموت خير. فإحدى اثنتين: أما أن يكون الموت عدما وغيبوبة تامة، وأما أن يكون كما يروى عنه الناس تغيرا وانتقالا للنفس من هذا العالم إلى عالم آخر. فلو فرضتم فيه انعدام الشعور، وانه كرقدة النائم الذي لا تزعجه حتى أشباح الرؤوس، ففي الموت نفع لا نزاع فيه، لأنه لو أتيح لإنسان أن يقضى ليلة لا يزعج نعاسه فيها شيء، حتى ولا أحلامه، ثم قارنها بما سلف في حياته من ليال وايام، وسئل بعد ذلك: كم يوما وليلة قضاها بين أعوامه وكانت أبهج من تلك الليلة واسعد؟ فلا احسب أحدا - ولا اختص بالقول أحدا - بل لن يجد حتى اعظم الملوك بين أيامه ولياليه كثيرا من أشباهها. فإذا كان الموت كهذا فانعم به، وليس الخلود إذن إلا ليلة واحدة! إما أن كان الموت ارتحالا إلى مكان آخر، حيث يستقر الموتى جميعا كما يقال، فأي خير يمكن أن يكون اعظم من هذا أيها الأصدقاء والقضاة! وإذا كان حقا انه إذا بلغ الراحل ذلك العالم السفلي، خلص من أساطين العدل في هذا العالم، وألفى قضاة بمعنى الكلمة الصحيح، إذ يقال إن القضاء هناك في ايدي مينوس، ورادامنتوس، وايكوس، وتربتوليموس وسائر أبناء الله الذين عمروا حياتهم بأقوم الأخلاق، فما احب إلى النفس ذاك الارتحال! وهل يضن الرجل بشيء إذا أتيح له أن يتكلم مع اورفيوس، وموسيوس، وهزبود، وهوميروس؟ كلا، لو كان هذا حقا فذروني أمت مرة ومرة، فسأصادف متاعا رائعا في مكان أستطيع فيه أن أتحدث إلى بالاميدس، واجاكس بن تلامون، وغيرهم من الأبطال القدامى الذين تجرعوا المنون بسبب قضاء ظالم، ولا أظنني حين أقارن الآن آلامي بآلامهم إلا مغتبطا مسرورا. وفوق كل هذا فسأتمكن من استئناف بحثي في المعرفة الحق، والمعرفة الزائفة، وكما فعلت هنا سأفعل في العالم الثاني، وسأكشف عن الحكيم الصحيح، وعمن يدعي الحكمة باطلا. بماذا يضن الرجل أيها القضاة إذا أتيح له أن يمتحن قائد الحملة الطروادية الكبرى أو اوذيس، او سسفوس وغير هؤلاء ممن لا يقعون تحت الحصر رجالا ونساء؟ إلا ما أعظمها غبطة لا تحد، تلك التي أجدها في نقاشهم ومحاورتهم، لأنهم في ذلك العالم لن يقضوا على أحد بالموت من اجل هذا. كلا ولا ريب، هذا فضلا

ص: 50

عما يصادفه الناس في ذلك العالم من سعادة عزت على هذه الدنيا، فان صح ما يقال فهم ثمة خالدون.

فابتسموا إذن للموت أيها القضاة، واعلموا علم اليقين انه يستحيل على الرجل الصالح أن يصاب بسوء لا في حياته ولا بعد موته، فلن تهمله الآلهة، ولن تهمل ما يتصل به، كلا، وليست ساعتي الآزفة قد جاءت بها المصادفة العمياء، فلست ارتاب في أن الموت مع الحرية خير لي، ولذلك لم تشر مشيرتي بشيء.

ولست لهذا غاضبا من المدعين، أو ممن حكموا علي، فما نالتني منهم إساءة، ولو أن أحدا منهم لم يقصد إلى أن يعمل معي خيرا، وقد أعاتبهم لهذا عتابا رقيقا.

وان لي عندهم لرجاء. فأنا التمس أيها الأصدقاء، إذا ما شب ابنائي، ان تنزلوا بهم العقاب، واحب أن تؤذوهم كما آذيتكم، وذلك أن بدا منهم اهتمام بالثروة، أو بأي شيء، وكانوا في حقيقة الأمر لا شيء. إذن فانحوا عليهم بالأئمة كما فعلت معكم، لإهمالهم ما ينبغي أن يبذلوا فيه عنايتهم، ولظنهم انهم شيء على حين انهم في الواقع لا شيء. فإذا فعلتم هذا، أكون قد نالني ونال أبنائي العدل على أيديكم.

لقد أزفت ساعة الرحيل، وسينصرف كل منا إلى سبيله - فإنا إلى الموت، وانتم إلى الحياة، والله وحده عليم بأيهما خير.

(يتبع)

زكي نجيب محمود

ص: 51

‌الأنتكيرة هم الإنجليز لا الأسبان

للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

هذا هو رأيي في ذلك النص الذي سأنقله بعدعن وزيرنا الخطير لسان الدين بن الخطيب في كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة ج2 ص24) وقد كتبت ذلك في جريدة البلاغ الغراء (8 - 3 - 1351هـ 12 - 7 - 1932م) تحت عنوان (الإنجليز في القرن الثامن الهجري كما يصفهم سياسي مسلم) أما الأستاذ محمد لبيب البتنوني فيرى في كتابه (رحلة الأندلس) إن الأنتكيرة الذين وردوا في ذلك النص من كتاب الإحاطة هم الأسبان. وقد ذكر ذلك في كتابه (رحلة الأندلس ص 160) بدون أن يعنى بتحقيقه أو يخطر بباله انهم أمة أخرى غير الأمة الإسبانية، فيحمله ذلك على العناية بإثبات رأيه، بل ذكره كأنه قضية مسلمة، وأمر مفروغ من صحته.

وقد قرأت كتاب الأستاذ البتنوني من شهور، ومن يوم أن قرأته وأنا أحاول أن أبين له صحة ما ذهبت إليه في (الرسالة) الغراء، فيحول بيني وبين ذلك اشتغالي بغيره من أمور عنيت بها قبله، وهاأنذا اليوم امضي فيما عزمت عليه من ذلك، ولا أحاول به أن انتقص شيئا من فضله، فان فضله اكبر من أن تؤثر فيه زلة من زلات القلم، ولكل جواد كبوة.

ذكر لسان الدين في كتاب الإحاطة من حوادث سنة 767 للهجرة إن بطرة بن الهنشة ملك أسبانيا حينما غلبه أخوه القمط على الملك التجأ إلى ابن صاحب (الانتكيرة) المعروف ببرقسين، وبين أول أرضه وبين قشتالة ثمانية أيام، فأعانه بجيش ذهب معه إلى إسبانيا، فحارب به آخذاه حتى غلبه واسترد ملكه، وقد رأى لسان الدين بن الخطيب حرب هذه الأمة الجديدة (الانتكيرة) أو سمع به فلفت نظره إليها وجعله يلقي فيها نظرة سياسي صادق الفراسة قد شاهد أفول نجم أمته في تلك القارة، فوقف ينظر من بعيد إلى من يخلفها فيها فأعجبه حال هذه الأمة الناشئة في حروبها واخلاقها، واخذ يوازن في ذلك بينها وبين أمة العرب في نشاتها، وكاني به كان يقدر لها مستقبلا مثل مستقبلها، وحكما متسعا في الأرض مثل حكمها، وقد صدقت فراسته في هذه الأمة، وأدت بها أوصافها التي أعجبته منها ولفتت نظره إليها إلى ما يقدر لكل أمة تتحلى بهذه الاوصاف، وتتجمل بتلك الشيم، وهذا هو الذي قاله فيها: (وحال هذه الأمة غريب في الحماية الممزوجة بالوفاء، والرقة والاستهانة

ص: 52

بالنفوس في سبيل الحمية عادة العرب الاول، واخبارهم في القتال غريبة من الإسترجال والزحف على الإقدام أميرهم ومأمورهم، والجثو في الأرض أو الدفن في التراب، والاستظهار في حال المحاربة ببعض الألحان المهيجة، ورماتهم قسيهم عربية جافية، وكلهم في دروع، ولا لجام عندهم، والتقهقر مقدار الشبر ذنب عظيم وعار شنيع، ورماتهم يسبقون الخيل في الطراد، وحالهم في باب التحلي بالجواهر وكثرة آلات الفضة غريب).

فهذه أوصاف تنطق بنفسها إنها لامة غريبة عن ارض الأندلس ومن فيها من نصارى ومسلمين، هذا إلى ان التاريخ الإنجليزي قد ورد فيه ما يؤيد رواية ابن الخطيب من ذهاب ذلك الجيش منهم إلى ارض الأندلس في الزمن الذي عينه ابن الخطيب له، فقد بلغت هذه الأمة في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي (القرن الثامن الهجري) درجة عظيمة من التقدم السياسي والحربي على عهد ملكها (إدورد الثالث) وكانت له حروب كثيرة مع الفرنسيين انتصر فيها عليهم، وبينما كانت جيوشه تفعل ذلك مع فرنسا بقيادته، كانت زوجه تقود جيشا آخر حاربت به اسكتلندا وأسرت ملكها، ثم جهزت جيشا آخر سارت به إلى إسبانيا. فحاربت الأسبانيين وهزمتهم، وهذه هي الغزوة التي ذكرها لسان الدين ابن الخطيب في سنة 767هـ لان مدة ولاية أدورد الثالث على إنكلترا كانت بين سنتي (1327 - 1376م)، وهذه السنة الهجرية تقع في هذه المدة.

فهذا ما يؤيد رأينا من الناحية التاريخية، وأما الناحية اللغوية فهذا الاسم (الانتكيرة) من الأسماء التي أطلقها مؤرخو العرب على أمة الانجليز، ولم تخل من بعض تحريف لبعد ديار هذه الأمة عنهم، وما كانت فيه من عزلة بجزرها عن غيرها من الأمم، ولم يبتدئ تاريخ الأمة الإنجليزية إلا في نحو سنة ستين قبل الميلاد، وكانت جزائرها تسمى عند الرومانيين (بريطانيا) وكانوا يسمون سكانها بريطون، وقد فتحوها سنة 83 بعد الميلاد، ثم استقلت هذه الأمة بجزرها في أوائل القرن الخامس الميلادي، فقامت فيها حروب وفتن كثيرة مزقت شملها وأضعفتها، ولم تزل مضطربة بالحروب الداخلية وغزوات المجاورين لها، إلى أن استولى عليها بعض الجرمانيون، فطردوا سكانها الأصليين إلى الأقاليم المجاورة لها، ثم فتحها (اغبرت) سنة 823 ميلادية، وجعل نفسه ملكا عليها، وهو أول ملك قام بها، وكان يلقب نفسه ملك انكلتيرة.

ص: 53

وقد عرف المسلمون هذه الأمة بعد الرومانيين، إلا انهم لم يتصلوا بها ولم يعرفوا أمرها تمام المعرفة، وكان هذا سببا فيما وقع من اضطرابهم في اسمها، فسماها قدماء مؤرخيهم (الانكتار) وبعضهم كان يسميها (الإنكليز) ولعل كلمة (الانتكيرة) في ذلك النص الذي نقلناه عن لسان الدين بن الخطيب عن هذه الأمة محرفة عن هذه التسمية (الانكتير) بتقديم التاء على الكاف وزيادة التاء المربوطة التي زادها بعضهم بعد ذلك على هذا الاسم كما سيأتي.

ثم ذكر صاحب كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) هذه الأمة باسم (انكلتيرة) وكان المسلمون قد اختلطوا بهذه الأمة في الحروب الصليبية فعرفوا حقيقة اسمها وأضافوا إليه اللام التي كان يسقطها قدماؤهم منه، وصاحب كتاب الروضتين هو ابو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المتوفى سنة 665هـ وكتابه في أخبار الدولة الاتابكية والدولة الأيوبية.

وقد ذكرهم بعد هذا في أواخر القرن الحادي عشر الهجري باسم (الإنكليز) صاحب كتاب (المؤنس في أخبار أفريقية وتونس) وهو أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم وقد ذكر فيه أخبار هذا الإقليم إلى سنة 1092هـ والإنكليز سمك كالحية يكثر في البحر الذي توجد فيه الجزائر البريطانية فسموا هذه الأمة باسمه، ويسمى أيضاً الانكليس والجنكليس، ولم يسم هذه الأمة من مؤرخي العرب فيما اعلم بالاسم الذي كان يسميها به الرومانيون إلا صاحب كتاب (صبح الأعشى) فقد ذكرها باسم (بريطانيا) ولم نجد من سماها بهذا الاسم غيره.

فهذا هو رأينا فيما ورد في ذلك النص من أخبار أمة الانتكيرة. ولعل الأستاذ البتنوني يعلم في ذلك ما لا نعلم فينشر ما عنده فيه على صفحات الرسالة الغراء لنصل في ذلك إلى الصواب الذي هو غايتنا جميعا.

عبد المتعال الصعيدي

ص: 54

‌نجوى النيل

للأستاذ محمود الخفيف

مضيت إلى النهر وقت الطفل

وقد لبس الأفق أبهى الُحلَلْ

وألقت عليه ظلال الغروب

صفاء تتوق إليه المقلْ

ورَفَّت على الشْط خضر الرياض

وراق الخريف بها واعتدلْ

ولاح ليَ النيل في منظر

تناهى الجمالُ به واكتملْ

تَرَوّحت النفسُ فيه الهدوَء

ولاحَت لعيني سِمَات الجذلْ

تذكرت قوليَ في عَذْله

فأَشْرَبَ وجهيَ صَبْغُ الخجلْ

ورحت أجدد عهد الولاء

كمن تاب عن ذنبه فاسْتَهَلْ

أتيتك يا نيل مستغفراً

وعندك يُنْسى رقيق العَذَلْ

فمنك الوفاء ومنك الصفاء

ومنك المودة منذ الأزلْ

وما كان عتبيَ إلا الوداد

وما كان ودِّيَ بالمفتَعَلْ

لئن عُدْتُ أُحْكِمُ فيك القريض

فلي في صفاتك وِرْدٌ عَلَلْ

يروق حديثك إما استعيد

وما هو إن طال بالمبتَذَلْ

ويَمْلك قَلبيَ حين أراك

لذيذُ الخيال وحلوُ الثَمَلْ

طيوفٌ من الحسن رفَّافةٌ

تريك من السحر ما يُستَحلْ

ألذُّ من الحلْم جَمَّ الرُؤى

لياليَ عهد الصبا المُقْتَبَلْ

وأعذب من خلجات المنى

وأجملُ من بارقات الأمَلْ

وأطيب من ذكريات الغرام

والطفُ من لمحات الغزَلْ

وأشهى من الماء حلوَ الصفاء

تَسلسلَ حولك بَعد الغَلَلْ

وأنْضَرُ من باكرات الربيع

تحلَّى بها الكون بعد العَطَلْ

وأبهى من الصبح في مهده

تَبَسّم في داكِنَات الكِلَلْ

وأندى من الكون عند الشروق

رفيفَ الحواشي نقيّ الطِّلَلْ

وأروع من بسمات الضحى

وومض الأصيل وصفو الطَّفَلْ

جمالك يا نيل أعيا البيان

ودق فقصَّرَ عنه المثلْ

ص: 55

تدَفُّق مائك يوحي إليَّ

مناظِرَ فيضك أنى هَطَلْ

فأصبو لمرآك بين الدِّغال

وحول الشِّعاب وفوق القُلَلْ

حيال تِسانا وما حولها

وعند نيانزا وبحر الجبلْ

وحيث خطرت بسودان مصر

لطيف الأناة حليم النُّقَلْ

وحيث انْهَلَلْتَ بأعلى الصعيد

وقد عجَّ موجُك لما اتَّصَلْ

يروع فؤاديَ هذا العباب

وكيف تلاقى وكيف انتَقَلْ

وأعجب ماذا يروم الدخيل

حيال تدفُّقِه المتَّصِلْ؟!

وكيف يُقَطَّع هذا الوريد

وتأمن مصرُ دنوَّ الأجَلْ؟

يشعُّ الخلود على جانبيك

ويصحو الفؤادُ لكرِّ الدُّوَل

وأقرأ فيك سجلَّ الزمان

واسمع همسَ العصور الأُوَل

شهدتَ الحضارةَ في مهدها

وحسنَ تفَنُّنها المرتَجَلْ

وشب الزمان على ضفتيك

بطيَء العصور طويلَ المَهَلْ

فآنست في مصر عهد النبوغ

وعهدَ العظائم لما حفَلْ

إلى أن بلوت بمصر الهوان

وكيف ثناها الونَى والخزَلْ

هتفت بفرعون في عزه

وانكرت فرعون لما خَمَلْ

وساءك قمييز يغزو البلاد

ويبذر فيها بذورَ الخَلَلْ

وراعك إسكَنْدَرٌ مقبلا

سريعَ الفتوح وثيقَ العَجَلْ

وقيصرُ حين غزَته الجفون

وجازت عليه ضروبُ الحِيَلُ

فألقى السلاح على بأسه

وهام بسحر العيون النُّجُلْ

وكم بطل فتنته العيون

وكم مَلَكَ الحبُّ حتى قَتَلْ

تلقيت عمرا لقاء الحنيف

تراءى الهلالُ له فابتهلْ

وهللت حين أقام الحدود

وحين تقصَّى وحين عَدَلْ

وحين توسم فيك الجلال

فنمق فيك رصين الجُملْ

وجاء بوصفٍ تلته القرون

وما عرفت فيه بعض المَلَلْ

دهاك الفرنسيُّ في جنده

وجندك يا نيل بعضَ الهمَلْ

ص: 56

تلفتُّ حولك مستنجداً

فلم تلق حولك غير الفَشَلْ

إلى أن تلقى زمام الأمور

بمصر من الشرق فرد بَطلْ

فأحيا بواديُك مَيْتَ الرجاء

وقد دهش الدهر مما فَعَلْ

تفيَّأت حيناً ظلالَ النعيم

إلى أن دهاك المصاب الجَلَلْ

فجاس العدو خلال الديار

وغالتك يا نيل شر الغِيَلْ

حباك الوعودَ ولكنه

أقام لديك السنين الطُّوَلْ

فيوماً يمد حبال الرجاء

ويوماً يثير عقيم الجَدَلْ

ويوماً يجيئك مستأسدا

يجرب فيك صنوفَ الوَهَلْ

ألم تر بالأمس كيف افترى

وكيف تعامى وكيف خَتَلْ؟

وكيف رماك بأدهى الخصوم

وكان بواديك أصل العِلَلْ؟

لقد بات يتلو حديث الوفاق

وهل يخطبُ الذئب وُدَّ الحَمَلْ؟

مللنا لعمريَ هذا النفاق

وملنا إلى الجد بعد الهزَلْ

وَقمنَا نحطمُ عنا القيود

وَنخلع عنا رداء الكسلْ

تحركْتَ بالأمس مستعدياً

وأنكرت يا نيل عهد الخَطَلْ

وقد كنت قبلُ مِثالَ الهدوء

ولكن أثارك طولُ الزَّللْ

وشعبك مثلُك في صمته

وإن حسبوه سكوتَ الوَجَل

وما قرَّ موجُك إلا استجم

وما إن تناقص حتى كَملْ

وما نسِيَ الشعبُ تاريخَه

وما نام عن مجده أو غَفَلْ

أبيٌّ وإن دهمته الخطوب

فتىٌ وان زعموه اكتَهَلْ

سرى فيه يا نيل منك الخلود

وأُلهمَ مثلك حبَّ العمل

وما كان سِرُّكَ مُسْتَحْدَثا

وما كان مجدُك بالُمنتحل

سيمضي الزمان على جانبيك

وتبقى كما كنت منذ الأزل

الخفيف

ص: 57

‌بين الشاعر وببن نفسه

بقلم عبد الحق فاضل

هو - مالي أرى الوجه الجم_ل عليه آثار الضنى؟

إنا بأفراح الشبا

ب عن الكابة في غنى

تبكين. . .؟ لهفي! أي خط

ب احل يا (نفسي) بنا؟

هي - من أين جئتُ؟ ولِمْ أعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

هو - فيم التأمل والتألم=والتبرم يا حبيبة؟

وأشدّ من وقع المصي

بة أن نفكر في المصيبة

هيا بنا، يا منيتي

نلهو بأحلام الشبيبة

هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

هو - لا يا رفيقة! لا تطي_لي الفكر في كنه الأمور

هذا الشباب يسير مو

كبه على عجل، فسيري

أخشى عليك إذا أضعنا الوقت، من وخز الضمير؟

هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

هو - كفى بربك! واتركي_نا نمش في سبل الكمالِ

فيما لدى من القوى،

وبما لديك من الجمال

نبني لنا مجدا رفي

عا، لا يصير إلى زوال

هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

هو - ان الفراش يحوم حو_ل الزهر يجهل ما غوى

والطير يسجع في الغصو

ن، مشببا لا عن هوى

قومي نحم، هيا نغني،

قبل ان تقع النوى

هي - من اين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

هو - كل الأحبة، يا حبي_بة، في وئام واتفاق

إلا أنا! مع قربنا،

أشكو تباريح الفراق

لم يقصني الهجران من

ك، ولم يقربني اشتياقي!!

ص: 58

هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

من أين جئت؟ ولم اعي

ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟

(بغداد)

عبد الحق فاضل

ص: 59

‌أنصاف رجال

بقلم محمود غنيم

يعني بعض الشبان بمظهره اكثر مما يعني بجوهره، ويسرف في توخي الأناقة إلى الحد الذي ينقلب إلى الضد. فإلى هؤلاء اوجه القول:

شباب النيل يا زين الشباب

ويا أشبال آساد غضاب

معي عتب أوجهه إليكم

وقد تصفو المودة بالعتاب

أرى فيكم فريقا حين يمشي

يحك بأنفه ظهر السحاب

كليث الغاب في صلف وتيه

وليس لدى القراع بليث غاب

لزهر النرد قد خلقت يداه

وليست لليراع ولا الكتاب

تفنن في محاكاة العذارى

وخالفهن في وضع النقاب

وأرسل شعره المضغوط يحكى

وميض البرق أو لمع السراب

تداعبه الصبا فيموج موجا

كما هب النسيم على العباب

له حلل تحاكى الطيف لونا

بأزرار من الذهب اللباب

وفيها جسمه انصب انصبابا

فما تدري الثياب من الأهاب

وليس بمحكم عملا شريفا

ويحكم وضع أربطة الرقاب

ولا يخشى على شيء ويخشى

إذا ثار الغبار على الثياب

إذا خاطبته في غير لين

تأوه أو تنهد في الخطاب

وان أربى على العشرين منهم

فتى أمسى يغالط في الحساب

وكم من لمة في مصر شابت

ولم تنفك عن دعوى التصابي

وان يحلل فتاهم قلب أنثى

يحل هناك بالركن الحراب

فلن ترضاه كالطاووس شكلا

ولكن كاسرا مثل العقاب

وكم ضاق الجمال بطالبيه

وأوذي بالتجمل والخضاب

إذا الذئب استحال بمصر ظبيا

فمن يحمي البلاد من الذئاب؟

برئت من الفتى يبدو فتبدو

عليه نعومة البيض الكعاب

فقل للغاضبين الحسن مهلا

متى نيل الجمال بالاغتصاب؟

ص: 60

محمود غنيم

ص: 61

‌البريد الأدبي

رسائل لم تنشر

من نابليون إلى ماري لويز

عرض أخيراً للبيع في أحد أبهاء التحف بلندن، مجموعة كبيرة من رسائل الإمبراطور نابليون بونابرت إلى زوجه الإمبراطورة ماري لويز النمسوية؛ وتبلغ هذه الرسائل التي كتبت جميعها بخط الإمبراطور، ووقعت بإمضائه ثلاثمائة رسالة، تشمل تاريخ أربعة أعوام كاملة من حياة الإمبراطور، أعني من سنة 1810 إلى سنة 1814، وقد كتب معظمها في أوراق مذكرات صغيرة، وأرسلت من مختلف أنحاء القارة التي يجوبها الإمبراطور أو يعسكر فيها بجيشه إلى الإمبراطورة الصغيرة التي شغفته حباً، والتي جاءت له بأول ولد يعلق عليه آمال الإمبراطورية. وتبدأ برسالة كتبها الإمبراطور في فبراير سنة 1810 يطلب فيها يد ماري لويز، وفيها يخاطبها بلهجة رسمية وبذات الجلالة؛ ثم تتدرج الرسائل بعد ذلك في البساطة وعدم الكلفة، فيخاطبها الإمبراطور بلهجة الحب الوثيق، وتغدو ماري بعد أن غدت إمبراطورة فرنسا، (حبيبتي، عزيزتي. . .) ويكتب إليها الإمبراطور في مختلف الشئون الشخصية والمنزلية؛ ويغدق عليها نصحه، سواء فيما يتعلق بصحتها أو نزهتها، أو علائقها بسيدات البلاط وسادته. وأشد هذه الرسائل سحراً وتأثيراً، ما تعلق منها (بالملك الصغير) ولد الإمبراطور وماري لويزا، والسؤال عن صحته ورجاء تقبيله وعناقه.

وتوضح هذه الرسائل تاريخ الإمبراطورية في مراحل متعاقبة، فالأولى مرحلة الزواج والتحالف بين النمسا وفرنسا، ورحلة الإمبراطور والإمبراطورة إلى انفرس وفلسنج، ثم قضاء شهر العسل في تريانون (صيف سنة 1810). وكان الإمبراطور يومئذ في أوج قوته وظفره، يحكم على معظم ممالك القارة، ويحكم في رومه ومدريد، ويشدد الحصار على إنكلترا ويهددها؛ والمرحلة الثانية هي مرحلة الغزوات الثانية في بولونيا وروسيا ثم موسكو في صيف سنة 1812؛ وهنا نجد رسائل كتبت عن معركة بورودينو، والزحف على روسيا، ثم حريق موسكو ثم، الارتداد المروع عن هاتيك السهول الثلجية؛ والمرحلة الثالثة حينما تتحد الدول على نابليون؛ وهنا يكتب نابليون إلى ماري لويز أن تنضح إلى والدها (الأب فرانسوا) إمبراطور النمسا بألا يتحد مع هذه الدول، وألا يصغي إلى تحريض

ص: 62

ماترنيخ، ويحاول بذلك لأن يزج بالإمبراطورة في غمار السياسة، ولكن إمبراطور النمسا حماه وأبا زوجه ينضم إلى خصومه،، فيحاربه نابليون مع من يحارب، ويكتب إلى ماري لويز بأنه انتصر على جنوده، وبأن جنوده لم تكن أسوأ منها في أي وقت مضى. ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي مرحلة التقهقر والهزيمة، وهنا تتعاقب الرسائل كل يوم بأنباء الظفر والحركةوالعمل المتواصل، ثم تجئ الهزيمة، ولكن الرسائل ما زالت تنم عن سمو هذه الروح التي تستقبل المصائب والمحن باسمة ساخرة.

تلك هي خلاصة المأساة التاريخية العظيمة التي تصورها رسائل نابليون الثلاثمائة إلى زوجه ماري لويز. وقد عرضت للبيع في لندن في يوم 19 الجاري مقسمة إلى عدة مجموعات، ولم ينشر منها من قبل شيء، وقدر الخبراء ثمنها بنحو مليون ومائة ألف فرنك (نحو ستة عشر ألف جنيه)، وقدرت مذكرات ماري لويز المعروضة معها بمبلغ خمسمائة ألف فرنك (نحو سبعة آلاف جنيه).

وقد علقت الصحف الفرنسية على عرض هذه التحف الأثرية التي تهم فرنسا قبل كل شيء، وأبدت توجسها من استعداد بعض كبار الهواة الأمريكيين لاقتنائها وبذل أكبر الأثمان في سبيلها، وطالبت الحكومة الفرنسية وهيئاتها العلمية أن تبادر إلى اقتناء هذه الوثائق التي خلفها إمبراطور فرنسا، لتضم إلى تحفه وآثاره. وقد استجابت الحكومة الفرنسية إلى هذه الدعوة، واستطاعت أن تحصل على الرسائل الثلاثمائة بطريق المزايدة بمبلغ خمسة عشر ألف جنيه حسبما ورد في الأنباء البرقية الأخيرة.

وفاة المكتشف دي جيرلاشي

توفي البارون دي جيرلاش دي جوميري الرحالة والمكتشف البلجيكي الشهير بعد مرض طال أمده، في سن السادسة والستين؛ وهو ينتمي إلى أسرة عسكرية نبغ فيها كثير من الضباط العظام؛ ولكنه آثر البحر منذ فتوته، وقضى شبابه بحاراً على ظهر السفن، وفي سنة 1890، نال رتبة نائب سفينة، وخطر له من ذلك الحين أن يخصص جهوده لاكتشاف المناطق القطبية التي لم يصل إليها سلفه المكتشف دومون دورفيل؛ فسعى إلى الجمعية الملكية الجغرافية البلجيكية حتى قبلت أن تؤازر جهوده، وأعد لتلك الرحلة السفينة (بلجيكا) وسلحها، وسافر على ظهرها في أواخر سنة 1897، ثم عاد بعد رحلة استغرقت نحو

ص: 63

عامين. بعد أن اكتشف كثيراً من الأنحاء القطبية، وحمل كثيراً من الوثائق العلمية المعلومات الهامة، وكانت هذه فاتحة الرحلات القطبية التي انتهت باكتشاف القطب الجنوبي بعد ذلك على يد الأميرال بيرد الأمريكي وزملائه، وقام دي جيرلاش برحلات أخرى منها رحلة الخليج الفارسي حيث حقق كثيراً من النتائج العلمية. وفي سنة 1903 سافر مع الدكتور شاركو المكتشف الفرنسي على ظهر السفينة (بوركوابا) إلى القطب الجنوبي، ثم عاد سنة 1905. ولم يمض سوى قليل حتى سافر كرة أخرى على ظهر بلجيكا مع الدوق أورليان، وقاما برحلة اكتشافيه علمية في بعض أنحاء الجزيرة الخضراء (جرينلان)، وحصلا على مجموعة نادرة من الحيوانات القطبية؛ وبعدئذ قاما برحلة أخرى فيما وراء الجزيرة الخضراء ووصلا إلى الحاجز الثلجي الأكبر، واكتشفا أنحاء لم تكتشف من قبل. وقد نشر دي جيرلاش رسائل شائقة عن رحلاته، ثم عهدت إليه الحكومة البلجيكية بإدارة القسم البحري، ومن آثاره في هذا القسم إنشاء السفينة البحرية المدرسية (مركاتور) التي اشتهرت بطوافها في أنحاء العالم.

وكان دي جيرلاش عضواً في عدة جمعيات علمية أو مراسلاً لها، ومن أشهر آثاره، كتاب نشره في فاتحة الحرب، وكان له دوي عظيم، بعنوان (الأمة التي لا تريد أن تموت)

جائزة نوبل للسلام

نعرف أن من بين جوائز نوبل الشهيرة، جائزة نوبل الشهيرة، جائزة للسلام، تمنح كل عام لمن يتفوق في خدمة قضية السلام سواءً كان من رجال السياسة أم التفكير؛ وقد نال جائزة نوبل للسلام في الأعوام الماضية عدة من كبار الساسة الأوربيين، مثل السير أوستن تشمبرلن وزير خارجية إنكلترا الأسبق، والمرحوم المسيو ارستيدبريان رئيس وزارة فرنسا ووزير خارجيتها الأسبق، والمرحوم الدكتور شتريزمان وزير خارجية ألمانيا الأسبق؛ وقد فاز أخيراً بجائزة نوبل للسلام عن سنة 1933، المستر ارثر هندرسون زعيم حزب العمال البريطاني، ووزير خارجية إنكلترا في وزارة العمال، ورئيس مؤتمر نزع السلاح الملحق بعصبة الأمم، وذلك لما قام به في مؤتمر نزع السلاح من جهود لتأييد قضية السلام؛ وفاز بجائزة نوبل للسلام عن سنة 1934، إنكليزي آخر هو المستر نورمان آنجل الكاتب والصحفي الشهير، وذلك لما ألفه من الكتب والرسائل، ونشره من المقالات في سبيل

ص: 64

الدعوة إلى السلام العالمي. وفي فوز الإنكليز بجائزة السلام عامين متواليين مغزى تغتبط له السياسة البريطانية.

في معرض الفن النمسوي

أقيم في فينا أخيراً معرض للتصوير والنحت لنيل الجائزة الرسمية؛ فنال المثال هربرت بكل من كارنتيا جائزة الحكومة عن معروضاته البرونزية؛ ونال المثال والترريئر من جراتز جائزة الحكومة عن معروضاته الحجرية.

ص: 65

‌القصص

من أساطير الأولين: رمز الشعر والفضيلة

إكسوس ومكريا أو عليقة السنديانة للشاعر ألفرنسي

هيجيسيب مورو 1810 - 1838

بقلم احمد حسن الزيات

في ذات يوم لا أذكر من تاريخه إلا أنه كان لعامين من موت هرقايس، كانت مدينة (دلفي) تموج بالناس وتعج بالضوضاء وتزخر بالفتوة. كان ذلك اليوم آخر أيام الألعاب الفيتونية، ومن أعجب الأشياء أن الصراع والسباق كانا يجريان على غير مشهد من أحد، والرياضيين والسواقين كانوا ينتصرون على غير علم من إنسان، حتى قيل إن الشاعر سيمندس كان ينشد رائع الشعر في الفرس المجلي ولا يستمع إليه يومئذ إلا بطله! ذلك لأن كلمة واحدة طار بها السماع فطارت بالقوم من ميدان اللعب إلى معبد أبولون!

(ها هم أولاء أبناء هرقليس! سيد أبطال الإغريق؟ وكانت أثينا منذ شهر قد استيقظت ذات صباح فوجدت هؤلاء الأبناء مخلوعين مضطهدين مشردين يتهافتون في الساحة العامة على مذبح الرحمة فثارت بها الحفيظة لشكواهم، ونزت فيها القلوب والسيوف لبلواهم، ثم بعثت بهم في هذا اليوم على رأس السفارة المقدسة إلى دلفي يستنبئون آلهتها عن مصدر هذه الحرب.

ودلفي كما تعلمين مدينة مقدسة تفيض جوانبها بالعجائب، والناس يمرون عليها وهم عنها معرضون، وأنا كأولئك الناس في هذا اليوم، لا أريد أن أتنقل بك من البرناس إلى الهيبدروم، ولا من الهيبدروم إلى منصة أبولون، فإنك ولا شك حججت إلى هذه الأماكن منذ طويل في (سياحة أنا كرسيس)، وأنا - ولا أخفي عنك - مشوق كذلك إلى رؤية أشبال هرقليس.

كان الشعور الذي استولى على الإغريق لدى رؤيتهم أولئك الأبطال يترجم عنهم هذا الهتاف الإجماعي الصاخب: (يا للآلهة الخالدين! ما أوفى القوام وما أصلب العضل! وكان في الجمع شيخ سبط العظام. تحسبه وفي يده عصاه المذهبة، وعلى جبينه عصابته

ص: 66

البيضاء، ملكاً من ملوك الإغريق العشرين، مال على كاهن من كهنة أبولون، وهو يجتاز المعبد حاملاً مبخرة من مباخر العطور، وقال له في صوت خافض:

- لقد عرفت هرقليس وزوجته ديجانير حق المعرفة، فما عرفت لهما غير ثلاثة بنين، فمن إذن هذه العذراء المنتقبة التي تجلس مع أبناء هرقليس على مقعد واحد؟

- كلامك يا أبي الحق لا مرية فيه، فليس لهرقليس من ديجانير غير ثلاث بنين ولكن له زوجته الأخيرة (يول).

- فقاطعه الشيخ قائلاً: صحيح؟ ثم ضرب على جبينه بإصبعه علامة التذكر وقال: لقد روى لي (فيلوكتيت) هذا الحديث عشرين مرة؟ ولكن قرنين من الزمان يدوران على الرأس لابد لأن يضعضعا فيها الذاكرة! نعم أذكر الآن أن هذا الزواج أعقب بنتاً. . . فارتفع من وراء الشيخ صوت ندي عذب بهذه الجملة:

- بنتاً وابناً يا أبي

فالتفت الشيخ فرأى يافعاً شاحب اللون هش العظام، في زي أهل الأرجوليد يردد في احتشام وخجل:

- بنتاً وابناً هما إكسوس ومكريا

فبتسم الشيخ ضاحكاً من الغلام، وقال للكاهن: أنظر! في (بيلوس) يهتف الناس بعلمي، وفي (ارجوس) يرسلون إلى تلاميذهم ليعلموني. . .

ثم قال للغلام: من الذي أنبأك هذا يا بني وماذا تسمي؟ ولكن الفتى لم يتحمل ملاطفة نسطور (وهو الشيخ) فأفلت منه وغاب في زحمة الناس دون أن يجيب.

وكان ذلك الهتاف لا يزال يدوي في الفضاء لا يعتريه فتور ولا يناله تغيير:

(يا للآلهة الخالدين! ما أوفى القوام، وما أصلب العضل!) ولعلك تعجبين من هذا الإطراء؛ وتحملينه على محمل الاستهزاء، ولكنك تذكرين أننا في بلاد قسمتها طبيعة الأرض ومطامع الناس إلى عشرين دولة صغيرة، يتضارب أقيالها الصيد من شدة الزحام بالمرافق والمناكب، وكان العرف الدارج في الأمم القديمة أن يقتتل الناس رجلاً لرجل، وجسماً لجسم، وجعلوا قوة البدن جماع القوى وملاك الفضيلة، وكانوا يتوسمون مخايل الكفاية والفضل في قبضة اليد وقوة الكتف، كما نتوسمها نحن اليوم في أسرار الجبهة ولمحات

ص: 67

العين، وحسبك أن هرقليس رمز القوة ومثالها كان إلهاً.

تأثر ظهور الكاهنة الوسيطة التي يتكلم بلسانها الإله، ولكن أحد لم يسمع هنين السأم، ولم يلمح عبوس الانتظار لأن الجمهور كان يجد في ما يرى غذاء لفضوله ورياً لشوقه، كان يرى هيلوس بكر هرقليس أو أكبر الأخوة، وهو محارب عملاق عاري الذراعين مجدول العضلات مطهم الوجه، فيجده وعلى منكبيه جلد الأسد، وفي يديه الهراوة العقداء، أشبه بأبيه من الليلة بالليلة، ثم يرى أنتينور، هو سوغ هيلوس وأدق منه ملامح وأرشق قامة. كان يتشح بقداسته الجديدة، ويبتسم لشباب الإغريق، منفوخان يتنسمان عبير الإعجاب في نشوة ولذة. وعلى الجملة كان الإله أنتينور شديد الخيلاء والصلف. أما أخوهما (إيجسط) فكان لا يشبههما في شيء غير القوة والشهامة. كان وجوده في هذا العصر وفي هذا المصر خطأ صارخاً في تقويم الزمن، وأعجب شيء فيه أنه كان أشقر الشعر ساهم الوجه منقبض المزاج، وانقباض المزاج عاطفة عصرية مسيحية. ثم كان يرجع من المعارك الدامية الشعواء إلى الدار عذب الروح حيي الطبع، كأنه أحد أولئك المحاربين الشقر من أهل الشمال: يصرعون المردة والأغوال، ثم يطأطئون الهام ويحرمون الكلام أمام عصا ساحرة صغيرة. كان وهو يتحسر على عرش (أرجوس) كأنما يأسى على شيء أعز عليه من عرش! فإلى أين إذنكانت تصعد زفراته وتتبخر دموعه؟ أإلى بيت صديق، أم إلى قبر أم؟ علم ذلك عند الله، فان سره لم يسافر عن ضميره إلى أحد، حتى أخته الفتاة مكريا، وهي أمينة سر الأرة لم يفض إليها بذات صدره. وكانت مكريا جالسة إلى جانبه تصلي. . عفواً يا أختاه! لقد شغلت بالأبطال عن العذراء، ولكنها هي الملومة! أنظري! إنها مستترة في ظل أخوتها، كأنها تحرص على أن تغفلها العيون. إنها لم تكشف عن وجهها النقاب بعد، فقسماتها لا تزال مجهولة، ولكنك أسلفت لها الحب ولا شك، لأنك سمعت منذ قليل أنها وديعة تقية

وأخيراً أعلنوا ظهور الكاهنة الوسيطة. وكان الوهن لا يزال بادياً عليها من أثر ما أصابها من اختلاج الأعصاب في وساطتها الأخيرة بين الآلهة والناس. فهي تجر نفسها جراً من الإعياء والجهد، حتى بلغت المنصة متكئة على كاهنين من كهنة أبولون. حينئذ انفتح في جوف المحراب باب على مصراعيه فاقتحمته هبة عريضة من الهواء العازف، فقشعت

ص: 68

دخان القرابين وهزت الجمع الحاشد فضج الناس قائلين: (الإله! هذا هو الإله!) وعندئذ اضطربت النيبة المعذبة في المنصة اضطراب الذبيح. فجشعت الأصوات وأصغى القوم

بدأت الكاهنة أمرها بالشهيق، ثم اتبعته بمقاطع من الأنين والضراعة، ثم انتهت إلى كلمات ذاهلة لا تسفر عن معنى، ثم تكلم الإله بلسانها فقال:

(إن (منيرفا) ستقاتل. . .! وعلى خوذتها الإلهية

ستصيح البومة: (إني عطشى) ويذهب جهدها باطلاً تدعونو منيرفا آلهة النصر

وآلهة النصر أختها فلا تخذلها. . .

إني أسمعها وهي قادمة تئز أجنحتها في الهواء. . .

ولكن البومة تصيح: إني عطشى! وأريد أن أرتوي بالدماء. . إن أرجوك تنتظر ملوكها لتؤلههم:

اضطربي وميدي يا ارجوس! إن البومة في طيرانها السفاح تحوم في الجو باحثة عن جبهة نقية تضحيها

إنها تحوم تحوم ثم تقع على. . . ولد من أولاد هرقليس)

وفي هذه الساعة الرهيبة العصيبة على أبناء هرقليس، لم يكن في المعبد من ملك نفسه وضبط حسه غير أبناء هرقليس! على أن الكاهنة لم تكد تمسك عن الكلام حتى صاح بها هيلوس:

- عيني الضحية بالاسم

ولكنها كانت تتساقط من الضعف على درج المنصة ولم يبق منها إلا رمق. فقال كبير الكهنة: إن الإله كان جبار القلب غليظ الكبد، فإذا استأنفت التجربة قتلها ولا شك. فليقدم أحد أبناء هرقليس نفسه.

فارتفع من بين الجمع ذلك الصوت الرخيم الذي تكلم منذ هنيهة من وراء نسطور وقال: أنا أقدم نفسي فقال له الكاهن في لهجة قاسية: (من أنت؟ وماذا تسمى؟) فأجابه الغلام: (أنا ابن هرقليس وأسمي إكسوس)

فانفجر الناس بأصوات الدهش لهذا الجواب المفاجئ ثم قال قائل منهم يتهكم: (إذا صدق قولك فقد صدق اسمه وستعلمين يا أختاه أن إكسوس كلمة يونانية معناها العليقي، فكان

ص: 69

أبويه عندما ولد وسماه بهذا الاسم احتقاراً لشكله واستصغاراً لشأنه. والحق أن هذا المخلوق الهش يشبه في انتسابه إلى هذا العرق القوي ذلك النبت الطفيلي الرخو الذي تعبث به الريح وهو قائم على جذوع السنديان.

دلف (تينور) إلى الغلام وقال له بلهجة الحانق المتوعد: (لقد منعناك أن تتبعنا إلى دلفي. . .) ولكن ابنة هرقليس التي ظلت إلى تلك الساعة ساكنة ساكتة محتجبة، ألقت نفسها بين الأخوين فقطعت من بينهما الشر، ثم أخذت الصغير من يده وخرجت به من المعبد وهي في صمم عن نداء هيلوس يدعوها إليه، وفي ذهول عن هتاف الإعجاب الذي انبعث عن يمينها وعن شمالها، لأن نقابها انحسر من ذات نفسه لسرعة المشي وشدة الحركة فبدت مكريا للعيون بارعة الجمال رائعة الحسن لطيفة الروح، وقد زاد في جمالها تلك الشفقة التي تجلت في صوتها وفي عينها؛ والشفقة عاطفة تجمل القبح، فكيف يكون أثرها في الحسن؟

عادت أسرة هرقليس كلها إلى أثينا في مركبة واحدة، وقد عقد الأبطال الثلاثة فلوبهم على أن يقترعوا بينهم غداً في معبد منيرفا ليعلموا أيهم يجب عليه أن يموت. وكان إكسوس المسكين قد جاء في اختيال ومرح يضع اسمه مع أسماء أخوته في الصندوق ولكنهم منعوه ودفعوه معتقدين أن من الإهانة للآلهة أن يهيئوا للقدر - وهو في أغلب أمره ساخر عابث - الفرصة ليقدم إليه هذا القربان الأعجف. أما أخته مكريا فلم يشاءوا أن يعرضوها معهم على رغبة الموت لسبب آخر غير سبب إكسوس؛ لقد كانت خطيبة (ليكوس) وهو زعيم من زعماء أثينا ذوي الرأي المسموع والأمر النافذ، (وأثينا هي التي غضبت لهم تلك الغضبة وشهرت دونهم السيف) فهم يحرصون لسبب سياسي أو أدبي على ألا يقطع الاستعداد للتضحية الاستعداد للزفاف لذلك وجدت مكريا غرفتها بعد عودتها تضوع بعبير الألطاف والتحفالتي قدمها (ليكوس) ولكن نفسها وهي تتسلف الحداد علة أخ من أخوتها لم يهزها كرم الهدايا ولم يسرها جمال التحف. على أنها رأت إكليل الزفاف مصوغاً من الزنبق الجميل النضر، فحملته ووضعته على جبينها من غير إرادة ولا وعي. وفي هذه اللحظة سمعت من خلفها زفيراً يتصعد في ضعف فالتفتت فإذا هي ترى إكسوس، إكسوس أخاها الذي جمعت له في قلبها الأم والأخت في وقت معاً، إكسوس الذي عنيت به وأقبلت

ص: 70

عليه لأنه عليل الجسم مبذوء الهيئة، إكسوس الذي لا يخطو بالبيت خطوة إلا بابتسامة من مكريا تبدل بؤسه وتجدد أنسه، فإذا غابت عن الدار غاب عنه الأنس واستولت عليه الوحشة.

كان ينظر إلى الزهور الرمزية والدمع يجول في عينه، والهم يعتلج في صدره والألم الممض يرتسم على أسرار وجهه، فاستطير فؤاد أخته من الخوف عليه، لأنها تعودت أن تراه يشكو ويتألم منذ أثني عشر عاماً فلم تجده يوماً على مثل هذه الحالة من الكمد المقلق واللوعى الأليمة؛ فأقبلت عليه تعتذر إليه وتسري عنه، وتقول:

- أوه! أعفو عني وأغفر لي يا طفلي المسكين!

- أنا أعفو عنك وأغفر لك يا مكريا؟ علام إذن والسعادة التي غمرت بها قلبي وعمرت بها وجودي؟

- لا تشكري لي عنايتي بك؛ ذلك دين أقضيه. . . . . ذلك تكفير أؤديه. . . . . . .

فانبعث من عين الفتى المشدوه نظرات ضارعة تسأل أخته حل هذا اللغز، فقالت له: (سمعك إلي! منذ أربع سنين (كان عمرك يومئذ ثمان سنوات وعمري أربع عشرة جرت في أسرتنا حوادث عجيبة وأمور خارقة لم يصل علمها بأبي ولا بأخوتي لعلك تذكر ذلك الكوخ الذي بنوه على شاطئ البحر ليختفوا فيه عن أعين المضطهدين الكثيرين الأقوياء. كنت فيه ذات مساء وكان أبي وأخوتي في الصيد، وكنت أنت منهوك القوى ومن كثرة ما جريت في الغاب طول النهار فاستسلمت على هدهدة المطر والريح لنوم ثقيل وكان الليل قد أقبل منذ حين، وأبي وأخوتي لم يقبلوا بعد، فسمعت قارعهاً يقرع الباب فذهبت أفتحه وفي حسباني أني أجد الصيادين والصيد ولكني وجدت عابر سبيل يطلب الدفء والمأوى برهة من الزمن فأدخلته، ثم جلست إلى جانب سريرك واشتغل هو بتجفيف ثيابه على نار الموقد؛ وما كان اشد دهشتي حين رأيت نوراً لطيفاً يتلألأ على شعره الأشقر! عزوت ذلك النور بدياً إلى انعكاس النار التي في الموقد، لكن الموقد خبى وغرة المسافر ما تزال مشرقة! حينئذٍ أدركت أنه أبولون، الذي طرد من الأولمب فهام متنكراً في العالم على وجهه، ثم بقيت على رغم تنكره بقايا النور من هالته.

فجررت جاثية أمامه، وقلت ماذا تبتغي مني أيها الإله العظيم؟ فقال: (لا شيء غير المأوى!

ص: 71

على أن المطر قد كف والجو قد صفى، فأنا ذاهب، وسأقبلك قبلة الوداع) فتقدمت واجفة القلب مضطربة الحواس إلى عمي وقدته من يده إلى مرقده وقلت له:(الأولى أن تلاطف هذا الصبي المسكين فإنه لم يظفر بعد بملاطفة إله؛ ألمس وجنته الذابلة فتنظر وانفخ في شفته الباردةفتغنى).

فتبسم أبولون لرجائي، ودنا منك فنفث في فمك من روحه؛ ولكن نفثته كانت قوية مضطرمة، فسرت إلى قلبك فأفعمته وأشعلته، من أجل ذلك كان قلبك يحترق ولا يفتر عن الوجيب! ومن أجل ذلك كان جسمك يذوي وروحك لا تستجيب. . . هأنذا وقفتك على جلية الأمر فهل تصفح عني؟

فما كان جواب إكسوس إلا ان قبل أخته، فقالت له: إن برهان عفوك عني أن تنقاد لي وتسمع مني؛ قل يا قليل الحكمة: بأي معجزة نجوت من الموت جوعاً وظمأت في طريقك الطويل من أثينا إلى دلفي؟

فقال إكسوس: أوه! كنت من الصباح إلى المساء أسترجع النشاط بالغناء، وأستفتح الأبواب بالنشيد، فكلما دلني الدخان على وليمة في أحد البيوت طرقت الباب وأنشدت الأغنية فيفتح لي أهله وينزلونني خير منزلة.

فتبسمت مكريا وقالت: أغنية عجيبة! هل لك أن تعلمنيها يا إكسوس حتى أغنيها أنا أيضاً في ذهابي إلى دلفي أو إلى الأولمب؟

فتمنع إكسوس وتدلل عادة المغنين في كل عصر، ثم نزل على مشيئة أخته بعد رجاء قليل:

أغنية إكسوس

افتحوا أنا إكسوس المسكين، أنا عليقة السنديانة التي تمر عليها هبة الريح تمت! منذ أثني عشر عاماً سقط قزم من جلد الأسد الذي يتنكبه هرقليس، فكنت أنا ذاك القزم. كان أبي لا يحبني لأنني كنت صغير الجثة رقيق البدن، وحينما كنت أصطدم بركبتيه وأنا طفل كنت أسمع فوق رأسي زمجرة كزمجرة العاصفة. وكان أخوتي يضربونني كلما دعوتهم أخوتي؟ ومع ذلك أريد أن أعيش، لأن لي أختاً تحبني وتحنو عليّ، هي الجميلة الكريمة مكريا.

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديان التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

2

ص: 72

قال لي أخوتي ذات يوم: (اجتهد أن تكون صالحاً لشيء. . تعلم إقامة التماثيل وشيادة الهياكل، فلعللنا نصير يوماً آلهة) فحاولت أن ألبي مبتغى أخوتي، ولكن الأزميل والمنحت كانا ثقيلين على يدي! ثم كانت هناك رؤى غريبة تطوف بيني وبين جنادل (باروس) وكانت إصبعي الناحلة الذاهلى تخط في التراب اسماً لا تخط غيره اسم أختي الحبيبة مكريا. .

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

3

حينئذ قال لي أخوتي: (إن في مضيفنا شيخاً من شيوخ الكلدان يقرأ في صفحة السماء أسرار الغيب وأنباء المستقبل، فاستمع إليه، وتثقف عليه، ثم قل لنا في مطاوي السحب كنوزاً أو نصراً) فسمعت من الشيخ، ثم قضيت ليالي طويلة أرصد النجوم والغيوم فلا أرى كنوزاً ولا نصراً. إنما كنت أرى عيون السماء تنظر إلي نظر المحب كأنها عيون مكريا. . .

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

4

حينئذ قال لي أخوتي: (خذ قوساً ونشاباً وأخرج إلى الصيد في الغاب فجبت الغاب بقوسي ونشابي، ثم لم ألبث أن نسيت أخوتي وذهلت عن صيدي. وبينما كنت أسمع غناء الرياح وتغريد البلابل أقبلت ظبية فأكلت طعامي من جيبي، ثم جاء طائر صغير أعياه طول الطيران فنام في كنانتي، فحملته إلى مكريا.

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

5

حينئذ قال لي أخوتي: (أنك لا تصلح لشيء) ثم ضربوني، ولكنني لم أبك، لأن فكري كان مشغولاً بأختي! وغداً سيأخذون مني مكريا! وغداً ستسأل وهي جالسة في حفلة الزفاف: ما هذا الدخان الذي يسطع هناك وراء الغار؟ فيجيبها المدعوون: (لا شيء).

(إنها محرقة! إكسوس المسكين، عليقة السنديانة التي عصفت بها الريح فجعلتها كالرميم).

ص: 73

فصاحت الفتاة وقد ملكها الحنان وأدركها الجزع: كلا إنك ستعيش! وسأجعلك في قلبي، حتى إذا ثارت العواصف الهوج لا يمسك منها أذى. إن (ليكوس) سعيد محبوب، وعذارى أثينا كثيرات يفتحن له دورهن وصدورهن. أما أنت أيها الفريد الشريد الموجع، فإليك وحدك كل أيامي وأحلامي وحبي.

(خذ يا أخي، خذ يا شاعري! هذا ثمن أغنيتي) ثم نزعت من فوق جبينها الأبلج إكليل الزفاف وألقته مبللاً بالدمع تحت قدمي إكسوس! فأراد إكسوس أن يجيب، ولكن التأثر المفاجئ صعق الصبي المسكين فلم يستطع إلا أن يقول بصوت خافت: (أوه! ثم وضع يده على قلبه وخر مغشياً عليه! ثم بات طول الليل يتضور من شدة الحمى، وأخته بجانبه لا يغمض لها جفن، ولا يرقأ لعينها دمع.

وكان الغد موعد أبناء هرقليس إلى المعبد ليقترعوا هناك على الضحية. فتقدموا إلى الهيكل كما يتقدمون إلى المعركة: قلوبهم فارغة من الهم، ورءووسهم مرفوعة من العزة؛ ثم جرت المراسم المألوفة وهي لا تختلف عما رأيناه في دلفي. واقبل كاهن من كهنة (منيرفا) فأجال الأسماء في الصندوق، ثم تقدم طفل معصوب العينين إلى الإناء المقدس يستخرج منه حكم الموت. فلم تكد يده تلمس حافته حتى دوى على عتبة المعبد صوت امرأة يقول:(قف! هاكم الضحية. .)

وكان ذلك الصوت صوت مكريا وهي تتقدم إلى المذبح كاسفة اللون، كاملة الأهبة، تنوس على جبينها الأزهر الجميل عصبة الذبيحة. فدلف إليها إيجسط وقال: أهنا أنت يا أختاه لقد وعدتني أن تتخلفي لتقومي على سرير إكسوس. فقالت وهي تغالب الدمع وتحبس الزفرة: إن إكسوس مات! وليس الآن ما يمنعني أن أفديكم بنفسي. ثم تابعت سيرها البطيء إلى الهيكل بين تصفيق الجمع وإذعان الإخوة. ثم جثت مكريا أمام المذبح وعوقت بالإشارة مدية الذابح العجلان حتى تلقي على أخوتها ابتسامها الأخير، ثم أغمضت عينيها، وأزاحت الغطاء عن ثدييها، وكانت بعد دقيقتين جسداً يضطرب على مذبح الهيكل!

ثم أضرموا النار وجعلوا منها لإكسوس ومكريا محرقة واحدة! وعندئذ رأى الناس شيئاً يصعد من اللهيب إلى السماء، رفاف الأجنحة ناصع الريش رائع الرواء!

وهكذا كانت الفضيلة (مكريا) في العصور الخوالي تكفل الشعر (إكسوس) وتلهمه.

ص: 74

والفضيلة والشعر أجمل ما في الحياة وأنبل ما في الإنسان!

ص: 75