المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 776 - بتاريخ: 17 - 05 - 1948 - مجلة الرسالة - جـ ٧٧٦

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 776

- بتاريخ: 17 - 05 - 1948

ص: -1

‌لمن هذه القوة في فلسطين؟

إذا قلت إن القوة التي في فلسطين لليهود، فكأنما قلت إن للأرنب دولة في غاب الأسود! ومن ذا الذي يصدق خبراً تناصرت على تكذيبه أدلة الشريعة والطبيعة والعِيان؟ فالقرآن يخبر أن الله ضرب على اليهود الذلة والمسكنة بما عصوا وعدَوا؛ فمن يزعمُ الآن أن مُلك إسرائيل يعود، فقد كذب القرآن وصدَّق التلمود. والطبيعة تشهد أن الغريزة تفقد شهوتها بالتعطيل، كما يفقد العضو وظيفته بالترك: فغريزة الافتراس في الحيوان ضعفت في الإنسان بالإهمال، على مدى الحقب الطوال، حتى أصبحت أثراً في العض ورمزاً في التقبيل. والأظفار الخمسة في رِجل البهيم تطاولت عليها الدهور وهي تتسلق وتنشب، فاعتراها الضمور والذبول حتى صارت أثراً تاريخياً وراء الحافر أو الظلف. واليهود منذ فرق شملهم (بختنصر)، وبتَّ حبلهم (أدريان) أخذت تضعف فيهم غريزة الدفاع عن النفس بالقوة حتى ماتت في مدى خمسة وعشرين قرناً لم يدافعوا عن حياتهم فيها إلا بخداع الثعلب وتملق الكلب وتلون الحرباء. فمن أين لهم الأكف التي تحمل السلاح، والقلوب التي ترفد الأيدي؟ أما العيان - وهو مصداق النقل وشاهد العقل - فيثبت أن اليهود ثعابين من غير سم، وبراكين من غير نار. على رأيت يهودياً دخل في عنف وإن هان، أو جرؤ على ظلم وإن قل؟ أنا نفسي شهدت لبعضهم منظراً لا أنساه حتى أموت، ولا أذكره إلا ضحكت: قضيت الصيف في بغداد سنة 1930، والصيف في بغداد لفحات من جهنم بالنهار، ونفحات من الفردوس بالليل. فالبغداديون يميتون أيامه في السراديب، ويحيون لياليه على دجلة. ففي ليلة قمراء من هذه الليالي ركبتُ أنا وصديقي (الحسنى) زورقاً من زوارق النزهة، فيه السمك (المسجوف) والفاكهة الطيبة. وسار بنا الزورق يتهادى حتى توسط النهر، فوقع في أسماعنا من ضفاف الكرخ غناء وعزف. فقلنا للنوتي: اتبع طريق هذا الزورق اللاهي. فقال في لهجة الغاضب الأنوف: ولماذا نتبع نحن ولا يتبعون هم؟ هؤلاء يهود! ولو شئتم أتيتكم بالمغنى والعازف! فدهشت ولم يدهش صديقي. وحاذى المركب المركب، فإذا رهط من شباب اليهود لا يقلون عن العشرة، قد انتظموا عقدين على جاني المركب، وفي الوسط مائدة مستطيلة عليها الطعام والشراب والزهر، وفي الصدر مغنية حسناء تضرب على العود، وكهل بدين ينقر على القانون، وشاب أنيق يعزف على الكمان. فلما رأونا سكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وتجمعت الأكتاف، وتدلت الأطراف،

ص: 1

وشخصت الأعين؛ ونادى ملاحنا بلهجته العراقية الآمرة: (تعالْ يا بنِت! تعالْ يا وِلِدْ!) وانتظرت أن أرى الغضب والإباء، أو التردد والوناء، فلم أر إلا القوم يخلون للجوقة الطريق واجفين، ويساعدونها على الانتقال واقفين! ولو كنا جربنا مع النوتى على مذهبه، لنقل كل ما كان في مركبهم إلى مركبه!

لمن هذه القوة إذن؟ إنها للاتحاد الذي جعل النحل تهزم جيشاً بأسره،

ومكن للبراغيث أن تخرج (النمروذ) من قصره. وإنها للعلم الذي ينقل

علىأجنحة النحل قذائف تدك المدن، وينبت في أفواه البراغيث أنياباً

تقتل الفيَلة. وإنها للمال الذي يسخر المصانع الأمريكية لتسليح اللص،

ويجبر المماليك الأوربية على تأييد الباغي.

فهل أعد العرب العدة لهذه الأقانيم الثلاثة، أم لا يزالون يعتمدون في دفاعهم على الفتح والوراثة؟

أحمد حسن الزيات

ص: 2

‌3 - عبد اله بن سبأ

للدكتور جواد علي

رأيت أن أقدم رواية وردت إلينا عن (عبد الله بن سبأ) هي رواية تعود إلى القرن الثالث للهجرة. وهي أقدم من رواية الطبري، والطبري أول من تعرض (لابن سبأ) في تفصيل واطناب بالنسبة لحوادث الفتنة. وقد تعرض (أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وهو من رجال القرن الثالث للهجرة ومن رجال الشيعة لعبد الله بن سبأ في معرض كلامه عن فرق الشيعة؛ وهي رواية مهمة لأنها تمثل رأي الشيعة في هذا الرجل، وما قالوه فيه. وأنت إذا ما قرأت ما كتبه النوبختي عن (السبأية) تيقن من أن بعض علماء الكلام قد نقلوا عنه.

قال النوبختي: (السبأية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال إن علياً عليه السلام أمره بذلك. فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله. فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجل يدعوا إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟ فصيره إلى المدائن. وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب عليّ عليه السلام، أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالي علياً عليه السلام؛ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع ابن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة؛ فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في عليّ عليه السلام بمثل ذلك. وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي عليه السلام وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه.

فمن هنا قال المخالفون إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية. ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت! لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلا، لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل؛ ولا يموت حتى يملك الأرض.

والنوبختي من المعاصرين لابن قتيبة الدينوري صاحب كتاب المعارف (المتوفي سنة 276 للهجرة) وللطبري (المتوفي سنة 310 للهجرة) ولابن عبد ربه (المتوفي سنة 328 للهجرة).

ولعالم شيعي آخر ذكر (ابن سبأ) بعبارة تكاد تكون عبارة النوبختي بعينها وهذا الرجل هو (أبو عمر ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي) صاحب كتاب (معرفة أخبار الرجال)

ص: 3

وقد عاش في بغداد وكانت داره من الدور المقصودة، وملتقى طلاب العلم. ولابد لنا من ذكر عبارة الكشي عن (عبد الله ابن سبأ) لنتمكن من تكوين فكرة عنه وعما ورد فيه

وقد أخذ الكشي روايته هذه - على ما يقوله - عن ابن قولويه عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف القميّ عن محمد بن عثمان العبدي عن يونس بنعبد الرحمن عن عبد الله بن سنان عن أبيه، وتنتهي هذه السلسلة بالإمام جعفر الصادق المتوفي سنة 148 للهجرة. والمعاصر للخليفة العباسي المنصور.

جاء في كتاب معرفة أخبار الرجال أن الإمام قال (إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله فأقر بذلك وقال نعم أنت هو، وقد كان ألقى في روعي أنك أنت الله وأني نبي. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك! قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب، فأحرقه بالنار وقال إن الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك).

وذكر رواية أخرى هي أن الإمام جعفر الصادق ذكر عبد الله بن سبأ فقال (لعن الله عبد الله بن سبأ! إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً. الويل لمن كذب علينا؛ وأن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم؛ نبراً إلى الله منهم).

إلى أن قال (ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو فقال بعد إسلامه، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في عليّ عليه السلام مثل ذلك. وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم، فمن ههنا قال من خالف الشيعة أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية).

والعبارة الأخيرة هي نفس العبارة التي ذكرها النوبختي في كتابه (فرق الشيعة) عن عبد الله بن سبأ، وحيت أن الشخصين كانا متعاصرين، فمن الجائز ان يكون قد نقل أحدهما عن الآخر، غير أن مقدمة خبر كل واحد منهما عن (عبد الله ابن سبأ) وعن السبائية تدل على أنهما معا من مصدر آخر لعله أقدم من مصدرهما. والظاهر أنهما أخذاه عن كتاب لا رواية لأن الكشي يسلك سبيل الأخباريين والرواة فيذكر عادة في كل رواية سلسلة الرواية،

ص: 4

ولم يفعل ذلك في هذه العبارة التي يظهر أنها كانت عبارة كتاب آخر وأنهما نقلاها نقلا يكاديكون حرفياً من (ذكر بعض أهل العلم) إلى آخر هذه الفقرة. ولعلهما نقلا ذلك عن كتاب آخر يعود إلى سعد بن عبد الله الأشعري القميّ المتوفي سنة 299 أو 301 للهجرة، وهو عالم له مصنف في هذا الموضوع.

ومما يستحق الملاحظة كذلك أن النوبختي كان قد ذكر في آخر خبره عن السبأية أن عبد الله بن سبأ لما بلغه خبر مقتل الإمام عليّ وهو بالمدائن (قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلا، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض).

وهذه العبارة قريبة في المعنى من العبارة التي ذكرها الجاحظ في كتابه (البيان والتبيان) والتي نسبت إلى جرير بن قيس، ولعلهما أخذا من منبع واحد واستعمل كل واحد منهما العبارة التي اختارها لهذا المعنى.

وتجد في كتاب (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر ابن طاهر البغدادي المتوفي سنة 429 للهجرة ذكراً (لعبد الله ابن سبأ) في معرض حديثه عن الفرق ومنهما فرقة (السبأية) اتباع عبد الله بن سبأ وقد سماهم (السبأية) وقد عرفت هذه التسمية بهذه الصورة في كتب أخرى. وقد نقل عنه (أبو المظفر عماد الدين شاهفور طاهر بن محمد الاسفرائيني المتوفي سنة 471 للهجرة. نقل عنه نقلا يكاد يكون بالحرف. لذلك يكرر ما ذكره البغدادي في هذا الباب. واختص عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف الرسغي من رجال القرن السابع للهجرة كتاب البغدادي وأدخل ما ذكرة البغدادي في كتابه.

ويعد كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني المتوفي سنة 548 من أهم المراجع التي تعرضت لبحث (عبد الله بن سبأ) وأتباعه (السبائية) وقد اعتمد عليه جماعة من العلماء منهم الإيجي المتوفي سنة 756 للهجرة وعلى الأخص المقريزي المتوفي سنة 845 للهجرة. الذي نقل عنه نقلا حرفياً؛ ثم المؤرخ الشهير ابن خلدون المتوفي سنة 808 للهجرة. والجرجاني المتوفي سنة 816 للهجرة صاحب (شرح المواقف).

ونضيف إلى هذه المراجع ما ذكره ابن حزم الظاهري المتوفي سنة 456 للهجرة في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) وقد دعاهم (السبابية). وما كتبه أصحاب الكتب

ص: 5

الأخرى.

ونستطيع أن نقول بعد مقارنة المراجع التي ورد فيها ذكر عبد الله بن سبأ، أننا لم نجد حتى الآن أى مصدر يفصل لنا حياة هذا اليهودي المسلم، وقد ذهبت أكثرها إلى أنه كان من أهل اليمن وأنه كان من مدينة (صنعاء) عاصمة اليمن والتي لمع ذكرها في عهد الأحباش خاصة، وأنه كان يهودياً فأسلم وصار يتنقل في الأقطار الإسلامية حتى انتهى به المطاف في العراق حيث نزل البصرة ثم الكوفة ثم الشام؛ غير أنه لم يجد من بين الشاميين أنصاراّ، فذهب إلى مصر حيث راجت دعوته هناك ووجد له أتباعاً، ولعب دوراً كبيراً في الفتنة التي أثارها على الخليفة عثمان.

وقد عرف هذا الرجل بصورة عامة باسم (عبد الله) وأما اسم والده فهو (سبأ). ويندر ورود هذه الكلمة على أنها اسم شخص. وقد ورد في بعض الكتب على أنه عبد الله ابن وهب أو وهاب بن سبأ. أو عبد الله وهب السبائي. نسبة إلى سبأ. وزعم أنه كان على رأس الخوارج. ويعني بهذا أنه من (سبأ) أي من أهل اليمن، فهو من أصل عربي جنوبي على زعم الرواة. وربما كانت هذه النسبة هي التي جعلت الأخباريين يتصورون أن اسم والده بالضبط.

وقد اشتهر عبد الله كذلك بابن السوداء، ويظهر من رواية الطبري أنه إنما قيل له ذلك لأن أمه كانت سوداء، فعرف بابن السوداء. وقد فرقت بعض المصادر بين (عبد الله بن سبأ) و (ابن السوداء) فجعلت بعضها عبد الله بن السوداء رجلا آخر كان يعين السبائية (السبابية) على قولها، وأنه كان في الأصل يهودياً غير أنه كان من أهل الحيرة.

ص: 6

‌الغيظ المحزن!

للأستاذ نقولا الحداد

ألا يغيظنا أن عرب فلسطين يفرون أمام فظائع اليهود الخبثاء، ويتشردون في البلاد العربية هنا وهناك، وأولئك الدخلاء الصهيونيون الأراذل يتمكنون في البلاد وينهبون بيوت العرب، ويفطرون ويتغدون ويتعشون من طعام العرب، ويلبسون ثياب العرب، ويملكون أثاثهم وأمتعتهم - يفعلون هكذا كما فعل أسلافهم من قبلهم منذ 32 قرناً حين ساقهم موسى من مصر إلى أرض كنعان حيث طردوا الكنعانيين من بلادهم وتناهبوا أرزاقهم؟! هل يعيد التاريخ نفسه؟

ألا يحزننا أن هؤلاء الجبناء الخبثاء ينكّلون بنساء العرب وأطفالهم وعجزتهم كما ينكل الذئاب والنمرة بفرائسها من الحملان والكباش والفراخ، ونحن نقرأ أخبار هذه الفظائع وأكبادنا تتقطع، وقلوبنا تتمزق!

ألا تخجل أن نرى إخواننا، وهم أهل البلاد، يفرون أمام الدخلاء فرار النعاج من الضواري ونحن نتفرج ونسمع ونقرأ ونتألم، ولا ننتقم من هؤلاء الأشرار شر انتقام؟ لماذا؟ لأننا نريد أن نتحامى غضب البريطانيين قبل أن ينتهي انتدابهم. وهؤلاء الذئاب يستغلون صبرنا، وطيبة قلوبنا، وتمسكنا بالإنسانية وشرف الخلق.

يا قوم. . . لا ينفع مع هؤلاء الأشرار الطغاة العتاة قول يسوع الناصري يوم علقوه على خشبة الصليب: (يا رب اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون). فهم يهزأون حين (نحول لهم الخد الأيسر) ويستبلهوننا. . . لا ينفعنا مع هؤلاء الأشرار إلا قول القرآن الكريم: (فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم)

كان على الجنود العرب أن يقتصوا منهم على الأثر؛ رضي الانكليز أو غضبوا. كفانا يا قوم استخذاء كما استخذي الانكليز لليهود اللئام. حسبنا مراعاة لخاطر الانكليز وهم يحمون اليهود دوننا ولم يقوموا بواجب المحافظة على الأمن كما يدعونها سبباً لبقاء انتدابهم. ولو شاؤوا الأمن لاستطاعوا أن يحقنوا كل دم في فلسطين، وعندهم 90 ألف مقاتل، ولكنهم كانوا يبتهجون أن يروا هذه المجازر ويشاهدوا تلك الفظائع الوحشية، فحتى متى نداريهم ونراعي خاطرهم؟

ص: 7

والآن ماذا قررتم أن تفعلوا أيها العرب الرجال مع هؤلاء الأنذال الذين لا يعرفون ما هي الإنسانية، وليس لهم قلوب بشرية! كيف يجب أن تعاملوا هؤلاء الكلاب الغلاظ الرقاب ذوي القلوب الصلاب؟

يجب أن تقرروا منذ الآن أن تكافئوا هؤلاء الأردياء هكذا:

أولا - مصادرة جميع أملاك اليهود وأموالهم في البلاد العربية كلها باعتبار أنهم كلهم صهيونيون، وأن العدوان في فلسطين هو عدوانهم وهم شركاء فيه. تصادر أملاكهم كما صودرت أملاك الطليان والألمان في الحرب؛ وأن يعوض من هذه الأموال على عرب فلسطين ما نهبه الصهيونيون وما خربوه وما خسر العرب في كل ناحية بسببهم.

ثانياً - يجب أن يذاع هذا الحكم على الصهيونيين لكي يعلموا أن كل ما يأتونه من المنكر في البلاد العربية عل الإطلاق يتحمل وزره إخوانهم في كل بلد عربي، ولكي يعلم اليهود الذين في مصر وغيرها من البلاد العربية أن كل مال جمعوه للصهيونيين يجب أن يسدد من أموالهم؛ لأن المال الذي في أيديهم هو مال عربي، وقد اكتسبوه من العرب فلا يمكن أن يرسل إلى الصهيونيين لكي يحاربوا العرب به.

ثالثاً - أن يبلَّغ صهيونو فلسطين أن كل ما نهبوه من أموال العرب، وكل ضرر أوقعوه على العرب سيؤخذ التعويض عنه منهم أضعافاً يوم الحساب بعد إخماد عنفوانهم يوم الهزيمة، وأن كل نفس أزهقوها من أنفس العرب يجب أن يدفعوا ديتها أضعافاً، وأن كل نفس من أنفس النساء والأطفال والشيوخ سيقدمون مقابلها أضحية على مذبح الإله مارس.

رابعاً - أن يعلم هؤلاء اليهود الصلاب الرقاب أنهم لا يعاش معهم بعد قمع ثورتهم؛ بل يجب أن يطردوا من البلاد العربية كلها.

هذا ما نتوقع أن يفعله قادة الجيوش العربية منذ الآن إن كانوا يحسنون القيادة ويستحقون الزعامة ويرغبون في صيانة حقوق العرب التي أضاعها تراخي الزعماء وتواكلهم. حسبكم يا قوم استخذاء!

نقولا الحداد

ص: 8

‌الفن الانساني

للأستاذ أنور المعداوي

(مهداة إلى الفنان الإنساني محمود تيمور)

الصلة بين الفن والإنسانية صلة لا يحسها إلا الفنان الإنسان. . . ولقد قلت مرة - وما زلت أقول - إن الفن إذا لم يستمد وميضه وحرارته من نبضات القلب الإنساني، كان وميضه كوميض البرق، وكانت حرارته كحرارة الحمى. . .! وكل أثر فني تبدعه العبقرية أو تصوغه القريحة، لا يترك أثره في النفس ولا بقاءه على الزمن، ما لم تلتق ومضة الفكر فيه بخفقة القلب، ولفتة الوهن بحركة الشعور، ومنطق العقل بفورة الوجدان. . . بشعاع من هنا وشعاع من هناك، يشق ضوء الفن طريقه إلى فجاج الروح، وشعاب النفس، ومسارب العاطفة، وبغير هذا كله يخبو البريق في الفن، وتبهت الصورة، وتفنى صفات الخلود!

من أعماق النفس وأغوار الحياة ينبع الصدق في الفن. . . ولن يتهيأ الصدق في الفن ما لم يستخدم الفنان كل حواسه في تذوق الحياة: يرقب، ويتأمل، ويهتك الحجب، وينفذ إلى ما وراء المجهول؛ فإذا استطاع أن ينقل كل ما يلهب الخيال فيها إلى لوحات من التصوير الفني، فهو الفنان. . . وإذا استطاع أن ينقل إلى هذه اللوحات كل ما في القلب الإنساني من نبض وخفوق، فهو الفنان الإنسان. . . وعلى مدار القوة والضعف في تلك النبضات، يفترق العمل الفني عن مثيله في كل فن من الفنون. . .

الفن الإنساني هو أن يكون الفن انعكاساً صادقاً من الحياة على الشعور. . . وأن يكون الشعور مرآة صادقة تلتقي على صفحاتها النفس الإنسانية في صورتها الخالدة، بكل ما فيها من اشتجار الأهواء والنزعات. . . هنا تتحقق المشاركة الوجدانية التي تتمثل في ذلك التجاوب الروحي بين الفن وصاحبه، وبين الفن ومتذوقه، وبين الفن والإنسانية، بكل ما فيها من اختلاف الميول والأذواق. ولسنا نقصد بهذا إلى أن يسير الفن في ركاب المجتمع. . . كلا، وإنما ندعو إلى أن ينطلق الفن انطلاقاً يتحرر فيه من كل قيد بفرضه عليه طلاب الشعور المزور والانفعال المصطنع. عندئذ يستطيع الفن أن يتنفس في أجواء لا يحس فيها مرارة الاختناق، وعندئذ يلتقط الفن من طريق الحياة - وهو في ظل الحرية - كل ما

ص: 9

يتبقى فيها من رواسب العواطف المتاينة في النفس الإنسانية.

إن الفنان هو من يعبر عن الحياة فيصدق في التعبير. . . وإلى هنا يكون الفن قد أدى رسالته التصويرية، وهي رسالة تهدف إلى التصوير الأمين والعرض الصادق، ولكن هاتين الميزتين قد تهتز لهما في نفسك عاطفة الإعجاب، دون أن تهتز لهما مكامن الشعور. . . إن الإعجاب بالأثر الفني شيء والاهتزاز له والتأثر به شيء آخر؛ وهنا تبرز لنا الناحية الأخرى من رسالة الفن وهي الناحية الإنسانية، تلك التي يكتمل معها الخلود في العمل الفني. إقرأ للقصاص الفرنسي جي دي موباسان أقصوصتين من أقاصيصه هما (الحلية) و (ولد)، تعجب بالأولى وتهتز من أعماقك للثانية، ثم قارن بين الأقصوصتين تجد البون شاسعاً بين أثر هذه وتلك في حساب الشعور. وما أبعد الفارق بين فن يترك أثره في الذهن، وفن يترك أثره في النفس. . . إن موباسان فنان مبدع هنا وهناك، ولكنه في (الحلية) فنان فحسب؛ فنان يستلهم قلمه. . . أما في (ولد) فهو فنان وإنسان؛ إنسان يستلهم قلبه. . .!

واقرأ بعد ذلك (رينيه) لشانوبريان و (رفائيل) للامرتين و (آلام فرتر) لجوته، تلمس أن نبضات القلب الإنساني في هذه القصص الثلاث، لم تبلغ من القوة والصدق والعمق ما بلغته في (أدولف) لبينجامان كونستان؛ ومن هنا كانت (أدولف) في رأي النقاد أكثرها بقاء على الزمن لأنها أكثرها إنسانية. . . ولقد قرأت هذه القصة مرات، ولا أذكر أني قرأت غيرها أكثر من مرة، بل لا أذكر أن قصة تركت في نفسي من الأثر مثل ما تركت (أدولف)؛ ذلك لأن الفن إنما يقاس بمقدار أثره في النفس ومدى صلته بعنف الوجيب في القلب الإنساني. وأنت حين تقرأ هذه القصص الثلاث، تشعر أن كلا منها قد وضعت للجيل الذي عاشت فيه فهي لا تكاد تصلح إلا له، وأن الفارق بينها وبين (أدولف) هو الفارق بين الفن التصويري الذي يقف بك عند فترة من الزمن لا يتعداها، وبين الفن الإنساني الذي يتخطى حدود الزمان والمكان ولقد بلغ من عمق الصلة بين الفن والإنسانية في (أدولف)، أن اكتشف النقاد أن هذه القصة لم تكن إلا تصويراً صادقاً لحياة مؤلفها، وأن (أدولف) لم يكن في الحقيقة إلا بنحامان كونستان، وأن (إللينورا) لم تكن إلا الكاتبة الفرنسية مدام دي ستابل!

ص: 10

(أدولف) هي قصة القلب الإنساني في كل جيل من الأجيال، يقرؤها كل إنسان فيشعر أنها قد كتبت له، ويكاد يجد في نفسه في كل سطر من سطورها. . . وهذا هو الفن الإنساني الذي تتلقاه الإنسانية جديداً على مر الزمن!. . . الفن الذي يأخذ مادته من أعماق النفس، ونبضات القلب، وأغوار الحياة.

وعلى ذكر القصص الإنساني أقول إني شاهدت منذ أيام في إحدى دور السينما قصة من القصص النادرة، تدور حوادتها حول حياة الموسيقار روبرت شومان. . . ولن أنسى أن هذه القصة قد هزتني هزاً عميقاً، لا بموسيقاها ولا بروعة تمثيلها، ولكن بما حفلت به من لمسات إنسانية نفاذة استطاع كاتبها أن يدفع بها إلى مكامن الشعور في النفس الإنسانية؛ ولقد خرجت بعد انتهاء العرض وأنا أستعيد في نفسي بعض تلك اللمسات التي حشدها الكاتب في قصته ليصور بها الجانب الإنساني في حياة شومان. . . ولعل مشهداً وحداً من مشاهد هذه القصة يقف وحده متفرداً ليترك أثره العميق في النفس والحس؛ هو ذلك الذي ظهر فيه شومان وزوجته وتلميذه يهيئون طعامهم بأيديهم بعد أن تخلت الطاهية عن خدمتهم. . هنا يقف الثلاثة حيارى أمام دجاجة!. . لا تقوى نفوسهم الفنانة الشاعرة على ذبحها؛ نمسك الزوجة بالسكين فتخونها قواها فتدفع بها إلى زوجها، واضعة ثقتها فيه كرجل لا يرتاع لرؤية الدماء. . ويجمع الموسيقار أشتات شجاعته، ولكنها تتناثر هنا وهناك فلا يبقى إلا العزم الخائر أمام شبح الجريمة!. . ولا تجد الزوجة بدا من الاستنجاد بالرجل الآخر ليرد للرجولة كرامتها، ولكن الرجل الآخر ما يكاد يقترب من الضحية والسكين في يده حتى يرتد ضعيفاً مسلوب الإرادة أكثر إخفاقاً من صاحبه. . ولا تزال السكين حائرة بين أيديهم المرتجفة، ولا تزال الدجاجة على قيد الحياة!. . ويهتف روبرت شومان وهو ينظر إلى زوجته وتلميذه، يهتف من أعماق: لقد خلقت للعزف لا للذبح!!

بمثل هذه اللمسات الرائعة، ترتفع القصة في الغرب إلى آفاق مشرقة من الفن الإنساني.

وإذا ما تركنا الفن الإنساني في القصة إلى الفن الإنساني في التصوير، تبرز لنا لوحتان فريدتان هما (العذراء والطفل) لرفائيل و (الجيوكوندا) لدافنشي. وعلى كثرة ما أخرج عباقرة الرسم من لوحات للعذراء والطفل فإن لوحة رفائيل تقف وحدها متفردة، لا بظلالها وأضوائها وألوانها، بل بشئ آخر هو قوة الوجه. . . المعبر عن الإنسانية في أنبل

ص: 11

ملامحها، وأجمل سماتها. إن الريشة التي أبدعت هذه اللوحة ريشة إنسان قبل أن تكون ريشة فنان؛ إنسان أنطق أسمى مراتب الأمومة في نظرات السيدة العذراء، وأسمى مراتب النبوة في نظرت السيد المسيح. . . ومن هنا شقت لوحة رفائيل طريقها إلى القمة، بينما وقف غيرها لا يتخطى السفوح، لأن هذه من صنع المخيلة، وتلك من صنع الشعور

من هذه الزاوية الإنسانية التي نظر منها الفن إلى رفائيل في (الغذراء والطفل)، ينظر الفن مرة أخرى إلى ليوناردو دافنشي في (الجيوكوندا). . . هي لوحة تمثل امرأة، ولكن أية امرأة؟! لقد استطاع دافنشي الإنسان أن يبعث في عينيها العميقتين نظرات قديسة، وفي شفتيها الرقيقتين ظل ابتسامة لا ترسم إلا على شفتي ملك. وفي العينين والشفتين ركز دافنشي الإنسانية بكل ما فيها من معاني النبل والطهر والبراءة، ولهذا كانت (الجيوكوندا) تمثل ذلك الجمال الروحي المتصل بالسماء، بينما كان غيرها يمثل ذلك الجمال المادي المشدود إلى الأرض!

من كل هذه الأمثلة التي قدمتها إليك تستطيع أن تخرج بشئ واحد، هو أن الفن إذا لم يستمد وميضه وحرارته من نبضات القلب الإنساني، كان وميضه كوميض البرق، وكانت حرارته كحرارة الحمى. . .!

أنور المعداوي

ص: 12

‌على ذكر حوادث فلسطين!

عار لا يمحى

للأستاذ شكري فيصل

حين فتحت عينيّ في الصباح كنت كالذي يستيقظ من حلم مرعب. . . لم أكن شهدت ما يؤرقني ويزعجني، ولكني أعلم أني أويت إلى فراشي وعلى شفتيّ هذه الأسئلة التي يدور بها ذهني وينطلق بها لساني: ماذا تفعل هنا؟ أي شيء هذا العلم الذي تجهد له، وتعني فيه الوقت والصحة والشباب؟ ما يكون من شأن العربية التي تعمل لها وتنطوي جنديا من جنودها إن قدر لصهيون أن تحقق أحلامها، وأن ترفع أعلامها، وأن تنشيء سلطانها في هذه البقعة من البلاد العربية. . . أين يقع هذا العمل الذي تحبس نفسك عليه من هذه المعارك التي تدوي، والنفوس التي تستشهد، والبلاد التي توشك أن تضيع بين حمق القيادات، وحقد الزعامات وأطماع السياسات، وحقارة الأغراض. . . أين أنت. . . وما شأنك وهذا الطريق؛ لا طريق غيره قبل أن تسوى معالمه، وترفع صواه، وينتهي إلى غايته من طرد العدوان، وصد الطغيان، ورد الغزو الأحمق.

ولم تكن هذه هي الليلة الأولى التي أواجه فيها هذا الحساب العسير. . . فقد كانت هذه الأسئلة تتخذ ألف لون، وتصطبغ ألف صبغة. . . وكانت تأخذ عليَّ مسالكي في النهار إذا ابتدأ النهار، وفي الضحى إذا ارتفع الضحى، وفي الظهيرة حين أقطع في الظهيرة هذا الطريق الذي تستلقي عليه الظلال مكدودة ممزقة، بين الجامعة وهذا البرج العاجي القريب الذي أعيش فيه. . . وكانت تسد عليَّ دروبي كلما هممت أن أعمل أو أفكر أو أكتب، فلا يكون في طاقتي أن أخلص منها أو أنتهي بها إلى رأي حاسم. كانت تتجاذبني موجات من لهبة الروح وخمود الجسم، من دفقة القلب وخور الأطراف، من قسوة الواقع ومن رخاوة النشأة. . فلم يكن لي أكثر من أن أرتد إلى هذا الماضي ألعن هؤلاء الذين سيطروا على ثقافتنا من رجال الانتداب، فزينوا لنا الحياة جنة وحريرا، وما كانت إلا لهباً وسعيرا، وجهاداً كبيرا. . .

وفي خطى مضطربة سريعة، كنت أمضي لأمد يدي إلى الباب أجذب الجريدة التي ترك الموزع نصفها ممتداً إلى داخل البيت ونصفها الآخر على العتبة الخارجية، فعل الرجل

ص: 13

المعجل المسرع

وبدأت أقرأ. . . وكان نبأ. . . وكانت لحظات هي مزيج من الذهول العميق والدمعة الثرة.

حيفا!. . . إن كل صورة من صورها تنتثر أمام عيني في وضوح شائك حاد. . . إن أطيافها التي كانت في ذهني كالضباب المعتم تشرق في لحظة سريعة من مثل لهب النار المتأججة، وتسطع في مثل تألق البرق النير. . . إن أصواتها التي كانت صدى ضئيلاً، نحيلاً، بعيداً، في خاطري لترن في أذني في مثل القصف المفزع. إني لأنظر في الصحيفة التي بين يدي ولكني لا أرى حروفاً ولا أشهد كلمات. . . وإنما أرى هذه المدينة التي مررت بها مرات ومرات في طريقي إلى القاهرة، وفي طريقي إلى دمشق. إني لا أحس ما حولي. . . لكأني في هذه اللحظات أذرع هذا الشارع، شارع الملوك، وأنحني أدخل في الشوارع القديمة التي تمتد وراءه. . . إني لا أسمع هذه الأصوات التي تتعالى هنا تحت نافذتي، وإنما أنا أستمع إلى هذه الأصوات التي (كنت أعيش معها يوماً من كل عام. . . إن آلافاً من الصور السريعة، المتتابعة، المتلاحقة، تغزوني: الفندق والمطعم وسكة الحديد، المحطة القديمة التي أقامها العثمانيون، والمحطة الجديدة التي أقامها اللصوص المنتدبون. . . المدينة القديمة والدكاكين الواطئة والأسواق المغطاة والتجار الدمشقيون وأبناؤهم وإخوانهم وجيرانهم. . . باعة الكتب هؤلاء الذين كنت أرقب عندهم مطبوعات فلسطين وما يتيح الوضع القلق للمؤلفين الفلسطينيين أن ينتجوه. . . المسجد الجامع الذي كنت أصعد إليه على سلم رخامي عريض، والمسجد الآخر الذي كنت أجتاز إليه سوقاً ضيقة مغلفة بالعتمة. . . آلاف العمال العرب، والوجوه العربية، واللسان العربي بهذه اللهجة التي كانت تضم في حيفا كل لهجات فلسطين؛ هذه كلها كانت تنثال عليّ وتنطلق من ذاكرتي كالنبع الفوار المضطرم. . . لم يبق في حيفا شارع أو طريق، مشهد، أو موقف، (كان حقير أو جليل، شيخ كبير أو عامل صغير، عامل دءوب من عمال المحطة، أو صديق كريم من التجار، أو مجاهد نازح منذ نزح فيصل العظيم عن دمشق. . . لم يبق في حيفا القديمة أو حيفا الجديدة هذه التي كنا نسعى إليها في مقر المراقبة لنعرض جوازاتنا وأوراقنا وأقلامنا ونتاج عامنا الدراسي على قوم بكم عجم نستأذنهم المرور بها في بلادنا وأوطاننا. . . هذه كلها عاشت في ذهني مرة واحدة. . . لقد انتفضت كما ينتفض العصفور الجريح بعد

ص: 14

أن تكون مرت به سكين بارقة بيضاء وخرجت وردية حمراء.

والآن. . . ماذا بقى من حيفا هذه التي عرفنا. . . ماذا أبقت منها بلاغات الزعماء، وتصريحات الرؤساء، وأحقاد قادة العرب. يا ويلي حيت أتمثل أي شيء أبقت الحادثات من حيفا. . . إني لأجد النار التي تكويني، والسياط التي تؤذيني. . . إني أهرب من نفسي لأني أخجل من نفسي أن أقول الذي كان. . . ليس في يدي هذه الأداة الطيعة التي تنساب فوق هذه الأوراق، فقد كفرت بالأقلام والأوراق. . . وماذا يقول الكاتبون إن كتبوا. . . ويح الذين يسألونهم أن يكتبوا، كأنما يسألونهم أن يقصوا عليهم قصة من تاريخ قديم لأمة منقرضة، يزينون حواشيها ببلاغة القول، ويفيضون على أطرافها بريق الأدب، ويذهبون ببعض مواقفها في شطحات الخيال، وينمقون نظمها بروعة الأساليب، ثم يدعونهم أن ينعموا بما فيها من فن أو بيان؛ والمصيبة التي تحل في فلسطين مصيبتهم، والموطن الذي يُغتصب وطنهم، والأعراض التي تنتهك أعراضهم، ومواكب الذين أجلوا عن ديارهم أمام أعينهم في كل عاصمة من عواصم العرب. . . كأنما لا يزال هناك حاجة إلى حمية تستثار، وحماسة توقظ، ومقالات تكتب وتنشر.

وماذا يكتب الكاتبون؟ هل يسجلون الخزي، ويؤرخون العار؟. . . هل يقولون كان هنا مسجد فاندثر المسجد، وكان هنا سوق فسويت السوق بالتراب، وكان هنا حرمات وذكريات فديست الحرمات ودفنت الذكريات. . . أفيستطيع القائلون أن يقولوا كان هنا أعراض فانتهكت الأعراض، وكان أطفال ونساء فهام الأطفال والنساء على وجوههم؟ كان هنا مدينة عربية ثانية الموانئ العربية على البحر العربي ثم مرت بها ساعات مجنونة مسحورة فانتزعت من أهلها، وأطبق عليها الأعداء من فوق، في مثل سرعة اللص الغادر، وخفة المجرم المدرب، وتنظيم الكيد الميت. . . فلم يدعوا فيها أثراً لعروبتها. . . ثم طفقوا يغنون ويرقصون ويشربون على أشلاء القتلى وأنفاس المنكوبين الحرى. . . ثم مضوا يفعلون ويفعلون، وتتصاعد عشرة آلاف (وا معتصماه) من عشرة آلاف قلب، قلب طفلة غريرة، وفتاة نضيرة، وزوجة وفية، وامرأة حامل. . . ثم لا يكون في أمراء العرب، ورؤساء العرب، وأقطاب العرب، من مشارق الحجاز وهضاب نجد، وغوطة دمشق، وغابة بيروت، وظلال الوادي، (معتصم) واحد يسرع إليها بجيشه، لا يحميها، ولكنما

ص: 15

يتخذها جنة ووقاء لأعراضه وأوطانه التي سيسري إليها الداء. . . وإنما يكون فيها (معتصمون) بالهدوء يخافون لوم اللائمين في الدنيا ولا يخافنون عذاب الله في الآخرة وذلكة الخزي في التاريخ. . . ويرجون السيادة بعد أن انتزعت منهم صرة السيادة، ويأملون لذراريهم الخير ولن يبقى شيء من الخير لهم حتى يورثونه ذراريهم؛ ويلتزمون الحذر، وما هو إلا الضعف والخور. . . ويتدفقون بالأحاديث ولا يزالون، لا تحس فيها وهج النار، ولا تجد لها رائحة البارود، ولا تسمع لها قصف المدفع وثقل العتاد، ولا تشعر أن وراءها جلبة جيش ودوي تكبير. . . وإنما هي لا تزال تنضح بالعطف، وتنشر السلم، وتنثر الأزاهير، ثم لا تنسى أن تحتمي بآيات من كتاب الله وأحاديث رسول الله. . . والويل لهم من يوم الله. . . ما كان الله ليرتضي منهم هدوء الموت وسياسة الضعف، وحذر الجبناء.

أي عار هذه المذلة التي يلقاها العرب في محنتهم الحاضرة!. أي قدرة على الحياة هذه التي يستطيعون أن يباهوا بها، أن يتقدموا بها إلى العالم المتمدن برهاناً إذا ظل الكرمل هو الكرمل، وظلت حيفا في قبضته في إسار الذل وذل الهوان!. . . أي خديعة أرادها لهم هؤلاء الحياديون الذين يصدر عنهم الشر وينتهي إليهم الشر.

أي بلاهة سيرميهم بها التاريخ إن لم يرفعوا هذا الإصر، ويحطموا هذا الغل، ويستنقذوا الشرف الذي غلب عليه المكر، واصطلحت عليه عوامل الغزو والسلب، وبات طريداً شريداً تنزف من جراحه الدماء، من ورائه نار ومن أمامه بحر، ومن دونه ودون الإنقاذ قوم ينامون عى الوعود، ويستكينون للثقة، ويلينون لمعسول الأحاديث الخلب، ويؤاثرون أعداءهم بالأمن ويحملون إليهم السلام حملا على جثت من قتلاهم، وأشلاء من موتاهم، ودماء من دمائهم!!

كانت في هذه البقعة من الأرض حيفا عربية. . . ولن يكون في قدرة أحد من الذين يتطلعون إلى المجد العربي، ويعملون ليقظة الإسلام أن يتحدث عن الشعب العربي، عن توثبه، عن أمله العريض، عن جامعته ووحدته، قبل أن تعود حيفا عربية من ذروة الجبل إلى قدميه اللتين تستلقيان على شاطئ البحر وأمواجه، قبل أن يغسل هذا العار الذي يكسو كل هضبة من هضاب الكرمل ويقف عند كل ثنية من ثناياه، ثم يرمي بأرجاسه وأحجاره

ص: 16

بعيداً، بعيداً، في سط البحر. . . قبل أن يقف عشرات المؤذنين في عشرات المساجد ينادون من جديد: الله أكبر، الله أكبر.

لن يكون في أعناقنا ولاء لأي واحد من هؤلاء الذين يتمثل فيهم سلطان العرب قبل أن يمحي هذا العار. . إن في يد كل زعيم عربي أثرا من رجس، وإن أيدينا لن تصافح من جديد إلا أولئك الذين طهروا أيديهم من هذا الرجس وغمسوها في دم أعدائهم سبع مرات متواليات.

لا الذين يحمون بيوت الله، ولا الذين ينقمون لرسول الله، ولا الذين يحيون شرع الله، ولا الذين يدعون العروبة قبل محمد نبي الله. . . ليس أحد من هؤلاء جميعاً أهلا لأن يكون حيث يريد أن يكون حتى يكشف غمة هذا الخزي الذي يعيش في وطأته كل هذا الملايين. . . وحينذاك. . . حينذاك فقط سيكون في الخالدين. . . سيكون في هذه الصفحة المشرقة التي يشع فيها وهج محمد، والتي تنثال عليها بحروف متوهجة نيرة أسماء سعد وعمرو وطارق وموسى وصلاح الدين ونور الدين وإبراهيم باشا. أما قبل ذلك. . . فدعونا نردد قول الله: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل. . . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً.

شكري فيصل

ص: 17

‌من تاريخ الطب الإسلامي

لصاحب السعادة الدكتور قاسم غني

سفير إيران بمصر

سعادة الدكتور قاسم غني سفير ايران بمصر شخصية علمية من الطراز الأول، لم يمض عليه في مصر الا أشهر معدودات ومع ذلك استطاع أن يكسب لنفسه ولأمته أصدقاء ممتازين، لا في الميحط الاجتماعي والدبلوماسي فحسب، ولكن في المحيط العلمي أيضاً، وقد كان ذلك واضحاً في قاعة المغفور له علي ابراهيم باشا بكلية الطب، ثم في قاعة دار الحكمة حيث ألقي الدكتور السفير العالم محاضرتيه عن (تاريخ الطب الإسلامي) فكنت ترى الحاضرين مزيجاً مختلفاً ما بين سياسيين ووزاء وعلماء وأطباء وآباء روحانيين وغيرهم مما لم نألف قاعات المحاضرات في مصر شهوده كثيراً، وكلهم أصدقاء للدكتور قاسم غني معجبون بعلمه وأدبه وفضله

ولقراء الرسالة عهد بهذا العالم البحاثة من قبل، فقد قدمه اليهم سعادة الدكتور عبد الوهاب عزام بك في عدد من اعدادها. وهو الآن مهتم بنقل كتابه العظيم الذي الغه بالفارسية عن (التصوف الإسلامي) إلى اللسان العربي.

وقد ظفر صديق من أصدقاء الدكتور والرسالة بهذا البحث العلمي القيم، الذي ألقي في كلية الطب ودار الحكمة فآثر به قراء الرسالة، وها نحن أولاء نقدمه في أعداد متوالية شاكرين معجبين:

(الرسالة)

1 -

طب العرب في الجاهلية:

في بدء ظهور الإسلام عندما كانت الشريعة الجديدة لم تتجاوز بعدُ حدود القبائل العربية في الحجاز إلى سائر بلاد العالم كان معظم القبائل العربية، مثل بقية القبائل البدوية لا يهتم بالعلوم والفنون المختلفة؛ وكان جل اهتمامهم منصباً على التعمق والتوسع في علوم العربية وأحكام الشريعة الإسلامية.

وبما أن معالجة المرضى وتمريضهم من الأمور الطبيعية لدى الإنسان، وأن لجماعات

ص: 18

البشر حتى في بداوتها غريزة حفظ الحياة، وأن حاجتها لتسكين آلامها وأوجعها تجبرها على البحث عن العلاج اللازم لأدوائها وأوجاعها؛ فكان لابد من أن ينشأ بينها نوع من الطب والعلاج البدائي وقد كان. فقد ظهر وشاع طب من هذا القبيل بين القبائل العربية البدوية.

وقد كان الطب الشائع بين القبائل العربية في مبدأ ظهور الإسلام عبارة عن بعض المعالجات التجريبية، مقرونة بأعمال السحر والخرافات كما كانت الحال لدى أكثر القبائل الرحل، وكما لا يزال شائعاً إلى يومنا هذا لدى بعض الأقوام غير المتحضرة، فإن عوامل شتى كالمصادفات والتجارب والاختبارات ومشاهدة الطبيعة، والنظر في أحوال المرضى واتباع الغرائز الطبيعية والدوافع الفطرية وتقليد الحيوان، والتدبير والتفكر في أعماله، دفعت الإنسان للوصول إلى تدابير طبية، وهدته إلى اتخاذ وسائل علاجية، ثم أضيف إلى ذلك كله بالتدريج، عقائد ومعارف وافتراضات صحيحة وغير صحيحة مثل الشبه الموجود بين الإنسان والعالم الأكبر، وتأثير النجوم والكواكب والأجرام السماوية الأخرى في الإنسان، وعبادة الأرواح، والاعتقاد بتناسخها، وعودتها إلى الأجسام، والإيمان بوجود الجن والشياطين والأرواح الخبيثة، وحلول الشياطين والأرواح الشريرة في بدن الإنسان وتسبيبها للآلام المبرحة، إلى غير ذلك من المعتقدات، فتكون من مجموع ذلك كله نوع من الطب، كما أشرنا إليه آنفاً.

وقد كان جماعة من الشيوخ المجربين ومن بعدهم أبناؤهم والمتصلون بهم ممن كانوا يشاهدون التجارب والمعالجات التي يقوم بها الشيوخ، كانوا يقومون بعلاج المرضى؛ وهؤلاء يمكن اعتبارهم أطباء تلك الحقب. وكان عدد قليل من العرب ممن درسوا الطب في البلاد المجاورة لجزيرة العرب، ولاسيما إيران يزاولون مهنة الطب بين قومهم، منهم الحارث بن كلدة الذي كان قد درس الطب في مدرسة جند يسابور، وابن أبي رمثة التميمي، وكان جراحاً معروفاً، وزينب، وقد اشتهرت بمعالجة الرمد والجراحات.

وقد كان ظهور الإسلام سبباً في لم شعث القبائل العربية البدوية، إذ أنشأ جامعة سياسية ودينية واجتماعية قوية لهم، استطاعت في زمن وجيز أن تقلب أوضاع العالم المحتضر حينذاك رأساً على عقب، وأن تخلف امبراطوريتي الفرس والروم.

ص: 19

وقد كان من أثار غلبة العرب على أقوام كانت تسبقها في الحضارة والعلوم والفنون أن اقتبس العرب كثيراً من علوم تلك الأقوام وفنونها، فإن تقدمهم السريع واستقرار مدنيتهم، كانا يستلزمان هذا الاقتباس.

ولابد لمعرفة مصادر الطب الإسلامي من أن نلقي نظرة إجمالية على تاريخ الطب قبل الإسلام وفي العصر الأول الإسلامي لنعرف كيف ومن أي الأقوام وعن أي طريق وصت تلك العلوم! ومن جملتها الطب إلى العرب، والحالة التي كانت عليها تلك العلوم عندما تلقاها المسلمون عنها. وبعد ذلك نستطيع أن نعرف إلى أي حد خدم المسلمون هذه العلوم ومبلغ ما نالته تلك العلوم على أيديهم من تقدم وعظمة.

2 -

مصادر الطب الإسلامي:

لقد أسلفنا القول في أن الأمم القديمة جميعها كان لها نوع من الطب والعلاج، وأن تاريخ ظهور الطب هو تاريخ ظهور النوع البشري، أعني أن الأمراض والأوجاع المختلفة لازمت الإنسان الأول منذ بدء الخليقة وأن الآثار التاريخية التي اكتشفت عن الإنسان الأول تدل على وجود أثار بعض الأمراض لديه، ومن الثابت أن الإنسان - مثل سائر الحيوان - كان يبحث بحكم الغريزة والفطرة والإيحاء الطبيعي عن علاج لتسكين آلامه وإبراء أمراضه.

وقد كان لدى بعض الأمم القديمة كالصينيين وسكان ما بين النهرين ومصر وإيران والفنيقيين واليهود طب مدروس مدون، وكان الطب يعتبر لديهم مهنة خاصة لها ناحيتان علمية وعملية، غير أن اليونان من الأمم القديمة تعتبر الأمة التي بلغ الطب لديها شأواً عظيماً من الرقي، وكان له لديها شأن جليل.

وكان بلوغ الطب هذه المنزلة الرفيعة لدى اليونان بفضل بُقراط الذي يُدعى بحق (أبا الطب).

لقد عاش بقراط في عصر من أزهى عصور الرق العلمي في اليونان، أعني عصر بركليس الذهبي الذي ظهر فيه كثير من عظماء اليونان أمثال توسيديد، وفدياس وسوفوكل وأوريبيد. ويعد بُقراط بحق أعظم أطباء الأمم القديمة علماً وعملا، وقد بقى زهاء ألفي عام شخصية طيبة مسيطرة على عالم الطب في الدنيا كلها، وقد كانت أقواله وآراؤه المرجع

ص: 20

الوحيد في هذا الباب وعليها المعول طوال هذه الحقبة حتى النهضة الأوروبية.

وإن الشطر الأكبر من المعارف التي رتبها ونظمها بقراط عن الطب مأخوذ ومقتبس من سائر الأمم أو اليونانيين السابقين عليه في الزمان، غير أن له فضل دراسة كل هذه المعارف ونقدها والوصول عن طريق النقد والبحث العلمي إلى معارف ومعلومات جديدة.

وقد كانت هذه هي الطريقة التي جرى عليها كثير من مواطنيه أمثال أفلاطون وأرسطو كلٌّ في بابه - فقد اقتبسوا من معارف الأمم التي سبقتهم أو التي عاصرتهم، واستفادوا منها، ولكنهم لم يكتفوا بذلك، بل درسوا تلك المعارف، ونقدوها نقداً علمياً دقيقاً، وفرقوا بين أصولها وفروعها وغشها وسمينها ورتبوا استنتاجاتهم وبوَّبوها على خير وجه، ووضعوها في متناول طالبي العلم في العالم أجمع.

لقد خلص بقراط الطب من أجواء الهياكل والمعابد المشبعة بالأسرار والألغاز، وحرره من قيود الكنهة ورجال الدين، وأقامه على أسس العلوم الحيوية الصحيحة، وأرجع المرض والحياة لقوانين طبية ثابتة، وبرهن على أن الوصول إلى تلك القوانين الثابتة ممكن عن طريق دراسة الطبيعة دراسة دقيقة وافية، كما بين الروابط التي تربط العلة بالمعلول. وقد جعل أساس كل بحوثه الطبية الدرس والتجربة بعد أن وازنهما بالنظر والاستدلال والمنطق واهتدى بهديهما، ولاءم بين التجارب العملية والأمور النظرية، وقد وفُق في ذلك توفيقاً عظيماً.

يعتقد بقراط أن الإنسان جزء من الطبيعة والكون، وكما أن كل كائن حي في هذا الوجود مرتبط بالطبيعة طبقاً لقواعد مقررة وقوانين ثابتة، كذلك الإنسان فإنه خاضع لهذه القواعد والقوانين نفسها؛ والموازنة بين العوامل الطبيعية هي الصحة والحياة؛ وإن قُوى الفرد كلها تهدف لإيجاد هذا التوازن والتعادل.

وعندما يختل هذا التوازن لعل خارجة، تبادر جميع قُوى الفرد لدفع هذه العوامل الخارجية والعلل الضارة وإيجاد التوازن المطلوب وإقراره، وأن مهمة الطبيب مقصورة على خدمة طبيعة الفرد ومساعدتها في هذا المسعى الحيوي الذي تقوم به، ولذلك كان يسمى الطبيب بخادم الطبيعة.

وحيث أن تشريح الجثث الإنسانية كان غير مستطاع حينذاك وكان علم التشريح وعلم

ص: 21

وظيفة الأعضاء ناقصين تبعاً لذلك، فإن المعارف التي كانت لدى بقراط عن الطب لم تكن كبيرة من حيث الكم، فإن دائرة معارفه عن الأمراض كانت ضيقة لا يستطيع بها إيضاح تطورات المرض وتحولاته كما ينبغي؛ غير أن معارفه كانت على مبلغ عظيم من الأهمية من حيث الكيف.

لقد بنى بقراط طريقته على أسا علمي متين، فقد فصل الطب عن الدين فصلاً تاماً وجعل حالة المريض نفسه أساساً لعلاجه.

ويتضح من صيغة القسم المعروف بعهد بقراط ومن الرسائل الطبية التي ألفها، أنه قد حدد بوضوح تام حقوق الطبيب ووظائفه وواجباته الأخلاقية والاجتماعية، كما يتبين من ذلك كله أنه قد أضفى على هذه المهنة صورة خلقية، وجعل منها عملاً إنسانياً وقياماً بالواجب محتما، وكان هو نفسه مثلا حياً للأخلاق الفاضلة من إيمان بالحق ودفاع عنه وحب للخير وإيثار وعطف على المرضى والموجعين، وهمة عالية في نشر العلم والعرفان وغيرة عليها لا تجاري.

وقد ترك بقراط للعالم مجموعة طبية تعتبر أقدم تراث طبي قدم للبشرية، وأثمن مجموعة، ألا وهي المجموعة الأبقراطية. وفيها بحوث عن جميع النواحي النظرية والعملية في الطب؛ وتعد أهم مصادر الطب الإسلامي.

واحتذى إبنا بقراط وصهره وبعض تلاميذه من بعده حذوه وترسموا خطاه في بحوثهم الطبية. وأضاف إليها أفلاطون وأرسطوا بنظرتهما الفلسفية آراء في كليات الطب. ثم ظهرت في المدن وبعض الجزر اليونانية مجامع أو حلقات مهمة لدراسة الطب. وبرز كثير من الأطباء الكبار في هذا المجال وكانوا جميعاً مع تفاوت في الدرجة من شراح مؤلفات بقراط وآثاره إلى أن أصبحت الإسكندرية مركزاً للعولم الطبية اليونانية، وأجيز تشريح جثث الموتى وتقدم علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء تقدماً كبيراً.

فالإسكندرية كانت بالنظر لموقعها الجغرافي وماضيها الاجتماعي محل اختلاط شتى القبائل والأقوام الإفريقية والآسيوية والأوربية وكانت من أهم المراكز الاجتماعية والثقافية في الدنيا القديمة، لذلك تجمع فيها معارف مختلفة من مصادر شتى أضيفت هذه كلها إلى طب بقراط.

ص: 22

وقد انتشر طب اليونان بين الروم أيضاً، وكان معظم القائمين بمزاولة هذه المهنة من اليونانيين أنفسهم إلى أن ظهر في القرن الثاني للميلاد، أستاذ عظيم آخر في عالم الطب، وهو جالينوس. أجل، كان ناك في الحقبة الواقعة بين عصر أبقراط وعصر جالينوس عدد من كبار الأطباء أمثال تيوفراست ودبيكلس وسلس وديوسقوريدوس وبليناس الحكيم ، وكاليوس أورليانوس وارته وغيرهم. وقد أضاف كلٌّ منهم شيئاً جديداً إلى المعارف الطبية القديمة كما أظهر بعضهم نظريات حديثة أحياناً. غير أن أساس الطب بصورة عامة لم يتغير عما كان عليه في زمن بقراط، إلى أن ظهر جالينوس العظيم من برغامس وهو من يوناني آسيا الصغرى، فكان الشخصية الطبية العظيمة الثانية بعد بقراط.

لقد تلقى جالينوس دروسه الأولى في مسقط رأسه، ثم استمر في تلقي العلم في جزيرة كورينتس ثم رحل إلى الإسكندرية، فتلقى فيها الطب علماً وعملاً، ثم شدَّ رحاله إلى جزيرة قبرص وجزائر أخرى من جزائر البحر الأبيض المتوسط وفلسطين، وكانت رحلاته كلها للدرس والبحث عن الأعشاب الطبية والاتصال بعلماء تلك البلاد، ثم عاد بعدها إلى موطنه ومارَس مهنة الطبِّ هناك مدة، ثم استقرَّ به المقام في روما وأسس فيها حلقة لدرس الطب في حِمى مارك أورل.

وكان عالماً محباً للعلماء والفلاسفة واشتغل أيضاً بمزاولة الطب هناك، وكان يقوم في نفس الوقت بتربية جماعة من تلاميذة كما كان يقوم بتأليف مؤلفات مهمة في علم الطب أصبحت فيما بعد مصدراً من أهم مصادر الطب الإسلامي.

وكان جالينوس يعد بصفة خاصة أستاذ علم التشريح غير منازَع مدى أربعة عشر قرناً، أي من القرن الثاني للميلاد إلى القرن السادس عشر منه. وكان جميع أطباء القرون الوسطى ومن ضمنهم الأطباء المسلمون يدرسون التشريح عن طريق مؤلفاته، حتى ظهر في القرن السادس عشر للميلاد الطبيب البلجيكي الشهير فزال من علماء التشريح الكبار مؤلف في التشريح برهن فيه على وجود نقائض في تشريح جالينوس فأسقطه من الاعتبار. والخلاصة أن اليونانيين وضعوا أساس علم الطب بالاستعانة بمعارف سائر الأمم وتجاربهم. ومن أهم رجالهم في هذا الصدد بقراط العظيم الذي أقام بحوثه على أساس البحث والتحليل والنقد العلمي والتجارب، فأبرزه لنا بصورة علمية صحيحة؛ وسعى خلفاؤه

ص: 23

من بعه في هذا البناء على تلك القواعد المتينة. ثم تقدمت الدراسات الطبية في الإسكندرية؛ وظهر بعد ذلك جالينوس في القرن الثاني فدون معارف العلماء المتقدمين وأظهرها بصورة علمية منظمة واضحة.

وقد تهيأت مقدمات سقوط امبراطورية روما الغربية نتيجة لضعفها وفساد الإدارة فيها وحدوث حوادث اجتماعية وسياسية مختلفة، ووقوع حروب وتفشي أمراض، ثم سقطت تلك الإمبراطورية، ونتج عن سقوطها أن مراكز العلم والحضارة أصبحت هدفاً لهجوم القبائل البربرية؛ إذ أن هؤلاء البرابرة انحدروا من جبال الإلب واستولوا على إيطاليا، وكان من جراء ذلك أن العلوم والفنون ومن ضمنها الطب لم تتوقف عن التقدم فحسب، بل عادت القهقري ثانية، واستولى على الطب السحر والشعوذة والدجل والخرافات، وحلت التمائم والعزائم محل العقاقير والأدوية الطبية مرة أخرى.

ولم يكن انتشار الدين المسيحي واعتناق الناس له بصورة رسمية في روما الشرقية - الامبراطورية البيزنطية) مشجعاً للعلماء إذ أن الكنيسة كانت تعتبر العلم والفلسفة مخالفين للشرع نوعا؛ ما لذلك قامت بسد أبواب المدارس والقضاء على المجامع العلمية واعتبرت العلماء والفلاسفة كفرة مارقين عن الدين. ففي القرن الخامس للميلاد مثلا أغلقت الكنيسة أبواب مدرسة الرها (أوس) وكانت قائمة محل أورفة الحالية - وطردت منها النسطوريين فرحل جماعة منهم إلى إيران والتجأت إليها، وكان لبعضهم فضل كبير في تقدم مدرسة جندي سابور. وكان هؤلاء - النسطوريون من اتباع نسطوريوس أسقف القسطنطنية الذي نفي منها بناء على طلب المجامع الدينية بتهمة الابتداع في الدين، والذي مات حوالي سنة 440 ميلادية بمصر، وتفرق معظم اتباعه وتلاميذه في بلاد سورية وبين النهرين وإيران وعاشوا فيها ونشروا الحضارة اليونانية في أرجائها وفي سائر بلاد الشرق بترجمتهم للمتون اليونانية إلى اللغة السريانية (الأرامية الحديثة) وتأسيسهم المدارس في (الرها) و (نصيبين) وبعض المدن الأخرى، واشتغال بعضهم بتدريس العلوم المختلفة كالرياضيات والفلسفة والطب وغيرها في مدرسة جند يسابور. وفي القرن السادس للميلاد عندما طرد الفلاسفة الوثنيون الأفلاطونية الحديثة من الأسكندرية بناء على أمر الامبراطور جوستنيان الأول واضطهدوا أولى هؤلاء وجوههم نحو بلاد المشرق وانضموا إلى

ص: 24

النسطورين. وانضم إليهم كذلك جماعة من اليهود والأقباط ممن كانوا على اطلاع واف على علوم اليونان وقاموا جميعاً بنشر العلوم والمعارف اليونانية ومن جملتها الطب في بلاد الشرق.

هذا مجمل تطور الطب قبل الإسلام ذكرنا مقدمة لما نريد أن نبسط فيه القول فيما بعد. وبعد هذه المقدمة ليس في وسعنا أن نفهم بصورة جلية كيف كانت حالة هذه العلوم عندما اتجه نحوها المسلمون وبأية درجة كانت في متناول أيديهم، وما مبلغ اقتباسهم منها؛ وأخيراً ما هي الخدمات التي أسداها المسلمون لتلك العلوم وكيف أسديت إليها.

(يتبع)

ص: 25

‌الأحلام

بين التأويل الفلسفي والتعليل العلمي

للأستاذ عبد العزيز جادو

(إنما نحن كالمادة التي صنعت منها الأحلام) قولة قصد بها شكسبير دون شك، المساعدة على أيضاح لغز الوجود. ولن السرّ تحوَّل فقط من (نحن) إلى (المادة التي تصنع منها الأحلام). فما هي مادة الأحلام؟

منذ بداية القرن الحالي، أجاب كثيرون عن هذا السؤال كلٌّ بما يعتقده صواباً. وأحدث نظرية نعرف أنها تتعلق بهذه المادة التي تصنع منها الأحلام، هي التي قامت في الزمن الذي سجلته التوراة: كان الحلم نبوءَة؛ لذلك كان يحتاج إلى تعبير. ومن هذا الإعتقاد، نشأت أنظمة للتعبير متفاوتة في الإجادة والإتقان. فالتفسيرات أو التأويلات التي كان يستعملها سيدنا يوسف تبدو بسيطة نوعاً. فحِزَمُ القمح إذ تنحني تعبيرها أن إخوته يقدمون له الولاء والطاعة. ورؤيته الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين، تنبئ بصورة ما، عن عظمته المستقبلة (يُوسُفُ أَيُها الصِّدَّيقُ أَفتِنَا فِي سَبْع بقرَات سِمانٍ يَأكلهنَّ سَبْعٌ عِجاف وَسبع سُنبلاتٍ خُضر وأُخر يابسات لعلي أَرجعُ إلى الناس لعلهمْ يعلمون. قال تزْرعون سَبْعَ سنين دأباً فما حصدتمْ فذرُوهُ في سُنبله إِلاّ قليلاً مما تأكلون. ثمَّ يأتي منْ بعْدِ ذلك سبعٌ شداد يأكلهنَ ما قدَّمتم لهنَّ إلا قليلاً مما تحصِنُون. ثمَّ يأتي منْ بعْدِ ذلكَ عامٌ فيه يُغاثُ الناس وفيه يُعصروُن)

إذن كان يوسُف أكبر مُفسر للحلم على أنه نبوءة من نبوءات المستقبل. ولكِنا سمعنا في الأربعين سنة الأخيرة عن شخص آخر - إسرائيلي كيوسف - كثير الكلام عن التأويل والتفسير - هو سيجموند فرويد.

وخلافاً لما يرى رجل الأحلام القديم من أن في الحلم نبوءة لأرادة الله، يرى فرويد أن في الحلم سجلاًّ للماضي، وأن فيه دليلاً أو إشارة إلى رغبة الحالم أو إرادته.

وقد تجرمت عشرات القرون بين الرجلين، وطال العهد بين الزمنين، ولكن لا يزال فهمُنا لمعظم الظواهر الطبيعية العامة كما هو لم يتقدم إلا يسيراً، وما أظنه سيتقدم ولو تقدمت بنا الأزمان.

ص: 26

وإنه لحقٌّ أن كتب الأحلام ما زالت متداولة، ولكن منزلتها لا تتجاوز منزلة قراءة البخت بواسطة (الكوتشينة) أو الفنجان، أو قراءة الأخلاق بواسطة خطوط راحة اليد. فتفسير الأحلام قد انحط إلى درجة كبيرة.

وعندنا الآن نظريتان مشهورتان عن مسببات الأحلام: إحداهما عالجها هنري برجسون؛ والأخرى وهي التي سلفت الإشارة إليها عالجها فرويد. وكان لنظرية الأخيرة أهمية واعتبار أكثر مما كان للأولى، ويرجع هذا في الغالب، إلى أنها تكوِّن عنصراً هاماً في نظام علاج يعرف بالتحليل النفساني.

فبرجسون، كفيلسوف، يعالج الأحلام على أنها أحلام وحسب. وفرويد، كعالم، يهتم بها على أنها علامات أو دلائل للحالات العاطفية، والشئون الحيوية.

ومن رأينا أن كلتا النظريتين ضرورية، يجب الأخذ بها لتفهم أسباب جميع أحلامنا.

ولنأت هنا بعبارة مسهبة لبرجسون، لم بلباب النظرية، وتجمع أشتات الموضوع. يشرح فيها استمرار حواسنا أثناء النوم في استقبال التأثيرات والانفعالات؛ فالعيون سريعة التأثر بدرجات الضوء، والآذان تتأثر بالصوت، والجسم في مجموعه يتعرض للتأثيرات أو الانفعالات الخارجية. أما داخلياً فالأعضاء المختلفة أيضاً تسبب إحساسات للتسجيل، إحساسات مزعجة ربما تكون من الأعضاء الهضمية، أو من القلب، أو الرئتين:

الذكريات المكبوتة:

(وقصارى القول، أن في النوم الطبيعي، تكون حواسنا قطعاً قابلة لتأثيرات خارجية. . . وبعيد على إحساس حقيقي أننا نصنع حلمنا أو نلفقه؟ إذن كيف نلفقه؟. .

(إن ذكرياتنا، في لحظة معينة، تصوغ شكلاً هرمياً مجسماً تطابق قمته حاضرنا. . . ولكن، من وراء الذكريات التي تحشد في شغلنا الحاضر، وتظهر بوساطتها، يوجد أخرى غيرها آلاف وآلاف غيرها، تحت المنظر الذي قام الشعور بتدبيجه ووراءه. . . وإنها لتتوق أحياناً إلى الضوء: ومع ذلك فإنها لا تحاول أن تنهض إليه؛ لأنها تعرف أن هذا مستحيل، وإنني أنا، مخلوق حيّ ومتصرف، عندي ثمةَ شيء آخر أقوم بعمله غير إشغال نفسي بها.

(غلبني النعاس، إذن تلك الذكريات المكبوتة، التي تشعر بأني تركت العائق جانباً، ترفع المزلاج عن الباب السريّ الذي يُبعد بينها وبين حقل الشعور، وتبدأ في التحرك والثورات،

ص: 27

ومن ثمَّ تنهض وتنتشر إلى الخارج - لتؤدي في ليل اللاشعور رقصة طيفية همجية. وتندفع إلى الباب الذي لا يزال (موارباً) وتتزاحم جميعها لاجتيازه. ولكنها لا تقدر؛ فهناك كثير، كثير جداً. من هذه كلها، على أيها يقع الاختيار؟. .

(سهل علينا الحدس والتخمين. الآن فقط، عندما نستيقظ كانت الذكريات المحتملة هي التي استطاعت أن تطالب بوصل موقفي الحاضر بإحساساتي المطابقة للواقع. . . وهكذا إذن من بين الذكريات الطيفية، ذكريات تتوق إلى وزن نفسها مع اللون، والصوت. وبالاختصار مع المادية، تلك الذكريات التي تعقبها هي التي يمكنها أن تماثل لون التراب الذي أحسه وأراه، والضوضاء الخارجية أو الداخلية التي أسمعها، وغيرها. . . فعندما يحدث هذا الاتحاد بين الذاكرة والإحساس، فإنني أحلم.

(الأحساس عنيف حار، ملوَّن، فيه ذبذبة، وهو في الغالب حيّ، ولكنه غامض؛ والذاكرة واضحة وصافية، ولكنها بدون مادة ولا حياة لها.

الإحساس يتوق إلى قالب يجمِّد فيه ميوعته؛ والذاكرة تتوق إلى مادة تملأها وتدركها - وبالاختصار لتستوعبها. فهما منجذبان كلٌّ إلى الآخر؛ والذاكرة الطيفية، يجعلها نفسها مادية في الإحساس الذي يمدها باللحم والدم، لتصبح مخلوقاَ يعيش في حياة من حيواتها، حلم. . .

(ميلاد الحلم إذن ليس سراَ. . . فما الفرق الجوهري بين الكينونة في حلم والكينونة في يقظة؟ نجعل الكلام في ذلك بأن القوى العقلية ذاتها قد تمت ممارستها، سواء كنا في حالة اليقضة، أو في حالة الحلم؛ ولكنها تتوفر في الحالة الأولى، وتسترخي في الثانية. والحلم هو الحياة العقلية الصحيحة، ناقصة جهد التركيز).

هنا نرى أن نظرية برجسون الملخصة في هذه الكلمات، بسيطة غاية البساطة. عنصران يشتغلان لتلفيق حلم: إحساس، ووضع صورة منسوج حولها بوساطة الذاكرة، ضوء يومض من نافذتي بينا أكون نائماً؛ فتنسج ذاكرتي حول هذا الإحساس بالضوء قصة معقولة ومقبولة. هذه القصة أو هذا التعليل هو حلمي

كثير من الأحلام المألوفة لدى معظمنا يمكن أن تفسر على ضوء هذه النظرية. قد نحلم بأننا مسافرون بقارب في البحر، وتحدث بعض طوارئ صغيرة لها صلة بالمغامرة، ولكن العنصر السائد هو برودة الهواء. فنحن شاعرون ببرودة كما لو كنا مسافرين بالبحر.

ص: 28

ونستيقظ فنجد أن غطاءنا منزلق عن السرير، الأمر الذي نالنا منه برد شديد.

أو أننا قد نرى حلماً من تلك الأحلام التي نعيش فيها كما لو كنا في نعيم؛ كأن نكون مثلاً محلقين بلطف وبشكل توقيعي في أجواء الفضاء الفسيح. وإنه لبسيط كما أنه ممتع، فماذا علينا لو قلنا لأصدقائنا كيف يعملون مثلنا؟ ولكن للأسف، لقد فقدنا اللعبة حالما استيقظنا من النوم. والتفسير الصائب المعقول حسب نظرية برجسون ليس إلا نسمة في الغرفة قريبة منا تداعب الفراش أو قميص نومنا ذاته. ولكن أرجلنا لم تستند على الأرض، فنشعر في غير وضوح بهذه الحقيقة. ولا يمكن أن نكون سائرين فتفعل ذاكرتنا الباقي، إذ تؤلف القصة، ونرى أنفسنا طائرين. والاعتقاد بأن ما نأكله يؤثر في الغالب في أحلامنا ولاسيما في جعلها غير سارَّة، يتصل تقريباً بهذه النظرية. والإحساس في هذه الحالات هو المضايقة التي يسببها عسر هضم ينشأ من أكلة ثقيلة.

ولنرجع الآن إلى الرجل الذي قلب نظام الاتجاه نحو الأحلام؛ ليس هذا مجال الأشارة إليه إلا فيما يتعلق بما مضى، والتأثير الهائل الذي له على الفكرة اليوم؛ العبارات والتعبيرات التي أبدعها موجودة تقريباً في كل ما يتصل بآداب العصر الحاضر؛ والمواد التي كتبت مرة لتبرهن على أنه كان ذا تأثير في الأدب غير مرغوب فيه، مهنته العلاجية استعملت لكي تكون ضد اختيار طرائفه في التدريب. ولكن تأثيره لا يزال مستمراً سواء كان للخير أو للشر.

كثيراً ما نظن عن الحلم أنه مشوش ومقلق لنومنا، ولكنه بالنسبة لنظرية فرويد يُعد بمثابة حارس. فالحلم يقي النائم من الاستيقاظ، سواء بواسطة منبهات خارجية لحواسه، أو بواطسة منبهات داخلية تهيئها انفعالات، أو أفكار غير سارَّة. ومثل الحلم كمثل أم تقول لطفلها الذي تعرف أن أصواتاً أو مشاهد غير عادية تخفيه (لا تخف، إنه لم يكن إلا الهواء يداعب الأغصان)

كل حلم يعبر عن رغبة:

لكي نفهم هذه النظرية على حقيقتها يلزمنا أن نضع نصب أعيننا بضع قواعد ثابتة: كل حلم يعبر عن رغبة، والحلم الرمزي هو إشباع مستتر لرغبة مكبوتة. وفي الأحلام ننال ما تصبو إليه نفوسنا أخيراً، ولكن - (ليس هناك حلم واحد لا يمكن أن يظهر بواسطة التحليل

ص: 29

ليعتدي على بعض قوانين أخلاقية أو شرعية) وإن التشبث والإصرار على هذين المبدأين هو الذي يسبب - في الغالب - ذلك السخط على فرويد. ولا نرى في الحقيقة سبباً للانزعاج أو الشك في هذه البيانات.

ومن المحقق أن أي شخص متأمل، أمين في تأمله، سيعترف بأنه غالباً ما يتمنى امتلاك ما ليس في حوزته، ويرغب في حوادث وعواطف يعرف أنها مطابقة لسبل حياة الزمن الحاضر ولا يمكنه امتلاكها. وما نسميه رغباتنا الشرعية أو القانونية لا نبكبتها بل نعبر عنها ونصرّح بها، ونحاول أن نحصل عليها أو على الأقل نسمح لها ببعض الأشتراك في حيواتنا. وإن مجرد الرغبات في الأشياء الممنوعة هي التي نخرجها من عقولنا، ظناً منا أننا بعملنا هذا قد نحوناها وحطمناها. ولكن هذا يبدو مريعاً ومبهماً.

وإنها لتبدو أقوى بنوع ما مع القوى الخبيثة المكتئبة. وستجد طريقها إن لم يكن في حياة يقظتنا إذن ففي نومنا.

نحتاج فضلاً عن ذلك إلى أن نفهم أن هناك محتويين لكل حلم، كما كانت آراء المفسرين مثل يوسف. فهناك المحتوى الحرفي أو الظاهر، إذ تحلم بحصان شرس. والمحتوى المجازي أو الكامن في مثل هذا الحلم، هو التعبير عن رغبة جنسية غير قانعة طبقاً لتفسير فرويد.

والمعنى الكامن كثيراً ما يبدو للحالم محرَّفاً، أو متنكراً لكي يستطيع المرور من (الرقيب) الذي يدل عليه اسمه، والذي يحاول في النوم دائماً أن يُخفي العناصر غير المناسبة عن عقولنا. هنا يأخذ فرويد على نفسه مسئولية ما ذكرناه آنفاً بأن جميع رغباتنا المكبوتة مخجلة وفاضحة لنا كمتمدينين، فهي في النوم لا يمكن أن تظهر بدون تحريف. فيلزمها إذن أن تتقنع

تأويل بسيط:

هنا الكثير مما يشمئز منه الشخص المحافظ على التقاليد، ويحجم عن قبوله، ولكن حينما يبدأ التأويل يكون هناك الرفض العنيف، أو الإستخفاف، أو السخرية من قبَل الكثير، لماذا تكون الحية والشمسية وسيقان الورد المستقيمة وغيرها من الأشياء البريئة لماذا تكون في الأحلام رُموزاً للأعضاء المستترة من جسم الإنسان؟ ولماذا يكون الحلم الذي فيه خيل،

ص: 30

على وجه التخصيص، وأحياناً أنواع أخرى من الحيوان، أو الحلم بصعود سلالم، أو السير فوق ممر من تحته ثغرة واسعة، لماذا تكون هذه الأحلام (المقلقة) رموزاً لرغبة جنسية لم تشبع؟.

يجب أن يُفهم تماماً أن هذه الرموز لم يخترعها فرويد، ولم يذكرها بطريقة اعتباطية، ولكنها اكتشفت فقط. ومنبعها في لا شعور الفرد أو الذرّية. ولقد حلل فرويد وأتباعه آلافاً وآلافاً من الأحلام.

وفيما يلي نقتبس عبارة لبريل أتى فيها بحلم وتعليله، أو بالأحرى، بمعنييه الظاهر والباطن.

(حلمت إحدى مريضاتي أنها رأت ولدها الأكبر مُكفناً في تابوت، وكانت مع ذلك غير مكترثة به قط. ولما قيل لها إن الحلم يقوم إشباع الرغبة أصرَّت على أن هذه النظرية خاطئة، إذ أنها لا تضمر أي رغبة كهذه بخصوص ابنها. ومع ذلك فقد أظهر التحليل النفساني الحقائق التالية:

مات زوجها تاركاً لها طفلين؛ ثم تزوَّجت من أرمل له هو أيضاً طفلان. وكان الزوجان سعيدين، ولكن نظراً لأن لهما أربعة أطفال فإنهما لا يستطيعان القيام بتربية من يأتي بعدهم. وكثيراً ما أعربت الزوجة عن رغبتها الأكيدة في الحمل من زوجها الثاني لكي تقوي الرابطة بينهما، ولكن وجود أربعة أطفال في الأسرة يعوق هذه الرغبة. فالحلم يشبع رغبتها بأن يريها أن في الأسرة ثلاثة أطفال وحسب).

عبد العزيز جادو

ص: 31

‌القول للسيف

للأستاذ حسني كنعان

يتساءل عشاق الأدب من قراء (الرسالة) المجاهدة في وسط هذه الغمرة العاتية التي تغمر سماء فلسطين الدامية أين هو الأستاذ الطنطاوي وأين قلمه العذب ومقالاته النارية وقوله الفصل؟ لماذا توارى عن المسرح ولم نعد نرى له أثراً في أزالة الغمة وتفريج الكرب بما كان يكتبه عن البلاد العربية كلما حزب الأمر وبلغ السيل الزبى والحزام الطبيين، فكأن السائلين حفظهم الله وأنساً في آجالهم يظنون أن القضية قضية أشعار تقرض ومقالات تنشر وأقوال تقال وقرارات تقرر واجتماعات تعقد ورجالات من الساسة اليعربيين تطير متنقلة بين العواصم العربية للمشاورة والداولة، وقد غرب عن بال السائلين أن العالم العربي يأسره جماعاته وأفراده قد سئم هذا النوع من الجهاد وبات يرقب الأعمال الحاسمة، أجل لقد برم الناس من سياسة الأقوال وباتوا يرقبون الأعمال الجدية فالقضية اليوم قضية دولارات تنثر، وطائرات ترجم، وزحافات تقذف وقنابل تفتك ومتفجرات تبيد وتهدم، لقد ظن العرب وإن بعض الظن اثم، أن هؤلاء الواغلين في أقدس بقعة من بقاع الأرض العربية، هم من أنسال أولئك اليهود الذين عهدناهم يجوبون الحارات والأحياء ويذرعون الشوارع سحابة يومهم لا ينى الواحد منهم عن الصياح يملء فيه:(طرابيش عتق للبيع، أحذية عتق للبيع) ليتبلغوا بهذه التجارة المحطة بلغ العيش، فتحلقهم صبيه الحارات والأحياء ترجمهم بقشور البطيخ والليمون والبرتقال إستخفافاً بأمرهم واستهانة بهم. . .

كلا يا ساده! فنحن أمام عصابة من الأوروبيين المدربين على القتال والإجرام والفتك نساء ورجالا أطفالا وكهولا. قاءتهم أوروبا وبعثت بهم الدول الاستعمارية للعيث في أرضنا فساداً. قوم خلق منهم الاضطهاد الهتلري أمة ناقمة على البشرية متمردة متعطشة للدماء والفتك والدمار. لا ترعى عهدا ولا ذمة. غشيت سماء الوطن المقدس من هذه الطغمة سحابة دكناء أثاروها على العزل الآمنين الوادعين في فلسطين موجة إرهابية جنونية لا هوادة فيها ولا رحمة. بقروا بطون الحبالى وذبحوا الأطفال وقضوا على الأجنة ومثلوا بالكهول والعاجزين. ولقد ركبوا في حوادث حيفا وطبرية ويافا وغيرها من المدن والقرى التي أوغلوا فيها رؤوسهم وجن جنونهم فتفننوا في الذبح والتقتيل والتشريد والتبعيد والنهب

ص: 32

والسلب، وحمتهم في إجرامهم وعضدتهم سيدة البحار صديقة العرب التقليدية! أجل مهدت لهم هذه الدولة الأفعوانة الرقطاء طريق الغزو ومنعت العرب من الدفاع عن أنفسهم وحالت دون الوصول إليهم. . . إن العين لتدمع والفؤاد ليبكي دماً على ما ألم بأهل فلسطين من مصائب وإحن، كوارث أحدقت بهم تتضاءل أمامها كارثة الأندلس. خرجوا من ديارهم مروعين مذعورين لا يلوون على شيء، فلا الأب يعرف أين بنوه، ولا الإبن يعرف مصير أبويه تركوا في المدن المحتاجة أموالهم وأملاكهم وخرجوا على الشاطئ ناجين بأنفسهم. ولقد نيف عدد النازحين على المئين من الآلاف. وصلت طلائعهم من الكتل البشرية إلى دمشق وهم على آخر رمق يجودون بدمائهم، تتراءى لك المسغبة والمتربة والمذلة والمهانة في تقاسيم وجوههم التي تحمل الأنوف الشماء والحمية والعزة والكرامة، قوم شردهم البغي والظلم (الانكلو صهيوني) والغدر والمؤامرات الدنيئة فحلت بهم المصيبة التي تركت الرءوس بيضاً، وبيض الوجوه سوداً، لا تنفع معها شكوى ولا يجدي أنين. كل هذا وقع على مرأى ومسمع من الدول الغربية التي يتشدق زعماؤها ورؤساؤها بالسلام والوئام. والدول العربية ما فتئ رجالاتها عاكفين على القرارات والمداولات والمشاورات ولا نقول إنهم قد أخذوا غدراً ووقع الذي وقع وهم في غفلة عنه، فلقد كان هذا الأمر متوقعاً حدوثه منذ عهد بلفور المشئوم فما أعدوا له عدة، وما أقاموا له وزناً. وها هم اليوم يتحينون فرصة زوال الدولة الطاغية عن الأرض المقدسة وزوال نفوذها وسلطانها ليقفوا في اليوم الموعود أمام شذاذ الآفاق يناقشونهم الحساب، ويثأرون لبني سحنتهم ونحلتهم منهم، وتلك الدولة تخادع وتماطل ونطاول في الجلاء وتلف وتدور، كيما يتظل مسيطرة وباسطة سلطانها لتتم الوعد الذي قطعته على نفسها لإقامة الدولة الصهيونية. أفبعد الذي حصل نطلب من الأستاذ الطنطاوي والسرطاوي أن يخوضا غمار معركة قلمية في هذا السبيل والحكم فيه للسيف كما ترى؟ فأين هي السيوف العربية؟ واين هم الضاربون بها؟ وأين القوى والعتاد؟ نسأل الله السلامة والعافية للقطر الشفيق وأزالة المحنة والغمة عنه، كما أننا نسأله ونتوسل إليه أن تنقلب أسنة هذه الأقلام المرهفة في أيدي أصحابها إلى دبابات، وطيارات ومدافع، وقنابل ومتفجرات تأتي على جذور الصهاينة من أساسها؛ عندئذ يرى أستاذنا الزيات وصديقنا الطنطاوي وطه والعقاد والمازني وأحمد أمين وغيرهم من كبار

ص: 33

كتابنا في طليعة القادة اليعربيين الذينيرفعون رايات العروبة رفافة خفافة على المجاهدين الأعالب، ويعيدون أمجاد العرب.

(دمشق)

حسني كنعان

ص: 34

‌ماذا تعرف عن السودان؟

للأستاذ إيليا حليم حنا

قطر جميل بطبيعته الفطرية، غني بموارده الكثيرة التي لم تستغل. مساحته أكثر من ثلاثة أضعاف القطر المصري ويبلغ سكانه نحو ثمانية ملايين نسمة.

سكان النصف الشمالي منه عرب مسلمون شديدو الاعتزاز بأصولهم، حتى أنك عندما تسأل أحدهم عن جنسيته لا ينسب نفسه إلى القطر كله بل إلى قبيلته.

أما سكان الجنوب فهم زنوج، لهم رطانات عديدة ومعظمهم وثنيون عراة الأجسام.

ولا تختلف مظاهر الحياة في السودان كثيراً عنها في صعيد مصر بل تتفق في كثير من التقاليد واللهجة مع الفارق في الملبس الذي يتكون من عمامة بيضاء وجلباب أبيض.

أما الموظفون فيلبسون الملابس الأفرنجية والقبعة ويسمح لهم بلبس الجلاليب والعمائم البيضاء في مكاتب الحكومة.

والنساء في المدن محجبات يخرجن مؤتزرات بملاءات خفيفة بيضاء اللون غالباً، ولا يظهر هذا الرداء من أجسامهن شيئاً غير أعينهن. وزيارتهن لبعضهن تكون بعد غروب الشمس عادة.

والمرأة السودانية على جهلها تلمح فيها ذكاء فطريا وروحاً خفيفا؛ وهي تقدس الشجاعة في الرجل، فإن جبن مرة فمعنى هذا عندها أنه تجرد من رجولته وهو في هذا الحالة يفضل الموت على وصمة العار هذه.

والسوداني شجاع لا يعبأ كثيراً بالآلام بل يستسيغها في سبيل الاعتزاز بالنفس والكرامة؛ وهو كريم إلى حد كبير، مضياف يصل كرمه إلى حد الاسراف، كما أنه ديمقراطي بطبعه يخالط ويجالس من هو أقل منه في الجاه والمركز الاجتماعي. فالعظيم والحقير كلاهما لا يرى للفوارق وجوداً. والسودانيون لا يعبأون بالألقاب؛ ويلذ لهم أن ينادي بعضهم بعضا بالاسم المجرد. والشخص العادي إذا تحدث عن كبير في المركز الاجتماعي يقول (فلانا) بدون لقب، ولكنه لا يجرد من لقبه في سياق الحديث رجل الدين أو الرجل المسن.

والسودانيون يبذلون كل ما في طاقتهم لتعليم الأبناء حتى أن هذه الرغبة القوية جعلت المدارس الموجودة اليوم لا تكفي حاجة الجميع. وهم لا يرون أي غضاضة في أن يبعثوا

ص: 35

ببناتهم إلى المدارس الأولية؛ ولكن فئة قليلة جداً ترسلهن إلى المدارس الوسطى؛ لأن الفتاة عندما تصل إلى هذه المرحلة من التعليم تكون غالباً في طور المراهقة.

والحكومة مهتمة بالتعليم الأولى أكثر من اهتمامها بالتعليمين المتوسط والثانوي. وعدد المدارس الوسطى (الابتدائية) الحكومية والأهلية في السودان كله 23 مدرسة للبنين، ومدرستان ثانويتان حكوميتان، وواحدة أهلية. ما عدا المدارس المصرية والتابعة للجاليات المختلفة.

والشاب السوداني الآن يقبل على التعليم برغبة صادقة، ويرى أنه الوسيلة الوحيدة التي توصله إلى الرقي المنشود وتحقيق الأماني القومية.

والأمن مستتب في السودان على رغم قلة رجال الحفظ؛ وهذا يرجع إلى أن السوداني ليس شريراً بطبيعته. ويدهشك أن ترى المساجين يسيرون ووراءهم رجل البوليس وهم غير مقيدين بأغلال. وبعضهم يشتغل بخدمة الموظفين الحكوميين بأنمنونهم على متاعهم وأرواحهم. والغريب أنهم لا يفكرون في الهرب وهم مطلقو السراح. . .

والحياة الاجتماعية تختلف باختلاف المدن، فالمدنية تكاد تكون غربية في العواصم مثل الخرطوم، وشرقية في المدن التي أكثر سكانها من الوطنيين مثل أم درمان اما أهل الجنوب الزنوج فتكاد تكون معيشتهم فطرية.

أما المعيشة فاللحوم والطيور والأسماك رخيصة جداً. ويبلغ ثمن أقة اللحم الضأن عشرة قروش. ويوجد من الخضر ما يوجد في مصر، ولكن أسعارها هي والفاكهة أكثر ارتفاعاً. وهنا أزمة مساكن أشد مما هي في مصر والايجارات أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

أما جو السودان فإنه جميل جداً في مدى ثمانية شهور، فمن نوفمبر إلى منتصف ابريل جفاف واعتدال، وهذا هو وقت الشتاء. ويبدأ الحر من أواخر إبريل إلى أواخر يونيو، ولكن عندما ترتفع درجة الحرارة تسقط الأمطار فتلطف الجو. أما يوليو وأغسطس فإنهما أجمل الشهور في السودان: جو ممطر منعش وطبيعة ساحرة فاتنة. ولا أغالي إن قلت إن الجو خلال هذين الشهرين لا يقل عن جو الأسكندرية صيفاً، ويمتاز عليه بالأمطار الملطفة. وتنقطع الأمطار في سبتمبر. وقد يسقط فيه مطر خفيف يسميه الأهالي (الرشاش) أو مطر (البُخَات) أي السعداء لأنه قد ينزل في مزرعة ولا ينزل في نفس الوقت في

ص: 36

المزرعة التي تجاورها تماماً. وخلال سبتمبر حتى معظم أكتوبر يكون الجو مشبعاً بالرطوبة اللطيفة، وتكثر في الهواء الحشرات المختلفة الألوان والأشكال وهي غير ضارة. . .

والطبيعة في السودان فاتنة جذابة؛ فهناك أرض الجزيرة بأقطاها ومحصولاتها المختلفة، وفي كروفان تتجلى البداوة بإبلها التي تسير على الكثبان الرملية الصفراء والابقار والأغنام والماعز في مراعيها الجميلة التي تنبتها الأمطار؛ والجنوب بمياهه التي تنساب في الوديان صاغية تنبت الخيرات وتجعل الأرض جنة بما فيها من الثمار المنوعة المتوافرة وغيرها من خيرات الله الوفيرة التي لو استغلت لجعلت السودان من أغنى الأقطار.

هذه لمحة خاطفة عن السودان غرضي منها أن يتعرف أبناء وطني حقيقة هذا الشطر الجنوبي من وادي النيل الذي نجهل عنه المصريون الشيء الكثير.

الأبيض_السودان

إيليا حليم حنا

دبلوم عال في التربية

دبلوم صحافة

ص: 37

‌البدر

للأستاذ عتمان حلمي

قل لي إذا اسطعت أيها البدر

هل لك سر وما هو السر

ظلت من أول الزمان على

صمتك لم يفش سرك الدهر

مستبشر الوجه في العيون إذا

رنت وفيها الرجاء والبشر

أو عابساً في عيون من عبسوا

أو ساخراً عم نورك السخر

كنت مع الأولين في زمن

ولى وولوا فما لهم ذكر

وأنت في الآخرين ترمقهم

بمقلة ملء لحظها حِذْر

باق على الدهر ما لسعيك من

نهاية في السرى ولا عصر

وعمرك الدهر في الوجود ولو

أن المدى في حسابنا شهر

تمر في رجعة فما لهمُ

مروا ولم يرجع الألُي مروا

أبليت في الأرض من مررت بهم

ولم تزل أنت أنت يا بدر

كم عاشق سره ضياؤك إن

أساءه من حبيبه هجر

ناجيته في ظلام وحشته

نجوى ضريب أضره الفكر

وشاعر هام من ضيائك في

خياله واستخفه الشعر

سمعت في البعد همس مهجته

بكل ما قد أجنَّه الصدر

وكاد من فرحة ومن طرب

يجن سكراً وما به سكر

أشعت من نشوة السرور به

بالنور ما لا تشيعه الخمر

في مقلتيك اللتين أبصرتا

كل تليد وطارف ختر

عند ابتسامي أرى ابتسامهما

وشع في الذعر منهما الذعر

قل ليَ كم شامخ مررت به

أصابه بعد رفعة حَدْر

هوى وران الثرى عليه ولم

يبق لَعمري لأمره أمر

سيان في الأرض روضة أُنف

لديك إما مررت أو قبر

ألم ترعك القبور صامتة

وقد غدت ما لعدها حصر

وأنت في وحشة تمر على

رُقودها والرقود لم يدروا

ص: 38

ما بالهم طال ليلهم وأبى

من طوله أن يعوده فجر

وما لهم قد رضوا برقدتهم

وهل لهم في رضائهم عذْر

يا هول سر ظللت تكتمه

عنا ولم يفش سرك الدهر

عثمان حلمي

ص: 39

‌الأدب والفنّ في اسبُوع

(اليونسكو)

يزور مصر الآن الدكتور جوليان هكسلي المدير العام للمؤسسة الدولية للتربية والعلوم ولاثقافة (المعروفة باليونسكو) وقد حضر إلى مصر يعد زيارة طويلة لسائر البلاد العربية وتركيا وإيران، حيث اجتمع بهيئاتها الثقافية والتعليمية تمهيداً للمؤتمر القادم لهذه المؤسسة الذي سيعقد بلبنان في اواخر هذا الصيف.

وقد ألقى الدكتور هكسلي محاضرة عن (اليونسكو) وأغراضها في الجمعية الجغرافية يوم الأحد الماضي، فبين كيف نشأت فكرتها والمراحل التي مرت بها إلى الآن، قال إن فكرة المؤسسة نبتت في لندن خلال الحرب، إذ رأى جماعة من رجال التعليم والثقافة من مختلف الأمم أن يقوموا بمجهود فكري لتحقيق السلام العالمي، ورأو أن السبيل إلى ذلك هو العمل على تآلف الثقافات لإزالة الريبة بين الشعوب، لأن أسباب الحرب تنشأ في الذهن فلابد من التقريب بين الأذهان والعقول ليتحقق حسن التفاهم والإخاء. ولما انعقد مؤتمر سان فرنسيسكو في سنة 1945 وتباحث بعض أعضائه في شئون التعليم - نص في ميثاقه على إنشاء مؤسسات للعناية بمشاكل التربية، تكون مستقلة مع بعض الاتصال بهيئة الأمم المتحدة.

وقد انعقد مؤتمر الهيئة العام لأول مرة بباريس في العام الماضي، فقرر السعي لإصلاح بعض نظم التربية في بعض الدول، قصد الوصول إلى التعاون الفكري الصحيح، وكان من قراراته:

1 -

تنظيم حملة عالمية للقضاء على الأمية بتحديد المستوى الأدنى للتعليم في جميع الأمم.

2 -

تنظيم بحوث عالمية للكشف عن الدوافع النفسية والاجتماعية التي دفعت العالم إلى التطاحن في الحرب العالمية.

3 -

العمل على إزالة الحواجز المانعة من التعاون الفكري بين الأمم المتنافسة.

الدكتور هكسلي:

والدكتور هكسلي مدير (اليونسكو) في الستين من عمره، وهو كاتب وشاعر وعالم بيولوجي، له مؤلفات في العلوم والآداب والاجتماع، منها كتاب (نحن الأوربيين) الذي فند

ص: 40

فيه نظريات النازي العنصرية تفنيداً يقوم على أسس علمية صحيحة، وله دراسات قيمة في مشورعات الإصلاح الاجتماعية. ومن آرائه في المشكلات العالمية أن الانتصار في الحرب لا يؤدي حتما إلى إنقاذ المدنية من الخطر الذي يهددها، وإنما الذي يكفل إنقاذها هو مقدرتها على إزالة أسباب الخوف والظلم واليأس، وهي تستطيع تحقيق هذه الغاية إذا وضعت نصب أعينها أن المجتمع البشري يتألف من كل لا يتجزأ تتوازن فيه الحقوق والواجبات وأن القيم الاقتصادية في هذا المجتمع يجب أن تخضع للاعتبارات الاجتماعية.

مصر و (اليونسكو):

وقد انضمت مصر إلى المؤسسة منذ نشأتها، فقد اشترك الدكتور محمد عوض محمد بك في اجتماعاتها الأولى بباريس، وكان له جهود كبيرة في وضع منهج العمل للجنة العلوم الاجتماعية إحدى لجان المؤسسة. ويمثل مصر الآن إلى مساعيه التي كللت بالنجاح في اعتبار اللغة العربية من لغات المؤسسة الرسمية. ولمصر في باريس مكتب أنشأته وزارة المعارف المصرية ليكون على اتصال دائم بسكرتارية (اليونسكو) فيبلغ الوزارة مشروعات الهيئة وبرامجها وما ترغب إطلاع الحكومة المصرية عليه من مقترحاتها وقراراتها، ويبلغ الهيئة ما تريد الحكومة المصرية إبلاغها إياه من مثل هذه المقترحات والقرارات.

للتعريف العالمي:

وقد رغب الدكتور هكسلي إلى معالي وزير المعارف، أن يزوده بأسماء الهيئات الثقافية والفنية والعلمية المصرية، حكومية وغير حكومية، وأسماء الشخصيات الهامة من علماء وأدباء وكتاب وفنانين، ممن يجب أن يعرفهم العالم.

وتعمل الآن في إعداد ذلك إدارة التسجيل الثقافي التابعة للادارة العامة للثقافة بوزارة المعارف.

الدكتور طه حسين:

كانت هيئة (اليونسكو) أرسلت إلى الدكتور طه حسين بك تدعوه إلى اجتماع لجنة ترجمة الآثار الأدبية العالمية الذي سيعقد في باريس ابتداء من 18 مايو الحالي. وقد سافر الدكتور طه يوم الخميس الماضي إلى فرنسا لهذا الغرض.

ص: 41

مجلة الكاتب المصري:

وقد أعلن الدكتور طه في الأهرام قبل سفره، باعتباره رئيس تحرير مجلة (الكاتب المصري) - أن إدارة المجلة قررت وقف إصدارها (لأسباب لا تتصل بمحرريها ولا بقرائها).

وقد علمت أن دار الكاتب المصري ستتوقف أيضاً عن أعمال النشر التي تقوم بها إلى جانب إصدار المجلة، بعد أن تفرغ مما هي بصدده. وواضح من عبارة الدكتور طه (لأسباب لا تتصل بمحرريها ولا بقرائها) أن احتجاب المجلة قد يرجع إلى الناحية المادية.

ومن الإنصاف أن أقول أن إنتاج دار الكاتب المصري ومجلتها، لم يكن يختلف - من حيث اللون العام - عن إنتاج المجلات الأدبية ودور النشر الأخرى.

وقد أشار الدكتور طه في بيانه الوجيز إلى الملتقى بينه وبين القراء في ميدان آخر، ويقال إنه سينضم إلى مجلة أدبية شهرية أخرى، وقد يتولى رياسة تحريرها.

طريقة جديدة:

أعادت إحدى هيئات النشر والتوزيع، طبع كتاب (صندوق الدنيا) للأستاذ المازني، وظهرت في الصحف إعلانات عنه منوعة مختلفة الصيغ والأشكال، وجاء في أحدها للتمثيل على محتويات الكتاب:

(الجدة التي لبست مريلة وذهبت إلى المدرسة).

(حلاق القرية يحلق على الأرض للأستاذ المازني).

(أبو الخوارق وابن الزوابع يتضاربان على العمم).

(الشيخ الذي (زغزغه) المازني ففقد وقاره).

وهذه الطريقة في الإعلان مجدية فعلا في التشويق إلى الكتاب؛ ولإقبال الناس على مؤلف للأستاذ المازني أثره في التثقيف والانتفاع من القراءة الأدبية. ولكن متتبعا - مثلي - لشؤون الأدب والثقافة، لا يصح أن يغفل تسجيل أمر جديد كهذا. . . فقد كان مثل هذه الطريقة يتبع من قبل في مؤلفات ينادي عليها الباعة بمثل (المرأة التي أكلت ذراع زوجها!) دون أن يثبت مؤلفوها أسماءهم عليها.

ص: 42

أما الجديد فهو الإعلان بمثل ذلك عن مؤلفات أدبية معروفة لأدباء معروفين كالمازني. ولست أعترض، ولكني - كما قلت - أسجل. . .

من طرف المجالس:

غشيت مجلس ثلة من الأدباء، فلاحظت أنهم إذا قدم عليهم قادم جديد، عرفه أحدهم باسمه، ثم يقول لأصحابه في شبه همس: أبو نواس! أو يقول: ابن الرومي!

ثم علمت أنهم اصطلحوا على ذلك، فإذا كان القادم من غير أهل الخير وليس من ذوي الوفاء فهو ممن يصفهم أبو نواس بقوله:

وقح، تواصوا بترك البر بينهم

تقول: ذا شرهم، بل ذاك، بل هذا

وإن كان وفيا لإخوانه، فهو من أصحاب ابن الرومي القائل:

وخلين تما بي ثلاثة إخوة

جسومهم شتى وأرواحهم معا

موافين أهواء توافت على هوى

فلو أرسلت كالنبل لم تعد موقعا

إذا ما دعا منا خليل خليله

بأفديك لبانا مجيباً فأسمعا

من طرف الإذاعة:

لست أدري لم عادت الإذاعة إلى ما كانت قد تركة من تقديم بعض الشعراء (المحبوبين لديها) ليقرأوا من أشعارهم! فقد سمعت أخيراً أحد هؤلاء يذيع قطعا قديمة مختلفة من شعره، ينتهي من قطعة، فيذكر عنوان أخرى ويلقيها، وهكذا. . فذكرني هذا الصنيع بما يفعله (شكوكو) حين ينتقل من (سلم لترماي) إلى (اللباريق) و (حسن أبو علي سرق المعزة)!!

وسمعت في حوار بأحد (البرامج الخاصة) من يقول: نحن ياسيدي قوم بدائيون! وهذا البرنامج أخرجه فلان الفلاني ووضعه فلان آخر، وبطبيعة الحال راجعه مراجع وأقره؛ فلم يتنبه أحد من هؤلاء إلى أن الذي يفهم أن هناك بدائيين وغير بدائيين - لا يصح أن يكون بدائيا!

أدب المناسبات:

كتب الأستاذ محمود تيمور بك كلمة في (الزمان) بعنوان (أدب المناسبات) قال فيها: (جرت

ص: 43

أقلام طائفة من الكتاب على الغض من شأن القطع الفنية، بحجة أنها وليدة مناسبات كانت راهنة، وأكثر ما اتجهت إليه سهام هذا النقد شعر المراثي والمدائح ونحوها).

وناقش الأستاذ تيمور هذه القضية إلى أن قال: (والمقياس الصحيح للفصل في تلك القضية الأدبية أن الفنان بين حالتين:

(حالة قدرة على استحياء الموضوع أيا كان، واستجابة حقة للاستنامة الذاتية التي يحيا بها الموضوع في قرارة النفس. وفي هذه الحالة من القدرة والاستجابة ينجلي التعبير وتتبين مرتبته: غثاً كان أم سمياً.

(وأما الحالة الأخرى فهي حالة الحمل على النفس، وتكليفها أن تستشعر ما لا تحس، دون أن تكون منها استجابة، ودون أن تأذن للموضوع بأن يحيا بين حناياها حياة حقة. وفي هذه الحالة الأخرى يخرج التعبير سقطاً لا روح فيه، وفجا لا مذاق له، يبدو عليه أثر التصنع والكذب).

الفن المعاصر:

أقام جماعة من الشباب الفنانين المصرين، معرضاً لأعمالهم في التصوير والنحت بدار إدارة خدمة الشباب تحت رعاية معالي وزير المعارف، وقد افتتحه معاليه في الأسبوع الماضي، ويشرف على المعرض الأستاذ حسين يوسف أمين وهؤلاء الشبان (جماعة الفن المعاصر) هم: ابراهيم مسعودة، وكمال يوسف، وسمير رافع، وعبد الهادي الجزار، ومحمود خليل، وسالم عبد الله الحبشي، وماهر رائف، وحامد ندا، وهم جميعاً يتجهون بفن التصوير اتجاهاً جديداً يساير التطور الفكري وينتفع بالثقافات الحديثة، فلم يعد الفن المعاصر يتمشى مع مجرد تسجيل المناظر للهو والرفاهية وإنما هو يقوم على غزو الطبيعة وسيطرة العلم والوعي بالأوضاع الاجتماعية وبمدى ارتباط الفن بالحياة.

وهؤلاء الفنانون، وإن جمعتهم مدرسة فنية واحدة، يسلك كل منهم في إنتاجه مسلكا يلائم شخصيته. وأروع ما في هذه المعرض أنك تلاحظ ذاتية الفنان في لوحته، ويبدو لك في كثير من هذه اللوحات عمق فلسفي ونظرات فنية موضوعية، وإن كان بعضها غير مفهوم. . . لي على الأقل.

المجمع العلمي العراقي:

ص: 44

أنشئ بالعراق في أوائل هذا العام مجمع جديد هو (المجمع العلمي العراقي) وقد اختير لرياسته الأستاذ محمد رضا الشبيي. وأعراض هذا المجمع هي:

1 -

العناية بسلامة اللغة العربية والعمل على جعلها وافية بمطالب العلوم والفنون وشئون الحياة الحاضرة.

2 -

البحث والتأليف في آداب اللغة العربية وتاريخ العرب والعراقيين ولغاتهم وعلومهم وحضارتهم.

3 -

دراسة علاقة الشعوب الإسلامية بنشر الثقافة العربية.

4 -

حفظ المخطوطات والوثائق العربية النادرة وإحياؤها.

5 -

البحث في العلوم والفنون الحديثة وتشجيع الترجمة والتأليف وبث الروح العلمي في البلاد.

العباس

ص: 45

‌البَريدُ الأدَبي

كلمة أخيرة في تعدد الزوجات:

لا أدري فيم يخالفني صديقي الأستاذ زكي الدين بدوي، وقد وافقني

على أن لولي الأمر أن يمنع من تعدد الزوجات بمنع سماع الدعوى في

أكثر من زوجة واحدة، فليس بعد هذا إلا ما يراه من أن هذا طريق

سلبي لا تعلق له بحل ولا بحرمة، ولو صح هذا لما كان هناك معنى

لثورة كثير من العلماء كلما شرع ولي الأمر في منع سماع الدعوى في

مثل ذلك. والحقيقة أن منع سماع الدعوى في مثل ذلك يراد به منع

الناس منه، وبهذا يرى بعض العلماء أن ما أباحه الله للناس لا يصح

منعهم منه ولو بالمنع من سماع الدعوى فيه، ولا يصح لولي الأمر أن

يتبرم به أو يحاول الحجر فيه على الناس بأية وسيلة، وهذا إلى أن

القاضي كان يباح له شرعاً سماع الدعوى في مثل ذلك، بل كان يجب

عليه أن يسمعها ويحكم فيها بحكم الله تعالى، لأن القاضي يجب عليه

شرعاً سماع الدعوى من صاحبها، ويجب عليه شرعاً أن يحكم فيها

بما أنزل الله من أمرها، فإذا منعه ولي الأمر من سماعها كان في ذلك

تحريم لما أباحه الله له، بل لما أوجبه عليه، فيثور كثير من العلماء

لذلك أيضاً، ويرون فيه خروجاً على الدين، وانتهاكا لحرمة الشرع،

فكيف بعد هذا كله يرى الأستاذ زكي الدين بدوي أن المنع من سماع

الدعوى طريق سلبي لا تعلق له بحل ولا بحرمة.

وقد وافقني الأستاذ زكي الدين بدوي أيضاً على أن هناك من يقول بحق ولي الأمر في النهي عن المباح، ولكنه ذكر أنه لم يرد عنهم أن هذا يجري فيما وردت بحله نصوص

ص: 46

تفصيلية محكمة في الكتاب والسنة كما هو الحال في تعدد الزوجات. ولا شك أنه لا فرق بين مباح ومباح في ذلك النهي، ونحن إنما نرى النهي عن المباح عند الحاجة إليه، وعند إساءة المسلمين استعماله، وإذا كان في ذلك خلاف بين العلماء فمن الواجب على الأستاذ المتخصص في الشريعة الإسلامية والقانون من جامعات الأزهر وباريس وفؤاد أن يكون مع من يعطي ولي الأمر هذا الحق، لما فيه من المرونة في التشريع، وعدم الوقوف في المباح عند حالة واحدة، ولو تغيرت الظروف والأحوال وصارت الإباحة فيها مصدر بلوى للمسلمين، وهو بهذا أجدر من الأستاذ الذي تخرج بين جدران الأزهر فقط، ولم يشاهد جامعات باريس وفؤاد.

لقد كان الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع طلقة واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر، وفي صدر خلافة عمر، ولكن الناس خالفوا ذلك فأوقعوه ثلاثاً، فأمضاه عمر عليهم عقوبة لهم، وأخذ الأئمة الأربعة بحكم عمر في ذلك، فحرموا على الناس الرجعة بعد الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وقد كانت مباحة لهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر وفي صدر خلافة عمر. فليدع الأستاذ زكي الدين بدوي القافلة تسير؛ لأنه لا يصح من مثله أن يضع في طريقها العقبات.

عبد المتعال الصعيدي

إلى علماء الدين وأساتذة التاريخ:

يا أصحاب الفضيلة والسادة! ما قولكم - جعلكم الله أنصاراً للحق على الدوام - فيما جاد في مقال الأستاذ حيدر الشيرازي أحد موظفي المجلس الحسبي بمصر المنشور في صحيفة منبر الشرق في عددها 479 في 22 المحرم سنة 1367 5 دسمبر سنة 1947 في الصفحة الخامسة بأن (مدينة النجف كانت جبلا وهو الذي قال فيه ابن نوح سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، فأوحى الله إليه: يا جبل، أيعتصم بك مني؟ فتقطع قطعا قطعاً وصار رملاً ثم بحراً عظيما كان يسمى (ني) ثم جف فسمى (ني جف) أي نجف؛ وإن الخليفة هارون الرشيد علم بموضع قبر الإمام علي كرم الله وجهه فأمر أن تبنى قبة فبنيت القبة ونقشت وفرشت وأضيئت؛ وإن الخمر إذا دخلت مدينة النجف انقلبت خلا؛ وإن الكلب لا

ص: 47

يدخلها، وإن نادر شاه حاول إدخال كلب معه فقاوم الكلب حتى قتله نادرشاه، وحاول إدخال النبيذ فانقلب خلا) هذا ما يقوله الأستاذ الفاضل الشيرازي فما هي كلمة العلم الصحيح والتاريخ الأمين يا علماء المسلمين والعرب؟

(الرياض)

ابن سلوم

حرمة القرآن:

قرأت في عدد من الرسالة قصيدة لشاعر معروف في ذكرى الزعيم مصطفى كامل جاء فيها هذا البيت:

لك سيرة يتلو الشباب فصولها

كالآي من ياسين والأحقاف

فحز في نفسي هذا التشبيه، وكنت أود لهذا الشاعر أن يتجنب مثل هذه التشبيهات التي لا تليق بجلال كتابنا الكريم. ولست أدري لم يلقي الشعراء بأنفسهم إلى هذا المأزق الضيق؟ ويتقحمون في هذا المسلك الوعر؟ إن كان هو قصد الإطراف والإجادة، فليعلموا أن مثل هذه التشبيهات مما يسخف بها الشعر ويسمح، فإن من سمات الشعر الجيد ألا يمس الشعور العام في أية ناحية من نواحيه، ولاشك أن المتدينين يجدون شيئاً كثيراً من الإمتعاص والإسمئزار حين يقرأون أمثال هذه التشبيهات التي تسلك بعض كلام البشر مع القرآن الكريم في قَرَن.

وأنا أعرف أن الذي ساق بعض شباب الجيل إلى مثل هذه التعبيرات السمجة هو ما قاله شوقي في رثاء إسماعيل صبري:

لو كان للقرآن بعدُ بقية

لم تأت بعد رثيت في الأعراف

ولكن من قال أن كل شيء جاء من شاعر كبير كشوقي أو كالمعري يكون أصلا يحتذيه الناشئون، على أن الذي دعاني إلى أن أكتب هذه الكلمة هو أن هذا الشاعر نفسه ذكر هذا المعنى في رثاء شوقي، فهو يقول عن شعره:

رب تلميذه أكب عليه

مثل أكبابه على قرآنه

فإذا تجاوزنا هذا الشاعر إلى غيره من ناشئة الجيل وجدناهم منساقين في هذا التيار، لا

ص: 48

يشعرون بما في مثل هذه من حمق وسخافة. سمعت مرة شاعراً يمدح عظيما فيقول: (تخذوك بعد إلههم معبوداً).

وقرأت لآخر في هذه الأيام يمدح شيخاً جليلا فيقول:

شمس تضيء المشرقين كأنها

شمس الرسول سماؤها أم القرى

هو نفحة الرحمن أرسله هدى

للعالمين ورحمة وتبصرا

إلى ترهات كثيرة، وأباطيل مستقبحة من أمثال هذه التشبيهات الجريئة، وإني أحب أن أعلم من لم يكن يعلم أن مقام القرآن ومقام الرسول أحق بالصيانة، وأجدى ألا يوضع واحد منهما في هذه الموازين.

علي العماري

مبعوث الأزهر إلى المعهد العلمي بأم درمان

من وصايا أبي تمام:

من أعجب ما قرأت وصية أبي تمام - شاعر المعاني - للوليد بن عبيد البحتري - تلميذه - قال (تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، وأحسن الأوقات لتأليف شيء أو حفظه وقت (السحر). .). قلت: وفي جمل أبي تمام الثلاث - رحم الله أبا تمام - أخطاء ثلاثة:

1 -

جعل للشعر (أو النظم) أوقاتاً ومواعيد!

2 -

وأقاد أن النظم يحسن ويلطف على قلة هم وغم!

3 -

ثم ثلث أثافيه بأن (السحر) أحسن أوقات النظم والتأليف!

والمشاهد أن وصية (مولد المعاني) إن هي إلا وصية صانع لصبي يعلمه الصنعة فيقول - بعد الذي سبق من القول (وكن كأنك خباط يقطع الثوب على مقادير الأجسام) ولا يقول كما قال بشر بن المعتمر: (وعاوده عند نشاطك) فإنك لا تعدم الإجابة والمواناة إن كانت هنالك طبيعة أو جريت في الصناعة على عرق. .).

وبعد: فقد أذكرني هذا القول أو هذه الوصية (التمامية) ما نراه في هذه الأيام من شعر الصنعة أو شعر (المناسبات) الذي يقال في كل آت من الحادثات أيا كانت الحادثات. فلينق

ص: 49

الله الشعراء والشاعرات!

(الزيتون)

عدنان

العزة بالاسم:

وقعت في مقالي (بين الشيوخ والشباب) بالعدد الماضي من الرسالة - هنات مطبعية يدركها القارئ بفطنته، ولكن الفقرة التالية جاءت هكذا:(تناقش يا سيدي وجهاً لوجه وتدفع الحجة بالحجة، أو تسكت إن أخذتك العزة بالإثم) وكانت هذه العبارة موجهة للأستاذ توفيق الحكيم، لتجنبه مواجهة من ينقده. وواضح أنه لا يأتي بذلك إثماً حتى يعتز به، وإنما أصل التعبير (إن أخذتك العزة بالاسم) وهذا هو المقصود بطبيعة السياق.

عباس خضر

ص: 50

‌الكُتبُ

أبو الهول يطير

تأليف الأستاذ محمود تيمور بك

للدكتور أحمد فؤاد الأهواني

عندما قرأت هذا العنوان في إعلانات الصحف قلت لعل الأستاذ تيمور يعني بأبي الهول نفسه، فهو رمز المصري كما هو رمز الصمت. وفي التسمية دلالة لا بأس بها، فنحن نستعير كثيراً من الأشياء المصرية كالنيل والأهرام وما إلى ذلك دلالة على القومية المصرية. حتى إذا شرعت في قراءة الكتاب اتضح لي أني كنت واهما فيما ذهبت إليه، لأن المؤلف لا يقصد نفسه بهذه الاستعارة، وإنما يقصد الطائرة التي أقلته من مصر إلى أمريكا، أو إلى الولايات المتحدة على وجه التحديد، بلاد الحضارة والمدنية الحديثة، أو الدنيا الجديدة كما يقولون.

ولا ريب في أن أمريكا تستحق من الشرق أن يتعرف إليها، بعد أن أصبحت محط أنظار العالم، وبعد أن انتقلت إليها الحضارة العلمية الحديثة، فانتهت إلى كشف القنبلة الذرية، فسبقت بذلك سائر الدول التي كانت تحمل لواء العلم والمدنية.

كنا إذن في حاجة إلى معرفة هذه الدولة العظيمة الناشئة، وما فيها من نظم اجتماعية، وأحوال عمرانية، وتقاليد يصطبغ بها أهلها، وعادات تشيع في سكانها.

وهذا ما فعله الأستاذ محمود تيمور بك في كتابه (أبو الهول يطير). صور فيه رحلته إلى تلك البلاد، وسجل ما شاهده في السماء والأرض، والفندق والشارع، والمطعم والملهى، وفي كل مكان، وفي كل ركن من الأركان، فكان الناقل الأمين الذي شاهد بعين المصري الشرقي تلك البلاد الجديدة الغريبة.

فهي إذن رحلة (أمريكانية) كان من الخير أن يصورها لنا المؤلف في هذا الأسلوب الطائر، حتى تلائم ما عرفناه عن أمريكا التي تحسب حساب السرعة والزمن في كل عمل. فإذا كان ابن بطوطة أو ابن جبير يقطع الواحد منهما الرحلة في أعوام، فلا عجب أن تجد محمود تيمور يقطعها في شهور. وأن يصل من القاهرة إلى نيويورك في ساعات.

ص: 51

نقول إن عين الشرقي هي التي سجلت ما في هذا الكتاب من كتب وأطياف وظلال. والشرقي مؤمن بطبعه، وكان الشرق مهبط الأديان منذ قديم الزمان. انظر معي إلى ما يقوله تيمور في صفحة 80 (مازال حديث السماء على تطاول الزمن، وتراوف الحقب، وتطور العقول، هو صاحب السلطان الأول على المشاعر والنفوس. . . لطالما سمعنا فلاسفة الفكر ينادون بأن العقيدة الدينية على وشك الانهيار، ولكننا لا نلبث أن تواجهنا حقائق تسخر من هذا الزعم الموهوم. . . إن العقيدة، مثلها كمثل كرة المطاط، إذا قذفت بها ورأيتها جادة في هويها إلى الأرض لم تحسب لها من رجوع. ولكنك لا تعتم أن تراها قد وثبت إليك في عنفوانها أقوى مما كانت من قبل. . .).

فأنت ترى أن الرحلة لا تصف المشاهد الحسية فحسب، بل تذههب إلى أعماق الحقائق الروحية، فيحدثنا صاحبها عن الفلسفة والعقيدة والإيمان بالله، والدفاع عن الأديان.

على أننا ننكر على الأستاذ تيمور قوله: إن فلاسفة الفكر ينادون بالإلحاد، فهي تهمة لصقت بالفلاسفة وهم منها براء. وقد قيل مثل ذلك عن ابن رشد فيلسوف قرطبة، ووقع في محتة شديدة كادت أن تودي به. على أنا نرى أن الفلاسفة كانوا دعائم العقائد يقوونها بسند الفكر والبرهان، كما فعل ديكارت في براهينه الرياضية في إثبات وجود الله.

وقد نقلت العبارة السابقة من الكتاب لغرض آخر غير هذا النقد الذي وجهته، ذلك أني أحببت أن أعرض على القارئ لوناً من أسلوب الكاتب في كتابته.

ولقد صحبت تيمور في قصصه منذ زمن بعيد، فقرأت له تلك (الأفصوصات)، ويعنون بذلك القصة الصغيرة، مثل (مكتوب على الجبين وقصص أخرى) و (أبو علي وقصص أخرى). فكنت أعجب به قاصاً، كما أعجبت به كاتب رحلة. والميزان ومبعث الإعجاب عندي هو تلك اللذة التي تشعر بها عند قراءة هذه القصص، فلا تكاد تبدأ في قراءتها حتى تنتهي إلى نهايتها، دون شعور بملل أو سأم، بل يدفعنا فيها دافع قوي من الشغف والتلهف على تتمة القصة.

وقد يختلف النقاد في الحكم على أدب تيمور وقصصه، ولا أعد هذا الخلاف مطعناً عليه، فكل أديب مشهور لابد أن يكون موضع الخلاف بين النقاد، وكذلك كان شوقي في شعره، رفعه بعض الحكام إلى مرتبة الإمارة في الشعر، وقال البعض الآخر إنه ناظم لا روح فيه.

ص: 52

يقول النقاد الذين لا يعجبهم أدب تيمور إنه شعبي ينزل إلى مستوى الجمهور لا في غباراته وأساليبه فحسب، بل في ألفاظه.

ونحن نرى أن هذه السهولة السهلة هي التي يتميز بها قلم تيمور، والتي تجعل له طابعاً خاصاً يميزه عن غيره،

ولم تمتع السهولة أن يكون صاحبها أديباً، بل نحن في حاجة إلى هذا اللون الذي يبعد بنا عن الأدب التقليدي، وعن ترسل الجاحظ، وسجع ابن العميد؛ ذلك لأننا في عصر يجعل جمال الموضوع في صدقه وقوة تعبيره، ولا حاجة بنا إلى التزويق والتأنق والتكلف مما يصرف الكاتب والقارئ معا عن لذة الفكر الخالص.

وهذا الأستاذ أحمد أمين لا يتكلف بل يكتب أنه يتحدث فيعرض ألوان الفكر الإسلامي منذ فجر الإسلام وضحاه، فأفاد واستفاد منه الناس في غير عناء. وهذا المازني لا يغرب ولا يتأنق بل تحس كأنه يخاطب العامة، ومع ذلك فهو أديب لم يطعن في أدبه طاعن، ولم يقل قائل إن أسلوبه غير بليغ. أليست البلاغة كما قال ابن المقفع (هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحس مثلها فإذا حاول عجز). . .

محمود تيمور إذن من هذا الطراز الذي يجري قلمه بما يجيش في صدره، وما تختلج به نفسه، وما تراه عينه، فتقرأ له كأنك تستمع إليه.

وأكبر الظن أنه يصطنع بعض الألفاظ العامية المستملحة التي لا نجد لها نظيراً في الفصحى، لأنه يريد ذلك، أو يريد أن يدخل هذه الألفاظ في قاموس اللغة العربية حتى تندرج فيها. وهذا مذهب لا بأس به.

وهو كذلك يستعمل بعض الألفاظ الجديدة التي استحدثت، ولعله بتسجيلها يدفع إليها مع الزمن الحياة. أنظر إليه وقد نزل في باريس وذهب إلى مقهى (كافيه دلابيه) المشهور إذ يقول (لنتناول قدحاً من تلك القهوة الممزوجة باللبن، مفخرة هذا المشرب البعيد الصيت. . . ولنحظ بجلسة نستعيد فيها ذكريات الماضي المحبب، وننقل النظر في الغادين والرائحين من أهل باريس، نتملى بما يبدونه من أناقة ورشاقة وظرف، وهم يتزاحمون على طوار الطريق. . .)

وفي هذه العبارة التي ننقلها لفظتان جديدتان، المشرب وهو يعني المقهى، والطوار أي

ص: 53

الترتوار.

وعلى هذا النسق تجد عشرات وعشرات من الألفاظ يجريها في أثناء التعبير، فلا تحس فيها غضاضة أو تكلفا. وهذا فضل لا ينكر في تذليل اللغة العربية لألفاظ الحضارة الحديثة.

وبعد، فإني أحب القارئ أن يمتطي متن هذا الكتاب، ليطير به في جواء الفكر، وينقله إلى الدنيا الجديدة ليسعد فيها بعض لحظات.

أحمد فؤاد الأهواني

(الرسالة): آفة النقد عندنا الترديد والتقليد. فالدكتور الأهواني

يردد نغمة قديمة لم يبق لها في الآذان رجع. كان النقاد

يأخذون على أسلوب الأستاذ تيمور في نتاجه الأول أنه أقرب

إلى العامية في ألفاظه وتراكيبه، فانتقش هذا الرأي في أذهان

الناس، وصرفهم الكسل العقلي عن استئناف النظر فيه

بالموازنة والنقد، فلم يلاحظوا تطور أسلوب الكاتب على

إدمان الجهد وكر السنين، من الابتذال إلى السمو، ومن

السهولة إلى الجزالة، فيما كتب بعد ذلك من مقالات وقصص.

ومن أثر هذا الجمود العقلي أن الناس قد اعتقدوا في كل كاتب

من كتابنا، وزعيم من زعمائنا، رأياً لا يتحولون عنه ولا

يتغيرون منه. فلو كان عندما نقد يجاري التطور، ولنا رأي

يساير النهوض، لحكمنا على الكاتب بآخر ما يقول، وعلى

ص: 54

الزعيم بآخر ما يعمل. ويظهر أن الأستاذ الناقد يخلط بين

السهولة والابتذال؛ فان السهولة من الصفات الجوهرية

للبلاغة، ولا يعيبها على الكاتب إلا مجذوب من مجاذيب

الصوفية، أو مجنون من مجانين الرمزية

ص: 55

‌القَصصُ

المنبوذة

للكاتب الفرنسي جي دي موباسان

عندما دخلت استراحة المسافرين بمحطة لوبان؛ صوبت أولى نظراتّي إلى الساعة، فرجدت أنه لا يزال أمامي متسع من الوقت حتى يصل قطار باريس السريع. وشعرت فجأة بالإجهاد كأني قطعت عشرة فراسخ سيراً على الأقدم. فنظرت حولي لعلي أرى على الجدران ما أقتل به الوقت فلم أجد شيئاً. فخرجت ووقفت أمام مدخل المحطة، وأنا أقلب الفكر فيما يرفه عن نفسي إلى أن يصل القطار.

كان الطريق أمامي قد نمت على جانبيه أشجار الفتنة بين صفين من مختلف المنازل الصغيرة، وقد ارتفع الطريق صعداً؛ فبدت نهايته كأنها حديقة بعيدة.

وكان مقفراً إلا من هرة تتسكع في الطريق في خفة، وكلب يسرع في مشيته يشتم قوائم الأشجار باحثاً عن فضلات الطعام. . .

واجتاحتني موجة حزينة من الشعور بالخيبة. ما العمل. . .؟ ما العمل؟ وجدت أنه لا مفر لي من الانتظار الممل بمقهى المحطة الصغير. وتصورت نفسي جالساً وأمامي قدح من الخمر لم تمسه شفتاي، وجريدة محلية عافت نفسي قراءتها، عند ما بدت أمامي جنازة قادمة من شارع جانبري لتخترق ذلك الطريق أمامي.

شعرت عندئذ أن منظر مركبة الموتى قد فرج عن نفسي.

لقد ربحت على الأقل عشر دقائق من فراغي الطويل. وتضاعفت فجأة انتباهي عند ما شاهدت الميت لا يشيعه سوى ثمانية رجال كان أحدهم يبكي في حرارة والآخرون يثرثرون ويتحدثون أثناء سيرهم. ولم يشترك في الجنازة أي قس. ففكرت وأنا أخاطب نفسي (هاهوذا دفن مدني) ولكن سنح لي خاطر: ما بال المئات من ذوي الأفكار الحرة الذين يعيشون في البلدة لا يشتركون في إبداء شعورهم في مثل هذه المناسبة؟ إن سير هذه القافلة السريع قد دل على أنهم سيدفنون الفقيد دون احتفال ديني.

ودفع بي فضول إلى افتراض فرض معقد بعيد. ولكن؛ بينما كانت المركبة تمر أمامي، إذ بفكرة تنبعث في خاطري هي أن أشيع المركبة مع هؤلاء المشيعين وبذلك أشغل من وقتي

ص: 56

الضائع ساعة على الأقل؛ فسرت وأنا أتظاهر بالحزن خلف الآخرين.

والتفت آخر اثنين منهم إلي في دهشة، ثم تحدثا في صوت خافت. فاعتقدت أنهما يتساءلان عن سبب وجودي وأنا الغريب عن هذه البلدة. ثم استتارا الاثنين اللذين أمامهما؛ فالتفتا ناحيتي يتطلعان أليَّ في فضول. فضايقني ذلك الأمر، وعزمت على أن أضع حداً له؛ فاقتربت منهم، وقلت بعد أن بادلتهم التحية:(أرجو المعذرة أيها السادة إذا كنت قد قطعت عليكم حديثاً، ولكني عندما شاهدت الجنازة دفعت نفسي إلى اللحاق بها دون سابق معرفة بالفقيد الذي تشيعونه)

فرد أحدهم قائلا (أنها فقيدة).

فدهشت، وسألت:(إذن هي جنازة مدنية، أليس كذلك؟).

فأجاب آخر يشرح لي قليلا: (نعم، ولا. أن القس رفض أن ندخل بها الكنيسة).

فبدرت مني آهة من الدهشة لأني لم أفهم ما يعني.

فصرح قائلاً في صوت خافت: (إنها قصة محزنة. إن هذه الشابة قد انتحرت. وهذا هو السبب في عجزنا عن إجراء الطقوس الدينية قبل دفنها. إن من تراه يبكي هنا هو زوجها)

فقلت بعد تردد (إنك لتدهشني وتثير فضولي. هل أنتهك سرا إذا ما رجوت أن تقص على هذه القصة؟ إذا كنت تشعر بأن ذلك فضولا مني فاعتبر كلامي كأن لم يكن).

فأخذ الرجل بذراعي دون كلفة وقال: (كلا. . ليس ما يمنع أن أسرد عليك وقائعها. فلنبطيء في السير قليلا حتى نكون آخر المشيعين، ولدينا من الوقت ما يكفي للسرد قبل أن نصل إلى المقبرة عند الأشجار التي تشاهدها هناك)

ثم طفق يحدثني قائلا (تصور أن هذه المرأة الشابة السيدة بول هامون كانت ابنة أحد التجار الأثرياء السيد فونتانلي. وكان قد حدث لها حادث رهيب وهي في سن الحادية عشرة. لقد اعتدى عليها خادم، وكادت تموت خزيا وعارا من ذلك الحادث الأليم. وأظهرت المحاكمة الرهيبة أن تلك المسكينة كانت ضحية ذلك الوحش مدة ثلاثة أشهر. فحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.

ونمت الفتاة الصغيرة وقد تلطخت بالعار، منبوذة، وحيدة، بلا رفيقات ولا عطف وأصبحت أمام الأهلين كأنها مسخ أو أعجوبة من الأعاجيب. كانوا يتحدثون عنها في همس،

ص: 57

ويتكلمون عن (الصغيرة فونتانل) في غمز، ويديرون ظهورهم عند رؤيتهم لها في الطريق. حتى المربيات، كان أكثرهن يأبين الالتحاق بخدمتها. وكانت العائلات تبتعد عنها كأنها وباء تخشى أن تنشره الفتاة فيسري إلى من بالقرب منها.

أي شفقة تعتريك لو كنت قد شاهدت هذ الطفلة المسكينة وهي تراقب الأولاد يمرحون ويلعبون في الساحة بعد ظهر كل يوم. كانت تجلس وحيدة أو تقف بجانب خادمتها تشاهد حزينة ما يحدث دون أن تشترك مع الأولاد في لهوهم. وعندما كانت تنتابها نزوة من الأغراء لا تقاوم، كانت تتقدم في خجل وخوف وتدخل في زمرتهم في خطوات مترددة، وكانها شاعره بعارها. وسرعان ما ينهض الأمهات والعمات والمربيات من مقاعدهن ويأخذن بأيدي الأولاد ويجذبنهم بشدة بعيدا عنها، وتبقى الصغيرة فونتانل وحيدة، والهة القلب، مذهولة، ثم تنفجر باكية وقد امتلأ قلبها شجنا، وأخيراً تسرع إليها خادمتها تخفي وجهها المخضل بالدمع في مئزرها.

وكبرت الفتاة وازدادت حالتها سوءا. وكان الناس يحولون بينها وبين مثيلاتها من الفتيات كما لو كانت مصابة بالطاعون. ولم يكن لدى الفتاة شيء تتعلمه، لا شيء البتة. لقد قُطفت الثمرة المحرمة قبل أوانها وامتلأ جسمها بالأنوثة قبل أن يحين ذلك الوقت الذي تحاول فيه كل فتاة أن تقرأ المستقبل المجهول في وجه الرجل ليلة الزفاف.

كانت كلما عبرت الطريق بصحبة مربيتها، ينظر إليها الناس وهم في خشية منها، فتغض الطرف شاعرة بالعار الذي يثقل كاهلها. وكانت الفتيات الساذجات الغريرات يتغامزن عند رؤيتها في خفية، ويحولن أنظارهن عنها كلما التقت أعينهن بعينيها.

وكانوا قليلا ما يحيونها، ويتظاهرون بعدم رؤيتهم لها. حتى الصبية كانوا ينادونها (مدام باتست) اسم ذلك الخادم الذي اعتدى على عفافها.

كانوا لا يعرفون مقدار العذاب الذي تعانيه هذه الفتاة. فقد كانت قليلة الكلام لا تبتسم مطلقاً. حتى أهلها، كانوا يضيقون بها كأنهم يحقدون عليها من جراء تلك الهفوة الشنعاء. إن الرجل الفاضل لا يمد يده بمحض ارادته إلى المجرم الذي أُفرج عنه، ولن كان ابنه، أليس كذلك؟ وعامل السيد والسيدة فونتانل ابنتهما كأنها من طريدات السجون.

كانت جميلة، شاحبة اللون، ذات قامة هيفاء، وسمت وقور. ولو لم يكن ذلك الحادث لكنت

ص: 58

من المعجبين بها.

ولما قدم الحاكم إلى البلدة بعد غياب ثمانية عشر شهراً استحضر معه سكرتيراً خاصاً، وهو شاب غريب الأطوار كان يعيش في الحي اللاتيني بباريس. فرأى الآنسة فونتانل وأحبها. وقصوا عليه قصتها فلم يأبه بها؛ بل قال إن ذلك يضمن مستقبلها.

وغازلها ثم طلب يدها وتزوجها. وكان لا يخجل من التزاور معها؛ فكان البعض يرد الزيارة، والبعض يحجم عنها.

وسار الحادث مع الزمن في طريق النسيان، وأخذت السيدة مقامها في المجتمع. وكانت تعبد زوجها كما لو كان إلهاً. أم يرد إليها شرفها؟ ألم يقاوم المجتمع ويكافح الناس من أجلها، ويواجه الإهانات بسببها؟ لقد كان يقوم بدوره في شجاعة قل أن تجدها في الرجال.

وحملت فتفتحت أمامها الأبواب كأنما تطهرت تماماً بالأمومة، إن ذلك لشيء مضحك. ولكنها الحياة!

وسار كل شيء في طريقه العادي، حتى حانت حفلة البلدة السنوية، وأقبل الحاكم يحيط به سكرتيره وحواشيه وأصحاب الجاه لتوزيع الجوائز على المتسابقين، وأنت تعرف بالطبع ما يحدث من خلاف ومنافسة وغيرة بين الناس في مثل هذه الحفلات، وما أكثر أن يفقد البعض رشدهم. كان كل سيدات البلدة قد حضرن لمشاهدة هذه الحفلة. وتقدم رئيس فرة الموسيقى لبلدة دي مورميون؛ فقلده بول هامون وساماً من الدرجة الثانية. فقذف رئيس الفرقة بالوسام في وجه السكرتير صائحاً (احتفظ به لباتست - فأنت مدين له ولي بوسامين من الدرجة الأولى).

كان هناك حشد كبير من الناس فسرعان ما ضجوا بالضحك كان جمهوراً خشناً غير مهذب، واتجهت كل الأنظار صوب السيدة المسكينة. أواه يا سيدي، ألم تشاهد قط امرأة جنت؟ لقد كنت بين الحاضرين في تلك الحفلة، وشاهدتها وهي تحاول النهوض فتسقط على مقعدها ثلاث مرات متتالية، كأنها تريد الهرب فيقيدها عجزها عن اختراق هذه الجموع المتكاثرة المحيطة بها. وسمعت صوتاً من جهة ما يصيح:(أهلا. . . أهلا. . . بمدام باتست) فضج بعض الناس بالضحك واشمأز البعض الآخر. وهبت عاصفة من الضوضاء والهرج، واهتزت الرؤوس وترددت الأصوات، وتطلعت الأنظار تشاهد وجه

ص: 59

تلك التعسة، وحمل الرجال زوجاتهم على أذرعتهم ليشاهدنها، وتساءل الناس أيهن؟ أيه تلك التي ترتدي ثوباً أزرق اللون؟ وكان الأولاد يصيحون صياح الديكة، وانفجر القوم يضحكون ضحكات عالية، ولكنها لم تتحرك من مكانها، كانت جالسة في ذهول على المقعد الوثير كأنها ساعة خصصت لهذه الحفلة تتطلع إليها الأنظار، ولم تستطع حراكا، ولم تتمكن من إخفاء وجهها. كانت جفونها تنطبق ثم تنفتح كأن هناك ضوءا باهراً يحرق عينيها. ولهثت كأنها جواد يصعد مرتفعا من الأرض. كان كل هذا يمزق قلبي تمزيقاً.

وأخذ السيد هامون برقبة رئيس فرقة الموسيقى ذلك الشخص الوقح وألقاه على الأرض وسط الضوضاء الهائلة. وتوقف الاحتفال، وبعد ساعة كان السيد هامون في طريقه إلى الدار برفقة زوجه. كانت مرتجفة الجسد صامتة لم تفه بكلمة واحدة. وفجأة تسلقت حاجز الجسر دون أن يتمكن زوجها من منعها، ثم ألقت بنفسها في النهر.

واستغرق إخراجها ساعتين من ذلك الماء العميق. كانت بالطبع قد فارقت الحياة).

صمت المتحدث لحظة ثم عاد بعدها يقول (ربما كان من الأفضل لها أن تصل إلى هذه النهاية المؤلمة. فإن هناك أشياء تحدث فلا يمكن محوها. وهأنذا عرفت الآن لماذا رفض القس أن يفتتح أبواب الكنيسة لها. فإنه لو كان الدفن دينياً لشيع الجنازة كل أهل المدينة. ولكن ذلك الانتحار وتلك القصة الأليمة حملت العائلات على الاحجام عن تشييع الجنازة. ولذلك كان من الصعب أن يشيعها القس.

وعبرنا باب المقبرة؛ وانتظرت في تأثر بالغ نزول الناووس في القبر لأقترب من ذلك الشاب المسكين الذي كان يبكي وينتحب. وشددت على يده معزيا، فنظر إليَّ في دهشة من خلال دموعه ثم تمتم قائلاً:(شكراً يا سيدي، شكراً).

ولم آسف أبداً على اشتراكي في تشييع هذه الجنازة.

الإسكندرية

محمد فتحي عبد الوهاب

ص: 60